الآية ١٣٥ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٣٥ من سورة آل عمران

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 147 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٥ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ) أي : إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار .

قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا همام بن يحيى ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن رجلا أذنب ذنبا ، فقال : رب إني أذنبت ذنبا فاغفره .

فقال الله [ عز وجل ] عبدي عمل ذنبا ، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ، قد غفرت لعبدي ، ثم عمل ذنبا آخر فقال : رب ، إني عملت ذنبا فاغفره .

فقال تبارك وتعالى : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ، قد غفرت لعبدي .

ثم عمل ذنبا آخر فقال : رب ، إني عملت ذنبا فاغفره لي .

فقال عز وجل : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ، قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبا آخر فقال : رب ، إني عملت ذنبا فاغفره فقال عز وجل : عبدي علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي ، فليعمل ما شاء " .

أخرجه في الصحيح من حديث إسحاق بن أبي طلحة ، بنحوه .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر وأبو عامر قالا حدثنا زهير ، حدثنا سعد الطائي ، حدثنا أبو المدلة - مولى أم المؤمنين - سمع أبا هريرة ، قلنا : يا رسول الله ، إذا رأيناك رقت قلوبنا ، وكنا من أهل الآخرة ، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشممنا النساء والأولاد ، فقال لو أنكم تكونون على كل حال ، على الحال التي أنتم عليها عندي ، لصافحتكم الملائكة بأكفهم ، ولزارتكم في بيوتكم ، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم " .

قلنا : يا رسول الله ، حدثنا عن الجنة ما بناؤها ؟

قال : " لبنة ذهب ، ولبنة فضة ، وملاطها المسك الأذفر ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وترابها الزعفران ، من يدخلها ينعم ولا يبأس ، ويخلد ولا يموت ، لا تبلى ثيابه ، ولا يفنى شبابه ، ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء ، ويقول الرب : وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين " .

ورواه الترمذي ، وابن ماجه ، من وجه آخر عن سعد ، به .

ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة ، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا وكيع ، حدثنا مسعر ، وسفيان - هو الثوري - عن عثمان بن المغيرة الثقفي ، عن علي بن ربيعة ، عن أسماء بن الحكم الفزاري ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه ، وإذا حدثني عنه [ غيري استحلفته ، فإذا حلف لي صدقته ، وإن أبا بكر رضي الله عنه حدثني ] وصدق أبو بكر - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من رجل يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن - الوضوء - قال مسعر : فيصلي .

وقال سفيان : ثم يصلي ركعتين - فيستغفر الله عز وجل إلا غفر له " .

كذا رواه علي بن المديني ، والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة ، وأهل السنن ، وابن حبان في صحيحه والبزار والدارقطني ، من طرق ، عن عثمان بن المغيرة ، به .

وقال الترمذي : هو حديث حسن وقد ذكرنا طرقه والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق ، [ رضي الله عنه ] وبالجملة فهو حديث حسن ، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [ رضي الله عنه ] عن خليفة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهما ومما يشهد لصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه ، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو : فيسبغ - الوضوء ، ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية ، يدخل من أيها شاء " .

وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، أنه توضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه " .

فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين ، عن سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين ، كما دل عليه الكتاب المبين من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين .

وقد قال عبد الرزاق : أخبرنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : بلغني أن إبليس حين نزلت : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ) الآية ، بكى .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا محرز بن عون ، حدثنا عثمان بن مطر ، حدثنا عبد الغفور ، عن أبي نضيرة عن أبي رجاء ، عن أبي بكر ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار ، فأكثروا منهما ، فإن إبليس قال : أهلكت الناس بالذنوب ، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار ، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء ، فهم يحسبون أنهم مهتدون " .

عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان .

وروى الإمام أحمد في مسنده ، من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قال إبليس : يا رب ، وعزتك لا أزال أغوي [ عبادك ] ما دامت أرواحهم في أجسادهم .

فقال الله : وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني " .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عمر بن أبي خليفة ، سمعت أبا بدر يحدث عن ثابت ، عن أنس قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله ، أذنبت ذنبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أذنبت فاستغفر ربك " .

[ قال : فإني أستغفر ، ثم أعود فأذنب .

قال فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك ] " فقالها في الرابعة فقال : " استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور " .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه .

وقوله : ( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) أي : لا يغفرها أحد سواه ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن مصعب ، حدثنا سلام بن مسكين ، والمبارك ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بأسير فقال : اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " عرف الحق لأهله " .

وقوله : ( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) أي : تابوا من ذنوبهم ، ورجعوا إلى الله عن قريب ، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها ، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه ، كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي ، رحمه الله ، في مسنده : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره قالوا : حدثنا أبو يحيى عبد الحميد الحماني ، عن عثمان بن واقد عن أبي نصيرة ، عن مولى لأبي بكر ، عن أبي بكر ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " .

ورواه أبو داود ، والترمذي ، والبزار في مسنده ، من حديث عثمان بن واقد - وقد وثقه يحيى بن معين - به وشيخه أبو نصيرة الواسطي واسمه مسلم بن عبيد ، وثقه الإمام أحمد وابن حبان وقول علي بن المديني والترمذي : ليس إسناد هذا الحديث بذاك ، فالظاهر إنما [ هو ] لأجل جهالة مولى أبي بكر ، ولكن جهالة مثله لا تضر ، لأنه تابعي كبير ، ويكفيه نسبته إلى [ أبي بكر ] الصديق ، فهو حديث حسن والله أعلم .

وقوله : ( وهم يعلمون ) قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير : ( وهم يعلمون ) أن من تاب تاب الله عليه .

وهذا كقوله تعالى : ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ) [ التوبة : 104 ] وكقوله ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) [ النساء : 110 ] ونظائر هذا كثيرة جدا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا جرير ، حدثنا حبان - هو ابن زيد الشرعبي - عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - وهو على المنبر - : " ارحموا ترحموا ، واغفروا يغفر لكم ، ويل لأقماع القول ، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون " .

تفرد به أحمد ، رحمه الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " الذين ينفقون في السراء والضراء "، أعدت الجنة التي عرضها السموات والأرض للمتقين، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله، إما في صرفه على محتاج، وإما في تقوية مُضعِف على النهوض لجهاده في سبيل الله.

(12) * * * وأما قوله: " في السراء "، فإنه يعني: في حال السرور، بكثرة المال ورخاء العيش * * * " والسراء " مصدر من قولهم " سرني هذا الأمر مسرَّة وسرورًا " * * * " والضراء " مصدر من قولهم: " قد ضُرّ فلان فهو يُضَرّ"، إذا أصابه الضُّر، وذلك إذا أصابه الضيق، والجهد في عيشه.

(13) * * * 7838- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " الذين ينفقون في السراء والضراء "، يقول: في العسر واليسر.

* * * فأخبر جل ثناؤه أن الجنة التي وصف صفتها، لمن اتقاه وأنفق ماله في حال الرخاء والسعة، (14) وفي حال الضيق والشدة، في سبيله.

* * * وقوله: " والكاظمين الغيظ "، يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه.

* * * يقال منه: " كظم فلان غيظه "، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها.

وأصل ذلك من " كظم القربة "، يقال منه: " كظمتُ القربة "، إذا ملأتها ماء.

و " فلان كظيمٌ ومكظومٌ"، إذا كان ممتلئًا غمٌّا وحزنًا.

ومنه قول الله عز وجل، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [سورة يوسف: 84] يعني: ممتلئ من الحزن.

ومنه قيل لمجاري المياه: " الكظائم "، لامتلائها بالماء.

ومنه قيل: " أخذت بكَظَمِه " يعني: بمجاري نفسه.

* * * و " الغيظ " مصدر من قول القائل: " غاظني فلان فهو يغيظني غيظًا "، وذلك إذا أحفظه وأغضبهُ.

* * * وأما قوله: " والعافين عن الناس "، فإنه يعني: والصافحين عن الناس عقوبَةَ ذنوبهم إليهم وهم على الانتقام منهم قادرون، فتاركوها لهم.

* * * وأما قوله: " والله يحب المحسنين "، فإنه يعني: فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعدَّ للعاملين بها الجنة التي عرضُها السموات والأرض، والعاملون بها هم " احسنون "، وإحسانهم، هو عملهم بها،.

كما:- 7839- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " الذين ينفقون في السراء والضراء " الآية: " والعافين عن الناس والله يحب المحسنين "، أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من عمل به.

(15) 7840- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين "، قوم أنفقوا في العسر واليسر، والجهد والرخاء، فمن استطاع أن يغلب الشر بالخير فليفعل، ولا قوة إلا بالله.

فنِعْمت والله يا ابن آدم، الجرعة تجترعها من صبر وأنت مغيظ، وأنت مظلومٌ.

7841- حدثني موسى بن عبد الرحمن قال، حدثنا محمد بن بشر قال، حدثنا محرز أبو رجاء، عن الحسن قال: يقال يوم القيامة: ليقم من كان له على الله أجر.

فما يقوم إلا إنسان عفا، ثم قرأ هذه الآية: " والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ".

(16) 7842- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له عبد الجليل، عن عم له، عن أبي هريرة في قوله: " والكاظمين الغيظ ": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه، ملأه الله أمنًا وإيمانًا.

(17) 7843- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " والكاظمين الغيظ " إلى " والله يحب المحسنين "، فـ" الكاظمين الغيظ " كقوله: وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ &; 7-217 &; [سورة الشورى: 37]، يغضبون في الأمر لو وقعوا به كان حرامًا، فيغفرون ويعفون، يلتمسون بذلك وجه الله =" والعافين عن الناس " كقوله: وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [سورة النور: 22]، يقول: لا تقسموا على أن لا تعطوهم من النفقة شيئًا واعفوا واصفحوا.

------------------------- الهوامش : (12) في المطبوعة: "للجهاد" ، بلامين ، وأثبت ما في المخطوطة.

والمضعف: الذي قد ضعفت دابته.

(13) انظر تفسير"الضراء" فيما سلف 3: 350 - 352.

(14) في المخطوطة: "في حال الرضا" ، وكأنها صواب أيضًا.

(15) الأثر: 7839- سيرة ابن هشام 3: 115 وهو من تمام الآثار التي آخرها: 7837.

(16) الأثر: 7841-"موسى بن عبد الرحمن المسروقي" سلفت ترجمته برقم: 3345.

و"محمد بن بشر بن الفرافصة العبدي" مضت ترجمته أيضًا برقم: 4557.

و"محرز""أبو رجاء" هو"محرز بن عبد الله الجزري" ، مولى هشام بن عبد الملك.

ذكره ابن حبان في الثقات وقال: "كان يدلس عن مكحول".

(17) الحديث 7842- داود بن قيس الفراء: سبق توثيقه في: 5398.

زيد بن أسلم: تابعي ثقة معروف ، مضى في 5465.

وأما عبد الجليل ، الذي ذكر غير منسوب ، إلا بأنه من أهل الشام -: فإنه مجهول.

وعمه أشد جهالة منه.

وقد ذكره الذهبي في الميزان ، والحافظ في اللسان ، في ترجمة"عبد الجليل" ، وقالا: "قال البخاري: لا يتابع عليه".

وترجمه ابن أبي حاتم 3 / 1 / 33 ، وقال: "روى عنه داود بن قيس.

وقال بعضهم: عن داود ابن قيس ، عن زيد بن أسلم".

أي كمثل رواية الطبري هنا.

وهذا الإسناد ضعيف ، لجهالة اثنين من رواته.

وقد نقله ابن كثير 2: 244 ، عن عبد الرزاق ، به.

ونقله السيوطي 2: 71 - 72 ، ونسبه لعبد الرزاق ، والطبري وابن المنذر.

وذكره في الجامع الصغير: 8997 ، ونسبه لابن أبي الدنيا في ذم الغضب؛ ولم ينسبه لغيره ، فكان عجبًا!!

وفي معناه حديثان ، رواهما أبو داود: 4777 ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه.

و: 4778 ، عن سويد بن وهب ، عن رجل من أبناء الصحابة ، عن أبيه.

وقد روى أحمد في المسند: 6114 ، عن علي بن عاصم ، عن يونس بن عبيد ، أخبرنا الحسن ، عن ابن عمر ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجرع عبد جرعة أفضل عند الله من جرعة غيظ ، يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى".

وهذا إسناد صحيح.

ونقله ابن كثير 2: 244 ، من تفسير ابن مردويه.

من طريق علي بن عاصم ، عن يونس بن عبيد ، به.

ثم قال: "رواه ابن جرير.

وكذا رواه ابن ماجه ، عن بشر بن عمر ، عن حماد بن سلمة ، عن يونس بن عبيد ، به".

فنسبه ابن كثير -في هذا الموضع- لرواية الطبري.

ولم يقع إلينا فيه في هذا الموضع.

فلا ندري: أرواه ابن جرير في موضع آخر ، أم سقط هنا سهوًا من الناسخين؟

فلذلك أثبتناه في الشرح احتياطًا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمونفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكر الله تعالى في هذه الآية صنفا ، هم دون الصنف الأول فألحقهم به برحمته ومنه ; فهؤلاء هم التوابون .

قال ابن عباس في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في نبهان التمار - وكنيته أبو مقبل - أتته امرأة حسناء باع منها تمرا ، فضمها إلى نفسه وقبلها فندم على ذلك ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له ; فنزلت [ ص: 199 ] هذه الآية .

وذكر أبو داود الطيالسي في مسنده عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : حدثني أبو بكر ، وصدق أبو بكر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من عبد يذنب ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له ثم تلا هذه الآية والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الآية ، والآية الأخرى ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه .

وخرجه الترمذي وقال : حديث حسن .

وهذا عام .

وقد تنزل الآية بسبب خاص ثم تتناول جميع من فعل ذلك أو أكثر منه .

وقد قيل : إن سبب نزولها أن ثقيفيا خرج في غزاة وخلف صاحبا له أنصاريا على أهله ، فخانه فيها بأن اقتحم عليها فدفعت عن نفسها فقبل يدها ، فندم على ذلك فخرج يسيح في الأرض نادما تائبا ; فجاء الثقفي فأخبرته زوجته بفعل صاحبه ، فخرج في طلبه فأتى به إلى أبي بكر وعمر رجاء أن يجد عندهما فرجا فوبخاه ; فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بفعله ; فنزلت هذه الآية .

والعموم أولى للحديث .

وروي عن ابن مسعود أن الصحابة قالوا : يا رسول الله ، كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا ، حيث كان المذنب منهم تصبح عقوبته مكتوبة على باب داره ، وفي رواية : كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره : اجدع أنفك ، اقطع أذنك ، افعل كذا ; فأنزل الله تعالى هذه الآية توسعة ورحمة وعوضا من ذلك الفعل ببني إسرائيل .

ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية .

والفاحشة تطلق على كل معصية ، وقد كثر اختصاصها بالزنا حتى فسر جابر بن عبد الله والسدي هذه الآية بالزنا .

و " أو " في قوله : أو ظلموا أنفسهم قيل هي بمعنى الواو ; والمراد ما دون الكبائر .

ذكروا الله معناه بالخوف من عقابه والحياء منه .

الضحاك : ذكروا العرض الأكبر على الله .

وقيل تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه ; قاله الكلبي ومقاتل .

وعن مقاتل أيضا : ذكروا الله باللسان عند الذنوب .فاستغفروا لذنوبهم أي طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم .

وكل دعاء فيه هذا المعنى أو لفظه فهو استغفار .

وقد تقدم في صدر هذه السورة سيد الاستغفار ، وأن وقته [ ص: 200 ] الأسحار .

فالاستغفار عظيم وثوابه جسيم ، حتى لقد روى الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من قال : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه .

غفر له .

وإن كان قد فر من الزحف .

وروى مكحول عن أبي هريرة قال : ما رأيت أكثر استغفارا من رسول الله ، - صلى الله عليه وسلم - .

وقال مكحول : ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة .

وكان مكحول كثير الاستغفار .

قال علماؤنا : الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان ، لا التلفظ باللسان .

فأما من قال بلسانه : أستغفر الله ، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لاحقة بالكبائر .

وروي عن الحسن البصري أنه قال : استغفارنا يحتاج إلى استغفار .قلت : هذا يقوله في زمانه ، فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبا على الظلم ، حريصا عليه لا يقلع ، والسبحة في يده زاعما أنه يستغفر الله من ذنبه ، وذلك استهزاء منه واستخفاف .

وفي التنزيل ولا تتخذوا آيات الله هزوا .

وقد تقدم .الثانية : قوله تعالى : ومن يغفر الذنوب إلا الله أي ليس أحد يغفر المعصية ولا يزيل عقوبتها إلا الله .

ولم يصروا على ما فعلوا أي ولم يثبتوا ويعزموا على ما فعلوا .

وقال مجاهد : أي ولم يمضوا .

وقال معبد بن صبيح : صليت خلف عثمان وعلي إلى جانبي ، فأقبل علينا فقال : صليت بغير وضوء ثم ذهب فتوضأ وصلى .

ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون .

الإصرار هو العزم بالقلب على الأمر وترك الإقلاع عنه .

ومنه صر الدنانير أي الربط عليها ; قال الحطيئة يصف الخيل :عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا علالتها بالمحصدات أصرتأي ثبتت على عدوها .

وقال قتادة : الإصرار الثبوت على المعاصي ; قال الشاعر :يصر بالليل ما تخفي شواكله يا ويح كل مصر القلب ختارقال سهل بن عبد الله : الجاهل ميت ، والناسي نائم ، والعاصي سكران ، والمصر [ ص: 201 ] هالك ، والإصرار هو التسويف ، والتسويف أن يقول : أتوب غدا ; وهذا دعوى النفس ، كيف يتوب غدا لا يملكه !

.

وقال غير سهل : الإصرار هو أن ينوي ألا يتوب فإذا نوى التوبة النصوح خرج عن الإصرار .

وقول سهل أحسن .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا توبة مع إصرارالثالثة : قال علماؤنا : الباعث على التوبة وحل الإصرار إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار ، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطيعين ، وما وصفه من عذاب النار وتهدد به العاصين ، ودام على ذلك حتى قوي خوفه ورجاؤه فدعا الله رغبا ورهبا ; والرغبة والرهبة ثمرة الخوف والرجاء ، يخاف من العقاب ويرجو الثواب ، والله الموفق للصواب .

وقد قيل : إن الباعث على ذلك تنبيه إلهي ينبه به من أراد سعادته ; لقبح الذنوب وضررها إذ هي سموم مهلكة .قلت : وهذا خلاف في اللفظ لا في المعنى ، فإن الإنسان لا يتفكر في وعد الله ووعيده إلا بتنبيهه ; فإذا نظر العبد بتوفيق الله تعالى إلى نفسه فوجدها مشحونة بذنوب اكتسبها وسيئات اقترفها ، وانبعث منه الندم على ما فرط ، وترك مثل ما سبق مخافة عقوبة الله تعالى صدق عليه أنه تائب ، فإن لم يكن كذلك كان مصرا على المعصية وملازما لأسباب الهلكة .

قال سهل بن عبد الله : علامة التائب أن يشغله الذنب عن الطعام والشراب ; كالثلاثة الذين خلفوا .الرابعة : قوله تعالى : وهم يعلمون فيه أقوال .

فقيل : أي يذكرون ذنوبهم فيتوبون منها .

قال النحاس : وهذا قول حسن .

وقيل : وهم يعلمون أني أعاقب على الإصرار .

وقال عبد الله بن عبيد بن عمير : وهم يعلمون أنهم إن تابوا تاب الله عليهم .

وقيل : يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم .

وقيل : يعلمون بما حرمت عليهم ; قاله ابن إسحاق .

وقال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي : وهم يعلمون أن الإصرار ضار ، وأن تركه خير من التمادي .

وقال الحسن بن الفضل : وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنب .قلت : وهذا أخذه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يحكي عن ربه عز وجل قال : أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي [ ص: 202 ] فعلم أن له ربا يغفر الذنب ، ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي .

فذكر مثله مرتين ، وفي آخره : اعمل ما شئت فقد غفرت لك أخرجه مسلم .

وفيه دليل على صحة التوبة بعد نقضها بمعاودة الذنب ; لأن التوبة الأولى طاعة وقد انقضت وصحت ، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أخرى مستأنفة ، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه ; لأنه أضاف إلى الذنب نقض التوبة ، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها ; لأنه أضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم ، وإنه لا غافر للذنوب سواه .

وقوله في آخر الحديث ( اعمل ما شئت ) أمر معناه الإكرام في أحد الأقوال ; فيكون من باب قوله : ادخلوها بسلام .

وآخر الكلام خبر عن حال المخاطب بأنه مغفور له ما سلف من ذنبه ، ومحفوظ إن شاء الله تعالى فيما يستقبل من شأنه .

ودلت الآية والحديث على عظيم فائدة الاعتراف بالذنب والاستغفار منه ، قال - صلى الله عليه وسلم - : إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه أخرجاه في الصحيحين .

وقال :يستوجب العفو الفتى إذا اعترف بما جنى من الذنوب واقترفوقال آخر :أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه إن الجحود جحود الذنب ذنبانوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم .

وهذه فائدة اسم الله تعالى الغفار والتواب ، على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى .الخامسة : الذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره ، فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره ، وليس مجرد الإيمان نفس توبة ، وغير الكفر إما حق لله تعالى ، وإما حق لغيره ، [ ص: 203 ] فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك ; غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء كالصلاة والصوم ، ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك ، وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها ، فإن لم يوجدوا تصدق عنهم ، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسار فعفو الله مأمول ، وفضله مبذول ; فكم ضمن من التبعات وبدل من السيئات بالحسنات .

وستأتي زيادة بيان لهذا المعنى .السادسة : ليس على الإنسان إذا لم يذكر ذنبه ويعلمه أن يتوب منه بعينه ، ولكن يلزمه إذا ذكر ذنبا تاب منه .

وقد تأول كثير من الناس فيما ذكر شيخنا أبو محمد عبد المعطي الإسكندراني - رضي الله عنه - أن الإمام المحاسبي - رحمه الله - يرى أن التوبة من أجناس المعاصي لا تصح ، وأن الندم على جملتها لا يكفي ، بل لا بد أن يتوب من كل فعل بجارحته وكل عقد بقلبه على التعيين .

ظنوا ذلك من قوله ، وليس هذا مراده ، ولا يقتضيه كلامه ، بل حكم المكلف إذا عرف حكم أفعاله ، وعرف المعصية من غيرها ، صحت منه التوبة من جملة ما عرف ; فإنه إن لم يعرف كون فعله الماضي معصية لا يمكنه أن يتوب منه لا على الجملة ولا على التفصيل ; ومثاله رجل كان يتعاطى بابا من أبواب الربا ولا يعرف أنه ربا فإذا سمع كلام الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين .

فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله عظم عليه هذا التهديد ، وظن أنه سالم من الربا ، فإذا علم حقيقة الربا الآن ، ثم تفكر فيما مضى من أيامه وعلم أنه لابس منه شيئا كثيرا في أوقات متقدمة ، صح أن يندم عليه الآن جملة ، ولا يلزمه تعيين أوقاته ، وهكذا كل ما واقع من الذنوب والسيئات كالغيبة والنميمة وغير ذلك من المحرمات التي لم يعرف كونها محرمة ، فإذا فقه العبد وتفقد ما مضى من كلامه تاب من ذلك جملة ، وندم على ما فرط فيه من حق الله تعالى ، وإذا استحل من كان ظلمه فحال له على الجملة وطابت نفسه بترك حقه جاز ; لأنه من باب هبة المجهول ، هذا مع شح العبد وحرصه على طلب حقه ، فكيف بأكرم الأكرمين المتفضل بالطاعات وأسبابها والعفو عن المعاصي صغارها وكبارها .

قال شيخنا ، رحمه الله تعالى : هذا مراد الإمام ، والذي يدل عليه كلامه لمن تفقده ، وما ظنه به الظان من أنه لا يصح الندم إلا على فعل فعل وحركة حركة وسكنة سكنة على التعيين هو من باب تكليف ما لا يطاق ، الذي لم يقع شرعا وإن جاز عقلا ، ويلزم عنه أن يعرف كم جرعة جرعها في شرب الخمر ، وكم حركة تحركها في الزنا ، وكم خطوة مشاها إلى محرم ، وهذا ما لا يطيقه أحد ، ولا تتأتى منه توبة على [ ص: 204 ] التفصيل .

وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان من أحكام التوبة وشروطها في " النساء " وغيرها إن شاء الله تعالى .السابعة : في قوله تعالى : ولم يصروا حجة واضحة ودلالة قاطعة لما قاله سيف السنة ، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب : أن الإنسان يؤاخذ بما وطن عليه بضميره ، وعزم عليه بقلبه من المعصية .قلت : وفي التنزيل : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم وقال : فأصبحت كالصريم .

فعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم وسيأتي بيانه .

وفي البخاري ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ) قالوا : يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟

قال : ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) .

فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم وألغى إظهار السلاح ، وأنص من هذا ما خرجه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري وصححه مرفوعا إنما الدنيا لأربعة نفر رجل أعطاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا ، فهذا بأفضل المنازل ، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل ، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول : لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء .

وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ، ولا يلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يهم الإنسان به وإن وطن عليه لا يؤاخذ به .

ولا حجة له في قوله عليه السلام : من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة واحدة لأن معنى ( فلم يعملها ) فلم يعزم على عملها بدليل ما ذكرنا ، ومعنى ( فإن عملها ) أي أظهرها أو عزم عليها بدليل ما وصفنا .

وبالله توفيقنا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر اعتذارهم لربهم من جناياتهم وذنوبهم، فقال: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } أي: صدر منهم أعمال سيئة كبيرة، أو ما دون ذلك، بادروا إلى التوبة والاستغفار، وذكروا ربهم، وما توعد به العاصين ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها وندمهم عليها، فلهذا قال: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ) الآية قال ابن مسعود : قال المؤمنون : يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا ، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه " اجدع أنفك وأذنك " ، افعل كذا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية .

وقال عطاء : نزلت في نبهان التمار وكنيته أبو معبد أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد ، وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبلها فقالت له : اتق الله فتركها وندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له ، فنزلت هذه الآية .

وقال مقاتل والكلبي : آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها وقبل يدها ، ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه ، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله فقالت : لا أكثر الله في الإخوان مثله ووصفت له الحال ، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا ، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا .

فقال الأنصاري : هلكت : وذكر له القصة فقال أبو بكر : ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم ، ثم أتيا عمر رضي الله عنه فقال مثل ذلك ، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ( والذين إذا فعلوا فاحشة ) يعني : قبيحة خارجة عما أذن الله تعالى له فيه ، وأصل الفحش القبح والخروج عن الحد قال جابر : الفاحشة : الزنا .

( أو ظلموا أنفسهم ) ما دون الزنا من القبلة والمعانقة والنظر واللمس .

وقال مقاتل والكلبي : الفاحشة ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل أو ظلموا أنفسهم بالمعصية .

وقيل : فعلوا فاحشة الكبائر ، أو ظلموا أنفسهم بالصغائر .

وقيل : فعلوا فاحشة فعلا أو ظلموا أنفسهم قولا .

( ذكروا الله ) أي : ذكروا وعيد الله ، وأن الله سائلهم ، وقال مقاتل بن حيان : ذكروا الله باللسان عند الذنوب .

( فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ) أي : وهل يغفر الذنوب إلا الله .

( ولم يصروا على ما فعلوا ) أي : لم يقيموا ولم يثبتوا عليه ولكن تابوا وأنابوا واستغفروا ، وأصل الإصرار : الثبات على الشيء وقال الحسن : إتيان العبد ذنبا عمدا إصرار حتى يتوب .

وقال السدي : الإصرار : السكوت وترك الاستغفار .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أنا يحيى بن يحيى ، أنا عبد الحميد بن عبد الرحمن ، عن عثمان بن واقد العمري ، عن أبي نصيرة ، قال : لقيت مولى لأبي بكر رضي الله عنه فقلت له : أسمعت من أبي بكر شيئا؟

قال : نعم سمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أصر من استغفر ، وإن عاد في اليوم سبعين مرة " .

( وهم يعلمون ) قال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي : وهم يعلمون أنها معصية ، وقيل : وهم يعلمون أن الإصرار ضار ، وقال الضحاك : وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنوب ، وقال الحسين بن الفضل وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنوب ، وقيل : وهم يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثرت ، وقيل : وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين إذا فعلوا فاحشة» ذنبا قبيحا كالزنا «أو ظلموا أنفسهم» بدونه كالقُبلة «ذكروا الله» أي وعيده «فاستغفروا لذنوبهم ومن» أي لا «يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا» يداوموا «على ما فعلوا» بل أقلعوا عنه «وهم يعلمون» أن الذي أتوه معصية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين إذا ارتكبوا ذنبًا كبيرًا أو ظلموا أنفسهم بارتكاب ما دونه، ذكروا وعد الله ووعيده فلجأوا إلى ربهم تائبين، يطلبون منه أن يغفر لهم ذنوبهم، وهم موقنون أنه لا يغفر الذنوب إلا الله، فهم لذلك لا يقيمون على معصية، وهم يعلمون أنهم إن تابوا تاب الله عليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أما الصفة الرابعة من صفات هؤلاء المتقين فقد ذكرها - سبحانه - فى قوله : { والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .والفاحشة من الفحش وهو مجاوزة الحد فى السوء .

والمراد بها الفعلة البالغة فى القبح كالزنا والسرقة وما يشبههما من الكبائر .والمعنى : سارعوا أيها المؤمنون إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدها خالقكم - عز وجل - للمتقين الذين من صفاتهم أنهم ينفقون أموالهم فى السراء والضراء ، ويكظمون غيظهم ، ويعفون عن الناس ، وأنهم إذا فعلوا فعلة فاحشة متناهية فى القبح ، أو ظلموا أنفسهم ، بارتكاب أى نوع من أنواع الذنوب " ذكروا الله " أى تذكروا حقه العظيم ، وعذابه الشديد ، وحسابه العسير للظالمين يوم القيامة " فاستغفروا لذنوبهم " أى طلبوا منه - سبحانه - المغفرة لذنوبهم التى ارتكبوها ، وتابوا إليه توبة صادقة نصوحا .وعلى هذا يكون قوله - تعالى - { والذين إِذَا فَعَلُواْ } معطوفا على الصفة الأولى من صفات المتقين ، ويكون قوله - تعالى - { والله يُحِبُّ المحسنين } جملة معترضة بين الصفات المتعاطفة .قال الفخر الرازى : واعلم أن وجه النظم من وجهين :الأول : أنه - تعالى - لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان :أحدهما : الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات ، وهم الذين وصفهم بالانفاق فى السراء والضراء ، وكظم الغيظ والعفو عن الناس .وثانيهما : الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله - تعالى - { والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً } وبين - سبحانه - أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى فى كونها متقية .والوجه الثانى : أنه فى الآية الأولى ندب إلى الإحسان إلى الغير ، وندب فى هذه الآية إلى الإحسان إلى النفس ، فإن الذنب إذا تاب كانت توبته إحسانا منه إلى نفسه " .وقوله { أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ } معطوف على { فَعَلُواْ فَاحِشَةً } من باب عطف العام على الخاص ، وهذا على تفسير الفاحشة بأنها كبائر الذنوب ، أما ظلم النفس فيتناول كل ذنب سواء أكان صغيرا أم كبيراً .وبعضهم يرى أن الفاحشة وظلم النفس وجهان للمعصية لا ينفصلان عنها ، بمعنى أن كل معصية لا تخلو منهما فهى فاحشة وظلم للنفس ، وعلى هذا تكون " أو " بمعنى الواو .ويكون المعنى : ومن يرتكب فاحشة ويظلم نفسه ، ويتذكر الله عند ارتكابها فيعود إليه تائباً منيبا يكون من المتقين .وفى التعبير بقوله : { إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله } بصيغة الشرط الجواب ، إشعار بوجوب اقتران الجواب بالشرط .

أى أن الشخص الذى يدخل فى جملة المتقين هو الذاى يعود إلى ربه تائبا فور وقوع المعصية ، بحيث لا يسوف ولا يؤخر التوبة حتى إذا حصره الموت .قال : إنى تبت الآن .وقوله : { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } جملة معترضة بين قوله { فاستغفروا } وبين قوله { وَلَمْ يُصِرُّواْ } .والاستفهام فى قوله : { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } للإنكار والنفى .أى : لا أحد يقبل توبة التائبين ، ويغفر ذنوب المذنبين ، ويمسح خطايا المخطئين ، إلا الله العلى الكبير " الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل ، ويتوب الله على من تاب " - كما جاء فى الحديث الشريف - ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الجملة ما ملخصه : فى هذه الجملة وصف لذاته - تعالى - بسعة الرحمة ، وقرب المغفرة ، وأن التائب من ذنبه كمن لا ذنب له ، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه .

وفيها تطييب لنفوس العباد ، وتنشيط للتوبة ، وبعث عليها ، وردع عن اليأس والقنوط ، وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل ، وكرمه أعظم .

والمعنى أنه وحده عنده مصححات المغفرة ، وهذه جملة معترضة بين المعطوف ، والمعطوف عليه " .وقوله { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } بيان لشروط الاستغفار المقبول عند الله - تعالى - .أى أن من صفات المتقين أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ، سارعوا بالتوبة إلى الله - تعالى - ، ولم يصروا على الفعل القبيح الذى فعلوه ، وهم عالمون بقبحه ، بل يندمون على ما فعلوا ، ويستغفرون الله - تعالى - مما فعلوا ، ويتوبن إليه توبة صادقة .وقوله { وَلَمْ يُصِرُّواْ } معطوف على قوله { فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ } .وقوله { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } جملة حالية من فاعل " يصروا " أى ولم يصروا على ما فعلوا وهم عالمون بقبحه .ومفعول يعلمون محذوف للعمل به أى يعلمون سوء فعلهم ، أو يعلمون أن الله يتوب على من تاب ، أو يعلمون عظم غضب الله على المذنبين الذين يداومون على فعل القبائح دون أن يتوبوا إليه .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد فتحت باب التوبة أمام المذنبين ، وحرضتهم على ولوجه بعزيمة صادقة ، وقلب سليم ، ولم تكتف بذلك بل بشرتهم بأنهم متى أقلعوا عن ذنوبهم ، وندموا على ما فعلوا ، وعاهدوا الله على عدم العودة على ما ارتكبوه من خطايا ، وردوا المظالم إلى أهلها ، فإن الله - تعالى - يغفر لهم ما فرط منهم ، ويحشرهم فى زمرة عباده المتقين .إنه - سبحانه - لا يغلق فى وجه عبده الضعيف المخطىء باب التوبة ، ولا يلقيه حئرا منبوذا فى ظلام المتاهات ، ولا يدعه مطرودا خائفا من المصير ، وإنما يطمعه فى مغفرته - سبحانه - ويرشده إلى أسبابها ، ويغريه بمباشرة هذه الأسباب حتى ينجو من العقاب .ولقد ساق - سبحانه - فى عشرات الآيات ما يبشر التائبين الصادقين فى توبتهم بمغفرته ورحمته ورضوانه ، ومن ذلك قوله - تعالى - :{ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً } وقد وردت أحاديث كثيرة فى هذا المعنى ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذى عن أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أصر من استغفر وإن عاد فى اليوم سبعين مرة " .وقال القرطبى : وأخرج الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه " .وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذى نفسى بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم " .ثم قال القرطبى : " والذنوب التى يتاب منها إما كفر أو غيره فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره ، وغير الكفر إما حق الله - تعالى - وإما حق لغيره؛ فحق الله - تعالى - يكفى فى التوبة منه الترك ، غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك ، بل أضاف إلى ذلك فى بعضها قضاء كالصلاة والصوم .

ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث فى الإيمان والظهار وغير ذلك وأما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها ، فإن لم يوجدوا تصدق عنهم ، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لإعسار فعفو الله مأمول ، وفضله مبذول ، فكم ضمن من التبعات ، وبدل من السيئات بالحسنات " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن وجه النظم من وجهين: الأول: أنه تعالى لما وصف الجنة بأنها معدة للمتقين بين أن المتقين قسمان: أحدهما: الذين أقبلوا على الطاعات والعبادات، وهم الذين وصفهم الله بالانفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس.

وثانيهما: الذين أذنبوا ثم تابوا وهو المراد بقوله: ﴿ والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة ﴾ وبين تعالى أن هذه الفرقة كالفرقة الأولى في كونها متقية، وذلك لأن المذنب إذا تاب عن الذنب صار حاله كحال من لم يذنب قط في استحقاق المنزلة والكرامة عند الله.

والوجه الثاني: أنه تعالى ندب في الآية الأولى إلى الاحسان إلى الغير، وندب في هذه الآية إلى الاحسان إلى النفس، فان المذنب العاصي إذا تاب كانت تلك التوبة إحساناً منه إلى نفسه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روى ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في رجلين، أنصاري وثقفي، والرسول صلى الله عليه وسلم كان قد آخى بينهما، وكانا لا يفترقان في أحوالهما، فخرج الثقفي مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرعة في السفر، وخلف الأنصاري على أهله ليتعاهدهم، فكان يفعل ذلك.

ثم قام إلى امرأته ليقبلها فوضعت كفها على وجهها، فندم الرجل، فلما وافى الثقفي مع الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير الأنصاري، وكان قد هام في الجبال للتوبة، فلما عرف الرسول صلى الله عليه وسلم سكت حتى نزلت هذه الآية.

وقال ابن مسعود: قال المؤمنون للنبي صلى الله عليه وسلم: كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا، فكان أحدهم إذا أذنب ذنباً أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره: اجدع أنفك، افعل كذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وبين أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.

المسألة الثانية: الفاحشة هاهنا نعت محذوف والتقدير: فعلوا فعلة فاحشة، وذكروا في الفرق بين الفاحشة وبين ظلم النفس وجوها: الأول: قال صاحب الكشاف: الفاحشة ما يكون فعله كاملا في القبح، وظلم النفس: هو أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.

والثاني: أن الفاحشة هي الكبيرة، وظلم النفس.

هي الصغيرة، والصغيرة يجب الاستغفار منها، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بالاستغفار وهو قوله: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ  ﴾ وما كان استغفاره دالا على الصغائر بل على ترك الأفضل.

الثالث: الفاحشة: هي الزنا، وظلم النفس: هي القبلة واللمسة والنظرة، وهذا على قول من حمل الآية على السبب الذي رويناه، ولأنه تعالى سمى الزنا فاحشة، فقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ .

أما قوله: ﴿ ذَكَرُواْ الله ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أن المعنى ذكروا وعيد الله أو عقابه أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، فيكون من باب حذف المضاف، والذكر هاهنا هو الذي ضد النسيان وهذا معنى قول الضحاك، ومقاتل، والواقدي، فان الضحاك قال: ذكروا العرض الأكبر على الله، ومقاتل، والواقدي.

قال: تفكروا أن الله سائلهم، وذلك لأنه قال: بعد هذه الآية ﴿ فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ وهذا يدل على أن الاستغفار كالأثر، والنتيجة لذلك: الذكر، ومعلوم أن الذكر الذي يوجب الاستغفار ليس إلا ذكر عقاب الله، ونهيه ووعيده، ونظير هذه الآية قوله: ﴿ إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ  ﴾ والقول الثاني: أن المراد بهذا الذكر ذكر الله بالثناء والتعظيم والاجلال، وذلك لأن من أراد أن يسأل الله مسألة، فالواجب أن يقدم على تلك المسألة الثناء على الله، فهنا لما كان المراد الاستغفار من الذنوب قدموا عليه الثناء على الله تعالى، ثم اشتغلوا بالاستغفار عن الذنوب.

ثم قال: ﴿ فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ والمراد منه الاتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل، فهذا هو حقيقة التوبة، فأما الاستغفار باللسان، فذاك لا أثر له في إزالة الذنب، بل يجب إظهار هذا الاستغفار لازالة التهمة، ولاظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى، وقوله: ﴿ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي لأجل ذنوبهم.

ثم قال: ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله ﴾ والمقصود منه أن لا يطلب العبد المغفرة إلا منه، وذلك لأنه تعالى هو القادر على عقاب العبد في الدنيا والآخرة، فكان هو القادر على إزالة ذلك العقاب عنه، فصح أنه لا يجوز طلب الاستغفار إلا منه.

ثم قال: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله ﴾ جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا.

وقوله: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه حال من فعل الاصرار، والتقدير: ولم يصروا على ما فعلوا من الذنوب حال ما كانوا عالمين بكونها محظورة محرمة لأنه قد يعذر من لا يعلم حرمة الفعل، أما العالم بحرمته فانه لا يعذر في فعله ألبتة.

الثاني: أن يكون المراد منه العقل والتمييز والتمكين من الاحتراز من الفواحش فيجري مجرى قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث».

ثم قال: ﴿ أولئك جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وجنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ والمعنى أن المطلوب أمران: الأول: الأمن من العقاب واليه الاشارة بقوله: ﴿ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ ﴾ .

والثاني: إيصال الثواب اليه وهو المراد بقوله: ﴿ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ﴾ ثم بين تعالى أن الذي يحصل لهم من ذلك وهو الغفران والجنات يكون أجراً لعملهم وجزاء عليه بقوله: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين ﴾ قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال ان الثواب تفضل من الله وليس بجزاء على عملهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في مصاحف أهل المدينة والشام (سارعوا) بغير واو.

وقرأ الباقون بالواو.

وتنصره قراءة أبيّ وعبد الله: وسابقوا ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يستحقان به ﴿ عَرْضُهَا السماوات والأرض ﴾ [الحديد: 1] أي عرضها عرض السموات والأرض، كقوله: ﴿ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والارض ﴾ والمراد وصفها بالسعة والبسطة، فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه.

وخص العرض، لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة، كقوله: ﴿ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾ [الرحمن: 54] .

وعن ابن عباس رضي الله عنه: كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض ﴿ فِى السَّرَّاء والضراء ﴾ في حال الرخاء واليسر وحال الضيقة والعسر، لا يخلون بأن ينفقوا في كلتا الحالتين ما قدروا عليه من كثير أو قليل، كما حكي عن بعض السلف: أنه ربما تصدّق ببصلة، وعن عائشة رضي الله عنها أنها تصدّقت بحبة عنب أو في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرّة، لا تمنعهم حال فرح وسرور، ولا حال محنة وبلاء، من المعروف، وسواء عليهم كان الواحد منهم في عرس أو في حبس، فإنه لا يدع الإحسان.

وافتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس وأدله على الإخلاص، ولأنه كان في ذلك الوقت أعظم الأعمال للحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.

كظم القربة: إذا ملأها وشد فاها.

وكظم البعير: إذا لم يجتر.

ومنه كظم الغيظ، وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له أثراً، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيماناً» ، وعن عائشة رضي الله عنها: أن خادماً لها غاظها فقالت: لله درّ التقوى، ما تركت لذي غيظ شفاء.

﴿ والعافين عَنِ الناس ﴾ إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه وروي: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الذين كانت أجورهم على الله فلا يقوم إلا من عفا» وعن ابن عيينة: أنه رواه للرشيد وقد غضب على رجل فخلاه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هؤلاء في أمّتي قليل إلا من عصم الله، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت» ﴿ والله يُحِبُّ المحسنين ﴾ يجوز أن تكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون.

وأن تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء ﴿ والذين ﴾ عطف على المتقين.

أي أعدت للمتقين وللتائبين.

وقوله: ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الفريقين.

ويجوز أن يكون والذين مبتدأ خبره أولئك ﴿ فاحشة ﴾ فعلة متزايدة القبح ﴿ أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أو أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذون به.

وقيل: الفاحشة والزنا.

وظلم النفس ما دونه من القبلة واللمسة ونحوهما.

وقيل: الفاحشة الكبيرة.

وظلم النفس الصغيرة ﴿ ذَكَرُواْ الله ﴾ تذكروا عقابه أو وعيده أو نهيه، أو حقه العظيم وجلاله الموجب للخشية والحياء منه ﴿ فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فتابوا عنها لقبحها نادمين عازمين ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله ﴾ وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة وإنّ التائب من الذنب عنده كمن لا ذنب له، وأنه لا مفزع للمذنبين إلا فضله وكرمه، وأنّ عدله يوجب المغفرة للتائب، لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز وفيه تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث عليها وردع عن اليأس والقنوط وأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم.

والمعنى: أنه وحده معه مصححات المغفرة وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ ﴾ ولم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرّة» وروي: «لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار» ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ حال من فعل الإصرار وحرف النفي منصب عليهما معاً.

والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها وبالوعيد عليها، لأنه قد يعذر من لا يعلم قبح القبيح.

وفي هذه الآيات بيان قاطع أنّ الذين آمنوا على ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصروُّن.

وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم، دون المصرّين.

ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه.

قال ﴿ أَجْرُ العاملين ﴾ بعد قوله: ﴿ جَزَآؤُهُمْ ﴾ [آل عمران: 87] لأنهما في معنى واحد.

وإنما خالف بين اللفظين لزيادة التنبيه على أنّ ذلك جزاء واجب على عمل، وأجر مستحق عليه، لا كما يقول المبطلون.

وروي أنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى موسى: ما أقلّ حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي.

وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة.

وعن الحسن رضي الله عنه: يقول الله تعالى يوم القيامة «جوزوا والصراط بعفوي، وادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم» وعن رابعة البصرية رضي الله عنها أنها كانت تنشد: تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا ** إنّ السَّفِينَةَ لاَ تَجْرِي عَلَى اليَبَسِ والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: ونعم أجر العاملين ذلك.

يعني المغفرة والجنات ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ يريد ما سنه الله في الأمم المكذبين من وقائعه، كقوله: ﴿ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْل ﴾ [الأحزاب: 61] ﴿ ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ [الفتح: 22] ، ﴿ سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ﴾ [الفتح: 23] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً فِعْلَةً بالِغَةً في القُبْحِ كالزِّنى.

أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ أذْنَبُوا أيَّ ذَنْبٍ كانَ وقِيلِ الفاحِشَةُ الكَبِيرَةُ وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغِيرَةُ، ولَعَلَّ الفاحِشَةَ ما يَتَعَدّى وظُلْمَ النَّفْسِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ.

ذَكَرُوا اللَّهَ تَذَكَّرُوا وعِيدَهُ أوْ حُكْمَهُ أوْ حَقَّهُ العَظِيمَ.

فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ بِالنَّدَمِ والتَّوْبَةِ.

ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَّفْيِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، والمُرادُ بِهِ وصْفُهُ تَعالى بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ المَغْفِرَةِ والحَثُّ عَلى الِاسْتِغْفارِ والوَعْدُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ولَمْ يُقِيمُوا عَلى ذُنُوبِهِمْ غَيْرَ مُسْتَغْفِرِينَ؛ لِقَوْلِهِ  : «ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً».» وَهم يَعْلَمُونَ، حالٌ مِن يُصِرُّوا أيْ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ عالِمِينَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين إذا فعلوا فاحشة} فعلة متزايدة

آل عمران (١٣٥ _ ١٣٩)

القبح ويجوز أن يكون والذين مبتدأ خبره أولئك {وظلموا أَنْفُسَهُمْ} قيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة أو الفاحشة الزنا وظلم النفس القبلة واللمسة ونحوهما {ذَكَرُواْ الله} بلسانهم أو بقلوبهم ليبعثهم على التوبة {فاستغفروا لذنوبهم} فتابوا عنها لقبحها نادمين قيل بكى إبليس حين نزلت

هذه الآية {وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله} من مبتدأ ويغفر خبره وفيه ضمير يعود إلى من وإلا الله بدل من الضمير في يغفر والتقدير ولا أحد يغفر الذنوب إلا الله وهذه جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه وفيه تطييب لنفوس العباد وتنشيط للتبوبة وبعث عليها وردع عن اليأس والقنوط وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته ن التائب وإشعار بأن الذنوب وإن جلّت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم {وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ} ولم يقيموا على قبيح فعلهم والإصرار الإقامة قال عليه السلام ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة وروي لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغير مع الإصرار {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حال من الضمير في ولم يصروا أي وهم يعلمون أنهم أساءوا أو وهم يعلمون أنه لا يغفر ذنوبهم إلا الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ورَجَّحَ بَعْضُهُمُ العَهْدَ عَلى الجِنْسِ بِأنَّهُ أدْخَلُ في المَدْحِ وأنْسَبُ بِذِكْرِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ مِن تَتِمَّةِ ما نَزَلَ حِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا“ إلَخْ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ «ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حالُ بَنِي إسْرائِيلَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَمْ يَذْكُرْ صَدْرَ الآيَةِ» .

وفِي رِوايَةِ الكَلْبِيِّ «أنَّ رَجُلَيْنِ أنْصارِيًّا وثَقَفِيًّا آخى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَيْنَهُما فَكانا لا يَفْتَرِقانِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ مَغازِيهِ وخَرَجَ مَعَهُ الثَّقَفِيُّ وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ في أهْلِهِ وحاجَتِهِ، فَكانَ يَتَعاهَدُ أهْلَ الثَّقَفِيِّ فَأقْبَلَ ذاتَ يَوْمٍ فَأبْصَرَ امْرَأةَ صاحِبِهِ قَدِ اغْتَسَلَتْ وهي ناشِرَةٌ شَعْرَها فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ فَدَخَلَ ولَمْ يَسْتَأْذِنْ حَتّى انْتَهى إلَيْها، فَذَهَبَ لِيَلْثَمَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها فَقَبَّلَ ظاهِرَ كَفِّها ثُمَّ نَدِمَ واسْتَحْيا فَأدْبَرَ راجِعًا فَقالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى خُنْتَ أمانَتَكَ وعَصَيْتَ رَبَّكَ ولَمْ تَصِلْ إلى حاجَتِكَ، قالَ: ونَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ فَخَرَجَ يَسِيحُ في الجِبالِ ويَتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَنْبِهِ حَتّى وافى الثَّقَفِيُّ فَأخْبَرَتْهُ أهْلُهُ بِفِعْلِهِ، فَخَرَجَ يَطْلُبُهُ حَتّى دُلَّ عَلَيْهِ فَوافَقَهُ ساجِدًا وهو يَقُولُ: رَبِّ ذَنْبِي ذَنْبِي قَدْ خُنْتُ أخِي فَقالَ لَهُ: قُمْ يا فُلانُ فانْطَلِقْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاسْألْهُ عَنْ ذَنْبِكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وتَوْبَةً، فَأقْبَلَ مَعَهُ حَتّى رَجَعَ إلى المَدِينَةِ وكانَ ذاتَ يَوْمٍ عِنْدَ صَلاةِ العَصْرِ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَوْبَتِهِ فَتَلا: ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألِهَذا الرَّجُلِ خاصَّةً أمْ لِلنّاسِ عامَّةً ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً» .

وفِي رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ تَيِّهانَ التَّمّارَ أتَتْهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ تَبْتاعُ مِنهُ تَمْرًا فَضَمَّها إلى نَفْسِهِ وقَبَّلَها ثُمَّ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ سَبَبِ النُّزُولِ، وأيًّا ما كانَ فَبِإطْلاقِ اللَّفْظِ يَنْتَظِمُ ما فَعَلَهُ الرُّماةُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَطّافِ بْنِ خالِدٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّها لَمّا نَزَلَتْ صاحَ إبْلِيسُ بِجُنُودِهِ وحَثا عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ ودَعا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ حَتّى جاءَتْهُ جُنُودُهُ مِن كُلِّ بَرٍّ وبَحْرٍ فَقالُوا: ما لَكَ يا سَيِّدَنا ؟

قالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ في كِتابِ اللَّهِ لا يَضُرُّ بَعْدَها أحَدًا مِن بَنِي آدَمَ ذَنْبٌ.

قالُوا: وما هي ؟

فَأخْبَرَهم، قالُوا: نَفْتَحُ لَهم بابَ الأهْواءِ فَلا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يَرَوْنَ إلّا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَرَضِيَ مِنهم بِذَلِكَ، والمَوْصُولُ إمّا مَفْصُولٌ عَمّا قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن صِفاتِ المُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَهُما مُشِيرٌ إلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ دَرَجَةَ الأوَّلِينَ مِنَ التَّقْوى أعْلى، وحَظَّهم أوْفى، أوْ عَلى المُتَّقِينَ، فَيَكُونُ التَّفاوُتُ أظْهَرَ وأكْثَرَ، والفاحِشَةُ: الكَبائِرُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الصَّغائِرُ قالَهُ القاضِي عَبْدِ الجَبّارِ الهَمْدانِيُّ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ المَعْصِيَةُ الفِعْلِيَّةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ المَعْصِيَةُ القَوْلِيَّةُ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ ما يَتَعَدّى، ومِنهُ إفْشاءُ الذَّنْبِ لِأنَّهُ سَبَبُ اجْتِراءِ النّاسِ عَلَيْهِ ووُقُوعِهِمْ فِيهِ، وظُلْمُ النَّفْسِ ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ كُلُّ ما يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصِي والذُّنُوبِ وتُقالُ لِكُلِّ خَصْلَةٍ قَبِيحَةٍ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وكَثِيرًا ما تَرِدُ بِمَعْنى الزِّنا، وأصْلُ الفُحْشِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في السُّوءِ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ يَعْنِي الَّذِي جاوَزَ الحَدَّ في البُخْلِ، فَلَعَلَّ المُرادَ مِنها هُنا المَعْصِيَةُ البالِغَةَ في القُبْحِ، والظُّلْمُ الذَّنْبُ مُطْلَقًا، وذِكْرُهُ بَعْدَها مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ، وأوْ عَلى الوُجُوهِ لِلتَّنْوِيعِ ولا يَرِدُ أنَّهُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ التَّرْدِيدُ بَيْنَ الخاصِّ والعامِّ، وقَدْ تُوُقِّفَ في قَبُولِهِ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا تَرْدِيدٌ بَيْنَ فِرْقَتَيْنِ مَن يَسْتَغْفِرُ لِلْفاحِشَةِ ومَن يَسْتَغْفِرُ لِأيِّ ذَنْبٍ صَدَرَ عَنْهُ وكَمْ بَيْنَهُما، وجَوابُ (إذا) قَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ تَذَكَّرُوا حَقَّهُ العَظِيمَ ووَعِيدَهُ، أوْ ذَكَرُوا العَرْضَ عَلَيْهِ، أوْ سُؤالَهُ عَنِ الذَّنْبِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ نَهْيِهِ أوْ غُفْرانِهِ، وقِيلَ: ( ذَكَرُوا ) جَمالَهُ فاسْتَحْيَوْا، وجَلالَهُ فَهابُوا، وقِيلَ: ( ذَكَرُوا ) ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ عَنْ جَمِيعِ القَبائِحِ وأحَبُّوا التَّقَرُّبَ إلَيْهِ بِالمُناسِبَةِ لَهُ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذَّمائِمِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ ذِكْرِ اسْمِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿ فاسْتَغْفَرُوا ﴾ أيْ طَلَبُوا المَغْفِرَةَ مِنهُ تَعالى ﴿ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ كَيْفَما كانَتْ، ومَفْعُولُ ( فاستغفروا ) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى أيِ اسْتَغْفَرُوهُ، ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ طَلَبِ المَغْفِرَةِ بَلْ مَعَ التَّوْبَةِ وإلّا فَطَلَبُ المَغْفِرَةِ مَعَ الإصْرارِ كالِاسْتِهْزاءِ بِالرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ، ومِن هُنا قالَتْ رابِعَةُ العَدَوِيَّةُ: اسْتِغْفارُنا هَذا يَحْتاجُ إلى اسْتِغْفارٍ ﴿ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ أوْ بَيْنَ الحالِ وذِيها، والتَّرْكِيبُ عَلى ما أفادَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَدُلُّ عَلى أُمُورٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وأُمُورٍ مِن جِهَةِ العَبْدِ.

أمّا الأوَّلُ فَعَلى وُجُوهٍ: أحَدُها دَلالَةُ اسْمِ الذّاتِ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن مَعْنى الغُفْرانِ الواسِعِ، وإيرادُ التَّرْكِيبِ عَلى صِيغَةِ الإنْشاءِ دُونَ الإخْبارِ بِأنْ لَمْ يَقُلْ وما يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ المَعْنى وتَأْكِيدٌ لَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ تَعْرِفُونَ أحَدًا يَقْدِرُ عَلى غَفْرِ الذُّنُوبِ كُلِّها صَغِيرِها وكَبِيرِها سالِفِها وغابِرِها غَيْرَ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وثانِيها تَقْدِيمُهُ عَنْ مَكانِهِ وإزالَتِهِ عَنْ مَقَرِّهِ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو ( الَّذِينَ ) والخَبَرُ الآتِي، ثُمَّ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أوِ الحالِ وصاحِبِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كُلَّما وُجِدَ الِاسْتِغْفارُ لَمْ يَتَخَلَّفِ الغُفْرانَ، وثالِثُها الإتْيانُ بِالجَمْعِ المُحَلّى بِاللّامِ إعْلامًا بِأنَّ التّائِبَ إذا تَقَدَّمَ بِالِاسْتِغْفارِ يُتَلَقّى بِغُفْرانِ ذُنُوبِهِ كُلِّها فَيَصِيرُ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، ورابِعُها دَلالَةُ النَّفْيِ بِالحَصْرِ والإثْباتِ عَلى أنَّهُ لا مَفْزَعَ لِلْمُذْنِبِينَ إلّا كَرَمُهُ وفَضْلُهُ، وذَلِكَ أنَّ مَن وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في نَشْرِها كَرَمًا وفَضْلًا، وخامِسُها إسْنادُ غُفْرانِ الذُّنُوبِ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وإثْباتُهُ لِذاتِهِ المُقَدَّسِ بَعْدَ وُجُودِ الِاسْتِغْفارِ وتَنَصُّلِ عَبِيدِهِ يَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ ذَلِكَ قَطْعًا، إمّا بِحَسَبِ الوَعْدِ كَما نَقُولُ أوْ بِحَسَبِ العَدْلِ كَما يَزْعُمُهُ المُعْتَزِلَةُ.

وأمّا الثّانِي فَفِيهِ وُجُوهٌ أيْضًا: الأوَّلُ: إنَّ في إبْداءِ سَعَةِ الرَّحْمَةِ واسْتِعْجالِ المَغْفِرَةِ بِشارَةً عَظِيمَةً وتَطْيِيبًا لِلنُّفُوسِ، والثّانِي: أنَّ العَبْدَ إذا نَظَرَ إلى هَذِهِ العِنايَةِ الشَّدِيدَةِ والِاهْتِمامِ العَظِيمِ في شَأْنِ التَّوْبَةِ يَتَحَرَّكُ نَشاطُهُ ويَهْتَزُّ عَطْفُهُ فَلا يَتَقاعَدُ عَنْها، والثّالِثُ: أنَّ في ضِمْنِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ قَلْعُ اليَأْسِ والقُنُوطِ ولِهَذا عَلَّلَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ .

والرّابِعُ: أنَّهُ أُطْلِقَتِ الذُّنُوبُ وعَمَّتْ بَعْدَ ذِكْرِ الفاحِشَةِ وظُلْمِ النَّفْسِ وتَرْكِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِيَدُلَّ بِهِ عَلى عَدَمِ المُبالاةِ في الغُفْرانِ، فَإنَّ الذُّنُوبَ وإنْ كَبُرَتْ فَعَفْوُ اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ.

والخامِسُ: أنَّ الِاسْمَ الجامِعَ في التَّرْكِيبِ كَما دَلَّ عَلى سِعَةِ الغُفْرانِ بِحَسَبِ المَقامِ يَدُلُّ أيْضًا مَعَ إرادَةِ الحَصْرِ عَلى أنَّهُ تَعالى وحْدَهُ مَعَهُ مُصَحِّحاتُ المَغْفِرَةِ مِن كَوْنِهِ عَزِيزًا لَيْسَ فَوْقَهُ أحَدٌ فَيَرُدَّ عَلَيْهِ حُكْمَهُ، وكَوْنُهُ حَكِيمًا يَغْفِرُ لِمَن تَقْتَضِي حِكْمَتُهُ غُفْرانَهُ.

وقَدِ التَزَمَ بَعْضُهم كَوْنَ ( ألْ ) في (الذُّنُوبِ) لِلْجِنْسِ لِتُفِيدَ الآيَةُ امْتِناعُ صُدُورِ مَغْفِرَةِ فَرْدٍ مِنها مِن غَيْرِهِ تَعالى، وهَذا عَلى ظَنِّهِ لا تُفِيدُهُ الآيَةُ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ كُلِّ (الذُّنُوبِ) وحِينَئِذٍ يَزْدادُ أمْرُ المُبالَغَةِ، وأمّا جَعْلُ الجُمْلَةِ حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ قائِلِينَ ذَلِكَ فَتَعَسُّفٌ يَذْهَبُ بِكَثِيرٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ اللَّطِيفَةِ كَما لا يَخْفى، و(مَن) مُبْتَدَأٌ (ويَغْفِرُ) خَبَرُهُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنَ المَسْتَكِنِ في يَغْفِرُ أوْ فاعِلٌ لَهُ ﴿ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ فاسْتَغْفَرُوا ﴾ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ لَمْ يُقِيمُوا أوْ غَيْرُ مُقِيمِينَ عَلى الَّذِي فَعَلُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ فاحِشَةً كانَتْ أوْ ظُلْمًا أوْ عَلى فِعْلِهِمْ، وأصْلُ الإصْرارِ الشَّدُّ مِنَ الصَّرِّ، وقِيلَ: الثَّباتُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ يَصِفُ الخَيْلَ: عَوابِسَ بِالشُّعْثِ الكُماةِ إذا ابْتَغَوْا ∗∗∗ غُلالَتَها بِالمُحْصَداتِ (أصَرَّتِ) ويُسْتَعْمَلُ شَرْعًا بِمَعْنى الإقامَةِ عَلى القَبِيحِ مِن غَيْرِ اسْتِغْفارٍ ورُجُوعٍ بِالتَّوْبَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَةُ هَذا المَعْنى لِئَلّا يَتَكَرَّرَ ما في المَفْهُومِ مَعَ ما في المَنطُوقِ، فَلَعَلَّهُ فِيهِ بِمَعْنى الإقامَةِ، وإذا حُمِلَ الِاسْتِغْفارُ عَلى مُجَرَّدِ طَلَبِ المَغْفِرَةِ فَقَطْ كانَ هَذا مُشِيرًا لِلتَّوْبَةِ الَّتِي هي مِلاكُ الأمْرِ إلّا أنَّهُ قَدَّمَ الِاسْتِغْفارَ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلَيْها في الظّاهِرِ، وإذا حُمِلَ عَلى الحالِ الَّذِي يَنْضَمُّ إلَيْهِ التَّوْبَةُ كانَ هَذا تَصْرِيحًا بِبَعْضِ ما أُرِيدَ مِنهُ إشارَةً إلى الِاعْتِناءِ بِهِ كَما قالُوا في ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ.

أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا:“ كُلُّ ذَنْبٍ أصَرَّ عَلَيْهِ العَبْدُ كَبِيرٌ، ولَيْسَ بِكَبِيرٍ ما تابَ مِنهُ العَبْدُ " .

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكم، ويْلٌ لِأقْماعِ القَوْلِ ويْلٌ لِلْمُصِرِّينَ» .

﴿ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ (135) قِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ اسْتَغْفَرُوا وفِيهِ بُعْدٌ لَفْظِيٌّ، والمَشْهُورُ أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ أصَرُّوا، ومَفْعُولُ (يَعْلَمُونَ) مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُونَ قُبْحَ فِعْلِهِمْ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الحالَ بَعْدَ الفِعْلِ المَنفِيِّ وكَذا جَمِيعُ القُيُودِ قَدْ يَكُونُ راجِعًا إلى النَّفْيِ قَيْدًا لَهُ دُونَ المَنفِيِّ، مِثْلُ: ما جِئْتُكَ مُشْتَغِلًا بِأُمُورِكَ بِمَعْنى تَرَكْتُ المَجِيءَ مُشْتَغِلًا بِذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ راجِعًا إلى ما دَخَلَهُ النَّفْيُ مِثْلُ: ما جِئْتُكَ راكِبًا، ولِهَذا مَعْنَيانِ: أحَدُهُما وهو الأكْثَرُ أنْ يَكُونُ النَّفْيُ راجِعًا إلى القَيْدِ فَقَطْ ويَثْبُتُ أصْلُ الفِعْلِ فَيَكُونُ المَعْنى جِئْتُ غَيْرَ راكِبٍ، وثانِيهِما: أنْ يَقْصِدَ نَفْيَ الفِعْلِ والقَيْدِ مَعًا بِمَعْنى انْتِفاءِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ فالمَعْنى في المِثالِ لا مَجِيءَ ولا رُكُوبَ، وقَدْ يَكُونُ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا لِلْفِعْلِ فَقَطْ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِنَفْيِ القَيْدِ وإثْباتِهِ.

قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ لا يَصِحُّ فِيها أنْ يَكُونَ وهم ( يَعْلَمُونَ ) قَيْدًا لِلنَّفْيِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِأنَّ تَرْكَ الإصْرارِ مُوجِبٌ لِلْأجْرِ والجَزاءِ سَواءٌ كانَ مَعَ العِلْمِ بِالقُبْحِ أوْ مَعَ الجَهْلِ، بَلْ مَعَ الجَهْلِ أوْلى، ولا يَصِحُّ أيْضًا فِيها أنْ يَتَوَجَّهَ النَّفْيُ إلى القَيْدِ فَقَطْ مَعَ إثْباتِ أصْلِ الفِعْلِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى إثْباتِ الإصْرارِ ونَفْيِ العِلْمِ، وكَذا لا يَصِحُّ تَوَجُّهُهُ إلى الفِعْلِ والقَيْدِ مَعًا إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى نَفْيِ العِلْمِ، والظّاهِرُ أنَّ المُناسِبَ فِيها تَوَجُّهُهُ إلى الفِعْلِ فَقَطْ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِنَفْيِ القَيْدِ وإثْباتِهِ، والمُرادُ لَمْ يُصِرُّوا عالِمِينَ بِمَعْنى أنَّ عَدَمَ الإصْرارِ مُتَحَقِّقٌ البَتَّةَ.

ولَكَ أنْ تَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ هُنا قَيْدًا لِلنَّفْيِ ويَكُونُ المَعْنى تَرَكُوا الإصْرارَ عَلى الذَّنْبِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ الذَّنْبَ قَبِيحٌ؛ فَإنَّ الحالَ قَدْ يَجِيءُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ.

وحَدِيثُ إنَّ تَرْكَ الإصْرارِ مُوجِبٌ لِلْأجْرِ والجَزاءِ، سَواءٌ كانَ مَعَ العِلْمِ بِالقُبْحِ أوْ مَعَ الجَهْلِ، فَلا دَخْلَ لِمَضْمُونِ الحالِ في إيجابِ الأجْرِ، مُجابٌ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الحالِ تَقْيِيدَ الإصْرارِ بِها لِإيجابِ الأجْرِ حَتّى يَرِدَ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ، بَلِ المُرادُ مَدْحُهم بِأنَّ تَرْكَهُمُ الإصْرارَ عَلى الذَّنْبِ لِأجْلِ أنَّ فِيهِمْ ما هو زاجِرٌ عَنْهُ وهو عِلْمُهم بِقُبْحِ الذَّنْبِ، فَيَكُونُ مَدْحًا لَهم بِأنَّ مِن صِفاتِهِمُ التَّحَرُّزَ عَنِ القَبائِحِ، وادَّعى بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ تَعَيُّنَ كَوْنِ الحالِ قَيْدًا لِلْمَنفِي وأنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى القَيْدِ، والمَعْنى لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الإصْرارُ مَعَ العِلْمِ بِقُبْحِ الجَزاءِ؛ لِأنَّ المُصِرَّ مَعَ عَدَمِ العِلْمِ بِالقُبْحِ لا يُحْرَمُ الجَزاءَ، وغَيْرَ المُصِرِّ لِكَسالَةٍ أوْ لِعَدَمِ مَيْلِ الطَّبْعِ لا يَبْلُغُهُ؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الكَفِّ لا عَلى العَدَمِ، وإلّا لَكانَ لِكُلِّ أحَدٍ أجِزْيَةٌ لا تَتَناهى لِعَدَمِ فِعْلِ قَبائِحَ لا تَتَناهى لَمْ تَخْطِرْ بِبالِهِ، ولا يَخْفى ما في قَوْلِهِ: وغَيْرُ المُصِرِّ إلَخْ، وقَوْلُهُ: لِأنَّ الجَزاءَ إلَخْ مِنَ النَّظَرِ، وكَأنَّ مِن جَعَلَهُ حالًا مِن ضَمِيرِ اسْتَغْفَرُوا أرادَ الفِرارَ مِن هَذِهِ الدَّغْدَغَةِ، وأنا أقُولُ: إنَّ الحالَ قُيِّدَ لِلنَّفْيِ ومُتَعَلِّقِ العِلْمِ، ولَيْسَ هو القُبْحَ بَلْ إنَّهُ يَغْفِرُ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ ويَتُوبُ عَلى مَن تابَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْهُ، وحُكِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا، والمَعْنى أنَّهم تَرَكُوا الإقامَةَ عَلى الذَّنْبِ عالِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن عِبادِهِ ويَغْفِرُ لَهم، وهو إيذانٌ بِأنَّهم لا يَيْأسُونَ مِن رَوْحِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ولا يَرِدُ عَلى هَذا دَعْوى عَدَمِ الفائِدَةِ كَما أُورِدَ أوَّلًا، إذْ مِنَ المَعْلُومِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ أنَّ تَرْكَ الإصْرارِ إنَّما يُوجِبُ الأجْرُ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ يَأْسٌ، فَإنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ، ولَعَلَّ مَدْحَهم بِأنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أوْلى مِن مَدْحِهِمْ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ قُبْحَ الفِعْلِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ الجُمْلَةَ سِيقَتْ مُعْتَرِضَةً لِذَلِكَ كَما سِيقَتْ كَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ﴾ لِما سِيقَتْ لَهُ، وأمّا جَعْلُها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ لَمْ يُصِرُّوا، ورُبَّ شَيْءٍ يَصِحُّ تَبَعًا ولا يَصِحُّ اسْتِقْلالًا فَلَيْسَ بِالَّذِي تَمِيلُ النَّفْسُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً نزلت في شأن رجل تَمَّار، جاءت امرأة تشتري منه تمراً، فأدخلها في حانوته وقبلها ثم ندم على ذلك، فنزلت هذه الآية.

ويقال: نزلت هذه الآية في رجل مَسّ امرأة أخيه في الله، وكان أخوه خرج غازياً، ثم ندم وتاب.

ويقال: إنها نزلت في شأن بهلول النباش، تاب عن صنيعه فنزلت هذه الآية.

فقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني الزّنى.

أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني القُبْلَة واللمس.

ويقال: الفاحشة كل فعل يستوجب به الحد في الدنيا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ما دون ذلك.

ويقال: الفاحشة ما استوجب به النار، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ما استوجب به الحساب والحبس.

وقال إبراهيم النخعي: الظلم هاهنا تفسير الفاحشة فكأنه يقول: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ أي خافوا الله، ويقال ذكروا مقامهم بين يدي الله.

ويقال: ذكروا عذاب الله.

فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ يعني الاستغفار باللسان والندامة بالقلب.

ويقال: الاستغفار باللسان بغير ندامة القلب توبة الكذابين.

وروي عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار الكثير.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ يعني لا يغفر الذنوب إلا الله وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا يعني: لم يقيموا على ما فعلوا من المعصية وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنها معصية فلا يرجعون.

ويقال: في الآية تقديم وتأخير، فكأنه يقول: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم، ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون، ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله أُولئِكَ يعني أهل هذه الصفة جَزاؤُهُمْ يعني ثوابهم مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ يعني: نعم ثواب العاملين الجنة، وهو قول الكلبي.

وقال مقاتل: نعم ثواب التائبين من الذنوب الجنة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أي قد مضت لكل أمة سنة ومنهاج، فإذا اتبعوها  م.

قال الكلبي: قد مضت سنة بالهلاك فيمن كان قبلكم، فَانْظُروا: أي فاعتبروا كَيْفَ كان جزاء المكذبين.

وقال مقاتل نحو هذا، وقال: يخوف الله هذه الأمة بمثل عذاب الأمم السابقة.

وقال السدي: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي اقرءوا القرآن فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لأن من لم يسافر فإنه لا يعرف ذلك، وأما من قرأ القرآن فإنه يعرف ذلك.

وقال الحسن: اقرءوا القرآن وتدبروا فيه، فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، - قَالَ بِشْرٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ: تَوَاضُعاً-، كَسَاهُ اللَّهُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ» «١» ، وحدَّث الحافظُ أَبو الفَضْلِ محمَّد بنُ طَاهِرٍ المَقْدِسِيُّ «٢» بسنده، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «من كفّ غضبه، كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ، سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعتذر إلَى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» «٣» .

اهـ من «صفوة التَّصوُّف» .

والعَفْوُ عَنِ النَّاسِ: من أجلِّ ضروبِ فعْلِ الخَيْرِ، ثم قال سبحانه: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، فعم أنواع البرِّ، وظَاهر الآية أنَّها مدْحٌ بفعل المندوب.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ...

الآية:

ذكر سبحانه في هذه الآيةِ صِنْفاً هو دُون الصِّنف الأول، فألحقهم بهم برَحْمته ومَنِّه، وهم التَّوَّابون، وروي في سَبَب نُزُول هاتَيْن الآيتَيْن أن الصحابَةَ (رضي اللَّه عنهم) ، قَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَّا حِينَ كَانَ المُذْنِبُ مِنْهُمْ يُصْبِحْ، وَعُقُوبَتُهُ مَكْتُوبَةٌ على بَابِ دَارِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً، وَعِوَضاً مِنْ ذَلِكَ الفِعْلِ بِبَنِي إسْرَائِيلَ» «٤» .

ورُوِيَ أَنَّ إبليسَ بكى، حين نزَلَتْ هذه الآيةُ، والفاحشةُ لفظٌ يعمُّ جميع المعاصِي، وقد كثر استعماله في الزِّنا حتى فسر السُّدِّيُّ الفاحشَةَ هنا بالزِّنَا «٥» ، وقال قومٌ: الفاحشة

هنا: إشارةٌ إلى الكبائِرِ، وظُلْمُ النَّفْس: إشارةٌ إلى الصَّغائر، واستغفروا: معناه: طلبوا الغُفْران.

قال النوويُّ: وَرُوِّينَا في سنن ابْنِ ماجة بإسنادٍ جيدٍ، عن عبد اللَّه بْنُ بُسْرٍ «١» (بضم الباء) ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «طوبى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ استغفارا كَثِيراً» «٢» انتهى من «الحلية» .

وذَكَرُوا اللَّهَ: معناه: بالخَوْفِ من عقابِهِ، والحَيَاءِ منه إذ هو المُنْعِمُ المتطَوِّل، ثم اعترض أثناء الكلام قوله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ اعتراضا موقِّفاً للنفْس، داعياً إلى اللَّه مرجِّياً في عفوه، إذا رجع إلَيْه، وجاء اسم «اللَّهِ» مرفوعًا بعد الاستثناء، والكلامُ موجَبٌ حملاً على المعنى إذ هو بمعنى، ومَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّه، وعن عليِّ بْنِ أبي طالبٍ (رضي اللَّه عنه) ، قَالَ: حدَّثني أبو بكر رضي اللَّه عنه، وصَدَقَ أبو بكر، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْباً، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلاَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قرأَ هذه الآيةَ: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ...

إلى آخر الآية» رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن

ماجه، وابن حبان في «صحيحه» ، وقال الترمذيُّ، واللفظ له: حديثٌ حَسَن «١» انتهى من «السلاح» .

وقوله سبحانه: وَلَمْ يُصِرُّوا: الإصْرَارُ: هو المُقَامُ على الذّنب، واعتقاد العودة

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ امْرَأةً أتَتْ إلى نَبْهانَ التَّمّارِ تَشْتَرِي مِنهُ تَمَرًا فَضَمَّها، وقَبَّلَها، ثُمَّ نَدِمَ، فَأتى النَّبِيَّ  فَذَكَرَ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

.

والثّانِي: «أنَّ أنْصارِيًّا وثَقَفِيًّا آَخى النَّبِيَّ  بَيْنَها، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ مَعَ النَّبِيِّ  في بَعْضِ مَغازِيهِ، فَكانَ الأنْصارِيُّ يَتَعَهَّدُ أهْلَ الثَّقَفِيِّ، فَجاءَ ذاتَ يَوْمٍ فَأبْصَرَ المَرْأةَ قَدِ اغْتَسَلَتْ وهي ناشِرَةٌ شَعْرَها، فَدَخَلَ ولَمْ يَسْتَأْذِنْ؛ فَذَهَبَ لِيَلْثِمَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها فَقَبَّلَهُ ثُمَّ نَدِمَ، فَأدْبَرَ راجِعًا، فَقالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ خُنْتَ أمانَتَكَ، وعَصَيْتَ رَبَّكَ، ولَمْ تُصِبْ حاجَتَكَ: قالَ: فَخَرَجَ يَسِيحُ في الجِبالِ، ويَتُوبُ إلى اللَّهِ مِن ذَنْبِهِ.

فَلَمّا قَدِمَ الثَّقَفِيُّ أخْبَرَتْهُ المَرْأةُ بِفِعْلِهِ، فَخَرَجَ يَطْلُبُهُ حَتّى دُلَّ عَلَيْهِ، فَنَدِمَ عَلى صَنِيعِهِ فَوافَقَهُ ساجِدًا يَقُولُ: ذَنْبِي ذَنْبِي، قَدْ خُنْتُ أخِي فَقالَ لَهُ: يا فُلانٌ انْطَلِقْ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فاسْألْهُ عَنْ ذَنْبِكَ، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجًا، فَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ بِتَوْبَتِهِ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وذَكَرَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : بَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنّا!

كانَ أحَدُهم إذا أذْنَبَ، أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذُنُوبِهِ مَكْتُوبَةً في عَتَبَةِ بابِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَقالَ النَّبِيُّ  : "ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكَ" فَقَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ، والَّتِي قَبْلَها،» هَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

واخْتَلَفُوا هَلْ هَذِهِ الآَيَةُ نَعْتٌ لِلْمُنْفِقِينَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ؟

أمْ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَعْتٌ لَهم قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّها لِصِنْفٍ آَخَرَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والفاحِشَةُ القَبِيحَةُ وكُلُّ شَيْءٍ جاوَزَ قَدْرَهُ، فَهو فاحِشٌ.

وفي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الزِّنى.

قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها كُلُّ كَبِيرَةٍ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

واخْتَلَفُوا في "الظُّلْمِ" المَذْكُورِ بَعْدَها، فَلَمْ يُفَرِّقْ قَوْمٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفاحِشَةِ، وقالُوا: الظُّلْمُ لِلنَّفْسِ فاحِشَةٌ أيْضًا، وفَرَّقَ آَخَرُونَ، فَقالُوا: هو الصَّغائِرُ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ذِكْرُ اللِّسانِ، وهو الِاسْتِغْفارُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ القَلْبِ، ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ذِكْرُ العَرْضِ عَلى اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرُ السُّؤالِ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الواقِدِيُّ.

والثّالِثُ: ذِكْرُ وعِيدِ اللَّهِ لَهم عَلى ما أُتُوا، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

والرّابِعُ: ذِكْرُ نَهْيِ اللَّهِ لَهم عَنْهُ.

والخامِسُ: ذِكْرُ غُفْرانِ اللَّهِ: ذَكَرَ القَوْلَيْنِ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَأمّا الإصْرارُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: هو الإقامَةُ عَلى الشَّيْءِ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: هو العَزْمُ عَلى الشَّيْءِ والثَّباتُ عَلَيْهِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالإصْرارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مُواقَعَةُ الذَّنْبِ عِنْدَ الِاهْتِمامِ بِهِ.

وهَذا مَذْهَبُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ اسْتِغْفارٍ، وهَذا مَذْهَبُ قَتادَةَ، وابْنِ إسْحاقَ.

.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَرْكُ الِاسْتِغْفارِ مِنهُ، وهَذا مَذْهَبُ السُّدِّيِّ.

وفي مَعْنى ﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: وهم يَعْلَمُونَ أنَّ الإصْرارَ يَضُرُّ، وأنَّ تَرْكَهُ أوْلى مِنَ التَّمادِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والثّانِي: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلى مَن تابَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو عِمارَةَ.

والثّالِثُ: يَعْلَمُونَ أنَّهم قَدْ أذْنَبُوا، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أو ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلا اللهَ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ صِنْفًا دُونَ الصِنْفِ الأوَّلِ، فَألْحَقَهم بِهِمْ بِرَحْمَتِهِ ومَنِّهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ التَوّابُونَ.

ورُوِيَ في سَبَبِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: أنَّ «الصَحابَةَ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللهِ مِنّا حِينَ كانَ المُذْنِبُ مِنهم يُصْبِحُ وعُقُوبَتُهُ مَكْتُوبَةٌ عَلى بابِ دارِهِ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ تَوْسِعَةً ورَحْمَةً» وعِوَضًا مِن ذَلِكَ الفِعْلِ بِبَنِي إسْرائِيلَ.

ورُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ بَكى حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

ورَوى أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "ما مِن عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ويُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ويَسْتَغْفِرُ إلّا غُفِرَ لَهُ".» وقَوْلُهُ "والَّذِينَ" عَطْفُ جُمْلَةِ ناسِ عَلى جُمْلَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ "الَّذِينَ" بِنَعْتٍ كَرَّرَ مَعَهُ واوَ العَطْفِ، لِأنَّ تِلْكَ الطَبَقَةَ الأُولى تُنَزَّهُ عَنِ الوُقُوعِ في الفَواحِشِ، والفاحِشَةُ هُنا: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتِ الصِفَةُ مَقامَهُ، التَقْدِيرُ: فَعَلُوا فَعْلَةً فاحِشَةً، وهو لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعاصِي، وقَدْ كَثُرَ اخْتِصاصُهُ بِالزِنى، حَتّى فَسَّرَ السُدِّيُّ هَذِهِ الآيَةَ بِالزِنى، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ لَمّا قَرَأها: زَنى القَوْمُ ورَبِّ الكَعْبَةِ؛ وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الفاحِشَةُ مِنَ الظُلْمِ، والظُلْمُ مِنَ الفاحِشَةِ، وقالَ قَوْمٌ: الفاحِشَةُ في هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى الكَبائِرِ، وظُلْمُ النَفْسِ إشارَةٌ إلى الصَغائِرِ.

و"ذَكَرُوا اللهَ" مَعْناهُ: بِالخَوْفِ مِن عِقابِهِ والحَياءِ مِنهُ، إذْ هو المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ؛ ومِن هَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "رَحِمَ اللهُ صُهَيْبًا لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ".

واسْتَغْفَرُوا مَعْناهُ: طَلَبُوا الغُفْرانَ، واللامُ مَعْناها: لِأجْلِ ذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ اعْتَرَضَ أثْناءَ الكَلامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلا اللهُ ﴾ ، اعْتِراضًا مُرَقِّقًا لِلنَّفْسِ، داعِيًا إلى اللهِ، مُرَجِّيًا في عَفْوِهِ إذا رُجِعَ إلَيْهِ، وجاءَ اسْمُ اللهِ مَرْفُوعًا بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ والكَلامُ مُوجَبٌ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، إذْ هو بِمَعْنى: وما يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلّا اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَمْ يُصِرُّوا" الإصْرارُ مَعْناهُ: اعْتِزامُ الدَوامِ عَلى الأمْرِ وتَرْكُ الإقْلاعِ عنهُ، ومِنهُ صَرُّ الدَنانِيرِ أيِ: الرَبْطُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي السَمّالِ قَعْنَبٍ العَدَوِيِّ: عَلِمَ اللهُ أنَّها مِنِّي صِرّى،.

يُرِيدُ: عَزِيمَةً،.

فالإصْرارُ اعْتِزامُ البَقاءِ عَلى الذَنْبِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا تَوْبَةَ مَعَ إصْرارٍ"» وقالَ أيْضًا: « "ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ".» واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في الإصْرارِ؛ فَقالَ قَتادَةُ: هو الَّذِي يَمْضِي قُدُمًا في الذَنْبِ لا تَنْهاهُ مَخافَةُ اللهِ،.

وقالَ الحَسَنُ: إتْيانُ العَبْدِ الذَنْبَ هو الإصْرارُ حَتّى يَمُوتَ، وقالَ مُجاهِدٌ: "لَمْ يُصِرُّوا" مَعْناهُ: لَمْ يَمْضُوا، وقالَ السُدِّيُّ: الإصْرارُ: هو تَرْكُ الِاسْتِغْفارِ والسُكُوتُ عنهُ مَعَ الذَنْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهم يَعْلَمُونَ" قالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم قَدْ أذْنَبُوا، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناهُ: وهم يَعْلَمُونَ بِما حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: وهم يَعْلَمُونَ أنَّ بابَ التَوْبَةِ مَفْتُوحٌ لَهُمْ، وقِيلَ: المَعْنى: وهم يَعْلَمُونَ أنِّي أُعاقِبُ عَلى الإصْرارِ.

ثُمَّ شَرَكَ تَعالى الطائِفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في قَوْلِهِ: "أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ"...

الآيَةِ، وهَذِهِ تُؤْذِنُ بِأنَّ اللهَ تَعالى أوجَبَ عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الخَبَرِ الصادِقِ قَبُولَ تَوْبَةِ التائِبِ، ولَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى مِن جِهَةِ العَقْلِ شَيْءٌ، بَلْ هو بِحُكْمِ المِلْكِ لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ونِعْمَ الأجْرُ، لِأنَّ نِعْمَ وبِئْسَ تَطْلُبُ الأجْناسَ المُعَرَّفَةَ أو ما أُضِيفَ إلَيْها ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ  ﴾ لِأنَّ نِعْمَ وبِئْسَ تَطْلُبُ الأجْناسَ المُعَرَّفَةَ أو ما أُضِيفَ إلَيْها، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ  ﴾ لِأنَّ المَثَلَ هُنا أُضِيفَ إلى مَعْهُودٍ لا إلى جِنْسٍ، فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ: ساءَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَثَلُ القَوْمِ مُرْتَفِعًا بِـ "ساءَ" ولا يُضْمَرُ شَيْءٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن كان عطفَ فريققٍ آخر، فهم غيرُ المتّقين الكاملين، بل هم فريق من المتّقين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً، وإن كان عطفَ صفات، فهو تفضيل آخر لحال المتَّقين بأن ذُكر أوّلاً حال كمالهم، وذكر بعده حال تداركهم نقائصهم.

والفاحشة الفَعلة المتجاوزة الحدّ في الفساد، ولذلك جمعت في قوله تعالى: ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ﴾ [النجم: 32] واشتقاقها من فَحُش بمعنى قال قولاً ذميماً، كما في قول عائشة: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحّشاً»، أو فعلَ فعلاً ذميماً، ومنه ﴿ قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ﴾ [الأعراف: 28].

ولا شك أنّ التَّعريف هنا تعريف الجنس، أي فعلوا الفواحش، وظلمُ النفس هو الذنوب الكبائر، وعطفها هنا على الفواحش كعطف الفواحش عليها في قوله: ﴿ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ﴾ [النجم: 32].

فقيل: الفاحشة المعصية الكبيرة، وظلم النَّفس الكبيرة مطلقاً، وقيل: الفاحشة هي الكبيرة المتعدية إلى الغير، وظلم النَّفس الكبيرة القاصرة على النَّفس، وقيل: الفاحشة الزنا، وهذا تفسير على معنى المثال.

والذكر في قوله: ﴿ ذكروا الله ﴾ ذكر القلب وهو ذِكر ما يجب لله على عبده، وما أوصاه به، وهو الَّذي يتفرّع عنه طلب المغفرة؛ وأمّا ذكر اللّسان فلا يترتّب عليه ذلك.

ومعنى ذكر الله هنا ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده.

والاستغفار: طلب الغَفْر أي الستر للذنوب، وهو مجاز في عدم المؤاخذة على الذنب، ولذلك صار يعدّي إلى الذنب باللام الدالة على التَّعليل كما هنا، وقوله تعالى: ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ [غافر: 55].

ولمَّا كان طلب الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة، ونية إقلاع عن الذنب، وعدم العودة إليه، كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة، إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من هو مستمرّ عليه، أو عازم على معاودته، ولو طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة من الذنب، فلذلك عدّ الاستغفار هنا رتبة من مراتب التَّقوى.

وليس الاستغفار مجرّد قول (أستغفر الله) باللّسان والقائلُ ملتبس بالذنوب.

وعن رابعة العدوية أنَّها قالت: «استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار» وفي كلامها مبالغة فإنّ الاستغفار بالقول مأمور به في الدّين لأنَّه وسيلة لتذكّر الذنب والحيلة للإقلاع عنه.

وجملة ﴿ ومن يغفر الذنوب إلاّ الله ﴾ معترضة بين جملة ﴿ فاستغفروا ﴾ وجملة ﴿ ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا ﴾ .

والاستفهام مستعمل في معنى النَّفي، بقرينة الاستثناء منه، والمقصود تسديد مبادرتهم إلى استغفار الله عقب الذنب، والتعريض بالمشركين الَّذين اتّخذوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله، وبالنَّصارى في زعمهم أنّ عيسى رفع الخطايا عن بني آدم ببلية صَلبه.

وقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ إتمام لركْني التَّوبة لأنّ قوله: ﴿ فاستغفروا لذنوبهم ﴾ يشير إلى الندم، وقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ تصريح بنفي الإصرار، وهذان ركنا التَّوبة.

وفي الحديث: " النَّدم توبة "، وأما تدارك ما فرّط فيه بسبب الذنب فإنَّما يكون مع الإمكان، وفيه تفصيل إذا تعذّر أو تعسّر، وكيف يؤخذ بأقصى ما يمكن من التدارك.

وقوله: ﴿ ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ حال من الضّمير المرفوع في «ذكروا» أي: ذكروا الله في حال عدم الإصرار.

والإصرار: المُقام على الذنب، ونفيُه هو معنى الإقلاع.

وقوله: ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال ثانية، وحذف مفعول يعلمون لظهوره من المقام أي يعلمون سوء فعلهم، وعظم غضب الربّ، ووجوبَ التوبة إليه، وأنَّه تفضّل بقبول التَّوبة فمحا بها الذنوب الواقعة.

وقد انتظم من قوله: ﴿ ذكروا الله فاستغفروا ﴾ وقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ وقوله: ﴿ وهم يعلمون ﴾ الأركان الثلاثة الَّتي ينتظم منها معنى التَّوبة في كلام أبي حامد الغزالي في كتاب التَّوبة من «إحياء علوم الدّين» إذ قال: «وهي عِلْم، وحال، وفعل.

فالعلم هو معرفة ضرّ الذنوب، وكونها حجاباً بين العبد وبين ربِّه، فإذا علم ذلك بيقين ثار من هذه المعرفة تألّم للقلب بسبب فوات ما يحبّه من القرب من ربِّه، ورضاه عنه، وذلك الألم يسمّى ندماً، فإذا غلب هذا الألم على القلب انبعثت منه في القلب حالة تسمّى إرادة وقصداً إلى فعل له تعلّق بالحال والماضي والمستقبل، فتعلّقه بالحال هو ترك الذنب (الإقلاع)، وتعلّقه بالمستقبل هو العزم على ترك الذنب في المستقبل (نفي الإصرار)، وتعلّقه بالماضي بتلافي ما فات».

فقوله تعالى: ﴿ ذكروا الله ﴾ إشارة إلى انفعال القلب.

وقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ إشارة إلى الفعل وهو الإقلاع ونفي العزم على العودة.

وقوله: ﴿ وهم يعلمون ﴾ إشارة إلى العلم المثير للانفعال النفساني.

وقد رتّبت هاته الأركان في الآية بحسب شدّة تعلّقها بالمقصود: لأنّ ذكر الله يحصل بعد الذنب، فيبعث على التَّوبة، ولذلك رتّب الاستغفار عليه بالفاء، وأمَّا العلم بأنَّه ذنب، فهو حاصل من قبل حصول المعصية، ولولا حصوله لما كانت الفعلة معصية.

فلذلك جيء به بعد الذكر ونفي الإصرار، على أنّ جملة الحال لا تدلّ على ترتيب حصول مضمونها بعد حصول مضمون ما جيء به قبلَها في الأخبار والصّفات.

ثُمّ إن كان الإصرار، وهو الاستمرار على الذنب، كما فُسِّر به كان نفيه بمعنى الإقلاع لأجل خَشية الله تعالى، فلم يدلّ على أنَّه عازم على عدم العود إليه، ولكنَّه بحسب الظاهر لا يرجع إلى ذنب ندِمَ على فعله، وإن أريد بالإصرار اعتقاد العود إلى الذنب فنفيه هو التَّوبة الخالصة، وهو يستلزم حصول الإقلاع معه إذ التلبّس بالذنب لا يجتمع مع العزم على عدم العود إليه، فإنَّه متلبّس به من الآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا ﴾ يُرِيدُ بِالأكْلِ الأخْذَ، والرِّبا زِيادَةُ القَدْرِ مُقابَلَةً لِزِيادَةِ الأجَلِ، وهو رِبا الجاهِلِيَّةِ المُتَعارَفُ بَيْنَهم بِالنَّساءِ.

﴿ أضْعافًا مُضاعَفَةً ﴾ وهو أنْ يَقُولَ لَهُ بَعْدَ حُلُولِ الأجَلِ: إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ ضاعَفَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَفْعَلُ كَذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِهِ مِن بَعْدُ حَتّى تَصِيرَ أضْعافًا مُضاعَفَةً.

﴿ واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ فَدَلَّ أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ الَّتِي يُسْتَحَقُّ عَلَيْها الوَعِيدُ بِالنّارِ.

واخْتَلَفُوا في نارِ آكِلِ الرِّبا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها كَنارِ الكافِرِينَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ تَمَسُّكًا بِالظّاهِرِ.

والثّانِي: أنَّها ونارَ الفُجّارِ أخَفُّ مِن نارِ الكُفّارِ، لِما بَيْنَهُما مِن تَفاوُتِ المَعاصِي.

﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ أمّا الفاحِشَةُ هَهُنا فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَبائِرُ مِنَ المَعاصِي.

والثّانِي: الرِّبا وهو قَوْلُ جابِرٍ والسُّدِّيِّ.

﴿ أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهِ الصَّغائِرُ مِنَ المَعاصِي.

﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم ذَكَرُوهُ بِقُلُوبِهِمْ فَلَمْ يَنْسَوْهُ، لِيُعِينَهم ذِكْرُهُ عَلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ.

والثّانِي: ذَكَرُوا اللَّهَ قَوْلًا بِأنْ قالُوا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ سَهَّلَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ما شَدَّدَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، إذْ كانُوا إذا أذْنَبَ الواحِدُ مِنهم أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ مِن كَفّارَةِ ذَنْبِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَجُعِلَ الِاسْتِغْفارُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ.

﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الإصْرارُ عَلى المَعاصِي، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ مُواقَعَةُ المَعْصِيَةِ إذا هَمَّ بِها، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: السُّكُوتُ عَلى المَعْصِيَةِ وتَرْكُ الِاسْتِغْفارِ مِنها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الذَّنْبُ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ.

﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم قَدْ أتَوْا مَعْصِيَةً ولا يَنْسَوْنَها، وقِيلَ: مَعْناهُ وهم يَعْلَمُونَ الجِهَةَ في أنَّها مَعْصِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن الحسن أنه قرأ ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء...

﴾ [ آل عمران: 134] الآية.

ثم قرأ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة...

﴾ الآية فقال: إن هذين النعتين لعنت رجل واحد.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: هذان ذنبان.

فعلوا فاحشة ذنب، وظلموا أنفسهم ذنب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن زيد في قوله: ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ قال: زنا القوم ورب الكعبة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فعلوا فاحشة ﴾ قال: الزنا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه ذكرعنده بنو إسرائيل وما فضلهم الله به فقال: كان بنو إسرائيل إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبح وقد كتبت كفارته على أسكفة بابه، وجعلت كفارة ذنوبكم قولاً تقولونه تستغفرون الله فيغفر لكم.

والذي نفسي بيده لقد أعطانا الله آية لهي أحب إليَّ من الدنيا وما فيها ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة...

﴾ الآية.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني وابن أبي الدنيا وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: إن في كتاب الله لآيتين ما أذنب عبد ذنباً فقرأهما فاستغفر الله إلا غفر له ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة...

﴾ الآية.

وقوله: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه...

﴾ [ النساء: 110] الآية.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ثابت البناني قال: بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية بكى ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة...

﴾ الآية.

وأخرج الحكيم الترمذي عن عطاف بن خالد قال: بلغني أنه لما نزل قوله: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ صاح إبليس بجنوده، وحثا على رأسه التراب، ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر.

فقالوا: ما لك يا سيدنا؟

قال: آية نزلت في كتاب الله لا يضر بعدها أحداً من بني آدم ذنب قالوا: ما هي؟

فاخبرهم قالوا: نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق، فرضي منهم ذلك.

وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والدارقطني والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي بكر الصديق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيذكر ذنبه، فيتطهر ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله من ذنبه ذلك إلا غفر الله له.

ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أذنب عبد ذنباً ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى بزار من الأرض فصلى فيه ركعتين، واستغفر الله من ذلك الذنب إلا غفر الله له» .

وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل شيء يتكلم به ابن آدم فانه مكتوب عليه، فإذا أخطأ خطيئة وأحب أن يتوب إلى الله فليأت بقعة رفيعة، فليمدد يديه إلى الله ثم ليقل: إني أتوب إليك فيها لا أرجع إليها أبداً، فانه يغفر له ما لم يرجع في عمله ذلك» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهمَّ اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربعة في حديقة قدس الجنة: المعتصم بلا إله إلا الله لا يشك فيها، ومن إذا عمل حسنة سرته وحمد الله عليها، ومن إذا عمل سيئة ساءته واستغفر الله منها، ومن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون» .

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن رجلاً أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفره فقال الله: عبدي عمل ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره فقال تبارك وتعالى: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنباً آخر فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره فقال الله: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم إني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء» .

وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم» .

وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال إبليس يا رب وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما كانت أرواحهم في أجسادهم فقال الله: وعزتي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» .

وأخرج أبو يعلى عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون» .

وأخرج البزار والبيهقي في الشعب عن أنس قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني أذنبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أذنبت فاستغفر ربك» قال: فإني استغفر ثم أعود فأذنب فقال: «إذا أذنبت فاستغفر ربك» ، ثم عاد فقال في الرابعة: «استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور» .

وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر الجهني أن رجلاً قال: «يا رسول الله أحدنا يذنب قال: يكتب عليه قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: يغفر له ويتاب عليه قال: فيعود ويذنب قال: يكتب عليه قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: يغفر له ويتاب عليه قال: فيعود ويذنب قال: يكتب عليه قال: ثم يستغفر منه ويتوب قال: يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ قال: لم يقيموا على ذنب وهم يعلمون أنه يغفر لمن استغفر، ويتوب على من تاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدماً، لا ينهاهم مخافة الله عن حرام حرمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه حتى أتاهم الموت وهم على ذلك.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ارحموا تُرحموا، واغفروا يُغفر لكم.

ويل لأقماع القول يعني الآذان ويل للمصِّرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في التوبة والبيهقي عن ابن عباس قال: كل ذنب أصر عليه العبد كبر وليس بكبير ما تاب منه العبد.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: إتيان الذنب عمداً إصرار حتى يتوب.

وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال: الإصرار أن يعمل الرجل الذنب فيحتقره.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ فينكبوا ولا يستغفروا وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا، ثم أقاموا ولم يستغفروا.

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ بطاعة الله الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ الآية.

الظاهر أنَّ هذا عطفٌ على ﴿ المُتَّقِينَ ﴾ (١) (٢) قال ابن عباس -في رواية عطاء- (٣)  ، وذَكَر له ذلك، فنزلت هذه الآية (٤) وقال ابنُ مسعود (٥)  : كانت بنو إسرائيلَ أكرَمَ على اللهِ مِنَّا؛ كان أحدُهم إذا أذنب ذَنْبًا، أصبحت كفَّارةُ ذَنْبِهِ مكتوبةً (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَعَلُواْ فَاحِشَةً ﴾ يعني: الزِّنَا -ههنا- (٨) (٩) والفاحشة -ههنا- نعتُ محذوفٍ؛ التقدير: فعلوا فِعْلَةً فاحشةً (١٠) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ قال ابنُ عباس (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المعنى: ذكروا وعيد الله.

فيكون من باب حَذْفِ المضاف.

والذِّكْرُ -ههنا- يكون: هو الذي ضد النسيان.

وهذا معنى قول: الضحاك، ومقاتل، والواقدي.

فإن الضَّخَاكَ قال (١٥) (١٦) الوجه الثاني: ذكروا الله بأن قالوا: اللهُمَّ اغفر ذنوبنا، فإنَّا تُبْنا إليك، ونَدِمْنا.

وهذا معنى قولِ مُقاتل بن حَيَّان (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ قال الفَرَّاءُ (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾ يقال: (أصَرَّ (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) قال المفسرون (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فوَصَفَ الذَّاكرَ بأنه غير مُصِرٍّ (٢٨) (٢٩)  أنه قال: "ما أصَرَّ مَن استَغْفَرَ، وإنْ عادَ في اليوم سبعينَ مَرَّةً" (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ قال عطاء (٣١) وقال ابن عباس (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال الحسين بن الفَضْل (٣٦)  -: "من أذنب ذَنْبًا، وعَلِمَ أنَّ له رَبًّا يغفر الذنوبَ، غُفِرَ له وإنْ لم يَستَغْفِر" (٣٧) (١) في (ج): (المنفقين).

(٢) الجَرُّ؛ على النعت لـ ﴿ المُتَّقِينَ ﴾ في الآية: 133، أو البدل منه أو البيان.

(٣) هذه الرواية في: "بحر العلوم" 1/ 300، ولم يعزها إلى ابن عباس.

وأوردها الثعلبي في: "تفسيره" 3/ 119 ب قائلًا: (قال عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان التَّمَّار، وكنيته: أبو مقبل).

وأوردها المؤلف في "أسباب النزول" ص 127، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 461.

(٤) قال ابن حجر: ذكر مقاتل بن سليمان في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس، في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ .

الآية، قال: هو نبهان التمار، أتته امرأة حسناء ..) ثم ذكر نحو ما ذكر المؤلف، وأضاف ابن حجر: إن المرأة قالت له: (والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك، فسقط في يده، فذهب إلى النبي  فأعلمه، فقال له: إيَّاك أن تكون امرأة غاز!

فذهب يبكي ثلاثة أيام يصوم النهار ويقوم الليل، فأنزل الله في اليوم الرابع هذه الآية، فأرسل إليه فأخبره، فحمد الله وأثنى عليه وشكره، وقال: يا رسول الله هذه توبتي، فكيف بأن يقبل شكري؟

فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ  ﴾ ، ثم قال ابن حجر بعده: (وهكذا أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في: تفسيره، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مطوَّلًا.

ومقاتل متروك، والضحاك، لم يسمع من ابن عباس، وعبد الغني وموسى هالكان.

وأورد هذه القصة: الثعلبي، والمهدوي، ومكي، والماوردي، في تفاسيرهم بغير سند).

"الإصابة": 3/ 550.

وهذه القصة لم يذكرها مقاتل في تفسيره المطبوع، ولا الماوردي في "النكت والعيون" خلاف ما ذَكَرَه ابنُ حجر.

وهناك سبب آخر ذكره العلماء لهذه الآية، وهو: أن رجلين؛ أنصاريا وثَقَفِيًّا، آخى بينهما رسول الله  ، فكانا لا يفترقان، فخرج الثقفي مع رسول الله  ، في إحدى غزواته، وخلَّفَ الأنصاريَّ على أهلِهِ، وحاجته، فكان يتعاهد أهل الثقفي، فرأى يومًا امرأة أخيه الثقفي بارزة، فوقعت في نفسه، فراودها عن نفسها فأبت، وسترت وجهها منه بكفِّها، فقَبَّلَ كفَّها، ثم خرج بعدها، سائحا في الجبال، نادِمًا خائِفًا من ذنبه، إلى أن أتاه أخوه الثقفي فأخذ بيده إلى رسول الله  ، بعد أن علم بحاله، فأنزل الله هذه الآية.

وقد ذكر هذا السبب -مع اختلاف في التفاصيل-: مقاتل في "تفسيره" 1/ 301، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 119 ب، وعزاها للكلبي عن ابن عباس، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 462 وقال: (رواه أبو صالح عن ابن عباس).

(٥) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 96، و"تفسير الثعلبي" 3/ 119 أ، و"النكت والعيون" 1/ 424.

وسياق المؤلف للخبر قريب جداً من سياق الثعلبي له.

إلا أن لفظ الأثر هنا أقرب إلى لفظ الأثر الوارد عن عطاء بن أبي رباح، الذي أخرجه الطبري في: "تفسيره" 4/ 96، والمؤلِّف في: "أسباب النزول" ص 128، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 462.

(٦) (مكتوبة): ساقطة من (ج).

(٧) في (أ)، (ب): (بأنَّه).

وهي تصحيف.

والمثبت من: (ج)، ومصادر الخبر.

(٨) وممن قال ذلك: جابر بن زيد، والسدي، ومقاتل بن حيان.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 95 - 96، و"ابن أبي حاتم" (764)، و"زاد المسير" 1/ 462.

(٩) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 95، و"المقاييس" 4/ 478 (فحش).

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 95، و"تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ.

(١١) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ورد في "تنوير المقباس" 56.

(١٢) قول مقاتل بن سليمان في: "تفسيره" 302، و"تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ، وورد عن مقاتل بن حيان: (أصابوا ذنوبًا).

"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 764.

(١٣) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ.

(١٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(١٥) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 125 أ، و"زاد المسير" 1/ 463، و"القرطبي" 4/ 210.

(١٦) قوله مقاتل في: "تفسير الثعلبي" 3/ 125 أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 210.

وقول الواقدي في: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 764، و"تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ، و"زاد المسير" 1/ 463، و"تفسير القرطبي" 4/ 210.

(١٧) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 120 أ، و"تفسير البغوي" 2/ 107.

وفي "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 764 عن مقاتل بن حيان: (ذكروا الله عن تلك الذنوب الفاحشة).

وليس فيه بيان نوع الذكر هنا.

وفي "تفسير القرطبي" 4/ 210 ذكره عن مقاتل، ولم يبِّن أيَّ المُقاتِلَيْن، ابن سليمان أو ابن حيَّان.

(١٨) في "معاني القرآن" له 1/ 234.

نقله عنه بمعناه.

وانظر: "معاني القرآن"، للزجاج 1/ 469، و"تفسير الطبري" 4/ 97.

(١٩) ونص قول الفراء -ليتضح المعنى-: (يقال ما قبل (إلّا) معرفة، وإنما يُرفَع ما بعد (إلّا) باتْباعِهِ ما قَبْلَهُ، إذا كان نكرة، ومعه جحد؛ كقولك: (ما عندي أحدٌ إلّا أبوك)، فإن معنى قوله: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ : ما يغفر الذنوب أحدٌ إلّا اللهُ، فجعل على المعنى).

وقال أبو حيان عن رفع اسم الجلالة: (فهو على البدل مِن ﴿ مَنْ ﴾ ، أو مِن الضمير الفاعل في ﴿ يَغْفِرُ ﴾ العائد عليها، وجاز هذا؛ لأن في الكلام معنى نفي، وتقديره: لا يغفر أحدٌ الذنوبَ إلا اللهُ).

"تذكرة النحاة": 296.

(٢٠) في (ب): (صر).

(٢١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٢٢) في (ج): (العزيمة).

(٢٣) يقال: (هذا منِّي صِرِّي، وأصِرِّي، وصِرَّى، وأصِرَّى، وصُرِّي، وصُرَّى): أي: عزيمةٌ وجِدٌّ و (إنها مني لأصِرِّي)؛ أي: لحقيقة.

وهي مشتقة من: (أصررت على الشيء): إذا أقمت ودمت عليه.

انظر: (صرر) في: "إصلاح المنطق" 319، و"تهذيب اللغة" 2/ 2003، و"المجمل" 532، و"مفردات ألفاظ القرآن" 482، و"الفرق بين الحروف الخمسة" 386.

(٢٤) ممن قال ذلك: مجاهد، وقتادة، وابن إسحاق، ومقاتل، والزجاج، والطبري، وأبو الليث.

انظر: "تفسير مجاهد" 136، و"تفسير مقاتل" 1/ 302، و"الجزء الذي فيه تفسير القرآن" 78، و"تفسير الطبري" 4/ 97 - 98، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 766، و"معاني القرآن" للزجاج / 469، و"بحر العلوم" 1/ 300.

(٢٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وفي (ب): (تابوا وأنابوا).

والمثبت من (ج).

(٢٦) حيث إن هناك أقوال أخرى منها: لم يواقعوا الذنب إذا همُّوا به.

قاله الحسن، ونُسب لمجاهد، وليس هو في تفسيره.

- وقيل: السكوت على المعصية، وترك الاستغفار منها.

قاله السدي، وعطاء الخراساني.

انظر: "الجزء الذي فيه تفسير القرآن" 102، و"تفسير الطبري" 4/ 97، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 766، و"تفسير الثعلبي" 3/ 120ب، و"النكت والعيون" 1/ 424.

(٢٧) في (ج): (يعقب).

(٢٨) انظر توجيه هذا الترجيح في: "تفسير الطبري" 4/ 98.

(٢٩) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من (ج).

(٣٠) الحديث من رواية أبي بكر الصدِّيق (أخرجه: أبو داود في "السنن" رقم (1514).

كتاب الصلاة.

باب في الاستغفار، والترمذي في "السنن" رقم (3559).

كتاب الدعوات.

باب: 107.

وقال: (هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نُصَيْرة، ليس إسناده بالقوي).

وأخرجه أبو بكر المروزي في "مسند أبي بكر" 186 رقم (121)، (122)، والشهاب القضاعي في "مسنده" 2/ 13رقم (788)، والطبري في "تفسيره" 4/ 98، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 766.

والبيهقي في "السنن" 10/ 188، والبغوي في "شرح السنة" 5/ 80 (1297)، وفي "تفسيره" 2/ 107.

وأورده الغزالي في "الإحياء" 1/ 312.

وذكر الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" نَفْسَ قول الترمذي السابق في الحديث، مما يدل على موافقة الحافظ العراقي للترمذي في تضعيف الحديث.

وأورده التبريزي في "مشكاة المصابيح" 2/ 723 رقم (2340)، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 439 وزاد نسبة إخراجه إلى أبي يعلى، والبزار.

وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 139 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، والبيهقي في "الشعب".

وأورده في: "الجامع الكبير" 15/ 1963 رقم (1117) وزاد نسبة إخراجه إلى ابن السني في "عمل اليوم والليلة" وأورده في: "الجامع الصغير" (انظر: "فيض القدير" 5/ 538) ورمز له بالضعف، وكذا ضعفه الألباني في ضعيف "الجامع الصغير" 5/ 82 (5004).

وفي سند الحديث: (..

عثمان بن واقد، عن أبي نصيره، عن مولى لأبي بكر عن أبي بكر ..).

قال الغَماري: (وقال البزَّار: لا نحفظه إلا من حديث أبي بكر بهذا الطريق، وأبي نصيرة وشيخه لا يعرفان.

انتهى.

قلت: أما أبو نصيرة، فمعروف، اسمه: مسلم بن عبيد.

قال أبو طالب عن أحمد: ثقة وقال ابن مَعِين: صالح.

وذكره ابن حِبَّان في: الثقات، وقال: الأزدي: ضعيف.

ومولى أبي بكر، اسمه: أبو رجاء، ولم اقف فيه على جرح ولا تعديل، إلا قول البزار المتقدم: إنه مجهول.

وقد قال الزيلعي: إن جهالته لا تضر، إذ يكفيه نسبته إلى الصديق.

وعثمان بن واقد، وثقه ابن معين ..).

"فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب" 2/ 54 - 55.

وقال ابن كثير -بعد أن ذكر نحو القول السابق-: (فهو حديث حسن).

"تفسيره" 1/ 439.

(٣١) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٢) قوله، في: "تفسير الثعلبي" 3/ 120 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 107.

وورد في "زاد المسير" 1/ 464 و"تفسير القرطبي" 4/ 212، عنه وعن الحسن: (وهم يعلمون أن الإصرار يضر، وأن تركه أولى من التمادي).

(٣٣) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 120 ب، و"البغوي" 2/ 107، و"القرطبي" 4/ 212.

(٣٤) قوله في "تفسيره" 1/ 302، و"زاد المسير" 1/ 464.

(٣٥) قوله في "تفسير الكلبي" 3/ 120 ب، و"البغوي" 2/ 107، و"القرطبي" 4/ 212.

(٣٦) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 121 أ، و"البغوي" 2/ 107، و"القرطبي" 4/ 212.

(٣٧) الحديث: لم أقف على من أخرجه بهذا اللفظ، وقد أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 121 أ.

ولم يسنده.

وقد ورد حديث آخر بنفس معنى هذا الحديث، ولفظه: "من أذنب ذنبًا، فعلم أن الله قد أطَّلَعَ عليه، غفر له وإن لم يستغفر".

أورده الغزالي في "إحياء علوم الدين" 1/ 312.

قال الحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود، بسند ضعيف).

وهناك حديث آخر قريب منه، من رواية أنس  ، ولفظه: "من أذنب ذَنْبًا، فعلم أن له رَبًّا إن شاء أن يغفر له غفر له، وإن شاء أن يعذِّبَه عذبه، كان حقًا على الله أن يغفر له".

أخرجه الحاكم في "المستدرك" 4/ 242، وقال: (حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)، وأخرجه أبو نعيم في "حِلية الأولياء" 8/ 826.

وفي سنده عندهما: جابر بن مرزوق المكي.

قال الذهبي في تعليقه على تصحيح الحاكم له: (قلت: لا والله، ومَنْ جابر؛ حتى يكون حُجَّة؟

بل هو نَكِرة، وحديثه مُنْكَر).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فِي السَّرَّآءِ والضرآء ﴾ في العسر واليسر ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ حذف مفعوله وتقديره: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ خطاب للمؤمنين تأنيساً لهم وقيل: للكافرين تخويفاً لهم ﴿ فانظروا ﴾ من نظر العين عند الجمهور وقيل: هو بالفكر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

﴿ قرح ﴾ بالضم حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة.

الباقون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مضاعفة ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفحلون ﴾ ه ج للعطف ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ومن قرأ ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو فوقه مطلق ﴿ والأرض ﴾ ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدّة.

﴿ للمتقين ﴾ لا لأن الذين صفتهم.

﴿ عن الناس ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ج ه لأن والذين يصلح مبتدأ وخبره ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ فلا وقف على ﴿ يعلمون ﴾ ويصلح معطوفاً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على ﴿ يعلمون ﴾ لينصرف عموم أولئك إلى المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله.

والوقف لطول الكلام على ﴿ لذنوبهم ﴾ للابتداء بالاستفهام وعلى ﴿ إلا الله ﴾ لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا أنت ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ سنن ﴾ لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار بالتبار.

﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ بين الناس ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوفة أي ليعتبروا ﴿ وليعلم شهداء ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ لا للعطف على ﴿ ليعلم ﴾ ﴿ الكافرين ﴾ ه.

التفسير: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد النهي عن ذلك نظراً لهم ورحمة عليهم.

وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد.

وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافاً لما علم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد من تضعيفه.

كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ فيه أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه.

فلو أكل ولم يتق زال الفلاح.

ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار / المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.

وكون النار معدّة للكافرين لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين.

لم يمتنع من أن تركبها لبعض حوائجك.

ومثله قوله في صفة الجنة: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ فإنه لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور.

﴿ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء فهو ليس أهلاً للرحمة.

وغيرهم يحمل الآية على الزجر والتخويف ﴿ وسارعوا ﴾ معطوف على ما قبله.

ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: ﴿ سارعوا ﴾ وقوله: ﴿ أطيعوا الله ﴾ كالشيء الواحد لأنهما متلازمان.

وتمسك كثير من الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم.

ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل المنهيات وهذا قول عكرمة.

وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض.

وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات.

وعن أبي العالية أنه الهجرة.

وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام قصة أحد.

وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن الربا.

ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب.

والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين.

ثم وصف الجنة بأن عرضها السموات، ومن البيّن أن نفس السموات لا تكون عرضاً للجنة، فالمراد كعرض السموات لقوله في موضع آخر ﴿ عرضها كعرض السماء  ﴾ والمراد المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ونظيره ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض  ﴾ لأنها أطول الاشياء بقاء عندنا.

وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقاً طبقاً بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله  .

وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكاً له، فلا بد أن تكون الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا.

وقال أبو مسلم: معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا.

معناه لو عرضت السموات والأرض على / سبيل البيع لكاتنا ثمناً للجنة.

والأكثرون على أن المراد بالعرض ههنا خلاف الطول.

وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول.

ونظيره ﴿ بطائنها من استبرق  ﴾ لأن البطائن في العادة تكون أدون حالاً من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟

وقال القفال: العرض عبارة عن السعة.

تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة.

والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق.

فجعل العرض كناية عن السعة.

وسئل ههنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟

وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت العرش.

قال  في صفة الفردوس " سقفها عرش الرحمن " وروي أن رسول هرقل سأل النبي  وقال: إنك تدعو الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟

فقال النبي  : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" ؟

والمعنى - والله ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل.

وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟

فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟

قيل: فأين هي؟

قال: فوق السموات السبع تحت العرش.

ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.

منها قوله: ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء ﴾ في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه.

عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة.

وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي من مثقال ذرة.

وقيل: في عرس أو حبس.

والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن.

وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان مخالفاً له، فإنهم لا يتركونه.

وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة, أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين.

ومنها قوله ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ كظم القربة إذا ملأها وشد فاها.

ويقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم.

قال  : "من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" وقال أيضاً: " "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ومنها قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم  ﴾ ويحتمل أنه  غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم.

فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم.

والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه.

قال  : " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" وعن عيسى ابن مريم  : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.

وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات.

ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو.

فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير.

فذكر ثواب المجموع بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.

قال ابن عباس في رواية عطاء: "إن منهالاً التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي  وذكر ذلك له فنزلت ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ الآية" .

وقال في رواية الكلبي: "إن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله  بينهما، فكانا لا يفترقان في احوالهما.

فخرج الثقفي مع رسول الله  بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته.

فأقبل ذات يوم فأبصر امراة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها.

ذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعاً فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك.

قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح ي الجبال ويتوب / الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي.

قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم فانطلق الى رسول الله  فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة.

فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل  بتوبته فتلا على رسول الله  ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ فقال عمر: يا رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟

فقال: بل للناس عامة في التوبة" .

وعن ابن مسعود "أن المسلمين قالوا للنبي  : أبنوا إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟

كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا.

فسكت النبي  فنزلت/.

فقال النبي  : ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهم" ، وبيّن أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.

والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح ﴿ أو ظلموا أنفسهم ﴾ أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.

وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله  : ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ وظلم النفس ما دونه من القبلة واللسمة.

وهذا القول أنسب بسبب النزول الذي رويناه.

وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار منها لأنه  كان مأموراً بالاستغفار ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى ﴿ ذكروا الله ﴾ أي وعيده أو عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا العرض الأكبر على الله.

وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف.

ويكون الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي.

ونظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة والدعاء تقديم التعظيم والثناء ﴿ فاستغفروا لذنوبهم ﴾ يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى.

والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل.

فأما الاستغفار بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات " سبقت رحمتي غضبي" فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب / بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد.

وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" وعن أنس قال: سمعت رسول الله  يقول: "قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.

يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.

يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وعن علي  قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله  يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ﴿ ولم يصروا ﴾ لم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.

والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه.

وأصر أيضاً عن النبي  : " "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معاً كما لو قلت: ما جاءني زيد وهو راكب.

وأردت نفي المجيء والركوب معاً.

وذلك أن المقام مقام مدح لهم بعدم الإصرار.

والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى قوله  : " رفع القلم عن ثلاث " وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقاً كما لو أردت في المثال المذكور نفي المجيء / في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ﴾ وهي إشارة إلى إزالة العقاب ﴿ وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ وهذه إشارة إلى إيصال الثواب ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ ذلك الجزاء.

قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجراً والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء.

ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا التحقيق.

واستدلوا أيضاً بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين لقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته.

ثم ذكر ما يحمل المكلفين على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة.

والمثال المتبع وهي "فعلة" بمعنى "مفعولة" من سن الماء يسنه إذا والى صبه فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا حسن الرعي.

والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله  في الأمم السالفة يعني سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ فإنهم خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين.

قال مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل والكافر له اللعن والعقاب.

ثم قال ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم وليس المراد من قوله ﴿ فسيروا في الأرض ﴾ الأمر بالسير بل المقصود تعرّف أحوالهم.

فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً.

ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قيل: إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار ﴿ هذا بيان ﴾ المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: ﴿ قد خلت ﴾ جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم.

أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من / الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو الموعظة.

وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به.

وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية, وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة.

والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ وخص المتقون بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر.

ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ .

كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق.

والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على من قتل منكم وجرح ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ وفي هذا تسلية لهم وبشارة.

وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، وإما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر.

قال ابن عباس: "انهزم أصحاب رسول الله  يوم أحد.

فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل.

فقال النبي  : اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر.

فأنزل الله  هذه الآية" .

وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وقال راشد بن سعد: "لما انصرف رسول الله  يوم أحد كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله  : أهكذا تفعل برسولك؟

فنزلت" ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد.

وقيل بالفتح لغة تهامة والحجاز.

وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم.

وقال الفراء: إنه بالفتح الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة.

وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع / قرحة.

ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم بدر.

ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا تجبنوا ونظيره ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون  ﴾ وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذٍ خلق من الكفار نيف وعشرون رجلاً، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار كما يجيء من قوله  : ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم  ﴾ والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس القتل والجراحة ﴿ وتلك الأيام ﴾ موصوفاً وصفته مبتدأ خبره ﴿ نداولها ﴾ وتلك مبتدأ أو الأيام خبره كقولك: "هي الأيام تبلي كل جديد" فإن الضمير لا يوصف ويكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء الزمان.

والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات الغريبة.

وقوله ﴿ نداولها ﴾ كالتفسير لما تقدمه.

والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر.

ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته.

والدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين لا تدوم مسارّها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوّه، ويوم آخر بالعكس فلا يبقي شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره قولهم: "الحرب سجال".

شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة، وليس المراد من هذه المداولة أنه  تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون.

بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب.

فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله  : ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد.

والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم.

وفي إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله.

وقد احتج هشام بن الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ على أنه  لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها في تفسير قوله  : ﴿ وإذا ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على / المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره.

فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم الله  محال.

فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار.

وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم.

وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.

وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم.

وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد.

وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى الى مفعولين والتقدير: وليعلمهم مميزين عن غيرهم.

ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا.

ومن حكم المداولة قوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد.

أو المراد ليكرم ناساً منكم بالشهادة.

والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء.

والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيداً.

قال النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم.

وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض.

وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم.

ومن الحكم قوله: ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ﴾ والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان.

وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.

وقال الزجاج: معنى الآية أنه أن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار.

وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل لايقطع طرفاً ننقصها من أطرافها.

التأويل: ﴿ لا تأكلوا الربا ﴾ ما يؤدي إلى الحرص إلى طلب الدنيا ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.

﴿ واتقوا الله ﴾ خطاب للخواص أي اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ عن حجب ما سوى الله، وتظفرون بالوصول إلى الله.

ثم خاطب العوام الذين هم ارباب الوسائط بقوله: ﴿ واتقوا ﴾ أي بالقناعة ﴿ النار ﴾ / أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة رسوله.

ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان ﴿ عرضها السموات والأرض ﴾ أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما قال النبي  عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.

فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها.

وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية ﴿ ينفقون أموالهم في السراء ﴾ وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله ﴿ فعلوا فاحشة ﴾ هي رؤية غير الله ﴿ أوظلموا أنفسهم ﴾ بالتعليق بما سوى الله ﴿ وذكروا الله ﴾ بالنظر إليه وبرؤيته ﴿ ومن يغفر ﴾ ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار ﴿ إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ من رؤية الوسائط والتعلق بها ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن كل شيء ما خلا الله باطل ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة ﴾ أي هم مستحقون لمقامات القرب ﴿ من ربهم وجنات ﴾ من أصناف ألطافه ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ العناية ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ لأن نيل المقصود في بذل المجهود ﴿ قد خلت من قبلكم أمم ﴾ لهم ﴿ سنن فسيروا في الأرض ﴾ نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية ﴿ ولا تهنوا ﴾ أيها السائرون في السر إلى الله ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما فاتكم من اللذات الفانية ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ من أهل الدنيا والآخرة لأنكم من أهل الله ﴿ إن يمسسكم ﴾ في أثناء المجاهدات ﴿ قرح ﴾ ابتلاء وامتحان ﴿ فقد مس القوم ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ قرح ﴾ محن ﴿ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ السائرين يوماً نعمة ويوماً نقمة، ويوماً منحة ويوماً محنة ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ أرباب المشاهدات والمكاشفات ﴿ وليمحص الله ﴾ فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه.

وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ ﴾ .

قيل: السرّاء: الرخاء، والضراء: الشدة.

وقيل: السراء: السعة، والضراء: الضيق؛ وهو واحد.

وقيل: السراء: ما يسرهم الإنفاق؛ من نحو الولد وغيره، يسرّه الإنفاق عليه، والأجنبي يضره.

وعلى تأويل الأول: أن الإنفاق في حال الرخاء والسعة - أيسر وأهون على المرء من الإنفاق في حال الضيق والفقر، فإذا أنفق في الأحوال استوجب بذلك المدح، والله أعلم.

والسبب الذي يُيَسِّرُ عليه الأمر وجهان: أحدهما: علمه بأن الذي في يديه في الحقيقة في يد الله؛ فهو يصرف ذلك حيث يصرفه، لم يخرجه من يد مَنْ يَدُهُ فِي يَدِهِ، كأنه يعد في يده.

والثاني: بعلمه بجود ربه وقدرته، حيث يكون ذلك فيما به قضاء حاجته، والوصول إلى منفعته مع ما يعلم بالجود، وكثرة الانتفاع بما لا ملك للمنتفع به، وحرمان ذي الملك ذلك فيه.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ : يحتمل فيما يسرّهم ويضرّهم، أو في حال يسر وعسر، أو حلال بلاء ونعمه.

ثم السبب الذي يسهل سبيل الإنفاق في تلك الأحوال - وإن كان بالذي ذكر في تسهيل التقوى - هذا وجوه ثلاثة: أحدها: أن ترى مالك لمن له يد امتحنك بحق ذلك وحفظه، وأنك إذا بذلته ارتفعتْ عنك مئونة الحفظ، ومراعاة الحق على ما لم يكن ذلك عنك نفعه الذي كان له وقت كونه في يدك؛ إذ هو بعد البذل في يد من يدك قبله في يده، فكأنه لم يخرج من يدك بحيث النفع، وإنما سقطت عنك ما ذكرت من المئونة؛ إذ معلوم وجودها لك في الظاهر؛ لا منتفع به، ومن لا ملك له في الشيء منتفع به، على العلم باستواء الأمر على من له بذلت، والله أعلم.

والثاني: أن تشعر قلبك جوده بمن آثره على ما عنده، وقدرته على إعطائه إياه من خزائنه التي لا تنفد، ولا يتعذر عليه، فتيقن بذلك، وتعلم أنه لك على الإيصال إليه؛ فيما لم يكن أوصله، وعلى ذلك فيما أعطاه في القدرة واحد؛ فيهون عليه ذلك؛ والله أعلم.

والثالث: أن تعلم أنّ الذي عليه جبل وإليه دفع؛ ليس للوقت الذي فيه؛ ولكن ليتزود لمعاده، ويكتسب به الحياة الدائمة، والمنفعة التي لاتنفد، فيصير كبائع الشيء بأضعاف ثمنه، أو كباذل ما فيه فكاك رقبته، أو كمقدم ما يمتهن إلى مكان مهنته، أو كمن يعدّ الشيء في مسكنه لوقت حاجته، فإن مثله آثَرُ الشيء على الطبيعة، وألذ شيء في العقل.

ولا قوة إلا بالله.

ثم الأصل في قوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: من لم يبلغ بما يرتكب من المعاصي - الكفر، لم يمتنع من احتمال التسمية المتقين على إرادة خصوص التقوى؛ وهو ممتنع عن احتمال التسمية بالكفر على صرف الآية في إعداد النار إلى خصوص أو عموم، فثبت به خروج صاحب الكبائر عن أهل الاسم الذي أعدّت له النار، ولم يثبت خروجه عن أهل الاسم الذي له أعدت الجنة، [فالقول فيه، وإنما ذلك في الجنة فاسد بأوجه: أحدهما: مع الإشكال فيما يحرم الجنة] والإحاطة بأنّ النار لم يذكر أنها أعدت له أدخل فيها، فيكون في ذلك إسقاط [شهادة تثبت بيقين بالشك، وإيجاب شهادة لم تجب بالخيال.

والثاني: أن يكون في ذلك إسقاط] اسم العفو والرحمة؛ إذ لو لم يجعل لمثله - لبطل أن يكون له موضع لما في غيره استحقاق، والله أعلم.

والثالث: ما فيه إسقاط الموازنة والمقابلة مع مجيء الآيات بالكتب التي تقرأ الموازين التي توزن؛ مع ما في ذلك مخالفته التوهم بالكريم الذي أمرنا أن نسمّيه بها؛ مع ما قد جاء من التجاوز عن السيئات والتقبل للحسنات من واحد، وفي ذلك قلب ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ ﴾ .

روي عن رسول الله  قال: "مَنْ كَظَمَ غَيْظاً - وهُوا يَقْدِر عَلَى إِنْفَاذِهِ - مَلأهُ اللهُ أَمْناً وَإِيمَاناً" والغيظ متردد بين الحزن والغضب، والحزن على من فوقه، والغضب على من دونه، والغيظ بين ذلك، مدحهم - عز وجلّ - بترديد حزنهم وغيظهم في أجوافهم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ﴾ .

أي: عمّن ظلم.

وروي عن رسول الله  [أنه] قال: "مَا عَفَا رَجُلٌ عَمَّنْ ظَلَمَهُ إِلاَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزّاً" ومن عفا عن الناس عن مظلمة - فقد أحسن بذلك؛ كما يقال: فلان يحسن بكذا؛ ولا يحسن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

والإحسان يحتمل وجهين: يحتمل: العلم والمعرفة: ويحتمل: أن يفعل فعلاً ليس عليه من نحو المعروف والأيادي الذي ليس عليه، إنما فعله الإفضال، ذكر - ههنا - المحسنين وحبّه، وأخبر في الآية الأولى أنّ الجنة أعدت للمتقين بقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ ثم قال: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وأخبر أنّ النار أعدت للكافرين.

ثم اختلفوا فيه: قال بعضهم: من لم يكن من المتقين لم تعدّ الجنة له، فهو ممّن أعدّت له النار، وهو قول الخوارج والبغاة.

وقال آخرون: إنه أخبر أن النّار أعدت للكافرين، فهو إذا لم يكن كافراً - ليس ممّن أعدّت له النّار، فهو ممّن أعدّت له الجنة.

وقال غيرهم: أخبر أن النار أعدّت للكافرين وأخبر أنّ الجنة أعدّت للمتقين، فوصف المتقين: فهم الذين اتقوا معاصيه، وتركوا مخالفة أمره ونهيه، فإذا كان قوم لهم مساوئ - لم يدخلوا في إطلاق قوله - عز وجل -: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ولا دخلوا في قوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ فيكون لهم موضعاً بالنار.

وأما عندنا: فإنه يرجى دخول من ارتكب المساوئ من المؤمنين في قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ ذكر خلط عمل الصالح مع السيئ، ثم وعد لهم التوبة بقوله - عز وجل -: ﴿ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ  ﴾ والعسى من الله واجب.

والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ فإذا تجاوز لم يبق لهم مساوئ؛ فصاروا من أهل هذه الآية: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

وقوله - أيضاً -: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ قالوا: ﴿ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنهم ﴿ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : وقد ذكرنا فيما تقدم أنهم لأي معنى ظلموا أنفسهم، وحيث لم يسلموا أنفسهم لله خالصين، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فإذا لم يسلموا له - وضعوا أنفسهم في غير موضعها، لذلك صاروا ظلمة أنفسهم.

﴿ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي: طلبوا لذنوبهم مغفرة، وأقرّوا أنه لا يغفر الذنوب إلا الله.

﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ ﴾ على ذنوبهم، والإصرار: هو الدوام عليه، ثم أخبر أن جزاء هؤلاء المغفرة من ربهم؛ ﴿ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا...

﴾ ، إلى آخر ما ذكر.

دلّت هذه الآيات على تأييد قولنا: إن أهل المساوئ والفواحش إذا تابوا صاروا ممن أعدّت لهم الجنة، وإن لم يكونوا من المتقين من قبل، فمثله إذا تجاوز الله عن سيئاتهم؛ وعفا عنهم بما هو عفو غفور، والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ...

﴾ الآية.

يحتمل أن يكون الظلم غير الفاحشة.

ويحتمل أن يكون واحداً في المراد؛ إذ قد يكون في المعنى أن كل عاص ظالم لنفسه، بمعنى ضرّها؛ ونحس لحظّها؛ إذا فعل ما ليس له الفعل ووضع اختياره في غير موضعه، وهما معنيا الظلم، وكذلك من تعدى حَدَّ الله أو آثر ما يزجره العقل والشرع - فقد فحش فعله، وذلك معنى الظلم الذي وصفت؛ إذ فعل ما ليس له، وأختياره غير الذي له - هو الذي يزجره العقل والشرع، والله أعلم.

ويحتمل وجها آخر غير هذين: وهو أن الظلم يجمع كل وجوه الخلاف؛ عظم أو صغر، ولذلك قد نسب ذلك إلى زلات الأخيار، نحو ما قيل لآدم -  - في أكل الشجرة: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ ، وقيل في الشرك: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ .

والفواحش: ما [ظهر وتبين] قبحه؛ لا ما قلّ أو كثر في الذنوب، وعلى ذلك النقصان ظلماً بقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ ، وقد يوصف العيب والنقصان بالفحش؛ لكنه إذا كثر وظهر فمثله في الزلات، ويكون كالطيب في المحلّلات من المباح ونحوه في الدرجة، والله أعلم.

ثم ليس بنا حاجة إلى معرفة المقصود بالذكر في الآية؛ لما فيها الرجوع عن ذلك، وطلب المغفرة، وكل أنواع المآثم بالتوبة تغفر بما عد الله في الشرك، والزنا، والقتل؛ فما دونه - بقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ...

 ﴾ إلى تمام الآية، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ﴾ .

يحتمل الفاحشة: ما فحش في العقل وقبح.

وقال آخرون: كل محرم منهيّ فهو فاحشة.

والأول كأنه أقرب؛ لأن الشيء ما لم يبلغ في الفحش والقبح غايته؛ فإنه لا يقال: فاحشة، وإذا بلغ الغاية - فحينئذ كالطيب، أنه إنما يقال ذلك إذا بلغ غايته في الحل واللّذة، فأما أن يقال لكل حل في الإطلاق طيباً - فلا، فعلى ذلك: الفواحش؛ لا يقال لكل محظور محرم، إنما يقال ما بلغ في القبح والفحش غايته، فأما أن يقال ذلك لكل محرم منهي - فلا، وبالله التوفيق.

والطيب: ما استطابه الطبع؛ فإذا بلغ طيبه غايته في الطبع؛ فهو طيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنها معصية فلا يقيمون عليها، ولكن يتوبون، فمن تاب من ذنبه فجزاؤه ما ذكر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهم الذين إذا فعلوا كبيرة من الذنوب، أو نقصوا حظ أنفسهم بارتكاب ما دون الكبائر، ذكروا الله تعالى، وتذكروا وعيده للعاصين، ووَعْده للمتقين، فطلبوا من ربهم نادمين ستر ذنوبهم وعدم مؤاخذتهم بها؛ لأنه لا يغفر الذنوب إلا الله وحده، ولم يصروا على ذنوبهم، وهم يعلمون أنهم مذنبون، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.z1MLw"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه الاتصال بين هذه الآيات وما قبلها أن ما قبلها في بيان أن الله نصر المؤمنين وهم أذلة وأنهم إنما نصروا بتقوى الله وامتثال الأمر والنهي، ولذلك خذلوا في أحد عند المخالفة والطمع في الغنيمة.

وقد جاء هذا بعد النهي عن اتخاذ البطانة من اليهود وبيان أنه لا يضر المؤمنين كيد هؤلاء اليهود ما اعتصموا بالصبر والتقوى.

وقد كان من موادة المؤمنين لليهود واتخاذ البطانة منهم أن منهم من رابى كما كانوا يرابون وكان البعض الآخر مظنة أن يرابي توسلًا لجلب المال المحبوب بسهولة.

فكان الترتيب في الآيات هكذا: نهاهم عن اتخاذ البطانة من اليهود وأمثالهم من المشركين بشروطها التي هي مثار الضرر، ثم بينّ لهم ما يتقون به ضررهم وشر كيدهم وهو تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، ثم ذكرهم بما يدل على صدق ذلك طردًا وعكسًا بذكر وقعة بدر ووقعة أحد، ثم نهاهم عن عمل آخر من شر أعمال أولئك اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين وأشدها ضررًا وهو أكل الربا أضعافًا مضاعفة.

وقد كان ما تقدم تمهيدًا لهذا النهي وحجة على أن الربح المتوقع منه ليس هو سبب السعادة وإنما سببها ما ذكر من التقوى والامتثال.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً  ﴾ هذا أول ما نزل في تحريم الربا، وآيات البقرة في الربا نزلت بعد هذه، بل هي آخر آيات الأحكام نزولًا.

والمراد بالربا فيها ربا الجاهلية المعهود عند المخاطبين عند نزولها لا مطلق المعنى اللغوي الذي هو الزيادة، فما كل ما يسمى زيادة محرم.

والأضعاف جمع قلة لضعف (بكسر الضاد) وضعف الشيء مثله الذي يثنيه، فضعف الواحد واحد فهو إذا أضيف إليه ثناه.

وهو من الألفاظ المتضايقة أي التي يقتضي وجودها وجود آخر من جنسها كالنصف والزوج، ويختص بالعدد، فإذا ضاعفت الشيء ضممت إليه مثله مرة فأكثر.

وإذا قلنا إن الأضعاف المضاعفة في الزيادة فقط (التي هي الربا) يصح ما قاله المفسر (الجلال) في تصوير المسألة بتأخير أجل الدين والزيادة في المال، وهذا هو الذي كان معروفًا في الجاهلية، ويصح أيضًا أن تكون الأضعاف بالنسبة إلى رأس المال، وهذا واقع الآن، فإنني رأيت في مصر من استدان بربا ثلاثة في المئة كل يوم فانظر كم ضعفًا يكون في السنة.

وقد قال "مضاعفة" بعد ذكر الأضعاف كأن العقد قد يكون ابتداء على الأضعاف ثم تأتي المضاعفة بعد ذلك بتأخير الأجل وزيادة المال.

قوله: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ  ﴾ إلخ وعيد للمرابين يجعلهم مع الكافرين إذا عملوا فيه عملهم، وفيه تنبيه إلى أن الربا قريب من الكفر.

وهذا القول بعد قوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ تأكيد بعد تأكيد، ثم أكده أيضًا بالأمر بطاعته وطاعة الرسول، فمؤكدات التنفير من الربا أربعة.

وقد قلنا من قبل إن مسألة الربا ليست مدنية محضة بل هي دينية أيضًا، والغرض الديني منها التراحم المفضي إلى التعاون، فالمقرض اليوم قد يكون مقترضًا غدًا، فمن أعان جدير بأن يعان.

ثم ذكر جزاء المتقين بعد الأمر المؤكد باتقاء النار إتباعًا للوعيد بالوعد وقرنا للترهيب بالترغيب كما هي سنته فقال: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ المسارعة إلى المغفرة والجنة هي المبادرة إلى أسبابها وما يُعد الإنسان لنيلها من التوبة عن الإثم كالربا والإقبال على البر كالصدقة.

وقد اختلفوا في الجنة هل هي موجودة بالفعل أن توجد بعد في الآخرة، ولا معنى لهذا الخلاف، ولا هو مما يصح التفرق واختلاف المذاهب فيه.

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ  ﴾ إن المال عزيز على النفس لأنه الآلة لجلب المنافع والملذات ودفع المضار والمؤلمات، وبذله في طرق الخير والمنافع العامة التي ترضي الله تعالى يشق على النفس، أما في السراء فلما يحدثه السرور والغنى من الأشر والبطر والطغيان وشدة الطمع وبعد الأمل، وأما في الضراء فلأن الإنسان يرى نفسه فيها جديرًا بأن يأخذ ومعذورًا إن لم يُعطِ وإن لم يكن معذورًا بالفعل إذ مهما كان فقيرًا لا يعدم وقتًا يجد فيه فضلًا ينفقه في سبيل الله ولو قليلًا.

وداعية البذل في النفس هي التي تنبه الإنسان إلى هذا العفو الذي يجده أحيانًا ليبذله.

فإن لم تكن الداعية موجودة في أصل الفطرة فأمر الدين الذي وضعه الله لتعديل الفطرة المائلة وتصحيح مزاج المعتلة يوجدها ويكون نعم المنبه لها.

وقد فسر بعضهم الضراء بما يخرج الفقراء من هذه الصفة من صفات المتقين وليس بسديد.

يقول من لا علم عنده إن تكليف الفقير والمسكين البذل في سبيل الله لا معنى له ولا غناء فيه.

وربما يقول أكثر من هذا -يعني أنه ينتقد ذلك من الدين- والعلم الصحيح يفيدنا أنه يجب أن تكون نفس الفقير كريمة في ذاتها وأن يتعود صاحبها الإحسان بقدر الطاقة، وبذلك ترتفع نفسه وتطهر من الخسة وهي الرذيلة التي تعرض للفقراء فتجرهم إلي رذائل كثيرة ثم إن النظر يهدينا إلى أن القليل من الكثير كثير فلو أن كل فقير في القطر المصري مثلًا يبذل في السنة قرشًا واحدًا لأجل التعليم لاجتمع من ذلك ألوف الألوف وتيسر به عمل في البلاد كبير فكيف إذا انفق كل أحد على قدره كما قال تعالى : ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ  ﴾ إلخ.

إذا كان الله تعالى قد جعل الإنفاق في سبيله علامة على التقوى أو أثرًا من آثارها حتى في حال الضراء، وكان انتفاؤه علامة على عدم التقوى التي هي سبب دخول الجنة، فكيف يكون حال أهل السراء الذين يقبضون أيديهم؟

وهل يغني عن هؤلاء من شيء أداء الرسوم الدينية الظاهرة التي يتمرنون عليها عادة مع الناس؟

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ  ﴾ الغيظ ألم يعرض للنفس إذا هضم حق من حقوقها المادية كالمال أو المعنوية كالشرف فيزعجها إلى التشفي والانتقام، ومن أجاب داعي الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي، فلذلك كان من التقوى كظمه.

وفي (روح المعاني) أن الغيظ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل أن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة ولا كذلك الغيظ وقيل الغضب ما يظهر على الجوارح والغيظ ليس كذلك.

أصل الكظم مخرج النفس.

والغيظ وإن كان معنى له أثر في الجسم يترتب عليه عمل ظاهر فإنه يثور بنفس الإنسان حتى يحمله ما لا يجوز من قول أو فعل، فلذلك سمي حبسه وإخفاء أثره كظمًا.

﴿ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ  ﴾ العفو عن الناس هو التجافي عن ذنب المذنب منهم وترك مؤاخذته مع القدرة عليها وتلك مرتبة في ضبط النفس والحكم عليها وكرم المعاملة قل من يتبوأها.

فالعفو مرتبة فوق مرتبة كظم الغيظ إذ ربما يكظم المرء غيظه على حقد وضغينة وهناك مرتبة أعلى منها وهي ما أفاده قوله  : ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ .

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ  ﴾ الفاحشة الفعلة الشديدة القبح، وظلم النفس يطلق على كل ذنب.

قال البيضاوي: "وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ولعل الفاحشة ما تتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك" وذكر الله عند الذنب يكون بتذكر نهيه ووعيده أو عقابه أو تذكر عظمته وجلاله وهما مرتبتان: مرتبة دنيا: لعامة المؤمنين ومرتبة عليا: لخواص المتقين وهي أن يذكروا إذا فرط منهم ذنب ذلك المقام الإلهي الأعلى المنزه عن النقص الذي هو مصدر كل كمال، وما يجب من طلب قربه بالمعرفة والتخلق الذي هو منتهى الآمال، فإذا هم تذكروا انصرف عنهم طائفة الشيطان، ووجدوا نفس الرحمن، فرجعوا إليه طالبين مغفرته، راجين رحمته، ملتزمين سنته، واردين شرعته، عالمين أنه لا يغفر الذنوب سواه، وأنه يضل من يدعون عند الحاجة إلا إياه، لأن الكل منه وإليه، وهو المتصرف بسنته فيه والحاكم بسلطانه عليه، ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ لا يصر المؤمن المتقي من أهل الدرجة الدنيا على ذنبه وهو يعلم أن الله تعالى نهى عنه وتوعد عليه، ولا يصر كذلك بالأولى صاحب الدرجة العليا من أهل الإيمان والتقوى، وهو يعلم أن الذنب فسوق عن نظام الفطرة السليمة، واعتداء على قانون الشريعة القويمة، وبعد عن مقام النظام العام، الذب يعرج عليه البشر إلى قرب ذي الجلال والإكرام، ومثال ذلك من يخضع لقوانين الحكام الوضعية خوفًا من العقوبة، ومن يخضع لها احترامًا للنظام، وما أبعد الفرق بين الفريقين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله