الآية ٥٣ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٥٣ من سورة المؤمنون

فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًۭا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ٥٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 62 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٣ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٣ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ) أي : الأمم الذين بعث إليهم الأنبياء ، ( كل حزب بما لديهم فرحون ) أي : يفرحون بما هم فيه من الضلال; لأنهم يحسبون أنهم مهتدون;

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( زُبُرًا ) فقرأته عامة قرّاء المدينة والعراق: ( زُبُرًا ) بمعنى جمع الزبور.

فتأويل الكلام على قراءة هؤلاء: فتفرّق القوم الذين أمرهم الله من أمة الرسول عيسى بالاجتماع على الدين الواحد والملة الواحدة، دينهم الذي أمرهم الله بلزومه ( زُبُرًا ) كتبا، فدان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذين دان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة ، وكذّبوا بحكم الإنجيل والقرآن، وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل بزعمهم ، وكذبوا بحكم الفرقان.

* ذكر من تأول ذلك كذلك: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة ( زُبُرًا ) قال: كتبا.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( بَيْنَهُمْ زُبُرًا ) قال: كتب الله فرقوها قطعا.

* - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ) قال مجاهد: كتبهم فرقوها قطعا.

وقال آخرون من أهل هذه القراءة: إنما معنى الكلام: فتفرقوا دينهم بينهم كتبا أحدثوها يحتجون فيها لمذهبهم.

*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) قال: هذا ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، كلّ معجبون برأيهم، ليس أهل هواء إلا وهم معجبون برأيهم وهواهم وصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الشام ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبَرًا ) بضم الزاي وفتح الباء، بمعنى: فتفرّقوا أمرهم بينهم قِطَعا كزُبَر الحديد، وذلك القطع منها واحدتها زبرة، من قول الله: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ فصار بعضهم يهودا ، ويعضهم نصارى.

والقراءة التي نختار في ذلك قراءة من قرأه بضم الزاي والباء؛ لإجماع أهل التأويل في تأويل ذلك على أنه مراد به الكتب، فذلك يبين عن صحة ما اخترنا في ذلك؛ لأن الزبُر هي الكتب، يقال منه: زبرت الكتاب: إذ كتبته.

فتأويل الكلام: فتفرّق الذين أمرهم الله بلزوم دينه من الأمم دينهم بينهم كتبًا كما بيَّنا قبل.

وقوله: ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) يقول: كل فريق من تلك الأمم ، بما اختاروه لأنفسهم من الدين والكتب ، فرحون معجبون به، لا يرون أن الحقّ سواه.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني &; 19-43 &; الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) : قطعة وهؤلاء هم أهل الكتاب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( كُلُّ حِزْبٍ ) قطعة أهل الكتاب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فتقطعوا أي افترقوا ، يعني الأمم ، أي [ ص: 121 ] جعلوا دينهم أديانا بعد ما أمروا بالاجتماع .

ثم ذكر تعالى أن كلا منهم معجب برأيه وضلالته وهذا غاية الضلال .الرابعة : هذه الآية تنظر إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة الحديث .

خرجه أبو داود ، ورواه الترمذي وزاد : قالوا ومن هي يا رسول الله ؟

قال : ما أنا عليه وأصحابي خرجه من حديث عبد الله بن عمرو .

وهذا يبين أن الافتراق المحذر منه في الآية والحديث إنما هو في أصول الدين وقواعده ، لأنه قد أطلق عليها مللا ، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار .

ومثل هذا لا يقال في الفروع ، فإنه لا يوجب تعديد الملل ولا عذاب النار ؛ قال الله تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا .قوله تعالى : زبرا يعني كتبا وضعوها وضلالات ألفوها ؛ قاله ابن زيد .

وقيل : إنهم فرقوا الكتب فاتبعت فرقة الصحف ، وفرقة التوراة ، وفرقة الزبور ، وفرقة الإنجيل ، ثم حرف الكل وبدل ؛ قاله قتادة .

وقيل : أخذ كل فريق منهم كتابا آمن به وكفر بما سواه .

و زبرا بضم الباء قراءة نافع ، جمع زبور .

والأعمش ، وأبو عمرو بخلاف عنه زبرا بفتح الباء ، أي قطعا كقطع الحديد ؛ كقوله تعالى : آتوني زبر الحديد .

كل حزب أي فريق وملة .

بما لديهم أي عندهم من الدين .

فرحون أي معجبون به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

، ولكن أبى الظالمون المفترقون إلا عصيانا، ولهذا قال: { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا } أي: تقطع المنتسبون إلى اتباع الأنبياء { أَمْرُهُمْ } أي: دينهم { بَيْنَهُمْ زُبُرًا } أي: قطعا { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ } أي: بما عندهم من العلم والدين { فَرِحُونَ } يزعمون أنهم المحقون، وغيرهم على غير الحق، مع أن المحق منهم، من كان على طريق الرسل، من أكل الطيبات، والعمل الصالح، وما عداهم فإنهم مبطلون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فتقطعوا أمرهم ) دينهم ، ( بينهم ) أي : تفرقوا فصاروا فرقا ، يهودا ونصارى ومجوسا ، ( زبرا ) أي : فرقا وقطعا مختلفة ، واحدها زبور وهو الفرقة والطائفة ، ومثله الزبرة وجمعها زبر ، ومنه : " زبر الحديد " ( الكهف - 96 ) .

أي : صاروا فرقا كزبر الحديد .

وقرأ بعض أهل الشام " زبرا " بفتح الباء ، قال قتادة ومجاهد " زبرا " أي : كتبا ، يعني دان كل فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخرون .

وقيل : جعلوا كتبهم قطعا مختلفة ، آمنوا بالبعض ، وكفروا بالبعض ، وحرفوا البعض ، ( كل حزب بما لديهم ) بما عندهم من الدين ، ( فرحون ) معجبون ومسرورون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فتقطعوا» أي الأتباع «أمرهم» دينهم «بينهم زبرا» حال من فاعل تقطعوا أي أحزابا متخالفين كاليهود والنصارى وغيرهم «كل حزب بما لديهم» أي عندهم من الدين «فرحون» مسرورون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فتفرَّق الأتباع في الدين إلى أحزاب وشيع، جعلوا دينهم أديانًا بعدما أُمروا بالاجتماع، كل حزب معجب برأيه زاعم أنه على الحق وغيره على الباطل.

وفي هذا تحذير من التحزب والتفرق في الدين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال المصرين على كفرهم وضلالهم من دعوة الرسل عليهم - الصلاة والسلام - فقال : ( فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ .

.

.

) .الفاء فى قوله - تعالى - : ( فتقطعوا ) لترتيب حالهم وما هم عليه من تفرق وتنازع واختلاف ، على ما سبق من أمرهم بالتقوى ، واتباع ما جاءهم به الرسل .وضمير الجمع يعود إلى الأقوام السابقين الذين خالفوا رسلهم ، وتفرقوا شيعاً وأحزاباً .وقوله ( زُبُراً ) حال من هذا الضمير .

ومفرده زُبْرَة - كغرفة - بمعنى : قطعة .

والمراد به هنا : طائفة من الناس .

والمراد بأمرهم : أمر دينهم الذى هو واحد فى الأصل .أى : أن هؤلاء الأقوام الذين جاء الرسل لهدايتهم ، لم يتبعوا دين رسلهم بل تفرقوا فى شأنه شيعاً وأحزاباً ، فمنهم أهل الكتاب الذين قال بعضهم : عزير ابن الله ، وقال بعضهم : المسيح ابن الله ، ومنهم المشركون الذين عبدوا من دون الله - تعالى - أصناماً لا تضر ولا تنفع ، وصار كل حزب من هؤلاء المعرضين عن الحق ، مسروراً بما هو عليه من باطل ، وفرحاً بما هو فيه من ضلال .والآية القرآنية بأسلوبها البديع ، تسوق هذا التنازع من هؤلاء الجاهلين فى شأن الدين الواحد ، فى صورة حسية ، يرى المتدبر من خلالها ، أنهم تجاذبوه فيما بينهم ، حتى قطعوه فى أيديهم قطعاً ، ثم مضى كل فريق منهم بقطعته وهو فرح مسرور ، مع أنه - لو كان يعقل - لما انحدر إلى هذا الفعل القبيح ، ولما فرح بعمل شىء من شأنه أن يحزن له كل عاقل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن ظاهر قوله: ﴿ يا أيها الرسل ﴾ خطاب مع كل الرسل وذلك غير ممكن لأن الرسل إنما أرسلوا متفرقين في أزمنة متفرقة مختلفة فكيف يمكن توجيه هذا الخطاب إليهم، فلهذا الإشكال اختلفوا في تأويله على وجوه: أحدها: أن المعنى الإعلام بأن كل رسول فهو في زمانه نودي بهذا المعنى ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل ووصوا به حقيق بأن يؤخذ به ويعمل عليه.

وثانيها: أن المراد نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل، وإنما ذكر على صيغة الجمع كما يقال للواحد أيها القوم كفوا عني أذاكم ومثله ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس  ﴾ وهو نعيم بن مسعود كأنه سبحانه لما خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك بين أن الرسل بأسرهم لو كانوا حاضرين مجتمعين لما خوطبوا إلا بذلك ليعلم رسولنا أن هذا التثقيل ليس عليه فقط، بل لازم على جميع الأنبياء عليهم السلام.

وثالثها: وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى عليه السلام لأنه إنما ذكر ذلك بعدما ذكر مكانه الجامع للطعام والشراب ولأنه روى أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه، والقول الأول أقرب لأنه أوفق للفظ الآية، ولأنه روي عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره وهو صائم فرده الرسول إليها وقال من أين لك هذا؟

فقالت من شاة لي، ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟

فقالت اشتريتها بمالي فأخذه.

ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟

فقال عليه السلام: «بذلك أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيباً ولا يعملوا إلا صالحاً».

أما قوله تعالى: ﴿ مّنَ الطيبات ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه الحلال وقيل طيبات الرزق حلال وصاف وقوام فالحلال الذي لا يعصى الله فيه، والصافي الذي لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل والثاني: أنه المستطاب المستلذ من المأكل والفواكه فبين تعالى أنه وإن ثقل عليهم بالنبوة وبما ألزمهم القيام بحقها، فقد أباح لهم أكل الطيبات كما أباح لغيرهم.

واعلم أنه سبحانه كما قال المرسلين ﴿ يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ فقال للمؤمنين: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم ﴾ ، واعلم أن تقديم قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ الطيبات ﴾ على قوله: ﴿ واعملوا صالحا ﴾ كالدلالة على أن العمل الصالح لابد وأن يكون مسبوقاً بأكل الحلال، فأما قوله: ﴿ إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ فهو تحذير من مخالفة ما أمرهم به وإذا كان ذلك تحذيراً للرسل مع علو شأنهم فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى.

أما قوله: ﴿ وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحدة وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون ﴾ فقد فسرناه في سورة الأنبياء وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعنى أنه كما يجب اتفاقهم على أكل الحلال والأعمال الصالحة فكذلك هم متفقون على التوحيد وعلى الإتقاء من معصية الله تعالى.

فإن قيل لما كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟

قلنا المراد من الدين ما لا يختلفون فيه من معرفة ذات الله تعالى وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يسمى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هاهنا، ويدل على ذلك قوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون ﴾ فكأنه نبه بذلك على أن دين الجميع واحد فيما يتصل بمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه فلا مدخل للشرائع، وإن اختلفت في ذلك.

المسألة الثانية: قرئ وإن بالكسر على الاستئناف وإن بمعنى ولأن وإن مخففة من الثقيلة وأمتكم مرفوعة معها.

أما قوله تعالى: ﴿ فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ فالمعنى فإن أمم الأنبياء عليهم السلام تقطعوا أمرهم بينهم وفي قوله: ﴿ فَتَقَطَّعُواْ ﴾ معنى المبالغة في شدة اختلافهم والمراد بأمرهم ما يتصل بالدين.

أما قوله: ﴿ زُبُراً ﴾ فقرئ زبراً جمع زبور أي كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً وزبراً قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد وزبراً مخففة الباء كرسل في رسل قال الكلبي ومقاتل والضحاك يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.

أما قوله تعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ فمعناه أن كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى المحق أنه الرابح، وأن غيره المبطل الخاسر، ولما ذكر الله تعالى تفرق هؤلاء في دينهم أتبعه بالوعيد، وقال: ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ ﴾ حتى حين الخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: فدع هؤلاء الكفار في جهلهم والغمرة الماء الذي يغمر القامة فكأن ما هم فيه من الجهل والحيرة صار غامراً ساتراً لعقولهم، وعن علي عليه السلام: ﴿ فِى غمراتهم حتى حِينٍ ﴾ وذكروا في الحين وجوهاً: أحدها: إلى حين الموت.

وثانيها: إلى حين المعاينة.

وثالثها: إلى حين العذاب، والعادة في ذلك أن يذكر في الكلام، والمراد به الحالة التي تقترن بها الحسرة والندامة، وذلك يحصل إذا عرفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرفهم سوء منقلبهم، ويحصل أيضاً عند المحاسبة في الآخرة، ويحصل عند عذاب القبر والمساءلة فيجب أن يحمل على كل ذلك.

ولما كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أن تلك النعم كالثواب المعجل لهم على أديانهم، فبين سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك، فقال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات ﴾ قرئ يمدهم ويسارع بالياء والفاعل هو الله سبحانه وفي المعنى وجهان: أحدهما: أن هذا الإمداد ليس إلا استدراجاً لهم في المعاصي، واستجراراً لهم في زيادة الإثم وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات وبل للاستدراك لقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ ﴾ يعني بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا في ذلك، أهو استدراج أم مسارعة في الخير، وهذه الآية كقوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم  ﴾ روي عن يزيد بن ميسرة: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء أيفرح عبدي أن أبسط له الدنيا وهو أبعد له مني، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهو أقرب له مني ثم تلا: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ وعن الحسن: لما أتى عمر بسوار كسرى فأخذه ووضعه في يد سراقة فبلغ منكبه.

فقال عمر اللهم إني قد علمت أن نبيك عليه الصلاة والسلام، كان يحب أن يصيب مالاً لينفقه في سبيلك، فزويت ذلك عنه نظراً.

ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك، اللهم لا يكن ذلك مكراً منك بعمر.

ثم تلا: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ الوجه الثاني: وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال، متمكنين من الاشتغال بكلف الحق، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه، كان لزوم الحجة عليهم أقوى، فلذلك قال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ زُبُراً ﴾ جمع زبور، أي: كتباً مختلفة، يعني: جعلوا دينهم أدياناً، وزبراً قطعاً: استعيرت من زبر الفضة والحديد، وزبراً: مخففة الباء، كرسل في رسل، أي: كلّ فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم، فرح بباطله، مطمئنّ النفس، معتقد أنه على الحق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

.

﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ فَتَقَطَّعُوا أمْرَ دِينِهِمْ وجَعَلُوهُ أدْيانًا مُخْتَلِفَةً، أوْ فَتَفَرَّقُوا وتَحَزَّبُوا و ( أمْرَهم ) مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أوِ التَّمْيِيزِ، والضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِن أرْبابِها أوَّلُها.

﴿ زُبُرًا ﴾ قِطَعًا جَمْعُ زَبُورٍ الَّذِي بِمَعْنى الفِرْقَةِ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِفَتْحِ الباءِ فَإنَّهُ جَمْعُ زُبْرَةٍ وهو حالٌ مِن أمْرِهِمْ أوْ مِنَ الواوِ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَقَطَّعُوا فَإنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى جَعَلَ.

وقِيلَ كُتُبًا مِن زَبَرْتُ الكِتابَ فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا، أوْ حالًا مِن أمْرَهم عَلى تَقْدِيرِ مِثْلَ كُتُبٍ، وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الباءِ كَرُسُلٍ في «رَسَلَ» .

﴿ كُلُّ حِزْبٍ ﴾ مِنَ المُتَحَزِّبِينَ.

﴿ بِما لَدَيْهِمْ ﴾ مِنَ الدِّينِ.

﴿ فَرِحُونَ ﴾ مُعْجَبُونَ مُعْتَقِدُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.

﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ في جَهالَتِهِمْ شَبَّهَها بِالماءِ الَّذِي يَغْمُرُ القامَةَ لِأنَّهم مَغْمُورُونَ فِيها أوْ لاعِبُونَ بِها، وقُرِئَ في «غَمَراتِهِمْ» .

﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ إلى أنْ يُقْتَلُوا أوْ يَمُوتُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} تقطع بمعنى قطع أي قطعوا أمر دينهم

{زُبُراً} جمع زبور أي كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً وقيل تفرقوا في دينهم فرقاً كلٍ فرقة تنتحل كتاباً وعن الحسن قطعوا كتاب الله قطعاً وحرفوه وقرئ زَبرا جمع زبرة أي قطعاً {كُلُّ حِزْبٍ} كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم {بِمَا لَدَيْهِمْ} من الكتاب والدين أو من الهوى والرأي {فَرِحُونَ} مسرورون معتقدون أنهم على الحق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ ﴾ الضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأُمَّةُ مِن أرْبابِها إنْ كانَتْ بِمَعْنى المِلَّةِ أوْ لَها وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الجَماعَةِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالأُمَّةِ أوَّلًا المِلَّةُ وعِنْدَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْها الجَماعَةُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِخْدامِ، والمُرادُ حِكايَةُ ما ظَهَرَ مِن أُمَمُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ عِصْيانِهِمْ عَلى الأمْرِ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ، وتَقْطَعُ بِمَعْنى قَطْعٍ كَتَقَدُّمٍ بِمَعْنى قِدَمَ والمُرادُ بِأمْرِهِمْ أمْرِ دِينِهِمْ إمّا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ عَلى جَعْلِ الإضافَةِ عَهْدِيَّةٍ أيْ قَطَعُوا أمْرَ دِينِهِمْ وجَعَلُوهُ أدْيانًا مُخْتَلِفَةً مَعَ اتِّحادِهِ، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّقَطُّعِ التَّفَرُّقُ، و«أمَرَهُمْ» مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ فَتَفَرَّقُوا وتَحَزَّبُوا في أمْرِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ أمْرَهُمْ ﴾ عَلى هَذا نَصْبًا عَلى التَّمْيِيزِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ المُجَوَّزِينَ تَعْرِيفَ التَّمْيِيزِ ﴿ بَيْنَهم زُبُرًا ﴾ أيْ قَطْعًا جَمْعُ زَبُورٍ بِمَعْنى فُرْقَةٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «زُبَرًا» بِضَمُ الزّايِ وفَتْحِ الباءِ فَإنَّهُ مَشْهُورٌ ثابِتٌ في جَمْعِ زُبْرَةٍ بِمَعْنى قِطْعَةٍ وهو حالٌ مِن «أمْرِهِمْ» أوْ مِن واوِ ( تَقْطَعُوا ) أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ فَإنَّهُ مُضَمَّنُ مَعْنى جُعِلُوا، وقِيلَ: جَمْعُ زَبُورٍ بِمَعْنى كِتابٍ مِن زَبَرَتْ بِمَعْنى كَتَبَتْ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَقْطَعُوا المُضَمِّنَ مَعْنى الجَعْلِ أيْ قَطَعُوا أمْرَ دِينِهِمْ جاعِلِينَ لَهُ كُتُبًا.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿ أمْرَهُمْ ﴾ عَلى اعْتِبارِ تَقْطَعُوا لازِمًا أيْ تَفَرَّقُوا في أمْرِهِمْ حالَ كَوْنِهِ مِثْلَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ عِنْدَهم.

وقِيلَ: إنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ في كُتُبٍ، وتَفْسِيرُ ﴿ زُبُرًا ﴾ بِكُتُبٍ رَواهُ جَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ كَما في الدُّرِّ المَنثُورِ، ولا يَخْفى خَفاءُ المَعْنى عَلَيْهِ ولا يَكادُ يَسْتَقِيمُ إلّا بِتَأْوِيلٍ فَتَدَبَّرْ.

وقُرِئَ «زُبَرًا» بِإسْكانِ الباءِ لِلتَّخْفِيفِ كَرُسُلٍ في رُسُلٍ، وجاءَ ﴿ فَتَقَطَّعُوا ﴾ هُنا بِالفاءِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ اعْتَقِبِ الأمْرَ وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الذَّمِّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجاءَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بِالواوِ فاحْتَمَلَ مَعْنى الفاءِ واحْتَمَلَ تَأخُّرَ تَقَطُّعِهِمْ عَنِ الأمْرِ، وجاءَ هُنا ﴿ وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ مِمّا جاءَ هُناكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى هُناكَ: ﴿ وأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ  ﴾ لِأنَّ هَذِهِ جاءَتْ عُقَيْبَ إهْلاكِ طَوائِفَ كَثِيرِينَ قَوْمِ نُوحٍ والأُمَمُ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وفي تِلْكَ السُّورَةِ وإنْ تَقَدَّمَتْ أيْضًا قِصَّةُ نُوحٍ وما قَبْلُها فَإنَّهُ جاءَ بَعْدَها ما يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ واللُّطْفِ التّامِّ في قِصَّةِ أيُّوبٍ وزَكَرِيّا ومَرْيَمَ فَناسَبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ لِمَن هَذِهِ صَفَتُهُ عَزَّ وجَلَّ قالَهُ أبُو حَيّانَ، وما ذَكَرَهُ أوَّلًا غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ، وما ذَكَرَهُ ثانِيًا قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَصِ السّابِقَةِ أوْ لِقِصَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْتِداءِ كَلامٍ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لا يُفِيدُ ذَلِكَ إلّا أنْ يُرادَ أنَّهُ وقَعَ في الحِكايَةِ لِهَذِهِ المُناسَبَةِ فَتَأمَّلْ.

﴿ كُلُّ حِزْبٍ ﴾ مِن أُولَئِكَ المُتَحَزِّبِينَ ﴿ بِما لَدَيْهِمْ ﴾ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اخْتارُوهُ ﴿ فَرِحُونَ ﴾ مَسْرُورُونَ مُنْشَرِحُو الصَّدْرِ، والمُرادُ أنَّهم مُعْجَبُونَ بِهِ مُعْتَقِدُونَ أنَّهُ الحَقُّ، وفي هَذا مِن ذَمِّ أُولَئِكَ المُتَحَزِّبِينَ ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، يعني: التوراة، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يعني: لكي يهتدوا، يعني: بني إسرائيل.

قوله تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً، يعني: عبرة وعلامة لبني إسرائيل، ولم يقل آيتين، وقد ذكرناه.

ثم قال: وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ، وذلك أنها لما ولدت عيسى  هم قومها أن يرجموها، فخرجت من بيت المقدس إلى أرض دمشق، والربوة: المكان المرتفع.

ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ، يعني: أرضاً مستوية وَمَعِينٍ يعني: الماء الجاري الطاهر، وهو مفعول من العين، وأصله: معيون، كما يقال: ثوب مخيط.

وقال سعيد بن المسيب: الربوة هي دمشق، ويقال: هي بيت المقدس، لأنها أقرب إلى السموات من سائر الأرض.

ويقال: إنها الرملة وفلسطين.

قرأ ابن عامر وعاصم رَبْوَةٍ بنصب الراء، وقرأ الباقون بالضم، ومعناهما واحد.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ، يعني: محمدا  .

وإنما خاطب به النبي  وأراد به النبيّ  وأمته، كما يجيء في مخاطبتهم.

كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، يعني: من الحلالات.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا ابن صاعد قال: حدثنا أحمد بن منصور قال: حدثنا الفضل بن دكين قال: حدثنا الفضل بن مرزوق قال: أخبرني عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : «يَا أَيُّها النَّاسُ إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّبَاً، وَإنَّ الله تَعَالَى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [البقرة: 57] .

ثمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ، يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك» (١)  ، فقيل: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ وتضمن هذا الخطاب أن الرسل عليهم السلام جميعاً كذا أمروا.

قال: ويروى أن عيسى  كان يأكل من غزل أمه، وكان رزق النبيّ  من الغنيمة وأطيب الطيبات الغنائم.

ثم قال تعالى: وَاعْمَلُوا صالِحاً يعني: خالصاً.

إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، يعني: قبل أن تعملوا.

قوله عز وجل: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، يعني: دينكم الذي أنتم عليه، يعني: ملة الإسلام دين واحد، عليه كانت الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون.

وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، يعني: أنا شرعته لكم فأطيعون.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: أَن بنصب الألف وتشديد النون، وقرأ ابن عامر بنصب الألف وسكون النون، وقرأ الباقون بكسر الألف والتشديد على معنى الابتداء.

ثم قال عز وجل: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ، يقول: فرقوا دينهم وتفرقوا في دينهم، ومعناه: أن دين الله تعالى واحد، فجعلوه أدياناً مختلفة زبراً.

قرأ ابن عامر: زُبُراً بنصب الباء، أي قطعاً وفرقاً، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي زُبُراً.

بضم الباء، أي كتباً، معناه: جعلوا دينهم كتباً مختلفة، ويقال: فتقطعوا كتاب الله وحرفوه وغيروه.

كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، يعني: بما هم عليه من الدين معجبون، راضون به.

(١) عزاه السيوطي 6/ 102 إلى أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُّسُلُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: يَعْنِي بِالرُّسُلِ هاهُنا: مُحَمَّدًا  وحْدَهُ، وهو مَذْهَبُ العَرَبِ في مُخاطَبَةِ الواحِدِ خِطابَ الجَمِيعِ، ويَتَضَمَّنُ هَذا أنَّ الرُّسُلَ جَمِيعًا كَذا أُمِرُوا، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ: الحَلالُ.

قالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( وأنَّ ) بِالفَتْحِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.

وافَقَ ابْنُ عامِرٍ في فَتْحِ الألِفِ، لَكِنَّهُ سَكَّنَ النُّونَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وإنَّ ) بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُّونِ.

قالَ الفَرّاءُ: مَن فَتَحَ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ، وبِأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم، فَمَوْضِعُها خَفْصٌ؛ لِأنَّها مَرْدُودَةٌ عَلى " ما "، وإنْ شِئْتَ كانَتْ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَأنَّكَ قُلْتَ: واعْلَمُوا هَذا، ومَن كَسَرَ اسْتَأْنَفَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَإنَّهُ خَفَّفَ النُّونَ المُشَدَّدَةَ، وإذا خُفِّفَتْ تَعَلَّقَ بِها ما يَتَعَلَّقُ بِالمُشَدَّدَةِ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها في ( الأنْبِياءِ: ٩٢ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ زُبُرًا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( زُبَرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وفَتْحِ الباءِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( زُبْرًا ) بِرَفْعِ الزّايِ وإسْكانِ الباءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ: ( زُبُرًا ) بِضَمِّ الباءِ، فَتَأْوِيلُهُ: جَعَلُوا دِينَهم كُتُبًا مُخْتَلِفَةً، جَمْعُ زَبُورٍ.

ومَن قَرَأ: ( زُبَرًا ) بِفَتْحِ الباءِ، أرادَ: قِطَعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ؛ أيْ: بِما عِنْدَهم مِنَ الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ مُعْجَبُونَ، يَرَوْنَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ ومُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ( في غَمَراتِهِمْ ) عَلى الجَمْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: في عَمايَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ.

﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ ؛ أيْ: إلى حِينِ يَأْتِيهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.

قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ.

* فَصْلٌ وَهَلْ هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ أمْ لا ؟

فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها التَّهْدِيدُ فَهي مُحْكَمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ ﴾ وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو الجَوْزاءِ: ( يُمِدُّهم ) بِالياءِ المَرْفُوعَةِ وكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( نَمُدُّهم ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ المِيمِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نَمُدُّهم بِهِ ﴿ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ مُجازاةٌ لَهم ؟

إنَّما هو اسْتِدْراجٌ.

﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ ؛ أيْ: نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: ( يُسارِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وأبُو المُتَوَكِّلِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا الرّاءَ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: ( يُسْرِعُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وسُكُونِ السِّينِ ونُصْبِ الرّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ ﴾ ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ ﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ قَرَأ عاصِمْ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَإنَّ هَذِهِ" بِكَسْرِ الألِفِ وشَدِّ النُونِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَخْفِيفِ "أنْ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ هَذِهِ" بِفَتْحِ الألِفِ وتَشْدِيدِ "أنَّ".

فالقِراءَةُ الأُولى بَيِّنَةٌ عَلى القَطْعِ، وأمّا فَتْحُ الألِفِ وتَشْدِيدُ النُونِ فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهٍ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ آخِرًا بِـ "فاتَّقُونِ" عَلى تَقْدِيرِ: "لِأنَّ"، أيْ: فاتَّقَوْنِ لِأنَّ أُمَّتَكم أُمَّةً واحِدَةً وأنِّي رَبُّكُمْ، وهَذا عِنْدَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ -عَزَّ وجَلَّ-: ﴿ وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أحَدًا  ﴾ .و"أنَّ" عِنْدَهُ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، وهي عِنْدَ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لَمّا زالَ الخافِضُ، وقَدْ عَكَسَ هَذا الَّذِي نُسِبَتْ إلَيْهِما بَعْضُ الناسِ، وقالَ الفِراءُ: "أنَّ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واعْلَمُوا أوِ احْفَظُوا.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أُمَّةٌ واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ.

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمْ وأبُو عَمْرٍو: "أُمَّةً واحِدَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، وقِيلَ عَلى البَدَلِ مِن "هَذِهِ"، وفي هَذا نَظَرٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُقَوِّي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ  ﴾ إنَّما هو مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِهِمْ، وأنَّهُ بِتَقْرِيرِ حُضُورِهِمْ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ: وقُلْنا لِلنّاسِ، وإذا قُدِّرَتْ ﴿ يا أيُّها الرُسُلُ  ﴾ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ -  - قَلِقَ اتِّصالُ هَذِهِ واتِّصالُ قَوْلِهِ: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ ﴾ ، أمّا إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ ﴾ وإنْ كانَ قِيلٌ لِلْأنْبِياءِ فَأُمَمُهم داخِلُونَ بِالمَعْنى فَيَحْسُنُ بَعْدَ ذَلِكَ اتِّصالُ "فَتَقَطَّعُوا"، ومَعْنى "الأُمَّةُ" هُنا المِلَّةُ والشَرِيعَةُ، والإشارَةُ بِـ"هَذِهِ" إلى الحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ مِلَّةِ إبْراهِيمَ -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو دِينُ الإسْلامِ.

وقَوْلُهُ: "فَتَقَطَّعُوا" يُرِيدُ الأُمَمَ، أيِ: افْتَرَقُوا، ولَيْسَ بِفِعْلٍ مُطاوِعٍ كَما تَقُولُ "تَقْطَعَ الثَوْبُ"، بَلْ هو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى "قَطَعُوا"، ومِثْلُهُ تُجَهِّمَنِي اللَيْلَ، وتُخَوِّفَنِي السَيْرَ، وتُعَرِّفَنِي الزَمَنَ.

وقَرَأ نافِعٌ: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ والباءِ، جَمْعَ زَبُورٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافِ-: "زُبُرًا" بِضَمِّ الزايِ وفَتْحِ الباءِ، فَأمّا الأُولى فَتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:أحَدُهُما: أنَّ الأُمَمَ تَنازَعَتْ أمْرَها كُتُبًا مُنَزَّلَةً، فاتَّبَعَتْ فِرْقَةٌ الصُحُفَ وفِرْقَةٌ التَوْراةَ وفِرْقَةٌ الإنْجِيلَ، ثُمْ حَرَّفَ الكُلُّ وبَدَّلَ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثانِي أنَّهم تَنازَعُوا أمْرَهم كُتُبًا وضَعُوها وضَلالاتٍ ألَّفُوها، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ، وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَمَعْناها: فُرُقًا كَزُبُرَ الحَدِيدِ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وضَلالَتِهِ، وهَذِهِ غايَةُ الضَلالِ؛ لِأنَّ المُرْتابَ بِما عِنْدَهُ يَنْظُرُ في طَلَبِ الحَقِّ، ومِن حَيْثُ كانَ ذِكْرُ الأُمَمِ في هَذِهِ الآيَةِ مِثالًا لِقُرَيْشٍ خاطَبَ مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- في شَأْنِهِمْ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: "فَذَرْهُمْ"، أيْ: فَذَرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ مَن تَقَدَّمَ.و"الغَمْرَةُ": ما عَمَّهم مِن ضَلالِهِمْ وفَعَلَ بِهِ فِعْلَ الماءِ الغَمْرِ لِما حَصُلَ فِيهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فَذَرْهم في غَمَراتِهِمْ".

و"حَتّى حِينٍ" أيْ: إلى وقْتِ فَتْحٍ فِيهِمْ غَيْرُ مَحْدُودٍ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ.

ثُمْ وقَّفَهم عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ في أنَّ نِعْمَةَ اللهِ عِنْدَهم بِالمالِ ونَحْوِهُ إنَّما هي لِرِضاهُ عن حالِهِمْ، وبَيَّنَ -تَعالى- أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، وخَبَرُ "أنَّ" في قَوْلِهِ: "نُسارِعُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نُسارِعُ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي الكَلامِ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- ضَمِيرٌ عائِدٌ تَقْدِيرُهُ: "لَهم بِهِ".

وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ: "يُسارِعُ" بِالياءِ وكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى أنَّ إمْدادَنا يُسارِعُ، ولا ضَمِيرَ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ إلّا ما يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ، ورُوِيَ عن أبِي بَكْرَةَ المَذْكُورِ "يُسارَعُ" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "نُسْرِعُ" بِالنُونِ وسُقُوطِ الألِفِ، و"الخَيْراتُ" هُنا تَعُمُ الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، و"الشُعُورُ" مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ وهو ما بَلِيَ الإنْسانُ مِن ثِيابِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جيء بفاء التعقيب لإفادة أن الأمم لم يتريثوا عقب تبليغ الرسل إياهم ﴿ إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ﴾ [المؤمنون: 52] أن تقطعوا أمرهم بينهم فاتخذوا آلهة كثيرة فصار دينهم متقطعاً قطعاً لكل فريق صنم وعبادة خاصة به.

فضمير ﴿ تقطّعوا ﴾ عائد إلى الأمم المفهوم من السياق الذين هم المقصود من قوله ﴿ وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ﴾ [المؤمنون: 52].

وضمير الجمع عائد إلى أمم الرسل يدل عليه السياق.

فالكلام مسوق مساق الذم.

ولذلك قد تفيد الفاء مع التعقيب معنى التفريع، أي فتفرع على ما أمرناهم به من التوحيد أنهم أتوا بعكس المطلوب منهم فيفيد الكلام زيادة على الذم تعجيباً من حالهم.

ومما يزيد معنى الذم تذييله بقوله ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ أي وهم ليسوا بحال من يفرح.

والتقطع أصله مطاوع قطع.

واستعمل فعلاً متعدياً بمعنى قطع بقصد إفادة الشدة في حصول الفعل، ونظيره تخوفه السير، أي تنقصه، وتجهمه الليل وتعرفه الزمن.

فالمعنى: قطعوا أمرهم بينهم قطعاً كثيرة، أي تفرقوا على نحل كثيرة فجعل كل فريق منهم لنفسه ديناً.

ويجوز أن يجعل ﴿ تقطَّعوا ﴾ قاصراً أسند التقطع إليهم على سبيل الإبهام ثم ميز بقوله ﴿ أمرهم ﴾ كأنه قيل: تقطعوا أمراً، فإن كثيراً من نحاة الكوفة يجوزون كون التمييز معرفة.

وقد بسطنا القول في معنى ﴿ تقطعوا أمرهم بينهم ﴾ في سورة الأنبياء (93).

والأمر هنا بمعنى الشأن والحال وما صدقه أمور دينهم.

والزبُر بضم الزاي وضم الموحدة كما قرأ به الجمهور جمع زبور وهو الكتاب.

استعير اسم الكتاب للدين لأن شأن الدين أن يكون لأهله كتاب، فيظهر أنها استعارة تهكمية إذ لم يكن لكل فريق كتاب ولكنهم اتخذوا لأنفسهم أدياناً وعقائد لو سجلت لكانت زُبُراً.

وقرأه أبو عمرو بخلاف عنه ﴿ زُبَرا ﴾ بضم الزاء وفتح الموحدة وهو جمع زُبرة بمعنى قطعة.

وجملة ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ تذييل لما قبله لأن التقطع يقتضي التحزب فذيل بأن كل فريق منهم فرح بدينه، ففي الكلام صفة محذوفة ل ﴿ حزب ﴾ ، أي كل حزب منهم، بدلالة المقام.

والفرح: شدة المسرة، أي راضون جذلون بأنهم اتخذوا طريقتهم في الدين.

والمعنى: أنهم فرحون بدينهم عن غير دليل ولا تبصر بل لمجرد العكوف على المعتاد.

وذلك يومئ إليه ﴿ لديهم ﴾ المقتضي أنه متقرر بينهم من قبل، أي بالدين الذي هو لديهم فهم لا يرضون على من خالفهم ويعادونه، وذلك يفضي إلى التفريق والتخاذل بين الأمة الواحدة وهو خلاف مراد الله ولذلك ذيل به قوله ﴿ وإن هذه أمتكم أمة واحدة ﴾ [المؤمنون: 52].

وقديماً كان التحزب مسبباً لسقوط الأديان والأمم وهو من دعوة الشيطان التي يلبس فيها الباطل في صورة الحق.

والحزب: الجماعة المجتمعون على أمر من اعتقاد أو عمل، أو المتفقون عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: دِينُكم دِينٌ واحِدٌ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً وهَلْ يَأْتَمِنُ ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ الثّانِي: جَماعَتُكم جَماعَةٌ واحِدَةٌ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: خَلُقُكم خُلُقٌ واحِدٌ.

قَوْلُهُ: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَفَرَّقُوا دِينَهم بَيْنَهم قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: انْقَطَعَ تَواصُلُهم بَيْنَهم.

وَهو مُحْتَمَلٌ.

﴿ زُبُرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما يَعْنِي قِطَعًا وجَماعاتٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الباءِ.

الثّانِي: يَعْنِي، كُتُبًا، قالَهُ قَتادَةُ، وتَأْوِيلُ مَن قَرَأ بِضَمِّ الباءِ ومَعْناهُ، أنَّهم تَفَرَّقُوا الكُتُبَ، فَأخَذَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم كُتُابًا، آمَنَ بِهِ وكَفَرَ بِما سِواهُ.

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كُلُّ حِزْبٍ بِما تَفَرَّدُوا بِهِ مِن دِينٍ وكِتابٍ فَرِحُونَ.

والثّانِي: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَهم مِن أمْوالٍ وأوْلادٍ فَرِحُونَ.

وَفي فَرَحِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُرُورُهم.

والثّانِي: أنَّها أعْمالُهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: في ضَلالَتِهِمْ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: في عَمَلِهِمْ، وهو قَوْلُ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

والثّالِثُ: في حَيْرَتِهِمْ، وهو قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ.

والرّابِعُ: في جَهْلِهِمْ، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

﴿ حَتّى حِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: حَتّى المَوْتِ.

والثّانِي: حَتّى يَأْتِيَهم ما وُعِدُوا بِهِ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الوَعِيدِ كَما تَقُولُ لِلتَّوَعُّدِ: لَكَ يَوْمٌ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ ﴾ أيْ نُعْطِيهِمْ ونَزِيدُهم مِن أمْوالٍ وأوْلادٍ.

﴿ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَجْعَلُهُ في العامِلِ خَيْرًا.

والثّانِي: أنَما نُرِيدُ لَهم بِذَلِكَ خَيْرًا.

﴿ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ.

والثّانِي: بَلْ لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ اخْتِبارٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ﴾ قال: كتباً قال: وقال الحسن: تقطعوا كتاب الله بينهم فحرفوه وبدلوه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ﴾ قال: كتب الله، حيث فرقوها قطعاً ﴿ كل حزب ﴾ يعني: كل قطعة، وهؤلاء أهل الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ﴾ قال: هذا ما اختلفوا فيه من الأديان ﴿ كل حزب ﴾ كل قوم ﴿ بما لديهم فرحون ﴾ معجبون برأيهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ قال: في ضلالتهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ قال: في ضلالتهم ﴿ حتى حين ﴾ قال: الموت.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ فذرهم في غمرتهم حتى حين ﴾ قال: يوم بدر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ ﴾ قال مجاهد: هؤلاء أهل الكتاب (١) وقال الكلبي: يعني مشركي العرب واليهود (٢) (٣) والكلام في هذا قد سبق في نظيرتها (٤) قوله: ﴿ زُبُرًا ﴾ قال مجاهد وقتادة: كتبًا (٥) قال أبو إسحاق: وتأويله جعلوا دينهم كتبًا مختلفة جمع زبور (٦) وهي كتب أحدثوها- يحتجون فيها لمذاهبهم (٧) وقرئ (زبرًا) بفتح الباء (٨) ﴿ زُبَرَ الْحَدِيدِ  ﴾ (٩) (١٠) وقال السدي ومقاتل: قِطعًا فرقًا، فصاروا أديانًا: يهودًا ونصارى وصابئين ومجوسًا وأصنافًا شتى كثيرة (١١) وقال الفراء: المعنى في زُبُر وزُبَر واحد (١٢) يعني أن الزُبْرة بمعنى القطعة تجمع على زُبُر وزُبَر، وعلى هذا ليس للكتب في الآية معنى، ويدل على هذا أنّ الذين قالوا من المفسرين في الآية فرقًا وقطعًا لم يقولوه في قراءة من قرأ بفتح الباء، وإنَّما فسروه على قراءة العوام.

وقد قال المبرد: ﴿ زُبَرًا ﴾ أي فرقًا مختلفة وأحدها زَبُور.

والزُّبَر واحدها زُبْرة وهي القطعة (١٣) وقوله: ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد بما عندهم من خلاف النبي -  - مسرورون.

وقال مقاتل: يقول: كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون (١٤) ومضى الكلام في الفرح عند قوله: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ .

وقال الفراء: يقول معجبون بدينهم يرون أنهم على الحق (١٥) (١) رواه الطبري 18/ 30.

(٢) في (ظ): (اليهود).

(٣) ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 478، والرازي 23/ 105.

(٤) في (ظ): (نظيرها).

(٥) رواه عن مجاهد الطبري في "تفسيره" 18/ 30، وذكره السيوي في "الدر المنثور" 6/ 103 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم.

ورواه عن قتادة: عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 46، والطبري 18/ 29، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 103 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 16.

(٧) هذا كلام الطبري 18/ 30، والثعلبي 2/ 62 أ.

(٨) وهي قراءة الأعمش وأبي عمرو في رواية.

انظر: "الشواذ" لابن خالويه ص 99، "البحر المحيط" 6/ 338، القرطبي 12/ 130.

(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 238 و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 46.

(١٠) ذكره البغوي 5/ 42 ولم ينسبه لأحد.

(١١) ذكر الماوردي 4/ 57 أوَّله عن السدّي.

وقول مقاتل في "تفسيره" 2/ 31 أ.

(١٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 238.

(١٣) لم أجده.

(١٤) "تفسير مقاتل" 2/ 31 أ.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 238.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فتقطعوا أَمْرَهُمْ ﴾ أي افترقوا واختلفوا، والضمير لأمم الرسل المذكورين من اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ زُبُراً ﴾ جمع زبور: وهو الكتاب، والمعنى أنهم افترقوا في اتباع الكتب، فاتبعت طائفة التوراة، وطائفة الإنجيل، وغير ذلك، ووضعوا كتاباً من عند أنفسهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ هيهات هيهات ﴾ بكسر التاء فيهما: يزيد والوقف بالتاء لا غير وهو الصحيح عنه: وروى ابن وردان عنه بالكسر والتنوين فيهما.

الباقون بفتح التاء فيهما في الحالين إلا الكسائي فإنه يقف بالهاء ﴿ تتراً ﴾ بالتنوين: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد والوقف بالألف لا غير.

الباقون بالياء في الحالين ﴿ وأن هذه ﴾ بفتح الهمزة وسكون النون: ابن عامر ﴿ وإن ﴾ بالكسر والتشديد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ وأن ﴾ بالفتح والتشديد ﴿ زبراً ﴾ بفتح الباء: عباس.

الآخرون بضمها.

الوقوف: ﴿ آخرين ﴾ ه ج للآية مع الفاء واتصال المعنى ﴿ غيره ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لأن ما بعده مقول القول ﴿ مثلكم ﴾ لا لأن ما بعده صفة بشر ﴿ تشربون ﴾ ه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ مخرجون ﴾ ه ﴿ لما توعدون ﴾ ه ﴿ بمبعوثين ﴾ ه لأن الكل مقول الكفار وباب رخصة الضرورة وجواز إتيان الآية مفتوح ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ط ﴿ بما كذبون ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ج ه للآية مع حسن الوصل تصديقاً لقوله ﴿ عما ﴾ ﴿ غثاء ﴾ ط تفخيماً للكلمة التبعيدية بالابتداء مع فاء التعقيب.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ط لأن الجملة ليست بصفة لها لأن العجز عن سبق الأجل لا يختص بهم ﴿ يستأخرون ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار.

﴿ تترا ﴾ ط منوناً قرئ أولاً للابتداء بكلما ﴿ أحاديث ﴾ ج لما ذكر في ﴿ غثاء ﴾ ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لتعلق الجار ﴿ عالين ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ عابدون ﴾ ه ج لذلك ﴿ المهلكين ﴾ ه ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ ومعين ﴾ ه ﴿ صالحاً ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر ﴿ فاتقون ﴾ ه ﴿ زبراً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه ﴿ وبنين ﴾ ه لا لأن ﴿ نسارع ﴾ مفعول ثان للحسبان ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ لا يشعرون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن هذه القرون هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع ولقوله  في الأعراف ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح  ﴾ وقيل: إنهم ثمود لأنهم أهلكوا بالصيحة وقد قال الله  في هذه القصة ﴿ فأخذتهم الصيحة ﴾ ومعنى ﴿ فأرسلنا فيهم ﴾ جعلناهم موضع إرسال وإلا فلفظة أرسل لا تعدى إلا "بإلى" وضمن الإرسال معنى القول ولهذا جيء بأن المفسرة اي قلنا لهم على لسان الرسول ﴿ اعبدوا الله ﴾ قال بعضهم: قوله ﴿ افلا تتقون ﴾ غير موصول بما قبله وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه وردّوا عليه الحجة.

والجمهور على أنه موصول لأنه دعاهم إلى الله وحذرهم عقابه إن لم يقبلوا قوله ولم يتركوا عبادة الأوثان.

قال جار الله: إنما قال في هذه السورة ﴿ وقال الملأ ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة  ﴾ بغير واو ومثله في سورة هود ﴿ قالوا يا هود مَا جئتنا ببينة  ﴾ لأنه بنى الأمر في ذينك الموضعين على تقدير سؤال سائل، وفي هذه السورة أراد أنه اجتمع في الحصول هذا الحق وهذا الباطل فعطف قولهم على قوله.

وقال السكاكي صاحب المفتاح: إنما قدم الجار والمجرور أعني قوله ﴿ من قومه ﴾ على وصف الملا وهم الذين كفروا لطول الصلة بالمعطوفات، ولأنه لو أخر لأوهم أن قوله ﴿ من قومه ﴾ متعلق بالدنيا.

ومعنى لقاء الآخرة لقاء ما فيها من الحساب والثواب والعقاب.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ أترفناهم ﴾ أنعمناهم بحيث شغلوا بالدنيا عن الأخرى.

وقوله ﴿ مما تشربون ﴾ أي من الذي تشربونه فحذف الضمير أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه.

ثم أكدوا شبهتهم أن الرسول لا يكون من جنس البشر بقولهم ﴿ ولئن أطعتم ﴾ "واذن" واقع في جزاء الشرط وجواب لقومهم اي إنكم إذا قبلتم قول مثلكم وأطعتموه خسرتم عقولكم وأبطلتم آراءكم إذ لا ترجيح لبعض البشر على بعض في معنى الدعوة إلى طريق مخصوص هذا بيان كفرهم.

ثم بين تكذيبهم بلقاء الآخرة وطعنهم في الحشر بقوله ﴿ أيعدكم ﴾ الآية.

قال جار الله: ثنى ﴿ أنكم ﴾ للتوكيد وحسن ذلك الفصل بالظرف و ﴿ مخرجون ﴾ خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ مبتدأ معناه إخراجكم وخبره ﴿ إذا متم ﴾ والجملة خبر الأول أو ﴿ أنكم مخرجون ﴾ في تقدير وقع إخراجكم وهذه الجملة الفعلية جواب "إذا" والجملة الشرطية خبر الأول وفي حرف ابن مسعود ﴿ ايعدكم إذا متم ﴾ ثم أكدوا الاستفهام الإنكاري بقولهم ﴿ هيهات ﴾ ومعناه بعد وهو اسم هذا الفعل، وفي التكرير تأكيد آخر وكذا في إضمار الفاعل وتبيينه بقوله ﴿ لما توعدون ﴾ قال جار الله: اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في ﴿ هيت لك  ﴾ لبيان المهيت به.

وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نون.

ثم بين إترافهم بأنهم قالوا ﴿ إن هي إلا حياتنا ﴾ أي إلا هذه الحياة لأن "إن" النافية دخلت على "هي" العائدة إلى الحقيقة الذهنية فنفت ما بعدها نفي الجنس، وقد مر في "الأنعام".

وإنما زيد في هذه السورة قوله ﴿ نموت ونحيا ﴾ لأن هذه الزيادة لعلها وقعت في كلام هؤلاء دون كلام أولئك ولم يريدوا بهذا الكلام أنفس المتكلمين وحدهم بل أرادوا أنه يموت بعض ويولد بعض وينقرض قرن ويأتي قرن آخر، ولو أنهم اعتقدوا أنهم يحيون بعد الموت لم يتوجه عليهم ذم ولناقضه قولهم ﴿ وما نحن بمبعوثين ﴾ .

ثم حكى أنهم زعموا أن كل ما يدعيه هود من الاستنباء وحديث البعث وغيره افتراء على الله وأنهم لا يصدقونه ألبتة فلا جرم ﴿ قال ﴾ هو داعياً عليهم كما دعا نوح على قومه ﴿ رب انصرني بما كذبون ﴾ قال الله مجيباً له أي عما زمان قليل قصير ﴿ ليصبحن ﴾ جعل صيرورتهم ﴿ نادمين ﴾ دليلاً على إهلاكهم لأنه علم أنهم لا يندمون إلا عند ظهور سلطان العذاب ووقوع أماراته وذلك وقت إيمان الياس.

وزيادة "ما" لتوكيد قصر المدة و ﴿ الصيحة ﴾ صيحة جبريل كما سلف في الأعراف وفي "هود" ومعنى ﴿ بالحق ﴾ بالعدل كقولك "فلان يقضي بالحق" وعلى اصول الاعتزال بالوجوب لأنهم قد استوجبوا الهلاك.

والغثاء حميل السيل مما بلي واسودَّ من الأوراق والعيدان وغيرها، شبههم بذلك في دمارهم واحتقارهم أو في قلة الاعتناء بهم، وفي ضمن ذلك تشبيه استيلاء العذاب عليهم باستيلاء السيل على الغثاء يقلبه كيف يشاء.

ثم دعا عليه بالهلاك في الدارين بقوله ﴿ فبعداً للقوم الظالمين ﴾ كما مر في سورة هود.

وفيه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم وعرف الظالمين لكونهم مذكورين صريحاً بخلاف ما يجيء من قوله ﴿ فبعداً لقوم لا يؤمنون ﴾ لأنهم غير مذكورين إلا بطريق الإجمال وذلك قوله ﴿ ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين ﴾ والظاهر أنهم قوم صالح ولوط وشعيب كما ورد في قصصهم على هذا الترتيب في "الأعراف" وفي "هود" وغيرهما.

وعن ابن عباس أنهم بنو اسرائيل.

والمعنى إنا بعد ما أخلينا الديار من المكلفين أنشأناهم وبلغناهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كانوا قبلهم.

ثم بين كمال علمه وقدرته في شأن المكلفين بقوله ﴿ ما تسبق من أمة ﴾ اي كل طائفة مجتمعة في قرن لها آجال مكتوبة في الحياة وفي الموت بالهلاك أو الإهلاك، لا يتقدمها ولا يتأخر عنها، وفي أن المقتول ميت بأجله.

وقال الكعبي: معنى الاية أنهم لا يتقدمون وقت عذابهم إن لم يؤمنوا، ولا يتأخرون عنه ولا يستأصلهم إلا إذا علم منهم أنهم لا يزدادون إلا عناداً، وأنهم لا يلدون مؤمناً، وأنه لا نفع في بقائهم لغيرهم ولا ضرر على أحد في هلاكهم.

ثم بين أن رسل الله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأنهم في التكذيب كان واحداً، وكانت سنة الله فيهم باتباع بعضهم بعضاً في الإهلاك.

والتاء في ﴿ تترى ﴾ بدل من الواو في الوتر وهو الفرد أي أرسلناهم واحداً بعد واحد، والرسول يلابس المسرل والمرسل إليه جميعاً فلذلك جاء في القرآن "رسلنا" و "رسلهم" و"رسولها" وأحاديث يكون اسم جمع للحديث أو جمعاً له من غير لفظة، ومنه أحاديث الرسول  ويكون جمعاً للأحدوثة من لفظها كالأضحوكة والأعجوبة وهو المراد من الآية أي جعلناهم أخباراً يسمعونها ويتعجب منها لأنهم استؤصلوا فلم يبق فيهم عين ولا أثر سوى الحكاية.

ثم ذكر طرفاً من قصة موسى  .

عن الحسن ﴿ بآياتنا ﴾ أي بديننا كيلا يلزم منه تكرار لأن السلطان المبين هو المعجز، والأقرب قول ابن عباس أنها الآيات التسع لأن الآيات عند ذكر الرسل يراد بها المعجزات في عرف القرآن، والسلطان هو العصا لأنها كانت أم آياته وأقدمها فخصت بالذكر لشرفها وقوة دلالتها.

ويجوز أن يراد أنها آيات في أنفسها وحجة بينة بالنسبة إلى المتحدين بها، او يراد به تسلط موسى  في الاستدلال على الصانع وأنه ما كان يقيم لهم وزناً.

ثم حكى عن فرعون وقومه صفتهم وشبهتهم.

أما الصفة فهي الاستكبار والعلو أي طلبوا الكبر وتكلفوه واستنكفوا عن قبول الحق وكانوا مع ذلك رفيعي الحال في أمور الدنيا غالبين قاهرين مستظهرين بالعدد والعدد، وأما الشبهة فهي إنكار كون الرسول من جنس البشر ولا سيما إذا كان قومهما وهم بنو إسرائيل خدماً وعيبداً لهم.

قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان لملك عابداً له، ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية فادعى للناس العبادة وإن طاعتهم عبادة على الحقيقة والبشر يقع على ا لواحد وعلى الجمع.

والمثل يوصف به الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث.

ويقال أيضاً: هما مثلاه وهم أمثاله.

ثم بين أنه لما خطرت هذه الشبهة ببالهم صرحوا بالتكذيب فأهلكوا لذلك وكانوا في حكم الله وعلمه كذلك.

ثم حكى ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ لعلهم يهتدون ﴾ ومن الناس من ظن أن هذا الضمير راجع إلى فرعون وملئه.

والمعنى أنه خص موسى بالكتب لا للتكذيب ولكن يهتدوا به، فلما أصروا على الكفر مع البيان العظيم استحقوا الإهلاك وهو وهم لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد إهلاك القبط بدليل قوله { ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى  ﴾ وفي قوله في أول "البقرة" ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ إلى قوله ﴿ وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة  ﴾ والقصة مشهورة.

فالصحيح أنه ذكر موسى وأراد قومه كما يقال "هاشم وثقيف" ويراد قومهم نظيره ﴿ على خوف من فرعون وملئهم  ﴾ وقد مر في آخر "يونس".

ثم أجمل قصة عيسى بقوله ﴿ وجعلنا ابن مريم وأمه آية ﴾ وقد مر بيانه في آخر الأنبياء في قوله ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين  ﴾ قال جار الله: لو قيل آيتين لجاز لأن مريم ولدت من غير مسيس، وعيسى روح من الله ألقى إليها وقد تكلم في المهد وكان يحيى الموتى مع معجزات أخر.

واللفظ محتمل للتثنية على تقدير: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ثم حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها.

والأقرب حمل اللفظ على وجه الذي لا يتم إلا بمجموعها وهو الولادة على الوجه العجيب الناقض للعادة.

والربوة بحركات الراء هي الأرض المرتفعة.

عن كعب وقتادة وأبي العالية: هي إيليا أرض بيت المقدس وأنها كبد الأرض وأقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلاً.

وعن الحسن: فلسطين والرملة.

ومثله عن أبي هريرة قال: إلزموا هذه الرملة رملة فلسطين فإنها الربوة التي ذكرها الله.

وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر.

والأكثرون على أنها دمشق وغوطتها والقرار المستقر من أرض منبسطة مستوية.

وعن قتادة: أراد ذات ثمار وماء يعني لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها والمعين الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض من عانه إذا أدركه بعينه فوزنه "معيون" على "مفعول" وقال الفراء والزجاج: إن شئت جعلته "فعيلاً" من الماعون وهو ما سهل على معطيه من أثاث البيت ومثله قول أبي علي: المعين السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى.

وقال جار الله: ووجه من جعله "فعيلاً" أنه نفاع لظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة.

قال المفسرون: سبب الإيواء أنها قرت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف ثم رجعت غلى أهلها بعد ما مات ملكهم.

قوله  ﴿ يا ايها الرسل ﴾ ليس على ظاهره لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة وفي تأويله وجوه: أحدها الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك ووصى به ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل حقيق أن يؤخذ به ويعمل عليه، ويؤيد هذا التأويل ما روي " عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله  بقدح من لبن في شدة الحر عند فطره  وهو صائم فرده الرسول إليها وقال: من اين لك هذا؟

فقالت: من شاة لي ثم رده وقال: من أين هذه الشاة؟

فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه.

ثم إنها جاءته وقالت: يا رسول الله لم رددته؟

فقال  : بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيباً ولا تعمل إلا صالحاً" .

وثانيها وهو قول محمد بن جرير أن المراد به عيسى وقد خاطب الواحد خطاب الجمع لشرفه وكقوله ﴿ الذين قال لهم الناس  ﴾ والمراد نعيم بن مسعود.

ووقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى ومريم إلى الربوة فذكر على سبيل الحكاية أي آويناهما وقلنا لهما هذا أي أعلمناهما أن الرسل كلهم خوطبوا بهذا الكلام، فكلا مما رزقناكما واعملا عملاً صالحاً اقتداء بالرسل.

وثالثها وهو الأظهر عندي أن المراد نبينا  لأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل.

ووجه اتصال الكلام بما بعده ظاهر كما نقرره، ووجه اتصاله بما قبله هو انتهاء الكلام إلى ذكر المستلذ وبالحقيقة المراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ والطيب ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه أو هو الحلال.

وقيل: طيبات الرزق حلال لا يعصى الله فيه، وصاف لا ينسى الله فيه، وقوام يمسك النفس ويحفظ العقل.

وفي تقديم الأكل من الطيبات على الأمر بالعمل الصالح دليل على أن العمل الصالح لا بد أن يكون مسبوقاً بأكلالحلال.

وفي قوله ﴿ إني بما تعملون عليم ﴾ تحذير من مخالفة هذا الأمر.

وقال في سورة سبأ ﴿ إني بما تعملون بصير  ﴾ وكلاهما من أسمائه  إلا أنه ورد ههنا على الأصل لأن العلم أعلم وهناك راعى الفاصلة أو خصص لأن الخطاب مخصوص بآل داود.

ومن قرأ ﴿ وإن ﴾ بالكسر فعلى الاستئناف، ومن قرأ بالفتح مخففاً ومشدداً فعلى حذف لام التعليل والمعلل ﴿ فاتقون ﴾ ثم من قال: الخطاب لجميع الرسل فالمشار إليه بهذه هو أصول الأديان والشرائع التي لا خلاف فيها بين الرسل وجملتها تقوى الله كما ختم به الآية.

والضمير في ﴿ تقطعوا ﴾ راجع إلى أممهم.

قال الكلبي ومقاتل والضحاك: يعني مشركي مكة والمجوس واليهود والنصارى.

ومن قال: الخطاب لعيسى فهذه إشارة إلى ملته في وقتها.

وعلى القول الأظهر بل على جميع الأقوال المشار إليه ملة الإسلام كما مر مثله في آخر سورة الأنبياء، كأنه أمر هناك بالعبادة التي هي أعم ثم أمر بالتقوى التي هي أخص ولهذا قال ﴿ فتقطعوا ﴾ بالفاء ليتوجه الذم أتم فإن المأتي به كلما كان أبعد من المأمور به كان سبب الذم اقوى، فلا يكون ترتيب التقطع على التقوى كترتبه على العبادة ولهذا أكد التقطع بقوله ﴿ زبراً ﴾ بضم الباء جمع زبور اي حال كونه كتباً مختلفة يعني جعلوا دينهم أدياناً ومذاهب شتى.

ومنقرأ بفتح الباء فمعناه قطعاً استعيرت من زبر الفضة والحديد.

ثم أكد الذم بقوله ﴿ كل حزب بما ﴾ اي كل فريق منهم مغتبط بما اتخذه ديناً لنفسه معجب به يرى أنه المحق الرابح وغيره المبطل الخاسر.

ثم بالغ في الذم والتهديد بقوله ﴿ فذرهم في غمرتهم ﴾ وهذا الأمر مما يدل على أن المخاطب بقوله ﴿ يا أيها الرسل ﴾ هو نبينا  وقد يطلق لفظ الجماعة على الواحد تعظيماً وتفخيماً كقوله ﴿ إنّ إبراهيم كان أمة  ﴾ والغمرة الماء الذي يغمر القامة.

قال جار الله: ضربت مثلاً لما هم مغمورون فيه من جهلهم وغايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لما هم عليه من الباطل.

قلت: وأنت إذا تأملت فيما أسلفنا لك في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب عرفت الفرق بين الوجهين.

قال في الكشاف ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن يقتلوا أو يموتوا.

والتحقيق أنه الحالة التي يظهر عندها الحسرة والندامة وذلك إذا عرّفهم الله بطلان ما كانوا عليه وعرّفهم سوء منقلبهم فيشمل الموت والقبر والمحاسبة والنار، وفيه تسلية لرسول الله  ونهي عن الجزع من تأخير عقابهم.

ثم إن القوم كانوا أصحاب نعمة ورفاهية فبين الله  أن ذلك الذي جعله مدداً لهم وهو المال والبنون سبب لاستدراجهم إلى زيادة الإثم نظيره في آل عمران ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ وما في ﴿ أنما ﴾ موصولة والرابط محذوف أي نسارع لهم فيه.

وفي قوله ﴿ بل لا يشعرون ﴾ أنهم اشباه البهائم لا فطنة لهم ولا شعور حتى يتفكروا أهو استدراج أم مسارعة في الخبر.

وفيه انه  أعطاهم هذه النعم ليكونوا متمكنين بها من الاشتغال بطلب الحق وحين أعرضوا عن الحق كان لزوم الحجة عليهم أقوى.

التأويل: ﴿ يأكل مما تأكلون ﴾ لم يعلموا أنهم وإن كانوا يأكلون مما يأكلون ولكنهم لا يأكلون كما يأكلون.

"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعه أمعاء" ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ وأهل الله يأكلون ويشربون من مقام "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقومهما لنا عابدون ﴾ اي في حال الطفولية كانت صفات الروح والقلب عون النفس وتربيتها وتربية صفاتها لاستكمال القالب إلى حد البلوغ، والاستعداد لتحمل أعباء تكاليف الشرع ﴿ وآويناهما ﴾ يعني مريم النفس وعيسى القلب ﴿ إلى ربوة ﴾ القالب الذي فيه قرارهما ويجري فيه ماء معين الحكمة من القلب على اللسان ﴿ يا أيها الرسل ﴾ أي القوى المرسلة إلى القالب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

[قوله:] ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ ﴾ .

قد ذكرناه.

﴿ فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ ﴾ .

كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ .

وقال بعضهم: متكبرين ومتجبرين.

قال أبو عوسجة: هو من العلوّ، ليس من التعالي، والتعالي لا يوصف به الخلق.

قال القتبي: ﴿ تَتْرَا ﴾ ، أي: تتابع بفترة بين كل رسولين، وهو من التواتر، والأصل: (وترى)، فقلبت الواو تاء؛ كما قلبوها في (التقوى) و (التخمة) و (التكلان).

وقال أبو عوسجة: ﴿ تَتْرَا ﴾ بعضهم على أثر بعضهم، وهو من المتابعة.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ﴾ دلالة أن أهل الفترة، ومن كان فيما بين بعث الرسل - لا عذر لهم في شيء؛ لإبقاء الحجج والبراهين قبل أن يبعث آخر وحسن آثارهم وأعلامهم - أعني: آثار الرسل وأعلامهم - أخبر أنه أرسل الرسل تباعاً: بعضاً على [إثر] بعض، وإن كان بين بعثهم فترة؛ لما أبقى الحجج والبراهين وآثار الرسل وأعمالهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: تعجب: نرفعهم بعد ما كنا غالبين عليهم؟!!

نجعلهم غالبين علينا وكانوا لنا عابدين؟!

أي: نرفعهم فوقنا ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك؟!

وذلك - والله أعلم - حين أتوهما بالرسالة.

﴿ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ ﴾ : صاروا من المهلكين بالتكذيب.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون حرف (لعل) لموسى، أي: آتينا موسى الكتاب؛ لعلهم يهتدون عنده، و (لعل) حرف رجاء وترج؛ لكن يستعمل مرة: على الإيجاب والإلزام، ومرة: على النهي؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ  ﴾ ، أي: لا تبخع نفسك، وقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ  ﴾ أي: لا تترك بعض ما يوحى إليك، وذلك جار في اللغة؛ يقول الرجل لآخر: لعلك تفعل كذا، أي: لا تفعل، ونحوه، [و] (لعل) من الله يحتمل الإيجاب والإلزام والنهي، ومن الخلق: [يحمل] على النهي والترجي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ﴾ .

خص - عز وجل - عيسى وأمه بأن جعلهما آية، وجميع البشر في معنى الآية واحد؛ إذ خلقوا جميعاً من نطفة، ثم حولت النطفة علقة، والعلقة مضغة، إلى آخر ما ينتهي إليه؛ فيصير إنساناً؛ فالآية والأعجوبة في خلق الإنسان من النطفة ومما ذكرنا إن لم تكن أكثر وأعظم لم تكن دون خلقه بلا أب ولا زوج وما ذكر، لكنه خصّهما بذكر الآية فيهما؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد في الخلق، والعادة الظاهرة فيهم أن يخلقوا من النطفة والأب والتزاوج [والأسباب التي] جعلت للتوالد والتناسل الذي تجري فيما بينهم والأسباب التي جعل للتوالد في الخلق؛ لخروجهما عن الأمر المعتاد والعادة الظاهرة خصّهما بذكر الآية والأعجوبة في خلق البشر من النطفة، وما ذكر إن لم يكن أكثر وأعظم لم يكن دونه، وهو كما خصّ بني إسرائيل بالخطاب بالشكر؛ لما أنعم عليهم من المن والسلوى، ولما أنجاهم من آل فرعون بقوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  ﴾ ، وقد كان عليهم من النعم ما هو أعظم وأكثر مما ذكر من المنّ والسلوى ونجاتهم من فرعون وآله، لكنه خصّهم بذكر المنّ والسلوى واستأدى منهم الشكر بذلك من بين سائر النعم؛ لأنها خرجت عن المعتاد من النعم المعروفة، وهم كانوا مخصوصين بهذا من بين غيرهم؛ فعلى ذلك عيسى وأمه: كانا خارجين عن الأمر المعتاد ومخصوصين بذلك؛ لذلك خصّهما بذكر الآية، والآية ما ذكر بعض أهل التأويل أنه خلق من غير أب، ولدته أمه من غير فعل أمثالها.

وقال بعضهم: الآية في عيسى: بأن كلم الناس في المهد صبيّاً، ونحوه: من إبراء الأكمه، والأبرص، وإحياء الموتى، ومثله.

وقوله: ﴿ وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ .

ذكر أنه آواهما إلى ربوة كما يؤوي الأب والأم الولد إلى مكان يتعيش به؛ إذ الربوة هي مكان التعيش فيه؛ ألا ترى أنه ذكر ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ هو المكان الذي يستقر فيه ويتعيش.

وقوله: ﴿ وَمَعِينٍ ﴾ ، المعين: هو الماء الجاري الظاهر الذي تأخذه العيون، وتقع عليه الأبصار.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إنما خاطب بهذا محمداً خاصّة، على ما يخاطب هو، والمراد منه: جميع أمته في ذلك.

ولكن جائز أن يقال: خاطب به جميع الرسل؛ لأنهم جميعاً مخاطبون بهذا كله: من أكل الطيبات، والعمل الصالح، هذا الخطاب فيه وفي غيرهم؛ إذ عمهم جميعاً بهذا.

ثم الطيبات يحتمل أن يراد بها الحلالات؛ كأنه قال: كلوا حلالا غير حرام؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً ﴾ ، أي: اعملوا صالحاً، ولا تعملوا سيئاً؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ ، أي: كلوا حلالا ولا تأكلوا حراماً: ما خبث.

وفيه أنهم يمتحنون كما يمتحن غيرهم بالأمر والنهي.

ويحتمل - أيضاً - قوله: ﴿ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ : ما طابت به أنفسكم وتلذذت، فإن كان على هذا فهو يخرج على الإباحة والرخصة، ليس على الأمر، معناه: لكم أن تأكلوا ما تطيب به أنفسكم، ولكم أن تؤثروا غيركم به على أنفسكم.

وإن كان على الأمر فهو على الأمر يخرج والنهي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ .

ظاهر، وهو وعيد.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ .

جائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : في الكتب المتقدمة، وعلى لسان الرسل السالفة؛ كقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ ، أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة وفي الأمم الماضية؛ فعلى ذلك هذا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، أي: دينكم دين واحد، وملتكم ملة واحدة، وهي الإسلام.

وقال بعضهم: لسانكم لسان واحد.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : لا تختلفون في رسولكم إلى يوم القيامة، كما اختلف الأمم الذين من قبلكم في رسلهم؛ بل تجعلوا رسولكم رسولا على ما هو عليه، وأما سائر الأمم فإنهم قد فرطوا فيهم؛ حتى كان فيهم [من] جعل الرسول ابناً له؛ كقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، والنصارى، وأما هؤلاء فإنهم لا يزالون على أمر واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَٱعْبُدُونِ  ﴾ : جائز أن يكونا واحداً، وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَٱتَّقُونِ ﴾ أي: مخالفتي، ﴿ فَٱعْبُدُونِ ﴾ ، أي: اعبدوني وأطيعوني.

وقوله: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ ﴾ و (قطعوا) واحد، وهما لغتان؛ [نحو]: تفرقوا وفرقوا.

﴿ زُبُراً ﴾ : برفع الباء، وزبرا بنصب الباء، قال أبو معاذ: من قرأ بالنصب: ﴿ زُبُراً ﴾ ؛ فمعناه: قطعا؛ كقوله: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ  ﴾ ، و ﴿ زُبُراً ﴾ بالرفع، أي: كتبا؛ كقوله: ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ  ﴾ ، ونحوه.

وقال في حرف ابن مسعود وأبي: (وقطعوا الزبور بينهم).

قال أبو معاذ: (قطعوا) و (تقطعوا): لغتان؛ كَقيلِك: علقت الشيء وتعلقته، وحولت وتحولت، ووليت وتوليت، ونحوه كثير.

[وقوله:] ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ .

راضون أو مسرورون بما لديهم من الدين، أو ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فتفرّق أتباعهم بعدهم في الدين، فصاروا أحزابًا وشيعًا، كل حزب معجب بما يؤمن أنَّه هو الدين المرضي عند الله، ولا يلتفت إلى ما عند غيره.

<div class="verse-tafsir" id="91.9baz1"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله