الآية ٧٣ من سورة المؤمنون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٧٣ من سورة المؤمنون

وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 40 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٣ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٣ من سورة المؤمنون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ) قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد بن جدعان ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان ، فقعد أحدهما عند رجليه ، والآخر عند رأسه ، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : اضرب مثل هذا ومثل أمته .

فقال : إن مثله ومثل أمته ، كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به ، فبينا هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة ، فقال : أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة ، وحياضا رواء تتبعوني؟

فقالوا : نعم .

قال : فانطلق ، فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء ، فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم : ألم ألفكم على تلك الحال ، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟

قالوا : بلى ، قال : فإن بين أيديكم رياضا أعشب من هذه ، وحياضا هي أروى من هذه ، فاتبعوني .

قال : فقالت طائفة : صدق والله ، لنتبعه .

وقالت طائفة : قد رضينا بهذا نقيم عليه .

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا زهير ، حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري ، حدثنا حفص بن حميد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني ممسك بحجزكم : هلم عن النار ، هلم عن النار ، وتغلبوني وتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب ، فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض ، فتردون علي معا وأشتاتا ، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم ، كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله ، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال ، فأناشد فيكم رب العالمين : أي رب ، قومي ، أي رب أمتي .

فيقال : يا محمد ، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم ، فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ، ينادي : يا محمد ، يا محمد .

فأقول : لا أملك لك شيئا .

قد بلغت ، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء ، ينادي : يا محمد ، يا محمد .

فأقول : لا أملك شيئا ، قد بلغت ، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة ، فينادي : يا محمد ، يا محمد ، فأقول : لا أملك لك شيئا ، قد بلغت ، ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم ، ينادي : يا محمد ، يا محمد : فأقول : لا أملك لك شيئا قد بلغت " .

وقال علي بن المديني : هذا حديث حسن الإسناد ، إلا أن حفص بن حميد مجهول ، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي .

قلت : بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق ، وقال فيه يحيى بن معين : صالح .

ووثقه النسائي وابن حبان .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) يقول تعالى ذكره: وإنك يا محمد لتدعو هؤلاء المشركين من قومك إلى دين الإسلام، وهو الطريق القاصد والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم[ ص: 132 ] قوله تعالى : وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم أي إلى دين قويم .

والصراط في اللغة الطريق ؛ فسمي الدين طريقا لأنه يؤدي إلى الجنة فهو طريق إليها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 73 و 74ذكر الله تعالى في هذه الآيات الكريمات، كل سبب موجب للإيمان، وذكر الموانع، وبين فسادها، واحدا بعد واحد، فذكر من الموانع أن قلوبهم في غمرة، وأنهم لم يدبروا القول، وأنهم اقتدوا بآبائهم، وأنهم قالوا: برسولهم جنة، كما تقدم الكلام عليها، وذكر من الأمور الموجبة لإيمانهم، تدبر القرآن، وتلقي نعمة الله بالقبول، ومعرفة حال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال صدقه وأمانته، وأنه لا يسألهم عليه أجرا، وإنما سعيه لنفعهم ومصلحتهم، وأن الذي يدعوهم إليه صراط مستقيم، سهل على العاملين لاستقامته، موصل إلى المقصود، من قرب حنيفية سمحة، حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، فدعوتك إياهم إلى الصراط المستقيم، موجب لمن يريد الحق أن يتبعك، لأنه مما تشهد العقول والفطر بحسنه، وموافقته للمصالح، فأين يذهبون إن لم يتابعوك؟

فإنهم ليس عندهم ما يغنيهم ويكفيهم عن متابعتك، لأنهم { عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ } متجنبون منحرفون، عن الطريق الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، ليس في أيديهم إلا ضلالات وجهالات.

وهكذا كل من خالف الحق، لا بد أن يكون منحرفا في جميع أموره، قال تعالى: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ) وهو الإسلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإنك لتدعوهم إلى صراط» طريق «مستقيم» أي دين الإسلام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإنك - أيها الرسول - لتدعو قومك وغيرهم إلى دينٍ قويم، وهو دين الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة ، ببيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدعو إلا إلى الحق ، وأن المعرضين عن دعوته عن طريق الحق خارجون ، فقال - تعالى - ( وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ .

.

) .أى : وإنك - أيها الرسول الكريم - لتدعو هؤلاء المشركين إلى طريق واضح قويم ، تشهد العقول باستقامته وسلامته من أى عوج .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما زيف طريقة القوم أتبعه ببيان صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ لأن ما دل الدليل على صحته فهو في باب الاستقامة أبلغ من الطريق المستقيم ﴿ وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط لناكبون ﴾ أي لعادلون عن هذا الطريق، لأن طريق الاستقامة واحدة وما يخالفه فكثير.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ رحمناهم وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرّ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: المراد ضرر الجوع وسائر مضار الدنيا.

وثانيها: المراد ضرر القتل والسبي.

وثالثها: أنه ضرر الآخرة وعذابها فبين أنهم قد بلغوا في التمرد والعناد المبلغ الذي لا مرجع فيه إلى دار الدنيا، وأنهم ﴿ لَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ لشدة لجاجهم فيما هم عليه من الكفر.

أما قوله تعالى: ﴿ لَّلَجُّواْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ ﴾ فالمعنى لتمادوا في ضلالهم وهم متحيرون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قد ألزمهم الحجّة في هذه الآيات وقطع معاذيرهم وعللهم بأن الذي أُرسل إليهم رجل معروف أمره وحاله، مخبور سرّه وعلنه، خليق بأن يجتبى مثله للرسالة من بين ظهرانيهم، وأنه لم يعرض له حتى يدعى بمثل هذه الدعوى العظيمة بباطل، ولم يجعل ذلك سلماً إلى النيل من دنياهم واستعطاء أَموالهم، ولم يدعهم إلا إلى دين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، مع إبراز المكنون من أدوائهم وهو إخلالهم بالتدبر والتأمل، واستهتارهم بدين الآباء الضُّلاَّل من غير براهان، وتعللهم بأنه مجنون بعد ظهور الحق وثبات التصديق من الله بالمعجزات والآيات النيرة، وكراهتهم للحق، وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر، يحتمل أنّ هؤلاء وصفتهم أنهم لا يؤمنون بالآخرة ﴿ لناكبون ﴾ أي عادلون عن هذا الصراط المذكور، وهو قوله: ﴿ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ وأن كل من لا يؤمن بالآخرة فهو عن القصد ناكب.

لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة من أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين فقال: بلى، فقال: قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمْ تَسْألُهُمْ ﴾ قِيلَ إنَّهُ قَسِيمُ قَوْلِهِ ﴿ أمْ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ .

﴿ خَرْجًا ﴾ أجْرًا عَلى أداءِ الرِّسالَةِ.

﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ ﴾ رِزْقُهُ في الدُّنْيا أوْ ثَوابُهُ في العُقْبى.

﴿ خَيْرٌ ﴾ لِسِعَتِهِ ودَوامِهِ فَفِيهِ مَندُوحَةٌ لَكَ عَنْ عَطائِهِمْ والخَرْجُ بِإزاءِ الدَّخْلِ يُقالُ لِكُلِّ ما تُخْرِجُهُ إلى غَيْرِكَ، والخَراجُ غالِبٌ في الضَّرِيبَةِ عَلى الأرْضِ فَفِيهِ إشْعارٌ بِالكَثْرَةِ واللُّزُومِ فَيَكُونُ أبْلَغَ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ عَطاءِ اللَّهِ إيّاهُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «خَرْجًا فَخَرْجُ» وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خَراجًا فَخَراجُ» لِلْمُزاوَجَةِ.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ﴾ تَقْرِيرٌ لِخَيْرِيَّةِ خَراجِهِ تَعالى.

﴿ وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ تَشْهَدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ عَلى اسْتِقامَتِهِ لا عِوَجَ فِيهِ يُوجِبُ اتِّهامَهم لَهُ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ وأزاحَ العِلَّةَ في هَذِهِ الآياتِ بِأنْ حَصَرَ أقْسامَ ما يُؤَدِّي إلى الإنْكارِ والِاتِّهامِ وبَيَّنَ انْتِفاءَها ما عَدا كَراهَةَ الحَقِّ وقِلَّةَ الفِطْنَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} وهو دين الإسلام فحقيق أن يستجيبوا لك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ تَشْهَدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ بِاسْتِقامَتِهِ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ اعْوِجاجٍ تُوجِبُ الِاتِّهامَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ ألْزَمَهم عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ وأزاحَ عِلَلَهم في هَذِهِ الآياتِ بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلُ مَعْرُوفٍ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورُ سِرِّهِ وعَلَنِهِ خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سِلْمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامُ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضَّلالُ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ وتَعَلُّلِهِمْ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتِهِمْ لِلْحَقِّ وإعْراضِهِمْ عَمّا فِيهِ حَفِظَهم مِنَ الذِّكْرِ اهْـ.

وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أصله: يتدبروا فأدغم التاء في الدال، يعني: ألم يتفكروا في القرآن؟

أَمْ جاءَهُمْ من الأمان مَّا لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، معناه: جاءهم الذي لم يجىء آباءهم الأولين، وهذا كقوله: لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّا أُنْذِرَ آباؤُهُمْ [يس: 6] وقال الكلبي: أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ من البراءة من العذاب.

ثم قال تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ، يعني: نسبة رسولهم.

فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، يعني: جاحدين.

قال أبو صالح: عرفوه ولكن حسدوه.

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ، يعني: بل يقولون به جنون.

بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ، يعني: الرسول  بالرسالة والقرآن من عند الله عز وجل، أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله.

وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ، يعني: جاحدين مكذبين، وهم الكفار.

قوله عز وجل: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ، والحق هو الله تعالى، يعني: لو اتبع الله أهواءهم أي: مرادهم، لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، يعني: لهلكت، لأن أهواءهم ومرادهم مختلفة ويقال: لو كانت الآلهة بأهوائهم، كما قالوا: لفسدت السموات، كقوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] .

ثم قال: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ، يعني: أنزلنا إليهم جبريل  بعزهم وشرفهم، لأن رسول الله  منهم.

فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ، يعني: عن القرآن، أي تاركوه لا يؤمنون به.

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً، قرأ حمزة والكسائي خراجاً.

فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ، يعني: فثواب ربك خير، ويقال: قوت ربك من الحلال خير من جعلهم وثوابهم.

وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، أي أفضل الرازقين.

قوله عز وجل: وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني: دين مستقيم وهو الإسلام لا عوج فيه.

وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ، يعني: لا يصدقون بالبعث عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ، أي عن الدين لعادلون ومائلون.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ في المُرادِ بِالحَقِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا كَما يُحِبُّونَ.

وعَلى الثّانِي: لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِما يُحِبُّونَ مِن جَعْلِ شَرِيكٍ لِلَّهِ.

﴿ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: بِما فِيهِ شَرَفُهم وفَخْرُهم، وهو القُرْآنُ.

﴿ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ ؛ أيْ: قَدْ تَوَلَّوْا عَمّا جاءَهم مِن شَرَفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( بَلْ أتَيْناهم بِذِكْراهم فَهم عَنْ ذِكْراهم مُعْرِضُونَ ) بِألِفٍ فِيهِما.

﴿ أمْ تَسْألُهُمْ ﴾ عَمّا جِئْتَهم بِهِ، ﴿ خَرْجًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( خَرْجًا ) بِغَيْرِ ألِفٍ، [ ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ ] .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( خَرْجًا فَخَرْجُ ) بِغَيْرِ ألِفٍ في الحَرْفَيْنِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَراجًا ) بِألِفٍ، ( فَخَراجُ ) بِألِفٍ في الحَرْفَيْنِ.

ومَعْنى " خَرْجًا ": أجْرًا ومالًا.

﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: فَما يُعْطِيكَ رَبُّكَ مِن أجْرِهِ وثَوابِهِ، ﴿ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ الرّازِقِينَ ﴾ ؛ أيْ: أفْضَلُ مَن أعْطى، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ لَهم أنَّهُ لَمْ يَسْألْهم أجْرًا، لا أنَّهُ قَدْ سَألَهم.

والنّاكِبُ: العادِلُ، يُقالُ: نَكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ؛ أيْ: عَدَلَ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو خَيْرٌ الرازِقِينَ ﴾ ﴿ وَإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِراطِ لَناكِبُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ لَهم كَأنَّهُ قالَ: أمْ سَألْناهم مالًا فَقَلِقُوا بِذَلِكَ واسْتَثْقَلُوكَ مِن أجْلِهِ؟

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "خَراجًا فَخَراجُ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ: "خَرَجًا فَخَراجُ".

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما-: "خُرْجًا فَخَرَجَ"، وهو المالُ الَّذِي يُجْبى ويُؤْتى بِهِ لِأوقاتٍ مَحْدُودَةٍ، قالَ الأصْمَعِيُّ: الخَرْجُ الجُعْلُ مَرَّةً واحِدَةً، والخَراجُ ما تَرَدَّدَ لِأوقاتٍ ما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فَرْقٌ اسْتِعْمالِيٌّ، وإلّا فَهُما في اللُغَةِ بِمَعْنى، وقَدْ قُرِئَ "خَراجًا" في قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ ﴾ يُرِيدُ ثَوابُهُ، سَمّاهُ خَراجًا مِن حَيْثُ كانَ مُعادِلًا لِلْخَراجِ في هَذا الكَلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَخَراجُ رَبِّكَ رِزْقُ رَبِّكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الرازِقِينَ ﴾ .

و"الصِراطُ المُسْتَقِيمُ": دِينُ الإسْلامِ.

و"ناكِبُونَ" مَعْناهُ: عادِلُونَ ومُعْرِضُونَ.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ -تَعالى- عنهم أنَّهم لَوْ زالَ عنهُمُ القَحْطُ ومَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالخِصْبِ ورَحِمَهم بِذَلِكَ لَبَقُوا عَلى كُفْرِهِمْ ولَجُّوا في طُغْيانِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في المُدَّةِ الَّتِي أصابَتْ فِيها قُرَيْشًا السُنُونُ الجَدْبَةُ والجُوعُ الَّذِي دَعا بِهِ رَسُولَ اللهِ -  - في قَوْلِهِ: «اللهم سَبْعًا كَسِنِيِّ يُوسُفَ...» الحَدِيثُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب تنزيه الرسول عما افتروه عليه بتنزيه الإسلام عما وسموه به من الأباطيل والتنزيه بإثبات ضد ذلك وهو أنه صراط مستقيم، أي طريق لا التواء فيه ولا عقبات، فالكلام تعريض بالذين اعتقدوا خلاف ذلك.

وإطلاق الصراط المستقيم عليه من حيث إنه موصل إلى ما يتطلبه كل عاقل من النجاة وحصول الخير، فكما أن السائر إلى طلبته لا يبلغها إلا بطريق، ولا يكون بلوغه مضموناً ميسوراً إلا إذا كان الطريق مستقيماً فالنبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإسلام دعاهم إلى السير في طريق موصل بلا عناء.

والتأكيد ب (إن) واللام باعتبار أنه مسوق للتعريض بالمنكرين على ما دعاهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك التوكيد في قوله: ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط الناكبون ﴾ .

والتعبير فيه بالموصول وصلته إظهار في مقام الإضمار حيث عدل عن أن يقول: وإنهم عن الصراط لناكبون.

والغرض منه ما تنبئ به الصلة من سبب تنكبهم عن الصراط المستقيم أن سببه عدم إيمانهم بالآخرة.

وتقدم قوله تعالى: ﴿ قال هذا صراطٌ علي مستقيم ﴾ في سورة الحجر (41).

والتعريف في ﴿ الصراط ﴾ للجنس، أي هم ناكبون عن الصراط من حيث هو حيث لم يتطلبوا طريق نجاة فهم ناكبون عن الطريق بله الطريق المستقيم ولذلك لم يكن التعريف في قوله ﴿ عن الصراط ﴾ للعهد بالصراط المذكور لأن تعريف الجنس أتم في نسبتهم إلى الضلال بقرينة أنهم لا يؤمنون بالآخرة التي هي غاية العامل من عمله فهم إذن ناكبون عن كل صراط موصل إذ لا همة لهم في الوصول.

والناكب: العادل عن شيء، المعرض عنه، وفعله كنصر وفرح.

وكأنه مشتق من المنكب وهو جانب الكتف لأن العادل عن شيء يولي وجهه عنه بجانبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ ﴾ في الحَقِّ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

الثّانِي: أنَّهُ التَّنْزِيلُ أيْ لَوْ نَزَلَ بِما يُرِيدُونَ لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ.

وَفِي اتِّباعِ أهْوائِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَوِ اتُّبِعَ أهْواءَهم فِيما يَشْتَهُونَهُ.

الثّانِي: فِيما يَعْبُدُونَهُ.

﴿ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَفَسَدَ تَدْبِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها مُدَبَّرَةٌ بِالحَقِّ لا بِالهَوى.

الثّانِي: لَفَسَدَتْ أحْوالُ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّها جارِيَةٌ بِالحِكْمَةِ لا عَلى الهَوى.

﴿ وَمَن فِيهِنَّ ﴾ أيْ ولَفَسَدَ مَن فِيهِنَّ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَن يَعْقِلُ مِن مَلائِكَةِ السَّماواتِ وإنْسِ الأرْضِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي ما بَيْنَهم مِن خَلْقٍ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، فَتَكُونُ عَلى تَأْوِيلِ الكَلْبِيِّ، وقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَحْمُولًا عَلى فَسادِ ما لا يَعْقِلُ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ، وعَلى ظاهِرِ التَّنْزِيلِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلى فَسادِ ما يَعْقِلُ وما لا يَعْقِلُ مِنَ الحَيَوانِ، لِأنَّ ما لا يَعْقِلُ تابِعٌ لِما يَعْقِلُ في الصَّلاحِ والفَسادِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ مِنَ الفَسادِ ما يَعُودُ عَلى مَن في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ بِأنْ جَعَلَتْ أرْبابًا وهي مَرْبُوبَةٌ، وعُبِدَتْ وهي مُسْتَعْبَدَةٌ.

وَفَسادُ الإنْسِ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِاتِّباعِ الهَوى.

وَذَلِكَ مُهْلِكٌ.

الثّانِي: بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

وَذَلِكَ كُفْرٌ.

وَأمّا فَسادُ الجِنِّ فَيَكُونُ بِأنْ يُطاعُوا فَيَطْغَوْا.

وَأمّا فَسادُ ما عَدا ذَلِكَ فَيَكُونُ عَلى وجْهِ التَّبَعِ لِأنَّهم مُدَبَّرُونَ بِذَوِي العُقُولِ.

فَعادَ فَسادُ المُدَبِّرِينَ عَلَيْهِمْ.

﴿ بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنى بِبَيانِ الحَقِّ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: بِشَرَفِهِمْ لِأنَّ الرَّسُولَ  مِنهم.

والقُرْآنُ بِلِسانِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وسُفْيانُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: بِذِكْرِ ما عَلَيْهِمْ مِن طاعَةٍ ولَهم مِن جَزاءٍ.

﴿ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَهم عَنِ القُرْآنِ مُعْرِضُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَنْ شَرَفِهِمْ مُعْرِضُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ: ﴿ أمْ تَسْألُهم خَرْجًا ﴾ يَعْنِي أمْرًا.

﴿ فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَرِزْقُ رَبِّكَ في الدُّنْيا خَيْرٌ مِنهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: فَأجْرُ رَبِّكَ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَذَكَرَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الفَرْقَ بَيْنَ الخَرْجِ والخَراجِ فَقالَ: الخَرْجُ مِنَ الرِّقابِ: والخَراجُ مِنَ الأرْضِ.

قَوْلُهُ: ﴿ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَعادِلُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَحائِدُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: لَتارِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: لَمُعْرِضُونَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، ومَعانِيها مُتَقارِبَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ أفلم يدبروا القول ﴾ قال: إذاً والله كانوا يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: ﴿ أم لم يعرفوا رسولهم ﴾ قال: عرفوه، ولكن حسدوه وفي قوله: ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ قال: الحق الله عزوجل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ قال: بينا لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ قال: هذا القرآن، وفي قوله: ﴿ أم تسألهم أجراً ﴾ يقول: أم تسألهم على ما أتيناهم به جعلاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ خرجاً ﴾ قال: أجراً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الخرج وما قبلها من القصة لكفار قريش.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ أم تسألهم خَرَجاً ﴾ بغير ألف ﴿ فخراج ربك ﴾ بالألف.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن أنه قرأ ﴿ أم تسألهم خراجاً فخراج ربك خير ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ قال: ما فيه عوج.

ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلاً فقال له «أسلم.

فتعصب له ذلك وكبر عليه.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث فلقيت رجلاً تعرف وجهه وتعرف نسبه فدعاك إلى طريق واسع سهل أكنت تتبعه؟

قال: نعم.

قال: فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من ذلك الطريق لو كنت فيه.

وإني لأدعوك إلى أسهل من ذلك الطريق لو دعيت إليه» وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم «لقي رجلاً فقال له أسلم.

فصعده ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت فتييك أحدهما إن حدث صدقك وإن أمنته أدى إليك؟

والآخر إن حدث كذبك وإن ائتمنته خانك؟

قال: بلى.

فتاي الذي إذا حدثني صدقني وإذا أمنته أدى إلي.

قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: كذاكم أنت عند ربكم» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ﴾ قال: عن الحق عادلون.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ﴾ قال: الجوع.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَإِنَّكَ ﴾ يا محمد ﴿ لَتَدْعُوهُمْ ﴾ يعني كفار قريش {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وهو دين الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ﴾ الخرج هو الأجرة ويقال فيه: خراج والمعنى واحد، وقرئ بالوجهين في الموضعين فهو كقوله أم تسألهم أي لست تسألهم أجراً فيثقل عليهم اتباعك ﴿ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ﴾ أي رزق ربك خير من أموالهم فهو يرزقك ويغنيك عنهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تهجرون ﴾ بضم التاء وكسر الجيم: نافع.

الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ﴿ خرجاً فخرج ﴾ بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف.

الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ سيقولون الله ﴾ الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد.

الوقوف: ﴿ مشفقون ﴾ ه لا ﴿ يؤمنون ﴾ لا ﴿ يشركون ﴾ ه لا ﴿ راجعون ﴾ ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر ﴿ أولئك ﴾ الجملة ﴿ سابقون ﴾ ه لا ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ يجأرون ﴾ ه لا لحق القول ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ تنكصون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ مستكبرين ﴾ ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول ﴿ سامراً ﴾ أو مفعول ﴿ تهجرون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه لصورة الاستفهام وهو العطف ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ط لأن الاستفهام إنكار ﴿ خير ﴾ ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه.

﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الناكبون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ه ﴿ لمبعوثون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تسحرون ﴾ ه ﴿ لكاذبون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة.

والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته.

ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي.

وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى.

الثانية قوله ﴿ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ﴾ والظاهر أنها القرآن.

وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع.

وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً.

الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين.

الرابعة قوله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ أي يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ خائفة في شأن ذلك الإعطاء.

ثم علل ذلك الوجل بقوله ﴿ أنهم ﴾ اي لأنهم ﴿ إلى ربهم راجعون ﴾ فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.

والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي "أن رسول الله  قرأ ﴿ ويأتون ما أتوا ﴾ أي يفعلون ما فعلوا.

وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟

قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه." وفي قوله ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها.

قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين.

وقال في قوله ﴿ وهم لها سابقون ﴾ إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا.

وجوّز أن يكون ﴿ لها سابقون ﴾ خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له.

وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء.

وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم.

الثاني قوله ﴿ ولدينا كتاب ينطق ﴾ والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل.

والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم.

أما قوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون.

﴿ ولهم أعمال ﴾ متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى.

﴿ هم لها عاملون ﴾ في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي.

وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه  قال بعد وصفهم ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء.

﴿ ولدينا كتاب ﴾ يحفظ أعمالهم.

﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ﴿ ولهم أعمال ﴾ من ﴿ دون ذلك ﴾ الذي وصف ﴿ هم لها عاملون ﴾ وهي النوافل السرية والأعمال القلبية.

ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله  فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف" .

فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد.

والجؤار الصراخ باستغاثة.

ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ﴾ لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم.

ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام".

وفي مرجع الضمير في ﴿ به ﴾ أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم.

والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.

وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.

وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً.

ورابعها أنه يتعلق بـ ﴿ ـسامراً ﴾ أو بـ ﴿ ـتهجرون ﴾ والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش.

والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله  والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.

ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به.

الثاني قوله ﴿ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين ﴾ والمراد أمر الرسالة.

ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم  ﴾ فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.

وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟

عن النبي  "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" الثالث قوله ﴿ أم لم يعرفوا ﴾ نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟

الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم.

ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال ﴿ بل جاءهم ﴾ متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه.

ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر.

وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم.

ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين  ﴾ ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف.

وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون ﴿ خرجاً فخراج ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.

وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن ﴿ الصراط ﴾ المستقيم المذكور ﴿ لناكبون ﴾ والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم.

ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله ﴿ ولو رحمناهم ﴾ الآية.

"يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله  فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟

فقال: بلى.

فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر" فأنزل الله الآية.

والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان.

ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ ولقد أخذناهم ﴾ اي قبل ذلك ﴿ بالعذاب ﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" ﴿ وما يتضرعون ﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك.

ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير.

ثم نبه بقوله ﴿ وهو الذي أنشأ لكم ﴾ على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي.

وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد.

وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم.

وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة.

وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله.

وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل.

ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال ﴿ وهو الذي ذرأكم ﴾ اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة.

وفي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ وتهديد.

ثم نبه بقوله ﴿ بل قالوا ﴾ الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد.

قال علماء المعاني: قوله ﴿ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ﴾ واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني.

وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله ﴿ تراباً ﴾ والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار.

ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي.

وفي قوله ﴿ افلا تذكرون ﴾ ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله ﴿ أفلا تتقون ﴾ مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ بهذه الصفة غيره فأجيبوني به.

ومعنى ﴿ تسحرون ﴾ تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى.

ثم بين بقوله ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق ﴿ وإنهم ﴾ مع ذلك ﴿ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة.

التأويل: ﴿ من خشية ربهم مشفقون ﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿ بآيات ربهم يؤمنون ﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿ بربهم لا يشركون ﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿ وهم لها سابقون ﴾ على قدر سبق العناية ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف.

﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة.

﴿ ولقد أخذناهم ﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم ﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿ وله اختلاف ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿ قالوا أئذا متنا ﴾ فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿ وهو يجير ﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

المستقيم: القائم بالآيات والحجج، ليس كالسبيل التي يسلكون هم بلا آيات ولا حجج ولا برهان.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن إنكارهم البعث والآخرة هو الذي حملهم على العدول عن الصراط المستقيم.

والثاني: الصراط الذي في الدنيا هو المجعول للآخرة؛ فإذا تركوا سلوكه؛ لشهوات منعتهم عن ذلك - أنكروا الآخرة، أو كلام نحو هذا، وقوله: ﴿ لَنَاكِبُونَ ﴾ ، أي: لعادلون، من العدول عنه والمجانبة والميل إلى غيره.

وقوله: ﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

ذكر الضر، ولم يذكر أي شيء كان، وليس لنا أن نقول: كان الجوع أو كذا إلا يثبت، وفيه وجهان من المعتبر: أحدهما: أن رفع المحن التي امتحنهم من البلايا والشدائد إنما يكون برحمة منه وفضل، لا على ما قاله بعض الناس بالاستحقاق؛ حيث ذكر رحمته بكشف ذلك عنهم.

والثاني: فيه دلالة إثبات رسالة محمد  لأنه أخبر أنه، إن كشف ذلك الضر عنهم، ﴿ لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ؛ فكشف عنهم ذلك فلجوا في طغيانهم على ما أخبر؛ فدل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ .

يخبر عن سفههم وجهلهم بالله، وقسوة قلوبهم، وتمردهم وعنادهم؛ حيث أخبر أنهم وإن أخذوا بالعذاب لم يتضرعوا إليه، وما استكانوا له بجهلهم بعذاب الله؛ حيث أخبر أنهم، وإن أخذوا [لم يستكينوا].

[وقوله:] ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ : قال بعضهم: المبلس: الآيس من كل خير، وهو ما وصفهم أنهم: ﴿ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ  ﴾ ، و ﴿ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ  ﴾ ، ونحوه.

وقال الزجاج: المبلس: الساكن المتحير لا يدري ما يعمل به فعلى ذلك هم كانوا حيارى لما نزل بهم العذاب، لا يدرون ما يعملون به في دفع ذلك عنهم.

وقال الكسائي: المبلس: المقطع السيئ الظن، قال: ومنه سمي إبليس؛ لأنه أيس من رحمة الله، وانقطع رجاؤه عنده.

وقال أبو عوسجة: [المبلس] البائس الحزين، ويقال: أبلس الرجل، أي: أيس فحزن، وأبلس غيره أيضاً، وإنما سمي إبليسُ إبليس؛ لأنه يئس عن رحمة الله فحزن.

قال: وقوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ ﴾ ، أي: لم يذلوا لربهم بالطاعة له، والخضوع لما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإنك -أيها الرسول- لتدعو هؤلاء وغيرهم إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه، وهو طريق الإسلام.

<div class="verse-tafsir" id="91.K9j50"

مزيد من التفاسير لسورة المؤمنون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده