الآية ١١٤ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١١٤ من سورة آل عمران

يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ١١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٤ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ) وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله [ لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ] ) [ الآية : 199 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ليسوا سواء "، ليس فريقًا أهل الكتاب، أهل الإيمان منهم والكفر: سواء.

يعني بذلك: أنهم غير متساوين.

يقول: ليسوا متعادلين، ولكنهم متفاوتون في الصلاح والفساد، والخير والشر.

(43) .

* * * وإنما قيل: " ليسوا سواء "، لأن فيه ذكر الفريقين من أهل الكتاب اللذين ذكرهما الله في قوله: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ، (44) ثم أخبر جل ثناؤه عن حال الفريقين عنده، المؤمنة منهما والكافرة فقال: " ليسوا سواء "، أي: ليس هؤلاء سواء، المؤمنون منهم والكافرون.

ثم ابتدأ الخبرَ جل ثناؤه عن صفة الفرقة المؤمنة من أهل &; 7-119 &; الكتاب، ومدحَهم، وأثنى عليهم، بعد ما وصف الفِرقة الفاسقة منهم بما وصفها به من الهلع، ونَخْب الجَنان، (45) ومحالفة الذل والصغار، وملازمة الفاقة والمسكنة، وتحمُّل خزي الدنيا وفضيحة الآخرة، فقال: " من أهل الكتاب أمَّة قائمةٌ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون "، الآيات الثلاث، إلى قوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ .

* * * فقوله: (46) " أمة قائمة " مرفوعةٌ بقوله: " من أهل الكتاب ".

* * * وقد توهم جماعة من نحويي الكوفة والبصرة والمقدَّمين منهم في صناعتهم: (47) أن ما بعد " سواء " في هذا الموضع من قوله: " أمة قائمة "، ترجمةٌ عن " سواء " وتفسيرٌ عنه، (48) بمعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة.

وزعموا أنّ ذكر الفرقة الأخرى، ترك اكتفاء بذكر إحدى الفرقتين، وهي" الأمة القائمة "، ومثَّلوه بقول أبي ذئيب: عَصَيْـتُ إلَيْهَـا القَلْـبَ: إنِّـي لأمْرِهَا سَـمِيعٌ، فَمَـا أَدْرِي أَرُشْـدٌ طِلابُهَـا? (49) ولم يقل: " أم غير رشد "، اكتفاء بقوله: " أرشد " من ذكر " أم غير رشد "،.

وبقول الآخر: (50) أَرَاك فَــلا أَدْرِي أَهَــمٌّ هَمَمْتُــه? وَذُو الهَــمِّ قِدْمًـا خَاشِـعٌ مُتَضَـائِلُ (51) * * * قال أبو جعفر: وهو مع ذلك عندهم خطأٌ قولُ القائل المريد أن يقول: " سواء أقمتَ أم قعدت " =: " سواء أقمت "، حتى يقول: " أم قعدت ".، وإنما يجيزون حذف الثاني فيما كان من الكلام مكتفيًا بواحد، دون ما كان ناقصًا عن ذلك، وذلك نحو: " ما أبالي" أو " ما أدري"، فأجازوا في ذلك: " ما أبالي أقمت "، وهم يريدون: " ما أبالي أقمت أم قعدت "، لاكتفاء " ما أبالي" بواحد = وكذلك في" ما أدري".

وأبوا الإجازة في" سواء "، من أجل نقصانه، وأنه غير مكتف بواحد، فأغفلوا في توجيههم قوله: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة " على ما حكينا عنهم، إلى ما وجهوه إليه -مذاهبَهم في العربية = (52) إذّ أجازوا فيه من الحذف ما هو غير جائز عندهم في الكلام مع " سواء "، وأخطأوا تأويل الآية.

فـ" سواء " في هذا الموضع بمعنى التمام والاكتفاء، لا بالمعنى الذي تأوَّله من حكينا قوله.

* * * وقد ذكر أن قوله: " من أهل الكتاب أمة قائمة " الآيات الثلاث، نـزلت في جماعة من اليهود أسلموا فحسن إسلامهم.

*ذكر من قال ذلك: 7644- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سَعْية، وأسَيْد بن سعية، وأسد بن عُبيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا وصدَّقوا ورغبوا في الإسلام، ورسخوا &; 7-121 &; فيه، (53) قالت: أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا أشرارنا!

(54) ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله " إلى قوله: وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ .

(55) 7645- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا يونس بن بكير، (56) عن محمد بن إسحاق قال، حدثني بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، بنحوه.

(57) 7646- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة " الآية، يقول: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية.

(58) 7647- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: " أمة قائمة "، عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية، (59) ومبشر، وأسَيْد وأسد ابنا كعب.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ليس أهل الكتاب وأمة محمد القائمة بحق الله، سواء عند الله.

*ذكر من قال ذلك: 7648- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول في قوله: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة "، قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمةُ محمد صلى الله عليه وسلم .

(60) 7649- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة "، الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود، كمثل هذه الأمة التي هي قائمة.

* * * قال أبو جعفر: وقد بينا أن أولى القولين بالصواب في ذلك، قولُ من قال: قد تمت القصة عند قوله: " ليسوا سواء "، عن إخبار الله بأمر مؤمني أهل الكتاب وأهل الكفر منهم، وأنّ قوله: " من أهل الكتاب أمة قائمة "، خبر مبتدأ عن مدح مؤمنهم ووصفهم بصفتهم، على ما قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج.

* * * ويعني جل ثناؤه بقوله: " أمة قائمة "، جماعة ثابتةٌ على الحق.

* * * وقد دللنا على معنى " الأمة " فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

(61) وأما " القائمة "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: معناها: العادلة.

*ذكر من قال ذلك: 7650- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " أمة قائمة "، قال: عادلة.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها قائمة على كتاب الله وما أمر به فيه.

*ذكر من قال ذلك: 7651- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " أمة قائمة "، يقول: قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده.

7652- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " أمة قائمة "، يقول: قائمة على كتاب الله وحدوده وفرائضه.

7653- حدثني محمد بن سعد قال، حدثنى أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " من أهل الكتاب أمة قائمة "، يقول: أمة مهتدية، قائمة على أمر الله، لم تنـزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه.

* * * وقال آخرون.

بل معنى " قائمة "، مطيعة.

*ذكر من قال ذلك: 7654- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أمة قائمة "، الآية، يقول: ليس هؤلاء اليهود كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله و " القانتة "، المطيعة.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، ما قاله ابن عباس وقتادة ومن قال بقولهما على ما روينا عنهم، وإن كان سائر الأقوال الأخَر متقاربة المعنى من معنى ما قاله ابن عباس وقتادة في ذلك.

وذلك أن معنى قوله: " قائمة "، مستقيمة على الهدى وكتاب الله وفرائضه وشرائع دينه، والعدلُ والطاعةُ &; 7-124 &; وغير ذلك من أسباب الخير، (62) من صفة أهل الاستقامة على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونظير ذلك، الخبرُ الذي رواه النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: 7655-" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة "، ثم ضرب لهم مثلا.

(63) .

* * * فالقائم على حدود الله: هو الثابت على التمسك بما أمره الله به، واجتناب ما نهاهُ الله عنه.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: من أهل الكتاب جماعة معتصمة بكتاب الله، متمسكة به، ثابتة على العمل بما فيه وما سن لهم رسوله صلى الله عليه وسلم.

القول في تأويل قوله : يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) قال أبو جعفر: يعني بقوله: " يتلون آيات الله "، يقرءون كتاب الله آناء الليل.

ويعني بقوله: "آيات الله "، ما أنـزل في كتابه من العبَر والمواعظ.

يقول: يتلون ذلك آناء الليل، يقول: في ساعات الليل، فيتدبَّرونه ويتفكرون فيه.

* * * وأما "آناء الليل "، فساعات الليل، واحدها " إنْيٌ"، كما قال الشاعر: (64) حُـلْوٌ وَمُـرٌّ كَـعَطْفِ القِـدْحِ مِرَّتُـهُ فِـي كُـلِّ إِنْـيٍ حـذَاه اللَّيْـلُ يَنْتَعِـلُ (65) وقد قيل إنّ واحد " الآناء "،" إنًى " مقصور، كما واحد " الأمعاء "" مِعًى ".

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: تأويله: ساعات الليل، كما قلنا.

*ذكر من قال ذلك: 7656- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يتلون آيات الله آناء الليل "، أي: ساعات الليل.

* * * 7657- حدثت عن عمار قال، حدثنا أبن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: "آناء الليل "، ساعات الليل.

7658- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال، عبد الله بن كثير: سمعنا العرب تقول: "آناء الليل "، ساعات الليل.

وقال آخرون "آناء الليل "، جوف الليل.

*ذكر من قال ذلك: 7659- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يتلون آيات الله آناء الليل "، أما "آناء الليل "، فجوفُ الليل.

وقال آخرون: بل عنى بذلك قومٌ كانوا يصلون العشاء الآخرة.

(66) *ذكر من قال ذلك: 7660- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن الحسن بن يزيد العجلي، عن عبد الله بن مسعود في قوله: " يتلون آيات الله آناء الليل "، صلاة العَتَمة، هم يصلُّونها، ومَنْ سِواهم من أهل الكتاب لا يصلِّيها.

(67) 7661- حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، حدثني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن سليمان، عن زِرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، كان عند بعض أهله ونسائه: فلم يأتنا لصلاة العشاء حتى ذهب ليلٌ، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فبشَّرنا وقال: " إنه لا يصلي هذه الصلاة أحدٌ من أهل الكتاب " فأنـزل الله: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون " (68) * * * 7662- حدثني يونس قال، حدثنا علي بن معبد، عن أبي يحيى الخراساني، عن نصر بن طريف، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ننتظر العشاء -يريد العَتَمة- فقال لنا: ما على الأرض أحدٌ من أهل الأديان ينتظر هذة الصلاة في هذا الوقت غيركم!

قال: فنـزلت: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون " (69) وقال آخرون: بل عُني بذلك قومٌ كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء.

* * * *ذكر من قال ذلك: 7663- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن منصور قال، بلغني أنها نـزلت: " ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون " فيما بين المغرب والعشاء.

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرتُها على اختلافها، متقاربة المعاني.

وذلك أن الله تعالى ذكره وَصف هؤلاء القوم بأنهم يتلون آيات الله في ساعات الليل، وهي آناؤه، وقد يكون تاليها في صلاة العشاء تاليًا لها آناء الليل، وكذلك من تلاها فيما بين المغرب والعشاء، ومن تلاها جوفَ الليل، فكلٌّ تالٍ له ساعات الليل.

غير أن أولى الأقوال بتأويل الآية، قولُ من قال: " عني بذلك تلاوة القرآن في صلاة العشاء "، لأنها صلاة لا يصلِّيها أحد من أهل الكتاب "، فوصف الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله " .

* * * وأما قوله: " وهم يسجدون "، فإن بعض أهل العربية زعم أن معنى " السجود " في هذا الموضع، اسم الصلاة لا للسجود، (70) لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع.

فكان معنى الكلام عنده: يتلون آيات الله آناء الليل وهم يصلون، (71) .

* * * وليس المعنى على ما ذهب إليه، وإنما معنى الكلام: من أهل الكتاب أمة قائمة، يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم، وهم مع ذلك يسجدون فيها، فـ" السجود "، هو " السجود " المعروف في الصلاة.

---------------------- الهوامش : (43) انظر تفسير"سواء" فيما سلف 1: 256.

(44) هي الآية السالفة قبل قليل: 110 من سورة آل عمران.

(45) النخب (بفتح فسكون): الجبن وضعف القلب.

ورجل منخوب الجنان ونخيب الجنان: جبان لا قلب له ، كأنه منتزع الفؤاد فلا فؤاد له.

(46) في المطبوعة: "قوله" بغير فاء في أولها ، والصواب من المخطوطة.

(47) يعني الفراء في معاني القرآن 1: 230 ، 231 ، وهذا قريب من نص كلامه ، وبعض شواهده.

(48) الترجمة: يعني البدل ، وانظر تفسير ذلك فيما سلف 2: 340 ، 374 ، 420 ، 424 ، 426 ، وغيرها من المواضع في فهرس المصطلحات.

(49) سلف البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف 1: 327.

(50) لم أعرف قائله.

(51) معاني القرآن للفراء 1: 231 .

وكان في المطبوعة: "أزال فلا أدري ..." ، وهو لا معنى له ، والصواب من المخطوطة ومعاني القرآن.

ولست أدري أيخاطب امرأة فيقول لها: إن الهم يغلبني إذا رأيتك.

فأنا له خاشع متضائل = أم هو يريد الهم والفتك ، فيقول: إن الذي يضمر في نفسه شيئًا يهم به من الفتك ، يخفى شخصه حتى يبلغ غاية ثأره بعدوه.

ولا أرجح شيئًا حتى أجد إخوة هذا البيت.

(52) قوله: "مذاهبهم" مفعول"فأغفلوا".

والسياق: فأغفلوا في توجيههم قوله إلى ما وجهوه إليه - مذاهبهم في العربية.

.

.

(53) في المطبوعة: "ومنحوا فيه" ، وفي المخطوطة: "ومحوا" غير منقوطة ، وهي تصحيف للذي أثبته من سيرة ابن هشام.

(54) في المطبوعة والمخطوطة: "أشرارنا" كما أثبتها ، والذي في سيرة ابن هشام"شرارنا".

وهي أجود.

(55) الأثران: 7644 ، 7645 - سيرة ابن هشام 2: 206.

(56) في المخطوطة والمطبوعة: "يونس عن بكير" ، وهو خطأ ، وهذا إسناد كثير الدوران في التفسير أقربه رقم: 7334.

(57) في المطبوعة والمخطوطة: "أشرارنا" كما أثبتها ، والذي في سيرة ابن هشام"شرارنا".

وهي أجود.

(58) في المخطوطة"لله فيهم عليه" غير منقوطة ، وتركت ما في المطبوعة ، لأنه وافق ما في الدر المنثور 2: 64 ، 65.

(59) في المطبوعة: "شعية" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(60) الحديث: 7648- أبو عاصم: هو النبيل ، الضحاك بن مخلد.

مضى في : 2155.

عيسى: هو ابن ميمون الجرشي المكي.

مضى في: 278.

الحسن بن يزيد العجلى: تابعي ثقة.

ذكره ابن حبان في الثقات ، وترجمة البخاري في الكبير ، 1 / 2 / 306 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 42 - فلم يذكرا فيه جرحًا وهذا الحديث ذكره ابن كثير 2: 224 ، عن ابن أبي نجيح غير منسوب لتخريج وسيأتي له بقية بهذا الإسناد 7660 ، وقد جمعها السيوطي حديثا واحدا 2: 65 ، كما سيأتي هناك .

(61) انظر ما سلف قريبًا ص: 106 والتعليق: 2 ، وفيه المراجع.

(62) في المخطوطة والمطبوعة: "بالعدل والطاعة.

.

." ، وهو خطأ وفساد كبير في السياق ، والصواب ما أثبت ، لأن الطبري فسر"قائمة" بمعنى مستقيمة ، ثم ذكر أقوال أهل التأويل التي قالوها قبل من"العدل" و"الطاعة" ، ثم قال إنها"من صفة أهل الاستقامة".

فهي بذلك داخلة في معنى"قائمة" كما فسرها.

(63) الحديث: 7655- هذا حديث صحيح ، أشار إليه الطبري إشارة ، دون أن يذكره بتمامه ، ولم يذكر إسناده.

وقد رواه أحمد في المسند 4: 268 (حلبي) ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بَشِير قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَثَلُ القائم على حدود الله تعالى ، والمُدْهِنِ فيها ، كَمَثَلِ قوم اسْتَهَمُوا على سَفِينة في البحر فأصاب بعضُهم أَسْفَلهَا ، وأصاب بعضُهم أَعْلاها ، فكان الذين في أسفلها يَصْعَدُون فيَسْتَقُون الماءَ ، فيَصُبُّون على الذين في أعلاها ، فقال الذين في أَعلاها: لا نَدَعُكم تَصْعَدون فتؤْذوننا ، فقال الذين في أسفلها: فإننا نَنْقُبُها من أسفلها فنَسْتَقِي!

قال: فإن أَخَذُوا على أيديهم فمَنَعُوهم نَجَوْا جميعًا ، وإن تركوهم غَرِقُوا جميعًا".

ثم رواه أحمد أيضًا 4: 269 ، عن يحيى بن سعيد ، عن زكريا ، و 270 ، عن إسحاق بن يوسف ، عن زكريا بن أبي زائدة ، و 273 - 274 ، عن سفيان ، عن مجالد - كلاهما ، أعني زكريا ومجالد ، عن الشعبي ، عن النعمان بن بشير ، نحوه.

ورواه البخاري 5: 94 (فتح) ، عن أبي نعيم ، عن زكريا ، عن الشعبي.

ثم رواه أيضا 5: 216 : 217 ، عن عمر بن حفص بن غياث ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن الشعبي ، به نحوه.

(64) هو المتنخل الهذلي ، ولكنه سيأتي في الطبري منسوبًا إلى"المنخل السعدي" ، وهو خطأ حققته في موضعه بعد.

(65) ديوان الهذليين 2: 35 ، ومجاز القرآن 1: 102 ، وسيرة ابن هشام 2: 206 ، واللسان"أنى" ، وسيأتي من التفسير 16: 168 (بولاق) ، من قصيدته في رثاء ابنه أثيلة ، والبيت في صفة ولده ، وقد رواه ابن الأنباري ، كما جاء في اللسان: السَّــالِكُ الثَّغْــرَ مَخْشِـيًّا مَـوَارِدُهُ بِكُــلِّ إِنْــيٍ قَضَـاه اللَّيـلُ يَنْتَعِـلُ فذكر الأزهري رواية ابن الأنباري ، وقال: وأنشده الجوهري ، ثم ساق البيت كما هو في التفسير ، ثم قال: "ونسبه أيضا للمنخل ، فإما أن يكون هو البيت بعينه ، أو آخر من قصيدة أخرى".

وهذا كلام لا شك في ضعفه ، والذي رواه ابن الأنباري خلط خلطه من بيت آخر في القصيدة ، أخطأ في روايته.

وهو قوله قبل ذلك بأبيات: السَّــالِكُ الثَّغْــرَةَ اليَقْظَـانَ كَالِئُهَـا مَشْـىَ الهَلُـوكِ عَلَيْهـا الخَيْعَلُ الفُضُلُ وأما معنى البيت الذي رواه في التفسير ، فإنه يعني بقوله: "حلو ومر" ، أنه سهل لمن لاينه ، صعب على من خاشنة.

وقوله"كعطف القدح" ، يريد أنه يطوى كما يطوى القدح ثم يعود إلى شدته واستقامته.

والمرة: القوة والشدة.

ورواية الديوان والطبري"حذاه الليل" ، أي قطعه الليل حذاء ، وهو شبيه في المعنى بقوله: "قضاه" ، لأن معنى"قضاه": أي صنعه وقدره وفصله.

وانتعل الليل: اتخذه نعلا ، يعني سرى فيه ، غير حافل بما يلقى.

هذا ، وقد كان في المطبوعة من التفسير: "قضاه الليل" ، نقله ناشر من مكان غير التفسير ، لأن في المخطوطة"حداه" غير منقوطة ، فلم يعرف معناها ، ولم يعرف صوابها فاستبدل بها ما أثبته من اللسان أو غيره.

(66) في المطبوعة: "العشاء" الأخيرة" ، والصواب من المخطوطة.

(67) الحديث: 7660- هذا تتمة الحديث الماضي بهذا الإسناد: 7648 ، كما أشرنا هناك.

وقد جمعهما السيوطى 2: 65 حديثًا واحدًا ، نسبه للفريابي ، والبخاري في تاريخه.

وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.

ولم نر من هذه المصادر إلا ابن جرير ، وهو قد رواه مفرقًا حديثين ، كما ترى - وإلا التاريخ الكبير للبخاري ، وهو لم يروه كله.

بل روى هذا القسم الأخير وحده موجزًا كعادته ، في ترجمة الحسن بن يزيد 1 / 2 / 306 ، قال ، "قال محمد بن يوسف ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن الحسن بن يزيد العجلي ، عن ابن مسعود (يتلون آيات الله آناء الليل) ، قال: صلاة العتمة.

وروى عمر بن ذر ، عن الحسن بن يزيد العجلى ، مرسلا".

وانظر الحديثين بعد هذا.

(68) الحديث: 7661- عبيد الله بن زحر الضمري الإفريقي: ثقة ، وثقه البخاري فيما نقل عنه الترمذي ، كما في التهذيب ، وكذلك وثقه أحمد بن صالح ، فيما روى عنه أبو داود.

وضعفه أحمد ، وابن معين ، وابن المديني.

وروى ابن أبي حاتم 2 / 2 / 315 عن أبيه ، أنه قال: "لين الحديث".

وعن أبي زرعة ، أنه قال: "لا بأس به ، صدوق".

ولم يذكره البخاري ولا النسائي في الضعفاء ، ونرى أن من تكلم فيه إنما هو من أجل نسخة يرويها عن علي بن يزيد الألهاني ، الحمل فيها على علي بن يزيد.

وانظر التهذيب.

و"زحر": بفتح الزاي وسكون الحاء المهملة.

سليمان: هو الأعمش.

وأنا أخشى أن يكون قد سقط من هذا الإسناد"عن عاصم" - بين سليمان الأعمش وزر بن حبيش.

فإن الأعمش لم يذكر أنه يروى عن زر ، وإنما روايته عنه بواسطة"عاصم بن أبي النجود" وأقرانه من هذه الطبقة.

والحديث سيأتي -نحوه- عقب هذا.

وتخريجه هناك.

(69) الحديث: 7662- علي بن معيد بن شداد العبدي.

الرقي ، نزيل مصر: ثقة ، روى عنه أبو حاتم ووثقه.

وقال الحاكم: "شيخ من جلة المحدثين".

أبو يحيى الخراساني: لم أعرف من هو ، بعد طول البحث والتتبع.

وفي كنية"أبي يحيى" ، وفي نسبة"الخراساني" كثرة.

نصر بن طريف ، أبو جزى القصاب الباهلي: ضعيف جدًا ، أجمعوا على ضعفه.

ترجمه البخاري في الكبير 4 / 2 / 105 ، وقال: "سكتوا عنه ، ذاهب" ، وابن سعد 7 / 2 / 41 ، وقال: "ليس بشيء ، وقد ترك حديثه".

وقال يحيى: "من المعروفين بوضع الحديث"؛ وذكره الفلاس فيمن"أجمع عليه من أهل الكذب أنه لا يروى عنهم".

وكنيته"أبو جزى": بفتح الجيم وكسر الزاي ، كما ضبطه الذهبي في المشتبه ، ص 104.

والحديث ثابت ، بنحوه - بإسناد آخر صحيح ، يغني عن إسنادى الطبري هذين: فرواه أحمد في المسند: 3760 ، عن أبي النضر وحسن بن موسى ، كلاهما عن شيبان ، عن عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 312.

وقال: "رواه أحمد ، وأبو يعلى ، والبزار ، والطبراني في الكبير" ، ثم ذكره بنحوه ، بلفظ يكاد يكون لفظ الرواية الماضية: 7661.

ثم قال: "ورجال أحمد ثقات ، ليس فيهم غير عاصم بن أبي النجود ، وهو مختلف في الاحتجاج به.

وفي إسناد الطبراني عبيد الله بن زحر.

وهو ضعيف".

وذكره السيوطي 2: 65 ، وزاد نسبته للنسائي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم.

(70) في المطبوعة: "لا السجود" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(71) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 231.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يؤمنون بالله يعني يقرون بالله ويصدقون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .ويأمرون بالمعروف قيل : هو عموم .

وقيل : يراد به الأمر باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وينهون عن المنكر والنهي عن المنكر النهي عن مخالفته .

ويسارعون في الخيرات التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم .

وقيل : يبادرون بالعمل قبل الفوت .

وأولئك من الصالحين أي مع الصالحين ، وهم أصحاب محمد - - صلى الله عليه وسلم - في الجنة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يؤمنون بالله واليوم الآخر } أي: كإيمان المؤمنين إيمانا يوجب لهم الإيمان بكل نبي أرسله، وكل كتاب أنزله الله، وخص الإيمان باليوم الآخر لأن الإيمان الحقيقي باليوم الآخر يحث المؤمن به على ما يقر به إلى الله، ويثاب عليه في ذلك اليوم، وترك كل ما يعاقب عليه في ذلك اليوم { ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } فحصل منهم تكميل أنفسهم بالإيمان ولوازمه، وتكميل غيرهم بأمرهم بكل خير، ونهيهم عن كل شر، ومن ذلك حثهم أهل دينهم وغيرهم على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم وصفهم بالهمم العالية { و } أنهم { يسارعون في الخيرات } أي: يبادرون إليها فينتهزون الفرصة فيها، ويفعلونها في أول وقت إمكانها، وذلك من شدة رغبتهم في الخير ومعرفتهم بفوائده وحسن عوائده، فهؤلاء الذين وصفهم الله بهذه الصفات الجميلة والأفعال الجليلة { من الصالحين } الذين يدخلهم الله في رحمته ويتغمدهم بغفرانه وينيلهم من فضله وإحسانه، وأنهم مهما فعلوا { من خير } قليلا كان أو كثيرا { فلن يكفروه } أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى، فلهذا قال { والله عليم بالمتقين } كما قال تعالى: { إنما يتقبل الله من المتقين }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى :" يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك» الموصوفون بما ذكر الله «من الصالحين» ومنهم من ليسوا كذلك وليسوا من الصالحين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالخير كله، وينهون عن الشر كلِّه، ويبادرون إلى فعل الخيرات، وأولئك مِن عباد الله الصالحين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

صم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى كريمة فقال : { يُؤْمِنُونَ بالله } والمراد بهذا الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول الذى نطق به الشرع ، وجاء به محمد صلى الله عليه وسلم .{ واليوم الآخر } أى ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وجنة ونار وقوله : { وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } إشعار بأنهم لم يكتفوا بتكميل أنفسهم بالفضائل التى من أشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر ، والإكثار من إقامة الصلاة ومن تلاوة القرآن ، بل أضافوا إلى ذلك إرشاد غيرهم إلى الخير الذى أمر الله به ، ونهيه عن الباطل الذى يبغضه الله ، وتستنكره العقول السليمة .وقوله - تعالى - { وَيُسَارِعُونَ فِي الخيرات } أى يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات التى ترفع درجاتهم عند الله - بدون تردد أو تقصير .وقال - سبحانه - : { وَيُسَارِعُونَ فِي الخيرات } ولم يقل إلى الخيرات للإشعار بأنهم مستقرون فى كل أعمالهم فى طريق الخير ، فهم ينتقلون من خير إلى خير فى دائرة واحدة هى دائرة الخير ، ينتقلون بين زواياها وأقطارها ولا يخرجون منها .

فهم لا ينتقلون مسارعين من شر إلى خير .

وإنما ينتقلون مسارعين من خير إلى خير وهذا هو سر التعبير بفى المفيدة للظرفية .والمسارعة فى الخير هى فرط الرغبة فيه ، لأن من رغب في الأمر يسارع فى توليه وفى القيام به ، واختيار صيغة المفاعلة " يسارعون " للمبالغة فى سرعة نهوضهم لهذا العمل الجامع لفنون الخير ، وألوان البر .قال صاحب الكشاف .

وقوله : { يَتْلُونَ } و { يُؤْمِنُونَ } في محل الرفع صفتان لأمة .

أى : قائمة تالون مؤمنون .

وصفهم بخصائص ما كانت فى اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين ، ومن الإيمان بالله ، لأن إيمانهم به كلا إيمان ، لاشراكهم به عزيرا ، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض : ومن الإيمان باليوم الآخر ، لأنهم يصفونه بخلاف صفته .ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لأنهم كانوا مداهنين .

ومن المسارعة فى الخيرات ، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها " .واسم الإشارة فى قوله : { وأولئك مِنَ الصالحين } يعود إلى الموصوفين بتلك الصفات السابقة من تلاوة الكتاب ومن إيمان بالله واليوم الآخر .أى وأولئك المصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم ، واستحقوا ثناءه عليهم .وفى التعبير بقوله : { مِنَ الصالحين } إشارة إلى أنهم بهذه المزايا وتلك الصفات ، قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم الله - تعالى - ووصفهم بأن أكثرهم من الفاسقين .فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوحين .قال الفخر الرازى : وأعلم أن وصفهم بالصلاح فى غياة المدح ، ويدل عليه القرآن والمعقول .

أما القرآن ، فهو أن الله - تعالى - مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء ، فقال بعد ذكر إدريس وإسماعيل وذى الكفل وغيرهم { وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ الصالحين } وذكر حكاية عن سليمان أنه قال : " وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين " .

وأما المعقول ، فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل ما لا ينبغى أن يكون فهو فساد ، سواء كان ذلك فى العقائد أو فى الأعمال ، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغى أن يكون فقد حصل الصلاح ، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ قولين أحدهما: أن قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ كلام تام، وقوله: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ كلام مستأنف لبيان قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ كما وقع قوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بالمعروف  ﴾ بياناً لقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  ﴾ والمعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم ليسوا سواء، وهو تقرير لما تقدم من قوله: ﴿ مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ وعلى هذا القول احتمالان أحدهما: أنه لما قال: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ كان تمام الكلام أن يقال: ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معاً، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر.

قال أبو ذؤيب: دعاني إليها القلب إني لامرؤ *** مطيع فلا أدري أرشد طلابها أراد (أم غي) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي، وهذا قول الفراء وابن الأنباري، وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معاً كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل ديّن زكي، فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك، فكذا هاهنا لما تقدم قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ أغنى ذلك عن الإضمار.

والقول الثاني: أن قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده، بل هو متعلق بما بعده، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة، فأمة رفع بليس وإنما قيل ﴿ لَّيْسُواْ ﴾ على مذهب من يقول: أكلوني البراغيث، وعلى هذا التقدير لابد من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة، والله أعلم.

المسألة الثانية: يقال فلان وفلان سواء، أي متساويان وقوم سواء، لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في ﴿ سَوَآء ﴾ في أول سورة البقرة.

المسألة الثالثة: في المراد بأهل الكتاب قولان الأول: وعليه الجمهور: أن المراد منه الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، روي أنه لما أسلم عبد الله بن سلاّم وأصحابه قال لهم بعض كبار اليهود: لقد كفرتم وخسرتم، فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية، وقيل: إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك، بل فيهم من يكون موصوفاً بالصفات الحميدة والخصال المرضية، قال الثوري: بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، وعن عطاء: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد عليه الصلاة والسلام.

والقول الثاني: أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان، وعلى هذا القول يكون المسلمون من جملتهم، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا  ﴾ ومما يدل على هذا ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم وقرأ هذه الآية، قال القفال رحمه الله: ولا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب، فقيل ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا، ولم يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب، كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا، يستويان؟

فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً لما تقدم من قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  ﴾ وهو كقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ  ﴾ ثم اعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية.

الصفة الأولى: أنها قائمة وفيها أقوال الأول: أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات الله آناء الليل فعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل  ﴾ وقوله: ﴿ قُمِ اليل  ﴾ وقوله: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين  ﴾ والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة.

والقول الثاني: في تفسير كونها قائمة: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله: ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا  ﴾ أي ملازماً للاقتضاء ثابتاً على المطالبة مستقصياً فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿ قَائِمَاً بالقسط  ﴾ .

وأقول: إن هذه الآية دلّت على كون المسلم قائماً بحق العبودية وقوله: ﴿ قَائِمَاً بالقسط ﴾ يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل والإحسان فتمت المعاهدة بفضل الله تعالى كما قال: ﴿ أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ وهذا قول الحسن البصري، واحتج عليه بما روي أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله: إن أناساً من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: «أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود»، قال الحسن: متحيرون مترددون.

«أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية» وفي رواية أخرى قال عند ذلك: «إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوضوا علمهما إلى الله تعالى، وكلفتم أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوةً وعشياً والذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتبعوني» فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب وعدم التعلق بغيره واجب، فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ .

القول الثالث: ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ أي مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام بمعنى استقام، وهذا كالتقرير لقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ .

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: (يتلون ويؤمنون) في محل الرفع صفتان لقوله: ﴿ أُمَّة ﴾ أي أمة قائمة تالون مؤمنون.

المسألة الثانية: التلاوة القراءة وأصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ.

المسألة الثالثة: آيات الله قد يراد بها آيات القرآن، وقد يراد بها أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته وصفاته والمراد هاهنا الأولى.

المسألة الرابعة: ﴿ ءاناء الليل ﴾ أصلها في اللغة الأوقات والساعات وواحدها إنا، مثل: معى وأمعاء وإنى مثل نحى وإنحاء، مكسور الأول ساكن الثاني، قال القفال رحمه الله، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات والأوقات، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة: «آذيت وآنيت» أي دافعت الأوقات.

الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: يحتمل أن يكون حالاً من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال رحمه الله روى في تفسيره حديثاً: أن ذلك غير جائز، وهو قوله عليه السلام: «ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً» الثاني: يحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما  ﴾ وقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ  ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب وإحداث النشاط الثالث: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجوداً وسجدة وركوعاً وركعة وتسبيحاً وتسبيحة، قال تعالى: ﴿ واركعوا مَعَ الراكعين  ﴾ أي صلوا وقال: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  ﴾ والمراد الصلاة الرابع: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ أي يخضعون ويخشعون لله لأن العرب تسمي الخشوع سجوداً كقوله: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي * السموات وَمَا فِي الأرض  ﴾ وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه الله.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ واعلم أن اليهود كانوا أيضاً يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا يحترزون عن معاصي الله، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد.

واعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، فقوله: ﴿ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية، وذلك أكمل أحوال الإنسان، وهي المرتبة التي يقال لها: إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية.

الصفة الخامسة: قوله: ﴿ وَيَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ .

الصفة السادسة: قوله: ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً وفوق التمام فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين، وذلك بطريقين، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف، أو بمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ يَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ أي بتوحيد الله وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ أي ينهون عن الشرك بالله، وعن إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل، فهو يتناول كل معروف وكل منكر.

الصفة السابعة: قوله: ﴿ ويسارعون فِي الخيرات ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت، والآخر: يعملونها غير متثاقلين.

فإن قيل: أليس أن العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام: «العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن».

فما الفرق بين السرعة وبين العجلة؟

قلنا: السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين، لأن من رغب في الأمر، آثر الفور على التراخي، قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ  ﴾ وأيضاً العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى  ﴾ .

الصفة الثامنة: قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين ﴾ والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم ﴿ وأدخلناهم فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين  ﴾ وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين  ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات.

ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ بالياء على المغايبة، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون، ولن يضيع لهم ما يعلمون، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلاّم إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلة.

وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت، ثم قال: وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء، فلن تكفروه، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاماً بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله  ﴾ ﴿ وما تفعلوا من خير يوف إليكم ﴾ ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله ﴾ وأما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين.

المسألة الثانية: ﴿ فَلَنْ تكفروه ﴾ أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين: الأول: أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكراً قال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ  ﴾ وقال: ﴿ فأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا  ﴾ فلما سمى إيصال الجزاء شكراً سمى منعه كفراً والثاني: أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفراً، لأنه بمنزلة الجحد والستر.

فإن قيل: لم قال: ﴿ فَلَنْ تكفروه ﴾ فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها.

قلنا: لأنا بينا أن معنى الكفر هاهنا هو المنع والحرمان، فكان كأنه قال: فلن تحرموه، ولن تمنعوا جزاءه.

المسألة الثالثة: احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال: صريح هذه الآية يدل على أنه لابد من وصول أثر فعل العبد إليه، فلو انحبط ولم ينحبط من المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان والجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان وذلك مُحالٌ في حقِّه؛ لأنه عليم بكل المعلومات، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك محال لأنه إله جميع المحدثات، فاسم الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة، وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ يدل على عدم الجهل، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء، لأن منع الحق لابد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم، إنما قال: ﴿ عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الضمير في ﴿ لَّيْسُواْ ﴾ لأهل الكتاب، أي ليس أهل الكتاب مستوين.

وقوله: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ كلام مستأنف لبيان قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاءً ﴾ كما وقع قوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ [آل عمران: 110] بياناً لقوله ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهم الذين أسلموا منهم.

وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود، لأنه أبين لما يفعلون؛ وأدل على حسن صورة أمرهم.

وقيل: عنى صلاة العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: «أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم، وقرأ هذه الآية» وقوله: ﴿ يَتْلُونَ ﴾ و ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ في محل الرفع صفتان لأمّة، أي أمّة قائمة تالون مؤمنون، وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل.

ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عُزيراً، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض.

ومن الإيمان باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته.

ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين.

ومن المسارعة في الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها.

والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي ﴿ وَأُوْلئِكَ ﴾ الموصوفون بما وصفوا به ﴿ مِنَ ﴾ جملة ﴿ الصالحين ﴾ الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم.

ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين ﴿ فَلَنْ تكفروه ﴾ لما جاء وصف الله عز وعلا بالشكر في قوله: ﴿ والله شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 17] في معنى توفيه الثواب نفى عنه نقيض ذلك.

فإن قلت: لم عدى إلى مفعولين.

وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد، تقول شكر النعمة وكفرها؟

قلت: ضمن معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه؛ بمعنى فلن تحرموا جزاءه.

وقرئ ﴿ يفعلوا ﴾ ، ﴿ ويكفروه ﴾ بالياء والتاء ﴿ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ بشارة للمتقين بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ صِفاتٌ أُخَرُ لِأُمَّةٍ وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ، فَإنَّهم مُنْحَرِفُونَ عَنِ الحَقِّ غَيْرُ مُتَعَبِّدِينَ في اللَّيْلِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مُلْحِدُونَ في صِفاتِهِ، واصِفُونَ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ صِفَتِهِ، مُداهِنُونَ في الِاحْتِسابِ مُتَباطِئُونَ عَنِ الخَيْراتِ.

﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ مِمَّنْ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ واسْتَحَقُّوا رِضاهُ وثَناءَهُ.

" وما تَفْعَلُواْ مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ " فَلَنْ يَضِيعَ ولا يَنْقُصَ ثَوابُهُ ألْبَتَّةَ، سُمِّيَ ذَلِكَ كُفْرانًا كَما سُمِّيَ تَوْفِيَةُ الثَّوابِ شُكْرًا، وتَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولَيْنِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحِرْمانِ، وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ بِشارَةٌ لَهم وإشْعارٌ بِأنَّ التَّقْوى مَبْدَأُ الخَيْرِ وحُسْنُ العَمَلِ، وأنَّ الفائِزَ عِنْدَ اللَّهِ هو أهْلُ التَّقْوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَيَأْمُرُونَ بالمعروف} بالإيمان وسائر أبواب البر {وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر} عن الكفر ومنهيات الشرع {ويسارعون فِى الخيرات} يبادرون اليها خشية الفوت وقوله يتلون ويؤمنون في محل الرفع صفتان لأمة أي أمة قائمة تالون مؤمنون ووصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين ومن الإيمان بالله لأن ايمانهم به كلا ايمان لا شراكهم به عزيراً وكفرهم ببعض الكتب والرسل ومن الإيمان باليوم الآخر لأنهم يصفونه بخلاف صفته ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم كانوا مداهنين ومن المسارعة في الخيرات لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها والمسارعة في الخير فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع بالقيام به {وأولئك} الموصفون بما وصفوا به {مّنَ الصالحين} من المسلمين أو من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِأُمَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا عَلى طُرُزِ ما قَبْلَها وإنْ شِئْتَ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ: اسْتَأْنَفَتْها، والمُرادُ بِهَذا الإيمانِ الإيمانُ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ، وخَصَّ اللَّهُ تَعالى اليَوْمَ الآخِرَ بِالذِّكْرِ إظْهارًا لِمُخالَفَتِهِمْ لِسائِرِ اليَهُودِ فِيما عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ مُشارَكَتَهم لَهم فِيهِ لِأنَّهم يَدَّعُونَ أيْضًا الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِمْ: ( ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ ) وكُفْرِهِمْ بِبَعْضِ الكُتُبِ والرُّسُلِ ووَصْفِهِمُ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ ما نَطَقَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ المُصْطَفَوِيَّةِ جُعِلَ هو والعَدَمُ سَواءً ﴿ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ﴾ إشارَةٌ إلى وُفُورِ نَصِيبِهِمْ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ الإشارَةِ إلى وُفُورِهِ مِن فَضِيلَةِ تَكْمِيلِ النَّفْسِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُداهِنِينَ الصّادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ أيْ يُبادِرُونَ إلى فِعْلِ الخَيْراتِ والطّاعاتِ خَوْفَ الفَواتِ بِالمَوْتِ مَثَلًا، أوْ يَعْمَلُونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ راغِبِينَ فِيها غَيْرَ مُتَثاقِلِينَ لِعِلْمِهِمْ بِجَلالَةِ مَوْقِعِها وحُسْنِ عاقِبَتِها، وهَذِهِ صِفَةٌ جامِعَةٌ لِفُنُونِ الفَضائِلِ والفَواضِلِ، وفي ذِكْرِها تَعْرِيضٌ بِتَباطُؤِ اليَهُودِ وتَثاقُلِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وأصْلُ المُسارِعَةِ المُبادَرَةُ وتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الرَّغْبَةِ، واخْتِيارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِلْمُبالَغَةِ، قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ بِالعَجَلَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَها وبَيْنَ السُّرْعَةِ، فَإنَّ السُّرْعَةَ التَّقَدُّمُ فِيما يَجُوزُ أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ وهي مَحْمُودَةٌ وضِدُّها الإبْطاءُ وهو مَذْمُومٌ، والعَجَلَةُ التَّقَدُّمُ فِيما لا يَنْبَغِي أنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ وهِيَ مَذْمُومَةٌ وضِدَّها الأناةُ وهي مَحْمُودَةٌ، وإيثارُ ( في ) عَلى - إلى - وكَثِيرًا ما تَتَعَدّى المُسارِعَةُ بِها لِلْإيذانِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: بِأنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في أصْلِ الخَيْرِ مُتَقَلِّبُونَ في فُنُونِهِ لا أنَّهم خارِجُونَ مُنْتَهُونَ إلَيْها؛ وصِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ هُنا تُغْنِي عَنْ جَمْعِ الكَثْرَةِ كَما لا يَخْفى.

( ﴿ وأُولَئِكَ ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيَّةِ الشَّأْنِ بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِها كَما يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ مِن عِدادِ الَّذِينَ صَلَحَتْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى حالُهم، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِهِ آلا شِرارُنا.

وقَدْ ذَهَبَ الجُلُّ إلى أنَّ في الآيَةِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَنِ الآخَرِ عَلى عادَةِ العَرَبِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ، والمُرادُ ومِنهم مَن لَيْسُوا كَذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ يقول جُعِلَتْ عليهم الجزية ويقال أَلْزِم عليهم القتال أَيْنَما ثُقِفُوا أي وُجدوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي بعهد من الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يعني تحت قوم يؤدون إليهم الجزية، فإن لم يكن لهم عهد قتلوا وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يقول: استوجبوا الغضب من الله تعالى.

ويقال: رجعوا بغضب من الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ يعني جعل عليهم زي الفقر.

قال الكلبي: فترى الرجل منهم غنياً، وعليه من البؤس والفقر والمسكنة.

ويقال: إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر، لكيلا تضاعف عليهم الجزية ذلِكَ الذي يصيبهم بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ومحمد  وبالقرآن وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعني رضوا بما فعل آباؤهم، فكأنهم قتلوهم ذلِكَ الغضب بِما عَصَوْا الله وَكانُوا يَعْتَدُونَ بأفعالهم كلما ذكر الله عقوبة قوم في كتابه بيّن المعنى الذي يعاقبهم لذلك، لكيلا يظن أحد أنه عذَّبهم بغير جُرْم.

ثم بيَّن فضيلة من آمن من أهل الكتاب على من لم يؤمن فقال تعالى: لَيْسُوا سَواءً قال بعضهم: هذا معطوف على الأول منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، ليسوا سواء في الثواب، فيكون هاهنا وقف.

وقال بعضهم: هذا ابتداء، ويكون فيه مضمر، فكأنه يقول: ليس من آمن منهم ويتلون آيات الله كمن هو كافر.

كقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر: 9] معناه: ليس كالذي هو من أهل النار، فكذلك هاهنا قال: ليس من آمن مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كمن لم يؤمن، فبين الذين آمنوا فقال: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يعني مُهَذَّبة عاملة بكتاب الله تعالى.

ويقال: مستقيمة.

وروى الزجاج عن الأخفش قال: ذو أمة قائمة، يعني ذو طريقة قائمة يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ يعني القرآن في الصلاة آناءَ اللَّيْلِ يعني في ساعات الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي يصلون لله.

قوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يقرون بالله وبمحمد  وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي باتباعه وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي يبادرون إلى الطاعات، والأعمال الصالحة وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد  في الجنة.

وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ يعني لن تجحدوه ولن تنسوه يقول تجزون به، وتثابون عليه في الآخرة، وهذا كما روي عن النبيّ  أنه قال: «البرُّ لا يَبْلَى وَالإثْمُ لا يُنْسَى» .

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ أي عليم بثوابهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان بمثل حالهم.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ كلاهما بالياء، والباقون كلاهما بالتاء على معنى المخاطبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)

وقوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً ...

الآية: قال ابنُ عَبَّاس (رضي اللَّه عنهما) : لمَّا أسلم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ/، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَنْ أَسْلَمَ من اليهود معهم، قال الكُفَّار من أحْبَارِ اليهودِ: مَا آمن بمحمَّد إلاَّ شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا خِيَاراً، ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ: لَيْسُوا سَواءً ...

الآية «١» ، وقالَ مثلَهُ قتادةُ، وابنُ جُرَيْجٍ «٢» ، وهو أصح التأويلات في الآية.

واختلفَ في قوله: قائِمَةٌ، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: معناه: قائمةٌ على كتابِ اللَّهِ، وحُدُودِهِ مهتديةٌ «٣» ، وقال السُّدِّيُّ: القائمةُ: القانِتَةُ المُطيعةُ «٤» ، وهذا كلُّه يرجع إلى معنى وَاحِدٍ، ويحتمل أنْ يراد ب قائِمَةٌ: وَصْفُ حال التالين في آناء الليلِ، ومَنْ كانت حاله هذه، فلا محالة أنه معتدلٌ عَلَى أمر الله، وآياتِ اللَّهِ في هذه الآيةِ: هي كُتُبُهُ، والآناءُ: السَّاعاتُ، واحِدها إنْيٌ بكسر الهمزة، وسكونِ النون، وحكم هذه الآية لا يتَّفقُ في شَخْص شَخْصٍ بأنْ يكون كلُّ واحدٍ يصلِّي جميعَ ساعاتِ الليلِ، وإنما يقوم هذا الحُكْمُ من جماعةِ الأمَّة إذ بعضُ الناسِ يَقُومُ أول الليلِ، وبعضهم آخِرَهُ، وبعضُهُم بَعْدَ هَجْعَةٍ، ثم يعودُ إلى نَوْمِهِ، فيأتي مِنْ مجموعِ ذلك في المُدُنِ والجَمَاعَاتِ عِمَارةُ آناء الليلِ بالقيامِ، وهكذا كان صَدْرُ هذه الأمَّة، وعُرْفُ النَّاسِ القيامُ في أول الثُّلُثِ الآخرِ مِنَ الليلِ، أو قبله بشَيْء، وحينئذٍ: كان يقوم الأكثر، والقيام طولَ الليلِ قليلٌ، وقد كان في الصالِحِينَ مَنْ يلتزمه، وقد ذكر اللَّه سبحانه القَصْدَ من ذَلِكَ في «سُورة المُزَّمِّلِ» ، وقِيامُ الليلِ لقراءةِ العِلْمِ المبتغى به وجْهُ اللَّهِ داخلٌ في هذه الآيةِ، وهو أفضلُ من التنفُّل لِمَنْ يُرْجَى انتفاعُ المسلمِينَ بعلْمه، قُلْتُ: وقد تقدَّم في أوَّل السُّورة: ما جاء من التأويل في حديث النّزول،

فلنذكُرِ الآن الحديثَ بكَمَالِهِ، لما فيه من الفوائد:

روى أبو هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبَّنَا تَبَارَكَ وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يبقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» «١» رواه الجماعةُ، أعني: الكتبَ الستَّة البخاريَّ، ومُسْلِماً، وأبا داوُدَ، والتِّرمذيَّ، والنَّسائيَّ، وابْنَ مَاجَة، وفي بعضِ الطُّرُق «٢» : «حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ» ، زاد ابْنُ ماجَة: «فَلِذَلِكَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ الصَّلاَةَ آخِرَ اللَّيْلِ على أَوَّلِهِ» .

وعن عمرو بْنِ عَبَسَة «٣» أَنَّهُ سمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فإنِ استطعت أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، فَكُنْ» «٤» .

رواه أبو داوُد، والتِّرمذيُّ، والنَّسَائِيُّ، والحَاكِمُ في «المستدرك» ، واللفظُ للتِّرمذيِّ، وقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وقال الحاكمُ: صحيحٌ على شرطِ مُسْلِمٍ.

اهـ من «السلاح» .

وعن أبي أُمَامَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟

قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ، ودُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ» «٥» ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ، وفي روايةٍ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرَ أرجى» ، أو نحو هذا.

اهـ من «السلاح» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: تَفْعَلُوا، وتَكْفُرُوهُ، بِالتّاءِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الخِطابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: فَلَنْ تُكْفَرُوهُ: لَنْ يَضِلَّ عَنْكم.

وقَرَأ قَوْمٌ، مِنهم حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَفْعَلُوا، ويَكْفُرُوا، بِالياءِ فِيهِما، إخْبارًا عَنِ الأُمَّةِ القائِمَةِ.

وبَقِيَّةُ أصْحابِ أبِي عَمْرٍو يُخَيِّرُونَ بَيْنَ الياءِ والتّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ وهم يَسْجُدُونَ ﴾ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ لَمّا مَضَتِ الضَمائِرُ في الكُفْرِ والقَتْلِ والعِصْيانِ والِاعْتِداءِ عامَّةً في جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ، عَقَّبَ تَعالى ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ الَّذِينَ هم عَلى خَيْرٍ وإيمانٍ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَن هو عَلى اسْتِقامَةٍ، فَمِنهم مَن ماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ الشَرائِعَ فَذَلِكَ مِنَ الصالِحِينَ، ومِنهم مَن أدْرَكَ الإسْلامَ فَدَخَلَ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَعْتَرِضُ هَذا النَظَرَ أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ عَلى عِوَجٍ مِن وقْتِ عِيسى، وتَجِيءُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَن أسْلَمَ فَقَطْ، أو يَكُونُ اليَهُودُ في مَعْنى الأُمَّةِ القائِمَةِ إلى وقْتِ عِيسى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ الحُكْمُ في النَصارى، ولَفْظُ "أهْلِ الكِتابِ" يَعُمُّ الجَمِيعَ، والضَمِيرُ في "لَيْسُوا" لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ  ﴾ ، وما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ مِن أنَّ الآيَةَ نَظِيرَةُ قَوْلِ العَرَبِ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ" خَطَأٌ مَرْدُودٌ، وكَذَلِكَ أيْضًا ما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ "أُمَّةٌ" مُرْتَفِعَةٌ بِـ "سَواءً" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ كَأنَّهُ قالَ: لا تَسْتَوِي أُمَّةُ كَذا، وأنَّ في آخِرِ الكَلامِ مَحْذُوفًا مُعادِلًا تَقْدِيرُهُ: وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَأغْنى القِسْمُ الأوَّلُ عن ذِكْرِها ودَلَّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبَ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها؟

المَعْنى: أمْ غَيٌّ، فاقْتَصَرَ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما الوَجْهُ أنَّ الضَمِيرَ في "لَيْسُوا" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، و"سَواءً" خَبَرُ لَيْسَ، و ﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ مَجْرُورٌ فِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أُمَّةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ، وأسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ، مَعَهُمْ: قالَ الكُفّارُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ: "لَيْسُوا سَواءً"....

الآيَةَ، وقالَ مِثْلَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ أصَحُّ التَأْوِيلاتِ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ اليَهُودُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ سَواءً، وقالَهُ السُدِّيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  ﴾ وذِكْرُ أيْضًا اليَهُودِ قالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ: "لَيْسُوا سَواءً"، والكِتابُ عَلى هَذا جِنْسُ كُتُبِ اللهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ.

والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ وهم أهْلُ القُرْآنِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ.

واخْتَلَفَ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ "قائِمَةٌ" فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: عادِلَةٌ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللهِ وحُدُودِهِ مُهْتَدِيَةٌ، وقالَ السُدِّيُّ: القانِتَةُ المُطِيعَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى مَعْنىً واحِدٍ مِنَ الاعْتِدالِ عَلى أمْرِ اللهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلدَّنانِيرِ أوِ الدَراهِمِ الوازِنَةِ قائِمَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى وأنْ لا تُنْظَرَ اللَفْظَةُ إلى هَيْئَةِ الأشْخاصِ وقْتَ تِلاوَةِ آياتِ اللهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "قائِمَةٌ" وصْفُ حالِ التالِينَ في آناءِ اللَيْلِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ مُعْتَدِلٌ عَلى أمْرِ اللهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ في هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا  ﴾ .

و"يَتْلُونَ" مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ، و"آياتِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ هِيَ: كُتُبُهُ، والآناءُ: الساعاتُ، واحِدُها إنْيٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ.

ويُقالُ فِيهِ أنْيٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وَيُقالُ إنى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُونِ والقَصْرِ، ويُقالُ فِيهِ: أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إنْوُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ وبِواوٍ مَضْمُومَةٍ.

ومِنهُ قَوْلُ الهُذَيْلِيِّ: حُلْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ في كُلِّ إنْيٍ قَضاهُ اللَيْلُ يَنْتَعِلُ وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّفِقُ في شَخْصٍ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ يُصَلِّي جَمِيعَ ساعاتِ اللَيْلِ، وإنَّما يَقُومُ هَذا الحُكْمُ مِن جَماعَةِ الأُمَّةِ، إذْ بَعْضُ الناسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ عِبارَةُ آناءَ اللَيْلِ بِالقِيامِ، وهَكَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وعَرَفَ الناسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُلُثِ الآخِرِ مِنَ اللَيْلِ أو قَبْلَهُ بِشَيْءٍ، وحِينَئِذٍ كانَ يَقُومُ الأكْثَرُ، والقِيامُ طُولَ اللَيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى القَصْدَ مِن ذَلِكَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، وقِيامُ اللَيْلِ لِقِراءَةِ العِلْمِ المُبْتَغى بِهِ وجْهُ اللهِ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أفْضَلُ مِنَ التَنَفُّلِ لِمَن يُرْجى انْتِفاعُ المُسْلِمِينَ بِعِلْمِهِ.

وأمّا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في "آناءَ اللَيْلِ"، فَقالَ الرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: سَمِعْنا العَرَبَ تَقُولُ: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ السُدِّيُّ: آناءَ اللَيْلِ: جَوْفُ اللَيْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ.

أما إنَّ جَوْفَ اللَيْلِ جُزْءٌ مِنَ الآناءِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ النَبِيَّ  احْتَبَسَ عَنّا لَيْلَةً عن صَلاةِ العَتَمَةِ وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى لَيْلٌ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ: "أبْشِرُوا فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَلاةَ" ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ ....

الآيَةَ،» فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ ﴾ صَلاةُ العِشاءِ.

ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ عن مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُصَلِّينَ بَيْنَ العِشاءَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَسْجُدُونَ ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ السُجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ، سَمّاها بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنها كَما تُسَمّى في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ رُكُوعًا، فَهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ مُصَلِّينَ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عنهم أنَّهم أيْضًا أهْلُ سُجُودٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْسُنُ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ التِلاوَةَ آناءَ اللَيْلِ قَدْ يَعْتَقِدُ السامِعُ أنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ الصَلاةِ، وأيْضًا فالقِيامُ في قِراءَةِ العِلْمِ يَخْرُجُ مِنَ الآيَةِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، ويَثْبُتُ فِيها عَلى هَذا الثانِي، فَـ "هم يَسْجُدُونَ" عَلى هَذا نَعْتُ عَدَدٍ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ.

و"يُؤْمِنُونَ" مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ إيمانٌ بِالأنْبِياءِ.

لِأنَّهُ مِن جائِزاتِ العَقْلِ الَّتِي أثْبَتَها السَمْعُ مِنَ الأنْبِياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ وصْفٌ بِأنَّهم مَتى دُعُوا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ وجَبْرِ مَهِيضٍ وعِبادَةِ اللهِ أجابُوا، ومِنهُ فِعْلُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في رَكْعَتَيِ المَسْجِدِ، وقالَ: دَعَوْتَنِي إلى خَيْرٍ فَأجَبْتُ إلَيْهِ.

ومِمّا يَدْخُلُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ أنْ يَكُونَ المَرْءُ مُغْتَنِمًا لِلْخَمْسِ قَبْلَ الخَمْسِ كَما قالَ النَبِيُّ  : « "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَماتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ"،» فَيَكُونُ مَتى أرادَ أنْ يَصْنَعَ خَيْرًا بادَرَ إلَيْهِ ولَمْ يُسَوِّفْ نَفْسَهُ بِالأمَلِ، فَهَذِهِ أيْضًا مُسارَعَةٌ في الخَيْراتِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ بَعْضِ الصالِحِينَ في مَرْكَبٍ فَقُلْتُ لَهُ: ما تَقُولُ أصْلَحَكَ اللهُ في الصَوْمِ في السَفَرِ؟

فَقالَ لِي: إنَّها المُبادَرَةُ يا ابْنَ أخِي، قالَ المُحَدِّثُ: فَجاءَنِي واللهِ بِجَوابٍ لَيْسَ مِن أجْوِبَةِ الفُقَهاءِ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى مَن تَحَصَّلَتْ لَهُ هَذِهِ الصِفاتُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ، و"مِنَ" يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب، بعد الحكم على معظمهم بصيغة تعمّهم، تأكيداً لِما أفاده قولُه ﴿ منهم المؤمنون وأكثرُهم الفاسقون ﴾ [آل عمران: 110] فالضمير في قوله ﴿ ليسوا ﴾ لأهل الكتاب المتحدّث عنهم آنفاً، وهم اليهود، وهذه الجملة تتنزّل من التي بعدها منزلة التمهيد.

و (سواء) اسم بمعنى المماثل وأصله مصدر مشتق من التسوية.

وجملة ﴿ من أهل الكتاب أمصة قائمة الخ...

مبيّنة لإبهام ليسوا سواء ﴾ والإظهار في مقام الإضمار للاهتمام بهؤلاء الأمة، فلأمّة هنا بمعنى الفريق.

وإطلاق أهل الكتاب عليهم مجاز باعتبار ما كان كقوله تعالى: ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ [النساء: 2] لأنهم صاروا من المسلمين.

وعدل عن أن يقال: منهم أمَّة قائمة إلى قوله من أهل الكتاب: ليكون ذا الثناء شاملاً لصالحي اليهود، وصالحي النَّصارى، فلا يختصّ بصالحي اليهود، فإن صالحي اليهود قبل بعثة عيسى كانوا متمسّكين بدينهم، مستقيمين عليه، ومنهم الَّذين آمنوا بعيسى واتّبعوه، وكذلك صالحو النَّصارى قبل بعثة محمّد صلى الله عليه وسلم كانوا مستقيمين على شريعة عيسى وكثير منهم أهل تهجَّد في الأديرة والصّوامع وقد صاروا مسلمين بعد البعثة المحمدية.

والأمَّة: الطائفة والجماعة.

ومعنى قائمة أنه تمثيل للعمل بدينها على الوجه الحقّ، كما يقال: سوق قائمة وشريعة قائمة.

والآناء أصله أأنْاء بهمزتين بوزن أفعال، وهو جمع إنى بكسر الهمزة وفتح النُّون مقصوراً ويقال أنى بفتح الهمزة قال تعالى: ﴿ غير ناظرين إنَاه ﴾ [الأحزاب: 53] أي منتظرين وقته.

وجملة ﴿ وهم يسجدون ﴾ حال، أيّ يتهجّدون في الليَّل بتلاوة كتابهم، فقيّدت تلاوتهم الكتاب بحالة سجودهم.

وهذا الأسلوب أبلغ وأبين من أن يقال: يتهجّدون لأنّه يدلّ على صورة فعلهم.

ومعنى ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ يسارعون إليها أي يرغبون في الاستكثار منها.

والمسارعة مستعارة للاستكثار من الفعل، والمبادرة إليه، تشبيهاً للاستكثار والأعتنار بالسير السريع لبلوغ المطلوب.

وفي للظرفية المجازية، وهي تخييلية تؤذن بتشبيه الخيرات بطريق يسير فيه السائرون، ولهؤلاء مزيّة السرعة في قطعه.

ولَك أن تجعل مجموع المركّب من قوله ﴿ ويسارعون في الخيرات ﴾ تمثيلاً لحال مبادرتهم وحرصهم على فعل الخيرات بحال السائر الراغب في البلوغ إلى قصده يُسرع في سيره.

وسيأتي نظيره عند قوله تعالى ﴿ لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ في سورة [العقود: 176].

والإشارة بأولئك إلى الأمّة القائمة الموصوفة بتلك الأوصاف.

وموقع اسم الإشارة التنبيه على أنَّهم استحقوا الوصف المذكور بعد اسم الإشارة بسبب ما سبق اسمّ الإشارة من الأوصاف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّهُ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وجَماعَةٌ مَعَهُ، فَقالَتْ أحْبارُ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ ﴿ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عادِلَةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: قائِمَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: يَعْنِي ثابِتَةً عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ساعاتُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: جَوْفُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالتِّلاوَةِ في هَذا الوَقْتِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: صَلاةُ العَتَمَةِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.

﴿ وَهم يَسْجُدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي سُجُودَ الصَّلاةِ.

والثّانِي: يُرِيدُ الصَّلاةَ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في السُّجُودِ ولا في الرُّكُوعِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، والفَرّاءِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ.

﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِنْدَ تَظاهُرِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ مَعَ المُؤْمِنِينَ في حَرْبِ المُشْرِكِينَ عَلى جِهَةِ النِّفاقِ.

وَفي الصِّرِّ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: هو البَرْدُ الشَّدِيدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ صَوْتُ لَهَبِ النّارِ الَّتِي تَكُونُ في الرِّيحِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ الصِّرِّ صَوْتٌ مِنَ الصَّرِيرِ.

﴿ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنَّ ظُلْمَهُمُ اقْتَضى هَلاكَ زَرْعِهِمْ.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزَّرْعِ وفي غَيْرِ وقْتِهِ فَجاءَتْ رِيحٌ فَأهْلَكَتْهُ فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى هَذا مَثَلًا لِهَلاكِ نَفَقَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم.

فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد وتبعه إلاّ شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره.

فأنزل الله في ذلك ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ليسوا سواء ﴾ الآية.

يقول: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ أمة قائمة ﴾ قال: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية، ومبشر، وأسيد، وأسد ابنا كعب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: هؤلاء اليهود ليسوا كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ أمة قائمة ﴾ يقول: مهتدية، قائمة على أمر الله لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أمة قائمة ﴾ قال: عادلة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ أمة قائمة ﴾ يقول: قائمة على كتاب الله، وحدوده، وفرائضه.

وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ آناء الليل ﴾ قال: ساعات الليل.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ آناء الليل ﴾ قال: جوف الليل.

وأخرج الفريابي والبخاري في تاريخه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ليسوا من أهل الكتاب أمة قائمة ﴾ قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل ﴾ قال: صلاة العتمة هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلونها.

وأخرج أحمد والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بسند حسن عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: «أما أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم.

ولفظ ابن جرير، والطبراني، وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب.

قال: وأنزلت هذه الآية ﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ﴾ حتى بلغ ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل ﴾ قال: قال بعضهم صلاة العتمة يصليها أمة محمد ولا يصليها غيرهم من أهل الكتاب.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال: «أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أن قد صلى، ثم خرج فقال: اعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم» .

وأخرج الطبراني بسند حسن عن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه خرج ذات ليلة وقد أخر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة والناس ينتظرون في المسجد فقال: أما أنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها، ثم قال: أما إنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبزار بسند حسن عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم بالعشاء؛ فناداه عمر نام النساء والصبيان فقال: ما ينتظر هذه الصلاة أحد من أهل الأرض غيركم» .

وأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج فقال: ما يحبسكم هذه الساعة؟

قالوا: يا نبي الله انتظرناك لنشهد الصلاة معك فقال لهم: ما صلى صلاتكم هذه أمة قط قبلكم، وما زلتم في صلاة بعد» .

وأخرج الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن المستورد قال: «احتبس النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى لم يبق في المسجد إلا بضعة عشر رجلاً، فخرج إليهم فقال: ما أمسى أحد ينتظر الصلاة غيركم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن منصور قال: بلغني أنها نزلت ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ﴾ فيما بين المغرب والعشاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل ﴾ قال: هي صلاة الغفلة.

وأخرج ابن جرير عن أبي عمرو بن العلاء في قوله: ﴿ وما تفعلوا من خير فلن تكفروه ﴾ قال: بلغني عن ابن عباس أنه كان يقرؤهما جميعاً بالتاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فلن تكفروه ﴾ قال: لن يضل عنكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فلن تكفروه ﴾ قال: لن تظلموه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ قال ابن عباس (١) ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ : يريد: عن الشرك بالله.

وقال الزجاج (٢) (٣)  ، وينهون عن الإقامة على مُشَاقَّتِه.

وقوله تعالى: ﴿ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾ فيه وجهان لأصحاب المعاني: أحدهما: أنهم يبادرونها خوف الفَوْتِ بالموت (٤) (٥) (٦) (٧) والسُّرْعة محمودةٌ، بخلاف العَجَلَة؛ وذلك أنَّ (السرعة): التقدم فيما ينبغي أن تتقدم (٨) (٩) و (العَجَلَة) مذمومة، وهي: التقدم فيما لا ينبغي أن تتقدم (١٠) (١١) (١٢) (١) لم أقف على مصدر قوله.

وفي "النكت والعيون" 2/ 881 أورد عن ابن عباس، أن (المعروف: اتباع الرسول.

والمنكر: عبادة الأصنام).

(٢) في "معاني القرآن" له 1/ 460.

نقله عنه بنصه.

(٣) في (ب): (يأمرون بتوحيد الله باتباع النبي).

(٤) ممن قال بذلك: الطبري في "تفسيره" 4/ 56.

وهو المتبادر من معنى الآية.

(٥) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (يعلمونها).

والمثبت من: (ج).

(٦) في (ب): (متشاقين).

(٧) لم أقف على من قال بهذا القول، ممن سبق المؤلف.

(٨) في (ب): (يتقدم).

(٩) انظر: "اللسان" 4/ 1994 (سرع)، "بصائر ذوي التمييز" 3/ 214.

(١٠) في (ب): يتقدم.

(١١) قال الفيروز آبادي: (والعجلة من مقتضيات الشهوة؛ فلذلك ذُمَّت في جميع القرآن، حتى قيل: إن العجلة من الشيطان.

وقوله -تعالى-: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى  ﴾ ، ذُكر أن عجلته -وإن كانت مذمومة- فالذي دعا إليها أمرٌ محمود، وهو: طلب رضا الله).

"بصائر ذوي التمييز" 4/ 23.

(١٢) في (ب): (الإناء).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله ﴾ الحبل هنا العهد والذمة ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً ﴾ أي: ليس أهل الكتاب مستويين في دينهم ﴿ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ ﴾ أي قائمة بالحق، وذلك فيمن أسلم من اليهود: كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد وأخيه أسد وغيرهم ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ يدل أن تلاوتهم للكتاب في الصلاة ﴿ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ بالتاء حسب قراءة المؤلف أي لن تحرموا ثوابه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويسارعون ﴾ وبابه كـ ﴿ سارعوا  ﴾ و ﴿ نسارع ﴾ \[المؤمنون:56\] ممالة: قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس.

﴿ ما يفعلوا ﴾ ﴿ فلن يكفروه ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ تسؤهم ﴾ وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية، والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ لا يضركم ﴾ من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع.

وقرأ المفضل ﴿ لا يضركم ﴾ بالفتح الباقون: ﴿ لا يضركم ﴾ بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع ﴿ تعملون محيط ﴾ بتاء الخطاب: سهل.

الباقون: بياء الغيبة.

الوقوف: ﴿ المسكنة ﴾ ط ﴿ بغير حق ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير ﴿ ليسوا ﴾ يعود إلى ما يعود إليه ضمير ﴿ منهم المؤمنون ﴾ لبيان الفضل بين الفريقين، والذين / عصوا واعتدوا أحد الفريقين ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يسجدون ﴾ ه قيل: لا وقف على جعل ﴿ يؤمنون ﴾ حالاً لضمير ﴿ يسجدون ﴾ ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ يكفروه ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ 5 ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ فأهلكته ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ج ﴿ خبالاً ﴾ ط ﴿ ما عنتم ﴾ ج لاحتمال كون قد بدت حالا ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم ﴿ آمنا ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق ﴿ من الغيظ ﴾ ط ﴿ يغيظكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تسؤهم ﴾ ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم.

﴿ يفرحوا بها ﴾ ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي.

والمعنى ضربت عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم ﴿ بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة بقبول الجزية، فحينئذٍ يكون دمهم محقوناً ومالهم مصوناً وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة.

فعلى هذا يكون الواو بمعنى "أو".

وقيل: ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص بالاجتهاد.

وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظراً إلى المعنى لأن ضرب الذلة عليهم معناه لا تنفك عنهم ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ قيل: إنه من قولك "تبوأ فلان منزل كذا" والمعنى مكثوا في غضب الله.

وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا بالغضب.

﴿ وضربت عليهم المسكنة ﴾ عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت بالذكر بعد الاستثناء ليعلم أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة.

وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة.

وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه  قال في هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء ﴿ الأنبياء بغير حق ﴾ لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما.

ثم تدرج إلى ما هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن / تقتل النفس به وهو قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق  ﴾ ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم.

﴿ لسوا سواء ﴾ كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان.

قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً.

قال أبو ذؤيب: عاني إليها القلب إني لأمرها *** مطيع فما أدري أرشد طلابها؟

أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده.

وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي.

فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك.

وقيل: وهو اختيار أبي عبيدة أن ﴿ أمة ﴾ مرفوعة بـ ﴿ ليس ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث.

أو هو بدل من الضمير على نحو ﴿ أسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة.

وفي تفسير أهل الكتاب قولان: الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى.

قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت.

وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد  الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم.

عن ابن مسعود قال: "أخر رسول الله  ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم" .

وفي رواية: "فبشر  أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات" ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ قال القفال رحمه الله : لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب.

فقيل: ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد  فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا.

ولا يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد  فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله  أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان؟

فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله: ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ كقوله: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون  ﴾ ثم إنه  مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها / قائمة.

قيل: أي في الصلاة.

وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة.

وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: "أقمت العود فقام" بمعنى استقام.

وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية.

وقوله: ﴿ قائماً بالقسط  ﴾ دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ الصفة الثانية: ﴿ يتلون ﴾ أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل.

فالتلاوة القراءة.

وأصل الكلمة الإتباع.

فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن.

وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها.

وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل "معاً" و "أني" و"أنوا" مثل "نحى" و"تلو".

الصفة الثالثة: ﴿ وهم يسجدون ﴾ يحتمل أن يكون حالاً من ﴿ يتلون ﴾ كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي  : " "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً" يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله: ﴿ يبيتون لربهم سجداً وقياماً  ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون.

والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض  ﴾ وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً.

الصفة الرابعة: ﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية.

وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد.

ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم واعتقاداتهم الفاسدة.

الخامسة والسادسة: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي.

وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين.

وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.

الصفة السابعة ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.وما روي أنه  قال: " "العجلة من الشيطان " مخصوص بهذه الآية.

على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالاً، كيف لا والأمور متفاوتة.

منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه خلاف وضعه / فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل.

ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب.

قال  : " اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " الصفة الثامنة: ﴿ أولئك من الصالحين ﴾ وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله  فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود.

ثم شرط للأمة الموصوفة بل بجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم ألبتة تأكيداً للإخبار عنهم بقوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ فقال: ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه.

فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها.

وسمى منع الجزاء كفراً كما سمى إيصال الثواب شكراً في قوله: ﴿ فإن الله شاكر عليم  ﴾ ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهاً على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟!

ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

وقد سبق تفسير مثله من أول السورة.

ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوده الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله: ﴿ مثل ما ينفقون ﴾ الآية.

قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد.

وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.

وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث.

وعلى هذا فمعنى الآية: كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر.

وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفة محذوفاً بمعنى فيها قرّة صر كما تقول: برد بارد على المبالغة، أو تكون "في" تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسداً أي أنت أسد، وإن ضيعني فلان ففي الله كافٍ وكافل.

وقيل: الصر السموم الحارة.

وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﴿ فيها صر ﴾ قال: فيها نار.

وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان برداً مهلكاً أو حرّاً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث فيصح التشبية.

وهذا في التشبية المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة.

ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث.

والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: ﴿ في هذه الحياة / الدنيا ﴾ فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاماً.

وقيل: مثل ما ينفقون يعني أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله  وفي جمع العساكر عليه  في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلاً للحرث.

والظاهر أن الضمير في ﴿ ينفقون ﴾ عائد إلى جميع الكفار.

وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيراً كثيراً في المعاد، لكنهم إذا قدمواالآخرة رأوا كفرهم مبطلاً لآثار تلك الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كبيراً فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف.

ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيراً وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول  وفي تخريب ديار المسلمين.

ولا يبعد أيضاً تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالاً كثيرة في تجهيز الجيوش والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم وأظهر الله الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة.

وقيل: المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة كقوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ والمراد جميع الانتفاعات.

أما فائدة قوله: ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ وعدم الاقتصار على قوله: ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولاعثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة.

فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظالم ههنا وضع الزرع في غير موضعه.

فإن من زرع لا في موضعه وفي غير أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعاً.

والضمير في ﴿ وما ظلمهم ﴾ للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما ستحقوا به العقوبة.

ثم إنه تعالى لما بالغ في شرح احوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين.

قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواطؤن رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي / إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له.

الواحد شقر وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة، نهاهم عن مودة كل كافر لأن قوله: ﴿ بطانة ﴾ نكرة في سياق النفي.

وقوله: ﴿ من دونكم ﴾ يؤكد ذلك.

وهو إما أن يتعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ ويكون صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو النهي عن اتخاذ البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى.

و"من" للتبيين وقيل: زائدة.

ثم ذكر علة النهي فقال: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: "لا آلوك نصحاً أو جهداً" على التضمين أي لا أمنعك نصحاً.

والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ومخبل ناقص العقل فاسدة.

وقيل: خبالاً نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال.

والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم.

﴿ ودّوا ما عنتم ﴾ أي عنتكم على أن "ما" مصدرية.

والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه قد أعنته.

والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.

والحاصل من الجمليتن أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم ﴿ قد بدت البغضاء ﴾ هي شدة البغض كالضراء شدة الضر.

والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط.

فحذفت الهاء تخفيفاً وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.

وظهور البغضاء من اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي  والكتاب.

وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته.

وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك.

﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير متناهية.

ثم بيّن أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: ﴿ قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ من أهل العقول.

وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدوّ والولي.

ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالاً وادّين عنتكم بادية بغضاؤهم.

وأما ﴿ قد بينا ﴾ فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة، فقيل: لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟

فقيل: لأنهم يودون عنتكم.

ثم قيل: وما آية / ودادة العنت؟

فقيل: قد بدت والله أعلم.

أما كون هذا التقدير أحسن فلأن الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف ههنا، وأما كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد.

ثم استأنف للتحذير نمطاً آخر من البيان مشتملاً على التوبيخ فقال: ﴿ ها أنتم أولاء ﴾ الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان الخطأ وهو قوله: ﴿ تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر.

والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية.

ثم ذكر سبباً آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ وأضمر قرينه وهو "وهم لا يؤمنون به" لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر غالباً.

والمراد بالكتاب الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس".

وفي الكشاف: إن الواو في ﴿ وتؤمنون ﴾ للحال، واللام في ﴿ الكتاب ﴾ للعهد أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله.

وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب منكم في حقكم.

ثم ذكر مضادة أخرى فقال: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ أحدثنا الدخول في الإيمان ﴿ وأذا خلوا عضوا ﴾ ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيراً ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم ﴿ قل موتو بغيظكم ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ذلهم وخزيهم.

والحاصل أنه أمر النبي  أن يخبرهم بأن الله  أتاح أن يظهر دين الإسلام علىالأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان هذا سبباً لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ.

ثم إن قوله: ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه.

إن كان داخلاً في جمل المقول، فمعناه أخبرهم بما يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى / مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها.

وإن كان خارجاً فالمعنى قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلاً.

ويجوز أن لا يكون أمراً بالقول لفظاً بل يراد حدّث نفسك بأنهم سيهلكون غيظاً وحسداً، فيكون أمراً للرسول بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره.

ثم ذكر نوعاً آخر من مضادتهم ومعاداتهم فقال: ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء ﴿ تسؤهم ﴾ ساءه يسوءه نقيض سره يسره ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ ضد من أضداد ما عددنا.

﴿ يفرحوا بها ﴾ ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحداً.

وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد *** إلا أن يكون ثمة غاية الحقد.

وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في ﴿ حسنة ﴾ للتقليل وفي ﴿ سيئة ﴾ للتعظيم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على عداوتهم ﴿ وتتقوا ﴾ ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على أوامر الله  وتتقوا محارمه ﴿ لا يضركم كيدهم ﴾ وهو احتيال الإنسان لإيقاع غيره في مكروه.

وقال ابن عباس: هو العداوة.

﴿ شيئاً ﴾ من الضرر بل كنتم في كنف الله وحفظه.

وفيه إرشاد من الله  إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له.

وفي كلام الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.

وقال بعضهم: إذا ما شئت إرغام الأعادي *** بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى *** على الأعداء من نوب الزمان ﴿ إن الله بما تعملون ﴾ في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى.

﴿ محيط ﴾ فيجازي كل أحد بما هو أهله.

التأويل: ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي  وسيرته.

ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم.

ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون.

فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً.

ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله: ﴿ مثل ما / ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ﴾ هي هواء الهوى ﴿ فيها صر ﴾ الشهوة ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ هو الحرث الروحاني ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ بإبطال الاستعداد الإنساني.

ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ﴾ لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ﴿ ودّوا ﴾ من نعيم الدنيا ومشتهياتها ﴿ ما عنتم ﴾ ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاستيم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ اعتراضاتهم الفاسدة ﴿ وما تخفي صدورهم ﴾ الحاسدة من الغل والحقد ﴿ أكبر ﴾ ﴿ تحبونهم ﴾ محبة الرحمة والشفقة ﴿ ولا يحبونكم ﴾ لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ﴿ ويؤتون بالكتاب كله ﴾ بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد.

﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ كرامة من الله وقبول من الخلق.

سيئة إنكار من الجهال وطعن.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية: أي: لا سواء بين من آمن منهم - يعني: من أهل الكتاب - ومن لم يؤمن منهم؛ لأن منهم من قد آمن؛ فصاروا أمّة قائمة؛ قيل: عادلة، كقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ .

وقيل: أمة قائمة على حدود الله، وفرائضه، وطاعته، وكتابه؛ لم يحرفوه.

وقيل: أمة قائمة مهتدية، وهم الذين آمنوا منهم.

وعن ابن مسعود -  - قال: ﴿ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ ﴾ أمة محمد  يصلون، ولم يكن هذا للأمم السالفة.

وفي حرف حفصة: "ليس أهل الكتاب ليسوا منهم أمة قائمة"؛ كقوله -  -: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ * أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ...

﴾ كذا: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ...

﴾ الآية [السجدة: 18-20].

وقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ : أي: يصلون.

ويحتمل ﴿ يَسْجُدُونَ ﴾ : يخضعون، والسجود: هو الخضوع.

﴿ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ : أي: يؤمنون بأنفسهم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، ويدعون إليه، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، يعني: الكفر.

ويحتمل ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : كل معروف، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ : كل منكر، وقد ذكرنا هذا.

﴿ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ : في الخيرات كلها.

﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : وقيل: مع الصالحين في الجنة.

قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ومَنْ ذلك فعله - فهو صالح.

وقوله: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ .

أي: لن يرد ذلك عليكم؛ بل يقبل؛ بل تجزون به في الآخرة.

قال الشيخ - رحمه الله -: أي: كيف يَكْفُرُهُ، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل؟!.

هو في حرف حفصة: "فلن تتركوه": أي: لن تتركوه دون أن تُجزوا عليه؛ وإن قل ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا  ﴾ معناه - والله أعلم - ما ذكر، ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ  ﴾ .

وقيل: لن يظلمكم.

وقيل: لن ينقصكم.

وقيل: فلن يضل عنكم؛ بل يشكر ذلك لهم، يعني: فلن يضيع ذلك عند الله، والله أعلم.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانًا جازمًا، ويأمرون بالمعروف والخير، وينهون عن المنكر والشر، ويبادرون إلى أفعال الخيرات، ويغتنمون مواسم الطاعات، أولئك المتصفون بهذه الصفات من عباد الله الذين صلحت نياتهم وأعمالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.KM5zb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآية من العدل الإلهي في بيان حقيقة الواقع وإزالة الإبهام السابق وهي دليل على أن دين الله واحد على ألسنة جميع الأنبياء وأن كل من أخذه بإذعان، وعمل فيه بإخلاص، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو من الصالحين.

وفي هذا العدل قطع لاحتجاج أهل الكتاب الذين يعرفون من أنفسهم الإيمان والإخلاص في العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه استمالة لهم، وتناء عن التفرقة بين الأمم والملل التي لم يكن يعترف فيها أحد الفريقين بفضيلة ولا مزية للآخر كأنه بمجرد مخالفته له في بعض الأشياء -وإن كان معذورًا- تتبدل حسناته سيئات.

وظاهر أن هذا كالذي قبله في أهل الكتاب حال على كونهم على دينهم خلافًا لمفسرنا (الجلال) وغيره الذين حملوا المدح على من أسلم منهم فإن المسلمين لا يمدحون بوصف أنهم أهل الكتاب وإنما يمدحون بعنوان المؤمنين.

ولقد اختلف المفسرون في قوله "قائمة" والراجح عندي أن معناها موجودة ثابتة على الحق، وفي ذلك تعريض بالمنحرفين عن الحق بأنهم لا يعدون من أهل الوجود وإنما حكمهم حكم العدم.

أما الذين لا خير في وجودهم ففي مثلهم قال الشاعر: خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد فكأنهم روقوا وما رزقوا <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله