الآية ١١٧ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١١٧ من سورة آل عمران

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍۢ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍۢ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ١١٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٧ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٧ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم ضرب مثلا لما ينفقه الكفار في هذه الدار ، قاله مجاهد والحسن ، والسدي ، فقال تعالى : ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ) أي : برد شديد ، قاله ابن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير وقتادة والحسن ، والضحاك ، والربيع بن أنس ، وغيرهم .

وقال عطاء : برد وجليد .

وعن ابن عباس أيضا ومجاهد ( فيها صر ) أي : نار .

وهو يرجع إلى الأول ، فإن البرد الشديد - سيما الجليد - يحرق الزروع والثمار ، كما يحرق الشيء بالنار ( أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ) أي : أحرقته ، يعني بذلك السفعة إذا نزلت على حرث قد آن جداده أو حصاده فدمرته وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع ، فذهبت به وأفسدته ، فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه .

فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها كما أذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه .

وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس ( وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) قال أبو جعفر: وهذا وعيدٌ من الله عز وجل للأمة الأخرى الفاسقة من أهل الكتاب، الذين أخبر عنهم بأنهم فاسقون، وأنهم قد باؤوا بغضب منه، ولمن كان من نظرائهم من أهل الكفر بالله ورسوله وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله.

يقول تعالى ذكره: " إن الذين كفروا "، يعني: الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به وبما جاءهم به من عند الله =" لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا "، يعني: لن تدفع أمواله التي جمعها في الدنيا، وأولاده الذين ربَّاهم فيها، شيئًا من عقوبة الله يوم القيامة إن أخرها لهم إلى يوم القيامة، ولا في الدنيا إنْ عجَّلها لهم فيها.

* * * وإنما خصّ أولاده وأمواله، لأن أولاد الرجل أقربُ أنسبائه إليه، وهو على ماله أقدر منه على مال غيره، (1) وأمرُه فيه أجوز من أمره في مال غيره.

فإذا لم يغن عنه ولده لصلبه، وماله الذي هو نافذ الأمر فيه، فغير ذلك من أقربائه وسائر أنسبائه وأموالهم، أبعد من أن تغني عنه من الله شيئا.

* * * ثم أخبر جل ثناؤه أنهم هم أهل النار الذين هم أهلها بقوله: " وأولئك أصحاب النار ".

وإنما جعلهم أصحابها، لأنهم أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها، &; 7-134 &; كصاحب الرجل الذي لا يفارقه، وقرينه الذي لا يزايله.

(2) ثم وكد ذلك بإخباره عنهم إنهم " فيها خالدون "، أنّ صحبتهم إياها صحبة لا انقطاع لها، (3) إذْ كان من الأشياء ما يفارق صاحبه في بعض الأحوال، ويزايله في بعض الأوقات، وليس كذلك صحبة الذين كفروا النارَ التي أصْلوها، ولكنها صحبة دائمة لا نهاية لها ولا انقطاع.

نعوذ بالله منها ومما قرَّب منها من قول وعمل.

---------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: "وهو على ماله أقرب ..." ، وهي في المخطوطة شبيهة بها ، إلا أنها سيئة الكتابة ، ولكن لا معنى لها ، والصواب ما أثبت ، فهو حق السياق.

(2) انظر تفسير"أصحاب النار" فيما سلف 1: 286 ، 287 / 4 : 317 / 5 : 429 / 6: 14.

(3) في المطبوعة أسقط"أن" من أول هذه العبارة ، وهي ثابتة في المخطوطة.

وفيهما جميعًا بعد: "إذا كان من الأشياء" ، وصواب السياق"إذ" ، كما أثبتها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمونقوله تعالى : مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ما تصلح أن تكون مصدرية ، وتصلح أن تكون بمعنى الذي والعائد محذوف ، أي مثل ما ينفقونه .

ومعنى كمثل ريح كمثل مهب ريح .

قال ابن عباس : والصر : البرد الشديد .

قيل : أصله من الصرير الذي هو الصوت ، فهو صوت الريح الشديدة .

الزجاج : هو صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح .

وقد تقدم هذا المعنى في البقرة .

وفي الحديث : إنه نهى عن الجراد الذي قتله الصر .

ومعنى الآية : مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح باردة أو نار فأحرقته وأهلكته ، فلم ينتفع أصحابه بشيء بعدما كانوا يرجون فائدته ونفعه .

وما ظلمهم الله بذلك ولكن أنفسهم يظلمون بالكفر والمعصية ومنع حق الله تعالى .

وقيل : ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير وقت الزراعة أو في غير موضعها فأدبهم الله تعالى ; لوضعهم الشيء في غير موضعه ; حكاه المهدوي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ضرب مثلا لما ينفقه الكفار من أموالهم التي يصدون بها عن سبيل الله ويستعينون بها على إطفاء نور الله، بأنها تبطل وتضمحل، كمن زرع زرعا يرجو نتيجته ويؤمل إدراك ريعه، فبينما هو كذلك إذ أصابته ريح فيها صر، أي: برد شديد محرق، فأهلكت زرعه، ولم يحصل له إلا التعب والعناء وزيادة الأسف، فكذلك هؤلاء الكفار الذين قال الله فيهم: { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون } { وما ظلمهم الله } بإبطال أعمالهم { ولكن } كانوا { أنفسهم يظلمون } حيث كفروا بآيات الله وكذبوا رسوله وحرصوا على إطفاء نور الله، هذه الأمور هي التي أحبطت أعمالهم وذهبت بأموالهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ) قيل : أراد نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر وأحد على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مقاتل : نفقة اليهود على علمائهم ، قال مجاهد : يعني جميع نفقات الكفار [ في الدنيا ] وصدقاتهم وقيل : أراد إنفاق المرائي الذي لا يبتغي به وجه الله تعالى ، ( كمثل ريح فيها صر ) [ حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنها السموم الحارة التي تقتل وقيل : ] فيها صر أي : صوت ، وأكثر المفسرين قالوا : فيها برد شديد ، ( أصابت حرث قوم ) زرع قوم ، ( ظلموا أنفسهم ) بالكفر والمعصية ومنع حق الله تعالى ، ( فأهلكته ) فمعنى الآية : مثل نفقات الكفار في ذهابها وقت الحاجة إليها كمثل زرع أصابته ريح باردة فأهلكته أو نار فأحرقته فلم ينتفع أصحابه منه بشيء ، ( وما ظلمهم الله ) بذلك ، ( ولكن أنفسهم يظلمون ) بالكفر والمعصية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«مثل» صفة «ما ينفقون» أي الكفار «في هذه الحياة الدنيا» في عداوة النبي أو صدقة ونحوها «كمثل ريح فيها صِرّ» حر أو برد شديد «أصابت حرث» زرع «قوم ظلموا أنفسهم» بالكفر والمعصية «فأهلكته» فلم ينتفعوا به فكذلك نفقاتهم ذاهبة لا ينتفعون بها «وما ظلمهم الله» بضياع نفقاتهم «ولكن أنفسهم يظلمون» بالكفر الموجب لضياعها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

مَثَلُ ما ينفق الكافرون في وجوه الخير في هذه الحياة الدنيا وما يؤملونه من ثواب، كمثل ريح فيها برد شديد هَبَّتْ على زرع قوم كانوا يرجون خيره، وبسبب ذنوبهم لم تُبْقِ الريح منه شيئًا.

وهؤلاء الكافرون لا يجدون في الآخرة ثوابًا، وما ظلمهم الله بذلك، ولكنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وعصيانهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ضرب - سبحانه - مثلا لبطلان ما كان ينفقه هؤلاء الكافرون من أموال في الدنيا فقال : { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا } أى من أموال فى وجوه الخير المختلفة ، كمواساة البائسين ، ودفع حاجة المحتاجين .و { مَا } موصولة ، والعائد محذوف ، والتقدير ، مثل ما ينفقونه .{ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } أى كمثل ريح فيها برد شديد قاتل للنبات .

وقيل : الصر .

الحر الشديدن وقيل الصر : صوت لهيب النار التى تحرق الثمار .وذكر - سبحانه - الصر على أنه فى الريح ، وأنها مشتملة عليه ، وهى له ظرف وهو مظروف ، للاشعار بأنها ريح لا تحمل عوامل النماء للزرع ، وإنما هى تحمل معها ما يهلكه .وقوله : { أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ } أى أصابت زرع قوم ظلموا أنفسهم بالكفر وارتكاب المعاصى فدمرته وأهلكت ما فيه من ثمار وهم أحوج ما يكونون إلى هذا الزرع وتلك الثمار .والحرث هنا مصدر بمعنى المحروث ، وأصل كلمة حرث : فلح الأرض وإلقاء البذر فيها ، ثم أطلقت على ما هو نتيجة لذلك وهو الزرع .وفى التعبير بقوله : { ظلموا أَنْفُسَهُمْ } تذكير للسامعين ، وبعث لهم على ترك الظلم ، حتى لا يصابوا بمثل ما أصيب به أولئك الذين ظلموا أنفسهم من عقوبات رادعة ، وأضرار فادحة .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } أى أن الله - تعالى - ما ظلمهم حين لم يقبل نفقاتهم ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإيمان ، ومن كان كذلك فلن يقبل الله منه شيئاً؛ لأن الله تعالى ، إنما يتقبل من المتقين .والضمائر فى هذه الجملة الكريمة تعود على أولئك الكافرين الذين ينفقون أموالهم مقرونة بالوجوه المانعة من قبولها .وفى هذه الآية الكريمة تشبيه بليغ ، فقد شبه - سبحانه - حال ما ينفقه الكفار فى الدنيا - على سبيل القربة أو المفاخرة - شبه ذلك فى ضياعه وذهابه وقت الحاجة إليه فى الآخرة من غير أن يعود عليهم بفائدة ، بحال زرع لقوم ظالمين ، أصابته ريح مهلكة فاستأصلته ، ولم ينتفع أصحابه منه بشىء ، وهم أحوج ما يكونون إليه .قال صاحب الانتصاف : أصل الكلام - والله أعلم - مثل ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا ، كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم ، فأصابته ريح فيها صر فأهلكته .ولكن خولف هذا النظم فى المثل المذكور لفائدة جليلة .

وهى تقديم ما هو أهم لأن الريح التى هى مثل العذاب ، ذكرها فى سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث .فقدمت عناية بذكرها ، واعتماداً على أن الأفهام الصحيحة تستخرج المطابقة برد الكلام إلى أصله على أيسر وجه ومثل هذا فى تحويل النظم لمثل هذه الفائدة قوله - تعالى - : { فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } ومثله - أيضا - .

اعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه .

والأصل أن تذكر إحداهما الأخرى وإن ضلت .

وأن أدعم بها الحائط إذا مال ، وأمثال ذلك كثيرة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً، ثم إنهم ربما أنفقوا أموالهم في وجوه الخيرات، فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون بذلك، فأزال الله تعالى بهذه الآية تلك الشبهة، وبيّن أنهم لا ينتفعون بتلك الإنفاقات، وإن كانوا قد قصدوا بها وجه الله.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المثل الشبه الذي يصير كالعلم لكثرة استعماله فيما يشبه به، وحاصل الكلام أن كفرهم يبطل ثواب نفقتهم، كما أن الريح الباردة تهلك الزرع.

فإن قيل: فعلى هذا التقدير مثل إنفاقهم هو الحرث الذي هلك، فكيف شبه الإنفاق بالريح الباردة المهلكة.

قلنا: المثل قسمان: منه ما حصلت فيه المشابهة بين ما هو المقصود من الجملتين وإن لم تحصل المشابهة بين أجزاء الجملتين، وهذا هو المسمى بالتشبيه المركب، ومنه ما حصلت المشابهة فيه بين المقصود من الجملتين، وبين أجزاء كل واحدة منهما، فإذا جعلنا هذا المثل من القسم الأول زال السؤال، وإن جعلناه من القسم الثاني ففيه وجوه: الأول: أن يكون التقدير: مثل الكفر في إهلاك ما ينفقون، كمثل الريح المهلكة للحرث الثاني: مثل ما ينفقون، كمثل مهلك ريح، وهو الحرث الثالث: لعلّ الإشارة في قوله: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ ﴾ إلى ما أنفقوا في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع العساكر عليه، وكان هذا الإنفاق مهلكاً لجميع ما أتوا به من أعمال الخير والبر، وحينئذ يستقيم التشبيه من غير حاجة إلى إضمار وتقديم وتأخير، والتقدير: مثل ما ينفقون في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر كمثل ريح فيها صر في كونها مبطلة للحرث، وهذا الوجه خطر ببالي عند كتابتي على هذا الموضع، فإن انفاقهم في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم أنواع الكفر ومن أشدها تأثيراً في إبطال آثار أعمال البر.

المسألة الثانية: اختلفوا في تفسير هذا الإنفاق على قولين الأول: أن المراد بالإنفاق هاهنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة سماه الله إنفاقاً كما سمى ذلك بيعاً وشراء في قوله: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ  ﴾ إلى قوله: ﴿ فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ  ﴾ ومما يدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ  ﴾ والمراد به جميع أعمال الخير وقوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل  ﴾ والمراد جميع أنواع الانتفاعات.

والقول الثاني: وهو الأشبه أن المراد إنفاق الأموال، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله: ﴿ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم  ﴾ المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ ﴾ المراد منه جميع الكفار أو بعضهم، فيه قولان: الأول: المراد بالإخبار عن جميع الكفار، وذلك لأن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا أو لمنافع الآخرة فإن كان لمنافع الدنيا لم يبقَ منه أثر ألبتة في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر وإن كان لمنافع الآخرة لم ينتفع به في الآخرة لأن الكفر مانع من الانتفاع به، فثبت أن جميع نفقات الكفار لا فائدة فيها في الآخرة، ولعلّهم أنفقوا أموالهم في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأيتام والأرامل، وكان ذلك المنفق يرجو من ذلك الإنفاق خيراً كثيراً فإذا قدم الآخرة رأى كفره مبطلاً لآثار الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كثيراً فأصابته ريح فأحرقته فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف، هذا إذا أنفقوا الأموال في وجوه الخيرات، أما إذا أنفقوها فيما ظنوه أنه الخيرات لكنه كان من المعاصي مثل إنفاق الأموال في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفي قتل المسلمين وتخريب ديارهم، فالذي قلناه فيه أسد وأشد، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً  ﴾ وقوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ  ﴾ فكل ذلك يدل على الحسنات من الكفار لا تستعقب الثواب، وكل ذلك مجموع في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين  ﴾ وهذا القول هو الأقوى والأصح.

واعلم أنا إنما فسرنا الآية بخيبة هؤلاء الكفار في الآخرة، ولا يبعد أيضاً تفسيرها بخيبتهم في الدنيا، فإنهم أنفقوا الأموال الكثيرة في جمع العساكر وتحملوا المشاق، ثم انقلب الأمر عليهم، وأظهر الله الإسلام وقواه فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الخيبة والحسرة.

والقول الثاني: المراد منه الإخبار عن بعض الكفار، وعلى هذا القول ففي الآية وجوه: الأول: أن المنافقين كانوا ينفقون أموالهم في سبيل الله ولكن على سبيل التقية والخوف من المسلمين، وعلى سبيل المداراة لهم، فالآية فيهم.

الثاني: نزلت هذه الآية في أبي سفيان وأصحابه يوم بدر عند تظاهرهم على الرسول عليه السلام الثالث: نزلت في إنفاق سفلة اليهود على أحبارهم لأجل التحريف والرابع: المراد ما ينفقون ويظنون أنه تقرب إلى الله تعالى مع أنه ليس كذلك.

المسألة الرابعة: اختلفوا في ﴿ الصر ﴾ على وجوه: الأول: قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد والثاني: أن الصر: هو السموم الحارة والنار التي تغلي، وهو اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر ابن الأنباري، قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها ﴿ فِيهَا صِرٌّ ﴾ لتصويتها عند الالتهاب، ومنه صرير الباب، والصرصر مشهور، والصرة الصيحة ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ  ﴾ وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما في ﴿ فِيهَا صِرٌّ ﴾ قال فيها نار، وعلى القولين فالمقصود من التشبيه حاصل، لأنه سواء كان برداً مهلكاً أو حراً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث والزرع فيصح التشبيه به.

المسألة الخامسة: المعتزلة احتجوا بهذه الآية على صحة القول بالإحباط، وذلك لأنه كما أن هذه الريح تهلك الحرث فكذلك الكفر يهلك الإنفاق، وهذا إنما يصح إذا قلنا: إنه لولا الكفر لكان ذلك الإنفاق موجباً لمنافع الآخرة وحينئذ يصح القول بالإحباط، وأجاب أصحابنا عنه بأن العمل لا يستلزم الثواب إلا بحكم الوعد، والوعد من الله مشروط بحصول الإيمان، فإذا حصل الكفر فات المشروط لفوات شرطه؛ لأن الكفر أزاله بعد ثبوته، ودلائل بطلان القول بالإحباط قد تقدمت في سورة البقرة.

ثم قال تعالى: ﴿ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ وفيه سؤال: وهو أن يقال: لم لم يقتصر على قوله: ﴿ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ﴾ وما الفائدة في قوله: ﴿ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ .

قلنا: في تفسير قوله: ﴿ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ وجهان الأول: أنهم عصوا الله فاستحقوا هلاك حرثهم عقوبة لهم، والفائدة في ذكره هي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه شيء، وحرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب بالكلية ولا يحصل منه منفعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب بالكلية لأنه وإن كان يذهب صورة فلا يذهب معنى، لأن الله تعالى يزيد في ثوابه لأجل وصول تلك الأحزان إليه والثاني: أن يكون المراد من قوله: ﴿ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ هو أنهم زرعوا في غير موضع الزرع أو في غير وقته، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وعلى هذا التفسير يتأكد وجه التشبيه، فإن من زرع لا في موضعه ولا في وقته يضيع، ثم إذا أصابته الريح الباردة كان أولى بأن يصير ضائعاً، فكذا هاهنا الكفار لما أتوا بالإنفاق لا في موضعه ولا في وقته ثم أصابه شؤم كفرهم امتنع أن لا يصير ضائعاً، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ والمعنى أن الله تعالى ما ظلمهم حيث لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث أتوا بها مقرونة بالوجوه المانعة من كونها مقبولة لله تعالى، قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ ولكن ﴾ بالتشديد بمعنى ولكن أنفسهم يظلمونها، ولا يجوز أن يراد، ولكنه أنفسهم يظلمون على إسقاط ضمير الشأن، لأنه لا يجوز إلا في الشعر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الصرُّ: الريح الباردة نحو: الصرصر.

قال: لاَ تَعْدِلَنَّ أَتَاويِّينَ تَضْرِبُهُمْ ** نَكْبَاءَ صِرّ بأصْحَابِ الْمَحَلاَّتِ كما قالت ليلى الأخيلية: وَلَمْ يَغْلِبِ الْخَصْمَ الألَدَّ وَيَمْلإِ الْـ ** ـجِفَانَ سَدِيفاً يَوْمَ نَكْبَاءَ صَرصْرٍ فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ ؟

قلت: فيه أوجه: أحدهما أنّ الصرَّ في صفة الريح بمعنى الباردة، فوصف بها القرّة بمعنى فيها قرة صرّ، كما تقول: برد بارد على المبالغة.

والثاني: أن يكون الصر مصدراً في الأصل بمعنى البرد فجيء به على أصله.

والثالث: أن يكون من قوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] ومن قولك: إن ضيعني فلان ففي الله كاف وكافل.

قال: وَفِي الرَّحْمنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِي شبه ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون به وجه الله، بالزرع الذي حسه البرد فذهب حطاماً.

وقيل: هو ما كانوا يتقربون به إلى الله مع كفرهم.

وقيل: ما أنفقوا في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فضاع عنهم، لأنهم لم يبلغوا بإنفاقه ما أنفقوه لأجله.

وشبه بحرث ﴿ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم، لأنّ الهلاك عن سخط أشدّ وأبلغ.

فإن قلت: الغرض تشبيه ما أنفقوا في قلة جدواه وضياعه بالحرث الذي ضربته الصر، والكلام غير مطابق للغرض حيث جعل ما ينفقون ممثلاً بالريح.

قلت: هو من التشبيه المركب الذي مر في تفسير قوله: ﴿ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً ﴾ [البقرة: 17] ويجوز أن يراد: مثل إهلاك ما ينفقون مثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث وقرئ: ﴿ تنفقون ﴾ بالتاء ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ﴾ الضمير للمنفقين على معنى: وما ظلمهم الله بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث الذين ظلموا أنفسهم، أي: وما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة.

وقرئ: ﴿ ولكنّ ﴾ بالتشديد، بمعنى ولكنّ أنفسهم يظلمونها هم.

ولا يجوز أن يراد: ولكن أنفسهم يظلمون، على إسقاط ضمير الشأن، لأنه إنما يجوز في الشعر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ مِنَ العَذابِ، أوْ مِنَ الغِناءِ فَيَكُونُ مَصْدَرًا.

﴿ وَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ ﴾ مُلازِمُوها.

﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ ﴾ ما يُنْفِقُ الكَفَرَةُ قُرْبَةً، أوْ مُفاخَرَةً وسُمْعَةً، أوِ المُنافِقُونَ رِياءً أوْ خَوْفًا.

﴿ فِي هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ﴾ بَرْدٌ شَدِيدٌ والشّائِعُ إطْلاقُهُ لِلرِّيحِ البارِدَةِ كالصَّرْصَرِ، فَهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ أوْ نَعْتٌ وُصِفَ بِهِ البَرْدُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِكَ بَرْدٌ بارِدٌ.

﴿ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ فَأهْلَكَتْهُ ﴾ ، عُقُوبَةً لَهم لِأنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ، والمُرادُ تَشْبِيهُ ما أنْفَقُوا في ضَياعِهِ بِحَرْثِ كَفّارٍ ضَرَبَتْهُ صِرٌّ فاسْتَأْصَلَتْهُ ولَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ مَنفَعَةٌ ما في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ ولِذَلِكَ لَمْ يُبالِ بِإيلاءِ كَلِمَةِ التَّشْبِيهِ لِلرِّيحِ دُونَ الحَرْثِ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ كَمِثْلِ مَهْلِكِ رِيحٍ وهو الحَرْثُ.

﴿ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ أيْ ما ظَلَمَ المُنْفِقِينَ بِضَياعِ نَفَقاتِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم لِما لَمْ يُنْفِقُوها بِحَيْثُ يُعْتَدُّ بِها، أوْ ما ظَلَمَ أصْحابَ الحَرْثِ بِإهْلاكِهِ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ العُقُوبَةَ.

وقُرِئَ «وَلَكِنَّ» أيْ ولَكِنَّ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَها، ولا يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: ؎ وما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّ مَن يُبْصِرُ جُفُونَكَ يَعْشَقُ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)

{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هذه الحياة الدنيا} في المفاخر والمكارم وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس أو ما يتقربون به إلى الله مع كفرهم {كَمَثَلِ رِيحٍ} كمثل مهلك ربح وهو الحرث أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح {فِيهَا صِرٌّ} برد شديد عن ابن عباس رضى الله عنهما وهو مبتدأ وخبر في موضع جر صفة لربح مثل {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} بالكفر {فَأَهْلَكَتْهُ} عقوبة على كفرهم {وَمَا ظَلَمَهُمُ الله} بإهلاك حرثهم {ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بارتكاب ما استحقوا به العقوبة أو يكون الضمير للمنفقين أي وما ظلمهم الله بأن لم يقبل نفقاتهم ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها لاثقة للقبول

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ كالدَّلِيلِ لِعَدَمِ إغْناءِ الأمْوالِ، ولَعَلَّ عَدَمَ بَيانِ إغْناءِ الأوْلادِ ظاهِرٌ لِأنَّهم إنْ كانُوا كُفّارًا - وهو الظّاهِرُ - كانَ حُكْمُهم حُكْمَهم وإنْ كانُوا مُسْلِمِينَ كانُوا عَلَيْهِمْ لا لَهم في الدُّنْيا، وبُغْضُهم لَهم في الآخِرَةِ ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ ، و ﴿ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ ﴾ وتَبِرِّيهِمْ مِنهم حِينَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أُمِّهِ وأبِيهِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، و( ما ) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُنْفِقُونَهُ والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ تَمْثِيلُ جَمِيعِ صَدَقاتِ الكُفّارِ ونَفَقاتِهِمْ كَيْفَ كانَتْ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ - وقِيلَ: مَثَلٌ لِما يُنْفِقُهُ الكُفّارُ مُطْلَقًا في عَداوَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِما أنْفَقَهُ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ لَمّا تَظاهَرُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لِما أنْفَقَهُ سِفْلَةُ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمُ المُحَرِّفِينَ أيْ حالَ ذَلِكَ وقِصَّتِهِ العَجِيبَةِ ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ﴾ أيْ بَرْدٌ شَدِيدٌ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجَماعَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: الصِّرُّ صَوْتُ لَهِيبِ النّارِ وقَدْ كانَتْ في تِلْكَ الرِّيحِ، وقِيلَ: أصْلُ الصِّرُّ كالصَّرْصَرِ؛ الرِّيحُ البارِدَةُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَعْنى النَّظْمِ رِيحٌ فِيها رِيحٌ بارِدَةٌ، وهو كَما تَرى مُحْتاجٌ إلى التَّوْجِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ وارِدٌ عَلى التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ: ولَوْلا ذاكَ قَدْ سَوَّمْتُ مُهْرِي وفي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِ أيْ هو كافٍ، ومَنَعَ بَعْضُهم كَوْنَهُ في الأصْلِ الرِّيحَ البارِدَةَ وإنَّما هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى البَرْدِ كَما قالَ الحَبْرُ، واسْتِعْمالُهُ فِيما ذُكِرَ مَجازٌ ولَيْسَ بِمُرادٍ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ بِمَعْنى بارِدٍ إلّا أنَّ مَوْصُوفَهُ مَحْذُوفٌ أيْ بَرْدٌ بارِدٌ فَهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ - وفِيهِ بُعْدٌ - لَأنَّ المَعْرُوفَ في مِثْلِهِ ذِكْرُ المَوْصُوفِ، وأمّا حَذْفُهُ وتَقْدِيرُهُ فَلَمْ يُعْهَدْ، وقِيلَ: هو في الأصْلِ صَوْتُ الرِّيحِ البارِدَةِ مِن صَرِّ القَلَمِ والبابِ صَرِيرًا إذا صَوَّتَ، أوْ مِنَ الصَّرَّةِ الضَّجَّةِ والصَّيْحَةِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا عَلى أصْلِهِ، وفِيهِ أنَّ هَذا المَعْنى مِمّا لَمْ يُعْهَدْ في الِاسْتِعْمالِ، والرِّيحُ واحِدَةُ الرِّياحِ، وفي الصِّحاحِ والأرْياحِ، وقَدْ تُجْمَعُ عَلى أرْواحٍ لِأنَّ أصْلَها الواوُ، وإنَّما جاءَتْ بِالياءِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، فَإذا رَجَعُوا إلى الفَتْحِ عادَتْ إلى الواوِ كَقَوْلِكَ: أرْوَحَ الماءُ وتَرَوَّحَتْ بِالمِرْوَحَةِ، ويُقالُ أيْضًا: رِيحٌ ورِيحَةٌ كَما قالُوا: دارٌ ودارَةٌ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِلْعُلَماءِ مِنَ الكَلامِ في هَذا المُقامِ، وأفْرَدَ الرِّيحَ لِما في البَحْرِ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، والجَمْعُ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ رُوِيَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا.

﴿ أصابَتْ حَرْثَ ﴾ أيْ زَرْعَ.

﴿ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي فَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِما قِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ وأفْظَعُ أوْ لِأنَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى عَدَمِ الفائِدَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو إنَّما يَكُونُ في هَلاكِ مالِ الكافِرِ، وأمّا غَيْرُهُ فَقَدْ يُثابُ عَلى ما هَلَكَ لَهُ لِصَبْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزِّراعَةِ وفي غَيْرِ وقْتِها ( ﴿ فَأهْلَكَتْهُ ﴾ ) عَنْ آخِرِهِ ولَمْ تَدَعْ لَهُ عَيْنًا ولا أثَرًا عُقُوبَةً لَهم عَلى مَعاصِيهِمْ، وقِيلَ: تَأْدِيبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم في وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي هو حَقُّهُ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ الَّذِي تُوجَدُ فِيهِ الزُّبْدَةُ مِنَ الخُلاصَةِ والمَجْمُوعِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ ما يَلِي الأداةُ هو المُشَبَّهُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ ﴾ وإلّا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: كَمَثَلِ حَرْثٍ لِأنَّهُ المُشَبَّهُ بِهِ المُنْفَقُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِثْلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمِثْلِ إهْلاكِ رِيحٍ، أوْ مِثْلِ ما يُنْفِقُونَ كَمَهْلَكِ رِيحٍ، والمَهْلَكُ اسْمُ مَفْعُولٍ هو الحَرْثُ، والوَجْهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مُرَكَّبًا قِلَّةُ الجَدْوى والضَّياعُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ فَيُشَبَّهُ إهْلاكُ اللَّهِ تَعالى بِإهْلاكِ الرِّيحِ، والمُنْفَقِ بِالحَرْثِ، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهم هَباءً مَنثُورًا بِما في الرِّيحِ البارِدَةِ مِن جَعْلِهِ حُطامًا، وقُرِئَ - تُنْفِقُونَ - بِالتّاءِ.

﴿ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمُنْفِقِينَ أيْ ما ظَلَمَهم بِضَياعِ نَفَقاتِهِمُ الَّتِي أنْفَقُوها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ المُعْتَدِّ بِهِ، وإمّا لِلْقَوْمِ المَذْكُورِينَ أيْ ما ظَلَمَ اللَّهُ تَعالى أصْحابَ الحَرْثِ بِإهْلاكِهِ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا النَّفْيُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ ( 711 ) تَأْكِيدًا لِما فُهِمَ مِن قَبْلُ إشْعارًا وتَصْرِيحًا، وقُرِئَ ( ولَكِنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ أنْفُسَهُمُ اسْمُها، وجُمْلَةَ ( يَظْلِمُونَ ) خَبَرُها والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ يَظْلِمُونَها ولَيْسَ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا كَما في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ: وما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ ∗∗∗ ولَكِنْ مَن يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقُ وتَعَيَّنَ حَذْفُهُ فِيهِ لِمَكانِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي لا تَدْخُلُ عَلَيْها النَّواسِخُ، وتَقْدِيمُ ( أنْفُسَهم ) عَلى الفِعْلِ لِلْفاصِلَةِ لا لِلْحَصْرِ وإلّا لا يَتَطابَقُ الكَلامُ لِأنَّ مُقْتَضاهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ هم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم لا أنَّهم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم لا غَيْرَهم وهو في الحَصْرِ لازِمٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ قال مقاتل: ذكر قبل هذا مؤمني أهل الكتاب، ثم ذكر كفار أهل الكتاب، وهو قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ...

وأما الكلبي فقال: هذا ابتداء إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ كثرة أَمْوالُهُمْ وَلا كثرة أَوْلادُهُمْ مِنَ عذاب اللَّهِ شَيْئاً وقال الضحاك: يعني اليهود والنصارى، وجميع الكفار، وكل من خالف دين الإسلام، وذلك أنهم تفاخروا بالأموال والأولاد وَقَالُواْ: نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا وأولادا، وَمَا نَحْنُ بمعذَّبين، فأخبر الله تعالى أن أموالهم وأولادهم لا تغني عنهم من عذاب الله شيئا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.

َلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا قال الكلبي: يعني ما ينفقون في غير طاعة الله مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أي برد شديدصابَتْ الريح الباردةرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بمنع حق الله تعالى منه أَهْلَكَتْهُ يقول: أحرقته، فلم ينتفعوا منه بشيء، فكذلك نفقة من أنفق في غير طاعة الله، لا تنفعه في الآخرة، كما لا ينفع هذا الزرع في الدنيا.

وقال مقاتل: يعني نفقة السفلة على رؤساء اليهود.

وقال الضحاك: مثل نفقة الكفار من أموالهم في أعيادهم وعلى أضيافهم وما يعطي بعضهم بعضا على الضلالةمَثَلِ رِيحٍ الآية، ثم قال ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يعني أصحاب الزرع هم ظلموا أنفسهم بمنع حق الله تعالى، فكذلك الكفار أبطلوا ثواب أعمالهم بالشرك بالله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: رْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ...

الآية: مِنْ أَهْلِ العِلْم من يرى أنَّ كل مصائبِ الدنيا، فإنما هي بمعاصِي العبيدِ، وينتزع ذلك مِنْ غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله أنَّ كلَّ حرثٍ تحرقُهُ ريحٌ، فإنما هو لِمَنْ قد ظلم نفْسَه، والضميرُ في قوله: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ

للكفَّار الذين تقدَّم ضميرهم في نْفِقُونَ

، وليس هو للقوم ذوي الحرث.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطانَةً، أي: لا تتَّخذوا من الكفَّارِ، واليهودِ، والمنافقينَ أخلاَّء تأنَسُونَ بهم في الباطنِ، وتفاوضونهم في الآراء.

وقوله سبحانه: مِنْ دُونِكُمْ، يعني: مِنْ دُونِ المؤمنين.

وقوله سبحانه: لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبالًا: معناه: لا يقصِّرون لكم فيما فيه فسادٌ عليكم، تقُول: ما أَلَوْتُ فِي كَذَا، أيْ: ما قصَّرت، بل اجتهدت، والخبالُ: الفسادُ، قال ابن عبَّاس: كان رجالٌ من المؤمنين يواصِلُون رجالاً من اليهودِ للْحِلْفِ والجِوَارِ الذي كان بَيْنهم في الجاهليَّة، فنزلَتِ الآية في ذلك «١» ، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً، وقتادة، والرَّبِيع، والسُّدِّيُّ:

نزلَتْ في المنافقين «٢» .

قال ع «٣» : ويدخُلُ في هذه الآية استكتاب أهل الذِّمَّة، وتصريفُهم في البَيْع والشِّراء، ونَحْو ذلك، و «ما» في قوله: مَا عَنِتُّمْ: مصدريةٌ، فالمعنى: وَدُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المشقَّة والمكروه يلقاه المرءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ، أي: شاقَّة.

قال ص: قال الزجَّاج «٤» : عَنَتَكُمْ، أي: مشقَّتَكُم، وقال ابنُ جرير «٥» : ضلالكم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن أُنْزِلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في نَفَقاتِ الكُفّارِ، وصَدَقاتِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: في نَفَقَةِ سَفَلَةِ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.

والرّابِعُ: في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ إذا خَرَجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ لِحَرْبِ المُشْرِكِينَ، ذَكَرَ هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ أبُو الحَسَنِ الماوَرْدِيُّ.

وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما ضَرَبَ الإنْفاقَ مَثَلًا لِأعْمالِهِمْ في شِرْكِهِمْ.

وفي الصِّرِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ البَرْدُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ النّارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وُصِفَتِ النّارُ بِأنَّها صِرٌّ لِتَصْوِيتِها عِنْدَ الِالتِهابِ.

والثّالِثُ: أنَّ الصِّرَّ: التَّصْوِيتُ، والحَرَكَةُ مِنَ الحَصى والحِجارَةِ، ومِنهُ: صَرِيرُ النَّعْلِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والحَرْثُ: الزَّرْعُ.

وفي مَعْنى "ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ظَلَمُوها بِالكُفْرِ، والمَعاصِي، ومَنَعَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: بِأنْ زَرَعُوا في غَيْرِ وقْتِ الزَّرْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: ما نَقَصَهم ذَلِكَ بِغَيْرِ جُرْمٍ أصابُوهُ، وإنَّما أنْزَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِمَنعِ حَقِّ اللَّهِ مِنهُ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِإبْطالِ أعْمالِهِمْ في الآَخِرَةِ وحَدَّثَنا عَنْ ثَعْلَبٍ، قالَ: بَدَأ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآَيَةَ بِالرِّيحِ، والمَعْنى: عَلى الحَرْثِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ ﴾ وإنَّما المَعْنى عَلى المَنعُوقِ بِهِ.

وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ﴾ فَخَبَّرَ عَنِ "الأزْواجِ" وتَرَكَ "الَّذِينَ" كَأنَّهُ قالَ: أزْواجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم يَتَرَبَّصْنَ، فَبَدَأ بِالَّذِينِ، ومُرادُهُ: بَعْدَ الأزْواجِ.

وأنْشَدَ: لَعَلِّي إنْ مالَتْ بِي الرِّيحُ مَيْلَةً عَلى ابْنِ أبِي دَيّانَ أنْ يَتَنَدَّما فَخَبَّرَ عَنِ ابْنِ أبِي دَيّانَ، وتَرَكَ نَفْسَهُ، وإنَّما أرادَ: لَعَلَّ ابْنَ أبِي دَيّانَ أنْ يَتَنَدَّما إنْ مالَتْ بِي الرِّيحُ مَيْلَةً.

وقَدْ يَبْدَأُ بِالشَّيْءِ، والمُرادُ التَّأْخِيرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ  ﴾ والمَعْنى: تَرى وُجُوهَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ مُسَوَّدَةً يَوْمَ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ: "تَفْعَلُوا" و"تُكْفَرُوهُ" بِالتاءِ، عَلى مُخاطَبَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى مُشابَهَةِ ما تَقَدَّمَ مِن: "يَتْلُونَ" و"يُؤْمِنُونَ"، وما بَعْدَهُما، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ بِالوَجْهَيْنِ.

و"تُكْفَرُوهُ" مَعْناهُ: يُغَطّى دُونَكم فَلا تُثابُونَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ  : « "وَمَن أزَلْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيَذْكُرْها فَإنْ ذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ كَفَرَها"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ........................

والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذا الصِنْفِ الصالِحِ بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وخَصَّ اللهُ تَعالى الأمْوالَ والأولادَ بِالذِكْرِ لِوُجُوهٍ:.

مِنها أنَّها زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا وعُظْمُ ما تَجْرِي إلَيْهِ الآمالُ، ومِنها أنَّها ألْصَقُ النُصْرَةِ بِالإنْسانِ وأيْسَرُها، ومِنها أنَّ الكُفّارَ المُكَذِّبِينَ بِالآخِرَةِ لا هِمَّةَ لَهم إلّا فِيها وهي عِنْدَهم غايَةُ المَرْءِ وبِها كانُوا يَفْخَرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ اللهُ أنَّ هَذَيْنِ اللَذَيْنِ هُما بِهَذِهِ الأوصافِ؛ لا غَناءَ فِيهِما مِن عِقابِ اللهِ في الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُغْنِ هَذِهِ فَغَيْرُها مِنَ الأُمُورِ البَعِيدَةِ أحْرى ألّا يُغْنِيَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْحابُ النارِ ﴾ إضافَةُ تَخْصِيصٍ ما تَقْتَضِي ثُبُوتَ ذَلِكَ لَهم ودَوامَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ....

الآيَةُ، مَعْناهُ: المِثالُ القائِمُ في النُفُوسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النُفُوسِ مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ فِيها صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ الآخَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما، ولَيْسَ الَّذِي يُوازِي المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإيجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً  ﴾ .

وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الأعْرَجُ "تُنْفِقُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"مَثَلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في مَحْذُوفٍ بِهِ تَتَعَلَّقُ الكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ"، و"ما"، بِمَعْنى الَّذِي، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ الأمْوالُ الَّتِي كانُوا يُنْفِقُونَها في التَحَنُّثِ وفي عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ  ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم قُرْبَةً، وقالَ السُدِّيُّ: "يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ: مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ، والآيَةُ إنَّما هي في كُفّارٍ يُعْلِنُونَ مِثْلَ ما يُبْطِنُونَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، أيْ هي كالرِيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ، فَتُبْطِلُ كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ ونَحْوِهِ، كَما تُبْطِلُ الرِيحُ الزَرْعَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ.

والصِرُّ: البَرْدُ الشَدِيدُ المُحْرِقُ لِكُلِّ ما يَهُبُّ عَلَيْهِ، وهو مَعْرُوفٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الصِرُّ البَرْدُ، وتُسَمِّيهِ العَرَبُ: الضَرِيبَ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ التَصْوِيتِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَيْءُ، ومِنهُ الرِيحُ الصَرْصَرُ، قالَ الزَجّاجُ: فالصِرُّ صَوْتُ النارِ الَّتِي في الرِيحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الصِرُّ: هو نَفَسُ جَهَنَّمَ الَّذِي في الزَمْهَرِيرِ يُحْرِقُ نَحْوًا مِمّا تُحْرِقُ النارُ.

والحَرْثُ: شامِلٌ لِلزَّرْعِ والثِمارِ، لِأنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَصْدُرُ عن إثارَةِ الأرْضِ وهي حَقِيقَةُ الحَرْثِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لا زَكاةَ إلّا في عَيْنٍ أو حَرْثٍ أو ماشِيَةٍ".» وقالَ عَزَّ وجَلَّ: "ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" فَما بالُ هَذا التَخْصِيصِ والمَثَلُ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الحَرْثُ لِمَن لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟

فالجَوابُ أنَّ ظُلْمَ النَفْسِ في هَذِهِ الآيَةِ تَأوَّلَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهُ ظُلْمٌ بِمَعاصِي اللهِ، فَعَلى هَذا وقَعَ التَشْبِيهُ بِحَرْثِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، إذْ عُقُوبَتُهُ أرْجى، وأخْذَةُ اللهِ لَهُ أشَدُّ، والنِقْمَةُ إلَيْهِ أسْرَعُ وفِيهِ أقْوى، كَما رُوِيَ: "فِي جَوْفِ العِيرِ" وغَيْرُهُ.

وأيْضًا فَمِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَرى أنَّ كُلَّ مَصائِبِ الدُنْيا فَإنَّما هي بِمَعاصِي العَبِيدِ، ويَنْتَزِعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ حَرْثٍ تُحْرِقُهُ رِيحٌ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.

وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ ونَحا إلَيْهِ المَهْدَوِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِراعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ في هَذا: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أو هَيْئَةِ عَمَلٍ، ويَخُصُّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ لِأنَّ الحَرْقَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، وهَذا المَنزَعُ يُشْبِهُهُ مِن جِهَةٍ ما قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وسالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِيا ∗∗∗ نِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السَعَرْ فَخَصَّصَ الغَوِيَّ لِأنَّهُ يُلْقِي النارَ في النَخْلَةِ الخَضْراءِ الحَسَنَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ تُحْرَقَ، فَتُطْفِئُ النارُ عن نَفْسِها رُطُوبَتَها بَعْدَ أنْ تَتَشَذَّبَ وتَسْوَدَّ، فَيَجِيءُ الشَبَهُ حَسَنًا.

والرَشِيدُ لا يُضْرِمُ النارَ إلّا فِيما يَبِسَ واسْتَحَقَّ فَهو يَذْهَبُ ولا يَبْقى مِنهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ.

والضَمِيرُ في "ظَلَمَهُمُ" لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهم فِي: "يُنْفِقُونَ"، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ ولا لِيُبَيِّنَ ظُلْمَهُمْ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني لأن قوله: ﴿ لن تغني عنهم أموالهم...

﴾ الخ يثير سؤال سائل عن إنفاقهم الأموال في الخير من إغاثة الملهوف وإعطاء الديات في الصلح عن القتلى.

ضَرَبَ لأعمالهم المتعلّقة بالأموال مثلاً، فشبّه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهرُها، المخيِّببِ آخِرُها، حين يحبطها الكفر، بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته، تشبيه المعقول بالمحسوس.

ولمَّا كان التَّشبيه تمثيلياً لم يُتَوخ فيه مُوالاةُ ما شبّه به إنفاقهم لأداةِ التَّمثيل، فقيل: كمثل ريح، ولم يُقل: كمثل حَرْث قوم.

والكلام على الريح تقدّم عند قوله تعالى ﴿ إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ﴾ في سورة [البقرة: 164].

(والصّر: البرْد الشّديد المميت لكلّ زرع أو ورق يهبّ عليه فيتركه كالمحترق، ولم يعرف في كلام العرب إطلاق الصرّ على الرّيح الشّديد البرْد وإنَّما الصرّ اسم البرد.

وأمّا الصرصر فهو الرسح الشديدة وقد تكون باردة.

ومعنى الآية غني عن التأويل، وجوز في الكشاف} أن يكون الصرّ هنا اسماً للريح الباردة وجعله مرادف الصرصر.

وقد أقره الكاتبون عليه ولم يذكر هذا الاطلاق في الأساس ولا ذكره الراغب.

وفي قوله ﴿ فيها صرّ ﴾ إفادة شدّة برد هذه الريح، حتَّى كأنّ جنس الصر مظروف فيها، وهي تحمله إلى الحرث.

والحرث هنا مصدر بمعنى المفعول: أي محروثَ قوم أي أرضاً محروثة والمراد أصابت زرعَ حرث.

وتقدّم الكلام على معاني الحرث عند قوله تعالى ﴿ والأنعام والحرث ﴾ [آل عمران: 14] في أول السورة.

وقوله ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ إدماج في خلال التمثيل يكسب التمثيل تفظيعاً وتشويهاً وليس جُزءاً من الهيئة المشبّه بها.

وقد يذكر البلغاء مع المُشَبَّه به صفات لا يقصدون منها غير التحسين أو التقبيح كقول كعب بن زهير: شُجَّت بذي شبم من ماء مَحْنيَة *** صاففٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمول تنفي الرّياحُ القذى عنه وأفرطهُ *** من صَوْب سَارِيَةٍ بيض يعاليل فأجرى على الماء الذي هو جزء المشبّه به صفات لا أثر لها في التشبيه.

والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدّة، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة، وجيء بقوله ﴿ مثل ما ينفقون ﴾ غير معطوف على ما قبله لأنّه كالبيان لقوله ﴿ لن تغني عنهم أموالهم ﴾ .

وقوله ﴿ وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ﴾ الضمائر فيه عائدة على الذين كفروا.

والمعنى أنّ الله لم يظلمهم حين لم يتقبل نفقاتهم بل هم تسبّبوا في ذلك، إذ لم يؤمنوا لأن الإيمان جعله الله شرطاً في قبول الأعمال، فلما أعلمهم بذلك وأنذرهم لم يكن عقابه بعد ذلك ظلماً لهم، وفيه إيذان بأنّ الله لا يخالف وعده من نفي الظلم عن نفسه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّهُ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وجَماعَةٌ مَعَهُ، فَقالَتْ أحْبارُ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ ﴿ أُمَّةٌ قائِمَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: عادِلَةٌ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: قائِمَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: يَعْنِي ثابِتَةً عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ساعاتُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: جَوْفُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالتِّلاوَةِ في هَذا الوَقْتِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: صَلاةُ العَتَمَةِ، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: صَلاةُ المَغْرِبِ والعِشاءِ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.

﴿ وَهم يَسْجُدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي سُجُودَ الصَّلاةِ.

والثّانِي: يُرِيدُ الصَّلاةَ لِأنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ في السُّجُودِ ولا في الرُّكُوعِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، والفَرّاءِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ.

﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ عِنْدَ تَظاهُرِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في نَفَقَةِ المُنافِقِينَ مَعَ المُؤْمِنِينَ في حَرْبِ المُشْرِكِينَ عَلى جِهَةِ النِّفاقِ.

وَفي الصِّرِّ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: هو البَرْدُ الشَّدِيدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ صَوْتُ لَهَبِ النّارِ الَّتِي تَكُونُ في الرِّيحِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ الصِّرِّ صَوْتٌ مِنَ الصَّرِيرِ.

﴿ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنَّ ظُلْمَهُمُ اقْتَضى هَلاكَ زَرْعِهِمْ.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزَّرْعِ وفي غَيْرِ وقْتِهِ فَجاءَتْ رِيحٌ فَأهْلَكَتْهُ فَضَرَبَ اللَّهُ تَعالى هَذا مَثَلًا لِهَلاكِ نَفَقَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا ﴾ قال: مثل نفقة الكافر في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: مثل ما ينفق المشركون ولا يتقبل منهم، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون.

فأصابته ريح فيها صر فأهلكته، فكذلك أنفقوا فأهلكهم شركهم.

وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس ﴿ فيها صر ﴾ قال: برد شديد.

أخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ فيها صر ﴾ قال برد.

قال: فهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول نابغة بني ذبيان: لا يبردون إذا ما الأرض للها ** أصر الشتاء من الأمحال كالادم <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ الآية.

قال يَمَان (١)  .

وقال مقاتل (٢) (٣) وقال مجاهد (٤) الزجّاج (٥) ومعنى (المَثَل): الشَّبَهُ الذي يصير كالعَلَمِ؛ لكثرة استعماله فيما يُشَبَّه به (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ اختلفوا في (الصّر): فقال أكثر المفسرين، وأهل اللغة (٩) وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ومعنى الآية: أن إنفاقهم في الدنيا على عداوة الدين، أفسد عليهم أعمالَهم في الآخرة، كما أفسدت هذه الريحُ -التي فيها الصِّرُّ- الزرعَ الذي وقعت به [[قال ابن القيم: (هذا مثل ضربه الله -تعالى- لمن أنفق ماله في غير طاعته == ومرضاته، فشبَّه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر، وكسب الثناء، وحسن الذكر، لا يبتغون به وجه [الآخرة]، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله -عليهم الصلاة والسلام-، بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابه ريح شديدة البرد جدًا، يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار، فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته).

أمثال القرآن: 52.]].

وقال الزّجاج (١٥) (١٦) وقال ابن عباس (١٧) (١٨) وإلى قريبٍ من هذا القول ذهب ابنُ كيسان، وابن الأنباري (١٩) (٢٠) (٢١) قال ابن الأنباري (٢٢) (٢٣) قال الزجاج (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ ﴾ (٢٩) فَعُجْنَا على رَبْعٍ بِرَبْعٍ تَعُودُهُ ...

مِنْ الصَّيفِ جَشَّاءُ الحَنِينِ نَؤُوجُ (٣٠) ﴿ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ أي: سَمُوم؛ كالنار أحرقت الزرع، أو نارٌ لها صوت (٣١) وروى ابن الأنباري -بإسناده- عن السُّدِّيّ، عن أبي مالك (٣٢) ﴿ فِيهَا صِرٌّ ﴾ ، قال: فيها نار (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ قال ابن عباس (٣٤) (٣٥) ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ﴾ لأنَّ كلَّ ما فعله بخلقه فهو منه عدلٌ، ومَن تَصَرَّف في حقيقة مُلْكِهِ، لا يُوصَفُ تصرفُهُ بأنه ظلم.

﴿ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ لأنَّ الإنسان -بالكفر والعصيان- هو الذي يَظلِمُ نفْسَه.

قال أهل المعاني: وفي هذا حسرة شديدة لهؤلاء المنفقين، ومصيبة عظيمة؛ لأنهم رجوا (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (١) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 103 ب، وقد أورد الماوردي هذا القول في "النكت والعيون" 1/ 418 ولم يعزه لقائل.

(٢) قوله في "تفسيره" 1/ 296، "تفسير بحر العلوم" 2/ 135، "الثعلبي" 3/ 103 ب.

(٣) بيَّن مقاتل أن نفقة سفلة اليهود على علمائهم، يبتغون بها الآخرة، ثم أردف مقاتل قائلًا: (فكذلك أهلك الله نفقات سفلة اليهود ومنهم كفار مكة التي أرادوا بها الآخرة، فلم تنفعهم نفقاتهم).

"تفسيره" 297.

(٤) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 59، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 741، وتفسير مسلم بن خالد الزنجي: 77 (ضمن الجزء الذي فيه تفسير القرآن ليحيى بن اليمان وغيره == رواية أبي جعفر الرملي).

وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 117 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.

(٥) في "معاني القرآن" له: 1/ 461.

(٦) انظر: (مثل) في "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 759، "اللسان" 7/ 4132.

وانظر الوجوه المختلفة لكلمة (مثل) في القرآن، في "التصاريف" 253، "الوجوه والنظائر" في القرآن، د.

القرعاوي: 588.

(٧) وذلك أن الظاهر -هنا-: تشبيه الشيء المُنفَق بالريح، وفي ذلك إشكال؛ لأنه ليس هو المقصود من معنى المثل هنا، لذا لزم التقدير.

(٨) وقيل: هو من باب التشبيه المركب، شبَّه هيئة حاصلة من أشياء، بهيئة أخرى.

وبه قال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 457.

وقيل: هو من باب التشبيه بين شيئين وشيئين، فذكر الله أحد الشيئين المشبَّهين وترك الآخر، وذكر أحد الشيئين المشبَّه بهما -وليس هو مما يقابل المذكور الأول- وترك ذكر الآخر، ودلَّ المذكوران على المتروكَيْنِ.

وبه قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 281 وقال: (وهذا غاية البلاغة والإعجاز).

وانظر: "البحر المحيط" 3/ 37، "الدر المصون" 3/ 358 - 359.

قال ناصر الدين بن المنير: (أصل الكلام-والله أعلم-: مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل حرث قوم ظلموا أنفسهم، فأصابته ريح فيها صِرٌّ فأهلكته، ولكن خولف هذا النظم في المثل المذكور؛ لفائدة جليلة، وهو: تقديم ما هو أهم؛ لأن الريح التي هي مثل العذاب، ذِكْرها في سياق الوعيد والتهديد أهم من ذكر الحرث، فقدمت عناية بذكرها، واعتمادًا على أن الأفهام الصحيحة تستخرج المطابقة بردِّ الكلام إلى أصله على أيسر وجه ..).

الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال (مطبوع مع "الكشاف" (1/ 458).

(٩) (أهل اللغة) ساقط من: (ج).

(١٠) لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه من طريق عطاء، ولكن ورد عنه ذلك من طرق أخرى أخرجها الطبري 4/ 59، وابن أبي حاتم 3/ 741، وذكر هذا القول عنه الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 418، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 117 وزاد نسبة إخراجه لسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

(١١) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 59، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 741، "النكت والعيون" 1/ 418.

(١٢) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 59، "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 741.

(١٣) قوله في المراجع السابقة، "النكت والعيون" 1/ 418.

(١٤) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 60، ونصه: (قال: (صر): باردة، أهلكت حرثهم، وقال: والعرب تدعوها (الضريب)، تأتي الريح باردة فتصبح ضريبا قد أحرق الزرع).

و (الضريب) هنا معناها: الثلج والجليد والصقيع.

انظر: "القاموس" ص 107 (ضرب).

وممن فسر (الصر) بـ (الريح الباردة): أبو عبيدة، وأبو عبيد بن سلام، وابن السكيت، والمبرد، والطبري، والزجاج، والنحاس.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 102، "غريب الحديث" لأبي عبيد: 4/ 472، "إصلاح المنطق" 21، "الكامل" للمبرد: 1/ 25، "تفسير الطبري" 4/ 60، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 461، "معاني القرآن" للنحاس: 1/ 464.

(١٥) في: "معاني القرآن"، له 1/ 461.

نقله بنصه.

(١٦) في "معاني القرآن": في.

(١٧) لم أقف على مصدر قوله.

وقد أورده البغوي 2/ 94، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 444.

وذكر هذا القول عنه: ابن القيم في "أمثال القرآن": 53، وابن كثير في: "تفسيره": 1/ 427.

(١٨) في (ج): (تقبل).

والسَّمُوم: ريح حارَّة تكون غالبًا في النهار.

والجمع: سمائم.

انظر: "القاموس": ص 1124 (سمم).

(١٩) لم أقف على مصدر قوليهما.

وفي تفسير الفخر الرازي: (الصِّر: هو السموم الحارة، والنار التي تغلي، وهو اختيار أبي بكر الأصم، وأبي بكر بن الأنباري) 8/ 213.

ثم ذكر بقية قول ابن الأنباري الآتي.

(٢٠) من (أ) وفي باقي النسخ: (فقال).

(٢١) أخرج عنه ذلك ابن أبي حاتم في: "تفسيره": 3/ 741 قائلًا: (وروي عن مجاهد في إحدى الروايات نحو ذلك)؛ أي: نحو قول ابن عباس في تفسير (الصِّرِّ) == بـ (النار)، ولم يُبَيِّن ابنُ أبي حاتم السندَ إلى مجاهد.

وابنُ أبي نَجِيح، هو: أبو يَسَار، عبد الله، بن أبي نجيح - (يسار) -، المَكِّي، الثقفي بالولاء.

من الأئمة الثقات، إلا أنه رُمي بالقدر والاعتزال، وربَّما دَلَّس.

قال ابن تيمية: (تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، من أصح التفاسير، وليس بأيدي أهل التفسير كتاب في التفسير، أصح من تفسير ابن أبي نجيح عن مجاهد، إلا أن يكون نظيره في الصحة)، مات (131 هـ)، وقيل: بعدها.

انظر: "تفسير سورة الإخلاص"، لابن تيمية: 201، و"ميزان الاعتدال": 3/ 229، و"تقريب التهذيب": ص 326 (3662).

(٢٢) لم أقف على مصدره.

وقد أورد قوله هذا ابن الجوزي في: الزاد: 1/ 445، وابن القيم في: أمثال القرآن: 53، والفخر الرازي في: "تفسيره": 8/ 213.

وكذا نقل صاحب "اللسان" هذا المعنى، فقال: (وقال ابن الأنباري في قوله -تعالى-: ﴿ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ ، قال: فيها ثلاثة أقوال: أحدها: فيها برد، والثاني: فيها تصويت وحركة، وروي عن ابن عباس قوله آخر: ﴿ فِيهَا صِرٌّ ﴾ ، قال: فيها نار) 4/ 2429 (صرر).

(٢٣) في "زاد المسير"، و"تفسير الفخر الرازي" لتصويتها.

وورد في "أمثال القرآن" لابن القيم: (لتصريتها) -كما هي عند المؤلف-.

(٢٤) في: "معاني القرآن"، له: 1/ 461.

(٢٥) ونص عبارة الزجاج: (وجعل فيها صِر؛ أي: صوت، وهذا يخرج في اللغة، وإنما جعل فيها صوتًا؛ لأنه جعل فيها نارًا، كأنها نار أحرقت الزرع.

فالصر -على هذا القول-: صوت لهيب النار، وهذا كله غير ممتنع).

(٢٦) الأخطب: من نوع الطيور، قيل: هو الشِّقِرَّاق، وهو طائرٌ مُرَقَّط، وقيل: هو الصُّرَد.

وسُمِّيا بذلك، لأن فيهما سوادًا وبياضًا.

انظر: "تاج العروس": 1/ 469 (خطب).

(٢٧) تقول العرب: (صَرَّ الجُنْدبُ صَرِيرًا)، و (صرصر الأخطبُ صَرْصَرَةً)، و (صَرَّ البابُ يَصِرُّ).

(وكل صوت شِبْه ذلك فهو صرير؛ إذا امتد، فإذا كان فيه تخفيف وترجيع في إعادة ضُوعِف).

"العين": 7/ 82 (صرّ)، وانظر: "الصحاح":712 (صرر).

(٢٨) انظر: "اللسان": 4/ 2429 (صرر).

(٢٩) تفسير (الصرَّة) بـ (الصيحة) هو ما عليه أكثر أهل التفسير.

انظر: "تفسير الطبري" 26/ 209، و"العمدة في غريب القرآن" لمكي 282، و"تفسير أبي المسعود" 8/ 140، و"الدر المنثور": 2/ 117.

وقال السمين الحلبي في تفسيرها: (قيل: جماعة من النساء.

سميت صرة؛ لانضمام بعضها إلى بعض، كأنهم جُمِعوا وصُرُّوا في وعاء واحد ..).

"عمدة الحفاظ" 292 (صرر)، ثم ذكر المعنى الآخر.

وما ذكره الحلبي صحيح من ناحية اللغة.

انظر هذا المعنى في: "الصحاح": 2/ 170 (صرر)، و"اللسان": 4/ 2429.

(٣٠) البيت في: ديوانه: 22.

وورد منسوبًا له في: "تهذيب اللغة": 2/ 1347 (ربع)، و"اللسان": 3/ 1563.

وروايته في الديوان: فعجنا على رَسْمٍ بربْعٍ تَجُرُّهُ وفي "اللسان": (تُؤَرِّجُ) بدلًا من: (نَؤُوُج).

وقوله: (فعُجْنا)، من (عاج بالمكان، وعاج عليه، عَوْجًا)؛ أي: عَطَفَ عليه، ومالَ، وألَمَّ به، ومرَّ عليه.

والرَّبْع: هو المنزل، وأهل المنزل.

والرَّبع الثاني الذي ذكره في البيت، يريد به: طَرَف الجَبَل.

== وقوله: (جشَّاء الحنين): (الأجش): الغليظ الصوت، والمؤنث: (جَشَّاء)؛ أي: لها صوت أجش.

يقال للريح التي لها حنين يشبه حنين الإبل: (الحَنُون).

وقوله: (نؤوج) من (نَأجَ، ينأجُ، نأجًا) وهو من الإنسان أحزن ما يكون من الدعاء وأضرعه وأخشعه.

و (النَّأج، والنئيج)، بمعنى: الصوت والسرعة، ويقال عن الريح: (نَأجَتْ، تَنْأجُ، نَئِيجًا): تحركت، فهي (ريح نؤوج)، و (لها نَئيج)؛ أي: مَرٌّ سريع مع صوت.

انظر: "تهذيب اللغة": 2/ 1347 (ربع)، و"اللسان": 5/ 3156 (عوج)، 7/ 4312 (نأج)، 2/ 1029 (حنن)، 2/ 628 (جشش).

(٣١) قال ابن القيم: (وأقوال الثلاثة متلازمة، فهو برد شديد محرق بِيبُسْه للحرث، كما تحرق النار، وفيه صوت شديد).

"أمثال القرآن": 53.

وانظر: "تفسير ابن كثير": 1/ 427.

(٣٢) هو: غَزْوان الغِفاري الكوفي، مشهور بكنيته (أبي مالك).

ثقة، عده ابن حجر من الطبقة الوسطى من التابعين، توفي بعد المائة.

انظر: "الجرح والتعديل": 7/ 55، و"التقريب": ص 442 (5354).

(٣٣) وقد أخرج هذا القول عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره": 3/ 741 من رواية عنترة بن عبد الرحمن الكوفي عنه.

(٣٤) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٥) منهم السدي، وهو ما يفهم من قوله في الآية: (فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شركهم).

"تفسير الطبري": 4/ 60.

و"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 742.

وهو قول الطبري في "تفسيره".

وهو قول الكلبي.

انظر: "بحر العلوم" 2/ 135، وقول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 103 ب.

(٣٦) في (أ)، (ب): ربحوا.

ولا وجه لها.

والمثبت من: ج؛ نظرًا لمناسبته لما بعده من قوله: (كما رجا أصحاب الزرع ..)، ولمناسبته للمعنى المراد.

وقد وردت هذه الكلمة في: "تفسير الطبري": 4/ 60 عند تفسير هذه الآية.

(٣٧) في (ب): (المضرة).

(٣٨) في (ج): (فضربتها).

(٣٩) انظر معنى هذا القول في: "تفسير الطبري" 4/ 60.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ ﴾ الآية: تشبيه لنفقة الكافرين بزرع أهلكته ريح باردة، فلن ينتفع به أصحابه.

فكذلك لا ينتفع الكفار بما ينفقون.

وفي الكلام حذف تقديره: مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، وإنما احتيج لهذا لأن ما ينفقون ليس تشبيهاً بالريح، إنما هو تشبيه بالزرع الذي أهلكته الريح ﴿ صِرٌّ ﴾ أي برد ﴿ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي عصوا الله فعاقبهم بإهلاك حرثهم ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ﴾ الضمير للكفار، أو المنافقين، أو لأصحاب الحرث، والأول أرجح، لأن قوله أنفسهم يظلمون فعل حال يدل على أنه للحاضرين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويسارعون ﴾ وبابه كـ ﴿ سارعوا  ﴾ و ﴿ نسارع ﴾ \[المؤمنون:56\] ممالة: قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس.

﴿ ما يفعلوا ﴾ ﴿ فلن يكفروه ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ تسؤهم ﴾ وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية، والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ لا يضركم ﴾ من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع.

وقرأ المفضل ﴿ لا يضركم ﴾ بالفتح الباقون: ﴿ لا يضركم ﴾ بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع ﴿ تعملون محيط ﴾ بتاء الخطاب: سهل.

الباقون: بياء الغيبة.

الوقوف: ﴿ المسكنة ﴾ ط ﴿ بغير حق ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير ﴿ ليسوا ﴾ يعود إلى ما يعود إليه ضمير ﴿ منهم المؤمنون ﴾ لبيان الفضل بين الفريقين، والذين / عصوا واعتدوا أحد الفريقين ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يسجدون ﴾ ه قيل: لا وقف على جعل ﴿ يؤمنون ﴾ حالاً لضمير ﴿ يسجدون ﴾ ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ يكفروه ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ 5 ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ فأهلكته ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ج ﴿ خبالاً ﴾ ط ﴿ ما عنتم ﴾ ج لاحتمال كون قد بدت حالا ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم ﴿ آمنا ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق ﴿ من الغيظ ﴾ ط ﴿ يغيظكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تسؤهم ﴾ ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم.

﴿ يفرحوا بها ﴾ ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي.

والمعنى ضربت عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم ﴿ بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة بقبول الجزية، فحينئذٍ يكون دمهم محقوناً ومالهم مصوناً وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة.

فعلى هذا يكون الواو بمعنى "أو".

وقيل: ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص بالاجتهاد.

وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظراً إلى المعنى لأن ضرب الذلة عليهم معناه لا تنفك عنهم ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ قيل: إنه من قولك "تبوأ فلان منزل كذا" والمعنى مكثوا في غضب الله.

وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا بالغضب.

﴿ وضربت عليهم المسكنة ﴾ عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت بالذكر بعد الاستثناء ليعلم أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة.

وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة.

وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه  قال في هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء ﴿ الأنبياء بغير حق ﴾ لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما.

ثم تدرج إلى ما هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن / تقتل النفس به وهو قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق  ﴾ ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم.

﴿ لسوا سواء ﴾ كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان.

قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً.

قال أبو ذؤيب: عاني إليها القلب إني لأمرها *** مطيع فما أدري أرشد طلابها؟

أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده.

وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي.

فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك.

وقيل: وهو اختيار أبي عبيدة أن ﴿ أمة ﴾ مرفوعة بـ ﴿ ليس ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث.

أو هو بدل من الضمير على نحو ﴿ أسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة.

وفي تفسير أهل الكتاب قولان: الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى.

قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت.

وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد  الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم.

عن ابن مسعود قال: "أخر رسول الله  ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم" .

وفي رواية: "فبشر  أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات" ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ قال القفال رحمه الله : لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب.

فقيل: ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد  فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا.

ولا يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد  فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله  أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان؟

فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله: ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ كقوله: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون  ﴾ ثم إنه  مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها / قائمة.

قيل: أي في الصلاة.

وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة.

وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: "أقمت العود فقام" بمعنى استقام.

وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية.

وقوله: ﴿ قائماً بالقسط  ﴾ دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ الصفة الثانية: ﴿ يتلون ﴾ أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل.

فالتلاوة القراءة.

وأصل الكلمة الإتباع.

فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن.

وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها.

وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل "معاً" و "أني" و"أنوا" مثل "نحى" و"تلو".

الصفة الثالثة: ﴿ وهم يسجدون ﴾ يحتمل أن يكون حالاً من ﴿ يتلون ﴾ كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي  : " "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً" يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله: ﴿ يبيتون لربهم سجداً وقياماً  ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون.

والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض  ﴾ وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً.

الصفة الرابعة: ﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية.

وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد.

ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم واعتقاداتهم الفاسدة.

الخامسة والسادسة: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي.

وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين.

وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.

الصفة السابعة ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.وما روي أنه  قال: " "العجلة من الشيطان " مخصوص بهذه الآية.

على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالاً، كيف لا والأمور متفاوتة.

منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه خلاف وضعه / فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل.

ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب.

قال  : " اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " الصفة الثامنة: ﴿ أولئك من الصالحين ﴾ وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله  فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود.

ثم شرط للأمة الموصوفة بل بجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم ألبتة تأكيداً للإخبار عنهم بقوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ فقال: ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه.

فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها.

وسمى منع الجزاء كفراً كما سمى إيصال الثواب شكراً في قوله: ﴿ فإن الله شاكر عليم  ﴾ ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهاً على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟!

ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

وقد سبق تفسير مثله من أول السورة.

ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوده الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله: ﴿ مثل ما ينفقون ﴾ الآية.

قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد.

وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.

وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث.

وعلى هذا فمعنى الآية: كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر.

وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفة محذوفاً بمعنى فيها قرّة صر كما تقول: برد بارد على المبالغة، أو تكون "في" تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسداً أي أنت أسد، وإن ضيعني فلان ففي الله كافٍ وكافل.

وقيل: الصر السموم الحارة.

وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﴿ فيها صر ﴾ قال: فيها نار.

وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان برداً مهلكاً أو حرّاً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث فيصح التشبية.

وهذا في التشبية المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة.

ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث.

والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: ﴿ في هذه الحياة / الدنيا ﴾ فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاماً.

وقيل: مثل ما ينفقون يعني أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله  وفي جمع العساكر عليه  في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلاً للحرث.

والظاهر أن الضمير في ﴿ ينفقون ﴾ عائد إلى جميع الكفار.

وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيراً كثيراً في المعاد، لكنهم إذا قدمواالآخرة رأوا كفرهم مبطلاً لآثار تلك الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كبيراً فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف.

ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيراً وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول  وفي تخريب ديار المسلمين.

ولا يبعد أيضاً تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالاً كثيرة في تجهيز الجيوش والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم وأظهر الله الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة.

وقيل: المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة كقوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ والمراد جميع الانتفاعات.

أما فائدة قوله: ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ وعدم الاقتصار على قوله: ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولاعثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة.

فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظالم ههنا وضع الزرع في غير موضعه.

فإن من زرع لا في موضعه وفي غير أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعاً.

والضمير في ﴿ وما ظلمهم ﴾ للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما ستحقوا به العقوبة.

ثم إنه تعالى لما بالغ في شرح احوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين.

قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواطؤن رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي / إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له.

الواحد شقر وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة، نهاهم عن مودة كل كافر لأن قوله: ﴿ بطانة ﴾ نكرة في سياق النفي.

وقوله: ﴿ من دونكم ﴾ يؤكد ذلك.

وهو إما أن يتعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ ويكون صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو النهي عن اتخاذ البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى.

و"من" للتبيين وقيل: زائدة.

ثم ذكر علة النهي فقال: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: "لا آلوك نصحاً أو جهداً" على التضمين أي لا أمنعك نصحاً.

والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ومخبل ناقص العقل فاسدة.

وقيل: خبالاً نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال.

والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم.

﴿ ودّوا ما عنتم ﴾ أي عنتكم على أن "ما" مصدرية.

والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه قد أعنته.

والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.

والحاصل من الجمليتن أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم ﴿ قد بدت البغضاء ﴾ هي شدة البغض كالضراء شدة الضر.

والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط.

فحذفت الهاء تخفيفاً وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.

وظهور البغضاء من اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي  والكتاب.

وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته.

وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك.

﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير متناهية.

ثم بيّن أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: ﴿ قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ من أهل العقول.

وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدوّ والولي.

ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالاً وادّين عنتكم بادية بغضاؤهم.

وأما ﴿ قد بينا ﴾ فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة، فقيل: لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟

فقيل: لأنهم يودون عنتكم.

ثم قيل: وما آية / ودادة العنت؟

فقيل: قد بدت والله أعلم.

أما كون هذا التقدير أحسن فلأن الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف ههنا، وأما كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد.

ثم استأنف للتحذير نمطاً آخر من البيان مشتملاً على التوبيخ فقال: ﴿ ها أنتم أولاء ﴾ الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان الخطأ وهو قوله: ﴿ تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر.

والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية.

ثم ذكر سبباً آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ وأضمر قرينه وهو "وهم لا يؤمنون به" لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر غالباً.

والمراد بالكتاب الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس".

وفي الكشاف: إن الواو في ﴿ وتؤمنون ﴾ للحال، واللام في ﴿ الكتاب ﴾ للعهد أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله.

وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب منكم في حقكم.

ثم ذكر مضادة أخرى فقال: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ أحدثنا الدخول في الإيمان ﴿ وأذا خلوا عضوا ﴾ ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيراً ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم ﴿ قل موتو بغيظكم ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ذلهم وخزيهم.

والحاصل أنه أمر النبي  أن يخبرهم بأن الله  أتاح أن يظهر دين الإسلام علىالأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان هذا سبباً لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ.

ثم إن قوله: ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه.

إن كان داخلاً في جمل المقول، فمعناه أخبرهم بما يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى / مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها.

وإن كان خارجاً فالمعنى قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلاً.

ويجوز أن لا يكون أمراً بالقول لفظاً بل يراد حدّث نفسك بأنهم سيهلكون غيظاً وحسداً، فيكون أمراً للرسول بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره.

ثم ذكر نوعاً آخر من مضادتهم ومعاداتهم فقال: ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء ﴿ تسؤهم ﴾ ساءه يسوءه نقيض سره يسره ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ ضد من أضداد ما عددنا.

﴿ يفرحوا بها ﴾ ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحداً.

وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد *** إلا أن يكون ثمة غاية الحقد.

وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في ﴿ حسنة ﴾ للتقليل وفي ﴿ سيئة ﴾ للتعظيم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على عداوتهم ﴿ وتتقوا ﴾ ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على أوامر الله  وتتقوا محارمه ﴿ لا يضركم كيدهم ﴾ وهو احتيال الإنسان لإيقاع غيره في مكروه.

وقال ابن عباس: هو العداوة.

﴿ شيئاً ﴾ من الضرر بل كنتم في كنف الله وحفظه.

وفيه إرشاد من الله  إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له.

وفي كلام الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.

وقال بعضهم: إذا ما شئت إرغام الأعادي *** بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى *** على الأعداء من نوب الزمان ﴿ إن الله بما تعملون ﴾ في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى.

﴿ محيط ﴾ فيجازي كل أحد بما هو أهله.

التأويل: ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي  وسيرته.

ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم.

ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون.

فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً.

ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله: ﴿ مثل ما / ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ﴾ هي هواء الهوى ﴿ فيها صر ﴾ الشهوة ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ هو الحرث الروحاني ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ بإبطال الاستعداد الإنساني.

ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ﴾ لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ﴿ ودّوا ﴾ من نعيم الدنيا ومشتهياتها ﴿ ما عنتم ﴾ ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاستيم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ اعتراضاتهم الفاسدة ﴿ وما تخفي صدورهم ﴾ الحاسدة من الغل والحقد ﴿ أكبر ﴾ ﴿ تحبونهم ﴾ محبة الرحمة والشفقة ﴿ ولا يحبونكم ﴾ لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ﴿ ويؤتون بالكتاب كله ﴾ بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد.

﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ كرامة من الله وقبول من الخلق.

سيئة إنكار من الجهال وطعن.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ : قال الشيخ - رحمه الله -: فهو - والله أعلم - أن بمثله يكون التناصر في الدُّنيا، لكن الذي كان فيها لا ينفع في الآخرة، بل يكون كما قال الله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ...

﴾ الآية [عبس: 34]، ثم لا مال له، ثم ولا لو كان فينفع؛ وذلك أنهم ظنوا أن كثرة الأموال والأولاد تمنعهم من عذاب الله؛ كقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ، فأخبر الله - عز وجلّ -: أن كثرة الأموال والأولاد لا تغني عنهم من عذاب الله شيئاً.

وقوله: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : ضرب مثل نفقة الكفار التي أنفقوها بريح فيها صر أصابت حرث قوم، وذلك - والله أعلم - أنهم كانوا ينفقون ويعملون جميع الأعمال: من عبادة الأصنام والأوثان، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ظنوا أن تلك الأعمال والنفقات التي أنفقوها في صد الناس - تنفعهم في الآخرة، وتقربهم إلى الله، فأخبر أنها لا تنفع، فكان كالريح التي فيها صرّ وبرد، ظنوا أن فيها رحمة، وشيئاً ينفع زروعهم، وينمو بها، فإذا فيها نار أحرقت حرثهم؛ كما طمعوا من أعمالهم ونفقاتهم التي في الدنيا - بالآخرة؛ قربة وزلفة إليه، فإذا هي مهلكة لأبدانهم؛ كالريح التي فيها صرّ كانت مهلكة؛ محرقة لزورعهم وحرثهم، والله أعلم.

والصرّ: هو البرد الشديد.

وقيل: الصر: الصوت؛ كقوله: ﴿ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا  ﴾ .

قيل: هي الصوت.

قيل: مثل ما ينفقون في الصدّ عن سبيل الله، وفي قتال رسول الله  ؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 36]، أي: يتأسفون على ما أنفقوا تأسف صاحب الزرع على ما كان أنفق فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ : والظلم: ما ذكرنا: هو وضع الشيء في غير موضعه، فهو - والله أعلم - قال: هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لا أن وضع الله أنفسهم ذلك الموضع؛ لأنهم عبدوا غير الله، ولم يجعلوا أنفسهم خالصين سالمين لله، فهم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث أسلموها لغير الله، وعبدوا دونه، فذلك وضعها في غير موضعها؛ لأن وضعها موضعها هو أن يجعلوها خالصة لله، سالمة له.

وقيل: ما ضروا الله بعبادتهم غيره وبكفرهم به، إنما ضروا أنفسهم؛ إذ لا حاجة له إلى عبادتهم، والله الموفق.

قال الشيخ - رحمه الله -: تقديم وتأخير، وأصل ذلك أن الله قد وضع كل نفس الخلقة بموضع العبودية، فجعلوها عبدة غيره.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

مثل ما ينفقه هؤلاء الكافرون في وجوه البر، وما ينتظرونه من ثوابها؛ كمثل ريح فيها برد شديد أصابت زرْعَ قوم ظلموا أنفسهم بالمعاصي وغيرها، فأتلفت زرعهم، وقد رجوا منه خيرًا كثيرًا، فكما أتلفت هذه الريح الزرع فلم يُنتفع به، كذلك الكفر يبطل ثواب أعمالهم التي يرجونها، والله لم يظلمهم -تعالى عن ذلك- وإنما ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم به وتكذيبهم رسله.

<div class="verse-tafsir" id="91.n7bmq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

فسر الجلال كغيره (تغني) بتدفع، أي لا تدفع شيئًا من العذاب عنهم وهذا التفسير مردود وإنما هو الغناء بمعنى الكفاية و(شيئًا)مفعول مطلق، أي لا تغني عنهم نوعًا من أنواع الغناء أو لا تغني غناء ما.

وذكر الأموال لأن المغرور إنما يصده عن اتباع الحق أو النظر في دليله الاستغناء بما هو فيه من النعم وأعظمها الأموال والأولاد، فالذي يرى نفسه مستغنيًا بمثل ذلك قلما يوجه نظره إلى طلب الحق أو يصغي إلى الداعي إليه.

وفسر (الجلال) "الصر" بأنه حر أو برد..

والذي أراه أن المراد هو البرد حتمًا، أما الحر فإنه لا يهلك الحرث بمجرد إصابته.

وإن الريح المهلكة مثال للمال الذي ينفقونه في لذاتهم وجاههم ونشر سمعتهم وتأييد كلمتهم فيصدهم عن سبيل الله، وإن العقول والأخلاق الحسنة التي هي أصل جميع المنافع هي مثال الحرث أي أن المال الذي ينفقونه فيما ذكر هو الذي أفسد أخلاقهم وأهلك عقولهم بما صرفها عن النظر الصحيح ولفتها من التفكر في عواقب الأمور.

ولقد أشار المفسرون إلى جعل التشبيه في المثل مركبًا وهو أن حالهم فيما ينفقونه وإن كان في الخير كحال الريح ذات الصر المهلكة للزرع فهم لا يستفيدون من نفقتهم شيئًا.

ومن المفسرين من جعل هذا فيما ينفقونه في عداوة النبي  ومقاومة دعوته سواء كان المنفقون هم اليهود أم أهل مكة.

ومنهم من جعل ذلك فيما ينفق المنافقون رياء أو تقية وقد خاب الفريقان وخسروا بنصر الله نبيه والمؤمنين وبفضيحة المنافقين في سورة براءة.

وبعض المفسرين يخص هذا الإنفاق بما يفعله الكافر على سبيل البر وهو لا يفيده في الآخرة شيئًا إذ الإيمان شرط لقبول الأعمال ونفعها في تلك الدار.

أما وصف القوم الذين أهلكت الريح حرثهم بكونهم ظلموا أنفسهم فقد قال الزمخشري في الكشاف مبينًا نكتته ما نصه "فأهلك عقوبة لهم لأن الإهلاك عن سخط أشد وأبلغ".

وإن النكتة في ذلك هي إفادة أن أولئك لا يستفيدون شيئًا منه لأن حرث الكافرين الظالمين هو الذي يذهب على الكلية، إذ لا منفعة لهم فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، فأما حرث المسلم المؤمن فلا يذهب على الكلية لأنه وإن كان يذهب صورة إلا أنه لا يذهب معنى لما فيه من حصول أغراض لهم في الآخرة والثواب بالصبر على الذهاب.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر