الآية ٥٠ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٥٠ من سورة المؤمنون

وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةًۭ وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍۢ ذَاتِ قَرَارٍۢ وَمَعِينٍۢ ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم ، عليهما السلام ، أنه جعلهما آية للناس : أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء ، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم ، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى ، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر ، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى .

وقوله : ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : الربوة : المكان المرتفع من الأرض ، وهو أحسن ما يكون فيه النبات .

وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة .

قال ابن عباس : وقوله : ( ذات قرار ) يقول : ذات خصب ) ومعين ) يعني : ماء ظاهرا .

وقال مجاهد : ربوة مستوية .

وقال سعيد بن جبير : ( ذات قرار ومعين ) : استوى الماء فيها .

وقال مجاهد ، وقتادة : ( ومعين ) : الماء الجاري .

ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة في أي أرض [ الله ] هي ؟

فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ليس الربى إلا بمصر .

والماء حين يرسل يكون الربى عليها القرى ، ولولا الربى غرقت القرى .

وروي عن وهب بن منبه نحو هذا ، وهو بعيد جدا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سفيان ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى : ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) ، قال : هي دمشق .

قال : وروي عن عبد الله بن سلام ، والحسن ، وزيد بن أسلم ، وخالد بن معدان نحو ذلك .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( ذات قرار ومعين ) قال : أنهار دمشق .

وقال ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد : ( وآويناهما إلى ربوة [ ذات قرار ومعين ] ) ، قال : عيسى ابن مريم وأمه ، حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها .

وقال عبد الرزاق ، عن بشر بن رافع ، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : في قوله : ( إلى ربوة ذات قرار ومعين ) قال : هي الرملة من فلسطين .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي ، حدثنا رواد بن الجراح ، حدثنا عباد بن عباد الخواص أبو عتبة ، حدثنا السيباني ، عن ابن وعلة ، عن كريب السحولي ، عن مرة البهزي قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لرجل : " إنك ميت بالربوة " فمات بالرملة .

وهذا حديث غريب جدا .

وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ) ، قال : المعين الماء الجاري ، وهو النهر الذي قال الله تعالى : ( قد جعل ربك تحتك سريا ) [ مريم : 24 ] .

وكذا قال الضحاك ، وقتادة : ( إلى ربوة ذات قرار ومعين ) : هو بيت المقدس .

فهذا والله أعلم هو الأظهر; لأنه المذكور في الآية الأخرى .

والقرآن يفسر بعضه بعضا .

وهو أولى ما يفسر به ، ثم الأحاديث الصحيحة ، ثم الآثار .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ) يقول: وجعلنا ابن مريم وأمه حجة لنا على من كان بينهم، وعلى قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب.

كما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرازق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قَتادة، في قوله: ( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ) قال: ولدته من غير أب هو له، ولذلك وحدت الآية، وقد ذكر مريم وابنها.

وقوله ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ) يقول: وضممناهما وصيرناهما إلى ربوة، يقال: أوى فلان إلى موضع كذا، فهو يأوي إليه، إذا صار إليه; وعلى مثال أفعلته فهو يُؤْويه.

وقوله ( إِلَى رَبْوَةٍ ) يعني: إلى مكان مرتفع من الأرض على ما حوله، ولذلك قيل للرجل ، يكون في رفعة من قومه ، وعزّ وشرف وعدد: هو في ربوة من قومه، وفيها لغتان: ضمّ الراء وكسرها إذا أريد بها الاسم، وإذا أريد بها الفعلة من المصدر قيل : رَبَا رَبْوة.

واختلف أهل التأويل في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة ، وآوَى إليه مريم وابنها، فقال بعضهم: هو الرَّمْلة من فلسطين.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني ابن عمّ لأبي هريرة، يقال له : أبو عبد الله، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة من فلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ).

حدثني عصام بن رَوّاد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عباد أبو عتبة الخوّاص، قال: ثنا يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن ابن وَعْلة، عن كريب قال: ما أدري ما حدثنا مُرَّة البَهزيّ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أن الربوة : هي الرملة.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله: ( إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: هي الرملة من فلسطين.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني أبو عبد الله ابن عمّ أبي هريرة، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة التي بفلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ).

وقال آخرون: هي دمشق.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: زعموا أنها دمشق.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: بلغني، عن ابن المسيب أنه قال : دمشق.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، مثله.

حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثني عبد الله بن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: إلى ربوة من رُبا مصر قال: وليس الرُّبَا إلا في مصر، والماء حين يُرسَل تكون الربا عليها القرى، لولا الربَا لغرقت تلك القرى.

وقال آخرون: هي بيت المقدس.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هو بيت المقدس.

قال ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان كعب يقول: بيت المقدس أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن كعب، مثله.

وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك: أنها مكان مرتفع ذو استواء ، وماء ظاهر، وليس كذلك صفة الرملة؛ لأن الرملة لا ماء بها مَعِين، والله تعالى ذِكْره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومَعِين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ) قال: الربوة: المستوية.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( إِلَى رَبْوَةٍ ) قال: مستوية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

وقوله: ( ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) يقول تعالى ذكره: من صفة الربوة التي آوينا إليها مريم وابنها عيسى، أنها أرض منبسطة وساحة ، وذات ماء ظاهر ، لغير الباطن، جار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن &; 19-39 &; أبيه، عن ابن عباس: ( وَمَعِينٍ ) قال: المعين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا .

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، في قوله: ( ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: المعين: الماء.

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: معين، قال: ماء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصَّلْت، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله: ( ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) قال: المكان المستوي، والمَعِين: الماء الظاهر.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَمَعِينٍ ) : هو الماء الظاهر.

وقال آخرون: عنى بالقرار الثمار.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ( ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) هي ذات ثمار، وهي بيت المقدس.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله قتادة في معنى: ( ذَاتِ قَرَارٍ ) وإن لم يكن أراد بقوله: إنها إنما وصفت بأنها ذات قرار لما فيها من الثمار، ومن أجل ذلك ، يستقرّ فيها ساكنوها، فلا وجه له نعرفه.

وأما( مَعِينٍ ) فإنه مفعول من عِنْته فأنا أعينه، وهو مُعين، وقد يجوز أن يكون فعيلا من مَعَن يمعن فهو معين من الماعون، ومنه قول عَبيد بن الأبرص: وَاهيَـــةٌ أوْ مَعِيـــنٌ مُمْعِـــنٌ أوْ هَضْبَـــةٌ دُونَهـــا لُهُـــوبُ (1) ------------------------ الهوامش : (1) البيت لعبيد بن الأبرص من قصيدته البائية المطولة ( اللسان : معن) واستشهد به المؤلف ، عند قوله تعالى: { وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } .

وقال في اللسان : قال الفراء : ذات قرار : أرض منبسطة .

ومعين الماء : الظاهر الجاري .

قال : ولك أن تجعل المعين مفعولا من العيون ، ( واختاره المؤلف ) ، ولك أن تجعله فعيلا من الماعون ، يكون أصله المعن .

والمعين: الماء السائل ، وقيل الجاري على وجه الأرض ، وقيل العذب الغزير، وكل ذلك من السهولة.

والمعن: الماء الظاهر .

واللهوب : جمع لهب ( بكسر اللام) الفرجة والهواء بين الجبلين .

وفي المحكم : مهراة ما بين كل جبلين .

وقيل : هو الصدع في الجبل ، عن اللحياني .

وقيل : هو الشعب الصغير في الجبل .

وقيل : وجه من الجبل كالحائط لا يستطاع ارتقاؤه .

ا هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعينقوله تعالى : وجعلنا ابن مريم وأمه آية تقدم في ( الأنبياء ) القول فيه .

وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين الربوة المكان المرتفع من الأرض ؛ وقد تقدم في ( البقرة ) .

والمراد بها هاهنا في قول أبي هريرة فلسطين .

وعنه أيضا الرملة ؛ وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وقال ابن عباس ، وابن المسيب ، وابن سلام : دمشق .

وقال كعب ، وقتادة : بيت المقدس .

قال كعب : وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا .

قال :فكنت هميدا تحت رمس بربوة تعاورني ريح جنوب وشمألوقال ابن زيد : مصر .

وروى سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير وآويناهما إلى ربوة قال : النشز من الأرض .

ذات قرار أي مستوية يستقر عليها .

وقيل : ذات ثمار ، ولأجل الثمار يستقر فيها الساكنون .

( ومعين ) ماء جار ظاهر للعيون .

يقال : معين ومعن ؛ كما يقال : رغيف ورغف ؛ قاله علي بن سليمان .

وقال الزجاج : هو الماء الجاري في العيون ؛ فالميم على هذا زائدة كزيادتها في مبيع ، وكذلك الميم زائدة في قول من قال إنه الماء الذي يرى بالعين .

وقيل : إنه فعيل بمعنى مفعول .

قال علي بن سليمان : يقال معن الماء إذا جرى فهو [ ص: 119 ] معين ومعيون .

ابن الأعرابي : معن الماء يمعن معونا إذا جرى وسهل ، وأمعن أيضا وأمعنته ، ومياه معنان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وامتننا على عيسى ابن مريم، وجعلناه وأمه من آيات الله العجيبة، حيث حملته وولدته من غير أب، وتكلم في المهد صبيا، وأجرى الله على يديه من الآيات ما أجرى، { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ } أي: مكان مرتفع، وهذا -والله أعلم- وقت وضعها، { ذَاتِ قَرَارٍ } أي: مستقر وراحة { وَمَعِينٍ } أي: ماء جار، بدليل قوله: { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ } أي: تحت المكان الذي أنت فيه، لارتفاعه، { سَرِيًّا } أي: نهرا وهو المعين { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا* فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) دلالة على قدرتنا ، ولم يقل آيتين ، قيل : معناه شأنهما آية .

وقيل : معناه جعلنا كل واحد منهما آية ، كقوله تعالى : " كلتا الجنتين آتت أكلها " ( الكهف - 33 ) .

( وآويناهما إلى ربوة ) الربوة المكان المرتفع من الأرض ، واختلفت الأقوال فيها ، فقال عبد الله بن سلام : هي دمشق ، وهو قول سعيد بن المسيب ومقاتل ، وقال الضحاك : غوطة دمشق .

وقال أبو هريرة : هي الرملة .

وقال عطاء عن ابن عباس : هي بيت المقدس ، وهو قول قتادة وكعب .

وقال كعب : هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا .

وقال ابن زيد : هي مصر .

وقال السدي : أرض فلسطين .

( ذات قرار ) أي : مستوية منبسطة واسعة يستقر عليها ساكنوها .

( ومعين ) فالمعين الماء الجاري الظاهر الذي تراه العيون ، مفعول من عانه يعينه إذا أدركه البصر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجعلنا ابن مريم» عيسى «وأمه آية» لم يقل آيتين لأن الآية فيهما واحدة: ولادته من غير فحل «وآوينهما إلى ربوة» مكان مرتفع وهو بيت المقدس أو دمشق أو فلسطين، أقوال «ذات قرار» أي مستوية يستقر عليها ساكنوها «ومعين» وماء جار ظاهر تراه العيون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجعلنا عيسى بن مريم وأمه علامة دالة على قدرتنا؛ إذ خلقناه من غير أب، وجعلنا لهما مأوى في مكان مرتفع من الأرض، مستوٍ للاستقرار عليه، فيه خصوبة وماء جار ظاهر للعيون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، حيث أوجد عيسى من غير أب وجعل أمه مريم تلده من غير أن يمسها بشر .

فقال - تعالى - ( وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً .

.

.

) .أى : وجعلنا نبينا عيسى - عليه السلام - ، كما جعلنا أمه مريم ، آية واضحة وحجة عظيمة ، فى الدلالة على قدرتنا النافذة التى لا يعجزها شىء .قال أبو حيان : " قوله : ( وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) أى : جعلنا قصتهما ، وهى آية عظمى بمجموعها ، وهى آيات مع التفصيل ، ويحتمل أن يكون حذف من الأول " آية " لدلالة الثانى ، أى : وجعلنا ابن مريم آية ، وأمة آية " .وقوله - تعالى - ( وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ) بيان لجانب مما أنعم به سبحانه - على عيسى وأمه .والربوة : المكان المرتفع من الأرض .

واصلها من قولهم : ربا الشىء يربو ، إذا ازداد وارتفع ، ومنه الربا لأنه زيادة أخذت على أصل المال .ومعين؛ اسم مفعول من عانه إذا أدركه وأبصره بعينه ، فالميم زائدة ، وأصله معيون كمبيوع ثم دخله الإعلال .

والكلام على حذف مضاف .

أى : وماء معين .أى : ومن مظاهر رعايتنا وإحساننا إلى عيسى وأمه أننا آويناهما وأسكناهما ، وأنزلناهما فى جهة مرتفعة من الأرض ، وهذه الجهة ذات قرار ، أى : ذات استقرار لاستوائها وصلاحيتها للسكن لما فيها من الزروع والثمار ، وهى فى الوقت ذاته ينساب الماء الظاهر للعيون فى ربوعها .قالوا : والمراد بهذه الربوة : بيت المقدس بفلسطين ، أو دمشق ، أو مصر .والمقصود من الآية الكريمة : الإشارة إلى إيواء الله - تعالى - لهما ، فى مكان طيب ، ينضر فيه الزرع ، وتطيب فيه الثمار ، ويسيل فيه الماء ويجدان خلال عيشهما به الأمان والراحة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القصة الخامسة: قصة عيسى وقصة مريم عليهما السلام: اعلم أن ابن مريم هو عيسى عليه السلام جعله الله تعالى آية بأن خلقه من غير ذكر وأنطقه في المهد في الصغر وأجرى على يديه إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وأما مريم فقد جعلها الله تعالى آية لأنها حملته من غير ذكر.

وقال الحسن تكلمت مريم في صغرها كما تكلم عيسى عليه السلام وهو قولها: ﴿ هُوَ مِنْ عِندِ الله إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ  ﴾ ولم تلقم ثدياً قط، قال القاضي إن ثبت ذلك فهو معجزة لزكريا عليه السلام لأنها لم تكن نبية، قلنا القاضي إنما قال ذلك لأن عنده الإرهاص غير جائز وكرامات الأولياء غير جائزة وعندنا هما جائزان فلا حاجة إلى ما قال، والأقرب أنه جعلهما آية بنفس الولادة لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعاً في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة والذي يدل على أن هذا التفسير أولى وجهان: أحدهما: أنه تعالى قال: ﴿ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً ﴾ لأن نفس الإعجاز طهر فيهما لا أنه ظهر على يدهما وهذا أولى من أن يحمل على الآيات التي ظهرت على يده نحو إحياء الموتى وذلك لأن الولادة فيه وفيها آية فيهما وكذلك أن نطقا في المهد وما عدا ذلك من الآيات ظهر على يده لا أنه آية فيه الثاني: أنه تعالى قال آية ولم يقل آيتين، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتم إلا بمجموعهما أولى وذلك هو أمر الولادة لا المعجزات التي كان عيسى عليه السلام مستقلاً بها.

أما قوله تعالى: ﴿ وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ﴾ أي جعلنا مأواهما الربوة والربوة والرباوة في راءيهما الحركات الثلاث وهي الأرض المرتفعة، ثم قال قتادة وأبو العالية هي إيلياء أرض بيت المقدس، وقال أبو هريرة رضي الله عنه إنها الرملة.

وقال الكلبي وابن زيد هي بمصر وقال الأكثرون إنها دمشق وقال مقاتل والضحاك هي غوطة دمشق، والقرار المستقر من (كل) أرض مستوية مبسوطة، وعن قتادة ذات ثمار وماء، يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض.

فنبه سبحانه على كمال نعمه عليها بهذا اللفظ على اختصاره.

ثم في المعين قولان: أحدهما: أنه مفعول لأنه لظهوره يدرك بالعين من عانه إذا أدركه بعينه وقال الفراء والزجاج إن شئت جعلته فعيلاً من الماعون ويكون أصله من المعن والماعون فاعول منه قال أبو علي والمعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى والماعون ما سهل على معطيه، ثم قالوا وسبب الإيواء أنها فرت بإبنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بهما ابن عمها يوسف ثم رجعت إلى أهلها بعد أن مات ملكهم، وهاهنا آخر القصص، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: لو قيل آيتين هل كان يكون له وجه؟

قلت: نعم، لأنّ مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقي إليها، وقد تكلم في المهد وكان يحيي الموتى مع معجزات أخر، فكان آية من غير وجه، واللفظ محتمل للتثنية على تقدير ﴿ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ ﴾ آية ﴿ وَأُمَّهُ ءَايَةً ﴾ ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

الربوة والرباوة في رائهما الحركات.

وقرئ: ﴿ ربوة ورباوة ﴾ بالضم.

و ﴿ رباوة ﴾ بالكسر وهي الأرض المرتفعة.

قيل: هي إيليا أرض بيت المقدس، وأنها كبد الأرض وأقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا ً عن كعب.

وقيل: دمشق وغوطتها.

وعن الحسن: فلسطين والرملة.

وعن أبي هريرة: الزموا هذه الرملة رملة فلسطين، فإنها الربوة التي ذكرها الله.

وقيل: مصر.

والقرار: المستقرّ من أرض مستوية منبسطة.

وعن قتادة: ذات ثمار وماء، يعني أنه لأجل الثمار: يستقرّ فيها ساكنوها.

والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض.

وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته، فوجه من جعله مفعولاً أنه مدرك بالعين لظهوره، من عانه: إذا أدركه بعينه، نحو: ركبه، إذا ضربته بركبته.

ووجه من جعله فعيلاً: أنه نفاع بظهوره وجريه، من الماعون: وهو المنفعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً ﴾ بِوِلادَتِها إيّاهُ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ فالآيَةُ أمْرٌ واحِدٌ مُضافٌ إلَيْهِما، أوْ جَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً بِأنْ تَكَلَّمَ في المَهْدِ وظَهَرَتْ مِنهُ مُعْجِزاتٌ أُخَرُ وأُمُّهُ آيَةٌ بِأنْ ولَدَتْ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ فَحُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها.

﴿ وَآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ﴾ أرْضِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَإنَّها مُرْتَفِعَةٌ أوْ دِمَشْقَ أوْ رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ أوْ مِصْرَ فَإنَّ قُراها عَلى الرُّبى، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وقُرِئَ «رُباوَةَ» بِالضَّمِّ والكَسْرِ.

﴿ ذاتِ قَرارٍ ﴾ مُسْتَقَرٍّ مِنَ الأرْضِ مُنْبَسِطَةٍ.

وقِيلَ ذاتُ ثِمارٍ وزُرُوعٍ فَإنَّ ساكِنِيها يَسْتَقِرُّونَ فِيها لِأجْلِها.

﴿ وَمَعِينٍ ﴾ وماءٍ مَعِينٍ ظاهِرٍ جارٍ، فَعِيلٌ مِن مَعَنَ الماءُ إذا جَرى وأصْلُهُ الإبَعادُ في الشَّيْءِ، أوْ مِنَ الماعُونِ وهو المَنفَعَةُ لِأنَّهُ نَفّاعٌ، أوْ مَفْعُولٌ مِن عانَهُ إذا أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ لِأنَّهُ لِظُهُورِهِ مُدْرَكٌ بِالعُيُونِ وصَفَ ماءَها بِذَلِكَ لِأنَّهُ الجامِعُ لِأسْبابِ التَّنَزُّهِ وطِيبِ المَكانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وجعلنا ابن مريم وأمه آية} تدل على قدرتنا على ما نشاء لأنه خلق من غير نطفة وحدلان الأعجوبة فيهما واحدة أو المراد وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها {وآويناهما} جعلنا

مأواهما أي منزلهما {إلى رَبْوَةٍ} شامي وعاصم ربوة غيرهما أى أرض مستوية منبسطة أو ذات ثمار وماء يعني أنه لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها {ومعين} ماء ظاهر جار على وجه الأرض أوانه مفعول أي مدرك بالعين بظهوره من عانه إذا أدركه بعينه أو فعيل أنه نفاع بظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً ﴾ أيْ آيَةٍ دالَّةٍ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِنا بِوِلادَتِهِ مِنها مِن غَيْرِ مَسِيسِ بَشَرٍ فالآيَةُ أمْرٌ واحِدٌ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُما فَلِذا أُفْرِدَتْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جَعَلْنا حالَ ابْنِ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً أوْ جَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ذَوِي آيَةٍ وأنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ آيَةٍ مِنَ الأوَّلِ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ أوْ بِالعَكْسِ أيْ جَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ آيَةً لَمّا ظَهَرَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الخَوارِقِ كَتَكَلُّمِهِ في المَهْدِ بِما تَكَلَّمَ صَغِيرًا وإحْيائِهِ المَوْتى وإبْرائِهِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وغَيْرِ ذَلِكَ كَبِيرًا وجَعْلْنا أُمَّهُ آيَةً بِأنْ ولَدَتْ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّها عَلَيْها السَّلامُ تَكَلَّمَتْ في صِغَرِها أيْضًا حَيْثُ قالَتْ: ﴿ هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ  ﴾ ولَمْ تَلْتَقِمْ ثَدْيًا قَطُّ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّما يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهِ إفْرادِ الآيَةِ بِما ذَكَرَ إذا أُرِيدَ أنَّها آيَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى المُعْجِزَةِ أوِ الإرْهاصِ فَلا لِأنَّها إنَّما هي لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِنُبُوَّتِهِ دُونَ مَرْيَمَ اهْـ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ والوَجْهُ عِنْدِي ما تَقَدَّمَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِابْنِ مَرْيَمَ وعَنْ مَرْيَمَ بِأُمِّهِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِحَيْثِيَّةِ كَوْنِهِما آيَةً فَإنَّ نِسْبَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْها مَعَ أنَّ النِّسَبَ إلى الآباءِ دالَّةٌ عَلى أنْ لا أبَ لَهُ أيْ جَعْلِنا ابْنِ مَرْيَمَ وحْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أبٌ وأُمُّهُ الَّتِي ولَدَتْهُ خاصَّةً مِن غَيْرِ مُشارِكَةِ الأبِ آيَةً، وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأصالَتِهِ فِيما ذَكَرَ مِن كَوْنِهِ آيَةً كَما قِيلَ أنَّ تَقْدِيمَ أُمِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ  ﴾ لِأصالَتِها فِيما نُسِبَ إلَيْها مِنَ الإحْصانِ والنَّفْخِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الَّذِي أجْمَعَ عَلَيْهِ الإسْلامِيُّونَ أنَّهُ لَيْسَ لِمَرْيَمَ ابْنٌ سِوى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

وزَعَمَ بَعْضُ النَّصارى قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّها بَعْدَ أنْ ولَدَتْ عِيسى تَزَوَّجَتْ بِيُوسُفَ النَّجّارِ ووَلَدَتْ مِنهُ ثَلاثَةَ أبْناءٍ، والمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَهم أنَّها كانَتْ في حالِ الصِّغَرِ خَطِيبَةَ يُوسُفَ النَّجّارِ وعَقَدَ عَلَيْها ولَمْ يَقْرُبْها ولَمّا رَأى حَمْلَها بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهم بِتَخْلِيَتِها فَرَأى في المَنامِ مَلَكا أوْقَفَهُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ فَلَمّا ولَدَتْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ مَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَعَلَ يُرَبِّيهِ ويَتَعَهَّدُهُ مَعَ أوْلادٍ لَهُ مِن زَوْجَةٍ غَيْرِها فَأمّا هي فَلَمْ يَكُنْ يَقْرُبُها أصْلًا، والمُسْلِمُونَ لا يُسَلِّمُونَ أنَّها كانَتْ مَعْقُودًا عَلَيْها لِيُوسُفَ ويُسَلِّمُونَ أنَّها كانَتْ خَطِيبَتُهُ وأنَّهُ تَعَهَّدَها وتَعَهَّدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقُولُونَ: كانَ ذَلِكَ لِقَرابَتِهِ مِنها ﴿ وآوَيْناهُما ﴾ أيْ جَعَلْناهُما يَأْوِيانِ ﴿ إلى رَبْوَةٍ ﴾ هي ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ دُونَ الجَبَلِ.

واخْتَلَفَ في المُرادِ هُنا فَأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى رَبْوَةٍ ﴾ أُنْبِئْنا أنَّها دِمَشْقُ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وعَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ الصَّحابِيِّ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وعَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهم قالُوا: الرَّبْوَةُ هي دِمَشْقُ، وفي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أمامَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: هي الرَّمْلَةُ مِن فِلَسْطِينَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ مَرْدُويَهَ مِن حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وجَماعَةٌ عَنْ مُرَّةَ البَهَزِيِّ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: الرَّبْوَةُ الرَّمَلَةُ»، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: هي بَيْتُ المَقْدِسِ، وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّ الرَّبْوَةَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وذَكَرُوا عَنْ كَعْبٍ أنَّ أرْضَهُ كَبِدُ الأرْضِ وأقْرَبُها إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مَيْلًا ولِذا كانَ المِعْراجُ ورَفْعُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ، وهَذا القَوْلُ أوْفَقُ بِإطْلاقِ الرَّبْوَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مِن مَعْناها، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ وهَبٍ وابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ الرَّبْوَةَ مِصْرَ، ورُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: هي الإسْكَنْدِرِيَّةُ، وذَكَرُوا أيَّ قُرى مِصْرَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها عَلى رَبْوَةٍ مُرْتَفِعَةٍ لِعُمُومُ النِّيلِ في زِيادَتِهِ جَمِيعِ أرْضِها فَلَوْ لَمْ تَكُنِ القُرى عَلى الرُّبى لَغَرِقَتْ، وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ هَذا الإيواءِ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الزَّمانِ عَزَمَ عَلى قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَفَرَّتْ بِهِ أُمُّهُ إلى أحَدِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي ذَكَرَتْ كَذا في البَحْرِ، ورَأيْتُ في إنْجِيلِ مَتّى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وُلِدَ في بَيْتِ لَحْمٍ في أيّامِ هِيرُودُسِ المِلْكِ وافى جَماعَةً مِنَ المَجُوسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى أُورْشَلِيمَ يَقُولُونَ: أيْنَ المَوْلُودُ مِلْكُ اليَهُودِ فَقَدْ رَأيْنا نَجْمَةً في المَشْرِقِ وجِئْنا لِنَسْجُدَ لَهُ فَلَمّا سَمِعَ هِيرُودُسِ اضْطَرَبَ وجَمَعَ رُؤَساءَ الكَهَنَةِ وكَتَبَةَ الشَّعْبِ فَسَألَهم أيْنَ يُولَدُ المَسِيحُ؟

فَقالُوا: في بَيْتِ لَحْمٍ فَدَعا المَجُوسَ سِرًّا وتَحَقَّقَ مِنهُمُ الزَّمانُ الَّذِي ظَهَرَ لَهم فِيهِ النَّجْمُ وأرْسَلَهم إلى بَيْتِ لَحْمٍ وقالَ لَهُمُ: اجْهَدُوا في البَحْثِ عَنْ هَذا المَوْلُودِ فَإذا وجَدْتُمُوهُ فَأخْبَرُونِي لِأسْجُدَ لَهُ مَعَكم فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهُ مَعَ مَرْيَمَ فَسَجَدُوا وقَرَّبُوا القَرابِينَ ورَأوْا في المَنامِ أنْ لا يَرْجِعُوا إلى هِيرُودْسْ فَذَهَبُوا إلى كُورَتِهِمْ ورَأى يُوسُفُ في المَنامِ مَلِكًا يَقُولُ لَهُ قُمْ فَخُذِ الطِّفْلَ وأُمَّهُ واهْرُبْ إلى مِصْرَ وكُنْ هُناكَ حَتّى أقُولَ لَكَ فَإنَّ هِيرُدُوسْ قَدْ عَزَمَ عَلى أنْ يَطْلُبَ الطِّفْلَ لِيُهْلِكَهُ فَقامَ وأخَذَ الطِّفْلَ وأمَّهُ لَيْلًا ومَضى إلى مِصْرَ وكانَ هُناكَ وفاةُ هِيرُودُسْ فَلِما تُوُفِّيَ رَأى يُوسُفُ المَلَكَ في المَنامِ يَقُولُ لَهُ: قُمْ فَخُذِ الطِّفْلَ وأُمَّهُ واذْهَبْ إلى أرْضِ إسْرائِيلَ فَقَدْ ماتَ مَن يَطْلُبُ نَفْسَ الطِّفْلِ فَقامَ وأخَذَهُما وجاءَ إلى أرْضِ إسْرائِيلَ فَلَمّا سَمِعَ أنْ أرْشَلاوُسْ قَدْ مَلَكَ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ أبِيهِ هِيرُودُسْ خافَ أنْ يَذْهَبَ هُناكَ فَأُخْبِرَ في المَنامِ وذَهَبَ إلى تُخُومُ الجَلِيلِ فَسَكَنَ في مَدِينَةٍ تُدْعى ناصِرَةَ اْهْـ، فَإنْ صَحَّ هَذا كانَ الظّاهِرُ أنَّ الرَّبْوَةَ في أرْضِ مِصْرَ أوْ ناصِرَةَ مِن أرْضِ الشّامِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ «رُبْوَةٌ» بِضَمُ الرّاءِ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ.

وقَرَأ أبُو إسْحاقَ السُّبَيْعِيِّ «رِبْوَةٌ» بِكَسْرِها، وابْنُ أبِي إسْحاقَ «رُباةٌ» بِضَمُ الرّاءِ وبِالألِفِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأشْهَبُ العَقِيلِيُّ والفَرَزْدَقُ والسِّلْمِيُّ في نَقْلِ صاحِبِ اللَّوامِحِ بِفَتْحِها وبِالألِفِ.

وقُرِئَ بِكَسْرِها وبِالألِفِ ﴿ ذاتِ قَرارٍ ﴾ أيْ مُسْتَقِرٍّ مِن أرْضٍ مُنْبَسِطَةٍ، والمُرادُ أنَّها في وادٍ فَسِيحٍ تَنْبَسِطُ بِهِ نَفْسُ مَن يَأْوِي إلَيْهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ذاتُ ثِمارٍ وزُرُوعٍ، والمُرادُ أنَّها مَحَلٌّ صالِحٌ لِقَرارِ النّاسِ فِيهِ لِما فِيهِ مِنَ الزُّرُوعِ والثِّمارِ وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَعِينٍ ﴾ أيْ وماءٌ مَعِينٌ أيْ جارٍ، ووَزْنُهُ فَعِيلٌ عَلى أنَّ المِيمَ أصْلِيَّةٌ مِن مَعْنى جَرى، وأصْلُهُ الإبْعادُ في الشَّيْءِ ومِنهُ أمْعَنَ النَّظَرَ.

وفِي البَحْرِ مَعَنَ الشَّيْءَ مَعانَةً كَثُرَ أوْ مِنَ الماعُونِ، وإطْلاقُهُ عَلى الماءِ الجارِي لِنَفْعِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ وزْنُهُ مَفْعُولَ كَمَخِيطٍ عَلى أنَّ المِيمَ زائِدَةٌ مِن عانَهُ أدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ كَرَكْبِهِ إذا ضَرَبَهُ بِرُكْبَتِهِ وإطْلاقُهُ عَلى الماءِ الجارِي لِما أنَّهُ في الأغْلَبِ يَكُونُ ظاهِرًا مُشاهَدًا بِالعَيْنِ، ووَصَفَ الماءَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الجامِعُ لِانْشِراحِ الصَّدْرِ وطِيبِ المَكانِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، يعني: التوراة، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يعني: لكي يهتدوا، يعني: بني إسرائيل.

قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً، يعني: عبرة وعلامة لبني إسرائيل، ولم يقل آيتين، وقد ذكرناه.

ثم قال: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ، وذلك أنها لما ولدت عيسى  هم قومها أن يرجموها، فخرجت من بيت المقدس إلى أرض دمشق، والربوة: المكان المرتفع.

ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ، يعني: أرضاً مستوية وَمَعِينٍ يعني: الماء الجاري الطاهر، وهو مفعول من العين، وأصله: معيون، كما يقال: ثوب مخيط.

وقال سعيد بن المسيب: الربوة هي دمشق، ويقال: هي بيت المقدس، لأنها أقرب إلى السموات من سائر الأرض.

ويقال: إنها الرملة وفلسطين.

قرأ ابن عامر وعاصم رَبْوَةٍ بنصب الراء، وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ، يعني: محمدا  .

وإنما خاطب به النبي  وأراد به النبيّ  وأمته، كما يجيء في مخاطبتهم.

كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، يعني: من الحلالات.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا ابن صاعد قال: حدثنا أحمد بن منصور قال: حدثنا الفضل بن دكين قال: حدثنا الفضل بن مرزوق قال: أخبرني عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : «يَا أَيُّها النَّاسُ إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّبَاً، وَإنَّ الله تَعَالَى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [البقرة: 57] .

ثمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ، يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك» (١)  ، فقيل: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ وتضمن هذا الخطاب أن الرسل عليهم السلام جميعاً كذا أمروا.

قال: ويروى أن عيسى  كان يأكل من غزل أمه، وكان رزق النبيّ  من الغنيمة وأطيب الطيبات الغنائم.

ثم قال تعالى: وَاعْمَلُوا صالِحاً يعني: خالصاً.

إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، يعني: قبل أن تعملوا.

قوله عز وجل: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، يعني: دينكم الذي أنتم عليه، يعني: ملة الإسلام دين واحد، عليه كانت الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون.

وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، يعني: أنا شرعته لكم فأطيعون.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: أَن بنصب الألف وتشديد النون، وقرأ ابن عامر بنصب الألف وسكون النون، وقرأ الباقون بكسر الألف والتشديد على معنى الابتداء.

ثم قال عز وجل: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، يقول: فرقوا دينهم وتفرقوا في دينهم، ومعناه: أن دين الله تعالى واحد، فجعلوه أدياناً مختلفة زبراً.

قرأ ابن عامر: زُبُراً بنصب الباء، أي قطعاً وفرقاً، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي زُبُراً.

بضم الباء، أي كتباً، معناه: جعلوا دينهم كتباً مختلفة، ويقال: فتقطعوا كتاب الله وحرفوه وغيروه.

كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، يعني: بما هم عليه من الدين معجبون، راضون به.

(١) عزاه السيوطي 6/ 102 إلى أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: التَّوْراةَ، أُعْطِيها جُمْلَةً واحِدَةً بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، ﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ، والمَعْنى: لِكَيْ يَهْتَدُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( آيَتَيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً  ﴾ ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآوَيْناهُما ﴾ ؛ أيْ: جَعَلْناهُما يَأْوِيانِ، ﴿ إلى رَبْوَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( رُبْوَةٍ ) بِضَمِّ الرّاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الرَّبْوَةِ في ( البَقَرَةِ: ٢٦٥ ) .

( ﴿ ذاتِ قَرارٍ ﴾ )؛ أيْ: مُسْتَوِيَةٍ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها ساكِنُوها، والمَعْنى: ذاتُ مَوْضِعِ قَرارٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ مُسْتَقَرٍّ.

﴿ وَمَعِينٍ ﴾ وهو الماءُ الجارِي مِنَ العُيُونِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " ذاتُ قَرارٍ "؛ أيْ: يَسْتَقِرُّ بِها لِلْعِمارَةِ، " ومَعِينٍ ": هو الماءُ الظّاهِرُ، وَيُقالُ: هو مَفْعُولٌ مِنَ العَيْنِ، كَأنَّ أصْلَهُ مَعْيُونٌ، كَما يُقالُ: ثَوْبٌ مَخِيطٌ، وبُرٌّ مَكِيلٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَوْضِعِ هَذِهِ الرَّبْوَةِ المَوْصُوفَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها دِمَشْقُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلّامٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّانِي: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّها الرَّمَلَةُ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

والرّابِعُ: مِصْرُ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ.

فَأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ أوَيا إلى الرَّبْوَةِ، فَقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَرَّتْ مَرْيَمُ بِابْنِها عِيسى مِن مَلِكِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلى أهْلِها بَعْدَ اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً.

قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: وكانَ المَلِكُ أرادَ قَتْلَ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ ﴾ ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ "الكِتابُ" هو التَوْراةُ، و"لَعَلَّهُمْ" يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ التَوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ والقَبَطَ، والتَرَجِّي في "لَعَلَّ" في حَيِّزِ البَشَرِ، أيْ: كانَ مِن فِعْلِنا مَعَهم ما يَرْجُو مَعَهُ ابْنُ آدَمَ إيمانَهم وهُداهُمْ، والقَضاءُ قَدْ حَكَمَ بِما حَكَمَ.

و "ابْنُ مَرْيَمَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِصَّتُهُما كُلُّها آيَةٌ عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَفْصِيلِ، وأخَذَها مِن كِلا الوَجْهَيْنِ مُتَمَكِّنٌ، و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ، واسْتِعْمالُ اللَفْظَةِ في الأماكِنِ، أيْ: أقْرَرْناهُما، و "الرَبْوَةُ": المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "رَبْوَةٍ"، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ونَصْرٌ عن عاصِمْ بِكَسْرِها.

وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقِ: "رُباوَةٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الشُهُبُ العَقِيلِيِّ بِفَتْحِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِها، وكُلُّها لُغاتٌ قُرِئَ بِها، و"القَرارُ": التَمَكُّنُ، فَمَعْنى هَذا أنَّها مُسْتَوِيَةٌ بَسِيطَةٌ لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وقالَ قَتادَةُ: "القَرارُ" هُنا: الحُبُوبُ والثِمارُ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّها مِنَ البِقاعِ الَّتِي كَمُلَتْ خِصالُها فَهي أهْلٌ أنْ يَسْتَقِرَّ فِيها، وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَسْتَقِرَّ عَلى الكَمالِ في البِقاعِ الَّتِي ماؤُها آبارٌ، فَبَيَّنَ بَعْدُ أنَّ ماءَ هَذِهِ الرَبْوَةِ يُرى مُعَيَّنًا جارِيًا عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وهَذا كَمالُ الكَمالِ.

و"المَعِينُ": الظاهِرُ الجَرْيَ لِلْعَيْنِ، فالمِيمُ زائِدَةٌ، وهو الَّذِي يُعايِنُ جَرْيَهُ، لا كالبِئْرِ ونَحْوِهُ، وكَذَلِكَ أدْخَلَ الخَلِيلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ في بابِ (عَ، يَ، نَ)، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: "مَعُنَ الماءُ" إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المَعْنُ المَعْرُوفُ والجُودُ، فالمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ: واهِيَةٌ أو مُعِينٌ مُمْعِنٌ وهَضَبَةٌ دُونَها لُهُوبُ وقَدِ قالَ رَسُولُ اللهِ -  -: «يَرْحَمُ اللهُ هاجَرَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكانَتْ عَيْنًا مُعَيَّنًا».

وهَذا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وهَذِهِ الرَبْوَةُ هي المَوْضِعُ الَّذِي فَرَّتْ إلَيْهِ مَرْيَمُ حِينَ اسْتَحْيَتْ في قِصَّةِ عِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو الَّذِي قِيلَ لَها فِيهِ: ﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا  ﴾ ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ الرَبْوَةِ -فَقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ سَعِيدُ: هي الغُوطَةُ بِدِمِشْقَ - وهَذا أشْهَرُ الأقْوالِ لِأنَّ صِفَةَ الغُوطَةِ أنَّها ذاتُ قَرارٍ ومَعِينٍ عَلى الكَمالِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: هي الرَمْلَةُ في فِلَسْطِينَ، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ عن كُرَيْبٍ، عن مُرَّةَ البَهْزِيِّ، عَنِ النَبِيِّ -  - ويُعارِضُ هَذا القَوْلَ أنَّ الرَمَلَةَ لَيْسَ يَجْرِي بِها ماءٌ البَتَّةَ، وذَكَرُهُ الطَبَرِيُّ وضَعَّفَ القَوْلَ بِهِ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: الرَبْوَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَرَجَّحُ أنَّ الرَبْوَةَ في بَيْتِ لَحْمٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّ وِلّادَةَ عِيسى هُنالِكَ كانَتْ، وحِينَئِذٍ كانَ الإيواءُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: الرَبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وذَلِكَ أنَّها رُبى يَجْرِي فَيْضُ النِيلِ إلَيْها فَيَمْلَأُ الأرْضَ ولا يَنالُ تِلْكَ الرُبى وفِيها القُرى وبِها نَجاتُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُضَعِّفُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ لَمْ يُرْوَ أنَّ عِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ومَرْيَمَ كانا بِأرْضِ مِصْرَ ولا حُفِظَتْ لَهُما بِهِما قِصَّةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وقُلْنا يا أيُّها الرُسُلُ، فَتَكُونُ هَذِهِ بَعْضُ القَصَصِ الَّتِي ذَكَرَ، وكَيْفَ كانَ قَوْلُ المَعْنى، فَلَمْ يُخاطَبُوا قَطُّ مُجْتَمَعَيْنِ وإنَّما خُوطِبَ كُلُّ واحِدٍ في عَصْرِهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: الخِطابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ لِمُحَمَّدٍ -  - ثُمُ اخْتَلَفَتْ -فَقالَ بَعْضُها: أقامَهُ مَقامَ الرُسُلِ، كَما قالَ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ إنَّ الناسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ  ﴾ وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَثْبُتُ مَعَ النَظَرِ.

والوَجْهُ في هَذا أنْ يَكُونَ الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ -  - وخَرَجَ بِهَذِهِ الصِيغَةِ لِيُفْهِمْ وجِيزًا أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ قَدْ خُوطِبَ بِها كُلُّ نَبِيٍّ، أو هي طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي يَنْبَغِي لَهُمُ الكَوْنُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَقُولُ لِتاجِرٍ: يا تُجّارُ يَنْبَغِي أنَّ تُجانِبُوا الرِبا، فَأنْتَ تُخاطِبُهُ بِالمَعْنى، وقَدِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ تَصْلُحُ لِجَمِيعِ صِنْفِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ ﴾ لِعِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلَ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ، ووَجْهُ خِطابِهِ لِعِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ما ذَكَرْناهُ مِن تَقْدِيرٍ لِمُحَمَّدٍ -  - و"الطَيِّباتُ" هُنا: الحَلالُ بِلَذَّةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ تَنْبِيهٌ ما عَلى التَحَفُّظِ، وضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ بِالمُباحَثَةِ -صَلّى اللهُ عَلى جَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ- وإذا كانَ هَذا مَعَهم فَما ظَنُّ كُلُّ الناسِ بِأنْفُسِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كانت آية عيسى العظمى في ذاته في كيفيَّة تكوينه كان الاهتمام بذكرها هنا، ولم تذكر رسالته لأن معجزة تخليقه دالة على صدق رسالته.

وأما قوله ﴿ وأمه ﴾ فهو إدماج لتسفيه اليهود فيما رموا به مريم عليها السلام فإن ما جعله الله آية لها ولابنها جعلوه مطعناً ومغمزاً فيهما.

وتنكير ﴿ آية ﴾ للتعظيم لأنها آية تحتوي على آيات.

ولما كان مجموعها دالاً على صدق عيسى في رسالته جعل مجموعها آية عظيمة على صدقه كما علمتَ.

وأما قوله: ﴿ وآويناهما إلى رُبوة ﴾ فهو تنويه بهما إذ جعلهما الله محل عنايته ومظهر قدرته ولطفه.

والإيواء: جعل الغير آوياً، أي ساكناً.

وتقدم عند قوله: ﴿ أو آوي إلى ركن شديد ﴾ في سورة هود (80) وعند قوله: ﴿ سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ﴾ في سورة هود (43).

والرُبوة بضم الراء: المرتفع من الأرض.

ويجوز في الراء الحركات الثلاث.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ في البقرة (265).

والمراد بهذا الإيواء وحي الله لمريم أن تنفرد بربوة حين اقترب مخاضُها لتلد عيسى في منعزل من الناس حفظاً لعيسى من أذاهم.

والقرار: المكث في المكان، أي هي صالحة لأن تكون قراراً، فأضيفت الربوة إلى المعنى الحاصل فيها لأدنى ملابسة وذلك بما اشتملت عليه من النخيل المثمر فتكون في ظله ولا تحتاج إلى طلب قوتها.

والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، وهو وصف جرى على موصوف محذوف، أي ماء معين، لدلالة الوصف عليه كقوله: ﴿ حملناكم في الجارية ﴾ [الحاقة: 11].

وهذا في معنى قوله في سورة مريم (24 26) ﴿ قد جعل رَبّك تَحْتَككِ سَريّاً وهُزّي إليك بجذْع النخلة تَسَّاقطْ عليك رُطَباً جَنِيَّاً فَكُلِي واشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً.

﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً ﴾ فَآيَتُهُ أنَّ خُلِقَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وآيَتُها أنْ حَمَلَتْ مِن غَيْرِ بَعْلٍ، ثُمَّ تَكَلَّمَ في المَهْدِ فَكانَ كَلامُهُ آيَةً لَهُ، وبَراءَةً لَها.

﴿ وَآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ﴾ الآيَةَ.

الرَّبْوَةُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لا تُسَمّى رَبْوَةً إلّا إذا اخْضَرَّتْ بِالنَّباتِ ورَبَتْ، وإلّا قِيلَ نَشَزَ اشْتِقاقًا مِن هَذا المَعْنى واسْتِشْهادًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ  ﴾ ويَقُولُ الشّاعِرُ طَوى نَفْسَهُ طَيَّ الحَرِيرِ كَأنَّهُ حَوى جَنَّةً في رَبْوَةٍ وهو خاشِعُ الثّانِي: تُسَمّى رَبْوَةً وإنْ لَمْ تَكُنْ ذاتَ نَباتٍ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ فَكُنْتُ هَمِيدًا تَحْتَ رَمْسٍ بِرَبْوَةٍ ∗∗∗ تُعاوِرُنِي رِيحٌ جَنُوبٌ وشَمْألُ وَفِي المُرادِ بِها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الرَّمْلَةُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.

الثّانِي: دِمَشْقُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: مِصْرُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: بَيْتُ المَقْدِسِ.

قالَهُ قَتادَةُ، قالَ كَعْبُ الأحْبارِ، هي أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ مَيْلًا.

وَفِي: ﴿ ذاتِ قَرارٍ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ذاتُ اسْتِواءٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: ذاتُ ثِمارٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: ذاتُ مَعِيشَةٍ تُقِرُّهم، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: ذاتُ مَنازِلَ تَسْتَقِرُّونَ فِيها، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

وَفي ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجارِي، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الماءُ الطّاهِرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ إنَّ الَّذِينَ غَرُّوا بِلُبِّكَ غادَرُوا ∗∗∗ وشَلًا بِعَيْنِكَ ما يَزالُ مَعِينًا أيْ ظاهِرًا، في اشْتِقاقِ المَعِينِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهُ جارٍ مِنَ العُيُونِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَهو مَفْعُولٌ مِنَ العُيُونِ.

الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَعُونَةِ.

الثّالِثُ: مِنَ الماعُونِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ قال: ولدته مريم من غير أب هو له.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ قال: عبرة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وآويناهما ﴾ قال: عيسى وأمه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وآويناهما ﴾ قال: عيسى وأمه حين أويا إلى الغوطة وما حولها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ الآية.

قال: ﴿ الربوة ﴾ المستوى ﴿ والمعين ﴾ الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿ قد جعل ربك تحتك سَرياًّ ﴾ [ مريم: 24] .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ قال: هي المكان المرتفع من الأرض، وهي أحسن ما يكون فيه النبات ﴿ ذات قرار ﴾ ذات خصب ﴿ ومعين ﴾ ماء ظاهر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إلى ربوة ﴾ قال: مستوية ﴿ ذات قرار ومعين ﴾ قال: ماء جار.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال: ﴿ الربوة ﴾ المكان المرتفع وهو لبيت المقدس ﴿ والمعين ﴾ الماء الظاهر.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ قال: كنا نحدث أن الربوة بيت المقدس ﴿ ذات قرار ﴾ ذات ثمر كثير ﴿ ومعين ﴾ ماء جار.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن وهب بن منبه رضي الله عنه ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ قال: هي مصر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ قال: وليس الربى إلى بمصر.

والماء حين يرسل يكون الربى عليها القرى لولا الربى لغرقت تلك القرى.

وأخرج ابن عساكر عن زيد بن مسلم رضي الله عنه ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ قال: هي الإسكندرية.

وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلاً حتى بلغ ما يبلغ الغلمان الذي أنطقه الله بعد ذلك بالحكمة والبيان، فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه إلى رجل يعلمه كما يعلم الغلمان فلا يعلمه شيئاً إلا بدره عيسى إلى علمه قبل أن يعلمه إياه فعلمه أبا جاد فقال عيسى: ما أبو جاد؟

قال المعلم: لا أدري.

فقال عيسى: كيف تعلمني ما لا تدري فقال المعلم: إذن فعلمني.

فقال له عيسى: فقم من مجلسك فقَام.

فجلس عيسى مجلسه فقال: سلني؟

فقال المعلم: ما أبو جاد؟

فقال عيسى: ألف، آلاء الله باءِ بهاء الله، جيم بهجة الله وجماله، فعجب المعلم فكان أول من فسر أبا جاد عيسى عليه السلام، وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله، ففشا ذلك اليهود وترعرع عيسى فهمت به بنو إسرائيل فخافت أمه عليه، فأوحى الله إليها: أن تنطلق به إلى أرض مصر فذلك قوله: ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ فسئل ابن عباس: ألا قال آيتان، وهما آيتان: فقال ابن عباس: إنما قال آية، لأن عيسى من آدم ولم يكن من أب لم يشاركها في عيسى أحد فصار (آية واحدة) ﴿ وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ قال: يعني أرض مصر.

وأخرج وكيع والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وتمام الرازي في فضائل النبوّة وابن عساكر بسند صحيح عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلى ربوة ﴾ قال: أنبئنا بأنها دمشق.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن سلام في قوله: ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ قال: هي دمشق.

وأخرج ابن عساكر عن يزيد بن سخبرة الصحابي قال: دمشق هي الربوة المباركة.

وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية ﴿ وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ «قال: أتدرون أين هي؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: هي بالشام بأرض يقال لها الغوطة، مدينة يقال لها دمشق هي خير مدن الشام» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن المسيب ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ قال: هي دمشق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن عساكر عن مرة البهزي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الرملة الربوة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله: ﴿ وآويناهما إلى ربوة ﴾ قال: هي الرملة في فلسطين، وأخرجه ابن مردويه من حديثه مرفوعاً.

وأخرج الطبراني وابن السكن وابن منده وأبو نعيم وابن عساكر من طرق عن الأقرع بن شفي العكي رضي الله عنه قال: «دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم في مرض يعودني فقلت: لا أحسب إلا أني ميت من مرضي.

قال: كلا لتبقين، ولتهاجرن منها إلى أرض الشام وتموت وتدفن بالربوة من أرض فلسطين.

فمات في خلافة عمر رضي الله عنه ودفن في بالرملة» .

وأخرج ابن عساكر عن قتادة عن الحسن في قوله: ﴿ وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ قال: هي أرض ذات أشجار وأنهار يعني أرض دمشق.

وفي لفظ قال: ذات ثمار وكثرة ماء هي دمشق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ﴾ أي دلالة على قدرتنا وعبرة يعتبر بها ويتوصل (١) (٢) قال أبو إسحاق: لم يقل آيتين لأن المعنى فيها (٣) (٤) وهي ولادة من غير أبْ، فكانت الآية فيها واحدة (٥) قال: ولو قيل آيتين لجاز؛ لأنَّهما قد كان في كل واحد منهما ما لم يكن في ذكر ولا أنثى، من أن مريم ولدت من غير فحل وعيسى كان روحًا من الله ألقاه (٦) (٧) قوله تعالى: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ أي جعلناهما يأويان إلى ربوة، وهي المكان المرتفع من الأرض (٨) (٩) فقال عبد الله بن سلام: هي دمشق (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال الحسن والضحاك: هي غُوطَة دمشق (١٥) وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد بيت المقدس (١٦) وهو قول قتادة (١٧) (١٨) (١٩) وهذا القول يروى أيضًا عن سعيد بن جبير (٢٠) (٢١) (٢٢) وروي عن أبي هريرة أنّه قال: هي الرَّمْلة (٢٣) وقال السدي عن أصحابه: أنها أرض فلسطين من الشام (٢٤) قوله: ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ ﴾ أي مستوية يستقر عليها.

قال ابن عباس: هي أرض مستوية مرتفعة منبسطة (٢٥) وقال قتادة: ذات ثمار (٢٦) (٢٧) و"قرار": مصدر يراد به موضع قرار كقوله: ﴿ مِنْ قَرَارٍ  ﴾ وقد مر.

قوله: ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ قال ابن عباس -في رواية عكرمة-: يعني أنها دمشق (٢٨) وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: المعين: الماء (٢٩) وروى جابر (٣٠) (٣١) (٣٢) وروى سفيان، عنه أنه قال: المعين: الماء الظاهر (٣٣) ﴿ فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ == [الملك: 30] رواية عن بن عباس في قوله: "بماء معين" قال: ظاهر.

ثم قال السيوطي: وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة مثله.]].

وهذا قول عكرمة، وسعيد (٣٤) واختلفوا في اشتقاق معين: فقال الفَرَّاء: لك (٣٥) (٣٦) (٣٧) واختار الزَّجَّاج وابن قتيبة القول الأول.

واستبعد (٣٨) (٣٩) وقال ابن قتيبة: ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ ظاهر من الماء، وهو مفعول من العين، كأنَّ أصله معيون، كما يقال: ثوبٌ مخيط، وبرٌ مكيل (٤٠) واختار أبو علي القول الثاني، وزيف القول الأول، وقال: ليس المعن في اللغة الشيء القليل، ولكنَّه السهل الذي ينقاد ولا يعتاص (٤١) (٤٢) (٤٣) وروى أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي: معن الماء يمعن إذا جرى.

[وأمعن أيضًا] (٤٤) (٤٥) ومعنان (٤٦) (٤٧) قال (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ : معن يمعن معانة.

فمعين فعيل من هذا، لا يتجه على غير ذلك.

فأما من ذهب فيه (٥٣) (٥٤) (٥٥) وحكى أبو زيد أيضًا أنهم يقولون: مُدَرْهَمٌ (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) ثم ذكر (٦٢) (٦٣) ﴿ فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ قال: سائح (٦٤) وذكر بعض أصحاب المعاني أن معينًا فعيل من أمعن إذا أسرع.

فهو فعيل بمعْنى مفعل (٦٥) (١) في (ع): (فيتوصل).

(٢) انظر: "الطبري" 18/ 25، والثعلبي 3/ 61 ب.

(٣) في (ظ)، (ع): (لأن المعنى فيهما معنى آية.

بزيادة معنى.

وليست هذه الزيادة عند الزجاج.

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 14.

(٥) انظر: "الطبري" 18/ 25.

(٦) في (أ): (ألقاها).

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 14.

(٨) انظر: "الطبري" 18/ 25، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 14، "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 273 (ربو).

(٩) انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ  ﴾ .

(١٠) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 193، 194، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 61 ب - 62 أ.

(١١) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 45، وابن أبي شيبة في مصنفه 12/ 191، والطبري 18/ 26، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 194، 195 وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 101 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم والطبراني.

(١٢) ذكره عنه الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 56.

(١٣) "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.

(١٤) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 192، 193 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 101 وقال: بسند صحيح.

وزاد نسبته لوكيع والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وتمام الرازي في "فضائل النبوة" بلفظ: أنبئنا أنها دمشق.

وذكره النحاس في "معاني القرآن" 4/ 462 من رواية عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: نبئت أنّها دمشق.

(١٥) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 197 عن الحسن.

وذكره الثعلبي 3/ 62 أعن الضحّاك.

(١٦) ذكره عنه من رواية عطاء: البغوي 5/ 419، وابن الجوزي 5/ 476.

(١٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 45، والطبري 18/ 27، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 201، وذكره السيوطي في "الدر" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد.

(١٨) في (ظ)، (ع): (قال: وهو أقرب).

(١٩) رواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 46، والطبري 18/ 27، والله أعلم بصحة ذكره.

(٢٠) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر.

ولم أره عند ابن جرير.

(٢١) لم أجد من ذكره عنه.

(٢٢) ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 476.

(٢٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 46، والطبري (ب 18/ 26)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 251.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وأبي نعيم وابن أبي حاتم.

وإسناده ضعيف، لأنَّ بشر بن رافع قال عنه الذهبي في "المغني" 1/ 105: قال أحمد وغيره: ضعيف.

وقال ابن حجر في "التقريب" 1/ 99: ضعيف الحديث.

وفيه أيضًا أبو عبد الله الدوسي ابن عم أبي هريرة قال الذهبي في "المغني" 2/ 795: لا يعرف.

وتعقب الطبري هذا القول بأن الرملة لا ماء بها معين.

انظر: الطبري 18/ 27.

والرَّملة: مدينة بفلسطين، وكانت قصبتها.

"معجم البلدان" لياقوت 4/ 286.

(٢٤) ذكره البغوي 5/ 419 عن السدي.

قال الطبري 18/ 27 - بعد حكايته للأقوال في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة-: وأولى الأقوال بتأويل ذنك.

أنَّها مكان مرتفع ذو استواء وماء ظاهر.

وصَوَّب النحاس في "معاني القرآن" 4/ 463 هذا القول.

(٢٥) ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 بنحوه وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 45، والطبري 18/ 28.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن عساكر.

(٢٧) هذا قول الطبري.

انظر تفسيره 18/ 28.

(٢٨) رواه ابن عساكر 1/ 192 - 193، وانظر تخريج الأثر عن ابن عباس ص 66 فهذا بقيته.

(٢٩) رواه الطبري 18/ 27 من طريق ابن أبي نجيح.

(٣٠) هو: جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، روى عن مجاهد وآخرين.

واختلف فيه فوثقه شعبة والثوري، وضعفه الإمام أحمد وآخرون، وكدّبه بعضهم، وكان يؤمن بالرجعة.

قال ابن حجر: ضعيف، رافضي.

توفي سنة 127 هـ، وقيل: 128 هـ، وقيل: 132 هـ.

انظر: "تهذيب الكمال" للمزي 4/ 456 - 472، "المغني" للذهبي 1/ 126، "تهذيب التهذيب" 2/ 46 - 51 و"تقريب التهذيب" 1/ 123 كلاهما لابن حجر.

(٣١) ذكره عن مجاهد بهذا اللفظ -السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.

ولم أره عند ابن جرير الطبري.

(٣٢) انظر "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.

(٣٣) في (ظ)، (ع): (الطاهر)، بالمهملة، وهو خطأ لأن المراد أنه ظاهر تراه العيون.

(٣٤) في (أ): (سعيد وعكرمة).

وروى هذا القول عن سعيد: الطبري 18/ 27 وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 1/ 198 ووقع فيه: "الظاهر" بالمهملة.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 100 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(٣٥) (لك): ساقطة من (أ).

(٣٦) في (أ): (المعين)، وهو خطأ.

(٣٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 237.

(٣٨) في (أ): (فاستبعد).

(٣٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 15 مع تقديم وتأخير.

(٤٠) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 297.

(٤١) في (ظ)، (ع): (ولا يعتاض)، وهو خطأ.

ويعتاص: يصعب استخراجه.

انظر: "لسان العرب" 7/ 58 (عوص).

(٤٢) مُعنان بالضمّ: كذا ضبطه الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 4/ 272 (المعن).

(٤٣) "الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1135 - 1137، وما نقله الواحدي عن أبي علي من قوله: ومن هذا يقال: أمعن ...

ماعونا لهذا.

هو في الإغفال منسوبًا لابن الأعرابي من رواية أحمد بن يحيى.

(٤٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٤٥) قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" 3/ 16 من رواية ثعلب -أحمد بن يحيى- عنه.

ورواه النحاس في "معاني القرآن" 4/ 465 بإسناده عن ابن الأعرابي من طريق أحمد بن يحيى "ثعلب".

(٤٦) (ومعنان): ساقط من (أ).

(٤٧) انظر: "لسان العرب" 13/ 410 - 411 "معن".

(٤٨) يعني أبا علي الفارسي.

(٤٩) في (ظ): (أن).

(٥٠) (من العين): ساقط من (ظ).

(٥١) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٥٢) "العبارة في الإغفال" 2/ 1137: أن أبا الحسن قد حكى في قوله ...

وأبو الحسن هو الأخفش، ولم أجد كلامه في معاني القرآن.

(٥٣) (فيه): ساقطة من (ظ).

(٥٤) في (أ): (وجه).

(٥٥) في الإغفال 2/ 1138: قال: ولا فعل له.

(٥٦) مُدَرْهَم: -بفتح الهاء-: كثير الدوام.

"لسان العرب" 12/ 699 "درهم"، "القاموس المحيط" 4/ 111.

(٥٧) في (ع): (ولا).

(٥٨) انظر: "الكتاب" 2/ 402، 4/ 8.

(٥٩) (مع): ساقطة من (ظ).

(٦٠) في (ظ): (فشؤه).

(٦١) في (أ): (وصفت)، وفي (ظ)، (ع) والإغفال.

(وصفاه).

(٦٢) يعني أبا علي الفارسي.

(٦٣) في (أ): (بإسناده).

(٦٤) "الإغفال" لأبي علي الفارسي 2/ 1137 - 1140 مع تصرف -وأثره سعيد- الذي روه أبو علي في الإغفال رواه الطبري 29/ 23 من طريق سالم، عنه بلفظ: ظاهر.

(٦٥) لم أقف عليه.

وانظر: "لسان العرب" 13/ 409 (معن).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ ﴾ الربوة: الموضع المرتفع من الأرض، ويجوز فيها فتح الراء وضمها وكسرها، واختلف في موضع هذه الربوة، فقيل: بيت المقدس، وقيل: بغوطة دمشق، وقيل: بفلسطين ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ القرار: المستوي من الأرض؛ فمعناه أنها بسيطة يمكن فيها الحرث والغراسة، وقيل: إن القرار هنا الثمار والحبوب، والمعين الماء الجاري، فقيل: إنه مشتق من قولك: معن الماء إذ كثر، فالميم على هذا أصلية، ووزنه فعيل، وقيل: إنه مشتق من العين، فالميم زائدة، ووزنه مفعول.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.

الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.

الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.

﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله  في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح  ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله  في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.

والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.

قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة  ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة  ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.

وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.

ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.

وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.

ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.

ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.

قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك  ﴾ لبيان المهيت به.

وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.

ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".

وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .

ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.

وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.

والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.

ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.

وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.

وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.

والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.

ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.

وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.

ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.

والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول  ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.

ثم ذكر طرفاً من قصة موسى  .

عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.

ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى  في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.

ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.

أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.

قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.

والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.

ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.

ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.

ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.

والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى  ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة  ﴾ والقصة مشهورة.

فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم  ﴾ وقد مر في آخر "يونس".

ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.

واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.

والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.

عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.

وعن الحسن: فلسطين والرملة.

ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.

وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.

والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.

وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.

وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.

قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.

قوله  ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله  بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره  وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟

فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟

فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.

ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟

فقال  : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .

وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.

ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.

وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا  لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.

ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.

وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.

وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.

وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.

وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير  ﴾ وكلاهما من أسمائه  إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.

ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.

والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.

قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.

ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.

وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.

ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.

ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.

ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا  وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة  ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.

قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.

قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.

قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.

والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله  ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.

ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله  أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.

وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.

وفيه انه  أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.

التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.

"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله:] ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ ﴾ .

قد ذكرناه.

﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ ﴾ .

كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقال بعضهم: متكبرين ومتجبرين.

قال أبو عوسجة: هو من العلوّ، ليس من التعالي، والتعالي لا يوصف به الخلق.

قال القتبي: ﴿ تَتْرَا ﴾ ، أي: تتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، والأصل: (وترى)، فقلبت الواو تاء؛ كما قلبوها في (التقوى) و (التخمة) و (التكلان).

وقال أبو عوسجة: ﴿ تَتْرَا ﴾ بعضهم على أثر بعضهم، وهو من المتابعة.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ﴾ دلالة أن أهل الفترة، ومن كان فيما بين بعث الرسل - لا عذر لهم في شيء؛ لإبقاء الحجج والبراهين قبل أن يبعث آخر وحسن آثارهم وأعلامهم - أعني: آثار الرسل وأعلامهم - أخبر أنه أرسل الرسل تباعاً: بعضاً على [إثر] بعض، وإن كان بين بعثهم فترة؛ لما أبقى الحجج والبراهين وآثار الرسل وأعمالهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: تعجب: نرفعهم بعد ما كنا غالبين عليهم؟!!

نجعلهم غالبين علينا وكانوا لنا عابدين؟!

أي: نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك؟!

وذلك - والله أعلم - حين أتوهما بالرسالة.

﴿ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ﴾ : صاروا من المهلكين بالتكذيب.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون حرف (لعل) لموسى، أي: آتينا موسى الكتاب؛ لعلهم يهتدون عنده، و (لعل) حرف رجاء وترج؛ لكن يستعمل مرة: على الإيجاب والإلزام، ومرة: على النهي؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ  ﴾ ، أي: لا تبخع نفسك، وقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ  ﴾ أي: لا تترك بعض ما يوحى إليك، وذلك جار في اللغة؛ يقول الرجل لآخر: لعلك تفعل كذا، أي: لا تفعل، ونحوه، [و] (لعل) من الله يحتمل الإيجاب والإلزام والنهي، ومن الخلق: [يحمل] على النهي والترجي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ﴾ .

خص - عز وجل - عيسى وأمه بأن جعلهما آية، وجميع البشر في معنى الآية واحد؛ إذ خلقوا جميعاً من نطفة، ثم حولت النطفة علقة، والعلقة مضغة، إلى آخر ما ينتهي إليه؛ فيصير إنساناً؛ فالآية والأعجوبة في خلق الإنسان من النطفة ومما ذكرنا إن لم تكن أكثر وأعظم لم تكن دون خلقه بلا أب ولا زوج وما ذكر، لكنه خصّهما بذكر الآية فيهما؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد في الخلق، والعادة الظاهرة فيهم أن يخلقوا من النطفة والأب والتزاوج [والأسباب التي] جعلت للتوالد والتناسل الذي تجري فيما بينهم والأسباب التي جعل للتوالد في الخلق؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد والعادة الظاهرة خصّهما بذكر الآية والأعجوبة في خلق البشر من النطفة، وما ذكر إن لم يكن أكثر وأعظم لم يكن دونه، وهو كما خصّ بني إسرائيل بالخطاب بالشكر؛ لما أنعم عليهم من المن والسلوى، ولما أنجاهم من آل فرعون بقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  ﴾ ، وقد كان عليهم من النعم ما هو أعظم وأكثر مما ذكر من المنّ والسلوى ونجاتهم من فرعون وآله، لكنه خصّهم بذكر المنّ والسلوى واستأدى منهم الشكر بذلك من بين سائر النعم؛ لأنها خرجت عن المعتاد من النعم المعروفة، وهم كانوا مخصوصين بهذا من بين غيرهم؛ فعلى ذلك عيسى وأمه: كانا خارجين عن الأمر المعتاد ومخصوصين بذلك؛ لذلك خصّهما بذكر الآية، والآية ما ذكر بعض أهل التأويل أنه خلق من غير أب، ولدته أمه من غير فعل أمثالها.

وقال بعضهم: الآية في عيسى: بأن كلم الناس في المهد صبيّاً، ونحوه: من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ومثله.

وقوله: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ .

ذكر أنه آواهما إلى ربوة كما يؤوي الأب والأم الولد إلى مكان يتعيش به؛ إذ الربوة هي مكان التعيش فيه؛ ألا ترى أنه ذكر ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ هو المكان الذي يستقر فيه ويتعيش.

وقوله: ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ ، المعين: هو الماء الجاري الظاهر الذي تأخذه العيون، وتقع عليه الأبصار.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إنما خاطب بهذا محمداً خاصّة، على ما يخاطب هو، والمراد منه: جميع أمته في ذلك.

ولكن جائز أن يقال: خاطب به جميع الرسل؛ لأنهم جميعاً مخاطبون بهذا كله: من أكل الطيبات، والعمل الصالح، هذا الخطاب فيه وفي غيرهم؛ إذ عمهم جميعاً بهذا.

ثم الطيبات يحتمل أن يراد بها الحلالات؛ كأنه قال: كلوا حلالا غير حرام؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، أي: اعملوا صالحاً، ولا تعملوا سيئاً؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ ، أي: كلوا حلالا ولا تأكلوا حراماً: ما خبث.

وفيه أنهم يمتحنون كما يمتحن غيرهم بالأمر والنهي.

ويحتمل - أيضاً - قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ : ما طابت به أنفسكم وتلذذت، فإن كان على هذا فهو يخرج على الإباحة والرخصة، ليس على الأمر، معناه: لكم أن تأكلوا ما تطيب به أنفسكم، ولكم أن تؤثروا غيركم به على أنفسكم.

وإن كان على الأمر فهو على الأمر يخرج والنهي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ .

ظاهر، وهو وعيد.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : في الكتب المتقدمة، وعلى لسان الرسل السالفة؛ كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ ، أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة وفي الأمم الماضية؛ فعلى ذلك هذا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: دينكم دين واحد، وملتكم ملة واحدة، وهي الإسلام.

وقال بعضهم: لسانكم لسان واحد.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : لا تختلفون في رسولكم إلى يوم القيامة، كما اختلف الأمم الذين من قبلكم في رسلهم؛ بل تجعلوا رسولكم رسولا على ما هو عليه، وأما سائر الأمم فإنهم قد فرطوا فيهم؛ حتى كان فيهم [من] جعل الرسول ابناً له؛ كقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، والنصارى، وأما هؤلاء فإنهم لا يزالون على أمر واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱعْبُدُونِ  ﴾ : جائز أن يكونا واحداً، وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّقُونِ ﴾ أي: مخالفتي، ﴿ فَٱعْبُدُونِ ﴾ ، أي: اعبدوني وأطيعوني.

وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ ﴾ و (قطعوا) واحد، وهما لغتان؛ [نحو]: تفرقوا وفرقوا.

﴿ زُبُراً ﴾ : برفع الباء، وزبرا بنصب الباء، قال أبو معاذ: من قرأ بالنصب: ﴿ زُبُراً ﴾ ؛ فمعناه: قطعا؛ كقوله: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ  ﴾ ، و ﴿ زُبُراً ﴾ بالرفع، أي: كتبا؛ كقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ  ﴾ ، ونحوه.

وقال في حرف ابن مسعود وأبي: (وقطعوا الزبور بينهم).

قال أبو معاذ: (قطعوا) و (تقطعوا): لغتان؛ كَقيلِك: علقت الشيء وتعلقته، وحولت وتحولت، ووليت وتوليت، ونحوه كثير.

[وقوله:] ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ .

راضون أو مسرورون بما لديهم من الدين، أو ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وصيرنا عيسى بن مريم وأمه مريم علامة دالة على قدرتنا، فقد حملت به من غير أب، وآويناهما إلى مكان مرتفع من الأرض، مستوٍ صالح للاستقرار عليه، فيه ماء جار متجدد.

<div class="verse-tafsir" id="91.mgb2o"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده