الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١١٥ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وهكذا قال هاهنا : ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) أي : لا يضيع عند الله بل يجزيكم به أوفر الجزاء .
( والله عليم بالمتقين ) أي : لا يخفى عليه عمل عامل ، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا .
القول في تأويل قوله : يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل وعز: " يؤمنون بالله واليوم الآخر "، يصدِّقون بالله وبالبعث بعد الممات، ويعلمون أن الله مجازيهم بأعمالهم; وليسوا كالمشركين الذين يجحدون وحدانية الله، ويعبدون معه غيره، ويكذبون بالبعث بعد الممات، وينكرون المجازاة على الأعمال والثوابَ والعقابَ.
* * * وقوله: " ويأمرون بالمعروف "، يقول: يأمرون الناس بالإيمان بالله ورسوله، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به.
(72) " وينهون عن المنكر "، يقول: وينهون الناس عن الكفر بالله، وتكذيب محمد وما جاءهم به من عند الله: (73) يعني بذلك: أنهم ليسوا كاليهود والنصارى الذين يأمرون الناس بالكفر وتكذيب محمد فيما جاءهم به، وينهونهم عن المعروف من الأعمال، وهو تصديق محمد فيما أتاهم به من عند الله.
=" ويسارعون في الخيرات "، يقول: ويبتدرون فعل الخيرات خشية أن يفوتهم ذلك قبل معاجلتهم مناياهم.
* * * ثم أخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين هذه صفتهم من أهل الكتاب، هم من عداد الصالحين، (74) لأن من كان منهم فاسقًا، قد باء بغضب من الله لكفره بالله وآياته، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وعصيانه ربّه واعتدائه في حدوده.
--------------------- الهوامش : (72) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف ص: 105 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(73) انظر تفسير"المنكر" فيما سلف ص: 105 تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(74) انظر تفسير"الصالح" فيما سلف 3: 91 / 6: 380.
وما يفعلوا من خير فلن يكفروه قرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي وحفص وخلف بالياء فيهما ; إخبارا عن الأمة القائمة ، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد .
وقرأ الباقون بالتاء فيهما على الخطاب ; لقوله تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس [ ص: 168 ] .
وهي اختيار أبي حاتم ، وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعا الياء والتاء .
ومعنى الآية : وما تفعلوا من خير فلن تجحدوا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه .
فهؤلاء الذين وصفهم الله بهذه الصفات الجميلة والأفعال الجليلة { من الصالحين } الذين يدخلهم الله في رحمته ويتغمدهم بغفرانه وينيلهم من فضله وإحسانه، وأنهم مهما فعلوا { من خير } قليلا كان أو كثيرا { فلن يكفروه } أي: لن يحرموه ويفوتوا أجره، بل يثيبهم الله على ذلك أكمل ثواب، ولكن الأعمال ثوابها تبع لما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والتقوى، فلهذا قال { والله عليم بالمتقين } كما قال تعالى: { إنما يتقبل الله من المتقين }
( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) قرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء فيهما إخبار عن الأمة القائمة وقرأ الآخرون بالتاء فيهما لقوله ( كنتم خير أمة ) وأبو عمرو يرى القراءتين جميعا ومعنى الآية : وما تفعلوا من خير فلن تعدموا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه ، ( والله عليم بالمتقين ) بالمؤمنين .
«وما تفعلوا» بالتاء أيها الأمة والياء أي الأمة القائمة «من خير فلن يُكفروه» بالوجهين أي تعدموا ثوابه بل تجازون عليه «والله عليم بالمتقين».
وأيُّ عمل قلَّ أو كَثُر من أعمال الخير تعمله هذه الطائفة المؤمنة فلن يضيع عند الله، بل يُشكر لهم، ويجازون عليه.
والله عليم بالمتقين الذين فعلوا الخيرات وابتعدوا عن المحرمات؛ ابتغاء رضوان الله، وطلبًا لثوابه.
ثم بين - سبحانه - أنه لن يضيع شيئا مما قدموه من أعمال صالحة ، بل سيكافئهم على ذلك بما هو أفضل وأبقى فقال : { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } أى أن هؤلاء الذين وصفهم بتلك الصفات الطيبة لن يضيع الله شيئا مما قدموه من عمل صالح ، وإنما سيجازيهم بما هم أهله من ثواب جزيل ، وأجر كبير بدون أى نقصان أو حرمان .و { وَمَا } فى قوله : { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } شرطية .
وفعل الشرط قوله : { يَفْعَلُواْ } وجوابه قوله : { فَلَنْ يُكْفَروهُ } .و { مِنْ } فى قوله : { مِنْ خَيْرٍ } لتأكيد العموم أى ما يفعلوا من أى خير سواء أكان قليلا أم كثيرا فلن يحرموا ثوابه .وأصل الكفر : الستر والتغطية .
وقد صح تعدية الفعل كفر إلى مفعولين لأنه هنا بمعنى حرم .ولذا قال صاحب الكشاف : فغن قلت لم عدى إلى مفعولين ، وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول : شكر النعمة وكفرها؟
قلت : ضمن معنى الحرمان فكأنه قيل : فلن يحرموه بمعنى : فلن يحرموا جزاءه " .وقوله : { والله عَلِيمٌ بالمتقين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله .
أى هو - سبحانه - عليم بأحوال عباده وسيجازى التمقين بما يستحقون من ثواب ، وسيجازى الكافرين بما يستحقون من عقاب .فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد أنصفت المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب ، ووصفتهم بجملة من الصفات الطيبة .وصفتهم بأنهم طائفة ثابتة على الحق .
وأنهم يتلون آيات آناء الليل وأطراف النهار ، وأنهم مكثرون من التضرع إلى الله فى صلواتهم وسجودهم ، وأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وأنهم يأمرون بالمعروف ، وأنهم ينهون عن المنكر .
وأنهم يسارعون فى الخيرات ، وأنهم من الصالحين .ثم بشرهم - سبحانه - بعد وصفهم بهذه الصفات الكريمة بأن ما يقدموه من خير فلن يحرموا ثوابه ، لأنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده ولن يضيع أجر من أحسن عملا .الحديث المؤثر عن أحوال المؤمنين من أهل الكتاب وبيان ما أعده الله لهم من ، أتبعه بالحديث عن الكافرين وعن سوء عاقبتهم وعن أهم الأسباب التى أدت إلى كفرهم وفسوقهم فقال - تعالى - : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ .
.
.
} .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ قولين أحدهما: أن قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ كلام تام، وقوله: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ كلام مستأنف لبيان قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ كما وقع قوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ بياناً لقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ والمعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم ليسوا سواء، وهو تقرير لما تقدم من قوله: ﴿ مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ وعلى هذا القول احتمالان أحدهما: أنه لما قال: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ كان تمام الكلام أن يقال: ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معاً، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر.
قال أبو ذؤيب: دعاني إليها القلب إني لامرؤ *** مطيع فلا أدري أرشد طلابها أراد (أم غي) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي، وهذا قول الفراء وابن الأنباري، وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معاً كان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل ديّن زكي، فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك، فكذا هاهنا لما تقدم قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ أغنى ذلك عن الإضمار.
والقول الثاني: أن قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء ﴾ كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده، بل هو متعلق بما بعده، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة، فأمة رفع بليس وإنما قيل ﴿ لَّيْسُواْ ﴾ على مذهب من يقول: أكلوني البراغيث، وعلى هذا التقدير لابد من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة، والله أعلم.
المسألة الثانية: يقال فلان وفلان سواء، أي متساويان وقوم سواء، لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في ﴿ سَوَآء ﴾ في أول سورة البقرة.
المسألة الثالثة: في المراد بأهل الكتاب قولان الأول: وعليه الجمهور: أن المراد منه الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، روي أنه لما أسلم عبد الله بن سلاّم وأصحابه قال لهم بعض كبار اليهود: لقد كفرتم وخسرتم، فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية، وقيل: إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك، بل فيهم من يكون موصوفاً بالصفات الحميدة والخصال المرضية، قال الثوري: بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، وعن عطاء: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد عليه الصلاة والسلام.
والقول الثاني: أن يكون المراد بأهل الكتاب كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان، وعلى هذا القول يكون المسلمون من جملتهم، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ ومما يدل على هذا ما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى هذه الساعة غيركم وقرأ هذه الآية، قال القفال رحمه الله: ولا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب، فقيل ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فأقاموا صلاة العتمة في الساعة التي ينام فيها غيرهم من أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا، ولم يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فسماهم الله بأهل الكتاب، كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة والمسلمون الذين سماهم الله بأهل الكتاب حالهم وصفتهم هكذا، يستويان؟
فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً لما تقدم من قوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ وهو كقوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ ﴾ ثم اعلم أنه تعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمانية.
الصفة الأولى: أنها قائمة وفيها أقوال الأول: أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات الله آناء الليل فعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل ﴾ وقوله: ﴿ قُمِ اليل ﴾ وقوله: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين ﴾ والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة.
والقول الثاني: في تفسير كونها قائمة: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله: ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ أي ملازماً للاقتضاء ثابتاً على المطالبة مستقصياً فيها، ومنه قوله تعالى: ﴿ قَائِمَاً بالقسط ﴾ .
وأقول: إن هذه الآية دلّت على كون المسلم قائماً بحق العبودية وقوله: ﴿ قَائِمَاً بالقسط ﴾ يدل على أن المولى قائم بحق الربوبية في العدل والإحسان فتمت المعاهدة بفضل الله تعالى كما قال: ﴿ أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ وهذا قول الحسن البصري، واحتج عليه بما روي أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله: إن أناساً من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه، فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: «أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود»، قال الحسن: متحيرون مترددون.
«أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية» وفي رواية أخرى قال عند ذلك: «إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوضوا علمهما إلى الله تعالى، وكلفتم أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوةً وعشياً والذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتبعوني» فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب وعدم التعلق بغيره واجب، فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ .
القول الثالث: ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ أي مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام بمعنى استقام، وهذا كالتقرير لقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ .
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: (يتلون ويؤمنون) في محل الرفع صفتان لقوله: ﴿ أُمَّة ﴾ أي أمة قائمة تالون مؤمنون.
المسألة الثانية: التلاوة القراءة وأصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ.
المسألة الثالثة: آيات الله قد يراد بها آيات القرآن، وقد يراد بها أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته وصفاته والمراد هاهنا الأولى.
المسألة الرابعة: ﴿ ءاناء الليل ﴾ أصلها في اللغة الأوقات والساعات وواحدها إنا، مثل: معى وأمعاء وإنى مثل نحى وإنحاء، مكسور الأول ساكن الثاني، قال القفال رحمه الله، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات والأوقات، وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة: «آذيت وآنيت» أي دافعت الأوقات.
الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: يحتمل أن يكون حالاً من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال رحمه الله روى في تفسيره حديثاً: أن ذلك غير جائز، وهو قوله عليه السلام: «ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً» الثاني: يحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما ﴾ وقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب وإحداث النشاط الثالث: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجوداً وسجدة وركوعاً وركعة وتسبيحاً وتسبيحة، قال تعالى: ﴿ واركعوا مَعَ الراكعين ﴾ أي صلوا وقال: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ والمراد الصلاة الرابع: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ أي يخضعون ويخشعون لله لأن العرب تسمي الخشوع سجوداً كقوله: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي * السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه الله.
الصفة الرابعة: قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ واعلم أن اليهود كانوا أيضاً يقومون في الليالي للتهجد وقراءة التوراة، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا يحترزون عن معاصي الله، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد.
واعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، فقوله: ﴿ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية، وذلك أكمل أحوال الإنسان، وهي المرتبة التي يقال لها: إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية.
الصفة الخامسة: قوله: ﴿ وَيَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ .
الصفة السادسة: قوله: ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً وفوق التمام فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين، وذلك بطريقين، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف، أو بمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ يَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ أي بتوحيد الله وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ أي ينهون عن الشرك بالله، وعن إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل، فهو يتناول كل معروف وكل منكر.
الصفة السابعة: قوله: ﴿ ويسارعون فِي الخيرات ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت، والآخر: يعملونها غير متثاقلين.
فإن قيل: أليس أن العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام: «العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن».
فما الفرق بين السرعة وبين العجلة؟
قلنا: السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين، لأن من رغب في الأمر، آثر الفور على التراخي، قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ وأيضاً العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى ﴾ .
الصفة الثامنة: قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين ﴾ والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم ﴿ وأدخلناهم فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين ﴾ وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال: ﴿ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات.
ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ بالياء على المغايبة، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون، ولن يضيع لهم ما يعلمون، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلاّم إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلة.
وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت، ثم قال: وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء، فلن تكفروه، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عاماً بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله ﴾ ﴿ وما تفعلوا من خير يوف إليكم ﴾ ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله ﴾ وأما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين.
المسألة الثانية: ﴿ فَلَنْ تكفروه ﴾ أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين: الأول: أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكراً قال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ وقال: ﴿ فأولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾ فلما سمى إيصال الجزاء شكراً سمى منعه كفراً والثاني: أن الكفر في اللغة هو الستر فسمي منع الجزاء كفراً، لأنه بمنزلة الجحد والستر.
فإن قيل: لم قال: ﴿ فَلَنْ تكفروه ﴾ فعداه إلى مفعولين مع أن شكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد يقال شكر النعمة وكفرها.
قلنا: لأنا بينا أن معنى الكفر هاهنا هو المنع والحرمان، فكان كأنه قال: فلن تحرموه، ولن تمنعوا جزاءه.
المسألة الثالثة: احتج القائلون بالموازنة من الذاهبين إلى الإحباط بهذه الآية فقال: صريح هذه الآية يدل على أنه لابد من وصول أثر فعل العبد إليه، فلو انحبط ولم ينحبط من المحبط بمقداره شيء لبطل مقتضى هذه الآية، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ .
ثم قال: ﴿ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ والمعنى أنه تعالى لما أخبر عن عدم الحرمان والجزاء أقام ما يجري مجرى الدليل عليه وهو أن عدم إيصال الثواب والجزاء إما أن يكون للسهو والنسيان وذلك مُحالٌ في حقِّه؛ لأنه عليم بكل المعلومات، وإما أن يكون للعجز والبخل والحاجة وذلك محال لأنه إله جميع المحدثات، فاسم الله تعالى يدل على عدم العجز والبخل والحاجة، وقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ يدل على عدم الجهل، وإذا انتفت هذه الصفات امتنع المنع من الجزاء، لأن منع الحق لابد وأن يكون لأجل هذه الأمور والله أعلم، إنما قال: ﴿ عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بالكل بشارة للمتقين بجزيل الثواب ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.
<div class="verse-tafsir"
الضمير في ﴿ لَّيْسُواْ ﴾ لأهل الكتاب، أي ليس أهل الكتاب مستوين.
وقوله: ﴿ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ كلام مستأنف لبيان قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاءً ﴾ كما وقع قوله: ﴿ تَأْمُرُونَ بالمعروف ﴾ [آل عمران: 110] بياناً لقوله ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ مستقيمة عادلة، من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام، وهم الذين أسلموا منهم.
وعبر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل مع السجود، لأنه أبين لما يفعلون؛ وأدل على حسن صورة أمرهم.
وقيل: عنى صلاة العشاء، لأن أهل الكتاب لا يصلونها.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: «أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم، وقرأ هذه الآية» وقوله: ﴿ يَتْلُونَ ﴾ و ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ في محل الرفع صفتان لأمّة، أي أمّة قائمة تالون مؤمنون، وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل.
ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان لإشراكهم به عُزيراً، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض.
ومن الإيمان باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته.
ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين.
ومن المسارعة في الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها.
والمسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه لأن من رغب في الأمر سارع في توليه والقيام به وآثر الفور على التراخي ﴿ وَأُوْلئِكَ ﴾ الموصوفون بما وصفوا به ﴿ مِنَ ﴾ جملة ﴿ الصالحين ﴾ الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم واستحقوا ثناءه عليهم.
ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين ﴿ فَلَنْ تكفروه ﴾ لما جاء وصف الله عز وعلا بالشكر في قوله: ﴿ والله شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 17] في معنى توفيه الثواب نفى عنه نقيض ذلك.
فإن قلت: لم عدى إلى مفعولين.
وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد، تقول شكر النعمة وكفرها؟
قلت: ضمن معنى الحرمان، فكأنه قيل: فلن تحرموه؛ بمعنى فلن تحرموا جزاءه.
وقرئ ﴿ يفعلوا ﴾ ، ﴿ ويكفروه ﴾ بالياء والتاء ﴿ والله عَلِيمٌ بالمتقين ﴾ بشارة للمتقين بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل التقوى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ صِفاتٌ أُخَرُ لِأُمَّةٍ وصَفَهم بِخَصائِصَ ما كانَتْ في اليَهُودِ، فَإنَّهم مُنْحَرِفُونَ عَنِ الحَقِّ غَيْرُ مُتَعَبِّدِينَ في اللَّيْلِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مُلْحِدُونَ في صِفاتِهِ، واصِفُونَ اليَوْمَ الآخِرَ بِخِلافِ صِفَتِهِ، مُداهِنُونَ في الِاحْتِسابِ مُتَباطِئُونَ عَنِ الخَيْراتِ.
﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ مِمَّنْ صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ واسْتَحَقُّوا رِضاهُ وثَناءَهُ.
" وما تَفْعَلُواْ مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ " فَلَنْ يَضِيعَ ولا يَنْقُصَ ثَوابُهُ ألْبَتَّةَ، سُمِّيَ ذَلِكَ كُفْرانًا كَما سُمِّيَ تَوْفِيَةُ الثَّوابِ شُكْرًا، وتَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولَيْنِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحِرْمانِ، وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ بِشارَةٌ لَهم وإشْعارٌ بِأنَّ التَّقْوى مَبْدَأُ الخَيْرِ وحُسْنُ العَمَلِ، وأنَّ الفائِزَ عِنْدَ اللَّهِ هو أهْلُ التَّقْوى.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} بالياء فيهما كوفي غير أبي بكر وأبو عمرو مخير غيرهم بالتاء وعدي يكفروه إلى مفعولين وإن كان شكر
وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول شكر النعمة وكفرها لتضمنه معنى الحرمان كأنه قيل فلن تحرموه أي فلن تحرموا جزاءه {والله عَلِيمٌ بالمتقين} بشارة للمتقين بجزيل الثواب
﴿ وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ ﴾ أيْ طاعَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ أوْ سارِيَةٍ ﴿ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ أيْ لَنْ يُحْرَمُوا ثَوابَهُ البَتَّةَ، وأصِلُ الكُفْرِ السَّتْرُ، ولِتَفْسِيرِهِ بِما ذَكَرْنا تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والخِطابُ قِيلَ: لِهَذِهِ الأُمَّةِ وهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ وجَمِيعُ ما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ، وقِيلَ: لِأُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ وفِيهِ التِفاتٌ؛ ونُكْتَتُهُ الخاصَّةُ هُنا الإشارَةُ إلى أنَّهم لِاتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ المَزايا أهْلٌ لِأنَّ يُخاطَبُوا، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا أبا بَكْرٍ بِالياءِ في الفِعْلَيْنِ، والباقُونَ بِالتّاءِ فِيهِما غَيْرُ أبِي عَمْرٍو فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ بِهِما، وعَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ ما أُرِيدَ مِن نَظائِرِهِ فِيما قَبْلُ، ويَكُونُ الكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ لِلْأُمَّةِ، ويَكُونُ العُدُولُ إلى الغَيْبَةِ مُراعاةً لِلْأُمَّةِ كَما رُوعِيَتْ أوَّلًا في التَّعْبِيرِ -بِأُخْرِجَتْ - دُونَ أُخْرِجْتُمْ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْعَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ ( 511 ) أيْ بِأحْوالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ وهَذا تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ إمّا عامٌّ ويَدْخُلُ المُخاطَبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا خاصٌّ بِالمُتَقَدِّمِينَ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانٌ بِالعِلَّةِ، وأنَّهُ لا يَفُوزُ عِنْدَهُ إلّا أهْلُ التَّقْوى، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
ثم قال ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ يقول جُعِلَتْ عليهم الجزية ويقال أَلْزِم عليهم القتال أَيْنَما ثُقِفُوا أي وُجدوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ أي بعهد من الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ يعني تحت قوم يؤدون إليهم الجزية، فإن لم يكن لهم عهد قتلوا وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ يقول: استوجبوا الغضب من الله تعالى.
ويقال: رجعوا بغضب من الله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ يعني جعل عليهم زي الفقر.
قال الكلبي: فترى الرجل منهم غنياً، وعليه من البؤس والفقر والمسكنة.
ويقال: إنهم يظهرون من أنفسهم الفقر، لكيلا تضاعف عليهم الجزية ذلِكَ الذي يصيبهم بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ومحمد وبالقرآن وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعني رضوا بما فعل آباؤهم، فكأنهم قتلوهم ذلِكَ الغضب بِما عَصَوْا الله وَكانُوا يَعْتَدُونَ بأفعالهم كلما ذكر الله عقوبة قوم في كتابه بيّن المعنى الذي يعاقبهم لذلك، لكيلا يظن أحد أنه عذَّبهم بغير جُرْم.
ثم بيَّن فضيلة من آمن من أهل الكتاب على من لم يؤمن فقال تعالى: لَيْسُوا سَواءً قال بعضهم: هذا معطوف على الأول منهم المؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، ليسوا سواء في الثواب، فيكون هاهنا وقف.
وقال بعضهم: هذا ابتداء، ويكون فيه مضمر، فكأنه يقول: ليس من آمن منهم ويتلون آيات الله كمن هو كافر.
كقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً [الزمر: 9] معناه: ليس كالذي هو من أهل النار، فكذلك هاهنا قال: ليس من آمن مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كمن لم يؤمن، فبين الذين آمنوا فقال: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يعني مُهَذَّبة عاملة بكتاب الله تعالى.
ويقال: مستقيمة.
وروى الزجاج عن الأخفش قال: ذو أمة قائمة، يعني ذو طريقة قائمة يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ يعني القرآن في الصلاة آناءَ اللَّيْلِ يعني في ساعات الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي يصلون لله.
قوله: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني يقرون بالله وبمحمد وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي باتباعه وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي عن الشرك وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أي يبادرون إلى الطاعات، والأعمال الصالحة وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد في الجنة.
وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ يعني لن تجحدوه ولن تنسوه يقول تجزون به، وتثابون عليه في الآخرة، وهذا كما روي عن النبيّ أنه قال: «البرُّ لا يَبْلَى وَالإثْمُ لا يُنْسَى» .
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ أي عليم بثوابهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، ومن كان بمثل حالهم.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ كلاهما بالياء، والباقون كلاهما بالتاء على معنى المخاطبة.
<div class="verse-tafsir"
ومما يدْخُلُ في ضِمْنِ قوله سبحانه: وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أن يكون المرءُ مغْتَنِماً للخَمْس كما قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اغتنم خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ» «١» فَيَكُونُ متى أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ خَيْراً، بادر إليه، ولم يسوِّف نفسه بالأمل، فهذه أيضاً مسارعةٌ في الخيرات، وذكر بعض النَّاس قال: دخلْتُ معَ بَعْضِ الصَّالحين في مَرْكَبٍ، فقُلْتُ له: ما تقُولُ (أصْلَحَكَ اللَّه) في الصَّوْمِ في السَّفر؟
فقال لي: إنها المبادرةُ، يا ابْنَ الأخِ، قال المحدِّث: فجاءني، واللَّهِ، بجوابٍ ليس من أجوبة الفُقَهَاء/.
قال ص: قوله: مِنَ الصَّالِحِينَ: «مِنْ» : للتبعيض، ابنُ عطية: ويحسُنُ أيضاً أنْ تكون لبيانِ الجنْس، وتعقِّب بأنه لم يتقدَّم شيء فيه إبهام، فيبين جنسه.
اهـ.
وقوله تعالى: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ، أي: فلَنْ يعطى دونكم، فلا تثابُونَ عليه، وفي قوله سبحانه: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ: وعد ووعيد.
مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)
وقوله تعالى: ثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ ...
الآية: وقع في الآية التشبيهُ بين شيئَيْن وشَيْئَيْن، وتَرَكَ مِنْ كلٍّ منهما ما دلَّ عليه الكلام، وهذه غايةُ الإيجازِ والبلاغةِ، وجمهور المفسّرين على أن نْفِقُونَ
يراد به الأموال التي كانُوا ينفقُونَها في التحنُّث، أي: يبطلها كفْرهم كما تبطل الريح الزرْعَ، والصِّرُّ: البَرْدُ الشديدُ المُحْرِقُ لكلِّ ما يهبّ عليه، والحرث: شامل للزرع والثمار.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: تَفْعَلُوا، وتَكْفُرُوهُ، بِالتّاءِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى الخِطابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: فَلَنْ تُكْفَرُوهُ: لَنْ يَضِلَّ عَنْكم.
وقَرَأ قَوْمٌ، مِنهم حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: يَفْعَلُوا، ويَكْفُرُوا، بِالياءِ فِيهِما، إخْبارًا عَنِ الأُمَّةِ القائِمَةِ.
وبَقِيَّةُ أصْحابِ أبِي عَمْرٍو يُخَيِّرُونَ بَيْنَ الياءِ والتّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ: "تَفْعَلُوا" و"تُكْفَرُوهُ" بِالتاءِ، عَلى مُخاطَبَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى مُشابَهَةِ ما تَقَدَّمَ مِن: "يَتْلُونَ" و"يُؤْمِنُونَ"، وما بَعْدَهُما، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ بِالوَجْهَيْنِ.
و"تُكْفَرُوهُ" مَعْناهُ: يُغَطّى دُونَكم فَلا تُثابُونَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ : « "وَمَن أزَلْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيَذْكُرْها فَإنْ ذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ كَفَرَها"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ........................
والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذا الصِنْفِ الصالِحِ بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وخَصَّ اللهُ تَعالى الأمْوالَ والأولادَ بِالذِكْرِ لِوُجُوهٍ:.
مِنها أنَّها زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا وعُظْمُ ما تَجْرِي إلَيْهِ الآمالُ، ومِنها أنَّها ألْصَقُ النُصْرَةِ بِالإنْسانِ وأيْسَرُها، ومِنها أنَّ الكُفّارَ المُكَذِّبِينَ بِالآخِرَةِ لا هِمَّةَ لَهم إلّا فِيها وهي عِنْدَهم غايَةُ المَرْءِ وبِها كانُوا يَفْخَرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ اللهُ أنَّ هَذَيْنِ اللَذَيْنِ هُما بِهَذِهِ الأوصافِ؛ لا غَناءَ فِيهِما مِن عِقابِ اللهِ في الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُغْنِ هَذِهِ فَغَيْرُها مِنَ الأُمُورِ البَعِيدَةِ أحْرى ألّا يُغْنِيَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْحابُ النارِ ﴾ إضافَةُ تَخْصِيصٍ ما تَقْتَضِي ثُبُوتَ ذَلِكَ لَهم ودَوامَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ....
الآيَةُ، مَعْناهُ: المِثالُ القائِمُ في النُفُوسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النُفُوسِ مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ فِيها صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ الآخَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما، ولَيْسَ الَّذِي يُوازِي المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإيجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ﴾ .
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الأعْرَجُ "تُنْفِقُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"مَثَلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في مَحْذُوفٍ بِهِ تَتَعَلَّقُ الكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ"، و"ما"، بِمَعْنى الَّذِي، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ الأمْوالُ الَّتِي كانُوا يُنْفِقُونَها في التَحَنُّثِ وفي عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم قُرْبَةً، وقالَ السُدِّيُّ: "يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ: مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ، والآيَةُ إنَّما هي في كُفّارٍ يُعْلِنُونَ مِثْلَ ما يُبْطِنُونَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، أيْ هي كالرِيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ، فَتُبْطِلُ كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ ونَحْوِهِ، كَما تُبْطِلُ الرِيحُ الزَرْعَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ.
والصِرُّ: البَرْدُ الشَدِيدُ المُحْرِقُ لِكُلِّ ما يَهُبُّ عَلَيْهِ، وهو مَعْرُوفٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الصِرُّ البَرْدُ، وتُسَمِّيهِ العَرَبُ: الضَرِيبَ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ التَصْوِيتِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَيْءُ، ومِنهُ الرِيحُ الصَرْصَرُ، قالَ الزَجّاجُ: فالصِرُّ صَوْتُ النارِ الَّتِي في الرِيحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الصِرُّ: هو نَفَسُ جَهَنَّمَ الَّذِي في الزَمْهَرِيرِ يُحْرِقُ نَحْوًا مِمّا تُحْرِقُ النارُ.
والحَرْثُ: شامِلٌ لِلزَّرْعِ والثِمارِ، لِأنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَصْدُرُ عن إثارَةِ الأرْضِ وهي حَقِيقَةُ الحَرْثِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لا زَكاةَ إلّا في عَيْنٍ أو حَرْثٍ أو ماشِيَةٍ".» وقالَ عَزَّ وجَلَّ: "ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" فَما بالُ هَذا التَخْصِيصِ والمَثَلُ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الحَرْثُ لِمَن لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟
فالجَوابُ أنَّ ظُلْمَ النَفْسِ في هَذِهِ الآيَةِ تَأوَّلَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهُ ظُلْمٌ بِمَعاصِي اللهِ، فَعَلى هَذا وقَعَ التَشْبِيهُ بِحَرْثِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، إذْ عُقُوبَتُهُ أرْجى، وأخْذَةُ اللهِ لَهُ أشَدُّ، والنِقْمَةُ إلَيْهِ أسْرَعُ وفِيهِ أقْوى، كَما رُوِيَ: "فِي جَوْفِ العِيرِ" وغَيْرُهُ.
وأيْضًا فَمِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَرى أنَّ كُلَّ مَصائِبِ الدُنْيا فَإنَّما هي بِمَعاصِي العَبِيدِ، ويَنْتَزِعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ حَرْثٍ تُحْرِقُهُ رِيحٌ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ ونَحا إلَيْهِ المَهْدَوِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِراعَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ في هَذا: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أو هَيْئَةِ عَمَلٍ، ويَخُصُّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ لِأنَّ الحَرْقَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، وهَذا المَنزَعُ يُشْبِهُهُ مِن جِهَةٍ ما قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وسالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِيا ∗∗∗ نِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السَعَرْ فَخَصَّصَ الغَوِيَّ لِأنَّهُ يُلْقِي النارَ في النَخْلَةِ الخَضْراءِ الحَسَنَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ تُحْرَقَ، فَتُطْفِئُ النارُ عن نَفْسِها رُطُوبَتَها بَعْدَ أنْ تَتَشَذَّبَ وتَسْوَدَّ، فَيَجِيءُ الشَبَهُ حَسَنًا.
والرَشِيدُ لا يُضْرِمُ النارَ إلّا فِيما يَبِسَ واسْتَحَقَّ فَهو يَذْهَبُ ولا يَبْقى مِنهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ.
والضَمِيرُ في "ظَلَمَهُمُ" لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهم فِي: "يُنْفِقُونَ"، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ ولا لِيُبَيِّنَ ظُلْمَهُمْ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
تذييل للجمل المفتتحة بقوله تعالى: ﴿ من أهل الكتاب أمَّة قائمة ﴾ [آل عمران: 113] إلى قوله ﴿ من الصالحين ﴾ [آل عمران: 114] وقرأ الجمهور: تفعلوا بالفوقية فهو وعد للحاضرين، ويعلم منه أنّ الصّالحين السَّابقين مثلهم، بقرينة مقام الامتنان، ووقوعه عقب ذكرهم، فكأنَّه قيل: وما تفعلوا من خير ويَفعلوا.
ويجوز أن يكون إلتفاتاً لخطاب أهل الكتاب.
وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف بياء الغيبة عائداً إلى أمّة قائمة.
والكفر: ضد الشكر أي هو إنكار وصول النَّعمة الواصلة.
قال عنترة: نبئْتُ عَمْرا غيرَ شاكر نعمتي *** والكفْرُ مَخْبَثَة لِنَفْسسِ المنعم وقال تعالى ﴿ واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ وأصل الشكر والكفر أ يتعديا إلى واحد، ويكون مفعولهما النّعمة كما في البيت.
وقد يجعل مفعولهما المنعم على التوسّع في حذف حرف الجرّ، لأن الأصل شكرت له وكفرت له.
قال النابغة: شكرتُ لك النعمي *** وقد جمع بين الاستعمالين قوله تعالى ﴿ واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ [البقرة: 152] وقد عدّي ﴿ تُكْفَروه ﴾ هنا إلى مفعولين: أحدهما نائب الفاعل، لأن الفعل ضمّن معنى الحرمان.
والضّمير المنصوب عائد إلى خير بتأويل خير بجزاء فعل الخير على طريقة الاستخدام وأطلق الكفر هنا على ترك جزاء فعل الخير، تشبيهاً لفعل الخير بالنَّعمة.
كأنّ فاعل الخير أنعم على الله تعالى بنعمته مثل قوله ﴿ إن تُقرضوا الله قرضاً حسناً ﴾ [التغابن: 17] فحذفّ المشبّه ورمز إليه بما ه من لوازم العرفية.
وهو الكفر، على أنّ في القرينة استعارة مصرّحة مثل ﴿ ينقضون عهدَ الله ﴾ [البقرة: 27].
وقد أمتنّ الله علينا إذ جعل طاعتنا إيّاه كنعمة عليه تعالى، وجعل ثوابها شُكراً، وتَرْك ثوابها كفراً فنفاه.
وسمّى نفسه الشكور.
وقد عدّي الكفر أن هنا إلى النعمة على أصل تعديته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّهُ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وجَماعَةٌ مَعَهُ، فَقالَتْ أحْبارُ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ ﴿ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عادِلَةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: قائِمَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: يَعْنِي ثابِتَةً عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ساعاتُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: جَوْفُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالتِّلاوَةِ في هَذا الوَقْتِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: صَلاةُ العَتَمَةِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.
﴿ وَهم يَسْجُدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي سُجُودَ الصَّلاةِ.
والثّانِي: يُرِيدُ الصَّلاةَ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في السُّجُودِ ولا في الرُّكُوعِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، والفَرّاءِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ.
﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِنْدَ تَظاهُرِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ مَعَ المُؤْمِنِينَ في حَرْبِ المُشْرِكِينَ عَلى جِهَةِ النِّفاقِ.
وَفي الصِّرِّ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: هو البَرْدُ الشَّدِيدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ صَوْتُ لَهَبِ النّارِ الَّتِي تَكُونُ في الرِّيحِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ الصِّرِّ صَوْتٌ مِنَ الصَّرِيرِ.
﴿ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنَّ ظُلْمَهُمُ اقْتَضى هَلاكَ زَرْعِهِمْ.
والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزَّرْعِ وفي غَيْرِ وقْتِهِ فَجاءَتْ رِيحٌ فَأهْلَكَتْهُ فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى هَذا مَثَلًا لِهَلاكِ نَفَقَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، ومن أسلم من يهود معهم.
فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد وتبعه إلاّ شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره.
فأنزل الله في ذلك ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ليسوا سواء ﴾ الآية.
يقول: ليس كل القوم هلك، قد كان لله فيهم بقية.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله: ﴿ أمة قائمة ﴾ قال: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سلام أخوه، وسعية، ومبشر، وأسيد، وأسد ابنا كعب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: هؤلاء اليهود ليسوا كمثل هذه الأمة التي هي قانتة لله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ أمة قائمة ﴾ يقول: مهتدية، قائمة على أمر الله لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أمة قائمة ﴾ قال: عادلة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ أمة قائمة ﴾ يقول: قائمة على كتاب الله، وحدوده، وفرائضه.
وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ آناء الليل ﴾ قال: ساعات الليل.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ آناء الليل ﴾ قال: جوف الليل.
وأخرج الفريابي والبخاري في تاريخه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ليسوا من أهل الكتاب أمة قائمة ﴾ قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل ﴾ قال: صلاة العتمة هم يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلونها.
وأخرج أحمد والنسائي والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بسند حسن عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: «أما أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم.
ولفظ ابن جرير، والطبراني، وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب.
قال: وأنزلت هذه الآية ﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة ﴾ حتى بلغ ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل ﴾ قال: قال بعضهم صلاة العتمة يصليها أمة محمد ولا يصليها غيرهم من أهل الكتاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال: «أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أن قد صلى، ثم خرج فقال: اعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم» .
وأخرج الطبراني بسند حسن عن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه خرج ذات ليلة وقد أخر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة والناس ينتظرون في المسجد فقال: أما أنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها، ثم قال: أما إنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار بسند حسن عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم بالعشاء؛ فناداه عمر نام النساء والصبيان فقال: ما ينتظر هذه الصلاة أحد من أهل الأرض غيركم» .
وأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر صلاة العشاء ثم خرج فقال: ما يحبسكم هذه الساعة؟
قالوا: يا نبي الله انتظرناك لنشهد الصلاة معك فقال لهم: ما صلى صلاتكم هذه أمة قط قبلكم، وما زلتم في صلاة بعد» .
وأخرج الطبراني بسند حسن عن عبد الله بن المستورد قال: «احتبس النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى لم يبق في المسجد إلا بضعة عشر رجلاً، فخرج إليهم فقال: ما أمسى أحد ينتظر الصلاة غيركم» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن منصور قال: بلغني أنها نزلت ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ﴾ فيما بين المغرب والعشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يتلون آيات الله آناء الليل ﴾ قال: هي صلاة الغفلة.
وأخرج ابن جرير عن أبي عمرو بن العلاء في قوله: ﴿ وما تفعلوا من خير فلن تكفروه ﴾ قال: بلغني عن ابن عباس أنه كان يقرؤهما جميعاً بالتاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فلن تكفروه ﴾ قال: لن يضل عنكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فلن تكفروه ﴾ قال: لن تظلموه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ موضع ﴿ يَفْعَلُوا ﴾ : جزم بالشرط، وجوابه: ﴿ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ .
وفيهما قراءتان (١) ومن قرأ بالتَّاء؛ فلأن نظائره جاءت بالتَّاء؛ مخاطبة لجميع الخلائق، من غير تخصيص قوم دون قوم؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ ، ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ (٢) ومعنى ﴿ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ : فلن تعدموا (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) ومعنى (٩) ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ أي: لا يُضيع شيئًا من أعمالهم (١٠) (١) قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بالياء في ﴿ يَفعَلُوا ﴾ و ﴿ يُكفَرُوهُ ﴾ .
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبي بكر عن عاصم، وابن عامر، بالتاء فيهما.
وورد عن أبي عمرو القراءة بالياء، والتاء.
انظر: "السبعة" 215، "الحجة" للفارسي: 3/ 73، "النشر" 2/ 241.
(٢) ورد في (أ)، (ب)، (ج): (وما تفعلوا من خير يوف غليكم) وليست هذه آية قرآنية.
والصواب ما أثبته.
وقد أورد هذه الآية في هذا الموضع -في سياق بيان وجه القراءة بالتاء- الفارسيُّ في "الحجة" 3/ 73 - وهو من مصادر المؤلف في كتابه هذا-، وكذا أوردها مكيُّ في "الكشف" 1/ 354.
(٣) في (ب): (تقدموا).
وقوله: (ولن تعدموا ثوابه ولن تجحدوا جزاءه): بنصها في "تفسير الثعلبي" 3/ 103أ.
(٤) في (ج): (جزاه).
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 57.
(٥) أصل معنى كلمة (كفر): السَّتْر والتغطية.
انظر: (كفر) في "تهذيب اللغة" 4/ 3160.
"مقاييس اللغة" 5/ 191.
وعبارة الطبري في بيان معنى الآية: (فلن يغطي على ما فعلوا من خير، فيتركوا بغير مجازاة، ولكنهم يشكرون على ما فعلوا من ذلك فيجزل لهم الثواب).
"تفسيره" 4/ 57، وانظر: "المحرر الوجيز" 3/ 280.
(٦) في (ج): (مع).
(٧) في (ج): (يثبت).
(٨) قال الزجاج: (فكأن الشكر من الله -تعالى- هو: إثابتة الشاكر على شكره، وقبوله للطاعة شكرا على طريقة المقابلة؛ كما قال عز اسمه: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم ﴾ ).
"تفسير أسماء الله الحسنى" 48.
ونقل الأزهري عن الزجاج -كذلك- قوله: (والشكور من أسماء الله -جل وعز- معناه: أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد، فيضاعف لهم به الجزاء).
"تهذيب اللغة" 2/ 1913.
(٩) ومعنى: ساقطة من: (ج).
(١٠) في (أ) و (ج): (عملهم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ الله ﴾ الحبل هنا العهد والذمة ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً ﴾ أي: ليس أهل الكتاب مستويين في دينهم ﴿ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ ﴾ أي قائمة بالحق، وذلك فيمن أسلم من اليهود: كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد وأخيه أسد وغيرهم ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ يدل أن تلاوتهم للكتاب في الصلاة ﴿ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ بالتاء حسب قراءة المؤلف أي لن تحرموا ثوابه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويسارعون ﴾ وبابه كـ ﴿ سارعوا ﴾ و ﴿ نسارع ﴾ \[المؤمنون:56\] ممالة: قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس.
﴿ ما يفعلوا ﴾ ﴿ فلن يكفروه ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير.
الباقون: بتاء الخطاب ﴿ تسؤهم ﴾ وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية، والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ لا يضركم ﴾ من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع.
وقرأ المفضل ﴿ لا يضركم ﴾ بالفتح الباقون: ﴿ لا يضركم ﴾ بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع ﴿ تعملون محيط ﴾ بتاء الخطاب: سهل.
الباقون: بياء الغيبة.
الوقوف: ﴿ المسكنة ﴾ ط ﴿ بغير حق ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير ﴿ ليسوا ﴾ يعود إلى ما يعود إليه ضمير ﴿ منهم المؤمنون ﴾ لبيان الفضل بين الفريقين، والذين / عصوا واعتدوا أحد الفريقين ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يسجدون ﴾ ه قيل: لا وقف على جعل ﴿ يؤمنون ﴾ حالاً لضمير ﴿ يسجدون ﴾ ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ يكفروه ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ 5 ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ فأهلكته ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ج ﴿ خبالاً ﴾ ط ﴿ ما عنتم ﴾ ج لاحتمال كون قد بدت حالا ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم ﴿ آمنا ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق ﴿ من الغيظ ﴾ ط ﴿ يغيظكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تسؤهم ﴾ ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم.
﴿ يفرحوا بها ﴾ ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.
التفسير: هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي.
والمعنى ضربت عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم ﴿ بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة بقبول الجزية، فحينئذٍ يكون دمهم محقوناً ومالهم مصوناً وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة.
فعلى هذا يكون الواو بمعنى "أو".
وقيل: ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص بالاجتهاد.
وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظراً إلى المعنى لأن ضرب الذلة عليهم معناه لا تنفك عنهم ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ قيل: إنه من قولك "تبوأ فلان منزل كذا" والمعنى مكثوا في غضب الله.
وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا بالغضب.
﴿ وضربت عليهم المسكنة ﴾ عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت بالذكر بعد الاستثناء ليعلم أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة.
وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة.
وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه قال في هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء ﴿ الأنبياء بغير حق ﴾ لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما.
ثم تدرج إلى ما هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن / تقتل النفس به وهو قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم.
﴿ لسوا سواء ﴾ كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان.
قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً.
قال أبو ذؤيب: عاني إليها القلب إني لأمرها *** مطيع فما أدري أرشد طلابها؟
أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده.
وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي.
فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك.
وقيل: وهو اختيار أبي عبيدة أن ﴿ أمة ﴾ مرفوعة بـ ﴿ ليس ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث.
أو هو بدل من الضمير على نحو ﴿ أسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة.
وفي تفسير أهل الكتاب قولان: الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى.
قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت.
وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم.
عن ابن مسعود قال: "أخر رسول الله ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم" .
وفي رواية: "فبشر أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات" ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ قال القفال رحمه الله : لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب.
فقيل: ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا.
ولا يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان؟
فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله: ﴿ كنتم خير أمة ﴾ كقوله: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون ﴾ ثم إنه مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها / قائمة.
قيل: أي في الصلاة.
وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة.
وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: "أقمت العود فقام" بمعنى استقام.
وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية.
وقوله: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ الصفة الثانية: ﴿ يتلون ﴾ أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل.
فالتلاوة القراءة.
وأصل الكلمة الإتباع.
فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن.
وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها.
وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل "معاً" و "أني" و"أنوا" مثل "نحى" و"تلو".
الصفة الثالثة: ﴿ وهم يسجدون ﴾ يحتمل أن يكون حالاً من ﴿ يتلون ﴾ كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي : " "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً" يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله: ﴿ يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون.
والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً.
الصفة الرابعة: ﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية.
وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد.
ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم واعتقاداتهم الفاسدة.
الخامسة والسادسة: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي.
وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين.
وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.
الصفة السابعة ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.وما روي أنه قال: " "العجلة من الشيطان " مخصوص بهذه الآية.
على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالاً، كيف لا والأمور متفاوتة.
منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه خلاف وضعه / فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل.
ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب.
قال : " اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " الصفة الثامنة: ﴿ أولئك من الصالحين ﴾ وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود.
ثم شرط للأمة الموصوفة بل بجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم ألبتة تأكيداً للإخبار عنهم بقوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ فقال: ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه.
فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها.
وسمى منع الجزاء كفراً كما سمى إيصال الثواب شكراً في قوله: ﴿ فإن الله شاكر عليم ﴾ ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهاً على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟!
ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.
وقد سبق تفسير مثله من أول السورة.
ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوده الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله: ﴿ مثل ما ينفقون ﴾ الآية.
قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد.
وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.
وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث.
وعلى هذا فمعنى الآية: كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر.
وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفة محذوفاً بمعنى فيها قرّة صر كما تقول: برد بارد على المبالغة، أو تكون "في" تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسداً أي أنت أسد، وإن ضيعني فلان ففي الله كافٍ وكافل.
وقيل: الصر السموم الحارة.
وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﴿ فيها صر ﴾ قال: فيها نار.
وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان برداً مهلكاً أو حرّاً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث فيصح التشبية.
وهذا في التشبية المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة.
ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث.
والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: ﴿ في هذه الحياة / الدنيا ﴾ فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاماً.
وقيل: مثل ما ينفقون يعني أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله وفي جمع العساكر عليه في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلاً للحرث.
والظاهر أن الضمير في ﴿ ينفقون ﴾ عائد إلى جميع الكفار.
وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيراً كثيراً في المعاد، لكنهم إذا قدمواالآخرة رأوا كفرهم مبطلاً لآثار تلك الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كبيراً فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف.
ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيراً وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول وفي تخريب ديار المسلمين.
ولا يبعد أيضاً تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالاً كثيرة في تجهيز الجيوش والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم وأظهر الله الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة.
وقيل: المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة كقوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ والمراد جميع الانتفاعات.
أما فائدة قوله: ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ وعدم الاقتصار على قوله: ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولاعثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة.
فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلاً.
ويحتمل أن يراد بالظالم ههنا وضع الزرع في غير موضعه.
فإن من زرع لا في موضعه وفي غير أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعاً.
والضمير في ﴿ وما ظلمهم ﴾ للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما ستحقوا به العقوبة.
ثم إنه تعالى لما بالغ في شرح احوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين.
قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواطؤن رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي / إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له.
الواحد شقر وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة، نهاهم عن مودة كل كافر لأن قوله: ﴿ بطانة ﴾ نكرة في سياق النفي.
وقوله: ﴿ من دونكم ﴾ يؤكد ذلك.
وهو إما أن يتعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ ويكون صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو النهي عن اتخاذ البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى.
و"من" للتبيين وقيل: زائدة.
ثم ذكر علة النهي فقال: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: "لا آلوك نصحاً أو جهداً" على التضمين أي لا أمنعك نصحاً.
والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ومخبل ناقص العقل فاسدة.
وقيل: خبالاً نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال.
والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم.
﴿ ودّوا ما عنتم ﴾ أي عنتكم على أن "ما" مصدرية.
والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه قد أعنته.
والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.
والحاصل من الجمليتن أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم ﴿ قد بدت البغضاء ﴾ هي شدة البغض كالضراء شدة الضر.
والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط.
فحذفت الهاء تخفيفاً وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.
وظهور البغضاء من اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي والكتاب.
وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته.
وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك.
﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير متناهية.
ثم بيّن أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: ﴿ قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ من أهل العقول.
وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدوّ والولي.
ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالاً وادّين عنتكم بادية بغضاؤهم.
وأما ﴿ قد بينا ﴾ فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة، فقيل: لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟
فقيل: لأنهم يودون عنتكم.
ثم قيل: وما آية / ودادة العنت؟
فقيل: قد بدت والله أعلم.
أما كون هذا التقدير أحسن فلأن الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف ههنا، وأما كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد.
ثم استأنف للتحذير نمطاً آخر من البيان مشتملاً على التوبيخ فقال: ﴿ ها أنتم أولاء ﴾ الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان الخطأ وهو قوله: ﴿ تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر.
والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية.
ثم ذكر سبباً آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ وأضمر قرينه وهو "وهم لا يؤمنون به" لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر غالباً.
والمراد بالكتاب الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس".
وفي الكشاف: إن الواو في ﴿ وتؤمنون ﴾ للحال، واللام في ﴿ الكتاب ﴾ للعهد أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله.
وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب منكم في حقكم.
ثم ذكر مضادة أخرى فقال: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ أحدثنا الدخول في الإيمان ﴿ وأذا خلوا عضوا ﴾ ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيراً ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم ﴿ قل موتو بغيظكم ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ذلهم وخزيهم.
والحاصل أنه أمر النبي أن يخبرهم بأن الله أتاح أن يظهر دين الإسلام علىالأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان هذا سبباً لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ.
ثم إن قوله: ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه.
إن كان داخلاً في جمل المقول، فمعناه أخبرهم بما يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى / مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها.
وإن كان خارجاً فالمعنى قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلاً.
ويجوز أن لا يكون أمراً بالقول لفظاً بل يراد حدّث نفسك بأنهم سيهلكون غيظاً وحسداً، فيكون أمراً للرسول بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره.
ثم ذكر نوعاً آخر من مضادتهم ومعاداتهم فقال: ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء ﴿ تسؤهم ﴾ ساءه يسوءه نقيض سره يسره ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ ضد من أضداد ما عددنا.
﴿ يفرحوا بها ﴾ ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحداً.
وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد *** إلا أن يكون ثمة غاية الحقد.
وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في ﴿ حسنة ﴾ للتقليل وفي ﴿ سيئة ﴾ للتعظيم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على عداوتهم ﴿ وتتقوا ﴾ ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على أوامر الله وتتقوا محارمه ﴿ لا يضركم كيدهم ﴾ وهو احتيال الإنسان لإيقاع غيره في مكروه.
وقال ابن عباس: هو العداوة.
﴿ شيئاً ﴾ من الضرر بل كنتم في كنف الله وحفظه.
وفيه إرشاد من الله إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له.
وفي كلام الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.
وقال بعضهم: إذا ما شئت إرغام الأعادي *** بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى *** على الأعداء من نوب الزمان ﴿ إن الله بما تعملون ﴾ في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى.
﴿ محيط ﴾ فيجازي كل أحد بما هو أهله.
التأويل: ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي وسيرته.
ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم.
ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون.
فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً.
ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله: ﴿ مثل ما / ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ﴾ هي هواء الهوى ﴿ فيها صر ﴾ الشهوة ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ هو الحرث الروحاني ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ بإبطال الاستعداد الإنساني.
ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ﴾ لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ﴿ ودّوا ﴾ من نعيم الدنيا ومشتهياتها ﴿ ما عنتم ﴾ ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاستيم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ اعتراضاتهم الفاسدة ﴿ وما تخفي صدورهم ﴾ الحاسدة من الغل والحقد ﴿ أكبر ﴾ ﴿ تحبونهم ﴾ محبة الرحمة والشفقة ﴿ ولا يحبونكم ﴾ لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ﴿ ويؤتون بالكتاب كله ﴾ بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد.
﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ كرامة من الله وقبول من الخلق.
سيئة إنكار من الجهال وطعن.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية: أي: لا سواء بين من آمن منهم - يعني: من أهل الكتاب - ومن لم يؤمن منهم؛ لأن منهم من قد آمن؛ فصاروا أمّة قائمة؛ قيل: عادلة، كقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .
وقيل: أمة قائمة على حدود الله، وفرائضه، وطاعته، وكتابه؛ لم يحرفوه.
وقيل: أمة قائمة مهتدية، وهم الذين آمنوا منهم.
وعن ابن مسعود - - قال: ﴿ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ ﴾ أمة محمد يصلون، ولم يكن هذا للأمم السالفة.
وفي حرف حفصة: "ليس أهل الكتاب ليسوا منهم أمة قائمة"؛ كقوله - -: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ * أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ...
﴾ كذا: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ...
﴾ الآية [السجدة: 18-20].
وقوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ : أي: يصلون.
ويحتمل ﴿ يَسْجُدُونَ ﴾ : يخضعون، والسجود: هو الخضوع.
﴿ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : أي: يؤمنون بأنفسهم، ويأمرون غيرهم بالإيمان، ويدعون إليه، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، يعني: الكفر.
ويحتمل ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : كل معروف، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ : كل منكر، وقد ذكرنا هذا.
﴿ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ : في الخيرات كلها.
﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : وقيل: مع الصالحين في الجنة.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ومَنْ ذلك فعله - فهو صالح.
وقوله: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ ﴾ .
أي: لن يرد ذلك عليكم؛ بل يقبل؛ بل تجزون به في الآخرة.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي: كيف يَكْفُرُهُ، وهو الشكور الذي يقبل اليسير، ويعطي الجزيل؟!.
هو في حرف حفصة: "فلن تتركوه": أي: لن تتركوه دون أن تُجزوا عليه؛ وإن قل ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا ﴾ معناه - والله أعلم - ما ذكر، ﴿ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ .
وقيل: لن يظلمكم.
وقيل: لن ينقصكم.
وقيل: فلن يضل عنكم؛ بل يشكر ذلك لهم، يعني: فلن يضيع ذلك عند الله، والله أعلم.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
وما يفعله هؤلاء من خير قليلًا كان أو كثيرًا فلن يضيع عليهم ثوابه، ولن ينقص أجره، والله عليم بالمتقين الذين يمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، وسيجازيهم عليها.
من فوائد الآيات أعظم ما يميز هذه الأمة وبه كانت خيريتها -بعد الإيمان بالله- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قضى الله تعالى بالذل على أهل الكتاب لفسقهم وإعراضهم عن دين الله، وعدم وفائهم بما أخذ عليهم من العهد.
أهل الكتاب ليسوا على حال واحدة؛ فمنهم القائم بأمر الله، المتبع لدينه، الواقف عند حدوده، وهؤلاء لهم أعظم الأجر والثواب.
وهذا قبل بعثة النبي محمد .
<div class="verse-tafsir" id="91.ogMnv"
هذه الآية من العدل الإلهي في بيان حقيقة الواقع وإزالة الإبهام السابق وهي دليل على أن دين الله واحد على ألسنة جميع الأنبياء وأن كل من أخذه بإذعان، وعمل فيه بإخلاص، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو من الصالحين.
وفي هذا العدل قطع لاحتجاج أهل الكتاب الذين يعرفون من أنفسهم الإيمان والإخلاص في العمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه استمالة لهم، وتناء عن التفرقة بين الأمم والملل التي لم يكن يعترف فيها أحد الفريقين بفضيلة ولا مزية للآخر كأنه بمجرد مخالفته له في بعض الأشياء -وإن كان معذورًا- تتبدل حسناته سيئات.
وظاهر أن هذا كالذي قبله في أهل الكتاب حال على كونهم على دينهم خلافًا لمفسرنا (الجلال) وغيره الذين حملوا المدح على من أسلم منهم فإن المسلمين لا يمدحون بوصف أنهم أهل الكتاب وإنما يمدحون بعنوان المؤمنين.
ولقد اختلف المفسرون في قوله "قائمة" والراجح عندي أن معناها موجودة ثابتة على الحق، وفي ذلك تعريض بالمنحرفين عن الحق بأنهم لا يعدون من أهل الوجود وإنما حكمهم حكم العدم.
أما الذين لا خير في وجودهم ففي مثلهم قال الشاعر: خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا رزقوا وما رزقوا سماح يد فكأنهم روقوا وما رزقوا <div class="verse-tafsir"