الإسلام > القرآن > سور > سورة 23 المؤمنون > الآية ٧٩ من سورة المؤمنون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 38 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٩ من سورة المؤمنون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر ، في برئة الخليقة وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض ، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم ، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم ، فلا يترك منهم صغيرا ولا كبيرا ، ولا ذكرا ولا أنثى ، ولا جليلا ولا حقيرا ، إلا أعاده كما بدأه;
يقول تعالى ذكره: والله الذي خلقكم في الأرض وإليه تُحْشَرونَ من بعد مماتكم، ثم تبعثون من قبوركم إلى موقف الحساب.
قوله تعالى : وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرونقوله تعالى : وهو الذي ذرأكم في الأرض أي أنشأكم وبثكم وخلقكم .
وإليه تحشرون أي تجمعون للجزاء .
{ وَهُوَ } تعالى { الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ } أي: بثكم في أقطارها، وجهاتها، وسلطكم على استخراج مصالحها ومنافعها، وجعلها كافية لمعايشكم ومساكنكم، { وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } بعد موتكم، فيجازيكم بما عملتم في الأرض، من خير وشر، وتحدث الأرض التي كنتم فيها بأخبارها
( وهو الذي ذرأكم ) خلقكم ، ( في الأرض وإليه تحشرون ) تبعثون .
«وهو الذي ذرأكم» خلقكم «في الأرض وإليه تحشرون» تبعثون.
وهو الذي خلق جميع الناس في الأرض، وإليه تُحشرون بعد موتكم، فيجازيكم بما عملتم من خير أو شر.
وقوله - سبحانه - : ( وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) بيان لنعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى .أى : وهو - سبحانه - الذى أوجدكم من الأرض ، ونشركم فيها عن طريق التناسل ، وإليه وحده تجمعون يوم القيامة للحساب .
اختلفوا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ أخذناهم بالعذاب ﴾ على وجوه: أحدها: أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة منع الميرة عن أهل مكة فأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا الجلود والجيف، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ألست تزعم أنك بعثت رحمة العالمين، ثم قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادع الله يكشف عنا هذا القحط.
فدعا فكشف عنهم فأنزل الله هذه الآية، والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا.
وثانيها: هو الذي نالهم يوم بدر من القتل والأسر، يعني أن ذلك مع شدته ما دعاهم إلى الإيمان عن الأصم.
وثالثها: المراد من عذب من الأمم الخوالي ﴿ فَمَا استكانوا ﴾ أي مشركي العرب لربهم عن الحسن.
ورابعها: أن شدة الدنيا أقرب إلى المكلف من شدة الآخرة، فإذا لم تؤثر فيهم شدة الدنيا فشدة الآخرة كذلك، وهذا يدل على أنهم ﴿ لَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: حتى إذا فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو أشد من القتل والأسر والثاني: إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون ﴾ ، ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ والإبلاس اليأس من كل خير، وقيل السكون مع التحسير.
وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما وزن استكان؟
الجواب: استفعل من السكون أي انتقل من كون إلى كون، كما قيل استحال إذا انتقل من حال إلى حال، ويجوز أن يكون افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه.
السؤال الثاني: لم جاء ﴿ استكانوا ﴾ بلفظ الماضي و ﴿ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ بلفظ المستقبل؟
الجواب: لأن المعنى امتحناهم فما وجدنا منهم عقيب المحنة استكانة، وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد وقرئ فتحنا.
السؤال الثالث: العطف لا يحسن إلا مع المجانسة فأي مناسبة بين قوله: ﴿ وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار ﴾ وبين ما قبله؟
الجواب: كأنه سبحانه لما بين مبالغة أولئك الكفار في الأعراض عن سماع الأدلة ورؤية العبر والتأمل في الحقائق قال للمؤمنين، وهو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووقفكم عليها، تنبيهاً على أن من لم يستعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها كما قال تعالى: ﴿ فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَيْء إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بئايات الله ﴾ تنبيهاً على أن حرمان أولئك الكفار ووجدان هؤلاء المؤمنين ليس إلا من الله.
واعلم أنه سبحانه بين عظيم نعمه من وجوه: أحدها: بإعطاء السمع والأبصار والأفئدة وخص هذه الثلاثة بالذكر لأن الاستدلال موقوف عليها، ثم بين أنه يقل منهم الشاكرون، قال أبو مسلم وليس المراد أن لهم شكراً وإن قل، لكنه كما يقال للكفور الجاحد للنعمة ما أقل شكر فلان.
وثانيها: قوله: ﴿ وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض ﴾ قيل في التفسير ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ قال أبو مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله تعالى: ﴿ ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ﴾ فنقول: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان.
وثالثها: قوله: ﴿ وَهُوَ الذي يُحيِ وَيُمِيتُ ﴾ أي نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنه سبحانه وإن أنعم بها فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب.
ورابعها: قوله: ﴿ وَلَهُ اختلاف اليل والنهار ﴾ ووجه النعمة بذلك معلوم، ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ لأن ذلك دلالة الزجر والتهديد وقرئ ﴿ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
إنما خصّ السمع والأبصار والأفئدة، لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها.
ومقدمة منافعها أن يعملوا أسماعهم وأبصارهم في آيات الله وأفعاله، ثم ينظروا ويستدلوا بقلوبهم.
ومن لم يعملها فيما خلفت له فهو بمنزلة عادمها، كما قال الله تعالى: ﴿ فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَيْء ﴾ [الأحقاف: 26] إذ كانوا يجحدون بآيات الله، ومقدمة شكر النعمة فيها الإقرار بالمنعم بها، وأن لا يجعل له ندّ ولا شريك، (قليلاً ما تشكرون) أي: تشكرون شكراً قليلاً، و ﴿ مَّا ﴾ مزيدة للتأكيد بمعنى حقاً ﴿ ذَرَأَكُمْ ﴾ خلقكم وبثكم بالتناسل ﴿ وَإِلَيْهِ ﴾ تجمعون يوم القيامة بعد تفرّقكم ﴿ وَلَهُ اختلاف اليل والنهار ﴾ أي هو مختص به وهو متوليه، ولا يقدر على تصريفهما غيره.
وقرئ: ﴿ يعقلون ﴾ بالياء عن أبي عمرو.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ ﴾ لِتُحِسُّوا بِها ما نُصِبَ مِنَ الآياتِ.
﴿ والأفْئِدَةَ ﴾ لِتَتَفَكَّرُوا فِيها وتَسْتَدِلُّوا بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ تَشْكُرُونَها شُكْرًا قَلِيلًا لِأنَّ العُمْدَةَ في شُكْرِها اسْتِعْمالُها فِيما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ، والإذْعانُ لِمانِحِها مِن غَيْرِ إشْراكٍ وما صِلَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.
﴿ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ ﴾ خَلَقَكم وبَثَّكم فِيها بِالتَّناسُلِ.
﴿ وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ تَفَرُّقِكم.
﴿ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ ويَخْتَصُّ بِهِ تَعاقُبُهُما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَيَكُونُ رَدًّا لِنِسْبَتِهِ إلى الشَّمْسِ حَقِيقَةً أوْ لِأمْرِهِ وقَضائِهِ تَعاقُبُهُما، أوِ انْتِقاصُ أحَدِهِما وازْدِيادُ الآخَرِ.
﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ أنَّ الكُلَّ مِنّا وأنَّ قُدْرَتَنا تَعُمُّ المُمَكِناتِ كُلَّها وأنَّ البَعْثَ مِن جُمْلَتِها، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى أنَّ الخِطابَ السّابِقَ لِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَهُوَ الذى ذَرَأَكُمْ} خلقكم وبثكم بالتناسل {فِى الأرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم
﴿ وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ ﴾ أيْ خَلْقِكم وبَثِّكم فِيها ﴿ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أيْ تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ تَفَرُّقِكم لا إلى غَيْرِهِ تَعالى فَما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَشْكُرُونَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ ﴿ ولَهُ ﴾ تَعالى شَأْنُهُ خاصَّةً ﴿ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ هو سُبْحانَهُ وتَعالى المُؤَثِّرُ في اخْتِلافِهِما أيْ تَعاقُبِهِما مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَخْتَلِفُ إلى فُلانٍ أيْ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ بِالمَجِيءِ والذَّهابِ أوْ تُخالُفِهِما زِيادَةً ونَقْصًا، وقِيلَ: المَعْنى لِأمْرِهِ تَعالى وقَضائِهِ سُبْحانَهُ اخْتِلافِهِما فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، واللّامُ عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أيْ ألّا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ أوْ أتَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ أنَّ الكُلَّ صارَ مِنّا وأنَّ قُدْرَتَنا تَعُمُّ جَمِيعَ المُمَكَّناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ «يَعْقِلُونَ» عَلى أنَّ الِالتِفاتَ إلى الغِيبَةِ لِحِكايَةِ سُوءِ حالِ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ: عَلى أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ لِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ ولَيْسَ بِذاكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ فهذه الأشياء من النعم.
قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يعني: أنتم لا تشكرون، ويقال: شكركم فيما صنع إليكم قليل.
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ، يعني: خلقكم في الأرض.
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ في الآخرة، وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يحيي الموتى ويميت الأحياء.
وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أي ذهاب الليل ومجيء النهار، أَفَلا تَعْقِلُونَ أمر الله؟
ويقال: أفلا تعقلون توحيد ربكم فيما ترون من صنعه فتعتبرون؟
ثم قال عز وجل: بَلْ قالُوا مِثْلَ مَا قالَ الْأَوَّلُونَ يعني: كذبوا مثل ما كذب الأولون.
قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ، يعني: هذا القول.
إِنْ هَذَا يعني: ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: أحاديثهم وكذبهم.
قوله عز وجل: قُلْ لكفار مكة: لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها من الخلق.
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن أحداً يفعل ذلك غير الله، فأجيبوني.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ يعني: تتعظون فتطيعونه وتوحدونه.
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ وكلهم قرءوا الأول بغير ألف، وأما الآخر فإن كلهم قرءوا بغير ألف غير أبي عمرو، فإنه قرأ الله، والباقون لله.
قال أبو عبيد: وجدت في مصحف الإمام كلها بغير ألف.
قال: وحدثني عاصم الجحدري أن أول من قرأ هاتين الألفين نصر بن عاصم الليثي.
فأما من قرأ الله فهو ظاهر لأنه جواب السائل عما يسأل، ومن قرأ لِلَّهِ فله مخرج في العربية سهل، وهو ما حكى الكسائي عن العرب أنه يقال للرجل: من رب هذه الدار؟
فيقول: لفلان، يعني: هي لفلان.
والمعنى في ذلك، أنه إذا قيل: من صاحب هذه الدار؟
فكأنه يقول: لمن هذه الدار.
وإذا قال المجيب: هي لفلان، أو قال: فلان، فهو جائز ولو كان الأول الله، لكان يجوز في اللغة، ولكنه لم يقرأ والاختلاف في الآخرين.
ثم قال: قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ عبادة غير الله تعالى، فتوحدوه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يُرِيدُ: أنَّهم لا يَشْكُرُونَ أصْلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَرَأكم في الأرْضِ ﴾ ؛ أيْ: خَلَقَكم مِنَ الأرْضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ ؛ أيْ: هو الَّذِي جَعَلَهُما مُخْتَلِفَيْنِ يَتَعاقَبانِ ويَخْتَلِفانِ في السَّوادِ والبَياضِ.
﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ما تَرَوْنَ مِن صُنْعِهِ ؟
وما بَعْدُ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ﴾ ؛ أيْ: قُلْ لِأهْلِ مَكَّةَ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ: لِمَنِ الأرْضُ، ﴿ وَمَن فِيها ﴾ مِنَ الخَلْقِ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ بِحالِها، ﴿ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( لِلَّهِ ) بِغَيْرِ ألِفٍ هاهُنا وفي اللَّذَيْنِ بَعْدَها بِألِفٍ.
وقَرَأ الباقُونَ: ( لِلَّهِ ) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ.
وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو عَلى القِياسِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن قَرَأ: ( سَيَقُولُونَ اللَّهُ ) فَهو جَوابُ السُّؤالِ، ومَن قَرَأ: ( لِلَّهِ ) فَجَيِّدٌ أيْضًا؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارُ ؟
فَقِيلَ: لِزَيْدٍ، جازَ؛ لِأنَّ مَعْنى ( مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارِ ؟
): لِمَن هي.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قَرَأ: ( لِلَّهِ ) في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ، فَقَدْ أجابَ عَلى المَعْنى دُونَ ما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: ( سَيَقُولُونَ اللَّهُ ) ( اللَّهُ ) ( اللَّهُ ) بِألِفٍ فِيهِنَّ كُلِّهِنَّ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ الأهْوازِيُّ: وهو في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ بِألِفٍ فِيهِنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ ذَلِكَ ابْتِداءً، أقْدَرُ عَلى إحْياءِ الأمْواتِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَيْلِ والنَهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ ابْتَدَأ تَعالى بِتَعْدِيدِ نِعَمٍ في نَفْسِ تَعْدِيدِها اسْتِدْلالٌ بِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ، وأنَّها لا يَعْزُبُ عنها أمْرُ البَعْثِ ولا يَعْظُمْ.
و"أنْشَأ" بِمَعْنى اخْتَرَعَ، و"السَمْعَ" مَصْدَرٌ، فَلِذَلِكَ وحَّدَ، وقِيلَ: أرادَ الجِنْسَ، و"الأفْئِدَةَ": القُلُوبُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى النُطْقِ والعَقْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شُكْرًا قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ: قَلِيلًا مِنكم مَن يَشْكُرُ، أيْ يُؤْمِنُ ويَشْكُرُ حَقَّ الشُكْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرُ.
و"ذَرَأ" مَعْناهُ: بَثَّ وخَلَقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فِيهِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: إلى حُكْمِهِ وقَضائِهِ، و"تُحْشَرُونَ" يُرِيدُ آيَةَ البَعْثِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَيْلِ والنَهارِ ﴾ أيْ: لَهُ القُدْرَةُ الَّتِي عنها ذَلِكَ.
و"الِاخْتِلافُ" هُنا التَعاقُبُ والكَوْنُ خِلْفَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي هو المُغايِرَةُ البَيِّنَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ" إضْرابٌ، والجَحَدُ قَبْلَهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهم نَظَرٌ في هَذِهِ الآياتِ، أو نَحْوَ هَذا، و"الأوَّلُونَ" يُشِيرُ بِهِ إلى الأُمَمِ الكافِرَةِ كَعادٍ وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَمَبْعُوثُونَ" أيْ لَمُعادُونَ أحْياءٌ، وقَوْلُهُمْ: "وَآباؤُنا" إنْ حَكى المُقالَةَ عَنِ العَرَبِ فَمُرادُهم مِن سَلَفَ مِنَ العالَمِ، جَعَلُوهم آباءً مِن حَيْثُ النَوْعِ واحِدٍ، وإنْ حَكى ذَلِكَ عَنِ الأوَّلِينَ فالأمْرُ مُسْتَقِيمٌ فِيهِمْ، و"الأساطِيرُ" قِيلَ: هي جَمْعُ أُسْطُورَةٍ كَأُعْجُوبَةٍ وأعاجِيبَ وأُحْدُوثَةِ وأحادِيثَ، وقِيلَ: هي جَمْعُ جَمْعٍ، يُقالُ: سَطْرٌ وأسْطارٌ وأساطِيرُ.
<div class="verse-tafsir"
هو على شاكلة قوله: ﴿ وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ﴾ [المؤمنون: 78].
والذرء: البث.
وتقدم في سورة الأنعام (136).
وهذا امتنان بنعمة الإيجاد والحياة وتيسير التمكن من الأرض وإكثار النوع لأن الذرء يستلزم ذلك كله.
وهذا استدلال آخر على انفراد الله تعالى بالإلهية إذ قد علموا أنه لا شريك له في الخلق فكيف يشركون معه في الإلهية أصنافاً هم يعلمون أنها لا تخلق شيئاً.
وهو أيضاً استدلال على البعث لأن الذي أحيا الناس عن عدم قادر على إعادة إحيائهم بعد تقطع أوصالهم.
وقوبل الذرء بضده وهو الحشر والجمع، فإن الحشر يجمع كل من كان على الأرض من البشر.
وفيه محسن الطباق.
والمقصود من هذه المقابلة الرد على منكري البعث، فتقديم المجرور في ﴿ إليه تحشرون ﴾ تعريض بالتهديد بأنهم محشورون إلى الله فهو يجازيهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ دُعاءُ النَّبِيِّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ، فَقَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ حَتّى أكَلُوا العَلْهَزَ مِنَ الجُوعِ وهو الوَبَرُ بِالدَّمِ» قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ قَتَلَهم بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَعْنِي بابًا مِن عَذابِ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ قَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خَلَقَكم، قالَهُ الكَلْبِيُّ ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: نَشَرَكم، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ.
الثّانِي: تَكَرُّرُهُما يَوْمًا بَعْدَ لَيْلَةٍ ولَيْلَةً بَعْدَ يَوْمٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: اخْتِلافُ ما مَضى فِيهِما مِن سَعادَةٍ وشَقاءٍ وضَلالٍ وهُدًى.
<div class="verse-tafsir"
أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي قي الدلائل عن ابن عباس قال: «جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز- يعني الوبر- بالدم.
فأنزل الله: ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس؛ أن ثمامة بن أنال الحنفي «لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وهو أسير فخلى سبيله، لحق باليمامة فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟
قال: بلى.
قال: فقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع.
فأنزل الله: ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ » .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب ﴾ قال: بالسنة والجوع.
وأخرج العسكري في المواعظ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ أي: لم يتواضعوا في الدعاء، ولم يخضعوا، ولو خضعوا لله لاستجاب لهم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: إذا أصاب الناس من قبل السلطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿ ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ﴾ .
واخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد ﴾ قال: قد مضى كان يوم بدر.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد ﴾ قال: يوم بدر.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد ﴾ قال: لكفار قريش الجوع وما قبلها من القصة لهم أيضاً.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ ما زائدة، وقليلاً صفة لمصدر محذوف تقديره: شكراً قليلاً تشكرون وذكر السمع والبصر والأفئدة وهي القلوب لعظم المنافع التي فيها، فيجب شكر خالقها؛ ومن شكره: توحيده واتباع رسوله عليه الصلاة السلام، ففي ذكرها تعديد نعمة وإقامة حجة ﴿ ذَرَأَكُمْ فِي الأرض ﴾ أي نشركم فيها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تهجرون ﴾ بضم التاء وكسر الجيم: نافع.
الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ﴿ خرجاً فخرج ﴾ بغير الالف فيهما: ابن عامر كلاهما بالألف حمزة وعلي وخلف.
الباقون بحذف الألف من الأول وإثباتها في الثاني ﴿ فتحنا ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ سيقولون الله ﴾ الثانية والثالثة: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الآخرون باللام فيهما كالأول حملا على المعنى لأن قولك "من رب هذا" "ولمن هذا" في معنى واحد.
الوقوف: ﴿ مشفقون ﴾ ه لا ﴿ يؤمنون ﴾ لا ﴿ يشركون ﴾ ه لا ﴿ راجعون ﴾ ه لا لأن الكل معطوفات على اسم "إن" والخبر ﴿ أولئك ﴾ الجملة ﴿ سابقون ﴾ ه لا ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ عاملون ﴾ ه ﴿ يجأرون ﴾ ه لا لحق القول ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ تنكصون ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ مستكبرين ﴾ ه قد قيل: على جعل الجار والمجرور مفعول ﴿ سامراً ﴾ أو مفعول ﴿ تهجرون ﴾ ه ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ منكرون ﴾ ه لصورة الاستفهام وهو العطف ﴿ جنة ﴾ ط ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ فيهن ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ط لأن الاستفهام إنكار ﴿ خير ﴾ ز وقد قيل: بناء على أن الواو للابتداء والحال أوجه.
﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الناكبون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ يتضرعون ﴾ ه ﴿ مبلسون ﴾ ه ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والنهار ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الأوّلون ﴾ ه ﴿ لمبعوثون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ تسحرون ﴾ ه ﴿ لكاذبون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما نفى الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبعه ذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع: الأولى الإشفاق من خشية ربهم وظاهره ينبئ عن تكرار، لأن الإشفاق يتضمن الخشية فمنهم من قال: جمع بينهما للتأكيد، ومنهم من حمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم مشفقون وهو قول الكلبي ومقاتل، ومنهم من حمل الإشفاق على اثره وهو الدوام في الطاعة.
والمعنى الذين هم من خشيته دائمون على طاعته جادّون في طلب مرضاته.
ومنهم من قال: الإشفاق كمال الخوف اي هم من سخط الله عاجلاً ومن عقابه آجلاً في نهاية الخوف، ويلزم ذلك أن يكونوا في غاية الاحتراز عن المعاصي.
وفيه أنهم إذا كانوا خائفين من الخشية فلأن يخافوا من عدم الخشية أولى.
الثانية قوله ﴿ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ﴾ والظاهر أنها القرآن.
وقيل: هي المخلوقات الدالة على وجود الصانع.
وليس المراد التصديق بوجودها فقط فإن ذلك معلوم بالضرورة فلا يوجب المدح، بل التصديق بكونها دلائل موصلة إلى العرفان ويتبعه الإقرار اللساني ظاهراً.
الثالثة التبري عما سوى الله ظاهراً وباطناً بأن لايشرك به طرفة عين.
الرابعة قوله ﴿ والذين يؤتون ما آتوا ﴾ أي يعطون ما أعطوا ﴿ وقلوبهم وجلة ﴾ خائفة في شأن ذلك الإعطاء.
ثم علل ذلك الوجل بقوله ﴿ أنهم ﴾ اي لأنهم ﴿ إلى ربهم راجعون ﴾ فإن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والمساءلة ونشر الصحف وتتبع الأعمال وعلم أن المجازي هو الذي لا يخفى عليه الضمائر والسرائر لم يخل عمله من حسن النية وخلوص الطوية بحيث يكون أبعد عن الرياء وأدخل في الإخلاص.
والظاهر أن هذا الإيتاء مختص بالزكاة والتصدق، ويحتمل أن يراد إعطاء كل فعل أو خصلة أي إتيانها يؤيده ما روي "أن رسول الله قرأ ﴿ ويأتون ما أتوا ﴾ أي يفعلون ما فعلوا.
وعن عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله هو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟
قال: لا يا بنت الصديق ولكن هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله أن لا يقبل منه." وفي قوله ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ معنيان: أحدهما يرغبون في الطاعات اشد الرغبة فيبادرونها، والثاني أنهم يتعجلون في الدنيا وجوه المنافع والإكرام لأنهم إذا سورع بها لهم فقد سارعوا في نيلها.
قال جار الله: وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة لأن فيه إثبات ما نفى عن الكفار للمؤمنين.
وقال في قوله ﴿ وهم لها سابقون ﴾ إنه متروك المفعول أو منويه أي فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها، والمراد إياها سابقون كقولك "هو لزيد ضارب" بمعنى "هو زيداً ضارب" جئت باللام لضعف عمل اسم الفاعل ولا سيما فيما قبله، والمعنى أنهم ينالون الخيرات قبل الأخرى حيث عجلت لهم في الدنيا.
وجوّز أن يكون ﴿ لها سابقون ﴾ خبرين أحدهما بعد الآخر كقولك "هذا هو" لهذا الأمر أي صالح له.
وحين أنجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر حكمين لهما الأوّل قوله ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ وفي الوسع قولان: أحدهما أنه الطاقة والآخر أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي، لأنه اتسع فيه على المكلف ولم يضيق مثاله إن لم يستطيع أن يصلي قائماً فليصل قاعداً وإلا فليوم إيماء.
وفيه أن هذا الذي وصف به الصالحين غير خارج من وسعهم.
الثاني قوله ﴿ ولدينا كتاب ينطق ﴾ والمراد ينطقه إثبات كل عمل فيه وهو اللوح أو صحيفة الأعمال لا يقرأون منها يوم القيامة إلا ما هو صدق وعدل.
والبحث بين الأشاعرة والمعتزلة في مثل هذا المقام معلوم.
أما قوله ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ ففيه طريقان: أحدهما رادع إلى الكفار والمعنى بل قلوب الكفار في غفلة غامرة لها من هذا الذي بيناه في القرآن، أو من هذا الذي ينطق بالحق أو الذي عليه هؤلاء المؤمنون.
﴿ ولهم أعمال ﴾ متجاوزة لذلك الذي وصف به المؤمنون كمتابعة الهوى وطلب الدنيا والإعراض عن المولى.
﴿ هم لها عاملون ﴾ في الحال على سبيل الاعتياد لا يفطمون عنها حتى يأخذهم العذاب أو في الاستقبال لأنها مبينة في علم الله مكتوبة في اللوح عليهم أن يعملوا بها حكم الشقاء الأزلي.
وثانيهما وهو اختيار أبي مسلم أن هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال بعد وصفهم ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء.
﴿ ولدينا كتاب ﴾ يحفظ أعمالهم.
﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ﴾ الذي وصفناهم به أهو مقبول عند الله أم مردود ﴿ ولهم أعمال ﴾ من ﴿ دون ذلك ﴾ الذي وصف ﴿ هم لها عاملون ﴾ وهي النوافل السرية والأعمال القلبية.
ثم إنه رجع إلى وصف الكفار بقوله ﴿ حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب ﴾ وهو عذاب الآخرة أو قتلهم يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف" .
فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة واقدّ والأولاد.
والجؤار الصراخ باستغاثة.
ثم أخبر أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ﴿ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون ﴾ لا تغاثون من جهتنا أو لا تمنعون منا، ثم عدد عليهم التوبيخ بمقابحهم.
ومعنى النكوص على العقبين التباعد عن الحق والتجافي عنه كمن رجع على ورائه وقد مر في "الأنعام".
وفي مرجع الضمير في ﴿ به ﴾ أقوال: أحدها أنه للبيت العتيق أو للحرم.
والذي سوّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت والتفاخر بولايته والقيام به وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم.
وثانيها مستكبرين بهذا التراجع والتباعد.
وثالثها مستكبرين بالقرآن على تضمين الاستكبار معنى التكذيب، أو على أن الباء للسببية لأن سماع القرآن كان يحدث لهم استكباراً وعتوّاً.
ورابعها أنه يتعلق بـ ﴿ ـسامراً ﴾ أو بـ ﴿ ـتهجرون ﴾ والهجر بالضم الفحش وبالفتح الهذيان،و أهجر في منطقه إذا أفحش.
والضمير للقرآن أو للنبي أي تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه أو في النبي، وكانت عامة سمرهم حول البيت ذكر القرآن وتسميته سحراً وشعراً وسب رسول الله والسامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع.
ثم بين أن سبب إقدامهم على الكفر أحد أمور اربعة: الأوّل عدم التدبر في القرآن لأنهم إن تدبروه وتأملوا مبانيه ومعانيه ظهر لهم صدقه وإعجازه فيصدقوا به وبمن جاء به.
الثاني قوله ﴿ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الولين ﴾ والمراد أمر الرسالة.
ثم المقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأقربين رسول كقوله ﴿ لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم ﴾ فلذلك أنكروه واستبعدوه، أو تقرير أنه أتى آباءهم الأقدمين رسل وذلك أنهم عرفوا بالتواتر أن رسل الله فيهم كثيرة وكانت الأمم بين مصدق ناج وبين مكذب هالك بعذاب الاستئصال، فما دعاهم ذلك إلى تصديق هذا الرسول وآباؤهم إسماعيل وأعقابه من عدنان وقحطان.
وقيل: إراد أفلم يدبروا القرآن فيخافوا عند تدبر آياته وأقاصيصه مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن ما لم يأت آباءهم حين خافوا الله فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه؟
عن النبي "لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قساً فإنه كان مسلماً ولا تسبوا الحرث بن كعب ولا اسد بن خزيمة ولا تميم بن مر فإنهم كانوا على الإسلام وما شككتم فيه من شيء فلا تشكوا في أن تبعاً كان مسلماً" الثالث قوله ﴿ أم لم يعرفوا ﴾ نبه بذلك على أنهم عرفوه وعرفوا صحة نسبته وأمانته فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على أنه أمين؟
الرابع نسبتهم إياه إلى الجنون وكانوا يعلمون أنه أرجحهم عقلاً ولكنه جاء بما يخالف هواهم فتشككوا في أمره أو شككوا العوام إبقاء على مناصبهم ورياستهم.
ثم أضرب عن أقوالهم منبهاً على مصدوقية أمر النبي فقال ﴿ بل جاءهم ﴾ متلبساً ﴿ بالحق ﴾ أو الباء للتعدية والحق الدين القويم والصراط المستقيم ﴿ وأكثرهم للحق كارهون ﴾ واقلهم كانوا لا يكرهونه وإن لم يظهروا الإيمان به خوفاً من قالة الأعداء كما يحكى عن ابي طالب، ولهذا جاء الخلاف في صحة إسلامه.
ثم بين أن الإلهية تقتضي الاستقلال في الأوامر والنواهي، وأن الحق والصواب ينحصر فيما دبره إله العالمين وقدّره فقال ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم ﴾ نظيره ما مر في قوله ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ﴾ وقيل: الحق الإسلام، والمراد لو انقلب الإسلام شركاً كما تقتضيه أهواؤهم لجاء الله بالقيامة، ولأهلك العالم ولم يؤخر.
وعن قتادة: الحق هو الله، والمعنى لو كان الله آمراً بالشرك والمعاصي على وفق آرائهم لما كان إلهاً ولكان شيطاناً فلا يقدر على إمساك السموات والأرض، وحينئذ يختل نظام العالم.
ثم ذكر أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال ﴿ بل أتيناهم بذكرهم ﴾ إن كانت الباء للتعدية فظاهر، وإن كانت للمصاحبة فعلى حذف مضاف اي أتاهم رسولنا متلبساً بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أوصيتهم وفخرهم، أو الإضافة بدل اللام العهدي أي بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون ﴿ لو أن عندنا ذكراً من الأولين لكنا عباد الله المخلصين ﴾ ثم بيّن أن دعوته ليست مشوبة بالطمع الموجب للنفرة فقال ﴿ أم تسألهم خرجاً ﴾ أي جعلاً وكذا الخراج وقد مر في آخر الكهف.
وقيل: الخرج أقل ولذا قرأ الأكثرون ﴿ خرجاً فخراج ﴾ يعني أم تسألهم على هدايتك لهم قليلاً من عطاء الخلق فالكثير من عطاء الخالق خير.
وحين أثبت لرسوله مواجب قبول قوله ونفى عنه أضدادها صرح بمضمون أمره ومكنون سره فقال ﴿ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم ﴾ هو دين الإسلام لا تدعوهم إلى غيره من الطرق المنحرفة عن جادة الصواب، وأشار إلى هذه الطرق بقوله ﴿ وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ هم المذكورون فيما تقدم أو كل من لا يؤمن بالآخرة عن ﴿ الصراط ﴾ المستقيم المذكور ﴿ لناكبون ﴾ والتركيب يدور على العدول عن القصد ومنه المنكب لمجمع عظم العضد والكتف، والنكباء للريح التي تعدل عن مهاب الرياح للقوم.
ثم بين إصرارهم على الكفر بقوله ﴿ ولو رحمناهم ﴾ الآية.
"يروى أنه لما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنه الميرة عن أهل مكة وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز، جاء أبو سفيان إلى رسول الله فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟
فقال: بلى.
فقال الاباء بالسيف والأبناء بالجوع فادع الله أن يكشف عنا الضر" فأنزل الله الآية.
والمعنى لو كشف الله برحمته هذا الهزال والجوع عنهم لأصروا على ما هم فيه من الطغيان.
ثم استشهد على ذلك بقوله ﴿ ولقد أخذناهم ﴾ اي قبل ذلك ﴿ بالعذاب ﴾ يعني ما جرى عليهم يوم بدر ﴿ فما استكانوا لربهم ﴾ أي ما خضعوا له وقد مر اشتقاقه في "آل عمران" ﴿ وما يتضرعون ﴾ عدل إلى المضارع لأنه أراد وما من عادة هؤلاء أن يتضرعوا حتى فتحنا عليهم باب العذاب الشديد وهو الجوع الذي هو أشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة أي خضعت رقابهم وجاء أعتاهم واشدهم شكيمة وأخشنهم عريكة يستعطفك.
ويحتمل أن يراد محناهم بكل محنة من القتل والجوع فما شوهد منهم انقياد للحق وهم كذلك إذ عذبوا بنار جهنم فحينئذ يبلسون، والإبلاس السكوت مع تحير أو الياس من كل خير.
ثم نبه بقوله ﴿ وهو الذي أنشأ لكم ﴾ على أن اسباب التأمل في الدلائل موجودة، وابواب الأعذار بالكلية مسدودة، فما كفر من كفر ولا عند من عند إلا للشقاء الأزلي.
وفي قوله ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أي تشكرون شكراً قليلاً "وما" مزيدة للتوكيد دليل على أن المقر أقل من الجاحد.
وعن أبي مسلم أنه قال: اراد بالقلة العدم.
وفي الآية ثلاثة معان: أحدها إظهار النعمة.
وثانيها مطالبة العباد بالشكر عليها فشكر السمع أن لا يسمع إلا لله وبالله ومن الله، وشكر البصر أن ينظر بنظر العبرة لله وبالله وإلى الله، وشكر الفؤاد تصفيته عن رين الأخلاق الذميمة وقطع تعلقه عن الكونين لشهوده بالله.
وثالثها الشكاية أن الشاكر قليل.
ثم بين دلائل أخر على الوحدانية فقال ﴿ وهو الذي ذرأكم ﴾ اي خلقكم وبثكم في الأرض للتناسل وإلى حيث لا مالك سواه تحشرون بعد تفرقكم ﴿ وهو الذي يحيي ويميت ﴾ وفيه مع تذكر نعمة الحياة بيان أن المقصود منها الانتقال إلى دار الثواب ﴿ وله اختلاف الليل والنهار ﴾ أي هو مختص بتصريفهما وأنهما يشبهان الموت والحياة.
وفي قوله ﴿ أفلا تعقلون ﴾ توبيخ وتهديد.
ثم نبه بقوله ﴿ بل قالوا ﴾ الآيات على أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد والاستبعاد.
قال علماء المعاني: قوله ﴿ لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا ﴾ واراد على الأصل لأن التأكيد مذكور عقيب المؤكد وبعده المفعول الثاني.
وأما في سورة النمل فسبب تقديم المفعول الثاني على الضمير وعلى المعطوف هو أنه اقتصر هناك على قوله ﴿ تراباً ﴾ والتراب أبعد في باب الإعادة من العظام، فقدم ليدل على مزيد الاعتناء به في شأن الاستنكار.
ثم رد على منكري الإعادة أو على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ﴾ أي إن كان عندكم علم فأجيبوني وفيه استهانة بهم وتجهيل لهم بأمر الديانات حتى جوّز أن يشتبه عليهم مثل هذا المكشوف الجلي.
وفي قوله ﴿ افلا تذكرون ﴾ ترغيب في التدبر وبعث على التأمل في أمر التوحيد والبعث، فإن من قدر على اختراع الأرض ومن فيها كان حقيقاً بأن لا يشرك به بعض خلقه وكان قادراً على إعادة ما أفناه، وفي قوله ﴿ أفلا تتقون ﴾ مثل هذا الترغيب مع التخويف وكان أولى بالآية الثانية لأجل التدرج ولتعظيم السموات والعرش، ولأن تذكر واجب الوجود مقدم على اتقاء مخالفته، قال جار الله: أجرت فلاناً على فلان إذا أغثته منه ومنعته يعني وهو يغيث من يشاء ممن يشاء ولا يغيث احد منه أحداً ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ بهذه الصفة غيره فأجيبوني به.
ومعنى ﴿ تسحرون ﴾ تخدعون عن طاعته والخادع هو الشيطان والهوى.
ثم بين بقوله ﴿ بل أتيناهم بالحق ﴾ أنه قد بالغ في الحجاج عليهم بهذه الآيات حتى استبان بما هو الحق والصدق ﴿ وإنهم ﴾ مع ذلك ﴿ لكاذبون ﴾ حيث يدعون له الولد والشريك وينسبون إليه العجز عن الإعادة.
التأويل: ﴿ من خشية ربهم مشفقون ﴾ إشارة إلى استيلاء سلطان الهيبة في الحضور والغيبة ﴿ بآيات ربهم يؤمنون ﴾ هي ما يكاشف لهم من شواهد الحق في السر والعلانية ﴿ بربهم لا يشركون ﴾ هو ترك الملاحظة في رد الناس وقبولهم ومدحهم وذمهم وانقطاع النظر في المضار والضار عن الوسائط والأسباب ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يتوجهون إلى الله وينقطعون عما سواه ﴿ وهم لها سابقون ﴾ على قدر سبق العناية ﴿ ولا نكلف نفساً إلا وسعها ﴾ كلفهم أن يقولوا لا إله إلا الله وهم قادرون على ذلك، وأمرهم بقبول دعوة الأنبياء وما هم بعد بعاجزين عنه، وقد كتب في اللوح أنهم يقدرون على هذه التكاليف.
﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فلا يكلفون ما ليس في وسعهم واستعدادهم ﴿ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ﴾ مجرميهم بعذاب فساد الاستعداد لفسدت سموات أرواحهم وأرض نفوسهم ومن فيهن من القلب والسر ﴿ وهو خير الرازقين ﴾ فيه أن العلماء بالله عليهم أن لا يدنسوا وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفارقة.
﴿ ولقد أخذناهم ﴾ أولاً بعذاب الغبن ﴿ حتى إذا فتحنا عليهم ﴾ باب عذاب الرين يحيي بنوره قلوب بعض عباده ويميت نفوسهم عن صفاتها الذميمة، أو يحيي بعض النفوس باتباع شهواتها ويميت بعض القلوب باستيلاء ظلمات الطبيعة عليها ﴿ وله اختلاف ﴾ ليل البشرية ونهار الروحانية أو طول ليل الفراق وقصر نهار الوصال ﴿ قالوا أئذا متنا ﴾ فيه أن الياس من الوصول والوصال ليس من شيم أهل الكمال فقد تقوم قيامة العشق فيبعث القلب الميت ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ملكوت كل شيء هي جهة روحانيته ﴿ وهو يجير ﴾ الأشياء بقيوميته عن الهلاك ولا مانع له ممن أراد به أن لا يجيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ .
يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ ليتأدى بذلك الشكر له عليها، لكنّه ذكر هنا أمهات النعم، لم يذكر غيرها، وهو السمع والبصر والفؤاد الذي ذكر، إذ بها يوصل إلى معرفة: كل نافع وضار، وكل طيب وخبيث، وكل لين وخشن، وكل سهل وشديد، وكل حلو ومر، وكان الإنسان مطبوعاً على حب النافع والطيب واللين والسهل، واختياره على أضداده، والهرب من كل ضار ومؤذ، والفرار عن أضداد ما ذكرنا من المختارات عنده؛ فأخبر أنه أعطى لهم ما يعرفون به: النافع من الضار، والطيب والخبيث، ونحوه شهادة وخبرا، وما به يميزون ذا من ذا، ويختارون ما هو المختار عندهم من غيره، وما ينفعهم مما يضرهم؛ ليتأدى بذلك شكره.
[و] يذكرهم في قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: جعلكم سكان الأرض بقدرته وسلطانه، وأخبر أنه لم يخلقكم عبثاً؛ ولكن للبعث بعد الموت، والحشر إليه؛ لما ذكرنا في غير موضع: أن خلق الخلق للفناء خاصّة لا للبعث والإحياء بعد الموت - عبث ولعب، وأخبر عن قدرته وسلطانه؛ حيث قال: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ .
أي: من قدر - والله أعلم - على إحياء الموتى وإماتة الحيّ لقادر على البعث، ومن ملك على أنشاء الليل بعد ما ذهب أثر النهار وإنشاء النهار بعد ما ذهب أثر الليل لقادر على الإحياء والبعث بعد الموت.
ثم قال: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .
أي: أفلا تعقلون أنه كذلك؛ فكيف تنكرون قدرته على البعث والإحياء بعد ما صرتم رماداً وتراباً؟!
وكيف تشكرون غيره في عبادتكم إياه وتصرفون الشكر إلى غيره فيما أنعم عليكم.
وأهل التأويل صرفوا قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ إلى آخره إلى الكفار، وهم يكفرون بنعمته التي ذكر وينكرونها، وهم لا يشكرون رأساً؛ بقوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ ، إلا أن يقال: إنهم في بعض الأحايين ربما يشكرون الله ويتضرعون إليه؛ نحو قوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ...
﴾ الآية [العنكبوت: 65]، ونحوه من الآيات التي ذكر فيها دعاءهم وتضرعهم إلى الله عندما أصابهم الضرّ؛ فذلك منهم شكر، أو أن يقال: إن قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ ، أي: قليلا ما تشكرون رأساً؛ كقول الرجل: لآخر قليلا ما تفعل كذا، أي: لا تفعل؛ فعلى ذلك هنا إن كان المراد منها والخطاب بها أولئك الكفرة، وإلا: الخطاب بها يجيء أن يكون راجعاً إلى المؤمنين الذين يقومون بفرض الشكر لنعمه وقليله، وأما الكفرة فهم يكفرونها وينكرون رأساً.
وقوله: ﴿ بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ * قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ﴾ .
يخبر - جل وعلا - رسوله: سفه قومه، وقولهم الذي قالوا له بعد ما تبين لهم حكمته في خلقهم وإنشاء ما أنشأ لهم، وذكرهم نعمه التي أنعم عليهم، وذكر قدرته وسلطانه فيما ذكر من قوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ : ذكرهم ما ذكر في هؤلاء الآيات خلقهم وقدرته في إنشاء ما أنشأ له، وعرفهم ذلك؛ حتى عرفوا ذلك كله، ثم بين سفههم في جوابهم رسوله، فقال: ﴿ بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ ﴾ : يخبر رسوله أن هؤلاء ليسوا بأوّل مكذبي الرسل؛ ولكن كان لهم شركاء وأصحاب في التكذيب فقلد هؤلاء أولئك الأولين، يصبر رسوله على سفه هؤلاء، وأذاهم؛ ليصبر على ذلك كما صبر إخوانه الذين كانوا من قبل؛ إذ يذكر لرسوله سبيل بعض ما تداخل فيه بتركهم إجابته، وخوضهم فيما فيه هلاكهم؛ لأنه كان رسول الله كاد أن تهلك نفسه لذلك؛ حتى قال: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ : فبين ما قالوا: ﴿ قَالُوۤاْ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
يقولون: قد وعد آباؤنا بمثل ما وعدنا نحن، فلم ينزل بهم ما وعدوا من العذاب؛ ولا ينزل - أيضاً - بنا ما تعدنا، وهو أساطير الأولين، أي: أحاديث الأولين، ثم أمر رسوله أن يسألهم ما يلزمهم الإيمان والاعتراف بما كانوا ينكرون، فقال: ﴿ قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وهو الَّذي خلقكم -أيها الناس- في الأرض، وإليه وحده يوم القيامة تحشرون للحساب والجزاء.
<div class="verse-tafsir" id="91.8nQoE"