الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٣٤ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 151 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة ، فقال : ( الذين ينفقون في السراء والضراء ) أي : في الشدة والرخاء ، والمنشط والمكره ، والصحة والمرض ، وفي جميع الأحوال ، كما قال : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) [ البقرة : 274 ] .
والمعنى : أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه ، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر .
وقوله : ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ) أي : إذا ثار بهم الغيظ كظموه ، بمعنى : كتموه فلم يعملوه ، وعفوا مع ذلك عمن أساء إليهم وقد ورد في بعض الآثار : " يقول الله تعالى : ابن آدم ، اذكرني إذا غضبت ، أذكرك إذا غضبت ، فلا أهلكك فيمن أهلك " رواه ابن أبي حاتم .
وقد قال أبو يعلى في مسنده : حدثنا أبو موسى الزمن ، حدثنا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل ، حدثنا الربيع بن سليمان النميري عن أبي عمرو بن أنس بن مالك ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كف غضبه كف الله عنه عذابه ، ومن خزن لسانه ستر الله عورته ، ومن اعتذر إلى الله قبل عذره " [ و ] هذا حديث غريب ، وفي إسناده نظر .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا مالك ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " ليس الشديد بالصرعة ، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " .
وقد رواه الشيخان من حديث مالك .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن الحارث بن سويد ، عن عبد الله ، هو ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟
" قال : قالوا : يا رسول الله ، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه .
قال : " اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله ، ما لك من مالك إلا ما قدمت ، ومال وارثك ما أخرت " .
قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تعدون فيكم الصرعة ؟
" قلنا : الذي لا تصرعه الرجال ، قال : قال " لا ، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب " .
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تعدون فيكم الرقوب ؟
" قال : قلنا : الذي لا ولد له .
قال : " لا ، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا " .
أخرج البخاري الفصل الأول منه وأخرج مسلم أصل هذا الحديث من رواية الأعمش ، به .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، سمعت عروة بن عبد الله الجعفي يحدث عن أبي حصبة ، أو ابن حصبة ، عن رجل شهد النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال : " تدرون ما الرقوب ؟
" قالوا الذي لا ولد له .
قال : " الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ، ولم يقدم منهم شيئا " .
قال : " تدرون ما الصعلوك ؟
" قالوا : الذي ليس له مال .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال ، فمات ولم يقدم منه شيئا " .
قال : ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما الصرعة ؟
" قالوا : الصريع .
قال : فقال صلى الله عليه وسلم الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتد غضبه ، ويحمر وجهه ، ويقشعر شعره ، فيصرع غضبه " .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا ابن نمير ، حدثنا هشام - هو ابن عروة - عن أبيه ، عن الأحنف بن قيس ، عن عم له يقال له : جارية بن قدامة السعدي ، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، قل لي قولا ينفعني وأقلل علي ، لعلي أعيه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تغضب " .
فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارا ، كل ذلك يقول : " لا تغضب " .
وكذا رواه عن أبي معاوية ، عن هشام ، به .
ورواه [ أيضا ] عن يحيى بن سعيد القطان ، عن هشام ، به ، أن رجلا قال : يا رسول الله ، قل لي قولا وأقلل علي لعلي أعقله .
قال : " لا تغضب " .
الحديث انفرد به أحمد .
حديث آخر : قال أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رجل : يا رسول الله ، أوصني .
قال : " لا تغضب " .
قال الرجل : ففكرت حين قال صلى الله عليه وسلم ما قال ، فإذا الغضب يجمع الشر كله .
انفرد به أحمد .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا داود بن أبي هند عن ابن أبي حرب بن أبي الأسود ، عن أبي الأسود ، عن أبي ذر قال : كان يسقي على حوض له ، فجاء قوم قالوا أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه فقال رجل : أنا .
فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه ، وكان أبو ذر قائما فجلس ، ثم اضطجع ، فقيل له : يا أبا ذر ، لم جلست ثم اضطجعت ؟
فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : " إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع " .
ورواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل بإسناده ، إلا أنه وقع في روايته : عن أبي حرب ، عن أبي ذر ، والصحيح : ابن أبي حرب ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، كما رواه عبد الله بن أحمد ، عن أبيه .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن خالد : حدثنا أبو وائل الصنعاني قال : كنا جلوسا عند عروة بن محمد إذ دخل عليه رجل ، فكلمه بكلام أغضبه ، فلما أن غضب قام ، ثم عاد إلينا وقد توضأ فقال : حدثني أبي ، عن جدي عطية - هو ابن سعد السعدي ، وقد كانت له صحبة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا أغضب أحدكم فليتوضأ " .
وهكذا رواه أبو داود من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني ، عن أبي وائل القاص المرادي الصنعاني : قال أبو داود : أراه عبد الله بن بحير .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا نوح بن جعونة السلمي ، عن مقاتل بن حيان ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أنظر معسرا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم ، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة - ثلاثا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة .
والسعيد من وقي الفتن ، وما من جرعة أحب إلى الله [ عز وجل ] من جرعة غيظ يكظمها عبد ، ما كظمها عبد لله إلا ملأ جوفه إيمانا " .
انفرد به أحمد ، إسناده حسن ليس فيه مجروح ، ومتنه حسن .
حديث آخر في معناه : قال أبو داود : حدثنا عقبة بن مكرم ، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - عن بشر - يعني ابن منصور - عن محمد بن عجلان ، عن سويد بن وهب ، عن رجل من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه ملأه الله أمنا وإيمانا ، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه - قال بشر : أحسبه قال : " تواضعا " - كساه الله حلة الكرامة ، ومن زوج لله كساه الله تاج الملك " .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا سعيد ، حدثني أبو مرحوم ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه ، دعاه الله على رءوس الخلائق ، حتى يخيره من أي الحور شاء " .
ورواه أبو داود والترمذي ، وابن ماجه ، من حديث سعيد بن أبي أيوب ، به .
وقال الترمذي : حسن غريب .
حديث آخر : قال : عبد الرزاق : أخبرنا داود بن قيس ، عن زيد بن أسلم ، عن رجل من أهل الشام - يقال له : عبد الجليل - عن عم له ، عن أبي هريرة في قوله تعالى : ( والكاظمين الغيظ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كظم غيظا ، وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمنا وإيمانا " .
رواه ابن جرير .
حديث آخر : قال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن محمد بن زياد ، أخبرنا يحيى بن أبي طالب ، أخبرنا علي بن عاصم ، أخبرني يونس بن عبيد عن الحسن ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله " .
وكذا رواه ابن ماجه عن بشر بن عمر ، عن حماد بن سلمة ، عن يونس بن عبيد ، به .
فقوله : ( والكاظمين الغيظ ) أي : لا يعملون غضبهم في الناس ، بل يكفون عنهم شرهم ، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل .
ثم قال [ تعالى ] ( والعافين عن الناس ) أي : مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم ، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد ، وهذا أكمل الأحوال ، ولهذا قال : ( والله يحب المحسنين ) فهذا من مقامات الإحسان .
وفي الحديث : " ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مال من صدقة ، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، ومن تواضع لله رفعه الله " .
وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عقبة ، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي ، عن عبادة بن الصامت ، عن أبي بن كعب ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سره أن يشرف له البنيان ، وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ، ويعط من حرمه ، ويصل من قطعه " .
ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه وقد أورده ابن مردويه من حديث علي ، وكعب بن عجرة ، وأبي هريرة ، وأم سلمة ، بنحو ذلك .
وروي عن طريق الضحاك ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول : أين العافون عن الناس ؟
هلموا إلى ربكم ، وخذوا أجوركم ، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة " .
القول في تأويل قوله : وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وسارعوا "، وبادروا وسابقوا = (1) " إلى مغفرة من ربكم "، يعني: إلى ما يستر عليكم ذنوبكم من رحمته، وما يغطيها عليكم من عفوه عن عقوبتكم عليها =" وجنة عرضها السموات والأرض "، يعني: وسارعوا أيضًا إلى جنة عرضها السموات والأرض.
* * * ذكر أن معنى ذلك: وجنة عرضها كعرض السموات السبع والأرضين السبع، إذا ضم بعضها إلى بعض.
*ذكر من قال ذلك: 7830- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وجنة عرضها السموات والأرض "، قال: قال ابن عباس: تُقرن السموات السبع والأرضون السبع، كما تُقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذاك عرض الجنة.
* * * وإنما قيل: " وجنة عرضها السموات والأرض "، فوصف عرضها بالسموات والأرضين، والمعنى ما وصفنا: من وصف عرضها بعرض السموات والأرض، &; 7-208 &; تشبيها به في السعة والعظم، كما قيل: مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [سورة لقمان: 28]، يعني: إلا كبعث نفس واحدة، وكما قال الشاعر: (2) كــأَنَّ عَذِيــرَهُمْ بِجَــنُوب سِـلَّى نَعَــامٌ قَــاقَ فِــي بَلَــدٍ قِفَـارِ (3) أي: عذيرُ نعام، وكما قال الآخر: (4) حَسِــبتَ بُغَــامَ رَاحِـلَتِي عَنَاقًـا!
وَمَـا هـي, وَيْـبَ غَـيْرِكَ بالعَنَـاقِ (5) يريد صوت عناق.
* * * قال أبو جعفر: وقد ذكر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: &; 7-209 &; هذه الجنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟
فقال: هذا النهار إذا جاء، أين الليل.
*ذكر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره.
7831- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مرة قال: لقيت التنوخيّ رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص، شيخًا كبيرًا قد فُنِّد.
(6) قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل، فناول الصحيفة رجلا عن يساره.
قال قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟
قالوا: معاوية.
فإذا كتاب صاحبي: " إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، (7) فأين النار؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله!
فأين الليل إذا جاء النهار؟
(8) 7832- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، &; 7-211 &; حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أنّ ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن " جنة عرضها السموات والأرض "، أين النار؟
قال: أرأيتم إذا جاء الليل، أن يكون النهار؟" فقالوا: اللهم نـزعْتَ بمثَله من التوراة " (9) .
7833- حدثني محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: أن عمر أتاه ثلاثة نفر من أهل نجران، فسألوه وعنده أصحابه فقالوا: أرأيت قوله: " وجنة عرضها السموات والأرض "، فأين النار؟
فأحجم الناس، فقال عمر: " أرأيتم إذا جاء الليل، أين يكون النهار؟
وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟" فقالوا: نـزعت مثَلها من التوراة.
7834- حدثنا ابن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، أخبرنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن طارق بن شهاب، عن عمر بنحوه، في الثلاثة الرّهط الذين أتوا عمر فسألوه: عن جنة عرضها كعرض السموات والأرض، بمثل حديث قيس بن مسلم.
7835- حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا جعفر بن عون قال، أخبرنا الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: تقولون: " جنة عرضها السموات والأرض "، أين تكون النار؟
فقال له عمر: أرأيت النهار إذا جاء أين يكون الليل؟
أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟
فقال: إنه لمثلها في التوراة، فقال له صاحبه: لم أخبرته؟
فقال له صاحبه: دعه، إنه بكلٍّ موقنٌ.
7836- حدثني أحمد بن حازم قال، أخبرنا أبو نعيم قال، حدثنا جعفر بن برقان قال، حدثنا يزيد بن الأصم: أن رجلا من أهل الكتاب أتى ابن عباس فقال: تقولون " جنة عرضها السموات والأرض "، فأين النار؟
فقال ابن عباس: أرأيت الليل إذا جاء، أين يكون النهار؟
وإذا جاء النهار، أين يكون الليل؟
(10) * * * قال أبو جعفر: وأما قوله: " أعدت للمتقين " فإنه يعني: إنّ الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرضين السبع، أعدها الله للمتقين، الذين اتقوا الله فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم، فلم يتعدوا حدوده، ولم يقصِّروا في واجب حقه عليهم فيضيِّعوه.
كما:- 7837- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال،" وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين "، أي: دارًا لمن أطاعني وأطاع رسولي.
(11) -------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"سارع" فيما سلف 7: 130.
(2) هو شقيق بن جزء بن رياح الباهلي ، وينسب لأعشى باهلة ، وللنابغة خطأ.
(3) الكامل 2: 196 ، معجم البلدان (سلى) ، واللسان (فوق) (سلل) ، وكان شقيق بن جزء قد أغار على بني ضبة بروضة سلى وروضة ساجر ، وهما روضتان لعكل -وضبة وعدى وعكل وتيم حلفاء متجاورون- فهزمهم ، وأفلت عوف بن ضرار ، وحكيم بن قبيصة بن ضرار بعد أن جرح ، وقتلوا عبيدة بن قضيب الضبي ، فقال شقيق: لَقَــدْ قَــرَّتْ بِهِـمْ عَيْنـي بِسِـلَّى وَرَوْضَــةِ سَــاجِرٍ ذَاتِ القَــرَارِ جَــزَيْتُ المُلْجِــئِينَ بِمَــا أَزَلْـتْ مِـنَ البُؤْسَـى رِمَـاحُ بنـي ضِـرَارِ وَأَفْلَـــتَ مــن أسِنَّتِنَا حَـكِيمٌ جَرِيضًـــا مِثْــلَ إفْـلاتِ الحِمـارِ كــــأَنَّ عَذِيـــرَهُمْ............
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وفي المعجم"ذات العرا" ، والصواب ما أثبت.
والقرار: المكان المنخفض المطمئن يستقر فيه الماء ، فتكون عندها الرياض ، ومنه قوله تعالى: "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين".
والملجئ الذي قد تحصن بملجأ واعتصم.
وأزل إليه زلة: أي أنعم إليه واصطنع عنده صنيعة ، وإنما أراد: ما قدم من السوء ، سخرية منهم.
يقول: جزيتهم هؤلاء المعتصمين بأسوأ ما صنعوا.
وقوله: "جريضًا" ، أي أفلت وقد كاد يقضى ويهلك.
والعذير: الحال.
يقول كأن حالهم حال نعام في أرض قفر يصوت مذعورًا ، هزموا وتصايحوا.
والقفار جمع قفر ، يقال: "أرض قفر وأرض قفار" ، يوصف بالجمع.
(4) هو ذو الخرق الطهوي.
(5) سلف تخريجه وشرحه في 3: 103.
(6) في المطبوعة: "قد أقعد".
وهو خطأ لا شك فيه ، وفي تفسير ابن كثير 2: 240"قد فسد" ، وهو خطأ أيضًا ، ولكنه رجع عندي أن نص الطبري هنا قد"فند" (بضم الفاء وتشديد النون المكسورة مبنيًا للمجهول) بمعنى: قد نسب إلى الفند (بفتحتين) وهو العجز ، والخرف وإنكار العقل من الهرم والمرض ، ولم يرد ذلك إنما أراد الكبر والهرم إلى أقصى العمر.
وأهل اللغة يقولون في ذلك"أفند" (بالبناء للمعلوم) ، وأفنده الكبر: إذا أوقعه في الفند ، وأما رواية أحمد في المسند ، فنصها: "شيخًا كبيرًا قد بلغ الفند أو قرب".
(7) في المطبوعة: "فإذا هو أنك كتبت تدعوني" ، وهو محاولة تصحيح لما في المخطوطة ، وكان فيها: "فإذا كان كتبت تدعوني" ، والصواب الذي أثبته من ابن كثير في تفسيره 2: 241 ، ومثله في خبر أحمد في مسنده.
(8) الحديث: 7831-"مسلم بن خالد": هو الزنجي المكي الفقيه ، شيخ الإمام الشافعي.
وهو في نفسه صدوق ، ولكنه يخطئ كثيرًا في روايته ، حتى قال البخاري: "منكر الحديث" ولذلك رجحنا تضعيفه في المسند: 613.
ابن خثيم - بضم الخاء المعجمة ثم فتح الثاء المثلثة: هو عبد الله بن عثمان بن خثيم ، مضت ترجمته في: 4341.
سعيد بن أبي راشد: في التهذيب 4: 26 ويقال: ابن ر0اشد.
روى عن يعلى بن مرة الثقفي ، وعن التنوخي النصراني رسول قيصر ، ويقال: رسول هرقل.
وعنه عبدالله بن عثمان بن خثيم.
ذكره ابن حبان في الثقات ، قلت: وفي الرواة سعيد بن أبي راشد ، أو ابن راشد - آخر".
ثم نقل طابع التهذيب هامشة عن الأصل الذي يطبع عنه.
وجعل رقمها عند قوله"النصراني" - وهذا نصها: "قال شيخنا: أسلم متأخرًا ، عن هذا يقال له أبو محمد المازني ، السماك ، مذكور في كتاب الضعفاء.
نبهت عليه"!!
وهذا تخطيط عجيب من الطابع.
فالهامشة أصلها هامشتان يقينًا ، كل منهما في موضع ، كما هو بديهي.
فإن قوله: "أسلم متأخرًا" هو المناسب لقوله"النصراني".
وأما ما بعده ، فإنه يريد به أن"سعيد بن راشد" أو"ابن أبي راشد" متأخر عن المترجم الذي يروى عن رسول قيصر ، وأن هذا المتأخر هو الذي كنيته"أبو محمد المازني السماك".
وهو مترجم في الكبير للبخاري 2 / 1 / 431 ، وقال فيه: "منكر الحديث".
وترجمه ابن أبي حاتم 4 / 1 / 19 - 20 برقم: 80 ، وترجم قبله ، برقم: 79"سعيد بن أبي راشد" وأنه صحابي ، وترجم بعدهما برقم: 81"سعيد بن راشد المرادى" - وهو متأخر عن هذين.
وترجم الحافظ في الإصابة 3: 96 للصحابي ، ثم قال في آخر الترجمة: "وأما سعيد بن أبي راشد شيخ عبد الله بن عثمان بن خثيم ، روى عنه عن رسول قيصر حديثًا = فأظنه غير هذا".
وترجم الذهبي في الميزان 1: 379 ثلاث تراجم ، فرق بينها ، وبين ضعف"سعيد بن راشد المازني السماك".
وكذلك صنع الحافظ في لسان الميزان 3: 27 - 28.
و"سعيد بن راشد السماك" الضعيف: ترجمه ابن حبان في المجروحين ، برقم: 398 ، وأساء القول فيه.
والراجح عندي أن"سعيد بن أبي راشد" الذي هنا = هو الصحابي.
وأنه روى هذا عن التنوخي رسول هرقل.
يعلى بن مرة: هو الثقفي الصحابي المعروف.
وعندي أن ذكره في هذا الإسناد مقحم خطأ ، كما سيأتي.
التنوخي رسول هرقل: لم أجد له ترجمة ، إلا ذكره بهذا الوصف وأنه روى عنه سعيد بن أبي راشد ، كما ذكره الحافظ في التعجيل ، ص: 535.
وإلا الكلمة التي نقلها طابع التهذيب عن هامش أصله بأنه أسلم متأخرًا.
فهو بهذا لا يعتبر من الصحابة ، لأنه حين لقي النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مسلمًا ، وإنما أسلم بعده.
ولا يعتبر من الصحابة إلا من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكان مسلمًا حين الرؤية.
أما من رآه وكان كافرًا حين الرؤية ثم أسلم بعد موته صلى الله عليه وسلم -كالتنوخي هذا- فلا صحبة له.
انظر تدريب الراوي ، ص: 202 ولكن روايته تكون صحيحة مقبولة ، لأنه كان مسلمًا حين الأداء ، أعني التبليغ والتحديث ، وإن كان كافرًا حين التحمل ، أعني الرؤية وسماع ما يرويه.
وانظر أيضًا تدريب الراوي ، ص: 128.
وهذا الحديث طرف من حديث طويل في قصة ، رواه الإمام أحمد في المسند: 15719 (ج3 ص 441 - 442 حلبي) ، عن إسحاق بن عيسى -وهو الطباع- عن يحيى بن سليم ، وهو الطائفي ، "عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد ، قال: رأيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بحمص ، وكان جارًا لي ، شيخًا كبيرًا ، قد بلغ الفند أو قرب.
.
." - إلى آخر القصة.
وقد نقله الحافظ ابن كثير في التاريخ 5: 15 - 16 ، عن المسند -بطوله- وبإسناده ، ثم قال: "هذا حديث غريب ، وإسناده لا بأس به.
تفرد به أحمد".
وأشار إليه في التفسير 2: 240 ، إشارة موجزة.
وقد وقع في نسختي المسند - المطبوعة والمخطوطة: "يحيى بن سليمان" ، بدل"يحيى بن سليم".
وهو خطأ من الناسخين.
وثبت على الصواب في تاريخ ابن كثير.
فهذه رواية يحيى بن سليم الطائفي عن ابن خثيم - فيها أن سعيد بن أبي راشد هو الذي لقى التنوخي وسمع منه هذا الحديث.
ويحيى بن سليم: سبق توثيقه في: 4894.
وقد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه ، ومهما يقل في حفظه فلا نشك أنه كان أحفظ من مسلم بن خالد الزنجي الضعيف ، وخاصة في حديث ابن خثيم ، فقد شهد أحمد ليحيى بن سليم بأنه"كان قد أتقن حديث ابن خثيم".
فعن ذلك قطعنا بأن زيادة"عن يعلى بن مرة" - في إسناد الطبري هذا - خطأ ووهم.
والراجح أن الخطأ من مسلم بن خالد.
ورواية الطبري - هذه - ذكرها ابن كثير في التفسير 2: 240 - 241 ، والسيوطي 2: 71 ، ولم ينسبها لغيره.
(9) في المطبوعة: "مثله من التوراة" ، وفي المخطوطة"فمثله" ، وصواب قراءتها ما أثبت.
يقال: "انتزع معنى جيدًا ونزعه" ، أي استخرجه واستنبطه.
(10) الحديث: 7836- جعفر بن برقان -بضم الباء الموحدة وسكون الراء- الكلابي الجزري: ثقة صدوق ، وثقه ابن معين ، وابن نمير ، وغيرهما.
يزيد بن الأصم بن عبيد البكائي: تابعي ثقة ، أمه برزة بنت الحارث ، أخت ميمونة أم المؤمنين.
وعبد الله بن عباس هو ابن خالته.
ووقع في المطبوعة هنا"يزيد الأصم" ، وهو خطأ."الأصم" لقب أبيه ، وليس لقبه.
وهذا الحديث رواه يزيد بن الأصم عن ابن خالته ابن عباس ، موقوفًا عليه من كلامه.
والإسناد إليه صحيح.
وقد رواه أيضًا يزيد ، عن أبي هريرة ، مرفوعًا قال ، "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا محمد ، أرأيت جنة عرضها السموات والأرض ، فأين النار؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء ، أين جعل؟
قال: الله أعلم ، قال: فإن الله يفعل ما يشاء".
رواه ابن حبان في صحيحه ، رقم: 103 بتحقيقنا ، والحاكم في المستدرك 1: 36 - من حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة.
وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، ولا أعلم له علة" ، ووافقه الذهبي.
وكذلك رواه البزار من حديثه.
نقله عنه ابن كثير 2: 241 ، بنحوه.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 6: 327 ، وقال: "رواه البزار ، ورجاله رجال الصحيح".
وذكره السيوطي 2: 71 ، ونسبه للبزار والحاكم فقط.
وأما الموقوف على ابن عباس ، فقد نقله ابن كثير 2: 241 ، عن هذا الموضع من الطبري.
وذكره السيوطي 2: 71 ، ونسبه إليه وإلى عبد بن حميد.
(11) الأثر: 7837- سيرة ابن هشام 3: 115 ، وهو من تمام الآثار التي آخرها: 7829.
وكان في المطبوعة: "أي ذلك لمن أطاعني" ، وهو إن كان مستقيما على وجه ، إلا أن نص ابن هشام أشد استقامة على منهاج المعنى في الآية ، فأثبت نص ابن هشام.
هذا مع قرب التصحيف في"دارًا" إلى"ذلك".
فمن أجل هذا رجحت ما في سيرة ابن هشام.
قوله تعالى : الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنينفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذين ينفقون هذا من صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة ، وظاهر الآية أنها مدح بفعل المندوب إليه .
السراء اليسر والضراء العسر ; قاله ابن عباس والكلبي ومقاتل .
وقال عبيد بن عمير والضحاك : السراء والضراء الرخاء والشدة .
ويقال في حال الصحة والمرض .
وقيل : في السراء في الحياة ، وفي الضراء يعني يوصي بعد الموت .
وقيل : في السراء في العرس والولائم ، وفي الضراء في النوائب والمآتم .
وقيل : في السراء النفقة التي تسركم ; مثل النفقة على الأولاد والقرابات ، والضراء على الأعداء .
ويقال : في السراء ما يضيف به الفتى ويهدى إليه .
والضراء ما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم .
قلت : والآية تعم .
ثم قال تعالى : والكاظمين الغيظ وهي المسألةالثانية : وكظم الغيظ رده في الجوف ; يقال : كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه ، وكظمت السقاء أي ملأته وسددت عليه ، والكظامة ما يسد به مجرى الماء ; ومنه الكظام للسير الذي يسد به فم الزق والقربة .
وكظم البعير جرته إذا ردها في جوفه ; وقد يقال لحبسه الجرة قبل أن يرسلها إلى فيه : كظم ; حكاه الزجاج .
يقال : كظم البعير والناقة إذا لم يجترا ; ومنه قول الراعي :[ ص: 196 ]فأفضن بعد كظومهن بجرة من ذي الأبارق إذا رعين حقيلاالحقيل : موضع .
والحقيل : نبت .
وقد قيل : إنها تفعل ذلك عند الفزع والجهد فلا تجتر ; قال أعشى باهلة يصف رجلا نحارا للإبل فهي تفزع منه :قد تكظم البزل منه حين تبصره حتى تقطع في أجوافها الجررومنه : رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غما وحزنا .
وفي التنزيل : وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم .
ظل وجهه مسودا وهو كظيم .
إذ نادى وهو مكظوم .
والغيظ أصل الغضب ، وكثيرا ما يتلازمان لكن فرقان ما بينهما ، أن الغيظ لا يظهر على الجوارح ، بخلاف الغضب فإنه يظهر في الجوارح مع فعل ما ولا بد ; ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم .
وقد فسر بعض الناس الغيظ بالغضب ; وليس بجيد ، والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : والعافين عن الناس العفو عن الناس أجل ضروب فعل الخير ; حيث يجوز للإنسان أن يعفو وحيث يتجه حقه .
وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه .
واختلف في معنى عن الناس ; فقال أبو العالية والكلبي والزجاج : والعافين عن الناس يريد عن المماليك .
قال ابن عطية : وهذا حسن على جهة المثال ; إذ هم الخدمة فهم يذنبون كثيرا والقدرة عليهم متيسرة ، وإنفاذ العقوبة سهل ; فلذلك مثل هذا المفسر به .
وروي عن ميمون بن مهران أن جاريته جاءت ذات يوم بصحفة فيها مرقة حارة ، وعنده أضياف فعثرت فصبت المرقة عليه ، فأراد ميمون أن يضربها ، فقالت الجارية : يا مولاي ، استعمل قوله تعالى : والكاظمين الغيظ قال لها : قد فعلت .
فقالت : اعمل بما بعده والعافين عن الناس .
فقال : قد عفوت عنك .
فقالت الجارية : والله يحب المحسنين .
قال ميمون : قد أحسنت إليك ، فأنت حرة لوجه الله تعالى .
وروي عن الأحنف بن قيس مثله .
وقال زيد بن أسلم : والعافين عن الناس عن ظلمهم وإساءتهم .
وهذا عام ، وهو ظاهر الآية .
وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية : بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عند ذلك : إن هؤلاء من أمتي قليل إلا من عصمه الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت .
فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب وأثنى عليهم فقال : وإذا ما غضبوا هم يغفرون ، وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله : والعافين عن الناس ، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك .
ووردت في كظم الغيظ [ ص: 197 ] والعفو عن الناس وملك النفس عند الغضب أحاديث ; وذلك من أعظم العبادة وجهاد النفس ; فقال - صلى الله عليه وسلم - : ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب .
وقال عليه السلام ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله .
وروى أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما أشد من كل شيء ؟
قال : ( غضب الله ) .
قال فما ينجي من غضب الله ؟
قال : ( لا تغضب ) .
قال العرجي :وإذا غضبت فكن وقورا كاظما للغيظ تبصر ما تقول وتسمعفكفى به شرفا تبصر ساعة يرضى بها عنك الإله وترفعوقال عروة بن الزبير في العفو :لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا حتى يذلوا وإن عزوا لأقوامويشتموا فترى الألوان مشرقة لا عفو ذل ولكن عفو إكراموروى أبو داود وأبو عيسى الترمذي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء قال : هذا حديث حسن غريب .
وروى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة .
فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب .
ذكره الماوردي .
وقال [ ص: 198 ] ابن المبارك : كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل ; فقلت : يا أمير المؤمنين ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدي الله - عز وجل - من كانت له يد عند الله فليتقدم فلا يتقدم إلا من عفا عن ذنب فأمر بإطلاقه .الرابعة : قوله تعالى والله يحب المحسنين أي يثيبهم على إحسانهم .
قال سري السقطي : الإحسان أن تحسن وقت الإمكان ، فليس كل وقت يمكنك الإحسان قال الشاعر :بادر بخير إذا ما كنت مقتدرا فليس في كل وقت أنت مقتدروقال أبو العباس الجماني فأحسن :ليس في كل ساعة وأوان تتهيأ صنائع الإحسانوإذا أمكنت فبادر إليها حذرا من تعذر الإمكانوقد مضى في " البقرة " القول في المحسن والإحسان فلا معنى للإعادة .
ثم وصف المتقين وأعمالهم، فقال: { الذين ينفقون في السراء والضراء } أي: في حال عسرهم ويسرهم، إن أيسروا أكثروا من النفقة، وإن أعسروا لم يحتقروا من المعروف شيئا ولو قل.
{ والكاظمين الغيظ } أي: إذا حصل لهم من غيرهم أذية توجب غيظهم -وهو امتلاء قلوبهم من الحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل-، هؤلاء لا يعملون بمقتضى الطباع البشرية، بل يكظمون ما في القلوب من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة المسيء إليهم.
{ والعافين عن الناس } يدخل في العفو عن الناس، العفو عن كل من أساء إليك بقول أو فعل، والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة عن المسيء، وهذا إنما يكون ممن تحلى بالأخلاق الجميلة، وتخلى عن الأخلاق الرذيلة، وممن تاجر مع الله، وعفا عن عباد الله رحمة بهم، وإحسانا إليهم، وكراهة لحصول الشر عليهم، وليعفو الله عنه، ويكون أجره على ربه الكريم، لا على العبد الفقير، كما قال تعالى: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } ثم ذكر حالة أعم من غيرها، وأحسن وأعلى وأجل، وهي الإحسان، فقال تعالى{ والله يحب المحسنين } والإحسان نوعان: الإحسان في عبادة الخالق.
،والإحسان إلى المخلوق، فالإحسان في عبادة الخالق فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" وأما الإحسان إلى المخلوق، فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم، فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم، والسعي في جمع كلمتهم، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم، على اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم، فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى، واحتمال الأذى، كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، فمن قام بهذه الأمور، فقد قام بحق الله وحق عبيده.
( الذين ينفقون في السراء والضراء ) أي : في اليسر والعسر فأول ما ذكر من أخلاقهم الموجبة للجنة ذكر السخاوة وقد جاء في الحديث .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو عمرو الفراتي ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إسماعيل العنبري ، أخبرنا أبو عبد الله بن حازم البغوي بمكة ، أخبرنا أبو صالح بن أيوب الهاشمي ، أخبرنا إبراهيم بن سعد ، أخبرنا سعيد بن محمد ، عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ، والجاهل السخي أحب إلى الله من عابد بخيل " .
( والكاظمين الغيظ ) أي : الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه ، والكظم : حبس الشيء عند امتلائه وكظم الغيظ أن يمتلئ غيظا فيرده في جوفه ولا يظهره .
ومنه قوله تعالى : " إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين " ( سورة غافر - 18 ) أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو عمرو الفراتي ، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الاسفراييني ، أخبرنا أبو عبد الله بن محمد زكريا العلاني ، أخبرنا روح بن عبد المؤمن ، أخبرنا أبو عبد الرحمن المقري أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال : حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء " .
.
( والعافين عن الناس ) قال الكلبي عن المملوكين سوء الأدب ، وقال زيد بن أسلم ومقاتل : عمن ظلمهم وأساء إليهم .
( والله يحب المحسنين ) .
«الذين ينفقون» في طاعة الله «في السراء والضراء» اليُسر والعسر «والكاظمين الغيظ» الكافين عن إمضائه مع القدرة «والعافين عن الناس» ممن ظلمهم أي التاركين عقوبتهم «والله يحب المحسنين» بهذه الأفعال، أي يثبهم.
الذين ينفقون أموالهم في اليسر والعسر، والذين يمسكون ما في أنفسهم من الغيظ بالصبر، وإذا قَدَروا عَفَوا عمَّن ظلمهم.
وهذا هو الإحسان الذي يحب الله أصحابه.
ثم بين - سبحانه - صفات المتقين الذين يصلحون فى الأرض ولا يفسدون ، والذين أعد لهم - سبحانه - جنته فقال - تعالى - { الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ والضرآء } أى الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله فى جميع أحوالهم ، فهم يبذلونها ابتغاء وجه ربهم فى حال يسرهم وفى حال عسرهم ، وفى حال سرورهم وفى حال حزنهم ، وفى حال صحتهم وفى حال مرضهم ، لا يصرفهم صارف عن إنفاق أموالهم فى وجوه الخير ما داموا قادرين على ذلك .وقوله { الذين يُنفِقُونَ } فى محل جر صفة للمتقين .
ويجوز أن يكون فى محل نصب أو رفع على القطع المشعر بالمدح .وقال { يُنفِقُونَ } بالفعل المضارع ، للإشارة بأنهم يتجدد إنفاقهم فى سبيل الله آنا بعد آن بدون انقطاع .وقدم الإنفاق على غيره من صفاتهم لأنه وصف إيجابى يدل على صفاء نفوسهم ، وقوة إخلاصهم ، فإن المال شقيق الروح ، فإذا أنفقواه فى حالتى السراء والضراء كان ذلك دليلا على التزامهم العميق لتعاليم دينهم وطاعة ربهم .وقد مدح الله - تعالى - الذين ينفقون أموالهم فى سبيله فى عشرات الآيات من كتابه ، ومن ذلك قوله - تعالى - : { مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ } أما الصفتان الثانية والثالثة من صفات هؤلاء المتقين فهما قوله تعالى : { والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس } .أى سارعوا أيها المؤمنون إلى العمل الصالح الذى يوصلكم إلى جنة عظيمة أعدها الله - تعالى - لمن يبذلون أموالهم فى السراء والضراء ، ولمن يمسكون غيظهم ، ويمتنعون عن إمضائه مع القدرة عليه ، ولمن يغضون عمن أساء إليهم .
فالمراد بكظم الغيظ حبسه وإمساكه .
يقال : كظم فلان غيظه إذا حبسه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بمن أغضبه .
ويقال : كظم البعير جرته ، إذا ردها وكف عن الاجترار .
وكظم القربة : إذا ملأها وشد على فمها ما يمنع من خروج ما فيها .وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل كظم الغيظ والعفو عن الناس ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب " .وروى الإمام أحمد - بسنده - عن حارثة بن قدامة السعدى أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا رسول الله : قل لى قولا ينفعنى وأقلل على لعلى أعقله : فقال له : " لا تغضب " فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارا كل ذلك يقول : " لا تغضب " " .وعن أبى بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عن من ظلمه ويعط من حرمه ، ويصل من قطعه " .وكظم الغيظ والعفو عن الناس هاتان الصفتان إنما تكونان محمودتين عندما تكون الإساءة متعلقة بذات الإنسان ، أما إذا كانت الإساءة متعلقة بالدين بأن انتهك إنسان حرمة من حرمات الله ففى هذه الحالة يجب الغضب من أجل حرمات الله ، ولا يصح العفو عمن انتهك هذه الحرمة .فلقد وصفت السيدة عائشة النبى صلى الله عليه وسلم بأنه كان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شىء .وقوله { والله يُحِبُّ المحسنين } تذييل مقرر لمضمون ما قبله .والإحسان معناه الإتقان والإجادة .
وأل فى المحسنين إما للجنس أى والله - تعالى - يحب كل محسن فى قوله و عمله ، ويكون هؤلاء الذين ذكر الله صفاتهم داخلين دخولا أوليا .وإما أن تكون للعهد فيكون المعنى : والله - تعالى - يحب هؤلاء المحسنين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم في كل حال من أحوالهم ، ويكظمون غيظهم ، ويعفون عمن ظلمهم .
اعلم أنه تعالى لما بين أن الجنة معدة للمتقين ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من اكتساب الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.
فالصفة الأولى: قوله: ﴿ الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء والضراء ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن المعنى أنهم في حال الرخاء واليسر والقدرة والعسر لا يتركون الانفاق، وبالجملة فالسراء هو الغنى، والضراء هو الفقر.
يحكى عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدقت بحبة عنب، والثاني: أن المعنى أنهم سواء كانوا في سرور أو في حزن أو في عسر أو في يسر فانهم لا يدعون الاحسان إلى الناس.
الثالث: المعنى أن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان على خلاف طبعهم فانهم لا يتركونه، وإنما افتتح الله بذكر الانفاق لأنه طاعة شاقة ولأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة اليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ وفيه مسئلتان.
المسألة الأولى: يقال: كظم غيظة إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل قال: المبرد تأويله أنه كتم على امتلائه منه، يقال: كظمت السقاء إذا ملأته وسددت عليه، ويقال: فلان لا يكظم على جرته إذا كان لا يحتمل شيئا، وكل ما سددت من مجرى ماء أو باب أو طريق فهو كظم، والذي يسد به يقال له الكظامة والسدادة، ويقال للقناة التي تجري في بطن الأرض كظامة، لامتلائها بالماء كامتلاء القرب المكظومة، ويقال: أخذ فلان بكظم فلان إذا أخذ بمجرى نفسه، لأنه موضع الامتلاء بالنفس، وكظم البعير كظوماً إذا أمسك على ما في جوفه ولم يجتر، ومعنى قوله: ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ الذين يكفون غيظهم عن الامضاء ويردون غيظهم في أجوافهم، وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ .
المسألة الثانية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» وقال عليه السلام لأصحابه: «تصدقوا» فتصدقوا بالذهب والفضة والطعام، وأتاه الرجل بقشور التمر فتصدق به، وجاءه آخر فقال والله ما عندي ما أتصدق به، ولكن أتصدق بعرضي فلا أعاقب أحدا بما يقوله في حديثه، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوم ذلك الرجل وفد، فقال عليه السلام: «لقد تصدق منكم رجل بصدقة ولقد قبلها الله منه تصدق بعرضه».
وقال عليه السلام: «من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه زوجه الله من الحور العين حيث يشاء».
وقال عليه السلام: «ما من جرعتين أحب إلى الله من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن عزاء ومن جرعة غيظ كظمها».
وقال عليه السلام: «ليس الشديد بالصرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب».
الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ والعافين عَنِ الناس ﴾ قال القفال رحمه الله: يحتمل أن يكون هذا راجعا الى ما ذم من فعل المشركين في أكل الربا، فنهي المؤمنون عن ذلك وندبوا الى العفو عن المعسرين.
قال تعالى: عقيب قصة الربا والتداين ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ويحتمل أن يكون كما قال في الدية: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء ﴾ الى قوله: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ويحتمل أن يكون هذا بسبب غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مثلوا بحمزة وقال: لأمثلن بهم فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والكف عن فعل ما ذكر أنه يفعله من المثلة، فكان تركه فعل ذلك عفوا، قال تعالى: في هذه القصة ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصابرين ﴾ قال صلى الله عليه وسلم: «لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه».
وروي عن عيسى بن مريم صلوات الله عليه: ليس الاحسان أن تحسن الى من أحسن اليك ذلك مكافأة انما الاحسان أن تحسن الى من أساء اليك.
أما قوله تعالى: ﴿ والله يُحِبُّ المحسنين ﴾ فاعلم أنه يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، وأن تكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.
واعلم أن الإحسان إلى الغير إما أن يكون بايصال النفع اليه أو بدفع الضرر عنه.
أما إيصال النفع اليه فهو المراد بقوله: ﴿ الذين يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء والضراء ﴾ ويدخل فيه انفاق العلم، وذلك بأن يشتغل بتعليم الجاهلين وهداية الضالين، ويدخل فيه إنفاق المال في وجوه الخيرات والعبادات وأما دفع الضرر عن الغير فهو إما في الدنيا وهو أن لا يشتغل بمقابلة تلك الاساءة باساءة أخرى، وهو المراد بكظم الغيظ، وإما في الآخرة وهو أن يبرئ ذمته عن التبعات والمطالبات في الآخرة، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ والعافين عَنِ الناس ﴾ فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على جميع جهات الاحسان إلى الغير، ولما كانت هذه الأمور الثلاثة مشتركة في كونها إحسانا إلى الغير ذكر ثوابها فقال: ﴿ والله يُحِبُّ المحسنين ﴾ فان محبة الله للعبد أعم درجات الثواب.
في مصاحف أهل المدينة والشام (سارعوا) بغير واو.
وقرأ الباقون بالواو.
وتنصره قراءة أبيّ وعبد الله: وسابقوا ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يستحقان به ﴿ عَرْضُهَا السماوات والأرض ﴾ [الحديد: 1] أي عرضها عرض السموات والأرض، كقوله: ﴿ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والارض ﴾ والمراد وصفها بالسعة والبسطة، فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه.
وخص العرض، لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة، كقوله: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [الرحمن: 54] .
وعن ابن عباس رضي الله عنه: كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض ﴿ فِى السَّرَّاء والضراء ﴾ في حال الرخاء واليسر وحال الضيقة والعسر، لا يخلون بأن ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من كثير أو قليل، كما حكي عن بعض السلف: أنه ربما تصدّق ببصلة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدّقت بحبة عنب أو في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرّة، لا تمنعهم حال فرح وسرور، ولا حال محنة وبلاء، من المعروف، وسواء عليهم كان الواحد منهم في عرس أو في حبس، فإنه لا يدع الإحسان.
وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.
كظم القربة: إذا ملأها وشد فاها.
وكظم البعير: إذا لم يجتر.
ومنه كظم الغيظ، وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثراً، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً» ، وعن عائشة رضي الله عنها: أن خادماً لها غاظها فقالت: لله درّ التقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء.
﴿ والعافين عَنِ الناس ﴾ إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا» وعن ابن عيينة: أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هؤلاء في أمّتي قليل إلا من عصم الله، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت» ﴿ والله يُحِبُّ المحسنين ﴾ يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون.
وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء ﴿ والذين ﴾ عطف على المتقين.
أي أعدت للمتقين وللتائبين.
وقوله: ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الفريقين.
ويجوز أن يكون والذين مبتدأ خبره أولئك ﴿ فاحشة ﴾ فعلة متزايدة القبح ﴿ أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أو أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به.
وقيل: الفاحشة والزنا.
وظلم النفس ما دونه من القبلة واللمسة ونحوهما.
وقيل: الفاحشة الكبيرة.
وظلم النفس الصغيرة ﴿ ذَكَرُواْ الله ﴾ تذكروا عقابه أو وعيده أو نهيه، أو حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء منه ﴿ فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فتابوا عنها لقبحها نادمين عازمين ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله ﴾ وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة وإنّ التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وأنّ عدله يوجب المغفرة للتائب، لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها وردع عن اليأس والقنوط وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم.
والمعنى: أنه وحده معه مصححات المغفرة وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ ﴾ ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرّة» وروي: «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ حال من فعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معاً.
والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها وبالوعيد عليها، لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح.
وفي هذه الآيات بيان قاطع أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصروُّن.
وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم، دون المصرّين.
ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه.
قال ﴿ أَجْرُ العاملين ﴾ بعد قوله: ﴿ جَزَآؤُهُمْ ﴾ [آل عمران: 87] لأنهما في معنى واحد.
وإنما خالف بين اللفظين لزيادة التنبيه على أنّ ذلك جزاء واجب على عمل، وأجر مستحق عليه، لا كما يقول المبطلون.
وروي أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى موسى: ما أقلّ حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي.
وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة.
وعن الحسن رضي الله عنه: يقول الله تعالى يوم القيامة «جوزوا والصراط بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم» وعن رابعة البصرية رضي الله عنها أنها كانت تنشد: تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ** إنّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى اليَبَسِ والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: ونعم أجر العاملين ذلك.
يعني المغفرة والجنات ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ يريد ما سنه الله في الأمم المكذبين من وقائعه، كقوله: ﴿ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْل ﴾ [الأحزاب: 61] ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ [الفتح: 22] ، ﴿ سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ [الفتح: 23] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَسارِعُوا ﴾ بادِرُوا وأقْبِلُوا.
﴿ إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ إلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ المَغْفِرَةَ، كالإسْلامِ والتَّوْبَةِ والإخْلاصِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ سارِعُوا بِلا واوٍ.
﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ ﴾ أيْ عَرْضُها كَعَرْضِهِما، وذِكْرُ العَرْضِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِها بِالسِّعَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، لِأنَّهُ دُونَ الطُّولِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَسَبْعِ سَماواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ لَوْ وصَلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ، ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ هُيِّئَتْ لَهُمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ وإنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ.
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ.
﴿ فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴾ في حالَتَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، أوِ الأحْوالِ كُلِّها إذِ الإنْسانُ لا يَخْلُو عَنْ مَسَرَّةٍ أوْ مُضِرَّةٍ، أيْ لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ الكافِّينَ عَنْ إمْضائِهِ مَعَ القُدْرَةِ، مِن كَظَمْتُ القِرْبَةَ إذا مَلَأْتَها وشَدَدْتَ رَأْسَها.
وَعَنِ النَّبِيِّ «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا.» ﴿ والعافِينَ عَنِ النّاسِ ﴾ التّارِكِينَ عُقُوبَةَ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ».» وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ.
﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ الجِنْسَ ويَدْخُلُ تَحْتَهُ هَؤُلاءِ، والعَهْدَ فَتَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
{الذين يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ والضراء} في حال اليسر والعسر مبتدأ وعطف عليه والذين إذا فعلوا فاحشة وجعل الخبر أولئك وإن جعل وصفاً للمتقين وعطف عليه والذين إذا فعلوا فاحشة وجعل الخبر أولئك وإن جعل وصفاً للمتقين وعطف عليه والذين إذا فعلوا فاحشة أي أعدت للمتقين والتائبين فلا وقف فإن قلت الآية تدل على أن الجنة معدة للمتقين والتائبين
دون المصرين قلت جاز أن تكون معدة لهما ثم يدخلها بفضل الله وعفوه غيرها كما يقال أعدت هذه المائدة للأمير ثم قد يأكلها أتباعه ألا ترى أنه قال واتقوا النار التى أعدت للكافرين ثم قد يدخلها غير الكافرين بالاتفاق وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين وقيل المراد الإنفاق فى جميع الأحوال لانها لا تخلوا من حال مسرة ومضرة {والكاظمين الغيظ} والممسكين الغيظ عن الإمضاء يقال كظم القربة إذا ملأها وشدفاها ومنه كظم الغيظ وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثراً والغيظ توقد حرارة القلب من الغضب وعن النبي عليه السلام من كظم غيظا وهو يقدر على انقاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً {والعافين عَنِ الناس} أي إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كان أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا وعن ابن عيبنة أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه {والله يُحِبُّ المحسنين} اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون أو للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء عن الثوري الإحسان أن تحسن إلى المسئ فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ مادِحٌ لَهم، وقِيلَ: مُخَصَّصٌ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ أوْ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ ( هم ) ومَفْعُولُ ( يُنْفِقُونَ ) مَحْذُوفٌ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما يَصْلُحُ لِلْإنْفاقِ المَحْمُودِ أوْ مَتْرُوكٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي.
﴿ فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴾ أيْ في اليُسْرِ والعُسْرِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: في حالِ السُّرُورِ والِاغْتِمامِ، وقِيلَ: في الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ بِأنْ يُوصِي، وقِيلَ: فِيما يَسُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ والقَرِيبِ، وفِيما يَضُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الأعْداءِ، وقِيلَ: في ضِيافَةِ الغَنِيِّ والإهْداءِ إلَيْهِ، وفِيما يُنْفِقُهُ عَلى أهْلِ الضُّرِّ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وأصْلُ السَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَسُرُّ، والضَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَضُرُّ، والمُتَبادِرُ ما قالَهُ الحَبْرُ، والمُرادُ إمّا ظاهِرُهُما أوِ التَّعْمِيمُ كَما عُهِدَ في أمْثالِهِ، أيْ أنَّهم لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن كَثِيرٍ أوْ قَلِيلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ تَصَدَّقَ بِبَصَلَةٍ، وفي الخَبَرِ: «اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ،» «ورُدُوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحَرَّقٍ».
﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ أصْلُ الكَظْمِ شَدُّ رَأْسِ القِرْبَةِ عِنْدَ امْتِلائِها، ويُقالُ: فَلا كَظِيمٌ أيْ مُمْتَلِئٌ حُزْنًا و( الغَيْظُ ) هَيَجانُ الطَّبْعِ عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُنْكِرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغَضَبِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ الغَضَبَ يَتْبَعُهُ إرادَةَ الِانْتِقامِ البَتَّةَ، ولا كَذَلِكَ الغَيْظُ، وقِيلَ: الغَضَبُ ما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ والبَشَرَةِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ، والغَيْظُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: هُما مُتَلازِمانِ إلّا أنَّ الغَضَبَ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، والغَيْظُ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ.
والمُرادُ والمَتْجَرِّعِينَ لِلْغَيْظِ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ عِنْدَ امْتِلاءِ نُفُوسِهِمْ مِنهُ فَلا يُنْفِقُونَ مِمَّنْ يُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَيْهِمْ ولا يُبْدُونَ لَهُ ما يَكْرَهُ، بَلْ يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى الإنْفاذِ والِانْتِقامِ وهَذا هو المَمْدُوحُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ تَعالى قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْفِذَهُ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ حَتّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أيِّ الحُورِ شاءَ» وفي الأوَّلِ جَزاءٌ مِن جِنْسِ العَمَلِ، وفي الثّانِي ما هو مِن تَوابِعِهِ، وهَذا الوَصْفُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الفاعِلِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا الإنْفاقُ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا مُتَجَدِّدًا عَبَّرَ عَنْهُ بِما يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والحُدُوثَ ﴿ والعافِينَ عَنِ النّاسِ ﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ عَنْ عُقُوبَةِ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ إخْلالٌ بِالدِّينِ، وقِيلَ: عَنِ المَمْلُوكِينَ إذا أساءُوا، والعُمُومُ أوْلى.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ: ”أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى أجْرٌ فَلا يَقُومُ إلّا إنْسانٌ عَفا“ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن سَرَّهُ أنْ يُشْرِفَ لَهُ البُنْيانُ، وتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجاتُ، فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ويُعْطِ مَن حَرَمَهُ ويَصِلْ مَن قَطَعَهُ» ”.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في الآيَةِ:“ إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ " .
والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ إنْ كانَتِ القِلَّةُ عَلى ظاهِرِها ومُتَّصِلٌ إنْ كانَتْ بِمَعْنى العَدَمِ، وكَوْنُ بَعْضِ الخَصائِصِ كَثِيرًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ لا يَقْتَضِي تَفْضِيلَهم عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ومَن ظَنَّ ذَلِكَ تَكَلَّفَ في تَوْجِيهِ الحَدِيثِ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الكاظِمِينَ الغَيْظَ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِغَلَبَةِ الغَيْظِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ السّالِفَةِ لِقِلَّةِ حَمِيَّتِهِمْ ولِذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فِيما بَيْنَهم قَلِيلًا، ولِما تَمَرَّنَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى، والتَزَمُوا الِاجْتِنابَ عَنِ المُداهَنَةِ صارَ إنْفاذُ الغَيْظِ عادَتَهم فَلا يَكْظِمُونَ إذا ابْتُلُوا إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فالقَلِيلُ في الخَبَرِ هُمُ الَّذِينَ يَكْظِمُونَ لِقِلَّةِ الحَمِيَّةِ وهُمُ الكَثِيرُونَ في الأُمَمِ السّالِفَةِ فَلا اخْتِصاصَ لَهم بِمَزِيَّةٍ لِيُتَوَهَّمَ تَفْضِيلُهم عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ولَوْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ مِمّا تَأْباهُ الإشارَةُ والعِبارَةُ، وأحْسَنُ مِنهُ بَلْ لا نِسْبَةَ أنَّ الكَثْرَةَ نَظَرًا إلى مَجْمُوعِ الأُمَمِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٍ، ولا يَضُرُّ قِلَّةُ وُجُودِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فِينا بِالنَّظَرِ إلى مَجْمُوعِ الخَلائِقِ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ بُعِثَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأسْرِها قَلِيلَةٌ بِالنَّظَرِ إلى مَجْمُوعِ الأُمَمِ فَضْلًا عَنْ خِيارِها فَتَدَبَّرْ، وفي ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إشْعارٌ بِكَمالِ حُسْنِ مَوْقِعِ عَفْوِهِ عَلَيْهُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الرُّماةِ، وتَرْكِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما فَعَلُوا مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونُدِبَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَرْكِ ما عَزَمَ عَلَيْهِ مِن مُجازاةِ المُشْرِكِينَ بِما فَعَلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَتّى قالَ حِينَ رَآهُ قَدْ مُثِّلَ بِهِ: «لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مَكانَكَ» .
ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ هُنا بِصِيغَةِ الفاعِلِ أيْضًا دُونَ الفِعْلِ لِأنَّ العَفْوَ أشْبَهُ بِالكَظْمِ مِنهُ بِالإنْفاقِ.
﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ (134) تَذْيِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، و(ال) إمّا لِلْجِنْسِ والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُحْسِنِينَ عَلى ما قِيلَ: إيذانًا بِأنَّ النُّعُوتَ المَعْدُودَةَ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ «تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الإحْسانُ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ عَلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ عارٍ عَنْ وُجُوهِ القُبْحِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في جَمِيعِ تِلْكَ النُّعُوتِ مُحْسِنُونَ إلى الغَيْرِ لا في الإنْفاقِ فَقَطْ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الإحْسانِ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أنَّ جارِيَةً لِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَعَلَتْ تَسْكُبُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَتَهَيَّأ لِلصَّلاةِ فَسَقَطَ الإبْرِيقُ مِن يَدِها فَشَجَّهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَيْها فَقالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ فَقالَ لَها: قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي، قالَتْ: ﴿ والعافِينَ عَنِ النّاسِ ﴾ قالَ: قَدْ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكِ، قالَتْ: ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ: اذْهَبِي فَأنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
ثم نَعَتَ المتقين فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ الخ الآية.
نعت للمتقين.
ويقال إن كل نعت من ذلك هو نعت على حدة، فكأنه يقول: أعدت للمتقين الذين ينفقون من السراء ...
الخ.
قوله: فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أي ينفقون أموالهم في حال اليسر وفي حال العسر، وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل والضحاك: في حال السعة والشدة.
ويقال: في حال الصحة والمرض.
ويقال: فِي السَّرَّاءِ، يعني في حال الحياة.
وفي الضراء، يعني بعد الموت.
ويقال في سراء المسلمين في عرسهم وولائمهم، والضراء في نوائبهم ومآتمهم.
ويقال فِي السَّرَّاءِ يعني النفقة التي تسرّكم، مثل النفقة التي على الأولاد والأقربين وَالضَّرَّاءِ النفقة على الأعداء والكاشحين.
ويقال فِي السَّرَّاءِ يعني على الأنبياء يضيفهم ويهدي إليهم وَالضَّرَّاءِ يعني على أهل الضر يتصدق عليهم.
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ يعني المرددين الغيظ في أجوافهم، وأصله في اللغة: كظم البعير إذا رَدَّد جِرَّتَه.
ومعناه: الذين إذا أصابهم الغيظ تجاوزوا ولم يعاقبوا.
وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال الكلبي: يعني عن المملوكين.
ويقال: والعافين عن الناس بعد قدرتهم عليهم فيعفوا عنهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ من الأحرار والمملوكين، ويقال: الذين يحسنون بعد العفو ويزيدون عليه إحساناً وروي عن رسول الله أنه قال: «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ ينفذَهُ ثُمَّ لَمْ يُنفِذْهُ زَوَّجَهُ الله مِنَ الحُورِ العينِ حَيْثُ يَشَاءُ» ، وفي خبر آخر: عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلمَةٍ قَطّ إِلاّ زَادَهُ الله بِهَا عزّا» .
<div class="verse-tafsir"
مرويًّا، ومعناه: الرِّبَا الذي كانت العربُ تُضعِّف فيه الدَّيْن، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في «سورة البقرة» .
وقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، أي: أنهم المقصودُ، والمراد الأوَّل، وقد يدخُلُها سواهم من العُصَاة، هذا مذْهَبُ أهل العلْمِ في هذه الآية، وحكَى الماوَرْدِيُّ «١» وغيره، عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أَكَلَة الرِّبا، إنما توعَّدهم اللَّهُ بنارِ الكَفَرة، لا بنار العُصَاة.
وقوله سبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، قال محمَّد بْنُ إسحاق:
هذه الآية من قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ هي ابتداءُ المعاتبةِ فِي أمر أُحُدٍ، وانهزام مَنْ فَرَّ، وزوال الرماة عن مراكزهم «٢» .
وقوله تعالى: سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، قرأ نافعٌ، وابنُ عامِرٍ: سارعوا بغَيْر «واوٍ» وكذلك هي في مصاحِفِ أهل المدينة والشام، وقرأ باقي السبعة بالواو، والمُسَارَعَة: المبادرةُ، وهي مفاعلة إذ الناس كأن كلَّ واحِدٍ يُسْرِعُ لِيَصِلَ قبل غيره، فَبَيْنَهُمْ في ذلك مُفَاعَلَةٌ أَلاَ ترى إلى قوله تعالى: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
[البقرة: ١٤٨] ، والمعنى: سارعوا بالطَّاعة، والتقوى، والتقرُّب إلى ربِّكم إلى حالٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ فيها، قلْتُ: وحقٌّ على مَنْ فَهِمَ كلامَ ربِّه أنْ يبادر ويُسَارع إلى ما ندبه إلَيْه ربُّه، وألاَّ يتهاوَنَ بترك الفضائِلِ الواردَةِ في الشّرع، قال النوويّ- رحمه الله-: اعلم أنه ينبغِي لِمَنْ بلغه شيْءٌ في فضائلِ الأعمال أنْ يعمل به، ولو مَرَّةً ليكون مِنْ أهله، ولا ينبغي أنْ يتركه جملةً، بل يأتي بما تيسَّر منه لقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في الحديث المتّفق على صحّته: «وإذا
أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فافعلوا مِنْهُ مَا استطعتم» «١» .
انتهى من «الحلية» .
وقوله سبحانه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، أي: كعرض السموات والأرض، قال ابنُ عبَّاس في تفسير الآية: تقرن السمواتُ والأرَضُونَ بعضها إلى بعض كما تبسطُ الثيابُ، فذلك عَرْضُ الجَنَّة ولا يَعْلَمُ طولَهَا إلا اللَّه سبحانه «٢» وفي الحديث الصحيح عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ أَبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَسَيَأْتِي عَلَيْهَا يَوْمٌ يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا تَزْدَحِمُ الإبِلُ، إذَا وَرَدَتْ خُمُصاً ظِمَاءً» «٣» .
وفي الصحيح:
«إنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها» «٤» فهذا كلّه يقوّي
قولَ ابْنِ عَبَّاسِ، وهو قولُ الجُمْهور: «إنَّ الجنَّة أَكْبرُ من هذه المخلوقاتِ المذْكُورة، وهي ممتدَّة على السَّماء حيْثُ شاء/ اللَّه تعالى، وذلك لا يُنْكَرُ، فإن في حديث النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُونَ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إلاَّ كَدَرَاهِمَ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَمَا الكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ» «١» .
قال ع «٢» : فهذه مخلوقاتٌ أعظم بكثير جدًّا من السمواتِ والأرضِ، وقدرةُ اللَّه أعْظَمُ مِنْ ذلك كلِّه، قلتُ: قال الفَخْر: «٣» وفي الآية وجْه ثانٍ أنَّ الجنَّة التي عرضُها مثْلُ عَرْضِ السمواتِ والأرضِ، إنما تكونُ للرَّجُل الواحدِ لأن الإنسان يَرْغَبُ فيما يكون مِلْكاً له، فلا بُدَّ أَنْ تصير الجَنَّة المملوكة لكلِّ أحد مقْدَارُها هكذا.
اهـ.
وقُدْرَةُ اللَّه تعالى أوسع، وفَضْلُه أعظم، وفي «صحيح مسلم» ، والترمذيِّ، مِنْ حديث المُغَيرة بْنِ شُعْبَة «٤» (رضي اللَّه عنه) : «في سُؤَال موسى رَبَّهُ عَنْ أدنى أَهْلِ الجنّة
مَنْزِلَةً، وَأَنَّهُ رَجُلٌ يَأْتِي بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: أترضى أَنْ يَكُونَ لَكَ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟
فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الخَامِسَةِ: رَضِيتُ، أيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ ذَلِكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ، أَيْ رَبِّ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإنَّ لَكَ مَعَ هَذَا مَا اشتهت نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ» «١» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي البخاريِّ من طريقِ ابْنِ مسعودٍ (رَضِيَ اللَّه عَنه) : «إنَّ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّة، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنَ النَّارِ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَبْواً، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ادخل الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: رَبِّ، الجَنَّةُ ملأى، فَيَقُولُ لَهُ: إنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا عَشْرَ مَرَّاتٍ» «٢» .
اهـ.
وفي «جامع التِّرمذيِّ» ، عن ابنِ عُمَرَ (رضي اللَّه عنهما) ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ...
» «٣» الحديثَ، قال أبو عيسى، وقد روي هذا الحديث من غير وَجْهٍ، مرفوعًا وموقوفًا، وفي الصَّحيحِ ما معناه:
«إذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، تبقى فِيهَا فَضْلَةٌ، فَيُنْشِيءُ اللَّهُ لَهَا خَلْقاً» ، أَوْ كما قال.
اهـ.
قال ع «٤» : وخص العرض بالذِّكْر لأنه يدلُّ متى ما ذُكِرَ علَى الطُّولِ، والطُّولُ إذا ذكر لا يدُلُّ على قَدْر العَرْض، بل قد يكونُ الطَّويلُ يَسِيرَ العَرْضِ كالخَيْطِ ونحوه.
ثم وصف تعالى المتَّقِينَ الذين أعدَّتّ لهم الجنَّةُ بقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
، وهما اليُسْر والعُسْر، قاله ابن عَبَّاس «١» .
إذ الأغلَبُ أنَّ مع اليُسْر النَّشَاطَ، وسرورَ النفْسِ، ومع العُسْر الكراهيَةَ، وضُرَّ النفس، وكَظْمُ الغَيْظ: ردُّه في الجَوْفِ، إذا كاد أنْ يخرج من كثرته، ومنعه: كظْمٌ له، والكِظَامُ: السَّيْر الذي يشدُّ به فَمُّ الزِّقِّ، والغَيْظُ:
أصْلُ الغضَبِ، وكثيراً ما يتلازمَانِ ولذلك فسَّر بعض الناس الغَيْظَ بالغَضَب، وليس تحريرُ الأمر كذلك، بل الغيظُ حالٌ للنفس، لا تظهر على الجوارح، والغضبُ حالٌ لها تظهر في الجوارحِ وفِعْلٍ مَّا ولا بدَّ ولهذا جاز إسناد الغَضَب إلى اللَّه سبحانه إذ هو عبارة عن أفعاله في المغْضُوب علَيْهم، ولا يسند إلَيْه تعالى الغَيْظُ.
ووردَتْ في كظْمِ الغيظ، ومِلْكِ النفْسِ عند الغضب أحاديثُ، وذلك من أعظم العباداتِ، وجهادِ النفسِ، ففي حديثِ أبِي هريرة (رضي الله عنه) أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ قَالَ:
«مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ على إنْفَاذِهِ، مَلأَهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً» ، إلى غير ذلك من الأحاديثَ، قُلْتُ: وروى أبو داوُدَ، والترمذيُّ عن معاذِ بْنِ أَنَس «٢» (رضي اللَّه عنه) أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظاً، وَهُوَ يَقْدِرُ على أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ على رُءُوسِ الخَلاَئِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حتى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ» «٣» ، قَالَ أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ.
اهـ.
وفي روايةٍ أخرى لأبي داود: «مَلأهُ اللَّهُ أَمْناً وإيمَاناً، وَمَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جمال،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في العُسْرِ واليُسْرِ.
ومَعْنى الآَيَةِ: أنَّهم رَغِبُوا في مُعامَلَةِ اللَّهِ، فَلَمْ يَبْطُرُهُمُ الرَّخاءُ فَيُنْسِيهِمْ، ولَمْ تَمْنَعْهُمُ الضَّرّاءُ فَيَبْخَلُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: كَظَمْتُ الغَيْظَ: إذا أمْسَكْتَ عَلى ما في نَفْسِكَ مِنهُ، وكَظَمَ البَعِيرُ عَلى جَرَّتِهِ: إذا رَدَّدَها في حَلْقِهِ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الأصْلُ في الكَظْمِ: الإمْساكُ عَلى غَيْظٍ وغَمٍّ.
ورَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "ما تَجَرَّعَ عَبْدٌ جُرْعَةً أفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِن جُرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُها ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعافِينَ عَنِ النّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: أنَّهُ العَفْوُ عَنِ المَمالِيكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَّبِيعُ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ، فَهم يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَرّاءِ والضَرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ الناسِ واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "سارِعُوا" بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ الشامِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ بِالواوِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كِلا الأمْرَيْنِ شائِعٌ مُسْتَقِيمٌ، فَمَن قَرَأ بِالواوِ فَلِأنَّهُ عَطَفَ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ، ومَن تَرَكَ الواوَ فَلِأنَّ الجُمْلَةَ الثانِيَةَ مُلْتَبِسَةٌ بِالأُولى مُسْتَغْنِيَةٌ بِذَلِكَ عَنِ العَطْفِ بِالواوِ.
وأمالَ الكِسائِيُّ الألِفَ مِن قَوْلِهِ: "سارِعُوا" ومِن قَوْلِهِ: "وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ" و"نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ" في كُلِّ ذَلِكَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والإمالَةُ هُنا حَسَنَةٌ لِوُقُوعِ الراءِ المَكْسُورَةِ بَعْدَها.
والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، وهي مُفاعَلَةٌ إذِ الناسُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ يُسْرِعُ لِيَصِلَ قَبْلَ غَيْرِهِ، فَبَيْنَهم في ذَلِكَ مُفاعَلَةٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ .
وقَوْلُهُ "إلى مَغْفِرَةٍ" مَعْناهُ: سارِعُوا بِالتَقْوى والطاعَةِ والتَقَرُّبِ إلى رَبِّكم إلى حالٍ يَغْفِرُ اللهُ لَكم فِيها، أيْ يَسْتُرُ ذُنُوبَكم بِعَفْوِهِ عنها وإزالَةِ حُكْمِها، ويُدْخِلُكم جَنَّةً.
قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ومَكْحُولٌ في تَفْسِيرِ ﴿ وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ ﴾ مَعْناهُ: إلى تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ مَعَ الإمامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَقالٌ حَسَنٌ يُحْتَذى عَلَيْهِ في كُلِّ طاعَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ تَقْدِيرُهُ: كَعَرْضِ السَماواتِ والأرْضِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ أيْ كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها، فَجاءَ هَذا الِاقْتِضابُ المَفْهُومُ الفَصِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَسِبْتَ بُغامَ راحِلَتِي عَناقًا وما هي ويْبَ غَيْرِكَ بِالعَناقِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: كَأنَّ غَدِيرَهم بِجَنُوبِ سِلّى ∗∗∗ نَعامٌ قاقَ في بَلَدٍ قِفارِ التَقْدِيرُ: صَوْتَ عَناقٍ وغَدِيرُ نَعامٍ.
وأمّا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ فاخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: تُقْرَنُ السَماواتُ والأرْضُونَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ كَما يُبْسَطُ الثَوْبُ، فَذَلِكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، ولا يَعْلَمُ طُولَها إلّا اللهُ.
وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ : « "أنَّ بَيْنَ المِصْراعَيْنِ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وسَيَأْتِي عَلَيْها يَوْمٌ يَزْدَحِمُ الناسُ فِيها كَما تَزْدَحِمُ الإبِلُ إذا ورَدَتْ خُمْصًا ظِماءً"» وفي الحَدِيثِ عنهُ : « "أنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الراكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها"،» فَهَذا كُلُّهُ يُقَوِّي قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الجَنَّةَ أكْبَرُ مِن هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةِ، وهي مُمْتَدَّةٌ عَنِ السَماءِ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وذَلِكَ لا يُنْكَرُ، فَإنَّ في حَدِيثِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "ما السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُونَ السَبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَدَراهِمَ أُلْقِيَتْ في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، وما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أعْظَمُ بِكَثِيرٍ جِدًّا مِنَ السَماواتِ والأرْضِ، وقُدْرَةُ اللهِ تَعالى أعْظَمُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ.
رَوى يَعْلى بْنُ أبِي مُرَّةَ قالَ: «لَقِيتُ التَنُوخِيَّ رَسُولَ هِرَقْلَ إلى رَسُولِ اللهِ بِحِمْصَ، شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ فَنَدَ فَقالَ قَدِمْتُ عَلى النَبِيِّ ، بِكِتابِ هِرَقْلَ، فَناوَلَ الصَحِيفَةَ رَجُلًا عن يَسارِهِ فَقُلْتُ: مَن صاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟
قالُوا: مُعاوِيَةٌ، فَإذا كِتابُ هِرَقْلَ: إنَّكَ كَتَبْتَ إلَيَّ تَدْعُونِي إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأيْنَ النارُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "سُبْحانَ اللهِ، فَأيْنَ اللَيْلُ إذا جاءَ النَهارُ"؟» ورَوى قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عن طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: جاءَ رَجُلانِ مِنَ اليَهُودِ مِن نَجْرانَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ أحَدُهُما: تَقُولُونَ جَنَّةٌ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ، أيْنَ تَكُونُ النارُ؟
فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أرَأيْتَ النَهارَ إذا جاءَ أيْنَ يَكُونُ اللَيْلُ؟
واللَيْلُ إذا جاءَ أيْنَ يَكُونُ النَهارُ؟
فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّهُ لَمِثْلُها في التَوْراةِ، فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ: لِمَ أخْبَرْتَهُ؟
دَعْهُ إنَّهُ بِكُلٍّ مُوقِنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ الآثارُ كُلُّها هي في طَرِيقٍ واحِدٍ، مِن أنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَتَّسِعُ لِهَذا كُلِّهِ، وخَصَّ العَرْضَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ يَدُلُّ مَتى ذُكِرَ عَلى الطُولِ، والطُولُ إذا ذُكِرَ لا يَدُلُّ عَلى قَدْرِ العَرْضِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الطَوِيلُ يَسِيرَ العَرْضِ كالخَيْطِ ونَحْوِهِ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، وفَلاةٌ عَرِيضَةٌ.
وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ مَعْناهُ: كَعَرْضِ السَماواتِ والأرْضِ، كَما هي طِباقًا، لا بِأنْ تُقْرَنَ كَبَسْطِ الثِيابِ، فالجَنَّةُ في السَماءِ، وعَرْضُها كَعَرْضِها وعَرْضِ ما وراءَها مِنَ الأرْضِينَ إلى السابِعَةِ، وهَذِهِ الدَلالَةُ عَلى العِظَمِ أغْنَتْ عن ذِكْرِ الطُولِ.
وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ جارٍ عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ مِنَ الاسْتِعارَةِ، فَلَمّا كانَتِ الجَنَّةُ مِنَ الاتِّساعِ والِانْفِساحِ في غايَةٍ قُصْوى، حَسُنَتِ العِبارَةُ عنها بِـ (عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ)، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: هَذا بَحْرٌ، ولِشَخْصٍ كَبِيرٍ مِنَ الحَيَوانِ: هَذا جَبَلٌ، ولَمْ تَقْصِدِ الآيَةُ تَحْدِيدَ العَرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجَلَبَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ غَيْرَ مُلَخَّصٍ، وأدْخَلَ حُجَّةً عَلَيْهِ قَوْلَ العَرَبِ: أرْضٌ عَرِيضَةٌ.
ولَيْسَ قَوْلُهُمْ: أرْضٌ عَرِيضَةٌ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ إلّا في دَلالَةِ ذِكْرِ العَرْضِ عَلى الطُولِ فَقَطْ، وكَذَلِكَ فَعَلَ النَقّاشُ.
ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِلْفارِّينَ يَوْمَ أُحُدٍ: "لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً"» وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: الجَنَّةُ في السَماءِ، ويُزادُ فِيها يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا مُتَعَلَّقٌ لِمُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ وغَيْرِهِ مِمَّنْ قالَ: إنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ، وكَذَلِكَ النارُ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُما قَدْ خُلِقَتا، وهو ظاهِرُ كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" و"أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ" وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو نَصٌّ في الأحادِيثِ كَحَدِيثِ الإسْراءِ وغَيْرِهِ مِمّا يَقْتَضِي أنَّ ثَمَّ جَنَّةً قَدْ خُلِقَتْ.
وأمّا مَن يَقُولُ: يُزادُ فِيهِما فَلا تَرُدُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.
و"أُعِدَّتْ" مَعْناهُ: يُسِّرَتْ وانْتَظَرُوا بِها.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُتَّقِينَ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهُمُ الجَنَّةُ بِقَوْلِهِ: "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ"....
الآيَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مَدْحٌ بِفِعْلِ المَندُوبِ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي السَرّاءِ والضَرّاءِ" مَعْناهُ: في العُسْرِ واليُسْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إذِ الأغْلَبُ أنَّ مَعَ اليُسْرِ النَشاطَ وسُرُورَ النَفْسِ، ومَعَ العُسْرِ الكَراهِيَةَ وضُرَّ النَفْسِ.
وكَظْمُ الغَيْظِ: رَدُّهُ في الجَوْفِ إذا كادَ أنْ يَخْرُجَ مِن كَثْرَتِهِ، فَضَبْطُهُ ومَنعُهُ كَظْمٌ لَهُ، والكِظامُ: السَيْرُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُ الزَقِ والقِرْبَةِ، وكَظَمَ البَعِيرُ جِرَّتَهُ: إذا رَدَّها في جَوْفِهِ، وقَدْ يُقالُ لِحَبْسِهِ الجِرَّةَ قَبْلَ أنْ يُرْسِلَها إلى فِيهِ: كَظْمٌ، حَكاهُ الزَجّاجُ، فَقالَ: كَظَمَ البَعِيرُ والناقَةُ إذا لَمْ يَجْتَرّا، ومِنهُ قَوْلُ الراعِي: فَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ∗∗∗ مِن ذِي الأباطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَقِيلا والغَيْظُ: أصْلُ الغَضَبِ، وكَثِيرًا ما يَتَلازَمانِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ الغَيْظَ بِالغَضَبِ ولَيْسَ تَحْرِيرُ الأمْرِ كَذَلِكَ، بَلِ الغَيْظُ فِعْلُ النَفْسِ لا يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والغَضَبُ حالٌ لَها مَعَهُ ظُهُورٌ في الجَوارِحِ وفِعْلٌ ما ولا بُدَّ، ولِهَذا جازَ إسْنادُ الغَضَبِ إلى اللهِ تَعالى، إذْ هو عِبارَةٌ عن أفْعالِهِ في المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا يُسْنَدُ إلَيْهِ تَعالى غَيْظٌ، وخَلَطَ ابْنُ فُورَكٍ في هَذِهِ اللَفْظَةِ.
ووَرَدَتْ في كَظْمِ الغَيْظِ ومَلْكِ النَفْسِ عِنْدَ الغَضَبِ أحادِيثُ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ العِبادَةِ وجِهادِ النَفْسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرْعَةِ، إنَّما الشَدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "ما مِن جُرْعَةٍ يَتَجَرَّعُها العَبْدُ خَيْرٌ لَهُ وأعْظَمُ أجْرًا مِن جُرْعَةِ غَيْظٍ في اللهِ"،» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: « "مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ، مَلَأهُ اللهُ أمْنًا وإيمانًا"،» والعَفْوُ عَنِ الناسِ مِن أجَلِّ ضُرُوبِ فِعْلِ الخَيْرِ، وهَذا حَيْثُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ ألّا يَعْفُوَ، وحَيْثُ يَتَّجِهُ حَقُّهُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: "والعافِينَ عَنِ الناسِ" يُرِيدُ عَنِ المَمالِيكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَسَنٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ، إذْ هُمُ الخَدَمَةُ، فَهُمُ المُذْنِبُونَ كَثِيرًا، والقُدْرَةُ عَلَيْهِمْ مُتَيَسِّرَةٌ، وإنْفاذُ العُقُوبَةِ سَهْلٌ، فَلِذَلِكَ مَثَّلَ هَذا المُفَسِّرُ بِهِ.
وذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ فَعَمَّ هَذِهِ الوُجُوهَ وسِواها مِنَ البِرِّ، وهَذا يَدُلُّكَ عَلى أنَّ الآيَةَ في المَندُوبِ إلَيْهِ، ألا تَرى إلى سُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: "ما الإيمانُ؟
ثُمَّ قالَ: ما الإسْلامُ؟
فَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ المَفْرُوضاتِ، «ثُمَّ قالَ لَهُ: ما الإحْسانُ؟
قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ"...» الحَدِيثُ.
<div class="verse-tafsir"
قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ﴿ سارعوا ﴾ دون واو عطف.
تتنزّل جملة ﴿ سارعوا..
﴾ منزلة البيان، أو بدل الاشتمال، لِجملة ﴿ وأطيعوا الله والرسول ﴾ لأنّ طاعة الله والرّسول مسارعة إلى المغفرة والجنَّة فلذلك فُصلت.
ولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنّة يؤول إلى الأمر بالأعمال الصّالحة جاز عطف الجملة على الجملة الأمر بالطّاعة، فلذلك قرأ بقية العشرة ﴿ وسارعوا ﴾ .
بالعطف وفي هذه الآية ما ينبئنا بأنَّه يجوز الفصل والوصل في بعض الجمل باعتبارين.
والسرعة المشتقّ منها سارعوا مجاز في الحرص والمنافسة والفور إلى عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة والجنة، ويَجوز أن تكون السرعة حقيقة، وهي سرعة الخروج إلى الجهاد عند النفير كقوله في الحديث: «وإذا استُنْفِرْتُمْ فانفِرُوا».
والمسارعة، على التقادير كلّها تتعلّق بأسباب المغفرة وأسباب دخول الجنة، فتعليقها بذات المغفرة والجنة من تعليق الأحكام بالذوات على إرادة أحوالها عند ظهور عدم الفائدة في التعلّق بالذات.
وجيء بصيغة المفاعلة، مجرّدة عن معنى حصول الفعل من جانبين، قصد المبالغة في طلب الإسراع، والعرب تأتي بما يدلّ في الوضع على تكرّر الفعل وهم يريدون التأكيد والمبالغة دون التكرير، ونظيره التثنية في قولهم: لبيك وسعديك، وقوله تعالى: ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ﴾ [الملك: 4].
وتنكير (مغفرة] ووصلها بقوله: ﴿ من ربكم ﴾ مع تأتّي الإضافة بأن يقال إلى مغفرة ربّكم، لقصد الدّلالة على التَّعظيم، ووصف الجنة بأنّ عرضها السماوات والارض على طريقة التشبيه البليغ، بدليل التَّصريح بحرف التَّشبيه في نظيرتها في آية سورة الحديد.
والعَرض في كلام العرب يطلق على ما يقابل الطول، وليس هو المراد هنا، ويطلق على الاتِّساع لأنّ الشيء العريض هو الواسع في العرف بخلاف الطويل غير العريض فهو ضيق، وهذا كقول العُديل: ودونَ يدِ الحَجَّاج منْ أنْ تنالني *** بساط بأيدِي الناعِجاتتِ عرِيضُ وذِكر السماوات والأرض جار على طريقة العرب في تمثيل شدّة الاتّساع.
وليس المراد حقيقة عرض السماوات والارض ليوافق قول الجمهور من علمائنا بأن الجنَّة مخلوقة الآن، وأنَّها في السماء، وقيل: هو عرضها حقيقة، وهي مخلوقة الآن لكنّها أكبر من السماوات وهي فوق السماوات تحت العرش، وقد رُوي: العرش سقف الجنة.
وأما من قال: إن الجنّة لم تخلق الآن وستخلق يوم القيامة، وهو قول المعتزلة وبعض أهل السنّة منهم مُنذر بن سعيد البَلُّوطي الأندلسي الظاهري، فيجوز عندهم أن تكون كعرض السماوات والأرض بأن تخلق في سعة الفضاء الَّذي كان يملؤه السماوات والأرض أو في سعة فضاء أعظم من ذلك.
وأدلّة الكتاب والسنّة ظاهرة في أنّ الجنَّة مخلوقة، وفي حديث رؤيا رآها النَّبيء صلى الله عليه وسلم وهو الحديث الطويل الذي فيه قوله: «إنّ جبريل وميكاييل قالا له: ارفع رأسك، فرفع فإذا فوقه مثل السحاب، قالا: هذا منزلك، قال: فقلت: دَعاني أدخُل منزلي، قالا: إنَّه بقي لك عُمُر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك».
أعقب وصف الجنَّة بذكر أهلها لأنّ ذلك ممَّا يزيد التَّنويه به، ولم يزل العقلاء يتخيّرون حسن الجوار كما قال أبو تمام: مَنْ مُبْلِغُ أفْنَاءَ يعرُب كلّها *** أني بَنيت الجارَ قبل المنزلِ وجملةُ ﴿ أعدّت للمتّقين ﴾ استئناف بياني لأنّ ذكر الجنَّة عقب ذكر النَّار الموصوفة بأنَّها أعدّت للكافرين يثير في نفوس السامعين أن يتعرّفوا مَن الذين أعدّت لهم: فإن أريد بالمتَّقين أكمل ما يتحقّق فيه التَّقوى، فإعدادها لهم لأنَّهم أهلها فضلاً من الله تعالى الّذين لا يلجون النار أصلاً عدلاً من الله تعالى فيكون مقابلَ قوله: ﴿ واتقوا النار التي أُعدت للكافرين ﴾ [آل عمران: 131]، ويكون عصاة المؤمنين غير التَّائبين قد أخذوا بحظّ من الدارين، لمشابهة حالهم حالَ الفريقين عدلاً من الله وفضلاً، وبمقدار الاقتراب من أحدهما يكون الأخذ بنصيب منه، وأريد المتّقون في الجملة فالإعداد لهم باعتبار أنَّهم مقدّرون من أهلها في العاقبة.
وقد أجرى على المتَّقين صفات ثناءٍ وتنويه، هي ليست جماع التَّقوى، ولكن اجتماعها في محلّها مؤذن بأنّ ذلك المحلّ الموصوف بها قد استكمل ما به التقوى، وتلك هي مقاومة الشحّ المُطاع، والهوَى المتَّبع.
الصفة الأولى: الإنفاق في السَّراء والضّراء.
والإنفاق تقدّم غير مرّة وهو الصدقة وإعطاء المال والسلاح والعُدة في سبيل الله.
والسرّاء فَعْلاء، اسم لمصدر سرّه سَرّاَ وسُروراً.
والضّراء كذلك من ضَرّه، أي في حالي الاتّصاف بالفرح والحزن، وكأنّ الجمعَ بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة مَوجدة.
فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تَدلّ على أنّ محبَّة نفع الغير بالمال، الَّذي هو عزيز على النَّفس، قد صارت لهم خلقاً لا يحجبهم عنه حاجب ولا ينشأ ذلك إلاّ عن نفس طاهرة.
الصفة الثَّانية: الكاظمين الغيظ.
وكظم الغيظ إمساكه وإخفاؤه حتَّى لا يظهر عليه، وهو مأخوذ من كظم القربة إذا ملأها وأمسك فمها، قال المبرّد: فهو تمثيل للإمساك مع الامتلاء، ولا شكّ أن أقوى القوى تأثيراً على النَّفس القوّة الغاضبة فتشتهي إظهار آثار الغضب، فإذا استطاع إمساكَ مظاهرها، مع الامتلاء منها، دلّ ذلك على عزيمة راسخة في النَّفس، وقهرِ الإرادةِ للشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة.
الصفّة الثالثة: العفو عن النَّاس فيما أساؤوا به إليهم.
وهي تكملة لصفة كظم الغيظ بمنزلة الاحتراس لأنّ كظم الغيظ قد تعترضه ندامة فيستعدي على من غاظه بالحقّ، فلمَّا وصفوا بالعفو عمّن أساء إليهم دلّ ذلك على أنّ كظم الغيظ وصف متأصّل فيهم، مستمرّ معهم.
وإذا اجتمعت هذه الصفّات في نفسسٍ سهل ما دونها لديها.
وبجماعها يجتمع كمال الإحسان ولذلك ذيل الله تعالى ذكرها بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ لأنه دال على تقدير أنهم بهذه الصفات محسنون والله يحبّ المحسنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا ﴾ يُرِيدُ بِالأكْلِ الأخْذَ، والرِّبا زِيادَةُ القَدْرِ مُقابَلَةً لِزِيادَةِ الأجَلِ، وهو رِبا الجاهِلِيَّةِ المُتَعارَفُ بَيْنَهم بِالنَّساءِ.
﴿ أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ وهو أنْ يَقُولَ لَهُ بَعْدَ حُلُولِ الأجَلِ: إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ ضاعَفَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَفْعَلُ كَذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِهِ مِن بَعْدُ حَتّى تَصِيرَ أضْعافًا مُضاعَفَةً.
﴿ واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ فَدَلَّ أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ الَّتِي يُسْتَحَقُّ عَلَيْها الوَعِيدُ بِالنّارِ.
واخْتَلَفُوا في نارِ آكِلِ الرِّبا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها كَنارِ الكافِرِينَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ تَمَسُّكًا بِالظّاهِرِ.
والثّانِي: أنَّها ونارَ الفُجّارِ أخَفُّ مِن نارِ الكُفّارِ، لِما بَيْنَهُما مِن تَفاوُتِ المَعاصِي.
﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ أمّا الفاحِشَةُ هَهُنا فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَبائِرُ مِنَ المَعاصِي.
والثّانِي: الرِّبا وهو قَوْلُ جابِرٍ والسُّدِّيِّ.
﴿ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّغائِرُ مِنَ المَعاصِي.
﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم ذَكَرُوهُ بِقُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَنْسَوْهُ، لِيُعِينَهم ذِكْرُهُ عَلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ.
والثّانِي: ذَكَرُوا اللَّهَ قَوْلًا بِأنْ قالُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ سَهَّلَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ما شَدَّدَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، إذْ كانُوا إذا أذْنَبَ الواحِدُ مِنهم أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ مِن كَفّارَةِ ذَنْبِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَجُعِلَ الِاسْتِغْفارُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ.
﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الإصْرارُ عَلى المَعاصِي، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ مُواقَعَةُ المَعْصِيَةِ إذا هَمَّ بِها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: السُّكُوتُ عَلى المَعْصِيَةِ وتَرْكُ الِاسْتِغْفارِ مِنها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الذَّنْبُ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.
﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم قَدْ أتَوْا مَعْصِيَةً ولا يَنْسَوْنَها، وقِيلَ: مَعْناهُ وهم يَعْلَمُونَ الجِهَةَ في أنَّها مَعْصِيَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء ﴾ يقول: في العسر واليسر ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ يقول: كاظمون على الغيظ كقوله: ﴿ وإذا ما غضبوا هم يغفرون ﴾ [ الشورى: 37] يغضبون في الأمر لو وقعوا فيه كان حراماً فيغفرون ويعفون، يلتمسون وجه الله بذلك ﴿ والعافين عن الناس ﴾ كقوله: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة...
﴾ [ النور: 22] الآية.
يقول: تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة واعفوا واصفحوا.
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله والكاظمين الغيظ ما الكاظمون؟
قال: الحابسون الغيظ قال عبد المطلب بن هاشم: فخشيت قومي واحتبست قتالهم ** والقوم من خوف قتالهم كظم وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قال عن المملوكين.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قال: يغيظون في الأمر فيغفرون ويعفون عن الناس، ومن فعل ذلك فهو محسن ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عند ذلك «هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصمه الله، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة في قوله: ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأه الله أمنا وإيماناً» .
وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد.
ما كظم عبد الله إلا ملأ الله جوفة إيماناً» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر.
مثله.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحوَّر شاء» .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب» .
وأخرج البيهقي عن عامر بن سعد «أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بناس يتحادون مهراساً فقال: أتحسبون الشدة في حمل الحجارة؟
إنما الشدة أن يمتلئ الرجل غيظاً ثم يغلبه» .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: يقال يوم القيامة ليقم من كان له على الله أجر، فما يقوم إلا إنسان عفا.
وأخرج الحاكم عن أبي بن كعب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه، ويعطِ من حرمه، ويصل من قطعه» .
وأخرج البيهقي عن علي بن الحسين، أن جارية جعلت تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت: إن الله يقول ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ قال: قد كظمت غيظي قالت ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قال: قد عفا الله عنك قالت ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ قال: اذهبي فأنت حرة.
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن عائشة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وجبت محبة الله على من أغضب فحلم» .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن عبسة «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما الإيمان؟
فقال: الصبر، والسماحة، وخلق حسن» .
وأخرج البيهقي عن كعب بن مالك «أن رجلاً من بني سلمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فقال: حسن الخلق.
ثم راجعه الرجل فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حسن الخلق.
حتى بلغ خمس مرات» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي وضعفه عن جابر قال: «قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الشؤم؟
قال: سوء الخلق» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب وضعفه عن عائشة مرفوعاً قال: «الشؤم سوء الخلق» .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن أنس بن مالك قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد» .
وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم «الخلق السوء يفسد الإيمان كما يفسد الصبر الطعام» قال أنس: وكان يقال: إن المؤمن أحسن شيء خلقاً.
وأخرج ابن عدي والطبراني والبيهقي وضعفه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وان الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل» .
وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن حسن الخلق يذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد، وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الصبر العسل» .
وأخرج البيهقي وضعفه عن طريق سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسن الخلق زمام من رحمة الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك، والملك يجره إلى الخير، والخير يجره إلى الجنة.
وسوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان، والشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن أبي هريرة: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء يقول: والله ما حسن الله خلق رجل ولا خلقه فتطعمه النار» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن أبي هريرة: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سعادة ابن آدم حسن الخلق، ومن شقوته سوء الخلق» .
وأخرج الخرائطي والبيهقي عن ابن عمرو قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء يقول: اللهم إني أسألك الصحة، والعفة، والأمانة، وحسن الخلق، والرضا بالقدر» .
وأخرج أحمد والبيهقي بسند جيد عن عائشة قالت «كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللَّهم كما حسنت خلقي فاحسن خلقي» .
وأخرج الخرائطي والبيهقي عن أبي مسعود البدري قال: «كان من النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللَّهم حسنت خلقي فاحسن خلقي» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» .
وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة: «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كرم المرء دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان هيناً قريباً حرمه الله على النار» .
وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مرني ولا تكثر فلعلي أعقله فقال: لا تغضب.
فأعاد عليه فقال: لا تغضب» .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن جارية بن قدامة قال: «قلت: يا رسول الله قل لي قولاً ينفعني واقلل لعلي أعقله قال: لا تغضب» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبعدني من غضب الله؟
قال: لا تغضب» .
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة إلى مغيربان الشمس، حفظها ونسيها من نسيها، وأخبر ما هو كائن إلى يوم القيامة، «حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا خضرة حلوة، وان الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون.
ألا فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء.
ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى، فمنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً.
ألا إن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم.
ألم تروا إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؟
فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئاً فليلزق بالأرض.
ألا إن خير الرجال من كان بطيء الغضب، سريع الفيء.
وشر الرجال من كان بطيء الفيء، سريع الغضب.
فإذا كان الرجل سريع الغضب سريع الفيء فانها بها، وإذا كان بطيء الغضب بطيء الفيء فإنها بها.
ألا وإن خير التجار من كان حسن القضاء حسن الطلب، وشر التجار من كان سيء القضاء سيء الطلب.
فإذا كان الرجل حسن القضاء سيء الطلب فإنها بها، وإذا كان الرجل سيء القضاء حسن الطلب فإنها بها.
ألا لا يمنعن رجلاً مهابة الناس أن يقول بالحق إذا علمه.
ألا إن لكل غادر لواء بقدر غدرته يوم القيامة.
ألا وإن أكبر الغدر أمير العامة.
ألا وإن أفضل الجهاد من قال كلمة الحق عند سلطان جائر.
فلما كان عند مغرب الشمس قال: ألا إن ما بقي من الدنيا فيما مضى منه كمثل ما بقي من يومكم هذا فيما مضى» .
وأخرج الحكيم في نوادر الأصول والبيهقي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «قلت: يا رسول الله أخبرني بوصية قصيرة فألزمها قال: لا تغضب يا معاوية بن حيدة، ان الغضب ليفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل» .
وأخرج الحكيم عن ابن مسعود قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الغضب ميسم من نار جهنم يضعه الله على نياط أحدهم.
ألا ترى أنه إذا غضب احمرت عيناه، واربَدَّ وجهه، وانتفخت أوداجه؟» .
وأخرج البيهقي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم.
ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه، وحمرة عينيه؟
فمن حس من ذلك شيئاً فإن كان قائماً فليقعد، وان كان قاعداً فليضطجع» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن الحسن قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ كظمها رجل، أو جرعة صبر عند مصيبة.
وما قطرة أحب إلى الله من قطرة دمع من خشية الله أو قطرة دم في سبيل الله» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: ثلاث كلهن حق: ما من أحد يظلم مظلمة فيغض عنها إلا زاده الله بها عزا، وما من أحد يفتح باب مسألة ليزداد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة، وما من أحد يفتح باب عطية أو صلة إلا زاده الله بها كثرة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمرو قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً، ولا متفحشاً، وكان يقول: «إن من خياركم أحاسنكم أخلاقاً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والبزار وابن حبان والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الدرداء «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أعطيَ حظه من الرفق أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الخير، وقال: ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة» .
وأخرج الترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الزهد عن أبي هريرة قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخلق.
وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الأجوفان.
الفم والفرج» .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن عائشة قالت «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله» .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه عن عائشة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات القائم الليل الصائم النهار» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليبلغ العبد بحسن الخلق درجة الصوم والصلاة» .
وأخرج الطبراني والخرائطي عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرفات المنازل وأنه لضعيف العبادة وأنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درجة في جهنم» .
وأخرج أحمد والطبراني والخرائطي عن ابن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوّام القوّام بآيات الله بحسن خلقه وكرم ضريبته» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الصمت عن صفوان بن سليم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها علىلبدن.
الصمت وحسن الخلق» .
وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن العلاء بن الشخير «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟
قال: حسن الخلق.
ثم أتاه عن يمينه فقال: أي العمل أفضل؟
قال: حسن الخلق ثم أتاه عن شماله فقال: أي العمل أفضل؟
قال: حسن الخلق، ثم أتاه من بعده يعني من خلفه فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟
فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك لا تفقه...
!
حسن الخلق أفضل.
لا تغضب إن استطعت» .
وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة عن أبي أُمامة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» .
وأخرج الترمذي وحسنه والخرائطي في مكارم الأخلاق عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً» .
وأخرج الطبران عن عمار بن ياسر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسن الخلق خلق الله الأعظم» .
وأخرج الطبراني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أوحى الله إلى إبراهيم عليه السلام: «يا خليلي حسن خلقك ولو مع الكفار تدخل مع الأبرار، فإن كلمتي سبقت لمن حسن خلقه أن أظله تحت عرشي، وأن أسقيه من حظيرة قدسي، وأن أدنيه من جواري» .
وأخرج أحمد وابن حبان عن ابن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟
قالوا: نعم.
يا رسول الله قال: أحسنكم خلقاً» .
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى والطبراني بسند جيد عن أنس قال: «لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا أدلُّك على خصلتين هما أخف على الظهر، وأثقل في الميزان من غيرهما؟
قال: بلى يا رسول الله الله قال: عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما» .
وأخرج أبو الشيخ بن حيان في الثواب بسند رواه عن أبي ذر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر ألا أدلك على أفضل العبادة، وأخفها على البدن، وأثقلها في الميزان، وأهونها على اللسان؟
قلت: بلى، فذاك أبي وأمي قال: عليك بطول الصمت، وحسن الخلق، فإنك لست بعامل بمثلهما» .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا الدرداء ألا أنبئك بأمرين خفيفةٍ مؤنتُهما عظيم أجرُهما، لم تلق الله عز وجل بمثلهما؟
طول الصمت، وحسن الخلق» .
وأخرج البزار وابن حبان عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخياركم؟
قالوا: بلى يا رسول الله قال: اطولكم اعماراً، وأحسنكم اخلاقاً» .
وأخرج الطبراني وابن حبان عن اسامة بن شريك قال: «قالوا: رسول الله ما خير ما أُعطي الإنسان؟
قال: خلق حسن» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني بسند جيد عن جابر بن سمرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً» .
وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عمرو أن معاذ بن جبل أراد سفراً فقال: «يا نبي الله أوصني قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئاً قال: يا نبي الله زدني قال: إذا أسأت فأحسن.
قال: يا نبي الله زدني قال: استقم ولتحسن خلقك» .
وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححاه والخرائطي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبعِ السيئة الحسنة تمحُها، وخالقِ الناس بخلق حسن» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه الأخلاق من الله، فمن أراد به خيراً منحه خلقاً حسناً، ومن أراد به سوءاً منحه خلقاً سيئاً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن حبان والطبراني عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني في الآخرة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني في الآخرة أسوأكم أخلاقاً الثرثارون، المتشدقون، المتفيقهون» .
وأخرج البزار والطبراني والخرائطي عن أنس قال: قالت: أم حبيبة «يا رسول الله المرأة يكون لها زوجان ثم تموت فتدخل الجنة هي وزوجاها لأيهما تكون.
للأوّل أو للآخر؟
قال: تخير فتختار أحسنهما خلقاً كان معها في الدنيا يكون زوجها في الجنة، يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» .
وأخرج الطبراني في الصغير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء إلا له توبة إلا صاحب سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه» .
وأخرج أبو داود والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «اللهمَّ إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق» .
وأخرج الخرائطي عن جرير بن عبد الله قال: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فحسن خلقك» .
وأخرج الخرائطي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خياركم أحاسنكم أخلاقاً» .
وأخرج الخرائطي عن عائشة قالت: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان حسن الخلق رجلاً يمشي في الناس لكان رجلاً صالحاً» .
وأخرج الخرائطي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: «ثلاث من لم تكن فيه أو واحدة منهن فلا يعتدن بشيء من عمله.
تقوى تحجزه عن معاصي الله عز وجل، أو حلم يكف به السفيه، أو خلق يعيش به في الناس» .
وأخرج الخرائطي عن عائشة قالت «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اليمن حسن الخلق» .
وأخرج الخرائطي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سعادة ابن آدم حسن الخلق» .
وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحسن الحسن الخلق الحسن» .
وأخرج الخرائطي عن الفضيل بن عياض قال: «إذا خالطت الناس فخالط الحسن الخلق فإنه لا يدعو إلا إلى خير» .
وأخرج أحمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الدنيا والآخرة، وصلة الرحم.
وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمران الديار ويزيدان في الاعمار» .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة قالت «قال النبي صلى الله عليه وسلم: الرفق يمن، والخرق شؤم، وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب الرفق.
إن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، وإن الخرق لم يكن في شيء قط إلا شأنه، وإن الحياء من الإيمان، وإن الإيمان في الجنة.
ولو كان الحياء رجلاً كان رجلاً صالحاً، وإن الفحش من الفجور، وإن الفجور في النار، ولو كان الفحش رجلاً يمشي في النار لكان رجلاً سوءاً» .
وأخرج أحمد في الزهد عن أم الدرداء قالت: بات أبو الدرداء ليلة يصلي، فجعل يبكي ويقول: اللهمَّ أحسنت خلقي فاحسن خلقي.
حتى إذا أصبح فقلت: يا أبا الدرداء أما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق؟
فقال: يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسوء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكمل الناس إيماناً أحسنهم خلقاً، وأفضل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم» .
وأخرج تمام في فوائده وابن عساكر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيار أمتي خمسمائة والابدال أربعون، فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون ينقصون، وكلما مات بدل ادخل الله عز وجل من الخمسمائة مكانه وادخل في الأربعين مكانهم، فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون ينقصون فقالوا: يا رسول الله دلنا على أعمال هؤلاء فقال: هؤلاء يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويواسون مما آتاهم الله.
قال: وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ﴾ » .
وأخرج ابن لال والديلمي عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت ليلة أسري بي قصوراً مستوية على الجنة فقلت: يا جبريل لمن هذا؟
فقال: ﴿ للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ﴾ » <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ قال ابن عباس (١) وهذه الآية من صفة المُتَّقِين الذين أعِدت لهم الجَنَّة.
وأول ما وصفهم الله تعالى به: الإنفاق في كل حال.
وهو من أقسام السَّخَاء.
وقوله تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ يقال: (كَظَمَ غَيْظَه): إذا سكت عليه، ولم يُظْهِرْهُ بقول أو فِعْلٍ (٢) قال المُبَرِّد (٣) (٤) (٥) قال أبو زيد (٦) (٧) (٨) و (فلانٌ كَظِيْمٌ)، و (مَكْظُومٌ): إذا كان ممتلئا (٩) ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .
يوسف: 84.
وقوله: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ، [الزخرف: 17].
وقوله: ﴿ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ .]].
ويقال للقناة (١٠) (١١) (١٢) ومنه يقال: (أَخَذَ بكَظْمِهِ): إذا أخذ بمجرى نَفَسِهِ؛ لأنه موضع الامتلاء بالنَّفَسِ.
و (كَظَمَ البعِيرُ والنَّاقَةُ، كُظُومًا): إذا أَمْسَكا على ما في جَوْفِهما ولم يَجْتَرَّا (١٣) قال الراعي: فَأَفَضْنَ (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) قَد تَكْظِمُ البُزْلُ مِنه حين تُبْصِرهُ ...
حتَّى تَقَطَّعَ في أجوافها الجِرَرُ (١٨) ومعنى ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ : الكافِّينَ غَضَبَهم (١٩) (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ قال ابن عباس (٢٢) وقال زيد بن أسلم (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال ابن عباس (٢٥) قال الثَّوْرِي في هذه الآية (٢٦) (٢٧) (٢٨) وصدَقَ؛ فإنَّ الله -تعالى- عقَّبَ وَصْفَ هؤلاء بالكَظْمِ والعَفْوِ، بِحُبِّهِ المحسنين.
وفي ذلك دليل على أن هؤلاء محسنون، والأوصاف التى وُصِفوا بها، كلُّها إحسانٌ إلى مَن أساء إليهم.
(١) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 93، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 762.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 469، و"تهذيب اللغة" 4/ 3151 (كظم)، و"الزاهر" 2/ 344.
(٣) لم أقف على مصدر قوله.
(٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
(٥) في (أ)، (ب)، (ج): (حره).
وما أثبتُّ هو الصواب.
(الجِرَّةُ): هي ما يخرجه البعير من كرشه، ويَجْترّه؛ أي: يردده في حلقه.
انظر: (جر) في: "تهذيب اللغة": 1/ 578، و"اللسان": 1/ 594 (جرر).
وقولهم: (ما يَكظِمُ فلانٌ على جِرَّةٍ)، مَثَلٌ يُضرَب لِمن لا يَكتِمُ سِرًا.
ومثله: (ما يَخنُق فلان على جِرَّةٍ) كما في: النوادر لأبي زيد.
وفي: "اللسان": (ما يَحْنَق ..).
انظر: "النوادر" لأبي زيد 132، و"جمهرة الأمثال" للعسكري 2/ 234، و"مجمع الأمثال" للميداني 3/ 288، و"اللسان" 1/ 594.
(٦) لم أقف على مصدر قوله.
(٧) في (أ)، (ب): (شددت).
والمثبت من (ج)، ومن "تفسير الفخر الرازي" 9/ 7؛ حيث أورد هذا النص بتمامه.
(٨) في (ج): (تشده).
(٩) في (ج): (ممكا).
(١٠) في (أ): (الفتاة).
والمثبت من (ب)، (ج) وكتب اللغة.
(١١) ما بين المعقوفين غير مقروء تماما في (أ).
والمثبت من: (ب)، (ج)، وكتب اللغة.
(١٢) الأثر ورد في: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 269 (ط.
السلفية)، و"تهذيب اللغة" 4/ 315 (كظم)، و"الفائق" للزمخشري 3/ 263، و"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" 3/ 50، و"غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 291، و"النهاية في غريب الحديث" 4/ 178.
ولم أقف عليه في غيرها من مصادر الحديث.
وكل المراجع السابقة أوردته غير مسند وصرحت بأنه حديث، إلا في "المجموع المغيث" حيث قال: (ومنه قول عبد الله بن عمرو ..).
وفي (الفائق)، للزمخشري، و"غريب الحديث"، لأبي عبيد أورداه من حديث عبد الله بن عُمَر ما.
وفي "المجموع المغيث"، و"النهاية" عبد الله بن عَمْرو ما.
ولكن أشار محقق "غريب الحديث" لأبي عبيد، إلى أنه في نسخة أخرى للكتاب، ورد: (ومنه حديث عبد الله بن عَمرو).
ثم ذكرت هذه النسخةُ السندَ، وهو: (حدثنيه هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه عن عبد الله بن عَمْرو، قال: ..).
أقول: وهذا هو الصواب؛ لأن عطاء والد يَعْلى، وهو عطاء العامري الطائفي روى عن ابن عمرو بن العاص وروى عنه ابنه يعلى، كما في "تهذيب التهذيب" 3/ 111.
ونصه عند أبي عبيد: (إذا رأيت مكة قد بُعِجت كظائم، وساوى بناؤها رؤوس الجبال، فاعلم أن الأمر قد أظللك، فخذ حذرك).
"غريب الحديث": 1/ 169، وانظر: المصادر السابقة التي أوردت الأثر.
و (الكظائم)، جمع: كِظَامَة، وهي: آبارٌ تُحفَر، ويُباعَد ما بينها، ثم يُحفَر ما بين كل بئرين بقناة مِن تحت الأرض، توصِل الماءَ مِن الأولى إلى التي تليها، حتى يجتمع الماءُ في أخراهن.
انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 163، والمصادر السابقة التي أوردت الأثر.
(١٣) انظر المعاني السابقة و (كظم) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3151، و"المقاييس" 5/ 184 - 185، و"اللسان" 7/ 3886 وما بعدها.
(١٤) في (أ)، (ب)، (ج): (فأفرضن).
والمثبت من مصادر البيت التالية.
(١٥) البيت في "ديوانه" 224.
وقد ورد منسوبًا له في: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 469، و"جمهرة أشعار العرب" (333)، و"الزاهر" 2/ 344، و"مجالس العلماء" 39، 80، و"تهذيب اللغة" 4/ 3151 (كظم)، و"الفهرست" 86، و"مقاييس اللغة" 1/ 226 (برق)، 2/ 88 (حقل)، 4/ 465 (فيض)، و"المجمل" 245 (حقل)، و"معجم ما استعجم" 2/ 460، و"أساس البلاغة" 2/ 222 (فيض)، و"المحرر الوجيز" 3/ 326، و"إنباه الرواة" 2/ 321، و"معجم البلدان" 2/ 279 (حقيل)، و"تفسير القرطبي" 4/ 206، و"اللسان" 6/ 3500 وما بعدها (فيض)، و2/ 947 (حقل)، و7/ 3886 وما بعدها (كظم).
وورد غير منسوب في: "جمهرة اللغة" 558، و"الصحاح" 3/ 1100 (فيض).
وقد ورد في كل المصادر السابقة: (من ذي الأبارق).
وقال البكري: (ورواه أبو حاتم: (من ذي الأباطح)، قال: وهو واد في بني عامر).
"معجم ما استعجم" 2/ 460.
وورد في "جمهرة أشعار العرب": (أو رَعَيْن ..).
ومعنى البيت: أي: دفعن بالجِرَّةِ من كروشهن، فاجتررنها بعد أن كُنَّ كُظُومًا لا يجتررن.
و (ذي الأبارق) -على الرواية الأخرى-: موضع.
أي: أن هذه الجِرَّة التي اجتررنها أصلها مما رعينه من هذه الموضع.
و (حقيل): موضع.
وقيل: نبت.
وقيل: جبل في (ذي الأبارق).
انظر: "الزاهر" 2/ 344، و"اللسان" 2/ 947 (حقل)، 7/ 3886 (كظم)، و"معجم البلدان" 2/ 279 (حقيل).
(١٦) هو أعشى باهلة (عامر بن الحرث)، وليس الأعشى الكبير (ميمون بن قيس).
(١٧) في (ج): (فهي).
(١٨) البيت ورد منسوبًا له في: "الأصمعيات" 89، و"الكامل" للمبرد 4/ 65، و"جمهرة أشعار العرب" (255)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 118 أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 206، و"خزانة الأدب" 1/ 194.
وقد اختلفت روايات البيت، فقد ورد في بعض المصادر: (وتفزع الشَّوْلُ منه حين تبصره ...
حتى تقطع في أعناقها الجرر).
وورد: (وتفزع الشول منه حين يفجؤها)، وورد: (قد تكظم البَرْك منها حين يفجؤها).
والبيت من قصيدة يرثي بها أخاه المنتشِر بن وهب الباهلي.
انظر خَبَرَة في: "الكامل": 4/ 64 - 65.
و (البُزْل): جمع: بازِل.
وهو -من الإبل-: الداخل في السنة التاسعة، وفطر نابه.
وتُجمَع -كذلك- على: (بُزَّل)، و (بوازل).
ومعناه: أن الإبل قد تعودت على أن يَعقِرَ منها، فإذا رأته كظمت على جِرَّتها فزعا منه.
و (البَرْك): -على الرواية الأخرى-: جمع بارك.
و (الشَوْل): جمع: شائلة، وهي -من الإبل-: ما أتى عليها من حملها أو وضعها سبعة أشهر، فجف لبنها.
انظر: "المصباح المنير" 19 (بزل)، و"القاموس" (1021) (شول).
(١٩) في (ب)، (ج): (غضبهم).
(٢٠) قال ابن عطية: (و (الغيظ) أصل الغضب، وكثيرًا ما يتلازمان، ولذلك فسر بعض الناس (الغيظ) بـ (الغضب)، وليس تحرير الأمر كذلك، بل الغيظ فعل النفس، لا يظهر على الجوارح، والغضب حال بها معه ظهور في الجوارح، وفعل ما ولا بد).
"المحرر الوجيز" 3/ 327، وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 207، و"البحر المحيط" 3/ 58.
(٢١) قال الإمام ابن حِبَّان البُسْتي: (الحِلْم: اسم يقع على زَمِّ النفس عن الخروج - عند الورود عليها ضد ما تحب- إلى ما نُهِي عنه).
"روضة العقلاء" 252.
(٢٢) لم أقف على مصدر قوله.
وقد ورد في "تنوير المقباس" 56، و"زاد المسير" 1/ 461.
وبهذا قال: الربيع، والكلبي، ومكحول، وأبي العالية.
انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 763، و"بحر العلوم" 1/ 299، و"تفسير الثعلبي" 3/ 118 ب، و"زاد المسير" 1/ 461.
وقد ورد عن ابن عباس حول هذه الآية قوله: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ كقوله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ﴾ إلى ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئاً واعفوا واصفحوا).
"تفسير الطبري" 4/ 94، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 763.
(٢٣) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 118 ب، و"البغوي" 2/ 105، و"زاد المسير" 1/ 461.
(٢٤) (ومقاتل): ساقطة من (ج).
ولم أقف على مصدر قوله.
وقد ورد في: "زاد المسير" 1/ 461، و"تفسير البغوي" 2/ 105.
(٢٥) لم أقف على مصدر قوله.
(٢٦) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 119 أ.
والثوري، هو: أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق.
أمير المؤمنين في الحديث، ولد في الكوفة سنة (97 هـ)، ونشأ بها، مشهور بالورع والعلم، مُجْمَع على إمامته، مات بالبصرة سنة (161 هـ).
انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 151، و"وفيات الأعيان" 2/ 386، و"تهذيب التهذيب" 2/ 56.
(٢٧) في (أ)، (ب): (متأخره).
وفي (ج): (مناحرة).
والمثبت من:"تفسير الثعلبي".
(٢٨) يعني رحمه الله: أن الإحسان إلى من أحسن إليك لا يُسَمَّى إحسانًا، بل يُعَد من قبيل المكافأة؛ لأنَّ ذلك بمثابة أن تعطي من سبق له أن أعطاك؛ وترد الفضلَ له؛ لما سبق أن أولاك من فضل.
ويسميه الثوري -هنا- متاجرة، لأنه كالمقايضة، والأخذ والعطاء.
قال ابن حِبان: وما الفضل إلا للمحسن إلى المسيء، فأما من أحسن إلى المحسن وحلُمَ عمن لم يؤذه؛ فليس ذلك بحِلْم ولا إحسان.
"روضة العقلاء" ص 254.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فِي السَّرَّآءِ والضرآء ﴾ في العسر واليسر ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ حذف مفعوله وتقديره: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ خطاب للمؤمنين تأنيساً لهم وقيل: للكافرين تخويفاً لهم ﴿ فانظروا ﴾ من نظر العين عند الجمهور وقيل: هو بالفكر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
﴿ قرح ﴾ بالضم حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة.
الباقون بالفتح.
الوقوف: ﴿ مضاعفة ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفحلون ﴾ ه ج للعطف ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ومن قرأ ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو فوقه مطلق ﴿ والأرض ﴾ ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدّة.
﴿ للمتقين ﴾ لا لأن الذين صفتهم.
﴿ عن الناس ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ج ه لأن والذين يصلح مبتدأ وخبره ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ فلا وقف على ﴿ يعلمون ﴾ ويصلح معطوفاً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على ﴿ يعلمون ﴾ لينصرف عموم أولئك إلى المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله.
والوقف لطول الكلام على ﴿ لذنوبهم ﴾ للابتداء بالاستفهام وعلى ﴿ إلا الله ﴾ لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا أنت ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ سنن ﴾ لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار بالتبار.
﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ بين الناس ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوفة أي ليعتبروا ﴿ وليعلم شهداء ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ لا للعطف على ﴿ ليعلم ﴾ ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد النهي عن ذلك نظراً لهم ورحمة عليهم.
وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد.
وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافاً لما علم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد من تضعيفه.
كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ فيه أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه.
فلو أكل ولم يتق زال الفلاح.
ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار / المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.
وكون النار معدّة للكافرين لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين.
لم يمتنع من أن تركبها لبعض حوائجك.
ومثله قوله في صفة الجنة: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ فإنه لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور.
﴿ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء فهو ليس أهلاً للرحمة.
وغيرهم يحمل الآية على الزجر والتخويف ﴿ وسارعوا ﴾ معطوف على ما قبله.
ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: ﴿ سارعوا ﴾ وقوله: ﴿ أطيعوا الله ﴾ كالشيء الواحد لأنهما متلازمان.
وتمسك كثير من الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم.
ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل المنهيات وهذا قول عكرمة.
وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض.
وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات.
وعن أبي العالية أنه الهجرة.
وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام قصة أحد.
وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن الربا.
ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب.
والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين.
ثم وصف الجنة بأن عرضها السموات، ومن البيّن أن نفس السموات لا تكون عرضاً للجنة، فالمراد كعرض السموات لقوله في موضع آخر ﴿ عرضها كعرض السماء ﴾ والمراد المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ونظيره ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ لأنها أطول الاشياء بقاء عندنا.
وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقاً طبقاً بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله .
وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكاً له، فلا بد أن تكون الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا.
وقال أبو مسلم: معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا.
معناه لو عرضت السموات والأرض على / سبيل البيع لكاتنا ثمناً للجنة.
والأكثرون على أن المراد بالعرض ههنا خلاف الطول.
وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول.
ونظيره ﴿ بطائنها من استبرق ﴾ لأن البطائن في العادة تكون أدون حالاً من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟
وقال القفال: العرض عبارة عن السعة.
تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة.
والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق.
فجعل العرض كناية عن السعة.
وسئل ههنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟
وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت العرش.
قال في صفة الفردوس " سقفها عرش الرحمن " وروي أن رسول هرقل سأل النبي وقال: إنك تدعو الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟
فقال النبي : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" ؟
والمعنى - والله ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل.
وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟
فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟
قيل: فأين هي؟
قال: فوق السموات السبع تحت العرش.
ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.
منها قوله: ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء ﴾ في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه.
عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة.
وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي من مثقال ذرة.
وقيل: في عرس أو حبس.
والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن.
وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان مخالفاً له، فإنهم لا يتركونه.
وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة, أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين.
ومنها قوله ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ كظم القربة إذا ملأها وشد فاها.
ويقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم.
قال : "من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" وقال أيضاً: " "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ومنها قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم ﴾ ويحتمل أنه غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم.
فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم.
والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه.
قال : " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" وعن عيسى ابن مريم : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.
وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات.
ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو.
فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير.
فذكر ثواب المجموع بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.
قال ابن عباس في رواية عطاء: "إن منهالاً التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي وذكر ذلك له فنزلت ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ الآية" .
وقال في رواية الكلبي: "إن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله بينهما، فكانا لا يفترقان في احوالهما.
فخرج الثقفي مع رسول الله بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته.
فأقبل ذات يوم فأبصر امراة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها.
ذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعاً فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك.
قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح ي الجبال ويتوب / الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي.
قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم فانطلق الى رسول الله فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة.
فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل بتوبته فتلا على رسول الله ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ فقال عمر: يا رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة في التوبة" .
وعن ابن مسعود "أن المسلمين قالوا للنبي : أبنوا إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟
كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا.
فسكت النبي فنزلت/.
فقال النبي : ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهم" ، وبيّن أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.
والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح ﴿ أو ظلموا أنفسهم ﴾ أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.
وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله : ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ﴾ وظلم النفس ما دونه من القبلة واللسمة.
وهذا القول أنسب بسبب النزول الذي رويناه.
وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار منها لأنه كان مأموراً بالاستغفار ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى ﴿ ذكروا الله ﴾ أي وعيده أو عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا العرض الأكبر على الله.
وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف.
ويكون الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي.
ونظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة والدعاء تقديم التعظيم والثناء ﴿ فاستغفروا لذنوبهم ﴾ يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى.
والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل.
فأما الاستغفار بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات " سبقت رحمتي غضبي" فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب / بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد.
وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" وعن أنس قال: سمعت رسول الله يقول: "قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وعن علي قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ﴿ ولم يصروا ﴾ لم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.
والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه.
وأصر أيضاً عن النبي : " "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معاً كما لو قلت: ما جاءني زيد وهو راكب.
وأردت نفي المجيء والركوب معاً.
وذلك أن المقام مقام مدح لهم بعدم الإصرار.
والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى قوله : " رفع القلم عن ثلاث " وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقاً كما لو أردت في المثال المذكور نفي المجيء / في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ﴾ وهي إشارة إلى إزالة العقاب ﴿ وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ وهذه إشارة إلى إيصال الثواب ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ ذلك الجزاء.
قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجراً والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء.
ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا التحقيق.
واستدلوا أيضاً بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين لقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته.
ثم ذكر ما يحمل المكلفين على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة.
والمثال المتبع وهي "فعلة" بمعنى "مفعولة" من سن الماء يسنه إذا والى صبه فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا حسن الرعي.
والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله في الأمم السالفة يعني سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ فإنهم خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين.
قال مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل والكافر له اللعن والعقاب.
ثم قال ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم وليس المراد من قوله ﴿ فسيروا في الأرض ﴾ الأمر بالسير بل المقصود تعرّف أحوالهم.
فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً.
ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قيل: إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار ﴿ هذا بيان ﴾ المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: ﴿ قد خلت ﴾ جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم.
أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من / الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو الموعظة.
وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به.
وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية, وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة.
والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ وخص المتقون بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر.
ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ .
كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق.
والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على من قتل منكم وجرح ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ وفي هذا تسلية لهم وبشارة.
وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، وإما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر.
قال ابن عباس: "انهزم أصحاب رسول الله يوم أحد.
فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل.
فقال النبي : اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر.
فأنزل الله هذه الآية" .
وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وقال راشد بن سعد: "لما انصرف رسول الله يوم أحد كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله : أهكذا تفعل برسولك؟
فنزلت" ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد.
وقيل بالفتح لغة تهامة والحجاز.
وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم.
وقال الفراء: إنه بالفتح الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة.
وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع / قرحة.
ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم بدر.
ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا تجبنوا ونظيره ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذٍ خلق من الكفار نيف وعشرون رجلاً، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار كما يجيء من قوله : ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم ﴾ والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس القتل والجراحة ﴿ وتلك الأيام ﴾ موصوفاً وصفته مبتدأ خبره ﴿ نداولها ﴾ وتلك مبتدأ أو الأيام خبره كقولك: "هي الأيام تبلي كل جديد" فإن الضمير لا يوصف ويكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء الزمان.
والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات الغريبة.
وقوله ﴿ نداولها ﴾ كالتفسير لما تقدمه.
والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر.
ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته.
والدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين لا تدوم مسارّها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوّه، ويوم آخر بالعكس فلا يبقي شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره قولهم: "الحرب سجال".
شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة، وليس المراد من هذه المداولة أنه تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون.
بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب.
فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله : ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد.
والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم.
وفي إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله.
وقد احتج هشام بن الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا ﴾ على أنه لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها في تفسير قوله : ﴿ وإذا ابتلى إبراهيم ربه ﴾ وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على / المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره.
فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم الله محال.
فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار.
وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم.
وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.
وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم.
وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد.
وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى الى مفعولين والتقدير: وليعلمهم مميزين عن غيرهم.
ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا.
ومن حكم المداولة قوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد.
أو المراد ليكرم ناساً منكم بالشهادة.
والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء.
والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيداً.
قال النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم.
وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض.
وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم.
ومن الحكم قوله: ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ﴾ والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان.
وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.
وقال الزجاج: معنى الآية أنه أن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار.
وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل لايقطع طرفاً ننقصها من أطرافها.
التأويل: ﴿ لا تأكلوا الربا ﴾ ما يؤدي إلى الحرص إلى طلب الدنيا ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.
﴿ واتقوا الله ﴾ خطاب للخواص أي اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ عن حجب ما سوى الله، وتظفرون بالوصول إلى الله.
ثم خاطب العوام الذين هم ارباب الوسائط بقوله: ﴿ واتقوا ﴾ أي بالقناعة ﴿ النار ﴾ / أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة رسوله.
ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان ﴿ عرضها السموات والأرض ﴾ أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما قال النبي عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.
فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها.
وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية ﴿ ينفقون أموالهم في السراء ﴾ وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله ﴿ فعلوا فاحشة ﴾ هي رؤية غير الله ﴿ أوظلموا أنفسهم ﴾ بالتعليق بما سوى الله ﴿ وذكروا الله ﴾ بالنظر إليه وبرؤيته ﴿ ومن يغفر ﴾ ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار ﴿ إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ من رؤية الوسائط والتعلق بها ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن كل شيء ما خلا الله باطل ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة ﴾ أي هم مستحقون لمقامات القرب ﴿ من ربهم وجنات ﴾ من أصناف ألطافه ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ العناية ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ لأن نيل المقصود في بذل المجهود ﴿ قد خلت من قبلكم أمم ﴾ لهم ﴿ سنن فسيروا في الأرض ﴾ نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية ﴿ ولا تهنوا ﴾ أيها السائرون في السر إلى الله ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما فاتكم من اللذات الفانية ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ من أهل الدنيا والآخرة لأنكم من أهل الله ﴿ إن يمسسكم ﴾ في أثناء المجاهدات ﴿ قرح ﴾ ابتلاء وامتحان ﴿ فقد مس القوم ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ قرح ﴾ محن ﴿ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ السائرين يوماً نعمة ويوماً نقمة، ويوماً منحة ويوماً محنة ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ أرباب المشاهدات والمكاشفات ﴿ وليمحص الله ﴾ فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه.
وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح.
<div class="verse-tafsir"
قوله: - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ ﴾ .
قيل: السرّاء: الرخاء، والضراء: الشدة.
وقيل: السراء: السعة، والضراء: الضيق؛ وهو واحد.
وقيل: السراء: ما يسرهم الإنفاق؛ من نحو الولد وغيره، يسرّه الإنفاق عليه، والأجنبي يضره.
وعلى تأويل الأول: أن الإنفاق في حال الرخاء والسعة - أيسر وأهون على المرء من الإنفاق في حال الضيق والفقر، فإذا أنفق في الأحوال استوجب بذلك المدح، والله أعلم.
والسبب الذي يُيَسِّرُ عليه الأمر وجهان: أحدهما: علمه بأن الذي في يديه في الحقيقة في يد الله؛ فهو يصرف ذلك حيث يصرفه، لم يخرجه من يد مَنْ يَدُهُ فِي يَدِهِ، كأنه يعد في يده.
والثاني: بعلمه بجود ربه وقدرته، حيث يكون ذلك فيما به قضاء حاجته، والوصول إلى منفعته مع ما يعلم بالجود، وكثرة الانتفاع بما لا ملك للمنتفع به، وحرمان ذي الملك ذلك فيه.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ : يحتمل فيما يسرّهم ويضرّهم، أو في حال يسر وعسر، أو حلال بلاء ونعمه.
ثم السبب الذي يسهل سبيل الإنفاق في تلك الأحوال - وإن كان بالذي ذكر في تسهيل التقوى - هذا وجوه ثلاثة: أحدها: أن ترى مالك لمن له يد امتحنك بحق ذلك وحفظه، وأنك إذا بذلته ارتفعتْ عنك مئونة الحفظ، ومراعاة الحق على ما لم يكن ذلك عنك نفعه الذي كان له وقت كونه في يدك؛ إذ هو بعد البذل في يد من يدك قبله في يده، فكأنه لم يخرج من يدك بحيث النفع، وإنما سقطت عنك ما ذكرت من المئونة؛ إذ معلوم وجودها لك في الظاهر؛ لا منتفع به، ومن لا ملك له في الشيء منتفع به، على العلم باستواء الأمر على من له بذلت، والله أعلم.
والثاني: أن تشعر قلبك جوده بمن آثره على ما عنده، وقدرته على إعطائه إياه من خزائنه التي لا تنفد، ولا يتعذر عليه، فتيقن بذلك، وتعلم أنه لك على الإيصال إليه؛ فيما لم يكن أوصله، وعلى ذلك فيما أعطاه في القدرة واحد؛ فيهون عليه ذلك؛ والله أعلم.
والثالث: أن تعلم أنّ الذي عليه جبل وإليه دفع؛ ليس للوقت الذي فيه؛ ولكن ليتزود لمعاده، ويكتسب به الحياة الدائمة، والمنفعة التي لاتنفد، فيصير كبائع الشيء بأضعاف ثمنه، أو كباذل ما فيه فكاك رقبته، أو كمقدم ما يمتهن إلى مكان مهنته، أو كمن يعدّ الشيء في مسكنه لوقت حاجته، فإن مثله آثَرُ الشيء على الطبيعة، وألذ شيء في العقل.
ولا قوة إلا بالله.
ثم الأصل في قوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: من لم يبلغ بما يرتكب من المعاصي - الكفر، لم يمتنع من احتمال التسمية المتقين على إرادة خصوص التقوى؛ وهو ممتنع عن احتمال التسمية بالكفر على صرف الآية في إعداد النار إلى خصوص أو عموم، فثبت به خروج صاحب الكبائر عن أهل الاسم الذي أعدّت له النار، ولم يثبت خروجه عن أهل الاسم الذي له أعدت الجنة، [فالقول فيه، وإنما ذلك في الجنة فاسد بأوجه: أحدهما: مع الإشكال فيما يحرم الجنة] والإحاطة بأنّ النار لم يذكر أنها أعدت له أدخل فيها، فيكون في ذلك إسقاط [شهادة تثبت بيقين بالشك، وإيجاب شهادة لم تجب بالخيال.
والثاني: أن يكون في ذلك إسقاط] اسم العفو والرحمة؛ إذ لو لم يجعل لمثله - لبطل أن يكون له موضع لما في غيره استحقاق، والله أعلم.
والثالث: ما فيه إسقاط الموازنة والمقابلة مع مجيء الآيات بالكتب التي تقرأ الموازين التي توزن؛ مع ما في ذلك مخالفته التوهم بالكريم الذي أمرنا أن نسمّيه بها؛ مع ما قد جاء من التجاوز عن السيئات والتقبل للحسنات من واحد، وفي ذلك قلب ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ ﴾ .
روي عن رسول الله قال: "مَنْ كَظَمَ غَيْظاً - وهُوا يَقْدِر عَلَى إِنْفَاذِهِ - مَلأهُ اللهُ أَمْناً وَإِيمَاناً" والغيظ متردد بين الحزن والغضب، والحزن على من فوقه، والغضب على من دونه، والغيظ بين ذلك، مدحهم - عز وجلّ - بترديد حزنهم وغيظهم في أجوافهم.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ﴾ .
أي: عمّن ظلم.
وروي عن رسول الله [أنه] قال: "مَا عَفَا رَجُلٌ عَمَّنْ ظَلَمَهُ إِلاَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزّاً" ومن عفا عن الناس عن مظلمة - فقد أحسن بذلك؛ كما يقال: فلان يحسن بكذا؛ ولا يحسن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
والإحسان يحتمل وجهين: يحتمل: العلم والمعرفة: ويحتمل: أن يفعل فعلاً ليس عليه من نحو المعروف والأيادي الذي ليس عليه، إنما فعله الإفضال، ذكر - ههنا - المحسنين وحبّه، وأخبر في الآية الأولى أنّ الجنة أعدت للمتقين بقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ ثم قال: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وأخبر أنّ النار أعدت للكافرين.
ثم اختلفوا فيه: قال بعضهم: من لم يكن من المتقين لم تعدّ الجنة له، فهو ممّن أعدّت له النار، وهو قول الخوارج والبغاة.
وقال آخرون: إنه أخبر أن النّار أعدت للكافرين، فهو إذا لم يكن كافراً - ليس ممّن أعدّت له النّار، فهو ممّن أعدّت له الجنة.
وقال غيرهم: أخبر أن النار أعدّت للكافرين وأخبر أنّ الجنة أعدّت للمتقين، فوصف المتقين: فهم الذين اتقوا معاصيه، وتركوا مخالفة أمره ونهيه، فإذا كان قوم لهم مساوئ - لم يدخلوا في إطلاق قوله - عز وجل -: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ولا دخلوا في قوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ فيكون لهم موضعاً بالنار.
وأما عندنا: فإنه يرجى دخول من ارتكب المساوئ من المؤمنين في قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ ذكر خلط عمل الصالح مع السيئ، ثم وعد لهم التوبة بقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ والعسى من الله واجب.
والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ فإذا تجاوز لم يبق لهم مساوئ؛ فصاروا من أهل هذه الآية: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وقوله - أيضاً -: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ قالوا: ﴿ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أخبر أنهم ﴿ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم لأي معنى ظلموا أنفسهم، وحيث لم يسلموا أنفسهم لله خالصين، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا لم يسلموا له - وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لذلك صاروا ظلمة أنفسهم.
﴿ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي: طلبوا لذنوبهم مغفرة، وأقرّوا أنه لا يغفر الذنوب إلا الله.
﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ ﴾ على ذنوبهم، والإصرار: هو الدوام عليه، ثم أخبر أن جزاء هؤلاء المغفرة من ربهم؛ ﴿ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا...
﴾ ، إلى آخر ما ذكر.
دلّت هذه الآيات على تأييد قولنا: إن أهل المساوئ والفواحش إذا تابوا صاروا ممن أعدّت لهم الجنة، وإن لم يكونوا من المتقين من قبل، فمثله إذا تجاوز الله عن سيئاتهم؛ وعفا عنهم بما هو عفو غفور، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ...
﴾ الآية.
يحتمل أن يكون الظلم غير الفاحشة.
ويحتمل أن يكون واحداً في المراد؛ إذ قد يكون في المعنى أن كل عاص ظالم لنفسه، بمعنى ضرّها؛ ونحس لحظّها؛ إذا فعل ما ليس له الفعل ووضع اختياره في غير موضعه، وهما معنيا الظلم، وكذلك من تعدى حَدَّ الله أو آثر ما يزجره العقل والشرع - فقد فحش فعله، وذلك معنى الظلم الذي وصفت؛ إذ فعل ما ليس له، وأختياره غير الذي له - هو الذي يزجره العقل والشرع، والله أعلم.
ويحتمل وجها آخر غير هذين: وهو أن الظلم يجمع كل وجوه الخلاف؛ عظم أو صغر، ولذلك قد نسب ذلك إلى زلات الأخيار، نحو ما قيل لآدم - - في أكل الشجرة: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقيل في الشرك: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
والفواحش: ما [ظهر وتبين] قبحه؛ لا ما قلّ أو كثر في الذنوب، وعلى ذلك النقصان ظلماً بقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً ﴾ ، وقد يوصف العيب والنقصان بالفحش؛ لكنه إذا كثر وظهر فمثله في الزلات، ويكون كالطيب في المحلّلات من المباح ونحوه في الدرجة، والله أعلم.
ثم ليس بنا حاجة إلى معرفة المقصود بالذكر في الآية؛ لما فيها الرجوع عن ذلك، وطلب المغفرة، وكل أنواع المآثم بالتوبة تغفر بما عد الله في الشرك، والزنا، والقتل؛ فما دونه - بقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ...
﴾ إلى تمام الآية، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ﴾ .
يحتمل الفاحشة: ما فحش في العقل وقبح.
وقال آخرون: كل محرم منهيّ فهو فاحشة.
والأول كأنه أقرب؛ لأن الشيء ما لم يبلغ في الفحش والقبح غايته؛ فإنه لا يقال: فاحشة، وإذا بلغ الغاية - فحينئذ كالطيب، أنه إنما يقال ذلك إذا بلغ غايته في الحل واللّذة، فأما أن يقال لكل حل في الإطلاق طيباً - فلا، فعلى ذلك: الفواحش؛ لا يقال لكل محظور محرم، إنما يقال ما بلغ في القبح والفحش غايته، فأما أن يقال ذلك لكل محرم منهي - فلا، وبالله التوفيق.
والطيب: ما استطابه الطبع؛ فإذا بلغ طيبه غايته في الطبع؛ فهو طيب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنها معصية فلا يقيمون عليها، ولكن يتوبون، فمن تاب من ذنبه فجزاؤه ما ذكر.
<div class="verse-tafsir"
المتقون هم الذين يبذلون أموالهم في سبيل الله، في حال اليسر والعسر، والمانعون غضبهم مع القدرة على الانتقام، والمتجاوزون عمن ظلمهم، والله يحب المحسنين المتصفين بمثل هذه الأخلاق.
<div class="verse-tafsir" id="91.VyxQb"
وجه الاتصال بين هذه الآيات وما قبلها أن ما قبلها في بيان أن الله نصر المؤمنين وهم أذلة وأنهم إنما نصروا بتقوى الله وامتثال الأمر والنهي، ولذلك خذلوا في أحد عند المخالفة والطمع في الغنيمة.
وقد جاء هذا بعد النهي عن اتخاذ البطانة من اليهود وبيان أنه لا يضر المؤمنين كيد هؤلاء اليهود ما اعتصموا بالصبر والتقوى.
وقد كان من موادة المؤمنين لليهود واتخاذ البطانة منهم أن منهم من رابى كما كانوا يرابون وكان البعض الآخر مظنة أن يرابي توسلًا لجلب المال المحبوب بسهولة.
فكان الترتيب في الآيات هكذا: نهاهم عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروطها التي هي مثار الضرر، ثم بينّ لهم ما يتقون به ضررهم وشر كيدهم وهو تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك طردًا وعكسًا بذكر وقعة بدر ووقعة أحد، ثم نهاهم عن عمل آخر من شر أعمال أولئك اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وأشدها ضررًا وهو أكل الربا أضعافًا مضاعفة.
وقد كان ما تقدم تمهيدًا لهذا النهي وحجة على أن الربح المتوقع منه ليس هو سبب السعادة وإنما سببها ما ذكر من التقوى والامتثال.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ هذا أول ما نزل في تحريم الربا، وآيات البقرة في الربا نزلت بعد هذه، بل هي آخر آيات الأحكام نزولًا.
والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم.
والأضعاف جمع قلة لضعف (بكسر الضاد) وضعف الشيء مثله الذي يثنيه، فضعف الواحد واحد فهو إذا أضيف إليه ثناه.
وهو من الألفاظ المتضايقة أي التي يقتضي وجودها وجود آخر من جنسها كالنصف والزوج، ويختص بالعدد، فإذا ضاعفت الشيء ضممت إليه مثله مرة فأكثر.
وإذا قلنا إن الأضعاف المضاعفة في الزيادة فقط (التي هي الربا) يصح ما قاله المفسر (الجلال) في تصوير المسألة بتأخير أجل الدين والزيادة في المال، وهذا هو الذي كان معروفًا في الجاهلية، ويصح أيضًا أن تكون الأضعاف بالنسبة إلى رأس المال، وهذا واقع الآن، فإنني رأيت في مصر من استدان بربا ثلاثة في المئة كل يوم فانظر كم ضعفًا يكون في السنة.
وقد قال "مضاعفة" بعد ذكر الأضعاف كأن العقد قد يكون ابتداء على الأضعاف ثم تأتي المضاعفة بعد ذلك بتأخير الأجل وزيادة المال.
قوله: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ ﴾ إلخ وعيد للمرابين يجعلهم مع الكافرين إذا عملوا فيه عملهم، وفيه تنبيه إلى أن الربا قريب من الكفر.
وهذا القول بعد قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ تأكيد بعد تأكيد، ثم أكده أيضًا بالأمر بطاعته وطاعة الرسول، فمؤكدات التنفير من الربا أربعة.
وقد قلنا من قبل إن مسألة الربا ليست مدنية محضة بل هي دينية أيضًا، والغرض الديني منها التراحم المفضي إلى التعاون، فالمقرض اليوم قد يكون مقترضًا غدًا، فمن أعان جدير بأن يعان.
ثم ذكر جزاء المتقين بعد الأمر المؤكد باتقاء النار إتباعًا للوعيد بالوعد وقرنا للترهيب بالترغيب كما هي سنته فقال: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ المسارعة إلى المغفرة والجنة هي المبادرة إلى أسبابها وما يُعد الإنسان لنيلها من التوبة عن الإثم كالربا والإقبال على البر كالصدقة.
وقد اختلفوا في الجنة هل هي موجودة بالفعل أن توجد بعد في الآخرة، ولا معنى لهذا الخلاف، ولا هو مما يصح التفرق واختلاف المذاهب فيه.
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ إن المال عزيز على النفس لأنه الآلة لجلب المنافع والملذات ودفع المضار والمؤلمات، وبذله في طرق الخير والمنافع العامة التي ترضي الله تعالى يشق على النفس، أما في السراء فلما يحدثه السرور والغنى من الأشر والبطر والطغيان وشدة الطمع وبعد الأمل، وأما في الضراء فلأن الإنسان يرى نفسه فيها جديرًا بأن يأخذ ومعذورًا إن لم يُعطِ وإن لم يكن معذورًا بالفعل إذ مهما كان فقيرًا لا يعدم وقتًا يجد فيه فضلًا ينفقه في سبيل الله ولو قليلًا.
وداعية البذل في النفس هي التي تنبه الإنسان إلى هذا العفو الذي يجده أحيانًا ليبذله.
فإن لم تكن الداعية موجودة في أصل الفطرة فأمر الدين الذي وضعه الله لتعديل الفطرة المائلة وتصحيح مزاج المعتلة يوجدها ويكون نعم المنبه لها.
وقد فسر بعضهم الضراء بما يخرج الفقراء من هذه الصفة من صفات المتقين وليس بسديد.
يقول من لا علم عنده إن تكليف الفقير والمسكين البذل في سبيل الله لا معنى له ولا غناء فيه.
وربما يقول أكثر من هذا -يعني أنه ينتقد ذلك من الدين- والعلم الصحيح يفيدنا أنه يجب أن تكون نفس الفقير كريمة في ذاتها وأن يتعود صاحبها الإحسان بقدر الطاقة، وبذلك ترتفع نفسه وتطهر من الخسة وهي الرذيلة التي تعرض للفقراء فتجرهم إلي رذائل كثيرة ثم إن النظر يهدينا إلى أن القليل من الكثير كثير فلو أن كل فقير في القطر المصري مثلًا يبذل في السنة قرشًا واحدًا لأجل التعليم لاجتمع من ذلك ألوف الألوف وتيسر به عمل في البلاد كبير فكيف إذا انفق كل أحد على قدره كما قال تعالى : ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾ إلخ.
إذا كان الله تعالى قد جعل الإنفاق في سبيله علامة على التقوى أو أثرًا من آثارها حتى في حال الضراء، وكان انتفاؤه علامة على عدم التقوى التي هي سبب دخول الجنة، فكيف يكون حال أهل السراء الذين يقبضون أيديهم؟
وهل يغني عن هؤلاء من شيء أداء الرسوم الدينية الظاهرة التي يتمرنون عليها عادة مع الناس؟
﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ الغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية كالمال أو المعنوية كالشرف فيزعجها إلى التشفي والانتقام، ومن أجاب داعي الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي، فلذلك كان من التقوى كظمه.
وفي (روح المعاني) أن الغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل أن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة ولا كذلك الغيظ وقيل الغضب ما يظهر على الجوارح والغيظ ليس كذلك.
أصل الكظم مخرج النفس.
والغيظ وإن كان معنى له أثر في الجسم يترتب عليه عمل ظاهر فإنه يثور بنفس الإنسان حتى يحمله ما لا يجوز من قول أو فعل، فلذلك سمي حبسه وإخفاء أثره كظمًا.
﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ﴾ العفو عن الناس هو التجافي عن ذنب المذنب منهم وترك مؤاخذته مع القدرة عليها وتلك مرتبة في ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة قل من يتبوأها.
فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة وهناك مرتبة أعلى منها وهي ما أفاده قوله : ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ الفاحشة الفعلة الشديدة القبح، وظلم النفس يطلق على كل ذنب.
قال البيضاوي: "وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ولعل الفاحشة ما تتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك" وذكر الله عند الذنب يكون بتذكر نهيه ووعيده أو عقابه أو تذكر عظمته وجلاله وهما مرتبتان: مرتبة دنيا: لعامة المؤمنين ومرتبة عليا: لخواص المتقين وهي أن يذكروا إذا فرط منهم ذنب ذلك المقام الإلهي الأعلى المنزه عن النقص الذي هو مصدر كل كمال، وما يجب من طلب قربه بالمعرفة والتخلق الذي هو منتهى الآمال، فإذا هم تذكروا انصرف عنهم طائفة الشيطان، ووجدوا نفس الرحمن، فرجعوا إليه طالبين مغفرته، راجين رحمته، ملتزمين سنته، واردين شرعته، عالمين أنه لا يغفر الذنوب سواه، وأنه يضل من يدعون عند الحاجة إلا إياه، لأن الكل منه وإليه، وهو المتصرف بسنته فيه والحاكم بسلطانه عليه، ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ لا يصر المؤمن المتقي من أهل الدرجة الدنيا على ذنبه وهو يعلم أن الله تعالى نهى عنه وتوعد عليه، ولا يصر كذلك بالأولى صاحب الدرجة العليا من أهل الإيمان والتقوى، وهو يعلم أن الذنب فسوق عن نظام الفطرة السليمة، واعتداء على قانون الشريعة القويمة، وبعد عن مقام النظام العام، الذب يعرج عليه البشر إلى قرب ذي الجلال والإكرام، ومثال ذلك من يخضع لقوانين الحكام الوضعية خوفًا من العقوبة، ومن يخضع لها احترامًا للنظام، وما أبعد الفرق بين الفريقين.
<div class="verse-tafsir"