الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١١٣ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 117 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال ابن أبي نجيح : زعم الحسن بن يزيد العجلي ، عن ابن مسعود في قوله تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ) قال لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم .
وهكذا قال السدي ، ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده .
حدثنا أبو النضر وحسن بن موسى قالا حدثنا شيبان ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود قال : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ، ثم خرج إلى المسجد ، فإذا الناس ينتظرون الصلاة : فقال : " أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم " .
قال : وأنزلت هذه الآيات : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب [ أمة قائمة ] ) إلى قوله ( والله عليم بالمتقين ) .
والمشهور عن كثير من المفسرين - كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره ، ورواه العوفي عن ابن عباس - أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وغيرهم ، أي : لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب [ وهؤلاء الذين أسلموا ، ولهذا قال تعالى : ( ليسوا سواء ) أي : ليسوا كلهم على حد سواء ، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم ، ولهذا قال تعالى : ( من أهل الكتاب ] أمة قائمة ) أي : قائمة بأمر الله ، مطيعة لشرعه متبعة نبي الله ، [ فهي ] ) قائمة ) يعني مستقيمة ( يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) أي : يقومون الليل ، ويكثرون التهجد ، ويتلون القرآن في صلواتهم
القول في تأويل قوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه " ضُربت عليهم الذلة "، ألزموا الذلة.
و " الذلة "" الفعلة " من " الذل "، وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع.
(26) * * * " أينما ثقفوا " يعني: حيثما لقوا.
(27) * * * يقول جل ثناؤه: ألزِم اليهود المكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم الذلة أينما كانوا من الأرض، وبأي مكان كانوا من بقاعها، من بلاد المسلمين والمشركين =" إلا بحبل من الله، وحبل من الناس "، كما:- 7630- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هوذة قال، حدثنا عوف، عن &; 7-111 &; الحسن في قوله: " ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة "، (28) قال: أدركتهم هذه الأمة، وإن المجوس لتجبيهم الجزية.
7631- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال: حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، قال: أذلهم الله فلا مَنْعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين.
* * * وأما " الحبل " الذي ذكره الله في هذا الموضع، (29) فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم، من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يُثْقَفوا في بلاد الإسلام.
كما:- 7632- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إلا بحبل من الله "، قال: بعهد =" وحبل من الناس "، قال: بعهدهم.
7633- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس.
7634- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.
7635- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد، عن عثمان بن غياث، قال، (30) عكرمة: يقول: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، قال: بعهد من الله، وعهد من الناس.
7636- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس.
7637- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، يقول: إلا بعهد من الله وعهد من الناس.
7638- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : " أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، فهو عهد من الله وعهد من الناس، كما يقول الرجل: " ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم "، فهو الميثاق.
7639- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد: " أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، قال: بعهد من الله وعهد من الناس لهم = قال ابن جريج، وقال عطاء: العهدُ حبل الله.
7640- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله : " أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، قال: إلا بعهد، وهم يهود.
قال: والحبل العهد.
قال: وذلك قول أبي الهيثم بن التَّيَّهان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتته الأنصار في العقبة: " أيها الرجل، إنا قاطعون فيك حبالا بيننا وبين الناس "، يقول: عهودًا، قال: واليهود لا يأمنون في أرضٍ من أرض الله إلا بهذا الحبل الذي قال الله عز وجل.
وقرأ: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [سورة آل عمران: 55]، قال: فليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق يهود في شرق ولا غرب، هم في البلدان كلها مستذَلُّون، قال الله: وَقَطَّعْنَاهُمْ &; 7-113 &; فِي الأَرْضِ أُمَمًا [سورة الأعراف: 168]، يهود.
(31) 7641- حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، يقول: بعهد من الله وعهد من الناس.
7642- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، مثله.
* * * قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية في المعنى الذي جلب " الباء " في قوله: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، فقال بعض نحويي الكوفة: (32) الذي جلب " الباء " في قوله: " بحبل "، فعل مضمر قد تُرك ذكره.
قال: ومعنى الكلام: ضُربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، إلا أن يعتصموا بحبل من الله = فأضمر ذلك، واستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر: (33) رَأَتْنِــي بِحَبْلَيْهــا فَصَـدَّتْ مَخَافَـةً وَفِـي الحَـبْلِ رَوْعَـاءُ الفُـؤَادِ فَرُوقُ (34) وقال: أراد: أقبلت بحبليها، وبقول الآخر: (35) &; 7-114 &; حَــنْتنِي حَانِيَــاتُ الدَّهْــرِ حَـتَّى كـــأَنِّي خَــاتِلٌ أَدْنُــو لِصَيْــدِ (36) قَـرِيبُ الخَـطُوِ يَحْسِـبُ مَـنْ رَآنِـي وَلْسُـــت مقَيــدًا أَنِّــى بِقَيْــدِ فأوجب إعمال فعل محذوف، وإظهار صلته وهو متروك.
(37) وذلك في مذاهب العربية ضعيف، ومن كلام العرب بعيد.
وأما ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دالّ على صحة دعواه، لأن في قول الشاعر: " رأتني بحبليها "، دلالة بينة في أنها رأته بالحبل ممسكًا، ففي إخباره عنها أنها " رأته بحبليها "، إخبارٌ منه أنها رأته ممسكًا بالحبلين.
فكان فيما ظهر من الكلام مستغنًى عن ذكر " الإمساك "، وكانت " الباء " صلة لقوله: " رأتني"، كما في قول القائل: (38) " أنا بالله "، مكتف بنفسه، ومعرفةِ السامع معناه، أن تكون " الباء " محتاجة إلى كلام يكون لها جالبًا غير الذي ظهر، وأن المعنى: " أنا بالله مستعين ".
* * * وقال بعض نحويي البصرة، قوله: " إلا بحبل من الله " استثناء خارجٌ من أول الكلام.قال: وليس ذلك بأشد من قوله: لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا [سورة مريم: 62] * * * وقال آخرون من نحويي الكوفة: هو استثناء متصل، والمعنى: ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا، أي: بكل مكان = إلا بموضع حبل من الله، كما تقول: ضُربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكان.
* * * وهذا أيضًا طلب الحق فأخطأ المفصل.
وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل، ولو كان متصلا كما زعم، لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة عليهم المسكنة.
وليس ذلك صفة اليهود، لأنهم أينما ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس، أو بغير حبل من الله عز وجل وغير حبل من الناس، فالذلة مضروبة عليهم، على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل.
فلو كان قوله: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس "، استثناء متصلا لوجب أن يكون القوم إذا ثُقفوا بعهد وذمة أن لا تكون الذلةُ مضروبةً عليهم.
وذلك خلاف ما وصَفهم الله به من صفتهم، وخلافُ ما هم به من الصفة، فقد تبين أيضًا بذلك فساد قول هذا القائل أيضًا.
* * * قال أبو جعفر: ولكن القول عندنا أن " الباء " في قوله: " إلا بحبل من الله "، أدخلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء مقتضٍ في المعنى " الباء ".
وذلك أن معنى قوله: " ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا " ضربت عليهم الذلة بكل مكان ثقفوا = ثم قال: " إلا بحبل من الله وحبل من الناس " على غير وجه الاتصال بالأول، ولكنه على الانقطاع عنه.
ومعناه: ولكن يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس، &; 7-116 &; كما قيل: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً [سورة النساء: 92]، فالخطأ وإن كان منصوبًا بما عمل فيما قبل الاستثناء، فليس قوله باستثناء متصل بالأول بمعنى: " إلا خطأ "، فإن له قتله كذلك = ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأ.
فكذلك قوله : " أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله " ، وإن كان الذي جلب " الباء " التي بعد " إلا " الفعل الذي يقتضيها قبل " إلا "، فليس الاستثناء بالاستثناء المتصل بالذي قبله، بمعنى: أن القوم إذا لُقوا، فالذلة زائلة عنهم، بل الذلة ثابتة بكل حال.
ولكن معناه ما بينا آنفا.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " وباءوا بغضب من الله "، وتحمَّلوا غضب الله فانصرفوا به مستحقِّيه.
وقد بينا أصل ذلك بشواهده، ومعنى " المسكنة " وأنها ذل الفاقة والفقر وخُشوعهما، ومعنى: " الغضب من الله " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(39) * * * وقوله: " ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله "، يعني جل ثناؤه بقوله: " ذلك "، أي بوْءُهم الذي باءوا به من غضب الله، وضْربُ الذلة عليهم، بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله = يقول: مما كانوا يجحدون أعلام الله وأدلته على صدق أنبيائه، وما فرض عليهم من فرائضه =" ويقتلون الأنبياء بغير حق "، يقول: وبما كانوا يقتلون أنبياءهم ورسل الله إليهم، اعتداءً على الله وجرأة عليه بالباطل، وبغير حق استحقوا منهم القتل.
* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: ألزِموا الذلة بأي مكان لُقوا، إلا بذمة من الله وذمة من الناس، وانصرفوا بغضب من الله متحمِّليه، وألزموا ذل الفاقة وخشوع الفقر، بدلا مما كانوا يجحدون بآيات الله وأدلته وحججه، ويقتلون أنبياءه بغير حق ظلمًا واعتداء.
* * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فعلنا بهم ذلك بكفرهم، وقتلهم الأنبياء، ومعصيتهم ربَّهم، واعتدائهم أمرَ ربهم.
* * * وقد بينا معنى " الاعتداء " في غير موضع فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية عن إعادته (40) .
* * * فأعلم رُّبنا جل ثناؤه عبادَه، ما فعل بهؤلاء القوم من أهل الكتاب، من إحلال الذلة والخزي بهم في عاجل الدنيا، مع ما ذخر لهم في الأجل من العقوبة والنكال وأليم العذاب، (41) إذ تعدوا حدودَ الله، واستحلوا محارمه = تذكيرًا منه تعالى ذكره لهم، وتنبيهًا على موضع البلاء الذي من قِبَاله أتوا لينيبوا ويذّكروا، وعِظة منه لأمتنا أن لا يستنُّوا بسنتهم ويركبوا منهاجهم، (42) فيسلك بهم مسالكهم، ويحل بهم من نقم الله ومثُلاته ما أحل بهم.
كما:- 7643- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون "، اجتنِبُوا المعصية والعدوان، فإن بهما أهلِك مَنْ أُهْلك قبلكم من الناس.
--------------------- الهوامش : (26) انظر تفسير"ضربت عليهم الذلة" فيما سلف 2: 136.
(27) انظر تفسير"ثقف" فيما سلف 3: 564.
(28) سقط من الناسخ: "وباءوا بغضب من الله" ، ومضت على ذلك المطبوعة ، فأثبت وجه التلاوة.
(29) انظر تفسير"الحبل" فيما سلف قريبا ص: 70 ، 71.
(30) في المخطوطة: "عثمان بن عتاب" ، والصواب ما في المطبوعة.
(31) الأثر: 7640 - مضى مختصرًا برقم: 7155.
(32) هو الفراء في معاني القرآن 1: 230.
(33) هو حميد بن ثور الهلالي.
(34) ديوانه: 35 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 230 ، واللسان (نسع) و (فرق) وفي رواية البيت في مادة (فرق) خطأ قبيح وتصحيف ، صوابه ما في التفسير هنا.
وأما رواية الديوان فهي: فَجِــئْتُ بِحَبْلَيْهَــا، فَـرَدَّتْ مَخَافـةً إِلـى النَّفْسِ رَوْعَـاءُ الجنـانِ فَـرُوقُ و"روعاء الجنان": شديدة الذكاء ، حية النفس ، شهمة ، كأن بها فزعًا من حدتها وخفة روحها.
و"فروق": شديدة الفزع.
لم يرد ذمًا ، ولكنه مدح ناقته بحدة الفؤاد ، تفزع لكل نبأة من يقظتها ، كما قالوا في مدحها: "مجنونة".
يقول ذلك في ناقته: رأتني أقبلت بالحبلين ، لأشد عليها رحلي ، فصدت خائفة.
يصفها بأنها كريمة لم تبتذلها الأسفار.
ثم قال: فلما شددت عليها الرحل ، كانت في الحبل ذكية شهمة ، تتوجس لكل نبأة من يقظتها وتوقدها.
(35) هو أبو الطمحان القينى ، حنظلة بن الشرقي ، من بني كنانة بن القين.
وهو أحد المعمرين وينسب هذا الشعر أيضًا لعدي بن زيد ، وللمسحاج بن سباع الضبي.
(36) كتاب المعمرين: 57 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 230 ، والأغاني 2: 353 ، 356 ، وفيه أيضا 12: 347 ، وحماسة البحتري: 202 ، وأمالي القالي 1: 110 ، وأمالي الشريف 1: 46 ، 257 ، ومجموعة المعاني: 123 ، والمعاني الكبير: 1214 ، مع اختلاف كبير في الرواية ، واللسان (ختل) ، وغيرها.
هذا ، وقد اقتصرت المطبوعة والمخطوطة على البيت الأول ، وهو عمل فاسد جدًا ، وليس من فعل أبي جعفر بلا شك ، ولكنه من سهو الناسخ.
لأن أبا جعفر نقل مقالة الفراء في معاني القرآن ، وإسقاط البيت الثاني ، وهو بيت الشاهد ، فساد عظيم ، فأثبت البيت ، وأثبت أيضًا تعقيب الفراء عليه ، وهو قوله: "يريد مقيدًا بقيد" ، ولم أضع هذا بين أقواس ، لأن سهو الناسخ أمر مقطوع به بالدليل البين.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "أحنو لصيد" ، وهو تصحيف لا شك فيه.
ذلك أن أبا جعفر إنما ينقل مقالة الفراء ، وهو في كتاب الفراء ، وفيما نقله عنه الناقلون في المراجع السالفة ، هو الذي أثبته.
هذا مع ظهور التصحيف وقربه ، ومع فساد معنى هذا التصحيف ، ومع فقدان هذه الرواية الغريبة.
وقوله: "خاتل" ، يعني صائدًا ، يقال: "ختل الصيد" ، أي: استتر الصائد بشيء ليرمي الصيد ، فهو في سبيل ذلك يمشي قليلا قليلا في خفية ، لئلا يسمع الصيد حسه.
فهذا هو الختل والمخاتلة.
(37) "الصلة" هنا: الجار والمجرور.
(38) في المطبوعة: "كما في قول القائل" بزيادة"في" ، وهي أشد إفسادًا للكلام من تصحيف هذا الناسخ في بعض ما يكتب.
وقوله: "مكتف بنفسه" خبر لقوله: "كما قول القائل" وقوله: "ومعرفة السامع" معطوف على قوله: "بنفسه" أي: مكتف بنفسه وبمعرفة السامع معناه.
(39) انظر تفسير"باء" فيما سلف 2: 138 ، 345.
وتفسير"غضب الله" 1: 188 ، 189 / 2: 138 ، 345.
وتفسير"ضربت عليهم" 2: 136 / 7: 110 وتفسير"المسكنة" 2: 137 ، 292 ، 293 / 3: 345 / 4: 295.
(40) انظر ما سلف 2: 142 ، 167 ، 307 / 3 : 375 ، 376 ، 564 ، 580 / 4: 583 ، 584 ، وغيرها.
(41) في المطبوعة: "مع ما ادخر لهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما سواء في المعنى.
(42) في المطبوعة: "منها جهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو أجود.
ثم أخبر فقال ليسوا سواء تم الكلام .
والمعنى : ليس أهل الكتاب وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - سواء ; عن ابن مسعود .
وقيل : المعنى ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتاب سواء .
وذكر أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا شيبان عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال : أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم قال : وأنزلت هذه الآية ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة إلى قوله : والله عليم بالمتقين وروى ابن وهب مثله .
وقال ابن عباس : قول الله عز وجل من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون من آمن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وقال ابن إسحاق عن ابن عباس لما أسلم عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسيد بن عبيد ، ومن أسلم من يهود ; فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه ، قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا ، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره ; فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون .
إلى قوله : وأولئك من الصالحين .
وقال الأخفش : التقدير من أهل الكتاب ذو أمة ، أي ذو طريقة حسنة .
وأنشد :[ ص: 167 ]وهل يأممن ذو أمة وهو طائعوقيل : في الكلام حذف ; والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة ، فترك الأخرى اكتفاء بالأولى ; كقول أبي ذؤيب :عصاني إليها القلب إني لأمره مطيع فما أدري أرشد طلابهاأراد : أرشد أم غي ، فحذف .
قال الفراء : أمة رفع ب سواء ، والتقدير : ليس يستوي أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمة كافرة .
قال النحاس : هذا قول خطأ من جهات : إحداها أنه يرفع ( أمة ) ب ( سواء ) فلا يعود على اسم ليس بشيء ، ويرفع بما ليس جاريا على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه ; لأنه قد تقدم ذكر الكافر فليس لإضمار هذا وجه .
وقال أبو عبيدة : هذا مثل قولهم : أكلوني البراغيث ، وذهبوا أصحابك .
قال النحاس : وهذا غلط ; لأنه قد تقدم ذكرهم ، وأكلوني البراغيث لم يتقدم لهم ذكر .
و آناء الليل ساعاته .
وأحدها إنى وأنى وإني ، وهو منصوب على الظرف .
و يسجدون يصلون ; عن الفراء والزجاج ; لأن التلاوة لا تكون في الركوع والسجود .
نظيره قوله : وله يسجدون أي يصلون .
وفي ( الفرقان ) : وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن وفي النجم فاسجدوا لله واعبدوا " .
وقيل : يراد به السجود المعروف خاصة .
وسبب النزول يرده ، وأن المراد صلاة العتمة كما ذكرنا عن ابن مسعود ; فعبدة الأوثان ناموا حيث جن عليهم الليل ، والموحدون قيام بين يدي الله تعالى في صلاة العشاء يتلون آيات الله ; ألا ترى لما ذكر قيامهم قال وهم يسجدون أي مع القيام أيضا .
الثوري : هي الصلاة بين العشاءين .
وقيل : هي في قيام الليل .
وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال : إنا نجد كلاما من كلام الرب عز وجل : أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل انخذل كمن هو قائم وساجد آناء الليل .
لما بين تعالي الفرقة الفاسقة من أهل الكتاب وبين أفعالهم وعقوباتهم، بين هاهنا الأمة المستقيمة، وبين أفعالها وثوابها، فأخبر أنهم لا يستوون عنده، بل بينهم من الفرق ما لا يمكن وصفه، فأما تلك الطائفة الفاسقة فقد مضى وصفهم، وأما هؤلاء المؤمنون، فقال تعالى منهم { أمة قائمة } أي: مستقيمة على دين الله، قائمة بما ألزمها الله به من المأمورات، ومن ذلك قيامها بالصلاة { يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون } وهذا بيان لصلاتهم في أوقات الليل وطول تهجدهم وتلاوتهم لكتاب ربهم وإيثارهم الخضوع والركوع والسجود له.
قوله تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ) قال ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل : لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارنا ولولا ذلك لما تركوا دين آبائهم فأنزل الله تعالى هذه الآية .
واختلفوا في وجهها فقال قوم : فيه اختصار تقديره : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة ، فترك الأخرى اكتفاء بذكر أحد الفريقين وقال الآخرون : تمام الكلام عند قوله ( ليسوا سواء ) وهو وقف لأنه قد جرى ذكر الفريقين من أهل الكتاب في قوله تعالى : ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) [ ثم قال : ( ليسوا سواء ) يعني : المؤمنين والفاسقين ] ثم وصف الفاسقين فقال : ( لن يضروكم إلا أذى ) ووصف المؤمنين بقوله ( أمة قائمة ) وقيل : قوله ( من أهل الكتاب ) ابتداء بكلام آخر ، لأن ذكر الفريقين قد جرى ، ثم قال : ليس هذان الفريقان سواء ثم ابتدأ فقال : من أهل الكتاب .
قال ابن مسعود رضي الله عنه معناه : لا يستوي اليهود وأمة محمد صلى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله الثابتة على الحق ، المستقيمة ، وقوله تعالى : ( أمة قائمة ) قال ابن عباس : أي مهتدية قائمة على أمر الله لم يضيعوه ولم يتركوه .
وقال مجاهد : عادلة .
وقال السدي : مطيعة قائمة على كتاب الله وحدوده ، وقيل : قائمة في الصلاة .
وقيل : الأمة الطريقة .
ومعنى الآية : أي ذو أمة أي : ذو طريقة مستقيمة .
( يتلون آيات الله ) يقرءون كتاب الله وقال مجاهد : يتبعون ( آناء الليل ) ساعاته ، واحدها : إنى مثل نحى وأنحاء ، وإنى وآناء مثل : معى وأمعاء وإنى مثل منا وأمناء .
( وهم يسجدون ) أي : يصلون لأن التلاوة لا تكون في السجود .
واختلفوا في معناها فقال بعضهم : هي في قيام الليل ، وقال ابن مسعود هي صلاة العتمة يصلونها ولا يصليها من سواهم من أهل الكتاب .
وقال عطاء : " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة " الآية يريد : أربعين رجلا من أهل نجران من العرب واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا محمدا صلى الله عليه وسلم وكان من الأنصار فيهم عدة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم أسعد بن زرارة والبراء بن معرور ومحمد بن سلمة ومحمود بن مسلمة وأبو قيس صرمة بن أنس كانوا موحدين ، يغتسلون من الجنابة ، ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه .
«ليسوا» أي أهل الكتاب «سواءً» مستوين «من أهل الكتاب أمة قائمة» مستقيمة ثابتة على الحق كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وأصحابه «يتلون آيات الله آناء الليل» أي في ساعاته «وهم يسجدون» يصلُّون، حال.
ليس أهل الكتاب متساوين: فمنهم جماعة مستقيمة على أمر الله مؤمنة برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يقومون الليل مرتلين آيات القرآن الكريم، مقبلين على مناجاة الله في صلواتهم.
الضمير فى قوله - تعالى - { لَيْسُواْ سَوَآءً } يعود لأهل الكتاب الذين تقدم الحديث عنهم وهو اسم ليس ، وخبرها قوله { سَوَآءً } والجملة مستأنفه للثناء على من يستحق الثناء منهم بعد أن وبخ القرآن من يستحق التوبيخ منهم .قال ابن كثير : والمشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم .
أى لا يستوى من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب ، وهؤلاء الذين أسلموا ، ولهذا قال - تعالى - { لَيْسُواْ سَوَآءً } أى ليسوا كلهم على حد سواء بل منهم المؤمن ومنهم المجرم .وقوله - تعالى - { مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ } استئناف مبين لكيفية عدم التساوى ومزيل لما فيه من إيهام .أى : ليس أهل الكتاب متساوين فى الكفر وسوء الأخلاق ، بل منهم طائفة قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه مستقيمة على طريقته ثابتة على الحق ملازمة له ، لم تتركه كما تركه الأكثرون من أهل الكتاب وضيعوه .فمعنى قائمة : مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام بمعنى استقام .أو معناها : ثابتة على التمسك بالدين الحق ، ملازمة له غير مضطربة فى التمسك به ، كما فى قوله - تعالى - { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً } أى ملازمة لمطالبته بحقك .
ومنه قوله - تعالى - { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط } أى ملازما له .والمراد بهذه الطائفة من أهل الكتاب التى وصفها الله - تعالى - بأنها { أُمَّةٌ } قائمة أولئك الذين أسلموا منهم واستقاموا على أمر الله وأطاعوه فى السر والعلن ، كعبد الله بن سلام ، وأصحابه ، والنجاشى ومن آمن معه من النصارى .
فهؤلاء قد آمنوا بكل ما يجب الإيمان به ، ولم يفرقوا بين أنبياء الله ورسله ، فمدحهم الله على ذلك وأثنى عليهم .ثم تابع القرآن حديثه عن أوصافهم الكريمة فقال { يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَآءَ الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } .وقوله { يَتْلُونَ } من التلاوة وهى القراءة ، وأصل الكلمة من الإتباع ، فكأن التلاوة هى اتباع اللفظ اللفظ .والمراد بآيات الله هنا : ما أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن .وقوله : { آنَآءَ الليل } أى أوقاته وساعاته .
والآناء جمع إنىَ - كمعاً وأمعاء - أو جمع أنىَ - كعصاً - ، أو جمع أنىَ وإنى وإنو .
فالهزة فى آناء منقلبة عن ياء كرداء : أو عن واو ككساء .والمراد بالسجود فى قوله : { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } الصلاة لأن السجود لا قراءة فيه وإنما فيه التسبيح ، فقد روى مسلم فى صحيحه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا إنى نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا فى الدعاء فقمن أن يستجاب لكم " .والمعنى : ليس أهل الكتاب متساوين فى الاتصاف بما ذكر من القبائح ، بل منهم قوم سلموا منها ، وهم الذين استقاموا على الحق ولزموه ، وأكثروا من تلاوة آيات الله فى صلاتهم التى يتقربون بها إلى الله - تعالى - آناء الليل وأطراف النهار .قال الآلوسى ما ملخصه .
والمراد بصلاتهم هذه التهجد - على ما ذهب إليه البعض - .
وعلل هذا بأنه أدخل فى المدح وفيه تتيسر لهم التلاوة ، لأنها فى المكتوبة وظيفة الإمام .والذى عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة .
واستدل عليه بما أخرجه الإمام أحمد والنسائى وابن جرير والطبرانى عن ابن مسعود قال آخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : " أما إنه لا يصلى هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب " وعبر عن الصلاة بالسجود ، لأنه أدل على كمال الخضوع والصلاة تسمى سجودا وسجدة ، وركوعا وركعة .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ قولين أحدهما: أن قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ كلام تام، وقوله: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ كلام مستأنف لبيان قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ كما وقع قوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ بياناً لقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ والمعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم ليسوا سواء، وهو تقرير لما تقدم من قوله: ﴿ مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ وعلى هذا القول احتمالان أحدهما: أنه لما قال: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ كان تمام الكلام أن يقال: ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معاً، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر.
قال أبو ذؤيب: دعاني إليها القلب إني لامرؤ *** مطيع فلا أدري أرشد طلابها أراد (أم غي) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي، وهذا قول الفراء وابن الأنباري، وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معاً كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل ديّن زكي، فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك، فكذا هاهنا لما تقدم قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ أغنى ذلك عن الإضمار.
والقول الثاني: أن قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده، بل هو متعلق بما بعده، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة، فأمة رفع بليس وإنما قيل ﴿ لَّيْسُواْ ﴾ على مذهب من يقول: أكلوني البراغيث، وعلى هذا التقدير لابد من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة، والله أعلم.
المسألة الثانية: يقال فلان وفلان سواء، أي متساويان وقوم سواء، لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في ﴿ سَوَآء ﴾ في أول سورة البقرة.
المسألة الثالثة: في المراد بأهل الكتاب قولان الأول: وعليه الجمهور: أن المراد منه الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، روي أنه لما أسلم عبد الله بن سلاّم وأصحابه قال لهم بعض كبار اليهود: لقد كفرتم وخسرتم، فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية، وقيل: إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك، بل فيهم من يكون موصوفاً بالصفات الحميدة والخصال المرضية، قال الثوري: بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، وعن عطاء: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد عليه الصلاة والسلام.
والقول الثاني: أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان، وعلى هذا القول يكون المسلمون من جملتهم، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ ومما يدل على هذا ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم وقرأ هذه الآية، قال القفال رحمه الله: ولا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب، فقيل ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا، ولم يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب، كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا، يستويان؟
فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً لما تقدم من قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ وهو كقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾ ثم اعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية.
الصفة الأولى: أنها قائمة وفيها أقوال الأول: أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات الله آناء الليل فعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل ﴾ وقوله: ﴿ قُمِ اليل ﴾ وقوله: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين ﴾ والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة.
والقول الثاني: في تفسير كونها قائمة: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله: ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ أي ملازماً للاقتضاء ثابتاً على المطالبة مستقصياً فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿ قَائِمَاً بالقسط ﴾ .
وأقول: إن هذه الآية دلّت على كون المسلم قائماً بحق العبودية وقوله: ﴿ قَائِمَاً بالقسط ﴾ يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل والإحسان فتمت المعاهدة بفضل الله تعالى كما قال: ﴿ أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ وهذا قول الحسن البصري، واحتج عليه بما روي أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله: إن أناساً من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: «أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود»، قال الحسن: متحيرون مترددون.
«أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية» وفي رواية أخرى قال عند ذلك: «إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوضوا علمهما إلى الله تعالى، وكلفتم أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوةً وعشياً والذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتبعوني» فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب وعدم التعلق بغيره واجب، فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ .
القول الثالث: ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ أي مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام بمعنى استقام، وهذا كالتقرير لقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ .
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: (يتلون ويؤمنون) في محل الرفع صفتان لقوله: ﴿ أُمَّة ﴾ أي أمة قائمة تالون مؤمنون.
المسألة الثانية: التلاوة القراءة وأصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ.
المسألة الثالثة: آيات الله قد يراد بها آيات القرآن، وقد يراد بها أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته وصفاته والمراد هاهنا الأولى.
المسألة الرابعة: ﴿ ءاناء الليل ﴾ أصلها في اللغة الأوقات والساعات وواحدها إنا، مثل: معى وأمعاء وإنى مثل نحى وإنحاء، مكسور الأول ساكن الثاني، قال القفال رحمه الله، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات والأوقات، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة: «آذيت وآنيت» أي دافعت الأوقات.
الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: يحتمل أن يكون حالاً من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال رحمه الله روى في تفسيره حديثاً: أن ذلك غير جائز، وهو قوله عليه السلام: «ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً» الثاني: يحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما ﴾ وقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب وإحداث النشاط الثالث: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجوداً وسجدة وركوعاً وركعة وتسبيحاً وتسبيحة، قال تعالى: ﴿ واركعوا مَعَ الراكعين ﴾ أي صلوا وقال: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ والمراد الصلاة الرابع: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ أي يخضعون ويخشعون لله لأن العرب تسمي الخشوع سجوداً كقوله: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي * السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه الله.
الصفة الرابعة: قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ واعلم أن اليهود كانوا أيضاً يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا يحترزون عن معاصي الله، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد.
واعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، فقوله: ﴿ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية، وذلك أكمل أحوال الإنسان، وهي المرتبة التي يقال لها: إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية.
الصفة الخامسة: قوله: ﴿ وَيَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ .
الصفة السادسة: قوله: ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً وفوق التمام فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين، وذلك بطريقين، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف، أو بمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ يَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ أي بتوحيد الله وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ أي ينهون عن الشرك بالله، وعن إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل، فهو يتناول كل معروف وكل منكر.
الصفة السابعة: قوله: ﴿ ويسارعون فِي الخيرات ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت، والآخر: يعملونها غير متثاقلين.
فإن قيل: أليس أن العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام: «العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن».
فما الفرق بين السرعة وبين العجلة؟
قلنا: السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين، لأن من رغب في الأمر، آثر الفور على التراخي، قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ وأيضاً العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى ﴾ .
الصفة الثامنة: قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين ﴾ والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم ﴿ وأدخلناهم فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين ﴾ وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات.
ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ بالياء على المغايبة، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون، ولن يضيع لهم ما يعلمون، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلاّم إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلة.
وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت، ثم قال: وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء، فلن تكفروه، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاماً بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله ﴾ ﴿ وما تفعلوا من خير يوف إليكم ﴾ ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله ﴾ وأما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين.
المسألة الثانية: ﴿ فَلَنْ تكفروه ﴾ أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين: الأول: أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكراً قال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ وقال: ﴿ فأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾ فلما سمى إيصال الجزاء شكراً سمى منعه كفراً والثاني: أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفراً، لأنه بمنزلة الجحد والستر.
فإن قيل: لم قال: ﴿ فَلَنْ تكفروه ﴾ فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها.
قلنا: لأنا بينا أن معنى الكفر هاهنا هو المنع والحرمان، فكان كأنه قال: فلن تحرموه، ولن تمنعوا جزاءه.
المسألة الثالثة: احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال: صريح هذه الآية يدل على أنه لابد من وصول أثر فعل العبد إليه، فلو انحبط ولم ينحبط من المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ .
ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان والجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان وذلك مُحالٌ في حقِّه؛ لأنه عليم بكل المعلومات، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك محال لأنه إله جميع المحدثات، فاسم الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة، وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ يدل على عدم الجهل، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء، لأن منع الحق لابد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم، إنما قال: ﴿ عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.
<div class="verse-tafsir"
الضمير في ﴿ لَّيْسُواْ ﴾ لأهل الكتاب، أي ليس أهل الكتاب مستوين.
وقوله: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ كلام مستأنف لبيان قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاءً ﴾ كما وقع قوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ [آل عمران: 110] بياناً لقوله ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهم الذين أسلموا منهم.
وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود، لأنه أبين لما يفعلون؛ وأدل على حسن صورة أمرهم.
وقيل: عنى صلاة العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: «أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم، وقرأ هذه الآية» وقوله: ﴿ يَتْلُونَ ﴾ و ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ في محل الرفع صفتان لأمّة، أي أمّة قائمة تالون مؤمنون، وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل.
ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عُزيراً، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض.
ومن الإيمان باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته.
ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين.
ومن المسارعة في الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها.
والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي ﴿ وَأُوْلئِكَ ﴾ الموصوفون بما وصفوا به ﴿ مِنَ ﴾ جملة ﴿ الصالحين ﴾ الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم.
ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين ﴿ فَلَنْ تكفروه ﴾ لما جاء وصف الله عز وعلا بالشكر في قوله: ﴿ والله شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 17] في معنى توفيه الثواب نفى عنه نقيض ذلك.
فإن قلت: لم عدى إلى مفعولين.
وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد، تقول شكر النعمة وكفرها؟
قلت: ضمن معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه؛ بمعنى فلن تحرموا جزاءه.
وقرئ ﴿ يفعلوا ﴾ ، ﴿ ويكفروه ﴾ بالياء والتاء ﴿ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ بشارة للمتقين بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ في المَساوِي والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ.
﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَفْيِ الِاسْتِواءِ، والقائِمَةُ المُسْتَقِيمَةُ العادِلَةُ مِن أقَمْتُ العُودَ فَقامَ وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهم.
﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ ﴾ يَتْلُونَ القُرْآنَ في تَهَجُّدِهِمْ.
عَبَّرَ عَنْهُ بِالتِّلاوَةِ في ساعاتِ اللَّيْلِ مَعَ السُّجُودِ لِيَكُونَ أبْيَنَ وأبْلَغَ في المَدْحِ.
وقِيلَ المُرادُ صَلاةُ العِشاءِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ لا يُصَلُّونَها لِما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخَّرَها ثُمَّ خَرَجَ فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ فَقالَ: أمّا أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ الأدْيانِ أحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ هَذِهِ السّاعَةَ غَيْرُكم.» <div class="verse-tafsir"
لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)
{لَيْسُواْ سَوَاءً} ليس أهل الكتاب مستوين {مِّنْ أَهْلِ الكتاب} كلام مستأنف لبيان قوله {ليسوا سواء} كما وقع قوله {تَأْمُرُونَ بالمعروف} بياناً لقوله {كنتم خير أمة} {أمّةٌ قائمةٌ} جماعة مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام أي استقام وهم الذين أسلموا منهم {يَتْلُونَ آيات الله} القرآن {آناء الليل} ساعاته واحدها إنى كمعنى أو إنو كقنو أو إنى كنحى {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} يصلون قيل يريد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها وقيل عبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود
﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ أخَرَجَ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وثَعْلَبَةُ بْنُ شُعْبَةَ وأُسَيْدُ بْنُ شُعْبَةَ وأُسَيْدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِن يَهُودَ مَعَهم فَآمَنُوا وصَدَّقُوا ورَغِبُوا في الإسْلامِ، قالَتْ أحْبارُ يَهُودَ وأهْلُ الكُفْرِ مِنهم: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وتَبِعَهُ إلّا أشْرارُنا، ولَوْ كانُوا مِن خِيارِنا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ وذَهَبُوا إلى غَيْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ والجُمْلَةُ عَلى ما قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ تَمْهِيدٌ لِتَعْدادِ مَحاسِنِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأهْلِ الكِتابِ جَمِيعًا لا لِلْفاسِقِينَ خاصَّةً وهو اسْمُ - لَيْسَ - و( سَواءً ) خَبَرُهُ، وإنَّما أُفْرِدَ لِكَوْنِهِ في الأصْلِ مَصْدَرًا، والوَقْفُ هُنا تامٌّ عَلى الصَّحِيحِ، والمُرادُ بِنَفْيِ المُساواةِ نَفْيُ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ بِالقَبائِحِ لا نَفْيَ المُساواةِ في الِاتِّصافِ بِمَراتِبِها مَعَ تَحَقُّقِ المُشارَكَةِ في أصْلِ الِاتِّصافِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ التَّساوِي ومُزِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّهُ مَعَ الأوَّلِ كَلامٌ واحِدٌ، وجَعَلَ ( أُمَّةٌ ) اسْمَ - لَيْسَ - والخَبَرُ ( سَواءً ) فَهو عَلى حَدِّ أكَلُونِي البَراغِيثُ، وقِيلَ: ( أُمَّةٌ ) مَرْفُوعٌ - بِسَواءً - وضَعْفُ كِلا القَوْلَيْنِ ظاهِرٌ، ووَضْعُ ( أهْلِ الكِتابِ ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ زِيادَةٌ في تَشْرِيفِهِمْ والِاعْتِناءِ بِهِمْ - والقائِمَةُ - مِن قامَ اللّازِمِ بِمَعْنى اسْتَقامَ أيْ ( أُمَّةٌ ) مُسْتَقِيمَةٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثابِتَةٌ عَلى أمْرِهِ لَمْ تَنْزِعْ عَنْهُ وتَتْرُكْهُ كَما تَرَكَهُ الآخَرُونَ وضَيَّعُوهُ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ ذُو أُمَّةٍ قائِمَةٍ أيْ ذُو طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، وفِيهِ أنَّهُ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
والمُرادُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مَن تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وجَعَلَ بَعْضُهم ( أهْل الكِتابِ ) عامًّا لِلْيَهُودِ والنَّصارى، وعُدَّ مِنَ الأُمَّةِ المَذْكُورَةِ نَحْوِ النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ مِمَّنْ أسْلَمَ مِنَ النَّصارى ﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِأُمَّةٍ بَعْدَ وصْفِها بِقائِمَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( قائِمَةٌ ) أوْ مِنَ الأُمَّةِ لِأنَّها قَدْ وُصِفَتْ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ الواقِعِ خَبْرًا عَنْها، والمُرادُ يَقْرَءُونَ القُرْآنَ ﴿ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ أيْ ساعاتِهِ، وواحِدُهُ أنى بِوَزْنِ عَصا، وقِيلَ: أنى كَمَعا، وقِيلَ: أنى بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أوْ كَسْرٍ فَسُكُونٍ، وحَكى الأخْفَشُ أنْوٌ كَجَرْوٍ؛ فالهَمْزَةُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ أوْ واوٍ وهو مُتَعَلِّقٌ - بِيَتْلُونَ - أوْ بِـ (قائِمَةٌ) - ومَنَعَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِالثّانِي بِناءً عَلى أنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَلا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الصِّفَةِ ﴿ وهم يَسْجُدُونَ ﴾ ( 311 ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَتْلُونَ ) عَلى ما هو الظّاهِرُ، والمُرادُ وهم يُصَلُّونَ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا قِراءَةَ في السُّجُودِ وكَذا الرُّكُوعُ بَلْ وقَعَ النَّهْيُ عَنْها فِيهِما كَما في الخَبَرِ، والمُرادُ بِصَلاتِهِمْ هَذِهِ التَّهَجُّدُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ وعُلِّلَ بِأنَّهُ أُدْخِلَ في المَدْحِ وفِيهِ تَتَيَسَّرُ لَهُمُ التِّلاوَةُ؛ لِأنَّها في المَكْتُوبَةِ وظِيفَةُ الإمامِ، واعْتِبارُ حالِهِمْ عِنْدَ الصَّلاةِ عَلى الِانْفِرادِ يَأْباهُ مَقامُ المَدْحِ وهو الأنْسَبُ بِالعُدُولِ عَنْ إيرادِها بِاسْمِ الجِنْسِ المُتَبادِرِ مِنهُ الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ، وبِالتَّعْبِيرِ عَنْ وقْتِها بِالآناءِ المُبْهَمَةِ، وإنَّما لَمْ يُعَبِّرْ عَلى هَذا بِالتَّهَجُّدِ دَفْعًا لِاحْتِمالِ المَعْنى اللُّغَوِيِّ الَّذِي لا مَدْحَ فِيهِ، والَّذِي عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ أنَّها صَلاةُ العَتَمَةِ.
واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِ حَسَنٍ، واللَّفْظُ لِلْأخِيرَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «أخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةً صَلاةَ العِشاءِ ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا النّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلاةَ فَقالَ: أما إنَّهُ لا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَ: وأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ » وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ يَتْلُونَ، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ، ويَكُونُ المَدْحُ لَهم بِذَلِكَ لِتَمَيُّزِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِتِلْكَ الصَّلاةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الَّتِي لَمْ يَتَشَرَّفُ بِأدائِها أهْلُ الكِتابِ كَما نَطَقَ بِهِ الحَدِيثُ، بَلْ ولا سائِرُ الأُمَمِ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أيْضًا عَنِ المُنْكَدِرِ أنَّهُ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذاتَ لَيْلَةٍ، وأنَّهُ أخَّرَ صَلاةَ العِشاءِ حَتّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ هُنَيْهَةٌ أوْ ساعَةٌ، والنّاسُ يَنْتَظِرُونَ في المَسْجِدِ فَقالَ: أما إنَّكم لَنْ تَزالُوا في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُوها ثُمَّ قالَ: أما إنَّها صَلاةٌ لَمْ يُصَلِّها أحَدٌ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ»، ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في تَقْدِيمِ هَذا الحُكْمِ عَلى الحُكْمِ بِالإيمانِ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التِّلاوَةَ لا تَتَيَسَّرُ لَهم إلّا بِصَلاتِهِمْ مُنْفَرِدِينَ، ولا تُمْدَحُ في الِانْفِرادِ مَعَ أنَّهُ خِلافُ الواقِعِ مِن حالِ القَوْمِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ الخِبْرانِ لِأنَّهُ لَمْ تُقَيَّدِ التِّلاوَةُ فِيهِ بِالصَّلاةِ، وإنَّما يَلْزَمُ التَّقْيِيدَ لَوْ كانَتِ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ كَما سَبَقَ ولَيْسَ فَلَيْسَ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ الصَّلاةِ بِالسُّجُودِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ الخُضُوعِ وهو سِرُّ التَّعْبِيرِ بِهِ عَنْها في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمَن طَلَبَ أنْ يَدْعُوَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ رَفِيقَهُ في الجَنَّةِ؛ لِفَرْطِ حُبِّهِ لَهُ وخَوْفِ حَيْلُولَةِ الفِراقِ يَوْمَ القِيامَةِ «أعْنِي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»، وكَذا في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الصَّلاةُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ وهي المُسَمّاةُ بِصَلاةِ الغَفْلَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالسُّجُودِ سُجُودُ التِّلاوَةِ، وقِيلَ: الخُضُوعُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ واخْتِيرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وكُرِّرَ الإسْنادُ تَقْوِيَةً لِلْحُكْمِ وتَأْكِيدًا لَهُ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ يقول جُعِلَتْ عليهم الجزية ويقال أَلْزِم عليهم القتال أَيْنَما ثُقِفُوا أي وُجدوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي بعهد من الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يعني تحت قوم يؤدون إليهم الجزية، فإن لم يكن لهم عهد قتلوا وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يقول: استوجبوا الغضب من الله تعالى.
ويقال: رجعوا بغضب من الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ يعني جعل عليهم زي الفقر.
قال الكلبي: فترى الرجل منهم غنياً، وعليه من البؤس والفقر والمسكنة.
ويقال: إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر، لكيلا تضاعف عليهم الجزية ذلِكَ الذي يصيبهم بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ومحمد وبالقرآن وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعني رضوا بما فعل آباؤهم، فكأنهم قتلوهم ذلِكَ الغضب بِما عَصَوْا الله وَكانُوا يَعْتَدُونَ بأفعالهم كلما ذكر الله عقوبة قوم في كتابه بيّن المعنى الذي يعاقبهم لذلك، لكيلا يظن أحد أنه عذَّبهم بغير جُرْم.
ثم بيَّن فضيلة من آمن من أهل الكتاب على من لم يؤمن فقال تعالى: لَيْسُوا سَواءً قال بعضهم: هذا معطوف على الأول منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، ليسوا سواء في الثواب، فيكون هاهنا وقف.
وقال بعضهم: هذا ابتداء، ويكون فيه مضمر، فكأنه يقول: ليس من آمن منهم ويتلون آيات الله كمن هو كافر.
كقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر: 9] معناه: ليس كالذي هو من أهل النار، فكذلك هاهنا قال: ليس من آمن مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كمن لم يؤمن، فبين الذين آمنوا فقال: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يعني مُهَذَّبة عاملة بكتاب الله تعالى.
ويقال: مستقيمة.
وروى الزجاج عن الأخفش قال: ذو أمة قائمة، يعني ذو طريقة قائمة يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ يعني القرآن في الصلاة آناءَ اللَّيْلِ يعني في ساعات الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي يصلون لله.
قوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يقرون بالله وبمحمد وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي باتباعه وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي يبادرون إلى الطاعات، والأعمال الصالحة وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد في الجنة.
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ يعني لن تجحدوه ولن تنسوه يقول تجزون به، وتثابون عليه في الآخرة، وهذا كما روي عن النبيّ أنه قال: «البرُّ لا يَبْلَى وَالإثْمُ لا يُنْسَى» .
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ أي عليم بثوابهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان بمثل حالهم.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ كلاهما بالياء، والباقون كلاهما بالتاء على معنى المخاطبة.
<div class="verse-tafsir"
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)
وقوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً ...
الآية: قال ابنُ عَبَّاس (رضي اللَّه عنهما) : لمَّا أسلم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ/، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَنْ أَسْلَمَ من اليهود معهم، قال الكُفَّار من أحْبَارِ اليهودِ: مَا آمن بمحمَّد إلاَّ شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا خِيَاراً، ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ: لَيْسُوا سَواءً ...
الآية «١» ، وقالَ مثلَهُ قتادةُ، وابنُ جُرَيْجٍ «٢» ، وهو أصح التأويلات في الآية.
واختلفَ في قوله: قائِمَةٌ، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: معناه: قائمةٌ على كتابِ اللَّهِ، وحُدُودِهِ مهتديةٌ «٣» ، وقال السُّدِّيُّ: القائمةُ: القانِتَةُ المُطيعةُ «٤» ، وهذا كلُّه يرجع إلى معنى وَاحِدٍ، ويحتمل أنْ يراد ب قائِمَةٌ: وَصْفُ حال التالين في آناء الليلِ، ومَنْ كانت حاله هذه، فلا محالة أنه معتدلٌ عَلَى أمر الله، وآياتِ اللَّهِ في هذه الآيةِ: هي كُتُبُهُ، والآناءُ: السَّاعاتُ، واحِدها إنْيٌ بكسر الهمزة، وسكونِ النون، وحكم هذه الآية لا يتَّفقُ في شَخْص شَخْصٍ بأنْ يكون كلُّ واحدٍ يصلِّي جميعَ ساعاتِ الليلِ، وإنما يقوم هذا الحُكْمُ من جماعةِ الأمَّة إذ بعضُ الناسِ يَقُومُ أول الليلِ، وبعضهم آخِرَهُ، وبعضُهُم بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثم يعودُ إلى نَوْمِهِ، فيأتي مِنْ مجموعِ ذلك في المُدُنِ والجَمَاعَاتِ عِمَارةُ آناء الليلِ بالقيامِ، وهكذا كان صَدْرُ هذه الأمَّة، وعُرْفُ النَّاسِ القيامُ في أول الثُّلُثِ الآخرِ مِنَ الليلِ، أو قبله بشَيْء، وحينئذٍ: كان يقوم الأكثر، والقيام طولَ الليلِ قليلٌ، وقد كان في الصالِحِينَ مَنْ يلتزمه، وقد ذكر اللَّه سبحانه القَصْدَ من ذَلِكَ في «سُورة المُزَّمِّلِ» ، وقِيامُ الليلِ لقراءةِ العِلْمِ المبتغى به وجْهُ اللَّهِ داخلٌ في هذه الآيةِ، وهو أفضلُ من التنفُّل لِمَنْ يُرْجَى انتفاعُ المسلمِينَ بعلْمه، قُلْتُ: وقد تقدَّم في أوَّل السُّورة: ما جاء من التأويل في حديث النّزول،
فلنذكُرِ الآن الحديثَ بكَمَالِهِ، لما فيه من الفوائد:
روى أبو هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبَّنَا تَبَارَكَ وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» «١» رواه الجماعةُ، أعني: الكتبَ الستَّة البخاريَّ، ومُسْلِماً، وأبا داوُدَ، والتِّرمذيَّ، والنَّسائيَّ، وابْنَ مَاجَة، وفي بعضِ الطُّرُق «٢» : «حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ» ، زاد ابْنُ ماجَة: «فَلِذَلِكَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاَةَ آخِرَ اللَّيْلِ على أَوَّلِهِ» .
وعن عمرو بْنِ عَبَسَة «٣» أَنَّهُ سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فإنِ استطعت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ» «٤» .
رواه أبو داوُد، والتِّرمذيُّ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِمُ في «المستدرك» ، واللفظُ للتِّرمذيِّ، وقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مُسْلِمٍ.
اهـ من «السلاح» .
وعن أبي أُمَامَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟
قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ، ودُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ» «٥» ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي روايةٍ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ أرجى» ، أو نحو هذا.
اهـ من «السلاح» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ ، في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ ، احْتَبَسَ عَنْ صَلاةِ العِشاءِ لَيْلَةً حَتّى ذَهَبَ ثُلْثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جاءَ فَبَشَّرَهم، فَقالَ: "إنَّهُ لا يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلاةَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ابْنُ سَلامٍ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ، قالَ أحْبارُهُمْ: ما آَمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا أشْرارُنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
وفي مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لَيْسَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ واليَهُودُ سَواءٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: لَيْسَ اليَهُودُ كُلُّهم سَواءً، بَلْ فِيهِمْ مَن هو قائِمٌ بِأمْرِ اللَّهِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الوَقْفُ التّامُّ (لَيْسُوا سَواءً) أيْ: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُتَساوِينَ.
وفي مَعْنى "قائِمَةٌ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الثّابِتَةُ عَلى أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّها العادِلَةُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّالِثُ: أنَّها المُسْتَقِيمَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، والزَّجّاجُ.
قالَ الفَرّاءُ: ذَكَرَ أُمَّةً واحِدَةً ولَمْ يَذْكُرْ بَعْدَها أُخْرى، والكَلامُ مَبْنِيٌّ عَلى أُخْرى، لِأنَّ "سَواءً" لا بُدَّ لَها مِنِ اثْنَيْنِ، وقَدْ تَسْتَجِيزُ العَرَبُ إضْمارَ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ إذا كانَ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبَ إنِّي لِأمْرِهِ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها؟!
وَلَمْ يَقُلْ: أمْ لا، ولا أمْ غَيٌّ، لِأنَّ الكَلامَ مَعْرُوفُ المَعْنى.
وَقالَ آَخَرُ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا ∗∗∗ أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي أألْخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ ∗∗∗ أمِ الشَّرُّ الَّذِي هو يَبْتَغِينِي وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ ضِدَّهُ، لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .
دَلِيلًا عَلى ما أُضْمِرَ مِن ذَلِكَ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ الزَّجّاجُ، فَقالَ: قَدْ جَرى ذِكْرُ أهْلِ الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ مِنهم أُمَّةً قائِمَةً.
فَما الحاجَةُ إلى أنْ يُقالَ: وأُمَّةٌ غَيْرُ قائِمَةٍ؟
وإنَّما بَدَأ بِذِكْرِ فِعْلِ الأكْثَرِ مِنهم، وهو الكُفْرُ والمَشاقَّةُ فَذَكَرَ مَن كانَ مِنهم مُبايِنًا لِهَؤُلاءِ.
قالَ: و"آَناءَ اللَّيْلِ" ساعاتُهُ، وواحِدُ الآَناءِ: إنْيٌ.
قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: مَضى مِنَ اللَّيْلِ إنْيٌ، وإنْيانٌ، والجَمْعُ: الآَناءُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ.
هَلْ هَذِهِ الآَناءُ مُعَيَّنَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أمْ لا؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها مُعَيَّنَةٌ، ثُمَّ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّها ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، رَواهُ سُفْيانُ عَنْ مَنصُورٍ.
والثّالِثُ: جَوْفُ اللَّيْلِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
.
والثّانِي: أنَّها ساعاتُ اللَّيْلِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ في آَخَرِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم يَسْجُدُونَ ﴾ ، قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الصَّلاةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهُ السُّجُودُ المَعْرُوفُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَتْلُونَ في حالِ السُّجُودِ، ولَكِنَّهم جَمَعُوا الأمْرَيْنِ، التِّلاوَةِ والسُّجُودِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ وهم يَسْجُدُونَ ﴾ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ لَمّا مَضَتِ الضَمائِرُ في الكُفْرِ والقَتْلِ والعِصْيانِ والِاعْتِداءِ عامَّةً في جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ، عَقَّبَ تَعالى ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ الَّذِينَ هم عَلى خَيْرٍ وإيمانٍ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَن هو عَلى اسْتِقامَةٍ، فَمِنهم مَن ماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ الشَرائِعَ فَذَلِكَ مِنَ الصالِحِينَ، ومِنهم مَن أدْرَكَ الإسْلامَ فَدَخَلَ فِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَعْتَرِضُ هَذا النَظَرَ أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ عَلى عِوَجٍ مِن وقْتِ عِيسى، وتَجِيءُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَن أسْلَمَ فَقَطْ، أو يَكُونُ اليَهُودُ في مَعْنى الأُمَّةِ القائِمَةِ إلى وقْتِ عِيسى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ الحُكْمُ في النَصارى، ولَفْظُ "أهْلِ الكِتابِ" يَعُمُّ الجَمِيعَ، والضَمِيرُ في "لَيْسُوا" لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ، وما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ مِن أنَّ الآيَةَ نَظِيرَةُ قَوْلِ العَرَبِ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ" خَطَأٌ مَرْدُودٌ، وكَذَلِكَ أيْضًا ما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ "أُمَّةٌ" مُرْتَفِعَةٌ بِـ "سَواءً" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ كَأنَّهُ قالَ: لا تَسْتَوِي أُمَّةُ كَذا، وأنَّ في آخِرِ الكَلامِ مَحْذُوفًا مُعادِلًا تَقْدِيرُهُ: وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَأغْنى القِسْمُ الأوَّلُ عن ذِكْرِها ودَلَّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبَ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها؟
المَعْنى: أمْ غَيٌّ، فاقْتَصَرَ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما الوَجْهُ أنَّ الضَمِيرَ في "لَيْسُوا" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، و"سَواءً" خَبَرُ لَيْسَ، و ﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ مَجْرُورٌ فِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أُمَّةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ، وأسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ، مَعَهُمْ: قالَ الكُفّارُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ: "لَيْسُوا سَواءً"....
الآيَةَ، وقالَ مِثْلَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ أصَحُّ التَأْوِيلاتِ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ اليَهُودُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ سَواءً، وقالَهُ السُدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ وذِكْرُ أيْضًا اليَهُودِ قالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ: "لَيْسُوا سَواءً"، والكِتابُ عَلى هَذا جِنْسُ كُتُبِ اللهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ.
والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ وهم أهْلُ القُرْآنِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ.
واخْتَلَفَ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ "قائِمَةٌ" فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: عادِلَةٌ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللهِ وحُدُودِهِ مُهْتَدِيَةٌ، وقالَ السُدِّيُّ: القانِتَةُ المُطِيعَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى مَعْنىً واحِدٍ مِنَ الاعْتِدالِ عَلى أمْرِ اللهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلدَّنانِيرِ أوِ الدَراهِمِ الوازِنَةِ قائِمَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى وأنْ لا تُنْظَرَ اللَفْظَةُ إلى هَيْئَةِ الأشْخاصِ وقْتَ تِلاوَةِ آياتِ اللهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "قائِمَةٌ" وصْفُ حالِ التالِينَ في آناءِ اللَيْلِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ مُعْتَدِلٌ عَلى أمْرِ اللهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ في هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ .
و"يَتْلُونَ" مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ، و"آياتِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ هِيَ: كُتُبُهُ، والآناءُ: الساعاتُ، واحِدُها إنْيٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ.
ويُقالُ فِيهِ أنْيٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وَيُقالُ إنى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُونِ والقَصْرِ، ويُقالُ فِيهِ: أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إنْوُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ وبِواوٍ مَضْمُومَةٍ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَيْلِيِّ: حُلْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ في كُلِّ إنْيٍ قَضاهُ اللَيْلُ يَنْتَعِلُ وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّفِقُ في شَخْصٍ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ يُصَلِّي جَمِيعَ ساعاتِ اللَيْلِ، وإنَّما يَقُومُ هَذا الحُكْمُ مِن جَماعَةِ الأُمَّةِ، إذْ بَعْضُ الناسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ عِبارَةُ آناءَ اللَيْلِ بِالقِيامِ، وهَكَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وعَرَفَ الناسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُلُثِ الآخِرِ مِنَ اللَيْلِ أو قَبْلَهُ بِشَيْءٍ، وحِينَئِذٍ كانَ يَقُومُ الأكْثَرُ، والقِيامُ طُولَ اللَيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى القَصْدَ مِن ذَلِكَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، وقِيامُ اللَيْلِ لِقِراءَةِ العِلْمِ المُبْتَغى بِهِ وجْهُ اللهِ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أفْضَلُ مِنَ التَنَفُّلِ لِمَن يُرْجى انْتِفاعُ المُسْلِمِينَ بِعِلْمِهِ.
وأمّا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في "آناءَ اللَيْلِ"، فَقالَ الرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: سَمِعْنا العَرَبَ تَقُولُ: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ السُدِّيُّ: آناءَ اللَيْلِ: جَوْفُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ.
أما إنَّ جَوْفَ اللَيْلِ جُزْءٌ مِنَ الآناءِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ النَبِيَّ احْتَبَسَ عَنّا لَيْلَةً عن صَلاةِ العَتَمَةِ وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى لَيْلٌ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ: "أبْشِرُوا فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَلاةَ" ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ ....
الآيَةَ،» فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ ﴾ صَلاةُ العِشاءِ.
ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ عن مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُصَلِّينَ بَيْنَ العِشاءَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَسْجُدُونَ ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ السُجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ، سَمّاها بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنها كَما تُسَمّى في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ رُكُوعًا، فَهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ مُصَلِّينَ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عنهم أنَّهم أيْضًا أهْلُ سُجُودٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْسُنُ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ التِلاوَةَ آناءَ اللَيْلِ قَدْ يَعْتَقِدُ السامِعُ أنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ الصَلاةِ، وأيْضًا فالقِيامُ في قِراءَةِ العِلْمِ يَخْرُجُ مِنَ الآيَةِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، ويَثْبُتُ فِيها عَلى هَذا الثانِي، فَـ "هم يَسْجُدُونَ" عَلى هَذا نَعْتُ عَدَدٍ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ.
و"يُؤْمِنُونَ" مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ إيمانٌ بِالأنْبِياءِ.
لِأنَّهُ مِن جائِزاتِ العَقْلِ الَّتِي أثْبَتَها السَمْعُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ وصْفٌ بِأنَّهم مَتى دُعُوا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ وجَبْرِ مَهِيضٍ وعِبادَةِ اللهِ أجابُوا، ومِنهُ فِعْلُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في رَكْعَتَيِ المَسْجِدِ، وقالَ: دَعَوْتَنِي إلى خَيْرٍ فَأجَبْتُ إلَيْهِ.
ومِمّا يَدْخُلُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ أنْ يَكُونَ المَرْءُ مُغْتَنِمًا لِلْخَمْسِ قَبْلَ الخَمْسِ كَما قالَ النَبِيُّ : « "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَماتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ"،» فَيَكُونُ مَتى أرادَ أنْ يَصْنَعَ خَيْرًا بادَرَ إلَيْهِ ولَمْ يُسَوِّفْ نَفْسَهُ بِالأمَلِ، فَهَذِهِ أيْضًا مُسارَعَةٌ في الخَيْراتِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ بَعْضِ الصالِحِينَ في مَرْكَبٍ فَقُلْتُ لَهُ: ما تَقُولُ أصْلَحَكَ اللهُ في الصَوْمِ في السَفَرِ؟
فَقالَ لِي: إنَّها المُبادَرَةُ يا ابْنَ أخِي، قالَ المُحَدِّثُ: فَجاءَنِي واللهِ بِجَوابٍ لَيْسَ مِن أجْوِبَةِ الفُقَهاءِ.
ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى مَن تَحَصَّلَتْ لَهُ هَذِهِ الصِفاتُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ، و"مِنَ" يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب، بعد الحكم على معظمهم بصيغة تعمّهم، تأكيداً لِما أفاده قولُه ﴿ منهم المؤمنون وأكثرُهم الفاسقون ﴾ [آل عمران: 110] فالضمير في قوله ﴿ ليسوا ﴾ لأهل الكتاب المتحدّث عنهم آنفاً، وهم اليهود، وهذه الجملة تتنزّل من التي بعدها منزلة التمهيد.
و (سواء) اسم بمعنى المماثل وأصله مصدر مشتق من التسوية.
وجملة ﴿ من أهل الكتاب أمصة قائمة الخ...
مبيّنة لإبهام ليسوا سواء ﴾ والإظهار في مقام الإضمار للاهتمام بهؤلاء الأمة، فلأمّة هنا بمعنى الفريق.
وإطلاق أهل الكتاب عليهم مجاز باعتبار ما كان كقوله تعالى: ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ [النساء: 2] لأنهم صاروا من المسلمين.
وعدل عن أن يقال: منهم أمَّة قائمة إلى قوله من أهل الكتاب: ليكون ذا الثناء شاملاً لصالحي اليهود، وصالحي النَّصارى، فلا يختصّ بصالحي اليهود، فإن صالحي اليهود قبل بعثة عيسى كانوا متمسّكين بدينهم، مستقيمين عليه، ومنهم الَّذين آمنوا بعيسى واتّبعوه، وكذلك صالحو النَّصارى قبل بعثة محمّد صلى الله عليه وسلم كانوا مستقيمين على شريعة عيسى وكثير منهم أهل تهجَّد في الأديرة والصّوامع وقد صاروا مسلمين بعد البعثة المحمدية.
والأمَّة: الطائفة والجماعة.
ومعنى قائمة أنه تمثيل للعمل بدينها على الوجه الحقّ، كما يقال: سوق قائمة وشريعة قائمة.
والآناء أصله أأنْاء بهمزتين بوزن أفعال، وهو جمع إنى بكسر الهمزة وفتح النُّون مقصوراً ويقال أنى بفتح الهمزة قال تعالى: ﴿ غير ناظرين إنَاه ﴾ [الأحزاب: 53] أي منتظرين وقته.
وجملة ﴿ وهم يسجدون ﴾ حال، أيّ يتهجّدون في الليَّل بتلاوة كتابهم، فقيّدت تلاوتهم الكتاب بحالة سجودهم.
وهذا الأسلوب أبلغ وأبين من أن يقال: يتهجّدون لأنّه يدلّ على صورة فعلهم.
ومعنى ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يسارعون إليها أي يرغبون في الاستكثار منها.
والمسارعة مستعارة للاستكثار من الفعل، والمبادرة إليه، تشبيهاً للاستكثار والأعتنار بالسير السريع لبلوغ المطلوب.
وفي للظرفية المجازية، وهي تخييلية تؤذن بتشبيه الخيرات بطريق يسير فيه السائرون، ولهؤلاء مزيّة السرعة في قطعه.
ولَك أن تجعل مجموع المركّب من قوله ﴿ ويسارعون في الخيرات ﴾ تمثيلاً لحال مبادرتهم وحرصهم على فعل الخيرات بحال السائر الراغب في البلوغ إلى قصده يُسرع في سيره.
وسيأتي نظيره عند قوله تعالى ﴿ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ في سورة [العقود: 176].
والإشارة بأولئك إلى الأمّة القائمة الموصوفة بتلك الأوصاف.
وموقع اسم الإشارة التنبيه على أنَّهم استحقوا الوصف المذكور بعد اسم الإشارة بسبب ما سبق اسمّ الإشارة من الأوصاف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّهُ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وجَماعَةٌ مَعَهُ، فَقالَتْ أحْبارُ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ ﴿ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عادِلَةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: قائِمَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: يَعْنِي ثابِتَةً عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ساعاتُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: جَوْفُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالتِّلاوَةِ في هَذا الوَقْتِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: صَلاةُ العَتَمَةِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.
﴿ وَهم يَسْجُدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي سُجُودَ الصَّلاةِ.
والثّانِي: يُرِيدُ الصَّلاةَ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في السُّجُودِ ولا في الرُّكُوعِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، والفَرّاءِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ.
﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِنْدَ تَظاهُرِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ مَعَ المُؤْمِنِينَ في حَرْبِ المُشْرِكِينَ عَلى جِهَةِ النِّفاقِ.
وَفي الصِّرِّ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: هو البَرْدُ الشَّدِيدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ صَوْتُ لَهَبِ النّارِ الَّتِي تَكُونُ في الرِّيحِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ الصِّرِّ صَوْتٌ مِنَ الصَّرِيرِ.
﴿ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنَّ ظُلْمَهُمُ اقْتَضى هَلاكَ زَرْعِهِمْ.
والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزَّرْعِ وفي غَيْرِ وقْتِهِ فَجاءَتْ رِيحٌ فَأهْلَكَتْهُ فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى هَذا مَثَلًا لِهَلاكِ نَفَقَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم.
فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد وتبعه إلاّ شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره.
فأنزل الله في ذلك ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ليسوا سواء ﴾ الآية.
يقول: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ أمة قائمة ﴾ قال: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية، ومبشر، وأسيد، وأسد ابنا كعب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: هؤلاء اليهود ليسوا كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ أمة قائمة ﴾ يقول: مهتدية، قائمة على أمر الله لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أمة قائمة ﴾ قال: عادلة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ أمة قائمة ﴾ يقول: قائمة على كتاب الله، وحدوده، وفرائضه.
وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ آناء الليل ﴾ قال: ساعات الليل.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ آناء الليل ﴾ قال: جوف الليل.
وأخرج الفريابي والبخاري في تاريخه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ليسوا من أهل الكتاب أمة قائمة ﴾ قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل ﴾ قال: صلاة العتمة هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلونها.
وأخرج أحمد والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بسند حسن عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: «أما أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم.
ولفظ ابن جرير، والطبراني، وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب.
قال: وأنزلت هذه الآية ﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ﴾ حتى بلغ ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل ﴾ قال: قال بعضهم صلاة العتمة يصليها أمة محمد ولا يصليها غيرهم من أهل الكتاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال: «أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أن قد صلى، ثم خرج فقال: اعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم» .
وأخرج الطبراني بسند حسن عن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه خرج ذات ليلة وقد أخر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة والناس ينتظرون في المسجد فقال: أما أنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها، ثم قال: أما إنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار بسند حسن عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم بالعشاء؛ فناداه عمر نام النساء والصبيان فقال: ما ينتظر هذه الصلاة أحد من أهل الأرض غيركم» .
وأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج فقال: ما يحبسكم هذه الساعة؟
قالوا: يا نبي الله انتظرناك لنشهد الصلاة معك فقال لهم: ما صلى صلاتكم هذه أمة قط قبلكم، وما زلتم في صلاة بعد» .
وأخرج الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن المستورد قال: «احتبس النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى لم يبق في المسجد إلا بضعة عشر رجلاً، فخرج إليهم فقال: ما أمسى أحد ينتظر الصلاة غيركم» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن منصور قال: بلغني أنها نزلت ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ﴾ فيما بين المغرب والعشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل ﴾ قال: هي صلاة الغفلة.
وأخرج ابن جرير عن أبي عمرو بن العلاء في قوله: ﴿ وما تفعلوا من خير فلن تكفروه ﴾ قال: بلغني عن ابن عباس أنه كان يقرؤهما جميعاً بالتاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فلن تكفروه ﴾ قال: لن يضل عنكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فلن تكفروه ﴾ قال: لن تظلموه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَيْسُوا سَوَآءً ﴾ قال أبو الهيثم (١) (٢) (٣) قال ابن الأنباري (٤) (٥) ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ إنقطع الكلامُ عند (سواءً)، ورفع (الأُمة) بـ (مِنْ) (٦) (٧) (٨) عَصاني إليها القَلْبُ إِنّي لأمرها ...
مطيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها؟
(٩) (١٠) وقال آخر: وما أدري إذا يَمَّمْتُ أرضًا ...
أُريدُ الخيرَ أيُّهُما يَلِيني (١١) (١٢) (١٣) ويجوز أن يرتفع (الأُمَّة) (١٤) وهذا الذي ذكر (١٥) (١٦) قال [أبو إسحاق] (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) .
فّذَكَرَ مَنْ كان منهم مباينًا لهؤلاء.
فعند الزجّاج: لا يحتاج إلى إضمار الأمَّةِ المذمومة؛ لأن ذِكْرَ أهلِ الكتاب قد جرى، ثُمّ أخبر الله تعالى أنهم غير متساوين، بقوله: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ﴾ ، وههنا وقف التمام.
ثُمّ أنبأ بافتراقهم، فقال: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ (٢٤) قال أبو بكر (٢٥) (٢٦) ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ﴾ من إضمار الأُمَّة الكافرة بعد ذِكْرِ الأُمَّة المؤمنة، لاكتفى بقوله عز وجل: ﴿ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ ، مِن ذِكْر الأُمَّتين جميعًا؛ فلما لم يكتفِ بالمؤمنين من الأُمَّة القائمة، لم يكتفِ بالفاسقين من الأُمَّة الكافرة، إذْ كان الله جل وعلا أتى بإخبار بعد إخبار، وَوَصْفٍ لهم إثْرَ وَصْفٍ؛ للزيادة (٢٧) وكان أبو عبيدة يذهب مذهب الفرّاء: من إضمار الأُمَّة المذمومة، إلّا أنه لا يجعل تمامَ الوقف عند قوله: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ﴾ ، ويقول (٢٨) ﴿ لَيْسُوا ﴾ .
قال: وجُمِعت (ليس) وهي مُقَدَّمة، على لغة مَن يجمع الفعلَ وإن يقدم، كقولهم: (أكلوني البراغيثُ) (٢٩) ولكنْ دِيافِيٌّ أَبُوهُ وأُمُّهُ ...
بِحَوْرانَ (٣٠) (٣١) أما القياس؛ فلأن الجمعَ عارِضٌ، والعارِضُ لا تُؤكَّد عَلامَتُه؛ لأنه بمنزلة ما لا يُعتَدُّ بِه، وليس كالتأنيث؛ للزومه، فَتُقَدَّم [له] (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وأما الاستعمال؛ فإن أكثر العرب تَرَك هذه اللغة، وهي من لغة من لا يُرتَضى لغتُه، ولم ينزل الله عز وجل كتابَه إلا بأعرب اللغات، وأقربها من البيان.
ومتى جُمع الفعلُ مُقدَّمًا [أوْهَمَ] (٣٨) (٣٩) (٤٠) ومعنى ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ : قال ابن عباس (٤١) وقال مجاهد (٤٢) (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ ﴾ .
أي: يقرأون كتاب الله.
﴿ آنَاءَ اللَّيْلِ ﴾ .
ساعاته.
والواحد: (إنًى)، مقصورٌ؛ مثل: (مِعًى) (٤٥) لله درُّ جعفرٍ أيَّ فتًى ...
مُشَمِّرٍ عن ساقه كُلَّ إنًى (٤٦) ويجوز: (إنْيٌ)، مثل: (نِحْيٌ) (٤٧) (٤٨) قال الأعشى: في كلِّ إنْيٍ حَذَاهُ الليلُ يَنْتَعِلُ (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ قال الفرَّاء (٥٣) (٥٤) (٥٥) فعلى ما ذكروا (٥٦) وقال غيرهما (٥٧) (٥٨) (٥٩) وقال ابن مسعود (٦٠) (١) قوله في "تهذيب اللغة" 2/ 1794 (سوى).
(٢) في "تهذيب اللغة": (سواعد) -بدلًا من: (سوى) - ويبدو أنها تصحيف.
(٣) عند آية 6 من سورة البقرة.
انظر حول (سواء): "الوجوه والنظائر" لهارون بن موسى 36، و"تحصيل نظائر == القرآن" للحكيم الترمذي 27، "الأضداد" لابن الأنباري 40، "الحجة" للفارسي 1/ 245، "الصحاح" 6/ 2384 (سواء)، و"قاموس القرآن" للدامغاني ص 252، و"التصاريف" لمكي 111، و"نزهة الأعين النواظر" 359، "المغني" لابن هشام 187 - 189.
(٤) لم أقف على مصدر قوله.
وقد ورد بعضُ قوله في "إيضاح الوقف والابتداء" له: 2/ 582.
(٥) فقال: ساقطة من: (ب).
(٦) ممن قال بالوقف التام -هنا- أكثر أهل العلم، ومنهم: نافع، ويعقوب، والأخفش، والزجاج، وأبو حاتم.
انظر: "القطع والائتناف" للنحاس: 232، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 213، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 458، و"منار الهدى" للأشموني 68 وقال: (وهو الأصح).
وإعراب ﴿ أُمَّةٌ ﴾ على هذا الوجه: مبتدأ مؤخر، و ﴿ مِن أَهلِ الكِتَابِ ﴾ خبر مقدم.
انظر: "التبيان" للعكبري: ص 205.
(٧) في (ج): (فأضمر).
(٨) في (ج): (ذيب).
وهو: خويلد بن خالد بن مُحرِّث الهُذَلي.
تقدم.
(٩) ورد البيت منسوبًا له في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 43، "تأويل مشكل القرآن" ==215، "تفسير الثعلبي" 3/ 101 - ب، "مغني اللبيب" 18، 59، 820، وانظر: "شرح شواهد المغني" 27، 142، 672)، "الدرر اللوامع" 2/ 172.
كما ورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء: 1/ 230، "منهج السالك" 3/ 116، "همع الهوامع" 5/ 241.
وقد ورد في بعض المصادر: (دعاني إليها القلب) وفي معاني الفراء، وتأويل المشكل، وتفسير الثعلبي: (عصيت إليها القلب) كما ورد في جميع المصادر المذكورة: (إني لأمره * سميع ..).
قال الأصمعي: (عصاني القلب): جعل لا يقبل مني؛ أي: ذهب إليها قلبي سفها، فأنا أتبع ما يأمرني به، فما أدري أرُشدٌ الذي وقع فيه أم غيٌّ).
"شرح أشعار الهذليين" 1/ 43.
(١٠) وقد تطرق المؤلف لهذا المعنى عند الآية: 6 من سورة البقرة.
(١١) في (ج): (أيهما أريد).
والبيت للمثقب العبدي، وهو في ديوانه: 212.
وورد منسوبًا له، في "المفضليات" 574، "الشعر والشعراء" 1/ 403، و"الصناعتين" 205، و"الحماسة البصرية" 1/ 40، "شرح شواهد المغني" 191، "خزانة الأدب" 11/ 80 وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء: 231.
وروايته في "المفضليات": (يممت أمرًا ..)، وعند الفراء: (يممت وجها ..) وفي "الحماسة البصرية" كما عند المؤلف، وفي "شرح شواهد المغني" "الخزانة": (وجهت وجهًا ..).
وبعد هذا البيت: أألخير الذي أنا أبتغيه ...
أم الشر الذي هو يبتغيني ومعنى (يميت): قصدت، و (يليني): من (الوَلْي)، وهو: القرب.
(١٢) في (ج): (المعنى: لا يستوي أراد).
ولم أثبت هذه الزيادة؛ لأنه لا وجه لها، ويبدو أنها سبق قلم من الناسخ.
(١٣) انظر المصادر السابقة التي أوردت البيتين؛ حيث تطرقت إلى موضوع الحذف الوارد في الآية.
(١٤) في (ج): (الأمر).
(١٥) في (ج): (ذكره).
(١٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 230.
(١٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من: (ب)، (ج).
وقوله في "معاني القرآن" له: 1/ 460.
نقله عنه بنصه.
(١٨) في (ج): (قال).
(١٩) في "معاني القرآن" في مثل هذا المكان.
(٢٠) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ).
ومثبت من (ب)، (ج)، "معاني القرآن".
(٢١) هم: ساقطة من (ب).
(٢٢) ما بين المعقوفين: في (أ): البدو.
والمثبت من (ب)، (ج)، "معاني القرآن".
(٢٣) في (ب): (مما).
(٢٤) في (أ)، (ب): ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ .
وما أثبته من: (ج)؛ لأنه الأولى والأنسب بسياق الكلام.
وما ورد في (أ)، (ب) مما سبق به الفكر والقلب عادة في مثل هذه المواطن.
(٢٥) هو ابن الأنباري، كما سبق، ولم أقف على مصدر قوله وهو من تتمة النقل السابق عنه.
(٢٦) في (ج): (محتمل).
(٢٧) في (ج): (الزيادة).
(٢٨) لم أقف على مصدر قوله وليس موجودًا في "مجاز القرآن" بهذا النص؛ ونَصُّهُ == في (المجاز) هو: (العرب تُجوِّزُ في كلامهم مثل هذا أن يقولوا: (أكلوني البراغيثُ)، قال أبو عبيدة: سمعتها من أبي عمرو الهذلي في منطقه، وكان وجه الكلام أن يقول: (أكلني البراغيث).
وفي القرآن: ﴿ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ﴾ ، وقد يجوز أن يجعله كلامين، فكأنك قلت: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ ، ثم قلت: ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ .) "المجاز" 1/ 101 - 102.
(٢٩) هذا مثل وضع عَلَما على لغة (طيئ)، وقيل لغة (أزد شنوءة)، أو (بلحارث)، وكما ورد في الهامش السابق عن أبي عبيدة أنه نطق بها بعض (هذيل).
وقد ألحقوا في هذه اللغة علامة الجمع أو التثنية بالفعل، مع ظهور الفاعل، فجمع في (أكلوني البراغيث) واو الجماعة والاسم الظاهر.
والأصل المتبع أن يقال: (أكلني البراغيث).
انظر الكلام عن هذه اللغة في "كتاب سيبويه" 2/ 40 - 41، "معاني القرآن" للفراء: 1/ 316، "المسائل المشكلة" للفارسي: 109، "سر صناعة الإعراب" 629، "نتائج الفكر" للسهيلي:166، "إعراب الحديث النبوي" للعكبري: 125، 137 - 138، "رصف المباني" 111، "الجنى الداني" 150، 170، "البحر المحيط" 3/ 24، "مغني اللبيب" 478، "أوضح المسالك" ص 82، "همع الهوامع" 2/ 256، "الاقتراح في علم أصول النحو" للسيوطي: 43، "معجم الشوارد النحوية" 108.
(٣٠) في (أ)، (ب)، (ج): (بحوزان).
والمثبت من: الديوان ومصادر البيت.
(٣١) البيت في ديوانه: 44.
وقد ورد منسوبًا له في "كتاب سيبويه" 2/ 40 (وانظر شرح أبيات سيبويه، للنحاس: 113)، "أمالي بن الشجري" 1/ 201، "شرح المفصل" 3/ 89، 7/ 7، "معجم البلدان" 2/ 494، "خزانة الأدب" 5/ 63، 234، 7/ 346، 446، 11/ 372، "اللسان" 2/ 1193 (خطأ)، 4/ 2065 (سلط)،== 3/ 1455 (دوف)، "الدر اللوامع" 1/ 142.
وورد غير منسوب في "الحجة" للفارسي: 1/ 132، "الخصائص" 2/ 194، و"إعراب الحديث النبوي" 125، 138، "رصف المباني" 112، "الجنى الداني" 150، "همع الهوامع" 2/ 256.
والبيت من قصيدة قالها في هجاء عمرو بن عفراء الضبِّي.
و (دِيافيّ) نسبة إلى (دِياف) وهي من قرى الشام، وأهلها نَبَط، و (حوران): من قرى الشام.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 494، "الخزانة" 5/ 235.
و (السليط): الزيت.
وقيل: كل دهن عصر من حب.
انظر: "اللسان" 4/ 2065 (سلط).
يقول الشاعر -هنا- عن المهجو: إنَّ أهله من النَّبطِ، وليسوا من العرب الخلَّص، أصحاب الانتجاع والشجاعة والحروب، بل هم من أهل (دِياف)، ممن يعيشون على عصر الزيت.
وزاده هجاءً بقوله: (يعصرن) -بنون النسوة- يشبههم بالنساء ذوات الخدمة والتبذل، وليسوا كالرجال ممن شأنهم الحروب.
والشاهد فيه: قوله: (يعصرن السليط أقاربه) ولم يقل (يعصر)، على الأصل، حيث إنه فعل مقدمة، وفاعله (أقاربه)، والنون في الفعل علامة لكون الفاعل جمعًا.
(٣٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(٣٣) في (ج): مع.
(٣٤) ما بين المعقوفين: غير مقروء في (أ).
وفي (ب): هذا الحيز.
والمثبت من: (ج).
(٣٥) في (ج): (وكيف).
(٣٦) في (ب): (العارض).
(٣٧) في (ب): ولزومه.
في (ج): (ولزم).
(٣٨) في (أ)، (ب)، (ج): وهم.
وما أثبته هو كما رجحت صوابه؛ لأني لم أجد في معاجم اللغة التي رجعت إليها، أن (وهم) يتعدى بدون الهمزة، أو بالتضعيف.
وما يؤكد هذا أن الواو في (وهم) لصقت بالألف في (مقدما) في (أ)، (ج).
(٣٩) في (ب): (إنهاء).
(٤٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(٤١) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 54، "ابن أبي حاتم" 3/ 738، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 462، "تفسير البغوي" 2/ 93، وقد رجح هذا الطبري في تفسيره في الموضع السابق، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 427.
(٤٢) قوله في "تفسيره" 133، "تفسير الطبري" 4/ 53، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 738، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 462، "تفسير البغوي" 2/ 93، "الدر المنثور" 2/ 116 وزاد نسبته لعبد بن حميد.
(٤٣) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 53، "ابن أبي حاتم" 3/ 737، "البغوي" 2/ 93.
(٤٤) في "تفسير غريب القرآن" له 108.
(٤٥) في (أ)، (ب)، (ج): (معًا).
والمثبت من كتب اللغة.
انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 225 (أنى).
(٤٦) في (ب): (أنى).
ولم أقف على قائله، وقد أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 102 أ، ولم يعزه لقائل، ولم أقف على مصادر أخرى له.
(٤٧) في (ب): (محي).
والنِحْيُ: الزِّقُّ -وهو السقاء الذي يُتَّخذ للشراب، أو ما كان للسمن خاصة-، أو نوع من الرُّطَب، أو سهم عريض النصل.
ويقال -كذلك-: (النِّحْي، والنَّحَى).
والجمع: (أنحاء، ونُحِيٌّ، ونِحاءٌ).
انظر: (نحا) في "اللسان" 7/ 4372، "القاموس" ص 1337.
(٤٨) الحِسْيُ: سهل من الأرض يستنقع فيه الماء.
وقيل: غِلَظٌ فوقه رمل يجتمع فيه ماء المطر، فكلما نَزحتَ دلوا جمَّت أخرى.
والجمع: أحساء.
انظر: "الصحاح" 1313 (حسا)، "المجمل" 233 (حسو)، "اللسان" 2/ 880 (حسا)، "القاموس" ص 1274 (حسا).
(٤٩) في (أ)، (ب)، (ج): ورد البيت كالتالي: (في كل إنيٌ جداه الليل شغل).
وما أثبته فمن مصادر البيت.
والبيت ليس للأعشى كما ذكر المؤلف، بل هو لأبي أُثَيْلَة، المُتَنَخِّل، مالك بن عويمر بن عثمان الهُذَلي.
وقد ورد منسوبًا له في "سيرة بن هشام" 2/ 186، "مجاز القرآن" 1/ 102، 2/ 33، "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1283، "الشعر والشعراء" ص 439، "الصحاح" 2273 (أنا)، "اللسان" 1/ 162 (أنى).= وورد غير منسوب في "تفسير الطبري" 4/ 54، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 459، "المنتخب" لكراع النمل: 2/ 608، "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 214، وكتاب "حروف الممدود والمقصور" للكسائي: 64، "المنصف" 2/ 107، "تهذيب اللغة" 1/ 3614 (نعل)، 1/ 225 (أنى)، "تفسير الثعلبي" 3/ 102 أ.
وأول البيت: حلْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القِدْح مِرَّتُهُ وقد ورد في بعض المصادر: (بكل إني ..)، وورد: (قضاه الله ..)، و (قضاه الليل ..) بدلًا من: (حذاه الليل)، وفي المنتخب، لكراع النمل: (حَدَاهُ الليل)، وورد: (كعطف القدح شيمتُهُ ..).
الشاعر -هنا- يرثي ابنه أثَيْلَة، ويصفه بأنه (حلو ومر)؛ أي: حلو وسهل لمن يستحق المعاملة الحسنة، ومرٌّ وشديد على من يستحق الشدة والخشونة.
وقوله: (كعطف القدح)، (القِدْح): السهم قبل أن يُراش ويُنْصل.
و (المِرَّة): الشِّدّة، والقوة.
يريد: أنه يُطوَى كما يُطوَى القِدح، ثم يعود إلى شدَّته واستقامته.
قوله: (حذاه الليل): أي: قطعة اليل حِذاءً.
و (ينتعل)، أي: يتخذه نعلًا.
أي: إنه يسري في كل ساعة من ساعات الليل، لا يتأَخر ولا يهاب.
انظر: "شرح أشعار الهذليين" 2/ 1283، وتعليق الأستاذ محمود شاكر على البيت في هامش "تفسير الطبري" 7/ 125 - 126.
وفسر كراع النمل: (حداه الليل)؛ أي: ساقه وقال: (أي: ينتعل كل إنيٍ حداه؛ أي: ساقه، و (في) زائدة) المنتخب: 608.
(٥٠) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 52، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 737، "الدر المنثور" 2/ 115، وزاد نسبة إخراجه لابن إسحاق، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر.
(٥١) لم أقف على مصدر قوله وقد أورده ابن الجوزي في الزاد: 1/ 442.
والذي في تفسير الطبري عنه: (ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية) 4/ 52.
(٥٢) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 52.
(٥٣) في "معاني القرآن" له 1/ 231.
(٥٤) في "معاني القرآن" له 1/ 459.
المؤلف -هنا- دمج بين عبارات الفراء والزجاج، ولفَّقَ بينها.
(٥٥) زيادة من (أ).
(٥٦) في (أ) و (ج): (ذكر).
(٥٧) ممن قال ذلك: الطبري في "تفسيره" 4/ 56، رادًّا على الفراء رأيَه السابق.
والعبارة التالية قريبة من عبارته في تفسيره.
(٥٨) (آناء الليل): ساقطة من: (ج).
(٥٩) أي: أنها معطوفة على قوله تعالى ﴿ يَتْلُونَ ﴾ ، في موضع رفع نعت لـ ﴿ أُمَّةٌ ﴾ .
وقد تكون مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
واستحسن هذا مكِّي بن أبي طالب.
(٦٠) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 55، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 739، "التاريخ == الكبير" للبخاري 1/ 2/ 308، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 116 وزاد نسبة إخراجه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
وقد وردت في رواية أخرى للطبري عن ابن مسعود عبارةٌ مُدرَجة، تبيِّن أن صلاة العتمة هي صلاة العشاء، ونصها: (خرج علينا رسول الله ونحن ننتظر العشاء- يريد: العتمة- فقال لنا: ما على الأرض أحدٌ من أهل الأديان ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت غيركم.
قال: فنزلت: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ﴾ ).
وقد يكون الإدراج من الطبري أو من أحد رواة الأثر عن ابن مسعود.
أخرج هذه الرواية: أحمد 1/ 396، والطبري في "تفسيره" 4/ 55، وابن أبي حاتم 3/ 738، والنسائي في "تفسيره" 1/ 320، وابن حبان (الإحسان) 4/ 397 رقم: 1530)، والبزار (انظر: "كشف الأستار" 1/ 190 رقم: 375)، والواحدي في "أسباب النزول" ص123، وانظر: "تفسير ابن مسعود" 1/ 176 - 178.
وقد ورد عن ابن عباس، والسُدِّي تفسير ﴿ آنَاءَ اللَّيْلِ ﴾ بجوف الليل.
وعن الثوري، عن منصور بن المعتمر السلمي: أنها بين المغرب والعشاء.
وهي معان متقاربة، لأن كلًّا منها يصدق عليه أنه من آناء الليل.
إلا أن الطبري يرى أن أَوْلاها، هو قول من قال: هي تلاوة القرآن في صلاة العشاء، لأنه صلاة لا يصليها أحد من أهل الكتاب.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 54 - 56، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 738 - 739.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله ﴾ الحبل هنا العهد والذمة ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً ﴾ أي: ليس أهل الكتاب مستويين في دينهم ﴿ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ ﴾ أي قائمة بالحق، وذلك فيمن أسلم من اليهود: كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد وأخيه أسد وغيرهم ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ يدل أن تلاوتهم للكتاب في الصلاة ﴿ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ بالتاء حسب قراءة المؤلف أي لن تحرموا ثوابه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويسارعون ﴾ وبابه كـ ﴿ سارعوا ﴾ و ﴿ نسارع ﴾ \[المؤمنون:56\] ممالة: قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس.
﴿ ما يفعلوا ﴾ ﴿ فلن يكفروه ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ تسؤهم ﴾ وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية، والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ لا يضركم ﴾ من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع.
وقرأ المفضل ﴿ لا يضركم ﴾ بالفتح الباقون: ﴿ لا يضركم ﴾ بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع ﴿ تعملون محيط ﴾ بتاء الخطاب: سهل.
الباقون: بياء الغيبة.
الوقوف: ﴿ المسكنة ﴾ ط ﴿ بغير حق ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير ﴿ ليسوا ﴾ يعود إلى ما يعود إليه ضمير ﴿ منهم المؤمنون ﴾ لبيان الفضل بين الفريقين، والذين / عصوا واعتدوا أحد الفريقين ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يسجدون ﴾ ه قيل: لا وقف على جعل ﴿ يؤمنون ﴾ حالاً لضمير ﴿ يسجدون ﴾ ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ يكفروه ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ 5 ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ فأهلكته ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ج ﴿ خبالاً ﴾ ط ﴿ ما عنتم ﴾ ج لاحتمال كون قد بدت حالا ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم ﴿ آمنا ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق ﴿ من الغيظ ﴾ ط ﴿ يغيظكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تسؤهم ﴾ ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم.
﴿ يفرحوا بها ﴾ ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.
التفسير: هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي.
والمعنى ضربت عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم ﴿ بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة بقبول الجزية، فحينئذٍ يكون دمهم محقوناً ومالهم مصوناً وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة.
فعلى هذا يكون الواو بمعنى "أو".
وقيل: ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص بالاجتهاد.
وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظراً إلى المعنى لأن ضرب الذلة عليهم معناه لا تنفك عنهم ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ قيل: إنه من قولك "تبوأ فلان منزل كذا" والمعنى مكثوا في غضب الله.
وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا بالغضب.
﴿ وضربت عليهم المسكنة ﴾ عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت بالذكر بعد الاستثناء ليعلم أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة.
وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة.
وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه قال في هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء ﴿ الأنبياء بغير حق ﴾ لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما.
ثم تدرج إلى ما هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن / تقتل النفس به وهو قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم.
﴿ لسوا سواء ﴾ كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان.
قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً.
قال أبو ذؤيب: عاني إليها القلب إني لأمرها *** مطيع فما أدري أرشد طلابها؟
أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده.
وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي.
فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك.
وقيل: وهو اختيار أبي عبيدة أن ﴿ أمة ﴾ مرفوعة بـ ﴿ ليس ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث.
أو هو بدل من الضمير على نحو ﴿ أسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة.
وفي تفسير أهل الكتاب قولان: الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى.
قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت.
وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم.
عن ابن مسعود قال: "أخر رسول الله ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم" .
وفي رواية: "فبشر أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات" ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ قال القفال رحمه الله : لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب.
فقيل: ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا.
ولا يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان؟
فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ كقوله: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ﴾ ثم إنه مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها / قائمة.
قيل: أي في الصلاة.
وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة.
وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: "أقمت العود فقام" بمعنى استقام.
وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية.
وقوله: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ الصفة الثانية: ﴿ يتلون ﴾ أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل.
فالتلاوة القراءة.
وأصل الكلمة الإتباع.
فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن.
وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها.
وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل "معاً" و "أني" و"أنوا" مثل "نحى" و"تلو".
الصفة الثالثة: ﴿ وهم يسجدون ﴾ يحتمل أن يكون حالاً من ﴿ يتلون ﴾ كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي : " "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً" يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله: ﴿ يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون.
والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً.
الصفة الرابعة: ﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية.
وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد.
ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم واعتقاداتهم الفاسدة.
الخامسة والسادسة: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي.
وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين.
وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.
الصفة السابعة ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.وما روي أنه قال: " "العجلة من الشيطان " مخصوص بهذه الآية.
على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالاً، كيف لا والأمور متفاوتة.
منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه خلاف وضعه / فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل.
ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب.
قال : " اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " الصفة الثامنة: ﴿ أولئك من الصالحين ﴾ وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود.
ثم شرط للأمة الموصوفة بل بجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم ألبتة تأكيداً للإخبار عنهم بقوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ فقال: ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه.
فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها.
وسمى منع الجزاء كفراً كما سمى إيصال الثواب شكراً في قوله: ﴿ فإن الله شاكر عليم ﴾ ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهاً على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟!
ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.
وقد سبق تفسير مثله من أول السورة.
ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوده الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله: ﴿ مثل ما ينفقون ﴾ الآية.
قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد.
وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.
وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث.
وعلى هذا فمعنى الآية: كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر.
وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفة محذوفاً بمعنى فيها قرّة صر كما تقول: برد بارد على المبالغة، أو تكون "في" تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسداً أي أنت أسد، وإن ضيعني فلان ففي الله كافٍ وكافل.
وقيل: الصر السموم الحارة.
وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﴿ فيها صر ﴾ قال: فيها نار.
وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان برداً مهلكاً أو حرّاً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث فيصح التشبية.
وهذا في التشبية المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة.
ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث.
والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: ﴿ في هذه الحياة / الدنيا ﴾ فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاماً.
وقيل: مثل ما ينفقون يعني أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله وفي جمع العساكر عليه في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلاً للحرث.
والظاهر أن الضمير في ﴿ ينفقون ﴾ عائد إلى جميع الكفار.
وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيراً كثيراً في المعاد، لكنهم إذا قدمواالآخرة رأوا كفرهم مبطلاً لآثار تلك الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كبيراً فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف.
ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيراً وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول وفي تخريب ديار المسلمين.
ولا يبعد أيضاً تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالاً كثيرة في تجهيز الجيوش والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم وأظهر الله الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة.
وقيل: المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة كقوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ والمراد جميع الانتفاعات.
أما فائدة قوله: ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ وعدم الاقتصار على قوله: ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولاعثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة.
فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلاً.
ويحتمل أن يراد بالظالم ههنا وضع الزرع في غير موضعه.
فإن من زرع لا في موضعه وفي غير أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعاً.
والضمير في ﴿ وما ظلمهم ﴾ للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما ستحقوا به العقوبة.
ثم إنه تعالى لما بالغ في شرح احوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين.
قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواطؤن رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي / إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له.
الواحد شقر وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة، نهاهم عن مودة كل كافر لأن قوله: ﴿ بطانة ﴾ نكرة في سياق النفي.
وقوله: ﴿ من دونكم ﴾ يؤكد ذلك.
وهو إما أن يتعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ ويكون صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو النهي عن اتخاذ البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى.
و"من" للتبيين وقيل: زائدة.
ثم ذكر علة النهي فقال: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: "لا آلوك نصحاً أو جهداً" على التضمين أي لا أمنعك نصحاً.
والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ومخبل ناقص العقل فاسدة.
وقيل: خبالاً نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال.
والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم.
﴿ ودّوا ما عنتم ﴾ أي عنتكم على أن "ما" مصدرية.
والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه قد أعنته.
والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.
والحاصل من الجمليتن أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم ﴿ قد بدت البغضاء ﴾ هي شدة البغض كالضراء شدة الضر.
والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط.
فحذفت الهاء تخفيفاً وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.
وظهور البغضاء من اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي والكتاب.
وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته.
وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك.
﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير متناهية.
ثم بيّن أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: ﴿ قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ من أهل العقول.
وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدوّ والولي.
ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالاً وادّين عنتكم بادية بغضاؤهم.
وأما ﴿ قد بينا ﴾ فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة، فقيل: لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟
فقيل: لأنهم يودون عنتكم.
ثم قيل: وما آية / ودادة العنت؟
فقيل: قد بدت والله أعلم.
أما كون هذا التقدير أحسن فلأن الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف ههنا، وأما كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد.
ثم استأنف للتحذير نمطاً آخر من البيان مشتملاً على التوبيخ فقال: ﴿ ها أنتم أولاء ﴾ الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان الخطأ وهو قوله: ﴿ تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر.
والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية.
ثم ذكر سبباً آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ وأضمر قرينه وهو "وهم لا يؤمنون به" لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر غالباً.
والمراد بالكتاب الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس".
وفي الكشاف: إن الواو في ﴿ وتؤمنون ﴾ للحال، واللام في ﴿ الكتاب ﴾ للعهد أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله.
وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب منكم في حقكم.
ثم ذكر مضادة أخرى فقال: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ أحدثنا الدخول في الإيمان ﴿ وأذا خلوا عضوا ﴾ ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيراً ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم ﴿ قل موتو بغيظكم ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ذلهم وخزيهم.
والحاصل أنه أمر النبي أن يخبرهم بأن الله أتاح أن يظهر دين الإسلام علىالأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان هذا سبباً لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ.
ثم إن قوله: ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه.
إن كان داخلاً في جمل المقول، فمعناه أخبرهم بما يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى / مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها.
وإن كان خارجاً فالمعنى قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلاً.
ويجوز أن لا يكون أمراً بالقول لفظاً بل يراد حدّث نفسك بأنهم سيهلكون غيظاً وحسداً، فيكون أمراً للرسول بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره.
ثم ذكر نوعاً آخر من مضادتهم ومعاداتهم فقال: ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء ﴿ تسؤهم ﴾ ساءه يسوءه نقيض سره يسره ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ ضد من أضداد ما عددنا.
﴿ يفرحوا بها ﴾ ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحداً.
وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد *** إلا أن يكون ثمة غاية الحقد.
وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في ﴿ حسنة ﴾ للتقليل وفي ﴿ سيئة ﴾ للتعظيم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على عداوتهم ﴿ وتتقوا ﴾ ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على أوامر الله وتتقوا محارمه ﴿ لا يضركم كيدهم ﴾ وهو احتيال الإنسان لإيقاع غيره في مكروه.
وقال ابن عباس: هو العداوة.
﴿ شيئاً ﴾ من الضرر بل كنتم في كنف الله وحفظه.
وفيه إرشاد من الله إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له.
وفي كلام الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.
وقال بعضهم: إذا ما شئت إرغام الأعادي *** بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى *** على الأعداء من نوب الزمان ﴿ إن الله بما تعملون ﴾ في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى.
﴿ محيط ﴾ فيجازي كل أحد بما هو أهله.
التأويل: ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي وسيرته.
ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم.
ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون.
فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً.
ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله: ﴿ مثل ما / ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ﴾ هي هواء الهوى ﴿ فيها صر ﴾ الشهوة ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ هو الحرث الروحاني ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ بإبطال الاستعداد الإنساني.
ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ﴾ لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ﴿ ودّوا ﴾ من نعيم الدنيا ومشتهياتها ﴿ ما عنتم ﴾ ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاستيم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ اعتراضاتهم الفاسدة ﴿ وما تخفي صدورهم ﴾ الحاسدة من الغل والحقد ﴿ أكبر ﴾ ﴿ تحبونهم ﴾ محبة الرحمة والشفقة ﴿ ولا يحبونكم ﴾ لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ﴿ ويؤتون بالكتاب كله ﴾ بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد.
﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ كرامة من الله وقبول من الخلق.
سيئة إنكار من الجهال وطعن.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية: أي: لا سواء بين من آمن منهم - يعني: من أهل الكتاب - ومن لم يؤمن منهم؛ لأن منهم من قد آمن؛ فصاروا أمّة قائمة؛ قيل: عادلة، كقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .
وقيل: أمة قائمة على حدود الله، وفرائضه، وطاعته، وكتابه؛ لم يحرفوه.
وقيل: أمة قائمة مهتدية، وهم الذين آمنوا منهم.
وعن ابن مسعود - - قال: ﴿ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ ﴾ أمة محمد يصلون، ولم يكن هذا للأمم السالفة.
وفي حرف حفصة: "ليس أهل الكتاب ليسوا منهم أمة قائمة"؛ كقوله - -: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ * أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ...
﴾ كذا: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ...
﴾ الآية [السجدة: 18-20].
وقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ : أي: يصلون.
ويحتمل ﴿ يَسْجُدُونَ ﴾ : يخضعون، والسجود: هو الخضوع.
﴿ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : أي: يؤمنون بأنفسهم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، ويدعون إليه، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، يعني: الكفر.
ويحتمل ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : كل معروف، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ : كل منكر، وقد ذكرنا هذا.
﴿ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ : في الخيرات كلها.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : وقيل: مع الصالحين في الجنة.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ومَنْ ذلك فعله - فهو صالح.
وقوله: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ .
أي: لن يرد ذلك عليكم؛ بل يقبل؛ بل تجزون به في الآخرة.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: كيف يَكْفُرُهُ، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل؟!.
هو في حرف حفصة: "فلن تتركوه": أي: لن تتركوه دون أن تُجزوا عليه؛ وإن قل ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا ﴾ معناه - والله أعلم - ما ذكر، ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ .
وقيل: لن يظلمكم.
وقيل: لن ينقصكم.
وقيل: فلن يضل عنكم؛ بل يشكر ذلك لهم، يعني: فلن يضيع ذلك عند الله، والله أعلم.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
ليس أهل الكتاب متساوين في حالهم، بل منهم طائفة مستقيمة على دين الله، قائمة بأمر الله ونهيه، يقرؤون آيات الله في ساعات الليل وهم يُصَلُّون لله، كانت هذه الفئة قبل بعثة النبي محمد ، ومن أدرك منهم هذه البعثة أسلم.
<div class="verse-tafsir" id="91.Rdxbz"
هذه الآية من العدل الإلهي في بيان حقيقة الواقع وإزالة الإبهام السابق وهي دليل على أن دين الله واحد على ألسنة جميع الأنبياء وأن كل من أخذه بإذعان، وعمل فيه بإخلاص، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو من الصالحين.
وفي هذا العدل قطع لاحتجاج أهل الكتاب الذين يعرفون من أنفسهم الإيمان والإخلاص في العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه استمالة لهم، وتناء عن التفرقة بين الأمم والملل التي لم يكن يعترف فيها أحد الفريقين بفضيلة ولا مزية للآخر كأنه بمجرد مخالفته له في بعض الأشياء -وإن كان معذورًا- تتبدل حسناته سيئات.
وظاهر أن هذا كالذي قبله في أهل الكتاب حال على كونهم على دينهم خلافًا لمفسرنا (الجلال) وغيره الذين حملوا المدح على من أسلم منهم فإن المسلمين لا يمدحون بوصف أنهم أهل الكتاب وإنما يمدحون بعنوان المؤمنين.
ولقد اختلف المفسرون في قوله "قائمة" والراجح عندي أن معناها موجودة ثابتة على الحق، وفي ذلك تعريض بالمنحرفين عن الحق بأنهم لا يعدون من أهل الوجود وإنما حكمهم حكم العدم.
أما الذين لا خير في وجودهم ففي مثلهم قال الشاعر: خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد فكأنهم روقوا وما رزقوا <div class="verse-tafsir"