الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٤٧ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 48 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٧ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لكونهما بشرين كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر تشابهت قلوبهم.
يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) فنتبعهما ( وَقَوْمُهُمَا ) من بني إسرائيل ( لَنَا عَابِدُونَ ) يعنون : أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون &; 19-36 &; لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك : عابدا له.
ومن ذلك قيل لأهل الحيرة: العباد؛ لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) .
..
الآية، نذهب نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك، وذلك حين أتوهم بالرسالة، وقرأ: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ قال: العلوّ في الأرض.
لا يوجد تفسير لهذه الأية
{ فَقَالُوا } كبرا وتيها، وتحذيرا لضعفاء العقول، وتمويها: { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } كما قاله من قبلهم سواء بسواء، تشابهت قلوبهم في الكفر، فتشابهت أقوالهم وأفعالهم، وجحدوا منة الله عليهما بالرسالة.
{ وَقَوْمُهُمَا } أي: بنو إسرائيل { لَنَا عَابِدُونَ } أي: معبدون بالأعمال والأشغال الشاقة، كما قال تعالى: { وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } فكيف نكون تابعين بعد أن كنا متبوعين؟" وكيف يكون هؤلاء رؤساء علينا؟" ونظير قولهم، قول قوم نوح: { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ } { وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ } من المعلوم أن هذا لا يصلح لدفع الحق، وأنه تكذيب ومعاندة.
( فقالوا ) يعني فرعون وقومه ، ( أنؤمن لبشرين مثلنا ) يعني : موسى وهارون ، ( وقومهما لنا عابدون ) مطيعون متذللون ، والعرب تسمي كل من دان للملك : عابدا له .
«فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون» مطيعون خاضعون.
فقالوا: أنصدِّق فَرْدَيْن مثلنا، وقومهما من بني إسرائيل تحت إمرتنا مطيعون متذللون لنا؟
ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الغرور والتكبر من فرعون وملئه فقال : ( فقالوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) وهما موسى وهارون ( وَقَوْمُهُمَا ) أى : بنو إسرائيل الذين منهم موسى وهارون ( لَنَا عَابِدُونَ ) أى : مسخرون خاضعون منقادون لنا كما ينقاد الخادم لمخدومه .فأنت ترى أن فرعون وملأه ، قد أعرضوا عن دعوة موسى وهارون ، لأنهما - أولاً - بشر مثلهم ، والبشرية - فى زعمهم الفاسد - تتنافى مع الرسالة والنبوة ، ولأنهما - ثانياً - من قوم بمنزلة الخدم لفرعون وحاشيه ، ولا يليق - فى طبعهم المغرور - أن يتبع فرعون وحاشيته من كان من هؤلاء القوم المستضعفين .قال الآلوسى : " وقوله : ( فقالوا ) عطف على ( استكبروا ) وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار ، والمراد : فقالوا فيما بينهم .
.
.
وثنى البشر لأنه يطلق على الواحد كقوله - تعالى - ( بَشَراً سَوِيّاً ) وعلى الجمع ، كما فى قوله : - تعالى - ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً .
.
.
) ولم يئن ( مِثْل ) نظرا إلى كونه فى حكم المصدر ، ولو أفرد البشر لصح ، لأنه اسم جنس يطلق على الواحد وغيره ، وكذا لو ثنى المثل ، فإنه جاء مثنى فى قوله : ( يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين ) ومجموعاً كما فى قوله : ( .
.
.
ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم ) وهذه أحوالهم ، بناء على جهلهم بتفاصيل شئون الحقيقة البشرية ، وتباين طبقات أفرادها فى مراقى الكمال .
.
.
ومن عجب أنهم لم يرضوا للنبوة ببشر ، وقد رضى أكثرهم للإلهية بحجر .
.
.
" .
القصة الرابعة: قصة موسى عليه السلام: اختلفوا في الآيات فقال ابن عباس رضي الله عنهما هي الآيات التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفلاق البحر والسنون والنقص من الثمرات، وقال الحسن قوله: ﴿ بئاياتنا ﴾ أي بديننا واحتج بأن المراد بالآيات لو كانت هي المعجزات والسلطات المبين أيضاً هو المعجز فحينئذ يلزم عطف الشيء على نفسه والأقرب هو الأول لأن لفظ الآيات إذا ذكر في الرسل فالمراد منها المعجزات، وأما الذي احتجوا به فالجواب: عنه من وجوه: أحدها: أن المراد بالسلطان المبين يجوز أن يكون أشرف معجزاته وهو العصا لأنه قد تعلقت بها معجزات شتى من انقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربها بها وكونها حارساً وشمعة وشجرة مثمرة ودلواً ورشاء، فلأجل انفراد العصا بهذه الفضائل أفردت بالذكر كقوله جبريل وميكال.
وثانيها: يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات وبالسلطان المبين كيفية دلالتها على الصدق، وذلك لأنها وإن شاركت سائر آيات الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قوة موسى عليه السلام.
وثالثها: أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى عليه السلام عليهم في الاستدلال على وجود الصانع وإثبات النبوة وأنه ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً.
واعلم أن الآية تدل على أن معجزات موسى عليه السلام كانت معجزات هرون عليه السلام أيضاً، وأن النبوة كما أنها مشتركة بينهما فكذلك المعجزات، ثم إنه سبحانه حكى عن فرعون وقومه صفتهم ثم ذكر شبهتهم أما صفتهم فأمران أحدهما: الاستكبار والأنفة والثاني: أنهم كانوا قوماً عالين أي رفيعي الحال في أمور الدنيا، ويحتمل الاقتدار بالكثرة والقوة وأما شبهتهم فهي قولهم: ﴿ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عابدون ﴾ قال صاحب الكشاف لم يقل مثلينا كما قال: ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ ﴾ ولم يقل أمثالهم وقال: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ ولم يقل أخيار أمة كل ذلك لأن الإيجاز أحب إلى العرب من الإكثار والشبهة مبنية على أمرين: أحدهما: كونهما من البشر وقد تقدم الجواب عنه والثاني: أن قوم موسى وهرون كانوا كالخدم والعبيد لهم قال أبو عبيدة العرب تسمى كل من دان لملك عابداً له ويحتمل أن يقال إنه كان يدعي الإلهية فادعى أن الناس عباده وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة ثم بين سبحانه أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب وهو المراد من قوله: ﴿ فَكَذَّبُوهُمَا ﴾ .
ولما كان ذلك التكذيب كالعلة لكونهم من المهلكين لا جرم رتبه عليه بفاء التعقيب فقال وكانوا ممن حكم الله عليهم بالغرق فإن حصول الغرق لم يكن حاصلاً عقيب التكذيب، إنما الحاصل عقيب التكذيب حكم الله تعالى بكونهم كذلك في الوقت اللائق به.
أما قوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ فقال القاضي معناه أنه سبحانه خص موسى عليه السلام بالكتاب الذي هو التوراة لا لذلك التكذيب لكن لكي يهتدوا به فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا أن يهلكوا، واعترض صاحب الكشاف عليه فقال لا يجوز أن يرجع الضمير في لعلهم إلى فرعون وملائه لأن التوراة إنما أوتيها بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون وملائه بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الأولى ﴾ بل المعنى الصحيح: ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها ومواعظها فذكر موسى والمراد آل موسي كما يقال هاشم وثقيف والمراد قولهما.
<div class="verse-tafsir"
البشر يكون واحداً وجمعاً: ﴿ بَشَراً سَوِيّاً ﴾ [مريم: 17] ، ﴿ لِبَشَرَيْنِ ﴾ ، ﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر ﴾ [مريم: 26] و (مثل) و (غير) يوصف بهما: الاثنان، والجمع، والمذكر، والمؤنث: ﴿ إِنَّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ ﴾ [النساء: 140] ، ﴿ وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 12] ويقال أيضاً: هما مثلاه، وهم أمثاله: ﴿ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ﴾ [الأعراف: 194] .
﴿ وَقَوْمُهُمَا ﴾ يعني بني إسرائيل، كأنهم يعبدوننا خضوعاً وتذللاً.
أو لأنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة، وأن طاعتهم له عبادة على الحقيقة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا ﴾ ثَنّى البَشَرَ لِأنَّهُ يُطْلَقُ لِلْواحِدِ كَقَوْلِهِ ﴿ بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ كَما يُطْلَقُ لِلْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا ﴾ ولَمْ يُثَنِّ المَثَلَ لِأنَّهُ في حُكْمِ المَصْدَرِ، وهَذِهِ القِصَصُ كَما نَرى تَشْهَدُ بِأنَّ قُصارى شُبَهِ المُنْكِرِينَ لِلنُّبُوَّةِ قِياسُ حالِ الأنْبِياءِ عَلى أحْوالِهِمْ لِما بَيْنَهم مِنَ المُماثَلَةِ في الحَقِيقَةِ وفَسادُهُ يَظْهَرُ لِلْمُسْتَبْصِرِ بِأدْنى تَأمُّلٍ، فَإنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ وإنْ تَشارَكَتْ في أصْلِ القُوى والإدْراكِ لَكِنَّها مُتَبايِنَةُ الأقْدامِ فِيهِما، وكَما تَرى في جانِبِ النُّقْصانِ أغْبِياءَ لا يَعُودُ عَلَيْهِمُ الفِكْرُ بِرادَّةٍ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في طَرَفِ الزِّيادَةِ أغْنِياءُ عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّعَلُّمِ في أكْثَرِ الأشْياءِ وأغْلَبِ الأحْوالِ، فَيُدْرِكُونَ ما لا يُدْرِكُ غَيْرُهم ويَعْلَمُونَ ما لا يَنْتَهِي إلَيْهِ عِلْمُهم، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ ﴾ .
﴿ وَقَوْمُهُما ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿ لَنا عابِدُونَ ﴾ خادِمُونَ مُنْقادُونَ كالعِبادِ.
﴿ فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ ﴾ بِالغَرَقِ في بَحْرِ قُلْزُمَ.
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ التَّوْراةَ.
﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ لَعَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ، ولا يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِأنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ بَعْدَ إغْراقِهِمْ.
﴿ يَهْتَدُونَ ﴾ إلى المَعارِفِ والأحْكامِ.
<div class="verse-tafsir"
{فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا} البشر يكون واحد جميعا ومثل وغير يوصف بهما الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث {وَقَوْمُهُمَا} أي بنو إسرائيل {لَنَا عابدون} خاضعون مطيعون وكل من دان الملك فهو عابد له عند العرب
﴿ فَقالُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى (اِسْتَكْبَرُوا ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرَّرٌ لِلِاسْتِكْبارِ، والمُرادُ فَقالُوا فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ المُناصَحَةِ ﴿ أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا ﴾ ثَنّى البَشَرَ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَشَرًا سَوِيًّا ﴾ ويُطْلِقُ عَلى الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا ﴾ ولَمْ يُثَنَّ مِثْلَ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ في حُكْمُ المَصْدَرِ، ولَوْ أفْرَدَ البَشَرَ لَصَحَّ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، وكَذا لَوْ ثَنّى المَثَلَ فَإنَّهُ جاءَ مُثَنًّى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ ﴾ ومَجْمُوعًا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ ﴾ نَظَرًا إلى أنَّهُ في تَأْوِيلِ الوَصْفِ إلّا أنَّ المُرَجَّحَ لِتَثْنِيَتِهِ الأوَّلُ وإفْرادُهُ الثّانِي الإشارَةُ بِالأوَّلِ إلى قِلَّتِهِما وانْفِرادِهِما عَنْ قَوْمِهِما مَعَ كَثْرَةِ المَلَإ واجْتِماعِهِمْ وبِالثّانِي إلى شِدَّةِ تَماثُلِهِمْ حَتّى كَأنَّهم مَعَ البَشَرَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ وهو أدَلُّ عَلى ما عَنَوْهُ.
وهَذِهِ القِصَصُ كَما تَرى تَدَلُّ عَلى أنَّ مَدارَ شِبْهِ المُنْكِرِينَ لِلنُّبُوَّةِ قِياسُ حالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أحْوالِهِمْ بِناءً عَلى جَهْلِهِمْ بِتَفاصِيلِ شُؤُونِ الحَقِيقَةِ البَشَرِيَّةِ وتَبايُنِ طَبَقاتِ أفْرادِها في مَراقِي الكَمالِ ومَهاوِي النُّقْصانِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَعْضُها في أعْلى عِلِّيِّينَ وهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيِّدُونَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقُونَ لِصَفاءِ جَواهِرِهِمْ بِكِلا العالَمَيْنِ اللَّطِيفِ والكَثِيفِ فَيَتَلَقَّوْنَ مِن جانِبٍ ويُلْقُونَ إلى جانِبٍ ولا يَعُوقُهُمُ التَّعَلُّقُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى حَضْرَةِ الحَقِّ وبَعْضُها في أسْفَلِ سافِلِينَ وهم كَأُولَئِكَ الجَهَلَةُ الَّذِينَ هم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا.
ومِنَ العَجَبِ أنَّهم لَمْ يَرْضَوْا لِلنُّبُوَّةِ بِبَشَرٍ، وقَدْ رَضِيَ أكْثَرُهم لِلْإلَهِيَّةِ بِحَجَرٍ فَقاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ما أجْهَلَهُمْ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ أيْ لا نُؤْمِنُ لَبِشَرَّيْنِ مِثْلِنا ﴿ وقَوْمُهُما ﴾ يَعْنُونَ سائِرَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ لَنا عابِدُونَ ﴾ خادِمُونَ مُنْقادُونَ لَنا كالعَبِيدِ فَفي ﴿ عابِدُونَ ﴾ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ نَظَرًا إلى مُتَعارَفِ اللُّغَةِ.
ونَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّ العابِدَ بِمَعْنى الخادِمِ حَقِيقَةً، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَن دانَ لِلْمَلِكِ عابِدًا، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَةِ العِبادَةِ فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فادَّعى لِلنّاسِ العِبادَةَ عَلى الحَقِيقَةِ.
واعْتَرَضَ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ المَلَإ وهو يَأْبى ذَلِكَ، وكَوْنُهم قالُوهُ عَلى لِسانِ فِرْعَوْنَ كَما يَقُولُ خَواصُّ مَلِكٍ: نَحْنُ ذَوُو رَعِيَّةٍ كَثِيرَةٍ ومُلْكٍ طَوِيلٍ عَرِيضٍ ومُرادُهم أنَّ مَلِكَنا ذُو رَعِيَّةٍ إلَخْ خِلافَ الظّاهِرِ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ القائِلُ فِرْعَوْنُ: لا يَلْزَمُ مِنِ ادِّعائِهِ الإلَهِيَّةِ عِبادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ أوْ كَوْنُهُ يَعْتَقِدُ أوْ يَدَّعِي عِبادَتَهم عَلى الحَقِيقَةِ لَهُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَتى سَلَّمَ أنَّ القائِلَ فِرْعَوْنُ وأنَّهُ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ لا يَقْدَحُ فِي إرادَتِهِ حَقِيقَةُ العِبادِ عَدَمُ اعْتِقادِهِ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ كَثِيرًا ما يَظْهَرُ خِلافَ ما يُبْطِنُ حَتّى أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ دَعْواهُ الإلَهِيَّةَ مِن ذَلِكَ، نَعَمِ، الأُولى تَفْسِيرٌ ﴿ عابِدُونَ ﴾ بِخادِمُونَ وهو مِمّا يَصِحُّ إسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وكَأنَّهم قَصَدُوا بِذَلِكَ التَّعْرِيضِ بِشَأْنِ الرَّسُولَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ وحَطَّ رُتْبَتَهُما العَلِيَّةَ عَنْ مَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ البَشَرِيَّةِ، واللّامُ في ﴿ لَنا ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِعابِدُونَ قَدَّمَتْ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وقِيلَ لِلْحَصْرِ أيْ لَنا عابِدُونَ لا لَهُما، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ( نُؤْمِنُ ) مُؤَكِّدَةٌ لِإنْكارِ الإيمانِ لَهُما بِناءً عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ المُؤَسِّسِ عَلى قِياسِ الرِّياسَةِ الدِّينِيَّةِ عَلى الرِّياسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الدّائِرَةِ عَلى التَّقَدُّمِ في نَيْلِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ المالِ والجاهِ كَدَأْبِ قُرَيْشٍ حَيْثُ قالُوا: ﴿ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ وجَهْلُهم بِأنَّ مَناطَ الِاصْطِفاءِ لِلرِّسالَةِ هو السَّبْقُ في حِيازَةِ النُّعُوتِ العَلِيَّةِ والمَلِكاتِ السُّنِّيَّةِ الَّتِي يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعالى بِها عَلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا، يعني: بعضها على إثر بعض.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو تَتْرَى بالتنوين، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الراء بغير تنوين، وقرأ الباقون بنصب الراء وبغير تنوين وهو التواتر.
قال مقاتل: كلّ ما في القرآن «تترى وَمِدْرَاراً وَأَبَابِيلَ وَمُرْدِفِينَ» ، يعني: بعضها على إثر بعض.
قال القتبي: أصل تترى وتراً، فقلبت الواو تاءً كما قلبوها في التقوى والتخمة، وأصلها وتراً، والتخمة وأصلها أوخمت.
ثم قال عز وجل: كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً بالهلاك الأول فالأول، فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي أخباراً وعبراً لمن بعدهم، ويقال: فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم، يتحدثون بأمرهم وشأنهم وقال الكلبي: ولو بقي واحد منهم لم يكونوا أحاديث.
فَبُعْداً لِلْهَالِكِ ويقال: فسحقاً لِقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ، يعني: لا يصدقون.
قوله عز وجل: ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا التسع، وَسُلْطانٍ مُبِينٍ يعني: بحجة بينة إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ أي: قومه فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تعظموا عن الإيمان والطاعة، وَكانُوا قَوْماً عالِينَ يعني: متكبرين.
فَقالُوا أَنُؤْمِنُ يعني: أنُصدق لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا؟
يعني: خلقين آدميين.
وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ، يعني: مستهزئين ذليلين.
فَكَذَّبُوهُما، يعني: موسى وهارون عليهما السلام، فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ يعني: صاروا مغرقين في البحر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ ؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ وعِبادَتِهِ، ﴿ وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ ﴾ ؛ أيْ: قاهِرِينَ لِلنّاسِ بِالبَغْيِ والتَّطاوُلِ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ﴾ ؛ أيْ: مُطِيعُونَ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَن دانَ لِمَلِكٍ فَهو عابِدٌ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ ﴾ ﴿ فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ ﴾ "ثُمْ" هُنا عَلى بابِها لِتَرْتِيبِ الأُمُورِ واقْتِضاءِ المُهْلَةِ، و"الآياتُ" الَّتِي جاءَ بِها مُوسى وهارُونُ هي اليَدُ والعَصا اللَتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَحَدِّي، وهُما "السُلْطانُ المُبِينُ"، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ بِبَنِي إسْرائِيلَ.
و"المَلَأُ": هَهُنا: الجَمْعُ، يَعُمُ الأشْرافَ وغَيْرَهُمْ، و"اسْتَكْبَرُوا" مَعْناهُ: عَنِ الإيمانِ لِمُوسى وأخِيهِ -عَلَيْهِما السَلامُ- لِأنَّهم أنِفُوا مِن ذَلِكَ.
و"عالِينَ" مَعْناهُ: قاصِدِينَ العُلُوَّ بِالظُلْمِ والكِبْرِياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "عابِدُونَ" مَعْناهُ: خامِدُونَ مُتَذَلِّلُونَ، ومِن هُنا قِيلَ لِعَرَبِ الحَيْرَةِ: العِبادُ؛ لِأنَّهم دَخَلُوا مِن بَيْنِ العَرَبِ في طاعَةِ كِسْرى، هَذا أحَدُ القَوْلَيْنِ في تَسْمِيَتِهِمْ، والطَرِيقُ المُعَبَّدُ: المُذَلَّلُ، وعُلُوُّ هَؤُلاءِ هو الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ المُهْلَكِينَ ﴾ يُرِيدُ: بِالغَرَقِ.
<div class="verse-tafsir"
الآيات: المعجزات، وإضافتها إلى ضمير الجلالة للتنويه بها وتعظيمها.
والسلطان المبين: الحجة الواضحة التي لقنها الله موسى فانتهضت على فرعون وملئه.
والباء للملابسة، أي بعثناه ملابساً للمعجزات والحجة.
وملأ فرعون: أهل مجلسه وعلماء دينه وهم السحرة.
وإنما جعل الإرسال إليهم دون بقية أمة القبط لأن دعوة موسى وأخيه إنما كانت خطابا لفرعون وأهل دولته الذين بيدهم تصريف أمور الأمة لتحرير بني إسرائيل من استعبادهم إياهم قال تعالى: ﴿ فاتِياه فَقُولا إنَّا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم ﴾ [طه: 47].
ولم يرسلا بشريعة إلى القبط.
وأما الدعوة إلى التوحيد فمقدمة لإثبات الرسالة لهم.
وعطف ﴿ فاستكبروا ﴾ بفاء التعقيب يفيد أنهم لم يتأملوا الدعوة والآيات والحجة ولكنهم أفرطوا في الكبرياء، فالسين والتاء للتوكيد، أي تكبروا كبرياء شديدة بحيث لم يعيروا آيات موسى وحجته أذناً صاغية.
وجملة ﴿ وكانوا قوماً عالين ﴾ معترضة بين فعل ﴿ استكبروا ﴾ وما تفرع عليه من قوله ﴿ فقالوا ﴾ في موضع الحال من فرعون وملئه، أي فاستكبروا بأن أعرضوا عن استجابة دعوة موسى وهارون وشأنهم الكبرياء والعلو، أي كان الكبر خلقهم وسجيتهم.
وقد بينا عند قوله تعالى: ﴿ لآياتتٍ لقوم يعقلون ﴾ في سورة البقرة (164) أن إجراء وصف على لفظ (قوم) أو الإخبار بلفظ (قوم) متبوع باسم فاعل إنما يقصد منه تمكن ذلك الوصف من الموصوف بلفظ (قوم) أو تمكنه من أولئك القوم.
فالمعنى هنا: أن استكبارهم على تلقي دعوة موسى وآياته وحجته إنما نشأ عن سجيتهم من الكبر وتطبعهم.
فالعلو بمعنى التكبر والجبروت.
وسيجيء بيانه عند قوله: ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ في سورة القصص (4).
وبين ذلك بالتفريع بقوله: ﴿ فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ﴾ فهو متفرّع على قوله ﴿ فاستكبروا ﴾ ، أي استكبر فرعون وملؤه عن اتباع موسى وهارون، فأفصحوا عن سبب استكبارهم عن ذلك بقولهم ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ﴾ .
وهذا ليس من قول فرعون ولكنه قول بعض الملإ لبعض، ولما كانوا قد تراوضوا عليه نسب إليهم جميعاً.
وأما فرعون فكان مصغياً لرأيهم ومشورتهم وكان له قول آخر حكي في قوله تعالى: ﴿ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمتُ لكم من إله غيري ﴾ [القصص: 38] فإن فرعون كان معدوداً في درجة الآلهة لأنه وإن كان بشراً في الصورة لكنه اكتسب الإلهية بأنه ابن الآلهة.
والاستفهام في ﴿ أنؤمن ﴾ إنكاري، أي ما كان لنا أن نؤمن بهما وهما مثلنا في البشرية وليسا بأهل لأن يكونا ابنين للآلهة لأنهما جاءا بتكذيب إلهية الآلهة، فكان ملأ فرعون لضلالهم يتطلبون لصحة الرسالة عن الله أن يكون الرسول مبايناً للمرسل إليهم، فلذلك كانوا يتخيلون آلهتهم أجناساً غريبة مثل جسد آدمي ورأس بقرة أو رأس طائر أو رأس ابن آوى أو جسد أسد ورأس آدمي، ولا يقيمون وزناً لتباين مراتب النفوس والعقول وهي أجدر بظهور التفاوت لأنها قرارة الإنسانيَّة.
وهذه الشبهة هي سبب ضلال أكثر الأمم الذين أنكروا رسلهم.
واللام في قوله: ﴿ لبشرين ﴾ لتعدية فعل ﴿ نؤمن ﴾ .
يقال للذي يصدّق المخبر فيما أخبر به: آمن له، فيعدى فعل (آمن) باللام على اعتبار أنه صدّق بالخبر لأجْل المخبر، أي لأجل ثقته في نفسه.
فأصل هذه اللام لام العلة والأجْل.
ومنه قوله تعالى: ﴿ فآمن له لوط ﴾ [العنكبوت: 26] وقوله: ﴿ وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ﴾ [الدخان: 21].
وأما تعدية فعل الإيمان بالباء فإنها إذا علق به ما يدل على الخبر تقول: آمنت بأن الله واحد.
وبهذا ظهر الفرق بين قولك: آمنت بمحمد وقولك: آمنت لمحمد.
فمعنى الأول: أنك صدقت شيئاً.
ولذلك لا يقال: آمنت لله وإنما يقال: آمنت بالله.
وتقول: آمنت بمحمد وآمنت لمحمد.
ومعنى الأول يتعلق بذاته وهو الرسالة ومعنى الثاني أنك صدقته فيما جاء به.
و ﴿ مثلنا ﴾ وصف ﴿ لبشرين ﴾ وهو مما يصح التزام إفراده وتذكيره دون نظر إلى مخالفة صيغه موصوفه كما هنا.
ويصح مطابقته لموصوفه كما في قوله تعالى: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالُكم ﴾ [الأعراف: 194].
وهذا طعن في رسالتهما من جانب حالهما الذاتي ثم أعقبوه بطعن من جهة منشئهما وقبيلهما فقالوا: ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ ، أي وهم من فريق هم عباد لنا وأحط منا فكيف يسوداننا.
وقوله: ﴿ عابدون ﴾ جمع عابد، أي مطيع خاضع.
وقد كانت بنو إسرائيل خَوَلاً للقبط وخدماً لهم قال تعالى: ﴿ وتلك نعمة تمنُّها عليّ أن عبَّدت بني إسرائيل ﴾ [الشعراء: 22].
وتفرع على قولهم التصميمُ على تكذيبهم إياهما المحكي بقوله ﴿ فكذبوهما ﴾ ، أي أرسى أمرهم على أن كذبوهما، ثم فرّعَ على تكذيبهم أن كانوا من المهلكين إذ أهلكهم الله بالغرق، أي فانتظموا في سلك الأقوام الذين أهلكوا.
وهذا أبلغ من أن يقال: فأهلكوا، كما مر بنا غير مرة.
والتعقيب هنا تعقيب عرفي لأن الإغراق لما نشأ عن التكذيب فالتكذيب مستمر إلى حين الإهلاك.
وفي هذا تعريض بتهديد قريش على تكذيبهم رسولهم صلى الله عليه وسلم لأن في قوله: ﴿ من المهلكين ﴾ إيماء إلى أن الإهلاك سنة الله في الذين يكذبون رسله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ قَوْمًا عالِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُتَكَبِّرِينَ، قالَهُ المُفَضَّلُ.
الثّانِي: مُشْرِكِينَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: قاهِرِينَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: ظالِمِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُطِيعُونَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: خاضِعُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: مُسْتَبْعَدُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الرّابِعُ: ما قالَهُ الحَسَنُ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَعْبُدُونَ فِرْعَوْنَ وكانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ الأصْنامَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وكانوا قوماً عالين ﴾ قال: علوا على رسلهم، وعصوا رسلهم، ذلك علوهم.
وقرأ ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ﴾ [ القصص: 83] .
<div class="verse-tafsir"
وذكر تفسير هذا العلوّ فيما (١) ﴿ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أنصدّق إنسانين مثلنا من لحم ودم ليس (٢) (٣) ﴿ وَقَوْمُهُمَا ﴾ يعني بني إسرائيل.
﴿ لَنَا عَابِدُونَ ﴾ قال ابن عباس: مطيعون (٤) (٥) قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابدًا له، ومن ذلك قيل (٦) (٧) (٨) وقال المبرد: العابد: المطيع والخاضع، ومنه اشتق العبد.
ومنه قوله: ﴿ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ﴾ أي: لا تطعه (٩) (١٠) (١) في (أ): (فيها).
(٢) في (ز): (وليس).
(٣) "تفسير مقاتل" ل 31 أوليس فيه قوله (من لحم ودم).
(٤) في (أ): (يطيعون).
(٥) ذكره الثعلبي 3/ 61 ب، والبغوي 5/ 419، وابن الجوزي 5/ 475، وذكره الماوردي في النكت 4/ 55 وعزاه لابن عيسى.
(٦) في (ظ)، (ع): (قال).
(٧) الحيرة -بكسر لحاء ثم سكون الياء-: مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة.
"معجم البلدان" 3/ 376.
(٨) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 589.
والعبارة فيه: وكل من دان لملك هو عابد له، ومنه سمي أهل الحيرة العباد.
أمّا ما ذكره الواحدي (العرب تسمي ...) وكذلك زيادة (لأنهم كانوا أهل طاعة ...
العجم) فهذه العبارة من قول (والعرب ...
العجم) ذكرها الطبري في "تفسيره" 18/ 25 وكذلك الثعلبي 3/ 61 ب.
فالواحدي نقلها إمّا من الطبري أو من الثعلبي وهو الأقْرب، ثم نسبها إلى أبي عبيدة.
والله أعلم.
(٩) في (ظ): (لا تطيعه).
(١٠) انظر: (عبد) في "تهذيب اللغة" للأزهري 2/ 234، 236، "الصحاح" للجوهري 2/ 503.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَوْماً عَالِينَ ﴾ أي متكبرين ﴿ وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾ أي حامدون متذللون ﴿ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ الضمير لبني إسرائيل لا لقوم فرعون، لأنهم هلكوا قبل إنزال التوراة.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.
الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.
الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.
الآخرون بضمها.
الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.
﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.
﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.
التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.
والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.
قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.
وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.
ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.
﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.
وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.
ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.
ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.
قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك ﴾ لبيان المهيت به.
وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.
ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".
وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .
ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.
وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.
والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.
ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.
وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.
وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.
والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.
ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.
وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.
ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.
والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.
ثم ذكر طرفاً من قصة موسى .
عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.
ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.
ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.
أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.
قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.
والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.
ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.
ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.
ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.
والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ﴾ والقصة مشهورة.
فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم ﴾ وقد مر في آخر "يونس".
ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.
واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.
والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.
والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.
عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.
وعن الحسن: فلسطين والرملة.
ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.
وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.
والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.
وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.
وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.
قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.
قوله ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟
فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟
فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.
ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟
فقال : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .
وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.
ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.
وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.
ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.
وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.
وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.
وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.
وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير ﴾ وكلاهما من أسمائه إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.
ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.
والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.
قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.
ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.
وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.
ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.
ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.
ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.
قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.
قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.
قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.
والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.
ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.
وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.
وفيه انه أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.
التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.
"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.
<div class="verse-tafsir"
[قوله:] ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ ﴾ .
قد ذكرناه.
﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ ﴾ .
كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
وقال بعضهم: متكبرين ومتجبرين.
قال أبو عوسجة: هو من العلوّ، ليس من التعالي، والتعالي لا يوصف به الخلق.
قال القتبي: ﴿ تَتْرَا ﴾ ، أي: تتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، والأصل: (وترى)، فقلبت الواو تاء؛ كما قلبوها في (التقوى) و (التخمة) و (التكلان).
وقال أبو عوسجة: ﴿ تَتْرَا ﴾ بعضهم على أثر بعضهم، وهو من المتابعة.
وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ﴾ دلالة أن أهل الفترة، ومن كان فيما بين بعث الرسل - لا عذر لهم في شيء؛ لإبقاء الحجج والبراهين قبل أن يبعث آخر وحسن آثارهم وأعلامهم - أعني: آثار الرسل وأعلامهم - أخبر أنه أرسل الرسل تباعاً: بعضاً على [إثر] بعض، وإن كان بين بعثهم فترة؛ لما أبقى الحجج والبراهين وآثار الرسل وأعمالهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾ .
قال بعضهم: تعجب: نرفعهم بعد ما كنا غالبين عليهم؟!!
نجعلهم غالبين علينا وكانوا لنا عابدين؟!
أي: نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك؟!
وذلك - والله أعلم - حين أتوهما بالرسالة.
﴿ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ﴾ : صاروا من المهلكين بالتكذيب.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ .
يشبه أن يكون حرف (لعل) لموسى، أي: آتينا موسى الكتاب؛ لعلهم يهتدون عنده، و (لعل) حرف رجاء وترج؛ لكن يستعمل مرة: على الإيجاب والإلزام، ومرة: على النهي؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ ، أي: لا تبخع نفسك، وقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ أي: لا تترك بعض ما يوحى إليك، وذلك جار في اللغة؛ يقول الرجل لآخر: لعلك تفعل كذا، أي: لا تفعل، ونحوه، [و] (لعل) من الله يحتمل الإيجاب والإلزام والنهي، ومن الخلق: [يحمل] على النهي والترجي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ﴾ .
خص - عز وجل - عيسى وأمه بأن جعلهما آية، وجميع البشر في معنى الآية واحد؛ إذ خلقوا جميعاً من نطفة، ثم حولت النطفة علقة، والعلقة مضغة، إلى آخر ما ينتهي إليه؛ فيصير إنساناً؛ فالآية والأعجوبة في خلق الإنسان من النطفة ومما ذكرنا إن لم تكن أكثر وأعظم لم تكن دون خلقه بلا أب ولا زوج وما ذكر، لكنه خصّهما بذكر الآية فيهما؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد في الخلق، والعادة الظاهرة فيهم أن يخلقوا من النطفة والأب والتزاوج [والأسباب التي] جعلت للتوالد والتناسل الذي تجري فيما بينهم والأسباب التي جعل للتوالد في الخلق؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد والعادة الظاهرة خصّهما بذكر الآية والأعجوبة في خلق البشر من النطفة، وما ذكر إن لم يكن أكثر وأعظم لم يكن دونه، وهو كما خصّ بني إسرائيل بالخطاب بالشكر؛ لما أنعم عليهم من المن والسلوى، ولما أنجاهم من آل فرعون بقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ ، وقال: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، وقد كان عليهم من النعم ما هو أعظم وأكثر مما ذكر من المنّ والسلوى ونجاتهم من فرعون وآله، لكنه خصّهم بذكر المنّ والسلوى واستأدى منهم الشكر بذلك من بين سائر النعم؛ لأنها خرجت عن المعتاد من النعم المعروفة، وهم كانوا مخصوصين بهذا من بين غيرهم؛ فعلى ذلك عيسى وأمه: كانا خارجين عن الأمر المعتاد ومخصوصين بذلك؛ لذلك خصّهما بذكر الآية، والآية ما ذكر بعض أهل التأويل أنه خلق من غير أب، ولدته أمه من غير فعل أمثالها.
وقال بعضهم: الآية في عيسى: بأن كلم الناس في المهد صبيّاً، ونحوه: من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ومثله.
وقوله: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ .
ذكر أنه آواهما إلى ربوة كما يؤوي الأب والأم الولد إلى مكان يتعيش به؛ إذ الربوة هي مكان التعيش فيه؛ ألا ترى أنه ذكر ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ هو المكان الذي يستقر فيه ويتعيش.
وقوله: ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ ، المعين: هو الماء الجاري الظاهر الذي تأخذه العيون، وتقع عليه الأبصار.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إنما خاطب بهذا محمداً خاصّة، على ما يخاطب هو، والمراد منه: جميع أمته في ذلك.
ولكن جائز أن يقال: خاطب به جميع الرسل؛ لأنهم جميعاً مخاطبون بهذا كله: من أكل الطيبات، والعمل الصالح، هذا الخطاب فيه وفي غيرهم؛ إذ عمهم جميعاً بهذا.
ثم الطيبات يحتمل أن يراد بها الحلالات؛ كأنه قال: كلوا حلالا غير حرام؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، أي: اعملوا صالحاً، ولا تعملوا سيئاً؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ ، أي: كلوا حلالا ولا تأكلوا حراماً: ما خبث.
وفيه أنهم يمتحنون كما يمتحن غيرهم بالأمر والنهي.
ويحتمل - أيضاً - قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ : ما طابت به أنفسكم وتلذذت، فإن كان على هذا فهو يخرج على الإباحة والرخصة، ليس على الأمر، معناه: لكم أن تأكلوا ما تطيب به أنفسكم، ولكم أن تؤثروا غيركم به على أنفسكم.
وإن كان على الأمر فهو على الأمر يخرج والنهي، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ .
ظاهر، وهو وعيد.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .
جائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : في الكتب المتقدمة، وعلى لسان الرسل السالفة؛ كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ، أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة وفي الأمم الماضية؛ فعلى ذلك هذا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: دينكم دين واحد، وملتكم ملة واحدة، وهي الإسلام.
وقال بعضهم: لسانكم لسان واحد.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : لا تختلفون في رسولكم إلى يوم القيامة، كما اختلف الأمم الذين من قبلكم في رسلهم؛ بل تجعلوا رسولكم رسولا على ما هو عليه، وأما سائر الأمم فإنهم قد فرطوا فيهم؛ حتى كان فيهم [من] جعل الرسول ابناً له؛ كقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ ، والنصارى، وأما هؤلاء فإنهم لا يزالون على أمر واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱعْبُدُونِ ﴾ : جائز أن يكونا واحداً، وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّقُونِ ﴾ أي: مخالفتي، ﴿ فَٱعْبُدُونِ ﴾ ، أي: اعبدوني وأطيعوني.
وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ ﴾ و (قطعوا) واحد، وهما لغتان؛ [نحو]: تفرقوا وفرقوا.
﴿ زُبُراً ﴾ : برفع الباء، وزبرا بنصب الباء، قال أبو معاذ: من قرأ بالنصب: ﴿ زُبُراً ﴾ ؛ فمعناه: قطعا؛ كقوله: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ﴾ ، و ﴿ زُبُراً ﴾ بالرفع، أي: كتبا؛ كقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ ، ونحوه.
وقال في حرف ابن مسعود وأبي: (وقطعوا الزبور بينهم).
قال أبو معاذ: (قطعوا) و (تقطعوا): لغتان؛ كَقيلِك: علقت الشيء وتعلقته، وحولت وتحولت، ووليت وتوليت، ونحوه كثير.
[وقوله:] ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ .
راضون أو مسرورون بما لديهم من الدين، أو ما ذكرنا.
<div class="verse-tafsir"
فقالوا: أنؤمن لبشرين مثلنا، لا مزية لهما علينا، وقومهما (بنو إسرائيل) لنا مطيعون خاضعون؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.96PMQ"