الآية ١٠٣ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٠٣ من سورة آل عمران

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٠٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 219 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٣ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) قيل ( بحبل الله ) أي : بعهد الله ، كما قال في الآية بعدها : ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) [ آل عمران : 112 ] أي بعهد وذمة وقيل : ( بحبل من الله ) يعني : القرآن ، كما في حديث الحارث الأعور ، عن علي مرفوعا في صفة القرآن : " هو حبل الله المتين ، وصراطه المستقيم " .

وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى ، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثنا أسباط بن محمد ، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي ، عن عطية عن [ أبي ] سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كتاب الله ، هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض " .

وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذا القرآن هو حبل الله المتين ، وهو النور المبين وهو الشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن اتبعه " .

وروي من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك .

[ وقال وكيع : حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال : قال عبد الله : إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين ، يا عبد الله ، بهذا الطريق هلم إلى الطريق ، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن ] .

وقوله : ( ولا تفرقوا ) أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة ، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يرضى لكم ثلاثا ، ويسخط لكم ثلاثا ، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ، ويسخط لكم ثلاثا : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال " .

وقد ضمنت لهم العصمة ، عند اتفاقهم ، من الخطأ ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضا ، وخيف عليهم الافتراق ، والاختلاف ، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة ، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار ، وهم الذين على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

وقوله : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا [ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ] ) إلى آخر الآية ، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج ، فإنه كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية ، وعداوة شديدة وضغائن ، وإحن وذحول طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم ، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم ، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله ، متواصلين في ذات الله ، متعاونين على البر والتقوى ، قال الله تعالى : ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم [ إنه عزيز حكيم ] ) [ الأنفال : 62 ] وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم ، فأبعدهم الله منها : أن هداهم للإيمان .

وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين ، فعتب من عتب منهم لما فضل عليهم في القسمة بما أراه الله ، فخطبهم فقال : يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي ؟

" كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن .

وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره : أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج ، وذلك أن رجلا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج ، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة ، فبعث رجلا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب ، ففعل ، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم وغضب بعضهم على بعض ، وتثاوروا ، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم ، وتواعدوا إلى الحرة ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول : " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟

" وتلا عليهم هذه الآية ، فندموا على ما كان منهم ، واصطلحوا وتعانقوا ، وألقوا السلاح ، رضي الله عنهم وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك .

والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعًا.

يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله.

* * * وقد دللنا فيما مضى قبلُ على معنى " الاعتصام " (22) * * * وأما " الحبل "، فإنه السبب الذي يوصَل به إلى البُغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان " حبلا "، لأنه سبب يُوصَل به إلى زوال الخوف، والنجاة من الجزَع والذّعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة: وَإذَا تُجَوِّزُهَـــا حِبَـــالُ قَبِيلَــةٍ أَخَـذَتْ مِـنَ الأخْـرَى إلَيْـكَ حِبَالَهـا (23) ومنه قول الله عز وجل: إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [سورة آل عمران: 112] * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 7562- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا العوّام، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود أنه قال في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعا "، قال: الجماعة.

7563- حدثنا المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن العوّام، عن الشعبي، عن عبد الله في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، قال: حبلُ الله، الجماعة.

* * * وقال آخرون: عنى بذلك القرآنَ والعهدَ الذي عَهِدَ فيه.

*ذكر من قال ذلك: 7564- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، حبل الله المتين الذي أمر أن يُعتصم به: هذا القرآن.

7565- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا " قال: بعهد الله وأمره.

7566- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله قال: إن الصراط مُحْتَضَر تحضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله، هلمّ هذا الطريق!

ليصدّوا عن سبيل الله،.

فاعتصموا بحبل الله، فإن حبلَ الله هو كتاب الله.

(24) 7567 - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد بن المفضل، عن أسباط، عن السدي: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، أما " حبل الله "، فكتاب الله.

7568- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " بحبل الله "، بعهد الله.

7569- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء: " بحبل الله "، قال: العهد.

7570- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل ، عن عبد الله: " واعتصموا بحبل الله " قال: حبلُ الله: القرآن.

7571- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، قال: القرآن.

7572- حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتاب الله، هو حبل الله الممدودُ من السماء إلى الأرض.

(25) * * * وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله.

*ذكر من قال ذلك: 7573- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله : " واعتصموا بحبل الله جميعا "، يقول: اعتصموا بالإخلاص لله وحده.

7574- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " واعتصموا بحبل الله جميعًا "، قال: الحبل، الإسلام.

وقرأ وَلا تَفَرَّقُوا .

* * * القول في تأويل قوله عز وجل : وَلا تَفَرَّقُوا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ولا تفرقوا "، ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه، من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى أمره.

كما:- 7575- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم "، إنّ الله عز وجل قد كره لكم الفُرْقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمعَ والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضى الله لكم إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله.

7576- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العالية: " ولا تفرّقوا "، لا تعادَوْا عليه، يقول: على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانًا.

(26) 7577- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح: أن الأوزاعي حدثه، أنّ يزيد الرقاشي حدّثه أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسَبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة.

قال: فقيل: يا رسول الله، وما هذه الواحدة؟

قال: فقبض يَدَه وقال: الجماعة " ،" واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا ".

(27) 7578- حدثني عبد الكريم بن أبي عمير قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، سمعت الأوزاعي يحدث، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

(28) 7579- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا المحاربي، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قُطْبَة المدنيّ، عن عبد الله: أنه قال: " يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمرَ به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة، هو خيرٌ مما تستحبون في الفرقة ".

(29) 7580- حدثنا عبد الحميد بن بيان السكريّ قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطبَة قال: سمعت ابن مسعود وهو يخطب وهو يقول: يا أيها الناس ، ثم ذكر نحوه.

(30) 7581- حدثنا إسماعيل بن حفص الأبُلِّيُّ قال، حدثنا عبد الله بن نمير أبو هشام قال، حدثنا مجالد بن سعيد، عن عامر، عن ثابت بن قطبة المدني قال: قال عبد الله: عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمرَ به، ثم ذكر نحوه.

(31) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " واذكروا نعمة الله عليكم "، واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام.

واختلف أهل العربية في قوله: " إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ".

فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: انقطع الكلام عند قوله: " واذكروا نعمة الله عليكم "، ثم فسر بقوله: " فألف بين قلوبكم "، وأخبرَ بالذي كانوا فيه قبل التأليف، كما تقول: " أمسَكَ الحائط أن يميل ".

وقال بعض نحويي الكوفة: قوله " إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم "، تابع قوله: " واذكروا نعمة الله عليكم " غير منقطعة منها.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله: " إذ كنّتم أعداءً فألّف بين قلوبكم "، متصل بقوله: " واذكروا نعمة الله عليكم "، غير منقطع عنه.

وتأويل ذلك: واذكروا، أيها المؤمنون، نعمة الله عليكم التي أنعمَ بها عليكم، حين كنتم أعداء في شرككم، (32) يقتل بعضكم بعضًا، عصبيةً في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخوانًا بعد إذ كنتم أعداءً تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه، كما:- 7582- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم "، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألَّف به بينكم.

أما والله الذي لا إله إلا هو، إنّ الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذابٌ.

7583- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء "، يقتل بعضكم بعضًا، ويأكل شديدُكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فألف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانًا.

* * * قال أبو جعفر: فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكرُوها، هي ألفة الإسلام، واجتماع كلمتهم عليها = والعداوةُ التي كانت بينهم، التي قال الله عز وجل: " إذ كنتم أعداء " فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام، يزعم العلماء بأيام العرب أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة،.

كما:- 7584- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم.

ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

(33) * * * فذكَّرهم جل ثناؤه إذ وعظهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضًا وقتل بعضهم بعضًا، وخوف بعضهم من بعض، وما صارُوا إليه بالإسلام واتباع الرّسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان به وبما جاء به، من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانًا، وكأن سبب ذلك ما:- 7585- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدني، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا.

قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه.

قال: فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، قال: فقال له سويد: فلعل الذي مَعك مثل الذي معي!

قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما الذي معك؟

قال: مجلة لقمان " -يعني: حكمة لقمان- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اعرضْها عليّ" فعرضها عليه، فقال: " إن هذا لكلام حسنٌ، (34) معي أفضل من هذا، قرآنٌ أنـزله الله عليّ هدًى ونورٌ" .

قال: فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآنَ، ودعاه إلى الإسلام، فلم يُبعد منه، وقال: إن هذا لقولٌ حَسن!

ثم &; 7-79 &; انصرف عنه وقدم المدينةَ، فلم يلبث أن قتلته الخزرج.

فإن كان قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم.

وكان قتله قبل يوم بُعاثٍ.

(35) 7586- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، (36) أحد بني عبد الأشهل: أن محمودَ بن لبيد، (37) أحدَ بني عبد الأشهل قال: لما قدم أبو الحَيْسر أنس بن رافع مكة، (38) ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، (39) سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجلس إليهم فقال " هل لكم إلى خير مما جئتم له؟" قالوا: وما ذاك؟

قال: " أنا رسولُ الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، (40) وأنـزل عليَّ الكتاب " .

ثم ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلامًا حدُثًا: (41) أيْ قوم، هذا والله خير مما جئتم له!

قال: فيأخذ أبو الحَيْسَر أنس بن رافعَ حفنةً من البطحاء، (42) فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا!

قال: فصمت إياس بن معاذ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا &; 7-80 &; إلى المدينة، وكانت وقعةُ بعاث بين الأوس والخزرج.

قال.

ثم لم يلبث إياسُ بن معاذ أن هلك.

قال: فلما أراد الله إظهارَ دينه، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم، وإنجازَ موعده له، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفرَ من الأنصارَ يعرض نفسه على قبائل العرب، (43) كما كان يصنع في كل موسم.

فبينا هو عند العقبة، إذ لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا (44) .

=قال ابن حميد قال، سلمة قال، محمد بن إسحاق، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة؛ عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: " من أنتم؟" قالوا: نفر من الخزرج قال، أمن موالي يهود؟

(45) قالوا: نعم قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟

قالوا: بلى!.

قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرَض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.

قال: وكان مما صنَع الله لهم به في الإسلام، (46) أنّ يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهلَ كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك، أصحابَ أوثان، (47) وكانوا قد غزوهم ببلادهم.

فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالوا لهم: إن نبيًّا الآن مبعوث قد أظلّ زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتلَ عاد وإرَم!.

فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفرَ ودعاهم إلى الله عز وجل، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي تَوَعَّدُكم به يهود، فلا يسبقُنَّكم إليه!

(48) فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صَدّقوه وقبلوا منه ما عَرَض عليهم من الإسلام، وقالوا له: (49) إنا قد تركنا قومَنا ولا قومَ بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسَى الله أن يجمعهم بك، وسنَقْدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين؛ فإن يجمعهم الله عليه، فلا رجلَ أعزّ منك.

ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدّقوا = وهم فيما ذكر لي ستة نفر.

قال: فلما قدموا المدينة على قومهم، ذكرُوا لهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فَشا فيهم، فلم تَبقَ دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حتى إذا كان العامُ المقبل، وافى الموسمَ من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيْعَة النساء، (50) وذلك قبل أن تُفترَض عليهم الحرب.

(51) 7587- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة: أنه لقىَ النبي صلى الله عليه وسلم ستةُ نفرٍ من الأنصار فآمنوا به وصدّقوه، فأراد أن يذهبَ معهم، فقالوا: يا رسول الله، إن بين قومنا حربًا، وإنا نخافُ إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريدُ.

فوعدوه العامَ المقبلَ، وقالوا: يا رسول الله، نذهب، فلعلّ الله أن يُصْلح تلك الحرب!

قال: فذهبوا ففعلوا، فأصلح الله عز وجل تلك الحرب، وكانوا يُرَوْن أنها لا تَصْلُح = وهو يوم بُعاث.

فلقوه من العام المقبل سبعينَ رجلا قد آمنوا، فأخذ عليهم النقباءَ اثني عشر نقيبًا، فذلك حين يقول: " واذكروا نعمة الله عليكم إذْ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم ".

7588- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما: " إذ كنتم أعداء "، ففي حرب ابن سُمَير (52) =" فألف بين قلوبكم "، بالإسلام.

7589- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بنحوه = وزاد فيه: فلما كان من أمر عائشة ما كان، (53) فتثاوَر = الحيَّان، فقال بعضهم لبعض: مَوْعدُكم الحَرَّة!

فخرجوا إليها، فنـزلت هذه الآيةُ: " واذكروا نعمةَ الله عليكم إذْ كنتم أعداء فألَّف بين &; 7-83 &; قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا "، الآية.

فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يتلوها عليهم حتى اعتنق بعضهم بعضًا، وحتى إن لهم لخنينًا = يعني البكاءَ.

(54) * * * " وسُمَير " الذي زعم السدي أن قوله " إذ كنتم أعداء " عنى به حربه، هو سُمير بن زيد بن مالك، (55) أحد بني عمرو بن عوف الذي ذكره مالك بن العجلان في قوله: إنَّ سُــــمَيْرًا أَرُى عَشِــــيرَتَهُ قَــدْ حَــدِبُوا دُونَــهُ وَقَـدْ أنِفُـوا (56) إنْ يَكًــنِ الظَّــنُّ صَــادِقِي بَبَنِـي النَّجَّـارِ لَـمْ يَطْعَمُـوا الَّـذِي عُلِفُـوا (57) وقد ذكر علماء الأنصار: أنّ مبدأ العداوة التي هيَّجت الحروب التي كانت بين قبيلتَيها الأوسِ والخزرجِ وأوَّلها، كان بسبب قتل مَولى لمالك بن العجلان الخزرجيّ، يقال له: " الحرُّ بن سُمَير " من مزينة، (58) وكان حليفًا لمالك بن العجلان، ثم اتصلت تلك العداوة بينهم إلى أن أطفأها الله بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

فذلك معنى قول السدي: " حرْب ابن سمير ".

* * * وأما قوله: " فأصبحتم بنعمته إخوانًا "، فإنه يعني: فأصبحتم بتأليف الله عز وجل بينكم بالإسلام وكلمة الحق، والتعاون على نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانًا متصادقين، لا ضغائن بينكم ولا تحاسد، كما:- 7590- حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، &; 7-85 &; قوله: " فأصبحتم بنعمته إخوانًا "، وذكر لنا أن رجلا قال لابن مسعود: كيف أصبحتم؟

قال: أصبحنا بنعمة الله إخوانًا.

* * * القول في تأويل قوله : وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه " وكنتم على شفا حفرة من النار "، وكنّتم، يا معشر المؤمنين، من الأوس والخزرج، على حرف حُفرةٍ من النار.

وإنما ذلك مثَلٌ لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام.

يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرَف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه قبل أن يُنعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له.

* * * و " شفا الحفرة "، طرفها وَحرفها، مثل " شفا الركيَّة والبئر "؛ ومنه قول الراجز: نَحْــنُ حَفَرنَــا لِلْحَجــيِجِ سَـجْلَهْ نَابِتَـــةٌ فَــوْقَ شَــفَاهَا بَقْلَــةْ (59) يعني: فوق حرفها.

يقال: " هذا شفا هذه الركية " مقصور " وهما شفواها " * * * وقال: " فأنقذكم منها "، يعني فأنقذكم من الحفرة، فردّ الخبر إلى " الحفرة "، وقد ابتدأ الخبر عن " الشفا "، لأن " الشفا " من " الحفرة ".

فجاز ذلك، إذ كان الخبر عن " الشفا " على السبيل التي ذكرها في هذه الآية = خبرًا عن " الحفرة "، كما قال جرير بن عطية: رَأَتْ مَــرَّ السِّــنِينَ أَخَـذْنَ مِنَّـي كمــا أخَـذ السِّـرَارُ مِـنَ الهِـلالِ (60) فذكر: " مر السنين "، ثم رجع إلى الخبر عن " السنين "، وكما قال العجاج: (61) طُـولُ اللَّيَـالِي أَسْـرَعَتْ فِـي نَقْضِي طَــوَيْنَ طـولِي وَطَـوَيْنَ عَـرْضِي (62) وقد بيَّنتُ العلة التي من أجلها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبل.

(63) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل، قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 7591- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته "، كان هذا الحيّ من العرب أذلَّ الناس ذُلا وأشقاهُ عيشًا، (64) وأبْيَنَه ضلالة، وأعراهُ جلودًا، وأجوعَه بطونًا، مَكْعُومين (65) على رأس حجر بين الأسدين فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه.

مَنْ عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات رُدِّي في النار، (66) يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظًّا، وأدق فيها شأنًّا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورَّثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، (67) وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس.

وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نِعمَه، فإن ربكم منعِمٌ يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك.

7592- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله: " وكنتم على شفا حفرة من النار "، يقول: كنتم على الكفر بالله، =" فأنقذكم منها "، من ذلك، وهداكم إلى الإسلام.

7593- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها "، بمحمد صلى الله عليه وسلم يقول: كنتم على طرَف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، (68) فبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فاستنقذكم به من تلك الحفرة.

7594- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا حسن بن حيّ: " وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " قال: عصبية.

(69) * * * القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " كذلك "، كما بيَّن لكم ربكم في هذه الآيات، أيها المؤمنون من الأوس والخزرج، من غِلّ اليهود الذي يضمرونه لكم، (70) وغشهم لكم، وأمره إياكم بما أمركم به فيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والحال التي كنتم عليها في جاهليتكم، والتي صرتم إليها في إسلامكم،= (71) مُعَرِّفَكم في كل ذلك مواقع نعمة قِبَلكم، وصنائعه لديكم،= (72) فكذلك يبين سائر حججه لكم في تنـزيله وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

=" لعلكم تهتدون "، يعني: لتهتدوا إلى سبيل الرشاد وتسلكوها، فلا تضِلوا عنها.

(73) ------------------ الهوامش : (22) انظر تفسير"الاعتصام" فيما سلف قريبا ص: 62 ، 63.

(23) ديوانه: 24 ، ومشكل القرآن: 358 ، والمعاني الكبير: 1120 ، واللسان (حبل) وغيرها.

من قصيدته في قيس بن معد يكرب ، ومضت منها أبيات في 4 : 238 ، 327 ، وهذا البيت في ذكر ناقته ، يقول قبله: فَتَرَكْتُهــا بَعْــدَ المِــرَاحِ رَذِيــةً وَأَمِنْــتُ عِنْـــدَ رُكُوبِهَـا إِعْجَالَهـا فَتَنَــاوَلتْ قَيْسًــا بِحُــرِّ بِــلادِه فأتَتْـــهُ بَعْــدَ تَنُوفَــةٍ فأَنَالَهَــا فــــإِذَا تُجَوِّزُهَـــا............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وقد مضى قبل مثل هذا البيت الأخير ص: 62 ، تعليق: 2 إلَــى المــرءِ قيسٍ أُطِيـلُ السُّـرَى وَآخــذُ مــن كُــلّ حَـيٍّ عُصُـمْ يقول: إذا أخذت من قبيلة عهودها حتى أجتاز ديارها آمنًا ، أعطتها القبيلة التي تليها عهدًا وذمامًا أن تخترق ديارها آمنة لا ينالها أحد بسوء.

وذلك أن القبائل كلها ترهب قيسًا وتخافه ، فكل قاصد إليه ، أجد الأمان حيث سار ، لأنه بقصده قيسًا جار له ، لا يطيق أحد أن يناله بسوء.

(24) الأثر: 7566- رواه في مجمع الزوائد بغير هذا اللفظ ، وهو قريب منه.

ونسبه إلى الطبراني وقال: "رواه عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ، وهو ضعيف".

وهذا الذي رواه الطبري إسناد صحيح.

(25) الحديث: 7572- عبد الملك بن أبي سليمان العرزمى -بسكون الراء ثم زاي مفتوحة- أحد الأئمة: مضى توثيقه: 1455.

عطية: هو ابن سعد بن جنادة -بضم الجيم- العوفي.

وقد بينا في : 305 أنه ضعيف.

وقد سقط من المخطوطة والمطبوعة هنا قوله [عن عطية].

وزدناه من نقل ابن كثير 2 : 203 ، عن هذا الموضع من الطبري.

ثم الحديث -من حديث أبي سعيد- يدور في كل ما رأينا من طرقه على عطية العوفي ، كما سيأتي: فرواه أحمد في المسند: 11229 ، 11582 (ج3ص 26 ، 59 حلبي) ، عن ابن نمير ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد ، بنحوه ، مرفوعًا مطولا.

ورواه أيضا: 11120 (ج 3 ص 14) ، من طريق إسماعيل بن أبي إسحاق الملائي ، عن عطية.

ورواه أيضا: 11148 (ج 3 ص 17) ، عن أبي النضر ، عن محمد بن طلحة ، عن الأعمش عن عطية العوفي.

وكذلك رواه الترمذي 4 : 343 ، من طريق محمد بن فضيل ، عن الأعمش ، عن عطية ، عن أبي سعيد -وعن الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن زيد بن أرقم ، مرفوعًا ، نحوه مطولا.

فهو عنده عن أبي سعيد وعن زيد بن أرقم.

ثم قال: "هذا حديث حسن غريب".

فأما حديث أبي سعيد ، فقد بينا أنه ضعيف ، من أجل عطية العوفي.

وأما حديث زيد بن أرقم ، فإنه حديث صحيح.

وهو قطعة من قصة مطولة ، رواها أحمد في المسند 4 : 366 - 367 (حلبي).

ورواها مسلم 2 : 237 - 238 ، مطولة ومختصرة.

وروى ابن حبان في صحيحه ، رقم: 123 (بتحقيقنا) - قطعة منه ، فيها أن"كتاب الله ، هو حبل الله".

ثم نعود لحديث أبي سعيد: فذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 163 ، مطولا ، بنحو رواية الترمذي.

ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط.

وفي إسناده رجال مختلف فيهم"!

ولست أدرى ، لم ذكره في الزوائد ، وهو في الترمذي؟

ثم لم ترك نسبته للمسند ، وهو مروي فيه أربع مرات؟!

وذكره السيوطي 2: 60 ، مختصرًا كما هنا.

ولم ينسبه إلا لابن أبي شيبة وابن جرير.

ثم ذكر الرواية المطولة عن أبي سعيد.

ونسبه لابن سعد ، وأحمد ، والطبراني.

(26) في المخطوطة"وتكونوا عليه إخوانا" ، والصواب ما في المطبوعة ، والدر المنثور 2 : 61 (27) الحديث: 7577- يزيد الرقاشي: هو يزيد أبان ، أبو عمرو ، البصري القاص.

وقد أشرنا في شرح: 6654 ، 6728 إلى أنه ضعيف.

وقال البخاري في الكبير 4 / 2 / 320: "كان شعبة يتكلم فيه" ، وقال النسائي في الضعفاء: "متروك" ، وقال ابن سعد 7 / 2 / 13: "كان ضعيفًا قدريًا".

والحديث رواه ابن ماجه: 3993 ، من طريق الوليد بن مسلم: "حدثنا أبو عمرو [هو الأوزاعي] ، حدثنا قتادة ، عن أنس.

فذكره نحوه مرفوعًا ، ولكن آخره عنده: "كلها في النار إلا واحدة ، وهي الجماعة".

وقال البوصيري في زوائده: "إسناده صحيح.

رجاله ثقات".

وهو كما قال.

فيكون الأوزاعي رواه عن شيخين ، أحدهما ضعيف ، والآخر ثقة.

وأن الضعيف -يزيد الرقاشي- زاد الاستشهاد بالآية.

ولا بأس بذلك ، فالمعنى قريب.

وذكره السيوطي 2 : 60 ، وزاد نسبته لابن أبي حاتم.

(28) الحديث: 7578- هذا الحديث تكرار للحديث قبله.

وعبد الكريم بن أبي عمير - شيخ الطبري: ذكره الذهبي في الميزان 2 : 144 بلقب"للدهان" ، وقال: "فيه جهالة.

والخبر منكر".

يريد حديثًا آخر ، بينه الحافظ في لسان الميزان 4 : 50 - 51 ، عن تاريخ بغداد.

في ترجمة رجل آخر.

وهو في تاريخ بغداد 3 : 242.

وفيه اسم هذا الشيخ في ذاك الإسناد: "عبد الكريم بن أبي عمير الدهقان".

ولم أجد له ترجمة ولا ذكرًا في موضع آخر.

(29) الأثر: 7579-"ثابت بن قطبة المدني الثقفي" ، مترجم في الكبير 1 / 2 / 168 ، والجرح 1 / 1 / 457 ، قال البخاري: "سمع ابن مسعود ، روى عنه أبو إسحاق ، والشعبي" وزاد ابن أبي حاتم: "وزياد بن علاقة ، وسالم بن أبي الجعد".

وكان في المطبوعة في هذا الموضع وفي الأثرين التاليين"ثابت بن قطنة" بالنون من"قطنة" ، وهو خطأ.

وفي المخطوطة في هذا الأثر"فطنه" غير منقوطة ، ونقطت الباء في الأثرين التاليين.

وفي المخطوطة والمطبوعة: "المرى" في هذا الأثر وفي رقم: 7581 ، والصواب"المدني" كما أثبته ، وثابت ثقفي ، لا مرى.

(30) الأثر: 7580- في المطبوعة: "عبد الحميد بن بيان اليشكري" ، وهو خطأ ، والصواب المخطوطة.

وقد سلف مثل هذا الخطأ في رقم: 7378 ، فانظر التعليق عليه.

(31) الأثر: 7581-"إسماعيل بن حفص بن عمرو الأبلى ، أبو بكر الأودي البصري ، و"الأبلي" (بضم الهمزة والباء الموحدة ، واللام المشددة المكسورة) نسبة إلى"الأبلة".

وفي بعض الكتب"الأيلي" بالياء.

روى عن أبيه ، وحفص بن غياث ، ومعتمر بن سليمان وغيرهم.

روى عنه النسائي وابن ماجه ، وابن خزيمة وجماعة.

وسمع منه أبو حاتم ، قال ابن أبي حاتم: "وسألت أبي عنه فقال: كتبت عنه وعن أبيه ، وكان أبوه يكذب ، وهو بخلاف أبيه.

قلت: لا بأس به؟

قال: لا يمكنني أن أقول لا بأس به".

وذكره ابن حبان في الثقات.

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 165.

(32) في المطبوعة: "أي بشرككم" ، وليست بشيء ، وفي المخطوطة"أي شرككم" ولا معنى لها ، وفيها زيادة ألف"أي" ، و"ى" هي"في" فالذي أثبته هو الصواب والسياق.

(33) الأثر: 7584- لم أستطع أن أهتدي إلى مكانه من سيرة ابن هشام في هذه الساعة.

(34) في المطبوعة: "إن هذا الكلام" ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام.

(35) الأثر: 7585- سيرة ابن هشام 2: 67 - 69.

(36) في المطبوعة: "الحسين بن عبد الرحمن ..." ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة وسيرة ابن هشام ، وهو مترجم في التهذيب.

(37) في المطبوعة: "محمود بن أسد" ، وهو خطأ ، صوابه في المخطوطة ، ولم يحسن الناشر قراءتها لخلوها من النقط ، وصوابه أيضًا في ابن هشام.

و"محمود بن لبيد الأشهلي" تابعي ، واختلف في صحبته.

مترجم في التهذيب.

(38) في المطبوعة والمخطوطة: "أبو الجيش أنس بن رافع" ، وهو خطأ فاحش ، صوابه من سيرة ابن هشام 2: 69 ، وسائر كتب التاريخ.

(39) في المخطوطة والمطبوعة: "على قوم من الخزرج" ، والصواب ما في سيرة ابن هشام.

كما أثبت.

(40) في المخطوطة: "أن يعبدون الله.

.

." سهو من الناسخ ، وفي ابن هشام"أدعوهم إلى أن يعبدوا الله".

(41) غلام حدث (بفتح الحاء وضم الدال): كثير الحديث حسن السياق له.

(42) في المطبوعة: "فأخذ أبو الجيش" ، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام.

(43) في المخطوطة والمطبوعة: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الموسم.

.

." بإسقاط"في" وأثبتها من ابن هشام.

وفي ابن هشام: "فعرض نفسه" بالفاء ، وما في مخطوطة الطبري ، جيد (44) في المطبوعة: "لهم خيرًا" ، والصواب من المخطوطة وابن هشام.

(45) "موالي يهود": أي من حلفائهم ، والمولي: الحليف.

(46) هذا هو النص الصحيح ، لما أثبت ناشر سيرة ابن هشام ، مخالفا أصول السيرة ، وما جاء هنا.

(47) في ابن هشام: "وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان" ، وما في الطبري صواب أيضا.

(48) في المطبوعة والمخطوطة: "ولا يسبقنكم" بالواو ، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.

(49) في المطبوعة والمخطوطة: "قالوا" بإسقاط الواو ، والصواب ما في سيرة ابن هشام.

(50) بيعة النساء ، هي البيعة المذكورة في [سورة الممتحنة: 12] ، ونصها فيما رواه ابن إسحاق بإسناديه عن عبادة بن الصامت أنه قال (ابن هشام 2 : 75 ، 76): "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيلَةَ العقبة الأولى على أن لا نُشْرك بالله شيئًا ، ولا نَسْرِق ، ولا نزني ، ولا نقتُل أولادَنا ، ولا نأتي ببُهْتانٍ نَفتريهِ من بين أيدينا وأرجُلنا ، ولا نَعْصِيه في معروفٍ = فإِن وَفَيْتُم ، فلكُمُ الجنَّة.

وإن غَشِيتُم من ذلك شيئًا فأُخِذْتم بحدِّه في الدنيا ، فهو كفَّارةٌ لكم.

وإن سترتُم عليه إلى يوم القيامة ، فأمركم إلى الله ، إن شاءَ عذب وإن شاءَ غفر".

وهذه بيعة لم يذكر فيها القتال والجهاد ، مما كتبه الله على الرجال دون النساء ، ولذلك سميت بيعة النساء ، لأنها مطابقة لبيعتهن المذكورة في سورة الممتحنة.

(51) الأثر: 7586- سيرة ابن هشام 2 : 69 - 73 ، وهو تابع الأثر السالف رقم: 7585.

(52) في المخطوطة والمطبوعة"ففي حرب فألف ..." أسقط"ابن سمير" ، وسيأتي نص قول السدي ، كما أثبته بعد ص 83 س : 3.

(53) يعني ما كان من حديث الإفك في أمر عائشة أم المؤمنين ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الناس فذكر لهم رجالا يؤذونه في أهله ويقولون عليهن غير الحق ، وتولى كبر ذلك رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول في رجال من الخزرج.

فقام أسيد بن حضير الأوسي فقال: يا رسول الله ، إن يكونوا من الأوس نكفيكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج ، فمرنا بأمرك ، فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم.

فقام سعد بن عبادة الخزرجي ، فقال: كذبت لعمر الله ، لا تضرب أعناقهم!

أما والله ما قلت هذه المقالة إلا لأنك عرفت أنهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا!

فقال أسيد بن الحضير: كذبت لعمر الله: ولكنك منافق تجادل عن المنافقين!

وتثاور الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر (تاريخ الطبري 3: 69).

هذا ولم أجد ذكر هذا الخبر في كتاب ، ولم أجد في كتب أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها ، ولا ما كان يومئذ بين الأوس والخزرج.

ولم يذكر ذلك أبو جعفر مصرحًا في هذا الموضع ، ولا ذكر ذلك في تفسير سورة النور ، حيث آيات حديث الإفك وبراءة عائشة أم المؤمنين.

(54) في المطبوعة: "لحنينًا" بالحاء ، وأما في المخطوطة ، فإن الناسخ على غير عادته نقط حروفها المعجمة جميعًا ، كما أثبتها ، وهو الصواب المحض.

والخنين: تردد البكاء في الأنف والخياشيم حتى يصير في الصوت مثل الغنة ، لكتمان البكاء من ألم وحياء وخجل.

وقد ورد في كثير من الأحاديث من ذلك: "أنه كان يسمع خنينه في الصلاة" ، وفي حديث أنس: "فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ، لهم خنين".

(55) في الأغاني 3 : 40"سمير بن يزيد بن مالك" ، وذكر في 3 : 21 أنه أخو"درهم بن يزيد بن ضبيعة" ، وقد رجحت في التعليق على طبقات فحول الشعراء لابن سلام: 247 تعليق: 6 أنه"درهم بن يزيد بن مالك" من بني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمر بن عوف.

وقد جاء في المطبوعتين"درهم بن زيد" كما جاء هنا في ذكر أخيه"سمير بن زيد".

(56) جمهرة أشعار العرب: 122 ، والأغاني 20 ، واللسان (سمر) وهذا البيت والذي يليه كتب في المطبوعة بالقاف"أبقوا" ثم"علقوا" وهما في المخطوطة غير منقوطتين ، وأوقعهم في ذلك النقط ما جاء في اللسان (سمر) ، "أبقوا" بالباء والقاف ، وهو خطأ محض ينبغي تصحيحه.

فقصيدة مالك فائية لا شك فيها.

رواها صاحب جمهرة أشعار العرب بطولها ، ورواها أبو الفرج ، وروى معها نقائضها ، لدرهم بن يزيد ، ثم لقيس بن الخطيم ، فيما بعد هذه الحرب بدهر ، ورد حسان بن ثابت عليه ومناقضته له.

وخبر هذا الشعر طويل ، هو في الأغاني 3 : 18 - 26 ، ثم 39 - 42.

ثم انظر ما قاله الطبري بعد الأبيات.

وقوله: "حدبوا دونه" ، يقال: "حدب عليه" ، إذا تعطف عليه وحنا عليه.

وقوله: "دونه" ، عني أنهم عطفوا عليه وحاموا دونه ليمنعوه.

وقوله: "أنفوا" ، يقال: "أنف الرجل من الشيء يأنف أنفا" ، إذا حمى وغضب ، وأخذته الغيرة من أن يضام.

وكان سمير هذا هو الذي قتل الرجل الثعلبي جار مالك بن العجلان -في خبر الحرب- فطالب مالك بني عمرو بن عوف أن يرسلوا إليه سميرًا ليقتله بجاره ، أو يأخذ الدية كاملة ، فأبى أولئك ، وأبى مالك ، وحدب بنو عمرو بن عوف على صاحبهم سمير ، واستنفر مالك قبائل الخزرج ، فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره ، فقال هذه الأبيات يحرض بني النجار على نصرته.

(57) في رواية الجمهرة والأغاني: "صادقا" ، وهما سواء.

وفي شرح هذا البيت قال أبو الفرج في أغانيه: "علفوا الضيم: إذا أقروا به.

أي ظني أنهم لا يقبلون الضيم" ، وهذا مجاز قلما تظفر بتفسيره في كتب اللغة.

وقد جاء مثل ذلك في هذا المعنى من قول سبيع بن زرارة ، أو خالد بن نغسلة (الحماسة 1: 186).

إِذَا كُـنْتَ فـي قـومٍ عِدًى لَسْتَ مِنْهُمُ فَكُـلْ مَـا عُلِفْـتُ مـن خبيثٍ وطيِّبِ وقول العباس بن مرداس (الحماسة 1 : 225).

ولا تَطْعَمَــنْ مــا يَعْلِفٌـونَك إنَّهُـمْ أَتَــوْكَ عُــلىْ قُرْبَــاهُمْ بِـالمُثَمَّلِ وكأنهم يريدون بذلك: ما يقدم إليك ، مما يكون حسن الظاهر كأنه رعاية وكرم ، خبيث الباطن يراد به الأذى والضيم ، واستعملوا"العلف" لأنه كالاستغفال لمن يقدم إليه ، كأنه بهيمة لا تدرك الخفي الباطن.

هذا وقد ترك ناشرو هذا التفسير هذين البيتين على حالهما من التصحيف.

ثم جاء بعض المعلقين ، فكتب ما لا قبل لذي عقل بقبوله ، إلا على قول القائل: "فكل ما علفت"!

(58) لست على ثقة من هذا الاسم"الحر بن سمير" ، ولكني لم أجده في مكان آخر ، والذي يقولونه في غير هذا الخبر أن اسمه"كعب بن العجلان" ، ويقال غير ذلك.

(59) لم أجد هذا الرجز بهذه الرواية في كتاب غير هذا التفسير.

أما "سجلة" فهي بئر المطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، ويقال حفرها عدي بن نوفل ، ويقال حفرها هاشم بن عبد مناف ، ويقال حفرها قصى.

وقد ذكرها ابن هشام في سيرته 2 : 157 ، والأزرقي في تاريخ مكة 1 : 64 ، 65 / 2 : 175 ، 176 ، والبلاذري في فتوح البلدان: 55 ، 56 ، والبكري في معجم ما استعجم: 724 ، ومعجم البلدان (سجلة) ، والروض الأنف 1 : 101 ، وذكرها المصعب في نسب قريش: 31 ، 197 ، ولم يذكر اسمها بل قال: "سقاية عدي ، التي بالمشعرين ، بين الصفا والمروة ، وفيها يقول مطرود الخزاعي ، يمدح عدى بن نوفل: وَمَــا النِّيـلُ يَـأْتِي بالسَّـفِينِ يَكُفُّـه بـأَجْوَدَ سَـيْبًا مـن عَـدِىّ بـن نَوْفَل وأنبطْــتَ بيـن المَشْـعَرَيْنِ سِـقايةً لِحُجَّــاجِ بَيْـتِ اللـه أفْضَـلَ مَنْهَـلِ ونسب أبو الفرج في أغانيه 13 : 5 هذا الشعر لقيس بن الحدادية من أبيات.

وأما الرجز الذي يشبه هذا وذكروه في المراجع السالفة ، فقد اختلف في نسبته ، إلى قصى ، وإلى خلدة بنت هاشم ، تقول: نَحْــنُ وَهَبْنَــا لِعَــدِىٍّ سَــجْلَهْ فــي تُرْبــةٍ ذَاتِ عَــذَاةٍ سَــهْلَهْ تُــرْوِى الحَجِــيج زُغْلَـةً فزُغْلَـهْ أي جرعة فجرعة.

ولم يتيسر لي تحقيق ذلك الآن بأكثر من هذا (60) ديوانه: 426 ، مجاز القرآن: 98 ، الكامل 1 : 324 ، وغيرها ، وسيأتي في التفسير 12 : 94 / 13 : 109 / 19 : 39 (بولاق) ، من قصيدة يهجو الفرزدق ، لم تذكر في نقائضهما ، يقول قبل البيت: دَعِينــي، إِنَّ شَــيْبى قَــدْ نَهَـانِي وَتَجْــرِيبِى، وَشَــيْبِى، وَاكْتِهَــالِى رَأَتْ مَــــرَّ السِّـــنِينِ .........

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وَمَـنْ يَبْقَـى عَـلَى غَـرَضِ المَنَايـا وَأَيَّـــامٍ تَمُــرُّ مَــعَ اللَّيّــالِي?!

والسرار (بكسر السين وفتحها): آخر ليلة من الشهر ، ليلة يستسر القمر ، أي يختفي ، وأراد جرير بالسرار في هذا البيت: نقصان القمر حتى يبلغ آخر ما يكون هلالا ، حتى يخفى في آخر ليلة ، فهذا النقصان هو الذي يأخذ منه ليلة بعد ليلة ، أما "السرار" الذي شرحه أصحاب اللغة ، فهو ليلة اختفاء القمر ، وذلك لا يتفق في معنى هذا البيت.

(61) وينسب للأغلب العجلى ، كما سترى في المراجع ، وقال أبو محمد الأعرابي في فرحة الأديب."ليس هذا الرجز للأغلب ، هو لغيره ، من شوارد الرجز".

(62) ديوان العجاج: 80 ، سيبويه 1: 26 ، كتاب المعمرين: 87 ، الأغاني 18: 164 ، والبيان والتبيين 4: 60 ، والخزانة 2: 168 ، العيني (هامش الخزانة) 3: 395 ، وشرح شواهد المغنى: 298 وغيرها.

وقد اختلفت في رواية الرجز اختلاف كثير.

ورواية أبي محمد الأعرابي: أَصْبَحْـتُ لا يَحْـمِـلُ بَعْضِـي بَعْضِي مُنَفَّهًـــا، أَرُوح مِثْـــلَ النِّقْــضِ مَــــرُّ اللَّيــــالي.............

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

ثُـمَّ الْتَحَـيْنَ عَـنْ عِظـامِي نَحْـضِى أَقْعِـدْنَنِي مِـنْ بَعْـدِ طُـول نَهْضِــي المنفه: الذي عليه الكلال والإعياء.

والنقض: البعير المهزول.

التحى العود من الشجر: قشر عنه لحاءه ، وهو قشره.

والنحض: اللحم.

يقول: تركته الليالي عظامًا ، قد أكلت لحمه.

(63) 5: 77 ، 78.

(64) قوله: "وأشقاه عيشًا ، وأبينه ضلالة.

.

." مع عودة الضمير إلى"الناس" ، لأن ضمير المثنى والجمع بعد"أفعل" التفضيل ، يجوز إفراده وتذكيره ، انظر ما سلف من التعليق على الآثار رقم: 5968 ، 6129 ، 7028 ، 7029.

(65) في المطبوعة: "معكومين" ، والصواب من المخطوطة: كعم فم البعير وغيره شد فاه في هياجه لئلا يعض.

ومنه قيل: "كعمه الخوف فهو مكعوم" ، أمسك فاه ، ومنعه من النطق ، وفي حديث على: "فهم بين خائف مقموع ، وساكت مكعوم" ، وفي شعر ذى الرمة يصف صحراء بعيدة الأرجاء ، يخافها سالكها: بَيْـنَ الرَّجَـا والرَّجَا من جَنْبِ واصِيَةٍ يَهْمَــاءَ، خَابِطُهَـا بـالخوف مَكْعُـومُ (66) ردى في النار: ألقى فيها.

(67) هكذا جاءت الجملتان في المخطوطة ، ولست على ثقة من صوابهما ، ولا أدري ما يعني بقوله: "دار الجهاد" ، والذي نعرف أن الإسلام جاء فأحله للمجاهدين هو"الغنائم" غنائم الحرب والجهاد.

فأخشى أن يكون في الكلام تحريف.

وقوله: "ووضع لكم به من الرزق" كأنه يعني بقوله: "وضع" بسط ، كما فسروه في حديث التوبة: "إن الله واضع يده لمسيء الليل ليتوب بالنهار ، ولمسيء النهار ليتوب بالليل" ، أي بسط ، كما جاء في الرواية الأخرى: "إن الله باسط يده.

.

.".

(68) أوبقه: أهلكه ، وقوله: "أوبق" بالبناء للمجهول.

(69) الأثر: 7594-"الحسن بن حي" ، هو: "الحسن بن صالح بن صالح بن حي ، وهو حيان ، الهمداني" قال البخاري: "يقال: حي ، لقب" ، وكان في المطبوعة: "حسن بن يحيى" ، والصواب في المخطوطة ، وهو مترجم في التهذيب.

(70) في المطبوعة: "من علماء اليهود.

.

." ، وهو فاسد جدًا ، والصواب في المخطوطة ، ولكنه لم يحسن قراءتها"من عل" غير منقوطة.

والغل (بكسر الغين): الحقد الدفين.

(71) سياق الجملة: كما بين لكم في هذه الآيات.

.

.

من غل اليهود.

.

.

ومن غشهم.

.

.

ومن أمره.

.

.

ومن نهيه.

.

.

ومن الحال التي كنتم عليه.

.

." معطوف بعضه على بعض.

(72) في المطبوعة: "يعرفكم" بالياء في أوله ، والصواب ما في المخطوطة ، وهو منصوب الفاء ، نصب على الحال.

(73) عند هذا الموضع ، انتهى الجزء الخامس من مخطوطتنا ، وفي آخره ما نصه: "نَجَز الجزء الخامس من كتاب البيان ، بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه ، أعان الله على ما بعده بمنه وكرمه ، وخفىّ لطفه وسعة رحمته ، إنه وَلِيّ ذلك والقادرُ عليه.

يتلوه في السادس إنْ شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: "وَلْتَكُنْ منكُمْ أمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولئكَ هُمُ المُفْلِحُون".

* * * وكان الفراغُ منه في شهر الله المحرّم غُرّة سنة خمس عشرة وسبعمئة ، أحسن الله تَقَضِّيها وخاتمتها في خيرٍ وعافية ، بمنّه وكرمه ولطفه - على يدِ العبد الفقير إلى رحمة مولاه ، الغنيِّ به عمن سواه: علىّ بن محمد بن عباد (أو: عنان) بن عبد الصمد بن صالح الديدبلى (؟؟) الشافعي ، غفر الله له ولوالديه ، ولصاحب هذا الكتاب ، ولمن قرأ فيه ودعا لهم بالتوبة والمغفرة ورضى الله تعالى والجنة ، ولجميع المسلمين.

وذلك بالقاهرة المحروسة ، بحارة العطوفة.

الحمد لله رب العالمين" ثم يتلوه الجزء السادس ، وأوله: "بسم الله الرحمن الرحيم ربّ أعِنْ"

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدونفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : واعتصموا العصمة المنعة ; ومنه يقال للبذرقة : عصمة .

والبذرقة : الخفارة للقافلة ، وذلك بأن يرسل معها من يحميها ممن يؤذيها .

قال ابن خالويه : البذرقة ليست بعربية وإنما هي كلمة فارسية عربتها العرب ; يقال : بعث السلطان بذرقة مع القافلة .

والحبل لفظ مشترك ، وأصله في اللغة السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة .

والحبل : حبل العاتق .

والحبل : مستطيل من الرمل ; ومنه الحديث : والله ما تركت من حبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج ; والحبل الرسن .

والحبل العهد ; قال الأعشى :وإذا تجوزها جبال قبيلة أخذت من الأخرى إليك حبالهايريد الأمان .

والحبل الداهية ; قال كثير :فلا تعجلي يا عز أن تتفهمي بنصح أتى الواشون أم بحبول[ ص: 151 ] والحبالة : حبالة الصائد .

وكلها ليس مرادا في الآية إلا الذي بمعنى العهد ; عن ابن عباس .

وقال ابن مسعود : حبل الله القرآن .

ورواه علي وأبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك .

وأبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا القرآن هو حبل الله .

وروى تقي بن مخلد حدثنا يحيى بن الحميد حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا قال : الجماعة ; روي عنه وعن غيره من وجوه ، والمعنى كله متقارب متداخل ; فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة .

ورحم الله ابن المبارك حيث قالإن الجماعة حبل الله فاعتصموا منه بعروته الوثقى لمن داناالثانية : قوله تعالى : ولا تفرقوا يعني في دينكم كما افترقت اليهود والنصارى في أديانهم ; عن ابن مسعود وغيره .

ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة ، وكونوا في دين الله إخوانا ; فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر ; ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا .

وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع ; فإن ذلك ليس اختلافا إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع ، وأما حكم مسائل الاجتهاد فإن الاختلاف فيها بسبب استخراج الفرائض ودقائق معاني الشرع ; وما زالت الصحابة يختلفون في أحكام الحوادث ، وهم مع ذلك متآلفون .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اختلاف أمتي رحمة ) وإنما منع [ ص: 152 ] الله اختلافا هو سبب الفساد .

روى الترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة ، والنصارى مثل ذلك ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة .

قال الترمذي : هذا حديث صحيح .

وأخرجه أيضا عن ابن عمر قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه سلم : ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى لو كان منهم من يأتي أمه علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وإن بني إسرائيل تفرقت اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا : من هي يا رسول الله ؟

قال : ما أنا عليه وأصحابي .

أخرجه من حديث عبد الله بن زياد الإفريقي ، عن عبد الله بن يزيد عن ابن عمر ، وقال : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

قال أبو عمر : وعبد الله الإفريقي ثقة وثقه قومه وأثنوا عليه ، وضعفه آخرون .

وأخرجه أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى ، الله عليه وسلم : قال ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أفواج تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله .

وفي سنن ابن ماجه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله عنه [ ص: 153 ] راض .

قال أنس : وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء ، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما نزل ، يقول الله : فإن تابوا قال : خلعوا الأوثان وعبادتها وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وقال في آية أخرى : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين .

أخرجه عن نصر بن علي الجهضمي عن أبي أحمد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس .

قال أبو الفرج الجوزي : فإن قيل هذه الفرق معروفة ; فالجواب أنا نعرف الافتراق وأصول الفرق وأن كل طائفة من الفرق انقسمت إلى فرق ، وإن لم نحط بأسماء تلك الفرق ومذاهبها ، فقد ظهر لنا من أصول الفرق الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية .

وقال بعض أهل العلم : أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست ، وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتي عشرة فرقة ، فصارت اثنتين وسبعين فرقة .انقسمت الحرورية اثنتي عشرة فرقة ; فأولهم الأزرقية .

قالوا : لا نعلم أحدا مؤمنا ; وكفروا أهل القبلة إلا من دان بقولهم .

والإباضية .

قالوا : من أخذ بقولنا فهو مؤمن ، ومن أعرض عنه فهو منافق .

والثعلبية .

قالوا : إن الله عز وجل لم يقض ولم يقدر .

والخازمية .

قالوا : لا ندري ما الإيمان ، والخلق كلهم معذورون .

والخلفية ، زعموا أن من ترك الجهاد من ذكر أو أنثى كفر .

والكوزية ، قالوا : ليس لأحد أن يمس أحدا ، لأنه لا يعرف الطاهر من النجس ولا أن يؤاكله حتى يتوب ويغتسل .

والكنزية .

قالوا : لا يسع أحدا أن يعطي ماله أحدا ; لأنه ربما لم يكن مستحقا بل يكنزه في الأرض حتى يظهر أهل الحق .

والشمراخية .

قالوا : لا بأس بمس النساء الأجانب لأنهن رياحين .

والأخنسية .

قالوا : لا يلحق الميت بعد موته خير ولا شر .

والحكمية .

قالوا : من حاكم إلى مخلوق فهو كافر .

والمعتزلة .

قالوا : اشتبه علينا أمر علي ومعاوية فنحن نتبرأ من الفريقين .

والميمونية .

قالوا : لا إمام إلا برضا أهل محبتنا .وانقسمت القدرية اثنتي عشرة فرقة : الأحمرية .

وهي التي زعمت أن في شرط العدل من الله أن يملك عباده أمورهم ، ويحول بينهم وبين معاصيهم .

والثنوية ، وهي التي زعمت أن الخير من الله والشر من الشيطان .

والمعتزلة ، وهم الذين قالوا بخلق القرآن وجحدوا صفات الربوبية .

والكيسانية وهم الذين قالوا : لا ندري هذه الأفعال من الله أو من العباد ، ولا نعلم أيثاب الناس بعد أو يعاقبون ، والشيطانية .

قالوا : إن الله تعالى لم يخلق الشيطان .

والشريكية - [ ص: 154 ] قالوا : إن السيئات كلها مقدرة إلا الكفر .

والوهمية - قالوا : ليس لأفعال الخلق وكلامهم ذات ، ولا للحسنة والسيئة ذات .

والزبرية .

قالوا : كل كتاب نزل من عند الله فالعمل به حق ، ناسخا كان أو منسوخا .

والمسعدية زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته .

والناكثية ، زعموا أن من نكث بيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا إثم عليه .

والقاسطية .

تبعوا إبراهيم بن النظام في قوله : من زعم أن الله شيء فهو كافر .

وانقسمت الجهمية اثنتي عشرة فرقة : المعطلة - زعموا أن كل ما يقع عليه وهم الإنسان فهو مخلوق .

وإن من ادعى أن الله يرى فهو كافر .

والمريسية قالوا : أكثر صفات الله تعالى مخلوقة .

والملتزقة ، جعلوا الباري سبحانه في كل مكان .

والواردية ، قالوا لا يدخل النار من عرف ربه ، ومن دخلها لم يخرج منها أبدا .

والزنادقة .

قالوا : ليس لأحد أن يثبت لنفسه ربا ; لأن الإثبات لا يكون إلا بعد إدراك الحواس .

وما لا يدرك لا يثبت .

والحرقية - زعموا أن الكافر تحرقه النار مرة واحدة ثم يبقى محترقا أبدا لا يجد حر النار .

والمخلوقية ، زعموا أن القرآن مخلوق .

والفانية ، زعموا أن الجنة والنار يفنيان ، ومنهم من قال لم يخلقا .

والعبدية ، جحدوا الرسل وقالوا إنما هم حكماء .

والواقفية ، قالوا : لا نقول إن القرآن مخلوق ولا غير مخلوق .

والقبرية ، ينكرون عذاب القبر والشفاعة .

واللفظية ، قالوا لفظنا بالقرآن مخلوق .وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة : التاركية ، قالوا ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به ، فمن آمن به فليفعل ما شاء .

والسائبية .

قالوا : إن الله تعالى سيب خلقه ليفعلوا ما شاءوا .

والراجية .

قالوا : لا يسمى الطائع طائعا ولا العاصي عاصيا ، لأنا لا ندري ما له عند الله تعالى .

والسالبية .

قالوا : الطاعة ليست من الإيمان .

والبهيشية .

قالوا : الإيمان علم ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو كافر .

والعملية .

قالوا : الإيمان عمل .

والمنقوصية .

قالوا : الإيمان لا يزيد ولا ينقص .

والمستثنية .

قالوا : الاستثناء من الإيمان .

والمشبهة .

قالوا : بصر كبصر ويد كيد .

والحشوية .

قالوا : حكم الأحاديث كلها واحد ; فعندهم أن تارك النفل كتارك الفرض .

والظاهرية الذين نفوا القياس .

والبدعية ، أول من ابتدع هذه الأحداث في هذه الأمة .وانقسمت الرافضة اثنتي عشرة فرقة : العلوية .

قالوا : إن الرسالة كانت إلى علي وإن جبريل أخطأ .

والأمرية .

قالوا : إن عليا شريك محمد في أمره .

والشيعة .

قالوا : إن عليا - رضي الله عنه - وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووليه من بعده ، وإن الأمة كفرت بمبايعة غيره .

والإسحاقية .

قالوا : إن النبوة متصلة إلى يوم القيامة ، وكل من يعلم علم أهل البيت فهو نبي .

والناووسية .

قالوا : علي أفضل الأمة ، فمن فضل غيره عليه فقد كفر .

والإمامية .

قالوا : لا يمكن أن تكون [ ص: 155 ] الدنيا بغير إمام من ولد الحسين ، وإن الإمام يعلمه جبريل عليه السلام ، فإذا مات بدل غيره مكانه .

والزيدية .

قالوا : ولد الحسين كلهم أئمة في الصلوات ، فمتى وجد منهم أحد لم تجز الصلاة خلف غيرهم ، برهم وفاجرهم .

والعباسية ، زعموا أن العباس كان أولى بالخلافة من غيره .

والتناسخية .

قالوا : الأرواح تتناسخ ; فمن كان محسنا خرجت روحه فدخلت في خلق يسعد بعيشه .

والرجعية ، زعموا أن عليا وأصحابه يرجعون إلى الدنيا ، وينتقمون من أعدائهم .

واللاعنة ، يلعنون عثمان وطلحة والزبير ومعاوية وأبا موسى وعائشة وغيرهم .

والمتربصة ، تشبهوا بزي النساك ونصبوا في كل عصر رجلا ينسبون إليه الأمر ، يزعمون أنه مهدي هذه الأمة ، فإذا مات نصبوا آخر .ثم انقسمت الجبرية اثنتي عشرة فرقة : فمنهم المضطرية .

قالوا : لا فعل للآدمي ، بل الله يفعل الكل .

والأفعالية .

قالوا : لنا أفعال ولكن لا استطاعة لنا فيها ، وإنما نحن كالبهائم نقاد بالحبل .

والمفروغية .

قالوا : كل الأشياء قد خلقت ، والآن لا يخلق شيء .

والنجارية ، زعمت أن الله تعالى يعذب الناس على فعله لا على فعلهم .

والمنانية .

قالوا : عليك بما يخطر بقلبك ، فافعل ما توسمت منه الخير .

والكسبية .

قالوا : لا يكتسب العبد ثوابا ولا عقابا .

والسابقية .

قالوا : من شاء فليعمل ومن شاء فلا يعمل ، فإن السعيد لا تضره ذنوبه والشقي لا ينفعه بره .

والحبية .

قالوا : من شرب كأس محبة الله تعالى سقطت عنه عبادة الأركان .

والخوفية .

قالوا : من أحب الله تعالى لم يسعه أن يخافه ، لأن الحبيب لا يخاف حبيبه .

والفكرية .

قالوا : من ازداد علما أسقط عنه بقدر ذلك من العبادة .

والخشبية .

قالوا : الدنيا بين العباد سواء ، لا تفاضل بينهم فيما ورثهم أبوهم آدم .

والمنية .

قالوا : منا الفعل ولنا الاستطاعة .

وسيأتي بيان الفرقة التي زادت في هذه الأمة في آخر سورة " الأنعام " إن شاء الله تعالى .

وقال ابن عباس لسماك الحنفي : يا حنفي ، الجماعة الجماعة !

فإنما هلكت الأمم الخالية لتفرقها ; أما سمعت الله عز وجل يقول : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - : إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا .

يرضى لكم : أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئا ، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا .

ويكره لكم ثلاثا : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال .

.[ ص: 156 ] فأوجب تعالى علينا التمسك بكتابه وسنة نبيه والرجوع إليهما عند الاختلاف ، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادا وعملا ; وذلك سبب اتفاق الكلمة وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين ، والسلامة من الاختلاف ، وأمر بالاجتماع ونهى عن الافتراق الذي حصل لأهل الكتابين .

هذا معنى الآية على التمام ، وفيها دليل على صحة الإجماع حسبما هو مذكور في موضعه من أصول الفقه ، والله أعلم .قوله تعالى : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها أمر تعالى بتذكر نعمه ، وأعظمها الإسلام واتباع نبيه محمد عليه السلام ; فإن به زالت العداوة والفرقة وكانت المحبة والألفة .

والمراد الأوس والخزرج ; والآية تعم .ومعنى فأصبحتم بنعمته إخوانا أي صرتم بنعمة الإسلام إخوانا في الدين .

وكل ما في القرآن ( أصبحتم ) معناه صرتم ; كقوله تعالى : إن أصبح ماؤكم غورا أي صار غائرا .

والإخوان جمع أخ ، وسمي أخا لأنه يتوخى مذهب أخيه ، أي يقصده .وشفا كل شيء حرفه ، وكذلك شفيره ومنه قوله تعالى : على شفا جرف هار .

قال الراجز :نحن حفرنا للحجيج سجله نابتة فوق شفاها بقلهوأشفى على الشيء أشرف عليه ; ومنه أشفى المريض على الموت .

وما بقي منه إلا شفا أي قليل قال ابن السكيت : يقال للرجل عند موته وللقمر عند إمحاقه وللشمس عند غروبها : ما بقي منه إلا شفا أي قليل .

قال العجاج :ومربأ عال لمن تشرفا أشرفته بلا شفا أو بشفاقوله " بلا شفى " أي غابت الشمس .

" أو بشفى " وقد بقيت منها بقية .

وهو من ذوات الياء ، وفيه لغة أنه من الواو .

وقال النحاس : الأصل في شفا شفو ، ولهذا يكتب بالألف ولا يمال .

[ ص: 157 ] وقال الأخفش : لما لم تجز فيه الإمالة عرف أنه من الواو ; ولأن الإمالة بين الياء ، وتثنيته شفوان .

قال المهدوي : وهذا تمثيل يراد به خروجهم من الكفر إلى الإيمان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله، وكون دعوى المؤمنين واحدة مؤتلفين غير مختلفين، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه، ولو أدى إلى الضرر العام، ثم ذكرهم تعالى نعمته وأمرهم بذكرها فقال: { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء } يقتل بعضكم بعضا، ويأخذ بعضكم مال بعض، حتى إن القبيلة يعادي بعضهم بعضا، وأهل البلد الواحد يقع بينهم التعادي والاقتتال، وكانوا في شر عظيم، وهذه حالة العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعثه الله وآمنوا به واجتمعوا على الإسلام وتآلفت قلوبهم على الإيمان كانوا كالشخص الواحد، من تآلف قلوبهم وموالاة بعضهم لبعض، ولهذا قال: { فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار } أي: قد استحقيتم النار ولم يبق بينكم وبينها إلا أن تموتوا فتدخلوها { فأنقذكم منها } بما مَنَّ عليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { كذلك يبين الله لكم آياته } أي: يوضحها ويفسرها، ويبين لكم الحق من الباطل، والهدى من الضلال { لعلكم تهتدون } بمعرفة الحق والعمل به، وفي هذه الآية ما يدل أن الله يحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم ليزدادوا شكرا له ومحبة، وليزيدهم من فضله وإحسانه، وإن من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) الحبل : السبب الذي [ يتوصل ] به إلى البغية وسمي الإيمان حبلا لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف .

واختلفوا في معناه هاهنا ، قال ابن عباس : معناه تمسكوا بدين الله ، وقال ابن مسعود : هو الجماعة ، وقال : عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر الله به ، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة .

وقال مجاهد وعطاء : بعهد الله ، وقال قتادة والسدي : هو القرآن ، وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين ، والشفاء النافع ، وعصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه " وقال مقاتل بن حيان : بحبل الله : أي بأمر الله وطاعته ، ( ولا تفرقوا ) كما [ افترقت ] اليهود والنصارى ، أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا ، ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولى الله أمركم ، ويسخط لكم : قيل وقال ، وإضاعة المال وكثرة السؤال " .

قوله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ) قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار : كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل ، فتطاولت تلك العداوة والحرب بينهم عشرين ومائة سنة إلى أن أطفأ الله عز وجل ذلك بالإسلام وألف [ بينهم ] برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وكان سبب ألفتهم أن سويد بن الصامت أخا بني عمرو بن عوف وكان شريفا يسميه قومه الكامل لجلده ونسبه ، قدم مكة حاجا أو معتمرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث وأمر بالدعوة ، فتصدى له حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام فقال له سويد : فلعل الذي معك مثل الذي معي ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ وما الذي معك قال : مجلة لقمان يعني حكمته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ] اعرضها علي فعرضها ، فقال : إن هذا لكلام حسن ، معي أفضل من هذا ، قرآن أنزله الله علي نورا وهدى فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم [ يبعد ] منه وقال : إن هذا [ لقول ] حسن ، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج قبل يوم بعاث فإن قومه ليقولون : قد قتل وهو مسلم .

ثم قدم أبو الحيسر أنس بن رافع ومعه فئة من بني الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج ، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم ، فقال : هل لكم إلى خير مما جئتم له؟

فقالوا : وما ذلك؟

قال : أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن لا يشركوا بالله شيئا ، وأنزل علي الكتاب ، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن ، فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا : أي قوم ، هذا والله خير مما جئتم له ، فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال : دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا ، فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ، وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج ، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك .

فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم ، فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا ، وهم ستة نفر : أسعد بن زرارة ، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء ، ورافع بن مالك العجلاني ، وقطبة بن عامر بن حديدة ، وعقبة بن عامر بن نابي ، وجابر بن عبد الله ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنتم؟

قالوا : نفر من الخزرج ، قال : أمن موالي يهود؟

قالوا : نعم : قال : أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟

قالوا : بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن .

قالوا : وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعلم ، وهم كانوا أهل أوثان وشرك ، وكانوا إذا كان منهم شيء قالوا : إن نبيا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم لبعض : يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود ، فلا يسبقنكم إليه ، فأجابوه وصدقوه وأسلموا ، وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك ، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك .

ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا به صلى الله عليه وسلم ، فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا وهم : أسعد بن زرارة ، وعوف ، ومعاذ ابنا عفراء ، ورافع بن مالك بن العجلان ، وذكوان بن عبد القيس ، وعبادة بن الصامت ، ويزيد بن ثعلبة ، وعباس بن عبادة ، وعقبة ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌بن عامر ، وقطبة بن عامر ، وهؤلاء خزرجيون وأبو الهيثم بن التيهان ، وعويمر بن ساعدة من الأوس ، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى ، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ، على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا ، إلى آخر الآية فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم شيئا من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له ، وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم ، قال : وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب .

قال : فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين ، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ ، وكان منزله على أسعد بن زرارة ، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطا ، من حوائط بني ظفر ، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم ، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير : انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما ، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي ولولا ذاك لكفيتكه ، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وهما مشركان ، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في الحائط ، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب : هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه ، قال مصعب : إن يجلس أكلمه قال : فوقف عليهما متشتما فقال : ما جاء بكم إلينا تسفهان ضعفاءنا؟

اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة ، فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع؟

فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره ، قال : أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به ، في إشراقه وتسهله ، ثم قال : ما أحسن هذا الكلام وأجمله !

كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟

قالا له : تغتسل وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق [ ثم تصلي ركعتين فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ] ثم قام وركع ركعتين ثم قال لهما : إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن ، سعد بن معاذ ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه ، وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال : أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم ، فلما وقف على النادي قال له سعد : ما فعلت؟

قال : كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا فافعل ما أحببت ، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك فقام سعد [ مغضبا ] مبادرا للذي ذكر له من بني حارثة ، فأخذ الحربة ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئا فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لأسعد بن زرارة : لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب : جاءك والله سيد قومه ، إن يتبعك لم يخالفك منهم أحد ، فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته ، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ، قال سعد : أنصفت ، ثم ركز الحربة وجلس ، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن قالا : فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله ، ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟

قالا تغتسل وتطهر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ثم [ تصلي ] ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين ، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا : نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ، فلما وقف عليهم قال : يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟

قالوا : سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، قال : فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم أو مسلمة ، ورجع أسعد بن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة ، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف ، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر ، وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق .

قالوا : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية .

قال كعب بن مالك - وكان قد شهد ذلك - فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه ، وقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم ، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة ، وكان نقيبا ، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا ، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني النجار ، وأسماء بنت عمرو بن عدي أم منيع إحدى نساء بني سلمة ، فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ، ويتوثق له ، فلما جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب ، فقال : يا معشر الخزرج - وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها - إن محمدا صلى الله عليه وسلم منا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده ، وأنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة .

قال : فقلنا قد سمعنا ما قلت : فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما شئت .

قال : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ، ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه [ أنفسكم ونساءكم ] وأبناءكم ، قال : فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله ، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر .

قال : [ فاعترض ] القول - والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيهان ، فقال : يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا يعني العهود ، وإنا قاطعوها فهل عسيت إن فعلنا نحن ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : الدم الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم " فأخرجوا اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس .

قال عاصم بن عمرو بن قتادة : إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري : يا معشر الخزرج هل تدرون علاما تبايعون هذا الرجل؟

إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود ، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلى أسلمتموه ، فمن الآن ، فهو والله إن فعلتم خزي في الدنيا والآخرة ، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه من تهلكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة .

قالوا : فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف ، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟

قال : " الجنة " قال : ابسط يدك فبسط يده فبايعوه ، وأول من ضرب على يده البراء بن معرور ثم تتابع القوم ، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعته قط : يا أهل الجباجب هل لكم في مذمم والصباة قد اجتمعوا على حربكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا عدو الله ، هذا أزب العقبة ، اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغن لك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارفعوا إلى رحالكم .

فقال العباس بن عبادة بن نضلة : والذي بعثك بالحق لئن شئت [ لنميلن ] غدا على أهل منى بأسيافنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم .

قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا ، فقالوا : يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا ، وإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم [ منكم ] قال : فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله : ما كان من هذا شيء وما علمناه وصدقوا ، ولم يعلموا ، وبعضنا ينظر إلى بعض ، وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة [ المخزومي ] وعليه نعلان جديدان ، قال فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا يا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش ، قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي وقال : والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر رضي الله عنه : مه والله أحفظت الفتى فاردد إليه نعليه ، قال : لا أردهما فأل - والله - صالح والله لئن صدق الفأل [ لأسلبنه ] .

قال : ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شددوا العقد ، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " إن الله تعالى قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها " فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار .

فأول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، ثم عامر بن ربيعة ثم عبد الله بن جحش ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا إلى المدينة فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام ، وأصلح ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

قال الله تعالى : ( واذكروا نعمة الله عليكم ) يا معشر الأنصار ( إذ كنتم أعداء ) قبل الإسلام ( فألف بين قلوبكم ) بالإسلام ، ( فأصبحتم ) أي فصرتم ، ( بنعمته ) برحمته وبدينه الإسلام ، ( إخوانا ) في الدين والولاية بينكم ( وكنتم ) يا معشر الأوس والخزرج ( على شفا حفرة من النار ) أي على طرف حفرة مثل شفا البئر معناه : كنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على كفركم ، ( فأنقذكم ) الله ( منها ) بالإيمان ، ( كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واعتصموا» تمسكوا «بحبل الله» أي دينه «جميعا ولا تفرقوا» بعد الإسلام «واذكروا نعمة الله» إنعامه «عليكم» يا معشر الأوس والخزرج «إذ كنتم» قبل الإسلام «أعداء فألَّف» جمع «بين قلوبكم» بالإسلام «فأصبحتم» فصرتم «بنعمته إخوانا» في الدين والولاية «وكنتم على شفا» طرف «حفرة من النار» ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا كفارا «فأنقذكم منها» بالإيمان «كذلك» كما بيَّن لكم ما ذكر «يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وتمسَّكوا جميعًا بكتاب ربكم وهدي نبيكم، ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم.

واذكروا نعمة جليلة أنعم الله بها عليكم: إذ كنتم -أيها المؤمنون- قبل الإسلام أعداء، فجمع الله قلوبكم على محبته ومحبة رسوله، وألقى في قلوبكم محبة بعضكم لبعض، فأصبحتم -بفضله- إخوانا متحابين، وكنتم على حافة نار جهنم، فهداكم الله بالإسلام ونجَّاكم من النار.

وكما بيَّن الله لكم معالم الإيمان الصحيح فكذلك يبيِّن لكم كل ما فيه صلاحكم؛ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها، فلا تضلوا عنها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمرهم - سبحانه - بمداومة خشيته ، والاستمرار على دينه أتبع ذلك بأمرهم بالاعتصام بدينه وبكتابه فقال - تعالى - { واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ } .فهذه الآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من مداومة التقوى والطاعة لله رب العالمين .والاعتصام : افتعال من عصم وهو طلب ما يعصم أى يمنع من السقوط والوقوع .وأصل الحبل : ما يشد به للارتقاء أو التدلى أو للنجاة من غرق أو نحوه ، أو للوصول إلى شىء معين .والمراد بحبل الله هنا : دينه ، أو عهده ، أو كتابه ، لأن التمسك بهذه الأشياء يوصل إلى النجاة والفلاح .والمعنى : كونوا جميعا مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده ، ولا تتفرقوا كما كان شأنكم فى الجاهلية بضرب بعضكم رقاب بعض ، بل عليكم أن تجتمعوا على طاعة الله وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا .

وبذلك تفوزون وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم .ففى الجملة الكريمة استعارة تمثيلية حيث شبه - سبحانه - الحالة الحاصلة من تمسك المؤمنين بدينه وبكتابه وبعهوده وبوحدة كلمتهم ، بالحالة الحاصلة من تمسك جماعة بحبل وثيق مأمون الانقطاع ألقى إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط أو نحوهما .وإضافة الحبل إلى الله - تعالى - قرينة على هذا التمثيل .وقوله { جَمِيعاً } حال من ضمير الجماعة فى قوله { واعتصموا } .فالجملة الكريمة تأمر المسلمين جميعا أن يعتصموا بعهود الله وبدينه .

وبكتابه ، وأن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، وأن ينبذوا التفرق والاختلاف الذى يؤدى إلى ضعفهم وفشلهم .قال الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : واعلم أن كل من يمشى على طريق دقيق يخاف أن ينزلق رجله ، فإنه إذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبى ذلك الطريق أمن من الخوف .

ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق ، وقد انزلقت أرجل كثيرة من الخلق عنه ، فمن اعتصم بدلائل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف فكان المراد من الحبل هنا : كل شىء يمكن التوصل به إلى الحق فى طريق الدين ، وهو أنواع كثيرة فمنهم من قال المراد به عهد الله .

.

ومنهم من قال المراد به القرآن ، فقد جاء فى الحديث " هو حبل الله المتين " ومنهم من قال المراد به طاعة الله .

.

.

وهذه الأقوال كلها متقاربة والتحقيق ما ذكرنا من أنه لما كان النازل فى البئر يعتصم بحبل تحرزا من السقوط فيها وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين حرزا لصاحبه من السقوط فى جهنم ، جعل ذلك حبلا لله وأمروا بالاعتصام به .

ثم أمرهم - سبحانه - بتذكر نعم الله عليهم فقال : { واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النار فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } .قوله { شَفَا حُفْرَةٍ } الشفا طرف الشىء وحرفه مثل شفا البئر ، وشفا الحفرة ومنه يقال : فلان أشفى على الشىء إذا اشرف عليه ، كأنه بلغ شفاه أى حده وحرفه .والمعنى : واذكروا أيها المؤمنون وتنبهوا بعقولكم وقلوبكم إلى نعمة الله علكم بتأليف نفوسكم ورأب صدوعكم ، فقد كنتم فى الجاهلية أعداء متقاتلين متنازعين ، فألف بين قلوبكم بأخوة الإسلام فاصبحتم متحابين متناصحين متوادين وكنتم على وشك الوقوع فى النار بسبب اخلافكم وضلالكم فمن الله عليكم وأنقذكم من التردى فيها بهدايتكم إلى الحق عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى أرسله ربه رحمة للعالمين .

إذا فمن الواجب عليكم وفاء لهذه النعم أن تشكروا الله عليها وأن تطيعوا رسولكم صلى الله عليه وسلم وأن تتمسكوا بعرى المحبة والمودة والأخوة فيما بينكم .قال ابن كثير : قوله - تعالى - { واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً } ..

إلخ .

هذا السياق فى شأن الأوس والخزرج ، فإنه كان بينهم حروب كثيرة فى الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن وإحن طال بسببها قتالهم ، والوقائع بينهم ، فلما جاء الله بالإسلام .

فدخل فيه من دخل منهم ، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله ، متواصلين فى ذات الله ، متعاونين على البر والتقوى وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم فأنقذهم الله منها إذ هداهم للإيمان وقد امتن عليهم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قسم غنائم حنين ، فعتب من عتب منهم بما فضل عليهم فى القسمة بما رآه ، فخطبهم فقال يا معشر الأنصار ، الم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى ، وكنتم متفرقين فالفكم الله بى ، وعالة فأغناكم الله بى؟

فكانوا كلما قال شيئاً قالوا : الله ورسوله آَمَنّ " .وفى هذه الاية الكريمة تصوير بديع مؤثر لحالة المسلمين قبل الإسلام وحالتهم بعد الإسلام .فقد صورة - سبحانه - حالهم وترديهم فى الكفر والاختلاف والتقاتل قبل أن يدخلوا فى الإسلام بحال من يكون على حافة حفرة من النار يوشك أن يقع فيها .وصور هدايته لهم إلى سبيل الحق والمحبة والإخاء بدخولهم فى الإسلام عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم بحالة من يبعد غيره عن التردى فى النار وينقذه من الوقوع فيها .قال صاحب الكشاف : " والضمير المجرور فى قوله { فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا } يعود للحفرة أو للنار أو للشفا ، وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة - فاكتسب التأنيث من المضاف إليه - كما قال : كما شرقت صدر القناة من الدم .

.

.

وشفا الحفرة وشفتها : حرفها بالتذكير والتأنيث .فإن قلت : كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟

قلت : لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار " فمثلت حياتهم التى يتوقع بعدها الوقوع فى النار بالقعود على حرفها ، مشفين - أى مشرفين - على الوقوع فيها " .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } .أى كهذا البيان الواضح الذى سمعتموه فى هذه الآيات ، يبين الله لكم دائما من آياته ودلائله وحججه ما يسعدكم فى الدنيا والآخرة ، و ما يأخذ بيدكم إلى وسائل الهداية وأسبابها ، رجاء أن تكونوا ممن رضى الله عنهم وأرضاهم بسبب اهتدائهم إلى الصراط المستقيم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حذر المؤمنين من إضلال الكفار ومن تلبيساتهم في الآية الأولى أمر المؤمنين في هذه الآيات بمجامع الطاعات، ومعاقد الخيرات، فأمرهم أولاً: بتقوى الله وهو قوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ وثانياً: بالاعتصام بحبل الله، وهو قوله: ﴿ واعتصموا بِحَبْلِ الله ﴾ وثالثاً: بذكر نعم الله وهو قوله: ﴿ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ والسبب في هذا الترتيب أن فعل الإنسان لابد وأن يكون معللاً، إما بالرهبة وإما بالرغبة، والرهبة مقدمة على الرغبة، لأن دفع الضرر مقدم على جلب النفع، فقوله: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ إشارة إلى التخويف من عقاب الله تعالى، ثم جعله سبباً للأمر بالتمسك بدين الله والاعتصام بحبل الله، ثم أردفه بالرغبة، وهي قوله: ﴿ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ فكأنه قال: خوف عقاب الله يوجب ذلك، وكثرة نعم الله توجب ذلك فلم تبق جهة من الجهات الموجبة للفعل إلا وهي حاصلة في وجوب انقيادكم لأمر الله ووجوب طاعتكم لحكم الله، فظهر بما ذكرناه أن الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية مرتبة على أحسن الوجوه، ولنرجع إلى التفسير: أما قوله تعالى: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم هذه الآية منسوخة وذلك لما يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين لأن حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى، والعباد لا طاقة لهم بذلك، فأنزل الله تعالى بعد هذه ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ ونسخت هذه الآية أولها ولم ينسخ آخرها وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ وزعم جمهور المحققين أن القول بهذا النسخ باطل واحتجوا عليه من وجوه: الأول: ما روي عن معاذ أنه عليه السلام قال له: هل تدري ما حق الله على العباد؟

قال الله ورسوله أعلم، قال: هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وهذا لا يجوز أن ينسخ الثاني: أن معنى قوله: ﴿ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي كما يحق أن يتقى، وذلك بأن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ لأنه إباحة لبعض المعاصي، وإذا كان كذلك صار معنى هذا ومعنى قوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم  ﴾ واحداً لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته، ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ ما لا يستطاع من التقوى، لأن الله سبحانه أخبر أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها والوسع دون الطاقة ونظير هذه الآية قوله: ﴿ وجاهدوا فِي الله حَقَّ جهاده  ﴾ .

فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ  ﴾ .

قلنا: سنبين في تفسير هذه الآية أنها جاءت في القرآن في ثلاثة مواضع وكلها في صفة الكفار لا في صفة المسلمين؛ أما الذين قالوا: إن المراد هو أن يطاع فلا يعصى فهذا صحيح والذي يصدر عن الإنسان على سبيل السهو والنسيان فغير قادح فيه لأن التكليف مرفوع في هذه الأوقات، وكذلك قوله: أن يشكر فلا يكفر، لأن ذلك واجب عليه عند خطور نعم الله بالبال، فأما عند السهو فلا يجب، وكذلك قوله: أن يذكر فلا ينسى، فإن هذا إنما يجب عند الدعاء والعبادة وكل ذلك مما لا يطاق، فلا وجه لما ظنوه أنه منسوخ.

قال المصنف رضي الله تعالى عنه، أقول: للأولين أن يقرروا قولهم من وجهين: الأول: أن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً للخلق، وإذا لم يحصل العلم بذلك لم يحصل الخوف اللائق بذلك فلم يحصل الاتقاء اللائق به الثاني: أنهم أمروا بالاتقاء المغلظ والمخفف معاً فنسخ المغلظ وبقي المخفف، وقيل: إن هذا باطل، لأن الواجب عليه أن يتقي ما أمكن والنسخ إنما يدخل في الواجبات لا في النفي، لأنه يوجب رفع الحجر عما يقتضي أن يكون الإنسان محجوراً عنه وإنه غير جائز.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي كما يجب أن يتقى يدل عليه قوله تعالى: ﴿ حَقُّ اليقين  ﴾ ويقال: هو الرجل حقاً، ومنه قوله عليه السلام: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».

وعن علي رضي الله عنه أنه قال: أنا علي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، والتقى اسم الفعل من قولك اتقيت، كما أن الهدى اسم الفعل من قولك اهتديت.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ فلفظ النهي واقع على الموت، لكن المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام، وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما أمرهم بالاتقاء عن المحظورات أمرهم بالتمسك بالاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعات، وهو الاعتصام بحبل الله.

واعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله، فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف، ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق، وقد انزلق رجل الكثير من الخَلْق عنه، فمن اعتصم بدليل الله وبيناته فإنه يأمن من ذلك الخوف، فكان المراد من الحبل هاهنا كل شيء يمكن التوصل به إلى الحق في طريق الدين، وهو أنواع كثيرة، فذكر كل واحد من المفسرين واحداً من تلك الأشياء، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالحبل هاهنا العهد المذكور في قوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله وَحَبْلٍ مّنَ الناس  ﴾ أي بعهد، وإنما سمي العهد حبلاً لأنه يزيل عنه الخوف من الذهاب إلى أي موضع شاء، وكان كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف، وقيل: إنه القرآن، روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أما إنها ستكون فتنة» قيل: فما المخرج منها؟

قال: «كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين».

وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هذا القرآن حبل الله».

وروي عن أبي سعيد الخُدْريّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله تعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي» وقيل: إنه دين الله، وقيل: هو طاعة الله، وقيل: هو إخلاص التوبة، وقيل: الجماعة، لأنه تعالى ذكر عقيب ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ وهذه الأقوال كلها متقاربة، والتحقيق ما ذكرنا أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزاً من السقوط فيها، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين حرزاً لصاحبه من السقوط في قعر جهنم جعل ذلك حبلاً لله، وأمروا بالاعتصام به.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في التأويل وجوه: الأول: أنه نهى عن الاختلاف في الدين وذلك لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما عداه يكون جهلاً وضلالاً، فلما كان كذلك وجب أن يكون النهي عن الاختلاف في الدين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال  ﴾ والثاني: أنه نهى عن المعاداة والمخاصمة، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة والمنازعة فنهاهم الله عنها الثالث: أنه نهى عما يوجب الفرقة ويزيل الألفة والمحبة.

واعلم أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد والباقي في النار» فقيل: ومن هم يا رسول الله؟

قال: «الجماعة».

وروي: «السواد الأعظم».

وروي: «ما أنا عليه وأصحابي».

والوجه المعقول فيه: أن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحداً، وإذا كان كذلك كان الناجي واحداً.

المسألة الثانية: استدلت نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: الأحكام الشرعية إما أن يقال: إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن، لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني، وإن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف ووقوع النزاع، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهياً عنه، لكنه منهي عنه لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تنازعوا ﴾ ولقائل أن يقول: الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله: ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ ولعموم قوله: ﴿ وَلاَ تنازعوا ﴾ والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ واعلم أن نعم الله على الخلق إما دنيوية وإما أُخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى: ﴿ إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخَزْرَج وهَمَّ كلُّ واحد منهما بمحاربة صاحبه، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت الحروب مئة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، فالآية إشارة إليهم وإلى أحوالهم، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضاً ويبغض بعضهم بعضاً، فلما أكرمهم الله تعالى بالإسلام صاروا إخواناً متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في الله: ونظير هذه الآية قوله: ﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ  ﴾ .

واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معادياً لأكثر الخلق، ومن كان وجهه إلى خدمة الله تعالى لم يكن معادياً لأحد، والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيراً في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحداً، ولهذا قيل: إن العارف إذا أمر أمر برفق ويكون ناصحاً لا يعنف ويعير فهو مستبصر بسر الله في القدر.

المسألة الثانية: قال الزَّجّاج: أصل الأخ في اللُّغة من التوخي وهو الطلب، فالأخ مقصده مقصد أخيه، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في قلبه، ولا يخفي عنه شيئاً وقال أبو حاتم قال أهل البصرة: الاخوة في النسب والإخوان في الصداقة، قال وهذا غلط، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ  ﴾ ولم يعن النسب، وقال: ﴿ أَوْ بُيُوتِ إخوانكم  ﴾ وهذا في النسب.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ يدل على أن المعاملات الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله، لأنه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم وكانت تلك الداعية نعمة من الله مستلزمة لحصول الفعل، وذلك يبطل قول المعتزلة في خلق الأفعال، قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعرفة والألطاف.

قلنا: كل هذا كان حاصلاً في زمان حصول المحاربات والمقاتلات، فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لابد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما شرح النعمة الدنيوية ذكر بعدها النعمة الأخروية، وهي ما ذكره في آخر هذه الآية، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم، لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار، والمصير منهم إلى حفرتها، فبيّن تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة، وقد قربوا من الوقوع فيها.

قالت المعتزلة: ومعنى ذلك أنه تعالى لطف بهم بالرسول عليه السلام وسائر ألطافه حتى آمنوا قال أصحابنا: جميع الألطاف مشترك فيه بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، والله تعالى حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار، فدل هذا على أن خالق أفعال العباد هو الله سبحانه وتعالى.

المسألة الثانية: شفا الشيء حرفه مقصور، مثل شفا البئر والجمع الإشفاء، ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه، أي حده وحرفه وقوله: ﴿ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا ﴾ قال الأزهري: يقال نقذته وأنقذته واستنقذته، أي خلصته ونجيته.

وفي قوله: ﴿ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا ﴾ سؤال وهو: أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع الذي كانوا فيه وهم كانوا على شفا حفرة، وشفا الحفرة مذكر فكيف قال منها؟.

وأجابوا عنه من وجوه: الأول: الضمير عائد إلى الحفرة ولما أنقذهم من الحفرة فقد أنقذهم من شفا الحفرة لأن شفاها منها والثاني: أنها راجعة إلى النار، لأن القصد الإنجاء من النار لا من شفا الحفرة، وهذا قول الزجاج الثالث: أن شفا الحفرة، وشفتها طرفها، فجاز أن يخبر عنه بالتذكير والتأنيث.

المسألة الثالثة: أنهم لو ماتوا على الكفر لوقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها، وهذا فيه تنبيه على تحقير مدة الحياة، فإنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء، وبين ذلك الشيء، ثم قال: ﴿ كذلك يُبَيّنُ الله ﴾ الكاف في موضع نصب، أي مثل البيان المذكور يبين الله لكم سائر الآيات لكي تهتدوا بها، قال الجبائي: الآية تدل على أنه تعالى يريد منهم الاهتداء، أجاب الواحدي عنه في البسيط فقال: بل المعنى لتكونوا على رجاء هداية.

وأقول: وهذا الجواب ضعيف لأن على هذا التقدير يلزم أن يريد الله منهم ذلك الرجاء ومن المعلوم أن على مذهبنا قد لا يريد ذلك الرجاء، فالجواب الصحيح أن يقال كلمة (لعلّ) للترجي، والمعنى أنا فعلنا فعلاً يشبه فعل من يترجى ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ واجب تقواه وما يحق منها، وهو القيام بالمواجب واجتناب المحارم، ونحوه ﴿ فاتقوا الله مَا استطعتم ﴾ [التغابن: 16] يريد: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئاً.

وعن عبد الله: «هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى» وروي مرفوعاً.

وقيل: هو أن لا تأخذه في الله لومة لائم، ويقوم بالقسط ولو على نفسه أو ابنه أو أبيه.

وقيل: لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه، والتقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ ﴾ معناه: ولا تكوننّ على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، كما تقول لمن تستعين به على لقاء العدوّ: لا تأتني إلا وأنت على حصان، فلا تنهاه عن الإتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي شرطت عليه في وقت الإتيان.

قولهم اعتصمت بحبله: يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به ووثوقه بحمايته، بامتساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، وأن يكون الحبل استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد، أو ترشيحاً لاستعارة الحبل بما يناسبه.

والمعنى: واجتمعوا على استعانتكم بالله ووثوقكم به ولا تفرقوا عنه.

أو واجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده وهو الإيمان والطاعة؛ أو بكتابه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الردّ، من قال به صدق؛ ومن عمل به رشد، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم» ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلفت اليهود والنصارى، أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية متدابرين يعادي بعضكم بعضاً ويحاربه أو ولا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع والألفة التي أنتم عليها مما يأباه جامعكم والمؤلف بينكم، وهو اتباع الحق والتمسك بالإسلام.

كانوا في الجاهلية بينهم الإحن والعداوات والحروب المتواصلة، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام.

وقذف فيها المحبة فتحابوا وتوافقوا وصاروا ﴿ إِخْوَانًا ﴾ متراحمين متناصحين مجتمعين على أمر واحد قد نظم بينهم وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله: وقيل: هم الأوس والخزرج، كانا أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار ﴾ وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر ﴿ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا ﴾ بالإسلام.

والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة وهو منها كما قال: كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ وشفا الحفرة وشفتها: حرفها، بالتذكير والتأنيث، ولامها واو، إلا أنها في المذكر مقلوبة وفي المؤنث محذوفة، ونحو الشفا والشفة الجانب والجانبة.

فإن قلت: كيف جعلوا على حرف حفرة من النار؟

قلت: لو ماتوا على ما كانوا عليه وقعوا في النار، فمثلت حياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها مشفين على الوقوع فيها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان البليغ ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ إرادة أن تزدادوا هدى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ بِدِينِ الإسْلامِ، أوْ بِكِتابِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ».» اسْتَعارَ لَهُ الحَبْلَ مِن حَيْثُ إنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ مِنَ الرَّدى، كَما أنَّ التَّمَسُّكَ بِالحَبْلِ سَبَبٌ لِلسَّلامَةِ مِنَ التَّرَدِّي والوُثُوقُ بِهِ والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ الِاعْتِصامُ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ.

جَمِيعًا مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ ﴿ وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ أيْ ولا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الحَقِّ بِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ بَيْنَكم كَأهْلِ الكِتابِ، أوْ لا تَتَفَرَّقُوا تَفَرُّقَكم في الجاهِلِيَّةِ يُحارِبُ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ لا تَذْكُرُوا ما يُوجِبُ التَّفَرُّقَ ويُزِيلُ الأُلْفَةَ.

﴿ واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الهِدايَةُ والتَّوْفِيقُ لِلْإسْلامِ المُؤَدِّي إلى التَّآلُفِ وزَوالِ الغِلِّ.

﴿ إذْ كُنْتُمْ أعْداءً ﴾ في الجاهِلِيَّةِ مُتَقابِلِينَ.

﴿ فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ بِالإسْلامِ.

﴿ فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا ﴾ مُتَحابِّينَ مُجْتَمِعِينَ عَلى الأُخُوَّةِ في اللَّهِ.

وقِيلَ كانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبَوَيْنِ فَوَقَعَ بَيْنَ أوْلادِهِما العَداوَةُ وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً حَتّى أطْفَأها اللَّهُ بِالإسْلامِ وألَّفَ بَيْنَهم بِرَسُولِهِ  .

﴿ وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ ﴾ مُشْفِينَ عَلى الوُقُوعِ في نارِ جَهَنَّمَ لِكُفْرِكُمْ، إذْ لَوْ أدْرَكَكُمُ المَوْتُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَوَقَعْتُمْ في النّارِ.

﴿ فَأنْقَذَكم مِنها ﴾ بِالإسْلامِ، والضَّمِيرُ لِلْحُفْرَةِ، أوْ لِلنّارِ، أوْ لِلشَّفا.

وتَأْنِيثُهُ لِتَأْنِيثِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّفَةِ فَإنَّ شَفا البِئْرِ وشَفَتَها طَرَفُها كالجانِبِ والجانِبَةِ، وأصْلُهُ شَفْوٌ فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا في المُذَكَّرِ وحُذِفَتْ في المُؤَنَّثِ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ.

﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ﴾ دَلائِلَهُ.

﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ إرادَةُ ثَباتِكم عَلى الهُدى وازْدِيادُكم فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واعتصموا بحبل الله} تمسكوا بالقرآن لقوله عليه السلام القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به هدى إلى صراط مستقيم {جَمِيعاً} حال

من ضمير المخاطبين وقيل تمسكوا بإجماع الأمة دليله {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} أي ولا تتفرقوا يعني ولا تفعلوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الاجتماع أو ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كما اختلف اليهود والنصارى أو كما كنتم متفرقين في الجاهلية يحارب بعضكم بعضا {واذكروا نعمة الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحرب فألف بين قلوبهم بالإسلام وقذف في قلوبهم المحبة فتحابوا وصاروا إخواناً {وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النار} وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما كنتم عليه من الكفر {فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا} بالإسلام وهو رد على المعتزلة فعندهم هم الذين ينقذون أنفسهم لا الله تعالى والضمير للحفرة أو للنار أو للشفا وأنث لإضافته إلى الحفرة وشفا الحفرة حرفها ولامها واو فلهذا يثنى شفوان {كذلك} مثل ذلك البيان البليغ {يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته} أي القرآن الذي فيه أمر ونهي ووعد ووعيد {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لتكونوا على رجاء الهداية أو لتهتدوا به إلى الصواب وما ينال به الثواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ﴾ أيِ القُرْآنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ».

وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنِّي تارِكٌ فِيكم خَلِيفَتَيْنِ؛ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَمْدُودٌ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي، وإنَّهُما لَنْ يَفْتَرِقا حَتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ» .

ووَرَدَ بِمَعْنى ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِحَبْلِ اللَّهِ الطّاعَةُ والجَماعَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ ثابِتِ بْنِ قُطْنَةَ المُزَنِيِّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: أيُّها النّاسُ عَلَيْكم بِالطّاعَةِ والجَماعَةِ، فَإنَّهُما حَبْلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أمَرَ بِهِ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: حَبْلُ اللَّهِ تَعالى الجَماعَةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبِي العالِيَةِ: أنَّهُ الإخْلاصُ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ طاعَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الإسْلامُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَهْدُ اللَّهِ تَعالى وأمْرُهُ، وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ.

وفِي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَتِ الحالَةَ الحاصِلَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنِ اسْتِظْهارِهِمْ بِأحَدِ ما ذَكَرَ ووُثُوقِهِمْ بِحِمايَتِهِ بِالحالَةِ الحاصِلَةِ مِن تَمَسُّكِ المُتَدَلِّي مِن مَكانٍ رَفِيعٍ بِحَبْلٍ وثِيقٍ مَأْمُونِ الِانْقِطاعِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مَجازٍ في المُفْرَداتِ، واسْتُعِيرَ ما يُسْتَعْمَلُ في المُشَبَّهِ بِهِ مِنَ الألْفاظِ لِلْمُشَبَّهِ، وقَدْ يَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَتانِ مُتَرادِفَتانِ بِأنْ يُسْتَعارَ الحَبَلُ لِلْعَهْدِ مَثَلًا اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً أصْلِيَّةً، والقَرِينَةُ الإضافَةُ، ويُسْتَعارُ الِاعْتِصامُ لِلْوُثُوقِ بِالعَهْدِ والتَّمَسُّكِ بِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ التَّبَعِيَّةِ، والقَرِينَةُ اقْتِرانُها بِالِاسْتِعارَةِ الثّانِيَةِ، وقَدْ يَكُونُ في ( اعْتَصَمُوا ) مَجازٌ مُرْسَلٌ تَبَعِيٌّ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، وقَدْ يَكُونُ مَجازًا بِمَرْتَبَتَيْنِ لِأجْلِ إرْسالِ المَجازِ، وقَدْ تَكُونُ الِاسْتِعارَةُ في الحَبْلِ فَقَطْ ويَكُونُ الِاعْتِصامُ باقِيًا عَلى مَعْناهُ تَرْشِيحًا لَها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، والقَرِينَةُ قَدْ تَخْتَلِفُ بِالتَّصَرُّفِ، فَبِاعْتِبارٍ قَدْ تَكُونُ مانِعَةً، وبِاعْتِبارٍ آخَرَ قَدْ لا تَكُونُ، فَلا يَرِدُ أنَّ احْتِمالَ المَجازِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلى قَرِينَةٍ مانِعَةٍ عَنْ إرادَةِ المَوْضِعِ لَهُ، فَمَعَ وُجُودِها كَيْفَ يَتَأتّى إرادَةُ الحَقِيقَةِ لِيَصِحَّ الأمْرانِ في ( اعْتَصَمُوا ) وقَدْ تَكُونُ الِاسْتِعارَتانِ غَيْرُ مُسْتَقِلَّتَيْنِ بِأنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ في الحَبْلِ مَكْنِيَّةً، وفي الِاعْتِصامِ تَخْيِيلِيَّةً؛ لِأنَّ المَكْنِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّخْيِيلِيَّةِ، قالَهُ الطِّيبِيُّ، ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ.

وقَدْ ذَكَرْنا في حَواشِينا عَلى رِسالَةِ ابْنِ عِصامٍ ما يَرُدُّ عَلى بَعْضِ هَذِهِ الوُجُوهِ مَعَ الجَوابِ عَنْ ذَلِكَ فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ.

( ﴿ جَمِيعًا ﴾ ) حالٌ مِن فاعِلِ ( اعْتَصِمُوا ) كَما هو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَفَرَّقُوا ﴾ تَأْكِيدًا بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى: ولا تَتَفَرَّقُوا عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِالِاعْتِصامِ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يَقَعُ بَيْنَكم شِقاقٌ وحُرُوبٌ كَما هو مُرادُ المُذَكِّرِينَ لَكم بِأيّامِ الجاهِلِيَّةِ الماكِرِينَ بِكم، وقِيلَ: المَعْنى لا تَتَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ.

﴿ واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ جِنْسَها، ومِن ذَلِكَ الهِدايَةُ والتَّوْفِيقُ لِلْإسْلامِ المُؤَدِّي إلى التَّآلُفِ وزَوالِ الأضْغانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها ما بَيَّنَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إذْ كُنْتُمْ أعْداءً ﴾ أيْ في الجاهِلِيَّةِ ﴿ فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ بِالإسْلامِ، و( نِعْمَةَ ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، و( عَلَيْكم ) إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ حالٌ مِنهُ، و( إذْ ) إمّا ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِلِاسْتِقْرارِ في ( عَلَيْكم ) إذا جَعَلْتَهُ حالًا، قِيلَ: وأرادَ سُبْحانَهُ بِما ذَكَرَ ما كانَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ مِنَ الحُرُوبِ الَّتِي تَطاوَلَتْ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ ألَّفَ سُبْحانَهُ بَيْنَهم بِالإسْلامِ فَزالَتِ الأحْقادُ - قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ - وكانَ يَوْمُ بُعاثَ آخَرَ الحُرُوبِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهم، وقَدْ فُصِّلَ ذَلِكَ في الكامِلِ، وقِيلَ: أرادَ ما كانَ بَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ مِنَ التَّنازُعِ الطَّوِيلِ والقِتالِ العَرِيضِ، ومِنهُ حَرْبُ البَسُوسِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا ﴾ أيْ فَصِرْتُمْ بِسَبَبِ نِعْمَتِهِ الَّتِي هي ذَلِكَ التَّأْلِيفُ مُتَحابِّينَ، فَأصْبَحَ ناقِصَةٌ، و( إخْوانًا ) خَبَرُهُ، وقِيلَ: ( أصْبَحْتُمْ ) أيْ دَخَلْتُمْ في الصَّباحِ، فالباءُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ، وكَذا إخْوانًا أيْ فَأصْبَحْتُمْ مُتَلَبِّسِينَ بِنِعْمَتِهِ حالَ كَوْنِكم إخْوانًا، والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ وأكْثَرُ ما يُجْمَعُ أخُو الصَّداقَةِ عَلى ذَلِكَ عَلى الصَّحِيحِ، وفي الإتْقانِ الأخُ في النَّسَبِ جَمْعُهُ إخْوَةٌ وفي الصَّداقَةِ إخْوانٌ، قالَهُ ابْنُ فارِسٍ - وخالَفَهُ غَيْرُهُ - وأوْرَدَ في الصَّداقَةِ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ وفي النَّسَبِ: ( أوْ إخْوانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوانِهِنَّ أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم ) .

﴿ وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ ﴾ أيْ وكُنْتُمْ عَلى طَرَفِ حُفْرَةٍ مِن جَهَنَّمَ، إذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَها إلّا المَوْتُ، وتَفْسِيرُ الشَّفا بِالطَّرَفِ مَأْثُورٌ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ ووارِدٌ عَنِ العَرَبِ، ويُثَنّى عَلى شَفَوانِ، ويُجْمَعُ عَلى أشْفاءٍ، ويُضافُ إلى الأعْلى كَـ ( شَفا جُرْفٍ هارٍ ) وإلى الأسْفَلِ قِيلَ: كَما هُنا وكَوْنُ المُرادِ مِنَ النّارِ ما ذَكَرْنا هو الظّاهِرُ وحَمْلُها عَلى نارِ الحَرْبِ بَعِيدٌ.

﴿ فَأنْقَذَكم مِنها ﴾ أيْ بِمُحَمَّدٍ  - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إمّا عَلى النّارِ أوْ عَلى ( حُفْرَةٍ ) أوْ عَلى ( شَفا ) لِأنَّهُ بِمَعْنى الشَّفَةِ، أوْ لِاكْتِسابِهِ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ: وتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ فَإنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ بَعْضًا مِنهُ أوْ فِعْلًا لَهُ أوْ صِفَةً كَما صَرَّحُوا بِهِ وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الأوَّلِ، ومَن أطْلَقَ لَزِمَهُ جَوازُ قامَتْ غُلامُ هِنْدٍ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ الِاحْتِمالَ الأخِيرَ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى الحُفْرَةِ أتَمُّ لِأنَّها الَّتِي يُمْتَنُّ بِالإنْقاذِ مِنها حَقِيقَةً، وأمّا الِامْتِنانُ بِالإنْقاذِ مِنَ الشَّفا قَلَّما يَسْتَلْزِمُهُ الكَوْنُ عَلى الشَّفا غالِبًا مِنَ الهَوى إلى الحُفْرَةِ فَيَكُونُ الإنْقاذُ مِنَ الشَّفا إنْقاذًا مِنَ الحُفْرَةِ الَّتِي يُتَوَقَّعُ الهَوى فِيها، فَإضافَةُ المِنَّةِ إلى الإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ أبْلَغُ وأوْقَعُ مَعَ أنَّ اكْتِسابَ التَّأْنِيثِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ قَدْ عَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ في التَّعالِيقِ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ خِلافَ رَأْيِهِ في الإيضاحِ، وما حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى إعادَةِ الضَّمِيرِ إلى الشَّفا إلّا أنَّهُ هو الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَكُونُوا في الحُفْرَةِ حَتّى يَمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِالإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم كانُوا صائِرِينَ إلَيْها لَوْلا الإنْقاذُ الرَّبّانِيُّ فَبُولِغَ في الِامْتِنانِ بِذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”«الرّاتِعُ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ“»، وإلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ ﴾ فانْظُرُ كَيْفَ جَعَلَ تَعالى كَوْنَ البُنْيانِ عَلى الشَّفا سَبَبًا مُؤَدِّيًا إلى انْهِيارِهِ في نارِ جَهَنَّمَ مَعَ تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( هارٍ ) انْتَهى، ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ أبِي حَيّانَ مِن أنَّهُ لا يَحْسُنُ عَوْدُهُ إلّا إلى الشَّفا؛ لِأنَّ كَيْنُونَتَهم عَلَيْهِ هو أحَدُ جُزْأيِ الإسْنادِ، فالضَّمِيرُ لا يَعُودُ إلّا إلَيْهِ لا عَلى الحُفْرَةِ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُحَدَّثٍ عَنْها، ولا عَلى النّارِ لِأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِها لِتَخْصِيصِ الحُفْرَةِ.

وأيْضًا فالإنْقاذُ مِنَ الشَّفا أبْلَغُ مِنَ الإنْقاذِ مِنَ الحُفْرَةِ ومِنَ النّارِ، والإنْقاذُ مِنهُما لا يَسْتَلْزِمُ الإنْقاذَ مِنَ الشَّفا فَعَوْدُهُ عَلى الشَّفا هو الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومِن حَيْثُ المَعْنى، نَعَمْ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ عَوْدَهُ عَلى الشَّفا هو الظّاهِرُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ظاهِرٌ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى المُضافِ دُونَ المُضافِ إلَيْهِ إذا صَلَحَ لِكُلٍّ مِنهُما ولَوْ بِتَأْوِيلٍ، إلّا أنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ ذَلِكَ فَيَعُودُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ إمّا مُطْلَقًا - كَما هو قَوْلُ ابْنِ المُنِيرِ - أوْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ بَعْضَهُ أوْ كَبَعْضِهِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ.

أرى مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي فَإنَّ مَرَّ السِّنِينَ مِن جِنْسِها، وإلَيْهِ ذَهَبَ الواحِدِيُّ، والشَّرْطُ مَوْجُودٌ فِيما نَحْنُ فِيهِ.

( ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ) أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ الواضِحِ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ ﴾ أيْ دَلائِلَهُ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ ﴿ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ (103) أيْ لِكَيْ تَدُومُوا عَلى الهُدى، وازْدِيادُكم فِيهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ كَوْنُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ صِيغَةُ المُضارِعِ مِنَ الِافْتِعالُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ يقول: أطيعوا الله حق طاعته، وحق طاعته أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر طرفة عين، وأن يذكر فلا ينسى طرفة عين، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] فنسخت هذه الآية.

هكذا قال الكلبي والضحاك ومقاتل، وغيرهم من المفسرين: أن هذه الآية منسوخة.

وقال بعضهم: لا يجوز أن يقال هذه الآية منسوخة، لأنه لا يجوز أن يأمرهم بشيء لا يطيقونه، ولكن الجواب أن يقال عن هذا إنهم يطيقونه، ولكن تلحقهم مشقة شديدة، ولأن ذلك مجهود الطاقة، ولا يستطيعون الدوام عليه، والله تعالى لا يكلف عباده إلا دون ما يطيقون، فخفَّف عنهم بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] ولم ينسخ آخر الآية أولها، وهو قوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يعني اثبتوا على الإسلام، وكونوا بحال يلحقكم الموت، وأنتم على الإسلام وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً يقول: تمسَّكوا بدين الله وبالقرآن.

ويقال: تمسكوا بسبيل السنة والهدى، وَلا تَفَرَّقُوا.

يقول: ولا تختلفوا في الدين، كاختلاف اليهود والنصارى.

ويقال: لا تختلفوا فيما بينكم بالعداوة والبغضاء ويقال وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً يعني: اطلبوا النصرة من الله لا من القبائل والعشيرة.

ويقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً، يعني ما اشتبه عليكم، فردوه إلى كتاب الله كقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: 59] وقال بعض الحكماء: إن مثل من في الدنيا، كمثل من وقع في بئر، فيها من كل نوع من الآفات، فلا يمكنه أن يخرج منها والنجاة من آفاتها إلا بحبل وثيق، فكذلك الدنيا دار محنة، وفيها كل نوع من الآفات، فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بحبل وثيق، وهو كتاب الله تعالى.

ثم ذكَّرهُم نعمته فقال تعالى: اذْكُرُوا نعمتي واحفظوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الإسلام إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً في الجاهلية فَأَلَّفَ الله بَيْنَ قُلُوبِكُمْ يعني جمع بين قلوبكم بالإسلام تودُّداً فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً يقول: فصرتم بنعمة الإسلام إِخْواناً في الدين، وكل ما ذكر في القرآن أصبحتم، معناه صِرْتم، كقوله: أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً [الكهف: 41] أي صار ماؤكم غوراً، وهذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، كان بينهم قتال قبل الإسلام بأربعين عاماً، حتى كادوا أن يتفانوا، فلما بعث النبيّ  بمكة آمن به الأوس والخزرج، وهم بالمدينة، ثم خرج إلى رسول الله  بمكة، قبل أن يهاجر منهم سبعون رجلاً، فخرج رسول الله  ، ومعه عمه العباس حتى أتى إلى العقبة إلى سبعين رجلاً من الأنصار فعاهدوه ثم رجعوا إلى المدينة، وهاجر النبيّ  إليهم بعد الحولين، فوقعت بين الأوس والخزرج أُلْفَةٌ، وزالت عنهم العداوة التي كانت بينهم في الجاهلية بالإسلام، وهذا كما ذكر في آية أخرى: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63] .

وروي عن جابر بن عبد الله أن رجلين من الأنصار: أحدهما من الأوس، والآخر من الخزرج، تفاخرا فيما بينهما، واقتتلا، فاستعان كل واحد منهما بقومه، فاجتمعت الأوس والخزرج، وأخذوا السلاح، وخرجوا للحرب، فبلغ الخبر إلى رسول الله  ، فخرج إليهم في ثلاثين من المهاجرين، وهو راكب على حمار له قال جابر: فما كان من طالع يومئذ أكرم إلينا من رسول الله  ، إذ طلع علينا، فأومأ إلينا بيده، فكففنا، ووقف بيننا على حمار له فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ إلى قوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ.

إلى قوله: عَذابٌ عَظِيمٌ فَأَلْقوا السلاح وأطفؤوا الحرب التي كانت بينهم، وعاتق بعضهم بعضاً يبكون، فما رأيت الناس أكثر باكياً من يومئذ، فلم يكن في الأرض شخص أحب إليهم من رسول الله  بعد نزول هذه الآية.

ثم قال تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ قال القتبي: أشفى على كذا إذا أشرف عليه شَفا حُفْرَةٍ، أي حرف حفرة، ومعناه وكنتم في الجاهلية على هلاك بالشرك من مات في الجاهلية كان في النار فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بعد ما كنتم على حرف من النار كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ يعني علاماته حيث كنتم أعداء في الجاهلية إخواناً في الإسلام لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا من الضلالة، وتعرفوا علامته بهذه النعمة وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ فهذه لام الأمر كقوله: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [الكهف: 110] يعني لتكن منكم أمة.

قال الكلبي: يعني جماعة.

وقال مقاتل: يعني عصبة وقال الزجاج ولتكونوا كلكم أمة واحدة تدعون إلى الخير ومن هاهنا لتخص المخاطبين من بين سائر الأجناس، وهي مؤكدة كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: 30] وقوله: يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ يعني إلى الإسلام.

ويقال: إلى جميع الخيرات وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ قال الكلبي: يعني باتباع محمد  وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني الجبت والطاغوت.

ويقال: المنكر، يعني العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة.

ويقال: ما لا يصلح في العقل.

وروي عن سفيان الثوري أنه قال إنما يجب النهي عن المنكر إذا فعل فعلاً يخرج عن الاختلاف، أي اختلاف العلماء.

ويقال: إنما أمر بعض الناس بقوله، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ، ولم يأمر جميع الناس، لأن كل واحد من الناس لا يحسن الأمر بالمعروف، وإنما يجب على من يعلم.

ويقال: إن الأمراء، يجب عليهم الأمر والنهي باليد، والعلماء باللسان، والعوام بالقلب، وهنا كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا رَأَى أَحَدٌ مُنْكَراً، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ» .

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: بحسب امرئ إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير أن يعلم الله من قلبه أنه كاره.

وروي عن بعض الصحابة أنه قال: أن الرجل إذا رأى منكراً، لا يستطيع النكير عليه، فليقل ثلاث مرات: اللهم إِنَّ هذا منكر، فإذا قال ذلك فقد فعل ما عليه.

ثم قال تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر هم الناجون.

ويقال: فازوا بالنعيم.

ثم قال: وَلا تَكُونُوا في الاختلاف كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وهم اليهود والنصارى وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ فافترقت اليهود فرقاً والنصارى فرقاً، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، ثم خوفهم فقال: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني دائم لا يرفع عنهم أبداً، يعني الذين اختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات، أي العلامات في أمر محمد  ، وبيان الطريق.

ثم بَيَّن منازل الذين تفرقوا، والذين لم يتفرقوا فقال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم.

ويقال: إن ذلك عند قوله تعالى: وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس، 59] تكون وجوه المؤمنين مُبْيَضّة، ووجوه الكفار مُسْوَدَّة.

ويقال: إن ذلك عند قراءة الكتاب، إذا قرأ المؤمن كتابه، فرأى في كتابه حسناته، استبشر وابيضّ وجهه، وإذا قرأ المنافق والكافر كتابه، فرأى فيه سيئاته، اسودّ وجهه.

ويقال: إن ذلك عند الميزان، إذا رجحت حسناته ابيضّ وجهه، وإذا رجحت سيئاته اسودّ وجهه.

ويقال: إذا كان يوم القيامة يؤمر كل قوم بأن يجتمعوا إلى معبودهم، فإذا انتهوا إليه حزنوا، واسودّت وجوههم، فيبقى المؤمنون، وأهل الكتاب والمنافقون، فيقول الله تعالى للمؤمنين: من ربكم؟

فيقولون: ربنا الله عزّ وجلّ.

فيقول لهم: أتعرفونه إذا رأيتموه؟

فيقولون: سبحانه إذا عرفنا، عرفناه فيرونه كما شاء الله، فيخر المؤمنون سجداً لله تعالى، فتصير وجوههم مثل الثلج بياضاً، وبقي المنافقون وأهل الكتاب، لا يقدرون على السجود، فحزنوا واسودّت وجوههم، فذلك قوله: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ.

فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ يعني يقال لهم: أكفرتم؟

ولكن حُذِفَ القول، لأن في الكلام دليلاً عليه بعد إيمانكم، يعني يوم الميثاق.

قالوا: بَلَى، يعني المرتدين والمنافقين.

ويقال هذا لليهود، وكانوا مؤمنين بمحمد  ، قبل أن يُبْعث، فلما بُعث كفروا به.

وقال أبو العالية: هذا للمنافقين خاصة.

يقول: أكفرتم في السرّ بعد إيمانكم، أي مع إقراركم في العلانية فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بمحمد  وبالقرآن.

حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدّثنا عباد بن الوليد قال: حدّثنا محمد بن عباد البنائي قال: حدّثنا حميد بن الخياط قال: سألت أبا العالية عن هذه الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فقال: حدّثنا أبو أمامة عن رسول الله  أنه قال: «إنَّهُمُ الخَوَارِجُ» وسألته عن قوله: لاَ تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران: 118] قال: إنهم الخوارج قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي في جنة الله قال الزجاج: يعني في الجنة التي صاروا إليها برحمة الله تعالى، لأن الجنة تُنَالُ برحمته، ولا تُنَال بالجهد، وإن اجتهد المجتهد، لأن نعمة الله تعالى لا يكافئها عمل، ففي رحمة الله أي في ثواب الله وَهُمْ فِيها خالِدُونَ أي دائمون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والانفسادَ، وأنْتُمْ شُهَدَاءُ: يريدُ جَمْعَ شاهِدٍ على ما في التوراة من صفة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وصدقه، وباقي الآية وعيد.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ ...

الآية: خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، والإشارة بذلك وقْتَ نزوله إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بسبب نَائِرَةِ شَاسِ بْنِ قَيْسٍ.

قال ص: قوله تعالى: يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ، ردَّ: بمعنى صَيَّر، فيتعدى إلى مفعولَيْنِ الأول: الكافُ، والثاني: الكافِرِينَ كقوله: [الوافر]

فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السّود بيضا ...

وردّ وجوههنّ البيض سودا «١»

اهـ.

ويَعْتَصِمْ: معناه: يتمسَّك، وعُصِمَ الشَّيءُ، إذا مُنِعَ وحُمِيَ ومنه: قوله:

يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ [هود: ٤٣] وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، قال ابن مسعود: «حَقَّ تُقَاتِهِ» : هو أنْ يُطَاع فلا يُعْصَى، وأنْ يُذْكَر فلا ينسى، وأنْ يُشْكَر فلا يكفر «٢» ، وكذلك عبّر

الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَم «١» ، وقتادةُ، والحَسَنُ، قالتْ فرقة: نزلَتِ الآيةُ على عمومِ لفظها مِنْ لزومِ غاية التقوى حتى لا يقع الإخْلاَلُ في شَيْء من الأشياءِ، ثم نُسِخَ ذلك بقوله تعالى:

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] ، وبقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] وقالت جماعة: لاَ نَسْخَ هنا، وإنَّما المعنى: اتقوا اللَّهَ حَقَّ تقاته فِي ما استطعتم، وهذا هو الصحيحُ، وخرَّج الترمذيُّ، عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، وهي: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي الدُّنْيَا، لأفْسَدَتْ على أَهْلِ الدُّنْيَا مَعَايِشَهُمْ، فَكيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ؟» قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وخرَّجه ابنُ ماجة أيضاً «٢» اهـ.

وقوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: معناه: دُومُوا على الإسلام حتى يوافيكم المَوْتُ، وأنتم علَيْه، والحَبْلُ في هذه الآيةِ مستعارٌ، قال ابنُ مسعودٍ: حبْلُ اللَّهِ الجماعةُ، وروى أنس بن مالك، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ افترقوا على إحدى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثنين وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إلاَّ واحدة،

فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هَذِهِ الوَاحِدَةُ؟

قَالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ، وَقَالَ: الجَمَاعَةُ، وقرأ «١» :

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً» ، وقال قتادةُ وغيره: حبْلُ اللَّهِ الَّذي أمر بالاعتصام به: هو القُرآن «٢» ، ورواه أبو سعيد الخدريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، وقال ابنُ زَيْدٍ: هو الإسلام «٤» ، وقيل غير هذا ممَّا هو كلُّه قريبٌ بعضُهُ مِنْ بعض.

وقوله تعالى: وَلا تَفَرَّقُوا: يريد: التفرُّقَ الَّذي لا يتأتى معه الائُتلافُ، كالتفرُّقِ بالفتن، والافتراقِ في العقائد، وأما الافتراقُ في مسائل الفروعِ والفِقْه، فلَيْسَ بداخلٍ في هذه الآيةِ، بل ذلك هو الذي قال فيه صلّى الله عليه وسلّم: «خلاف أمّتي رحمة» «٥» ، وقد اختلفت الصّحابة

في الفُرُوع أشَدَّ اختلافٍ، وهم يَدٌ واحدةٌ على كُلِّ كافرٍ.

وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ...

الآية: هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الخطاب إنما هو للأوس والخَزْرَج كما تقدَّم، وكانَتِ العداوةُ قد دامَتْ بين الحَيَّيْنِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً حتى رفَعَها اللَّه بالإسلام، فجاء النَّفَر الستَّةُ من الأنْصَارِ إلى مكَّة حُجَّاجاً، فعرض النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نَفْسَهُ علَيْهم، وتَلاَ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنَ القُرآنِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبَائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ مَعَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ قَدِمْتَ بَلَدَنَا على مَا بَيْنَنَا مِنَ العَدَاوَةِ وَالحَرْبِ، خِفْنَا أَلاَّ يَتِمَّ مَا نُرِيدُهُ بِكَ، وَلَكِنْ نَمْضِي نَحُنُ، وَنُشِيعُ أَمْرَكَ، وَنُدَاخِلُ النَّاسَ، وَمَوْعِدُنَا وَإيَّاكَ العَامُ القَابِلُ، فَمَضَوْا، وَفَعَلُوا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ فِي العَامِ القَابِلِ، فَكَانَتِ العَقَبَةُ الثَّانِيَةُ، وَكَانُوا اثني عَشَرَ رَجُلاً فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الأَوَّلِينَ، ثُمَّ جَاءُوا مِنَ العَامِ الثَّالِثِ، فَكَانَتْ بَيْعَةُ العَقَبة الكبرى، حَضَرَهَا سَبْعُونَ، وَفِيهِمُ اثنا عَشَرَ نَقِيباً.

ووصْفُ القصَّة مستوعبٌ في السِّيرِ، ويسَّر اللَّه تعالى الأنصار للإسلام بوجْهَيْن:

أحدهما: أنَّ بني إسرائيل كانُوا مجاوِرِينَ لهم، وكانوا يقولُونَ لِمَنْ يتوعَّدونه من العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنَا الآنَ نَبِيٌّ نَقْتُلُكُمْ معه قَتْلَ عَادٍ وإرَمَ، فلمَّا رأَى النَّفَر من الأنصار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال بعضُهم لبعضٍ: هذا، واللَّهِ، النَّبيُّ الَّذِي تَذْكُرُه بَنُو إسرائيل، فلا تُسْبَقَنَّ إلَيْهِ.

والوجْهُ الآخرُ: الحَرْبُ الَّتي كَانَتْ ضرَّسَتْهم، وأفْنَتْ سراتهم، فَرَجوْا أنْ يجمع اللَّه به كلمتهم، فكان الأمر كما رَجَوْا، فعدَّد اللَّه سبحانَهُ علَيْهم نعمَتَهُ في تأليفهم بعد العَدَاوة، وذَكَّرهم/ بها قال الفَخْر «١» : كانَتِ الأنصارُ قَبْلَ الإسلام أعداءً، فلما أكرمهم اللَّه [سبحانه] «٢» بالإسلام، صاروا إخواناً في اللَّه متراحِمِينَ.

واعلم أنَّ كلَّ مَنْ كان وجهه إلى الدنيا، كان معادياً لأكثر الخَلْق، ومَنْ كان وجهه إلى خدمة المولى سبحانه، لَمْ يكُنْ معادِياً لأحدٍ لأنه يَرَى الكُلَّ أسيراً في قبضة القَضَاء والقَدَر، ولهذا قيل: إن العارف، إذا أَمَرَ، أَمَرَ برفْقٍ، ونَصَحَ لاَ بِعُنْفٍ وعُسْر، وكيف، وهو مُسْتَبْصِرٌ باللَّه في القَدَر.

اهـ.

وقوله تعالى: فَأَصْبَحْتُمْ عبارة عن الاستمرار.

قال ص: «أصْبَحَ» : يستعملُ لاتصافِ الموصوفِ بصفَتِهِ وقْتَ الصَّباحِ، وبمعنى «١» «صَارَ» ، فلا يلحظ فيها وقْت الصباح، بل مطْلَق الانتقال والصيرورةِ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، وأَصْبَحَ: هنا بمعنى صَارَ، وما ذكره ابنُ عطية «٢» مِنْ أنَّ «أَصْبَحَ» لِلاستمرارِ، لم يذهَبْ إليه أحَدٌ من النَّحْوِيِّين.

اهـ.

قلْتُ: وفيما ادَّعاه نَظَرٌ، وهي شهادةٌ على نَفْيٍ.

وكلامٍ.

ع «٣» : واضحٍ من جهة المعنى، والشَّفَا: حَرْفُ كلِّ جِرْمٍ له مهوى كالحفرة، والبِئْر، والجُرُفِ، والسَّقْفِ، والجِدَار، ونحوه، ويضافُ في الاستعمالِ إلى الأعلى كقوله: شَفا جُرُفٍ [التوبة: ١٠٩] ، وإلى الأسفلِ كقوله: شَفا حُفْرَةٍ فشبَّه اللَّه كفرهم الذي كانوا عليه بالشَّفَا، لأنهم كانوا يسقطون في جهنّم دأبا، فأنقذهم اللَّه منها بالإسلام.

وقوله تعالى: فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، أي: مِنَ النَّار، ويحتمل من الحُفْرة، والأول أحسن، قال العراقيّ: أنقذكم، أي: خلَّصكم.

اهـ.

وقوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ: أَمْرَ اللَّه سبحانه الأمَّةَ بأنْ يكونَ منْها علماءُ يَفْعَلُونَ هذه الأفعالَ على وجوهها، ويحْفَظُونَ قوانينَها، ويكون سائِرُ الأمَّة مُتَّبِعِينَ لأولئك، إذ هذه الأفعالُ لا تكُونُ إلاَّ بعلْمٍ واسعٍ، وقد عَلِمَ اللَّه سبحانه أنّ الكلّ

لا يكُونونَ علماء، ف «مِنْ» هنا: للتبعيضِ، وهو تأويلُ الطبريِّ «١» وغيره.

وذهب الزَّجَّاج «٢» وغيرُ واحدٍ إلى أنَّ المعنى: ولتكونوا كلُّكم أمةً يدْعُونَ، و «مِنْ» : لبيانِ الجنْس، ومعنى الآية على هذا: أمر الأمة بأنْ يَدْعُوا جميعَ العَالَمِ إلى الخَيْر، فيَدْعُون الكُفَّار إلى الإسلامِ، والعُصَاةَ إلى الطاعةِ، ويكونُ كلُّ واحدٍ في هذه الأمور على منزلته من العلْمِ والقدرةِ، وروى الليثُ بْنُ سَعْدٍ «٣» ، قال: حدَّثني محمَّدُ بْنُ عَجْلاَن «٤» ، أنَّ وَافِداً النَّضْرِيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ أنس بن مالك، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ:

«لَيُؤْتَيَنَّ بِرِجَالٍ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ لِمَنَازِلِهِمْ مِنَ اللَّهِ، يَكُونُونَ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، قالوا: ومن هم، يا رسول الله؟

قال: هُمُ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، وَيُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ، وَيَمْشُونَ فِي الأَرْضِ نُصْحاً، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ؟!

قَالَ: يَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا أَطَاعُوهُمْ، أَحَبَّهُمُ اللَّهُ تعالى» «٥» اهـ من «التذكرة» «٦» للقرطبيّ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اعْتَصِمُوا: اسْتَمْسَكُوا.

فَأمّا الحَبْلُ، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ: القُرْآَنُ، رَواهُ شَقِيقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبِهِ قالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ الجَماعَةُ، رَواهُ الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الإسْلامُ.

والرّابِعُ: عَهْدُ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ في رِوايَةٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، واحْتَجَّ لَهُ الزَّجّاجُ بِقَوْلِ الأعْشى: وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبِيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأُخْرى إلَيْكَ حِبالها وَأنَشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَلَوْ حَبْلًا تَناوَلَ مِن سُلَيْمى ∗∗∗ لَمَدَّ بِحَبْلِها حَبْلًا مَتِينًا والخامِسُ: أنَّهُ الإخْلاصُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والسّادِسُ: أنَّهُ أمْرُ اللَّهِ وطاعَتُهُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ: "جَمِيعًا" مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: كُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى الِاعْتِصامِ بِهِ.

وأصْلُ "تَفَرَّقُوا": تَتَفَرَّقُوا، إلّا أنَّ التّاءَ حُذِفَتْ لِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، والمَحْذُوفَةُ هي الثّانِيَةُ، لِأنَّ الأُولى دَلِيلَةٌ عَلى الِاسْتِقْبالِ، فَلا يَجُوزُ حَذْفُ الحَرْفِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، وهو مَجْزُومٌ بِالنَّهْيِ، والأصْلُ: ولا تَتَفَرَّقُونَ، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِتَدُلَّ عَلى الجَزْمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا الكَلامِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ، كانَ القَوِيُّ يَسْتَبِيحُ الضَّعِيفَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: الأوْسُ والخَزْرَجُ، كانَ بَيْنَهم حَرْبٌ شَدِيدٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والأعْداءُ: جَمْعُ عَدُوٍّ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: وهو مِن عَدا: إذا ظَلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْبَحْتُمْ ﴾ أيْ: صِرْتُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ الأخِ في اللُّغَةِ أنَّهُ الَّذِي مَقْصِدُهُ مَقْصِدَ أخِيهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: فُلانٌ يَتَوَخّى مَسارَّ فُلانٍ، أيْ: ما يَسُرُّهُ.

والشَّفا: الحَرْفُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِإشْرافِهِمْ عَلى الهَلاكِ.

وقُرْبِهِمْ مِنَ العَذابِ، كَأنَّهُ قالَ: كُنْتُمْ عَلى حَرْفِ حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، لَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَ الوُقُوعِ فِيها إلّا المَوْتُ عَلى الكُفْرِ.

قالَ السُّدِّيُّ: فَأنْقَذَكم مِنها مُحَمَّدٌ  .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا ﴾ .

الخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، والمَقْصُودُ بِهِ وقْتَ نُزُولِها الأوسُ والخَزْرَجُ الَّذِينَ شَجَرَ بَيْنَهم بِسِعايَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ ما شَجَرَ.

وتُقاةٌ: مَصْدَرٌ وزْنُهُ فُعْلَةٌ، أصْلُهُ تُقْيَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً  ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ التُقاةُ في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعَ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنهُ فَيَكُونَ كَرُماةٍ ورامٍ، أو يَكُونَ جَمْعَ تَقِيٍّ إذْ فَعِيلٌ وفاعِلٌ بِمَنزِلَةٍ، والمَعْنى عَلى هَذا: اتَّقُوا اللهَ كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مُتَّقُوهُ المُخْتَصُّونَ بِهِ، ولِذَلِكَ أُضِيفُوا إلى ضَمِيرِ اللهِ تَعالى.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "حَقَّ تُقاتِهِ"؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ عَلى عُمُومِ لَفْظِها، وألْزَمَتِ الأُمَّةَ أنْ تَتَّقِيَ اللهَ غايَةَ التَقْوى حَتّى لا يَقَعَ إخْلالٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَسَخَ ذَلِكَ عَنِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ وبِقَوْلِهِ ﴿ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها  ﴾ قالَ ذَلِكَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم.

وقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا نَسْخَ في شَيْءٍ مِن هَذا، وهَذِهِ الآياتِ مُتَّفِقاتٌ، فَمَعْنى هَذِهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ فِيما اسْتَطَعْتُمْ، وذَلِكَ أنَّ "حَقَّ تُقاتِهِ" هو بِحَسَبِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَدْ جَعَلَ تَعالى الدِينَ يُسْرًا، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، وألّا يَعْصِيَ ابْنُ آدَمَ جُمْلَةً لا في صَغِيرَةٍ ولا في كَبِيرَةٍ وألّا يَفْتُرَ في العِبادَةِ، أمْرٌ مُتَعَذِّرٌ في جِبِلَّةِ البَشَرِ، ولَوْ كَلَّفَ اللهُ هَذا لَكانَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، ولَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ أحَدٌ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما عَبَّرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَقَّ تُقاتِهِ": هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وكَذَلِكَ عَبَّرَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ وقَتادَةُ والحَسَنُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ : جاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا نَسْخَ في الآيَةِ.

وقالَ طاوُوسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ : يَقُولُ تَعالى: إنْ لَمْ تَتَّقُوهُ ولَمْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ مَعْناهُ: دُومُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى يُوافِيَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ.

هَكَذا هو وجْهُ الأمْرِ في المَعْنى، وجاءَتِ العِبارَةُ عَلى هَذا النَظْمِ الرائِقِ الوَجِيزِ، ونَظِيرُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، وإنَّما المُرادُ: لا تَكُنْ هُنا فَتَكُونُ رُؤْيَتِي لَكَ.

و"مُسْلِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: هو المَعْنى الجامِعُ في التَصْدِيقِ والأعْمالِ، وهو الدِينُ عِنْدَ اللهِ وهو الَّذِي بُنِيَ عَلى خَمْسٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ﴾ مَعْناهُ تَمَنَّعُوا وتَحَصَّنُوا بِهِ، فَقَدْ يَكُونُ الِاعْتِصامُ بِالتَمَسُّكِ بِاليَدِ، وبِارْتِقاءِ القُنَنِ، وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَنَعَةٌ، ومِنهُ الأعْصَمُ في الجَبَلِ، ومِنهُ عِصْمَةُ النِكاحِ، والحَبْلُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، لَمّا كانَ السَبَبُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بِهِ وصْلَةً مُمْتَدَّةً بَيْنَ العاصِمِ والمَعْصُومِ ونِسْبَةً بَيْنَهُما شَبَّهَ ذَلِكَ بِالحَبْلِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَصِلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ، وتُسَمّى العُهُودُ والمَواثِيقُ حِبالًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبِيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأدْنى إلَيْكَ حِبالَها ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إنِّي بِحَبْلِكِ واصِلٌ حَبْلِي...

∗∗∗.....................

وَمِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ  ﴾ .

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المُرادِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَبْلِ اللهِ؛ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَبْلُ اللهِ: الجَماعَةُ.

ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النارِ إلّا واحِدَةً قالَ: فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، وما هَذِهِ الواحِدَةُ؟

قالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ وقالَ: الجَماعَةُ، وقَرَأ: ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ﴾ .» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في خُطْبَةٍ: عَلَيْكم جَمِيعًا بِالطاعَةِ والجَماعَةِ فَإنَّها حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ.

وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِالِاعْتِصامِ بِهِ: هو القُرْآنُ.

وقالَ السُدِّيُّ: حَبْلُ اللهِ: كِتابُ اللهِ، وقالَهُ أيْضًا ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ.

ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ  : قالَ: « "كِتابُ اللهِ هو حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ".» وقالَ أبُو العالِيَةِ: حَبْلُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الإخْلاصُ في التَوْحِيدِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَبْلُ اللهِ: هو الإسْلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "اعْتَصِمُوا"، فالمَعْنى: كُونُوا في اعْتِصامِكم مُجْتَمِعِينَ،."وَلا تَفَرَّقُوا" يُرِيدُ التَفَرُّقَ الَّذِي لا يَتَأتّى مَعَهُ الِائْتِلافُ عَلى الجِهادِ وحِمايَةُ الدِينِ وكَلِمَةِ اللهِ تَعالى.

وهَذا هو الِافْتِراقُ بِالفِتَنِ والِافْتِراقُ في العَقائِدِ، وأمّا الِافْتِراقُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ والفِقْهِ فَلَيْسَ يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ.

بَلْ ذَلِكَ، هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ  : « "خِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ"» وقَدِ اخْتَلَفَ الصَحابَةُ في الفُرُوعِ أشَدَّ اخْتِلافٍ، وهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى كُلِّ كافِرٍ.

وأمّا الفِتْنَةُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَمِنَ التَفَرُّقِ المَنهِيِّ عنهُ، أما إنَّ التَأْوِيلَ هو الَّذِي أدْخَلَ في ذَلِكَ أكْثَرَ مَن دَخَلَهُ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عن جَمِيعِهِمْ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهِ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو لِلْأوسِ والخَزْرَجِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ وإنْ كانَ هَذا اللَفْظُ يَصْلُحُ في جَمِيعِها، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اجْتَمَعَتْ عَلى الإسْلامِ ولا تَألَّفَتْ قُلُوبُها، وإنَّما كانَتْ في قِصَّةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ في صَدْرِ الهِجْرَةِ، وحِينَئِذٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَهي في الأوسِ والخَزْرَجِ، كانَتْ بَيْنَهم عَداوَةٌ وحُرُوبٌ، مِنها يَوْمُ بُعاثٍ وغَيْرُهُ، وكانَتْ تِلْكَ الحُرُوبُ والعَداوَةُ قَدْ دامَتْ بَيْنَ الحَيَّيْنِ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، حَتّى رَفَعَها اللهُ بِالإسْلامِ، فَجاءَ النَفَرُ السِتَّةُ مِنَ الأنْصارِ إلى مَكَّةَ حُجّاجًا، فَعَرَضَ رَسُولُ اللهِ  نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ كَما كانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وأرادَ الخُرُوجَ مَعَهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ قَدِمْتَ بِلادُنا عَلى ما بَيْنَنا مِنَ العَداوَةِ والحَرْبِ؛ خِفْنا أنْ لا يَتِمَّ ما نُرِيدُهُ مِنكَ، ولَكِنْ نَمْضِي نَحْنُ ونُشِيعُ أمْرَكَ ونُداخِلُ الناسَ، ومَوْعِدُنا وإيّاكَ العامُ المُقْبِلُ، فَمَضَوْا وفَعَلُوا.

وجاءَتِ الأنْصارُ في العامِ التالِي، فَكانَتِ العَقَبَةُ الثانِيَةُ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِتَّةِ الأوَّلِينَ، ثُمَّ جاؤُوا مِنَ العامِ الثالِثِ فَكانَتْ بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، حَضَرَها سَبْعُونَ وفِيهِمُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا؛ ووَصْفُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْعَبٌ في سِيرَةِ ابْنِ هِشامٍ.

ويَسَّرَ اللهُ تَعالى الأنْصارَ لِلْإسْلامِ بِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُجاوِرِينَ لَهم وكانُوا يَقُولُونَ لِمَن يَتَوَعَّدُونَهُ مِنَ العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنا نَبِيٌّ الآنَ نَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَلَمّا رَأى النَفَرُ مِنَ الأنْصارِ مُحَمَّدًا  ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا واللهِ النَبِيُّ الَّذِي تَذْكُرُهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَلا تُسْبَقُنَّ إلَيْهِ.

والوَجْهُ الآخَرُ: الحَرْبُ الَّتِي كانَتْ ضَرَّسَتْهم وَأفْنَتْ سَراتَهُمْ، فَرَجَوْا أنْ يَجْمَعَ اللهُ بِهِ كَلِمَتَهم كالَّذِي كانَ، فَعَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ في تَأْلِيفِهِمْ بَعْدَ العَداوَةِ، وذَكَّرَهم بِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأصْبَحْتُمْ" عِبارَةٌ عَنِ الاسْتِمْرارِ، وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ ما.

وإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ اللَفْظَةُ بِهَذا المَعْنى مِن حَيْثُ هي مَبْدَأُ النَهارِ، وفِيها مَبْدَأُ الأعْمالِ، فالحالُ الَّتِي يُحِسُّها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ فِيها هي حالُهُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها يَوْمَهُ في الأغْلَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ، ويُجْمَعُ إخْوَةً، وهَذانِ أشْهَرُ الجَمْعِ فِيهِ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ يَرى أنَّ إخْوَةً اسْمُ جَمْعٍ، ولَيْسَ بِبِناءِ جَمْعٍ لِأنَّ فَعَلًا لا يُجْمَعُ عَلى فِعْلَةٍ، قالَ بَعْضُ الناسِ الأخُ في الدِينِ يُجْمَعُ إخْوانًا، والأخُ في النَسَبِ يُجْمَعُ إخْوَةً: هَكَذا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ  ﴾ وفِيهِ: ﴿ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ  ﴾ فالصَحِيحُ أنَّهُما يُقالانِ في النَسَبِ، ويُقالانِ في الدِينِ.

والشَفا: حَرْفُ كُلِّ جِرْمٍ لَهُ مَهْوىً، كالحُفْرَةِ والبِئْرِ والجُرُفِ والسَقْفِ والجِدارِ ونَحْوِهِ، ويُضافُ في الِاسْتِعْمالِ إلى الأعْلى، كَقَوْلِهِ: "شَفا جُرُفٍ" وإلى الأسْفَلِ كَقَوْلِهِ: "شَفا حُفْرَةٍ"، ويُثَنّى شَفَوانِ.

فَشَبَّهَ تَعالى كُفْرَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ وحَرْبَهُمُ المُدْنِيَةَ مِنَ المَوْتِ بِالشَفا، لِأنَّهم كانُوا يَسْقُطُونَ في جَهَنَّمَ دَأْبًا فَأنْقَذَهُمُ اللهُ بِالإسْلامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" عائِدٌ عَلى النارِ أو عَلى الحُفْرَةِ، والعَوْدُ عَلى الأقْرَبِ أحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى الشَفا، وأنَّثَ الضَمِيرَ مِن حَيْثُ كانَ الشَفا مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ، فالآيَةُ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: رَأتْ مَرَّ السِنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِرارُ مِنَ الهِلالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ، والآيَةُ لا يُحْتاجُ فِيها إلى هَذِهِ الصِناعَةِ، إلّا لَوْ لَمْ تَجِدْ مَعادًا لِلضَّمِيرِ إلّا الشَفا، وأمّا ومَعَنا لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ يَعُودُ الضَمِيرُ عَلَيْهِ، يُعَضِّدُهُ المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، فَلا يُحْتاجُ إلى تِلْكَ الصِناعَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَيَّنَ في هَذِهِ الآياتِ، أيْ: فَكَذَلِكَ يُبَيِّنُ لَكم غَيْرَها.

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ: مَن تَأمَّلَ مِنكُمُ الحالَ رَجا الِاهْتِداءَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقل مِن تحذير المخاطبين من الانخداع لوساوس بعض أهل الكتاب، إلى تحريضهم على تمام التَّقوى، لأنّ في ذلك زيادة صلاح لهم ورسوخاً لإيمانهم، وهو خطاب لأصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم ويَسري إلى جميع من يكون بعدهم.

وهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية.

والتَّقوى تقدّم تفسيرها عند قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ .

وحاصلها امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، في الأعمال الظَّاهرة، والنَّوايا الباطنة.

وحقّ التقوى هو أن لا يكون فيها تقصير، وتظاهر بما ليس من عمله، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿ فاتَّقوا الله ما استطعتم ﴾ [التغابن: 16] لأنّ الاستطاعة هي القدرة، والتَّقوى مقدورة للنَّاس.

وبذلك لم يكن تعارض بين الآيتين، ولا نسخ، وقيل: هاته منسوخة بقوله تعالى: ﴿ فاتقوا اللَّه ما استطعتم ﴾ لأنّ هاته دلّت على تقوى كاملة كما فسَّرها ابن مسعود: أن يطاع فلا يعصى، ويُشكر فلا يكفر، ويذكر فلا يُنْسى، ورووا أنّ هذه الآية لمَّا نزلت قالوا: «يا رسول الله من يَقوىَ لهذا» فنزلت قوله تعالى: ﴿ فاتَّقوا الله ما استطعتم ﴾ فنسَخَ هذه بناء على أنّ الأمر في الآيتين للوجوب، وعلى اختلاف المراد من التقويين.

والحقّ أنّ هذا بيان لا نسخ، كما حقَّقه المحقِّقون، ولكن شا عند المتقدّمين إطلاق النَّسخ على ما يشمل البيان.

والتُّقاة اسمُ مصدر.

اتَّقى وأصله وُقَيَة ثمّ وُقَاة ثُمّ أبدلت الواو تاء تبعاً لإبدالها في الافتعال إبدالاً قصدوا منه الإدغام.

كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [آل عمران: 28].

وقوله: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون نهي عن أن يموتوا على حالة في الدِّين إلاّ على حالة الإسلام فمحطّ النَّهي هو القيد: أعني المستثنى منه المحذوفَ والمستثنى وهو جملة الحال، لأنَّها استثناء من أحوال، وهذا المركّب مستعمل في غير معناه لأنَّه مستعمل في النَّهي عن مفارقة الدّين بالإسلام مدّة الحياة، وهو مجاز تمثيلي علاقته اللزوم، لما شاع بين النَّاس من أنّ ساعة الموت أمر غير معلوم كما قال الصدّيق: كُلّ امرئ مصبَّح في أهلِهِ *** والموتُ أدنى من شراك نَعْلِه فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النَّهي عن مفارقة الإسلام في سائر أحيان الحياة، ولو كان المراد به معناه الأصلي، لكان ترخيصاً في مفارقة الإسلام إلاّ عند حضور الموت، وهو معنى فاسد وقد تقدّم ذلك في قوله تعالى: ﴿ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ .

وقوله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ ثَنَّى أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم لأخراهم، بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم، وذلك بالاجتماع على هذا الدّين وعدم التَّفرّق ليكتسبوا باتّحادهم قوّة ونماء.

والاعتصام افتعال من عَصَم وهو طلب ما يعصم أي يمنع.

والحَبْل: ما يشدّ به للارتقاء، أو التدلّي، أو للنَّجاة من غَرَق، أو نحوه، والكلام تمثيل لهيئة اجتماعهم والتفافهم على دين الله ووصاياه وعهوده بهيئة استمساك جماعة بحبل ألقى إليهم من مُنقذ لهم من غرق أو سقوط، وإضافة الحبل إلى الله قرينة هذا التَّمثيل.

وقوله: ﴿ جميعاً ﴾ حال وهو الّذي رجّح إرادة التَّمثيل، إذ ليس المقصود الأمر باعتصام كُلّ مسلم في حال انفراده اعتصاماً بهذا الدّين، بل المقصود الأمر باعتصام الأمَّة كُلّها، ويحصل في ضِمن ذلك أمرُ كُلّ واحد بالتَّمسك بهذا الدّين، فالكلام أمر لهم بأن يكونوا على هاته الهيئة، وهذا هو الوجه المناسب لتمام البلاغة لكثرة ما فيه من المعاني، ويجوز أن يستعار الاعتصام للتَّوثيق بالدّين وعهوده، وعدم الانفصال عنه، ويستعار الحبل للدّين والعهود كقوله: ﴿ إلاّ بحَبْل من الله وحبْل من النَّاس ﴾ [آل عمران: 112] ويكون كُلّ من الاستعارتين ترشيحاً للأخرى، لأنّ مبنى التَّرشيح على اعتبار تقوية التَّشبيه في نفس السامع، وذلك يحصل له بمجرد سماع لفظ ما هو من ملائمات المستعار، بقطع النَّظر عن كون ذلك الملائم معتبرة فيه استعارة أخرى، إذ لا يزيده ذلك الاعتبار إلاّ قُوّة.

وليست الاستعارة بوضع اللَّفظ في معنى جديد حتَّى يَتَوهّم متوهّم أنّ تلك الدّلالة الجديدة، الحاصلة في الاستعارة الثَّانية، صارت غير ملائمة لِمعنى المستعار في الاستعارة الأخرى، وإنَّما هي اعتبارات لطيفة تزيد كثرتها الكلام حسناً.

وقريب من هذا التوريةُ، فإنّ فيها حُسناً بإيهام أحد المعنيين مع إرادة غيره، ولا شكّ أنَّه عند إرادة غيره لا يكون المعنى الآخَر مقصوداً، وفي هذا الوجه لا يكون الكلام صريحاً في الأمر بالاجتماع على الدّين بل ظاهره أنّه أمر للمؤمنين بالتمسّك بالدّين فيؤول إلى أمر كُلّ واحد منهم بذلك على ما هو الأصل في معنى مثل هذه الصّيغة ويصير قوله: ﴿ جميعاً ﴾ محتملاً لتأكيد العموم المستفاد من واو الجماعة.

وقوله: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ تأكيد لمضمون اعتصموا جميعاً كقولهم: ذممت ولم تُحْمَد.

على الوجه الأول في تفسير ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ .

وأمّا على الوجه الثَّاني فيكون قوله: ﴿ ولا تفرّقوا ﴾ أمراً ثانياً للدلالة على طلب الاتّحاد في الدّين، وقد ذكرنا أنّ الشيء قد يؤكّد بنفي ضدّه عند قوله تعالى: ﴿ قد ضلوا وما كانوا مهتدين ﴾ في سورة [الأنعام: 140] وفي الآية دليل على أنّ الأمر بالشيء يستلزم النَّهي عن ضدّه.

وقوله: واذكروا نعمت الله عليكم } تصوير لحالهم الَّتي كانوا عليها ليحصل من استفظاعها انكشاف فائدة الحالة الَّتي أمروا بأن يكونوا عليها وهي الاعتصام جميعاً بجامعة الإسلام الَّذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى، الّذي اختار لهم هذا الدّين، وفي ذلك تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتِّفاق.

والتَّذكيرُ بنعمة الله تعالى طريق من طُرق مواعظ الرّسل.

قال تعالى حكاية عن هود: ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ﴾ [الأعراف: 69] وقال عن شعيب: ﴿ واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثَّركم ﴾ [الأعراف: 86] وقال الله لموسى: ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ [إبراهيم: 5].

وهذا التَّذكير خاصّ بمن أسلم من المسلمين بعد أن كان في الجاهلية، لأنّ الآية خطاب للصّحابة ولكن المنّة به مستمرة على سائر المسلمين، لأن كُلّ جيل يُقَدّر أن لو لم يَسبق إسلام الجيل الَّذي قبله لكانوا هم أعداء وكانوا على شفا حفرة من النَّار.

والظرفية في قوله: ﴿ إذ كنتم أعداء ﴾ معتبر فيها التَّعقيب من قوله: ﴿ فألف بين قلوبكم ﴾ إذ النعمة لم تكن عند العداوة، ولكن عند حصول التأليف عقب تلك العداوة.

والخطاب للمؤمنين وهم يومئذ المهاجرون والأنصار وأفراد قليلون من بعض القبائل القريبة، وكان جميعهم قبل الإسلام في عداوة وحروب، فالأوس والخزرج كانت بينهم حروب دامت مائة وعشرين سنة قبل الهجرة، ومنها كان يوم بعاث، والعرب كانوا في حروب وغارات بل وسائر الأمم الَّتي دعاها الإسلام كانوا في تفرّق وتخاذل فصار الّذين دخلوا في الإسلام إخواناً وأولياء بعضهم لبعض، لا يصدّهم عن ذلك اختلاف أنساب، ولا تباعد مواطن، ولقد حاولت حكماؤهم وأولو الرأي منهم التأليف بينهم، وإصلاح ذات بينهم، بأفانين الدّعاية من خطابة وجاه وشعر فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتَّى ألَّف الله بين قلوبهم بالإسلام فصاروا بذلك التَّأليف بمنزلة الإخوان.

والإخوان جمع الأخ، مثل الإخوة، وقيل: يختصّ الإخوان بالأخ المجازي والإخوة بالأخخِ الحقيقي، وليس بصحيح قال تعالى: ﴿ أو بيوت إخوانكم ﴾ [النور: 61] وقال: ﴿ إنَّما المؤمنون إخوة ﴾ [الحجرات: 10] وليس يصحّ أن يكون للمعنى المجازي صيغة خاصّة في الجمع أو المفرد وإلا لبطل كون اللَّفظ مجازاً وصار مشتركاً، لكن للاستعمال أن يُغلّب إطلاق إحدى الصيغتين الموضوعتين لمعنى واحد فيغلّبها في المعنى المجازي والأخرى في الحقيقي.

وقد امتنّ الله عليهم بتغيير أحوالهم من أشنع حالة إلى أحسنها: فحالة كانوا عليها هي حالة العداوة والتَّفاني والتقاتل، وحالة أصبحوا عليها وهي حالة الأخُوّة ولا يدرِك الفرقَ بين الحالتين إلا من كانوا في السُّوأى فأصبحوا في الحُسنى، والنَّاس إذا كانوا في حالة بُؤس وضنك واعتادوها صار الشقاء دأبهم، وذلّت له نفوسهم فلم يشعروا بما هم فيه، ولا يتفطّنوا لوخيم عواقبه، حتَّى إذا هُيّئ لهم الصّلاح، وأخذ يتطرّق إليهم استفاقوا من شقوتهم، وعلموا سوء حالتهم، ولأجل هذا المعنى جمعت لهم هذه الآية في الامتنان بين ذكر الحالتين وما بينهما فقالت: ﴿ إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ﴾ .

وقوله: ﴿ بنعمته ﴾ الباء فيه للملابسة بمعنى (مع) أي أصبحتم إخواناً مصاحبين نعمة من الله وهي نعمة الأخوَّة، كقول الفضل بن عبَّاس بن عتبة اللهبي: كُلُّ له نية في بغض صاحبه *** بنعمة الله نَقْلِيكُم وتَقْلُونَا وقوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ عطف على ﴿ كنتم أعداء ﴾ فهو نعمة أخرى وهي نعمة الإنقاذ من حالة أخرى بئيسة وهي حالة الإشراف على المهلكات.

والشَّفا مثل الشَّفَة هو حرف القليب وَطرفه، وألِفُه مبدلة من واو.

وأما واو شفة فقد حذفت وعوضت عنها الهاء مثل سنة وعِزّة إلاّ أنهم لم يجمعوه على شفوات ولا على شَفِينَ بل قالوا شفاه كأنَّهم اعتدوا بالهاء كالأصل.

فأرى أن شَفا حفرة النَّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتَّفاني الَّذي عبَّر عنه زهير بقوله: تفانَوا ودَقُّوا بينَهم عِطْر مَنْشَم *** بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النَّار كالأُخدُود فليس بينهم وبين الهلاك السَّريع التَّام إلا خطوة قصيرة، واختيار الحالة المشبَّه بها هنا لأن النَّار أشدّ المهلكات إهلاكاً، وأسرعُها، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما: نعمة الأخوة بعد العداوة، ونعمة السلامة بعد الخطر، كما قال أبو الطيب: نَجاة من البأساءِ بعدَ وقوع *** والإنقاذ من حالتين شنيعتين.

وقال جمهور المفسرين: أراد نار جهنَّم.

وعلى قولهم هذا يكون قوله: ﴿ شفا حفرة ﴾ مستعاراً للاقتراب استعارة المحسوس للمعقول.

والنَّارُ حقيقة، ويبعد هذا المحمل قوله تعالى: ﴿ حفرة ﴾ إذ ليست جهنّم حفرة بل هي عالم عظيم للعذاب.

وورد في الحديث «فإذا هي مطوية كطي البئر وإذا لها قرنان» لكن ذلك رؤيا جاءت على وجه التمثيل وإلا فهي لا يحيط بها النّظر.

ويكون الامتنان على هذا امتناناً عليهم بالإيمان بعد الكفر وهم ليقينهم بدخول الكفرة النَّارَ علموا أنَّهم كانوا على شفاها.

وقيل: أراد نار الحرب وهو بعيد جداً لأنّ نار الحرب لا توقد في حُفرة بل توقد في العلياء ليراها من كان بعيداً كما قال الحارث: وبعينيك أوقدَتْ هند النَّارَ *** عِشاء تُلْوي بها العَليَاء فتنورتَ نَارها من بعيد *** بخَزَازَى أيَّان منك الصِلاء ولأنهم كانوا ملابسين لها ولم يكونوا على مقاربتها.

والضّمير في ﴿ منها ﴾ للنَّار على التَّقادير الثَّلاثة.

ويجوز على التَّقدير الأول أن يكون لشَفا حفرة وعاد عليه بالتأنيث لاكتسابه التَّأنيث من المضاف إليه كقول الأعشى: وتَشْرَقَ بالقَوْللِ الذي قد أذعتَه *** كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناة من الدم وقوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ نعمة أخرى وهي نعمة التَّعليم والإرشاد، وإيضاح الحقائق حتَّى تكمل عقولهم، ويَتَبَيَّنوا مَا فيه صلاحهم.

والبيان هنا بمعنى الإظهار والإيضاح.

والآيات يجوز أن يكون المراد بها النعم، كقول الحرث بن حلزة: مَنْ لنا عنده من الخَيْر آيا *** تٌ ثلاث في كلّهن القضاء ويجوز أن يراد بها دلائل عنايته تعالى بهم وتثقيف عقولهم وقلوبهم بأنوار المعارف الإلهية.

وأن يراد بها آيات القرآن فإنها غاية في الإفصاح عن المقاصد وإبلاغ المعاني إلى الأذهان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: هو اتِّقاءُ جَمِيعِ المَعاصِي، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَصَوِّفِينَ.

والثّالِثُ: هو أنْ يَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ في الأمْنِ والخَوْفِ.

والرّابِعُ: هو أنْ يُطاعَ، ولا يُتَّقى في تَرْكِ طاعَتِهِ أحَدٌ سِواهُ.

واخْتَلَفُوا في نَسْخِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي مُحْكَمَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ.

والثّانِي: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ  ﴾ وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الحَبْلُ: كِتابُ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: « (كِتابُ اللَّهِ هو حَبْلُ اللَّهِ المَمْدُودُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ» .

والثّانِي: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وهو الإسْلامُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَهْدُ اللَّهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والرّابِعُ: هو الإخْلاصُ لِلَّهِ والتَّوْحِيدُ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والخامِسُ: هو الجَماعَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وَسُمِّيَ ذَلِكَ حَبْلًا لِأنَّ المُمْسِكَ بِهِ يَنْجُو مِثْلَ المُتَمَسِّكِ بِالحَبْلِ يَنْجُو مِن بِئْرٍ أوْ غَيْرِها.

﴿ وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنْ دِينِ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ فِيهِ بِلُزُومِ الجَماعَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ وفِيمَن أُرِيدَ بِهَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الصَّوائِلِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الحُرُوبِ في الجاهِلِيَّةِ حَتّى تَطاوَلَتْ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ ألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ فَتُرِكَتْ تِلْكَ الأحْقادُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود في قول الله: ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ قال: حبل الله القرآن.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن هذا الصراط محتضر، تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هلمَّ هذا هو الطريق ليصدوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي شريح الخزاعي قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا القرآن سبب.

طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا بعده أبداً» .

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن زيد بن أرقم قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني تارك فيكم كتاب الله، هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة» .

وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي وأهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» .

وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لكم فرط وإنكم واردون عليّ الحوض، فانظروا تخلفوني في الثقلين قيل: وما الثقلان يا رسول الله؟

قال: الأكبر كتاب الله عز وجل.

سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا، والأصغر عترتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين.

أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني من طريق الشعبي عن ابن مسعود ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ قال: حبل الله الجماعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن ثابت بن فطنة المزني قال: سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول: أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سماك بن الوليد الحنفي.

أنه لقي ابن عباس فقال: ما تقول في سلاطين علينا يظلموننا، ويشتموننا، ويعتدون علينا في صدقاتنا، ألا نمنعهم؟

قال: لا.

أعطهم الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها، أما سمعت قول الله: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا ﴾ .

وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على إثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هذه الواحدة؟

قال: الجماعة.

ثم قال: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ » .

وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال: «قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم: افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وأن أمتي ستفترق على إثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هذه الواحدة؟

قال: الجماعة.

ثم قال: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ » .

وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على إثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هذه الواحدة؟

قال: الجماعة.

ثم قال: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ » .

وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً.

يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وإن تناصحوا من ولاه الله أمركم.

ويسخط لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» .

وأخرج أحمد وأبو داود عن معاوية بن سفيان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على إثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، يعني الأهواء كلها في النار إلا واحدة.

وهي الجماعة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته ميتة جاهلية» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ قال: بالإخلاص لله وحده ﴿ ولا تفرقوا ﴾ يقول: لا تعادوا عليه يقول على الإخلاص وكونوا عليه إخواناً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ قال: بطاعته.

وأخرج عن قتادة ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ قال: بعهد الله وبأمره.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ واعتصموا بحبل الله ﴾ قال: الإسلام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء ﴾ يقتل بعضكم بعضاً، ويأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام، فألف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخواناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: «لقي النبي صلى الله عليه وسلم نفراً من الأنصار فآمنوا به وصدقوا وأراد أن يذهب معهم فقالوا: يا رسول الله إن بين قومنا حرباً، وإنا نخاف إن جئت على حالك هذه أن لا يتهيأ الذي تريد.

فوادوه العام المقبل فقالوا: نذهب برسول الله فلعل الله أن يصلح تلك الحرب.

وكانوا يرون أنها لا تصلح وهي يوم بعاث فلقوه من العام المقبل سبعين رجلاً قد آمنوا به، فأخذ منهم النقباء إثني عشر رجلاً.

فذلك حين يقول ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ﴾ وفي لفظ لابن جرير، فلما كان من أمرعائشة ما كان، فتشاور الحيان قال بعضهم لبعض: موعدكم الحرة، فخرجوا إليها.

فنزلت هذه الآية ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ إذ كنتم أعداء ﴾ قال: ما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة.

وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة حتى قام الإسلام، فأطفأ الله ذلك، وألف بينهم.

وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان قال: بلغني أن هذه الآية أنزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في رجلين؛ أحدهما من الخزرج، والآخر من الأوس، اقتتلوا في الجاهلية زماناً طويلاً، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فأصلح بينهم، فجرى الحديث بينهما في المجلس، فتفاخروا واستبوا حتى أشرع بعضهم الرماح إلى بعض.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ﴾ إذ كنتم تذابحون فيها يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم.

أما والله الذي لا إله إلا هو أن الألفة لرحمة، وأن الفرقة لعذاب، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «والذي نفس محمد بيده لا يتواد رجلان في الإسلام، فيفرق بينهما من أول ذنب يحدثه أحداهما، وإن أرادهما المحدث» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار بمَ تمنون عليَّ أليس جئتكم ضلاًلاً فهداكم الله بي، وجئتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟

قالوا: بلى.

يا رسول الله» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار ﴾ يقول كنتم على طرف النار، من مات منكم وقع في النار.

فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فاستنقذكم به من تلك الحفرة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ قال: أنقذنا منها فأرجو أن لا يعيدنا فيها.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ قال: أنقذكم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت عباس بن مرداس وهو يقول: يكب على شفا الأذقان كبا ** كما زلق التحتم عن جفاف <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ﴾ .

الآية.

ذكرنا معنى (الاعتصام) (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) و (٨) (٩) وإذا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبِيلةٍ ...

أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إليكَ حِبَالَها (١٠) (١١) (١٢) (١٣) قال ابن الأنباري (١٤) قال الشاعر: مازلتُ معتَصِمًا بِحَبْلٍ منكُمُ ...

مَن حَلَّ ساحَتَكم بأسبابٍ نَجَا (١٥) أي: بعهد وذِمَّةٍ.

فَسُمَي عهدُ الله حبلًا؛ لأنه سبب النجاة، كالحبل الذي يُتمسك به للنجاة من [سبي] (١٦) (١٧) قال ابن عباس (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

والخطاب في هذه الآية للأوس والخزرج (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ جَمِيعًا ﴾ منصوب (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ قال ابن عباس (٢٦) وقال قتادة (٢٧) وقال الزجاج (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ قال ابن عباس (٣٠) ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً ﴾ يريد: ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب التي (٣١) (٣٢) (٣٣) قال الزجاج (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) قال أبو حاتم (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  ﴾ ، ولم يعْنِ (٤٤) وقال عز وجل: ﴿ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ  ﴾ ، وهذا في النَّسَبِ.

وقوله تعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ﴾ (شَفَا الشيءِ): حَرْفُهُ، مقصورٌ (٤٥) قال الراجز: أدركتُهُ قَبْلَ شَفًا أو بِشَفَا ...

والشمسُ (٤٦) (٤٧) ومِن هذا، يقال: (أشفى على الشيء): إذا أشرف عليه؛ كأنه بلغ شَفَاهُ؛ أي: حَدَّهُ وَحَرْفَه (٤٨) قال ابن عباس (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ فَأَنْقَذَكُمْ ﴾ قال الأزهري (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) ﴿ مِنْهَا ﴾ .

الكناية (٥٤) (٥٥) وقال غيره (٥٦) (٥٧) [أَرَى مَرَّ] (٥٨) (٥٩) وكذلك قول العَجَّاج: طُولُ اللَّيالي أسرعت في نَقْضِي ...

طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي (٦٠) (٦١) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ﴾ الكاف (٦٢) (٦٣) (١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾ .

الآية: 101 من هذه السورة.

(٢) في "غريب الحديث" له: 2/ 219 نقله عنه بتصرف.

وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 730 (حبل).

(٣) انظر: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي: 121 - 122.

(٤) في (ج): (وكان).

(٥) في (ب): (على).

(٦) في (ب)، (ج): (القبيل).

(٧) في (ب): (أن سهل).

بدلًا من: (حبلًا أو سهامًا).

وقوله: (وربما أو سهما): غير موجودة في "غريب الحديث".

وقال السمين الحلبي معلقًا على هذا القول: (وهذا معنى غير طائل، بل سُمِّي العهد حبلًا للتوصل به إلى الغرض).

"الدر المصون" 3/ 332.

(٨) في (ب): (في).

(٩) في "غريب الحديث": (يذكر مسيرًا له، وأنه كان يأخذ الأمان من قبيلة إلى قبيلة، فقال لرجل يمتدحه) وذَكَرَ البيتَ.

(١٠) البيت، في ديوانه: (151).

كما ورد منسوبًا له، في "غريب الحديث" لأبي عبيد:== 2/ 219، "تأويل مشكل القرآن" 465، "المعاني الكبير" 1120، "تفسير الطبري" 4/ 30، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 450، "الزاهر" 2/ 307، "تهذيب اللغة" 1/ 730 (حبل)، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 453، "مقاييس اللغة" 2/ 131، "تفسير الثعلبي" 3/ 86 ب، "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لأبي موسى المديني: 1/ 394، "اللسان" 2/ 760 (حبل)، "التاج" 14/ 134 (حبل)، وغيرها.

وورد غير منسوب في الموضع في " التفسير" 38.

وروايته في الديوان: (فإذا تجوزها ..)، وعند الزجاج: (وإذا أجوز بها ..).

وهذا بيت من قصيدة يمدح فيها الشاعر قيس بن معد يكرب، ويقول فيها مخاطبًا له، وذاكرًا ناقته -أي: ناقة الشاعر-: إنها -وهي تمر في أراضي القبائل، قاصدةً إليك-، لا يُسَوِّغ لها هذا المرور، ولا يُسَهِّل لها قطعَ هذه الطرق، إلا ما تأخذه من عهود الأمان من هذه القبائل، وهكذا من قبيلة إلى قبيلة حتى تصل إليك.

انظر: "المعاني الكبير" 1120، "المقاييس" 2/ 131.

(١١) في "غريب الحديث" له 2/ 219.

نقله عنه بالمعنى.

(١٢) في (ب): (العرب).

(١٣) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ).

وفي (ب): (عن).

والمثبت من (ج).

(١٤) لم أقف على مصدر قوله.

(١٥) لم أقف على قائله.

وقد ورد في مادة (حبل) في "تهذيب اللغة" 1/ 731، "اللسان" 2/ 759.

(١٦) هنا كلمة غير مقروءة في (أ)، (ج).

وفي (ب): (شيء)، ولم أر لها وجهًا.

(١٧) في (ب): (ونحوهما).

قال ابن الأنباري: (والحبل توقعه العرب على السبب تشبيهًا له بالحبل المعروف والسبب المذكور في القرآن هو الحبل، سمَّاه الله -عز وجل- سببًا؛ لأنه يوصل من تمسك به إلى الأمر الذي يَؤُمُّهُ.

وكذلك الأسباب المعروفة هي وُصلات وأسباب تصل شيئًا بشيء ..).

"الزاهر" 2/ 307، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" 464 - 469، "تفسير الطبري" 4/ 30.

(١٨) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 86 ب، "زاد المسير" 1/ 433.

(١٩) وقد ورد نفى هذا المعنى عن ابن زيد، في "تفسير الطبري" 4/ 30، "النكت والعيون" 1/ 414، "زاد المسير" 1/ 433.

(٢٠) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 31، "تفسير الثعلبي" 3/ 86 - ب، "النكت والعيون" 1/ 413، "زاد المسير" 1/ 33.

وفي رواية أخرى عنه، فسره بـ (عهد الله وأمره).

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 31، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 724.

(٢١) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 31، والمصادر السابقة.

(٢٢) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 31، "تفسير الثعلبي" 3/ 86 ب.

(٢٣) ورد عنه  تفسير (حبل الله)، بقوله: (كتاب الله، حبل الله ممدود من السماء إلى الأرض).

ورد ذلك من رواية أبي سعيد الخدري، أخرجها: أحمد، في "المسند" == 3/ 14، 17، 26، 59.

والترمذي، في "السنن" 5/ 663 رقم (3788) كتاب المناقب، باب: (مناقب أهل البيت).

وأورده من طريقين: الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد.

والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم.

وقال: (هذا حديث حسن غريب).

وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 134 (30072)، والطبري في "تفسيره" 4/ 31، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 87 ب، وابن أبي عاصم في "السنة"630 (1554).

وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 163 ونسب إخراجه إلى الطبراني في "الأوسط" وقال: (وفي سنده رجال مختلف فيهم)، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 107.

ومدار سنده عندهم على عطية العوفي، وهو ضعيف، ويخطئ كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلِّسًا.

انظر: "ميزان الاعتدال" 3/ 476، "تقريب التهذيب" 393 (4616).

وورد بلفظ: (إني تارك فيكم كتاب الله، هو حبل الله ..)، من رواية يزيد بن حبان، عن زيد بن أرقم.

أخرجه: ابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 134 (30069)، وابن حبان في "صحيحه" 1/ 330 - 331 (123)، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 87 ب.

وورد بنفس السند وبنحو لفظه، إلا أنه ليس فيه تفسيره بأنه حبل الله، وإنما ورد فيه: (وأنا تارك فيكم ثَقَلَيْن: أولهما كتاب الله ..).

أخرجه: مسلم في "الصحيح" (2408) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب.

وأحمد في "المسند" 4/ 366 - 367، وابن أبي عاصم في "السنة" 629 (1551)، والبيهقي في "السنن" 4/ 2090 (3359)، والدارمي في "السنن" 2/ 431 كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن.

ووردت تفسيراتٌ أخرى لـ (حبل الله) عن بعض السلف، منها: أنه: طاعة الله، وقيل: إخلاص التوحيد، وقيل: الجماعة، وقيل: عهد الله.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 31، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 723، 724.

والاختلاف -هنا- من قبيل اختلاف التّنَوُّع، وليس التَّضاد، فإن من التزم القرآن فقد التزم الإسلام -أصلا-، وبالتالي، فقد أطاع الله، واستقام على عهده، وهو ما عليه جماعة المسلمين.

(٢٤) ويدخل فيه المسلمون عمومًا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما هو مقرر فى أصول هذا الفن.

(٢٥) من قوله: (منصوب ..) إلى (الاعتصام به): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 450.

(٢٦) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٧) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 32 بنحوه، "النكت والعيون" 1/ 414.

(٢٨) في "معاني القرآن" له: 1/ 450 نقله عنه بنصه.

وقد فسره الزجاج بلازمه؛ لأن التناصر من لوازم الوحدة وعدم التفرق.

(٢٩) (ولا تتفرقوا): غير موجودة في "معاني القرآن".

(٣٠) لم أقف على مصدر قوله.

(٣١) في (ج): (الذي).

(٣٢) في (ج): (عشرون).

(٣٣) انظر حول ذلك: "تفسير الطبري" 4/ 33، "الكامل" لابن الأثير 1/ 402 - 420.

(٣٤) في "معاني القرآن" له: 1/ 451.

نقله عنه بتصرف.

(٣٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

ولكنه بعد التمعن والتدقيق قد يقرأ (من) كما أثبتُه.

وقد وجدته كذلك في تفسير الفخر الرازي:8/ 179؛ حيث نقل عبارة الزجاج كما هي عند المؤلف- هنا-.

(٣٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

وقوله: (من التوخي، وهو الطلب) ليس في "معاني القرآن" وإنما حكى المؤلف المعنى، ونصها عند الزجاج -في آخر كلامه-، كالتالي: (والعرب تقول: (فلان يَتَوَخَّى مَسَارَّ فلانٍ)؛ أي: يقصد ما يسره).

(٣٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وفي (ب): (مقصد فمقصد).

والمثبت من (ج).

(٣٨) في (ج): (مفارقة).

(٣٩) قال الأزهري: (وأصله من: (وَخَى، يَخِي): إذا قصد.

فقلبت الواو همزة).

"تهذيب اللغة" 1/ 128 (أخو).

ونقل عن أبي عمرو: (وَخى فلان يَخي وخيْا: إذا توجه لأمر).

المصدر السابق: 4/ 3856 (وخى).

وانظر: "معجم مقاييس اللغة" 6/ 95 (وخى)، 1/ 70 (أخو).

وجمع (أخ): (أخُون، وإخْوان، وإخْوَة، وأخْوَة، وآخاء).

ويرى سيبويه أن (إخوة) اسم جمع.

انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 625، "الصحاح" 6/ 2264 (أخا)، "اللسان" 1/ 40 (أخا).

(٤٠) قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 128 (أخ)، نقله باختصار وتصرف يسير.

وقد تقدمت ترجمته.

(٤١) في "التهذيب"، وهذا خطأ وتخليط.

(٤٢) في (ج): (فقال).

(٤٣) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ).

وفي "تهذيب اللغة" وغير الأصدقاء.

والمثبت من (ب)، (ج).

(٤٤) في (ب): (يقل).

(٤٥) في (ج): (مقصورة).

(٤٦) في (ج): (فالشمس).

(٤٧) البيت، للعجاج، وهو في ديوانه (تح: د.

عزة حسن): 493.

كما ورد في "مجاز القرآن" 1/ 388، "العين" 6/ 288، 8/ 48، "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 427، "إصلاح المنطق" 409، "الجمهرة" 274، 679، "الخصائص" 2/ 119، "المخصص" 9/ 25، 17/ 31، "المقاييس" 2/ 304، "اللسان" 3/ 1432 - 1433 (دنف)،14/ 437 (شفى).

== وورد في الديوان: (أشرفته قبل شفا).

وفي "إصلاح المنطق"، "المخصص"، "اللسان": (أشرفته بلا شفى).

وقال في "اللسان" -في تفسير البيت-: (بلا شفى)؛ أي: وقد غابت الشمس، (أو بشفى)؛ أي: وقد بقيت منها بقية) 4/ 2294 (شفى).

يقال: (شَفَت الشمسُ، تشفو، وتشفي)، و (شفيت شَفًى)، فالكلمة واوية ويائية.

انظر المصدر السابق: 4/ 2294 (شفى).

و (الدَّنَف): هو المرض اللازم، وقيل: مطلق المرض.

ويقال: (رجلٌ دَنَفٌ، ودنِف، ومُدْنَف، ومدْنِف)؛ أي: براه المرضُ حتى أشفى على الموت.

ويقال: (دِنفَت الشمس وأدْنَفَت): إذا دنت للمغيب أو أصفَّرَتْ.

وأراد في البيت: مداناة الشمس للغروب، فكأنها حينئذ كالشخص الدَّنِفِ، وهو استعارة انظر: "اللسان" 3/ 1432 - 1433 (دنف).

(٤٨) انظر المعاني السابقة في مادة (شفا)، في "تهذيب اللغة" 2/ 1902، "تفسير الطبري" 4/ 36 - 37، "المخصص" 9/ 25، "اللسان" 4/ 2294 - 2295.

(٤٩) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ورد بنحوه عن السدي، في "تفسير الطبري" 4/ 38، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 726.

(٥٠) في "تهذيب اللغة" 4/ 4643 (نقذ).

نقله عنه بنصه.

(٥١) هذا قول أبي عبيد، كما في المصدر السابق: 4/ 4643 (نقذ).

(٥٢) في (ب): (الذي) (٥٣) قال ابن دريد: (وكل شيء استرجعته من عدوك من بعير أو فرس، فهو: (نقِيذ)، والجمع: (نقائذ).

"الجمهرة" 700.

(٥٤) أي: الضمير.

(٥٥) في "معاني القرآن" له: 1/ 451.

وهو معنى قوله.

(٥٦) ممن قال بذلك: أبو عبيد، في "مجاز القرآن" 1/ 98، والطبري، في "تفسيره" 4/ 37 - 38.

(٥٧) من قوله: (كقول ..) إلى (وكذلك شفا الحفرة): ساقط من: (ب).

(٥٨) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.

(٥٩) البيت في ديوانه: 341.

وقد ورد منسوبًا له، في "مجاز القرآن" 1/ 98، 2/ 83، "الكامل" للمبرد: 2/ 141، "تفسير الطبري" 4/ 37، "الأصول في النحو" 3/ 478، "البحر المحيط" 3/ 19، "الدر المصون" 3/ 337، "الدر اللوامع" 1/ 20.

وورد غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء 2/ 37، "المقتضب" 4/ 200، "تهذيب اللغة" 1/ 1049، "الصاحبي" 423، "اللسان" 2/ 1187 (خضع)، "همع الهوامع" 1/ 47.

== وروايته في الديوان وأكثر المصادر: (رأت مرَّ السنين ..).

والسِّرَارُ: هي آخر ليلة من الشهر.

ويقال: (سَرَرُ الشهر، وسَرارُه، وسِراره)، وهو مشتق من: (استسر القمرُ)؛ أي: خفي ليلة السرار، وقد يكون ذلك ليلةً، أو ليلتين.

انظر: "الصحاح" 682 (سرر).

قال الأستاذ محمود شاكر: (وأراد جرير بـ (السرار) -في هذا البيت-: نقصان القمر حتى يبلغ آخر ما يكون هلالًا، حتى يخفى في آخر ليلة، فهذا النقصان هو الذي يأخذ منه ليلة بعد ليلة، أما (السِّرَار) الذي شرحه أصحاب اللغة، فهو ليلة اختفاء القمر، وذلك لا يتفق في معنى هذا البيت).

هامش "تفسير الطبري" 7/ 86 (ط.

شاكر).

قال ابن السراج: (فقال (أخَذْنَ)، فردَه إلى السنين، ولم يرده إلى (مَرّ)؛ لأنه لا معنى للسنين إلّا مرُّها).

"الأصول في النحو" 3/ 478.

(٦٠) البيت من الرجز، في ملحق ديوانه (بعناية: وليم بن الورد، نشر ليبسك 1903 م): 80، مما نسب له.

وقد ورد منسوبًا له، في "كتاب سيبويه" 1/ 53، "مجاز القرآن" 1/ 99، "تفسير الطبري" 4/ 37، "المخصص" 17/ 78.

وقد نسبته بعض المصادر للأغلب العجلي، ومنها: "المُعمِّرون" لأبي حاتم السجستاني (تح: عبد المنعم عامر، ط: البابي الحلبي - مصر 1961م) 108، و"الأغاني" 21/ 28، "المقاصد النحوية" 3/ 395، "التصريح" للأزهري 2/ 31، "خزانة الأدب" 4/ 224 - 226.

وورد غير منسوب، في "البيان والتبيين" للجاحظ: 4/ 60، وقال فيه: (ورأى معاويةُ هُزالَه وهو مُتَعر، فقال: ..) وذَكَرَه.

ولا يدلُّ هذا على أنه لمعاوية، بل قد يكون مما استشهد به من حفظه، وورده في "المقتضب" 4/ 199، "الخصائص" 2/ 418، "الأصول في النحو" 3/ 480، "الصاحبي" 423، "مغني اللبيب" 666== (وانظر:"شرح شواهد المغني" 881)، "منهج السالك" 2/ 284.

وقد ورد برواية: (إن الليالي ..) و (أرى الليالي ..)، ولا شاهد فيه -هنا- على هاتين الروايتين.

وورد: (مرُّ الليالي ..).

وورد الشطر الثاني برواية: (نَقَّضن كلِّي ونقضن بعضي)، و (أخَذْنَ بعضي وتَرَكْنَ بعضي).

والشاهد فيه: أنه تكلم عن (طول الليالي)، ولكن أخبر عن الليالي، حيث أنَّثَ (أسرعت)، و (طَوَيْنَ) مع أنه يعود على (طول) وهو مذكر؛ وذلك لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه، وهو (الليالي)، وليس الطول شيئًا غيرها، فأخبر عنها، دون الطول.

(٦١) (إليه): ساقطة من: (ج).

(٦٢) من قوله: (الكاف) إلى (هدايته): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 451.

(٦٣) وفي هذه الحالة إما أن تكون نعتًا لمصدر محذوف، أو تكون حالًا؛ أي: (يبيِّن بيانًا مثل ذلك البيان).

أو: (يبيِّن لكم تبيينًا مثل تبيينه لكم الآيات الواضحة).

انظر: "الفريد في إعراب القرآن" 1/ 612، "الدر المصون" 3/ 338.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واعتصموا بِحَبْلِ الله ﴾ أي تمسكوا، والحبل هنا مستعار من الحبل الذي تشد عليه اليد، والمراد به هنا: القرآن، وقيل: الجماعة ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾ نهي عن التدابر والتقاطع، إذ؛ قد كان الأوس هموا بالقتال مع الخزرج، لما رام اليهود إيقاع الشر بينهم، ويحتمل أن يكون نهياً عن التفرق في أصول الدين، ولا يدخل في النهي الاختلاف في الفروع ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً ﴾ كان بين الأوس والخزرج عداوة وحروب عظيمة، إلى أن جمعهم الله بالإسلام ﴿ شَفَا حُفْرَةٍ ﴾ أي حرف حفرة وذلك تشبيه، لما كانوا عليه من الكفر والعداوة التي تقودهم إلى النار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حق تقاته ﴾ بالإمالة: علي ﴿ ولا تفرقوا ﴾ بتشديد الراء: البزي وابن / فليح.

الوقوف: ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ ولا تفرقوا ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ إخواناً ﴾ ج لاحتمال الواو وللحال والاستئناف ﴿ منها ﴾ ط ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط للعدول ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه (لا) لتعلق الظرف بلهم على الأصح.

وقيل: مصنوب بإضمار "اذكر".

﴿ وتسود وجوه ﴾ ج ﴿ اسودت وجوههم ﴾ (لا) لأن التقدير: فيقال لهم: أكفرتم؟

﴿ تكفرون ﴾ 5 ﴿ ففي رحمة الله ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ 5 ﴿ ما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ وتؤمنون بالله ﴾ ط ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه وعليه وقف لأن المعرف لا يتصف بالجملة ﴿ إلا أذى ﴾ ط و ﴿ الأدبار ﴾ وقفة لأن "ثم" لترتيب الإخبار أي ثم هم لا ينصرون، ولو كان عطفاً لكان ثم لا ينصروا.

﴿ لا ينصرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما حذر المؤمنين إضلال الكفار أمرهم في هذه الآيات بمجامع الطاعات ومعاقد الخيرات، فأولها لزوم سيرة التقوى.

عن ابن عباس: لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ﴾ وهو أن يطاع فلا يعصى طرفة عين، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى.

أو هو القيام بالمواجب كلها والاجتناب عن المحارم بأسرها، وأن لا يأخذه في الله لومة لائم، ويقول بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، شق ذلك على المسلمين فنزلت ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم  ﴾ والجمهور على أنها منسوخة لأن معنى ﴿ حق تقاته ﴾ واجب تقواه وكما يحق أن يتقى وهو أن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ وإلا كان إباحة لبعض المعاصي.

ولا يجوز أن يراد بقوله: ﴿ حق تقاته ﴾ ما لا يستطاع من التكاليف كالصادر على سبيل الخطأ والسهو والنسيان لقوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها  ﴾ فعلى هذا لم يبق فرق بين الآيتين.

ولناصر القول الأول أن يقول: إن كنه الإلهية غير معلوم للخلق، فلا يكون كمال قهره وقدرته وعزته معلوماً فلا يحصل الخوف اللائق بذلك فلا يحصل حق الاتقاء، وإذا كان كذلك فيجوز أن يؤمر بالاتقاء الأغلظ والأخف، ثم ينسخ الأغلظ ويبقى الأخف، ونزول هذه الآية بعد قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها  ﴾ ممنوع ﴿ ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ﴾ ليس نهياً عن الموت وإنما هو نهي عن أن يدركهم الموت على خلاف حال الإسلام وقد مر في البقرة مثله.

ثم إنه  أمرهم بما هو كالأصل لجميع الخيرات وإصلاح المعاش والمعاد وهو الاجتماع على التمسك بدين الله واتفاق الآراء على إعلاء كلمته فقال: ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ﴾ حال كونهم مجموعين.

وقولهم: اعتصمت بحبله يجوز أن يكون تمثيلاً لاستظهاره به ووثوقه بعنايته باستمساك المتدلي من مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه، / لأن وجه الشبه وصف غير حقيقي ومنتزع من عدة أمور.

ويجوز أن يكون الحبل استعارة للعهد والاعتصام لوثوقه بالعهد بناء على أن في الكلام تشبيهين، ويجوز أن تفرض الاستعارة في الحبل فقط ويكون الاعتصام ترشيحاً لها.

والحاصل أن طريق الحق دقيق والسائر عليه غير مأمون أن تزل قدمه عن الجادة، فيراد بالحبل ههنا ما يتوصل به إلى الثبات على الحق وإن كانت عبارات المفسرين متخالفة.

فعن ابن عباس: هو العهد كما يجيء ﴿ إلا بحبل من الله وحبل من الناس  ﴾ وقيل: إنه القرآن كما روي عن علي بن أبي طالب  عن النبي  : " "أما إنها ستكون فتنة.

قيل: فما المخرج منها؟

قال  : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين" وروى ابن مسعود عن النبي  : " هذا القرآن حبل الله " وعن أبي سعيد الخدري عن النبي  : " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله حبل متين ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي " وقيل: إنه دين الله.

وقيل: إنه طاعة الله.

وقيل: إخلاص التوبة.

وقيل: الجماعة لقوله  عقيب ذلك: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ لأن الحق لا يكون إلا واحداً، وما بعد الحق إلا الضلال.

ويد الله مع الجماعة.

قال  : " "ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد فقيل: ومن هم يا رسول الله؟

قال: الجماعة " وروي "السواد الأعظم" وروي " ما أنا عليه وأصحابي" " قال  : " لا تجتمع أمتي على الضلالة " وقد يتمسك بالآية نفاة القياس قالوا: الأحكام الشرعية إن احتيج فيها إلى الدلائل اليقينية امتنع الاكتفاء فيها بالقياس، وإن اقتصر فيها على الدلائل الظنية فالقول بجواز القياس لكل أحد يوجب التفرق والاختلاف وهو منهي عنه.

وأجيب بأن الدلائل الدالة على وجوب العمل بالقياس مخصصه لعموم قوله: ﴿ ولا تفرقوا ﴾ .

ثم إنه  ذكرهم نعمته عليهم وذلك أنهم كانوا في الجاهلية بينهم إلا حن والبغضاء والحروب المتطاولة، فألف الله بين قلوبهم ببركة الإسلام فصاروا إخواناً في الله متراحمين متناصحين، وذلك أن من كان وجهه إلى الدنيا فقلما يخلو من معاداة ومناقشة بسبب الأغراض الدنيوية، أما العارف الناظر من الحق إلى الخلق فإنه يرى الكل اسيراً في قبضة القضاء فلا يعادي أحداً ألبتة لأنه مستبصر بسر الله في القدر.

فإذا أمر أمر برفق ناصح لا بعنف معير وكان حبه لحزب الله ونظرائه في الدين ورفقائه في طلب / اليقين أشد من حب الوالد لولده، فكانوا كالأقربين والإخوان بل كجسد واحد وكنفس واحدة, وقيل: يريد الإخوان في النسب.

وذلك أن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم، وكان بينهما العداوة والحروب، وبقيا على ذلك مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسول الله، فذكر الله  تلك النعمة.

وفيه دليل على أن المعاملات الحسنة الجارية فيما بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله  حيث خلق فيهم تلك الداعية المستلزمة لحصول الفعل.

قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعونة والألطاف لا بخلق الفعل.

وأجيب بأن كل هذا كان حاصلاً قبل ذلك.

فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم.

هذا شرح النعم الدنيوية عليهم، ثم ذكرهم النعم الأخروية بقوله: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ وشفا الحفرة وشفتها حرفها بالتذكير والتأنيث، ومنه يقال: أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وطرفه.

وأنقذه واستنقذه خلصه ونجاه.

والضمير في ﴿ منها ﴾ للحفرة أو النار أو للشفاء إما لأنه في معنى الشفة وإما لإضافته إلى الحفرة وهو بعضها وهو كقوله: كما شرقت صدر القناة من الدم *** قال بعضهم: الشفة أصغر من الشفا وكذلك الضلالة والضلال لذلك قال نوح  : ﴿ ليس بي ضلالة  ﴾ حين قال له قومه ﴿ إنا لنراك في ضلال مبين  ﴾ أي ليس بي صغير من الضلال فكيف الكبير منه؟

ومعنى الآية إنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم تشبيهاً لها بالحفر التي فيها النار وتمثيلاً بحياتهم التي يتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها.

وفيه تنبيه على تحقير مدة الحياة وإن طالت كأنه ليس بين الحياة وبين الموت المستلزم للوقوع في الحفرة إلا ما بين طرف الشيء وبين ذلك الشيء.

قالت المعتزلة: معنى الإنقاذ أنه  لطف بهم بالرسول  وبسائر ألطفاه حتى آمنوا.

وقال أهل السنة: جميع الألطاف مشتركة بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، لكن الآية دلت على أن الله  هو المنقذ فعلم أن خالق أفعال العباد هو الله  .

﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان البليغ ﴿ يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ﴾ إرادة أن تزدادوا هدى أو لتكونوا على رجاء هداية.

فالأول قول المعتزلة والثاني لأهل السنة، وقد مر في أوائل سورة البقرة.

ثم رغب المؤمنين الكاملين في تكميل غيرهم فقال: ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ وهو جنس تحته نوعان: الترغيب في فعل ما / ينبغي من واجبات الشرع ومندوباته والكف عما لا ينبغي من محرماته ومكروهاته، فلا جرم أتبعه النوعين زيادة في البيان فقال: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ واختلفوا في أن كلمة "من" في قوله: ﴿ منكم ﴾ للتبيين أو للتبيعض.

فذهب طائفة إلى أنها للتبيين لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، وكيف لا وقد وصفهم الله  بذك في قوله: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ فهذا كقولك: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر.

وتريد جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم.

ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به بعض سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات.

وقال آخرون: إنها للتبعيض إما لأن في القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنساء والمرضى والعاجزين، وإما لأن هذا التكليف مختص بالعماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما، ويعلمون كيف يرتب الأمر في إقامتهما، وكيف يباشر فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً.

وأيضاً قد أجمعنا على أن ذلك واجب على الكفاية، فكان هذا بالحقيقة إيجاباً على البعض الذي يقوم به.

ثم إن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية وهو المحتسب.

واعلم أن الأمر بالمعروف على ثلاثة أضرب: أحدها ما يتعلق بحقوق الله  وهو نوعان: أحدهما ما يؤمر به الجمع دون الأفراد كإقامة الجمعة حيث تجتمع شرائطها، فإن كانوا عدداً يرون انعقاد الجمعة بهم والمحتسب لا يراه فلا يأمرهم بما لا يجوّزه ولا ينهاهم عما يرونه فرضاً عليهم ويأمرهم بصلاة العيد.

والثاني ما يؤمر به الأفراد كما إذا أخر بعض الناس الصلاة عن الوقت.

فإن قال: نسيتها.

حثه على المراقبة.

ولا يعترض على من أخرها والوقت باق.

وثانيها ما يتعلق بحقوق الآدميين وينقسم إلى عام كالبلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره أو طرقه أبناء السبيل المحتاجون وتركوا معونتهم.

فإن كان في بيت المال مال لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر ذوو المكنة برعايتها والي خاص كمطل المديون الموسر بالدين.

فالمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداه رب الدين وليس له الحبس.

وثالثها الحقوق المشتركة كأمر الأولياء بإنكاح الأكفاء، وإلزام النساء أحكام العدد، وأخذ السادة بحقوق الأرقاء، وأرباب البهائم بتعهدها وأن لا يستعملون فيما لا تطيق، ومن يغير هيئات العبادات كالجهر في الصلاة السرية وبالعكس، أو يزيد في الأذان يمنعه وينكر عليه، / من تصدى للتدريس والوعظ وهو ليس من أهله ولم يؤمن اغترار الناس به في تأويل أو تحريف، فينكر المحتسب عليه ويظهر أمره لئلا يغتر به.

وإذا رأى رجلاً واقفاً مع امرأة في شارع يطرقه الناس لم ينكر عليه، وإن كان في طريق خال فهو موضع ريبة فينكر ويقول: إن كانت ذات محرم فصنها عن مواضيع الريب، وإن كانت أجنبية فخف الله معها في الخلوة.

ولا ينكر في حقوق الآدميين كتعدي الجار في جدار الجار إلا باستعداء صاحب الحق، وينكر على من يطيل الصلاة من أئمة المساجد المطروقة، وعلى القضاة إذا حجبوا الخصوم وقصروا في النظر في الخصومات.

والسوقي المختص بمعاملة النساء يختبر أمانته فإن ظهرت منه خيانة منع من معاملتهن.

وبالجملة: " الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" فلينظر الداعي إلى الخير في حال كل مكلف وغير مكلف حتى الصبيان، ليتمرنوا والمجانين كيلا يضروا ويدعوه إلى ما يليق به متدرجاً من الأسهل إلى الأصعب في الأمر والإنكار كل ذلك إيماناً واحتساباً لا سمعة ورياء، ولا لغرض من الأغراض النفسانية والجسمانية، وذلك أنّ هذه الدعوة منصب النبي وخلفائه الراشدين بعده، ومن ههنا ذهب الضحاك إلى أن المراد من المذكورين في هذه الآية أصحاب رسول الله  الذين يتعلمون من الرسول ويعلمون الناس.

وروي عن النبي  " "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسول الله وخليفة كتابه" وعن علي: أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وكفى بقوله  : ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ أي الأخصاء بالفالح مدحاً لهم.

وقد يتمسك بهذا في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأنه ليس من أهل الفلاح.

وأجيب بأن هذا ورد على سبيل الغالب، فإن الظاهر أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لا يشرع فيه إلا بعد إصلاح أحوال نفسه، لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير وقلما يتفق ممن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت عن وجهها.

قال بعض العلماء: إن ترك ارتكاب المنهي عنه والنهي عن ارتكاب المنهي واجبان على الفاسق، فبتركه أحد الواجبين لا يسقط عنه الواجب الآخر, وعن بعض السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا.

وعن الحسن أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل فقال: وأينا يفعل ما يقول؟

ود الشيطان لو ظفر بهذه منكم فلا يأمر أحد بمعروف ولا ينهي عن منكر.

والحق في هذه القضية ما قيل:/ وغير تقيّ يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي الناس وهو مريض والقرآن ينعي عليه بقوله: ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون  ﴾ ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ وقد سلف تقريره في البقرة.

وعن داود الطائي أنه سمع صوتاً من قبر: ألم أزكِ ألم أصلِ ألم أصم ألم أفعل كذا وكذا؟

أجيب بلى يا عدو الله ولكن إنك إذا خلوت بارزته بالمعاصي ولم تراقبه.

قوله  : ﴿ ولا تكونوا كالذين تفرقوا ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه  ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام، ثم إن أهل الكتاب حسدوا محمداً فاحتالوا لإلقاء الشكوك في تلك النصوص، ثم انجز الكلام إلى أنه أمر المؤمنين بالدعاء إلى الخير، فختم الكلام بتحذير المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب من إلقائ الشبهات في النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة، فعلى هذا تكون الآية من تتمة الآيات المتقدمة.

وثانيهما أنه لما أمر الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن ضده وكان ذلك مما لا يتم إلا بالقدرة على تنفيذه، كيف وفي الناس ظلمة ومتغلبون، فلا جرم حذر أهل الحق أن يتفرقوا ويختلفوا كيلا يصير ذلك سبباً لعجزهم عن القيام بهذا التكليف، وعلى هذا تكون الآية من تتمة الآية السابقة فقط.

قال بعضهم: تفرقوا واختلفوا مؤداهما واحد والتكرير للتأكيد.

وقيل: معناهما مختلف.

تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين.

أو تفرقوا بسبب التأويلات الفاسدة للنصوص، واختلفوا كل منهم نصرة قوله.

أو تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل من الأحبار رئيسا في بلد، واختلفوا بأن صار كل منهم يدعي أنه على الحق وصاحبه على الباطل.

ولعل الإنصاف أن أكثر علماء الزمان بهذه الصفة فنسأل الله العصمة والسداد.

﴿ وأولئك ﴾ اليهود والنصارى الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم الدلالات الواضحة والنصوص الظاهرة، أو أولئك الذين اقتفوا آثارهم من مبتدعه هذه الأمة ﴿ لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ وفي تعليق الظرف بقوله ﴿ لهم ﴾ فائدتان: إحداهما أن ذلك العذاب في هذا اليوم، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن يبيض بعض الوجوه ويسود بعضها ونظير ذلك في القرآن: ﴿ وجوه يومئذٍ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة  ﴾ وفي أمثال هذه الألوان للمفسرين قولان: أحدهما - وإليه ميل أبي مسلم -: أن البياض مجاز عن الفرح والسواد عن الغم وهذا مجاز مستعمل قال  : ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّاً  ﴾ ولما سلم الحسن بن علي الأمر على معاوية قال له رجل: يا مسوّد وجوه المؤمنين.

وتمام الخبر سوف يجيء إن شاء الله في تفسير سورة القدر، ولبعض الشعراء في الشيب: / يا بياض القرون سودت وجهي *** عند بيض الوجوه سود القرون.

وثانيهما: أن السواد والبياض محمولان على ظاهرهما وهما النور والظلمة، إذ الأصل في الإطلاق الحقيقة.

فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكمده واسودت صحيفته وأحاطبت به الظلمة من كل جانب.

قالوا: والحكمة في ذلك أن يعرف أهل الموقف كل صنف فيعظمونهم أو يصغرون بحسب ذلك ويحصل لهم بسببه مزيد بهجة وسرور أو ويل وثبور.

وأيضاً إذا عرف المكلف في الدنيا أنه يحصل له في الآخرة إحدى الحالتين ازدادت رغبته في الطاعات وترك المحرمات.

قلت: والتحقيق فيه أن الهيئات والأخلاق الحميدة أنوار، والملكات والعادات الذميمة ظلمات، وكل منهما لا يظهر آثارهما كما هي إلا بعد المفارقة إلى الآخرة ﴿ انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً  ﴾ واحتج أهل السنة بالآية على أن المكلف إما مؤمن وإما كافر وإنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين، لأنه قسم أهل القيامة إلى قسمين: مبيض الوجوه وهم المؤمنون، ومسودها وهم الكافرون لقوله  في آخر الآية ﴿ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ﴾ واعترض القاضي عليه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه، وأيضاً لفظ وجوه نكرة فلا يفيد العموم.

وأيضاً المذكور في الآية هم المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان، ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين فكذا القول في الفساق.

والجواب لم لا يجوز أن يكون المراد أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم، فيكون الخطاب لجميع الكفار؟

وأنه أيضاً جعل موجب العذاب في آخر الآية هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث إنه بعد الإيمان.

فإن قيل: لم قدم البياض على السواد أوّلاً وعكس آخراً؟

فالجواب بعد تسليم إفادة الواو الترتيب، أنه بدأ بذكر أهل الثواب وختم بها أيضاً تنبيهاً على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال: " "سبقت رحمتي غضبي" ولما في ذلك من رعاية حسن المطلع والمقطع وأنه فن بديع في الفصاحة.

ومن المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم؟

قال أبي بن كعب: هم جميع الكفار لأنهم آمنوا وقت الميثاق، ورواه الواحدي في البسيط بإسناده عن النبي  .

وقيل: المراد أكفرتم بعدما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو ما نصبه الله من دلائل التوحيد والنبوة؟

وقال عكرمة والأصم والزجاج: إنهم أهل الكتاب آمنوا قبل مبعث النبي  وكفروا به بعد بعثه.

وقال قتادة: إنهم المرتدون.

وقال الحسن: هم المنافقون.

وقيل: هم الخوارج الذين قال فيهم رسول الله  : "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من / الرمية" ولما رأى أبو أمامة رؤوساً منصوبة على درج مسجد دمشق دمعت عنياه ثم قال: كلاب النار هؤلاء شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء.

فقال له أبو غالب: أشيء تقوله برأيك أم شيء سمعته من رسول الله  ؟

قال: بل سمعته من رسول الله  ، ولو لم أسمعه، إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبعاً ما حدثتكموه.

قال: فما شأنك دمعت عيناك؟

قال: رحمة لهم.

كانوا من أهل الإسلام فكفروا ثم قرأ هذه الآية.

ثم أخذ بيده فقال: إن بأرضك منهم كثيراً فأعاذ الله منهم.

هذا مما أخرجه الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعة.

ولكن المشهور من مذهب أهل السنة أنّ الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة، والاستفهام في قوله  : ﴿ أكفرتم ﴾ بمعنى الإنكار.

قال القاضي: وفيه وكذا في قوله: ﴿ ما كنتم تكفرون ﴾ دليل على أن الكفر منهم لا من الله.

وقالت المرجئة: فيه دلالة على أن العذاب لا يكون إلا للكفار.

أما قوله: ﴿ ففي رحمة الله ﴾ فالمراد بها الجنة التي هي محل الرحمة.

وموقع قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ موقع الاستئناف كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟

فأجيب بذلك أي لا يظعنون عنها ولا يموتون.

وفي إقامة الرحمة مقام الجنة دليل على أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا بفضل الله وبرحمته.

وفي إضافة الرحمة إلى نفسه وتعليل العذاب بكفرهم والنص على خلود أهل الثواب دون أهل النار وإن كانوا مخلدين أيضاً دلائل وإشارات إلى أن جانب العفو والمغفرة والرحمة مغلب، وكيف لا وقد أردفه بقوله: ﴿ تلك ﴾ الأحكام التي وردت في حيز الوعيد والوعد وانقضى ذكرها ﴿ آيات الله نتلوها عليك ﴾ متلبسة ﴿ بالحق ﴾ العدل من جزاء المحسن بإحسانه وجزاء المسيء بإساءته، أو ملتبسه بالمعنى الحق لأن معنى المتلو حق ﴿ وما الله يريد ظلما للعالمين ﴾ ولكن مصالح الخلق لا نتتظم إلا بتهديد المذنبين، وإذا حصل التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب عمن هو أصدق القائلين.

قال الجبائي: قوله: ﴿ ظلماً ﴾ نكرة في سياق النفي فوجب أن لا يريد شيئاً مما يكون ظلماً سواء فرض منه أو من العبد على نفسه أو على غيره، وإذا لم يرد لم يفعل إذ لو كان فاعلاً لشيء من الأقسام الثلاثة كان مريداً له هذا خلف، فثبت بهذه الآية أنه  غير فاعل للظلم وغير فاعل لأعمال العباد، إذ من جملتها القبائح، وقد بينا أنه لا يريدها.

ثم إنه  تمدح بأنه لا يريد ذلك، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريداً له، فدلت الآية على أنه قادر على الظلم وعلى أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر فلهذا قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وأيضاً لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح للجهل أو العجز أو الحاجة.

وكل ذلك على / الله  محال لأنه مالك لكل ما في السموات وما في الأرض بل لكل ما في الوجود.

وربما يقال: معنى الآية إما أن يكون أنه لا يريد أن يظلمهم، أو أنه لا يريد أن يظلم بعضهم بعضاً.

والأول لا يستقيم على مذهبكم لأن من مذهبكم أنه  لو عذب البريء من الذنب أشد العذاب لم يكن ظالماً بل كان عادلاً لأن الظلم تصرف في ملك الغير وهو  إنما يتصرف في ملك نفسه، فتصور الظلم منه محال عندكم، فلا يلزم منه مدح.

والثاني أيضاً محال على قولكم لأن كلاً بإرادة الله وبتكوينه عندكم، فثبت أنه لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح في مذهبكم.

أجاب أهل السنة من وجهين: الأول أنه يتوقف التمدح بنفي صفة على إمكان تصور ذلك الشيء منه بدليل قوله: ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ﴿ وهو يطعم ولا يطعم  ﴾ ولا يتوقف التمدح بذلك على صحة النوم والأكل عليه.

الثاني أنه  إن عذب من ليس بمستحق للظلم لم يكن ظالماً لكنه في صورة الظلم.

وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ والحق في هذا المقام أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه.

وإذا كان اللطف والقهر من ضرورات صفات الكمال، فوضع كل منهما في مظهره يكون وضع الشيء في موضعه فلا يكون ظلماً.

واحتجت الأشاعرة بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ على أن أفعال العباد مخلوقة لله  لأنها من جملة ما في السموات وما في الأرض.

أجابت المعتزلة بأن قوله: ﴿ لله ﴾ إضافة ملك لا إضافة فعل كما يقال: هذا البناء لفلان.

يراد أنه مملوكه لا أنه مفعوله.

وأيضاً الآية مسوقة في معرض المدح ولا مدح في نسبة الفواحش والقبائح إلى نفسه.

وأيضاً قوله: ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ يتناول ما كان مظروفاً لهما وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض، والداعية المنتهية إلى تخليق الله دفعاً للتسلسل أو لترجيح من غير مرجح، قالت الحكماء: تقديم السموات في الذكر على الأرض دليل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأسباب السموية، ولا شك أن الأحوال السموية مستندة إلى خلقه وتكوينه  فيكون الجبر أيضاً لازماً من هذا الوجه.

﴿ وإلى الله ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ﴿ ترجع الأمور ﴾ فالأول إشارة إلى أنه  مبدأ المخلوقات كلها، وهذا إشارة إلى أن معاد الكل إليه.

قوله عز من قائل: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ في النظم وجهان: أحدهما أنه لما أمر المؤمنين بما أمر ونهاهم عما نهى، عدل إلى طريق آخر يقتضي حملهم على الانقياد والطاعة لأن كونهم خير الأمم مما يقوّي داعتيهم في أن لا يبطلوا على أنفسهم هذه المزية، وذلك إنما / يكون بالتزام التكاليف الشرعية، وثانيهما أنه لما ذكر حال الاشقياء وحال السعداء نبه أوّلاً على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله: ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بمعنى أنهم استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة.

ثم نبه على سبب وعد السعداء بقوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ أي تلك الكرامات والسعادات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا خير أمة، وأقول: لما انجز الكلام في مخاطبة المؤمنين الى بيان أن كل ما في الوجود ملكه وملكه إبداعاً واختراعاً وأن منتهى الكل إليه، أتبع ذلك مزية هذه الأمة ليعلم أنها بسابقة العناية الأزلية إذ جعلهم مظهر الألطاف، وذكر بعدها رذيلة أهل الكتاب ليعرف أنها لوقوعهم في طريق القهر ولا اعتراض لأحد على ما يفعله المالك في ملكه.

عن عكرمة ومقاتل "أن مالك بن الصيف ووهب بن يهوديا اليهوديين قالا لابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه، ونحن خير وأفضل منكم, فأنزل الله هذه الآية" .

قال بعض المفسرين: "كان" ههنا تامة، وانتصاب ﴿ خير أمة ﴾ على الحال حدثتم ووجدتم خير أمة.

والأكثرون على أنها ناقصة، فجاء إيهام أنهم كانوا موصوفين بالخيرية في الزمان الماضي دون ما يستقبل.

فأجيب بأن "كان" لا تدل على عدم سابق ولا انقطاع طارىء بدليل قوله: ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ {النساء: 96] وقيل: المراد كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ خير أمة، أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة كقوله: ﴿ ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل  ﴾ وقال أبو مسلم: هذا تابع لقوله: ﴿ وأما الذين ابيضت وجوههم ﴾ وما بينهما اعتراض والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فلهذا نلتم من الرحمة وبياض الوجه ما نلتم.

وقال بعضهم: لو شاء الله لقال: أنتم.

فكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا، ولكنه مخصوص بقوم معينين من أصحاب رسول الله  وهم السابقون الأولون ومن صنع مثل صنيعهم.

وقيل: إنها زائدة والمعنى: أنتم خير أمة.

وزيفه ابن الأنباري بأن الزائدة لا تقع في أول الكلام ولا تعمل كقول العرب "عبد الله كان قائم وعبد الله قائم كان" ولا يقولون: "كان عبد الله قائم" على أن "كان" زائدة.

لأن البداءة بها دليل شدة العناية، والملغى لا يكون في محل العناية.

وقيل: إنها بمعنى صار أي صرتم خير أمة.

وأصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد، وأمة محمد  هي الطائفة الموصوفة بالإيمان به والإقرار بنبوته.

وإذا أطقلت الأمة في نحو قول العلماء"اجتمعت الأمة" وقعت عليهم.

وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم لفظ الأمة إلا بهذا القيد.

قال الزجاج: ظاهر الخطاب في ﴿ كنتم ﴾ مع أصحاب النبي  ولكنه عام في حق لكل الأمة.

ونظيره ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ وقوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ أخرجت ﴾ / والمعنى: كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار.

ومعنى إخراجها أنها أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها.

وإما أن يتعلق بـ ﴿ كنتم ﴾ أي كنتم للناس خير أمة.

ثم بين سبب الخيرية على سبيل الاستئناف بقوله: ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ﴾ كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم.

وقد يستدل بالآية على أن إجماع هذه الأمة حجة لأنها لو لم تحكم بالحق لم تكن خيراً من المبطل، ولأن اللام في ﴿ المعروف ﴾ وفي ﴿ المنكر ﴾ للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر فيكون إجماعهم حقاً , وأما أنه من أي وجه يقتضي ذلك كون هذه الأمة خير الأمم مع أن الصفات الثلاثة كانت حاصلة لسائر الأمم فذلك أن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال لأنه إلقاء النفس في خطر القتل.

وأعرف المعروفات الدين الحق والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين تحملاً لأعظم المضارّ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار، فكان من أعظم العبادات.

ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع كما قال النبي  : " "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" " فلا جرم صار لك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله أعظم المعروف والتكذيب أنكر المنكر.

وفائدة القتل على الدين لا ينكره منصف فإن أكثر الناس يحبون ما ألفوه من الأديان الباطلة ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم، فإذا خوف بالقتل دخل في دين الحق مكرهاً إلى أن يألفه متدرجاً.

وأما الإيمان بالله فلا شك أنه في هذه الأمة أكمل لأنهم آمنوا بكل ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو ثواب أو عقاب إلى غير ذلك، ولا يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

وإنما اقتصر في وصف الأمة على الإيمان بالله لأنه يستلزم الإيمان بالنبوة وبسائر ما عددنا وإلا لم يكن في الحقيقة إيمانأ، ولهذا نفى عن أهل الكتاب في قوله: ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ وإنما قدم الأمر بالمعروف على الإيمان بالله في الذكر مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، لأن الآية سيقت لبيان فضل الأمر بالمعروف وتأكد القيام به ولهذا كرر بعد قوله: ﴿ ولتكن منكم / أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ﴾ فكانت العناية به أشد فكان تقديمه أهم.

وليعلم أن التكميل أفضل من الكمال نفسه ولهذا استلزم الأول الثاني دون العكس، ولأن التكميل يتضمن الكمال فكان في تأخير الإيمان بالله تكريراً له مرة بالتضمن وأخرى بالمطابقة على أن الواو لا تفيد الترتيب، وأيضاً أراد أن يبني عليه قوله: ﴿ ولو آمن ﴾ وفي التفسير الكبير: إن أصل الإيمان مشترك فيه بين الأديان فلا تتبين فيه الخيرية، لكن الآية سيقت لبيان الخيرية وليس ذلك إلا لأن هذه الأمة أقوى في باب الأمر بالمعروف فلهذا قدم، ثم أتبع ذكر الإيمان بالله ليعلم أن شرط تأثير الأمر بالمعروف في الخيرية حاصل.

ولا يخفى أن هذا الجواب مبني على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وعلى أن إيمان أهل الكتاب معتد به وليس كذلك، ولهذا قال  : ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني إيماناً متعتبراً وهو الإيمان بالله وبسائر ما لا بد منه من الأمور المعدودة ﴿ كان خيرا لهم ﴾ لحصلت لهم صفة الخيرية أيضاً لانضمامهم في زمرة هذه الأمة، أو لحصل لهم من الرياسة وحظوظ الدنيا ما هو خير مما تركوا هذا الدين لأجله، لأن الحاصل على هذا التقدير عزة الإسلام مع الفوز بما وعدوا من إيتاء الأجر في الآخرة مرتين، وعلى ما هم فيه ليس إلا استتباع بعض الجهلة من العوام وشيء نزر من الرشا، وبعد ذلك خلود في النار، ثم فصل أهل الكتاب على سبيل الاستئناف فقال: ﴿ منهم المؤمنون ﴾ كعبد الله بن سلام ورهطه وكالنجاشي وأصحابه، فاللام للمعهود السابق ﴿ وأكثرهم الفاسقون ﴾ الخارجون عن طاعة الله  وعن دينه فيقارب الكفر أو يرادفه، أو المراد أنهم ليسوا بعدول في دينهم أيضاُ فهم مردودون باتفاق الطوائف كلهم، فلا ينبغي أن يقتدى بهم ألبتة.

ثم أخبر عن حالهم وكان كما قال وهو آية الإعجاز بجملة مستأنفة هي ﴿ لن يضروكم إلا أذى ﴾ الإضرار ألا يجاوز أذى بقول كطعن في الدين أو تهديد أو تحريف نص أو إلقاء شبهة أو إظهار كلمة الكفر بإشراكهم عزيراً والمسيح.

والأذى مصدر كالأسى يقال: يفعلون أذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذية.

والأذى نوع من الضر فصح انصابه به والتقدير: لن يضروكم شيئاً من أنواع الضرر إلا ضرراً يسيراً.

ومن هذا تبين أن الاستثناء ليس بمنقطع على ما ظن ﴿ وإن قاتلوكم بولوكم الأدبار ﴾ منهزمين ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ وإنما لم يجزم بالعطف على ﴿ يولوكم ﴾ لئلا يصير نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم بل يرفع ليكون نفي النصر وعداً مطلقاً، وتكون هذه الجملة معطوفة على جملة الشرط والجزاء كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم وأبشركم أن النصر والقوة منتفٍ عنهم رأساً فلن يستقيم لهم أمر ألبتة.

ومعنى "ثم" إفادة التراخي في الرتبة لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أينما كانوا أعظم من الإخبار بانهزامهم عند القتال.

فإن قيل: هب أن اليهود كذلك، لكن النصارى قد يوجد لهم قوى وشوكة في ديارهم.

قلنا: هذه الآيات مخصوصة باليهود وأسباب النزول تدل على ذلك، فكان كما أخبر من حال بني قريظة والنضير وبني قينقاع وأهل خيبر، أو لعل نفي النصرة عنهم بعد القتال ولم يوجد نصراني بهذه الحالة.

وفي الآية تشجيع للمؤمن وتثبيت لمن آمن من أهل الكتاب كيلا يلتفتوا إلى تضليلاتهم وتحريفاتهم.

التأويل: ﴿ اتقوا الله حق تقاته ﴾ لأهل العزائم وقوله: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم  ﴾ لأهل الرخص.

والمعنى: اتقوا عن وجودكم بالله وبوجوده ﴿ ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ لا ينتف وجودكم المجازي إلا وقد سلمتم لتصرفات الأحكام الإلهية والجذبات الربانية، واستفدتم الوجود الحقيقي وهو البقاء بالله ﴿ واعتصموا ﴾ أهل الاعتصام طائفتان: أهل الصورة وهم المتعلقون بالأسباب لأن مشربهم الأعمال فقيل لهم اعتصموا بحبل الله وهو كل سبب يتوصل به إلى الله من أعمال البر، وأهل المعنى وهم المنقطعون عن الأسباب إذ مشربهم الأحوال فقيل لهم: واعتصموا بالله هو مولاكم مقصودكم أو ناصركم، ولا تفرقوا في الظاهر وهو مفارقة الجماعة، وفي الباطن وهو الميل إلى البدع والأهواء.

﴿ وكنتم على شفا حفرة ﴾ وهي عداوة بعضكم لبعض وعداوتكم لله ولأنفسكم ﴿ فأنقذكم منها ﴾ بالهداية والإيمان وتأليف القلوب ﴿ كذلك ﴾ مثل ما بين آياته للأوس والخزرج حتى صاروا إخواناً ﴿ يبين لكم ﴾ أيها الطلاب ﴿ آياته ﴾ وهي الجذبة الإلهية وتجلي صفات الربوبية ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ﴾ بالأفعال دون الأقوال ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ من وعيد من يأمر بالمعروف ولا يأتيه ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ﴾ لأن الوجوه تحشر بلون القلوب كقوله: ﴿ يوم تبلى السرائر  ﴾ أي يجعل ما في الضمائر على الظواهر ﴿ أكفرتم بعد إيمانكم ﴾ هم أرباب الطلب السائرون إلى الله انقطعوا في بادية النفس واتبعوا غول الهوى وارتدوا على أعقابهم القهقرى.

﴿ فذوقوا العذاب ﴾ لأن الناس نيام لا يذوقون ألم جراحات الانقطاع والإعراض عن الله، فإذا ماتوا انتبوا وذاقوا ﴿ ففي رحمة الله ﴾ في الدنيا بالجمعية والوفاق مع أهل الله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ في الآخرة، ولأنه يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه ﴿ تلك ﴾ الأحوال ﴿ آيات الله ﴾ مع خواصه ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ نظهرها على قلبك بالتحقيق ﴿ وما الله يريد ظلماً للعالمين ﴾ بأن يضع السواد والبياض في غير موضعهما ﴿ كنتم خير أمة أخرجت ﴾ من العدم إلى الوجود مستعدة لقبول كمالية الإنسان من جملة الخيرية تخفيف التكليف وضمان التضعيف، ومنها عاقب مطيعهم بشؤم عصيانهم، وغفر لعصاة هذه الأمة ببركة مطيعهم، ومنها زلاتهم لعنة وزلاتنا رحمة، ومنها شكا منهم إلينا وشكر منا إليهم قبل وجودنا ﴿ ولو آمن أهل الكتاب ﴾ يعني علماء السوء ﴿ لن يضروكم ﴾ أيها المحققون ﴿ إلا أذى ﴾ من طريق الإنكار والحسد ﴿ وإن يقاتلوكم ﴾ ينازعوكم ويخاصموكم ﴿ يولوكم الأدبار ﴾ من صدق نياتكم ﴿ لا ينصرون ﴾ لأنكم أهل الحق وحزب الله وإن حزب الله هم الغالبون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

وعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ .

على أن الذي أراكم الرسول  ألذّ للعقول، وأروح للأبدان مما وُعِدوه مع سوء المآب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ : وهو على وجه التعجب ظاهر، ولكنه على طلب الحجة في كفرهم.

﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ .

يدفع عنكم الشبهة التي عرضت لكم بإلقاء الكفار إليكم.

﴿ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ ﴾ : أي: من جعل الله - عز وجل - ملجأً له، ومفزعاً إليه عند الشبه والإشكال.

﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

أي: يحفظه عن الشبه، ويرشده إلى صراط مستقيم، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ ﴾ : يتمسك بالذي جاء من القرآن، ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : رُوي عن ابن مسعود -  - قال: " ﴿ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ : أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى"، وأراد: حق تقاته؛ مما يحتمل وسع الخلق.

ورُوي في حرف حفصة: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي: اعبدوا الله حق عبادته، وهذا في اعتقاد التوحيد.

وروي عن أنس -  - يقول: "لا يتقي الله أحد حق تقاته حتى يخزن من لسانه، وبعد كلامه من عمله".

وقيل: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : أطيعوا الله حق طاعته.

وقيل: إن هذا نسخها قوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ الآية [التغابن: 16]؛ لكن لا يحتمل أن يأمر الخلق بشيء ليس في وسعهم القيام به، ثم ينسخ ذلك بما يستطاع، ولكن أصله ما روي عن رسول الله  أنه قال: "إِنَّ لله عَلَى عِبَادِهِ حَقّاً، وَلِعِبَادِهِ عَلَيْهِ حَقّاً، وَحَقُّ الله على عَبْدِهِ: أَنْ يَعْبُدَ الله، وَلاَ يُشْرِكَ غَيْرَهُ فِيهِ.

وَحَقُّ العَبْدِ عَلَى الله: أَنْ يُدْخِلهُ الجَنَّةَ؛ إِذَا عَبَدَهُ، وَلَمْ يُشْرِكْ غَيْرَهُ فِيهِ أَحَداً" ليكون هذا تأويلاً للآية أن قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ولا تكفروه؛ فيكون فيه الأمر بالإيمان، والنهي عن الكفر؛ لأنه ليس في وسع أحد أن يتقي الله حق تقاته في كل العبادة؛ ألا ترى إلى ما روي من أمر الملائكة مع ما وصفوا من عبادتهم أنهم ﴿ لاَ يَفْتُرُونَ  ﴾ و ﴿ لاَ يَسْئَمُونَ  ﴾ ، ثم يقولون: ما عبدناك حق عبادتك؟!.

وإذا كان أحد لا يبلغ ذلك فلا يحتمل تكليف مثله، وجملته: أن ذلك ليس بذي حدّ وغاية، فلذلك كان - والله أعلم - الأمر فيه راجع إلى الإسلام، أو في نفي حق الإشراك خاصّة، لا في جميع الأحوال والأفعال، دليله ما ختم به الآية، وفي وسع الخلق ألا يشركوا أحداً في عبادته؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ ؟!.

وفي ظاهر الآية النهي عن الموت إلا مسلماً، وليس في الموت صنع للخلق؛ والمعنى - والله أعلم -: أي: كونوا في حال إذا أدرككم الموت كنتم مسلمين؛ فالنهي فيه نهي عن الكفر، والأمر بالإسلام، حتى إذا أدركه الموت أدركه وهومسلم، والله أعلم.

وقد يكون على بيان ألا عذر عند الموت - وإن اشتد أمره - بالذي ليس بإسلام.

وروي عن أبي حنيفة -  - أنه قال: "أكثر ما يسلب الإيمان عند الموت؛ كان الشيطان يطمعه في أمر لو أعطاه ما طلب".

ويحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ أي: احذروا عذاب الله حق حذره، واحذروا نقمته؛ كقوله: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ بمعنى نقمته.

وقوله: ﴿ وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً ﴾ : اختلف فيه؛ قيل: حبل الله؛ يعني: القرآن، وهو قول ابن مسعود،  .

وعن ابن عباس -  - قال: "حبل الله: الجماعة، وإنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها"، أمر بالكون مع الجماعة، ونهي عن التفرق؛ لأن أهل الإسلام هم الجماعة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ  ﴾ وصف أهل دين الإسلام بالجماعة، وأهل أديان غيرها بالتفرق.

وعن ابن مسعود -  - أيضاً - قال: حبل الله: الجماعة.

ورُوي في بعض الأخبار أن رسول الله  قال: "مَنْ فَارَقَ الجَمَاعةَ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ" يعني: حبل الإسلام.

وروي عنه - أيضاً - قال: "إِنَّ الشيْطَانَ ذئب [الإنسان] كَذِئْبِ الغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاذَّةَ والقَاصِيةَ وَالنَّاحِيَةَ، فَإِيَّاكُمْ والشِّعَابَ، وَعَليكُم بِالجَمَاعَةِ وَالعَامَّةِ وَهَذَا المَسْجِدِ" ورُوي عن علي [بن أبي طالب] -  - قال: "دعاني النبي  ليلةً ثلاث مرات، ثم قال: يَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلافٌ، قلت: كيف نصنع يا رسول الله إذا كان كذلك؟

قال: عَلَيْكمُ بكِتَابِ اللهِ؛ فإِنَّ فِيهِ نَبَأَ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرَ مَا بَعْدَكُمْ، وهُو حَكَمٌ فِيمَا بَيْنَكُمْ، مَنْ يَدَعْهُ مِنْ جَبَّارٍ يَقْصِمْهُ الله، وَمَنْ طلب الهُدَى فِي غَيرِهِ يُضِلَّهُ اللهُ، وَهُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وَأَمْرُهُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذي لاَ تَخْتَلِفُ فيهِ الأَلْسِنَةُ، وَلاَ يَخْلِقُهُ كَثْرَةُ الرَّدِّ، وَلاَ تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ" وقيل: حبل الله: دين الله.

الحبل: هو العهد؛ كأنه أمر بالتمسّك بالعهد التي في القرآن، والقيام بوفائها، والحفظ لها، ونهي عن التفرق كما تفرقت الأمم الخالية، واختلفت في الأديان.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ : بمحمد  .

وقيل: ألّف بين قلوبكم بالإسلام.

وقيل: بالقرآن، ولم يكن ذلك للدّين نفسه، ولكن بلطف من الله منَّ به على أهل دينه، وأخبر أن التأليف بين قلوبهم نعمة؛ لأن التفرق يوجب التباغض، والتباغض يوجب التقاتل؛ وفي ذلك التفاني.

وعلى قول المعتزلة: ليس من الله على المسلم من النعمة، إلا ومثلها يكون على الكافر؛ لأن الهدى والتوفيق - عندهم - هو البيان، فذلك البيان للكافر كهو للمسلم؛ وعلى قولهم - لا يكون من الله على أحد نعمة؛ لأنهم لا يجعلون لله في الهداية فعلاً، إنما ذلك من الخلق، وأمّا عندنا: فإنما يكون الإسلام بهدايته إياه، فذلك من أعظم النعم عليه.

وقوله: ﴿ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ : أي: صرتم بنعمته إخواناً.

وقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ : أي: كنتم أشفيتم حفرة من النار، وهو القريب منها، لولا أنه منّ بالإسلام.

ويحتمل أن يكون على الكون فيها والوقوع، لا القرب؛ كقوله: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ﴾ ليس على الرؤية خاصة؛ ولكن على الوقوع فيها؛ وكقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ  ﴾ ليس على البعد منها؛ ولكن على الكون فيها، ومثله كثير يترجم على الوقوع فيها.

وقوله: ﴿ حُفْرَةٍ ﴾ : كأنه قال: كنتم على شفا درك من دركات النار، ﴿ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا ﴾ .

وهذا - أيضاً - على المعتزلة؛ لأن على قولهم: هم الذين ينفذون أنفسهم، لا الله، على ما ذكرنا، [والله أعلم].

قال الشيخ - رحمه الله - نقول: إذا كان الله -  - عندهم قد جمع بين الكفرة والبررة في بذل الأصلح لهم في الدّين، وليس منه غير ذلك فلا يجيء أن يمنّ عليهم به يتألف بنعمته، والتي منه موجود مع التفرق؛ بل أولئك تألفوا بنعتمهم.

وبعد؛ فإنّ النعمة لو كانت ديناً، فما الذي كان منه حتى يمنّ، وذلك فعلهم بلا فضل منه فيه؟!

والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ ﴾ الآية: أنه قد يلزم خطاب الإيمان حين الفترة؛ لأنهم في ذلك الوقت كانوا قد أنقذوا، والله الموفق.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : إذ كنتم أعداء في الجاهلية والكفر، متفرقين، وصرتم إخواناً في الإسلام؛ كلمتكم واحدة.

﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : لكي تعرفوا نعمته ومنته.

قال الشيخ - رحمه الله -: وقد يكون: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ في حادث الأوقات؛ لتكونوا فيها مهتدين كما اهتديتم؛ فيكون في ذلك وعد التوفيق والبشارة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وتَمسَّكوا -أيها المؤمنون- بالكتاب والسُّنَّة، ولا ترتكبوا ما يوقعكم في التفرق، واذكروا إنعام الله عليكم حين كنتم أعداءً قبل الإسلام تتقاتلون على أقل الأسباب، فجمع بين قلوبكم بالإسلام، فصرتم بفضله إخوانًا في الدين، متراحمين متناصحين، وكنتم قبل ذلك مُشْرِفين على دخول النار بكفركم، فأنجاكم الله منها بالإسلام وهداكم للإيمان.

وكما بيَّن لكم الله هذا يبين لكم ما يصلح أحوالكم في الدنيا والآخرة، لتهتدوا إلى طريق الرشاد وتسلكوا سبيل الاستقامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.GGnrm"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

في سبب نزول هذه الآية يروون أن شاس بن قيس -وكان يهوديًا- مر على نفر من الأوس والخزرج يتحدثون، فغاظه ما رأى من تآلفهم بعد العداوة، فأمر شابًا معه من يهود أن يجلس بينهم فيذكرهم "يوم بعاث"، ففعل، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان: أوس بن قرظي، من الأوس، وجبار بن صخر، من الخزرج، فتقاولا، وغضب الفريقان وتواثبوا للقتال، فبلغ ذلك رسول الله  فجاء حتى وعظهم وأصلح بينهم، فسمعوا وأطاعوا، فأنزل الله في أوس وجبار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ  ﴾ الآية.

وفي شاس بن قيس: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ  ﴾ الآية.

إن صح ما ورد في سبب نزول هذه الآيات فالمراد بالكفر في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ هو العداوة والبغضاء التي كان الكفر سببها كم أن المراد بالإيمان على هذا هو الألفة والمحبة التي هي ثمرة يانعة من ثمرات الإيمان.

وإذا لم ننظر إلى ما ورد من السبب فالمعنى أن أهل الكتاب قد سلكوا سبل التأويل في الكتاب فحرفوه وانصرفوا عن هدايته إلى تقاليد وضعوها لأنفسهم، فإذا أطعتموهم وسلكتم مسالكهم فإنكم تكفرون بعد إيمانكم.

﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ  ﴾ بطاعتهم واتباع أهوائهم ﴿ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ  ﴾ وهي روح الهداية وحفاظ الإيمان ﴿ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ  ﴾ يبين لكم ما نزل إليكم.

﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ  ﴾ وكتابه يكون الاعتصام إذن هو حبله الممدود، ورسوله هو الوسيلة إليه وهو ورده المورود، ﴿ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ لا يضل فيه السالك، ولا يخشى عليه من المهالك.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ أي واجب تقواه وما يحق منها.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ فمعناه استمروا على الإسلام وحافظوا على أعماله حتى الموت.

فالمراد بالإسلام على هذا هو الدين إيمانه وعمله.

ووجه اختيارنا هذا المعنى أنه جاء في مقابلة قوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ وبعد الأمر بالتقوى حق التقوى.

وقيل: إن المراد به الإخلاص.

وقيل: الإيمان دون العمل، لأنه هو الذي يستمر إلى الموت.

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا  ﴾ الأشبه أن تكون العبارة تمثيلًا، كأن الدين في سلطانه على النفوس واستيلائه على الإرادات وما يترتب على ذلك من جريان الأعمال على حسب هديه حبل متين يأخذ به الآخذ فيأمن السقوط، كأن الآخذين به قوم على نشز من الأرض يخشى عليهم السقوط منه فأخذوا بحبل موثق جمعوا به قوتهم فامتنعوا من السقوط.

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا  ﴾ .

انظر آية الله، قوم متخالفون بين العداوات والإحن يتربص كل واحد بالآخر الهلكة على يده فيأتي الله بهذه الهداية فيجمعهم ويزيل كل ما في نفوسهم من التنافر ويجعلهم إخوانًا ترجع أهواؤهم كلها إلى شيء واحد لا يختلفون فيه وهو حكم الله ولذلك قال: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ أي ليعدكم ويؤهلكم بها للاهتداء الدائم المستمر فلا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان.

والتفرق والاختلاف قسمان: قسم لا يمكن أن يسلم منه البشر فالنهي عنه من قبيل تكليف ما لا يستطاع وليس بمراد في الآيات، وقسم يمكن الاحتراس منه وهو المراد بها أما الأول: فهو الخلاف في الفهم والرأي، ولا مفر منه لأنه مما فطر عليه البشر كما قال تعالى: ﴿ وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  ﴾ فاستواء الناس في العقول والأفهام مما لا سبيل إليه ولا مطمع فيه إذ هو من قبيل الحب والبغض فالإخوة الأشقاء في البيت الواحد تختلف أفهامهم في الشيء كما يختلف حبهم له وميلهم إليه.

وأما الثاني: - وهو ما جاءت الأديان لمحوه - فهو تحكيم الأهواء في الدين والأحكام، وهو أشد الأشياء ضررًا في البشر لأنه يطمس أعلام الهداية التي يلجأ إليها في إزالة المضار التي في النوع الأول من الخلاف.

أما كون القسم الأول غير ضار فهو ما يعرفه كل أحد نفسه.

والأمثلة كثيرة..

فمثلًا: إن بيني وبين بعض أصحابي الصادقين في محبتي وإرادة الخير لي خلافًا في إلقاء هذا الدرس هنا، فأنا أعتقد أن إلقاء درس التفسير في الأزهر عمل واجب علي وخير لي، لا أشك في هذا كما أنني لا أشك في هذا الضوء الذي أمامي، ويوجد من أصحابي من يعتقد أن ترك هذا الدرس خير لي من قراءته، ويحاجوني في ذلك قائلين: إن تأخري لأجل الدرس إلى الليل ضار بصحتي، وإنه مثير لحسد الحاسدين لي ودافع لهم إلى الكيد والإيذاء، وإن الدرس نفسه عقيم لأن أكثر الذين يسمعونه لا يفقهون ما أقول ولا يفهمون ومن فهم لا يرجى أن يعمل به لغلبة فساد الأخلاق.

وهذه حجة بعض أصحابي في مخالفة رأيي واعتقادي يصرحون لي بها، ومع ذلك ألقاهم ويلقونني لم ينقص ذلك من مودتنا شيئًا فضلًا عن أن يكون مثارًا للعداوة والبغضاء بيننا، فأنا أعذرهم في رأيهم، مع اعتقادي بإخلاصهم، وهم يعذرونني كذلك.

ولنفرض أن الخلاف بيننا في مسألة دينية كأن أعتقد أنا أن فعل كذا حرام وهم يعتقدون حله أكان يكون بيننا تفرق لأجله؟

كلا، لا ريب عندي أنه لا فرق بين الخلافين وإننا نبقى على هذا الخلاف أصدقاء.

كذلك كان الخلاف بين علماء السلف وأئمة الفقهاء "فمالك" قد نشأ في المدينة ورأى ما كان عليه أهلها من حسن الحال وسلامة القلوب فقال: إن عمل أهل المدينة أصل من الأصول، لأنهم على حسن حالهم وقرب عهدهم بالنبي وأصحابه لا يتفقون على غير ما مضت عليه السنة عملًا.

وأما "أبو حنيفة" فنشأ في العراق، وأهلها كما اشتهر عنهم أهل شقاق ونفاق، فهو معذور إذا لم يحتج بعملهم ولا بعمل غيرهم قياسًا عليهم، ولو اجتمعا لعذر كل منهما الآخر لأنه بذل جهده في استبانة الحق مع الاخلاص لله تعالى وإرادة الخير والطاعة.

وقد نقل عن الائمة أن كل واحد كان يعذر الآخرين فيما خالفوه فيه، ولكن تنكب هذه الطريقة طوائف جاءت بعدهم تقلدهم فيما نقل من مذاهبهم لا في سيرتهم حتى صار الهوى هو الحاكم في الدين وصار المسلمون شيعًا يتعصب كل فريق إلى رأي من مسائل الخلاف ويعادي الآخر إذا خالفه فيه، وكان من جزاء ذلك ما هو مدون في التاريخ.

وما ذلك إلا لأن الحق لم يكن هو مطلوب هؤلاء المتعصبين، وإلا فبالله كيف يصدق أن يكون الإمام "الشافعي" مثلًا مصيبًا في كل ما خالف به غيره؟

وإذا كان الصواب في بعض المسائل الاجتهادية مع غيره فكيف يعقل أن يمر أكثر من ألف سنة على فقهاء مذهبه ولا يظهر لهم شيء من ذلك فيرجعوا عن قوله إلى ما ظهر لهم أنه الصواب من مذهب غيره "كأبي حنيفة" أو "مالك".

وهذا ما يقال في أتباع كل مذهب.

هذا النوع من الخلاف هو الذي ذلت به الأمم بعد عزها وهوت بعد رفعتها وضعفت بعد قوتها.

هو الافتراق في الدين وذهاب أهله مذاهب تجعلهم شيعًا تتحكم فيهم الأهواء كما حصل من الفرق الإسلامية، لا يكاد أحدهم يعلم أن الآخر خالفه في رأي إلا ويبادر إلى الرد عليه بالتأليف وبذل الجهد في تضليله وتقنيد مذهبه، ويقابله الآخر بمثل ذلك، لا يحاول أحد منهم محادثة الآخر والاطلاع على دلائله ووزنها بميزان الانصاف والعدل، فالواجب أولًا محاولة الفهم والإفهام في البحث والمذاكرة وثانيًا أن لا يكون الخلاف مفرقًا بين المختلفين في الدين، فما دام المسلم لا يخل بنصوص كتاب الله ولا باحترام الرسول  فهو على إسلامه لا يكفر ولا يخرج من جماعة المسلمين، فإذا تحكم الهوى فلعن بعضهم بعضًا وكفر بعضهم بعضًا فقد باء بها من قالها كما ورد في الحديث.

ومثل الاختلاف في الدين الاختلاف في المعاملة لا يجوز أن يكون مفرقًا بين المؤمنين بل يرجعون في النزاع إلى حكم الله وأهل الذكر منهم.

فإذا امتثلنا أمر الله ونهيه فاتقينا الخلاف الذي لنا عنه مندوحة وحكمنا كتاب الله ومن أمر الله بالرجوع إليهم في مسائل النزاع فيما نتنازع فيه أمنا من غائلة الخلاف وكنا من المهتدين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله