الآية ١٠٢ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٠٢ من سورة آل عمران

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٠٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٢ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان وشعبة ، عن زبيد اليامي ، عن مرة ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - ( اتقوا الله حق تقاته ) قال : أن يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر .

وهذا إسناد صحيح موقوف ، [ وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود ] .

وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن سفيان الثوري ، عن زبيد ، عن مرة ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ( اتقوا الله حق تقاته ) أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى " .

وكذا رواه الحاكم في مستدركه ، من حديث مسعر ، عن زبيد ، عن مرة ، عن ابن مسعود ، مرفوعا فذكره .

ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

كذا قال .

والأظهر أنه موقوف والله أعلم .

ثم قال ابن أبي حاتم : وروي نحوه عن مرة الهمداني ، والربيع بن خثيم ، وعمرو بن ميمون ، وإبراهيم النخعي ، وطاوس ، ، والحسن وقتادة ، وأبي سنان ، والسدي ، نحو ذلك .

[ وروي عن أنس أنه قال : لا يتقي العبد الله حق تقاته حتى يخزن من لسانه ] .

وقد ذهب سعيد بن جبير ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان ، وزيد بن أسلم ، والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) [ التغابن : 16 ] .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( اتقوا الله حق تقاته ) قال : لم تنسخ ، ولكن ( حق تقاته ) أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ، ولا تأخذهم في الله لومة لائم ، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم .

وقوله : ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) أي : حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه ، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه ، ومن مات على شيء بعث عليه ، فعياذا بالله من خلاف ذلك .

قال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا شعبة قال : سمعت سليمان ، عن مجاهد ، أن الناس كانوا يطوفون بالبيت ، وابن عباس جالس معه محجن ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ولو أن قطرة من الزقوم قطرت لأمرت على أهل الأرض عيشتهم فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم " .

وهكذا رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، من طرق عن شعبة ، به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال الحاكم : على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " .

ورواه مسلم من طريق الأعمش ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا [ أبو ] يونس ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله قال : أنا عند ظن عبدي بي ، فإن ظن بي خيرا فله ، وإن ظن شرا فله " .

وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله [ عز وجل ] أنا عند ظن عبدي بي " .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت - وأحسبه - عن أنس قال : كان رجل من الأنصار مريضا ، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فوافقه في السوق فسلم عليه ، فقال له : " كيف أنت يا فلان ؟

" قال بخير يا رسول الله ، أرجو الله ، وأخاف ذنوبي .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف " .

ثم قال : لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان .

وهكذا رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من حديثه ، ثم قال الترمذي : غريب .

وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلا .

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن يوسف بن ماهك ، عن حكيم بن حزام قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا أخر إلا قائما .

ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود ، عن خالد بن الحارث ، عن شعبة ، به ، وترجم عليه فقال : ( باب كيف يخر للسجود ) ثم ساقه مثله فقيل : معناه : على ألا أموت إلا مسلما ، وقيل : معناه : [ على ] ألا أقتل إلا مقبلا غير مدبر ، وهو يرجع إلى الأول .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا معشر من صدّق الله ورسوله =" اتقوا الله "، خافوا الله ورَاقبوه بطاعته واجتناب معاصيه =" حقّ تُقاته "، حقّ خوفه، (12) وهو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويُذكر فلا يُنسى = " ولا تموتن "، أيها المؤمنون بالله ورسوله =" إلا وأنتم مسلمون " لربكم، مذعنون له بالطاعة.

مخلصون له الألوهةَ والعبادة.

(13) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 7536- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان = وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري = عن زبيد، عن مُرّة، عن عبد الله: " اتقوا الله حق تقاته "، قال: أن يطاع فلا يُعصي، ويُذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُكفر.

(14) 7537- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن زبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله مثله.

7538- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن زبيد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله مثله.

7539- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن زبيد، عن مرة بن شراحيل البَكيليّ، عن عبد الله بن مسعود، مثله.

(15) 7540- حدثني المثني قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا جرير، عن زبيد، عن عبد الله، مثله.

&; 7-66 &; 7541- حدثني المثني قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، عن زبيد، عن مرة ، عن عبد الله، مثله.

7542- حدثني المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن المسعودي، عن زبيد الأيامي، عن مرة ، عن عبد الله، مثله.

7543- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن عبد الله، مثله.

7544- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: " اتقوا الله حق تقاته "، قال: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.

(16) 7545- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو ابن ميمون، نحوه.

7546- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا عمرو بن مرة، عن مرة، عن الربيع بن خُثَيم قال: أن يطاع فلا يعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.

7547- حدثنا المثني قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال، سمعت مرة الهمداني يحدث، عن الربيع بن خُثيم في قول الله عز وجل: " اتقوا الله حق تقاته "، فذكره نحوه.

(17) 7548- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن &; 7-67 &; قيس بن سعد، عن طاوس: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته "، أن يطاع فلا يُعصى.

7549- حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حقّ تُقاته "، قال: " حق تقاته "، أن يطاع فلا يُعصى.

7550- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ثم تقدم إليهم -يعني إلى المؤمنين من الأنصار-.

فقال: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون "، أما " حق تقاته "، يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يُكفر.

7551- حدثني المثني قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا همام، عن قتادة: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته "، أن يطاع فلا يعصى، قال: " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ".

* * * وقال آخرون: بل تأويل ذلك، كما:- 7552- حدثني به المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " اتقوا الله حق تقاته "، قال: " حق تقاته "، أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومةُ لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.

(18) * * * ثم اختلف أهل التأويل في هذه الآية: هل هي منسوخة أم لا؟

فقال بعضهم: هي محكمة غيرُ منسوخة.

*ذكر من قال ذلك: 7553- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: " اتقوا الله حق تقاته " أنها لم تنسخ، ولكن " حق تقاته "، أن تجاهدَ في الله حق جهاده = ثم ذكر تأويله الذي ذكرناه عنه آنفًا.

(19) 7554- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن طاوس: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته "، فإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

7555- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال طاوس قوله: " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون "، يقول: إن لم تتقوه فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

* * * وقال آخرون: هي منسوخة، نسخها قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [سورة التغابن: 16].

*ذكر من قال ذلك: 7556- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ، ثم أنـزل التخفيف واليسر، وعاد بعائدته ورحمته على ما يعلم من ضعف خلقه فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، فجاءت هذه الآية، فيها تخفيفٌ وعافيةٌ ويُسر.

7557- حدثني المثني قال، حدثنا الحجاج بن المنهال الأنماطي قال، &; 7-69 &; حدثنا همام، عن قتادة: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون "، قال: نسختها هذه الآية التي في" التغابن ": فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ، وعليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطاعوا.

7558- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: لما نـزلت: " اتقوا الله حق تقاته "، ثم نـزل بعدها: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، فنسخت هذه الآية التي في"آل عمران ".

7559- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون "، فلم يطق الناسُ هذا، فنسخه الله عنهم ، فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ 7560- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد، في قوله: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته "، قال: جاء أمر شديد!

قالوا: ومن يعرف قدر هذا أو يبلغه؟

فلما عرف أنه قد اشتد ذلك عليهم، نسخها عنهم، وجاء بهذه الأخرى فقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فنسخها.

(20) * * * وأما قوله: " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون "، فإن تأويله كما:- 7561- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن طاوس: " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون "، قال: على الإسلام، وعلى حُرْمة الإسلام.

(21) -------------------- الهوامش : (12) انظر القول في بيان"تقاة" فيما سلف 6 : 313 - 317.

(13) في المطبوعة: "الألوهية" ، وهي صواب ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهي صواب أيضا بمعناها ، ولكن هكذا يكتبها أبو جعفر ، وانظر ما سلف 6 : 275 ، تعليق: 2.

(14) الأثر: 7537- والآثار التي تليه أسانيد مختلفة لهذا الأثر.

وأخرجه الحاكم في المستدرك من طريق أبي نعيم ، عن مسعر ، وهو الأثر رقم: 7541 ، وليس فيه"ويشكر فلا يكفر" ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.

(15) الأثر: 7539- في المطبوعة: "مرة بن شراحيل الهمداني".

غير ما في المخطوطة ، وكلاهما صحيح وصواب ، وانظر الأثر رقم: 2521 ، والتعليق عليه.

(16) الأثر: 7544-"يحيى" هو: "يحيى بن أبي بكير الأسدي" مضى في رقم: 5797 ، "وسفيان" هو الثوري ، و"أبو إسحاق" هو: أبو إسحاق السبيعي ، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "حدثنا يحيى بن سفيان" ، وليس في الرواة من يسمى بهذا ، والصواب ما أثبته.

(17) الأثران: 7546 ، 7547 -"الربيع بن خثيم الثوري" مضت ترجمته في رقم: 1430 ، وكان في المطبوعة"بن خيثم" ، وهو خطأ مضى مثله في الأثر الآخر ، وفي مواضع غيره ، وصححته من المخطوطة.

(18) الأثر: 7552- رواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: 88 ، مع بعض الخلاف في لفظه.

وفي المخطوطة: "أن تجاهد في الله" بالإفراد ، والسياق يقتضي الجمع ، وجاءت على الصواب في المطبوعة وفي الناسخ والمنسوخ ، إلا أنه قال: "أن تجاهدوا ...

ولا يأخذكم ...

وتقوموا ...

ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم" على الخطاب.

(19) الأثر: 7553- هو الأثر السالف ، وفي المخطوطة والمطبوعة: "أن تجاهد" ، وانظر التعليق السالف.

(20) ترك أبو جعفر رضي الله عنه ، ترجيح أحد القولين على الآخر ، وكان حقًا عليه أن يبينه.

وقد بينه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ : 88 ، 89 ، قال بعد سياقه الأثر: 7542 ، وروايته عن قول قتادة: "قال أبو جعفر: محال أن يقال هذا ناسخ ولا منسوخ إلا على حيلة ، وذلك أن معنى نسخ الشيء: إزالته والمجيء بضده ، فمحال أن يقال: "اتقوا لله" منسوخ ، ولا سيما مع قول النبي صلى الله عليه وسلم مما فيه بيان الآية ، كما قرأ على أحمد بن محمد بن الحجاج ، عن يحيى بن سليمان قال ، حدثنا أبو الأحوص قال ، حدثنا أبو إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ ، أتدري ما حق الله على العباد؟

قلت: الله ورسوله أعلم!

قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ، أفلا ترى أنه محال أن يقع في هذا نسخ ...

قال أبو جعفر: "فكل ما ذكر في الآية واجب على المسلمين أن يستعملوه ، ولا يقع فيه نسخ ، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا" وكذا على المسلمين - كما قال ابن مسعود: "أن تطيعوا الله فلا تعصوه ، وتذكروه فلا تنسوه ، وأن تشكروه فلا تكفروه ، وأن تجاهدوا فيه حق جهاده.

وأما قول قتادة ، مع محله من العلم: أنها نسخت ، فيجوز أن يكون معناه: نزلت: فاتقوا الله ما استطعتم - بنسخه: اتقوا الله حق تقاته ، وأنها مثلها ، لأنه لا يكلف أحدًا إلا طاقته".

(21) انظر تفسير أبي جعفر في نظيرة هذه الآية فيما سلف 3 : 96 ، 97.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمونفيه مسألة واحدة :روى البخاري عن مرة عن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حق تقاته أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر .

وقال ابن عباس : هو ألا يعصى طرفة عين .

وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله ، من يقوى على هذا ؟

وشق عليهم فأنزل الله عز وجل : فاتقوا الله ما استطعتم فنسخت هذه الآية ; عن قتادة والربيع وابن زيد .

قال مقاتل : وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية .

وقيل : إن قوله فاتقوا الله ما استطعتم بيان لهذه الآية .

والمعنى : فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم ، وهذا أصوب ; لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أولى .

وقد روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : قول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته لم تنسخ ، ولكن حق تقاته أن يجاهد في سبيل الله حق جهاده ، ولا تأخذكم في الله لومة لائم ، وتقوموا بالقسط ولو على أنفسكم وأبنائكم .

قال النحاس : وكلما ذكر في الآية واجب [ ص: 150 ] على المسلمين أن يستعملوه ولا يقع فيه نسخ .

وقد مضى في البقرة معنى قوله تعالى ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا أمر من الله لعباده المؤمنين أن يتقوه حق تقواه، وأن يستمروا على ذلك ويثبتوا عليه ويستقيموا إلى الممات، فإن من عاش على شيء مات عليه، فمن كان في حال صحته ونشاطه وإمكانه مداوما لتقوى ربه وطاعته، منيبا إليه على الدوام، ثبته الله عند موته ورزقه حسن الخاتمة، وتقوى الله حق تقواه كما قال ابن مسعود: وهو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وهذه الآية بيان لما يستحقه تعالى من التقوى، وأما ما يجب على العبد منها، فكما قال تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } وتفاصيل التقوى المتعلقة بالقلب والجوارح كثيرة جدا، يجمعها فعل ما أمر الله به وترك كل ما نهى الله عنه، ثم أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أنَّ بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) قال مقاتل بن حيان : كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فأصلح بينهم فافتخر بعده منهم رجلان : ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج ، فقال الأوسي : منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ومنا حنظلة غسيل الملائكة ، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدبر ، ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز [ لموته ] عرش الرحمن ورضي الله بحكمه في بني قريظة .

وقال الخزرجي : منا أربعة أحكموا القرآن : أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم ، فجرى الحديث بينهما فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا ، فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية : ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ) .

وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس : هو أن يطاع فلا يعصى ، قال مجاهد : أن تجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم .

وعن أنس أنه قال : لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه .

قال أهل التفسير : فلما نزلت هذه الآية شق ذلك عليهم ، فقالوا : يا رسول الله ومن يقوى على هذا؟

فأنزل الله تعالى : " فاتقوا الله ما استطعتم " ( التغابن 16 ) فنسخت هذه الآية وقال مقاتل : ليس في آل عمران من المنسوخ إلا هذا .

.

( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) أي : مؤمنون ، وقيل مخلصون مفوضون أموركم إلى الله عز وجل وقال الفضيل : محسنون الظن بالله .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو بكر العبدوسي ، أخبرنا أبو بكر بن محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد ، أخبرنا سليمان بن سيف ، أخبرنا وهب بن جرير ، أنا شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم ، فكيف بمن هو طعامه وليس له طعام غيره " ؟

.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى فقالوا يا رسول الله ومن يقوى على هذا فنسخ بقوله تعالى "" فاتقوا الله ما استطتعم "" (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) موحدون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه، خافوا الله حق خوفه: وذلك بأن يطاع فلا يُعصى، ويُشكَر فلا يكفر، ويُذكَر فلا ينسى، وداوموا على تمسككم بإسلامكم إلى آخر حياتكم؛ لتلقوا الله وأنتم عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } .وقوله { حَقَّ تُقَاتِهِ } التقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة غلى موضوفها إذ الأصل : اتقوا الله التقاة الحق .أى : الثابتة ، كقولك ضربت زيدا أشد الضرب تريد الضرب الشديد وقيل التقاة اسم مصدر من اتقى كالتؤدة من اتأد .والمعنى " بالغو أيها المؤمنون فى التمسك بتقوى الله ومراقبته وخشيته حتى لا تتركوا منها شيئاً ولا تكونن على ملة سوى ملة الإسلام إذا أردككم الموت ، وإنما عليكم أن تستمروا على دينكم القويم حتى يأتيكم الأجل الذى لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون .وقد ساق ابن كثير بعض الآثار الى وردت عن بعض السلف فى تفسير هذه الآية الكريمة فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه قال فى معنى الآية { اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } : أن يطاع فلا يُعصى .

وأن يُذكر فلا يُنسى ، وأن يُشكر فلا يُكفر " .وروى عن أنس أنه قال : لا يتقى الله العبد حق تقاته حتى يُخزن لسانه .وقوله { وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } هو نهى فى لصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة والمراد دوامهم على الإسلام وذلك أن الموت لا بد منه فكأنه قيل : داوموا على الإسلام إلى أن يدرككم الموت فتموتوا على هذه الملة السمحاء وهى ملة الإسلام ، لكى تفوزوا برضا الله وحسن ثوابه .والجملة الكريمة فى محل نصب على الحال من ضمير الجماعة فى { اتقوا } .والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال : أى لا تموتن على حالة من الأحوال إلى على هذه الحالة الحسنة التى هى حالة المداومة على التمسك بالإسلام وتعاليمه وآدابه .وقال صاحب الكشاف : قوله { وَلاَ تَمُوتُنَّ } معناه ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت ، وذلك كأن تقول لمن تستعين به على لقاء العدو : لا تأتنى إلا وأنت على حصان ، فأنت لا تنهاه عن الإتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التى شرطت عليه فى وقت الإتيان " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حذر المؤمنين من إضلال الكفار ومن تلبيساتهم في الآية الأولى أمر المؤمنين في هذه الآيات بمجامع الطاعات، ومعاقد الخيرات، فأمرهم أولاً: بتقوى الله وهو قوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ وثانياً: بالاعتصام بحبل الله، وهو قوله: ﴿ واعتصموا بِحَبْلِ الله ﴾ وثالثاً: بذكر نعم الله وهو قوله: ﴿ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ والسبب في هذا الترتيب أن فعل الإنسان لابد وأن يكون معللاً، إما بالرهبة وإما بالرغبة، والرهبة مقدمة على الرغبة، لأن دفع الضرر مقدم على جلب النفع، فقوله: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ إشارة إلى التخويف من عقاب الله تعالى، ثم جعله سبباً للأمر بالتمسك بدين الله والاعتصام بحبل الله، ثم أردفه بالرغبة، وهي قوله: ﴿ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ فكأنه قال: خوف عقاب الله يوجب ذلك، وكثرة نعم الله توجب ذلك فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب انقيادكم لأمر الله ووجوب طاعتكم لحكم الله، فظهر بما ذكرناه أن الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية مرتبة على أحسن الوجوه، ولنرجع إلى التفسير: أما قوله تعالى: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم هذه الآية منسوخة وذلك لما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين لأن حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، والعباد لا طاقة لهم بذلك، فأنزل الله تعالى بعد هذه ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ ونسخت هذه الآية أولها ولم ينسخ آخرها وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ وزعم جمهور المحققين أن القول بهذا النسخ باطل واحتجوا عليه من وجوه: الأول: ما روي عن معاذ أنه عليه السلام قال له: هل تدري ما حق الله على العباد؟

قال الله ورسوله أعلم، قال: هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وهذا لا يجوز أن ينسخ الثاني: أن معنى قوله: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي كما يحق أن يتقى، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ لأنه إباحة لبعض المعاصي، وإذا كان كذلك صار معنى هذا ومعنى قوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم  ﴾ واحداً لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ما لا يستطاع من التقوى، لأن الله سبحانه أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها والوسع دون الطاقة ونظير هذه الآية قوله: ﴿ وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده  ﴾ .

فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ .

قلنا: سنبين في تفسير هذه الآية أنها جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع وكلها في صفة الكفار لا في صفة المسلمين؛ أما الذين قالوا: إن المراد هو أن يطاع فلا يعصى فهذا صحيح والذي يصدر عن الإنسان على سبيل السهو والنسيان فغير قادح فيه لأن التكليف مرفوع في هذه الأوقات، وكذلك قوله: أن يشكر فلا يكفر، لأن ذلك واجب عليه عند خطور نعم الله بالبال، فأما عند السهو فلا يجب، وكذلك قوله: أن يذكر فلا ينسى، فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة وكل ذلك مما لا يطاق، فلا وجه لما ظنوه أنه منسوخ.

قال المصنف رضي الله تعالى عنه، أقول: للأولين أن يقرروا قولهم من وجهين: الأول: أن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً للخلق، وإذا لم يحصل العلم بذلك لم يحصل الخوف اللائق بذلك فلم يحصل الاتقاء اللائق به الثاني: أنهم أمروا بالاتقاء المغلظ والمخفف معاً فنسخ المغلظ وبقي المخفف، وقيل: إن هذا باطل، لأن الواجب عليه أن يتقي ما أمكن والنسخ إنما يدخل في الواجبات لا في النفي، لأنه يوجب رفع الحجر عما يقتضي أن يكون الإنسان محجوراً عنه وإنه غير جائز.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي كما يجب أن يتقى يدل عليه قوله تعالى: ﴿ حَقُّ اليقين  ﴾ ويقال: هو الرجل حقاً، ومنه قوله عليه السلام: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».

وعن علي رضي الله عنه أنه قال: أنا علي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، والتقى اسم الفعل من قولك اتقيت، كما أن الهدى اسم الفعل من قولك اهتديت.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ فلفظ النهي واقع على الموت، لكن المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام، وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما أمرهم بالاتقاء عن المحظورات أمرهم بالتمسك بالاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعات، وهو الاعتصام بحبل الله.

واعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله، فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف، ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق، وقد انزلق رجل الكثير من الخَلْق عنه، فمن اعتصم بدليل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف، فكان المراد من الحبل هاهنا كل شيء يمكن التوصل به إلى الحق في طريق الدين، وهو أنواع كثيرة، فذكر كل واحد من المفسرين واحداً من تلك الأشياء، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالحبل هاهنا العهد المذكور في قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله وَحَبْلٍ مّنَ الناس  ﴾ أي بعهد، وإنما سمي العهد حبلاً لأنه يزيل عنه الخوف من الذهاب إلى أي موضع شاء، وكان كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف، وقيل: إنه القرآن، روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أما إنها ستكون فتنة» قيل: فما المخرج منها؟

قال: «كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين».

وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هذا القرآن حبل الله».

وروي عن أبي سعيد الخُدْريّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله تعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي» وقيل: إنه دين الله، وقيل: هو طاعة الله، وقيل: هو إخلاص التوبة، وقيل: الجماعة، لأنه تعالى ذكر عقيب ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ وهذه الأقوال كلها متقاربة، والتحقيق ما ذكرنا أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزاً من السقوط فيها، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين حرزاً لصاحبه من السقوط في قعر جهنم جعل ذلك حبلاً لله، وأمروا بالاعتصام به.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في التأويل وجوه: الأول: أنه نهى عن الاختلاف في الدين وذلك لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما عداه يكون جهلاً وضلالاً، فلما كان كذلك وجب أن يكون النهي عن الاختلاف في الدين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال  ﴾ والثاني: أنه نهى عن المعاداة والمخاصمة، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة والمنازعة فنهاهم الله عنها الثالث: أنه نهى عما يوجب الفرقة ويزيل الألفة والمحبة.

واعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد والباقي في النار» فقيل: ومن هم يا رسول الله؟

قال: «الجماعة».

وروي: «السواد الأعظم».

وروي: «ما أنا عليه وأصحابي».

والوجه المعقول فيه: أن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً، وإذا كان كذلك كان الناجي واحداً.

المسألة الثانية: استدلت نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: الأحكام الشرعية إما أن يقال: إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن، لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني، وإن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف ووقوع النزاع، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهياً عنه، لكنه منهي عنه لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تنازعوا ﴾ ولقائل أن يقول: الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ ولعموم قوله: ﴿ وَلاَ تنازعوا ﴾ والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ واعلم أن نعم الله على الخلق إما دنيوية وإما أُخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى: ﴿ إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخَزْرَج وهَمَّ كلُّ واحد منهما بمحاربة صاحبه، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت الحروب مئة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، فالآية إشارة إليهم وإلى أحوالهم، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضاً ويبغض بعضهم بعضاً، فلما أكرمهم الله تعالى بالإسلام صاروا إخواناً متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في الله: ونظير هذه الآية قوله: ﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معادياً لأكثر الخلق، ومن كان وجهه إلى خدمة الله تعالى لم يكن معادياً لأحد، والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيراً في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحداً، ولهذا قيل: إن العارف إذا أمر أمر برفق ويكون ناصحاً لا يعنف ويعير فهو مستبصر بسر الله في القدر.

المسألة الثانية: قال الزَّجّاج: أصل الأخ في اللُّغة من التوخي وهو الطلب، فالأخ مقصده مقصد أخيه، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في قلبه، ولا يخفي عنه شيئاً وقال أبو حاتم قال أهل البصرة: الاخوة في النسب والإخوان في الصداقة، قال وهذا غلط، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ  ﴾ ولم يعن النسب، وقال: ﴿ أَوْ بُيُوتِ إخوانكم  ﴾ وهذا في النسب.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ يدل على أن المعاملات الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله، لأنه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم وكانت تلك الداعية نعمة من الله مستلزمة لحصول الفعل، وذلك يبطل قول المعتزلة في خلق الأفعال، قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعرفة والألطاف.

قلنا: كل هذا كان حاصلاً في زمان حصول المحاربات والمقاتلات، فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لابد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما شرح النعمة الدنيوية ذكر بعدها النعمة الأخروية، وهي ما ذكره في آخر هذه الآية، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم، لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار، والمصير منهم إلى حفرتها، فبيّن تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة، وقد قربوا من الوقوع فيها.

قالت المعتزلة: ومعنى ذلك أنه تعالى لطف بهم بالرسول عليه السلام وسائر ألطافه حتى آمنوا قال أصحابنا: جميع الألطاف مشترك فيه بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، والله تعالى حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار، فدل هذا على أن خالق أفعال العباد هو الله سبحانه وتعالى.

المسألة الثانية: شفا الشيء حرفه مقصور، مثل شفا البئر والجمع الإشفاء، ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه، أي حده وحرفه وقوله: ﴿ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا ﴾ قال الأزهري: يقال نقذته وأنقذته واستنقذته، أي خلصته ونجيته.

وفي قوله: ﴿ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا ﴾ سؤال وهو: أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع الذي كانوا فيه وهم كانوا على شفا حفرة، وشفا الحفرة مذكر فكيف قال منها؟.

وأجابوا عنه من وجوه: الأول: الضمير عائد إلى الحفرة ولما أنقذهم من الحفرة فقد أنقذهم من شفا الحفرة لأن شفاها منها والثاني: أنها راجعة إلى النار، لأن القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة، وهذا قول الزجاج الثالث: أن شفا الحفرة، وشفتها طرفها، فجاز أن يخبر عنه بالتذكير والتأنيث.

المسألة الثالثة: أنهم لو ماتوا على الكفر لوقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها، وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة، فإنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء، وبين ذلك الشيء، ثم قال: ﴿ كذلك يُبَيّنُ الله ﴾ الكاف في موضع نصب، أي مثل البيان المذكور يبين الله لكم سائر الآيات لكي تهتدوا بها، قال الجبائي: الآية تدل على أنه تعالى يريد منهم الاهتداء، أجاب الواحدي عنه في البسيط فقال: بل المعنى لتكونوا على رجاء هداية.

وأقول: وهذا الجواب ضعيف لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد الله منهم ذلك الرجاء ومن المعلوم أن على مذهبنا قد لا يريد ذلك الرجاء، فالجواب الصحيح أن يقال كلمة (لعلّ) للترجي، والمعنى أنا فعلنا فعلاً يشبه فعل من يترجى ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ واجب تقواه وما يحق منها، وهو القيام بالمواجب واجتناب المحارم، ونحوه ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ [التغابن: 16] يريد: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئاً.

وعن عبد الله: «هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى» وروي مرفوعاً.

وقيل: هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه.

وقيل: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه، والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ ﴾ معناه: ولا تكوننّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، كما تقول لمن تستعين به على لقاء العدوّ: لا تأتني إلا وأنت على حصان، فلا تنهاه عن الإتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان.

قولهم اعتصمت بحبله: يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به ووثوقه بحمايته، بامتساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد، أو ترشيحاً لاستعارة الحبل بما يناسبه.

والمعنى: واجتمعوا على استعانتكم بالله ووثوقكم به ولا تفرقوا عنه.

أو واجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده وهو الإيمان والطاعة؛ أو بكتابه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الردّ، من قال به صدق؛ ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضاً ويحاربه أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم، وهو اتباع الحق والتمسك بالإسلام.

كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام.

وقذف فيها المحبة فتحابوا وتوافقوا وصاروا ﴿ إِخْوَانًا ﴾ متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله: وقيل: هم الأوس والخزرج، كانا أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار ﴾ وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر ﴿ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا ﴾ بالإسلام.

والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة وهو منها كما قال: كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ وشفا الحفرة وشفتها: حرفها، بالتذكير والتأنيث، ولامها واو، إلا أنها في المذكر مقلوبة وفي المؤنث محذوفة، ونحو الشفا والشفة الجانب والجانبة.

فإن قلت: كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟

قلت: لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها مشفين على الوقوع فيها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان البليغ ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ إرادة أن تزدادوا هدى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ حَقَّ تَقْواهُ وما يَجِبُ مِنها، وهو اسْتِفْراغُ الوُسْعِ في القِيامِ بِالواجِبِ والِاجْتِنابِ عَنِ المَحارِمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى.

وقِيلَ هُوَ: أنْ تُنَزَّهُ الطّاعَةُ عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْها وعَنْ تَوَقُّعِ المُجازاةِ عَلَيْها.

وفي هَذا الأمْرِ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ أهْلِ الكِتابِ، وأصْلُ تُقاةٍ وُقِيَةٌ فَقُلِبَتْ واوُها المَضْمُومَةُ تاءً كَما في تُؤَدَةٍ وتُخَمَةٍ والياءُ ألِفًا.

﴿ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ ولا تَكُونَنَّ عَلى حالٍ سِوى حالِ الإسْلامِ إذا أدْرَكَكُمُ المَوْتُ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ المُقَيَّدِ بِحالٍ أوْ غَيْرِها قَدْ يَتَوَجَّهُ بِالذّاتِ نَحْوَ الفِعْلِ تارَةً والقَيْدِ أُخْرى وقَدْ يَتَوَجَّهُ نَحْوَ المَجْمُوعِ دُونَهُما وكَذَلِكَ النَّفْيُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم وعن عبد الله هو أن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى أو هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو بنيه أو أبيه وقيل لا يتقى الله عبد حق تقاته حتى يحزن لسانه والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} ولا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ كَرَّرَ الخِطابَ بِهَذا العُنْوانِ تَشْرِيفًا لَهم ولا يَخْفى ما في تَكْرارِهِ مِنَ اللُّطْفِ بَعْدَ تَكْرارِ خِطابِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ أيْ حَقَّ تَقْواهُ، رَوى غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا: «هُوَ أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ» .

وادَّعى كَثِيرٌ نَسْخَ هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتِ اشْتَدَّ عَلى القَوْمِ العَمَلُ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ عَراقِيبُهم وتَقَرَّحَتْ جِباهُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَخْفِيفًا عَلى المُسْلِمِينَ ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ فَنَسَخَتِ الآيَةَ الأُولى.

ومِثْلُهُ عَنْ أنَسٍ وقَتادَةَ.

وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ مِن بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمْ تُنْسَخْ، ولَكِنَّ حَقَّ تُقاتِهِ أنْ يُجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، ويَقُومُوا لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِالقِسْطِ ولَوْ عَلى أنْفُسِهِمْ وآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ومَن قالَ بِالنَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ المُرادَ مِن حَقِّ تُقاتِهِ ما يَحِقُّ لَهُ ويَلِيقُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ومَن قالَ بِعَدَمِ النَّسْخِ جَنَحَ إلى أنَّ ( حَقَّ ) مِن حَقَّ الشَّيْءُ بِمَعْنى وجَبَ وثَبَتَ، والإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى مَوْصُوفِها، وأنَّ الأصْلَ اتَّقُوا اللَّهَ اتْقاءً حَقًّا أيْ ثابِتًا وواجِبًا عَلى حَدِّ ضَرَبْتُ زَيْدًا شَدِيدَ الضَّرْبِ تُرِيدُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ وادَّعى أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ القَوْلَ بِالنَّسْخِ باطِلٌ لِما يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن إباحَةِ بَعْضِ المَعاصِي، وتَعَقَّبَهُ الرُّمّانِيُّ بِأنَّهُ إذا وُجِّهَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ عَلى أنْ يَقُومُوا بِالحَقِّ في الخَوْفِ والأمْنِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ ما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أوْجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى كُلِّ حالٍ، ثُمَّ أباحَ تَرْكَ الواجِبِ عِنْدَ الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إنَّما يَخْطِرُ بِالبالِ حَتّى يُجابَ عَنْهُ إذا فُسِّرَ ﴿ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ النَّسْخِ بِما فَسَّرَهُ هو بِهِ مِن تَرْكِ جَمِيعِ المَعاصِي ونَحْوِهِ، وإنْ لَمْ يُفَسَّرْ بِذَلِكَ بَلْ فُسِّرَ بِما جَنَحَ إلَيْهِ القائِلُ بِالنَّسْخِ فَلا يَكادُ يَخْطِرُ ما ذَكَرَهُ بِبالٍ لِيَحْتاجَ إلى الجَوابِ، نَعَمْ يَكُونُ القَوْلُ بِإنْكارِ النَّسْخِ حِينَئِذٍ مَبْنِيًّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْتَزِلَةُ مِنِ امْتِناعِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ ابْتِداءً كَما لا يَخْفى، وأصْلُ ( تُقاةٍ ) وُقَيَةٌ قُلِبَتْ واوُها المَضْمُومَةُ تاءً كَما في تُهَمَةٍ وتُخَمَةٍ وياؤُها المَفْتُوحَةُ ألِفًا، وأجازَ فِيها الزَّجّاجُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: تُقاةٌ ووِقاةٌ وإقاةٌ.

﴿ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (201) أيْ مُخْلِصُونَ نُفُوسَكم لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لا تَجْعَلُونَ فِيها شَرِكَةً لِسِواهُ أصْلًا، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الإسْلامَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يُرادُ بِهِ الأعْمالُ بَلِ الإيمانُ القَلْبِيُّ؛ لِأنَّ الأعْمالَ حالَ المَوْتِ مِمّا لا تَكادُ تَتَأتّى، ولِذا ورَدَ في دُعاءِ صَلاةِ الجِنازَةِ: «اللَّهُمَّ مَن أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ، ومَن أمَتَّهُ مِنّا فَأمِتْهُ عَلى الإيمانِ».

فَأخَذَ الإسْلامَ أوَّلًا والإيمانَ ثانِيًا لِما أنَّ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالًا، والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأحْوالِ أيْ لا تَمُوتُنَّ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا عَلى حالِ تَحَقُّقِ إسْلامِكم وثَباتِكم عَلَيْهِ كَما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، ولَوْ قِيلَ: إلّا مُسْلِمِينَ لَمْ يَقَعْ هَذا المَوْقِعَ، والعامِلُ في الحالِ ما قَبْلَ ( إلّا ) بَعْدَ النَّقْضِ، والمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنِ الكَوْنِ عَلى حالٍ غَيْرِ حالِ الإسْلامِ عِنْدَ المَوْتِ، ويُؤَوَّلُ إلى إيجابِ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ إلى المَوْتِ، إلّا أنَّهُ وجَّهَ النَّهْيَ إلى المَوْتِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قَيْدِهِ المَذْكُورِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ النَّهْيَ عَنْهُ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهم حَتّى يَنْهَوْا عَنْهُ، وفي التَّحْبِيرِ لِلْإمامِ السُّيُوطِيِّ: ومِن عَجِيبِ ما اشْتُهِرَ في تَفْسِيرِ ( مُسْلِمُونَ ) قَوْلُ العَوامِّ: أيْ مُتَزَوِّجُونَ وهو قَوْلٌ لا يُعْرَفُ لَهُ أصْلٌ، ولا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِمُجَرَّدِ ما يُحَدَّثُ في النَّفْسِ أوْ يُسْمَعُ مِمَّنْ لا عُهْدَةَ عَلَيْهِ انْتَهى.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ( مُسْلِمُونَ ) بِالتَّشْدِيدِ ومَعْناهُ مُسْتَسْلِمُونَ لِما أتى بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُنْقادُونَ لَهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إطاعَةِ أهْلِ الكِتابِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ يقول: أطيعوا الله حق طاعته، وحق طاعته أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر طرفة عين، وأن يذكر فلا ينسى طرفة عين، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] فنسخت هذه الآية.

هكذا قال الكلبي والضحاك ومقاتل، وغيرهم من المفسرين: أن هذه الآية منسوخة.

وقال بعضهم: لا يجوز أن يقال هذه الآية منسوخة، لأنه لا يجوز أن يأمرهم بشيء لا يطيقونه، ولكن الجواب أن يقال عن هذا إنهم يطيقونه، ولكن تلحقهم مشقة شديدة، ولأن ذلك مجهود الطاقة، ولا يستطيعون الدوام عليه، والله تعالى لا يكلف عباده إلا دون ما يطيقون، فخفَّف عنهم بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] ولم ينسخ آخر الآية أولها، وهو قوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يعني اثبتوا على الإسلام، وكونوا بحال يلحقكم الموت، وأنتم على الإسلام وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً يقول: تمسَّكوا بدين الله وبالقرآن.

ويقال: تمسكوا بسبيل السنة والهدى، وَلا تَفَرَّقُوا.

يقول: ولا تختلفوا في الدين، كاختلاف اليهود والنصارى.

ويقال: لا تختلفوا فيما بينكم بالعداوة والبغضاء ويقال وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً يعني: اطلبوا النصرة من الله لا من القبائل والعشيرة.

ويقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً، يعني ما اشتبه عليكم، فردوه إلى كتاب الله كقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59] وقال بعض الحكماء: إن مثل من في الدنيا، كمثل من وقع في بئر، فيها من كل نوع من الآفات، فلا يمكنه أن يخرج منها والنجاة من آفاتها إلا بحبل وثيق، فكذلك الدنيا دار محنة، وفيها كل نوع من الآفات، فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بحبل وثيق، وهو كتاب الله تعالى.

ثم ذكَّرهُم نعمته فقال تعالى: اذْكُرُوا نعمتي واحفظوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الإسلام إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً في الجاهلية فَأَلَّفَ الله بَيْنَ قُلُوبِكُمْ يعني جمع بين قلوبكم بالإسلام تودُّداً فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً يقول: فصرتم بنعمة الإسلام إِخْواناً في الدين، وكل ما ذكر في القرآن أصبحتم، معناه صِرْتم، كقوله: أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً [الكهف: 41] أي صار ماؤكم غوراً، وهذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، كان بينهم قتال قبل الإسلام بأربعين عاماً، حتى كادوا أن يتفانوا، فلما بعث النبيّ  بمكة آمن به الأوس والخزرج، وهم بالمدينة، ثم خرج إلى رسول الله  بمكة، قبل أن يهاجر منهم سبعون رجلاً، فخرج رسول الله  ، ومعه عمه العباس حتى أتى إلى العقبة إلى سبعين رجلاً من الأنصار فعاهدوه ثم رجعوا إلى المدينة، وهاجر النبيّ  إليهم بعد الحولين، فوقعت بين الأوس والخزرج أُلْفَةٌ، وزالت عنهم العداوة التي كانت بينهم في الجاهلية بالإسلام، وهذا كما ذكر في آية أخرى: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63] .

وروي عن جابر بن عبد الله أن رجلين من الأنصار: أحدهما من الأوس، والآخر من الخزرج، تفاخرا فيما بينهما، واقتتلا، فاستعان كل واحد منهما بقومه، فاجتمعت الأوس والخزرج، وأخذوا السلاح، وخرجوا للحرب، فبلغ الخبر إلى رسول الله  ، فخرج إليهم في ثلاثين من المهاجرين، وهو راكب على حمار له قال جابر: فما كان من طالع يومئذ أكرم إلينا من رسول الله  ، إذ طلع علينا، فأومأ إلينا بيده، فكففنا، ووقف بيننا على حمار له فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ إلى قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ.

إلى قوله: عَذابٌ عَظِيمٌ فَأَلْقوا السلاح وأطفؤوا الحرب التي كانت بينهم، وعاتق بعضهم بعضاً يبكون، فما رأيت الناس أكثر باكياً من يومئذ، فلم يكن في الأرض شخص أحب إليهم من رسول الله  بعد نزول هذه الآية.

ثم قال تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ قال القتبي: أشفى على كذا إذا أشرف عليه شَفا حُفْرَةٍ، أي حرف حفرة، ومعناه وكنتم في الجاهلية على هلاك بالشرك من مات في الجاهلية كان في النار فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بعد ما كنتم على حرف من النار كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ يعني علاماته حيث كنتم أعداء في الجاهلية إخواناً في الإسلام لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا من الضلالة، وتعرفوا علامته بهذه النعمة وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ فهذه لام الأمر كقوله: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [الكهف: 110] يعني لتكن منكم أمة.

قال الكلبي: يعني جماعة.

وقال مقاتل: يعني عصبة وقال الزجاج ولتكونوا كلكم أمة واحدة تدعون إلى الخير ومن هاهنا لتخص المخاطبين من بين سائر الأجناس، وهي مؤكدة كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] وقوله: يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ يعني إلى الإسلام.

ويقال: إلى جميع الخيرات وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ قال الكلبي: يعني باتباع محمد  وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني الجبت والطاغوت.

ويقال: المنكر، يعني العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة.

ويقال: ما لا يصلح في العقل.

وروي عن سفيان الثوري أنه قال إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلاً يخرج عن الاختلاف، أي اختلاف العلماء.

ويقال: إنما أمر بعض الناس بقوله، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ، ولم يأمر جميع الناس، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر بالمعروف، وإنما يجب على من يعلم.

ويقال: إن الأمراء، يجب عليهم الأمر والنهي باليد، والعلماء باللسان، والعوام بالقلب، وهنا كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا رَأَى أَحَدٌ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ» .

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: بحسب امرئ إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره.

وروي عن بعض الصحابة أنه قال: أن الرجل إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: اللهم إِنَّ هذا منكر، فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه.

ثم قال تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر هم الناجون.

ويقال: فازوا بالنعيم.

ثم قال: وَلا تَكُونُوا في الاختلاف كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وهم اليهود والنصارى وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ فافترقت اليهود فرقاً والنصارى فرقاً، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، ثم خوفهم فقال: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني دائم لا يرفع عنهم أبداً، يعني الذين اختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات، أي العلامات في أمر محمد  ، وبيان الطريق.

ثم بَيَّن منازل الذين تفرقوا، والذين لم يتفرقوا فقال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم.

ويقال: إن ذلك عند قوله تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس، 59] تكون وجوه المؤمنين مُبْيَضّة، ووجوه الكفار مُسْوَدَّة.

ويقال: إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذا قرأ المؤمن كتابه، فرأى في كتابه حسناته، استبشر وابيضّ وجهه، وإذا قرأ المنافق والكافر كتابه، فرأى فيه سيئاته، اسودّ وجهه.

ويقال: إن ذلك عند الميزان، إذا رجحت حسناته ابيضّ وجهه، وإذا رجحت سيئاته اسودّ وجهه.

ويقال: إذا كان يوم القيامة يؤمر كل قوم بأن يجتمعوا إلى معبودهم، فإذا انتهوا إليه حزنوا، واسودّت وجوههم، فيبقى المؤمنون، وأهل الكتاب والمنافقون، فيقول الله تعالى للمؤمنين: من ربكم؟

فيقولون: ربنا الله عزّ وجلّ.

فيقول لهم: أتعرفونه إذا رأيتموه؟

فيقولون: سبحانه إذا عرفنا، عرفناه فيرونه كما شاء الله، فيخر المؤمنون سجداً لله تعالى، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضاً، وبقي المنافقون وأهل الكتاب، لا يقدرون على السجود، فحزنوا واسودّت وجوههم، فذلك قوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.

فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ يعني يقال لهم: أكفرتم؟

ولكن حُذِفَ القول، لأن في الكلام دليلاً عليه بعد إيمانكم، يعني يوم الميثاق.

قالوا: بَلَى، يعني المرتدين والمنافقين.

ويقال هذا لليهود، وكانوا مؤمنين بمحمد  ، قبل أن يُبْعث، فلما بُعث كفروا به.

وقال أبو العالية: هذا للمنافقين خاصة.

يقول: أكفرتم في السرّ بعد إيمانكم، أي مع إقراركم في العلانية فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بمحمد  وبالقرآن.

حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدّثنا عباد بن الوليد قال: حدّثنا محمد بن عباد البنائي قال: حدّثنا حميد بن الخياط قال: سألت أبا العالية عن هذه الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فقال: حدّثنا أبو أمامة عن رسول الله  أنه قال: «إنَّهُمُ الخَوَارِجُ» وسألته عن قوله: لاَ تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: 118] قال: إنهم الخوارج قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي في جنة الله قال الزجاج: يعني في الجنة التي صاروا إليها برحمة الله تعالى، لأن الجنة تُنَالُ برحمته، ولا تُنَال بالجهد، وإن اجتهد المجتهد، لأن نعمة الله تعالى لا يكافئها عمل، ففي رحمة الله أي في ثواب الله وَهُمْ فِيها خالِدُونَ أي دائمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والانفسادَ، وأنْتُمْ شُهَدَاءُ: يريدُ جَمْعَ شاهِدٍ على ما في التوراة من صفة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وصدقه، وباقي الآية وعيد.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ...

الآية: خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، والإشارة بذلك وقْتَ نزوله إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بسبب نَائِرَةِ شَاسِ بْنِ قَيْسٍ.

قال ص: قوله تعالى: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ، ردَّ: بمعنى صَيَّر، فيتعدى إلى مفعولَيْنِ الأول: الكافُ، والثاني: الكافِرِينَ كقوله: [الوافر]

فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السّود بيضا ...

وردّ وجوههنّ البيض سودا «١»

اهـ.

ويَعْتَصِمْ: معناه: يتمسَّك، وعُصِمَ الشَّيءُ، إذا مُنِعَ وحُمِيَ ومنه: قوله:

يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ [هود: ٤٣] وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، قال ابن مسعود: «حَقَّ تُقَاتِهِ» : هو أنْ يُطَاع فلا يُعْصَى، وأنْ يُذْكَر فلا ينسى، وأنْ يُشْكَر فلا يكفر «٢» ، وكذلك عبّر

الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم «١» ، وقتادةُ، والحَسَنُ، قالتْ فرقة: نزلَتِ الآيةُ على عمومِ لفظها مِنْ لزومِ غاية التقوى حتى لا يقع الإخْلاَلُ في شَيْء من الأشياءِ، ثم نُسِخَ ذلك بقوله تعالى:

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] ، وبقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] وقالت جماعة: لاَ نَسْخَ هنا، وإنَّما المعنى: اتقوا اللَّهَ حَقَّ تقاته فِي ما استطعتم، وهذا هو الصحيحُ، وخرَّج الترمذيُّ، عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، وهي: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي الدُّنْيَا، لأفْسَدَتْ على أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ؟» قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه ابنُ ماجة أيضاً «٢» اهـ.

وقوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: معناه: دُومُوا على الإسلام حتى يوافيكم المَوْتُ، وأنتم علَيْه، والحَبْلُ في هذه الآيةِ مستعارٌ، قال ابنُ مسعودٍ: حبْلُ اللَّهِ الجماعةُ، وروى أنس بن مالك، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ افترقوا على إحدى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثنين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلاَّ واحدة،

فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هَذِهِ الوَاحِدَةُ؟

قَالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ، وَقَالَ: الجَمَاعَةُ، وقرأ «١» :

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً» ، وقال قتادةُ وغيره: حبْلُ اللَّهِ الَّذي أمر بالاعتصام به: هو القُرآن «٢» ، ورواه أبو سعيد الخدريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، وقال ابنُ زَيْدٍ: هو الإسلام «٤» ، وقيل غير هذا ممَّا هو كلُّه قريبٌ بعضُهُ مِنْ بعض.

وقوله تعالى: وَلا تَفَرَّقُوا: يريد: التفرُّقَ الَّذي لا يتأتى معه الائُتلافُ، كالتفرُّقِ بالفتن، والافتراقِ في العقائد، وأما الافتراقُ في مسائل الفروعِ والفِقْه، فلَيْسَ بداخلٍ في هذه الآيةِ، بل ذلك هو الذي قال فيه صلّى الله عليه وسلّم: «خلاف أمّتي رحمة» «٥» ، وقد اختلفت الصّحابة

في الفُرُوع أشَدَّ اختلافٍ، وهم يَدٌ واحدةٌ على كُلِّ كافرٍ.

وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ...

الآية: هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الخطاب إنما هو للأوس والخَزْرَج كما تقدَّم، وكانَتِ العداوةُ قد دامَتْ بين الحَيَّيْنِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً حتى رفَعَها اللَّه بالإسلام، فجاء النَّفَر الستَّةُ من الأنْصَارِ إلى مكَّة حُجَّاجاً، فعرض النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نَفْسَهُ علَيْهم، وتَلاَ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنَ القُرآنِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبَائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قَدِمْتَ بَلَدَنَا على مَا بَيْنَنَا مِنَ العَدَاوَةِ وَالحَرْبِ، خِفْنَا أَلاَّ يَتِمَّ مَا نُرِيدُهُ بِكَ، وَلَكِنْ نَمْضِي نَحُنُ، وَنُشِيعُ أَمْرَكَ، وَنُدَاخِلُ النَّاسَ، وَمَوْعِدُنَا وَإيَّاكَ العَامُ القَابِلُ، فَمَضَوْا، وَفَعَلُوا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ فِي العَامِ القَابِلِ، فَكَانَتِ العَقَبَةُ الثَّانِيَةُ، وَكَانُوا اثني عَشَرَ رَجُلاً فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الأَوَّلِينَ، ثُمَّ جَاءُوا مِنَ العَامِ الثَّالِثِ، فَكَانَتْ بَيْعَةُ العَقَبة الكبرى، حَضَرَهَا سَبْعُونَ، وَفِيهِمُ اثنا عَشَرَ نَقِيباً.

ووصْفُ القصَّة مستوعبٌ في السِّيرِ، ويسَّر اللَّه تعالى الأنصار للإسلام بوجْهَيْن:

أحدهما: أنَّ بني إسرائيل كانُوا مجاوِرِينَ لهم، وكانوا يقولُونَ لِمَنْ يتوعَّدونه من العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنَا الآنَ نَبِيٌّ نَقْتُلُكُمْ معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمَ، فلمَّا رأَى النَّفَر من الأنصار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال بعضُهم لبعضٍ: هذا، واللَّهِ، النَّبيُّ الَّذِي تَذْكُرُه بَنُو إسرائيل، فلا تُسْبَقَنَّ إلَيْهِ.

والوجْهُ الآخرُ: الحَرْبُ الَّتي كَانَتْ ضرَّسَتْهم، وأفْنَتْ سراتهم، فَرَجوْا أنْ يجمع اللَّه به كلمتهم، فكان الأمر كما رَجَوْا، فعدَّد اللَّه سبحانَهُ علَيْهم نعمَتَهُ في تأليفهم بعد العَدَاوة، وذَكَّرهم/ بها قال الفَخْر «١» : كانَتِ الأنصارُ قَبْلَ الإسلام أعداءً، فلما أكرمهم اللَّه [سبحانه] «٢» بالإسلام، صاروا إخواناً في اللَّه متراحِمِينَ.

واعلم أنَّ كلَّ مَنْ كان وجهه إلى الدنيا، كان معادياً لأكثر الخَلْق، ومَنْ كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه، لَمْ يكُنْ معادِياً لأحدٍ لأنه يَرَى الكُلَّ أسيراً في قبضة القَضَاء والقَدَر، ولهذا قيل: إن العارف، إذا أَمَرَ، أَمَرَ برفْقٍ، ونَصَحَ لاَ بِعُنْفٍ وعُسْر، وكيف، وهو مُسْتَبْصِرٌ باللَّه في القَدَر.

اهـ.

وقوله تعالى: فَأَصْبَحْتُمْ عبارة عن الاستمرار.

قال ص: «أصْبَحَ» : يستعملُ لاتصافِ الموصوفِ بصفَتِهِ وقْتَ الصَّباحِ، وبمعنى «١» «صَارَ» ، فلا يلحظ فيها وقْت الصباح، بل مطْلَق الانتقال والصيرورةِ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، وأَصْبَحَ: هنا بمعنى صَارَ، وما ذكره ابنُ عطية «٢» مِنْ أنَّ «أَصْبَحَ» لِلاستمرارِ، لم يذهَبْ إليه أحَدٌ من النَّحْوِيِّين.

اهـ.

قلْتُ: وفيما ادَّعاه نَظَرٌ، وهي شهادةٌ على نَفْيٍ.

وكلامٍ.

ع «٣» : واضحٍ من جهة المعنى، والشَّفَا: حَرْفُ كلِّ جِرْمٍ له مهوى كالحفرة، والبِئْر، والجُرُفِ، والسَّقْفِ، والجِدَار، ونحوه، ويضافُ في الاستعمالِ إلى الأعلى كقوله: شَفا جُرُفٍ [التوبة: ١٠٩] ، وإلى الأسفلِ كقوله: شَفا حُفْرَةٍ فشبَّه اللَّه كفرهم الذي كانوا عليه بالشَّفَا، لأنهم كانوا يسقطون في جهنّم دأبا، فأنقذهم اللَّه منها بالإسلام.

وقوله تعالى: فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، أي: مِنَ النَّار، ويحتمل من الحُفْرة، والأول أحسن، قال العراقيّ: أنقذكم، أي: خلَّصكم.

اهـ.

وقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ: أَمْرَ اللَّه سبحانه الأمَّةَ بأنْ يكونَ منْها علماءُ يَفْعَلُونَ هذه الأفعالَ على وجوهها، ويحْفَظُونَ قوانينَها، ويكون سائِرُ الأمَّة مُتَّبِعِينَ لأولئك، إذ هذه الأفعالُ لا تكُونُ إلاَّ بعلْمٍ واسعٍ، وقد عَلِمَ اللَّه سبحانه أنّ الكلّ

لا يكُونونَ علماء، ف «مِنْ» هنا: للتبعيضِ، وهو تأويلُ الطبريِّ «١» وغيره.

وذهب الزَّجَّاج «٢» وغيرُ واحدٍ إلى أنَّ المعنى: ولتكونوا كلُّكم أمةً يدْعُونَ، و «مِنْ» : لبيانِ الجنْس، ومعنى الآية على هذا: أمر الأمة بأنْ يَدْعُوا جميعَ العَالَمِ إلى الخَيْر، فيَدْعُون الكُفَّار إلى الإسلامِ، والعُصَاةَ إلى الطاعةِ، ويكونُ كلُّ واحدٍ في هذه الأمور على منزلته من العلْمِ والقدرةِ، وروى الليثُ بْنُ سَعْدٍ «٣» ، قال: حدَّثني محمَّدُ بْنُ عَجْلاَن «٤» ، أنَّ وَافِداً النَّضْرِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أنس بن مالك، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ:

«لَيُؤْتَيَنَّ بِرِجَالٍ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ لِمَنَازِلِهِمْ مِنَ اللَّهِ، يَكُونُونَ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟

قال: هُمُ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، وَيُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ، وَيَمْشُونَ فِي الأَرْضِ نُصْحاً، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ؟!

قَالَ: يَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا أَطَاعُوهُمْ، أَحَبَّهُمُ اللَّهُ تعالى» «٥» اهـ من «التذكرة» «٦» للقرطبيّ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في الأوْسِ والخَزْرَجِ حِينَ اقْتَتَلُوا، وأصْلَحَ النَّبِيُّ  بَيْنَهم.

وفي "حَقِّ تُقاتِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنْ يُطاعَ اللَّهُ فَلا يُعْصى، وأنْ يُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وأنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ،» رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ  .

وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنْ يُجاهِدَ في اللَّهِ حَقَّ الجِهادِ، وأنْ لا يَأْخُذَ العَبْدَ فِيهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأنْ يَقُومُوا لَهُ بِالقِسْطِ، ولَوْ عَلى أنْفُسِهِمْ، وآَبائِهِمْ، وأبْنائِهِمْ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: اتَّقُوهُ فِيما يَحِقُّ عَلَيْكم أنْ تَتَّقُوهُ فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ هَذا الكَلامُ مُحْكَمٌ أوْ مَنسُوخٌ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

قالُوا: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ، فَنَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مَحْكَمَةٌ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ طاوُوسٍ.

قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدُ اللَّهِ: والِاخْتِلافُ في نَسْخِها وإحْكامِها، يَرْجِعُ إلى اخْتِلافِ المَعْنى المُرادِ بِها فالمُعْتَقِدُ نُسْخَها يَرى أنَّ "حَقَّ تُقاتِهِ" الوُقُوفُ عَلى جَمِيعِ ما يَجِبُ لَهُ ويَسْتَحِقُّهُ، وهَذا يَعْجِزُ الكُلُّ عَنِ الوَفاءِ بِهِ، فَتَحْصِيلُهُ مِنَ الواحِدِ مُمْتَنِعٌ، والمُعْتَقِدُ إحْكامَها يَرى أنَّ "حَقَّ تُقاتِهِ" أداءُ ما يَلْزَمُ العَبْدَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ مُفَسِّرًا لـ"حَقَّ تُقاتِهِ" لا ناسِخًا ولا مُخَصَّصًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا ﴾ .

الخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، والمَقْصُودُ بِهِ وقْتَ نُزُولِها الأوسُ والخَزْرَجُ الَّذِينَ شَجَرَ بَيْنَهم بِسِعايَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ ما شَجَرَ.

وتُقاةٌ: مَصْدَرٌ وزْنُهُ فُعْلَةٌ، أصْلُهُ تُقْيَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً  ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ التُقاةُ في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعَ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنهُ فَيَكُونَ كَرُماةٍ ورامٍ، أو يَكُونَ جَمْعَ تَقِيٍّ إذْ فَعِيلٌ وفاعِلٌ بِمَنزِلَةٍ، والمَعْنى عَلى هَذا: اتَّقُوا اللهَ كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مُتَّقُوهُ المُخْتَصُّونَ بِهِ، ولِذَلِكَ أُضِيفُوا إلى ضَمِيرِ اللهِ تَعالى.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "حَقَّ تُقاتِهِ"؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ عَلى عُمُومِ لَفْظِها، وألْزَمَتِ الأُمَّةَ أنْ تَتَّقِيَ اللهَ غايَةَ التَقْوى حَتّى لا يَقَعَ إخْلالٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَسَخَ ذَلِكَ عَنِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ وبِقَوْلِهِ ﴿ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها  ﴾ قالَ ذَلِكَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم.

وقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا نَسْخَ في شَيْءٍ مِن هَذا، وهَذِهِ الآياتِ مُتَّفِقاتٌ، فَمَعْنى هَذِهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ فِيما اسْتَطَعْتُمْ، وذَلِكَ أنَّ "حَقَّ تُقاتِهِ" هو بِحَسَبِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَدْ جَعَلَ تَعالى الدِينَ يُسْرًا، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، وألّا يَعْصِيَ ابْنُ آدَمَ جُمْلَةً لا في صَغِيرَةٍ ولا في كَبِيرَةٍ وألّا يَفْتُرَ في العِبادَةِ، أمْرٌ مُتَعَذِّرٌ في جِبِلَّةِ البَشَرِ، ولَوْ كَلَّفَ اللهُ هَذا لَكانَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، ولَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ أحَدٌ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما عَبَّرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَقَّ تُقاتِهِ": هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وكَذَلِكَ عَبَّرَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ وقَتادَةُ والحَسَنُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ : جاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا نَسْخَ في الآيَةِ.

وقالَ طاوُوسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ : يَقُولُ تَعالى: إنْ لَمْ تَتَّقُوهُ ولَمْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ مَعْناهُ: دُومُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى يُوافِيَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ.

هَكَذا هو وجْهُ الأمْرِ في المَعْنى، وجاءَتِ العِبارَةُ عَلى هَذا النَظْمِ الرائِقِ الوَجِيزِ، ونَظِيرُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، وإنَّما المُرادُ: لا تَكُنْ هُنا فَتَكُونُ رُؤْيَتِي لَكَ.

و"مُسْلِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: هو المَعْنى الجامِعُ في التَصْدِيقِ والأعْمالِ، وهو الدِينُ عِنْدَ اللهِ وهو الَّذِي بُنِيَ عَلى خَمْسٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ﴾ مَعْناهُ تَمَنَّعُوا وتَحَصَّنُوا بِهِ، فَقَدْ يَكُونُ الِاعْتِصامُ بِالتَمَسُّكِ بِاليَدِ، وبِارْتِقاءِ القُنَنِ، وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَنَعَةٌ، ومِنهُ الأعْصَمُ في الجَبَلِ، ومِنهُ عِصْمَةُ النِكاحِ، والحَبْلُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، لَمّا كانَ السَبَبُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بِهِ وصْلَةً مُمْتَدَّةً بَيْنَ العاصِمِ والمَعْصُومِ ونِسْبَةً بَيْنَهُما شَبَّهَ ذَلِكَ بِالحَبْلِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَصِلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ، وتُسَمّى العُهُودُ والمَواثِيقُ حِبالًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبِيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأدْنى إلَيْكَ حِبالَها ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إنِّي بِحَبْلِكِ واصِلٌ حَبْلِي...

∗∗∗.....................

وَمِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ  ﴾ .

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المُرادِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَبْلِ اللهِ؛ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَبْلُ اللهِ: الجَماعَةُ.

ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النارِ إلّا واحِدَةً قالَ: فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، وما هَذِهِ الواحِدَةُ؟

قالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ وقالَ: الجَماعَةُ، وقَرَأ: ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ﴾ .» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في خُطْبَةٍ: عَلَيْكم جَمِيعًا بِالطاعَةِ والجَماعَةِ فَإنَّها حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ.

وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِالِاعْتِصامِ بِهِ: هو القُرْآنُ.

وقالَ السُدِّيُّ: حَبْلُ اللهِ: كِتابُ اللهِ، وقالَهُ أيْضًا ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ.

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ  : قالَ: « "كِتابُ اللهِ هو حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ".» وقالَ أبُو العالِيَةِ: حَبْلُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الإخْلاصُ في التَوْحِيدِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَبْلُ اللهِ: هو الإسْلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "اعْتَصِمُوا"، فالمَعْنى: كُونُوا في اعْتِصامِكم مُجْتَمِعِينَ،."وَلا تَفَرَّقُوا" يُرِيدُ التَفَرُّقَ الَّذِي لا يَتَأتّى مَعَهُ الِائْتِلافُ عَلى الجِهادِ وحِمايَةُ الدِينِ وكَلِمَةِ اللهِ تَعالى.

وهَذا هو الِافْتِراقُ بِالفِتَنِ والِافْتِراقُ في العَقائِدِ، وأمّا الِافْتِراقُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ والفِقْهِ فَلَيْسَ يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ.

بَلْ ذَلِكَ، هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ  : « "خِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ"» وقَدِ اخْتَلَفَ الصَحابَةُ في الفُرُوعِ أشَدَّ اخْتِلافٍ، وهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى كُلِّ كافِرٍ.

وأمّا الفِتْنَةُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَمِنَ التَفَرُّقِ المَنهِيِّ عنهُ، أما إنَّ التَأْوِيلَ هو الَّذِي أدْخَلَ في ذَلِكَ أكْثَرَ مَن دَخَلَهُ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عن جَمِيعِهِمْ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهِ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو لِلْأوسِ والخَزْرَجِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ وإنْ كانَ هَذا اللَفْظُ يَصْلُحُ في جَمِيعِها، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اجْتَمَعَتْ عَلى الإسْلامِ ولا تَألَّفَتْ قُلُوبُها، وإنَّما كانَتْ في قِصَّةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ في صَدْرِ الهِجْرَةِ، وحِينَئِذٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَهي في الأوسِ والخَزْرَجِ، كانَتْ بَيْنَهم عَداوَةٌ وحُرُوبٌ، مِنها يَوْمُ بُعاثٍ وغَيْرُهُ، وكانَتْ تِلْكَ الحُرُوبُ والعَداوَةُ قَدْ دامَتْ بَيْنَ الحَيَّيْنِ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، حَتّى رَفَعَها اللهُ بِالإسْلامِ، فَجاءَ النَفَرُ السِتَّةُ مِنَ الأنْصارِ إلى مَكَّةَ حُجّاجًا، فَعَرَضَ رَسُولُ اللهِ  نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ كَما كانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وأرادَ الخُرُوجَ مَعَهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ قَدِمْتَ بِلادُنا عَلى ما بَيْنَنا مِنَ العَداوَةِ والحَرْبِ؛ خِفْنا أنْ لا يَتِمَّ ما نُرِيدُهُ مِنكَ، ولَكِنْ نَمْضِي نَحْنُ ونُشِيعُ أمْرَكَ ونُداخِلُ الناسَ، ومَوْعِدُنا وإيّاكَ العامُ المُقْبِلُ، فَمَضَوْا وفَعَلُوا.

وجاءَتِ الأنْصارُ في العامِ التالِي، فَكانَتِ العَقَبَةُ الثانِيَةُ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِتَّةِ الأوَّلِينَ، ثُمَّ جاؤُوا مِنَ العامِ الثالِثِ فَكانَتْ بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، حَضَرَها سَبْعُونَ وفِيهِمُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا؛ ووَصْفُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْعَبٌ في سِيرَةِ ابْنِ هِشامٍ.

ويَسَّرَ اللهُ تَعالى الأنْصارَ لِلْإسْلامِ بِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُجاوِرِينَ لَهم وكانُوا يَقُولُونَ لِمَن يَتَوَعَّدُونَهُ مِنَ العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنا نَبِيٌّ الآنَ نَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَلَمّا رَأى النَفَرُ مِنَ الأنْصارِ مُحَمَّدًا  ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا واللهِ النَبِيُّ الَّذِي تَذْكُرُهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَلا تُسْبَقُنَّ إلَيْهِ.

والوَجْهُ الآخَرُ: الحَرْبُ الَّتِي كانَتْ ضَرَّسَتْهم وَأفْنَتْ سَراتَهُمْ، فَرَجَوْا أنْ يَجْمَعَ اللهُ بِهِ كَلِمَتَهم كالَّذِي كانَ، فَعَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ في تَأْلِيفِهِمْ بَعْدَ العَداوَةِ، وذَكَّرَهم بِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأصْبَحْتُمْ" عِبارَةٌ عَنِ الاسْتِمْرارِ، وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ ما.

وإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ اللَفْظَةُ بِهَذا المَعْنى مِن حَيْثُ هي مَبْدَأُ النَهارِ، وفِيها مَبْدَأُ الأعْمالِ، فالحالُ الَّتِي يُحِسُّها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ فِيها هي حالُهُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها يَوْمَهُ في الأغْلَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ، ويُجْمَعُ إخْوَةً، وهَذانِ أشْهَرُ الجَمْعِ فِيهِ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ يَرى أنَّ إخْوَةً اسْمُ جَمْعٍ، ولَيْسَ بِبِناءِ جَمْعٍ لِأنَّ فَعَلًا لا يُجْمَعُ عَلى فِعْلَةٍ، قالَ بَعْضُ الناسِ الأخُ في الدِينِ يُجْمَعُ إخْوانًا، والأخُ في النَسَبِ يُجْمَعُ إخْوَةً: هَكَذا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ  ﴾ وفِيهِ: ﴿ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ  ﴾ فالصَحِيحُ أنَّهُما يُقالانِ في النَسَبِ، ويُقالانِ في الدِينِ.

والشَفا: حَرْفُ كُلِّ جِرْمٍ لَهُ مَهْوىً، كالحُفْرَةِ والبِئْرِ والجُرُفِ والسَقْفِ والجِدارِ ونَحْوِهِ، ويُضافُ في الِاسْتِعْمالِ إلى الأعْلى، كَقَوْلِهِ: "شَفا جُرُفٍ" وإلى الأسْفَلِ كَقَوْلِهِ: "شَفا حُفْرَةٍ"، ويُثَنّى شَفَوانِ.

فَشَبَّهَ تَعالى كُفْرَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ وحَرْبَهُمُ المُدْنِيَةَ مِنَ المَوْتِ بِالشَفا، لِأنَّهم كانُوا يَسْقُطُونَ في جَهَنَّمَ دَأْبًا فَأنْقَذَهُمُ اللهُ بِالإسْلامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" عائِدٌ عَلى النارِ أو عَلى الحُفْرَةِ، والعَوْدُ عَلى الأقْرَبِ أحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى الشَفا، وأنَّثَ الضَمِيرَ مِن حَيْثُ كانَ الشَفا مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ، فالآيَةُ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: رَأتْ مَرَّ السِنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِرارُ مِنَ الهِلالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ، والآيَةُ لا يُحْتاجُ فِيها إلى هَذِهِ الصِناعَةِ، إلّا لَوْ لَمْ تَجِدْ مَعادًا لِلضَّمِيرِ إلّا الشَفا، وأمّا ومَعَنا لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ يَعُودُ الضَمِيرُ عَلَيْهِ، يُعَضِّدُهُ المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، فَلا يُحْتاجُ إلى تِلْكَ الصِناعَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَيَّنَ في هَذِهِ الآياتِ، أيْ: فَكَذَلِكَ يُبَيِّنُ لَكم غَيْرَها.

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ: مَن تَأمَّلَ مِنكُمُ الحالَ رَجا الِاهْتِداءَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقل مِن تحذير المخاطبين من الانخداع لوساوس بعض أهل الكتاب، إلى تحريضهم على تمام التَّقوى، لأنّ في ذلك زيادة صلاح لهم ورسوخاً لإيمانهم، وهو خطاب لأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ويَسري إلى جميع من يكون بعدهم.

وهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية.

والتَّقوى تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ .

وحاصلها امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، في الأعمال الظَّاهرة، والنَّوايا الباطنة.

وحقّ التقوى هو أن لا يكون فيها تقصير، وتظاهر بما ليس من عمله، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿ فاتَّقوا الله ما استطعتم ﴾ [التغابن: 16] لأنّ الاستطاعة هي القدرة، والتَّقوى مقدورة للنَّاس.

وبذلك لم يكن تعارض بين الآيتين، ولا نسخ، وقيل: هاته منسوخة بقوله تعالى: ﴿ فاتقوا اللَّه ما استطعتم ﴾ لأنّ هاته دلّت على تقوى كاملة كما فسَّرها ابن مسعود: أن يطاع فلا يعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويذكر فلا يُنْسى، ورووا أنّ هذه الآية لمَّا نزلت قالوا: «يا رسول الله من يَقوىَ لهذا» فنزلت قوله تعالى: ﴿ فاتَّقوا الله ما استطعتم ﴾ فنسَخَ هذه بناء على أنّ الأمر في الآيتين للوجوب، وعلى اختلاف المراد من التقويين.

والحقّ أنّ هذا بيان لا نسخ، كما حقَّقه المحقِّقون، ولكن شا عند المتقدّمين إطلاق النَّسخ على ما يشمل البيان.

والتُّقاة اسمُ مصدر.

اتَّقى وأصله وُقَيَة ثمّ وُقَاة ثُمّ أبدلت الواو تاء تبعاً لإبدالها في الافتعال إبدالاً قصدوا منه الإدغام.

كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [آل عمران: 28].

وقوله: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون نهي عن أن يموتوا على حالة في الدِّين إلاّ على حالة الإسلام فمحطّ النَّهي هو القيد: أعني المستثنى منه المحذوفَ والمستثنى وهو جملة الحال، لأنَّها استثناء من أحوال، وهذا المركّب مستعمل في غير معناه لأنَّه مستعمل في النَّهي عن مفارقة الدّين بالإسلام مدّة الحياة، وهو مجاز تمثيلي علاقته اللزوم، لما شاع بين النَّاس من أنّ ساعة الموت أمر غير معلوم كما قال الصدّيق: كُلّ امرئ مصبَّح في أهلِهِ *** والموتُ أدنى من شراك نَعْلِه فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النَّهي عن مفارقة الإسلام في سائر أحيان الحياة، ولو كان المراد به معناه الأصلي، لكان ترخيصاً في مفارقة الإسلام إلاّ عند حضور الموت، وهو معنى فاسد وقد تقدّم ذلك في قوله تعالى: ﴿ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ .

وقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ ثَنَّى أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم لأخراهم، بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم، وذلك بالاجتماع على هذا الدّين وعدم التَّفرّق ليكتسبوا باتّحادهم قوّة ونماء.

والاعتصام افتعال من عَصَم وهو طلب ما يعصم أي يمنع.

والحَبْل: ما يشدّ به للارتقاء، أو التدلّي، أو للنَّجاة من غَرَق، أو نحوه، والكلام تمثيل لهيئة اجتماعهم والتفافهم على دين الله ووصاياه وعهوده بهيئة استمساك جماعة بحبل ألقى إليهم من مُنقذ لهم من غرق أو سقوط، وإضافة الحبل إلى الله قرينة هذا التَّمثيل.

وقوله: ﴿ جميعاً ﴾ حال وهو الّذي رجّح إرادة التَّمثيل، إذ ليس المقصود الأمر باعتصام كُلّ مسلم في حال انفراده اعتصاماً بهذا الدّين، بل المقصود الأمر باعتصام الأمَّة كُلّها، ويحصل في ضِمن ذلك أمرُ كُلّ واحد بالتَّمسك بهذا الدّين، فالكلام أمر لهم بأن يكونوا على هاته الهيئة، وهذا هو الوجه المناسب لتمام البلاغة لكثرة ما فيه من المعاني، ويجوز أن يستعار الاعتصام للتَّوثيق بالدّين وعهوده، وعدم الانفصال عنه، ويستعار الحبل للدّين والعهود كقوله: ﴿ إلاّ بحَبْل من الله وحبْل من النَّاس ﴾ [آل عمران: 112] ويكون كُلّ من الاستعارتين ترشيحاً للأخرى، لأنّ مبنى التَّرشيح على اعتبار تقوية التَّشبيه في نفس السامع، وذلك يحصل له بمجرد سماع لفظ ما هو من ملائمات المستعار، بقطع النَّظر عن كون ذلك الملائم معتبرة فيه استعارة أخرى، إذ لا يزيده ذلك الاعتبار إلاّ قُوّة.

وليست الاستعارة بوضع اللَّفظ في معنى جديد حتَّى يَتَوهّم متوهّم أنّ تلك الدّلالة الجديدة، الحاصلة في الاستعارة الثَّانية، صارت غير ملائمة لِمعنى المستعار في الاستعارة الأخرى، وإنَّما هي اعتبارات لطيفة تزيد كثرتها الكلام حسناً.

وقريب من هذا التوريةُ، فإنّ فيها حُسناً بإيهام أحد المعنيين مع إرادة غيره، ولا شكّ أنَّه عند إرادة غيره لا يكون المعنى الآخَر مقصوداً، وفي هذا الوجه لا يكون الكلام صريحاً في الأمر بالاجتماع على الدّين بل ظاهره أنّه أمر للمؤمنين بالتمسّك بالدّين فيؤول إلى أمر كُلّ واحد منهم بذلك على ما هو الأصل في معنى مثل هذه الصّيغة ويصير قوله: ﴿ جميعاً ﴾ محتملاً لتأكيد العموم المستفاد من واو الجماعة.

وقوله: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ تأكيد لمضمون اعتصموا جميعاً كقولهم: ذممت ولم تُحْمَد.

على الوجه الأول في تفسير ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ .

وأمّا على الوجه الثَّاني فيكون قوله: ﴿ ولا تفرّقوا ﴾ أمراً ثانياً للدلالة على طلب الاتّحاد في الدّين، وقد ذكرنا أنّ الشيء قد يؤكّد بنفي ضدّه عند قوله تعالى: ﴿ قد ضلوا وما كانوا مهتدين ﴾ في سورة [الأنعام: 140] وفي الآية دليل على أنّ الأمر بالشيء يستلزم النَّهي عن ضدّه.

وقوله: واذكروا نعمت الله عليكم } تصوير لحالهم الَّتي كانوا عليها ليحصل من استفظاعها انكشاف فائدة الحالة الَّتي أمروا بأن يكونوا عليها وهي الاعتصام جميعاً بجامعة الإسلام الَّذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى، الّذي اختار لهم هذا الدّين، وفي ذلك تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتِّفاق.

والتَّذكيرُ بنعمة الله تعالى طريق من طُرق مواعظ الرّسل.

قال تعالى حكاية عن هود: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ [الأعراف: 69] وقال عن شعيب: ﴿ واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثَّركم ﴾ [الأعراف: 86] وقال الله لموسى: ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ [إبراهيم: 5].

وهذا التَّذكير خاصّ بمن أسلم من المسلمين بعد أن كان في الجاهلية، لأنّ الآية خطاب للصّحابة ولكن المنّة به مستمرة على سائر المسلمين، لأن كُلّ جيل يُقَدّر أن لو لم يَسبق إسلام الجيل الَّذي قبله لكانوا هم أعداء وكانوا على شفا حفرة من النَّار.

والظرفية في قوله: ﴿ إذ كنتم أعداء ﴾ معتبر فيها التَّعقيب من قوله: ﴿ فألف بين قلوبكم ﴾ إذ النعمة لم تكن عند العداوة، ولكن عند حصول التأليف عقب تلك العداوة.

والخطاب للمؤمنين وهم يومئذ المهاجرون والأنصار وأفراد قليلون من بعض القبائل القريبة، وكان جميعهم قبل الإسلام في عداوة وحروب، فالأوس والخزرج كانت بينهم حروب دامت مائة وعشرين سنة قبل الهجرة، ومنها كان يوم بعاث، والعرب كانوا في حروب وغارات بل وسائر الأمم الَّتي دعاها الإسلام كانوا في تفرّق وتخاذل فصار الّذين دخلوا في الإسلام إخواناً وأولياء بعضهم لبعض، لا يصدّهم عن ذلك اختلاف أنساب، ولا تباعد مواطن، ولقد حاولت حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم، وإصلاح ذات بينهم، بأفانين الدّعاية من خطابة وجاه وشعر فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتَّى ألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام فصاروا بذلك التَّأليف بمنزلة الإخوان.

والإخوان جمع الأخ، مثل الإخوة، وقيل: يختصّ الإخوان بالأخ المجازي والإخوة بالأخخِ الحقيقي، وليس بصحيح قال تعالى: ﴿ أو بيوت إخوانكم ﴾ [النور: 61] وقال: ﴿ إنَّما المؤمنون إخوة ﴾ [الحجرات: 10] وليس يصحّ أن يكون للمعنى المجازي صيغة خاصّة في الجمع أو المفرد وإلا لبطل كون اللَّفظ مجازاً وصار مشتركاً، لكن للاستعمال أن يُغلّب إطلاق إحدى الصيغتين الموضوعتين لمعنى واحد فيغلّبها في المعنى المجازي والأخرى في الحقيقي.

وقد امتنّ الله عليهم بتغيير أحوالهم من أشنع حالة إلى أحسنها: فحالة كانوا عليها هي حالة العداوة والتَّفاني والتقاتل، وحالة أصبحوا عليها وهي حالة الأخُوّة ولا يدرِك الفرقَ بين الحالتين إلا من كانوا في السُّوأى فأصبحوا في الحُسنى، والنَّاس إذا كانوا في حالة بُؤس وضنك واعتادوها صار الشقاء دأبهم، وذلّت له نفوسهم فلم يشعروا بما هم فيه، ولا يتفطّنوا لوخيم عواقبه، حتَّى إذا هُيّئ لهم الصّلاح، وأخذ يتطرّق إليهم استفاقوا من شقوتهم، وعلموا سوء حالتهم، ولأجل هذا المعنى جمعت لهم هذه الآية في الامتنان بين ذكر الحالتين وما بينهما فقالت: ﴿ إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ﴾ .

وقوله: ﴿ بنعمته ﴾ الباء فيه للملابسة بمعنى (مع) أي أصبحتم إخواناً مصاحبين نعمة من الله وهي نعمة الأخوَّة، كقول الفضل بن عبَّاس بن عتبة اللهبي: كُلُّ له نية في بغض صاحبه *** بنعمة الله نَقْلِيكُم وتَقْلُونَا وقوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ عطف على ﴿ كنتم أعداء ﴾ فهو نعمة أخرى وهي نعمة الإنقاذ من حالة أخرى بئيسة وهي حالة الإشراف على المهلكات.

والشَّفا مثل الشَّفَة هو حرف القليب وَطرفه، وألِفُه مبدلة من واو.

وأما واو شفة فقد حذفت وعوضت عنها الهاء مثل سنة وعِزّة إلاّ أنهم لم يجمعوه على شفوات ولا على شَفِينَ بل قالوا شفاه كأنَّهم اعتدوا بالهاء كالأصل.

فأرى أن شَفا حفرة النَّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتَّفاني الَّذي عبَّر عنه زهير بقوله: تفانَوا ودَقُّوا بينَهم عِطْر مَنْشَم *** بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النَّار كالأُخدُود فليس بينهم وبين الهلاك السَّريع التَّام إلا خطوة قصيرة، واختيار الحالة المشبَّه بها هنا لأن النَّار أشدّ المهلكات إهلاكاً، وأسرعُها، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما: نعمة الأخوة بعد العداوة، ونعمة السلامة بعد الخطر، كما قال أبو الطيب: نَجاة من البأساءِ بعدَ وقوع *** والإنقاذ من حالتين شنيعتين.

وقال جمهور المفسرين: أراد نار جهنَّم.

وعلى قولهم هذا يكون قوله: ﴿ شفا حفرة ﴾ مستعاراً للاقتراب استعارة المحسوس للمعقول.

والنَّارُ حقيقة، ويبعد هذا المحمل قوله تعالى: ﴿ حفرة ﴾ إذ ليست جهنّم حفرة بل هي عالم عظيم للعذاب.

وورد في الحديث «فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان» لكن ذلك رؤيا جاءت على وجه التمثيل وإلا فهي لا يحيط بها النّظر.

ويكون الامتنان على هذا امتناناً عليهم بالإيمان بعد الكفر وهم ليقينهم بدخول الكفرة النَّارَ علموا أنَّهم كانوا على شفاها.

وقيل: أراد نار الحرب وهو بعيد جداً لأنّ نار الحرب لا توقد في حُفرة بل توقد في العلياء ليراها من كان بعيداً كما قال الحارث: وبعينيك أوقدَتْ هند النَّارَ *** عِشاء تُلْوي بها العَليَاء فتنورتَ نَارها من بعيد *** بخَزَازَى أيَّان منك الصِلاء ولأنهم كانوا ملابسين لها ولم يكونوا على مقاربتها.

والضّمير في ﴿ منها ﴾ للنَّار على التَّقادير الثَّلاثة.

ويجوز على التَّقدير الأول أن يكون لشَفا حفرة وعاد عليه بالتأنيث لاكتسابه التَّأنيث من المضاف إليه كقول الأعشى: وتَشْرَقَ بالقَوْللِ الذي قد أذعتَه *** كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناة من الدم وقوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ نعمة أخرى وهي نعمة التَّعليم والإرشاد، وإيضاح الحقائق حتَّى تكمل عقولهم، ويَتَبَيَّنوا مَا فيه صلاحهم.

والبيان هنا بمعنى الإظهار والإيضاح.

والآيات يجوز أن يكون المراد بها النعم، كقول الحرث بن حلزة: مَنْ لنا عنده من الخَيْر آيا *** تٌ ثلاث في كلّهن القضاء ويجوز أن يراد بها دلائل عنايته تعالى بهم وتثقيف عقولهم وقلوبهم بأنوار المعارف الإلهية.

وأن يراد بها آيات القرآن فإنها غاية في الإفصاح عن المقاصد وإبلاغ المعاني إلى الأذهان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: هو اتِّقاءُ جَمِيعِ المَعاصِي، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَصَوِّفِينَ.

والثّالِثُ: هو أنْ يَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ في الأمْنِ والخَوْفِ.

والرّابِعُ: هو أنْ يُطاعَ، ولا يُتَّقى في تَرْكِ طاعَتِهِ أحَدٌ سِواهُ.

واخْتَلَفُوا في نَسْخِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي مُحْكَمَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ.

والثّانِي: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الحَبْلُ: كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: « (كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ» .

والثّانِي: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وهو الإسْلامُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَهْدُ اللَّهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والرّابِعُ: هو الإخْلاصُ لِلَّهِ والتَّوْحِيدُ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والخامِسُ: هو الجَماعَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَسُمِّيَ ذَلِكَ حَبْلًا لِأنَّ المُمْسِكَ بِهِ يَنْجُو مِثْلَ المُتَمَسِّكِ بِالحَبْلِ يَنْجُو مِن بِئْرٍ أوْ غَيْرِها.

﴿ وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنْ دِينِ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ فِيهِ بِلُزُومِ الجَماعَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الصَّوائِلِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الحُرُوبِ في الجاهِلِيَّةِ حَتّى تَطاوَلَتْ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ ألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ فَتُرِكَتْ تِلْكَ الأحْقادُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في الناسخ والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ قال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه من وجه آخر عن ابن مسعود قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ قال: أن يطاع فلا يعصى، وان يذكر فلا ينسى.

قال عكرمة: قال ابن عباس: فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله بعد ذلك ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ [ التغابن: 16] .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ أن يطاع فلا يعصى.

فلم يستطيعوا قال الله: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفاً على المسلمين ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ فنسخت الآية الأولى.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ قال: نسختها ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ قال: لم تنسخ ولكن ﴿ حق تقاته ﴾ أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: لما نزلت ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ ثم نزل بعدها ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ نسخت هذه الآية التي في آل عمران.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ قال: نسختها الآية التي في التغابن ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ﴾ وعليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطاعوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ قال: نزلت هذه الآية في الأوس والخزرج وكان بينهم قتال يوم بعاث قبيل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم، فأنزل هذه الآيات.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: لا يتقي اللَّهَ العبدُ حق تقاته حتى يخزن من لسانه.

وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ ولو أن قطرة من الزقوم قطرت لأمرت على أهل الأرض عيشهم، فكيف ممن ليس له طعام إلا الزقوم؟» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طاوس ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ وهو أن يطاع فلا يعصى، فإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ قال: على الإسلام، وعلى حرمة الإسلام.

وأخرج الخطيب عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتقي الله عبد ﴿ حق تقاته ﴾ حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ قد ذكرنا ما في (التُقاة) عند قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً  ﴾ .

ومعنى ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ، هو: أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويذكَرَ فلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر.

وهذا يروى عن عبد الله مرفوعًا، ورُوي موقوفًا عليه (١) واختلفوا في هذه الآية: فقال ابن عباس في رواية الوالِبي (٢) ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم (٣) (٤) (٥) واختار الزجاج هذا الوجه، وهو أن الآية مُحكَمَةٌ غير منسوخة؛ لأنه قال (٦) ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : أي: اتَّقُوهُ فيما يحقُّ عليكم أن تتَّقُوهُ فيه.

وقال (٧) (٨) (٩) ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ .

وإلى هذا القول، ذهب: قتادة (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وقوله تعالى: ﴿ ولَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ لفظ (١٧) (١٨) المعنى: كونوا على الإسلام فإذا أورد (١٩) (٢٠) وقال بعض أهل المعاني (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّين  ﴾ ، الآية.

(١) أكثر الذين رووا الأثر عن عبد الله بن مسعود، رووه موقوفًا.

انظر: "الزهد" لابن المبارك 8، "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد 265، "تفسير سفيان الثوري" 79، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 129، "تفسير الطبري" 4/ 27 "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 722، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس ص 84 - 85، "المعجم الكبير" للطبراني 9/ 93 رقم (8501)، "المستدرك" للحاكم 2/ 294، وقال: (صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي.

وأورد البغويُّ طرفا منه -موقوفًا- في "تفسيره" 2/ 77، وأورده ابن كثير 1/ 416 من رواية ابن أبي حاتم موقوفًا، وقال: (وهذا إسناد صحيح موقوف).

وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 105 وزاد نسبة إخراجه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه.

أما المرفوع، فقد أخرجه: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 86 أبسنده إلى عبد الله بن مسعود مرفوعًا إلى النبي  .

كما أورده القرطبي 4/ 157 مرفوعًا، ونسب إخراجه للبخاري، وهو تصحيف؛ لأن البخاري لم يرو هذا الأثر، والصواب نسبته للنحاس، حيث ورد ذلك في نسخة أخرى لـ "تفسير القرطبي" أشار إليها محقق التفسير.

وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 431، وقال رواه ابن مسعود عن النبي  .

وأورده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 416 مرفوعًا من رواية ابن مردويه، وذكر أن الحاكم رواه مرفوعًا في "المستدرك" -كذلك-، وعَقَّب ابنُ كثير قائلًا: (والأظهر أنه موقوف.

والله أعلم).

وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 105 ونسب إخراجه للحاكم، وابن مردويه.

ولم أقف على المرفوع في مستدرك الحاكم.

وورد من رواية ابن عباس، أخرجها البيهقي في كتاب "الزهد الكبير" 344 رقم (873).

(٢) هذه الرواية، في "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد: 260، "تفسير الطبري" 4/ 29، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 722، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس: (85) "الدر المنثور" 2/ 106 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.

(٣) في (ج): (يأخذهم).

(٤) في (ب): (ويفرحوا).

(٥) ورد في الأثر عند أبي عبيد، والطبري، وابن أبي حاتم، زيادة في آخره: (وأبنائهم).

ولا توجد لفظة (أنفسهم) عند النحاس.

وفي "الدر": (وأمهاتهم) بدلًا من: (أبنائهم).

(٦) في "معاني القرآن" له 1/ 448.

نقله بنصه.

(٧) أي: ابن عباس.

(٨) لم أقف على مصدر هذه الرواية.

ولكن ورد عن ابن عباس بنحوه، أخرجه ابن مردويه، كما ورد عنه من طريق عكرمة، أخرجه عبد بن حميد.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 106.

(٩) في (ب): (وحتى).

(١٠) قوله في كتاب "الناسخ والمنسوخ" له: 38، "تفسير الطبري" 4/ 29، 28/ 227، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 722 "الناسخ والمنسوخ" للنحاس: (85)، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 105، ونسب إخراجه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه.

(١١) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 29، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 722.

(١٢) قوله في المصادر السابقة.

(١٣) قوله في "الطبري" 4/ 29، "زاد المسير" 1/ 432، "المحرر الوجيز" 3/ 246.

(١٤) لم أقف على نص قوله هذا في تفسيره، وقد أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 86 أ.

وقد نص مقاتل في تفسيره على نسخها بآية التغابن.

انظر: "تفسيره" 1/ 292.

(١٥) في (ب): (آيتين).

بدلًا من: (ليس).

(١٦) ممن قال بنسخها من الذين كتبوا في النسخ: هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" له: 62، 181، وأبو عبد الله محمد بن حزم في "الناسخ والمنسوخ" له: 31، والبازري في "ناسخ القرآن ومنسوخه" له: 28، وعبد القاهر البغدادي في "الناسخ والمنسوخ" له: 92.

والكرمي في "قلائد المرجان" 81.

ولكن ذهب آخرون إلى إحكام هذه الآية وعدم نسخها -وهو الراجح-؛ لأنه لا تعارض بين الآيتين؛ حيث إن آية سورة التغابن من قبيل المفسِّر والمبيِّن للمُبْهَم الوارد في آية سورة آل عمران؛ وذلك أنَّ (حقّ تُقاته) إنما هو بقدر الاستطاعة؛ لأنه ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ -286 البقرة-، فمعنى الآية: أن نتَّقي اللهَ حقَّ تقاته، ما استطعنا، وُيبَين النَّحاسُ هذا بقوله: (محال أن يقع في هذا ناسخ ولا منسوخ، إلا على حيلة؛ وذلك أن معنى (نسخ الشيء): إزالته بضدِّه، فمحال أن يقال: ﴿ اتَّقُوا اللهَ ﴾ منسوخ، ولا سيما مع قول رسول الله  ، مما فيه بيان الآية) ثم ذكر رواية معاذ بن جبل عن رسول الله  : (قال لي رسول الله  : (يا معاذ أتدري ما حق الله -عز وجل- على العباد؟) قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: (أن يعبدوه، فلا يشركوا به شيئًا).

أفلا ترى أنه محال أن يقع في هذا نسخ؟).

ثم ذكر رواية ابن عباس من طريق الوالبي التي أوردها المؤلف سابقًا، وقال: (فكل ما ذكر في الآية، واجب على المسلمين أن يستعملوه، ولا يقع فيه نسخ.

وهذا هو قول النبي  : أن تعبدوه لا تشركوا به شيئًا، وكذا على المسلمين، كما قال ابن مسعود: أن تطيعوه فلا تعصوه، وتذكروه فلا تنسوه، وتشكروه ولا تكفروه، وأن تجاهدوا فيه حق جهاده فأما قول قتادة -مع محله من العلم-: إنها نسخت.== فيجوز أن يكون معناه نزلت ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ بنسخ: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ، وأنها مثلها؛ لأنه لا يُكلَّفُ أحدٌ إلا طاقته).

"الناسخ والمنسوخ" له: 282 - 284.

وقال مكي بن أبي طالب -مؤكدًا القول بإحكام الآية وعدم نسخها-: (وهذا القول حسن؛ لأن معنى ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : اتَّقوه بغاية الطاقة، فهو قوله: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ إذ لا جائز أن يكلِّفَ اللهُ أحدًا ما لا يطيق، وتقوى الله بغاية الطاقة واجب فرض لا يجوز نسخه؛ لأن في نسخه إجاة التقصير من الطاقة في التقوى، وهذا لا يجوز).

"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" 171.

ويؤكد هذا ما ورد عن طاوس بن كيسان في تفسير هذه الآية، وهو قوله: (وهو أن يُطاع فلا يُعصَى، فإن لم تفعلوا، ولن تستطيعوا، ﴿ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ، قال: على الإسلام، وعلى حرمة الإسلام).

أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 30، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 723 واللفظ له.

ويرجح هذا المعنى: أن معنى النسخ عند السلف أعم وأشمل من المعنى الإصطلاحي، وهو: (رفع حكم شرعي متقدم بدليل شرعي متأخر عنه)، بل يشمله ويشمل غيره، وقد بين الشاطبي هذا الأمر فقال: (الذي يظهر من كلام المتقدمين، أن النسخ عندهم في الإطلاق، أعم منه في كلام الأصولين: فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل متأخر نسخا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الإصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد: ما جيء به آخرًا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به).

الموافقات: 3/ 108.

وبمثله قال ابن القيم في إعلام الموقعين: 1/ 35.

وممن رجح كون الآية محكمة غير منسوخة، وأن المراد بها هو: تقوى الله قدر الاستطاعة: الطبري في "تفسيره" 4/ 29، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 246، وابن الجوزي في المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم "الناسخ والمنسوخ" 122، والكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 1/ 298، والفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 167.

ومن المعاصرين: د.

مصطفى زيد في "النسخ في القرآن" 2/ 614 - 615.

(١٧) من قوله: (لفظ ..) إلى (صادفكم على ذلك): نقله -بنصه- عن: "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 449.

(١٨) في (ب): (والإقامة).

(١٩) في (ب): (اود).

وفي "معاني القرآن": (ورد).

(٢٠) في (ب): (الإسلام): بدلًا من (ذلك).

(٢١) لم أقف عليهم.

وقد نقل هذا القول، بتصرف: الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 177.

ونقله -بنصه- الخازن في "تفسيره" 1/ 328 دون أن ينسباه لقائل.

(٢٢) في (ب): (التي).

(٢٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

و"تفسير الفخر الرازي"، و"تفسير الخازن".

(٢٤) في (ب): (من).

(٢٥) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (دخله).

ولكن لم أر لها وجهًا، وأثبتُّها من تفسير الفخر الرازي، وتفسير الخازن.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً ﴾ الآية: لفظها عام والخطاب للأوس والخزرج إذ كان اليهود يريدون فتنتهم ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ إنكار واستبعاد ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ قيل: نسخها؛ ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ [التغابن: 16] وقيل: لا نسخ إذ لا تعارض، فإنّ العباد أمروا بالتقوى على الكمال فيما استطاعوا تحرزاً من الإكراه وشبهه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حق تقاته ﴾ بالإمالة: علي ﴿ ولا تفرقوا ﴾ بتشديد الراء: البزي وابن / فليح.

الوقوف: ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ ولا تفرقوا ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ إخواناً ﴾ ج لاحتمال الواو وللحال والاستئناف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط للعدول ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه (لا) لتعلق الظرف بلهم على الأصح.

وقيل: مصنوب بإضمار "اذكر".

﴿ وتسود وجوه ﴾ ج ﴿ اسودت وجوههم ﴾ (لا) لأن التقدير: فيقال لهم: أكفرتم؟

﴿ تكفرون ﴾ 5 ﴿ ففي رحمة الله ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ 5 ﴿ ما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ وتؤمنون بالله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه وعليه وقف لأن المعرف لا يتصف بالجملة ﴿ إلا أذى ﴾ ط و ﴿ الأدبار ﴾ وقفة لأن "ثم" لترتيب الإخبار أي ثم هم لا ينصرون، ولو كان عطفاً لكان ثم لا ينصروا.

﴿ لا ينصرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما حذر المؤمنين إضلال الكفار أمرهم في هذه الآيات بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات، فأولها لزوم سيرة التقوى.

عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ وهو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى.

أو هو القيام بالمواجب كلها والاجتناب عن المحارم بأسرها، وأن لا يأخذه في الله لومة لائم، ويقول بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، شق ذلك على المسلمين فنزلت ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم  ﴾ والجمهور على أنها منسوخة لأن معنى ﴿ حق تقاته ﴾ واجب تقواه وكما يحق أن يتقى وهو أن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ وإلا كان إباحة لبعض المعاصي.

ولا يجوز أن يراد بقوله: ﴿ حق تقاته ﴾ ما لا يستطاع من التكاليف كالصادر على سبيل الخطأ والسهو والنسيان لقوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها  ﴾ فعلى هذا لم يبق فرق بين الآيتين.

ولناصر القول الأول أن يقول: إن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً فلا يحصل الخوف اللائق بذلك فلا يحصل حق الاتقاء، وإذا كان كذلك فيجوز أن يؤمر بالاتقاء الأغلظ والأخف، ثم ينسخ الأغلظ ويبقى الأخف، ونزول هذه الآية بعد قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها  ﴾ ممنوع ﴿ ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ﴾ ليس نهياً عن الموت وإنما هو نهي عن أن يدركهم الموت على خلاف حال الإسلام وقد مر في البقرة مثله.

ثم إنه  أمرهم بما هو كالأصل لجميع الخيرات وإصلاح المعاش والمعاد وهو الاجتماع على التمسك بدين الله واتفاق الآراء على إعلاء كلمته فقال: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ حال كونهم مجموعين.

وقولهم: اعتصمت بحبله يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به ووثوقه بعنايته باستمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، / لأن وجه الشبه وصف غير حقيقي ومنتزع من عدة أمور.

ويجوز أن يكون الحبل استعارة للعهد والاعتصام لوثوقه بالعهد بناء على أن في الكلام تشبيهين، ويجوز أن تفرض الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام ترشيحاً لها.

والحاصل أن طريق الحق دقيق والسائر عليه غير مأمون أن تزل قدمه عن الجادة، فيراد بالحبل ههنا ما يتوصل به إلى الثبات على الحق وإن كانت عبارات المفسرين متخالفة.

فعن ابن عباس: هو العهد كما يجيء ﴿ إلا بحبل من الله وحبل من الناس  ﴾ وقيل: إنه القرآن كما روي عن علي بن أبي طالب  عن النبي  : " "أما إنها ستكون فتنة.

قيل: فما المخرج منها؟

قال  : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين" وروى ابن مسعود عن النبي  : " هذا القرآن حبل الله " وعن أبي سعيد الخدري عن النبي  : " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل متين ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي " وقيل: إنه دين الله.

وقيل: إنه طاعة الله.

وقيل: إخلاص التوبة.

وقيل: الجماعة لقوله  عقيب ذلك: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما بعد الحق إلا الضلال.

ويد الله مع الجماعة.

قال  : " "ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد فقيل: ومن هم يا رسول الله؟

قال: الجماعة " وروي "السواد الأعظم" وروي " ما أنا عليه وأصحابي" " قال  : " لا تجتمع أمتي على الضلالة " وقد يتمسك بالآية نفاة القياس قالوا: الأحكام الشرعية إن احتيج فيها إلى الدلائل اليقينية امتنع الاكتفاء فيها بالقياس، وإن اقتصر فيها على الدلائل الظنية فالقول بجواز القياس لكل أحد يوجب التفرق والاختلاف وهو منهي عنه.

وأجيب بأن الدلائل الدالة على وجوب العمل بالقياس مخصصه لعموم قوله: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ .

ثم إنه  ذكرهم نعمته عليهم وذلك أنهم كانوا في الجاهلية بينهم إلا حن والبغضاء والحروب المتطاولة، فألف الله بين قلوبهم ببركة الإسلام فصاروا إخواناً في الله متراحمين متناصحين، وذلك أن من كان وجهه إلى الدنيا فقلما يخلو من معاداة ومناقشة بسبب الأغراض الدنيوية، أما العارف الناظر من الحق إلى الخلق فإنه يرى الكل اسيراً في قبضة القضاء فلا يعادي أحداً ألبتة لأنه مستبصر بسر الله في القدر.

فإذا أمر أمر برفق ناصح لا بعنف معير وكان حبه لحزب الله ونظرائه في الدين ورفقائه في طلب / اليقين أشد من حب الوالد لولده، فكانوا كالأقربين والإخوان بل كجسد واحد وكنفس واحدة, وقيل: يريد الإخوان في النسب.

وذلك أن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم، وكان بينهما العداوة والحروب، وبقيا على ذلك مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسول الله، فذكر الله  تلك النعمة.

وفيه دليل على أن المعاملات الحسنة الجارية فيما بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله  حيث خلق فيهم تلك الداعية المستلزمة لحصول الفعل.

قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعونة والألطاف لا بخلق الفعل.

وأجيب بأن كل هذا كان حاصلاً قبل ذلك.

فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم.

هذا شرح النعم الدنيوية عليهم، ثم ذكرهم النعم الأخروية بقوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ وشفا الحفرة وشفتها حرفها بالتذكير والتأنيث، ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وطرفه.

وأنقذه واستنقذه خلصه ونجاه.

والضمير في ﴿ منها ﴾ للحفرة أو النار أو للشفاء إما لأنه في معنى الشفة وإما لإضافته إلى الحفرة وهو بعضها وهو كقوله: كما شرقت صدر القناة من الدم *** قال بعضهم: الشفة أصغر من الشفا وكذلك الضلالة والضلال لذلك قال نوح  : ﴿ ليس بي ضلالة  ﴾ حين قال له قومه ﴿ إنا لنراك في ضلال مبين  ﴾ أي ليس بي صغير من الضلال فكيف الكبير منه؟

ومعنى الآية إنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم تشبيهاً لها بالحفر التي فيها النار وتمثيلاً بحياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها.

وفيه تنبيه على تحقير مدة الحياة وإن طالت كأنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء.

قالت المعتزلة: معنى الإنقاذ أنه  لطف بهم بالرسول  وبسائر ألطفاه حتى آمنوا.

وقال أهل السنة: جميع الألطاف مشتركة بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، لكن الآية دلت على أن الله  هو المنقذ فعلم أن خالق أفعال العباد هو الله  .

﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان البليغ ﴿ يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ﴾ إرادة أن تزدادوا هدى أو لتكونوا على رجاء هداية.

فالأول قول المعتزلة والثاني لأهل السنة، وقد مر في أوائل سورة البقرة.

ثم رغب المؤمنين الكاملين في تكميل غيرهم فقال: ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ وهو جنس تحته نوعان: الترغيب في فعل ما / ينبغي من واجبات الشرع ومندوباته والكف عما لا ينبغي من محرماته ومكروهاته، فلا جرم أتبعه النوعين زيادة في البيان فقال: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ واختلفوا في أن كلمة "من" في قوله: ﴿ منكم ﴾ للتبيين أو للتبيعض.

فذهب طائفة إلى أنها للتبيين لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، وكيف لا وقد وصفهم الله  بذك في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ فهذا كقولك: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر.

وتريد جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم.

ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به بعض سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات.

وقال آخرون: إنها للتبعيض إما لأن في القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنساء والمرضى والعاجزين، وإما لأن هذا التكليف مختص بالعماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما، ويعلمون كيف يرتب الأمر في إقامتهما، وكيف يباشر فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً.

وأيضاً قد أجمعنا على أن ذلك واجب على الكفاية، فكان هذا بالحقيقة إيجاباً على البعض الذي يقوم به.

ثم إن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية وهو المحتسب.

واعلم أن الأمر بالمعروف على ثلاثة أضرب: أحدها ما يتعلق بحقوق الله  وهو نوعان: أحدهما ما يؤمر به الجمع دون الأفراد كإقامة الجمعة حيث تجتمع شرائطها، فإن كانوا عدداً يرون انعقاد الجمعة بهم والمحتسب لا يراه فلا يأمرهم بما لا يجوّزه ولا ينهاهم عما يرونه فرضاً عليهم ويأمرهم بصلاة العيد.

والثاني ما يؤمر به الأفراد كما إذا أخر بعض الناس الصلاة عن الوقت.

فإن قال: نسيتها.

حثه على المراقبة.

ولا يعترض على من أخرها والوقت باق.

وثانيها ما يتعلق بحقوق الآدميين وينقسم إلى عام كالبلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره أو طرقه أبناء السبيل المحتاجون وتركوا معونتهم.

فإن كان في بيت المال مال لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر ذوو المكنة برعايتها والي خاص كمطل المديون الموسر بالدين.

فالمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداه رب الدين وليس له الحبس.

وثالثها الحقوق المشتركة كأمر الأولياء بإنكاح الأكفاء، وإلزام النساء أحكام العدد، وأخذ السادة بحقوق الأرقاء، وأرباب البهائم بتعهدها وأن لا يستعملون فيما لا تطيق، ومن يغير هيئات العبادات كالجهر في الصلاة السرية وبالعكس، أو يزيد في الأذان يمنعه وينكر عليه، / من تصدى للتدريس والوعظ وهو ليس من أهله ولم يؤمن اغترار الناس به في تأويل أو تحريف، فينكر المحتسب عليه ويظهر أمره لئلا يغتر به.

وإذا رأى رجلاً واقفاً مع امرأة في شارع يطرقه الناس لم ينكر عليه، وإن كان في طريق خال فهو موضع ريبة فينكر ويقول: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواضيع الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله معها في الخلوة.

ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعدي الجار في جدار الجار إلا باستعداء صاحب الحق، وينكر على من يطيل الصلاة من أئمة المساجد المطروقة، وعلى القضاة إذا حجبوا الخصوم وقصروا في النظر في الخصومات.

والسوقي المختص بمعاملة النساء يختبر أمانته فإن ظهرت منه خيانة منع من معاملتهن.

وبالجملة: " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فلينظر الداعي إلى الخير في حال كل مكلف وغير مكلف حتى الصبيان، ليتمرنوا والمجانين كيلا يضروا ويدعوه إلى ما يليق به متدرجاً من الأسهل إلى الأصعب في الأمر والإنكار كل ذلك إيماناً واحتساباً لا سمعة ورياء، ولا لغرض من الأغراض النفسانية والجسمانية، وذلك أنّ هذه الدعوة منصب النبي وخلفائه الراشدين بعده، ومن ههنا ذهب الضحاك إلى أن المراد من المذكورين في هذه الآية أصحاب رسول الله  الذين يتعلمون من الرسول ويعلمون الناس.

وروي عن النبي  " "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله وخليفة كتابه" وعن علي: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وكفى بقوله  : ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ أي الأخصاء بالفالح مدحاً لهم.

وقد يتمسك بهذا في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأنه ليس من أهل الفلاح.

وأجيب بأن هذا ورد على سبيل الغالب، فإن الظاهر أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يشرع فيه إلا بعد إصلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير وقلما يتفق ممن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت عن وجهها.

قال بعض العلماء: إن ترك ارتكاب المنهي عنه والنهي عن ارتكاب المنهي واجبان على الفاسق، فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر, وعن بعض السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا.

وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل فقال: وأينا يفعل ما يقول؟

ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهي عن منكر.

والحق في هذه القضية ما قيل:/ وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي الناس وهو مريض والقرآن ينعي عليه بقوله: ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون  ﴾ ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ وقد سلف تقريره في البقرة.

وعن داود الطائي أنه سمع صوتاً من قبر: ألم أزكِ ألم أصلِ ألم أصم ألم أفعل كذا وكذا؟

أجيب بلى يا عدو الله ولكن إنك إذا خلوت بارزته بالمعاصي ولم تراقبه.

قوله  : ﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه  ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام، ثم إن أهل الكتاب حسدوا محمداً فاحتالوا لإلقاء الشكوك في تلك النصوص، ثم انجز الكلام إلى أنه أمر المؤمنين بالدعاء إلى الخير، فختم الكلام بتحذير المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب من إلقائ الشبهات في النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة، فعلى هذا تكون الآية من تتمة الآيات المتقدمة.

وثانيهما أنه لما أمر الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن ضده وكان ذلك مما لا يتم إلا بالقدرة على تنفيذه، كيف وفي الناس ظلمة ومتغلبون، فلا جرم حذر أهل الحق أن يتفرقوا ويختلفوا كيلا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، وعلى هذا تكون الآية من تتمة الآية السابقة فقط.

قال بعضهم: تفرقوا واختلفوا مؤداهما واحد والتكرير للتأكيد.

وقيل: معناهما مختلف.

تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين.

أو تفرقوا بسبب التأويلات الفاسدة للنصوص، واختلفوا كل منهم نصرة قوله.

أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل من الأحبار رئيسا في بلد، واختلفوا بأن صار كل منهم يدعي أنه على الحق وصاحبه على الباطل.

ولعل الإنصاف أن أكثر علماء الزمان بهذه الصفة فنسأل الله العصمة والسداد.

﴿ وأولئك ﴾ اليهود والنصارى الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم الدلالات الواضحة والنصوص الظاهرة، أو أولئك الذين اقتفوا آثارهم من مبتدعه هذه الأمة ﴿ لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ وفي تعليق الظرف بقوله ﴿ لهم ﴾ فائدتان: إحداهما أن ذلك العذاب في هذا اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن يبيض بعض الوجوه ويسود بعضها ونظير ذلك في القرآن: ﴿ وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة  ﴾ وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان: أحدهما - وإليه ميل أبي مسلم -: أن البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم وهذا مجاز مستعمل قال  : ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّاً  ﴾ ولما سلم الحسن بن علي الأمر على معاوية قال له رجل: يا مسوّد وجوه المؤمنين.

وتمام الخبر سوف يجيء إن شاء الله في تفسير سورة القدر، ولبعض الشعراء في الشيب: / يا بياض القرون سودت وجهي *** عند بيض الوجوه سود القرون.

وثانيهما: أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة.

فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطبت به الظلمة من كل جانب.

قالوا: والحكمة في ذلك أن يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو يصغرون بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور.

وأيضاً إذا عرف المكلف في الدنيا أنه يحصل له في الآخرة إحدى الحالتين ازدادت رغبته في الطاعات وترك المحرمات.

قلت: والتحقيق فيه أن الهيئات والأخلاق الحميدة أنوار، والملكات والعادات الذميمة ظلمات، وكل منهما لا يظهر آثارهما كما هي إلا بعد المفارقة إلى الآخرة ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً  ﴾ واحتج أهل السنة بالآية على أن المكلف إما مؤمن وإما كافر وإنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين، لأنه قسم أهل القيامة إلى قسمين: مبيض الوجوه وهم المؤمنون، ومسودها وهم الكافرون لقوله  في آخر الآية ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ واعترض القاضي عليه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، وأيضاً لفظ وجوه نكرة فلا يفيد العموم.

وأيضاً المذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان، ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين فكذا القول في الفساق.

والجواب لم لا يجوز أن يكون المراد أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم، فيكون الخطاب لجميع الكفار؟

وأنه أيضاً جعل موجب العذاب في آخر الآية هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث إنه بعد الإيمان.

فإن قيل: لم قدم البياض على السواد أوّلاً وعكس آخراً؟

فالجواب بعد تسليم إفادة الواو الترتيب، أنه بدأ بذكر أهل الثواب وختم بها أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: " "سبقت رحمتي غضبي" ولما في ذلك من رعاية حسن المطلع والمقطع وأنه فن بديع في الفصاحة.

ومن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟

قال أبي بن كعب: هم جميع الكفار لأنهم آمنوا وقت الميثاق، ورواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي  .

وقيل: المراد أكفرتم بعدما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو ما نصبه الله من دلائل التوحيد والنبوة؟

وقال عكرمة والأصم والزجاج: إنهم أهل الكتاب آمنوا قبل مبعث النبي  وكفروا به بعد بعثه.

وقال قتادة: إنهم المرتدون.

وقال الحسن: هم المنافقون.

وقيل: هم الخوارج الذين قال فيهم رسول الله  : "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من / الرمية" ولما رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق دمعت عنياه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء.

فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله  ؟

قال: بل سمعته من رسول الله  ، ولو لم أسمعه، إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبعاً ما حدثتكموه.

قال: فما شأنك دمعت عيناك؟

قال: رحمة لهم.

كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية.

ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيراً فأعاذ الله منهم.

هذا مما أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعة.

ولكن المشهور من مذهب أهل السنة أنّ الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة، والاستفهام في قوله  : ﴿ أكفرتم ﴾ بمعنى الإنكار.

قال القاضي: وفيه وكذا في قوله: ﴿ ما كنتم تكفرون ﴾ دليل على أن الكفر منهم لا من الله.

وقالت المرجئة: فيه دلالة على أن العذاب لا يكون إلا للكفار.

أما قوله: ﴿ ففي رحمة الله ﴾ فالمراد بها الجنة التي هي محل الرحمة.

وموقع قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ موقع الاستئناف كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟

فأجيب بذلك أي لا يظعنون عنها ولا يموتون.

وفي إقامة الرحمة مقام الجنة دليل على أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا بفضل الله وبرحمته.

وفي إضافة الرحمة إلى نفسه وتعليل العذاب بكفرهم والنص على خلود أهل الثواب دون أهل النار وإن كانوا مخلدين أيضاً دلائل وإشارات إلى أن جانب العفو والمغفرة والرحمة مغلب، وكيف لا وقد أردفه بقوله: ﴿ تلك ﴾ الأحكام التي وردت في حيز الوعيد والوعد وانقضى ذكرها ﴿ آيات الله نتلوها عليك ﴾ متلبسة ﴿ بالحق ﴾ العدل من جزاء المحسن بإحسانه وجزاء المسيء بإساءته، أو ملتبسه بالمعنى الحق لأن معنى المتلو حق ﴿ وما الله يريد ظلما للعالمين ﴾ ولكن مصالح الخلق لا نتتظم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب عمن هو أصدق القائلين.

قال الجبائي: قوله: ﴿ ظلماً ﴾ نكرة في سياق النفي فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً سواء فرض منه أو من العبد على نفسه أو على غيره، وإذا لم يرد لم يفعل إذ لو كان فاعلاً لشيء من الأقسام الثلاثة كان مريداً له هذا خلف، فثبت بهذه الآية أنه  غير فاعل للظلم وغير فاعل لأعمال العباد، إذ من جملتها القبائح، وقد بينا أنه لا يريدها.

ثم إنه  تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له، فدلت الآية على أنه قادر على الظلم وعلى أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر فلهذا قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وأيضاً لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح للجهل أو العجز أو الحاجة.

وكل ذلك على / الله  محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض بل لكل ما في الوجود.

وربما يقال: معنى الآية إما أن يكون أنه لا يريد أن يظلمهم، أو أنه لا يريد أن يظلم بعضهم بعضاً.

والأول لا يستقيم على مذهبكم لأن من مذهبكم أنه  لو عذب البريء من الذنب أشد العذاب لم يكن ظالماً بل كان عادلاً لأن الظلم تصرف في ملك الغير وهو  إنما يتصرف في ملك نفسه، فتصور الظلم منه محال عندكم، فلا يلزم منه مدح.

والثاني أيضاً محال على قولكم لأن كلاً بإرادة الله وبتكوينه عندكم، فثبت أنه لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح في مذهبكم.

أجاب أهل السنة من وجهين: الأول أنه يتوقف التمدح بنفي صفة على إمكان تصور ذلك الشيء منه بدليل قوله: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم  ﴾ ولا يتوقف التمدح بذلك على صحة النوم والأكل عليه.

الثاني أنه  إن عذب من ليس بمستحق للظلم لم يكن ظالماً لكنه في صورة الظلم.

وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ والحق في هذا المقام أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه.

وإذا كان اللطف والقهر من ضرورات صفات الكمال، فوضع كل منهما في مظهره يكون وضع الشيء في موضعه فلا يكون ظلماً.

واحتجت الأشاعرة بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ على أن أفعال العباد مخلوقة لله  لأنها من جملة ما في السموات وما في الأرض.

أجابت المعتزلة بأن قوله: ﴿ لله ﴾ إضافة ملك لا إضافة فعل كما يقال: هذا البناء لفلان.

يراد أنه مملوكه لا أنه مفعوله.

وأيضاً الآية مسوقة في معرض المدح ولا مدح في نسبة الفواحش والقبائح إلى نفسه.

وأيضاً قوله: ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ يتناول ما كان مظروفاً لهما وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض، والداعية المنتهية إلى تخليق الله دفعاً للتسلسل أو لترجيح من غير مرجح، قالت الحكماء: تقديم السموات في الذكر على الأرض دليل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأسباب السموية، ولا شك أن الأحوال السموية مستندة إلى خلقه وتكوينه  فيكون الجبر أيضاً لازماً من هذا الوجه.

﴿ وإلى الله ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ﴿ ترجع الأمور ﴾ فالأول إشارة إلى أنه  مبدأ المخلوقات كلها، وهذا إشارة إلى أن معاد الكل إليه.

قوله عز من قائل: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه لما أمر المؤمنين بما أمر ونهاهم عما نهى، عدل إلى طريق آخر يقتضي حملهم على الانقياد والطاعة لأن كونهم خير الأمم مما يقوّي داعتيهم في أن لا يبطلوا على أنفسهم هذه المزية، وذلك إنما / يكون بالتزام التكاليف الشرعية، وثانيهما أنه لما ذكر حال الاشقياء وحال السعداء نبه أوّلاً على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله: ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بمعنى أنهم استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة.

ثم نبه على سبب وعد السعداء بقوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ أي تلك الكرامات والسعادات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا خير أمة، وأقول: لما انجز الكلام في مخاطبة المؤمنين الى بيان أن كل ما في الوجود ملكه وملكه إبداعاً واختراعاً وأن منتهى الكل إليه، أتبع ذلك مزية هذه الأمة ليعلم أنها بسابقة العناية الأزلية إذ جعلهم مظهر الألطاف، وذكر بعدها رذيلة أهل الكتاب ليعرف أنها لوقوعهم في طريق القهر ولا اعتراض لأحد على ما يفعله المالك في ملكه.

عن عكرمة ومقاتل "أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوديا اليهوديين قالا لابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه، ونحن خير وأفضل منكم, فأنزل الله هذه الآية" .

قال بعض المفسرين: "كان" ههنا تامة، وانتصاب ﴿ خير أمة ﴾ على الحال حدثتم ووجدتم خير أمة.

والأكثرون على أنها ناقصة، فجاء إيهام أنهم كانوا موصوفين بالخيرية في الزمان الماضي دون ما يستقبل.

فأجيب بأن "كان" لا تدل على عدم سابق ولا انقطاع طارىء بدليل قوله: ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ {النساء: 96] وقيل: المراد كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة كقوله: ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل  ﴾ وقال أبو مسلم: هذا تابع لقوله: ﴿ وأما الذين ابيضت وجوههم ﴾ وما بينهما اعتراض والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا نلتم من الرحمة وبياض الوجه ما نلتم.

وقال بعضهم: لو شاء الله لقال: أنتم.

فكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا، ولكنه مخصوص بقوم معينين من أصحاب رسول الله  وهم السابقون الأولون ومن صنع مثل صنيعهم.

وقيل: إنها زائدة والمعنى: أنتم خير أمة.

وزيفه ابن الأنباري بأن الزائدة لا تقع في أول الكلام ولا تعمل كقول العرب "عبد الله كان قائم وعبد الله قائم كان" ولا يقولون: "كان عبد الله قائم" على أن "كان" زائدة.

لأن البداءة بها دليل شدة العناية، والملغى لا يكون في محل العناية.

وقيل: إنها بمعنى صار أي صرتم خير أمة.

وأصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد، وأمة محمد  هي الطائفة الموصوفة بالإيمان به والإقرار بنبوته.

وإذا أطقلت الأمة في نحو قول العلماء"اجتمعت الأمة" وقعت عليهم.

وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم لفظ الأمة إلا بهذا القيد.

قال الزجاج: ظاهر الخطاب في ﴿ كنتم ﴾ مع أصحاب النبي  ولكنه عام في حق لكل الأمة.

ونظيره ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ وقوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ أخرجت ﴾ / والمعنى: كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار.

ومعنى إخراجها أنها أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها.

وإما أن يتعلق بـ ﴿ كنتم ﴾ أي كنتم للناس خير أمة.

ثم بين سبب الخيرية على سبيل الاستئناف بقوله: ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم.

وقد يستدل بالآية على أن إجماع هذه الأمة حجة لأنها لو لم تحكم بالحق لم تكن خيراً من المبطل، ولأن اللام في ﴿ المعروف ﴾ وفي ﴿ المنكر ﴾ للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر فيكون إجماعهم حقاً , وأما أنه من أي وجه يقتضي ذلك كون هذه الأمة خير الأمم مع أن الصفات الثلاثة كانت حاصلة لسائر الأمم فذلك أن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في خطر القتل.

وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين تحملاً لأعظم المضارّ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار، فكان من أعظم العبادات.

ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع كما قال النبي  : " "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" " فلا جرم صار لك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله أعظم المعروف والتكذيب أنكر المنكر.

وفائدة القتل على الدين لا ينكره منصف فإن أكثر الناس يحبون ما ألفوه من الأديان الباطلة ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم، فإذا خوف بالقتل دخل في دين الحق مكرهاً إلى أن يألفه متدرجاً.

وأما الإيمان بالله فلا شك أنه في هذه الأمة أكمل لأنهم آمنوا بكل ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب إلى غير ذلك، ولا يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

وإنما اقتصر في وصف الأمة على الإيمان بالله لأنه يستلزم الإيمان بالنبوة وبسائر ما عددنا وإلا لم يكن في الحقيقة إيمانأ، ولهذا نفى عن أهل الكتاب في قوله: ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ وإنما قدم الأمر بالمعروف على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، لأن الآية سيقت لبيان فضل الأمر بالمعروف وتأكد القيام به ولهذا كرر بعد قوله: ﴿ ولتكن منكم / أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ﴾ فكانت العناية به أشد فكان تقديمه أهم.

وليعلم أن التكميل أفضل من الكمال نفسه ولهذا استلزم الأول الثاني دون العكس، ولأن التكميل يتضمن الكمال فكان في تأخير الإيمان بالله تكريراً له مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة على أن الواو لا تفيد الترتيب، وأيضاً أراد أن يبني عليه قوله: ﴿ ولو آمن ﴾ وفي التفسير الكبير: إن أصل الإيمان مشترك فيه بين الأديان فلا تتبين فيه الخيرية، لكن الآية سيقت لبيان الخيرية وليس ذلك إلا لأن هذه الأمة أقوى في باب الأمر بالمعروف فلهذا قدم، ثم أتبع ذكر الإيمان بالله ليعلم أن شرط تأثير الأمر بالمعروف في الخيرية حاصل.

ولا يخفى أن هذا الجواب مبني على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعلى أن إيمان أهل الكتاب معتد به وليس كذلك، ولهذا قال  : ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني إيماناً متعتبراً وهو الإيمان بالله وبسائر ما لا بد منه من الأمور المعدودة ﴿ كان خيرا لهم ﴾ لحصلت لهم صفة الخيرية أيضاً لانضمامهم في زمرة هذه الأمة، أو لحصل لهم من الرياسة وحظوظ الدنيا ما هو خير مما تركوا هذا الدين لأجله، لأن الحاصل على هذا التقدير عزة الإسلام مع الفوز بما وعدوا من إيتاء الأجر في الآخرة مرتين، وعلى ما هم فيه ليس إلا استتباع بعض الجهلة من العوام وشيء نزر من الرشا، وبعد ذلك خلود في النار، ثم فصل أهل الكتاب على سبيل الاستئناف فقال: ﴿ منهم المؤمنون ﴾ كعبد الله بن سلام ورهطه وكالنجاشي وأصحابه، فاللام للمعهود السابق ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ الخارجون عن طاعة الله  وعن دينه فيقارب الكفر أو يرادفه، أو المراد أنهم ليسوا بعدول في دينهم أيضاُ فهم مردودون باتفاق الطوائف كلهم، فلا ينبغي أن يقتدى بهم ألبتة.

ثم أخبر عن حالهم وكان كما قال وهو آية الإعجاز بجملة مستأنفة هي ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ الإضرار ألا يجاوز أذى بقول كطعن في الدين أو تهديد أو تحريف نص أو إلقاء شبهة أو إظهار كلمة الكفر بإشراكهم عزيراً والمسيح.

والأذى مصدر كالأسى يقال: يفعلون أذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذية.

والأذى نوع من الضر فصح انصابه به والتقدير: لن يضروكم شيئاً من أنواع الضرر إلا ضرراً يسيراً.

ومن هذا تبين أن الاستثناء ليس بمنقطع على ما ظن ﴿ وإن قاتلوكم بولوكم الأدبار ﴾ منهزمين ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ وإنما لم يجزم بالعطف على ﴿ يولوكم ﴾ لئلا يصير نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم بل يرفع ليكون نفي النصر وعداً مطلقاً، وتكون هذه الجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم وأبشركم أن النصر والقوة منتفٍ عنهم رأساً فلن يستقيم لهم أمر ألبتة.

ومعنى "ثم" إفادة التراخي في الرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أينما كانوا أعظم من الإخبار بانهزامهم عند القتال.

فإن قيل: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى قد يوجد لهم قوى وشوكة في ديارهم.

قلنا: هذه الآيات مخصوصة باليهود وأسباب النزول تدل على ذلك، فكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وأهل خيبر، أو لعل نفي النصرة عنهم بعد القتال ولم يوجد نصراني بهذه الحالة.

وفي الآية تشجيع للمؤمن وتثبيت لمن آمن من أهل الكتاب كيلا يلتفتوا إلى تضليلاتهم وتحريفاتهم.

التأويل: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ لأهل العزائم وقوله: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم  ﴾ لأهل الرخص.

والمعنى: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده ﴿ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ لا ينتف وجودكم المجازي إلا وقد سلمتم لتصرفات الأحكام الإلهية والجذبات الربانية، واستفدتم الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله ﴿ واعتصموا ﴾ أهل الاعتصام طائفتان: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب لأن مشربهم الأعمال فقيل لهم اعتصموا بحبل الله وهو كل سبب يتوصل به إلى الله من أعمال البر، وأهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب إذ مشربهم الأحوال فقيل لهم: واعتصموا بالله هو مولاكم مقصودكم أو ناصركم، ولا تفرقوا في الظاهر وهو مفارقة الجماعة، وفي الباطن وهو الميل إلى البدع والأهواء.

﴿ وكنتم على شفا حفرة ﴾ وهي عداوة بعضكم لبعض وعداوتكم لله ولأنفسكم ﴿ فأنقذكم منها ﴾ بالهداية والإيمان وتأليف القلوب ﴿ كذلك ﴾ مثل ما بين آياته للأوس والخزرج حتى صاروا إخواناً ﴿ يبين لكم ﴾ أيها الطلاب ﴿ آياته ﴾ وهي الجذبة الإلهية وتجلي صفات الربوبية ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ بالأفعال دون الأقوال ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ لأن الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله: ﴿ يوم تبلى السرائر  ﴾ أي يجعل ما في الضمائر على الظواهر ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ هم أرباب الطلب السائرون إلى الله انقطعوا في بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على أعقابهم القهقرى.

﴿ فذوقوا العذاب ﴾ لأن الناس نيام لا يذوقون ألم جراحات الانقطاع والإعراض عن الله، فإذا ماتوا انتبوا وذاقوا ﴿ ففي رحمة الله ﴾ في الدنيا بالجمعية والوفاق مع أهل الله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ في الآخرة، ولأنه يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ﴿ تلك ﴾ الأحوال ﴿ آيات الله ﴾ مع خواصه ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ نظهرها على قلبك بالتحقيق ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بأن يضع السواد والبياض في غير موضعهما ﴿ كنتم خير أمة أخرجت ﴾ من العدم إلى الوجود مستعدة لقبول كمالية الإنسان من جملة الخيرية تخفيف التكليف وضمان التضعيف، ومنها عاقب مطيعهم بشؤم عصيانهم، وغفر لعصاة هذه الأمة ببركة مطيعهم، ومنها زلاتهم لعنة وزلاتنا رحمة، ومنها شكا منهم إلينا وشكر منا إليهم قبل وجودنا ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني علماء السوء ﴿ لن يضروكم ﴾ أيها المحققون ﴿ إلا أذى ﴾ من طريق الإنكار والحسد ﴿ وإن يقاتلوكم ﴾ ينازعوكم ويخاصموكم ﴿ يولوكم الأدبار ﴾ من صدق نياتكم ﴿ لا ينصرون ﴾ لأنكم أهل الحق وحزب الله وإن حزب الله هم الغالبون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ .

على أن الذي أراكم الرسول  ألذّ للعقول، وأروح للأبدان مما وُعِدوه مع سوء المآب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : وهو على وجه التعجب ظاهر، ولكنه على طلب الحجة في كفرهم.

﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ .

يدفع عنكم الشبهة التي عرضت لكم بإلقاء الكفار إليكم.

﴿ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ ﴾ : أي: من جعل الله - عز وجل - ملجأً له، ومفزعاً إليه عند الشبه والإشكال.

﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

أي: يحفظه عن الشبه، ويرشده إلى صراط مستقيم، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ ﴾ : يتمسك بالذي جاء من القرآن، ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : رُوي عن ابن مسعود -  - قال: " ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى"، وأراد: حق تقاته؛ مما يحتمل وسع الخلق.

ورُوي في حرف حفصة: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي: اعبدوا الله حق عبادته، وهذا في اعتقاد التوحيد.

وروي عن أنس -  - يقول: "لا يتقي الله أحد حق تقاته حتى يخزن من لسانه، وبعد كلامه من عمله".

وقيل: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : أطيعوا الله حق طاعته.

وقيل: إن هذا نسخها قوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ الآية [التغابن: 16]؛ لكن لا يحتمل أن يأمر الخلق بشيء ليس في وسعهم القيام به، ثم ينسخ ذلك بما يستطاع، ولكن أصله ما روي عن رسول الله  أنه قال: "إِنَّ لله عَلَى عِبَادِهِ حَقّاً، وَلِعِبَادِهِ عَلَيْهِ حَقّاً، وَحَقُّ الله على عَبْدِهِ: أَنْ يَعْبُدَ الله، وَلاَ يُشْرِكَ غَيْرَهُ فِيهِ.

وَحَقُّ العَبْدِ عَلَى الله: أَنْ يُدْخِلهُ الجَنَّةَ؛ إِذَا عَبَدَهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ غَيْرَهُ فِيهِ أَحَداً" ليكون هذا تأويلاً للآية أن قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تكفروه؛ فيكون فيه الأمر بالإيمان، والنهي عن الكفر؛ لأنه ليس في وسع أحد أن يتقي الله حق تقاته في كل العبادة؛ ألا ترى إلى ما روي من أمر الملائكة مع ما وصفوا من عبادتهم أنهم ﴿ لاَ يَفْتُرُونَ  ﴾ و ﴿ لاَ يَسْئَمُونَ  ﴾ ، ثم يقولون: ما عبدناك حق عبادتك؟!.

وإذا كان أحد لا يبلغ ذلك فلا يحتمل تكليف مثله، وجملته: أن ذلك ليس بذي حدّ وغاية، فلذلك كان - والله أعلم - الأمر فيه راجع إلى الإسلام، أو في نفي حق الإشراك خاصّة، لا في جميع الأحوال والأفعال، دليله ما ختم به الآية، وفي وسع الخلق ألا يشركوا أحداً في عبادته؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ ؟!.

وفي ظاهر الآية النهي عن الموت إلا مسلماً، وليس في الموت صنع للخلق؛ والمعنى - والله أعلم -: أي: كونوا في حال إذا أدرككم الموت كنتم مسلمين؛ فالنهي فيه نهي عن الكفر، والأمر بالإسلام، حتى إذا أدركه الموت أدركه وهومسلم، والله أعلم.

وقد يكون على بيان ألا عذر عند الموت - وإن اشتد أمره - بالذي ليس بإسلام.

وروي عن أبي حنيفة -  - أنه قال: "أكثر ما يسلب الإيمان عند الموت؛ كان الشيطان يطمعه في أمر لو أعطاه ما طلب".

ويحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي: احذروا عذاب الله حق حذره، واحذروا نقمته؛ كقوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ بمعنى نقمته.

وقوله: ﴿ وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً ﴾ : اختلف فيه؛ قيل: حبل الله؛ يعني: القرآن، وهو قول ابن مسعود،  .

وعن ابن عباس -  - قال: "حبل الله: الجماعة، وإنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها"، أمر بالكون مع الجماعة، ونهي عن التفرق؛ لأن أهل الإسلام هم الجماعة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ  ﴾ وصف أهل دين الإسلام بالجماعة، وأهل أديان غيرها بالتفرق.

وعن ابن مسعود -  - أيضاً - قال: حبل الله: الجماعة.

ورُوي في بعض الأخبار أن رسول الله  قال: "مَنْ فَارَقَ الجَمَاعةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ" يعني: حبل الإسلام.

وروي عنه - أيضاً - قال: "إِنَّ الشيْطَانَ ذئب [الإنسان] كَذِئْبِ الغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاذَّةَ والقَاصِيةَ وَالنَّاحِيَةَ، فَإِيَّاكُمْ والشِّعَابَ، وَعَليكُم بِالجَمَاعَةِ وَالعَامَّةِ وَهَذَا المَسْجِدِ" ورُوي عن علي [بن أبي طالب] -  - قال: "دعاني النبي  ليلةً ثلاث مرات، ثم قال: يَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلافٌ، قلت: كيف نصنع يا رسول الله إذا كان كذلك؟

قال: عَلَيْكمُ بكِتَابِ اللهِ؛ فإِنَّ فِيهِ نَبَأَ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرَ مَا بَعْدَكُمْ، وهُو حَكَمٌ فِيمَا بَيْنَكُمْ، مَنْ يَدَعْهُ مِنْ جَبَّارٍ يَقْصِمْهُ الله، وَمَنْ طلب الهُدَى فِي غَيرِهِ يُضِلَّهُ اللهُ، وَهُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وَأَمْرُهُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذي لاَ تَخْتَلِفُ فيهِ الأَلْسِنَةُ، وَلاَ يَخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ" وقيل: حبل الله: دين الله.

الحبل: هو العهد؛ كأنه أمر بالتمسّك بالعهد التي في القرآن، والقيام بوفائها، والحفظ لها، ونهي عن التفرق كما تفرقت الأمم الخالية، واختلفت في الأديان.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ : بمحمد  .

وقيل: ألّف بين قلوبكم بالإسلام.

وقيل: بالقرآن، ولم يكن ذلك للدّين نفسه، ولكن بلطف من الله منَّ به على أهل دينه، وأخبر أن التأليف بين قلوبهم نعمة؛ لأن التفرق يوجب التباغض، والتباغض يوجب التقاتل؛ وفي ذلك التفاني.

وعلى قول المعتزلة: ليس من الله على المسلم من النعمة، إلا ومثلها يكون على الكافر؛ لأن الهدى والتوفيق - عندهم - هو البيان، فذلك البيان للكافر كهو للمسلم؛ وعلى قولهم - لا يكون من الله على أحد نعمة؛ لأنهم لا يجعلون لله في الهداية فعلاً، إنما ذلك من الخلق، وأمّا عندنا: فإنما يكون الإسلام بهدايته إياه، فذلك من أعظم النعم عليه.

وقوله: ﴿ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ : أي: صرتم بنعمته إخواناً.

وقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ : أي: كنتم أشفيتم حفرة من النار، وهو القريب منها، لولا أنه منّ بالإسلام.

ويحتمل أن يكون على الكون فيها والوقوع، لا القرب؛ كقوله: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ﴾ ليس على الرؤية خاصة؛ ولكن على الوقوع فيها؛ وكقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ  ﴾ ليس على البعد منها؛ ولكن على الكون فيها، ومثله كثير يترجم على الوقوع فيها.

وقوله: ﴿ حُفْرَةٍ ﴾ : كأنه قال: كنتم على شفا درك من دركات النار، ﴿ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا ﴾ .

وهذا - أيضاً - على المعتزلة؛ لأن على قولهم: هم الذين ينفذون أنفسهم، لا الله، على ما ذكرنا، [والله أعلم].

قال الشيخ - رحمه الله - نقول: إذا كان الله -  - عندهم قد جمع بين الكفرة والبررة في بذل الأصلح لهم في الدّين، وليس منه غير ذلك فلا يجيء أن يمنّ عليهم به يتألف بنعمته، والتي منه موجود مع التفرق؛ بل أولئك تألفوا بنعتمهم.

وبعد؛ فإنّ النعمة لو كانت ديناً، فما الذي كان منه حتى يمنّ، وذلك فعلهم بلا فضل منه فيه؟!

والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ ﴾ الآية: أنه قد يلزم خطاب الإيمان حين الفترة؛ لأنهم في ذلك الوقت كانوا قد أنقذوا، والله الموفق.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : إذ كنتم أعداء في الجاهلية والكفر، متفرقين، وصرتم إخواناً في الإسلام؛ كلمتكم واحدة.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : لكي تعرفوا نعمته ومنته.

قال الشيخ - رحمه الله -: وقد يكون: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ في حادث الأوقات؛ لتكونوا فيها مهتدين كما اهتديتم؛ فيكون في ذلك وعد التوفيق والبشارة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، خافوا ربكم حق المَخَافة، وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وشكره على نعمه، واستمسكوا بدينكم حتى يأتيكم الموت وأنتم على ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.4jV8K"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

في سبب نزول هذه الآية يروون أن شاس بن قيس -وكان يهوديًا- مر على نفر من الأوس والخزرج يتحدثون، فغاظه ما رأى من تآلفهم بعد العداوة، فأمر شابًا معه من يهود أن يجلس بينهم فيذكرهم "يوم بعاث"، ففعل، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان: أوس بن قرظي، من الأوس، وجبار بن صخر، من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان وتواثبوا للقتال، فبلغ ذلك رسول الله  فجاء حتى وعظهم وأصلح بينهم، فسمعوا وأطاعوا، فأنزل الله في أوس وجبار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  ﴾ الآية.

وفي شاس بن قيس: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ  ﴾ الآية.

إن صح ما ورد في سبب نزول هذه الآيات فالمراد بالكفر في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ هو العداوة والبغضاء التي كان الكفر سببها كم أن المراد بالإيمان على هذا هو الألفة والمحبة التي هي ثمرة يانعة من ثمرات الإيمان.

وإذا لم ننظر إلى ما ورد من السبب فالمعنى أن أهل الكتاب قد سلكوا سبل التأويل في الكتاب فحرفوه وانصرفوا عن هدايته إلى تقاليد وضعوها لأنفسهم، فإذا أطعتموهم وسلكتم مسالكهم فإنكم تكفرون بعد إيمانكم.

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ  ﴾ بطاعتهم واتباع أهوائهم ﴿ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ  ﴾ وهي روح الهداية وحفاظ الإيمان ﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  ﴾ يبين لكم ما نزل إليكم.

﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ  ﴾ وكتابه يكون الاعتصام إذن هو حبله الممدود، ورسوله هو الوسيلة إليه وهو ورده المورود، ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ لا يضل فيه السالك، ولا يخشى عليه من المهالك.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ أي واجب تقواه وما يحق منها.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ فمعناه استمروا على الإسلام وحافظوا على أعماله حتى الموت.

فالمراد بالإسلام على هذا هو الدين إيمانه وعمله.

ووجه اختيارنا هذا المعنى أنه جاء في مقابلة قوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ وبعد الأمر بالتقوى حق التقوى.

وقيل: إن المراد به الإخلاص.

وقيل: الإيمان دون العمل، لأنه هو الذي يستمر إلى الموت.

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا  ﴾ الأشبه أن تكون العبارة تمثيلًا، كأن الدين في سلطانه على النفوس واستيلائه على الإرادات وما يترتب على ذلك من جريان الأعمال على حسب هديه حبل متين يأخذ به الآخذ فيأمن السقوط، كأن الآخذين به قوم على نشز من الأرض يخشى عليهم السقوط منه فأخذوا بحبل موثق جمعوا به قوتهم فامتنعوا من السقوط.

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا  ﴾ .

انظر آية الله، قوم متخالفون بين العداوات والإحن يتربص كل واحد بالآخر الهلكة على يده فيأتي الله بهذه الهداية فيجمعهم ويزيل كل ما في نفوسهم من التنافر ويجعلهم إخوانًا ترجع أهواؤهم كلها إلى شيء واحد لا يختلفون فيه وهو حكم الله ولذلك قال: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ أي ليعدكم ويؤهلكم بها للاهتداء الدائم المستمر فلا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان.

والتفرق والاختلاف قسمان: قسم لا يمكن أن يسلم منه البشر فالنهي عنه من قبيل تكليف ما لا يستطاع وليس بمراد في الآيات، وقسم يمكن الاحتراس منه وهو المراد بها أما الأول: فهو الخلاف في الفهم والرأي، ولا مفر منه لأنه مما فطر عليه البشر كما قال تعالى: ﴿ وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  ﴾ فاستواء الناس في العقول والأفهام مما لا سبيل إليه ولا مطمع فيه إذ هو من قبيل الحب والبغض فالإخوة الأشقاء في البيت الواحد تختلف أفهامهم في الشيء كما يختلف حبهم له وميلهم إليه.

وأما الثاني: - وهو ما جاءت الأديان لمحوه - فهو تحكيم الأهواء في الدين والأحكام، وهو أشد الأشياء ضررًا في البشر لأنه يطمس أعلام الهداية التي يلجأ إليها في إزالة المضار التي في النوع الأول من الخلاف.

أما كون القسم الأول غير ضار فهو ما يعرفه كل أحد نفسه.

والأمثلة كثيرة..

فمثلًا: إن بيني وبين بعض أصحابي الصادقين في محبتي وإرادة الخير لي خلافًا في إلقاء هذا الدرس هنا، فأنا أعتقد أن إلقاء درس التفسير في الأزهر عمل واجب علي وخير لي، لا أشك في هذا كما أنني لا أشك في هذا الضوء الذي أمامي، ويوجد من أصحابي من يعتقد أن ترك هذا الدرس خير لي من قراءته، ويحاجوني في ذلك قائلين: إن تأخري لأجل الدرس إلى الليل ضار بصحتي، وإنه مثير لحسد الحاسدين لي ودافع لهم إلى الكيد والإيذاء، وإن الدرس نفسه عقيم لأن أكثر الذين يسمعونه لا يفقهون ما أقول ولا يفهمون ومن فهم لا يرجى أن يعمل به لغلبة فساد الأخلاق.

وهذه حجة بعض أصحابي في مخالفة رأيي واعتقادي يصرحون لي بها، ومع ذلك ألقاهم ويلقونني لم ينقص ذلك من مودتنا شيئًا فضلًا عن أن يكون مثارًا للعداوة والبغضاء بيننا، فأنا أعذرهم في رأيهم، مع اعتقادي بإخلاصهم، وهم يعذرونني كذلك.

ولنفرض أن الخلاف بيننا في مسألة دينية كأن أعتقد أنا أن فعل كذا حرام وهم يعتقدون حله أكان يكون بيننا تفرق لأجله؟

كلا، لا ريب عندي أنه لا فرق بين الخلافين وإننا نبقى على هذا الخلاف أصدقاء.

كذلك كان الخلاف بين علماء السلف وأئمة الفقهاء "فمالك" قد نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من حسن الحال وسلامة القلوب فقال: إن عمل أهل المدينة أصل من الأصول، لأنهم على حسن حالهم وقرب عهدهم بالنبي وأصحابه لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة عملًا.

وأما "أبو حنيفة" فنشأ في العراق، وأهلها كما اشتهر عنهم أهل شقاق ونفاق، فهو معذور إذا لم يحتج بعملهم ولا بعمل غيرهم قياسًا عليهم، ولو اجتمعا لعذر كل منهما الآخر لأنه بذل جهده في استبانة الحق مع الاخلاص لله تعالى وإرادة الخير والطاعة.

وقد نقل عن الائمة أن كل واحد كان يعذر الآخرين فيما خالفوه فيه، ولكن تنكب هذه الطريقة طوائف جاءت بعدهم تقلدهم فيما نقل من مذاهبهم لا في سيرتهم حتى صار الهوى هو الحاكم في الدين وصار المسلمون شيعًا يتعصب كل فريق إلى رأي من مسائل الخلاف ويعادي الآخر إذا خالفه فيه، وكان من جزاء ذلك ما هو مدون في التاريخ.

وما ذلك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلوب هؤلاء المتعصبين، وإلا فبالله كيف يصدق أن يكون الإمام "الشافعي" مثلًا مصيبًا في كل ما خالف به غيره؟

وإذا كان الصواب في بعض المسائل الاجتهادية مع غيره فكيف يعقل أن يمر أكثر من ألف سنة على فقهاء مذهبه ولا يظهر لهم شيء من ذلك فيرجعوا عن قوله إلى ما ظهر لهم أنه الصواب من مذهب غيره "كأبي حنيفة" أو "مالك".

وهذا ما يقال في أتباع كل مذهب.

هذا النوع من الخلاف هو الذي ذلت به الأمم بعد عزها وهوت بعد رفعتها وضعفت بعد قوتها.

هو الافتراق في الدين وذهاب أهله مذاهب تجعلهم شيعًا تتحكم فيهم الأهواء كما حصل من الفرق الإسلامية، لا يكاد أحدهم يعلم أن الآخر خالفه في رأي إلا ويبادر إلى الرد عليه بالتأليف وبذل الجهد في تضليله وتقنيد مذهبه، ويقابله الآخر بمثل ذلك، لا يحاول أحد منهم محادثة الآخر والاطلاع على دلائله ووزنها بميزان الانصاف والعدل، فالواجب أولًا محاولة الفهم والإفهام في البحث والمذاكرة وثانيًا أن لا يكون الخلاف مفرقًا بين المختلفين في الدين، فما دام المسلم لا يخل بنصوص كتاب الله ولا باحترام الرسول  فهو على إسلامه لا يكفر ولا يخرج من جماعة المسلمين، فإذا تحكم الهوى فلعن بعضهم بعضًا وكفر بعضهم بعضًا فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث.

ومثل الاختلاف في الدين الاختلاف في المعاملة لا يجوز أن يكون مفرقًا بين المؤمنين بل يرجعون في النزاع إلى حكم الله وأهل الذكر منهم.

فإذا امتثلنا أمر الله ونهيه فاتقينا الخلاف الذي لنا عنه مندوحة وحكمنا كتاب الله ومن أمر الله بالرجوع إليهم في مسائل النزاع فيما نتنازع فيه أمنا من غائلة الخلاف وكنا من المهتدين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله