الآية ١١٨ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١١٨ من سورة آل عمران

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ١١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٨ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تبارك وتعالى ناهيا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة ، أي : يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم ، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خبالا أي : يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن ، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة ، ويودون ما يعنت المؤمنين ويخرجهم ويشق عليهم .

وقوله : ( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) أي : من غيركم من أهل الأديان ، وبطانة الرجل : هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخل أمره .

وقد روى البخاري ، والنسائي ، وغيرهما ، من حديث جماعة ، منهم : يونس ، ويحيى بن سعيد ، وموسى بن عقبة ، وابن أبي عتيق - عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه ، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه ، والمعصوم من عصم الله " .

وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام ، عن الزهري ، عن أبي سلمة [ عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة ] عنهما .

وأخرجه النسائي عن الزهري أيضا وعلقه البخاري في صحيحه فقال : وقال عبيد الله بن أبي جعفر ، عن صفوان بن سليم ، عن أبي سلمة ، عن أبي أيوب الأنصاري ، فذكره .

فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن أبي حيان التيمي عن أبي الزنباع ، عن ابن أبي الدهقانة قال : قيل لعمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة ، حافظ كاتب ، فلو اتخذته كاتبا ؟

فقال : قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين .

ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة ، التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب ، ولهذا قال تعالى : ( لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم ) .

وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا إسحاق بن إسرائيل ، حدثنا هشيم ، حدثنا العوام ، عن الأزهر بن راشد قال : كانوا يأتون أنسا ، فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو ، أتوا الحسن - يعني البصري - فيفسره لهم .

قال : فحدث ذات يوم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تستضيئوا بنار المشركين ، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا فلم يدروا ما هو ، فأتوا الحسن فقالوا له : إن أنسا حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تستضيئوا بنار الشرك ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا " فقال الحسن : أما قوله : " ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا " محمد صلى الله عليه وسلم .

وأما قوله : " لا تستضيئوا بنار الشرك " يقول : لا تستشيروا المشركين في أموركم .

ثم قال الحسن : تصديق ذلك في كتاب الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) .

هكذا رواه الحافظ أبو يعلى ، رحمه الله ، وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى ، عن هشيم .

ورواه الإمام أحمد ، عن هشيم بإسناده مثله ، من غير ذكر تفسير الحسن البصري .

وهذا التفسير فيه نظر ، ومعناه ظاهر : " لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا أي : بخط عربي ، لئلا يشابه نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان نقشه محمد رسول الله ، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه .

وأما الاستضاءة بنار المشركين ، فمعناه : لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم ، بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم ، ولهذا روى أبو داود [ رحمه الله ] لا تتراءى ناراهما " وفي الحديث الآخر : " من جامع المشرك أو سكن معه ، فهو مثله " ، فحمل الحديث على ما قاله الحسن ، رحمه الله ، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر ، والله أعلم .

ثم قال تعالى : ( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) أي : قد لاح على صفحات وجوههم ، وفلتات ألسنتهم من العداوة ، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل ، ولهذا قال : ( قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: شَبَهُ ما ينفق الذين كفروا، أي: شَبَهُ ما يتصدق به الكافر من ماله، (4) فيعطيه من يعطيه على وجه القُربة إلى ربّه وهو لوحدانية الله جاحد، ولمحمد صلى الله عليه وسلم مكذب، في أن ذلك غير نافعه مع كفره، وأنه مضمحلّ عند حاجته إليه، ذاهبٌ بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه عليه = كشبه ريح فيها برد شديد، أصابت هذه الريح التي فيها البرد الشديد =" حرثَ قوم "، (5) يعني: زرع قوم قد أمَّلوا إدراكه، ورجَوْا رَيْعه وعائدة نفعه =" ظلموا أنفسهم "، يعني: أصحاب الزرع، عصوا الله، وتعدَّوا حدوده =" فأهلكته "، يعني: فأهلكت الريح التي فيها الصرُّ زرعهم ذلك، بعد الذي كانوا عليه من الأمل ورجاء عائدة نفعه عليهم.

&; 7-135 &; يقول تعالى ذكره: فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته، حين يلقاه، يبطل ثوابها ويخيب رجاؤه منها.

وخرج المثَل للنفقة، والمراد بـ " المثل " صنيع الله بالنفقة، فبيَّن ذلك قوله: " كمثل ريح فيها صرٌّ"، فهو كما قد بيّنا في مثله قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا (6) [سورة البقرة: 17] وما أشبه ذلك.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام،: مثل إبطال الله أجرَ ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل ريح فيها صر.

وإنما جاز ترك ذكر " إبطال الله أجر ذلك "، لدلالة آخر الكلام عليه، وهو قوله: " كمثل ريح فيها صرٌّ"، ولمعرفة السامع ذلك معناه.

* * * واختلف أهل التأويل في معنى " النفقة " التي ذكرها في هذه الآية.

فقال بعضهم: هي النفقة المعروفة في الناس.

*ذكر من قال ذلك: 7667- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا "، قال: نفقة الكافر في الدنيا.

* * * وقال آخرون: بل ذلك قوله الذي يقوله بلسانه، مما لا يصدِّقه بقلبه.

*ذكر من قال ذلك: 7668- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرثَ قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته "، يقول: مثل ما يقول فلا يقبل &; 7-136 &; منه، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صر، أصابته فأهلكته.

فكذلك أنفقوا فأهلكهم شِرْكهم.

* * * وقد بينا أولى ذلك بالصواب قبل.

* * * وقد تقدم بياننا تأويل " الحياة الدنيا " بما فيه الكفاية من إعادته في هذا الموضع.

(7) * * * وأما " الصر " فإنه شدة البرد، وذلك بعُصُوف من الشمال في إعصار الطَّلّ والأنداء، في صبيحة مُعْتمة بعقب ليلة مصحية، (8) كما: 7669- حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن عثمان بن غياث قال، سمعت عكرمة يقول: " ريح فيها صر "، قال: بردٌ شديد.

7670- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: " ريح فيها صر "، قال: برد شديد وزمهرير.

7671- حدثنا علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: " ريح فيها صر "، يقول: برد.

7672- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: " الصر "، البرد.

7673- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " كمثل ريح فيها صر "، أي: برد شديد.

7674- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

7675- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي في" الصر "، البرد الشديد.

&; 7-137 &; 7676- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثنا عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " كمثل ريح فيها صر "، يقول: ريح فيها برد.

7677- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " ريح فيها صر "، قال: " صر "، باردة أهلكت حرثهم.

قال: والعرب تدعوها " الضَّريب "، تأتي الريح باردة فتصبح ضريبًا قد أحرق الزرع، (9) تقول: " قد ضُرب الليلة " أصابه ضريبُ تلك الصر التي أصابته.

7678- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك: " ريح فيها صر "، قال: ريح فيها برد.

* * * القول في تأويل قوله : وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وما فعل الله بهؤلاء الكفار ما فعل بهم، من إحباطه ثواب أعمالهم وإبطاله أجورها ظلمًا منه لهم = يعني: وضعًا منه لما فعل بهم من ذلك في غير موضعه وعند غير أهله، بل وضَع فعله ذلك في موضعه، وفعل بهم ما هم أهله.

لأن عملهم الذي عملوه لم يكن لله وهم له بالوحدانية دائنون، ولأمره مُتبعون، ولرسله مصدقون، بل كان ذلك منهم وهم به مشركون، ولأمره مخالفون، ولرسله مكذبون، بعد تقدُّم منه إليهم أنه لا يقبل عملا من عامل إلا مع إخلاص التوحيد له، والإقرار بنبوة أنبيائه، وتصديق ما جاءوهم به، وتوكيده الحجج بذلك عليهم.

فلم يكن = بفعله ما فعل بمن كفر به وخالف أمره في ذلك = بعد &; 7-138 &; الإعذار إليه، (10) من إحباط وَفْر عمله = له ظالمًا، بل الكافرُ هو الظالم نفسه، لإكسابها من معصية الله وخلاف أمره، ما أوردها به نار جهنم، وأصلاها به سعير سقَرَ.

(11) ------------------- الهوامش : (4) انظر تفسير"النفقة" فيما سلف 5: 555 ، 580 / 6: 265.

(5) انظر تفسير"الحرث" فيما سلف 4: 240 ، 397 / 6: 257.

(6) انظر ما سلف 1: 318 - 328.

(7) انظر ما سلف 1: 314 ، 316.

(8) هذا البيان عن معنى"الصر" قلما تصيب مثله في كتب اللغة.

(9) الضريب: الصقيع والجليد.

(10) في المطبوعة والمخطوطة: "الاعتذار إليه" ، وهو خطأ صرف.

وأعذر إعذارًا: أي بلغ الغاية في البلاغ ، ومنه قولهم: "أعذر من أنذر" ، أي بالغ في الإنذار حتى بان عذره ، إذا أنزل بمن أنذره ما يسوءه.

وقوله: "وفر عمله" أي كثير عمله ووافره.

و"الوفر" (بفتح فسكون).

وكان في المطبوعة"وافر عمله" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11) سياق الجملة: "فلم يكن.

.

.

له ظالما" ، وما بينهما فصل للبيان متعلق بقوله: "ظالما" ولكنه مقدم عليه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلونفيه ست مسائل :الأولى : أكد الله تعالى الزجر عن الركون إلى الكفار .

وهو متصل بما سبق من قوله : إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب .

والبطانة مصدر ، يسمى به الواحد والجمع .

وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره ، وأصله من البطن الذي هو خلاف الظهر .

وبطن فلان بفلان يبطن بطونا وبطانة إذا كان خاصا به .

قال الشاعر :أولئك خلصائي نعم وبطانتي وهم عيبتي من دون كل قريبالثانية : نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء ، يفاوضونهم في الآراء ، ويسندون إليهم أمورهم .

ويقال : كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه ; قال الشاعر :عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتديوفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل .

وروي عن ابن مسعود أنه قال : اعتبروا الناس بإخوانهم .

ثم بين تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال : لا يألونكم خبالا يقول فسادا .

يعني لا يتركون الجهد في فسادكم ، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة ، على ما يأتي بيانه .

وروي عن أبي أمامة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا قال : ( هم الخوارج ) .

وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميا فكتب إليه عمر يعنفه وتلا عليه هذه الآية .

وقدم أبو موسى الأشعري على عمر - رضي الله عنهما - بحساب فرفعه إلى عمر فأعجبه ، [ ص: 170 ] وجاء عمر كتاب فقال لأبي موسى : أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس ؟

فقال : إنه لا يدخل المسجد .

فقال لم !

أجنب هو ؟

قال : إنه نصراني ; فانتهره وقال : لا تدنهم وقد أقصاهم الله ، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ، ولا تأمنهم وقد خونهم الله .

وعن عمر - رضي الله عنه - قال : لا تستعملوا أهل الكتاب فإنهم يستحلون الرشا ، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى .

وقيل لعمر ، - رضي الله عنه - : إن هاهنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم أفلا يكتب عنك ؟

فقال : لا آخذ بطانة من دون المؤمنين .

فلا يجوز استكتاب أهل الذمة ، ولا غير ذلك من تصرفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم .قلت : وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء .

روى البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى .

وروى أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم غريبا .

فسره الحسن بن أبي الحسن فقال : أراد عليه السلام لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم ، ولا تنقشوا في خواتيمكم محمدا .

قال الحسن : وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم الآية .الثالثة : قوله تعالى : من دونكم أي من سواكم .

قال الفراء : ويعملون عملا دون ذلك أي سوى ذلك .

وقيل : من دونكم يعني في السير وحسن المذهب .

ومعنى [ ص: 171 ] لا يألونكم خبالا لا يقصرون فيما فيه الفساد عليكم .

وهو في موضع الصفة ل بطانة من دونكم .

يقال : لا آلو جهدا أي لا أقصر .

وألوت ألوا قصرت ; قال امرؤ القيس :وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آلوالخبال : الخبل .

والخبل : الفساد ; وقد يكون ذلك في الأفعال والأبدان والعقول .

وفي الحديث : ( من أصيب بدم أو خبل ) أي جرح يفسد العضو .

والخبل : فساد الأعضاء ، ورجل خبل ومختبل ، وخبله الحب أي أفسده .

قال أوس :أبني لبينى لستم بيد إلا يدا مخبولة العضدأي فاسدة العضد .

وأنشد الفراء :نظر ابن سعد نظرة وبت بها كانت لصحبك والمطي خبالاأي فسادا .

وانتصب خبالا بالمفعول الثاني ; لأن الألو يتعدى إلى مفعولين ، وإن شئت على المصدر ، أي يخبلونكم خبالا : وإن شئت بنزع الخافض ، أي بالخبال ; كما قالوا : أوجعته ضربا : " وما " في قوله : ودوا ما عنتم مصدرية ، أي ودوا عنتكم .

أي ما يشق عليكم .

والعنت المشقة ، وقد مضى في " البقرة " معناه .الرابعة : قوله تعالى : قد بدت البغضاء من أفواههم يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم .

والبغضاء : البغض ، وهو ضد الحب .

والبغضاء مصدر مؤنث .

وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه ، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه .

ومن هذا المعنى نهيه عليه السلام أن يشتحي الرجل فاه في عرض أخيه .

معناه أن يفتح ; يقال : شحى الحمار فاه بالنهيق ، وشحى الفم نفسه .

وشحى اللجام فم الفرس شحيا ، وجاءت الخيل شواحي : فاتحات أفواهها .

ولا يفهم من هذا الحديث دليل خطاب على الجواز فيأخذ أحد في عرض أخيه همسا ; فإن ذلك يحرم باتفاق من العلماء .

وفي التنزيل ولا يغتب بعضكم بعضا الآية .

وقال - صلى الله عليه وسلم - : إن [ ص: 172 ] دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام .

فذكر الشحو إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط ، فاعلم .الخامسة : وفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوه لا يجوز ، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز ; وروي عن أبي حنيفة جواز ذلك .

وحكى ابن بطال عن ابن شعبان أنه قال : أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدو على عدوه في شيء وإن كان عدلا ، والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر .السادسة : قوله تعالى : وما تخفي صدورهم أكبر إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم .

وقرأ عبد الله بن مسعود : " قد بدأ البغضاء " بتذكير الفعل ; لما كانت البغضاء بمعنى البغض .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الإسلامية وذلك أنهم هم الأعداء الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم { وما تخفي صدورهم أكبر } مما يسمع منهم فلهذا { لا يألونكم خبالا } أي: لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم قال الله للمؤمنين { قد بينا لكم الآيات } أي: التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية { لعلكم تعقلون } فتعرفونها وتفرقون بين الصديق والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما العاقل من إذا ابتلي بمخالطة العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه على شيء ولو تملق له وأقسم أنه من أوليائه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم .

وقال مجاهد : نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال : ( ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ) أي : أولياء وأصفياء من غير أهل ملتكم ، وبطانة الرجل : خاصته تشبيها ببطانة الثوب التي تلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه غيرهم .

ثم بين العلة في النهي عن مباطنتهم فقال جل ذكره ( لا يألونكم خبالا ) أي : لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد ، والخبال : الشر والفساد ، ونصب " خبالا " على المفعول الثاني لأن يألو يتعدى إلى مفعولين وقيل : بنزع الخافض ، أي بالخبال كما يقال أوجعته ضربا ، ( ودوا ما عنتم ) أي : يودون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك .

والعنت : المشقة ( قد بدت البغضاء ) أي : البغض ، معناه ظهرت أمارة العداوة ، ( من أفواههم ) بالشتيمة والوقيعة في المسلمين ، وقيل : بإطلاع المشركين على أسرار المؤمنين ( وما تخفي صدورهم ) من العداوة والغيظ ، ( أكبر ) أعظم ، ( قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة» أصفياء تطلعونهم على سرِّكم «من دونكم» أي غيركم من اليهود والنصارى والمنافقين «لا يألونكم خبالا» نصب بنزع الخافض أي لا يقصرون لكم في الفساد «ودُّوا» تمنَّوا «ما عنتم» أي عنتكم وهو شدة الضرر «قد بدت» ظهرت «البغضاء» العداوة لكم «من أفواههم» بالوقيعة فيكم وإطلاع المشركين على سركم «وما تخفي صدورهم» من العداوة «أكبر قد بينا لكم الآيات» على عدواتهم «إن كنتم تعقلون» ذلك فلا توالوهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، تُطْلعونهم على أسراركم، فهؤلاء لا يَفْتُرون عن إفساد حالكم، وهم يفرحون بما يصيبكم من ضرر ومكروه، وقد ظهرت شدة البغض في كلامهم، وما تخفي صدورهم من العداوة لكم أكبر وأعظم.

قد بيَّنَّا لكم البراهين والحجج، لتتعظوا وتحذروا، إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - سوء عاقبة الكافرين أكمل بيان وأحكمه ، حذر المؤمنين من أهل الكتاب ومن على شاكلتهم ممن لا يريدون للإسلام إلا الشرور والمضار فقال - تعالى - : { ياأيها الذين آمَنُواْ .

.

.

} .قال الفخر الرازى ما ملخصه : اختلفوا فى الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟

فقيل هم اليهود ، لأن بعض المسلمين كانوا يشاورونهم فى أمورهم ويؤانسونهم لما كان فيهم من الرضاع والحلف .

وقيل هم المنافقون ، وذلك لأن بعض المؤمنين كانوا يغترون يظاهر أقوالهم فيفشون إليهم الأسرار والصحيح أن المراد بهم جميع أصناف الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى : { بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ } فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين ، فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار " .والبطانة فى الأصل : داخل الثوب ، وجمعها بطائن .

قال - تعالى - : ( مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الجنتين دَانٍ ) .

وظاهر الثوب يسمى الظهارة ، والبطانة - أيضاص - الثوب الذى يجعل تحت ثوب آخر ويسمى الشعار ، وما فوقه الدثار وفى الحديث " الأنصار شعار والناس دثار " .ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وصفيه الذى يطلع على شئونه الخفية تشبيها ببطانة الثياب فى شدة القرب من صاحبها .

قال الشاعر :أولئك خلصائي نعم وبطانتى ...

وهم عيبتى من دون كل قريبوقوله : { مِّن دُونِكُمْ } أى من غير أهل ملتكم .والمعنى : لا يجوز لكم - أيها المؤمنون - أن تتخذوا من غير أهل ملتكم أصفياء وأولياء تلقون إليهم بأسراركم لاتى لا يصح لكم أن تطلعوهم عليها ، لأنكم لو فعلتم ذلك لأصابكم الضرر فى دينكم ودنياكم .قال القرطبى : " نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء ، يفاوضونهم فى الآراء ويسندون إليهم أمورهم .

وفى سنن أبى داود عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " وقيل لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - إن ههنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم ، أفلا يكتب عنك؟

فقال : لا آخذ بطانة من دون المؤمنين " .ثم قال القرطبى - رحمه الله - : قلت وقد انقلبت الأحوال فى هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء ، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء .

روى البخارى عن أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " ما بعث الله من نبى ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه .

وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه ، والمعصوم من عصمه الله " .وصدر - سبحانه - النداء بوصف الإيمان ، للإشعار بأن مقتضى الإيمان يوجب عليهم ألا يأمنوا من يخالفهم فى عقيدتهم على أسرارهم ، وألا يتخذوا أعداء الله وأعداءهم أولياء يلقون إليهم بالمودة ، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من شئون وأمور خاصة بالمؤمنين وقوله : { مِّن دُونِكُمْ } يجوز أن يكون صفة لبطانة فيكون متعلقاً بمحذوف ، أى لا تتخذوا بطانة كائنة من غيركم .ويجوز أن يكون متعلقا بقوله : { لاَ تَتَّخِذُواْ } أى لا تتخذوا من غير أهل ملتكم بطانة تصافونهم وتطلعونهم على أسراركم .ثم ذكر - سبحانه - جملة من الأسباب التى تجعل المؤمنين يمتنعون عن مصافاة هؤلاء الذين يخالفونهم فى عقيدتهم فقال فى بيان أول هذه الأسباب : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } وأصل " الألو " : التقصير .

يقال : ألا فى الأمر - كغزا - يألو ألواً وألوا ، إذا قصر فيه ، ومنه قول امرىء القيس :وما المرء ما دامت حشاشة نفسه ...

بمدرك أطراف الخطوب ولا آلأراد ولا مقصر ، وهو - أى الفعل " يألو " من الأفعال اللازمة التى تتعدى إلى المفعول بالحرف ، وقد يستعمل متعديا إلى مفعولين كا فى قولهم : لا آلوك نصحاً ، على تضمين الفعل معنى المنع .

أى لا أمنعك ذلك .والخبال : الشر والفساد .

وأصله ما يلحق الحيوان من مرض وفتور فيورثه فسادا واضطراباً .

يقال خبله وخبله فهو خابل .

والجمع الخبل ورجل مخبل إذا أصيب بمرض أورثه اضطراباً وفساداً فى قواه العقلية والفكرية .والمعنى : أنهاكم - أيها المؤمنون - عن أن تتخذوا أولياء وأصفياء لكم من غير إخوانكم المؤمنين ، لأن هؤلاء الأولياء من غير إخوانكم المؤمنين ، لا يقصرون فى جهد يبذلونه فى إفساد أمركم ، وفيما يورثكم شرا وضرا .

أو لا يمنعونكم خبالا ، أى أنهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون شيئاً منه عندهم ، بل يبذلون قصارى جهدهم فى إليحاق الضرر بكم فى دينكم ودنياكم .وقوله : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } جملة مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى اجتنابهم .

أو صفة لقوله : { بِطَانَةً } .وقوله : { خَبَالاً } منصوب على أنه المفعول الثانى ليألونكم لتضمينه معنى يمنعونكم .ويصح أن يكون منصوبا بنزع الخافض أى لا يقصرون لكم عن جهد فيما يورثكم شرا وفسادا .أما السبب الثانى الذى يحمل المؤمنين على اجتناب هؤلاء الضالين فقد بينه - سبحانه - بقوله : { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } .وقوله : { وَدُّواْ } من الود وهو المحبة .

يقال : وددت كذا أى أحببته .وقوله : { عَنِتُّمْ } من العنت وهو شدة الضرر والمشقة .

ومنه قوله - تعالى - : { وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ } أى لأوقعكم فيما يشق عليكم .و { مَا } فى قوله : { مَا عَنِتُّمْ } هى ما المصدرية .

أى : أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم ، بجانب أنهم لا يألون جهدا فى إفساد أمركم ، فإنهم يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم ، وتفريق جمعكم ، وذهاب قوتكم .فالجملة الأولى وهى قوله : { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } بمنزلة المظهر والنتيجة ، وهذه .

أى قوله تعالى : { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } بمنزلة الباعث والدافع .فهم لا يودون للمسلمين الخير والاطمئنان والأمان ، وأنما يودون لهم الشقاء والشرور والخسران .وليس بعاقل ذلك الذى يطلع من يريد له الشرور على أسراره ودخائله .وأما السبب الثالث الذى يدعو المؤمنين إلى اجتنابهم فقد بينه الله - تعالى - بقوله : { قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } .والبغضاء مصدر كالسراء والضراء ، وهى البغض الشديد المتمكن فى النفوس ، والثابت فى القلوب .أى : قد ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم ، وطفح البغض الباطن فى قلوبهم لكم حتى خرج من أفواههم ، ولاح على صفحات وجوههم ، وقد قيل : كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان .

ومع هذا فإن ما تخفيه نفوسهم المريضة لكم من أحقاد وإحن ، أكبر مما نطقت به ألسنتهم من بغضاء ، إذ أن ما نطقوا به إنما هو بمثابة الرشح الذى ظهر من مسام أجسادهم وقلوبهم ، أما ما يبيتونه لكم من شرور وآثام فهو أكبر من ذلك بكثير .وخص الأفواه بالذكر دون الألسنة .

للإشارة إلى تشدقهم وثرثرتهم فى أقوالهم الباطلة ، فهم أشد جرما من المتستر الذى تبدو البغضاء فى عينيه .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان مظهر من مظاهر فضله على المؤمنين حيث كشف لهم عن أحوال أعدائهم ، وعن سوء نواياهم وعن الأسباب التى تدعو إلى الحذر منهم فقال - تعالى - : { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } .أى قد بينا لكم العلامات الواضحات ، والآيات البينات التى تعرفون بها أعداءكم ، وتميزون عن طريقها بين الصديق وبين العدو ، إن كنتم من أهل العقل والفهم .والمقصود من الجملة الكريمة حضهم على استعمال عقولهم بتأمل وتدبر فى هذه الآيات التى بينها الله لهم فضلا منه وكرما ، وحتى لا يتخذوا بطانة من غير إخوانهم فى العقيدة والدين .وجواب الشرك محذوف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير : إن كنتم تعقلون ذلك فلا تباطنوهم ولا تفشوا لهم أسراركم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين عن مخالطة الكافرين في هذه الآية وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟

على أقوال: الأول: أنهم هم اليهود وذلك لأن المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم ويؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظناً منهم أنهم وإن خالفوهم في الدين فهم ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه، وحجة أصحاب هذا القول أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مخاطبة مع اليهود فتكون هذه الآية أيضاً كذلك الثاني: أنهم هم المنافقون، وذلك لأن المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين ويظنون أنهم صادقون فيفشون إليهم الأسرار ويطلعونهم على الأحوال الخفية، فالله تعالى منعهم عن ذلك، وحجة أصحاب هذا القول أن ما بعد هذه الآية يدل على ذلك وهو قوله: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ ومعلوم أن هذا لا يليق باليهود بل هو صفة المنافقين، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهزِؤن  ﴾ الثالث: المراد به جميع أصناف الكفار، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ ﴾ فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين فيكون ذلك نهياً عن جميع الكفار وقال تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء  ﴾ ومما يؤكد ذلك ما روي أنه قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: هاهنا رجل من أهل الحيرة نصراني لا يعرف أقوى حفظاً ولا أحسن خطاً منه، فإن رأيت أن تتخذه كاتباً، فامتنع عمر من ذلك وقال: إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين، فقد جعل عمر رضي الله عنه هذه الآية دليلاً على النهي عن اتخاذ بطانة، وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية، فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عاماً وآخرها إذا كان خاصاً لم يكن خصوص آخر الآية مانعاً من عموم أولها.

المسألة الثانية: قال أبو حاتم عن الأصمعي: بطن فلان بفلان يبطن به بطوناً وبطانة، إذا كان خاصاً به داخلاً في أمره، فالبطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع، وبطانة الرجل خاصته الذين يبطنون أمره وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب خلاف ظهارته، والحاصل أن الذي يخصه الإنسان بمزيد التقريب يسمى بطانة لأنه بمنزلة ما يلي بطنه في شدة القرب منه.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً ﴾ نكرة في سياق النفي فيفيد العموم.

أما قوله: ﴿ مّن دُونِكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: من دونكم أي من دون المسلمين ومن غير أهل ملتكم ولفظ ﴿ مّن دُونِكُمْ ﴾ يحسن حمله على هذا الوجه كما يقول الرجل: قد أحسنتم إلينا وأنعمتم علينا، وهو يريد أحسنتم إلى إخواننا، وقال تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ  ﴾ أي آباؤهم فعلوا ذلك.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ مّن دُونِكُمْ ﴾ احتمالان أحدهما: أن يكون متعلقاً بقوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ﴾ أي: لا تتخذوا من دونكم بطانة والثاني: أن يجعل وصفاً للبطانة والتقدير: بطانة كائنات من دونكم.

فإن قيل: ما الفرق بين قوله: لا تتخدوا من دونكم بطانة، وبين قوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ ﴾ ؟.

قلنا: قال سيبويه: إنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعني وهاهنا ليس المقصود اتخاذ البطانة إنما المقصود أن يتخذ منهم بطانة فكان قوله: لا تتخذوا من دونكم بطانة أقوى في إفادة المقصود.

المسألة الثالثة: قيل ﴿ مِنْ ﴾ زائدة، وقيل للنبيّين: لا تتخذوا بطانة من دون أهل ملتكم.

فإن قيل: هذه الآية تقتضي المنع من مصاحبة الكفار على الإطلاق، وقال تعالى: ﴿ لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم أَن تَبَرُّوهُمْ  ﴾ ﴿ إِنَّمَا ينهاكم الله عَنِ الذين قاتلوكم  ﴾ فكيف الجمع بينهما؟

قلنا: لا شك أن الخاص يقدم على العام.

واعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يتخذوا بطانة من الكافرين ذكر علة هذا النهي وهي أمور أحدها: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ وفيه مسائلُ: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: يقال (ألا) في الأمر يألوا، إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحاً، ولا آلوك جهداً على التضمين، والمعنى لا أمنعك نصحاً ولا أنقصك جهداً.

المسألة الثانية: الخبال: الفساد والنقصان، وأنشدوا: لستم بيد إلا يداً أبدا مخبولة العضد *** أي: فاسدة العضد منقوضتها، ومنه قيل: رجل مخبول ومخبل ومختبل لمن كان ناقص العقل، وقال تعالى: ﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً  ﴾ أي فساداً وضرراً.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ أي لا يدعون جهدهم في مضرتكم وفسادكم، يقال: ما ألوته نصحاً، أي ما قصرت في نصيحته، وما ألوته شراً مثله.

المسألة الرابعة: انتصب الخبال بلا يألونكم لأنه يتعدى إلى مفعولين كما ذكرنا وإن شئت نصبته على المصدر، لأن معنى قوله: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ لا يخبلونكم خبالا.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: يقال وددت كذا، أي أحببته و(العنت) شدة الضرر والمشقة قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاء الله لأَعْنَتَكُمْ  ﴾ .

المسألة الثانية: ما مصدرية كقوله: ﴿ ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ  ﴾ أي بفرحكم ومرحكم وكقوله: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا  وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا  ﴾ أي بنائه إياها وطحيه إياها.

المسألة الثالثة: تقدير الآية: أحبوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.

المسألة الرابعة: قال الواحدي رحمه الله: لا محل لقوله: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ لأنه استئناف بالجملة وقيل: إنه صفة لبطانة، ولا يصح هذا لأن البطانة قد وصفت بقوله: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ فلو كان هذا صفة أيضاً لوجب إدخال حرف العطف بينهما.

المسألة الخامسة: الفرق بين قوله: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ وبين قوله: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ في المعنى من وجوه: الأول: لا يقصرون في إفساد دينكم، فإن عجزوا عنه ودوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر الثاني: لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا، فإذا عجزوا عنه لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم والثالث: لا يقصرون في إفساد أموركم، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من خارج، فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: البغضاء أشد البغض، فالبغض مع البغضاء كالضر مع الضراء.

المسألة الثانية: الأفواه جمع الفم، والفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه، يقال: فوه وأفواه كسوط وأسواط، وطوق وأطواق، ويقال رجل مفوه إذا أجاد القول، وأفوه إذا كان واسع الفم، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط، ثم حذفت الهاء تخفيفاً ثم أقيم الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم ﴾ إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان الأول: أنه لابد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقتة لطريق المخالصة في الود والنصيحة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول  ﴾ الثاني: قال قتادة: قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم ﴾ فهو أنهم يظهرون تكذيب نبيّكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق، ومن اعتقد في غيره الإصرار على الجهل والحمق امتنع أن يحبه، بل لابد وأن يبغضه، فهذا هو المراد بقوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد، ثم بيّن تعالى أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم، فقال: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأيات إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي من أهل العقل والفهم والدراية، وقيل: ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ الفصل بين ما يستحقه العدو والولي، والمقصود بعثهم على استعمال العقل في تأمل هذه الآية وتدبر هذه البينات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

بطانة الرجل وولجيته: خصيصه وصفيه الذي يفضي إليه بشقوره ثقة به شبه ببطانة الثوب كما يقال: فلان شعاري.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الأنصارى شعار والناس دثار» ﴿ مّن دُونِكُمْ ﴾ من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون.

ويجوز تعلقه بلا تتخذوا، وببطانة على الوصف، أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو، إذا قصر فيه، ثم استعمل معدّى إلى مفعولين في قولهم: لا ألوك نصحاً، ولا ألوك جهداً، على التضمين.

والمعنى: لا أمنعك نصحاً ولا أنقصكه.

والخبال: الفساد ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ ودّوا عنتكم، على أنّ (ما) مصدرية.

والعنت: شدّة الضرر والمشقة.

وأصله انهياض العظم بعد جبره، أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشدّ الضرر وأبلغه ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم ﴾ لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين.

وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضاً على ذلك وفي قراءة عبد الله ﴿ قد بدأ البغضاء ﴾ ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الايات ﴾ الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ما بين لكم فعملتم به.

فإن قلت: كيف موقع هذه الجمل؟

قلت يجوز أن يكون ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ ﴾ صفة للبطانة وكذلك ﴿ قَدْ بَدَتِ البغضاء ﴾ كأنه قيل: بطانة غير آليكم خبالاً بادية بغضاؤهم.

وأما ﴿ قَدْ بَيَّنَّا ﴾ فكلام مبتدأ، وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة ﴿ ها ﴾ للتنبيه.

و ﴿ أَنتُمْ ﴾ مبتدأ.

و ﴿ أُوْلاءِ ﴾ خبره.

أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب.

وقوله: ﴿ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ بيان لخطئهم في موالاتهم حيث يبذلون محبتهم لأهل البغضاء.

وقيل ﴿ أُوْلاء ﴾ موصول ﴿ تُحِبُّونَهُمْ ﴾ صلته.

والواو في ﴿ وَتُؤْمِنُونَ ﴾ للحال، وانتصابها من لا يحبونكم أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله، وهم مع ذلك يبغضونكم.

فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم.

وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم.

ونحوه ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَالاً يَرْجُونَ ﴾ [النساء: 104] ويوصف المغتاظ والنادم بعضّ الأنامل والبنان والإبهام قال الحرث بن ظالم المري: فَأقْتُلُ أقْوَاماً لِئَاماً أَذِلَّةً ** يَعُضُّونَ مِنْ غَيْظٍ رُؤوس الأَبَاهِمِ ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به والمراد بزيادة الغيظ زيادة ما يغيظهم من قوّة الإسلام وعز أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزى والتبار ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ فهو يعلم ما في صدور المنافقين من الحنق والبغضاء، وما يكون منهم في حال خلوّ بعضهم ببعض، وهو كلام داخل في جملة المقول أو خارج منها.

فإن قلت: فكيف معناه على الوجهين؟

قلت إذا كان داخلاً في جملة المقول فمعناه: أخبرهم بما يسرونه من عضهم الأنامل غيظاً إذا خلوا، وقل لهم إنّ الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم وهو مضمرات الصدور، فلا تظنوا أنّ شيئاً من أسراركم يخفى عليه.

وإذا كان خارجاً فمعناه: قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على ما يسرون فإني أعلم ما هو أخفى من ذلك وهو ما أضمروه في صدورهم ولم يظهروه بألسنتهم.

ويجوز أن لا يكون ثمَّ قول، وأن يكون قوله: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ [آل عمران: 119] أمراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله أن يهلكوا غيظاً بإعزاز الإسلام وإذلالهم به، كأنه قيل: حدث نفسك بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً ﴾ ولِيجَةً، وهو الَّذِي يُعَرِّفُهُ الرَّجُلُ أسْرارَهُ ثِقَةً بِهِ، شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَّوْبِ كَما شُبِّهَ بِالشِّعارِ.

قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ».» ﴿ مِن دُونِكُمْ ﴾ مِن دُونِ المُسْلِمِينَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِلا تَتَّخِذُوا، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةُ بِطانَةٍ أيْ بِطانَةً كائِنَةً مِن دُونِكم.

﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ لَكم في الفَسادِ، والألْوُ التَّقْصِيرُ وأصْلُهُ أنْ يُعَدّى بِالحَرْفِ وعُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا عَلى تَضْمِينِ مَعْنى المَنعِ أوِ النَّقْصِ.

﴿ وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ﴾ تَمَنَّوْا عَنَتَكُمْ، وهو شِدَّةُ الضَّرَرِ والمَشَقَّةِ وما مَصْدَرِيَّةٌ.

﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ أيْ في كَلامِهِمْ لِأنَّهم لا يَتَمالَكُونَ أنْفُسَهم لِفَرْطِ بُغْضِهِمْ.

﴿ وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ مِمّا بَدا لِأنَّ بُدُوَّهُ لَيْسَ عَنْ رَوِيَّةٍ واخْتِيارٍ.

﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ ﴾ الدّالَّةَ عَلى وُجُوبِ الإخْلاصِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ ومُعاداةِ الكافِرِينَ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ما بُيِّنَ لَكُمْ، والجُمَلُ الأرْبَعُ جاءَتْ مُسْتَأْنِفاتٌ عَلى التَّعْلِيلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثَّلاثُ الأُوَلُ صِفاتٍ لِبِطانَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ونزل نهيا للمؤمنين عن مصافاة المنافقين {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة} بطانة الرجل ووليجته خصيصته وصفيه شبه ببطانة الثوب كما يقال فلان شعاري وفي الحديث الأنصار شعار والناس دثار {مّن دُونِكُمْ} من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون وهو صفة لبطانة أي

بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} في موضع النصب صفة لبطانة يعني لا يقصرون في فساد دينكم يقال ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه والخبال الفساد وانتصب خبالا على التمييز أو على حذف في أي في خبالكم {وَدُّواْ مَا عنتم} أى عنتكم فما مصدرية والعنت شدة الضرر والمشقة أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر وأبلغه وهو مستأنف على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة كقوله {قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم} لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بعضهم للمسلمين {وما تخفي صدورهم} من البغض لكم {أَكْبَرُ} مما بدا {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات} الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه {إِنْ كنتم تعقلون} ما بين لكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مَن يَهُودَ لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الجِوارِ والحِلْفِ في الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ يَنْهاهم عَنْ مُباطَنَتِهِمْ تُخَوِّفُ الفِتْنَةَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، نُهِيَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَتَوَلَّوْهم، وظاهِرُ ما يَأْتِي يُؤَيِّدُهُ، والبِطانَةُ خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ أمْرَهُ مَأْخُوذٌ مِن بِطانَةِ الثَّوْبِ لِلْوَجْهِ الَّذِي يَلِي البَدَنَ لِقُرْبِهِ وهي نَقِيضُ الظِّهارَةِ ويُسَمّى بِها الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.

و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( لا تَتَّخِذُوا ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبِطانَةٍ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، و-دُونَ - إمّا بِمَعْنى غَيْرِ أوْ بِمَعْنى الأدْوَنِ والدَّنِيءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ المُضافُ إلَيْهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى ( لا تَتَّخِذُوا ) الكافِرِينَ كاليَهُودِ والمُنافِقِينَ أوْلِياءَ وخَواصَّ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ أوْ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ مَنزِلَتُهُ مَنزِلَتَكم في الشَّرَفِ والدِّيانَةِ، والحُكْمُ عامٌّ، وإنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ خاصًّا فَإنَّ اتِّخاذَ المُخالِفِ ولِيًّا مَظِنَّةُ الفِتْنَةِ والفَسادِ، ولِهَذا ورَدَ تَفْسِيرُ هَذِهِ البِطانَةِ بِالخَوارِجِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «لا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم عَرَبِيًّا، ولا تَسْتَضِيئُوا بِنارِ المُشْرِكِينَ» فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: نَعَمْ لا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ولا تَسْتَسِرُّوا المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أُمُورِكم، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: وتَصْدِيقُ ذَلِكَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ ﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ أصْلُ الألْوِ التَّقْصِيرُ يُقالُ: ألا كَغَزا يَأْلُو ألْوًا إذا قَصَّرَ وفَتَرَ وضَعُفَ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وما المَرْءُ ما دامَتْ حَشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكٍ أطْرافَ الخُطُوبِ ولا (آلى) أرادَ ولا مُقَصِّرٌ في الطَّلَبِ وهو لازِمٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالحَرْفِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا ولا آلُوكَ جُهْدًا عَلى تَضْمِينِ مَعْنى المَنعِ أيْ لا أمْنَعُكَ ذَلِكَ، وقَدْ يُجْعَلُ بِمَنعِ التَّرْكِ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وفي القامُوسِ: ما ألَوْتَ الشَّيْءَ أيْ ما تَرَكْتَهُ، والخَبالُ في الأصْلِ الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ فَيُورِثُهُ اضْطِرابًا كالمَرَضِ والجُنُونِ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الشَّرِّ والفَسادِ مُطْلَقًا، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلِ لا يُقَصِّرُونَ لَكم في الفَسادِ والشَّرِّ بَلْ يَجْهَدُونَ في مَضَرَّتِكم، وعَلَيْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ والِاسْمُ الظّاهِرُ مَنصُوبَيْنِ بِنَزْعِ الخافِضِ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الثّانِي مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ مُخْبَلِينَ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ.

واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا إبْهامَ في نِسْبَةِ التَّقْصِيرِ إلى الفاعِلِ، ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ فاعِلًا إلّا عَلى اعْتِبارِ الإسْنادِ المَجازِيِّ والنَّصْبِ بِنَزْعِ الخافِضِ، ووُقُوعُ المَصْدَرِ حالًا لَيْسَ بِقِياسٍ إلّا فِيما يَكُونُ المَصْدَرُ نَوْعًا مِنَ العامِلِ نَحْوَ أتانِي سُرْعَةً وبُطْئًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ في بَحْثِ المَفْعُولِ بِهِ والحالِ، واعْتَمَدَهُ السَّيالَكُوتِي، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ أنَّ التَّمْيِيزَ هُنا مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ نَحْوَ ﴿ وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا ﴾ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ لِأنَّ المَفْرُوضَ أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ فَمِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ لِيُحَوَّلَ عَنْهُ ؟!

ومُلاحَظَةُ تَعِدِّيهِ إلَيْهِ بِتَقْدِيرِ الحَرْفِ قَوْلٌ بِالنَّصْبِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ.

وأُجِيبَ بِالتِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ الحالِيَّةِ أوْ كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى النَّزْعِ مَعَ القَوْلِ بِالسَّماعِ هُنا والمَعْنى عَلى الثّانِي لا يَمْنَعُونَكم خَبالًا أيْ أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَكم ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ، ولا يُبْقُونَ عِنْدَهم شَيْئًا مِنهُ في حَقِّكم وهو وجْهٌ وجِيهٌ، والتَّضْمِينُ قِياسِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ والخِلافُ فِيهِ واهٍ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، والمَعْنى والإعْرابُ عَلى الثّالِثِ ظاهِرانِ بَعْدَ الإحاطَةِ بِما تَقَدَّمَ ﴿ ودُّوا ما عَنِتُّمْ ﴾ أيْ أحَبُّوا عَنَتَكم أيْ مَشَقَّتَكُمُ الشَّدِيدَةَ وضَرَرَكم.

وقالَ السُّدِّيُّ: تَمَنَّوْا ضَلالَتَكم عَنْ دِينِكم، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ.

﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ أيْ ظَهَرَتْ أماراتُ العَداوَةِ لَكم مِن فَلَتاتِ ألْسِنَتِهِمْ وفَحْوى كَلِماتِهِمْ لِأنَّهم لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لَكم لا يَمْلِكُونَ أنْفُسَهم ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَحْفَظُوا ألْسِنَتَهم، وقالَ قَتادَةُ: ظُهُورُ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم حَيْثُ أبْدى كُلٌّ مِنهم ما يَدُلُّ عَلى بُغْضِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِأخِيهِ، وفِيهِ بُعْدٌ، إذْ لا يُناسِبُهُ ما بَعْدَهُ، والأفْواهُ جَمْعُ فَمٍ وأصْلُهُ فُوهٌ، فَلامُهُ هاءٌ، والجُمُوعُ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا تَصْغِيرُهُ عَلى فُوَيْهٍ والنِّسْبَةُ إلَيْهِ فُوهِيٌّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ بَدا البَغْضاءُ ﴿ وما تُخْفِي صُدُورُهُمْ ﴾ مِنَ البَغْضاءِ ( ﴿ أكْبَرُ ﴾ ) أيْ أعْظَمُ مِمّا بَدا لِأنَّهُ كانَ عَنْ فَلْتَةٍ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ إلّا قَلِيلًا ﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ ﴾ أيْ أظْهَرْنا لَكُمُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ قَدْ أظْهَرْنا لَكُمُ الدَّلالاتِ الواضِحاتِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الوَلِيُّ مِنَ العَدُّوِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ (811) أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العَقْلِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الفَضْلَ بَيْنَ الوَلِيِّ والعَدُّوِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَواعِظَ اللَّهِ تَعالى ومَنافِعَها، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجُمَلَ ما عَدا ﴿ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ لِأنَّها حالٌ لا غَيْرَ جاءَتْ مُسْتَأْنَفاتٌ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنِ النَّهْيِ، وتَرْكُ العَطْفِ بَيْنَها إيذانًا بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها في مَوْضِعٍ النَّعْتِ - لِبِطانَةٍ - إلّا ( قَدْ بَيَّنّا ) لِظُهُورِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، والأوَّلُ أحْسَنُ لِما في الِاسْتِئْنافِ مِنَ الفَوائِدِ، وفي الصِّفاتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ المَقْصُودِ أوْ إيهامِهِ لا أقَلَّ وهو تَقْيِيدُ النَّهْيِ ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿ ودُّوا ما عَنِتُّمْ ﴾ بَيانٌ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، وما عَدا ذَلِكَ مُسْتَأْنَفٌ لِلتَّعْلِيلِ عَلى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ بِأنْ يَكُونَ اللّاحِقُ عِلَّةً لِلسّابِقِ إلى أنْ تَكُونَ الأُولى عِلَّةً لِلنَّهْيِ، ويَتِمُّ التَّعْلِيلُ بِالمَجْمُوعِ أيْ لا تَتَّخِذُوهم بِطانَةً لِأنَّهم لا يَأْلُونَكم خَبالًا لِأنَّهم يَوَدُّونَ شِدَّةَ ضَرَرِكم بِدَلِيلِ أنَّهم قَدْ تَبْدُو البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ، وإنْ كانُوا يُخْفُونَ الكَثِيرَ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِنِ اسْتِثْناءِ ( قَدْ بَيَّنّا ) إذْ لا يَصِحُّ تَعْلِيلًا لِبُدُوِّ البَغْضاءِ، ويَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ يعني خلّة وصداقة من غير أهل دينكم، وإنما سميت بطانةً لقربها من البدن مِنْ دُونِكُمْ، أي من دون المؤمنين نزلت الآية في شأن جماعة من الأنصار، كانت بينهم وبين اليهود مواصلة وخاصية، وكانوا على ذلك بعد الإسلام، فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك.

ويقال: كل من كان على خلاف مذهبه ودينه لا ينبغي له أن يحادثه، لأنه يقال في المثل: عن المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قرينه ...

فَإِنَّ القَرِينَ بالمقارن يَقْتَدِي وروى أبو هريرة عن النبيّ  أنه قال: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» .

وروي عن ابن مسعود أنه قال: اعتبروا الناس بأخدانهم.

ثم بيّن الله المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال تعالى: لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أي فساداً، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم لا يتركون- وإن لم يقاتلوكم في الظاهر- فإنهم لا يتركون جهدهم في المكر والخديعة وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ما أَثِمْتُم بربكم.

وقال الزّجاج: الخَبَالُ في اللغة ذِهَابُ الشيء، والعَنَتُ في الأصل المشقة.

وقال القتبي: الخَبَال الفساد.

وقال أيضاً: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، أي ما أعنتكم وهو ما نزل بكم من مكروه.

ثم قال: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ أي ظهرت العداوة والتكذيب لكم مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ أي والذي في صدورهم من العداوة أكثر مما أظهروا بأفواههم.

ويقال: وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، أي قصدهم قتل محمد  ، لأنهم كانوا يضمرون ذلك قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ يعني أخبرناكم بما أخفوا، وبما أبدوا بالدلالات والعلامات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ وتصدقون ها أَنْتُمْ أُولاءِ يعني ها أنتم يا هؤلاء تُحِبُّونَهُمْ لمظاهرتكم إياهم وَلا يُحِبُّونَكُمْ لأنهم ليسوا على دينكم.

وقال الضحاك: معناه كيف تحبون الكفار وهم لا يحبونكم وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ يعني بالتوراة والإنجيل وسائر الكتب، ولا يؤمنون بذلك كله، وقد فضلكم الله عليهم بذلك، لأنهم لا يؤمنون إلا بكتابهم وَإِذا لَقُوكُمْ يعني المنافقين منهم قالُوا آمَنَّا بمحمد  إنه رسول الله وَإِذا خَلَوْا فيما بينهم عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ يعني أطراف الأصابع مِنَ الْغَيْظِ والحنق عليكم فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هؤلاء قد ظهروا وكثروا.

قال الله تعالى لمحمد  : قُلْ لهم يا محمد مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ يقول موتوا بحنقكم على وجه الدعاء، والطرد واللعن، لا على وجه الأمر والإيجاب، لأنه لو كان على وجه الإيجاب، لماتوا من ساعتهم.

كما قال في موضع آخر: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا [البقرة: 243] ، فماتوا من ساعتهم، فهاهنا لم يرد به الإيجاب.

وقال الضحاك: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، يعني أنكم تخرجون من الدنيا بهذه الحسرة، والغيظ يعني اللفظ لفظ الأمر، والمراد به الخبر، يعني أنكم تموتون بغيظكم ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني بما في قلوبكم من العداوة للمؤمنين، إن الله يجازيكم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: رْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ...

الآية: مِنْ أَهْلِ العِلْم من يرى أنَّ كل مصائبِ الدنيا، فإنما هي بمعاصِي العبيدِ، وينتزع ذلك مِنْ غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله أنَّ كلَّ حرثٍ تحرقُهُ ريحٌ، فإنما هو لِمَنْ قد ظلم نفْسَه، والضميرُ في قوله: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ

للكفَّار الذين تقدَّم ضميرهم في نْفِقُونَ

، وليس هو للقوم ذوي الحرث.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطانَةً، أي: لا تتَّخذوا من الكفَّارِ، واليهودِ، والمنافقينَ أخلاَّء تأنَسُونَ بهم في الباطنِ، وتفاوضونهم في الآراء.

وقوله سبحانه: مِنْ دُونِكُمْ، يعني: مِنْ دُونِ المؤمنين.

وقوله سبحانه: لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبالًا: معناه: لا يقصِّرون لكم فيما فيه فسادٌ عليكم، تقُول: ما أَلَوْتُ فِي كَذَا، أيْ: ما قصَّرت، بل اجتهدت، والخبالُ: الفسادُ، قال ابن عبَّاس: كان رجالٌ من المؤمنين يواصِلُون رجالاً من اليهودِ للْحِلْفِ والجِوَارِ الذي كان بَيْنهم في الجاهليَّة، فنزلَتِ الآية في ذلك «١» ، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً، وقتادة، والرَّبِيع، والسُّدِّيُّ:

نزلَتْ في المنافقين «٢» .

قال ع «٣» : ويدخُلُ في هذه الآية استكتاب أهل الذِّمَّة، وتصريفُهم في البَيْع والشِّراء، ونَحْو ذلك، و «ما» في قوله: مَا عَنِتُّمْ: مصدريةٌ، فالمعنى: وَدُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المشقَّة والمكروه يلقاه المرءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ، أي: شاقَّة.

قال ص: قال الزجَّاج «٤» : عَنَتَكُمْ، أي: مشقَّتَكُم، وقال ابنُ جرير «٥» : ضلالكم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُصافُّونَ المُنافِقِينَ، ويُواصِلُونَ رِجالًا مِنَ اليَهُودِ لَمّا كانَ بَيْنَهم مِنَ القَرابَةِ، والصَّداقَةِ، والجِوارِ، والرَّضاعِ، والحِلْفِ، فَنُهُوا عَنْ مُباطَنَتِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: البِطانَةُ: الدُّخَلاءُ الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ [أمْرَهُ ] ويَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ، يُقالُ: فُلانٌ بِطانَةٌ لِفُلانٍ، أيْ: مَداخِلٌ لَهُ، مُؤانِسٌ.

ومَعْنى لا يَأْلُونَكُمْ: لا يَتَّقُونَ غايَةً في إلْقائِكم فِيما يَضُرُّكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ﴾ أيْ: ودُّوا عَنَتَكم، وهو ما نَزَلَ بِكم مِن مَكْرُوهٍ وضُرٍّ، يُقالُ: فُلانٌ يُعَنِّتُ فُلانًا، أيْ: يَقْصِدُ إدْخالَ المَشَقَّةِ والأذى عَلَيْهِ، وأصْلُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: أكَمَةٌ عَنُوتٌ، إذا كانَتْ طَوِيلَةً، شاقَّةَ المَسْلَكِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿ مِن دُونِكُمْ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ.

والخَبالُ: الشَّرُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: قَدْ ظَهَرَ لَكم مِنهم الكَذِبُ، والشَّتْمُ، ومُخالَفَةُ دِينِكم.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذِهِ الآَيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِأهْلِ الذِّمَّةِ في أُمُورِ المُسْلِمِينَ مِنَ العِمالاتِ والكَتَبَةِ، ولِهَذا قالَ أحْمَدُ: لا يَسْتَعِينُ الإمامُ بِأهْلِ الذِّمَّةِ عَلى قِتالِ أهْلِ الحَرْبِ.

ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ أبا مُوسى اسْتَكْتَبَ رَجُلًا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ يُعَنِّفُهُ، وقالَ: لا تَرُدُّوهم إلى العِزِّ بَعْدَ إذْ أذَلَّهُمُ اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عن أنْ يَتَّخِذُوا مِنَ الكُفّارِ واليَهُودِ أخِلّاءً يَأْنَسُونَ بِهِمْ في الباطِنِ مِن أُمُورِهِمْ، ويُفاوِضُونَهم في الآراءِ، ويَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: "مِن دُونِكُمْ" يَعْنِي: مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، ولَفْظَةُ "دُونَ" تَقْتَضِي فِيما أُضِيفُ إلَيْهِ أنَّهُ مَعْدُومٌ مِنَ القِصَّةِ الَّتِي فِيها الكَلامُ، فَشَبَّهَ الأخِلّاءَ بِما يَلِي بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ  : « "ما مِن خَلِيفَةٍ ولا ذِي إمْرَةٍ إلّا ولَهُ بِطانَتانِ، بِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَرِّ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَن عَصَمَ اللهُ".» وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ مَعْناهُ: لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكُمْ، تَقُولُ: ما ألَوْتُ في كَذا، أيْ: ما قَصَّرْتُ، بَلِ اجْتَهَدْتُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: جَرى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يَلْحَقُوهُمُ فَلَمْ يَلْحَقُوا ولَمْ يُلِيمُوا ولَمْ يَأْلُوا أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا.

والخَبَلُ والخَبالُ: الفَسادُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِنَ اليَهُودِ، لِلْجِوارِ والحِلْفِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَبِيعُ والسُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، نَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عنهم.

ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لا تَسْتَضِيئُوا بِنارِ المُشْرِكِينَ، ولا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم عَرَبِيًّا"» فَسَّرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ فَقالَ: أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا تَسْتَشِيرُوا المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أُمُورِكُمْ، ولا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم "مُحَمَّدًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِكْتابُ أهْلِ الذِمَّةِ وتَصْرِيفُهم في البَيْعِ والشِراءِ والِاسْتِنامَةُ إلَيْهِمْ.

ورُوِيَ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ اسْتَكْتَبَ ذِمِّيًّا فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ يُعَنِّفُهُ، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.

وقِيلَ لِعُمَرَ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مِن نَصارى الحِيرَةِ لا أحَدَ أكْتَبُ مِنهُ ولا أخَطُّ بِقَلَمٍ، أفَلا يَكْتُبُ عنكَ؟

فَقالَ: إذًا أتَّخِذُ بِطانَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ.

و"ما" في قَوْلِهِ: "ما عَنِتُّمْ" مَصْدَرِيَّةٌ.

فالمَعْنى: ودُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المَشَقَّةُ والمَكْرُوهُ يَلْقاهُ المَرْءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ: أيْ شاقَّةٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ  ﴾ مَعْناهُ: المَشَقَّةُ إمّا في الزِنى، وإمّا في مِلْكِ الإرْبِ.

قالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ: ودُّوا ما ضَلَلْتُمْ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنى: ودُّوا أنْ تَعْنَتُوا في دِينِكُمْ، ويُقالُ: عَنِتَ الرَجُلُ يَعْنَتُ بِكَسْرِ النُونِ في الماضِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ يَعْنِي بِالأقْوالِ، فَهم فَوْقَ المُتَسَتِّرِ الَّذِي تَبْدُو البَغْضاءُ في عَيْنَيْهِ.

وخَصَّ تَعالى الأفْواهَ بِالذِكْرِ دُونَ الألْسِنَةِ إشارَةً إلى تَشَدُّقِهِمْ وثَرْثَرَتِهِمْ في أقْوالِهِمْ هَذِهِ، ويُشْبِهُ هَذا الَّذِي قُلْناهُ ما في الحَدِيثِ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ  نَهى أنْ يَتَشَحّى الرَجُلُ في عِرْضِ أخِيهِ،» مَعْناهُ: أنْ يَفْتَحَ فاهُ بِهِ، يُقالُ: شَحا الحِمارُ فاهُ بِالنَهِيقِ، وشَحا اللِجامُ في الفَرَسِ، والنَهْيُ في أنْ يَأْخُذَ أحَدٌ عِرْضَ أخِيهِ هَمْسًا راتِبٌ، فَذِكْرُ التَشَحِّي إنَّما هو إشارَةٌ إلى التَشَدُّقِ والِانْبِساطِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهم يُبْطِنُونَ مِنَ البَغْضاءِ أكْثَرَ مِمّا يُظْهِرُونَ بِأفْواهِهِمْ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قَدْ بَدا البَغْضاءُ" بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، لِما كانَتِ البَغْضاءُ بِمَعْنى البُغْضِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ تَحْذِيرًا وتَنْبِيهًا، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ ولَكِنَّ هَذا هَزٌّ لِلنُّفُوسِ كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا وكَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الآن إذ كشف الله دخائل مَنْ حولَ المسلمين من أهل الكتاب، أتمّ كشف، جاء موقع التحذير من فريق منهم، والتحذير من الاغترار بهم، والنهي عن الإلقاء إليهم بالمودة، وهؤلاء هم المنافقون، للإخبار عنهم بقوله: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ [آل عمران: 119] الخ...

وأكثرهم من اليهود، دون الذين كانوا مشركين من الأوس والخزرج.

وهذا موقع الاستنتاج في صناعة الخطابة بعد ذكر التمهيدات والأزقناعات.

وحقّه الاستئناف الابتدائي كما هنا.

والبطانة بكسر الباء في الأصل داخل الثَّوب، وجمعها بطائن، وفي القرآن ﴿ بطائنها من استبرق ﴾ [الرحمن: 54] وظاهر الثوب يسمّى الظِهارة بكسر الظاء.

والبطانة أيضاً الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر، ويسمّى الشِعار، وما فوقه الدثار، وفي الحديث: «الأنصارُ شعار والنَّاس دِثار» ثمّ أطلقت الثِّياب في شدة القرب من صاحبها.

ومعنى اتخاذهم بطانة أنهم كانوا يحالفونهم ويودّونهم من قبل الإسلام فلمَّا أسلم من أسلم من الأنصار بقيت المودة بينهم وبين من كانوا أحلافهم من اليهود، ثُمّ كان من اليهود من أظهروا الإسلام، ومنهم من بَقي على دينه.

وقوله: ﴿ من دونكم ﴾ يجوز أن تكون (من) فيه زائدة و(دون) اسم مكان بمعنى حولكم، وهو الاحتمال الأظهر كقوله تعالى في نظيره ﴿ ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة ﴾ [التوبة: 16] ويجوز أن تكون (من) للتبعيض و(دون) بمعنى غير كقوله تعالى ﴿ ومنَّا دون ذلك ﴾ [الفتح: 27] من غير أهل ملّتكم، وقد علم السامعون أنّ المنهي عن اتِّخاذهم بطانة هم الذين كانوا يموّهون على المؤمنين بأنَّهم منهم، ودخائلهم تقتضي التَّحذير من استبطانهم.

وجملة: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ صفة لبطانة على الوجه الأول، وهذا الوصف ليس من الأوصاف الظاهرة التي تفيد تخصيص النكرة عمّا شاركها، لكنّه يظهر بظهور آثاره للمتوسّمين.

فنهى الله المسلمين عن اتّخاذ بطانة هذا شأنها وسمَتها، ووكلهم إلى توسّم الأحوال والأعمال، ويكون قوله ﴿ ودّوا مَا عنتُّم ﴾ وقوله ﴿ قد بدت البغضاء ﴾ جملتين في محلّ الوصف أيضاً على طريقة ترك عطف الصفات، ويومئ إلى ذلك قوله: ﴿ قد بينّا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ أي: قد بيّنا لكم علامات عداوتهم بتلك الصفات إن كنتم تعقلون فتتوسّمون تلك الصّفات، كما قال تعالى: ﴿ إنّ في ذلك لآيات للمتوسّمين ﴾ وعلى الاحتمال الثاني يجعل ﴿ من دونكم ﴾ وصفاً، وتكون الجمل بعده مستأنفات واقعة موقع التعليل للنَّهي عن اتِّخاذ بطانة من غير أهل ملّتنا، وهذ الخلال ثابتة لهم فهي صالحة للتوصيف، ولتعليل النَّهي، ذلك لأنّ العداوة النَّاشئة عن اختلاف الدين عداوة متأصّلة لا سيما عداوة قوم يرون هذا الدّين قد أبطَلَ دينهم، وأزال حظوظهم.

كما سنبينه.

ومعنى ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ لا يقصّرون في حبالكم، والألْوُ التقصير والترك، وفعله ألاَ يَألو، وقد يتوسّعون في هذا الفعل فيعدّى إلى مفعولين، لأنَّهم ضمّنوه معنى المنع فيما يرغَب فيه المفعول، فقالوا لا آلوك جُهداً، كما قالوا لا أدّخرك نصحاً، فالظاهر أنَّه شاع ذلك الاستعمال حتَّى صار التضمين منسياً، فلذلك تعدّى إلى ما يدلّ على الشرّ كما يعدّى إلى ما يدلّ على الخير، فقال هنا: ﴿ لا يألونكم خبالا ﴾ أي لا يقصّرون في خبالكم، وليس المراد لا يمنعونكم، لأن الخبال لا يُرْغب فيه ولا يسأل.

ويحتمل أنَّه استعمل في هذه الآية على سبيل التهكّم بالبطانة، لأنّ شأن البطانة أن يسعوا إلى ما فيه خير من استبطنهم، فلمّا كان هؤلاء بضدّ ذلك عبّر عن سعيهم بالضرّ، بالفعل الذي من شأنه أن يستعمل في السعي بالخير.

والخبال اختلال الأمر وفساده، ومنه سمّي فساد العقل خبالاً، وفساد الأعْضَاء.

وقوله ﴿ ودّوا ما عنتم ﴾ الود: المحبّة، والعنَت: التعب الشَّديد، أي رغبوا فيما يعنتكم و(ما) هنا مصدرية، غير زمانية، ففعل ﴿ عنتم ﴾ لمّا صار بمعنى المصدر زالت دلالته على المضي.

ومعنى ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ ظهرت من فلتات أقوالهم كما قال تعالى: ﴿ ولتعرفنهم في لحن القول ﴾ فعبّر بالبغضاء عن دلائلها.

وجملة ﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ حالية.

(والآيات) في قوله: ﴿ قد بينا لكم الآيات ﴾ بمعنى دلائل سوء نوايا هذه البطانة كما قال: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ [الحجر: 75] ولم يزل القرآن يربّي هذه الأمّة على إعمال الفكر، والاستدلال، وتعرّف المسبَّبات من أسبابها في سائر أحوالها: في التَّشريع، والمعاملة ليُنشئها أمَّة علم وفطنة.

6 ولكون هذه الآيات آياتتِ فراسةٍ وتوسّم، قال: ﴿ إن كنتم تعقلون ﴾ ولم يقل: إن كنتم تعلمون أو تفقهون، لأنّ العقل أعمّ من العلم والفقه.

وجملة ﴿ قد بينا لكم الآيات ﴾ مستأنفة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ صافَوْا بَعْضَ المُشْرِكِينَ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ المَوَدَّةَ لِمُصاحَبَةٍ في الجاهِلِيَّةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

والبِطانَةُ هم خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَهُ، والأصْلُ البَطْنُ، ومِنهُ بِطانَةُ الثَّوْبِ لِأنَّها تَلِي البَطْنَ.

﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ أيْ لا يُقَصِّرُونَ في أمْرِكم.

والخَبالُ: النَّكالُ، وأصْلُهُ الفَسادُ ومِنهُ الخَبَلُ الجُنُونُ.

﴿ وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ودُّوا إضْلالَكم عَنْ دِينِكم، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: ودُّوا أنْ تَعَنَّتُوا في دِينِكم أيْ تَحْمِلُونَ عَلى المَشَقَّةِ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ، وأصْلُ العَنَتِ المَشَقَّةُ.

﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ أيْ بَدا مِنها ما يَدُلُّ عَلَيْها.

﴿ وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ مِمّا بَدا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم منهم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ قال: هم المنافقون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: نزلت في المنافقين من أهل المدينة.

نهى المؤمنين أن يتولَّوهم.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند جيد عن حميد بن مهران المالكي الخياط قال: سألت أبا غالب عن قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...

﴾ الآية قال: «حدثني أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: هم الخوارج» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنقشوا في خواتيمكم عربياً، ولا تستضيئوا بنار المشركين.

فذكر ذلك للحسن فقال: نعم.

لا تنقشوا في خواتيمكم محمداً، ولا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم» قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب، أنه قيل له إن هنا غلاماً من أهل الحيرة حافظاً كاتباً، فلو اتخذته كاتباً قال: قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين.

وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ لا تتخذوا بطانة ﴾ يقول: لا تستدخلوا المنافقين تتولوهم دون المؤمنين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ودوا ما عنتم ﴾ يقول: ما ضللتم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ ودوا ما عنتم ﴾ يقول: ودّ المنافقون ما عنت المؤمنون في دينهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ يقول: من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار من غشهم للإسلام وأهله وبغضهم إياهم ﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ يقول: ما تكنُّ صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ قال المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن يرحمه في الدنيا.

لو يقدر المنافق من المؤمن على مثل ما يقدر عليه منه لأباد خضراءه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة.

مثله.

وأخرج إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ أي بكتابكم وكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل ﴾ قال: هكذا ووضع أطراف أصابعه في فيه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا لقوكم...

﴾ الآية.

قال: إذا لقوا المؤمنين ﴿ قالوا آمنا ﴾ ليس بهم إلا مخافة على دمائهم وأموالهم فصانعوهم بذلك ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ يقول: مما يجدون في قلوبهم من الغيظ والكراهة لما هم عليه، لو يجدون ريحاً لكانوا على المؤمنين.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ عضوا عليكم الأنامل ﴾ قال: الأصابع.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء قال: نزلت هذه الآية في الأباضية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ يعني النصر على العدوّ، والرزق، والخير، يسؤهم ذلك ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ يعني القتل والهزيمة والجهد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: إذا رأوا من أهل الإسلام إلفة وجماعة وظهوراً علىعدوّهم غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافاً أو أصيب طرف من أطراف المسلمين سرهم ذلك وابتهجوا به.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ﴾ مشددة برفع الضاد والراء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾ الآية.

قال المفسرون: نزلت في النهي عن مداخلة اليهود والمنافقين [[ورد ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والربيع، وغيرهم.

انظر: "سيرة ابن هشام": 2/ 186، و"تفسير الطبري":4/ 61، و"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 742 - 743، و"تفسير الثعلبي": 3/ 104 أ، و"أسباب النزول" للواحدي: ص 124، و"الدر المنثور": 2/ 118.

ولا يمنع كونها نازلة في اليهود والمنافقين، أن يدخل في النهي اتِّخاذ جميع أصناف الكافرين بطانة؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وقد قال الله -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ﴾ .

[سورة الممتحنة:1].

== وقد قيل لعمر بن الخطاب -  -: (إن ههنا غلامًا من أهل الحيرة، حافظًا كاتبًا، فلو اتّخذته كاتبًا.

قال: قد اتّخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين).

أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 743، وأورده ابن كثير 1/ 428، والسيوطي في "الدر": 2/ 118، وزاد عزوه لعبد بن حميد، وابن أبي شيبة.

قال ابن كثير -معلقًا في هذا الموضع-: (ففي هذا الأثر مع هذه الآية [أي: آية سورة آل عمران 118] دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، وإطلاع على دواخل أمورهم، التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل العرب؛ ولهذا قال: ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾ ).

"تفسيره": 1/ 428.

وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 8/ 215.]].

و (البِطَانَة): قال أبو حاتم، عن الأصمعي (١) (٢) (٣) قال الشاعر: أولئك خُلْصاني نَعَمْ وبِطانَتِي ...

وهُمْ عَيْبَتِي (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ دُونِكُمْ ﴾ أي: مِن دون المسلمين، ومِن غير أهل ملَّتكم، وظاهر هذا للمخاطَبِين، وهو يريد: جميع المسلمين.

يعني لا تتخذوا بطانة مِن دون (٩) (١٠) وصلح أن يُعَبَرَ ﴿ مِنْ دُونِكُمْ ﴾ عن هذا.

كما يقول الرجل: (قد قتلتمونا [وهزمتُمُونا] (١١) ﴿ فَأقتُلُوَا أَنفُسَكُم ﴾ \[من سورة البقرة: 54\].

لا يعني بها أن يقتل كل واحد منهم نفسه بيده، بل يعني ليقتل بعضكم بعضًا، أو ليقتل البريء منكم المجرم.

ومنها قوله: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ \[من سورة البقرة: 61\].

والمعنِيِّين في الآية لم يقتلوا النبيين، وإنما الذي قتل النبيين آباؤهم، وإنما هم تولوا القتلة.

وانظر: الآية: 21 من سورة آل عمران، والآية: 61 من سورة النور.

وانظر: "معاني القرآن"، للنحاس: 1/ 465، و"تفسير الفخر الرازي": 8/ 216.]].

وقوله تعالى: ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ يقال (١٢) (١٣) قال امرؤ (١٤) وما المَرْءُ ما دامت حُشَاشَةُ (١٥) (١٦) قال أبو الهيثم (١٧) يقال: (أَلاَ، يَألُوا): إذا فَتَرَ (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) أي: ما قصَّروا (٢٢) قال امرؤ القيس: أَلاَ رُبَّ خَصْمٍ فيكِ أَلْوَى رَدَدْتُهُ ...

نَصِيحٍ على تَعْذالِهِ غيرِ مُؤْتَلِي (٢٣) أي: غير مقصر.

و (الخَبَالُ) -في اللغة-: الفساد والشر.

ومنه قوله تعالى: ﴿ مَّا زَادُوكُم إِلَّا خَبَالًا ﴾ [[[سورة التوبة: 47]، وتمامها: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ .]]؛ أي (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ويقال: (في قوائم الدابَّة خَبَالٌ)، و (في عَقْلِهِ خبالٌ)؛ أي: و (رجلٌ مُخَبَّلُ الرأي): فاسدُهُ، [و] (٢٨) (٢٩) (٣٠) ومعنى قوله: ﴿ لَا يَأْلُونَكُم خَبَالًا ﴾ أي: لا يَدَعُونَ جهدَهم في مضرَّتِكم، وفسادكم (٣١) يقال: (ما أَلَوْتُهُ نُصْحًا)؛ ما قصَّرت في نصيحته (٣٢) (٣٣) ﴿ لَا يألُونَكُم خَبَالًا ﴾ أي: لا يُبْقون (٣٤) (٣٥) ومحل قوله: ﴿ لَا يأْلُونَكُمْ ﴾ : النَّصْبُ، لأنه صفة البطانة (٣٦) وانتصب (٣٧) (٣٨) (٣٩) ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ : يُخبلونكم خَبَالًا (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾ .

قال المفسرون (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) و (ما) (٤٥) ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ [[[سورة التوبة: 128].

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ .]]؛ أي (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقيل (٤٩) ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾ ، أي: ما أعنتكم من مكروه، وضُرٍّ (٥٠) وقال السُّدِّي (٥١) ومضى الكلام في (العَنَتِ)، و (الإعْنَاتِ) عند قوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ  ﴾ .

ولا محل لقوله: ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾ ؛ لأنه استئنافٌ بالجملة.

وقيل (٥٢) ﴿ لَا يألُونَكُم خَبَالًا ﴾ .

فلو رجع هذا إلى البطانة، لأدخل حرف العطف؛ لأنك لا تقول في الكلام: (لا تَتَّخذ صاحبًا يَشْتِمُكَ، أحبَّ مُفارقَتَكَ) (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ قَد بَدَتِ اَلبغضَاَءُ مِن أَفوَاهِهِم ﴾ البَغْضاءُ: شِدَّةُ البُغْضِ (٥٤) (٥٥) ومعنى الآية: قد ظهرت العداوةُ من أفواههم، بالشتِيمَةِ والوَقِيعَةِ في المسلمين، وإطلاع المشركين على أسرارهم (٥٦) وواحد (الأفواه): فَمٌ.

وأصله (٥٧) لَيْسَتْ (٥٨) (٥٩) و (عملت (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) والدليل على أن أصله (فَوْه): جمعه على (أفواه)، نحو: (سَوْطٍ، وأسواط)، و (حَوْضٍ، وأحواض)، و (طَوْقٍ، وأطواق).

وقال أُمَيَّةُ (٦٨) وما فَاهُوا بِهِ أبدًا مُقِيمُ (٦٩) وقالوا: (رجلٌ مُفَوَّهٌ): إذا أجادَ (٧٠) (٧١) قال الشَّنْفَرَى (٧٢) مُهَرَّتَةٌ (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) ذكر ذلك أبو الفتح الموصلي (٧٧) قوله تعالى: ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ (٧٨) (٧٩) (٨٠)  .

وقوله تعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾ قال عَطَاء (٨١) وقال السُّدِّي (٨٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ﴾ قيل (٨٣) (٨٤) (٨٥) وقيل (٨٦) (١) قوله، في: "تهذيب اللغة": 1/ 350 (بطن).

وهو من قوله: (أبو حاتم ..) إلى (في أمره).

نقله عنه بنصه.

(٢) وبطانة: ليست في: "تهذيب اللغة".

وهي في: "اللسان": 1/ 304 (بطن) حيث أورد نفس النص، ولكن دون عزو.

(٣) في (أ): (بالبطانة).

وفي (ب): (في البطانة).

والمثبت من (ج).

(٤) في (ب): (عينتي).

(٥) لم أقف على قائله.

وقد ورد غير منسوب في: "تفسير الثعلبي" 3/ 104 أ، و"البحر المحيط" 3/ 33، و"الدر المصون" 3/ 363، و"فتح القدير" للشوكاني 1/ 566.

وفي "فتح القدير": (وهم خلصاني كلهم وبطانتي).

وقوله: (خُلْصاني)؛ أي: خُلَصائي.

ويستوي فيه الواحد والجماعة.

== و (عَيْبَة الرجل): موضعُ سِرِّه والجمع: (عِيَبٌ)، و (عِياب)، و (عَيْبات).

انظر: "اللسان": 5/ 3184 (عيب)، 2/ 1228 (خلص).

(٦) في (أ)، (ب): (يستنبطون).

ولا وجه لها.

والمثبت من (ج)، ومصادر اللغة.

(٧) منه: ساقطة من (ج).

(٨) انظر: (بطن) في: "الصحاح" 2079 - 2080، و"مقاييس اللغة" 1/ 259.

(٩) في (ب): من دونكم من دون المسلمين.

(١٠) انظر: "تفسير غريب القرآن"، لابن قتيبة 1/ 103، و"تفسير الطبري" 4/ 61، و"تفسير أبي السعود" 2/ 76، و"فتح القدير" 1/ 566.

(١١) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(١٢) في (أ)، (ب): (لا يقال).

وهو خطأ واضح.

والمثبت من (ج).

(١٣) في (أ): (آلوا).

وهي خطأ.

والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر اللغة.

(١٤) في (ب): (امرئ).

(١٥) في (أ): (حَشاشة) -بفتح الحاء-.

ولم أرها في معاجم اللغة التي رجعت إليها.

وأهملت حركاتها في: (ب)، (ج).

وما أثبتُّه، فمن مصادر البيت وكتب اللغة.

(١٦) في (ج): (ولا ألي).

والبيت في: ديوانه: ص 129.

كما ورد منسوبًا له في: كتاب "المعاني الكبير": 3/ 1255، و"الزاهر": 1/ 268.

وورد غير منسوب في: "اللسان": 2/ 886 (حشش)، 1/ 176 (ألا).

والحُشاشة: الروح ورمق الحياة، وبقية الروح في المريض، وكل بَقِيَّة: (حشاشة).

انظر: "اللسان": 2/ 886 (حشش).

ومعناه: إن المرء ما بقيت فيه بقية من روح، فإنه يبذل قصارى جهده في سبيل تحقيق ما يريد، ومع هذا فإنه لن يحصل على كل شيء، ولن يدر أواخر الأمور.

(١٧) قوله، في: "تهذيب اللغة": 1/ 179، و"اللسان": 1/ 117.

(١٨) في (أ)، (ب): (أفتر).

والمثبت من: (ج)، و"تهذيب اللغة"، و"اللسان".

(١٩) وقصَّر: غير موجودة في (التهذيب)، "اللسان".

(٢٠) في (أ)، (ب): (آلى).

وفي (ج): (الا).

وقد أثبتُها (ألَّى)؛ لأنه بدا لي -والله أعلم- أن المؤلف هكذا أرادها؛ والدليل على ذلك: أنها جاءت بهذه الصورة في: "التهذيب" و"اللسان"، وبقية مصادر اللغة التي رجعت إليها.

إضافة إلى أن == المؤلف أورد الشاهد الشعري بعدها دليلًا على ورودها في اللغة بهذه الصورة، وقد وردت فيه (ألَّى) كما سيأتي.

مع ملاحظة أن (آلى) صحيحةٌ لغةً، وقد أوردها ابنُ فارس في: "مقاييس اللغة": 1/ 128 (ألوى)، وأورد بعدها الشاهد الشعري الآتي دليلًا عليها، وفيه (آلى) بدلًا من (ألَّى).

ومن معاني (آلى): حَلَفَ.

يقال: (آلَى، يُؤلي، إيلاءً).

وتأتي: (يَتَألَّى تألِّيًا)، و (ائْتَلَى يأتَلي ائْتِلاءً).

كلها بمعنى: اليمين.

انظر: "مقاييس اللغة": 1/ 128 (ألوى)، و"اللسان": 1/ 117 (ألا).

(٢١) في (ب)، (ج): وردت (ألَّى) في البيت مهملة بدون همز ولا تشكيل.

وهذا شطر بيت للرَّبيع بن ضبُع الفَزَاري.

وأول البيت: وإنَّ كَنَائِني لَنِساءُ صِدْقٍ وقد ورد منسوبًا له في: كتاب " المعاني الكبير" 1/ 532، و"تهذيب اللغة" 1/ 179 (ألى)، و"غريب الحديث"، للخطابي 1/ 58، و"الصحاح" 6/ 2270 (ألا)، و"أمالي المرتضى" 1/ 255، و"الإفصاح" للفارقي 270 و"الفائق" للزمخشري 1/ 65، و"اللسان" 1/ 117 (ألا)، و"خزانة الأدب" 7/ 381، 382.

وورد غير منسوب في: "مقاييس اللغة" 1/ 128 (ألوى).

وقد ورد في كل المصادر السابقة -إلا في: "المقاييس"، و"أمالي المرتضى" كالتالي: (وما ألَّى بَنِيَّ).

أما في: "المقاييس"، و"الأمالي"، فورد: (..

آلَى ..)، وورد في بعض المصادر: (وما أساؤوا).

الكَنائن: جمع: كَنَّة.

وهي امرأة الابن والأخ.

انظر: "القاموس": 1585 (كنن).

و (ألَّى) فعَّلَ، من: (ألَوت)؛ أي: أبطأت.

أو من: (الألُوِّ)؛ أي: التقصير.

انظر: كتاب "المعاني الكبير": 1/ 532، و"التهذيب": 1/ 179 (ألى).

ويعني الشاعر: أن كنائنه نِعْم النساء، وأن بنيه ما أبطؤوا عن فعل المكارم، وما يجب عليهم من القيام بأمره، وما قصَّروا في ذلك.

(٢٢) نقل في "خزانة الأدب" قول أبي حاتم السجستاني، معلقًا على البيت: (والتألية: == التقصير، ومن قال: (وما آلى) بالمد؛ فمعناه ما أقسموا؛ أي لا يَبرُّوني) 7/ 382.

وذكر محقق "أمالي المرتضى" 1/ 255: أنه في حاشية نسخة أخرى للأمالي، ورد التالي: (ألّى) - بتشديد اللام.

قال: وهو الصحيح، ومعنى (ألّى): قصر، في قول بعضهم.

واللغة الأخرى: (ألا) -مخففًا-؛ يقال: (ألا الرجلُ)، (يألوا): إذا قصر وفَتَر.

فأما (آلى) في البيت، فلا وجه له؛ لأنه بمعنى: حلف، ولا معنى له -ههنا-).

وانظر: "الخزانة"، في الموضع السابق.

(٢٣) البيت في: ديوانه: (116).

و"شرح القصائد السبع"، لابن الأنباري: 73، و"شرح المعلقات السبع"، للزوزني: 25، و"شرح القصائد العشر"، للتبريزي: 35.

(الألوى): الشديد الخصومة، الجَدِل.

و (النصيح): الناصح.

و (التَّعْذال): هو العَذْل؛ أي: اللوم.

و (غير مؤتلي): غير مقصر.

ومعنى البيت: ألا رُبَّ خصم؛ شديد في خصومته؛ جَدِلٍ في كلامه، كان ينصحني، غير مقصر في نصيحته لي، ولومه إيّاي على حبي لكِ، قد رددته، ولم أرجع عن هواك بلومه ونصحه.

أي: إنه بلغ من شدة حبه لها الغاية القصوى، لدرجة أنه لا يؤثر فيه، ولا يثنيه عن ذلك نصح ناصح، ولا لومُ لائم.

انظر: المراجع السابقة.

(٢٤) (أي): ساقطة من (ب)، (ج).

(٢٥) في (أ): (لا يريد).

(٢٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).

(٢٧) انظر: "مجاز القرآن": 1/ 103، 261 و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 187،== و"نزهة القلوب" للسجستاني 217، و"بحر العلوم" لأبي الليث 1/ 294، و"تفسير الثعلبي" 3/ 104 ب، و"تحفة الأريب" لأبي حيان 113.

(٢٨) ما بين المعقوفين: زيادة من (ب).

(٢٩) في (ج): (ختله).

(٣٠) انظر: (خبل) في: "إصلاح المنطق": 52، و"تهذيب اللغة": 1/ 981، و"مقاييس اللغة": 2/ 242.

(٣١) انظر: "بحر العلوم" لأبي الليث: 1/ 294.

(٣٢) في (ج): (نصيحة).

(٣٣) في: "معاني القرآن"، له: 1/ 462.

(٣٤) في (ج): (لا يتقون).

(٣٥) في "معاني القرآن": في إلقائهم فيما يضرهم.

(٣٦) انظر: "البيان"، للأنباري 1/ 217، و"التبيان" للعكبري (206).

وقيل: هي حال من الضمير في قوله تعالى: ﴿ مِنْ دُونِكُمْ ﴾ على أن يكون الجارُّ صفة لـ (بطانة).

وقد جوز كونها -والجمل التي بعدها- صفة، الزمخشريُّ، ولكنه جعل الأَوْلَى من ذلك أن تكون مستأنفة على وجه التحليل للنهي عن اتِّخاذهم بطانة.

وأيد ذلك ابن هشام.

== انظر: "الكشف": 1/ 458، و"المغني"، لابن هشام: 503 - 504.

أما أبو حيان فلا يرى أن تكون هذه الجمل صفة للبطانة أو حالًا، ولا يجيز ذلك، ويرى لها وجهًا واحدًا فقط، هى أن تكون استئنافية، لا محل لها من الإعراب (جاءت بيانًا لحال البطانة الكافرة؛ لتنفير المؤمنين عن اتخاذهم بطانة).

ويرى أن من قال عنها أنها صفة للبطانة أو حال مما تعلقت به (مِن) (فبعيد عن فهم الكلام الفصيح؛ لأنهم نُهوا عن اتخاذ بطانة كافرة، ثم نبَّه على أشياء مما هم عليه من ابتغاء الغوائل للمؤمنين، ووداد مشقتهم، وظهور بغضهم، والتقييد بالوصف أو بالحال يؤذن بجواز الاتخاذ عند انتفائهما).

"البحر المحيط": 3/ 38.

(٣٧) من قوله: (وانتصب) إلى (يخبلونكم خبالًا): نقله بتصرف عن "الثعلبي" 3/ 104 ب.

(٣٨) أي هو مفعول ثانٍ.

قال الزمخشري عن تعدِّي فِعْلِ (ألا) الذي بمعنى قصَّر: (يقال: (ألاَ في الأمر، يألو): إذا قَصَّرَ فيه، ثم استعمل فعدِّيَ إلى مفعولين في قولهم: (لا آلُوكَ نُصْحًا)، و (لا آلوك جهدًا)؛ على التضمين؛ والمعنى: لا أمنعك نصحًا، ولا أنقصكه).

"الكشاف": 1/ 458.

(٣٩) في (ج): (نصبت).

(٤٠) في (أ): لا يختلونكم خبالًا.

ب: لا يخبلونكم خبالًا.

والجملة ساقطة من (ج).

وأثبتُّها بحذف حرف النفي (لا) كما جاءت في: "تفسير الثعلبي"، ولأنها لا وجه لها بوجود حرف النفي.

وأثبتُ (يخبلونكم) من: ب، و"تفسير الثعلبي".

وقد ذُكر في نصب (خبالًا) أقوالٌ أخرى، منها: - إنها منصوبة على إسقاط حرف الجر، والتقدير: لا يألونكم في خبال؛ أي: في تخبيلكم، ويكون حينها فعل (ألاَ) يتعدى إلى مفعول واحد بغير حرف الجر.

- وقيل: إنها مصدر في موضع الحال.

أي: مُتَخبلين.

انظر: "التبيان" للعكبري (206)، و"الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 620.

(٤١) منهم: ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن": 109، والزجاج في: "معاني القرآن" 1/ 462، والطبري في: "تفسيره": 4/ 61.

(٤٢) في (ج): (ودُّوا ما عنتم).

(٤٣) في (ج): (فالعنت).

(٤٤) انظر هذا المعنى في: كتاب "العين": 2/ 72، و"مجاز القرآن": 1/ 73،123، و"تفسير الطبري": 2/ 375، و"معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 362، و"جمهرة اللغة": 1/ 403 (عنت)، و"الزاهر": 1/ 436، و"تهذيب اللغة": 3/ 2584، و"مقاييس اللغة" 2/ 150 (عنت).

(٤٥) (ما): ساقطة من (ج).

(٤٦) (عزيز عليه ما عنتم أي): ساقط من (ج).

(٤٧) انظر: "المغني" لابن هشام 399.

(٤٨) قوله: (لقاء الشدة والمشقة): هو نص قول الأزهري في: "تهذيب اللغة" 3/ 2584 (عنت).

(٤٩) القائل هو ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 109.

(٥٠) ونصه قول ابن قتيبة: (أي: ودُّوا عنتكم وهو ما نزل بكم من مكروه وضر).

وبه قال مكي في: "تفسير المشكل" 51، وأبو الليث في: "بحر العلوم" 1/ 294.

(٥١) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 62، و"تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 743 و"النكت والعيون" 1/ 419.

(٥٢) ممن قال ذلك: الأخفش في: "معاني القرآن"، له: 1/ 214، والطبري في: "تفسيره": 4/ 62.

(٥٣) أورد قولَ الواحديِّ -هذا- ابنُ هشام في: "المغني": 504، وفيه: (يؤذيك) بدلًا من (يشتمك) وقد علق ابن هشام على قول الواحدي هذا بقوله: (الذي يظهر، أنَّ الصفةَ تتعدد بغير عاطف، وإن كانت جملة، كما في الخبر، نحو: ﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)  ﴾ ).

(٥٤) انظر: "القاموس المحيط" (637) (بغض).

(٥٥) قوله، في: "معاني القرآن" له: 1/ 231، نقله عنه بالمعنى.

(٥٦) قال القرطبي: (وخص الله -تعالى- الأفواهَ بالذكر، دون الألسنة؛ إشارة إلى تشدُّقهم، وثرثرتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه).

"تفسيره": 4/ 180.

(٥٧) من قوله: (وأصله ..) إلى (كالحات وبسل): نقله بتصرف واختصار عن: "سر صناعة الإعراب": 1/ 414.

(٥٨) في (ب): (لست).

(٥٩) قطعة من بيت، لِسُوَيد بن الصامت الأنصاري.

وتمامه: ليست بِسَنْهاءٍ ولا رُجَبيَّةٍ ...

ولكنْ عَرَايا في السِّنينَ الجَوائِح وقد ورد منسوبًا له في: "كتاب النخل" لأبي حاتم السجستاني: 88، 93، و"اللسان": 3/ 1583 (رجب)، 6/ 3571 (قرح)، 2/ 719 (جوح)، 4/ 2127 (سنة)، (عرا).

وأورده أبو عبيد بن سلام في: "غريب الحديث": 1/ 141، وابن فارس في: "المقاييس": 4/ 299، ونسباه لشاعر الأنصار، ولم يصرحا باسمه.

وورد غير منسوب في: "مجالس ثعلب": 76، و"جمهرة اللغة": 1/ 266، و"الأمالي"، للقالي: 1/ 121، و"تهذيب اللغة": 6/ 129 (سنه)، و"المخصص": 16/ 54.

وقد وردت (سنهاء) في مصادر البيت بفتح الهمزة، وبكسرها مُنوُّنَةً، ووردت (رُجَبِيَّةٍ) بفتح الجيم مع التشديد فيها وبدونه.

يصف الشاعر -هنا- نخلةً بالجودة و (السنهاء): إما هي التي تحمل سنة ولا تحمل أخرى، أو تلك التي أصابتها السنة المجدبة فأضرت بها.

و (الرُّجَبِيَّة): هي النخلة التي تكون كريمة على صاحبها، فتميل، فيسندها == بِـ (رُجْبة)، أي: بخشبة ذات شعبتين، وقيل: الترجيب، هو: أن يُجعَل حولها شوكٌ حتى لا يرقى لها راقٍ فيجني ثمرها.

وأرى -والله أعلم- أن القول الثاني هو المراد في البيت؛ لأنه يصفها أنها ليست من تلك التي يُمنع ثمرها من الناس، بل هي مبذولة لهم، لأنه قال بعدها: (عرايا)، أي: التي يوهب ثمرها لناس، ومفردها (عَرِيَّة).

و (الجوائح): هي السنون الشداد التي تجتاح المال.

انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 141، و"اللسان" 3/ 1583 (رجب)، 4/ 2127 (سنه).

(٦٠) في (ج): (علمت).

(٦١) المسانهة: أن يعامله إلى مدَّة سنة يقال: (سانَهَهُ مسانهةً وسِناهًا).

انظر (سنه) في: "اللسان":4/ 2127، و"المعجم الوسيط" 1/ 459.

ويجوز أن يكون المحذوف من (سنة) واوًا أو هاءً؛ لأنها في الجمع: (سنوات)، و (سنهات).

انظر حولها: "كتاب سيبويه" 3/ 360، 452، و"اللسان" 4/ 287 (سنة)، و"نزهة الطرف" 172.

(٦٢) أصل (شاة): (شَوْهَةٌ) ويقال في تصغيرها: (شُوَيهة)، وفي جمعها تكسيرًا: (شياه)، ويقولون: (شَوَّهتُ شاةً)، أي: اصطدتها.

انظر: "الممتع في التصريف" 2/ 626.

(٦٣) أصل (شَفَة): (شَفَهَة) فيقال في تصغيرها: (شُفَيهة)، وفي جمعها: (شِفاه) والفعل منها: (شافهتُ فلانا)، والمصدر: (المُشافهة).

انظر: "كتاب سيبويه": 3/ 358 - 359، 451، و"الوجيز في علم التصريف" 41، و"الممتع" 2/ 625، و"نزهة الطرف" 173.

(٦٤) في (أ)، (ب)، (ج): (فوه).

والمثبت من: "سر صناعة الإعراب"، وهي الصواب.

(٦٥) في (ج): (منها).

(٦٦) في (ب): (ولأنهما).

(٦٧) في: "سر صناعة الإعراب": شفهيتان.

(٦٨) تقدمت ترجمته.

(٦٩) شطر بيت، وتمامه - كما في الديوان: وفيها لحم ساهرة وبَحرٍ ...

وما فاهوا به لهم مقيمُ وهو في "ديوانه" 68.

وورد منسوبا له في "معاني القرآن"، للفراء 1/ 121، و"اللسان": 1/ 29 (أثم)، 6/ 3492 (فوه)، و"المقاصد النحوية" 2/ 346، و"شرح التصريح" 1/ 241، و"الدرر اللوامع" 2/ 199.

وورد غير منسوب في: "اللسان" 4/ 2132 (سهر)، 6/ 3492 (فوه)، و"شرح شذور الذهب" (123)، و"شرح ابن عقيل" 2/ 15، و"منهج السالك" للأشموني 2/ 11.

وأكثر المصادر -ومنها "سر صناعة الإعراب"- تورد الشطر الأول كالتالي: (فلا لغوٌ ولا تأثيم فيها ..) وهذا إنما هو صدر بيت آخر وعجزه: (ولا غَوْلٌ ولا فيها ملُيِمُ).

وهو في القصيدة بعد البيت المستشهد به بأبيات.

و (الساهرة): الأرض.

و (مقيم): ثابت.

انظر: "اللسان" 4/ 2132 (سهر).

(٧٠) في (ب): (جاد).

(٧١) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 264، 365 - 366، و"المسائل المشكلة"، للفارسي 149 - 163،504، و"المخصص" 1/ 134 - 137، و"شرح المفصل" == 10/ 33، و"الوجيز في علم التصريف" 50، و"الممتع" 391، 625، و"نزهة الطرف" 173، و"أوضح المسالك" 3/ 341.

ويرى الأخفش أن الميم في (فم) بدل من الهاء؛ حيث إن أصله عنده (فَوْه)، ثم قلب، فصار (فَهْو)، ثم حذفت الواو، وجعلت الهاء ميما.

انظر "شرح الشافية" 3/ 215.

(٧٢) هو: ثابت بن أوس الأزدي.

شاعر جاهلي، من عَدّائي العرب المعدودين، وصعاليكهم، وأكثرهم جرأة ودهاءً، أَسَرَتْه بنو سَلامَان صغيرًا، ونشأ فيهم، فلما شبَّ وعرف بقصة أسره، قَتَل منهم كثيرًا، فقتلوه ثأرا وانتقامًا.

انظر: "خزانة الأدب": 3/ 343، و"الأعلام": 3/ 177.

(٧٣) (أ)، (ب): (مبوته).

وفي (ج): (مهونه).

والمثبت من: سر الصناعة، ومصادر البيت.

(٧٤) في (ب): (العصا).

(٧٥) (أ)، (ب): (الحاق).

والمثبت من (ج)، وسر الصناعة، ومصادر البيت.

(٧٦) البيت من لامِيَّتِهِ المسماة بـ (لامية العرب).

انظر: "بلوغ الأرب في شرح لامية العرب" 152.

المُهَرَّتَة: الواسعة الأشداق.

و (فُوْهٌ): جمع: (أفْوَه) و (فوهاء)، يقال للواسع الفم، أو من تخرج أسنانه من شفتيه من طولها.

و (الشدوق): جمع كثرة، وأما جمع القلة، فـ (أشداق)، والمفرد: شِدْق، وهو جانب الفم.

و (الكالحات): المكشرات في عُبوس.

و (بُسَّل): الكريهة المنظر، المفرد: باسل.

ويقال للأسد، وللرجل الشجاع.

الشاعر -هنا- يعين بهذه الأوصاف: الذئابَ وقوله: (كالحات وبسل) نعت لـ (فُوُهٌ).

انظر: المرجع السابق 152 - 154.

(٧٧) في "سر صناعة الإعراب" 1/ 413 - 416.

(٧٨) في (ج): (وما تخفي الصدور).

(٧٩) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 297، و"تفسير الثعلبي" 3/ 104ب.

(٨٠) لم أهتد إلى القائل، ولا فرق بين القولين لأنهما متلازمان.

(٨١) لم أقف على مصدر قوله.

(٨٢) لم أقف على مصدر قوله.

(٨٣) قاله -بمعناه- الطبري في "تفسيره" 4/ 64.

(٨٤) هكذا في: (أ)، (ب).

وفي (ج): مهملة من النقط وأرى أن الأصوب أن تقرأ (نفع)؛ لأنها تتناسب مع عبارة الطّبَري التالية.

(٨٥) ونص قول الطبري: (إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم، ومبلغ عائدته عليكم).

(٨٦) لم أهتد للقائل.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ ﴾ أي أولياء من غيركم فالمعنى: نهيٌ عن استخلاص الكفار وموالاتهم.

وقيل: لعمر رضي الله عنه إن هنا رجلاً من النصارى لا أحد أحسنُ خطاً منه، أفلا يكتب عنك: قال إذاً أتخذُ بطانة من دون المؤمنين ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ أي: لا يقصرون في إفسادكم، والخبال: الفساد ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ أي تمنَوْا مضرتكم، وما مصدرية وهذه الجملة والتي قبلها صفة للبطانة أو استئناف ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلِّهِ ﴾ أي بكل كتاب أنزله الله، واليهود لا يؤمنون بقرآنكم ﴿ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ ﴾ عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه، والأنامل: جمع أنملة بضم الميم وفتحها ﴿ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ تقريع وإغاظة، وقيل: دعاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويسارعون ﴾ وبابه كـ ﴿ سارعوا  ﴾ و ﴿ نسارع ﴾ \[المؤمنون:56\] ممالة: قتيبة وأبو عمرو طريق بن عبدوس.

﴿ ما يفعلوا ﴾ ﴿ فلن يكفروه ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وحفص أبو عمرو مخير.

الباقون: بتاء الخطاب ﴿ تسؤهم ﴾ وبابه من كل همزة مجزومة بغير همزة: الأعشى وأوقية، والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ لا يضركم ﴾ من الضير: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ونافع.

وقرأ المفضل ﴿ لا يضركم ﴾ بالفتح الباقون: ﴿ لا يضركم ﴾ بالضم كلاهما من الضر مجزوماً ثم محركاً للساكنين فالفتح للخفة والضم للإتباع ﴿ تعملون محيط ﴾ بتاء الخطاب: سهل.

الباقون: بياء الغيبة.

الوقوف: ﴿ المسكنة ﴾ ط ﴿ بغير حق ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه قيل: لا وقف عليه لأن ضمير ﴿ ليسوا ﴾ يعود إلى ما يعود إليه ضمير ﴿ منهم المؤمنون ﴾ لبيان الفضل بين الفريقين، والذين / عصوا واعتدوا أحد الفريقين ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يسجدون ﴾ ه قيل: لا وقف على جعل ﴿ يؤمنون ﴾ حالاً لضمير ﴿ يسجدون ﴾ ولا يصح بل الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أوصاف لهم مطلقة غير مختصة بحال السجود ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ يكفروه ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ 5 ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ 5 ﴿ فأهلكته ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ج ﴿ خبالاً ﴾ ط ﴿ ما عنتم ﴾ ج لاحتمال كون قد بدت حالا ﴿ أكبر ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ كله ﴾ ج للعطف مع الحذف أي وهم لا يؤمنون بكتابكم ﴿ آمنا ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لأن المقصود بيان تناقض حاليهم في النفاق ﴿ من الغيظ ﴾ ط ﴿ يغيظكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تسؤهم ﴾ ز للابتداء بشرط آخر والوصل أجوز إذ الغرض تقرير تضاد الحالين منهم.

﴿ يفرحوا بها ﴾ ط لتناهي وصف الذم لهم وابتداء شرط على المؤمنين ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: هذا خبر آخر من مستقبلات أحوال اليهود المعلومة بالوحي.

والمعنى ضربت عليهم الذلة والهوان في عامة الأحوال بالقتل والسبي والنهب أينما وجدوا إلا معتصمين أو متلبسين أي إلا في حال اعتصامهم ﴿ بحبل من الله وحبل من الناس ﴾ يعني ذمة الله وذمة المسلمين، فهما في حكم واحد أي لا عزلهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة بقبول الجزية، فحينئذٍ يكون دمهم محقوناً ومالهم مصوناً وهو نوع من العزة وقيل: حبل الله الإسلام، وحبل الناس الذمة.

فعلى هذا يكون الواو بمعنى "أو".

وقيل: ذمة الله الجزية المنصوص عليها، وذمة الناس ما يزيد الإمام عليها أو ينقص بالاجتهاد.

وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب نظراً إلى المعنى لأن ضرب الذلة عليهم معناه لا تنفك عنهم ﴿ وباؤا بغضب من الله ﴾ قيل: إنه من قولك "تبوأ فلان منزل كذا" والمعنى مكثوا في غضب الله.

وسواء قولك حل بهم الغضب وحلوا بالغضب.

﴿ وضربت عليهم المسكنة ﴾ عن الحسن أن المراد بها الجزية، وإنما أفردت بالذكر بعد الاستثناء ليعلم أنها باقية غير زائلة بعد اعتصامهم بالذمة.

وقال آخرون: المراد أنك لا ترى منهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً مطاعاً لكنهم مستخفون في جميع النواحي والأكناف، يظهرون من أنفسهم الفقر والمدقعة ألبتة.

وباقي الآية قد مر تفسيره في البقرة إلا أنه  قال في هذا الموضع من هذه السورة وفي النساء ﴿ الأنبياء بغير حق ﴾ لأن جمع التكسير يفيد التكثير فذكر في الموضعين أعني في البقرة وفي أول السورة ما ينبىء عن القلة مع أن ذلك موافق لما بعده من جموع السلامة كالذين والصابئين وغيرهما.

ثم تدرج إلى ما هو نص في الكثرة في الموضعين الآخرين نعياً علهيم وتفظيعاً لشأنهم، ولمثل هذا عرّف الحق في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن / تقتل النفس به وهو قوله: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق  ﴾ ثم نكر في المواضع الباقية أي يغير ما حق أضلالاً في نفس الأمر ولا بحسب معتقدهم وتدينهم.

﴿ لسوا سواء ﴾ كلام تام وما بعده كلام مستأنف للبيان.

قال الفراء وابن الأنباري: تقديره من أهل الكتاب أمة قائمة ومنهم أمة مذمومة، إلا أنه أضمر ذكر هذا القسم على مذهب العرب من الاكتفاء بأحد الضدين لخطورهما بالبال معاً غالباً.

قال أبو ذؤيب: عاني إليها القلب إني لأمرها *** مطيع فما أدري أرشد طلابها؟

أراد أم غيّ فاكتفى بذكر الرشد عن ضده.

وتقول: زيد وعبد الله لا يستويان، زيد عاقل دين ذكي.

فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك.

وقيل: وهو اختيار أبي عبيدة أن ﴿ أمة ﴾ مرفوعة بـ ﴿ ليس ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيث.

أو هو بدل من الضمير على نحو ﴿ أسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ والتقدير: ليسوا سواء أمة قائمة وأمة مذمومة.

وفي تفسير أهل الكتاب قولان: الأول وعليه الجمهور أنهم اليهود والنصارى.

قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأضرابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم وقالوا لهم: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دنياً غيره فنزلت.

وعن عطاء أنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد  الثاني أنهم كل من أوتي الكتاب من أهل الأديان فعلى هذه يكون المسلمون منهم.

عن ابن مسعود قال: "أخر رسول الله  ليلة صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله في هذه الساعة غيركم" .

وفي رواية: "فبشر  أنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب فأنزل الله هذه الآيات" ﴿ ليسوا سواء ﴾ إلى قوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ قال القفال رحمه الله : لا يبعد أن يقال: أولئك الحاضرون كانوا نفراً من مؤمني أهل الكتاب.

فقيل: ليس يستوي من أهل الكتاب هؤلاء الذين آمنوا بمحمد  فأقاموا صلاة العشاء في الساعة التي ينام فيها غيرهم مع أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا.

ولا يبعد أيضاً أن يقال: المراد كل من آمن بمحمد  فسماهم الله أهل الكتاب كأنه قيل: أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة، والمسلمون الذين سماهم الله  أهل الكتاب حالهم وصفتهم كذا فكيف يستويان؟

فيكون الغرض من هذه الآية تقرير فضيلة أهل الإسلام تأكيداً ما تقدم من قوله: ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ كقوله: ﴿ أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون  ﴾ ثم إنه  مدح الأمة المذكورة بصفات ثمان: الأولى: أنها / قائمة.

قيل: أي في الصلاة.

وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة.

وقيل: أي مستقيمة عادلة من قولك: "أقمت العود فقام" بمعنى استقام.

وههنا نكتة وهي أن الآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية.

وقوله: ﴿ قائماً بالقسط  ﴾ دل على أن المولى قام بحق الربوبية وهذه حقيقة قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم  ﴾ الصفة الثانية: ﴿ يتلون ﴾ أي أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل.

فالتلاوة القراءة.

وأصل الكلمة الإتباع.

فكأن التلاوة هي إتباع اللفظ، وآيات الله القرآن.

وقد يراد بها أصناف مخلوقاته الدالة على صانعها.

وآناء الليل ساعاته واحدها أنى مثل "معاً" و "أني" و"أنوا" مثل "نحى" و"تلو".

الصفة الثالثة: ﴿ وهم يسجدون ﴾ يحتمل أن يكون حالاً من ﴿ يتلون ﴾ كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعاً إلا أن ما روي عن النبي  : " "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً وساجداً" يأباه وأن يكون كلاماً مستقلاً أي يقومون تارة ويسجدون أخرى ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن كقوله: ﴿ يبيتون لربهم سجداً وقياماً  ﴾ قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه وذلك لإحداث النشاط والراحة، وأن يكون المراد: وهم يصلون ويتهجدون.

والصلاة تسمى سجدة وركعة وسبحة، وأن يراد وهم يخضعون لله كقوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض  ﴾ وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالاً.

الصفة الرابعة: ﴿ يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية.

وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد.

ولا يخفى أن غير مؤمني أهل الكتاب ليسوا من القبيلين في شيء بسبب تحريفاتهم واعتقاداتهم الفاسدة.

الخامسة والسادسة: ﴿ ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي.

وفيه تعريض بالأمة المذمومة أنهم كانوا مداهنين.

وعن سفيان الثوري: إذا كان الرجل محبباً في جيرانه محموداً عند إخوانه فاعلم أنه مداهن.

الصفة السابعة ﴿ يسارعون في الخيرات ﴾ أي المذكورات كلها وهي من صفات المدح لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.وما روي أنه  قال: " "العجلة من الشيطان " مخصوص بهذه الآية.

على أنها لا تفيد كلية الحكم لأن القضية أهملت إهمالاً، كيف لا والأمور متفاوتة.

منها ما يحمد فيه التأخير لكونه مما يحصل على مهل وتدريج فلو طلب منه خلاف وضعه / فات الغرض وضاع السعي، أو لكونه غير معلوم العاقبة فيفتقر إلى مزيد تدبر وتأمل.

ومنها ما يحمد فيه التعجيل لضد ما قلنا فتنتهز فيه الفرصة وتغتنم، فإن الفرص تمر مر السحاب.

قال  : " اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك " الصفة الثامنة: ﴿ أولئك من الصالحين ﴾ وذلك أن الأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله  فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود.

ثم شرط للأمة الموصوفة بل بجميع المكلفين إيصال الجزاء إليهم ألبتة تأكيداً للإخبار عنهم بقوله: ﴿ وأولئك من الصالحين ﴾ فقال: ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه.

فضمن الكفران معنى الحرمان ولهذا يعدى إلى مفعولين، مع أن الأصل فيه التعدية إلى واحد نحو: شكر النعمة وكفرها.

وسمى منع الجزاء كفراً كما سمى إيصال الثواب شكراً في قوله: ﴿ فإن الله شاكر عليم  ﴾ ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ والله عليم بالمتقين ﴾ مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهاً على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟!

ثم بين أحوال أهل الشقاء بقوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

وقد سبق تفسير مثله من أول السورة.

ثم إنه لما بين أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً أمكن أن يخطر ببال أحد أن الذي ينفقون منه في وجوده الخيرات لعلهم ينتفعون بذلك فأزال ذلك الوهم بقوله: ﴿ مثل ما ينفقون ﴾ الآية.

قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد.

وهو منقول عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد.

وفي الصحاح: الصر بالكسر برد يضر بالنبات والحرث.

وعلى هذا فمعنى الآية: كمثل ريح فيها برد وذلك ظاهر.

وجوز في الكشاف أن يكون الصر صفة معناه البارد فيكون موصوفة محذوفاً بمعنى فيها قرّة صر كما تقول: برد بارد على المبالغة، أو تكون "في" تجريدية كما يقال: رأيت فيك أسداً أي أنت أسد، وإن ضيعني فلان ففي الله كافٍ وكافل.

وقيل: الصر السموم الحارة.

وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﴿ فيها صر ﴾ قال: فيها نار.

وعلى القولين، الغرض من التشبيه حاصل سواء كان برداً مهلكاً أو حرّاً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث فيصح التشبية.

وهذا في التشبية المركب الذي مر ذكره في أول سورة البقرة.

ويجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح وهو الحرث.

والمراد ما كانوا ينفقون من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون بها وجه الله، ولهذا قيده بقوله: ﴿ في هذه الحياة / الدنيا ﴾ فشبه ذلك بالزرع الذي حسه البرد فصار حطاماً.

وقيل: مثل ما ينفقون يعني أبا سفيان وأصحابه من سفلة اليهود المنفقين على أحبارهم في إيذاء رسول الله  وفي جمع العساكر عليه  في كونه مبطلاً لما أتوا به قبل ذلك من أعمال البر، كمثل ريح فيها صر في كونه مبطلاً للحرث.

والظاهر أن الضمير في ﴿ ينفقون ﴾ عائد إلى جميع الكفار.

وذلك أن إنفاقهم إما أن يكون لمنافع الدنيا فلا يبقى له أثر في الآخرة في حق المسلم فضلاً عن الكافر، وإما أن يكون لمنافع الآخرة فالكفر مانع عن الانتفاع، ولعلهم كانوا ينفقون في الخيرات نحو بناء الرباطات والقناطر والإحسان إلى الضعفاء والأرامل راجين خيراً كثيراً في المعاد، لكنهم إذا قدمواالآخرة رأوا كفرهم مبطلاً لآثار تلك الخيرات، فكان كمن زرع زرعاً وتوقع منه نفعاً كبيراً فأصابه جائحة فلا يبقى معه إلا الحزن والأسف.

ولعلهم كانوا ينفقون فيما ظنوه خيراً وهو معصية كإنفاق الأموال في إيذاء الرسول  وفي تخريب ديار المسلمين.

ولا يبعد أيضاً تفسير الآية بخيبتهم في الدنيا فإنهم أنفقوا أموالاً كثيرة في تجهيز الجيوش والإغراء على المسلمين وتحملوا المتاعب ثم انقلب الأمر عليهم وأظهر الله الإسلام وأعز أهله، فلم يبق مع الكفار من ذلك الإنفاق إلا الحيرة والحسرة.

وقيل: المراد بالإنفاق ههنا هو جميع أعمالهم التي يرجون الانتفاع بها في الآخرة كقوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ والمراد جميع الانتفاعات.

أما فائدة قوله: ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ وعدم الاقتصار على قوله: ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ فهي أن الغرض تشبيه ما ينفقون بشيء يذهب بالكلية حتى لا يبقى منه أثر ولاعثر، وحرث المسلم المطيع ليس كذلك لأنه إذا أصابته جائحة في الدنيا أبدله الله خيراً منه في الدنيا أو في الآخرة.

فإن المسلم مثاب على كل ألم يصيبه حتى الشوكة يشاكها، أما الذين عصوا الله فاستحقوا إهلاك حرثهم عقوبة لهم فحرثهم هو الذي لا يتصور منه بعد الإهلاك فائدة أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظالم ههنا وضع الزرع في غير موضعه.

فإن من زرع لا في موضعه وفي غير أوانه ثم أصابته الآفة كان أولى بأن يصير ضائعاً.

والضمير في ﴿ وما ظلمهم ﴾ للمنفقين أي ما ظلمهم بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم حيث لم يأتوا بها مستحقة للقبول، أو لأصحاب الحرث أي ما ظلمهم الله بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب ما ستحقوا به العقوبة.

ثم إنه تعالى لما بالغ في شرح احوال المؤمنين والكافرين شرع في تحذير المؤمنين من مخالطة الكافرين.

قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين ويواطؤن رجالاً من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فنهاهم الله عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم وبطانة الرجل خصيصه وصفيه الذي يفضي / إليه بشقوره أي أموره اللاصقة بالقلب المهمة له.

الواحد شقر وأصله من البطن خلاف الظهر، ومنه بطانة الثوب للذي يلي منه الجسد خلاف الظهارة، نهاهم عن مودة كل كافر لأن قوله: ﴿ بطانة ﴾ نكرة في سياق النفي.

وقوله: ﴿ من دونكم ﴾ يؤكد ذلك.

وهو إما أن يتعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ ويكون صفة لبطانة أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم والأول أولى، لأن الغرض ليس هو النهي عن اتخاذ البطانة وإنما المقصود النهي عن الاتخاذ من غير أبناء جنسهم وأهل ملتهم بطانة، وأنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى.

و"من" للتبيين وقيل: زائدة.

ثم ذكر علة النهي فقال: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ يقال: ألا في الأمر يألو إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: "لا آلوك نصحاً أو جهداً" على التضمين أي لا أمنعك نصحاً.

والخبال الفساد والنقصان ومنه رجل مخبول ومخبل ناقص العقل فاسدة.

وقيل: خبالاً نصب على التمييز، وقيل: مصدر في موضع الحال.

والمعنى لا يتركون جهدهم في مضرتكم وفساد حالكم.

﴿ ودّوا ما عنتم ﴾ أي عنتكم على أن "ما" مصدرية.

والعنت الوقوع في أمر شاق ومنه يقال للعظم المجبور إذا أصابه شيء فهاضه قد أعنته.

والمراد أحبوا وتمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر.

والحاصل من الجمليتن أنهم لا يقصرون في إفساد أموركم فإن لم يمكنهم ذلك لمانع من خارج فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم ﴿ قد بدت البغضاء ﴾ هي شدة البغض كالضراء شدة الضر.

والأفواه جمع الفم وأصله فوه بدليل تكسيره كسوط وأسواط.

فحذفت الهاء تخفيفاً وأقيمت الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان.

وظهور البغضاء من اليهود واضح لقشرهم العصا وكشرهم عن الأنياب وعدم التقية في تكذيب النبي  والكتاب.

وأما من المنافقين فذلك أن المداجي لا بد أن ينفلت من لسانه ما يكشف عن نفاقه وخبث طويته.

وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك.

﴿ وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ لأن فلتات اللسان متناهية وكوامن الصدور تكاد تكون غير متناهية.

ثم بيّن أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من غاية العناية وحثهم على إعمال العقل في مدلولات هذه النصائح فقال: ﴿ قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ﴾ من أهل العقول.

وقيل: إن كنتم تعقلون الفصل بين ما يستحقه العدوّ والولي.

ثم إن سياق هذه الجمل يحتمل أن يكون على سبيل تنسيق الصفات للبطانة كأنه قيل: لا تتخذوا بطانة غير آليكم خبالاً وادّين عنتكم بادية بغضاؤهم.

وأما ﴿ قد بينا ﴾ فكلام مبتدأ، أو أحسن من ذلك وأبلغ أن تكون الجمل مستأنفات كلها على جهة التعليل للنهي كما قلنا، فكأنه قيل: لم لا نتخذهم بطانة، فقيل: لأنهم لا يقصرون فقيل: لم يفعلون ذلك؟

فقيل: لأنهم يودون عنتكم.

ثم قيل: وما آية / ودادة العنت؟

فقيل: قد بدت والله أعلم.

أما كون هذا التقدير أحسن فلأن الجمل المتعاقبة على سبيل التنسيق يتوسط بينها العاطف ولا عاطف ههنا، وأما كونه أبلغ فلبناء الكلام على السؤال والجواب ولتقليل اللفظ وتكثير المعنى ولإثبات الدعاوى بالبراهين، ولا يخفى جلالة قدر هذه الفوائد.

ثم استأنف للتحذير نمطاً آخر من البيان مشتملاً على التوبيخ فقال: ﴿ ها أنتم أولاء ﴾ الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب، ثم ذيله ببيان الخطأ وهو قوله: ﴿ تحبونهم ولا يحبونكم ﴾ لأنكم تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء ويريدون لكم الكفر وهو أقبح الأشياء، أو تحبونهم لما بينكم وبينهم من الرضاعة والقرابة ولا يحبونكم لاختلاف الدين، أو تحبونهم لأنهم أظهروا لكم الإيمان ولا يحبونكم لتمكن الكفر في باطنهم، أو تحبونهم لأنهم يظهرون لكم محبة الرسول ومحب المحبوب محبوب ولا يحبونكم لأنكم تحبون الرسول وهم يبغضونه ومحب المبغوض مبغوض، أو تحبونهم فتفشون إليهم أسراركم في أمور دينكم ولا يحبونكم لأنهم لا يفعلون مثل ذلك بكم، أو تحبونهم لأنكم لا تريدون وقوعهم في المحن ولا يحبونكم لأنهم يتربصون بكم الدوائر.

والحق أن هذه الاعتبارات وأمثالها مما لا تكاد تنحصر داخلة في الآية.

ثم ذكر سبباً آخر مما يأبى أن يكون بينهما جامع فقال: ﴿ وتؤمنون بالكتاب كله ﴾ وأضمر قرينه وهو "وهم لا يؤمنون به" لأن ذكر أحد الضدين يغني عن الآخر غالباً.

والمراد بالكتاب الجنس كقولهم "كثر الدرهم في أيدي الناس".

وفي الكشاف: إن الواو في ﴿ وتؤمنون ﴾ للحال، واللام في ﴿ الكتاب ﴾ للعهد أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم كله.

وفيه توبيخ شديد لأنهم في باطنهم أصلب منكم في حقكم.

ثم ذكر مضادة أخرى فقال: ﴿ وإذا لقوكم قالوا آمنا ﴾ أحدثنا الدخول في الإيمان ﴿ وأذا خلوا عضوا ﴾ ويوصف المغتاظ أو النادم بعض الأنامل والبنان والإبهام لأن هذا الفعل كثيراً ما يصدر منهما فجعل كناية عن الغضب والندم، وإن لم يكن هناك عض وإنما حصل لهم هذا الغيظ وهو شدة الغضب لما رأوا من ائتلاف المؤمنين وعلو دينهم وارتفاع شأنهم ﴿ قل موتو بغيظكم ﴾ دعاء عليهم بأن يزداد ما يوجب غيظهم من قوة الإسلام وعز أهله، فإن ذلك يتضمن ذلهم وخزيهم.

والحاصل أنه أمر النبي  أن يخبرهم بأن الله  أتاح أن يظهر دين الإسلام علىالأديان كلها والمقدر كائن، فإن كان هذا سبباً لغيظكم فلا محالة يكون موتكم على هذا الغيظ.

ثم إن قوله: ﴿ إن الله عليم بذات الصدور ﴾ أي بصواحباتها وهي الخواطر القائمة بالقلب والدواعي والصوارف الموجودة فيه.

إن كان داخلاً في جمل المقول، فمعناه أخبرهم بما يسرونه من الغيظ وقل لهم: إن غيظكم سيزداد إلى أن يذيبكم أو تموتوا عليه، وقل لهم: إن الله يعلم ما هو أخفى / مما تسرونه وهو مضمرات القلوب وخفياتها.

وإن كان خارجاً فالمعنى قل لهم ذلك يا محمد ولا تتعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم فإني أعلم ما أضمره الخلائق ولم يظهروه على ألسنتهم أصلاً.

ويجوز أن لا يكون أمراً بالقول لفظاً بل يراد حدّث نفسك بأنهم سيهلكون غيظاً وحسداً، فيكون أمراً للرسول بطيب النفس وقوة الرجاء والاستبشار بوعد الله ونصره.

ثم ذكر نوعاً آخر من مضادتهم ومعاداتهم فقال: ﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ أي حسنة كانت من منافع الدنيا كالصحة والخصب والغنيمة والظفر على الأعداء والائتلاف بين الأحباء ﴿ تسؤهم ﴾ ساءه يسوءه نقيض سره يسره ﴿ وإن تصبكم سيئة ﴾ ضد من أضداد ما عددنا.

﴿ يفرحوا بها ﴾ ولم يفرق صاحب الكشاف ههنا بين المس والإصابة وجعل المعنى واحداً.

وأقول: يشبه أن يكون المس أقل من الإصابة وأنه أدخل في بيان شدة العداوة، وذلك أن الحسد لا ينهض لقليل من الخير إلا أن يكون هناك كمال البغض، والشماتة قلما توجد إذا أصاب العدوّ بلية عظمى كما قيل: عند الشدائد تذهب الأحقاد *** إلا أن يكون ثمة غاية الحقد.

وإذا كان حال القوم مع المسلمين في القضيتين بالخلاف دل ذلك على شدة بغضهم ونهاية حقدهم، وعلى هذا فلا يبعد أن يقال التنوين في ﴿ حسنة ﴾ للتقليل وفي ﴿ سيئة ﴾ للتعظيم ﴿ وإن تصبروا ﴾ على عداوتهم ﴿ وتتقوا ﴾ ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو إن تصبروا على أوامر الله  وتتقوا محارمه ﴿ لا يضركم كيدهم ﴾ وهو احتيال الإنسان لإيقاع غيره في مكروه.

وقال ابن عباس: هو العداوة.

﴿ شيئاً ﴾ من الضرر بل كنتم في كنف الله وحفظه.

وفيه إرشاد من الله  إلى أن يستعان على دفع مكايد الأعداء بالصبر والتقوى، فمن كان لله كان الله له.

وفي كلام الحكماء إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.

وقال بعضهم: إذا ما شئت إرغام الأعادي *** بلا سيف يسل ولا سنان فزد في مكرماتك فهي أعدى *** على الأعداء من نوب الزمان ﴿ إن الله بما تعملون ﴾ في عداوتكم أو بما تعملون أنتم من الصبر والتقوى.

﴿ محيط ﴾ فيجازي كل أحد بما هو أهله.

التأويل: ضربت عليهم ذلة الطمع ومسكنة الحرص إلا أن يعتصموا بمحبة الله وطلبه وحبل من الناس يعني متابعة النبي  وسيرته.

ويقتلون الأنبياء يميتون سنتهم وسيرهم.

ليسوا أي العلماء الربانيون والمداهنون.

فلن تكفروه لأنه من تقرب إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً.

ثم أخبر عن نفقات أهل الشهوات في استيفاء اللذات الجسمانية بقوله: ﴿ مثل ما / ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح ﴾ هي هواء الهوى ﴿ فيها صر ﴾ الشهوة ﴿ أصابت حرث قوم ﴾ هو الحرث الروحاني ﴿ ظلموا أنفسهم ﴾ بإبطال الاستعداد الإنساني.

ثم نهي أهل المحبة عن مباطنة أهل السلو من هذا الحديث فقال: ﴿ لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ﴾ لا يقصرون في إنكاركم والاعتراض عليكم والطعن فيكم ﴿ ودّوا ﴾ من نعيم الدنيا ومشتهياتها ﴿ ما عنتم ﴾ ما مقتموه وتركتموه لدناءة همتهم وعلو همتكم، أو فرحوا بما قاستيم من المجاهدات والتزام الفقر والصبر على المكاره ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ اعتراضاتهم الفاسدة ﴿ وما تخفي صدورهم ﴾ الحاسدة من الغل والحقد ﴿ أكبر ﴾ ﴿ تحبونهم ﴾ محبة الرحمة والشفقة ﴿ ولا يحبونكم ﴾ لتناكر الأرواح واختلاف حال الأشباح ﴿ ويؤتون بالكتاب كله ﴾ بجميع ما في القرآن من ترك الدنيا وجهاد النفس ﴿ عليم بذات الصدور ﴾ بالقلوب التي في الصدور أن موتها في الغيظ والحسد.

﴿ إن تمسسكم حسنة ﴾ كرامة من الله وقبول من الخلق.

سيئة إنكار من الجهال وطعن.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ ﴾ : اختلف فيه: قيل: نهى الله المؤمنين أن يستخدلوا المنافقين، أو يؤاخوهم، أو يتولوهم دون المؤمنين.

وقيل في حرف حفصة: "لا تتخذوا بطانة من دون أنفسكم"، يعني: من دون المؤمنين.

وعن ابن عباس -  - قال: "نهى الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود [والنصارى] والمنافقين - بطانة دون إخوانهم من المؤمنين، فيحدثونهم ويفشوا إليهم سرّهم دون المؤمنين".

والبطانة: قيل: هم الإخوان، ويجعلونهم موضع إفشاء سرّهم.

قال الشيخ - رحمه الله -: والنهي عن اتخاذ الكافر بطانة لوجهين: أحدهما: العرف به؛ إذ كل يعرف بمن يصحبه.

والثاني: الميل إليه بما يريه عدوه أنه حسن العشرة وحسن الصحبة، مع ما فيه الإسقاط عما به يستعان على أمر الدين، والإغفال عن حقه.

وقوله: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ : يقولون: لا يتركون عهدهم في إفشاء أمركم.

وقوله: ﴿ وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ ﴾ : أي: يودون ويتمنون ما أثمتم.

قال الشيخ - رحمه الله -: أي: ودوا أن تشاركوهم في أشياء تؤثمكم ويبعثكم عليه.

وقيل: العنت: الضيق؛ أي: ذلك قصدهم؛ كالآية التي تتلوها.

وقوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : من قال: إن أول الآية في المنافقين يقول: قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ  ﴾ أنهم كانوا يعرفون المنافق من لحن كلامه.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : ما كان من التفريق بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ  ﴾ ، وإظهار السرور بنكبتهم، كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ...

﴾ الآية [النساء: 72].

وقوله: ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ : وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لهم، ويضمرون العداوة والخلاف لهم، والسعي في هلاكهم فما كانوا يضمرون أكثر ما [كانوا] يظهرون.

ومن قال بأن الآية في الكفار - فهو ظاهر.

وقوله: ﴿ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ : من الشتيمة والعداوة، ويضمرون أكثر من ذلك من الفساد والشرور، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون ﴾ البينات، ويحتمل قوله: إن كنتم تنتفعون بعقولكم؛ لأن - عز وجل - ذكر في غير أي من القرآن أنهم لا يعقلون، قد كان لهم عقول لكنهم لم ينتفعوا بعقولهم، فإذا لم ينتفعوا نفي عنهم العقل رأساً.

وقوله: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ : من قال: إن أول الآية في المنافقين فهذا يدل له ويشهد؛ لأنه قال: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا...

﴾ الآية.

يقول: ها أنتم يا هؤلاء المسلمون تحبونهم - يعني: المنافقين - ولا يحبونكم على دينكم.

قال الشيخ - رحمه الله -: وفي الآية بيان أن أولئك قوم يحبهم المؤمنون، إمّا بظاهر الإيمان أو بظاهر الحال، منهم من طلب مودتهم، فأطلع الله المؤمنين على سرّهم؛ لئلا يغترُّوا بظاهرهم، وليكون حجة لهم ولرسول الله  بما أطلعه الله على ما أسرّوا، والله أعلم.

ومن قال: إن أوّل الآية في الكفار - يجعل قوله: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ ﴾ على الابتداء، والقطع من الأوّل؛ لأنه وصفهم بصفة المنافقين، ووسمهم بسمتهم وليس في الأول ذلك.

وقوله: ﴿ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ .

هو على التمثيل، يقال عند شدة الغضب: فلان يعض أنامله على فلان، وذلك إذا بلغ الغضب غايته.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ ﴾ : إنما كان يغيظهم ما كان للمسلمين من السعة، والنصر، والتكثر، والعز، فيكون في ذلك دعاء لهم بتمام ذلك، حتى لا يروا فيهم الغير، والله أعلم.

وفي حرف حفصة: "قل موتوا بغيظكم لن تضرونا شيئاً إن الله عليم بذات الصدور" على الوعيد.

وقوله: ﴿ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ .

قال: ليس هذا وصف المنافقين في الظاهر؛ لأنهم كانوا يطمئنون عند الخيرات، لكنّه يحتمل أنهم كانوا يطمئنون بخيرات تكون لهم لا للمؤمنين: ﴿ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا ﴾ ذكر في القصة أنهم إذا رأوا للمسلمين الظفر على عدوهم الغنيمة - يسوءهم ذلك، وإذا رأوا القتل والهزيمة عليهم - يفرحون به ويسرّون.

وقيل: إذا رأوا للمؤمنين الخصب والسعة - ساءهم، وإذا رأوا لهم القحط والجدب وغلاء السعر - فرحوا به، لكن هذا يحتمل في كل خير رأوا لهم - اهتموا لذلك، وفي كل مصيبة ونكبة رأوا لهم - فرحوا بها.

وقوله: ﴿ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ .

وعد النصر بشرط: ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾ ، أخبر أن المؤمنين إذا اتقوا وصبروا لا يضرهم كيدهم شيئاً، حتى يعلم أن ما يصيب المؤمنين إنما يصيب بما كسبت أيديهم.

قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ على الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تتخذوا أَخلّاء وأصفياء من غير المؤمنين، تُطْلِعونهم على أسراركم وخَواصِّ أحوالكم، فهم لا يُقَصِّرون في طلب مضرتكم وفساد حالكم، يتمنون حصول ما يضركم ويشق عليكم، قد ظهرت الكراهية والعداوة على ألسنتهم، بالطعن في دينكم، والوقيعة بينكم، وإفشاء أسراركم، وما تكتمه صدورهم من الكراهية أعظم، قد بينا لكم -أيها المؤمنون- البراهين الواضحة على ما فيه مصالحكم في الدنيا والآخرة، إن كنتم تعقلون عن ربكم ما أنزل عليكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.WVq4d"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن الآيات السابقة من أول السورة كانت في الحجاج مع أهل الكتاب وكذا مع المشركين بالتبع والمناسبة، وإن هذه الآيات وما بعدها إلى آخر السورة في بيان أحوال المؤمنين ومعاملة بعضهم لبعض وإرشادهم في أمرهم.

ولبيان اتصال هذه الآيات بما قبلها لا بد من ذكر ثلاث مقدمات: أنه كان بين المؤمنين وغيرهم صلات كانت مدعاة إلى الثقة بهم والإفضاء إليهم بالسر وإطلاعهم على كل أمر، منها المحالفة والعهد، ومنها النسب والمصاهرة، ومنها الرضاعة.

أن الغِرَّة من طبع المؤمن، فإنه يبني أمره على اليسر والأمانة والصدق، ولا يبحث عن العيوب، ولذلك يظهر لغيره من العيوب وإن كان بليدًا ما لا يظهر له هو وإن كان ذكيًا.

أن المناصبين للمؤمنين من أهل الكتاب والمشركين كان همهم الأكبر إطفاء نور الدعوة وإبطال ما جاء به الإسلام، وكان همّ المؤمنين الأكبر نشر الدعوة وتأييد الحق.

فكان الهمان متباينين، والقصدان متناقضين.

فإذا كانت حالة الفريقين على ما ذكر فهي لا شك مقتضية لأن يفضي النسيب من المؤمنين إلى نسيبه من أهل الكتاب والمشركين والمحالف منهم لمحالفه من غيرهم بشيء مما في نفسه وإن كان من أسرار الملة التي هي موضوع التباين والخلاف بينهم وفي ذلك تعريض مصلحة الملة للخبال.

لذلك جعل الله تعالى للصلات بين المؤمنين وغيرهم حدًا لا يتعدونه فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ  ﴾ إلى آخر الآيات.

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا  ﴾ إن الصبر يذكر في القرآن في مقام ما يشق على النفس، وحبس الإنسان سره عن وديده وعشيره ومعامله وقريبه مما يشق عليه فإن من لذات النفوس أن تفضي بما في الضمير إلى من تسكن إليه وتأنس به، فلما نهوا عن اتخاذ بطانة ممن دونهم من خلطائهم وعشرائهم وحلفائهم، وعلل بما علل به من بيان بغضائهم وكيدهم، حسن أن يذكروا بالصبر على هذا التكليف الشاق عليهم وباتقاء مت يجب اتقاؤه لأجل السلامة من عاقبة كيدهم.

ويصح أن يراد بالتقوى الأخذ بوصاياه، وامتثال أمره تعالى في البطانة وغيرها.

ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ  ﴾ المحيط بالعمل هو الواقف على دقائقه، فهو إذا دل على طريق النجاة لعامل من كيد الكائدين والوسيلة للخلاص من ضررهم فإنما يدل على الطريق الموصل للنجاة حتمًا، والوسيلة المؤدية إلى النجاح قطعًا، فالكلام كالتعليل لكون الاستعانة بالصبر والتمسك بالتقوى شرطين للنجاح.

وهناك وجه آخر وهو أن الخطاب بيعملون عام للمؤمنين والكافرين جميعًا -يعني على قراءة الحسن وأبي حاتم "تعملون" بالمثناة الفوقية أو على الالتفات- ومن كان عالمًا بعمل فريقين متحادين محيطًا بأسباب ما يصدر عن كل منهما ومقدماته، ونتائجه وغاياته، فهو الذي يعتمد على إرشاده في معاملة أحدهما للآخر، ولا يمكن أن يعرف أحدهما من نفسه في حاضرها وآتيها ما يعرفه ذلك المحيط بعمله وعمل من يناهضه ويناصبه، فهداية الله تعالى للمؤمنين خير ما يبلغون به المآرب، وينتهون به إلى أحسن العواقب.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل