الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٣٣ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 117 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات ، فقال : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) أي : كما أعدت النار للكافرين .
وقد قيل : إن معنى قوله : ( عرضها السماوات والأرض ) تنبيها على اتساع طولها ، كما قال في صفة فرش الجنة : ( بطائنها من إستبرق ) [ الرحمن : 54 ] أي : فما ظنك بالظهائر ؟
وقيل : بل عرضها كطولها ، لأنها قبة تحت العرش ، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله .
وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح : " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس ، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة ، وسقفها عرش الرحمن " .
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) الآية [ رقم : 21 ] .
وقد روينا في مسند الإمام أحمد : أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، فأين النار ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله !
فأين الليل إذا جاء النهار ؟
" .
وقد رواه ابن جرير فقال : حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني مسلم بن خالد ، عن أبي خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد ، عن يعلى بن مرة قال : لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص ، شيخا كبيرا فسد ، قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل ، فناول الصحيفة رجلا عن يساره .
قال : قلت : من صاحبكم الذي يقرأ ؟
قالوا : معاوية .
فإذا كتاب صاحبي : " إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، فأين النار ؟
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبحان الله !
فأين الليل إذا جاء النهار ؟
" .
وقال الأعمش ، وسفيان الثوري ، وشعبة ، عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب ، أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السماوات والأرض ، فأين النار ؟
فقال عمر [ رضي الله عنه ] أرأيتم إذا جاء الليل أين النهار ؟
وإذا جاء النهار أين الليل ؟
فقالوا : لقد نزعت مثلها من التوراة .
رواه ابن جرير من الثلاثة الطرق ثم قال : حدثنا أحمد بن حازم ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا جعفر بن برقان ، أنبأنا يزيد بن الأصم : أن رجلا من أهل الكتاب قال : يقولون : ( جنة عرضها السماوات والأرض ) فأين النار ؟
فقال ابن عباس : أين يكون الليل إذا جاء النهار ، وأين يكون النهار إذا جاء الليل ؟
وقد روي هذا مرفوعا ، فقال البزار : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا المغيرة بن سلمة أبو هشام ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم ، عن عمه يزيد بن الأصم ، عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت قوله تعالى : ( جنة عرضها السماوات والأرض ) فأين النار ؟
قال : " أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء ، فأين النهار ؟
" قال : حيث شاء الله .
قال : " وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل " .
وهذا يحتمل معنيين : أحدهما : أن يكون المعنى في ذلك : أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار ألا يكون في مكان ، وإن كنا لا نعلمه ، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله عز وجل ، وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة ، عن البزار .
الثاني : أن يكون المعنى : أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب ، فإن الليل يكون من الجانب الآخر ، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السماوات تحت العرش ، وعرضها كما قال الله ، عز وجل : ( كعرض السماء والأرض ) [ الحديد : 21 ] والنار في أسفل سافلين .
فلا تنافي بين كونها كعرض السماوات والأرض ، وبين وجود النار ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأطيعوا الله، أيها المؤمنون، فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره من الأشياء، وفيما أمركم به الرسول.
يقول: وأطيعوا الرسول أيضًا كذلك =" لعلكم ترحمون "، يقول: لترحموا فلا تعذبوا.
* * * وقد قيل إن ذلك معاتبة من الله عز وجل أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين خالفوا أمرَه يوم أحد، فأخلُّوا بمراكزهم التي أمروا بالثبات عليها.
*ذكر من قال ذلك: 7829- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وأطيعوا &; 7-207 &; الله والرسول لعلكم ترحمون "، معاتبة للذين عصوْا رسوله حين أمرهم بالذي أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره - يعني: في يوم أحُد.
(81) * * * ---------------- (81) الأثر: 7829- سيرة ابن هشام 3: 115 ، تابع الآثار التي آخرها: 7828.
قوله تعالى : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقينفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وسارعوا قرأ نافع وابن عامر " سارعوا " بغير واو ; وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام .
وقرأ باقي السبعة وسارعوا .
وقال أبو علي : كلا الأمرين شائع مستقيم ، فمن قرأ بالواو فلأنه عطف الجملة على الجملة ، ومن ترك الواو فلأن الجملة الثانية ملتبسة بالأولى مستغنية بذلك عن العطف بالواو .
والمسارعة المبادرة ، وهي مفاعلة .
وفي الآية حذف .
أي سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطاعة .
قال أنس بن [ ص: 193 ] مالك ومكحول في تفسير ( سارعوا إلى مغفرة من ربكم ) : معناه إلى تكبيرة الإحرام .
وقال علي بن أبي طالب : إلى أداء الفرائض .
عثمان بن عفان : إلى الإخلاص .
الكلبي : إلى التوبة من الربا .
وقيل : إلى الثبات في القتال .
وقيل غير هذا .
والآية عامة في الجميع ، ومعناها معنى فاستبقوا الخيرات وقد تقدم .الثانية : قوله تعالى : وجنة عرضها السماوات والأرض تقديره ( كعرض ) فحذف المضاف ; كقوله : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ; أي إلا كخلق نفس واحدة وبعثها .
قال الشاعر :حسبت بغام راحلتي عناقا وما هي ويب غيرك بالعناقيريد صوت عناق .
نظيره في سورة الحديد وجنة عرضها كعرض السماء والأرضواختلف العلماء في تأويله ; فقال ابن عباس : تقرن السماوات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض ; فذلك عرض الجنة ، ولا يعلم طولها إلا الله .
وهذا قول الجمهور ، وذلك لا ينكر ; فإن في حديث أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ( ما السماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض ) .
فهذه مخلوقات أعظم بكثير جدا من السماوات والأرض ، وقدرة الله أعظم من ذلك كله .
وقال الكلبي : الجنان أربعة : جنة عدن ، وجنة المأوى ، وجنة الفردوس ، وجنة النعيم .
وكل جنة منها كعرض السماء والأرض لو وصل بعضها ببعض .
وقال إسماعيل السدي : لو كسرت السماوات والأرض وصرن خردلا ، فكل خردلة جنة عرضها كعرض السماء والأرض .
وفي الصحيح : إن أدنى أهل الجنة منزلة من يتمنى ويتمنى حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى : لك ذلك وعشرة أمثاله رواه أبو سعيد الخدري ، خرجه مسلم وغيره .
وقال يعلى بن أبي مرة : لقيت التنوخي رسول هرقل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بحمص شيخا [ ص: 194 ] كبيرا قال : قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتاب هرقل ، فناول الصحيفة رجلا عن يساره ; قال : فقلت من صاحبكم الذي يقرأ ؟
قالوا : معاوية ; فإذا كتاب صاحبي : إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار ) .
وبمثل هذه الحجة استدل الفاروق على اليهود حين قالوا له : أرأيت قولكم وجنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟
فقالوا له : لقد نزعت بما في التوراة .
ونبه تعالى بالعرض على الطول لأن الغالب أن الطول يكون أكثر من العرض ، والطول إذا ذكر لا يدل على قدر العرض .
قال الزهري : إنما وصف عرضها ، فأما طولها فلا يعلمه إلا الله ; وهذا كقوله تعالى : متكئين على فرش بطائنها من إستبرق فوصف البطانة بأحسن ما يعلم من الزينة ، إذ معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأتقن من البطائن .
وتقول العرب : بلاد عريضة ، وفلاة عريضة ، أي واسعة ; قال الشاعر :كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابلوقال قوم : الكلام جار على مقطع العرب من الاستعارة ; فلما كانت الجنة من الاتساع والانفساح في غاية قصوى حسنت العبارة عنها بعرض السماوات والأرض ; كما تقول للرجل : هذا بحر ، ولشخص كبير من الحيوان : هذا جبل .
ولم تقصد الآية تحديد العرض ، ولكن أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه .
وعامة العلماء على أن الجنة مخلوقة موجودة : لقوله أعدت للمتقين وهو نص حديث الإسراء وغيره في الصحيحين وغيرهما .
وقالت المعتزلة : إنهما غير مخلوقتين في وقتنا ، وإن الله تعالى إذا طوى السماوات والأرض ابتدأ خلق الجنة والنار حيث شاء ; لأنهما دار جزاء بالثواب والعقاب ، فخلقتا بعد التكليف في وقت الجزاء ; لئلا تجتمع دار التكليف ودار الجزاء في الدنيا ، كما لم يجتمعا في الآخرة .
وقال ابن فورك : الجنة يزاد فيها [ ص: 195 ] يوم القيامة .
قال ابن عطية : وفي هذا متعلق لمنذر بن سعيد وغيره ممن قال : إن الجنة لم تخلق بعد .
قال ابن عطية : وقول ابن فورك " يزاد فيها " إشارة إلى موجود ، لكنه يحتاج إلى سند يقطع العذر في الزيادةقلت : صدق ابن عطية - رضي الله عنه - فيما قال : وإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة إلى الكرسي كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض ، والكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة ; فالجنة الآن على ما هي عليه في الآخرة عرضها كعرض السماوات والأرض ; إذ العرش سقفها ، حسب ما ورد في صحيح مسلم .
ومعلوم أن السقف يحتوي على ما تحته ويزيد .
وإذا كانت المخلوقات كلها بالنسبة إليه كالحلقة فمن ذا الذي يقدره ويعلم طوله وعرضه إلا الله خالقه الذي لا نهاية لقدرته ، ولا غاية لسعة مملكته ، سبحانه وتعالى .
ثم أمرهم تعالى بالمسارعة إلى مغفرته وإدراك جنته التي عرضها السماوات والأرض، فكيف بطولها، التي أعدها الله للمتقين، فهم أهلها وأعمال التقوى هي الموصلة إليها
( وسارعوا ) قرأ أهل المدينة والشام سارعوا بلا واو ، ( إلى مغفرة من ربكم ) أي بادروا وسابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : إلى الإسلام ، وروي عنه : إلى التوبة ، وبه قال عكرمة ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إلى أداء الفرائض ، وقال أبو العالية : إلى الهجرة ، وقال الضحاك : إلى الجهاد ، وقال مقاتل : إلى الأعمال الصالحة .
روي عن أنس بن مالك أنها التكبيرة الأولى .
( وجنة ) أي وإلى جنة ( عرضها السماوات والأرض ) أي : عرضها كعرض السماوات والأرض ، كما قال في سورة الحديد : " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض " ( سورة الحديد - 21 ) أي : سعتها ، وإنما ذكر العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه يقول : هذه صفة عرضها فكيف طولها؟
قال الزهري : إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله ، وهذا على التمثيل لا أنها كالسماوات والأرض لا غير ، معناه : كعرض السماوات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى : " خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض " ( سورة هود - 107 ) يعني : عند ظنكم وإلا فهما زائلتان ، وروي عن طارق بن شهاب أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه رضي الله عنهم وقالوا : أرأيتم قوله ( وجنة عرضها السماوات والأرض ) فأين النار؟
فقال عمر : أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار ، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟
فقالوا : إنه لمثلها في التوراة ومعناه أنه حيث يشاء الله .
فإن قيل : قد قال الله تعالى : " وفي السماء رزقكم وما توعدون " ( سورة الذاريات - 22 ) وأراد بالذي وعدنا : الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضها السماوات والأرض؟
وقيل : إن باب الجنة في السماء وعرضها السماوات والأرض كما أخبر ، وسئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن الجنة : أفي السماء أم في الأرض؟
فقال : وأي أرض وسماء تسع الجنة؟
قيل : فأين هي؟
قال : فوق السماوات السبع تحت العرش .
وقال قتادة : كانوا يرون أن الجنة فوق السماوات السبع وأن جهنم تحت الأرضين السبع ( أعدت للمتقين ) .
«وسارعوا» بواو ودونها «إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض» أي كعرضهما لو وصلت إحداهما للأخرى، والعرضُ السعة «أعدت للمتقين» الله بعمل الطاعات وترك المعاصي.
وبادروا بطاعتكم لله ورسوله لاغتنام مغفرة عظيمة من ربكم وجنة واسعة، عرضها السموات والأرض، أعدها الله للمتقين.
ثم أمرهم - سبحانه - بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة التى توصلهم إلى مغفرة الله ورضوانه فقال : { وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } .قال الآلوسى : وسبب نزول هذه الآية على ما أخرجه عبد بن حميد وغيره عن عطاء بن أبى رباح : أن المسلمين قالوا : يا رسول الله .
بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا ، كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة فى عتبة داره أجدع أنفك ، أجدع أذنك ، افعل كذا وكذا فسكت صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآيات إلى قوله { والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً } الآية فقال النبى صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم " .وقوله : { وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } من السرعة بمعنى المبادرة إلى الشىء بدون تأخير أو تردد .
والكلام على حذف مضاف : أى سارعوا وبادروا إلى ما يوصلكم إلى ما به تظفرون بمغفرة ربكم ورحمته ورضوانه وجنته ، بأن تقوموا بأداء ما كلفكم به من واجبات ، وتنتهوا عما نهاكم عنه من محظورات .ولقد قرأ نافع وابن عامر بغير واو ، وهى قراءة أهل المدينة والشام .
والباقون بالواو ، وهى قراءة أهل مكة والعراق .فمن قرأ بالواو ، جعل قوله - تعالى - { وسارعوا } معطوفا على قوله { وَأَطِيعُواْ } أى : أطيعوا الله والرسول وسارعوا إلى مغفرة من ربكم .ومن قرأ بغير واو جعل قوله " سارعوا " مستأنفا ، إذ هو بمنزلة البيان أو بدل الاشتمال .و { مِّن } فى قوله { مِّن رَّبِّكُمْ } ابتدائية ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة للمغفرة أى مغفرة كائنة من ربكم .
.ولقد عظم - سبحانه - بذلك شأن هذه المغفرة التى ينبغى طلبها بإسراع ومبادرة ، بأن جاء بها منكرة ، وبأن وصفها بأنها كائنة منه - سبحانه - هو الذى خلق الخلق بقدرته ، ورباهم برعايته .ووصف - سبحانه - الجنة بأن عرضها السموات والأرض على طريقة التشبيه البليغ ، بدليل التصريح بحرف التشبيه فى قوله - تعالى - { سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض } قال الفخر الرازى ما ملخصه : وفى معنى أن عرض الجنة مثل عرض السموات والأرض وجوه منها : أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا ، بحيث تكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة ، وهذا غاية فى السعة لا يعلمها إلا الله .ومنها أن المقصود المبالغة فى وصف السعة للجنة ، وذلك لأنه لا شىء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله{ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض } فإن أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض ، فخوطبنا على وفق ما عرفناه ، فكذا هنا " .وخص - سبحانه - العرض بالذكر ، ليكون أبلغ فى الدلالة على عظمها واتساع طولها ، لأنه إذا كان عرضها كذا ، فإن العقل يذهب كل مذهب فى تصور طولها " لأن العرض فى العادة أقل من الطول .
وذلك كقوله - تعالى - فى صفة فرش الجنة { مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } لأنه إذا كانت بطانة الفرش من الحرير فكيف يكون ما فوق البطانة مما تراه الأعين؟
.قال القفال : ليس المراد بالعرض ها هنا ما هو خلاف الطول ، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب : بلاد عريضى ، ويقال هذه دعوى عريضة أي واسعة عظيمة .
والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ، وما ضاق عرضه دق ، فجعل العرض كناية عن السعة " .قال ابن كثير : وقد روينا فى مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " إنك دعوتنى إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟
فقال النبى صلى الله عليه وسلم : سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار " .وعن أبى هريرة أن رجلا جاء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أرايت قوله - تعالى - : { جَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض } فأين النار قال : أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شىء فأين النهار؟
قال : حيث شاء الله قال صلى الله عليه وسلم : " وكذلك النار تكون حيث شاء الله " " .وقوله - تعالى - { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } أى هيئت للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن محارم الله ، وجعلوا بينهم وبينها وقاية وساترا ، وخافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى .
فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام، والباقون بالواو، وكذلك هو في مصاحف مكة والعراق ومصحف عثمان، فمن قرأ بالواو عطفها على ما قبلها والتقدير أطيعوا الله والرسول وسارعوا، ومن ترك الواو فلانه جعل قوله: ﴿ سارعوا ﴾ وقوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ كالشيء الواحد، ولقرب كل واحد منها من الآخر في المعنى أسقط العاطف.
المسألة الثانية: روي عن الكسائي الإمالة في ﴿ سارعوا ﴾ ﴿ أولئك يسارعون ﴾ ﴿ ونسارع ﴾ وذلك جائز لمكان الراء المسكورة، ويمنع كما المفتوحة الامالة، كذلك المسكورة يميلها.
المسألة الثالثة: قالوا: في الكلام حذف والمعنى: وسارعوا الى ما يوجب مغفرة من ربكم ولا شك أن الموجب للمغفرة ليس الا فعل المأمورات وترك المنهيات، فكان هذا أمرا بالمسارعة الى فعل المأمورات وترك المنهيات، وتمسك كثير من الأصوليين بهذه الآية في أن ظاهر الأمر يوجب الفور ويمنع من التراخي ووجهه ظاهر، وللمفسرين فيه كلمات: إحداها: قال ابن عباس: هو الاسلام أقول وجهه ظاهر، لأنه ذكر المغفرة على سبيل التنكير، والمراد منه المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وذلك هو المغفرة الحاصلة بسبب الاسلام.
الثاني: روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: هو أداء الفرائض، ووجهه أن اللفظ مطلق فيجب أن يعم الكل.
والثالث: انه الاخلاص وهو قول عثمان بن عفان رضي الله عنه: ووجهه أن المقصود من جميع العبادات الاخلاص، كما قال: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ الرابع: قال أبو العالية: هو الهجرة.
والخامس: أنه الجهاد وهو قول الضحاك ومحمد بن اسحاق، قال: لأن من قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ الى تمام ستين آية نزل في يوم أحد فكان كل هذه الأوامر والنواهي مختصة بما يتعلق بباب الجهاد.
السادس: قال سعيد بن جبير: انها التكبيرة الأولى.
والسابع: قال عثمان: انها الصلوات الخمس.
والثامن: قال عكرمة: إنها جميع الطاعات.
لأن اللفظ عام فيتناول الكل.
والتاسع: قال الأصم: سارعوا، أي بادروا الى التوبة من الربا والذنوب، والوجه فيه أنه تعالى نهى أولا عن الربا، ثم قال: ﴿ وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ فهذا يدل على أن المراد منه المسارعة في ترك ما تقدم النهي عنه، والأولى ما تقدم من وجوب حمله على أداء الواجبات والتوبة عن جميع المحظورات، لأن اللفظ عام فلا وجه في تخصيصه، ثم أنه تعالى بين أنه كما تجب المسارعة إلى المغفرة فكذلك تجب المسارعة إلى الجنة، وإنما فصل بينهما لأن الغفران معناه إزالة العقاب، والجنة معناها إيصال الثواب، فجمع بينهما للإشعار بأنه لابد للمكلف من تحصيل الأمرين، فأما وصف الجنة بأن عرضها السموات: فمعلوم أن ذلك ليس بحقيقة؛ لأن نفس السموات لا تكون عرضا للجنة، فالمراد كعرض السموات والأرض وهاهنا سؤالات.
السؤال الأول: ما معنى أن عرضها مثل عرض السموات والأرض وفيه وجوه: الأول: أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحدة من تلك الطبقات سطحا مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله.
والثاني: أن الجنة التي يكون عرضها مثل عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكا، فلابد وأن تكون الجنة المملوكة لكل واحد مقدارها هذا.
الثالث: قال أبو مسلم: وفيه وجه آخر وهو أن الجنة لو عرضت بالسموات والأرض على سبيل البيع لكانتا ثمنا للجنة، تقول إذا بعت الشيء بالشيء الآخر: عرضته عليه وعارضته به، فصار العرض يوضع موضع المساواة بين الشيئين في القدر، وكذا أيضا معنى القيمة لأنها مأخوذة من مقاومة الشيء بالشيء حتى يكون كل واحد منهما مثلا للآخر.
الرابع: المقصود المبالغة في وصف سعة الجنة وذلك لأنه لا شيء عندنا أعرض منهما ونظيره قوله: ﴿ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض ﴾ فان أطول الأشياء بقاء عندنا هو السموات والأرض، فخوطبنا على وفق ما عرفناه، فكذا هاهنا.
السؤال الثاني: لم خص العرض بالذكر.
والجواب فيه وجهان: الأول: أنه لما كان العرض ذلك فالظاهر أن الطول يكون أعظم ونظيره قوله: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ وإنما ذكر البطائن لأن من المعلوم أنها تكون أقل حالا من الظهارة، فاذا كانت البطانة هكذا فكيف الظهارة؟
فكذا هاهنا اذا كان العرض هكذا فكيف الطول والثاني: قال القفال: ليس المراد بالعرض هاهنا ما هو خلاف الطول، بل هو عبارة عن السعة كما تقول العرب: بلاد عريضة، ويقال هذه دعوى عريضة، أي واسعة عظيمة، والأصل فيه ان ما اتسع عرضه لم يضق، وما ضاق عرضه دق، فجعل العرض كناية عن السعة.
السؤال الثالث: أنتم تقولون: الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟
والجواب من وجهين: الأول: أن المراد من قولنا انها فوق السموات وتحت العرش، قال عليه السلام في صفة الفردوس: «سقفها عرش الرحمن».
وروي أن رسول هرقل سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: انك تدعو الى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار».
والمعنى والله أعلم أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل، وسئل أنس ابن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟
فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة، قيل فأين هي؟
قال: فوق السموات السبع تحت العرش.
والوجه الثاني: أن الذين يقولون الجنة والنار غير مخلوقتين الآن، بل الله تعالى يخلقهما بعد قيام القيامة، فعلى هذا التقدير لا يبعد أن تكون الجنة مخلوقة في مكان السموات، والنار في مكان الأرض، والله أعلم.
أما قوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ فظاهره يدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وقد سبق تقرير ذلك.
<div class="verse-tafsir"
في مصاحف أهل المدينة والشام (سارعوا) بغير واو.
وقرأ الباقون بالواو.
وتنصره قراءة أبيّ وعبد الله: وسابقوا ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يستحقان به ﴿ عَرْضُهَا السماوات والأرض ﴾ [الحديد: 1] أي عرضها عرض السموات والأرض، كقوله: ﴿ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والارض ﴾ والمراد وصفها بالسعة والبسطة، فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه.
وخص العرض، لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة، كقوله: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [الرحمن: 54] .
وعن ابن عباس رضي الله عنه: كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض ﴿ فِى السَّرَّاء والضراء ﴾ في حال الرخاء واليسر وحال الضيقة والعسر، لا يخلون بأن ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من كثير أو قليل، كما حكي عن بعض السلف: أنه ربما تصدّق ببصلة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدّقت بحبة عنب أو في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرّة، لا تمنعهم حال فرح وسرور، ولا حال محنة وبلاء، من المعروف، وسواء عليهم كان الواحد منهم في عرس أو في حبس، فإنه لا يدع الإحسان.
وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.
كظم القربة: إذا ملأها وشد فاها.
وكظم البعير: إذا لم يجتر.
ومنه كظم الغيظ، وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثراً، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً» ، وعن عائشة رضي الله عنها: أن خادماً لها غاظها فقالت: لله درّ التقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء.
﴿ والعافين عَنِ الناس ﴾ إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا» وعن ابن عيينة: أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هؤلاء في أمّتي قليل إلا من عصم الله، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت» ﴿ والله يُحِبُّ المحسنين ﴾ يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون.
وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء ﴿ والذين ﴾ عطف على المتقين.
أي أعدت للمتقين وللتائبين.
وقوله: ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الفريقين.
ويجوز أن يكون والذين مبتدأ خبره أولئك ﴿ فاحشة ﴾ فعلة متزايدة القبح ﴿ أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أو أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به.
وقيل: الفاحشة والزنا.
وظلم النفس ما دونه من القبلة واللمسة ونحوهما.
وقيل: الفاحشة الكبيرة.
وظلم النفس الصغيرة ﴿ ذَكَرُواْ الله ﴾ تذكروا عقابه أو وعيده أو نهيه، أو حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء منه ﴿ فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فتابوا عنها لقبحها نادمين عازمين ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله ﴾ وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة وإنّ التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وأنّ عدله يوجب المغفرة للتائب، لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها وردع عن اليأس والقنوط وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم.
والمعنى: أنه وحده معه مصححات المغفرة وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ ﴾ ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرّة» وروي: «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ حال من فعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معاً.
والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها وبالوعيد عليها، لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح.
وفي هذه الآيات بيان قاطع أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصروُّن.
وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم، دون المصرّين.
ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه.
قال ﴿ أَجْرُ العاملين ﴾ بعد قوله: ﴿ جَزَآؤُهُمْ ﴾ [آل عمران: 87] لأنهما في معنى واحد.
وإنما خالف بين اللفظين لزيادة التنبيه على أنّ ذلك جزاء واجب على عمل، وأجر مستحق عليه، لا كما يقول المبطلون.
وروي أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى موسى: ما أقلّ حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي.
وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة.
وعن الحسن رضي الله عنه: يقول الله تعالى يوم القيامة «جوزوا والصراط بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم» وعن رابعة البصرية رضي الله عنها أنها كانت تنشد: تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ** إنّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى اليَبَسِ والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: ونعم أجر العاملين ذلك.
يعني المغفرة والجنات ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ يريد ما سنه الله في الأمم المكذبين من وقائعه، كقوله: ﴿ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْل ﴾ [الأحزاب: 61] ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ [الفتح: 22] ، ﴿ سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ [الفتح: 23] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَسارِعُوا ﴾ بادِرُوا وأقْبِلُوا.
﴿ إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ إلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ المَغْفِرَةَ، كالإسْلامِ والتَّوْبَةِ والإخْلاصِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ سارِعُوا بِلا واوٍ.
﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ أيْ عَرْضُها كَعَرْضِهِما، وذِكْرُ العَرْضِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِها بِالسِّعَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، لِأنَّهُ دُونَ الطُّولِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَسَبْعِ سَماواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ لَوْ وصَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ هُيِّئَتْ لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وإنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ.
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ.
﴿ فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴾ في حالَتَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، أوِ الأحْوالِ كُلِّها إذِ الإنْسانُ لا يَخْلُو عَنْ مَسَرَّةٍ أوْ مُضِرَّةٍ، أيْ لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ الكافِّينَ عَنْ إمْضائِهِ مَعَ القُدْرَةِ، مِن كَظَمْتُ القِرْبَةَ إذا مَلَأْتَها وشَدَدْتَ رَأْسَها.
وَعَنِ النَّبِيِّ «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا.» ﴿ والعافِينَ عَنِ النّاسِ ﴾ التّارِكِينَ عُقُوبَةَ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ».» وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ.
﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ الجِنْسَ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ، والعَهْدَ فَتَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ} سَارَعوا مدني وشامي فمن أثبت الواو عطفها على ما قبلها ومن حذفها استأنفها ومعنى المسارعة إلى المغفرة
آل عمران (١٣٣ _ ١٣٥)
والجنة الاقبال على ما يوصل اليها ثم قيل هي الصلوات الخمس أو التكبيرة الأولى أو الطاعة أو الإخلاص أو التوبة أو الجمعة والجماعات {عرضها السماوات والأرض} أى عرضها عرض السموات والأرض كقوله عرضها كعرض السماء والأرض والمراد وصفها بالسعة والبسط فشبهت بأوسع ما علمه الناس خلقه وأبسطه وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة وعن ابن عباس رضى الله عنهما كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض وما روي أن الجنة في السماء السابعة أو في السماء الرابعة فمعناه انها في جهتها لا أنها فيها أو في بعضها كما يقا فى الدار بستان وإن كان يريد عليها لأن المراد أن بابه إليها {أُعِدَّتْ} فى موضع جر صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدة {لّلْمُتَّقِينَ} ودلت الآيتان على أن الجنة والنار مخلوقتان ثم المتقي من يتقي الشرك كما قال وَجَنَّةٍ عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله أو من يتقي المعاصي فإن كان المراد الثاني فهي لهم بغير عقوبة وإن كان الأول فهي لهم أيضاً في العاقبة ويوقف عليه إن جعل
﴿ وسارِعُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى أطِيعُوا أوِ اتَّقُوا.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ والعِراقِ أيْ بادِرُوا وسابِقُوا، وقُرِئَ بِالأخِيرِ ﴿ إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ ﴾ أيْ أسْبابِهِما مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: سارِعُوا إلى أداءِ الفَرائِضِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى الإسْلامِ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: إلى الهِجْرَةِ، وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: إلى التَّكْبِيرَةِ الأُولى، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إلى أداءِ الطّاعاتِ، وعَنْ يَمانٍ: إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: إلى الجِهادِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: إلى التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ العُمُومُ ويَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الأنْواعِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: لِأنَّها كالسَّبَبِ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِمَغْفِرَةٍ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ، ووَصْفُ المَغْفِرَةِ بِكَوْنِها مِنَ الرَّبِّ دُونَ الجَنَّةِ تَعْظِيمًا لِأمْرِها وتَنْوِيهًا بِشَأْنِها، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنّا، كانُوا إذا أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً في عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ، افْعَلْ كَذا وكَذا، فَسَكَتَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ الآيَةَ.
فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ثُمَّ تَلاها عَلَيْهِمْ» .
والتَّنْوِينُ في مَغْفِرَةٍ لِلتَّعْظِيمِ ويُؤَيِّدُهُ الوَصْفُ، وكَذا في ( جَنَّةٍ ) ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا وصْفُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ والمُرادُ كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: حَسِبْتُ بُغامَ راحِلَتِي عَناقًا وما هي ويْبَ غَيْرِكَ بِالعَناقِ فَإنَّهُ أرادَ كَصَوْتِ عَناقٍ، والعَرْضُ أقْصَرُ الِامْتِدادَيْنِ، وفي ذِكْرِهِ دُونَ ذِكْرِ الطُّولِ مُبالَغَةٌ، وزادَ في المُبالَغَةِ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ وتَقْدِيرِ المُضافِ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَحْدِيدَ عَرْضِها حَتّى يَمْتَنِعَ كَوْنُها في السَّماءِ، بَلِ الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ السَّعَةِ بِما هو في تَصْوِيرِ السّامِعِينَ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تَصِفُ الشَّيْءَ بِالعَرْضِ إذا أرادُوا وصْفَهُ بِالسَّعَةِ، ومِنهُ قَوْلُهم: أعْرَضَ في المَكارِمِ إذا تَوَسَّعَ فِيها، والمُرادُ مِنَ ( السَّمَواتِ والأرْضِ ) السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: تُقْرَنُ السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ كَما تُقْرَنُ الثِّيابُ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَذاكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها فَوْقَ السَّمَواتِ السَّبْعِ تَحْتَ العَرْشِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وقِيلَ: إنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَعْنى كَوْنِها في السَّماءِ أنَّها في جِهَةِ العُلُوِّ ولا مانِعَ عِنْدَنا أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في العُلُوِّ أمْثالَ السَّمَواتِ والأرْضِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، ولا يُنافِي هَذا خَبَرَ أنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ إنْ صَحَّ ولا ما حُكِيَ عَنِ الأكْثَرِ لِأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِكَ: في الدّارِ بُسْتانٌ إذا كانَ لَهُ بابٌ مِنها يَشْرَعُ إلَيْهِ مَثَلًا، فَإنَّهُ لا يُنافِي خُرُوجَ البُسْتانِ عَنْها، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يُنافِي الخَبَرَ أيْضًا كَوْنُ عَرْضِ الجَنَّةِ كَعَرْض السَّماوات والأرْض مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ (السَّمَواتِ) السَّمَواتِ السَّبْعَ كَما قِيلَ بِهِ.
ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ أوِ الرّابِعَةِ إلّا أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ يَزِيدُ اللَّهُ تَعالى فِيها ما يَزِيدُ.
وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ قِيلَ: وبِذَلِكَ يُدْفَعُ السُّؤالُ بِأنَّهُ إذا كانَ عَرْضُ الجَنَّةِ ( كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ ) فَأيْنَ تَكُونُ النّارُ، ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا الآنُ فَهي دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، ويَوْمَ يَثْبُتُ لَها ذَلِكَ لا تَكُونُ فِيهِ السَّمَواتُ والأرْضُ كَهَذِهِ السَّمَواتِ والأرْضِ المُشَبَّهِ بِعَرْضِهِما عَرْضُها، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ: بِالزِّيادَةِ في السَّعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وإنَّ سَلِمَ إلّا أنَّ كَوْنَها اليَوْمَ دُونَ هَذِهِ السَّمَواتِ والأرْضِ بِكَثِيرٍ في حَيِّزِ المَنعِ ولا يَكادُ يُقْبَلُ، والسُّؤال المَذْكُورُ أجابَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ التَّنُوخِيِّ رَسُولِ هِرَقْلَ «قالَ: قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِكِتابِ هِرَقْلَ وفِيهِ: إنَّكَ كَتَبْتَ تَدْعُونِي إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتِ والأرْضِ فَأيْنَ النّارُ ؟
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: سُبْحانَ اللَّهِ فَأيْنَ اللَّيْلُ إذا جاءَ النَّهارُ ؟» ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِنَ الجَوابِ إسْقاطُ المَسْألَةِ وبَيانُ أنَّ القادِرَ عَلى أنْ يُذْهِبَ اللَّيْلَ حَيْثُ شاءَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ النّارَ حَيْثُ شاءَ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ خَبَرُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ العَرْضَ هَهُنا لَيْسَ مُقابِلَ الطُّولِ بَلْ هو مِن قَوْلِكَ عَرَضْتُ المَتاعَ لِلْبَيْعِ، والمَعْنى أنَّ ثَمَنَها لَوْ بِيعَتْ كَثَمَنِ السَّمَواتِ والأرْضِ، والمُرادُ بِذَلِكَ عِظَمُ مِقْدارِها وجَلالَةُ قَدْرِها، وأنَّهُ لا يُساوِيها شَيْءٌ وإنْ عَظُمَ، فالعَرْضُ بِمَعْنى ما يُعْرَضُ مِنَ الثَّمَنِ في مُقابَلَةِ المَبِيعِ، ورُبَّما يُسْتَغْنى عَلى هَذا عَنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ المُضافِ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ خِلافُ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ مِن أنَّ المُرادَ وصْفُها بِأنَّها واسِعَةٌ ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أيْ هُيِّئَتْ لِلْمُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ، وأنَّ دُخُولَ غَيْرِهِمْ كَعُصاةِ المُؤْمِنِينَ والأطْفالِ والمَجانِينِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ، وإذا حُمِلَتِ التَّقْوى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأمّا فِيهِ فَبَعِيدٌ عَلى التَّقْوى عَنِ الشِّرْكِ لا ما يَعُمُّهُ وسائِرَ المُحَرَّماتِ لَمْ نَسْتَغْنِ عَنْ هَذا القَوْلِ أيْضًا؛ لِأنَّ المَجانِينَ مَثَلًا لا يَتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى حَقِيقَةً ولَوْ كانَتْ عَنِ الشِّرْكِ كَما لا يَخْفى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ جَنّاتٌ مُتَفاوِتَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم لا بِالذّاتِ ولا بِالتَّبَعِ، ولَعَلَّها الفِرْدَوْسُ المُصَرَّحُ بِها في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ الجَنَّةَ فَأسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ» وفِيهِ تَأمُّلٌ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الماضِي، وجَعْلُهُ مِن بابِ ( ونُفِخَ في الصُّورِ ) خِلافُ الظّاهِرِ ولا داعِيَ إلَيْهِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ ( أُعِدَّتْ ) السّابِقُ في حَقِّ النّارِ.
وأمّا دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ بِناءً عَلى أنَّها تَقْتَضِي أنَّ الجَنَّةَ أعْظَمُ مِنهُ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِها فَفِيهِ نَظَرٌ كَما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ النَّظَرُ فِيما تَقَدَّمَ.
والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لَجْنَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنها لِأنَّها قَدْ وصِفَتْ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها أنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ وما جاءَ مِن ذَلِكَ مُتَأوَّلٌ عَلى ضَعْفِهِ، والثّانِي أنَّ العَرْضَ هُنا لا يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ بَلِ المَسافَةُ، والثّالِثُ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنهُ الفَصْلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ يعني أطيعوا الله في الفرائض، والرسول في السنن.
ويقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ في تحريم الربا، وَالرَّسُولَ فيما بلغكم من التحريم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ولا تُعَذَّبُونَ وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قرأ نافع ومن تابعه من أهل المدينة، وابن عامر ومن تابعه من أهل الشام: سارعوا بغير الواو على معنى الابتداء.
وقرأ الباقون بالواو على معنى العطف.
قال الكلبي: معناه وسارعوا إلى التوبة من الربا.
وقال مقاتل: وسارعوا بالأعمال الصالحة التي هي مغفرة لذنوبكم وإلى الجنة.
وقال الضحاك: يعني سارعوا إلى النجاء الأكبر إلى الصف المقدم في الصلاة، وإلى الصف المقدم في القتال.
ويقال: وسارعوا حتى لا تفوتكم تكبيرة الافتتاح.
ثم قال تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ قال القتبي: أي سعتها، ولم يرد به العَرْض الذي هو خلاف الطول.
والعرب تقول: بلاد عريضة أي واسعة.
ويقال: عَرْضُ الجنة كعرض سبع سموات، وكعرض سبع أرضين، لو ألزق بعضها إلى بعض.
وإنما ذكر العرض ولم يذكر الطول، لأن طولها لا يعرف ولا يدرك.
وقال الكلبي: الجنان أربع: جنة عدن وهي الدرجة العليا، وجنة المأوى، وجنة الفردوس، وجنة النعيم.
كل جنة منها كعرض السموات والأرض لو وصل بعضها إلى بعض.
ويقال: لم يرد بهذا التقدير، ولكنه أراد بذلك إنها أوسع شيء رأيتموه.
وقال السدي: لو كسرت السموات وصرن خردلاً، فبكل خردلة لله جنة عرضها كعرض السموات والأرض.
حدثنا محمد بن داود، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا يعقوب عن أبي حازم قال أخبرني سهل بن سعد قال إن أدنى أهل الجنة يقال له: تَمَنَّ.
فيقول: أعطني كذا أعطني كذا، حتى إذا لم يجد شيئاً يتمنى لُقِّن فيقال له: تَمَنَّ، قل كذا قل كذا، فيقول.
فيقال له: هو لك ولك مثله معه.
وفي رواية أبي سعيد الخدري لك هذا وعشرة أمثاله معه.
ثم قال تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ يعني الجنة.
<div class="verse-tafsir"
مرويًّا، ومعناه: الرِّبَا الذي كانت العربُ تُضعِّف فيه الدَّيْن، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في «سورة البقرة» .
وقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، أي: أنهم المقصودُ، والمراد الأوَّل، وقد يدخُلُها سواهم من العُصَاة، هذا مذْهَبُ أهل العلْمِ في هذه الآية، وحكَى الماوَرْدِيُّ «١» وغيره، عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أَكَلَة الرِّبا، إنما توعَّدهم اللَّهُ بنارِ الكَفَرة، لا بنار العُصَاة.
وقوله سبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، قال محمَّد بْنُ إسحاق:
هذه الآية من قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ هي ابتداءُ المعاتبةِ فِي أمر أُحُدٍ، وانهزام مَنْ فَرَّ، وزوال الرماة عن مراكزهم «٢» .
وقوله تعالى: سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، قرأ نافعٌ، وابنُ عامِرٍ: سارعوا بغَيْر «واوٍ» وكذلك هي في مصاحِفِ أهل المدينة والشام، وقرأ باقي السبعة بالواو، والمُسَارَعَة: المبادرةُ، وهي مفاعلة إذ الناس كأن كلَّ واحِدٍ يُسْرِعُ لِيَصِلَ قبل غيره، فَبَيْنَهُمْ في ذلك مُفَاعَلَةٌ أَلاَ ترى إلى قوله تعالى: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
[البقرة: ١٤٨] ، والمعنى: سارعوا بالطَّاعة، والتقوى، والتقرُّب إلى ربِّكم إلى حالٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فيها، قلْتُ: وحقٌّ على مَنْ فَهِمَ كلامَ ربِّه أنْ يبادر ويُسَارع إلى ما ندبه إلَيْه ربُّه، وألاَّ يتهاوَنَ بترك الفضائِلِ الواردَةِ في الشّرع، قال النوويّ- رحمه الله-: اعلم أنه ينبغِي لِمَنْ بلغه شيْءٌ في فضائلِ الأعمال أنْ يعمل به، ولو مَرَّةً ليكون مِنْ أهله، ولا ينبغي أنْ يتركه جملةً، بل يأتي بما تيسَّر منه لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتّفق على صحّته: «وإذا
أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فافعلوا مِنْهُ مَا استطعتم» «١» .
انتهى من «الحلية» .
وقوله سبحانه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، أي: كعرض السموات والأرض، قال ابنُ عبَّاس في تفسير الآية: تقرن السمواتُ والأرَضُونَ بعضها إلى بعض كما تبسطُ الثيابُ، فذلك عَرْضُ الجَنَّة ولا يَعْلَمُ طولَهَا إلا اللَّه سبحانه «٢» وفي الحديث الصحيح عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ أَبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي عَلَيْهَا يَوْمٌ يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا تَزْدَحِمُ الإبِلُ، إذَا وَرَدَتْ خُمُصاً ظِمَاءً» «٣» .
وفي الصحيح:
«إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها» «٤» فهذا كلّه يقوّي
قولَ ابْنِ عَبَّاسِ، وهو قولُ الجُمْهور: «إنَّ الجنَّة أَكْبرُ من هذه المخلوقاتِ المذْكُورة، وهي ممتدَّة على السَّماء حيْثُ شاء/ اللَّه تعالى، وذلك لا يُنْكَرُ، فإن في حديث النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إلاَّ كَدَرَاهِمَ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا الكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ» «١» .
قال ع «٢» : فهذه مخلوقاتٌ أعظم بكثير جدًّا من السمواتِ والأرضِ، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ مِنْ ذلك كلِّه، قلتُ: قال الفَخْر: «٣» وفي الآية وجْه ثانٍ أنَّ الجنَّة التي عرضُها مثْلُ عَرْضِ السمواتِ والأرضِ، إنما تكونُ للرَّجُل الواحدِ لأن الإنسان يَرْغَبُ فيما يكون مِلْكاً له، فلا بُدَّ أَنْ تصير الجَنَّة المملوكة لكلِّ أحد مقْدَارُها هكذا.
اهـ.
وقُدْرَةُ اللَّه تعالى أوسع، وفَضْلُه أعظم، وفي «صحيح مسلم» ، والترمذيِّ، مِنْ حديث المُغَيرة بْنِ شُعْبَة «٤» (رضي اللَّه عنه) : «في سُؤَال موسى رَبَّهُ عَنْ أدنى أَهْلِ الجنّة
مَنْزِلَةً، وَأَنَّهُ رَجُلٌ يَأْتِي بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: أترضى أَنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟
فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ: رَضِيتُ، أيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا مَا اشتهت نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ» «١» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي البخاريِّ من طريقِ ابْنِ مسعودٍ (رَضِيَ اللَّه عَنه) : «إنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّة، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادخل الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ، الجَنَّةُ ملأى، فَيَقُولُ لَهُ: إنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مَرَّاتٍ» «٢» .
اهـ.
وفي «جامع التِّرمذيِّ» ، عن ابنِ عُمَرَ (رضي اللَّه عنهما) ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ...
» «٣» الحديثَ، قال أبو عيسى، وقد روي هذا الحديث من غير وَجْهٍ، مرفوعًا وموقوفًا، وفي الصَّحيحِ ما معناه:
«إذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، تبقى فِيهَا فَضْلَةٌ، فَيُنْشِيءُ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً» ، أَوْ كما قال.
اهـ.
قال ع «٤» : وخص العرض بالذِّكْر لأنه يدلُّ متى ما ذُكِرَ علَى الطُّولِ، والطُّولُ إذا ذكر لا يدُلُّ على قَدْر العَرْض، بل قد يكونُ الطَّويلُ يَسِيرَ العَرْضِ كالخَيْطِ ونحوه.
ثم وصف تعالى المتَّقِينَ الذين أعدَّتّ لهم الجنَّةُ بقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
، وهما اليُسْر والعُسْر، قاله ابن عَبَّاس «١» .
إذ الأغلَبُ أنَّ مع اليُسْر النَّشَاطَ، وسرورَ النفْسِ، ومع العُسْر الكراهيَةَ، وضُرَّ النفس، وكَظْمُ الغَيْظ: ردُّه في الجَوْفِ، إذا كاد أنْ يخرج من كثرته، ومنعه: كظْمٌ له، والكِظَامُ: السَّيْر الذي يشدُّ به فَمُّ الزِّقِّ، والغَيْظُ:
أصْلُ الغضَبِ، وكثيراً ما يتلازمَانِ ولذلك فسَّر بعض الناس الغَيْظَ بالغَضَب، وليس تحريرُ الأمر كذلك، بل الغيظُ حالٌ للنفس، لا تظهر على الجوارح، والغضبُ حالٌ لها تظهر في الجوارحِ وفِعْلٍ مَّا ولا بدَّ ولهذا جاز إسناد الغَضَب إلى اللَّه سبحانه إذ هو عبارة عن أفعاله في المغْضُوب علَيْهم، ولا يسند إلَيْه تعالى الغَيْظُ.
ووردَتْ في كظْمِ الغيظ، ومِلْكِ النفْسِ عند الغضب أحاديثُ، وذلك من أعظم العباداتِ، وجهادِ النفسِ، ففي حديثِ أبِي هريرة (رضي الله عنه) أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ قَالَ:
«مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ على إنْفَاذِهِ، مَلأَهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً» ، إلى غير ذلك من الأحاديثَ، قُلْتُ: وروى أبو داوُدَ، والترمذيُّ عن معاذِ بْنِ أَنَس «٢» (رضي اللَّه عنه) أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ على أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ على رُءُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حتى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ» «٣» ، قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
اهـ.
وفي روايةٍ أخرى لأبي داود: «مَلأهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جمال،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ كُلُّهم أثْبَتَ الواوَ في "وَسارِعُوا" إلّا نافِعًا، وابْنَ عامِرٍ، فَإنَّهُما لَمْ يَذْكُراها.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، فَمَن قَرَأ بِالواوِ، عَطَفَ "وَسارِعُوا" عَلى "وَأطِيعُوا" ومَن حَذَفَها، فَلِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مُلْتَبِسَةٌ بِالأُولى، فاسْتَغْنَتْ عَنِ العَطْفِ.
ومَعْنى الآَيَةِ: بادِرُوا إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ.
وفي المُرادِ بِمُوجِبِ المَغْفِرَةِ هاهُنا عَشْرَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الإخْلاصُ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أداءُ الفَرائِضِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّالِثُ: الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
.
والرّابِعُ: التَّكْبِيرَةُ الأُولى مِنَ الصَّلاةِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
والخامِسُ: الطّاعَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والسّادِسُ: التَّوْبَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والسّابِعُ: الهِجْرَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّامِنُ: الجِهادُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والتّاسِعُ: الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ يَمانُ.
والعاشِرُ: الأعْمالُ الصّالِحَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرادَ بِالعَرْضِ السِّعَةَ، ولَمْ يُرِدِ العَرْضَ الَّذِي يُخالِفُ الطُّولَ، والعَرَبُ تَقُولُ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، أيْ: واسِعَةٌ.
«وَقالَ النَّبِيُّ لِلْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: "لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً" .» قالَ الشّاعِرُ: كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهْيَ عَرِيضَةٌ عَلى الخائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلٍ قالَ وأصْلُ هَذا مِنَ العَرْضِ الَّذِي هو خِلافُ الطُّولِ، وإذا عَرُضَ الشَّيْءُ اتَّسَعَ، وإذا لَمْ يَعْرُضْ ضاقَ ودَقَّ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ ألْصَقَ بَعْضِهِنَّ إلى بَعْضٍ كانَتِ الجَنَّةُ في عَرْضِهِنَّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَرّاءِ والضَرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ الناسِ واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "سارِعُوا" بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ الشامِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ بِالواوِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كِلا الأمْرَيْنِ شائِعٌ مُسْتَقِيمٌ، فَمَن قَرَأ بِالواوِ فَلِأنَّهُ عَطَفَ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ، ومَن تَرَكَ الواوَ فَلِأنَّ الجُمْلَةَ الثانِيَةَ مُلْتَبِسَةٌ بِالأُولى مُسْتَغْنِيَةٌ بِذَلِكَ عَنِ العَطْفِ بِالواوِ.
وأمالَ الكِسائِيُّ الألِفَ مِن قَوْلِهِ: "سارِعُوا" ومِن قَوْلِهِ: "وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ" و"نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ" في كُلِّ ذَلِكَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والإمالَةُ هُنا حَسَنَةٌ لِوُقُوعِ الراءِ المَكْسُورَةِ بَعْدَها.
والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، وهي مُفاعَلَةٌ إذِ الناسُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ يُسْرِعُ لِيَصِلَ قَبْلَ غَيْرِهِ، فَبَيْنَهم في ذَلِكَ مُفاعَلَةٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ .
وقَوْلُهُ "إلى مَغْفِرَةٍ" مَعْناهُ: سارِعُوا بِالتَقْوى والطاعَةِ والتَقَرُّبِ إلى رَبِّكم إلى حالٍ يَغْفِرُ اللهُ لَكم فِيها، أيْ يَسْتُرُ ذُنُوبَكم بِعَفْوِهِ عنها وإزالَةِ حُكْمِها، ويُدْخِلُكم جَنَّةً.
قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ومَكْحُولٌ في تَفْسِيرِ ﴿ وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ ﴾ مَعْناهُ: إلى تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ مَعَ الإمامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَقالٌ حَسَنٌ يُحْتَذى عَلَيْهِ في كُلِّ طاعَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ تَقْدِيرُهُ: كَعَرْضِ السَماواتِ والأرْضِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ أيْ كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها، فَجاءَ هَذا الِاقْتِضابُ المَفْهُومُ الفَصِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَسِبْتَ بُغامَ راحِلَتِي عَناقًا وما هي ويْبَ غَيْرِكَ بِالعَناقِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: كَأنَّ غَدِيرَهم بِجَنُوبِ سِلّى ∗∗∗ نَعامٌ قاقَ في بَلَدٍ قِفارِ التَقْدِيرُ: صَوْتَ عَناقٍ وغَدِيرُ نَعامٍ.
وأمّا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ فاخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: تُقْرَنُ السَماواتُ والأرْضُونَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ كَما يُبْسَطُ الثَوْبُ، فَذَلِكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، ولا يَعْلَمُ طُولَها إلّا اللهُ.
وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ : « "أنَّ بَيْنَ المِصْراعَيْنِ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وسَيَأْتِي عَلَيْها يَوْمٌ يَزْدَحِمُ الناسُ فِيها كَما تَزْدَحِمُ الإبِلُ إذا ورَدَتْ خُمْصًا ظِماءً"» وفي الحَدِيثِ عنهُ : « "أنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الراكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها"،» فَهَذا كُلُّهُ يُقَوِّي قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الجَنَّةَ أكْبَرُ مِن هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةِ، وهي مُمْتَدَّةٌ عَنِ السَماءِ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وذَلِكَ لا يُنْكَرُ، فَإنَّ في حَدِيثِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "ما السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُونَ السَبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَدَراهِمَ أُلْقِيَتْ في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، وما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أعْظَمُ بِكَثِيرٍ جِدًّا مِنَ السَماواتِ والأرْضِ، وقُدْرَةُ اللهِ تَعالى أعْظَمُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ.
رَوى يَعْلى بْنُ أبِي مُرَّةَ قالَ: «لَقِيتُ التَنُوخِيَّ رَسُولَ هِرَقْلَ إلى رَسُولِ اللهِ بِحِمْصَ، شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ فَنَدَ فَقالَ قَدِمْتُ عَلى النَبِيِّ ، بِكِتابِ هِرَقْلَ، فَناوَلَ الصَحِيفَةَ رَجُلًا عن يَسارِهِ فَقُلْتُ: مَن صاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟
قالُوا: مُعاوِيَةٌ، فَإذا كِتابُ هِرَقْلَ: إنَّكَ كَتَبْتَ إلَيَّ تَدْعُونِي إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأيْنَ النارُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "سُبْحانَ اللهِ، فَأيْنَ اللَيْلُ إذا جاءَ النَهارُ"؟» ورَوى قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عن طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: جاءَ رَجُلانِ مِنَ اليَهُودِ مِن نَجْرانَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ أحَدُهُما: تَقُولُونَ جَنَّةٌ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ، أيْنَ تَكُونُ النارُ؟
فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أرَأيْتَ النَهارَ إذا جاءَ أيْنَ يَكُونُ اللَيْلُ؟
واللَيْلُ إذا جاءَ أيْنَ يَكُونُ النَهارُ؟
فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّهُ لَمِثْلُها في التَوْراةِ، فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ: لِمَ أخْبَرْتَهُ؟
دَعْهُ إنَّهُ بِكُلٍّ مُوقِنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ الآثارُ كُلُّها هي في طَرِيقٍ واحِدٍ، مِن أنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَتَّسِعُ لِهَذا كُلِّهِ، وخَصَّ العَرْضَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ يَدُلُّ مَتى ذُكِرَ عَلى الطُولِ، والطُولُ إذا ذُكِرَ لا يَدُلُّ عَلى قَدْرِ العَرْضِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الطَوِيلُ يَسِيرَ العَرْضِ كالخَيْطِ ونَحْوِهِ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، وفَلاةٌ عَرِيضَةٌ.
وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ مَعْناهُ: كَعَرْضِ السَماواتِ والأرْضِ، كَما هي طِباقًا، لا بِأنْ تُقْرَنَ كَبَسْطِ الثِيابِ، فالجَنَّةُ في السَماءِ، وعَرْضُها كَعَرْضِها وعَرْضِ ما وراءَها مِنَ الأرْضِينَ إلى السابِعَةِ، وهَذِهِ الدَلالَةُ عَلى العِظَمِ أغْنَتْ عن ذِكْرِ الطُولِ.
وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ جارٍ عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ مِنَ الاسْتِعارَةِ، فَلَمّا كانَتِ الجَنَّةُ مِنَ الاتِّساعِ والِانْفِساحِ في غايَةٍ قُصْوى، حَسُنَتِ العِبارَةُ عنها بِـ (عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ)، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: هَذا بَحْرٌ، ولِشَخْصٍ كَبِيرٍ مِنَ الحَيَوانِ: هَذا جَبَلٌ، ولَمْ تَقْصِدِ الآيَةُ تَحْدِيدَ العَرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجَلَبَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ غَيْرَ مُلَخَّصٍ، وأدْخَلَ حُجَّةً عَلَيْهِ قَوْلَ العَرَبِ: أرْضٌ عَرِيضَةٌ.
ولَيْسَ قَوْلُهُمْ: أرْضٌ عَرِيضَةٌ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ إلّا في دَلالَةِ ذِكْرِ العَرْضِ عَلى الطُولِ فَقَطْ، وكَذَلِكَ فَعَلَ النَقّاشُ.
ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِلْفارِّينَ يَوْمَ أُحُدٍ: "لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً"» وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: الجَنَّةُ في السَماءِ، ويُزادُ فِيها يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا مُتَعَلَّقٌ لِمُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ وغَيْرِهِ مِمَّنْ قالَ: إنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ، وكَذَلِكَ النارُ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُما قَدْ خُلِقَتا، وهو ظاهِرُ كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" و"أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ" وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو نَصٌّ في الأحادِيثِ كَحَدِيثِ الإسْراءِ وغَيْرِهِ مِمّا يَقْتَضِي أنَّ ثَمَّ جَنَّةً قَدْ خُلِقَتْ.
وأمّا مَن يَقُولُ: يُزادُ فِيهِما فَلا تَرُدُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.
و"أُعِدَّتْ" مَعْناهُ: يُسِّرَتْ وانْتَظَرُوا بِها.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُتَّقِينَ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهُمُ الجَنَّةُ بِقَوْلِهِ: "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ"....
الآيَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مَدْحٌ بِفِعْلِ المَندُوبِ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي السَرّاءِ والضَرّاءِ" مَعْناهُ: في العُسْرِ واليُسْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إذِ الأغْلَبُ أنَّ مَعَ اليُسْرِ النَشاطَ وسُرُورَ النَفْسِ، ومَعَ العُسْرِ الكَراهِيَةَ وضُرَّ النَفْسِ.
وكَظْمُ الغَيْظِ: رَدُّهُ في الجَوْفِ إذا كادَ أنْ يَخْرُجَ مِن كَثْرَتِهِ، فَضَبْطُهُ ومَنعُهُ كَظْمٌ لَهُ، والكِظامُ: السَيْرُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُ الزَقِ والقِرْبَةِ، وكَظَمَ البَعِيرُ جِرَّتَهُ: إذا رَدَّها في جَوْفِهِ، وقَدْ يُقالُ لِحَبْسِهِ الجِرَّةَ قَبْلَ أنْ يُرْسِلَها إلى فِيهِ: كَظْمٌ، حَكاهُ الزَجّاجُ، فَقالَ: كَظَمَ البَعِيرُ والناقَةُ إذا لَمْ يَجْتَرّا، ومِنهُ قَوْلُ الراعِي: فَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ∗∗∗ مِن ذِي الأباطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَقِيلا والغَيْظُ: أصْلُ الغَضَبِ، وكَثِيرًا ما يَتَلازَمانِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ الغَيْظَ بِالغَضَبِ ولَيْسَ تَحْرِيرُ الأمْرِ كَذَلِكَ، بَلِ الغَيْظُ فِعْلُ النَفْسِ لا يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والغَضَبُ حالٌ لَها مَعَهُ ظُهُورٌ في الجَوارِحِ وفِعْلٌ ما ولا بُدَّ، ولِهَذا جازَ إسْنادُ الغَضَبِ إلى اللهِ تَعالى، إذْ هو عِبارَةٌ عن أفْعالِهِ في المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا يُسْنَدُ إلَيْهِ تَعالى غَيْظٌ، وخَلَطَ ابْنُ فُورَكٍ في هَذِهِ اللَفْظَةِ.
ووَرَدَتْ في كَظْمِ الغَيْظِ ومَلْكِ النَفْسِ عِنْدَ الغَضَبِ أحادِيثُ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ العِبادَةِ وجِهادِ النَفْسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرْعَةِ، إنَّما الشَدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "ما مِن جُرْعَةٍ يَتَجَرَّعُها العَبْدُ خَيْرٌ لَهُ وأعْظَمُ أجْرًا مِن جُرْعَةِ غَيْظٍ في اللهِ"،» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: « "مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ، مَلَأهُ اللهُ أمْنًا وإيمانًا"،» والعَفْوُ عَنِ الناسِ مِن أجَلِّ ضُرُوبِ فِعْلِ الخَيْرِ، وهَذا حَيْثُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ ألّا يَعْفُوَ، وحَيْثُ يَتَّجِهُ حَقُّهُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: "والعافِينَ عَنِ الناسِ" يُرِيدُ عَنِ المَمالِيكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَسَنٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ، إذْ هُمُ الخَدَمَةُ، فَهُمُ المُذْنِبُونَ كَثِيرًا، والقُدْرَةُ عَلَيْهِمْ مُتَيَسِّرَةٌ، وإنْفاذُ العُقُوبَةِ سَهْلٌ، فَلِذَلِكَ مَثَّلَ هَذا المُفَسِّرُ بِهِ.
وذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ فَعَمَّ هَذِهِ الوُجُوهَ وسِواها مِنَ البِرِّ، وهَذا يَدُلُّكَ عَلى أنَّ الآيَةَ في المَندُوبِ إلَيْهِ، ألا تَرى إلى سُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: "ما الإيمانُ؟
ثُمَّ قالَ: ما الإسْلامُ؟
فَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ المَفْرُوضاتِ، «ثُمَّ قالَ لَهُ: ما الإحْسانُ؟
قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ"...» الحَدِيثُ.
<div class="verse-tafsir"
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ﴿ سارعوا ﴾ دون واو عطف.
تتنزّل جملة ﴿ سارعوا..
﴾ منزلة البيان، أو بدل الاشتمال، لِجملة ﴿ وأطيعوا الله والرسول ﴾ لأنّ طاعة الله والرّسول مسارعة إلى المغفرة والجنَّة فلذلك فُصلت.
ولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنّة يؤول إلى الأمر بالأعمال الصّالحة جاز عطف الجملة على الجملة الأمر بالطّاعة، فلذلك قرأ بقية العشرة ﴿ وسارعوا ﴾ .
بالعطف وفي هذه الآية ما ينبئنا بأنَّه يجوز الفصل والوصل في بعض الجمل باعتبارين.
والسرعة المشتقّ منها سارعوا مجاز في الحرص والمنافسة والفور إلى عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة والجنة، ويَجوز أن تكون السرعة حقيقة، وهي سرعة الخروج إلى الجهاد عند النفير كقوله في الحديث: «وإذا استُنْفِرْتُمْ فانفِرُوا».
والمسارعة، على التقادير كلّها تتعلّق بأسباب المغفرة وأسباب دخول الجنة، فتعليقها بذات المغفرة والجنة من تعليق الأحكام بالذوات على إرادة أحوالها عند ظهور عدم الفائدة في التعلّق بالذات.
وجيء بصيغة المفاعلة، مجرّدة عن معنى حصول الفعل من جانبين، قصد المبالغة في طلب الإسراع، والعرب تأتي بما يدلّ في الوضع على تكرّر الفعل وهم يريدون التأكيد والمبالغة دون التكرير، ونظيره التثنية في قولهم: لبيك وسعديك، وقوله تعالى: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ﴾ [الملك: 4].
وتنكير (مغفرة] ووصلها بقوله: ﴿ من ربكم ﴾ مع تأتّي الإضافة بأن يقال إلى مغفرة ربّكم، لقصد الدّلالة على التَّعظيم، ووصف الجنة بأنّ عرضها السماوات والارض على طريقة التشبيه البليغ، بدليل التَّصريح بحرف التَّشبيه في نظيرتها في آية سورة الحديد.
والعَرض في كلام العرب يطلق على ما يقابل الطول، وليس هو المراد هنا، ويطلق على الاتِّساع لأنّ الشيء العريض هو الواسع في العرف بخلاف الطويل غير العريض فهو ضيق، وهذا كقول العُديل: ودونَ يدِ الحَجَّاج منْ أنْ تنالني *** بساط بأيدِي الناعِجاتتِ عرِيضُ وذِكر السماوات والأرض جار على طريقة العرب في تمثيل شدّة الاتّساع.
وليس المراد حقيقة عرض السماوات والارض ليوافق قول الجمهور من علمائنا بأن الجنَّة مخلوقة الآن، وأنَّها في السماء، وقيل: هو عرضها حقيقة، وهي مخلوقة الآن لكنّها أكبر من السماوات وهي فوق السماوات تحت العرش، وقد رُوي: العرش سقف الجنة.
وأما من قال: إن الجنّة لم تخلق الآن وستخلق يوم القيامة، وهو قول المعتزلة وبعض أهل السنّة منهم مُنذر بن سعيد البَلُّوطي الأندلسي الظاهري، فيجوز عندهم أن تكون كعرض السماوات والأرض بأن تخلق في سعة الفضاء الَّذي كان يملؤه السماوات والأرض أو في سعة فضاء أعظم من ذلك.
وأدلّة الكتاب والسنّة ظاهرة في أنّ الجنَّة مخلوقة، وفي حديث رؤيا رآها النَّبيء صلى الله عليه وسلم وهو الحديث الطويل الذي فيه قوله: «إنّ جبريل وميكاييل قالا له: ارفع رأسك، فرفع فإذا فوقه مثل السحاب، قالا: هذا منزلك، قال: فقلت: دَعاني أدخُل منزلي، قالا: إنَّه بقي لك عُمُر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك».
أعقب وصف الجنَّة بذكر أهلها لأنّ ذلك ممَّا يزيد التَّنويه به، ولم يزل العقلاء يتخيّرون حسن الجوار كما قال أبو تمام: مَنْ مُبْلِغُ أفْنَاءَ يعرُب كلّها *** أني بَنيت الجارَ قبل المنزلِ وجملةُ ﴿ أعدّت للمتّقين ﴾ استئناف بياني لأنّ ذكر الجنَّة عقب ذكر النَّار الموصوفة بأنَّها أعدّت للكافرين يثير في نفوس السامعين أن يتعرّفوا مَن الذين أعدّت لهم: فإن أريد بالمتَّقين أكمل ما يتحقّق فيه التَّقوى، فإعدادها لهم لأنَّهم أهلها فضلاً من الله تعالى الّذين لا يلجون النار أصلاً عدلاً من الله تعالى فيكون مقابلَ قوله: ﴿ واتقوا النار التي أُعدت للكافرين ﴾ [آل عمران: 131]، ويكون عصاة المؤمنين غير التَّائبين قد أخذوا بحظّ من الدارين، لمشابهة حالهم حالَ الفريقين عدلاً من الله وفضلاً، وبمقدار الاقتراب من أحدهما يكون الأخذ بنصيب منه، وأريد المتّقون في الجملة فالإعداد لهم باعتبار أنَّهم مقدّرون من أهلها في العاقبة.
وقد أجرى على المتَّقين صفات ثناءٍ وتنويه، هي ليست جماع التَّقوى، ولكن اجتماعها في محلّها مؤذن بأنّ ذلك المحلّ الموصوف بها قد استكمل ما به التقوى، وتلك هي مقاومة الشحّ المُطاع، والهوَى المتَّبع.
الصفة الأولى: الإنفاق في السَّراء والضّراء.
والإنفاق تقدّم غير مرّة وهو الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعُدة في سبيل الله.
والسرّاء فَعْلاء، اسم لمصدر سرّه سَرّاَ وسُروراً.
والضّراء كذلك من ضَرّه، أي في حالي الاتّصاف بالفرح والحزن، وكأنّ الجمعَ بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة مَوجدة.
فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تَدلّ على أنّ محبَّة نفع الغير بالمال، الَّذي هو عزيز على النَّفس، قد صارت لهم خلقاً لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلاّ عن نفس طاهرة.
الصفة الثَّانية: الكاظمين الغيظ.
وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتَّى لا يظهر عليه، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها، قال المبرّد: فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء، ولا شكّ أن أقوى القوى تأثيراً على النَّفس القوّة الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب، فإذا استطاع إمساكَ مظاهرها، مع الامتلاء منها، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النَّفس، وقهرِ الإرادةِ للشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة.
الصفّة الثالثة: العفو عن النَّاس فيما أساؤوا به إليهم.
وهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأنّ كظم الغيظ قد تعترضه ندامة فيستعدي على من غاظه بالحقّ، فلمَّا وصفوا بالعفو عمّن أساء إليهم دلّ ذلك على أنّ كظم الغيظ وصف متأصّل فيهم، مستمرّ معهم.
وإذا اجتمعت هذه الصفّات في نفسسٍ سهل ما دونها لديها.
وبجماعها يجتمع كمال الإحسان ولذلك ذيل الله تعالى ذكرها بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحبّ المحسنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا ﴾ يُرِيدُ بِالأكْلِ الأخْذَ، والرِّبا زِيادَةُ القَدْرِ مُقابَلَةً لِزِيادَةِ الأجَلِ، وهو رِبا الجاهِلِيَّةِ المُتَعارَفُ بَيْنَهم بِالنَّساءِ.
﴿ أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ وهو أنْ يَقُولَ لَهُ بَعْدَ حُلُولِ الأجَلِ: إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ ضاعَفَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَفْعَلُ كَذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِهِ مِن بَعْدُ حَتّى تَصِيرَ أضْعافًا مُضاعَفَةً.
﴿ واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ فَدَلَّ أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ الَّتِي يُسْتَحَقُّ عَلَيْها الوَعِيدُ بِالنّارِ.
واخْتَلَفُوا في نارِ آكِلِ الرِّبا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها كَنارِ الكافِرِينَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ تَمَسُّكًا بِالظّاهِرِ.
والثّانِي: أنَّها ونارَ الفُجّارِ أخَفُّ مِن نارِ الكُفّارِ، لِما بَيْنَهُما مِن تَفاوُتِ المَعاصِي.
﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ أمّا الفاحِشَةُ هَهُنا فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَبائِرُ مِنَ المَعاصِي.
والثّانِي: الرِّبا وهو قَوْلُ جابِرٍ والسُّدِّيِّ.
﴿ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّغائِرُ مِنَ المَعاصِي.
﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم ذَكَرُوهُ بِقُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَنْسَوْهُ، لِيُعِينَهم ذِكْرُهُ عَلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ.
والثّانِي: ذَكَرُوا اللَّهَ قَوْلًا بِأنْ قالُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ سَهَّلَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ما شَدَّدَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، إذْ كانُوا إذا أذْنَبَ الواحِدُ مِنهم أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ مِن كَفّارَةِ ذَنْبِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَجُعِلَ الِاسْتِغْفارُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ.
﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الإصْرارُ عَلى المَعاصِي، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ مُواقَعَةُ المَعْصِيَةِ إذا هَمَّ بِها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: السُّكُوتُ عَلى المَعْصِيَةِ وتَرْكُ الِاسْتِغْفارِ مِنها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الذَّنْبُ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم قَدْ أتَوْا مَعْصِيَةً ولا يَنْسَوْنَها، وقِيلَ: مَعْناهُ وهم يَعْلَمُونَ الجِهَةَ في أنَّها مَعْصِيَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذرعن عطاء بن أبي رباح قال: «قال المسلمون يا رسول الله بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا.
كانوا إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبح وكفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه.
أجدع أنفك، اجدع أذنك، افعل كذا وكذا.
فسكت.
فنزلت هذه الآيات ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ﴾ إلى قوله: ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلا هؤلاء الآيات عليهم» .
وأخرج ابن المنذر عن أنس بن مالك في قوله: ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ﴾ قال التكبيرة الأولى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وسارعوا ﴾ يقول: سارعوا بالأعمال الصالحة ﴿ إلى مغفرة من ربكم ﴾ قال: لذنوبكم ﴿ وجنة عرضها السماوات والأرض ﴾ يعني عرض سبع سموات وسبع أرضين، لو لصق بعضهم إلى بعض فالجنة في عرضهن.
وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن ابن عباس في الآية قال: تقرن السموات السبع، والأرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها إلى بعض.
فذاك عرض الجنة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كريب قال: أرسلني ابن عباس إلى رجل من أهل الكتاب أسأله عن هذه الآية ﴿ جنة عرضها السماوات والأرض ﴾ فأخرج أسفار موسى، فجعل ينظر قال: سبع سموات وسبع أرضين تلفق كما تلفق الثياب بعضها إلى بعض، هذا عرضها؛ وأما طولها فلا يقدر قدره إلا الله.
وأخرج ابن جرير عن التنوخي رسول هرقل قال: «قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل وفيه: إنك كتبت تدعوني إلى ﴿ جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ﴾ فأين النار؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله...
!
فأين الليل إذا جاء النهار؟» .
وأخرج البزار والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت قوله: ﴿ وجنة عرضها السماوات والأرض ﴾ فأين النار؟
قال: أرأيت الليل إذا لبس كل شيء فأين النهار؟
قال: حيث شاء الله قال: فكذلك حيث شاء الله» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن طارق بن شهاب، أن ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟
فقال عمر: إذا جاء الليل فأين النهار؟
وإذا جاء النهار أين الليل؟
فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن يزيد بن الأصم، أن رجلاً من أهل الأديان قال لابن عباس: تقولون ﴿ جنة عرضها السماوات والأرض ﴾ فأين النار؟
فقال له ابن عباس: إذا جاء الليل فأين النهار؟
وإذا جاء النهار فأين الليل؟.
وأخرج مسلم وابن المنذر والحاكم وصححه عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟
قال: نعم.
قال: بخ بخٍ...
لا والله يا رسول الله لا بد أن أكون من أهلها قال: فإنك من أهلها.
فأخرج تميرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة.
فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قُرِئ بالواو، وبغير الواو (١) (٢) ﴿ وَأَطِيعوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ﴾ ، ﴿ وَسَارِعُوَاْ ﴾ .
ومَن تَرَكَ الواو؛ فلأن الجملة الثانيةَ مُلْتَبسَةٌ بالأولى (٣) (٤) وقد جاء الأمران في التنزيل، في قوله: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ الآية (٥) (٦) ورُوِي عن الكِسائي الإمالة في (٧) ﴿ وَسَارِعُواْ ﴾ و ﴿ أُولَئِكَ يسُارِعُونَ ﴾ و ﴿ نُسَارِعُ ﴾ (٨) (٩) وفي الكلام محذوف، والمعنى على: وسارعوا إلى مُوجِبِ (١٠) واختلفوا في ذلك الذي إذا سارع إليه، فقد سارع إلى مغفرة: فقال عطاء عن ابن عباس (١١) وقال ابن عباس -أيضًا- (١٢) ، أنه قال (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ أي: عرضها عَرْضُ السَّموات والأرض، فحذف المضاف، كقوله: ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [[[سورة لقمان: 28 وبقيتها ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ ].
والتقدير: ولا بعثكم إلا كبعث نفس واحدة فحذف المضاف، وهو (بَعْث).]].
يدل على هذا قوله في سورة الحديد: ﴿ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ .
قال ابن عباس (١٦) (١٧) قال أهل المعاني (١٨) (١٩) ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ ، وصَفَ (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال عطاء عن ابن عباس (٢٣) ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ ، يريد: لِرَجُلٍ واحدٍ مِن أوليائه.
[و] (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) كأنَّ بِلادَ اللهِ وَهْيَ عَرِيضةٌ ...
على الخائفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ (٢٨) وإنما يقال للشيءِ الواسع: (عَرِيض)؛ لأن الشيء إذا عَرُضَ اتَّسَعَ، وإذا لم يَعْرُضْ، ضاقَ وَرَقَّ.
قالوا (٢٩) ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ (٣٠) (٣١) وسُئِل أنسُ بن مالك عن الجَنَّة: أفي الأرض أم في السماء؟
فقال: وأيُ أرضٍ وسماءٍ تَسَعُ الجَنَّة؟!
قيل: فأين هي؟
فقال: فوق السَّموات السَبْع، تحت العَرْش (٣٢) (٣٣) (١) قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: ﴿ سَارِعُوا ﴾ بغير الواو.
وهي في مصاحف المدينة والشام.
وقرأ باقي القرّاء: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾ بإثبات الواو.
وعليه مصاحف مكة والعراق.
انظر: "القراءات" للأزهري 1/ 126، و"الحجة" للفارسي 3/ 78، و"المبسوط" لابن مهران 147، و"النشر" 1/ 242، و"كتاب المصاحف" للسجستاني (38).
(٢) من قوله: (فمن ..) إلى (..
فكذلك المكسورة تجلبها): نقله عن "الحجة"، للفارسي 3/ 78.
نقل بعض العبارات بالنص، وبعضها تَصرَّف فيها.
(٣) وذلك لأن الضمائر فيها وفي التي قبلها متحدة، وكذلك المأمورين غير مختلفين.
انظر: "الكشاف" 1/ 356.
(٤) وهي كذلك مستأنفة.
انظر: المرجع السابق، و"التبيان" ص 208.
(٥) وجه الدلالة فيها أن قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ يجوز فيه من الناحية النحوية دخول واو العطف على ﴿ رَابِعُهُمْ ﴾ ، وكذا دخولها على ﴿ سَادِسُهُم ﴾ ،== كما يجوز حذفها من ﴿ وَثَامُنهُم ﴾ ؛ لأن الضمير العائد يكفي عن الواو.
انظر: "إعراب مشكل القرآن" 1/ 439، و"التبيان" ص 535.
(٦) قال أبو علي في "الحجة" 3/ 78 بعد أن أورد هذه الآية: (فهذا على قياس قراءة نافع وابن عامر).
فقوله تعالى: ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ لم تحتج لعطف بالواو؛ لأنها حال من ﴿ أَصْحَابُ ﴾ ، فالجملة ملتبسة بما قبلها متحدة معها، فاستغنت عن العطف بالواو.
(٧) (في): ساقطة من (ج).
(٨) والإمالة -هنا- هي رواية أبي عمرو الدوري عن الكسائي.
ورواية غيره عن الكسائي ترك الإمالة.
انظر: "السبعة" (216)، و"إتحاف فضلاء البشر": ص 319.
(٩) انظر: "الإقناع" لابن الباذش 1/ 271 - 277، و"النشر" 2/ 54.
(١٠) في (ج): (لما موجب).
(١١) لم أقف على مصدر قوله.
وقال البغوي: (وروي عنه: إلى التوبة، وبه قال عكرمة).
"تفسيره" 2/ 104.
(١٢) قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 116أ، و"البغوي" 2/ 104، و"زاد المسير" 1/ 460.
(١٣) قوله في المصادر السابقة.
(١٤) قوله في المصادر السابقة، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 476، و"تفسير البغوي" 2/ 104.
(١٥) وهناك أقوال أخرى، منها: - وسارعوا بالأعمال الصالحة.
وهو قول أبي سعيد الخدري، ومقاتل.
- وسارعوا إلى أداء الطاعة.
وهو قول الكلبي.
- وسارعوا إلى الجهاد الأكبر.
وهو قول الضحاك.
- وسارعوا إلى الإخلاص.
وهو قول عثمان .
وقيل غير ذلك.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 301، و"بحر العلوم" 1/ 298، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116 أ.
ويلاحظ أن القول الأول وهو تفسيرها بالمسارعة بالأعمال الصالحة، أو تفسيرها بالمسارعة بالطاعة هو أعم الأقوال، وتدخل تحته كل الأعمال التي ذكرت في الأقوال الأخرى، حيث إنها مفردات للعمل الصالح، وطاعة الله تعالى، ومن أنواعه.
فليس بينها تعارض، وإنما اختلاف تنوع.
(١٦) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 91، و"تفسير القرطبي" 4/ 204.
(١٧) هكذا في (أ)، (ب): (يقرن).
وفي (ج): غير منقوطة.
وفي "تفسير الطبري": تُقرن.
(١٨) انظر: "بحر العلوم" 1/ 298، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 209، والعبارات التي ذكرها المؤلف متطابقة مع ما في "تفسير الثعلبي"، وهي من قوله: (إنما خص ..) إلى (..
من البطائن).
(١٩) هو: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب.
تقدمت ترجمته.
(٢٠) في (أ)، (ب): (وصفةُ).
والمثبت من (ج)، و"تفسير الثعلبي" و"تفسير القرطبي".
(٢١) في (أ): (العلوم).
والمثبت من (ب)، (ج).
(٢٢) أنها: ساقطة من (ب).
(٢٣) لم أقف على مصدر قوله.
(٢٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٢٥) قال ذلك ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 111.
وقد نقله عنه المؤلف بتصرف مع اختصار قليل.
وقد ورد بعض هذا القول في تفسير "بحر العلوم" 1/ 298، نقله عن ابن قتيبة، وورد في: "غريب الحديث" للخطابي 1/ 705، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116 ب.
(٢٦) في "تفسير غريب القرآن": ضبطها المحقق: (مذهبُ) بدون تنوين.
وهذه العبارة أشبه لأن تكون مقطعًا من بيت شِعْرٍ، ولكني لم أقف عليه.
(٢٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٢٨) البيت لم أهتد إلى قائله، وقد ورد غير منسوب في: "تفسير غريب القرآن" 111، و"الكامل" للمبرد 3/ 131، و"غريب الحديث" للخطابي 1/ 705، و"تفسير الثعلبي" 3/ 116ب، و"زاد المسير" 1/ 460، و"تفسير القرطبي" 4/ 205، و"لسان العرب" 7/ 3904 (كفف)، و"البحر المحيط" 3/ 57.
وقد ورد في "الكامل" و"اللسان": (كأن فجاج الأرض ..).
والكِفَّةُ -بكسر الكاف-: كل شيء مستدير، وهي هنا: حِبالة الصائد، لاستدارتها، أما إذا كانت مستطيلة فهي: (كُفَّة) -بضم الكاف-، وجمعها: (كِفَف)، و (كِفاف).
والحابل: الصائد الذي ينصب الحِبَالة، وهي المصيَدة.
انظر: "الكامل" 3/ 131، و"اللسان" 7/ 3904 (كفف)، و"القاموس" ص 981 (حبل).
(٢٩) ممن قال ذلك: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 116 ب.
ويبدو أن المؤلف نقل هذا القول عنه بتصرف.
(٣٠) سورة هود: من آية 107، وآية: 108.
وتمام الآيات ليتضح المعنى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
(٣١) هذا القول هو ما ذهب إليه الطبري في "تفسيره" 12/ 117.
وهناك قول آخر، وهو: إن المراد: سموات الدار الآخرة، وأرضها، وهي دائمة بدوام الدار الآخرة؛ حيث إنه لابد لهم من أرض تقلهم وسماء تظلمهم.
وقد ورد عن ابن عباس قوله: (لكل جنة أرضٌ وسماء) وروي نحوه عن السدي والحسن.
انظر: "المحرر الوجيز" 7/ 401، و"تفسير النسفي" 2/ 173، و"تفسير أبي السعود" 4/ 241، و"تفسير ابن كثير" 2/ 504، و"فتح البيان" 4/ 403، و"منهج صديق حسن خان في تفسيره" 526 - 527.
(٣٢) أورد قوله هذا بنصه: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 117 أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 104.
ولم أقف على مصدر آخر له.
(٣٣) انظر حول مكان الجنة روايات أخرى بنفس ما روي عن أنس بن مالك في: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: 65 - 67.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أضعافا مضاعفة ﴾ كانوا يزيدون كل ما حل عاماً بعد عام ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو استئناف، وبالواو عطف على ما تقدم ﴿ إلى مَغْفِرَةٍ ﴾ أي إلى الأعمال التي تستحقون بها المغفرة ﴿ عَرْضُهَا ﴾ قال ابن عباس: تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض، كما تقرن الثياب فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلاّ الله؛ وقيل: ليس العرض هنا خلاف الطول، وإنما المعنى سعتها كسعة السموات والأرض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
﴿ قرح ﴾ بالضم حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة.
الباقون بالفتح.
الوقوف: ﴿ مضاعفة ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفحلون ﴾ ه ج للعطف ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ومن قرأ ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو فوقه مطلق ﴿ والأرض ﴾ ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدّة.
﴿ للمتقين ﴾ لا لأن الذين صفتهم.
﴿ عن الناس ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ج ه لأن والذين يصلح مبتدأ وخبره ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ فلا وقف على ﴿ يعلمون ﴾ ويصلح معطوفاً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على ﴿ يعلمون ﴾ لينصرف عموم أولئك إلى المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله.
والوقف لطول الكلام على ﴿ لذنوبهم ﴾ للابتداء بالاستفهام وعلى ﴿ إلا الله ﴾ لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا أنت ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ سنن ﴾ لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار بالتبار.
﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ بين الناس ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوفة أي ليعتبروا ﴿ وليعلم شهداء ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ لا للعطف على ﴿ ليعلم ﴾ ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد النهي عن ذلك نظراً لهم ورحمة عليهم.
وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد.
وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافاً لما علم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد من تضعيفه.
كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ فيه أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه.
فلو أكل ولم يتق زال الفلاح.
ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار / المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.
وكون النار معدّة للكافرين لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين.
لم يمتنع من أن تركبها لبعض حوائجك.
ومثله قوله في صفة الجنة: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ فإنه لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور.
﴿ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء فهو ليس أهلاً للرحمة.
وغيرهم يحمل الآية على الزجر والتخويف ﴿ وسارعوا ﴾ معطوف على ما قبله.
ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: ﴿ سارعوا ﴾ وقوله: ﴿ أطيعوا الله ﴾ كالشيء الواحد لأنهما متلازمان.
وتمسك كثير من الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم.
ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل المنهيات وهذا قول عكرمة.
وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض.
وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات.
وعن أبي العالية أنه الهجرة.
وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام قصة أحد.
وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن الربا.
ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب.
والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين.
ثم وصف الجنة بأن عرضها السموات، ومن البيّن أن نفس السموات لا تكون عرضاً للجنة، فالمراد كعرض السموات لقوله في موضع آخر ﴿ عرضها كعرض السماء ﴾ والمراد المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ونظيره ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ لأنها أطول الاشياء بقاء عندنا.
وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقاً طبقاً بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله .
وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكاً له، فلا بد أن تكون الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا.
وقال أبو مسلم: معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا.
معناه لو عرضت السموات والأرض على / سبيل البيع لكاتنا ثمناً للجنة.
والأكثرون على أن المراد بالعرض ههنا خلاف الطول.
وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول.
ونظيره ﴿ بطائنها من استبرق ﴾ لأن البطائن في العادة تكون أدون حالاً من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟
وقال القفال: العرض عبارة عن السعة.
تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة.
والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق.
فجعل العرض كناية عن السعة.
وسئل ههنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟
وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت العرش.
قال في صفة الفردوس " سقفها عرش الرحمن " وروي أن رسول هرقل سأل النبي وقال: إنك تدعو الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟
فقال النبي : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" ؟
والمعنى - والله ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل.
وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟
فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟
قيل: فأين هي؟
قال: فوق السموات السبع تحت العرش.
ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.
منها قوله: ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء ﴾ في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه.
عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة.
وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي من مثقال ذرة.
وقيل: في عرس أو حبس.
والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن.
وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان مخالفاً له، فإنهم لا يتركونه.
وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة, أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين.
ومنها قوله ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ كظم القربة إذا ملأها وشد فاها.
ويقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم.
قال : "من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" وقال أيضاً: " "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ومنها قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم ﴾ ويحتمل أنه غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم.
فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم.
والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه.
قال : " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" وعن عيسى ابن مريم : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.
وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات.
ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو.
فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير.
فذكر ثواب المجموع بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.
قال ابن عباس في رواية عطاء: "إن منهالاً التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي وذكر ذلك له فنزلت ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ الآية" .
وقال في رواية الكلبي: "إن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله بينهما، فكانا لا يفترقان في احوالهما.
فخرج الثقفي مع رسول الله بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته.
فأقبل ذات يوم فأبصر امراة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها.
ذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعاً فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك.
قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح ي الجبال ويتوب / الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي.
قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم فانطلق الى رسول الله فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة.
فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل بتوبته فتلا على رسول الله ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ فقال عمر: يا رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة في التوبة" .
وعن ابن مسعود "أن المسلمين قالوا للنبي : أبنوا إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟
كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا.
فسكت النبي فنزلت/.
فقال النبي : ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهم" ، وبيّن أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.
والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح ﴿ أو ظلموا أنفسهم ﴾ أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.
وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله : ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ﴾ وظلم النفس ما دونه من القبلة واللسمة.
وهذا القول أنسب بسبب النزول الذي رويناه.
وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار منها لأنه كان مأموراً بالاستغفار ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى ﴿ ذكروا الله ﴾ أي وعيده أو عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا العرض الأكبر على الله.
وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف.
ويكون الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي.
ونظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة والدعاء تقديم التعظيم والثناء ﴿ فاستغفروا لذنوبهم ﴾ يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى.
والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل.
فأما الاستغفار بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات " سبقت رحمتي غضبي" فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب / بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد.
وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" وعن أنس قال: سمعت رسول الله يقول: "قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وعن علي قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ﴿ ولم يصروا ﴾ لم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.
والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه.
وأصر أيضاً عن النبي : " "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معاً كما لو قلت: ما جاءني زيد وهو راكب.
وأردت نفي المجيء والركوب معاً.
وذلك أن المقام مقام مدح لهم بعدم الإصرار.
والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى قوله : " رفع القلم عن ثلاث " وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقاً كما لو أردت في المثال المذكور نفي المجيء / في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ﴾ وهي إشارة إلى إزالة العقاب ﴿ وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ وهذه إشارة إلى إيصال الثواب ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ ذلك الجزاء.
قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجراً والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء.
ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا التحقيق.
واستدلوا أيضاً بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين لقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته.
ثم ذكر ما يحمل المكلفين على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة.
والمثال المتبع وهي "فعلة" بمعنى "مفعولة" من سن الماء يسنه إذا والى صبه فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا حسن الرعي.
والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله في الأمم السالفة يعني سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ فإنهم خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين.
قال مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل والكافر له اللعن والعقاب.
ثم قال ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم وليس المراد من قوله ﴿ فسيروا في الأرض ﴾ الأمر بالسير بل المقصود تعرّف أحوالهم.
فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً.
ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قيل: إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار ﴿ هذا بيان ﴾ المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: ﴿ قد خلت ﴾ جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم.
أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من / الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو الموعظة.
وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به.
وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية, وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة.
والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ وخص المتقون بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر.
ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ .
كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق.
والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على من قتل منكم وجرح ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ وفي هذا تسلية لهم وبشارة.
وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، وإما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر.
قال ابن عباس: "انهزم أصحاب رسول الله يوم أحد.
فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل.
فقال النبي : اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر.
فأنزل الله هذه الآية" .
وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وقال راشد بن سعد: "لما انصرف رسول الله يوم أحد كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله : أهكذا تفعل برسولك؟
فنزلت" ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد.
وقيل بالفتح لغة تهامة والحجاز.
وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم.
وقال الفراء: إنه بالفتح الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة.
وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع / قرحة.
ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم بدر.
ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا تجبنوا ونظيره ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذٍ خلق من الكفار نيف وعشرون رجلاً، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار كما يجيء من قوله : ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم ﴾ والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس القتل والجراحة ﴿ وتلك الأيام ﴾ موصوفاً وصفته مبتدأ خبره ﴿ نداولها ﴾ وتلك مبتدأ أو الأيام خبره كقولك: "هي الأيام تبلي كل جديد" فإن الضمير لا يوصف ويكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء الزمان.
والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات الغريبة.
وقوله ﴿ نداولها ﴾ كالتفسير لما تقدمه.
والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر.
ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته.
والدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين لا تدوم مسارّها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوّه، ويوم آخر بالعكس فلا يبقي شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره قولهم: "الحرب سجال".
شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة، وليس المراد من هذه المداولة أنه تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون.
بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب.
فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله : ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد.
والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم.
وفي إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله.
وقد احتج هشام بن الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا ﴾ على أنه لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها في تفسير قوله : ﴿ وإذا ابتلى إبراهيم ربه ﴾ وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على / المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره.
فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم الله محال.
فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار.
وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم.
وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.
وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم.
وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد.
وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى الى مفعولين والتقدير: وليعلمهم مميزين عن غيرهم.
ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا.
ومن حكم المداولة قوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد.
أو المراد ليكرم ناساً منكم بالشهادة.
والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء.
والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيداً.
قال النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم.
وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض.
وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم.
ومن الحكم قوله: ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ﴾ والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان.
وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.
وقال الزجاج: معنى الآية أنه أن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار.
وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل لايقطع طرفاً ننقصها من أطرافها.
التأويل: ﴿ لا تأكلوا الربا ﴾ ما يؤدي إلى الحرص إلى طلب الدنيا ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.
﴿ واتقوا الله ﴾ خطاب للخواص أي اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ عن حجب ما سوى الله، وتظفرون بالوصول إلى الله.
ثم خاطب العوام الذين هم ارباب الوسائط بقوله: ﴿ واتقوا ﴾ أي بالقناعة ﴿ النار ﴾ / أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة رسوله.
ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان ﴿ عرضها السموات والأرض ﴾ أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما قال النبي عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.
فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها.
وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية ﴿ ينفقون أموالهم في السراء ﴾ وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله ﴿ فعلوا فاحشة ﴾ هي رؤية غير الله ﴿ أوظلموا أنفسهم ﴾ بالتعليق بما سوى الله ﴿ وذكروا الله ﴾ بالنظر إليه وبرؤيته ﴿ ومن يغفر ﴾ ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار ﴿ إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ من رؤية الوسائط والتعلق بها ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن كل شيء ما خلا الله باطل ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة ﴾ أي هم مستحقون لمقامات القرب ﴿ من ربهم وجنات ﴾ من أصناف ألطافه ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ العناية ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ لأن نيل المقصود في بذل المجهود ﴿ قد خلت من قبلكم أمم ﴾ لهم ﴿ سنن فسيروا في الأرض ﴾ نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية ﴿ ولا تهنوا ﴾ أيها السائرون في السر إلى الله ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما فاتكم من اللذات الفانية ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ من أهل الدنيا والآخرة لأنكم من أهل الله ﴿ إن يمسسكم ﴾ في أثناء المجاهدات ﴿ قرح ﴾ ابتلاء وامتحان ﴿ فقد مس القوم ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ قرح ﴾ محن ﴿ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ السائرين يوماً نعمة ويوماً نقمة، ويوماً منحة ويوماً محنة ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ أرباب المشاهدات والمكاشفات ﴿ وليمحص الله ﴾ فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه.
وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح.
<div class="verse-tafsir"
قوله: - عز وجل - ﴿ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
يحتمل أن يكون هذا موصولا بقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً ﴾ أي: لا تأخذوا الربا أضعافا مضاعفة فتكثروا أموالكم، وحقيقته: وسارعوا إلى ما فيه وعد المغفرة من ربكم: بالإجابة له إلى ما دعا، والقيام به بحق الوفاء.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في استحلال الربا؛ لأن من استحل محرما فقد كفر، وحقيقته: اتقوا ما أوعدكم ربكم عليه النار.
وأصل الطاعة: الائتمار بأمر المطاع في كل أمر، فمن أطاع الله فيما أمر، وأطاع رسوله - رحمه ربه، وفي الطاعة رحمة الخلق؛ على ما روي عن رسول الله أنه قال: "لَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ [حَتَّى] تَرَاحَمُوا؛ قَالُوا: كُلُّنَا نَرْحَمُ يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَالَ: لَيْسَ رَحْمَةَ الرَّجُلِ وَلَدَهُ؛ وَلَكِنَّهُ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ" قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ ﴾ في تحريم الربا، وأطيعوا الرسول: في تبليغه إليكم تحريم الربا والنهي عن أخذه.
﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ : أي: ارحموا الناس وترحموهم في ترك أخذ الربا، ترحمون أنتم، وتنجون من النار ومن عذاب الله.
ثم قال: ﴿ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
أي: بادروا بالتوبة والرجوع عن استحلال الربا والترك عن أخذه، والمغفرة هي فعل الله، لكنه - والله أعلم - كأنه قال: بادروا إلى الأسباب التي بها تستوجبون المغفرة من ربكم، والمغفرة: هي الستر في اللغة.
ثم يحتمل وجهين: يحتمل: ألا يهتك أستاركم في الآخرة إذا تبتم.
ويحتمل: أن ينسى عليكم سيئاتكم في الجنة؛ لأن ذكر المساوئ في الجنة تنقص عليهم نعمه، فأخبر - عزّ وجلّ - أنّه ينسيهم مساوئهم في الجنة؛ لئلا ينقص ذلك عليهم، والله أعلم.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ : وبادروا - أيضاً - بالتوبة عن استحلال الربا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فمعنى ضرب مثل الجنة بضرب السماوات والأرض، وذلك - والله أعلم - ذكر هو أن للسماوات والأرض أحوالاً ليست تلك الأحوال لغيرها من الخلائق؛ بقوله - عز وجل -: ﴿ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ﴾ ؛ وذلك أنهما عندهم من أشد الخلائق وأقواها، فقال: إن الذي قدر على اتخاذ ما هو أشدّ وأقوى وأصلب - لقادر على إنشاء ما هو دونه، وهو هذا العالم الصغير.
ووصف - أيضاً - السّماوات والأرض بالغلظ والكثافة والشدة؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ ﴿ شِدَاداً ﴾ وغلاظاً، ثم أخبر - عز وجل - أنها مع غلظها وكثافتها تكاد أن تنشق لعظيم ما قالوا بأن لله ولداً وشريكاً بقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ ؛ ليعلموا عظيم القول وقبحه؛ لئلا يقولوا في الله ما لا يليق به.
ووصف - أيضاً - السّماوات والأرض بالدوام إلى وقت يبعد فناؤها في أوهام الخلق، وإن كانا فانيان بقوله - عزَّ وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ ، فإذا كان للسماوات والأرض ما ذكرنا من الأحوال عند الخلق، ليست تلك الأحوال لغيرها من الخلائق؛ من شدتها وقوتها، وصلابتها وكثافتها وسعتها - شبه عرض جنته وسعتها بسعة السماوات والأرض وعرضهما؛ لما هما عند الخلق ليسا بذوي نهاية، وإن كانا ذوي نهاية وغاية؛ كما وصف أهل الجنة وأهل النّار بالدوام فيهما بدوام السّماوات والأرض، وإن كانا فيهما غير دائمين أبداً؛ لبعد فنائهما عن أوهام الخلق؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وفيه دلالة أن الجنة ذو نهاية المكان في العرض، وإن لم تكن بذات نهاية الوقت غايته؛ لأنه ذكر العرض لها، وكل ذي عرض يحتمل نهاية عرضه - والله أعلم - ولو لم يكن ذا نهاية من حيث العرض، فكأن الله غير موصوف بالقدرة على الزيادة، ومن زال عنه وصف ذلك - انقطع عنه الطمع، واضمحل الرجاء.
وبعد، فإن ثم داراً أخرى سوى الجنة، فأوجب ذلك نهاية الجنة من حيث العرض.
إذ كان غير الجنة دار أخرى مثلها في ارتفاع نهاية الوقت، وجائز وجود أمرين مختلفين على اتفاق في الوقت، ومحال وجودهما في مكان واحد اتفاق بمكان؛ لذلك لزم نهايتهما، وإن زوالت عنهما نهاية الوقت.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ : والاتقاء: هو من الطاعة في كل أمره ونهيه، وترك مخالفته في ذلك كله، ثم سبب التقوى يكون بوجوه ثلاثة: بذكر عظمته وجلاله ورفعته عن مخالفة أمره ونهيه؛ فيذله ذلك ويحقره، فيمنعه عن مخالفته.
أو بذكر نعمته وإحسانه، فيمنعه ذلك عن ارتكاب ما نهي عنه حياء منهم.
والثالث: بذكر نقمته وعذابه في مخالفة أمره ونهيه؛ فيتقي بذلك عذاب الله ونقمته.
قال الشيخ - رحمه الله -: وقوله - عز وجل -: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ثم فسَّر الذين يتقون إلى آخر ذلك، فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد: من أعدلت له، [له] من جميع الذي ذكر.
والثاني: أن يريد بـ ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ ﴾ اتقوا الشرك بالذي أخبر - عز جل - بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
ثم وصفهم بالذي ذكر من الأفعال المحمودة؛ لا أن ذلك بكليته شرط لأن يعد له الجنة حتى يحرم من لم يبلغ ذلك، فإن كان على الأول - فكأنه وصف النهاية لمن اعدّت الجنة، وقد يجوز أن يكون لهم أتباع في الشركة، وإن لم يبلغوا تلك الرتبة بفضل الله، أو بما أعطى من ذكر فيهم من الشفاعة، أو بما شاركوا أولئك في أصل الاعتقاد بقبول ذلك، وإن كان منهم تقصير على أنه قد يذكر في [كل] أمر من الأمور العظيمة، والنهاية في ذلك على مشاركة من دونهم لهم في ذلك، وعلى ذلك ما ذكر من بعث الرسل إلى الفراعنة على دخول من دونه من ذلك، وعلى مخاطبة أهل الجلال في ذلك، ودخول من دونهم في الحق؛ وكذلك ذكر الخطاب في أهل الرفعة والعلو على تضمين من دون ذلك؛ فكذلك الأول؛ وكذلك الله - - ذكر في القرآن من الكفرة الذين جمعوا مع الكفر العناد والتمرد، وذكر أهل الإيمان الذين لهم مع ذلك الخيرات منّاً منه، إن ذكر هؤلاء بأعلى [ما استحقوا من الثناء، والأول] بأعلى ما به يصير لمَقْته، من غير تخصيص في أصل له الوعد والوعيد، إلا من حيث التشديد والتفضيل، فمثله الأوَّل؛ أيد ذلك قسمته أهل الجنة قسمين: السابقين، - وَأَصْحَابَ اليَمِينِ، ثم قال في الذين من ذكر: الذين ﴿ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ﴾ ، وقد بين في آخر ذلك ما يدل على ذلك، وهو من ذكر من الذين يأتون الفواحش والظلم، ثم ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ ﴾ ، ويكون في ذلك وجهان: أحدهما: أن الله - - بمنِّه يوفقه لما يرضيه في آخر أمره؛ ليختمه به؛ إذ كان في وقت ارتكابه ما ارتكب، وتقصيره فيما قصر - معتقداً جلال ربّه، خائفاً عظمته، راجياً رحمته، معترضاً لما عرفه من الكرم والعفو، فيكون هو شريك من ذكر في الخاتمة، وإن كان منه تخلف عنه في الابتداء، والله أعلم.
أو أن يكون يجزيه عما قصر وفرط؛ حتى يطهره مما كان من الخلط؛ فيرجع إلى ما وافق الأول في جملة الاعتقاد، فتكون معدة لمن جمع ذلك، والجمع يكون بالذي ذكر، أو بالعفو والجود؛ إذ جعل الجزاء طريقة الجود والكرم، لا الاستحقاق، والله أعلم.
وإن كان على معنى الثاني - فالآية تخرج مخرج الترغيب في جميع تلك الأوصاف، وتكون الجنة في الإطلاق معدّة للمتقين، الذين اتقوا الشركة والدرجات وما فيها من الفضائل والمراتب، على قدر ما يبقى من أنواع الخلاف في الأفعال، ويتوسل إلى الله - - بالمبادرة والمسارعة إلى ما فيه الرغائب؛ وعلى ذلك أمر الوعد بتفضيل الدّرجات في الجنة، وتفريق الدركات في النار، على ما أعدت النار في الجملة للكفرة، ويتفاوت أهلها بتفاوت الأفعال من الخلاف والتمرد، والله الموفق.
ثم السّبب الذي به يستعان على التقوى ثلاثة: أحدها: أن يذكر المرء عظمته وجلاله وقدرته عليه في كل أحواله؛ فيتقي مخالتفه بالهيبة والإجلال.
والثاني: أن يذكر عظم منّته عليه، ونعمه عنده، وأياديه التي فيها يتقلب، وبها يتمتع؛ فيتقيه حياء منه.
والثالث: أن يذكر نفسه عظم نقمته الموعودة، وعذابه المعد لأهل الخلاف له؛ فيتقيه إشفاقاً على نفسه، والله الموفق.
وجملة ذلك: أن من تأمل ما إليه مرجعه، والذي منه بدؤه وما فيه متقلبه، من أول أحواله إلى منتهى آجاله، حتى صيّر ذلك كله كالعيان لقبله - سَهُل عليه وجه التقوى؛ لما عند ذلك تذهب شهواته، وتضمحل أمانيه، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
وبادروا وسابقوا إلى فعل الخيرات، والتقرب إلى الله بأنواع الطاعات؛ لتنالوا مغفرة من الله عظيمة، وتدخلوا جنة عرضها السماوات والأرض، هَيَّأها الله للمتقين من عباده.
<div class="verse-tafsir" id="91.v2r9w"
وجه الاتصال بين هذه الآيات وما قبلها أن ما قبلها في بيان أن الله نصر المؤمنين وهم أذلة وأنهم إنما نصروا بتقوى الله وامتثال الأمر والنهي، ولذلك خذلوا في أحد عند المخالفة والطمع في الغنيمة.
وقد جاء هذا بعد النهي عن اتخاذ البطانة من اليهود وبيان أنه لا يضر المؤمنين كيد هؤلاء اليهود ما اعتصموا بالصبر والتقوى.
وقد كان من موادة المؤمنين لليهود واتخاذ البطانة منهم أن منهم من رابى كما كانوا يرابون وكان البعض الآخر مظنة أن يرابي توسلًا لجلب المال المحبوب بسهولة.
فكان الترتيب في الآيات هكذا: نهاهم عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروطها التي هي مثار الضرر، ثم بينّ لهم ما يتقون به ضررهم وشر كيدهم وهو تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك طردًا وعكسًا بذكر وقعة بدر ووقعة أحد، ثم نهاهم عن عمل آخر من شر أعمال أولئك اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وأشدها ضررًا وهو أكل الربا أضعافًا مضاعفة.
وقد كان ما تقدم تمهيدًا لهذا النهي وحجة على أن الربح المتوقع منه ليس هو سبب السعادة وإنما سببها ما ذكر من التقوى والامتثال.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ هذا أول ما نزل في تحريم الربا، وآيات البقرة في الربا نزلت بعد هذه، بل هي آخر آيات الأحكام نزولًا.
والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم.
والأضعاف جمع قلة لضعف (بكسر الضاد) وضعف الشيء مثله الذي يثنيه، فضعف الواحد واحد فهو إذا أضيف إليه ثناه.
وهو من الألفاظ المتضايقة أي التي يقتضي وجودها وجود آخر من جنسها كالنصف والزوج، ويختص بالعدد، فإذا ضاعفت الشيء ضممت إليه مثله مرة فأكثر.
وإذا قلنا إن الأضعاف المضاعفة في الزيادة فقط (التي هي الربا) يصح ما قاله المفسر (الجلال) في تصوير المسألة بتأخير أجل الدين والزيادة في المال، وهذا هو الذي كان معروفًا في الجاهلية، ويصح أيضًا أن تكون الأضعاف بالنسبة إلى رأس المال، وهذا واقع الآن، فإنني رأيت في مصر من استدان بربا ثلاثة في المئة كل يوم فانظر كم ضعفًا يكون في السنة.
وقد قال "مضاعفة" بعد ذكر الأضعاف كأن العقد قد يكون ابتداء على الأضعاف ثم تأتي المضاعفة بعد ذلك بتأخير الأجل وزيادة المال.
قوله: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ إلخ وعيد للمرابين يجعلهم مع الكافرين إذا عملوا فيه عملهم، وفيه تنبيه إلى أن الربا قريب من الكفر.
وهذا القول بعد قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ تأكيد بعد تأكيد، ثم أكده أيضًا بالأمر بطاعته وطاعة الرسول، فمؤكدات التنفير من الربا أربعة.
وقد قلنا من قبل إن مسألة الربا ليست مدنية محضة بل هي دينية أيضًا، والغرض الديني منها التراحم المفضي إلى التعاون، فالمقرض اليوم قد يكون مقترضًا غدًا، فمن أعان جدير بأن يعان.
ثم ذكر جزاء المتقين بعد الأمر المؤكد باتقاء النار إتباعًا للوعيد بالوعد وقرنا للترهيب بالترغيب كما هي سنته فقال: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ المسارعة إلى المغفرة والجنة هي المبادرة إلى أسبابها وما يُعد الإنسان لنيلها من التوبة عن الإثم كالربا والإقبال على البر كالصدقة.
وقد اختلفوا في الجنة هل هي موجودة بالفعل أن توجد بعد في الآخرة، ولا معنى لهذا الخلاف، ولا هو مما يصح التفرق واختلاف المذاهب فيه.
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ إن المال عزيز على النفس لأنه الآلة لجلب المنافع والملذات ودفع المضار والمؤلمات، وبذله في طرق الخير والمنافع العامة التي ترضي الله تعالى يشق على النفس، أما في السراء فلما يحدثه السرور والغنى من الأشر والبطر والطغيان وشدة الطمع وبعد الأمل، وأما في الضراء فلأن الإنسان يرى نفسه فيها جديرًا بأن يأخذ ومعذورًا إن لم يُعطِ وإن لم يكن معذورًا بالفعل إذ مهما كان فقيرًا لا يعدم وقتًا يجد فيه فضلًا ينفقه في سبيل الله ولو قليلًا.
وداعية البذل في النفس هي التي تنبه الإنسان إلى هذا العفو الذي يجده أحيانًا ليبذله.
فإن لم تكن الداعية موجودة في أصل الفطرة فأمر الدين الذي وضعه الله لتعديل الفطرة المائلة وتصحيح مزاج المعتلة يوجدها ويكون نعم المنبه لها.
وقد فسر بعضهم الضراء بما يخرج الفقراء من هذه الصفة من صفات المتقين وليس بسديد.
يقول من لا علم عنده إن تكليف الفقير والمسكين البذل في سبيل الله لا معنى له ولا غناء فيه.
وربما يقول أكثر من هذا -يعني أنه ينتقد ذلك من الدين- والعلم الصحيح يفيدنا أنه يجب أن تكون نفس الفقير كريمة في ذاتها وأن يتعود صاحبها الإحسان بقدر الطاقة، وبذلك ترتفع نفسه وتطهر من الخسة وهي الرذيلة التي تعرض للفقراء فتجرهم إلي رذائل كثيرة ثم إن النظر يهدينا إلى أن القليل من الكثير كثير فلو أن كل فقير في القطر المصري مثلًا يبذل في السنة قرشًا واحدًا لأجل التعليم لاجتمع من ذلك ألوف الألوف وتيسر به عمل في البلاد كبير فكيف إذا انفق كل أحد على قدره كما قال تعالى : ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾ إلخ.
إذا كان الله تعالى قد جعل الإنفاق في سبيله علامة على التقوى أو أثرًا من آثارها حتى في حال الضراء، وكان انتفاؤه علامة على عدم التقوى التي هي سبب دخول الجنة، فكيف يكون حال أهل السراء الذين يقبضون أيديهم؟
وهل يغني عن هؤلاء من شيء أداء الرسوم الدينية الظاهرة التي يتمرنون عليها عادة مع الناس؟
﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ الغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية كالمال أو المعنوية كالشرف فيزعجها إلى التشفي والانتقام، ومن أجاب داعي الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي، فلذلك كان من التقوى كظمه.
وفي (روح المعاني) أن الغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل أن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة ولا كذلك الغيظ وقيل الغضب ما يظهر على الجوارح والغيظ ليس كذلك.
أصل الكظم مخرج النفس.
والغيظ وإن كان معنى له أثر في الجسم يترتب عليه عمل ظاهر فإنه يثور بنفس الإنسان حتى يحمله ما لا يجوز من قول أو فعل، فلذلك سمي حبسه وإخفاء أثره كظمًا.
﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾ العفو عن الناس هو التجافي عن ذنب المذنب منهم وترك مؤاخذته مع القدرة عليها وتلك مرتبة في ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة قل من يتبوأها.
فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة وهناك مرتبة أعلى منها وهي ما أفاده قوله : ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ الفاحشة الفعلة الشديدة القبح، وظلم النفس يطلق على كل ذنب.
قال البيضاوي: "وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ولعل الفاحشة ما تتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك" وذكر الله عند الذنب يكون بتذكر نهيه ووعيده أو عقابه أو تذكر عظمته وجلاله وهما مرتبتان: مرتبة دنيا: لعامة المؤمنين ومرتبة عليا: لخواص المتقين وهي أن يذكروا إذا فرط منهم ذنب ذلك المقام الإلهي الأعلى المنزه عن النقص الذي هو مصدر كل كمال، وما يجب من طلب قربه بالمعرفة والتخلق الذي هو منتهى الآمال، فإذا هم تذكروا انصرف عنهم طائفة الشيطان، ووجدوا نفس الرحمن، فرجعوا إليه طالبين مغفرته، راجين رحمته، ملتزمين سنته، واردين شرعته، عالمين أنه لا يغفر الذنوب سواه، وأنه يضل من يدعون عند الحاجة إلا إياه، لأن الكل منه وإليه، وهو المتصرف بسنته فيه والحاكم بسلطانه عليه، ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ لا يصر المؤمن المتقي من أهل الدرجة الدنيا على ذنبه وهو يعلم أن الله تعالى نهى عنه وتوعد عليه، ولا يصر كذلك بالأولى صاحب الدرجة العليا من أهل الإيمان والتقوى، وهو يعلم أن الذنب فسوق عن نظام الفطرة السليمة، واعتداء على قانون الشريعة القويمة، وبعد عن مقام النظام العام، الذب يعرج عليه البشر إلى قرب ذي الجلال والإكرام، ومثال ذلك من يخضع لقوانين الحكام الوضعية خوفًا من العقوبة، ومن يخضع لها احترامًا للنظام، وما أبعد الفرق بين الفريقين.
<div class="verse-tafsir"