الآية ١٤ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٤ من سورة آل عمران

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ ١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 200 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين ، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد ، كما ثبت في الصحيح أنه ، عليه السلام ، قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " .

فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد ، فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه ، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه ، " وإن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء " وقوله ، عليه السلام الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ، إن نظر إليها سرته ، وإن أمرها أطاعته ، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله " وقوله في الحديث الآخر : " حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " وقالت عائشة ، رضي الله عنها : لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء إلا الخيل ، وفي رواية : من الخيل إلا النساء .

وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة فهو داخل في هذا ، وتارة يكون لتكثير النسل ، وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يعبد الله وحده لا شريك له ، فهذا محمود ممدوح ، كما ثبت في الحديث : " تزوجوا الودود الولود ، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " وحب المال - كذلك - تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء ، والتجبر على الفقراء ، فهذا مذموم ، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات ، فهذا ممدوح محمود عليه شرعا .

وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال ، وحاصلها : أنه المال الجزيل ، كما قاله الضحاك وغيره ، وقيل : ألف دينار .

وقيل : ألف ومائتا دينار .

وقيل : اثنا عشر ألفا .

وقيل : أربعون ألفا .

وقيل : ستون ألفا وقيل : سبعون ألفا .

وقيل : ثمانون ألفا .

وقيل غير ذلك .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حماد ، عن عاصم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القنطار اثنا عشر ألف أوقية ، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض " .

وقد رواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن حماد بن سلمة ، به .

وقد رواه ابن جرير عن بندار ، عن ابن مهدي ، عن حماد بن زيد ، عن عاصم - هو ابن بهدلة - عن أبي صالح ، عن أبي هريرة موقوفا ، وهذا أصح .

وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر .

وحكاه ابن أبي حاتم ، عن أبي هريرة وأبي الدرداء ، أنهم قالوا : القنطار ألف ومائتا أوقية .

ثم قال ابن جرير : حدثني زكريا بن يحيى الضرير ، حدثنا شبابة ، حدثنا مخلد بن عبد الواحد ، عن علي بن زيد ، عن عطاء بن أبي ميمونة ، عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية " .

وهذا حديث منكر أيضا ، والأقرب أن يكون موقوفا على أبي بن كعب ، كغيره من الصحابة .

وقد روى ابن مردويه ، من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن إبراهيم عن يحنش أبي موسى ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ مائة آية إلى ألف أصبح له قنطار من أجر عند الله ، القنطار منه مثل الجبل العظيم " .

ورواه وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، بمعناه وقال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتنيس ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، حدثنا زهير بن محمد ، حدثنا حميد الطويل ، ورجل آخر ، عن أنس بن مالك قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله ، عز وجل : ( والقناطير المقنطرة ) قال : " القنطار ألفا أوقية " .

صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، هكذا رواه الحاكم .

وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال : حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، حدثنا زهير - يعني ابن محمد - حدثنا حميد الطويل ورجل آخر قد سماه - يعني يزيد الرقاشي - عن أنس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : قنطار ، يعني ألف دينار " .

وهكذا [ رواه ] ابن مردويه ، ورواه الطبراني ، عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم ، عن عمرو بن أبي سلمة ، فذكر بإسناده مثله سواء .

وروى ابن جرير عن الحسن البصري مرسلا عنه وموقوفا عليه : القنطار ألف ومائتا دينار .

وكذا رواه العوفي عن ابن عباس .

وقال الضحاك : من العرب من يقول : القنطار ألف دينار .

ومنهم من يقول : اثنا عشر ألفا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عارم ، عن حماد ، عن سعيد الجريري عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، قال : [ القنطار ] ملء مسك الثور ذهبا .

قال أبو محمد : ورواه محمد بن موسى الحرشي ، عن حماد بن زيد ، مرفوعا .

والموقوف أصح .

وحب الخيل على ثلاثة أقسام ، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله تعالى ، متى احتاجوا إليها غزوا عليها ، فهؤلاء يثابون .

وتارة تربط فخرا ونواء لأهل الإسلام ، فهذه على صاحبها وزر .

وتارة للتعفف واقتناء نسلها .

ولم ينس حق الله في رقابها ، فهذه لصاحبها ستر ، كما سيأتي الحديث بذلك [ إن شاء الله تعالى ] عند قوله تعالى : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [ ترهبون به عدو الله وعدوكم ] ) [ الأنفال : 60 ] .

وأما ( المسومة ) فعن ابن عباس ، رضي الله عنهما : المسومة الراعية ، والمطهمة الحسان ، وكذا روي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وأبي سنان وغيرهم .

وقال مكحول : المسومة : الغرة والتحجيل .

وقيل غير ذلك .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس ، عن معاوية بن حديج ، عن أبي ذر ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين ، يقول : اللهم إنك خولتني من خولتني من ] بني آدم ، فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه ، أو أحب أهله وماله إليه " .

وقوله : ( والأنعام ) يعني الإبل والبقر والغنم ( والحرث ) يعني الأرض المتخذة للغراس والزراعة .

قال الإمام أحمد : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا أبو نعامة العدوي ، عن مسلم بن بديل عن إياس بن زهير ، عن سويد بن هبيرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خير مال امرئ له مهرة مأمورة ، أو سكة مأبورة " المأمورة : الكثيرة النسل ، والسكة : النخل المصطف ، والمأبورة : الملقحة .

ثم قال تعالى : ( ذلك متاع الحياة الدنيا ) أي : إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ( والله عنده حسن المآب ) أي : حسن المرجع والثواب .

وقد قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال : قال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : لما أنزلت : ( زين للناس حب الشهوات ) قلت : الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت : ( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا [ عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ] ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: زُيِّن للناس محبة ما يشتهون من النساء والبنين وسائر ما عدّ.

وإنما أراد بذلك توبيخ اليهود الذين آثرُوا الدنيا وحبَّ الرياسة فيها، على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم بعد علمهم بصدقه.

* * * وكان الحسن يقول: منْ زَيْنِها، ما أحدٌ أشدّ لها ذمًّا من خالقها.

(61) 6694 - حدثني بذلك أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو الأشعث عنه.

&; 6-244 &; 6695 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال، قال عمر: لما نـزل: " زُيِّن للناس حب الشهوات "، قلت: الآن يا رَبِّ حين زيَّنتها لنا!

فنـزلت: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [ سورة آل عمران: 15]، الآية.

* * * وأما " القناطير " فإنها جمع " القنطار ".

واختلف أهل التأويل في مبلغ القنطار.

فقال بعضهم: هو ألف ومئتا أوقية.

ذكر من قال ذلك: 6696 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن معاذ بن جبل قال: القنطار: ألف ومئتا أوقية.

6697 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن معاذ مثله.

6698 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا - يعني حفص بن ميسرة - عن أبي مروان، عن أبي طيبة، عن ابن عمر قال: القنطار ألف ومئتا أوقية.

6699 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا القاسم بن مالك المزني قال، أخبرني العلاء بن المسيب، عن عاصم بن أبي النجود قال: القنطار ألف ومئتا أوقية.

6700 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مثله.

(62) &; 6-245 &; 6701 - حدثني زكريا بن يحيى الضرير قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبى ميمونة، عن زِرّ بن حبيش، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القنطار ألف أوقية ومئتا أوقية.

(63) * * * وقال آخرون: القنطار ألف دينار ومئتا دينار.

ذكر من قال ذلك: 6702 - حدثنا عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القنطارُ ألف ومئتا دينار.

&; 6-246 &; 6703 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا يونس، عن الحسن قال: القنطار: ألف ومئتا دينار.

6704 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثنا أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: القنطار ألف ومئتا دينار، ومن الفضة ألف ومئتا مثقال.

6705 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: " القناطير المقنطرة "، يعني: المالَ الكثير من الذهب والفضة، والقنطار ألف ومئتا دينار، ومن الفضة ألف ومئتا مثقال.

* * * وقال آخرون: القنطار اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار.

ذكر من قال ذلك: 6706 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: القنطار اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار.

6707 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك قال: القنطار ألف دينار، ومن الوَرِق اثنا عشر ألف درهم.

(64) 6708 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أن القنطار اثنا عشر ألفا.

6709 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا عوف، عن الحسن: القنطار اثنا عشر ألفا.

&; 6-247 &; 6710 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ....................

قال أخبرنا عوف، عن الحسن: اثنا عشر ألفا.

(65) 6711 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن بمثله.

6712 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن عوف، عن الحسن قال: القنطار ألفُ دينار، ديةُ أحدكم.

* * * وقال آخرون: هو ثمانون ألفًا من الدراهم، أو مئة رطل من الذهب.

ذكر من قال ذلك: 6713 - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: القنطار ثمانون ألفًا.

6714 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: القنطار ثمانون ألفًا.

6715 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كنا نُحدَّث أن القنطار مئة رطل من ذهب، أو ثمانون ألفًا من الوَرِق.

6716 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: القنطار مئة رطل من ذهب، أو ثمانون ألف درهم من وَرِق.

6717 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: القنطار مئة رطل.

6718 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن &; 6-248 &; السدي: القنطار يكون مئة رطل، وهو ثمانية آلاف مثقال.

* * * وقال آخرون: القنطار سبعون ألفًا.

ذكر من قال ذلك: 6719 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " القناطير المقنطرة "، قال: القنطار: سبعون ألف دينار.

6720- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

6721 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا عمر بن حوشب قال، سمعت عطاء الخراساني قال: سئل ابن عمر عن القنطار فقال: سبعون ألفًا.

(66) * * * وقال أخرون: هي مِلء مَسْك ثور ذهبًا.

(67) ذكر من قال ذلك: 6722 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سالم بن نوح قال، حدثنا سعيد الجرَيْري، عن أبي نضرة قال: ملءُ مَسك ثور ذهبًا.

6723 - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو الأشعث، عن أبي نضرة: ملء مَسك ثور ذهبًا.

* * * &; 6-249 &; وقال آخرون: هو المال الكثير.

ذكر من قال ذلك: 6724 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: " القناطير المقنطرة "، المال الكثير، بعضُه على بَعض.

* * * وقد ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب: (68) أن العرب لا تحدّ القنطار بمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول: " هو قَدْرُ وزنٍ".

(69) قال أبو جعفر: وقد ينبغي أن يكون ذلك كذلك، لأن ذلك لو كان محدودًا قدرُه عندها، لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه كلّ هذا الاختلاف.

* * * قال أبو جعفر: فالصواب في ذلك أن يقال: هو المال الكثير، كما قال الربيع بن أنس، ولا يحدُّ قدرُ وزنه بحدٍّ على تَعسُّف.

(70) وقد قيل ما قيل مما روينا.

* * * وأما " المقنطرة "، فهي المضعَّفة، وكأن " القناطير " ثلاثة، و " المقنطرة " تسعة.

(71) وهو كما قال الربيع بن أنس: المال الكثيرُ بعضه على بعض، كما:- 6725 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة: " القناطير المقنطرة من الذهب والفضة "، والمقنطرة المال الكثيرُ بعضه على بعض.

&; 6-250 &; 6726 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك في قوله: " القناطير المقنطرة "، يعني المال الكثير من الذهب والفضة.

* * * وقال آخرون: معنى " المقنطرة ": المضروبة دراهم أو دنانير.

ذكر من قال ذلك: 6727 - حدثنا موسى قالى، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: " المقنطرة "، فيقول: المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم.

* * * وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا - خبرٌ لو صحّ سندُه، لم نعدُه إلى غيره.

وذلك ما:- 6728 - حدثنا به ابن عبد الرحمن البرقي قال، حدثني عمرو بن أبي سلمة قال، حدثنا زهير بن محمد قال، حدثني أبان بن أبي عياش وحميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [سورة النساء: 20]، قال: ألفا مئين يعني = ألفين.

(72) * * * &; 6-251 &; القول في تأويل قوله : وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " المسوَّمة ".

فقال بعضهم: هى الراعية.

ذكر من قال ذلك: 6729 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حبيب بن &; 6-252 &; أبي ثابت، عن سعيد بن جبير: " الخيل المسوّمة "، قال: الراعية، التي ترعى.

6730 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، مثله.

6731 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير مثله.

6732 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير: هي الراعية، يعني: السائمة.

6733 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن طلحة القناد قال، سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى يقول: الراعية.

6734 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " والخيل المسومة ".

قال: الراعية.

6735 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، : " والخيل المسومة " المسرَّحة في الرّعي.

6736 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " والخيل المسوّمة، قال: الخيل الراعية.

6737 - حدثت عن عمار قال ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، عن مجاهد: أنه كان يقول: الخيل الراعية.

* * * وقال آخرون: " المسوّمة ": الحسان.

ذكر من قال ذلك: 6738 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب قال: قال مجاهد: " المسوّمة "، المطهَّمة.

6739 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد في قوله: " والخيل المسومة "، قال: المطهَّمة الحسان.

&; 6-253 &; 6740- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " والخيل المسوّمة "، قال: المطهمة حسْنًا.

6741- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

6742- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن مجاهد: المطهمة.

6743 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، عن بشير بن أبي عمرو الخولاني قال: سألت عكرمة عن " الخيل المسوّمة "، قال: تَسويمها، حُسنها.

(73) 6744 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن بشير بن أبي عمرو الخولاني قال: سمعت عكرمة يقول: " الخيل المسوّمة "، قال: تسويمها: الحُسن.

(74) 6745 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " الخيل المسوّمة والأنعام "، الرائعة.

* * * وقد حدثني بهذا الحديث عن عمرو بن حماد غيرُ موسى، قال: الراعية.

* * * وقال آخرون: " الخيل المسوّمة "، المعلَمة.

&; 6-254 &; ذكر من قال ذلك: 6746 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " والخيل المسوّمة "، يعني: المعلَمة.

6747 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " والخيل المسوّمة "، وسيماها، شِيَتُها.

(75) 6748 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " والخيل المسوّمة "، قال: شِيَة الخيل في وُجوهها.

* * * وقال غيرهم: " المسوّمة "، المعدّة للجهاد.

ذكر من قال ذلك: 6749 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " والخيل المسومة "، قال: المعدّة للجهاد.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: " والخيل المسوّمة "، المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسنًا من رآها.

لأن " التسويم " في كلام العرب: هو الإعلام.

فالخيل الحسان مُعلَمةٌ بإعلام الله إياها بالحسن من ألوانها وشِياتها وهيئاتها، وهي" المطهَّمة "، أيضًا.

ومن ذلك قول نابغة بني ذبيان في صفة الخيل: بِضُمْـــرٍ كَـــالقِدَاحِ مُســوَّماتٍ عَلَيْهَـــا مَعْشَــرٌ أَشْــبَاهُ جِــنِّ (76) &; 6-255 &; يعني ب " المسوّمات "، المعلمات، وقول لبيد: وَغَــدَاةَ قَــاعِ القُــرْنَتَيْنِ أَتَيْنَهُـمْ زُجَــلا يُلُــوحُ خِلالَهَــا التَّسْـوِيمُ (77) فمعنى تأويل من تأول ذلك: " المطهمةَ، والمعلمة، والرائعة "، واحدٌ.

* * * وأما قول من تأوّله بمعنى: الراعية، فإنه ذهب إلى قول القائل: " أسمْتُ الماشية فأنا أُسيمها إسامة "، إذا رعيتها الكلأ والعشب، كما قال الله &; 6-256 &; عز وجل: وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [سورة النحل: 10]، بمعنى: ترعَوْن، ومنه قول الأخطل: مِثْـلَ ابْـنِ بَزْعَـةَ أَوْ كـآخَرَ مِثْلِـهِ, أَوْلَـى لَـكَ ابْـنَ مُسِـيمَةِ الأجْمَـالِ!

(78) يعني بذلك: راعية الأجمال.

فإذا أريد أنّ الماشية هي التي رعت، قيل: " سامت الماشية تسوم سومًا "، ولذلك قيل: " إبل سائمة "، بمعنى: راعية، غير أنه غير مستفيض في كلامهم: " سوَّمتُ الماشيةَ"، بمعنى أرعيتها، وإنما يقال إذا أريد ذلك: " أسمتها ".

* * * &; 6-257 &; فإذْ كان ذلك كذلك، فتوجيه تأويل " المسوّمة " إلى أنها " المعلمة " بما وصفنا من المعاني التي تقدم ذكرها، أصحّ.

* * * وأما الذي قاله ابن زيد: من أنها المعدّة في سبيل الله، فتأويل من معنى " المسوّمة "، بمعزِلٍ.

* * * القول في تأويل قوله : وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ قال أبو جعفر: فـ" الأنعام " جمع " نَعَم "، وهي الأزواج الثمانية التي ذكرها في كتابه: من الضّأن والمعِز والبقر والإبل.

(79) * * * وأما " الحرث "، فهو الزّرع.

(80) * * * وتأويل الكلام: زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء، ومن البنين، ومن كذا، ومن كذا، ومن الأنعام والحرث.

* * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قال أبو جعفر: يعني بقوله جَل ثناؤه: " ذلك "، جميعَ ما ذُكر في هذه الآية من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة &; 6-258 &; والأنعام والحرث.

فكنى بقوله: " ذلك " عن جميعهن.

وهذا يدل على أن " ذلك " يشتمل على الأشياء الكثيرة المختلفة المعاني، ويكنى به عن جميع ذلك.

* * * وأما قوله: " متاع الحياة الدنيا "، فإنه خبر من الله عن أن ذلك كله مما يَستمتع به في الدنيا أهلها أحياءً، فيتبلَّغون به فيها، ويجعلونه وُصْلة في معايشهم، وسببًا لقضاء شهواتهم، التي زُيِّن لهم حبها في عاجل دنياهم، (81) دون أن تكون عدّة لمعادهم، وقُرْبة لهم إلى ربهم، إلا ما أسلِك في سبيله، وأنفق منه فيما أمَر به.

(82) * * * وأما قوله: " والله عنده حسن المآب "، فإنه يعني بذلك جل ثناؤه: وعند الله حُسن المآب = يعني: حسن المرْجع، كما:- 6750 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدّي: " والله عنده حسن المآب "، يقول: حسن المنقلب، وهي الجنة.

* * * = وهو مصدر على مثال " مَفْعَل " من قول القائل: "آب الرجل إلينا "، إذا رجع،" فهو يؤوب إيابًا وأوبة وأيبةً وَمآبًا "، (83) غير أن موضع الفاء منها مهموز، والعين مبدلة من " الواو " إلى " الألف " بحركتها إلى الفتح.

فلما كان حظها الحركة إلى الفتح، (84) وكانت حركتها منقولة إلى الحرف الذي قبلها - وهو فاء الفعل - انقلبت فصارت " ألفا "، كما قيل: " قال " فصارت عين الفعل " ألفًا "، لأن حظها الفتح." والمآب " مثل " المقال " و " المعاد " و " المجال "، (85) &; 6-259 &; كل ذلك " مفعَل " منقولة حركة عينه إلى فائه، فمصيَّرةٌ واوه أو ياؤه " ألفًا " لفتحة ما قبلها.

* * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: " والله عنده حسن المآب "، وقد علمتَ ما عنده يومئذ من أليم العذاب وشديد العقاب؟

قيل: إن ذلك معنىّ به خاصٌ من الناس، ومعنى ذلك: (86) والله عنده حسن المآب للذين اتقوا ربهم.

وقد أنبأنا عن ذلك في هذه الآية التي تليها.

* * * فإن قال: وما " حسن المآب "؟

قيل: هو ما وصفه به جل ثناؤه، وهو المرجع إلى جنات تجري من تحتها الأنهار مُخلَّدًا فيها، وإلى أزواج مطهرة ورضوان من الله.

-------------------------- الهوامش : (61) في القرطبي 4: 28 : "من زينها؟" استفهام"زينها" فعل.

ولم أجد خبر الحسن ، ولكني أذكر كأني قرأته قديمًا ، وهو يسخر من أمر الدنيا ، ويقول: من حسنها ، أن الذي يذمها ويقبحها هو الذي خلقها!

و"الزين" خلاف الشين ، مصدر"زان الشيء يزينه زينًا".

(62) الأثر: 6700- ذكره ابن كثير في تفسيره 2: 109 ، 110 ، وأشار إلى رواية أحمد: "حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حماد ، عن عاصم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القنطار اثنا عشر ألف أوقيه ، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض" وذكر رواية ابن ماجه ووكيع ، وصحح أن هذا الأثر موقوف ، كما رواه ابن جرير ووكيع.

(63) الأثر: 6701-"زكريا بن يحيى الضرير" هو: "زكريا بن يحيى بن أيوب ، أبو علي الضرير المدائني" ، حدث عن زياد البكائي ، وشبابة بن سوار ، وسليمان بن سفيان الجهني ، روى عنه محمد بن علي المعروف بمعدان ، ومحمد بن غالب التمتام ، ويحيى بن صاعد ، والقاضي المحاملي.

مترجم في تاريخ بغداد 8: 457.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "زكريا بن يحيى الصديق" ، وهو خطأ ، والصواب من تفسير ابن كثير 2: 110.

و"شبابة" هو"شبابة بن سوار الفزاري".

قال أحمد: "تركته لم أكتب عنه للإرجاء ، كان داعية".

وقال زكريا الساجي: "صدوق ، يدعو إلى الإرجاء.

كان أحمد يحمل عليه".

وقد وثقه ابن معين وابن سعد على إرجائه.

مترجم في التهذيب ، و"مخلد بن عبد الواحد" أبو الهذيل البصري روى عن علي ابن زيد بن جدعان ، وروى عنه شبابة.

قال ابن حبان: "منكر الحديث جدًا".

وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث.

مترجم في لسان الميزان ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 348.

و"علي بن زيد بن جدعان" مضى برقم: 40.

و"عطاء بن أبي ميمونة" روى عن أنس وعمران وجابر بن سمرة ، وغيرهم.

وثقه أبو زرعة والنسائي.

وقال أبو حاتم: "لا يحتج بحديثه وكان قدريًا" ، وقال ابن عدي: "في أحاديثه بعض ما ينكر عليه".

وقد روى ابن كثير هذا الأثر في تفسيره 2: 110 وقال: "وهذا حديث منكر أيضًا".

والأقرب أن يكون موقوفًا على أبي بن كعب ، كغيره من الصحابة" - يعني كالأثر السالف الموقوف على أبي هريرة ، وما قبله عن معاذ بن جبل وابن عمر.

(64) الورق (بفتح الواو وكسر الراء): الفضة ، أو الدراهم من الفضة.

(65) الأثر: 6710- هذا إسناد ناقص بلا ريب ، وقد وضعت مكان الخرم هذه النقط ، وسبب ذلك أن الناسخ انتهى في آخر الصفحة بقوله: "حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا" وانتقل إلى الصفحة التالية فبدأها: "قال أخبرنا عوف" فهو سهو منه.

وإسناد"محمد بن بشار" إلى"عوف عن الحسن" ، مختلف ، منه الأسناد رقم: 2570 مثلا: "حدثنا محمد بن بشار ، قال حدثنا يحيى ، عن سعيد ، عن عوف ، عن الحسن" ، وغيره مما لم أستطع أن أتتبعه الآن.

(66) الأثر: 6721-"عمر بن حوشب الصنعاني" ، روى إسماعيل بن أمية.

وروى عنه عبد الرزاق ذكره ابن حبان في الثقات.

قال ابن القطان: "لا يعرف حاله" ، مترجم في التهذيب.

وابن أبي حاتم 3 / 1 / 105.

(67) المسك (بفتح الميم وسكون السين): هو مسلاخ الجلد الذي يكون فيه الثور وغيره.

(68) يعني أبا عبيدة معمر بن المثنى ، كما أشار إليه بذلك مرارًا سلفت ، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 88.

(69) نص أبي عبيدة"هو قدر وزن ، لا يحدونه" ، بإضافة"قدر" إلى"وزن" ، وهو كذلك في المخطوطة ، ولكن المطبوعة زادت واوًا فجعلته"قدر ووزن".

(70) في المطبوعة: "على تعنف" ، وفي المخطوطة: "على تعنف" غير منقوطة ، وأظن صواب قراءتها ما أثبت.

(71) هذا من كلام الفراء في معاني القرآن 1: 195 بتصرف ، ونصه"والقناطير ثلاثة ، والمقنطرة تسعة ، كذلك سمعت".

(72) الحديث: 6728- ابن عبد الرحمن البرقي: هكذا ثبت في المخطوطة والمطبوعة ، ولم أعرف من هو.

ونقل ابن كثير 2: 110 هذا الحديث من تفسير ابن أبي حاتم: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي ، أنبأنا عمرو بن أبي سلمة...".

فلم أجد أيضًا"أحمد بن عبد الرحمن الرقي" - ولم يترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.

ويبعد جدًا أن لا يترجم لشيخه.

ولكن من شيوخ الطبري: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي الحافظ.

روى عنه في: 22 باسم"ابن البرقي".

وفي: 160 ، باسم"أحمد بن عبد الرحيم البرقي".

نسب إلى جده.

وفي: 5444 ، باسم"ابن البرقي".

وهو في الرواية الأخيرة يروى عن عمرو بن أبي سلمة ، كمثل الرواية التي هنا.

فمن المحتمل أن يكون هو الذي هنا ، وأن تكون كتابة"ابن عبد الرحمن" بدلا من"ابن عبد الرحيم" خطأ من الناسخين.

ولكن يعكر عليه اتفاق"بن عبد الرحمن" في رواية ابن أبي حاتم وما ثبت هنا.

فإنه يبعد جدًا اتفاق الناسخين على خطأ واحد معين ، في كتابين مختلفين ، لمؤلفين ، ليس أحدهما ناقلا عن الآخر.

فلعل"أحمد بن عبد الرحمن الرقي" أو "البرقي" - شيخ آخر روى عنه الطبري وابن أبي حاتم لم تقع إلينا ترجمته.

عمرو بن أبي سلمة: مضت ترجمته في: 5444.

زهير بن محمد التميمي الخراساني المروزي: ثقة ، وثقه أحمد وغيره.

أبان بن أبي عياش ، واسم أبي عياش"فيروز": تابعي روى عن أنس ، ولكنه ضعيف.

قال أحمد: "منكر الحديث".

وقال ابن معين: "ليس حديثه بشيء".

وقال أبو حاتم: "متروك الحديث ، وكان رجلا صالحًا ، ولكن بلى بسوء الحفظ".

وقال البخاري: "كان شعبة سيئ الرأي فيه".

ولكن ضعف أبان لا يؤثر في صحة هذا الحديث ، لأن زهير بن محمد سمعه منه ، وسمعه أيضًا من"حميد الطويل" ، وحميد: ثقة ، كما مضت ترجمته في: 3877.

والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2: 178 ، عن أبي العباس الأصم ، عن أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي ، عن عمرو بن أبي سلمة ، عن زهير بن محمد: "حدثنا حميد الطويل ، ورجل آخر ، عن أنس بن مالك ، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل: (والقناطير المقنطرة)؟

قال: القنطار ألفا أوقية".

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه".

ووافقه الذهبي.

ووقع في مختصر الذهبي المطبوع مع المستدرك"ألف أوقية" بالإفراد ، وهو خطأ مطبعي ، وثبت على الصواب في مخطوطة المختصر التي عندي ، موافقًا لما في أصل المستدرك.

ونقله ابن كثير 2: 110 - كما قلنا من قبل - عن رواية ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن عبد الرحمن الرقي ، عن عمرو بن أبي سلمة ، عن زهير بن محمد: "أنبأنا حميد الطويل ، ورجل آخر قد سماه ، يعني يزيد الرقاشي ، عن أنس".

وفيه: "يعني ألف دينار".

فالرجل الآخر المبهم في رواية الحاكم ، يحتمل أن يكون أبان بن أبي عياش ، كما في رواية الطبري هذه ، ويحتمل أن يكون يزيد الرقاشي ، كما في رواية ابن أبي حاتم ، ويزيد بن أبان الرقاشي: ضعيف أيضًا ، كما مضى في شرح: 6654.

وقد ذكر السيوطي رواية الحاكم ، في هذا الموضع من تفسير آية آل عمران 2: 10 وذكر رواية الطبري التي هنا ، في موضعها من تفسير الآية: 20 من سورة النساء ، الدر المنثور 2: 133.

ولفظ الحديث هنا اضطربت فيه النسخ ، ففي المطبوعة: "ألفا مئين ، يعني ألفين" وذكر مصححها بالهامش أن هذا في بعض النسخ ، وأن في بعضها: "ألفًا ومئين".

ورواية السيوطي - نقلا عن الطبري: "ألفا ومئتين ، يعني ألفين".

والراجح عندي أن هذا كله تحريف ، وأن الصحيح اللفظ الذي في رواية الحاكم.

(73) الأثر: 6743-"أبو عبد الرحمن المقرئ" هو: "عبد الله بن يزيد العدوي مولى آل عمر" مترجم في التهذيب.

و"بشير بن أبي عمرو الخولاني" مصري ، روى عن عكرمة والوليد بن قيس التجيبي ، روى عنه سعيد بن أبي أيوب والليث وابن لهيعة.

ثقة مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 377.

وفي المطبوعة والمخطوطة: "بشر بن أبي عمرو الخولاني" وهو خطأ.

(74) الأثر: 6744- في المخطوطة والمطبوعة: "بشر بن أبي عمرو الخولاني" وهو خطأ.

انظر التعليق السالف.

(75) "الشية": كل ما خالف اللون من جميع جسد الفرس أو غيره ، وجمعها"شيات" ، وأصلها من"الوشي".

وشي الثوب وشيًا وشية: حسنه ونمنمه ونقشه.

(76) ديوانه: 86 ، من قصيدته حين قتلت بنو عبس نضلة الأسدي ، وقتلت بنو أسد منهم رجلين ، فأراد عيينة بن حصن عون بني عبس ، وأن يخرج بني أسد من حلف بني ذبيان ، فقال: إِذَا حَــاوَلْتَ فِــي أَسَــدٍ فُجُـورًا فــإِنِّي لَسْـتُ مِنْـكَ وَلَسْـتَ مِنِّـي ثم أثنى عليهم ، وذكر أيامهم ، فمما ذكر: وَقَــدْ زَحَــفُوا لِغَسَّــانٍ بزَحْـفٍ رَحِــيبِ السَّـرْبِ أَرْعَـنَ مُرْجَحِـنِّ بِكُــلِّ مُحَــرَّبٍ كــاللَّيْثِ يَسْـمُو عَــلَى أوْصَــالِ ذَيَّــالٍ رِفَــنِّ وضُمْــــرٍ كَـــالقِدَاحِ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "بسمر" ، وليس من صفة الجياد أن يقال"سمر" ، بل السمر الرماح ، أما الضمر (بضم فسكون) فجمع ضامر ، وقياس جمعه ضوامر ، إلا أن (فاعل) الصفة منه ما يجمع على (فعل) بضم الفاء والعين ، مثل"بازل وبزل ، وشارف وشرف" ، شبهوه بفعول لمناسبته له في عدد الحروف.

ثم يخفف (فعل) عند بني تميم فتسكن عينه.

والقداح جمع قدح (بكسر فسكون): وهو السهم إذا قوم وأنى له أن يراش.

تشبه به الخيل الضوامر.

(77) ديوان قصيدة: 16 ، البيت: 41 ، والبيت من أبيات في القصيدة يذكر فيها عزه وعز قومه ، أولها: إنِّـي امْـرُءٌ مَنَعَـتْ أَرُومَـةُ عَــامِرٍ ضَيْمِـى, وقـد جَـنَفَتْ عَـلَيَّ خُصُومُ جَــهَدُوا العَــدَاوةَ كُلَّهـا, فأَصَدَّهـا عِّنــي مَنَــاكِبُ عِزُّهــا مَعْلُـومُ مِنْهــا: حُــوَيٌّ, والذُّهـابُ, وقَبْلَـهُ يَــوْمٌ بِبُرْقَــةِ رَحْرَحَــانَ كَـرِيمُ وغَــدَاةَ قَـاعِ القُـرْنتين.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

و"حوى" ، و"الذهاب" و"برقة رحرحان" و"قاع القرنتين" كلها مواضع كانت لقومه فيها وقائع ، ظفروا فيها.

وقوله: "أتينهم" الضمير للخيل عليها أصحابها.

والضمير الآخر لأعدائه.

والزجل جمع زجلة (بضم فسكون): الجماعة من الناس والخيل.

ورواية ديوانه: "رهوًا" ، أي متتابعة.

وخلالها: وسطها.

(78) ديوانه: 159 ، والأغاني 8: 319 ، وطبقات فحول الشعراء: 418 ، وسيأتي في التفسير 14: 60 (بولاق) ، وهو من قصيدته التي رفع فيها ذكر عكرمة بن ربعي الفياض ، كاتب بشر بن مروان.

وذلك أن الأخطل أتى حوشب بن رويم الشيباني فقال: إني تحملت حمالتين لأحقن بهما دماء قومي!

فنهره.

فأتى شداد بن البزيعة ، (هو شداد بن المنذر الذهلي ، أخو الحضين بن المنذر صاحب راية علي يوم صفين) ، فسأله ، فاعتذر إليه شداد.

فأتى عكرمة الفياض فأخبره بما قال له الرجلان ، فقال: أما إني لا أنهرك ولا أعتذر إليك ، ولكني أعطيك إحداهما عينًا ، والأخرى عرضًا.

فأشاد به الأخطل وهجا الرجلين فقال: وَلَقَــدْ مَنَنْـتَ عَـلَى رَبِيعَــةَ كلَّهـا وكَــفَيْتَ كُــلَّ مُــواِكلٍ خَــذّالِ كَـزْمِ اليَـدَيْنِ عَـنِ العَطِيَّــةِ مُمْسِـكٍ لَيْسَــتْ تَبِــضُّ صَفَاتُــهُ ببِـلالِ كــابنِ البَزِيَعــةِ, أو كـآخَرَ مِثْلِـه, أَوْلَـى لـك ابْـنَ مُسِـيَمةِ الأَجْمَـالِ!

إِنَّ اللَّئِـــيمَ إذَا سَـــأَلْتَ بَهَرْتَــهُ وتــرَى الكَــرِيمَ يَـرَاحُ كالمُخْتَـالِ وفي المخطوطة: "أولى ابن مسيمة..." ، خطأ."وابن البزيعة" ، هو"ابن بزعة" في رواية الطبري هنا.

والبزيعة (على وزن كريمة) أم شداد بن المنذر.

وقد ضبطتها في طبقات فحول الشعراء بالتصغير ، اتباعًا لما في تاريخ الطبري مضبوطًا بالقلم.

ولكني هنا أستدرك هذا ، وأرجح أني كما ضبطته هنا: "البزيعة": الجارية الظريفة المليحة الذكية القلب.

وقد ذكر شداد بن بزيعة عند زياد بن أبي سفيان في الشهود وهو (زياد بن سمية ، وابن أبيه) فلما قيل: "ابن بزيعة" قال: ما لهذا أب ينسب إليه؟

ألقوا هذا من الشهود".

فقيل له: إنه أخو حضين بن المنذر!

قال: فانسبوه إلى أبيه.

فبلغ ذلك شدادًا فقال: ويل علي ابن الزانية!

أو ليست أمه أعرف منه بأبيه؟

والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية!!

(تاريخ الطبري 6: 151).

(79) في سورة الأنعام: 142-144.

(80) انظر تفسير"الحرث" فيما سلف 4: 240-243 ، 397.

(81) في المخطوطة: "زين لهم حملها..." ، وهو من أوهام صاحبنا الناسخ.

(82) انظر تفسير"المتاع" فيما سلف 1: 539 ، 540 / ثم 3: 55 / ثم 5: 260.

(83) "أيبة" بفتح الهمزة وكسرها وسكون الياء ، وهي على المعاقبة من الواو.

(84) في المخطوطة: "قلنا كان حظها..." وهي من لطائف صاحبنا غفر الله له.

(85) في المخطوطة والمطبوعة: "المحال" بالحاء ، والصواب ما أثبت.

(86) في المخطوطة كتب"وبين" والواو متصلة بما بعدها ، حتى ما تكاد تقرأ ، والذي في المطبوعة لا بأس به في قراءة هذه الكلمة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآبفيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : زين للناس زين من التزيين واختلف الناس من المزين ; فقالت فرقة : الله زين ذلك ; وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ذكره البخاري .

وفي التنزيل : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ; ولما قال عمر : الآن يا رب حين زينتها لنا نزلت : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم وقالت فرقة : المزين هو الشيطان ; وهو ظاهر قول الحسن ، فإنه قال : من زينها ؟

ما أحد أشد لها ذما من خالقها .

فتزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجبلة على الميل إلى هذه الأشياء .

وتزيين الشيطان إنما هو بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها .

والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس ، وفي ضمن ذلك توبيخ لمعاصريمحمد - صلى الله عليه وسلم - من اليهود وغيرهم .

وقرأ الجمهور زين على بناء الفعل للمفعول ، ورفع حب .

وقرأ الضحاك ومجاهد " زين " على بناء الفعل للفاعل ، ونصب " حب " وحركت الهاء من الشهوات فرقا بين الاسم والنعت والشهوات جمع شهوة وهي معروفة ورجل شهوان للشيء ، وشيء شهي أي مشتهى واتباع الشهوات مرد وطاعتها مهلكة .

وفي صحيح مسلم : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار [ ص: 27 ] بالشهوات رواه أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها .

وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها .

وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : طريق الجنة حزن بربوة وطريق النار سهل بسهوة .

.

.

; وهو معنى قوله ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ) .

أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الروابي ، وطريق النار سهل لا غلظ فيه ولا وعورة ، وهو معنى قوله ( سهل بسهوة ) وهو بالسين المهملة .الثانية : قوله تعالى : من النساء بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن ; لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء أخرجه البخاري ومسلم .

ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء .

ويقال : في النساء فتنتان ، وفي الأولاد فتنة واحدة .

فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم ; لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات والأخوات ، والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام وذلك لينال رضاهن .

وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم .

وروى عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتاب .

حذرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجال ، وليس في ذلك تحصين لهن ولا ستر ; لأنهن قد يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة والبلاء ، ولأنهن قد خلقن من الرجل ; فهمتها في الرجل والرجل خلق فيه الشهوة وجعلت سكنا له ; فغير مأمون كل واحد منهما على صاحبه .

وفي تعلمهن الكتاب هذا المعنى من الفتنة وأشد .

وفي [ ص: 28 ] كتاب الشهاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعروا النساء يلزمن الحجال .

فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدين ليسلم له الدين ; قال - صلى الله عليه وسلم - : عليك بذات الدين تربت يداك أخرجه مسلم عن أبي هريرة .

وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ، ولكن تزوجوهن على الدين ، ولأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل .الثالثة : قوله تعالى : والبنين عطف على ما قبله .

وواحد من البنين ابن .

قال الله تعالى مخبرا عن نوح : إن ابني من أهلي .

وتقول في التصغير " بني " كما قال لقمان .

وفي الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأشعث بن قيس : هل لك من ابنة حمزة من ولد ؟

قال : نعم ، لي منها غلام ولوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من بقي من بني جبلة .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لئن قلت ذلك إنهم لثمرة القلوب وقرة الأعين وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة .الرابعة : قوله تعالى : والقناطير القناطير جمع قنطار ، كما قال تعالى : وآتيتم إحداهن قنطارا وهو العقدة الكبيرة من المال ، وقيل : هو اسم للمعيار الذي يوزن به ; كما [ ص: 29 ] هو الرطل والربع .

ويقال لما بلغ ذلك الوزن : هذا قنطار ، أي يعدل القنطار .

والعرب تقول : قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار .

وقال الزجاج : القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ; تقول العرب : قنطرت الشيء إذا أحكمته ; ومنه سميت القنطرة لإحكامها .

قال طرفة :كقنطرة الرومي أقسم ربها لتكتنفن حتى تشاد بقرمدوالقنطرة المعقودة ; فكأن القنطار عقد مال .

واختلف العلماء في تحرير حده كم هو على أقوال عديدة ; فروى أبي بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ; وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وجماعة من العلماء .

قال ابن عطية : " وهو أصح الأقوال ، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية " .

وقيل : اثنا عشر ألف أوقية ; أسنده البستي في مسنده الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : القنطار اثنا عشر ألف أوقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض .

وقال بهذا القول أبو هريرة أيضا .

وفي مسند أبي محمد الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال : " من قرأ في ليلة عشر آيات كتب من الذاكرين ، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر " قيل : وما القنطار ؟

قال : " ملء مسك ثور ذهبا " .

موقوف ; وقال به أبو نضرة العبدي .

وذكر ابن سيده أنه هكذا بالسريانية .

وقال النقاش عن ابن الكلبي أنه هكذا بلغة الروم .

وقال ابن عباس والضحاك والحسن : ألف ومائتا مثقال من الفضة ; ورفعه الحسن .

وعن ابن عباس : اثنا عشر ألف درهم من الفضة ، ومن الذهب ألف دينار دية الرجل المسلم ; وروي عن الحسن والضحاك .

وقال سعيد بن المسيب : ثمانون ألفا .

قتادة : مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة .

وقال أبو حمزة الثمالي : القنطار بإفريقية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة .

السدي : أربعة آلاف مثقال .

مجاهد : سبعون ألف مثقال ; وروي عن ابن عمر .

وحكى مكي قولا أن القنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة ; وقاله ابن سيده في المحكم ، وقال : القنطار بلغة بربر ألف مثقال .

وقال الربيع بن أنس : [ ص: 30 ] القنطار المال الكثير بعضه على بعض ; وهذا هو المعروف عند العرب ، ومنه قوله : وآتيتم إحداهن قنطارا أي مالا كثيرا .

ومنه الحديث : ( إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية وقنطر أبوه ) أي صار له قنطار من المال .

وعن الحكم هو ما بين السماء والأرض .

واختلفوا في معنى " المقنطرة " فقال الطبري وغيره : معناه المضعفة ، وكأن القناطير ثلاثة والمقنطرة تسع .

وروي عن الفراء أنه قال : القناطير جمع القنطار ، والمقنطرة جمع الجمع ، فيكون تسع قناطير .

السدي : المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم .

مكي : المقنطرة المكملة ; وحكاه الهروي ; كما يقال : بدر مبدرة ، وآلاف مؤلفة .

وقال بعضهم .

ولهذا سمي البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض .

ابن كيسان والفراء : لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير .

وقيل : المقنطرة إشارة إلى حضور المال وكونه عتيدا .

وفي صحيح البستي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين .الخامسة : قوله تعالى : من الذهب والفضة الذهب ، مؤنثة ; يقال : هي الذهب الحسنة جمعها ذهاب وذهوب .

ويجوز أن يكون جمع ذهبة ، ويجمع على الأذهاب .

وذهب فلان مذهبا حسنا .

والذهب : مكيال لأهل اليمن .

ورجل ذهب إذا رأى معدن الذهب فدهش .

والفضة معروفة ، وجمعها فضض .

فالذهب مأخوذة من الذهاب ، والفضة مأخوذة من انفض الشيء تفرق ; ومنه فضضت القوم فانفضوا ، أي فرقتهم فتفرقوا .

وهذا الاشتقاق يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود .

ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم :النار آخر دينار نطقت به والهم آخر هذا الدرهم الجاريوالمرء بينهما إن كان ذا ورع معذب القلب بين الهم والنارالسادسة : قوله تعالى : والخيل الخيل مؤنثة .

قال ابن كيسان : حدثت عن أبي عبيدة أنه قال : واحد الخيل خائل ، مثل طائر وطير ، وضائن وضين ; وسمي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه .

وقال غيره : هو اسم جمع لا واحد له من لفظه واحده فرس كالقوم والرهط والنساء والإبل ونحوها .

وفي الخبر من حديث علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح .

وهب بن منبه : خلقها من ريح الجنوب .

قال وهب : [ ص: 31 ] فليس تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يكبرها صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها .

وسيأتي لذكر الخيل ووصفها في سورة " الأنفال " ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى .

وفي الخبر : ( إن الله عرض على آدم جميع الدواب ، فقيل له : اختر منها واحدا فاختار الفرس ; فقيل له : اخترت عزك ) ; فصار اسمه الخير من هذا الوجه .

وسميت خيلا لأنها موسومة بالعز فمن ركبه اعتز بنحلة الله له ويختال به على أعداء الله تعالى .

وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا ، ويقطعها كالالتهام بيديه على شيء خبطا وتناولا ، وسمي عربيا لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت ، وإسماعيل عربي ، فصار له نحلة من الله تعالى فسمي عربيا .

وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يدخل الشيطان دارا فيها فرس عتيق .

وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة .

وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية .

أخرجه الترمذي عن أبي قتادة .

وفي مسند الدارمي عنه أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني أريد أن أشتري فرسا فأيها أشتري ؟

قال : اشتر أدهم أرثم محجلا طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم .

وروى النسائي عن أنس قال : لم يكن أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد النساء من الخيل .وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل ثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، ولرجل وزر .

.

.

الحديث بطوله ، شهرته أغنت عن ذكره .

وسيأتي ذكر أحكام الخيل في " الأنفال " و " النحل " بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى .السابعة : قوله تعالى : المسومة يعني الراعية في المروج والمسارح ; قاله سعيد بن جبير .

يقال : سامت الدابة والشاة إذا سرحت تسوم سوما فهي سائمة .

وأسمتها أنا إذا تركتها [ ص: 32 ] لذلك فهي مسامة .

وسومتها تسويما فهي مسومة .

وفي سنن ابن ماجه عن علي قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السوم قبل طلوع الشمس ، وعن ذبح ذوات الدر السوم هنا في معنى الرعي ، وقال الله عز وجل : فيه تسيمون قال الأخطل :مثل ابن بزعة أو كآخر مثله أولى لك ابن مسيمة الأجمالأراد ابن راعية الإبل .

والسوام : كل بهيمة ترعى ، وقيل : المعدة للجهاد ; قاله ابن زيد .

مجاهد : المسومة المطهمة الحسان .

وقال عكرمة : سومها الحسن ; واختاره النحاس ، من قولهم : رجل وسيم .

وروي عن ابن عباس أنه قال : المسومة المعلمة بشيات الخيل في وجوهها من السيما وهي العلامة .

وهذا مذهب الكسائي وأبي عبيدة .قلت : كل ما ذكر يحتمله اللفظ ، فتكون راعية معدة حسانا معلمة لتعرف من غيرها .

قال أبو زيد : أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى .

وحكى ابن فارس اللغوي في مجمله : المسومة المرسلة وعليها ركبانها .

وقال المؤرج : المسومة المكوية ، المبرد : المعروفة في البلدان .

ابن كيسان : البلق .

وكلها متقارب من السيما .

قال النابغة :وضمر كالقداح مسومات عليها معشر أشباه جنالثامنة : قوله تعالى : والأنعام قال ابن كيسان : إذا قلت نعم لم تكن إلا للإبل ، فإذا قلت : أنعام وقعت للإبل وكل ما يرعى .

قال الفراء : هو مذكر ولا يؤنث ; يقولون هذا نعم وارد ، ويجمع أنعاما .

قال الهروي : والنعم يذكر ويؤنث ، والأنعام المواشي من الإبل والبقر والغنم ; ، وإذا قيل : النعم فهو الإبل خاصة .

وقال حسان :وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء[ ص: 33 ] وفي سنن ابن ماجه عن عروة البارقي يرفعه قال : ( الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة ) .

وفيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الشاة من دواب الجنة .

وفيه عن أبي هريرة قال : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج .

وقال : عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى .

وفيه عن أم هانئ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها : اتخذي غنما فإن فيها بركة .

أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم هانئ ، إسناد صحيح .التاسعة : قوله تعالى : والحرث الحرث هنا اسم لكل ما يحرث ، وهو مصدر سمي به ; تقول : حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة ; فيقع اسم الحراثة على زرع الحبوب وعلى الجنات وعلى غير ذلك من نوع الفلاحة .

وفي الحديث : احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا .

يقال حرثت واحترثت .

وفي حديث عبد الله ( احرثوا هذا القرآن ) أي فتشوه .

قال ابن الأعرابي : الحرث التفتيش ; وفي الحديث : ( أصدق الأسماء الحارث ) لأن الحارث هو الكاسب ، واحتراث المال كسبه ، والمحراث مسعر النار والحراث مجرى الوتر في القوس ، والجمع أحرثة ، وأحرث الرجل ناقته أهزلها .

وفي حديث معاوية : ما فعلت نواضحكم ؟

قالوا : حرثناها يوم بدر .

قال أبو عبيد : يعنون هزلناها ; يقال : حرثت الدابة وأحرثتها ، لغتان .

وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة الباهلي قال وقد رأى سكة وشيئا من [ ص: 34 ] آلة الحرث فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل .

قيل : إن الذل هنا ما يلزم أهل الشغل بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين .

وقال المهلب : معنى قوله في هذا الحديث - والله أعلم - الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات ; وذلك لما خشي النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله ; لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها ; فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة .

ألا ترى أن عمر قال : تمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبا لا تغلبنكم عليها رعاة الإبل .

فأمرهم بملازمة الخيل ، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها .

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة .قال العلماء : ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال ، كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس ; أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار ، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك ، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي ، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق .

فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول ، فأماالنساء والبنون ففتنة للجميع .العاشرة : قوله تعالى : ذلك متاع الحياة الدنيا أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى .

وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة .

روى ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة .

وفي الحديث : ازهد في الدنيا يحبك الله أي في متاعها من الجاه والمال [ ص: 35 ] الزائد على الضروري .

قال - صلى الله عليه وسلم - : ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معديكرب .

وسئل سهل بن عبد الله : بم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات ؟

قال : بتشاغله بما أمر به .الحادية عشرة : والله عنده حسن المآب ابتداء وخبر .

والمآب المرجع ; آب يئوب إيابا إذا رجع ; قال يئوب إيابا إذا رجع ; قال امرؤ القيس :وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإيابوقال آخر :وكل ذي غيبة يئوب وغائب الموت لا يئوبوأصل مآب مأوب ، قلبت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف ، مثل مقال .

ومعنى الآية تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه زين للناس حب الشهوات الدنيوية، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها، قال تعالى { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } فلما زينت لهم هذه المذكورات بما فيها من الدواعي المثيرات، تعلقت بها نفوسهم ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي: وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب، والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانا لعباده، ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقا يتزودن منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها { ذلك متاع الحياة الدنيا } فجعلوها معبرا إلى الدار الآخرة ومتجرا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادا إلى ربهم.

وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما { والله بصير بالعباد } أي: عالم بما فيهم من الأوصاف الحسنة والأوصاف القبيحة، وما هو اللائق بأحوالهم، يوفق من شاء منهم ويخذل من شاء.

فالجنة التي ذكر الله وصفها ونعتها بأكمل نعت وصف أيضا المستحقين لها وهم الذين اتقوه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وكان من دعائهم أن قالوا:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( زين للناس حب الشهوات ) جمع شهوة وهي ما تدعو النفس إليه ( من النساء ) بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان ( والبنين والقناطير ) جمع قنطار واختلفوا فيه فقال الربيع بن أنس : القنطار المال الكثير بعضه على بعض ، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه : القنطار ألف ومائتا أوقية وقال ابن عباس رضي الله عنهما [ والضحاك ] ألف ومائتا مثقال وعنهما رواية أخرى اثنا عشر ألف درهم وألف [ دينار ] دية أحدكم ، وعن الحسن القنطار دية أحدكم ، وقال سعيد بن جبير وعكرمة : هو مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم ، ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا ، وقال سعيد بن المسيب وقتادة : ثمانون ألفا ، وقال مجاهد سبعون ألفا ، وعن السدي قال : أربعة آلاف مثقال ، وقال الحكم : القنطار ما بين السماء والأرض من مال ، وقال أبو نضرة : ملء مسك ثور ذهبا أو فضة وسمي قنطارا من الإحكام ، يقال : قنطرت الشيء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة .

قوله تعالى : ( المقنطرة ) قال الضحاك : المحصنة المحكمة ، وقال قتادة : هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض .

وقال يمان : [ المدفونة ] وقال السدي المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير ، وقال [ الفراء ] المضعفة ، فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة ( من الذهب والفضة ) وقيل سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى ، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق ( والخيل المسومة ) الخيل جمع لا واحد له من لفظه واحدها فرس ، كالقوم والنساء ونحوهما ، المسومة قال مجاهد : هي المطهمة الحسان ، وقال عكرمة : تسويمها حسنها ، وقال سعيد بن جبير : هي الراعية ، يقال : أسام الخيل وسومها قال الحسن وأبو عبيدة : هي المعلمة من السيماء والسيماء العلامة ، ثم منهم من قال : سيماها الشبه واللون وهو قول قتادة وقيل : الكي ( والأنعام ) جمع النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه ( والحرث ) يعني الزرع ( ذلك ) الذي ذكرنا ( متاع الحياة الدنيا ) يشير إلى أنها متاع يفنى ( والله عنده حسن المآب ) أي المرجع ، فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«زُيَّن للناس حبُّ الشهوات» ما تشتهيه النفس وتدعوا إليه زينها الله ابتلاءً أو الشيطانُ «من النساء والبنين والقناطير» الأموال الكثيرة «المقنطرة» المجمعة «من الذهب والفضة والخيل المسومة» الحسان «والأنعام» أي الإبل والبقر والغنم «والحرث» الزرع «ذلك» المذكور «متاع الحياة الدنيا» يتمتع به فيها ثم يفنى «والله عنده حسن المآب» المرجع وهو الجنة فينبغي الرغبة فيه دون غيره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حُسِّن للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين، والأموال الكثيرة من الذهب والفضة، والخيل الحسان، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، والأرض المتَّخَذة للغراس والزراعة.

ذلك زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية.

والله عنده حسن المرجع والثواب، وهو الجنَّة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أهم الشهوات التي يؤدى الانهماك في طلبها إلى الانحراف في التفكير ، وإلى عدم التبصر والاعتبار ، ودعا الناس إلى التزود من العمل الصالح الذي يفضى بهم إلى رضاه - سبحانه - فقال : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ .

.

.

} .فأنت ترى في هذه الآيات الكريما بيانا حكيما من الله - تعالى - لأهم متع الحياة الدنيا وشهواتها ، ولما هو خير من هذه المتع والشهوات ، مما أعده الله لعباده المتقين من جنات وخيرات .وقوله { زُيِّنَ } من التزيين وهو تصيير الشيء زينا أى حسنا .

والزينة هى ما فى الشيء من المحاسن التي ترغب الناظرين في اقتنائه .قال الراغب : " والزينة بالقول المجمل ثلاث : زينة نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة ، وزينة بدنية كالقوة وطول القامة ، وزينة خارجية كالمال والجاه .

.

وقد نسب الله التزيين في مواضع إلى نفسه كما في قوله - تعالى - { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ } ونسبه في مواضع إلى الشيطان كما في قوله { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ } وذكره في مواضع غير مسمى فاعله كما في قوله - تعالى - { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } .والشهوات جمع شهوة ، وهي ثوران النفس وميلها نحو الشيء المشتهى .

والمراد بها هنا الأشياء المشتهاة من النساء والبنين .

.

.

إلخ .

وعبر عنها بالشهوات للإشارة - كما يقول الألوسي - إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها حتى لكأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض : ما تشتهي؟

فقال : أشتهي أن أشتهى .

أو تنبيها على خستها : لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء ففي ذلك تنفير عنها وترغيب فيما عند الله ، ثم قال : والتزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب ، وهو بهذا المعنى مضاف إليه - تعالى - حقيقة؛ لأنه لا خالق إلا هو .

ويطلق ويراد به الحض على تعاطي الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها " .ثم بين - سبحانه - أهم المشتهيات التي يحبها الناس ، وتهفوا إليها قلوبهم ، وترغب فيها نفوسهم ، فأجملها في أمور ستة .أما أولها : فقد عبر عنه القرآن بقوله : " من النساء ولا شك أن المحبة بين الرجال والنساء شيء فطري في الطبيعة الإنسانية ، ويكفي أن الله - تعالى - قد قال في العلاقة بين الرجل والمرأة { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } وقال تعالى - في آية ثانية { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } وإن بعض الرجال قد يستهين بكل شيء في سبيل الوصول إلى المرأة التي يهواها ويشتهيها والأمثال على ذلك كثيرة ولا مجال لذكرها هنا وصدق رسول الله حيث يقول : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " ، ولذا قدم القرآن اشتهاءهن على كل شهوة .

و { مِنَ } في قوله { مِنَ النساء والبنين } بيانية ، وهي مع مجرورها في محل نصب على الحال من الشهوات .واكتفى القرآن بذكر محبة الرجل للمراة مع أن المرأة كذلك تحب الرجل بفطرتها لأن ذكر محبة أحدهما للآخر يغني عن ذكر الطرفين معاً ، وما يستفاد بالإشارة يستغنى فيه عن العبارة خصوصاً في هذا المجال الذي يحرص فيه القرآن على تربية الحياء والأدب في النفوس ، ولأن المرأة في هذا الباب يهمها أن تكون مطلوبة لا طالبة .

وحتى لو كانت محبتها للرجل أشد فإنها تحاول أن تثير فيه ما يجعله هو الذي يطلبها لا هي التي تطلبه .وأما ثاني المشتهيات : فقد عبر عنه القرآن بقوله { والبنين } جمع ابن ، وهو معطوف على ما قبله ، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء لأن البنين ثمرة حب النساء ، واكتفى بذكر البنين ، لأنهم موضع الفخر في العادة وحب الأولاد طبيعة في النفس البشرية فهم ثمرات القلوب ، وقرة الأعين ومهوى ألفئدة ، ومطمح الآمال ، ولقد تمنى الذرية جميع الناس حتى الأنبياء فهذا سيدنا إبراهيم يقول : { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين } وسيدنا زكريا يقول : { رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين } والإنسان في سبيل حبه لأولاده يضحى براحته ، وقد يجمع المال من أجلهم من حلال ومن حرام ، وقد يرتكب بعض الأعمال التي لا يريد ارتكابها إرضاء لهم ، وقد يمتنع عن فعل أشياء هو يريد فعلها لأن مصلحتهم تقتضي ذلك .وصدق الله إذ يقول : { أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم حيث يقول : " الولد ثمرة القلب ، وإنه مجبنة مبخلة محزنة " أى أن الأبناء يجعلون آباءهم يجبنون خوفا من الموت لئلا يصيب أبناءهم اليتم وآلامه ، ويجعلونهم يبخلون فلا ينفقون فيما ينبغي أن ينفق فيه إيثاراً لهم بالمال ، ويجعلونهم يحزنون عليهم إن أصابهم مرض ونحوه .أما الأمر الثالث من المشتهيات : فقد عبر عنه القرآن بقوله { والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة } والقناطير جمع قنطار ، وهو مأخوذ من عقد الشىء وإحكامه ، تقول العرب : قنطرت الشىء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة لإحكامها .قال الفخر الرازى " القنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النوائب وحكى أبو عبيدة عن العرب أنهم يقولون : إنه وزن لا يحد .

واعلم أن هذا هو الصحيح ، ومن الناس من حاول تحديده .

فعن ابن عباس : القنطار ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية " .ولفط { المقنطرة } مأخوذ من القنطار .

ومن عادة العرب أن يصفوا الشىء بما يشتق منه للمبالغة أي والقناطير المضاعفة المتكاثرة المجموعة قنظاراً قنطاراً كقولهم : دراهم مدرهمة وإبل مؤبلة .وقوله { مِنَ الذهب والفضة } بيان للناطير ، وهو فى موضع الحال هنا .والمراد أن الإنسان محب للمال حباً شديداً ، قال - تعالى - { وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ } وقال تعالى - { وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً }وفي الحديث الشريف الذى رواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً .

ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب .

ويتوب الله على من تاب " والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .وقالت السيدة - عائشة - رضي الله عنها - " رأيت ذا المال مهيبا ، ورأيت ذا الفقر مهينا " وقالت : " إن أحساب ذوى الدنيا بنيت على المال " .وإنما كان الذهب والفضة مبحوبين ، لأنهما - كما يقول الرازى - جعلا ثمنا لجميع الأشياء ، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء " وصفة المالكية هي القدرة ، والقدرة صفة كمال ، والكمال محبوب لذاته ، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذى هو محبوب لذاته - وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب - لا جرم كانا محبوبين " .وأما المشتهيات الرابعة والخامسة والسادسة فتتجلى في قوله - تعالى - { والخيل المسومة والأنعام والحرث } .ولفظ الخيل يرى سيبويه أنه اسم جمع لا واحد له من لفظة ، بل مفرده فرس فهو نظير قوم - ورهط ونساء .

ويرى الأخفش أنه جمع تكسير وواحده خائل ، فهو نظير راكب ، وطائر وطير .

وهو مشتق من الخيلاء لأنها تختال في مشيتها .والمسومة : أى الراعية في المروج والمسارح .

يقال : سوم ماشيته إذا أرسلها في المرعى .

أو المطهمة الحسان ، من السيما بمعنى الحسن أو المعلمة ذات الغرة والتحجيل من السمة بمعنى العلامة .والخيل كانت وما زالت زينة محببة مرغوبة ، مهما تفنن البشر في اختراع صنوف من المراكب براً وبحراً فمع وجود هذه المراكب المتنوعة ما زال للخيل عشاقها الذين يعجبهم ما فيها من جمال وانطلاق وألفة .

ويقتنونها للركوب والمسابقات .

.

.

{ والأنعام } جمع نعم ، وهي الإبل والبقر والغنم .

ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها .والأنعام فيها زينة .

والإنسان في حاجة شديدة إليها في مركبه ومطعمه وغير ذلك .

قال - تعالى - { والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } و { والحرث } مصدر بمعنى المفعول أى المحروث .

والمراد به المزروع سواء أكان حبوباً أم بقلا ، أم ثمراً إذ من هذه الأشياء يتخذ الإنسان مطعمه وملبسه وأدوات زينته .تلك هى أهم المشتهيات في هذه الحياة إلى نفس الإنسان قد جمعها القرآن في آية واحدة ، وقد اختصها - سبحانه - بالذكر لأنها أوضح من غيرها في الاحتياج إليها والتلذذ بها ، ولأن فيها إشارة إلى أنواع المتع كلها سواء أكانت متعة جسدية أم روحية ، أم مالية ، أم غير ذلك من ألوان المتع ، ومن مستلزمات الحياة .وقد ختم - سبحانه - الآية بقوله { ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب } .

واسم الإشارة { ذلك } يعود إلى كل ما تقدم ذكره من الأمور الستة التي سبق الحديث عنها ، والمآب : مصدر ميمى بوزن مفعل ، من آب .

كقال - إياباً وأوباً ومآباً ، إذا رجع .

وأصله مأوب نقلت حركة الواو إلى الهمزة ثم قلبت الواو ألفاً مثل مقال .أى ذلك المذكور من النساء والبنين وما عطف عليهما هو موضع الزينة ، ومطلب الناس الذى يستمتعون به ، .

.

.

.فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المشتهيات التي جبل الإنسان على الميل إليها ، وصياغة الفعل للمجهول { زُيِّنَ لِلنَّاسِ } للإشارة إلى أن محبة هذه الأشياء واشتهاءها مركوز في الفطرة الإنسانية منذ أوجد الله الإنسان في هذه الحياة الدنيا .وهذه المشتهيات ليست خسيسة في ذاتها ، ولا يقصد الإسلام إلى تخسيسها في ذاتها أو إلى التنفير منها ، وإنما الإسلام يريد من أتباعه أن يقتصدوا في طلبها ، وأن يطلبوها من وجوهها المشروعة ، وأن يضعوها في مواضعها المشروعة ، وأن يشكروا الله عليها ، وألا يجعلوها غاية مقصدهم في هذه الحياة إن الإسلام لا يحارب الفطرة الإنسانية التي تشتهي هذه الأشياء ، وإنما يهذبها ويضبطها ويرشدها إلى أن تضع هذه الأشياء في موضعها المناسب ، بحيث لا تطغى على غيرها ولا تستعمل فى غير ما خلقها الله من أجله ، وبذلك يسعد الإنسان في دينه ودنياه وآخرته .وللإمام ابن كثير كلام حسن عند تفسيره لهذه الآية فقد قال ما ملخصه : يخبر الله - تعالى - عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين ، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد .

.

فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه كما وردت الأحاديث بذلك .

.

وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر .

.

.

فيكون مذموما ، وتارة يكون للنفقة في وجوه البر فيكون محموداً .

.

وحب الخيل على ثلاثة أقسام ، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها فهؤلاء يثابون .

وتارة تربط فخرا ومناوأة لأهل الإسلام فهذه على صاحبها وزر .

وتارة تربط للتعفف واقتناء نسلها ولم ينس صاحبها حق الله فيها فهذه لصاحبها تر .

وفى الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة " والسكة النخل المصطف ، والمأبورة الملقحة ، .

وفي الصحيحن عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم غرس أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقه " .هذا ، وختام الآية الكريمة بقوله { ذلك مَتَاعُ الحياة الدنيا والله عِنْدَهُ حُسْنُ المآب } إشارة إلى أن متع الدنيا مهما كثرت وتنوعت وتلذذ بها الإنسان فهى زوال ، وأما اللذائذ الباقية الخالدة فهي التي أعدها الله - تعالى - لعباده المتقين في الدارة الآخرة ، ولذا قال - سبحانه - بعد ذلك { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم } .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم قولان الأول: ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله إلا أنه لا يقر بذلك خوفاً من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه، وأيضاً روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة باطلة، وأن الآخرة خير وأبقى.

القول الثاني: وهو على التأويل العام أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ﴿ والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِى الأبصار ﴾ ذكر بعد هذه الآية ما هو كالشرح والبيان لتلك العبرة وذلك هو أنه تعالى بيّن أنه زين للناس حب الشهوات الجسمانية، واللذات الدنيوية، ثم أنها فانية منقضية تذهب لذاتها، وتبقى تبعاتها، ثم إنه تعالى حث على الرغبة في الآخرة بقوله: ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم  ﴾ ثم بيّن طيبات الآخرة معدة لمن واظب على العبودية من الصابرين والصادقين إلى آخر الآية.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن قوله: ﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ ﴾ من الذي زين ذلك؟

أما أصحابنا فقولهم فيه ظاهر، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو الله تعالى وأيضاً قالوا: لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان، فإن كان ذلك شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان، وإن كان من الله تعالى، وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك، وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص في قوله: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا  ﴾ يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي أغوانا، وهذا الكلام ظاهر جداً.

أما المعتزلة فالقاضي نقل عنهم ثلاثة أقوال: القول الأول: حكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زين لهم، وكان يحلف على ذلك بالله، واحتج القاضي لهم بوجوه: أحدها: أنه تعالى أطلق حب الشهوات، فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان.

وثانيها: أنه تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه، ومنتهى مقصوده، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ ولا شك أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذم للشيء يمتنع أن يكون مزيناً له.

ورابعها: قوله بعد هذه الآية ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم  ﴾ والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه.

والقول الثاني: قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو الله واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده، وإباحتها للعبيد تزيين لها، فإنه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهى، وخلق للمشتهي علماً بما في تناول المشتهى من اللذة، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزيناً لها.

وثانيها: أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة، والله تعالى قد ندب إليها، فكان مزيناً لها، وإنما قلنا: إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه: الأول: أن يتصدق بها والثاني: أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى والثالث: أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى وإعانته صار ذلك سبباً لاشتغال العبد بالشكر العظيم، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعراً هذا معناه والرابع: أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثواباً، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر والخامس: قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً  ﴾ وقال: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا  ﴾ وقال: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ  ﴾ وقال في سورة البقرة ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حلالا طَيّباً  ﴾ وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد ﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ ﴾ على تسمية الفاعل.

والقول الثالث: وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي وهو التفصيل، وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجباً أو مندوباً كان التزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً كان التزيين فيه من الشيطان هذا ما ذكره القاضي، وبقي قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب والقاضي ما ذكر هذا القسم، وكان من حقه أن يذكره ويبيّن أن التزيين فيه من الله تعالى، أو من الشيطان.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ حُبُّ الشهوات ﴾ فيه أبحاث ثلاثة: البحث الأول: أن الشهوات هاهنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال، كما يقال للمقدور قدرة، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم، وهذه استعارة مشهورة في اللغة، يقال: هذه شهوة فلان، أي مشتهاه، قال صاحب الكشاف: وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها والثانية: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها.

البحث الثاني: قال المتكلمون: دلّت هذه الآية على أن الحب غير الشهوة لأنه أضاف الحب إلى الشهوة والمضاف غير المضاف إليه، والشهوة من فعل الله تعالى، والمحبة من أفعال العباد وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كل غرضه وعيشه في طلب اللذات والطيبات.

البحث الثالث: قال الحكماء: الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه مثل المسلم فإنه قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب، وأما من أحب شيئاً وأحب إن يحبه فذاك هو كمال المحبة، فإن كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السعادة، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام ﴿ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير  ﴾ ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير، وإن كان ذلك في جانب الشر، فهو كما قال في هذه الآية فإن قوله: ﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات ﴾ يدل على أمور ثلاثة مرتبة أولها: أنه يشتهي أنواع المشتهيات.

وثانيها: أنه يحب شهوته لها.

وثالثها: أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة وفضيلة، ولما اجتمعت في هذه القضية الدرجات الثلاثة بلغت الغاية القصوى في الشدة والقوة، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى، ثم إنه تعالى أضاف ذلك إلى الناس، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس، والعقل أيضاً يدل عليه، وهو أن كل ما كان لذيذاً ونافعاً فهو محبوب ومطلوب لذاته واللذيذ النافع قسمان: جسماني وروحاني، والقسم الجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر، وأما القسم الروحاني فلا يكون إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة، ثم ذلك الإنسان إنما يحصل له تلك اللذة الروحانية بعد استئناس النفس باللذات الجسمانية، فيكون انجذاب النفس إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة المتأكدة، وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب فلا جرم كان الغالب على الخلق إنما هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية وأما الميل إلى طلب اللذات الروحانية فذاك لا يحصل إلا للشخص النادر، ثم حصوله لذلك النادر لا يتفق إلا في أوقات نادرة، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم فقال: ﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات ﴾ .

وأما قوله تعالى: ﴿ مِنَ النساء والبنين ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ النساء والبنين ﴾ كما في قوله: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان  ﴾ فكما أن المعنى فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس فكذا أيضاً معنى هذه الآية: زين للناس حب النساء وكذا وكذا التي هي مشتهاة.

البحث الثاني: إعلم أنه تعالى عدد هاهنا من المشتهيات أموراً سبعة أولها: النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة.

المرتبة الثانية: حب الولد: ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى، لا جرم خصه الله تعالى بالذكر، ووجه التمتع بهم ظاهر من حيث السرور والتكثر بهم إلى غير ذلك.

واعلم أن الله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة، فإنه لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل، وهذه المحبة كأنها حالة غريزية ولذلك فإنها حاصلة لجميع الحيوانات، والحكمة فيه ما ذكرنا من بقاء النسل.

المرتبة الثالثة والرابعة: ﴿ القناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه، والقنطرة مأخوذة من ذلك لتوثقها بعقد الطاق، فالقنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النوائب، وحكى أبو عبيد عن العرب أنهم يقولون: إنه وزن لا يحد، واعلم أن هذا هو الصحيح، ومن الناس من حاول تحديده، وفيه روايات: فروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القنطار اثنا عشر ألف أوقية».

وروى أنس عنه أيضاً أن القنطار ألف دينار، وروى أُبي بن كعب أنه عليه السلام قال: «القنطار ألف ومائتا أوقية» وقال ابن عباس: القنطار ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، وهو مقدار الدية، وبه قال الحسن، وقال الكلبي: القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة، وفيه أقوال سوى ما ذكرنا لكنا تركناها لأنها غير مقصودة بحجة ألبتة.

البحث الثاني: ﴿ المقنطرة ﴾ منفعلة من القنطار، وهو للتأكيد، كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة، وإبل مؤبلة، ودراهم مدرهمة، وقال الكلبي: القناطير ثلاثة، والمقنطرة المضاعفة، فكان المجموع ستة.

البحث الثالث: الذهب والفضة إنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء، وصفة المالكية هي القدرة، والقدرة صفة كمال، والكمال محبوب لذاته، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب، لا جرم كانا محبوبين.

المسألة الخامسة: ﴿ الخيل المسومة ﴾ قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لخيلائها في مشيها، وسميت حركة الإنسان على سبيل الجولان اختيالا، وسمي الخيال خيالا، والتخيل تخيلا، لجولان هذه القوة في استحضار تلك الصورة، والأخيل الشقراق، لأنه يتخيل تارة أخضر، وتارة أحمر، واختلفوا في معنى ﴿ المسومة ﴾ على ثلاثة أقوال الأول: أنها الراعية، يقال: أسمت الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مروجها للرعي، كما يقال: أقمت الشيء وقومته، وأجدته وجودته، وأنمته ونومته، والمقصود أنها إذا رعت ازدادت حسناً، ومنه قوله تعالى: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ  ﴾ .

والقول الثاني: المسومة المعلمة قال أبو مسلم الأصفهاني: وهو مأخوذ من السيما بالقصر والسيماء بالمد، ومعناه واحد، وهو الهيئة الحسنة، قال الله تعالى: ﴿ سيماهم فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود  ﴾ ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك العلامة، فقال أبو مسلم: المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل، وهي أن تكون الأفراس غراً محجلة، وقال الأصم: إنما هي البلق، وقال قتادة: الشية، وقال المؤرج: الكي، وقول أبي مسلم أحسن لأن الإشارة في هذه الآية إلى شرائف الأموال، وذلك هو أن يكون الفرس أغر محجلا، وأما سائر الوجوه التي ذكروها فإنها لا تفيد شرفاً في الفرس.

القول الثالث: وهو قول مجاهد وعكرمة: أنها الخيل المطهمة الحسان، قال القفال: المطهمة المرأة الجميلة.

المرتبة السادسة: ﴿ الأنعام ﴾ وهي جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، ولا يقال للجنس الواحد منها: نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.

المرتبة السابعة: ﴿ الحرث ﴾ وقد ذكرنا اشتقاقه في قوله: ﴿ وَيُهْلِكَ الحرث والنسل  ﴾ .

ثم إنه تعالى لما عدد هذه السبعة قال: ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ قال القاضي: ومعلوم أن متاعها إنما خلق ليستمتع به فكيف يقال إنه لا يجوز إضافة التزيين إلى الله تعالى، ثم قال للاستمتاع بمتاع الدنيا وجوه: منها أن ينفرد به من خصه الله تعالى بهذه النعم فيكون مذموماً ومنها أن يترك الانتفاع به مع الحاجة إليه فيكون أيضاً مذموماً، ومنها أن ينتفع به في وجه مباح من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح الآخرة، وذلك لا ممدوح ولا مذموم، ومنها أن ينتفع به على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة وذلك هو الممدوح.

ثم قال تعالى: ﴿ والله عِندَهُ حُسْنُ المأب ﴾ اعلم أن المآب في اللغة المرجع، يقال: آب الرجل إياباً وأوبة وأبية ومآبا، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴾ والمقصود من هذا الكلام بيان أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها إلى ما يكون فيه عمارة لمعاده ويتوصل بها إلى سعادة آخرته، ثم لما كان الغرض الترغيب في المآب وصف المآب بالحسن.

فإن قيل: المآب قسما: الجنة وهي في غاية الحسن، والنار وهي خالية عن الحسن، فكيف وصف المآب المطلق بالحسن.

قلنا: المآب المقصود بالذات هو الجنة، فأما النار فهي المقصود بالغرض، لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، كما قال: سبقت رحمتي غضبي، وهذا سر يطلع منه على أسرار غامضة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ ﴾ المزين هو الله سبحانه وتعالى للابتلاء، كقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الارض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ ﴾ [الكهف: 7] ويدل عليه قراءة مجاهد: ﴿ زَيَّنَ للناس ﴾ ، على تسمية الفاعل.

وعن الحسن: الشيطان.

والله زينها لهم، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها ﴿ حُبُّ الشهوات ﴾ جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها.

والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، وقال: ﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات ﴾ ثم جاء التفسير، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله.

والقنطار: المال الكثير.

قيل: ملء مسك ثور.

وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار.

ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا.

و ﴿ المقنطرة ﴾ مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة.

و ﴿ المسومة ﴾ المعلمة، من السومة وهي العلامة.

أو المطهمة أو المرعية من أسام الدابة وسوّمها ﴿ والانعام ﴾ الأزواج الثمانية ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ مَّتَاعُ الحياة ﴾ .

﴿ لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات ﴾ كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟

عندي رجل صفته كيت وكيت.

ويجوز أن يتعلق اللام بخير.

واختص المتقين، لأنهم هم المنتفعون به.

وترتفع ﴿ جنات ﴾ على: هو جنات.

وتنصره قراءة من قرأ ﴿ جنات ﴾ بالجرّ على البدل من خير ﴿ والله بَصِيرٌ بالعباد ﴾ يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعدّ لهم الجنات.

﴿ الذين يَقُولُونَ ﴾ نصب على المدح، أو رفع.

ويجوز الجرّ صفة للمتقين أو للعباد.

والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها.

وقد مرّ الكلام في ذلك.

وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10] وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ أيِ المُشْتَهَياتِ سَمّاها شَهَواتٍ مُبالَغَةً وإيماءً عَلى أنَّهُمُ انْهَمَكُوا في مَحَبَّتِها حَتّى أحَبُّوا شَهْوَتَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ الخالِقُ لِلْأفْعالِ والدَّواعِي، ولَعَلَّهُ زَيَّنَهُ ابْتِلاءً، أوْ لِأنَّهُ يَكُونُ وسِيلَةً إلى السَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ إذا كانَ عَلى وجْهٍ يَرْتَضِيهِ اللَّهُ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ مِن أسْبابِ التَّعَيُّشِ وبَقاءِ النَّوْعِ.

وقِيلَ الشَّيْطانُ فَإنَّ الآيَةَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ.

وفَرَّقَ الجِبائِيُّ بَيْنَ المُباحِ والمُحَرَّمِ.

﴿ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ﴾ بَيانٌ لِلشَّهَواتِ، والقِنْطارُ المالُ الكَثِيرُ.

وقِيلَ مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ.

وقِيلَ مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ.

واخْتُلِفَ في أنَّهُ فِعْلالٌ أوْ فِنْعالٌ، والمُقَنْطَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِمْ بَدْرَةٌ مُبْدَرَةٌ.

والمُسَوَّمَةُ المُعَلَّمَةُ مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ، أوِ المَرْعِيَّةُ مِن أسامَ الدّابَّةَ وسَوَّمَها، أوِ المُطَهَّمَةُ.

والأنْعامُ الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ.

﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ ﴾ أيِ المَرْجِعِ، وهو تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِبْدالِ ما عِنْدَهُ مِنَ اللَّذّاتِ الحَقِيقِيَّةِ الأبَدِيَّةِ بِالشَّهَواتِ المُخْدَجَةِ الفانِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ} المزين هو الله عند الجمهور للابتلاء كقوله {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زينة لها لنبلوهم} دليله قراءة مجاهد زين للناس على تسمية الفاعل وعن الحسن الشيطان {حُبُّ الشهوات} الشهوة توقان النفس إلى الشئ جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة أو كأنه أراد تخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية {مِّنَ النساء} والإماء داخلة فيها {والبنين} جمع ابن وقد يقع في غير هذا الموضع على الذكور والإناث وهنا أريد به الذكور فهم المشتهون في الطباع والمعدون للدفاع {والقناطير} جمع قنطار وهو المال الكثير قيل ملء مسك ثور أو مائة ألف دينار ولقد جاء الإسلام وبمكة مائة رجل قد قنطروا {المقنطرة} المنضدة أو المدفونة {مِنَ الذهب والفضة} سمي ذهباً لسرعة ذهابه بالإنفاق وفضة لأنها تتفرق بالإنفاق والفض التفريق {والخيل} سميت به لاختيالها

آل عمران (١٤ _ ١٨)

في مشيها {المسومة} المعلمة من السومة

وهي العلامة أو المرعية من أسام الدابة وسومها {والأنعام} هي الأزواج الثمانية {والحرث} الزرع {ذلك} المذكور {متاع الحياة الدنيا} يتمتع بها في الدنيا {والله عِندَهُ حُسْنُ المأب} المرجع

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِلتَّنْفِيرِ عَنِ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي كَثِيرًا ما يَقَعُ القِتالُ بِسَبَبِها إثْرَ بَيانِ حالِ الكَفَرَةِ والتَّنْصِيصِ عَلى عَدَمِ نَفْعِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ لَهم وقَدْ كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِذَلِكَ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ الجِنْسُ، ﴿ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ أيِ المُشْتَهَياتُ وجَعْلُها نَفْسَ الشَّهَواتِ إشارَةٌ إلى ما رَكَزَ في الطِّباعِ مِن مَحَبَّتِها والحِرْصِ عَلَيْها حَتّى كَأنَّهم يَشْتَهُونَ اِشْتِهاءَها كَما قِيلَ لِمَرِيضٍ: ما تَشْتَهِي؟

فَقالَ: أشْتَهِي أنْ أشْتَهِيَ، أوْ تَنْبِيهًا عَلى خِسَّتِها لِأنَّ الشَّهَواتِ خَسِيسَةٌ عِنْدَ الحُكَماءِ والعُقَلاءِ فَفي ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْها وتَرْغِيبٌ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والمُزَيِّنُ هو اللَّهُ تَعالى كَما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ الشَّيْطانُ، واَللَّهُ زَيَّنَها لَهم لِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا أذَمَّ لَها مِن خالِقِها، وفي «اَلِانْتِصافِ» ((اَلتَّزْيِينُ لِلشَّهَواتِ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ خَلْقُ حُبِّها في القُلُوبِ وهو بِهَذا المَعْنى مُضافٌ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةً لِأنَّهُ لا خالِقَ إلّا هُوَ، ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الحَضُّ عَلى تَعاطِي الشَّهَواتِ المَحْظُورَةِ فَتَزْيِينُها بِالمَعْنى الثّانِي مُضافٌ إلى الشَّيْطانِ تَنْزِيلًا لِوَسْوَسَتِهِ وتَحْسِينِهِ مَنزِلَةَ الأمْرِ بِها والحَضِّ عَلى تَعاطِيها، وكَلامُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى مَحْمُولٌ عَلى التَّزَيُّنِ بِالمَعْنى الثّانِي لا بِالمَعْنى الأوَّلِ فَإنَّهُ يَتَحاشى أنْ يُنْسَبَ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إلى غَيْرِهِ)) والإسْنادُ في كُلٍّ حَقِيقَةٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ، ومَن قالَ: الظّاهِرُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ أقْدِمْنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكَ، إذْ لا إقْدامَ هُنا بَلْ قُدُومٌ مَحْضٌ، أثْبَتَ لَهُ مُقْدِمًا لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ أنَّ الشَّهَواتِ زُيِّنَتْ في أعْيُنِهِمْ لِنُقْصانِهِمْ ولا زِينَةَ لَها في الحَقِيقَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ مُزَيِّنٌ إلّا أنَّهُ أثْبَتَ مُزَيِّنًا مُبالَغَةً في الزِّينَةِ وتَنْزِيلًا لِسَبَبِ الزِّينَةِ مَنزِلَةَ الفاعِلِ فَقَدْ تَعَسَّفَ وتَصَلَّفَ، ومَن قالَ: المُزَيِّنُ في الحَقِيقَةِ هو الشَّيْطانُ لِأنَّ التَّزْيِينَ صِفَةٌ تَقُومُ بِهِ، والقائِلُ بِأنَّهُ هو اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ الخالِقُ لِلْأفْعالِ والدَّواعِي مُخْطِئٌ في الدَّعْوى وغَيْرُ مُصِيبٍ في الدَّلِيلِ فالمُخْطِئُ اِبْنُ أُخْتِ خالَتِهِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ (زَيَّنَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ (حُبَّ) .

﴿ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ (اَلشَّهَواتِ) وهي مُفَسِّرَةٌ لَها في المَعْنى، وقِيلَ: (مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ وقَدَّمَ النِّساءَ لِعَراقَتِهِنَّ في مَعْنى الشَّهْوَةِ وهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ  أنَّهُ قالَ: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ» ويُقالُ: فِيهِنَّ فِتْنَتانِ قَطْعُ الرَّحِمِ وجَمْعُ المالِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وثَنّى بِالبَنِينَ لِأنَّهم مِن ثَمَراتِ النِّساءِ في الفِتَنِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ  أنَّهُ قالَ: «الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» ويُقالُ فِيهِمْ فِتْنَةٌ واحِدَةٌ وهي جُمَعُ المالِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ البَناتِ لِعَدَمِ الِاطِّرادِ في حُبِّهِنَّ، وقِيلَ: إنَّ البَنِينَ تَشْمَلُهُنَّ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ.

﴿ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ ﴾ جَمْعُ قِنْطارٍ وهو المالُ الكَثِيرُ كَما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ، وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”القِنْطارُ اِثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ“،» وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ: ”القِنْطارُ ألْفَ أُوقِيَّةٍ“،» وفي رِوايَةِ اِبْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: القِنْطارُ ألْفُ دِينارٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «”القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا دِينارٍ“،» وعَنْ مُعاذٍ: ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما اِثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ وألْفُ دِينارٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: ألْفٌ ومِائَتا دِينارٍ، ومِنَ الفِضَّةِ ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ، وعَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: مَلْءُ جِلْدِ الثَّوْرِ ذَهَبًا، وعَنْ مُجاهِدٍ: سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، وعَنِ اِبْنِ المُسَيِّبِ: ثَمانُونَ ألْفًا، وعَنْ أبِي صالِحٍ: مِائَةُ رِطْلٍ، وعَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ القِنْطارَ مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ أوْ ثَمانُونَ ألْفًا مِنَ الوَرَقِ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ مِثْقالٍ، والمِثْقالُ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا، وقِيلَ: القِنْطارُ عِنْدَ العَرَبِ وزْنٌ لا يُحَدُّ، وقِيلَ: ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن مالٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ الأوْلى كَما قِيلَ: ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ: ويُحْمَلُ التَّنْصِيصُ عَلى المِقْدارِ المُعَيَّنِ في هَذِهِ الأقْوالِ عَلى التَّمْثِيلِ لا التَّخْصِيصِ والكَثْرَةُ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الِاعْتِباراتِ والإضافاتِ.

واخْتُلِفَ في وزْنِهِ فَقِيلَ: فِعْلالٌ، وقِيلَ: فِنْعالٌ: فالنُّونُ عَلى الأوَّلِ أصْلِيَّةٌ وعَلى الثّانِي زائِدَةٌ، ولَفْظُ المُقَنْطَرَةِ مَأْخُوذٌ مِنهُ، ومِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَصْفُوا الشَّيْءَ بِما يُشْتَقُّ مِنهُ لِلْمُبالَغَةِ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ وهو كَثِيرٌ فِي وزْنِ فاعِلٍ ويَرِدُ في المَفْعُولِ كَ ﴿ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ و ﴿ نَسْيًا مَنسِيًّا ﴾ وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُضَعَّفَةُ، وخَصَّها بَعْضُهم بِتِسْعَةِ قَناطِيرَ، وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المُحْكَمَةُ المُحَصَّنَةُ مِن قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إذا عَقَدْتَهُ وأحْكَمْتَهُ، وقِيلَ: المَضْرُوبَةُ دَنانِيرُ أوْ دَراهِمُ، وقِيلَ: المُنَضَّدَةُ الَّتِي بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقِيلَ: المَدْفُونَةُ المَكْنُوزَةُ.

﴿ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴾ بَيانٌ لِلْقَناطِيرِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِنها، والذَّهَبُ مُؤَنَّثٌ يُقالُ: هي الذَّهَبُ الحَمْراءُ ولِذَلِكَ يُصَغَّرُ عَلى ذُهَيْبَةٍ، وقالَ الفَرّاءُ: ورُبَّما ذُكِّرَ، ويُقالُ في جَمْعِهِ: أذْهابٌ وذُهُوبٌ وذُهْبانٌ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ في المَعْنى لِذَهَبَةٍ واشْتِقاقُهُ مِنَ الذَّهابِ، والفِضَّةُ تُجْمَعُ عَلى فِضَضٍ واشْتِقاقُهُ مَنِ اِنْفَضَّ الشَّيْءُ إذا تَفَرَّقَ ﴿ والخَيْلِ ﴾ عَطْفٌ عَلى (اَلنِّساءِ) أوِ (اَلْقَناطِيرِ) لا عَلى (اَلذَّهَبِ والفِضَّةِ) لِأنَّها لا تُسَمّى قِنْطارًا، وواحِدُهُ خائِلٌ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الخُيَلاءِ مِثْلَ طائِرٍ وطَيْرٍ، وقالَ قَوْمٌ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ بَلْ هو اِسْمُ جَمْعٍ واحِدُهُ فَرَسٌ ولَفْظُهُ لَفْظُ المَصْدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن خَيْلٍ ﴿ المُسَوَّمَةِ ﴾ أيِ الرّاعِيَةِ، قالَهُ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في إحْدى الرِّواياتِ عَنْهُ فَهي مِن سَوَّمَ ماشَيْتَهُ إذا أرْسَلَها في المَرْعى، أوِ المُطَهَّمَةِ الحِسانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ فَهي مِنَ السِّيما بِمَعْنى الحُسْنِ، أوِ المُعَلَّمَةِ ذاتِ الغُرَّةِ والتَّحْجِيلِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ فَهي مِنَ السِّمَةِ أوِ السُّومَةِ بِمَعْنى العَلامَةِ.

﴿ والأنْعامِ ﴾ أيِ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِنُعُومَةِ مَشْيِها ولِينِهِ، والنَّعَمُ مُخْتَصَّةٌ بِالإبِلِ ﴿ والحَرْثِ ﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ أيِ المَزْرُوعِ سَواءٌ كانَ حُبُوبًا أمْ بَقْلًا أمْ ثَمَرًا.

(ذَلِكَ) أيْ ما زُيِّنَ لَهم مِنَ المَذْكُورِ ولِهَذا ذُكِّرَ وأُفْرِدَ اِسْمُ الإشارَةِ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وإفْرادِهِ وهو ﴿ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ أيّامًا قَلائِلَ ثُمَّ يَزُولُ عَنْ صاحِبِهِ ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ  ﴾ أيِ المَرْجِعِ الحَسَنِ فالمَآبُ مَفْعَلٌ مِن آبَ يَؤُوبُ أيْ رَجَعَ وأصْلُهُ مَأْوَبٌ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الهَمْزَةِ السّاكِنَةِ قَبْلَها ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفًا وهو اِسْمُ مَصْدَرٍ ويَقَعُ اِسْمَ مَكانٍ وزَمانٍ والمَصْدَرُ أوْبٌ وإيابٌ.

أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: (حُسْنُ المَآبِ) حُسْنُ المُنْقَلَبِ وهي الجَنَّةُ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ زِيادَةُ تَأْكِيدٍ وتَفْخِيمٌ ومَزِيدُ اِعْتِناءٍ بِالتَّرْغِيبِ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والتَّزْهِيدِ في مَلاذِ الدُّنْيا السَّرِيعَةِ الزَّوالِ، ومِن غَرِيبِ ما اُسْتُنْبِطَ مِنَ الآيَةِ كَما قالَ أبُو حَيّانَ وُجُوبُ الزَّكاةِ في الخَيْلِ السّائِمَةِ لِذِكْرِها مَعَ ما تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أوِ النَّفَقَةُ، والثّانِي: النِّساءُ والبَنُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ حُسِّن وحُبِّب إليهم، وقد يكون التزيين من الله تعالى.

كما قال في آية أخرى زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل: 4] كما قال في آية أخرى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النمل: 24] فأما التزيين من الله تعالى، فهو على وجهين: يكون على جهة الامتحان للمؤمنين مع العصمة، وقد يكون للكفار على جهة العقوبة مع الخذلان، وأما التزيين من الشيطان، فهو على جهة الوسوسة.

فقال: زين للناس حب الشهوات مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ بدأ بالنساء، لأن فتنة النساء أشد من فتنة جميع الأشياء.

كما روي عن النبي  أنه قال: «ما تَرَكْتُ لأُمَّتِي فِتْنَةً أَشَدَّ مِنْ فِتْنَةِ النِّسَاءِ» ، ولأن النساء فتنتهن ظاهرة من وقت آدم-  - إلى يومنا هذا.

ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة: إحداهما أنها تؤدي إلى قطيعة الرحم، لأن المرأة تأمر زوجها بقطيعة الرحم عن الأمهات والأخوات.

والثانية يبتلي بجمع المال من الحلال والحرام، وأما البنون، فإن الفتنة فيهم واحدة، وهي ما ابتلي به من جمع المال لأجلهم.

فذكر البنين وأراد به الذكور والإناث.

وقال بعض الحكماء: أولادنا فتنة إن عاشوا فتنونا، وإن ماتوا أحزنونا.

ثم قال تعالى وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ روي عن الفراء أنه قال: القناطير جمع قنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير.

وروي عن أبي عبيدة أنه قال: المقنطرة مُفَعَّلة من الورق.

كما يقال: ألف مؤلفة، وبذر مبذرة.

ويقال: المقنطرة هي المكيلة، ثم اختلفوا في مقدار القنطار، فروي عن مجاهد أنه قال: القنطار سبعون ألف دينار.

وقال أبو هريرة: القنطار اثني عشر ألف أوقية.

وقال معاذ بن جبل: ألف ومائتا أوقية.

وقال بعضهم: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ من ذهب.

حكاه الكلبي، وقال: هو لغة رومية.

وروي عن الحسن البصري أنه سئل عن القنطار ما هو؟

فقال: هو مثل دية أحدكم.

ثم قال تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ يعني الراعية كما قال في آية أخرى فِيهِ تُسِيمُونَ أي ترعون.

وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل.

وقال يحيى بن كثير: هي السمينة المصورة.

وقال أبو عبيدة المُعْلَمة.

وَالْأَنْعامِ يعني الإبل والبقر والغنم وَالْحَرْثِ يعني الزرع، ذكر أربعة أصناف كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس، أما الذهب والفضة، فيتمول به التجار، وأما الخيل المُسَوَّمة، فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام، فيتمول بها أهل البوادي وأما الحرث فيتمول به أهل الرساتيق، فيكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول به، وأما النساء والبنين فهي فتنة للجميع.

ثم زهد في ذلك كله، ورغب في الآخرة فقال تعالى: ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي منفعة الحياة الدنيا تذهب، ولا تبقى وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي المرجع في الآخرة الجنة، لا تزول.

ولا تفنى.

ثم بَيّن أن الذي وعد المؤمنين في الآخرة، خير مما زين للكفار فقال تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ أي من الذي زين للناس في الدنيا لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والفواحش والكبائر.

ويقال للذين اتقوا الزينة، فلا تشغلهم عن طاعة الله عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني البساتين تجري من تحت شجرها، ومساكنها الأنهار، فهو خير من الزينة الدنيوية وما فيها.

وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله  أنه قال: «لَشِبْرٌ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .

قال: خالِدِينَ فِيها يعني مقيمين فيها أبداً وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ معناه في الخلق والخلق، فأما الخلق فإنهن لا يحضن ولا يتمخطن، ولا يأتين الخلاء، وأما الخُلُق، فإنهن لا يَغِرْن ولا يحسدن، ولا ينظرن إلى غير أزواجهن وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أي مع هذه النعم لهم رضوان من الله، وهو من أعظم النعم كما قال في آية أخرى وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72] قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَرُضْوَان بضم الراء، والباقون بالكسر، وهما لغتان، وتفسيرهما واحد وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي عالم بأعمالهم وثوابهم.

ثم وصفهم فقال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا أي صَدَّقْنَا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي: خطايانا التي كانت في الشرك وفي الإسلام وَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عنا عذاب النار الصَّابِرِينَ يعني الجنة التي ذكر للذين اتقوا الشرك، وللصابرين الذين يصبرون على طاعة الله، ويصبرون على المعاصي، ويصبرون على ما أصابهم من الشدة والمصيبة.

وَالصَّادِقِينَ يعني الصادقين في إيمانهم، وفي قلوبهم، وفي وعدهم بينهم وبين الناس، وبينهم وبين الله تعالى.

ثم قال: وَالْقانِتِينَ يعني المطيعين لله تعالى وَالْمُنْفِقِينَ الذي يتصدقون من أموالهم فِي سَبِيلِ الله وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يعني يصلون لله عند الأسحار.

ويقال: يصلون لله بالليل، ويستغفرون عند السحر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)

وقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ...

الآيةُ: هذه الآيةُ ابتداءُ وعظٍ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ، والشهواتُ ذميمةٌ، واتباعها مُرْدٍ، وطاعتها مهلكة، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ» «١» ، فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا، فمَنْ واقعها، خلص إِلى النَّار، قلْتُ: وقد جاءت إحاديثٌ/ كثيرةٌ في التزْهِيدِ في الدنيا، ذكَرْنا من صحيحها وحَسَنِهَا في هذا المُخْتَصَرِ جملةً صالحةً لا توجد في غيره من التَّفَاسير، فعلَيْكَ بتحصيله، فتَطَّلعَ فيه على جواهرَ نفيسةٍ، لا توجَدُ مجموعةً في غيره كما هي بحَمْدِ اللَّه حاصلةٌ فيه، وكيف لا يكونُ هذا المختصر فائقاً في الحُسْن، وأحاديثه بحَمْد اللَّه مختارةٌ، أكثرها من أصولِ الإسلامِ الستَّةِ: البخاريِّ، ومسلمٍ، وأبي داود، والتِّرمذيِّ، والنَّسائِيِّ، وابنِ مَاجَة، فهذه أصول الإِسلام، ثم مِنْ غيرها كصحيح ابن حِبَّانَ، وصحيح الحاكمِ، أعني: «المُسْتَدْرَكَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وأَبِي عَوَانَةَ، وابْنِ خُزَيْمَةَ، والدَّارِمِيِّ، وَالمُوَطَّإِ، وغيرِها من المسانيدِ المشهورةِ بيْن أئمَّة الحديثِ حَسْبما هو معلومٌ في علْمِ الحديث، وقصْدِي من هذا نُصْحُ من اطلع على هذا الكتاب أنْ يعلم قَدْرَ ما أنعم اللَّه به علَيْه، فإِن التحدُّث بالنعم شُكْر، ولنرجَعْ إلى ما قصدناه من نقل الأحاديث:

روى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قالت: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنْ أَرَدتِّ اللُّحُوقَ بِي، فَلْيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا، كَزَادِ الرَّاكِبَ، وإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلاَ تَسْتَخْلِفِي ثَوْباً حتى تَرْقَعِيهِ» «١» حديث غَرِيبٌ، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» ، خرَّجه أبو داود «٢» وقد نقله البغويُّ في «مصابيحه» ، والبَذَاذَةُ: هي رث الهيئة.

اهـ والْقَناطِيرِ: جمع قِنْطَارٍ، وهو العُقْدة الكثيرةُ من المال واختلف النّاس في تحرير

حَدِّه، وأصحُّ الأقوالِ فيه: ما رواه أُبَيُّ بن كعب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «القِنْطَارُ أَلْفٌ ومِائَتَا أُوقِيَّةٍ» «١» ، لكنَّ القنْطارَ على هذا يختلفُ باختلاف البلادِ في قَدْر الأَوقِيَّةِ.

وقوله: الْمُقَنْطَرَةِ، قال الطبريُّ «٢» : معناه: المُضَعَّفة، وقال الربيعُ: المالُ الكثيرُ بعْضُه على بعض «٣» .

ص: الْمُقَنْطَرَةِ: مُفَعْلَلَة، أو مُفَنْعَلَة مِن القنطار، ومعناه: المجتمعة.

م: أبو البقاء: ومِنَ الذَّهَبِ: في موضعِ الحالِ من الْمُقَنْطَرَةِ اهـ.

وقوله: الْمُسَوَّمَةِ: قال مجاهدٌ: معناه المُطَهَّمة الحِسَان «٤» ، وقال ابن عبَّاس وغيره: معناه: الراعيَةُ «٥» ، وقيل: المُعَدَّة، وَالْأَنْعامِ: الأصنافُ الأربعةُ: الإِبلُ، والبَقَرُ، والضَّأْنُ، والمَعْز.

ص: والأنعامُ: واحدُها نَعَمٌ، والنَّعَمُ: الإِبل فقَطْ، وإِذا جُمِعَ، انطلق على الإِبلِ والبقرِ والغنمِ.

اهـ.

وَالْحَرْثِ: هنا اسمٌ لكلِّ ما يُحْرَثُ من حَبٍّ وغيره، والمَتَاعُ: ما يستمتعُ به، وينتفع مدّة ما منحصرة، والْمَآبِ: المَرْجِعُ، فمعنى الآية: تقليلُ أمر الدُّنيا وتحقيرُها، والترغيبُ في حُسْن المَرْجِع إِلى اللَّه تعالى.

وقوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ...

الآية: في هذه الآية تَسْلِيَةٌ عن الدنيا، وتقويةٌ لنفوسِ تاركيها ذَكَر تعالى حالَ الدُّنْيا، وكَيْف استقر تزيينُ شهواتها، ثم جاء بالإِنباءِ بخَيْرٍ من ذلك هَازًّا للنفُوس، وجامعاً لها لتَسْمَعَ هذا النبأَ المستغْرَبَ النافع لمن عقل، وأنبّىء: معناه: أخبر.

وقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ، الرِّضْوَانُ: مصدر مِنْ «رَضِيَ» ، وفي الحديث الصحيحِ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ، إذا استقروا فِيهَا، وَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: أَتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكُمْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟

قَالُوا: يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟

فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً» «١» ، هذا سياقُ الحديثِ، وقد يجيءُ مختلِفَ الألفاظِ، والمعنى قريبٌ بعضُه من بعض، قال الفَخْر «٢» : وذلك أن معرفة أهْلِ الجَنَّة، مع هذا النعيم المقيم بأنَّه تعالى راضٍ عنهم، مُثْنٍ عليهم- أزيدُ عليهم في إِيجابِ السُّرور.

اهـ.

وباقي الآية بيِّن، وقد تقدَّم في سورة البقرة بيانُهُ.

وقوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ...

الآية: «الَّذِينَ» : بدلٌ من «الَّذِينَ اتقوا» ، وفسر سبحانه في هذه الآية أحوال المتقين الموعودِينَ بالجَنَّات، والصَّبْرُ في هذه الآية: معناه: على الطَّاعاتِ، وعن المعاصي والشهواتِ، والصِّدْقُ:

معناه: في الأقوالِ والأفعالِ، والقُنُوتُ: الطاعةُ والدعاءُ أيضاً، وبكلِّ ذلك يتصف المتَّقِي، والإِنْفَاقُ: معناه: في سبِيلِ اللَّه ومَظَانِّ الأجر، والاِستغفارُ: طلبُ المَغْفرة من اللَّه سبحانه، وخصَّ تعالى السَّحَر لما فيه من الفَضْل حسْبَما وَرَدَ فيه مِنْ صحيحِ الأحاديثِ كحديث النُّزُول: «هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأَسْتجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، فَأَغْفِرَ لَهُ» »

، إِلى غير ذلك ممَّا ورد في فَضْله.

قلت: تنبيهٌ: قال القرطبيُّ في «تذكرته» ، وقد جاء حديثُ النزولِ مفسَّراً مبيَّناً في ما خرَّجه النسائِيُّ عن أبي هُرَيْرة، وأبي سَعِيدٍ، قَالاَ: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يُمْهِلُ حتى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّل، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِياً يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يعطى» ، صحّحه أبو محمّد عبد الحقّ «٤» .

اهـ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ قَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "زَيَّنَ" بِفَتْحِ الزّايِ "حُبَّ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَدْ سَبَقَ في "البَقَرَةِ" بَيانُ التَّزْيِينِ.

والقَناطِيرُ: جَمْعُ قِنْطارٍ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: لَيْسَتِ النُّونُ فِيهِ أصْلِيَّةٌ، وأحْسَبُ أنَّهُ مُعَرَّبٌ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ هو مَحْدُودٌ أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْدُودٌ، ثُمَّ فِيهِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا.

أحَدُها: أنَّهُ ألِفٌ ومِئَتا أوُقِيَّةٍ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ  وبِهِ قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعاصِمُ بْنُ أبِي النُّجُودِ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ، رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  .

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ كالقَوْلَيْنِ، وفي رِوايَةٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا: اثْنا عَشَرَ أُوقِيَّةً.

والثّالِثُ: أنَّهُ ألْفٌ ومِئَتا دِينارٍ، ذَكَرَهُ الحَسَنُ ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اثْنا عَشَرَ ألْفِ دِرْهَمٍ، أوْ ألْفَ دِينارٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، كَهَذا القَوْلِ، والَّذِي قَبْلَهُ.

والخامِسُ: أنَّهُ سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ، أوْ مِئَةُ رَطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وقَتادَةَ.

والسّابِعُ: أنَّهُ سَبْعَةُ آَلافِ دِينارٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّامِنُ: ثَمانِيَةُ آَلافِ مِثْقالٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والتّاسِعُ: أنَّهُ ألْفُ مِثْقالِ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والعاشِرُ: أنَّهُ مِلْءُ مِسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، قالَهُ أبُو نَضْرَةَ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والحادِي عَشَرَ: القِنْطارُ: رَطْلٌ مِنَ الذَّهَبِ، أوِ الفِضَّةِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ القِنْطارَ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ.

وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: القِنْطارُ: المالُ الكَثِيرُ، بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ ذَكَرَ عَنِ العَرَبِ أنَّ القِنْطارَ وزْنٌ لا يُحَدُّ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ.

قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: القِنْطارُ: العُقْدَةُ الوَثِيقَةُ المُحْكَمَةُ مِنَ المالِ.

وفي مَعْنى المُقَنْطَرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المُضَعَّفَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّها المُكَمِّلَةُ، كَما تَقُولُ: بِدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وألْفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها المَضْرُوبَةُ حَتّى صارَتْ دَنانِيرَ ودَراهِمَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وفي المُسَوَّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: أنَّها الرّاعِيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: سامَتِ الخَيْلُ، وهي سائِمَةٌ: إذا رَعَتْ، وأسْمَتْها وهي مُسامَةٌ، وسَوَّمْتُها فَهي مُسَوَّمَةٌ: إذا رَعَيْتَها والمُسَوَّمَةُ في غَيْرِ هَذا: المُعَلَّمَةُ في الحَرْبِ بِالسَّوْمَةِ وبِالسِّيماءِ، أيْ: بِالعَلامَةِ.

والثّانِي: أنَّها المُعَلَّمَةُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.

وفي مَعْنى المُعَلَّمَةُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها مُعَلَّمَةٌ بِالشِّيَةِ، وهو اللَّوْنُ الَّذِي يُخالِفُ سائِرَ لَوْنِها، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.

والثّانِي: بِالكَيِّ، رُوِيَ عَنِ المُؤَرَّجِ.

والثّالِثُ: أنَّها البَلْقُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

والثّالِثُ: أنَّها الحِسانُ، قالَهُ ابْنُ عِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٌ.

فَأمّا الأنْعامُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هِيَ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، واحِدُها.

نَعَمٌ، وهو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

والمَآَبُ: المَرْجِعُ.

وهَذِهِ الأشْياءُ المَذْكُورَةُ قَدْ تَحْسُنُ نِيَّةُ العَبْدِ بِالتَّلَبُّسِ بِها، فَيُثابُ عَلَيْها، وإنَّما يَتَوَجَّهُ الذَّمُّ إلى سُوءِ القَصْدِ فِيها وبِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَهَواتِ مِنَ النِساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "حُبُّ" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ الضَحّاكُ ومُجاهِدٌ "زَيَّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "حُبَّ" عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ، واخْتَلَفَ الناسُ مَنِ المُزَيِّنُ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اللهُ زَيَّنَ ذَلِكَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: قُلْتُ: الآنَ يا رَبُّ حِينَ زَيَّنْتَها لَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ  ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُزَيِّنُ هو الشَيْطانُ، وهَذا ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، فَإنَّهُ قالَ: مَن زَيَّنَها؟

ما أحَدٌ أشَدُّ لَها ذَمًّا مِن خالِقِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا قِيلَ: زَيَّنَ اللهُ، فَمَعْناهُ بِالإيجادِ والتَهْيِئَةِ لِانْتِفاعٍ وإنْشاءِ الجِبِلَّةِ عَلى المَيْلِ إلى هَذِهِ الأشْياءِ.

وإذا قِيلَ: زَيَّنَ الشَيْطانُ فَمَعْناهُ: بِالوَسْوَسَةِ والخَدِيعَةِ وتَحْسِينِ أخْذِها مِن غَيْرِ وُجُوهِها.

والآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذِهِ النَوْعَيْنِ مِنَ التَزْيِينِ، ولا يَخْتَلِفُ مَعَ هَذا النَظَرُ.

وهَذِهِ الآيَةُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ ابْتِداءُ وعْظٍ لِجَمِيعِ الناسِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، والشَهَواتُ ذَمِيمَةٌ، واتِّباعُها مُرْدٍ وطاعَتُها مُهْلِكَةٌ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "حُفَّتِ النارُ بِالشَهَواتِ وحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ"» فَحَسْبُكَ أنَّ النارَ حُفَّتْ بِها، فَمَن واقَعَها خَلَصَ إلى النارِ.

و"القَناطِيرِ" جَمْعُ قِنْطارٍ، وهو العُقْدَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ المالِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَحْرِيرِ حَدِّهِ كَمْ هُوَ؟

فَرَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ"،» وقالَ بِذَلِكَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ وعاصِمُ بْنُ أبِي النَجُودِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وهو أصَحُّ الأقْوالِ.

لَكِنَّ القِنْطارَ عَلى هَذا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ البِلادِ في قَدْرِ الأُوقِيَّةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: القِنْطارُ: ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ.

ورَوى الحَسَنُ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ الضَحّاكُ: وهو مِنَ الفِضَّةِ ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: القِنْطارُ مِنَ الفِضَّةِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ومِنَ الذَهَبِ ألْفُ دِينارٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والضَحّاكِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: القِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفًا.

وقالَ قَتادَةُ: القِنْطارُ مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَهَبِ أو ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ.

وقالَ السُدِّيُّ: القِنْطارُ ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ وهي مِائَةُ رِطْلٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: القِنْطارُ سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

وقالَ أبُو نَضْرَةَ: القِنْطارُ مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا.

قالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَكَذا هو بِالسُرْيانِيَّةِ.

وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: القِنْطارُ المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.

وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ القِنْطارَ بِلُغَةِ الرُومِ مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا.

وقالَ النَقّاشُ: القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ لِأنَّهُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهَذا ضَعْفُ نَظَرٍ وكَلامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ كَيْسانَ أنَّهُ قالَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عنهُ وعَنِ الفَرّاءِ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أكْثَرَ مِن تِسْعَةٍ..

وهَذا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ.

وحَكى مَكِّيٌّ قَوْلًا إنَّ القِنْطارَ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا أو فِضَّةً، وقالَهُ ابْنُ سِيدَهْ في المُحْكَمِ، وقالَ: القِنْطارُ بِلُغَةِ بَرْبَرٍ ألْفُ مِثْقالٍ.

ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا  ﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ،» ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ القِنْطارَ هو رِطْلٌ ذَهَبًا أو فِضَّةً، وأظُنُّها وهْمًا، وأنَّ القَوْلَ مِائَةُ رِطْلٍ فَسَقَطَتْ "مِائَةُ" لِلنّاقِلِ.

والقِنْطارُ إنَّما هو اسْمُ المِعْيارِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، كَما هو الرِطْلُ والرُبْعُ، ويُقالُ لِما بَلَغَ ذَلِكَ الوَزْنَ: هَذا قِنْطارٌ أيْ يَعْدِلُ القِنْطارَ.

والعَرَبُ تَقُولُ: قَنْطَرَ الرَجُلُ إذا بَلَغَ مالُهُ أنْ يُوزَنَ بِالقِنْطارِ.

وقالَ الزَجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَيْءِ وإحْكامِهِ، والقَنْطَرَةُ المَعْقُودَةُ نَحْوُهُ، فَكَأنَّ القِنْطارَ عُقْدَةُ مالٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "المُقَنْطَرَةِ" فَقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: المُضَعَّفَةُ، وكَأنَّ القَناطِيرَ ثَلاثَةٌ والمُقَنْطَرَةَ تِسْعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا النَظَرِ، وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ: المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.

وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى المُقَنْطَرَةِ: المَضْرُوبَةُ حَتّى صارَتْ دَنانِيرَ أو دَراهِمَ.

وقالَ مَكِّيٌّ: المُقَنْطَرَةُ المُكَمَّلَةُ، والَّذِي أقُولُ: إنَّها إشارَةٌ إلى حُضُورِ المالِ وكَوْنِهِ عَتِيدًا، فَذَلِكَ أشْهى في أمْرِهِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ في رَجُلٍ غَنِيٍّ مِنَ الحَيَوانِ والأمْلاكِ: فُلانٌ صاحِبُ قَناطِيرِ مالٍ، أيْ لَوْ قُوِّمَتْ أمْلاكُهُ لاجْتَمَعَ مِن ذَلِكَ ما يَعْدِلُ قَناطِيرَ، وتَقُولُ في صاحِبِ المالِ الحاضِرِ العَتِيدِ: هو صاحِبُ قَناطِيرَ مُقَنْطَرَةٍ، أيْ قَدْ حَصَلَتْ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ بِها، أيْ قُنْطِرَتْ فَهي مُقَنْطَرَةٌ، وذَلِكَ أشْهى لِلنُّفُوسِ وأقْرَبُ لِلِانْتِفاعِ وبُلُوغِ الآمالِ.

وقَدْ قالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: ما المالُ إلّا ما حازَتْهُ العِيابُ، وإذا كانَ هَذا فَسَواءٌ كانَ المالُ مَسْكُوكًا أو غَيْرَ مَسْكُوكٍ، أمّا أنَّ المَسْكُوكَ أشْهى لِما ذَكَرْناهُ، ولَكِنْ لا تُعْطِي ذَلِكَ لَفْظَةُ "المُقَنْطَرَةِ".

"والخَيْلِ" جَمْعُ خائِلٍ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ الفَرَسُ لِأنَّهُ يَخْتالُ في مَشْيِهِ فَهو كَطائِرٍ وطَيْرٍ، وقالَ غَيْرُهُ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "المُسَوَّمَةِ"، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبْزى والحَسَنُ والرَبِيعُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: الراعِيَةُ في المُرُوجِ والمَسارِحِ، تَقُولُ: سامَتِ الدابَّةُ والشاةُ إذا سَرَحَتْ وأخَذَتْ سَوْمَها مِنَ الرَعْيِ، أيْ غايَةَ جُهْدِها ولَمْ تُقَصِّرْ عن حالٍ دُونَ حالٍ، وأسْمَتُها أنا إذا تَرَكْتُها لِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"» ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ  ﴾ ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: المُسَوَّمَةُ مَعْناهُ: المُطَهَّمَةُ الحِسانُ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ: سَوَّمَها الحُسْنُ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُسَوَّمَةُ مَعْناهُ: المُعَلَّمَةُ، شِياتُ الخَيْلِ في وُجُوهِها، "وَقالَهُ قَتادَةُ" ويَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ بَيْتُ لَبِيدٍ: وغَداةَ قاعِ القَرْنَتَيْنِ أتَيْنَهم ∗∗∗ زُجَلًا يَلُوحُ خِلالَها التَسْوِيمُ وأمّا قَوْلُ النابِغَةِ:: بِسُمْرٍ كالقِداحِ مُسَوَّماتٍ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْها مَعْشَرٌ أشْباهُ جِنِّ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُطَهَّمَةَ الحِسانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُعَلَّمَةَ بِالشِياتِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُعَدَّةَ.

وقَدْ فَسَّرَ الناسُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ  ﴾ بِمَعْنى مُعَدَّةٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ ﴾ مَعْناهُ: المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ لِلْجِهادِ لَيْسَ مِن تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ.

"والأنْعامِ" الأصْنافُ الأرْبَعَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعْزُ.

"والحَرْثِ" هُنا اسْمٌ لِكُلِّ ما يُحْرَثُ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، تَقُولُ: حَرَثَ الرَجُلُ حَرْثًا إذا أثارَ الأرْضَ لِمَعْنى الفِلاحَةِ، فَيَقَعُ اسْمُ الحَرْثِ عَلى زَرْعِ الحُبُوبِ وعَلى الجَنّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الفِلاحَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ  ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ كَرْمًا.

والمَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ مُدَّةً ما مُنْحَصِرَةً.

و"المَآبِ": المَرْجِعُ، تَقُولُ: آبَ الرَجُلُ يَؤُوبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..........................

∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ وقَوْلُ الآخَرِ: .......................

∗∗∗ إذا ما القارِظُ العنزِيُّ آبا وقَوْلُ عَبِيدٍ: .......................

∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ وأصْلُ مَآبٍ مَأْوَبٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الهَمْزَةِ وأُبْدِلَ مِنَ الواوِ ألِفٌ، مِثْلُ مَقالٍ، فَمَعْنى الآيَةِ تَقْلِيلُ أمْرِ الدُنْيا وتَحْقِيرُها، والتَرْغِيبُ في حُسْنِ المَرْجِعِ إلى اللهِ تَعالى في الآخِرَةِ.

وفِي قَوْلِهِ: "زُيِّنَ لِلنّاسِ" الآيَةِ، تَحَسُّرٌ ما عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "تُتَزَوَّجُ المَرْأةُ لِأرْبَعٍ"....» الحَدِيثِ؛.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكُمْ  ﴾ الآيَةُ بِمَثابَةِ قَوْلِ النَبِيِّ  : « "فاظْفَرْ بِذاتِ الدِينِ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ زُيِّنَ ﴾ .

استئناف نشأ عن قوله: ﴿ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ﴾ [آل عمران: 10] إذ كانت إضافة أمواللٍ وأولاد إلى ضمير «هم» دالة على أنّها معلومة للمسلمين.

قُصد منه عِظة المسلمين ألاّ يغترّوا بحال الذين كفروا فتعجبهم زينة الدنيا، وتلهيهم عن التهمّم بما بِه الفوز في الآخرة؛ فإنّ التحذير من الغايات يستدعي التحذير من البدايات.

وقد صُدّر هذا الوعظ والتأديب ببيان مدخل هذه الحالة إلى النفوس، حتى يكونوا على أشدّ الحذر منها؛ لأنّ ما قرارته النفس ينساب إليها مع الأنفاس.

والتزيين تصْيير الشيء زَيناً أي حسَناً، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين، وإزالةُ ما يعتريه من القبْح أو التشويه، ولذلك سمّي الحَلاق مزيِّناً.

وقال امرؤ القيس: الحرب أول ما تكون فتيَّة *** تَسْعى بِزِينتها لكلّ جهول فالزينة هي ما في الشيء من المحاسن: التي ترغِّب الناظرين في اقتنائه، قال تعالى: ﴿ تريد زينة الحياةِ الدنيا ﴾ [الكهف: 28].

وكلمة زَيْن قليلة الدوران في كلام العرب مع حسنِها وخفّتها قال عمر بن أبي ربيعة: أزمَعَتْ خُلَّتِي مع الفجر بَيْنَا *** جَلَّل اللَّهُ ذلك الوَجْهَ زيْنا وفي حديث «سنن أبي داود»: أنّ أبا بَرزة الأسلَمِيّ دخل على عُبيد الله بن زياد وقد أرسل إليه ليسأله عن حديث الحوض فلمّا دخل أبو برزة قال عبيدُ اللَّه لجلسائه: إنّ محمَّدِيَّكُم هذا الدحْداح.

قال أبو برزة: «ما كنتُ أحسب أنّي أبقَى في قوم يعيّرونني بصحبة محمد».

فقال عبيد الله: «إنّ صُحبة محمد لك زَيْنٌ غيرُ شَيْن».

والشهوات جمع شهوة، وأصل الشهوة مصدر شهِي كرضي، والشهوة بزنة المَرّة، وأكثر استعمال مصدر شَهِي أن يكون بزنة المَرة.

وأطلقت الشهوات هنا على الأشياء المشتهاة على وجه المبالغة في قوة الوصف.

وتعليقُ التزيين بالحبّ جرى على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنّ المزيَّن للناس هو الشهواتُ، أي المشتهيات نفسها، لا حبُّها، فإذا زُينت لهم أحَبُّوها؛ فإنّ الحبّ ينشأ عن الاستحسان، وليس الحبّ بمزيَّن، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال زينت للناس الشهوات فأحبّوها، وقد سكت المفسّرون عن وجه نظم الكلام بهذا التعليق.

والوجه عندي إمّا أن يجعل ﴿ حبّ الشهوات ﴾ مصدراً نائباً عن مفعول مطلق، مبيّناً لنوع التزيين: أي زيّن لهم تزيين حب، وهو أشدّ التزيين، وجُعل المفعول المطلق نائباً عن الفاعل، وأصل الكلام: زُيّن للناس الشهواتُ حُبَّاً، فحُوِّل وأضيف إلى النائب عن الفاعل، وجعل نائباً عن الفاعل، كما جعل مفعولاً في قوله تعالى: ﴿ فقال إنّي أحببت حُبّ الخير عن ذكر ربي ﴾ [ص: 32].

وإما أن يجعل حبّ مصدراً بمعنى المفعول، أي محبوبُ الشهوات أي الشهوات المحبوبة.

وإمّا أن يجعل زُين كناية مراداً به لازم التزيين وهو إقبال النفس على ما في المزيَّن من المستحسنات مع ستر ما فيه من الأضرار، فعبّر عن ذلك بالتزيين، أي تحسِين ما ليس بخالص الحسن فإنّ مشتهيات الناس تشتمل على أمور ملائمة مقبولة، وقد تكون في كثير منها مضارّ، أشدُّها أنّها تشغل عن كمالات كثيرة فلذلك كانت كالشيء المزيَّن تغطَّى نقائصه بالمزيّنات، وبذلك لم يبق في تعليق زيّن بحُب إشكال.

وحذف فاعل التزيين لخفائه عن إدراك عموم المخاطبين، لأنّ ما يدل على الغرائز والسجايا، لما جُهل فاعله في متعارف العموم، كان الشأن إسناد أفعاله للمجهول: كقولهم عُني بكذا، واضْطُرّ إلى كذا، لا سيما إذا كان المراد الكناية عن لازم التزيين، وهو الإغضاء عمّا في المزيَّن من المساوي؛ لأنّ الفاعل لم يبق مقصوداً بحال، والمزيِّنُ في نفس الأمر هو إدراك الإنسان الذي أحبّ الشهواتتِ، وذلك أمر جبلِيٌّ جعله الله في نظام الخلقة قال تعالى: ﴿ وذلّلناها لهم فمنها رَكوبهم ومنها يأكلون ﴾ [يس: 72].

ولما رجع التزيين إلى انفعال في الجبلّة، كان فاعلُه على الحقيقة هو خالقَ هذه الجبلاّت، فالمزيِّن هو الله بخَلْقه لا بِدَعوته، وروى مثل هذا عن عُمر بن الخطاب، وإذا التفتنا إلى الأسباب القريبة المباشرة.

كان المزّيِّن هو مَيْلَ النفس إلى المشتهى، أو ترغيبَ الداعين إلى تناول الشهوات: من الخِلاّن والقُرناء، وعن الحسن: المزيِّن هو الشيطان، وكأنّه ذهب إلى أنّ التزيين بمعنى التسويل والترغيب بالوسوسة للشهوات الذميمة والفساد، وقصَرَه على هذا وهو بعيد لأنّ تزيين هذه الشهوات في ذاته قد يوافق وجه الإباحة والطاعة، فليس يلازمها تسويل الشيطان إلاّ إذا جعلها وسائل للحرام، وفي الحديث: «قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدُنا شهوَته ولَهُ فيها أجْر فقال: أرأيتم لو وضعَها في حرام أكان عليه وِزر، فكذلك إذا وضَعها في الحلال كان له أجر» وسياق الآية تفضيل معالي الأمور وصالِح الأعمال على المشتهيات المخلوطةِ أنواعُها بحلال منها وحرام، والمعرَّضة للزوال، فإنّ الكمال بتزكية النفس لتبلُغ الدرجات القدسية، وتنال النعيم الأبدي العظيم؛ كما أشار إليه قوله: ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب ﴾ .

وبيان الشهوات بالنساء والبنين وما بعدهما، بيان بأصول الشهوات البشرية: التي تجمع مشتهيَات كثيرة، والتي لا تختلف باختلاف الأمم والعصور والأقطار، فالميْل إلى النساء مركوز في الطبع، وضعه الله تعالى لحكمةِ بقاء النوع بداعي طلب التناسل؛ إذ المرأة هي موضع التناسل، فجُعل ميل الرجل إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلّف رُبَّمَا تعقبه سآمة، وفي الحديث: «ما تركتُ بعدي فتنةً أشدّ على الرجال من فتنة النساء» ولم يُذكر الرجالُ لأنّ ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع، وإنّما تحصل المحبّة منهن للرجال بالإلف والإحسن.

ومحبّة الأبناء أيضاً في الطبع: إذ جعل الله في الوالدين، من الرجال والنساء، شعوراً وجدانياً يُشعر بأنّ الولد قطعة منهما، ليكون ذلك مدعاة إلى المحافظة على الولد الذي هو الجيل المستقبل، وببقائه بقاء النوع، فهذا بقاءُ النوع بحفظه من الاضمحلال المكتوب عليه، وفي الولد أيضاً حفظ للنوع من الاضمحلال العارض بالاعتداء على الضعيف من النوع؛ لأنّ الإنسان يعرض له الضعف، بعد القوة، فيكون ولده دافعاً عنه عداء من يعتدي عليه، فكما دفع الوالد عن ابنه في حال ضعفه، يدفع الولد عن الوالد في حال ضعفه.

والذهب والفضة شهوتان بِحسن منظرهما وما يتّخذ منهما من حلي للرجال والنساء، والنقدان منهما: الدنانيرُ والدراهم، شهوة لما أوْدَع الله في النفوس منذ العصور المتوغّلة في القدم من حبّ النقود التي بها دفع أعواض الأشياء المحتاج إليها.

﴿ والقناطير ﴾ جمع قنطار وهو ما يزن مائة رطل، وأصله معرّب قيل عن الرومية اللاتينية الشرقية، كما نقله النقّاش عن الكلبي، وهو الصحيح؛ فإن أصله في اللاّتينية «كِينْتال» وهو مائة رطل.

وقال ابن سيده: هو معرّب عن السريانية.

فما في «الكشاف» في سورة النساء أنّ القنطار مأخوذ من قتطَرت الشيءَ إذا رفعتَه، تكلّف.

وقد كان القنطار عند العرب، وزنا ومقداراً، من الثروة، يبلغه بعض المثرين: وهو أن يبلغ مالُه مائةَ رطل فضة، ويقولون: قنطَر الرجلُ إذا بلغ ماله قنطاراً وهو اثنا عشر ألف دينارٍ أي ما يساوي قنطاراً من الفضة، وقد يقال: هو مقدار مائة ألف دينار من الذهب.

و ﴿ المقنطرة ﴾ أريد بها هنا المضاعفة المتكاثرة، لأنّ اشتقاق الوصف من اسم الشيء الموصوففِ، إذا اشتهر صاحب الاسم بصفةِ، يؤذن ذلك الاشتقاقُ بمبالغة في الحاصل به كقولهم: لَيْلٌ ألْيَلُ، وظِلٌ ظَلِيلٌ، وداهِيَةٌ دَهْيَاء، وشِعْرٌ شَاعِر، وإبِل مُؤَبَّلَة، وآلاف مُؤَلَّفَة.

﴿ والخيل ﴾ محبوبة مرغوبة، في العصور الماضية وفيما بعدها، لم يُنسها ما تفنّن فيه البشر من صنوف المراكب برّاً وبحراً وجوّاً، فالأمم المتحضّرة اليوم مع ما لديم من القطارات التي تجري بالبخار وبالكهرباء على السكك الحديدية، ومن سَفائن البحر العظيمة التي تسيّرها آلات البخار، ومن السيّارات الصغيرة المسيّرة باللوالب تحرّكها حرارة النفظ المصفَّى، ومن الطيّارات في الهواء ممّا لم يبلغ إليه البشر في عصر مضى، كلّ ذلك لم يغن الناس عن ركوب ظهور الخيل، وجرّ العربات بمطهّمات الأفراس، والعناية بالمسابقة بين الأفراس.

وذكر الخيل لتواطؤ نفوس أهل البَذخ على محبّة ركوبها، قال امرؤ القيس: كأنِّيَ لَمْ أركَبْ جَوادَا لِلَذّةٍ *** و ﴿ المسوّمة ﴾ الأظهر فيه ما قيل: إنّه الراعية، فو مشتق من السَّوْم وهو الرعْي، يقال: أسام الماشية إذا رعَى بها في المرعى، فتكون مادة فعَّل للتكثير أي التي تترك في المراعي مدداً طويلة وإنّما يكون ذلك لسعة أصحابها وكثرة مراعيهم، فتكون خيلهم مكرمة في المروج والرياض وفي الحديث في ذكر الخيل " فأطال لَها في مَرْج أو روضة ".

وقيل: المسوّمة من السُّومَة بضم السين وهي السِّمة أي العلامة من صوف أو نحوه، وإنّما يجعلون لها ذلك تنويهاً بكرمها وحسن بلائها في الحرب، قال العَتَّابي: ولَوْلاَهُنّ قد سَوّمْتُ مُهري *** وفي الرحمان للضعفاء كاف يريد جعلت له سُومة أفراسسِ الجهاد أي علامتَها وقد تقدم اشتقاق السمة والسومة عند قوله تعالى: ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ في سورة [البقرة: 273].

و ﴿ الأنعام ﴾ زينة لأهل الوبر قال تعالى: ﴿ ولكم فيها جَمال حين تريحون وحين تسرحون ﴾ [النحل: 6].

وفيها منافع عظيمة أشار إليها قوله تعالى: ﴿ والأنعامَ خلقها لكم فيها دفء ﴾ الآيات في سورة [النحل: 5]، وقد لا تتعلّق شهوات أهل المدن بشدّة الإقبال على الأنعام لكنّهم يحبّون مشاهدها، ويُعنَون بالارتياح إليها إجمالاً.

﴿ والحرث ﴾ أصله مصدر حرث الأرض إذا شقّها بآلة ليزرع فيها أو يغرس، وأطلق هذا المصدر على المَحروث فصار يطلق على الجَنّات والحوائطِ وحقول الزرع، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ نساؤكم حَرث لكم ﴾ في سورة [البقرة: 223] وعند قوله: ﴿ ولا تَسقي الحرث ﴾ [البقرة: 71] فيها.

والإشارة بقوله: ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ إلى جميع ما تقدم ذكره، وأُفرد كاف الخطاب لأنّ الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم أو لغير معيَّن، على أنّ علامة المخاطب الواحد هي الغالب في الاقتران بأسماء الإشارة لإرادة البُعد، والبُعد هنا بُعد مجازي بمعنى الرفعة والنفاسة.

والمتاع مؤذن بالقلة وهو ما يستمتع به مدة.

ومعنى ﴿ والله عنده حسن مئاب ﴾ أنّ ثواب الله خير من ذلك.

والمآب: المرجع، وهو هنا مصدرٌ، مَفْعَل من آب يَؤوب، وأصله مَأوَب نقلت حركة الواو إلى الهمزة، وقلبت الواو ألفاً، والمراد به العاقبة في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ مَعْنى زُيِّنَ: أيْ حُسِّنَ حُبُّ الشَّهَواتِ، والشَّهْوَةُ مِن خَلْقِ اللَّهِ في الإنْسانِ، لِأنَّها ضَرُورَةٌ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها.

وَفي المُزَيِّنِ لِحُبِّ الشَّهَواتِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ لا أحَدَ أشَدُّ ذَمًّا لَها مِنَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي خَلَقَها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: تَأْوِيلُ أنَّ اللَّهَ زَيَّنَ حُبَّ الشَّهَواتِ لِما جَعَلَهُ في الطَّبائِعِ مِنَ المُنازَعَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها  ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ زَيَّنَ مِن حُبِّها ما حَسُنَ، وزَيَّنَ الشَّيْطانُ مِن حُبِّها ما قَبُحَ.

﴿ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ ﴾ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ القِنْطارِ عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ، وهو قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ ورَواهُ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ)» .

والثّانِي: أنَّهُ ألْفٌ ومِائَتا دِينارٍ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، والحَسَنِ، وقَدْ رَواهُ الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّالِثُ: أنَّهُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ أوْ ألْفَ دِينارٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ثَمانُونَ ألْفًا مِنَ الدَّراهِمِ، أوْ مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وقَتادَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ.

والسّادِسُ: أنَّهُ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، قالَهُ أبُو نَضْرَةَ.

والسّابِعُ: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

وَفي ﴿ المُقَنْطَرَةِ ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها المُضاعَفَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها الكامِلَةُ المُجْتَمِعَةُ.

والثّالِثُ: هي تِسْعَةُ قَناطِيرَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: هي المَضْرُوبَةُ دَراهِمَ أوْ دَنانِيرَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والخامِسُ: أنَّها المَجْعُولَةُ كَذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: دَراهِمُ مُدَرْهَمَةٌ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا سادِسًا: أنَّ القَناطِيرَ المَذْكُورَةَ مَأْخُوذَةٌ مِن قَنْطَرَةِ الوادِي، إمّا لِأنَّها بِتَرْكِها مُعَدَّةٌ كالقَناطِرِ المَعْبُورَةِ، وإمّا لِأنَّها مُعَدَّةٌ لِوَقْتِ الحاجَةِ، والقَناطِيرُ مَأْخُوذَةٌ مِن عَقْدِ الشَّيْءِ وإحْكامِهِ كالقَنْطَرَةِ.

﴿ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الرّاعِيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والرَّبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أيْ تَرْعَوْنَ.

والثّانِي: أنَّ المُسَوَّمَةَ الحَسَنَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها المُعَلَّمَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّها مِنَ السِّيما مَقْصُورَةٌ ومَمْدُودٌ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ الشّاعِرُ: غُلامٌ رَماهُ اللَّهُ بِالحُسْنِ يافِعًا لَهُ سِيمْياءٌ لا تَشُقُّ عَلى البَصَرِ ﴿ والأنْعامِ ﴾ هي الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ، ولا يُقالُ: النَّعَمُ لِجِنْسٍ مِنها عَلى الِانْفِرادِ إلّا لِلْإبِلِ خاصَّةً.

( والحَرْثِ ) هو الزَّرْعُ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يُرِيدَ أرْضَ الحَرْثِ لِأنَّها أصْلٌ، ويَكُونُ الحَرْثُ بِمَعْنى المَحْرُوثِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال: لما نزلت ﴿ زين للناس حب الشهوات...

﴾ إلى آخر الآية.

قال عمر: الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت ﴿ قل أؤنبئكم...

﴾ [ آل عمران: 15] الآية كلها.

وأخرج ابن المنذر بلفظ حتى انتهى إلى قوله: ﴿ قل أؤنبئكم بخير ﴾ [ آل عمران: 15] فبكى وقال: بعد ماذا.

بعد ما زينتها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سيار بن الحكم، أن عمر بن الخطاب قرأ ﴿ زيِّن للناس...

﴾ الآية.

ثم قال: الآن يا رب وقد زينتها في القلوب.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن أسلم قال: رأيت عبدالله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب بحلية آنية وفضة فقال عمر: اللهم إنك ذكرت هذا المال.

فقلت ﴿ زين للناس حب الشهوات ﴾ حتى ختم الآية وقلت ﴿ لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ﴾ [ الحديد: 23] وإنا لا أستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، اللهم فاجعلنا ننفقه في حق، وأعوذ بك من شره.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ زين للناس...

﴾ الآية.

قال من زينها؟

ما أحد أشد لها ذماً من خالقها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ زين للناس...

﴾ الآية.

قال: زين لهم الشيطان.

قوله تعالى: ﴿ من النساء ﴾ .

أخرج النسائي وابن أبي حاتم والحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة» .

قوله تعالى: ﴿ والقناطير المقنطرة ﴾ .

أخرج أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القنطار اثنا عشر ألف أوقية» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أنس قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: ﴿ والقناطير المقنطرة ﴾ قال: القنطار ألف أوقية» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القنطار ألف دينار» .

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ القنطار ﴾ ألف أوقية ومائتا أوقية» .

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ القنطار ﴾ ألف ومائتا دينار» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ في ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائتي آية بعث من القانتين، ومن قرأ خمسمائة آية إلى ألف آية أصبح له قنطار من الأجر، والقنطار مثل التل العظيم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال: القنطار ألف ومائتا أوقية.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: القنطار ألف ومائتا أوقية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة مثله.

وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: القنطار اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار.

وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: القنطار ألف ومائتا دينار من الفضة وألف ومائتا مثقال.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: القنطار ملء مسك الثور ذهباً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر، أنه سئل ما القنطار؟

قال: سبعون ألفاً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: القنطار سبعون ألف دينار.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب قال: القنطار ثمانون ألفاً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: القنطار مائة رطل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أن القنطار مائة رطل من الذهب، أو ثمانون ألفاً من الورق.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ والقناطير ﴾ قال: أما قولنا أهل البيت فانا نقول: القنطار عشرة آلاف مثقال، وأما بنو حسل فإنهم يقولون: ملء مسك ثور ذهباً أو فضة.

قال: فهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: وكانوا ملوك الروم تجبى إليهم ** قناطيرها من بين قل وزائد وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال: ﴿ القنطار ﴾ خمسة عشر ألف مثقال، والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ القناطير المقنطرة ﴾ يعني المال الكثير من الذهب والفضة.

وأخرج عن الربيع ﴿ القناطير المقنطرة ﴾ المال الكثير بعضه على بعض.

وأخرج عن السدي ﴿ المقنطرة ﴾ يعني المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم.

قوله تعالى: ﴿ والخيل المسوّمة ﴾ .

أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ والخيل المسوّمة ﴾ قال: الراعية.

وأخرجه ابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس.

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس ﴿ والخيل المسوّمة ﴾ يعني معلمة.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿ والخيل المسوّمة ﴾ يعني معلمة.

وأخرج ابن أبي حاتم من الطريق عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿ الخيل المسوّمة ﴾ الراعية والمطهمة الحسان.

ثم قرأ ﴿ شجر فيه تسيمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ والخيل المسوّمة ﴾ قال: المطهمة الحسان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: تسويمها حسنها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول ﴿ والخيل المسومة ﴾ قال: الغرة والتحجيل.

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ .

أخرج مسلم وابن أبي حاتم عن ابن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة» .

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ قال: حسن المنقلب.

وهي الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ﴾ .

يقال: مَن الذي زَيَّن للناس ذلك؟

فيقال: اللهُ تعالى زَيَّن للناس؛ بما جعل (١) ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ  ﴾ .

وقال بعضهم (٢) (٣) (٤) (٥) والشهوة: تَوَقان النفس إلى الشيء، وقد ذكرناها في سورة الأعراف، عند قوله: ﴿ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَالْقَنَاطِيرِ ﴾ .

جَمْعُ (قِنْطار)، وكثر الاختلاف في معنى (القنطار): فروى أبو هريرة (٦)  ، أنه قال: "القنطار: اثنا (٧) (٨) وروى أنس عنه أيضًا: أن القنطار: ألف دينار (٩) وروى أُبَيُّ بن كعب، أنه قال: القنطار (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقال في رواية الوالبي: القنطار: اثنا (١٦) (١٧) وبه قال: الحسن (١٨) (١٩) وقال الكلبي (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) ويقال: إنَّه في التوراة كذا.

وبلسان أفريقية، وأندلس: ثمانية ألف (٢٤) (٢٥) قال الزجَّاج (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وهذا قول الربيع (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) وحكى أبو عبيدة عن العرب: أنهم يقولون: هو وزن لا يُحَدُّ (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ الْمُقَنْطَرَة ﴾ قال أهل اللغة: (٣٥) فمعنى: ﴿ الْمُقَنْطَرَة ﴾ : أنها جُمعت حتى صارت قناطير؛ كما يقال: (دراهم مُدَرْهَمَة)؛ أي: مجعولة كذلك.

وقال يَمَان (٣٦) (٣٧) وقال أبو العباس (٣٨) (٣٩) ﴿ الْمُقَنْطَرَة ﴾ ، يقال: (قد قنطر فلان): إذا مَلَكَ أربعةَ آلاف دينار] (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ اَلذَّهَبِ ﴾ الذهب: التِّبْر.

والقِطْعَةُ ذَهَبَة (٤١) ﴿ وَالْفِضَّةِ ﴾ الفَضُّ في اللغة معناه: التفريق، والكسر (٤٢) (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾ الخيل: جَمْعٌ لا واحد له من لفظه، كـ (القَوْلِ)، و (النساءِ)، و (الرَّهْطِ) (٤٥) سُمِّيت الأفراسُ (خيلًا)؛ لاختيالها في مِشْيتها بطول أذنابها؛ ألا ترى إلى قول امرئ القيس: لها ذَنَبٌ مِثْلُ ذيلِ العروسِ ...

تَسُدُّ (٤٦) (٤٧) والاختيال: مأخوذ من (التَّخَيُّل)، والتخيُّل: التَّشَبُّه بالشيء (٤٨) (٤٩) والأخْيَلُ (٥٠) (٥١) واختلفوا في معنى ﴿ الْمُسَوَّمَةِ ﴾ : فقال ابن عباس في رواية عطية (٥٢) (٥٣) ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ  ﴾ .

وقال في رواية الوالبي (٥٤) ومعنى العلامة ههنا: (الكَيُّ) في قول المؤرِّج (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) وقال مجاهد (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) وقوله تعالى: ﴿ وَالْأَنْعَامِ ﴾ جمع (نَعَم)، والنَّعَم: الإبل والبقر والغنم.

ولا يُقال لجنس منها: (نَعَمٌ)، إلَّا للإبل خاصة؛ لأنه غلب عليها (٦٤) وقوله تعالى: ﴿ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ المآب في اللغة: المرجعُ.

يقال: (آب الرَّجُلُ، إِيابًا)، و (أَوْبَةً)، و (أبيَةً) (٦٥) (٦٦) ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ  ﴾ .

قال الفرَّاء [[لم أهتد إلى مصدر قوله والذي في "معاني القرآن" 3/ 259: (سُئل الفراء عن (إيَّابهم) فقال: لا يجوز [أي: تشديد الياء] على جهة من الجهات)، وفي "تهذيب اللغة" 15/ 609 ينقل عن الفرَّاء، فيقول: (قال: هو بتخفيف الياء، والتشديد فيه خطأ).]]: ولا يجوز التشديد (٦٧) (٦٨) (٦٩) فلو أردت ذلك، قلتَ: (أَأَبْتهُ إآبَةً) (٧٠) (٧١) (١) في (ب): (بحب أجعل).

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجَّاج 1/ 383 حيث اقتبس منه المؤلف بعض العبارات.

(٣) في (د): (والها).

(٤) (فيها): ساقطة من: (ج).

(٥) وممن قال بهذا القول: الحسن البصري  وممن قال بالقول الأول:== عمر بن الخطاب  .

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 607، "تفسير الطبري" 3/ 199، "المحرر الوجيز" 3/ 40، "الدر المنثور" 2/ 1718.

وقال الخازن في "تفسيره" 1/ 274: (قال أهل السنة: المُزيِّنُ: هو الله تعالى؛ لأنه تعالى خالق جميع أفعال العباد، ولأن الله تعالى خلق جميع ملاذ الدنيا، وأباحها لعبيده، وإباحتها للعبيد تزيين لها) ثم ذكر من الآيات ما يدل على ذلك، ثم قال: (ومما يؤيد ذلك: قراءةُ مجاهد: (زَيَّنَ) بفتح الزاي على تسمية الفاعل.

وقال الحسن: المزين: هو الشيطان.

وهو قول طائفة من المعتزلة، ويدل على ذلك: أن الله تعالى ...

أطلق حب الشهوات، فيدخل فيه الشهوات المحرمة، والمُزَيِّن لذلك هو الشيطان، ولأن الله تعالى ذكر هذه الأشياء في معرض الذم للدنيا، ويدل عليه آخر هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ ونقل عن أبي علي الجبَّائي من المعتزلة أن كل ما كان حرامًا، كان المزين له هو الشيطان، وكل ما كان مباحًا كان المزين له هو الله تعالى.

والصحيح: ما ذهب إليه أهل السنة، لأن الله تعالى خالق كل شيء، ولا شريك له في ملكه).

ولكن الآية هنا تحتمل الأمرين؛ لأن تزيين الله لها، حقيقة، كما سبق إيضاح المؤلف له، وكما ورد في قول الخازن، أما تزيين الشيطان لها فبالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجهها، والحض على تعاطي الشهوات المحضورة فيها، وعلى هذا الوجه يُحمل كلام الحسن  .

انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 40، "البحر المحيط" 2/ 396، "تفسير الرازي" 7/ 209، "الإنصاف" فيما تضمنه "الكشاف" من الاعتزال، لابن المنير (مطبوع على هامش "الكشاف" 1/ 416، "روح المعاني" 3/ 99.

(٦) هو: أبو هريرة بن عامر الدوسي.

واختلف في اسمه كثيرًا، ولم يُختَلَف في اسم آخر مثله ولا ما يقاربه.

فقيل: عمير، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل غير ذلك.

وقيل: إن اسم والده: صخر.

وقيل: دومة، وقيل غير ذلك.

أسلم بين == الحديبية وخيبر، وهاجر وسكن الصُّفَّة، وكان من ألزم الصحابة للنبي  ، وأحفظهم للحديث عنه، وأكثرهم رواية.

توفي سنة (57 هـ).

انظر: "أسد الغابة" 6/ 318، "الإصابة" 4/ 202.

(٧) في (ب)، (ج)، (د): (اثني).

(٨) الحديث أخرجه: أحمد في "المسند" 2/ 363، وابن ماجه (3660) "كتاب الأدب" باب: (بر الوالدين)، وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" مما نقله محقق "السنن": (إسناده صحيح، رجاله ثقات) ولكن ضعفه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" 2/ 494 برقم (2953)، وأخرجه الدارمي في "السنن" 4/ 2177 (3507) باب: (كم يكون القنطار).

وأوقفه على أبي هريرة، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" انظر: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" 6/ 311 برقم: 2573، وقال محققه، شعيب الأرنؤوط: (إسناده حسن)، وأخرجه البيهقي في "السنن" 7/ 233 وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 15 ب، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 377، ونسب إخراجه لوكيع في "تفسيره" وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 18، والمتقي الهندي، في "كنز العمال" 2/ 5 برقم (2892).

(٩) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 608، وقال محقق التفسير: إسناده ضعيف، ولم يصح رفعه.

وأورده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 377 ونسب إخراجه للطبراني، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" 3/ 15 ب، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 18، ونسب إخراجه كذلك لابن مردويه.

وقد ورد عن أنس  بلفظ آخر، يرفعه: (القنطار: ألفا أوقية).

رواه الحاكم في "المستدرك" 2/ 178 كتاب النكاح.

وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، وأقرَّه الذهبيُّ، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 18، والمتقي الهندي في "كنز العمال" 2/ 5 برقم (2891).

(١٠) في (ج): (إن القنطار).

(١١) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" 3/ 200، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 377،== وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 18، والمتقي الهندي في "كنز العمال" 2/ 5 برقم (2893)، وقال عنه ابن كثير: (وهذا حديث منكر أيضًا، والأقرب أن يكون موقوفًا على أبي بن كعب، كغيره من الصحابة).

(١٢) الأثر عنه، في "تفسير الطبري" 3/ 200، "تفسير الثعلبي" 13/ 15 ب، "المحرر الوجيز" 3/ 41، "زاد المسير" 1/ 359.

وورد عنه: أن القنطار سبعون ألفًا.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 201، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 609.

(١٣) الأثر عنه، في "سنن الدارمي" 4/ 2178 (3512) كتاب: فضائل القرآن، باب: (كم يكون القنطار)، "تفسير الطبري" 3/ 200، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 608، "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 260، "تفسير الثعلبي" 3/ 15 ب، "سنن البيهقي": 7/ 233، كتاب الصداق، باب: (لا وقت في الصداق)، "تفسير البغوي" 2/ 15، "المحرر الوجيز" 3/ 41، "زاد المسير" 1/ 359، "الدر المنثور" 2/ 18، ونسب إخراجه لعبد بن حميد.

ومعاذ بن جبل، هو: أبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي.

من كبار الصحابة، شهد العقبة والمشاهد كلها، بعثه النبي  قاضيًا على منطقة (الجَنَدِ) من اليَمَن، وهو مُقَدَّمٌ في علم الحلال والحرام، وممن جمع القرآن على عهد النبي  ، توفي بالطاعون سنة (17هـ).

انظر: "الاستيعاب" 3/ 459، "الإصابة" 3/ 426.

(١٤) في (ج): (وفي).

(١٥) الأثر عنه، في "تفسير الطبري" 3/ 20، "تفسير الثعلبي" 3/ 15 ب، "سنن البيهقي" 7/ 233، "الدر المنثور" 2/ 18.

(١٦) في (ج): (د): (اثني).

(١٧) الأثر عنه، في "تفسير الطبري" 3/ 200، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "سنن البيهقي" 7/ 233، "الدر المنثور" 2/ 18.

(١٨) الأثر عنه، في "سنن الدرامي" 4/ 2174 (3501) كتاب: فضائل القرآن، باب: من قرأ من مائة آية إلى الألف، رواه مرة مرسلًا عنه، ومرة موقوفًا عليه.

وورد في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 608، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "تفسير البغوي" 2/ 15، "المحرر الوجيز" 3/ 41، "زاد المسير" 1/ 359.

(١٩) ما بين المعقوفين: زيادة من: د.

ولم أهتد إلى مصدر الأثر عنه، وإنما الوارد عنه في المعنى المذكور: روايته عن الحسن، وهي في "تفسير الطبري" 3/ 200.

أما الوارد عنه من قوله هو: أن المثقال: ثمانون ألفًا من الورق، وهي الفضة، أو مائة رطل من ذهب.

وقد ورد هذا الأثر في "تفسير الطبري" 3/ 199، "الزاهر" 1/ 432، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "زاد المسير" 1/ 359، "المحرر الوجيز" 3/ 42، "الدر المنثور" 2/ 18، ونسب روايته لعبد بن حميد.

(٢٠) أورد قوله: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 89، وأورده نقلًا عن النقَّاش ابن عطية، في "المحرر الوجيز" 3/ 42، والقرطبي في "تفسيره" 4/ 31، وفي "الزاهر" 1/ 432، ينقل عن الكلبي، أن القنطار: ألف مثقال، ذهب أو فضة، وكذا في "زاد المسير" 1/ 359.

(٢١) في (ب): (ملاء)، وفي (ج): (ملو).

(٢٢) المَسْكُ: هو الجلد.

انظر: "النهاية في غريب الحديث" 4/ 331.

(٢٣) في (ج) في (د) أبي (نصرة).

الأثر عنه، في "سنن الدارمي" 4/ 2177 (3508) كتاب: فضائل القرآن، باب: كم يكون القنطار، "تفسير الطبري" 3/ 201، "الزاهر" 1/ 432، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "المحرر الوجيز" 3/ 42، "ابن كثير" 1/ 377.

ولكن أبو منصور الثعلبي، في "فقه اللغة" 1/ 199، ذكر أن مقداره في لغة الروم: اثنا عشر ألف أوقية.

وأبو نضرة هو: المنذر بن ملك بن قُطَعة العبدي، العَوَقي، البصري.

عده ابن حجر من الطبقة الوسطى من التابعين، ثقة، توفي سنة (108هـ) أو (109هـ).

انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 129، "تقريب التهذيب" (6890)، "تهذيب التهذيب" 4/ 154.

(٢٤) هكذا جاءت كتابتها في جميع النسخ.

وهي كذلك في "الزاهر" 1/ 432، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 أ، "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" للسيوطي: 132.

(٢٥) ممن قال بهذا القول أبو حمزة الثُّمالي.

انظر المصادر السابقة، "تفسير القرطبي" 4/ 31.

(٢٦) في "معاني القرآن" 1/ 383، نقله عنه بتضرف.

(٢٧) الطَّاق: ما عُطِف من الأبنية، والجمع: طاقات، أو عقد البناء حيث كان، والجمع: أطواق وطيقان.

انظر: "اللسان" 5/ 2725 (طوق).

(٢٨) (القنطار): ساقطة من: (د).

(٢٩) يعني: أن القنطار: الجملة من المال.

(٣٠) الأثر عنه، في "تفسير الطبري" 3/ 200، "تفسير الثعلبي" 3/ 15 أ، "زاد المسير" 1/ 359، "الدر المنثور" 2/ 18.

(٣١) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 15 أ.

(٣٢) في "مجاز القرآن" 1/ 88.

(٣٣) في (ج): (مال).

(٣٤) وقد رجح الطبري هذا في "تفسيره" 3/ 200.

(٣٥) من قوله: (قال ..) إلى (..

القنطار): ساقط من: (د).

والقائل هو أبو عبيدة، كما في "تفسير الثعلبي" 3/ 16ب.

(٣٦) لم أقف على مصدر قوله.

ويمان، أكثر من واحد، إلا أن المؤلف قد صَرَّح باسمه في أكثر من موضع من تفسيره، وسماه: يَمَان بن رَبَاب.

انظر: "تفسير البسيط" تحقيق: د.

الفوزان 91، 402، 903، 1084.

وقد ورد في بعض النسخ (رياب)، وأثبَتَها المحققُ: (رباب)، وقال بأنه لم يقف على حاله، سوى ما ذكره عنه البغدادي في "هداية العارفين" 2/ 548، وقول البغدادي فيه: هو اليمان بن رباب البصري، من رؤساء الخوارج ...

له "إثبات إمامة أبي بكر الصديق"، "أحكام المؤمنين"، "الرد على المعتزلة في القدر"، "كتاب التوحيد"، "كتاب المخلوق"، "كتاب المقالات".

"التفسير البسيط" 402.

وقد وقفت عليه كذلك في "المغني في الضعفاء" للذهبي: 2/ 760، وسماه: (يَمَان بن رِئَاب)، وقال عنه: (خراساني.

قال الدارقطني: ضعيفٌ، من الخوارج).

وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" 7/ 521، وسماه: (يَمَان بن رَبَاب)، وقال عنه مثل القول السابق.

(٣٧) في (د): (كثر).

(٣٨) هو أحمد بن يحيى (ثعلب).

وقد ورد قوله بأطول مما هنا في "اللسان" 6/ 3752 (قنطر)، وقد اختصره الواحدي قليلًا.

(٣٩) في (ج): (د): (الألف).

(٤٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (د).

(٤١) في "الصحاح": (التِّبْر: ما كان من الذهب غير مضروب ..

ولا يقال: (تِبْرٌ) إلَّا للذهب، وبعضهم بقوله للفظة، أيضًا) ص 600 (تبر).

(٤٢) انظر: "كتاب العين" 7/ 13، "تهذيب اللغة" 3/ 2799.

(٤٣) في (أ): يَفْضَضِ، بفتح الضاد الأولى.

ولم تضبط بالشكل في بقية النسخ.

(٤٤) فاك: ساقطة من: (ج).

وهذه العبارة، دعاء؛ بمعنى: لا يسقط الله أسنانَك، وتقديره: لا يكسر الله أسنان فيك، فحذف المضاف.

ويقال: لا يُفضِ الله ...

، من: (أفضيت)، والإفضاء: سقوط الثنايا من تحت ومن فوق.

انظر كتاب "العين" 7/ 13، "النهاية في غريب الحديث" 2/ 453، "تهذيب اللغة" 3/ 2799، "الفائق" للزمخشري: 2/ 382.

وقد رُوي أن النبي  قال: "لا يفضض الله فاك" للعباس؛ لَمَّا مدحه شعرًا، وللنابغة الجعدي؛ لما أنشده بعض شعره انظر المصادر السابقة، "غريب الحديث" للخطابي: 1/ 189، "الاستيعاب" لابن عبد البَر: 2/ 358، "غريب الحديث" لابن الجوزي: 2/ 197، "أسد الغابة" لابن الأثير: 4/ 164، "الإصابة" لابن حجر: 2/ 271، وعزاه للبزَّار، والحسن بن سفيان، في مسنديهما، وأبي نعيم في "تاريخ أصبهان" والشيرازي في "الألقاب" "المؤتلف == والمختلف" للدارقطني، "الصحابة" لابن السكن، وغيرهم.

وبَيَّن ابنُ حجر طرق روايتها عن النابغة.

وأورده المتقي الهندي في "كنز العمال" 13/ 600 برقم (37541) ونسب إخراجه لابن عساكر، وابن النجار.

(٤٥) انظر: "جمهرة اللغة" 1056 (خيل)، وكتاب "فقه اللغة" للثعالبي: 252.

(٤٦) في (د): (تشد).

(٤٧) البيت، في: ديوانه: 164.

وورد منسوبًا له في "أدب الكاتب" 155، وكتاب "المعاني الكبير" 1/ 149، "شرح أدب الكاتب" للجواليقي: 151، "الاقتضاب" للبطليوسي:3/ 111، "خزانة الأدب" 9/ 176، 177.

وجاء في "الاقتضاب" (هذا البيت يروى لامرئ القيس، ويروى لرجل من النمر بن قاسط) 3/ 111.

والشاعر هنا يصف فرسه ويذكر محاسن صفاتها، ومنها طول ذنبها ووفرته.

وقال ابن قتيبة في "أدب الكاتب" 155: (لم يرد بالفرج هنا الرحم، وإنما أراد ما بين رجليها، تسدُّه بذنبها).

(٤٨) في "أدب الكاتب" 58، "المجمل" 1/ 309: (أفعل ذلك على ما خيَّلت، أي: على ما شبَّهت)، وفي "اللسان" 4/ 2299: (وتخيل الشيءُ له): تشبَّه.

و (وتخيَّل له أنه كذا)، أي: تشبَّه وتخايل).

(٤٩) في (د): (والمختال).

(٥٠) في (أ): (الأخيَّل).

والمثبت من كتب اللغة.

(٥١) في (ج): (السقراق)، في (د) الشفراق.

والشِّقِرَّاق: طائر، وهو مشئوم عند العرب، ويقولون: أشأم من أخيَل.

ونقل الأزهري عن الليث أنه طائر يكون في منابت النخيل، كقدر الهدهد، مرقَّط بحمرة وخضرة، وبمِاض وسواد.

ويقال له: الشِّرقْراق، والشَّقِراق.

ونقل صاحب "اللسان" عن ثعلب أنه يقع على دَبَر البعير، وينقُره، فيؤذي ظهره؛ ولهذا تشاءموا منه.

انظر كتاب "العين" 4/ 305، "أدب الكاتب" 191، "جمهرة اللغة" 1056، "تهذيب اللغة" 2/ 1905، "اللسان" 4/ 2299 (خيل).

(٥٢) هذه الرواية، في "تفسير الطبري" 6/ 252، "تفسير الثعلبي" 3/ 16 ب، "زاد المسير" 1/ 360.

(٥٣) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 98، "نزهة القلوب" للسجستاني: 419.

(٥٤) هذه الرواية، في "تفسير الطبري" 3/ 201، "زاد المسير" 1/ 360.

(٥٥) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 17 أ، "زاد المسير" 1/ 360.

(٥٦) البَلَقُ: سواد وبياض، وفي الفرس: أن يرتفع التحجيل وهو البياض في قوائمه إلى أن يتجاوز البطن، ويظهر في جسده دون رأسه وعنقه، ويكون في بياض بلقه استطالة وتَفَرُّق.

انظر: "المنتخب من غريب كلام العرب" لكراع النمل: 1/ 312، "القاموس" (869) (بلق).

(٥٧) انظر: قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 17 أ، "زاد المسير" 1/ 360.

(٥٨) في (أ)، (ب): (المشبه)، في (ج): (السه).

والتصويب من: (د).

و (الشِّيَة)، هي: اللون المخالف للون سائر الجسد، وأصلها من: (وشَى الثوبَ، وشْيا، وشِيَةً): إذا نسجه على لونين.

واستعير للحديث؛ فقيل: و (شَى كلامه)؛ أي: زَيَّنه ونمَّقه.

انظر: (وشى) في "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب: 872، "عمدة الحفاظ" 632.

(٥٩) انظر: قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 117، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 610، "الطبري" 3/ 202، "تفسير الثعلبي" 3/ 17 أ، "زاد المسير" 1/ 360.

(٦٠) انظر قوله في "تفسيره" 123، "تفسير سفيان الثوري" 75، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 117، ورواه البخاري تعليقًا في "الصحيح" 6/ 165 كتاب التفسير، سورة آل عمران، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 610، والطبري في "تفسيره" 6/ 253، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 19، ونسب إخراجه كذلك لعبد بن حميد.

(٦١) انظر: قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 610، "تفسير الطبري" 3/ 201، "زاد المسير" 1/ 360، "الدر المنثور" 2/ 19، وزاد نسبة إخراجه كذلك لعبد بن حميد.

(٦٢) (المُطَهَّم) هنا: الحَسَنُ، الذي تمَّ كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال، ويقال للناس والخيل.

انظر: (طهم) في "أساس البلاغة" 2/ 86، "اللسان" 5/ 2714.

(٦٣) (السَّيما): العلامة.

ويقال: (سيما فلان حسنةٌ)؛ أي: علامة.

وهي مأخوذة من: (وسَمْتُ، أسِمُ)، والأصل فيها: (وِسْمى)، فَحُوِّلت الواوُ من موضع الفاء إلى موضع العين، فصارت: (سِوْمى)، وجُعلت الواو ياءً؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، فصارت (سِيما).

ويقال كذلك: (سِيماء)، و (سيمياء).

انظر: "الزاهر" 2/ 144، "اللسان" 4/ 2157 (سوم).

قال الطبري في "تفسيره" 3/ 202: (وأولى هذه الأقوال بالصواب ..

المعلَمة بالشِّيات، الحسان، الرائعة حسْنًا من رآها.

لأن == (التسويم) في كلام العرب: هو الإعلام.

فالخيل الحسان مُعلَمةٌ بإعلام الله إياها بالحسن، من ألوانها وشِياتها وهيئاتها، وهي (المُطَهمة) أيضًا).

(٦٤) انظر: كتاب "العين" 2/ 162، "معاني القرآن" للزجّاج: 1/ 384، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 1428 - 429.

(٦٥) في (أ)، (ب): أبية، والمثبت من: (ج) د، وهو الصواب.

ويقال: أيْبَةً، وإيبَةً.

انظر: "اللسان" 1/ 166 (أوب).

(٦٦) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 205، "تهذيب اللغة" 1/ 94.

(٦٧) من قوله (التشديد ..) إلى (..

من أبت): ساقط من: (ج).

(٦٨) يعني بقارئه: أبا جعفر، يزيد بن القعقاع المدني.

أحد القراء العشرة، تابعي، توفي سنة (130 هـ).

انظر: "معرفة القراء الكبار" 1/ 72، "النشر" 1/ 187.

وقد قرأها: ﴿ إِيَابَهُمْ ﴾ في سورة الغاشية: 25.

انظر: "معاني القرآن" للزجاج: 5/ 319، "إعراب القرآن" للنحاس: 3/ 691، "المحتسب" 2/ 357.

(٦٩) في (ج): (أن).

(٧٠) في (ج): (ابته ابه).

(٧١) في (أ): (المصدرُ).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ ﴾ قيل: المزين هو الله وقيل الشيطان.

ولا تعارض بينهما فتزيين الله بالإيجاد والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجبلة على الميل إلى الدنيا.

وتزيين الشيطان بالوسوسة والخديعة ﴿ والقناطير ﴾ جمع قنطار، وهو ألف ومائتا أوقية، وقيل: ألف ومائتا مثقال، وكلاهما مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ المقنطرة ﴾ مبنية من لفظ القناطير وللتأكيد؛ كقولهم: ألوف مؤلفة، وقيل: المضروبة دنانير أو دراهم ﴿ المسومة ﴾ الراعية من قولهم: سام الفرس وغيره إذا جال في المسارح، وقيل: المعلمة في وجوهها شيات فهي من السمات بمعنى العلامات وقيل: المعدة للجهاد ﴿ ذلك مَتَاعُ الحياوة الدنيا ﴾ تحقير لها ليزهد فيها الناس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون بالياء ﴿ مثليهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿ بجنتيهم  ﴾ ﴿ رأى العين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون بهمزة ساكنة ﴿ أونبئكم ﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون.

﴿ آونبئكم ﴾ بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب.

الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ ورضوان ﴾ بضم الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿ من اتبع رضوانه  ﴾ في المائدة ﴿ أن الدين ﴾ بفتح "إن" علي.

الباقون بالكسر.

﴿ وجهي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ ومن اتبعني ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ ويقاتلون الذين ﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير.

الباقون ﴿ ويقتلون ﴾ .

﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر.

الباقون بالعكس.

/ الوقوف: ﴿ جهنم ﴾ ط، ﴿ المهاد ﴾ ه، ﴿ التقتا ﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما.

﴿ العين ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ه، ﴿ والحرث ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين.

﴿ المآب ﴾ ج ﴿ من ذلكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ج للاية على جعل "الذين" خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على "أعني الذين" ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين.

﴿ النار ﴾ ج لأن "الصابرين" يصلح بدلاً من "الذين" والوقف أجود نصباً على المدح.

﴿ بالأسحار ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف،ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً.

﴿ بالقسط ﴾ ط، ﴿ الحكيم ﴾ ط إلا لمن قرأ "إن" بالفتح على البدل من "أنه" ﴿ الإسلام ﴾ ه، ﴿ بينهم ﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله.

﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿ أأسلمتم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ اهتدوا ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ البلاغ ﴾ ط، ﴿ بالعباد ﴾ ه، ﴿ بغير حق ﴾ ز لمن قرأ ﴿ ويقاتلون ﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ أليم ﴾ ه، ﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود.

﴿ من ناصرين ﴾ ه، ﴿ معرضون ﴾ ه، ﴿ معدودات ﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال.

﴿ يفترون ﴾ ه، ﴿ يظلمون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: "لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه.

ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى.

فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله  شكوا فقالوا: لا والله ما هو به.

وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا.

وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد.

وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة.

ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية" .

وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: "لما أصاب رسول الله  قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.

فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة.

أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس" فأنزل الله ﴿ قل للذين كفروا ﴾ يعني اليهود ﴿ ستغلبون ﴾ / تهزمون ﴿ وتحشرون إلى جهنم ﴾ في الآخرة.

ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ولبئس المهاد  ﴾ وقيل: هم مشركو مكة ﴿ ستغلبون ﴾ يعني يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر بأي لفظ أراد  ، ومن قرأ بالياء فالأمر متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: ﴿ سيغلبون ﴾ .

وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه  أخبر عنهم بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذباً.

وفيها دليل على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله ﴿ ستغلبون ﴾ وقد وقع كما أخبر إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدق النبي  .

نظيره في حق عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ ثم إنه  ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ يوم بدر ﴿ فئة ﴾ إحداهما جماعة ﴿ تقاتل في سبيل الله ﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿ وفئة ﴾ أخرى ﴿ كافرة ﴾ هم كفار قريش.

وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العَدَدِ والعُدَدِ، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.

ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا.

ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله  ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني.

كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات.

وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة.

وثانيها أنه  كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله  ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين  ﴾ يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان.

وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز.

وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة.

ورابعها قوله ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في "يرون" إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿ مثليهم ﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.

الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم.

ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في "يرون" إلى /الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه  جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿ قد كان لكم آية ﴾ فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة.

والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال ﴿ ويقللكم في أعينهم  ﴾ لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا.

على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية.

الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون.

فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله  : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا.

الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.

وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة.

وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي.

أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله  أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً.

وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿ مثليهم ﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله: ﴿ رأى العين ﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات.

وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات.

وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض.

أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله  في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل.

﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكره من / الآية ﴿ لعبرة ﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿ لأولي الأبصار ﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.

ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه ﴿ زين للناس ﴾ اللذات الجسمانية والآخرة.

وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة.

وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد  إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه.

وروينا أيضاً أنه  لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، فبيّن الله  في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، والآخرة خير.

والمزين هو الله  .

أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان؟

وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  ﴾ ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها.

كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب.

ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً.

وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان.

وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك.

واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن تزيينها وظيفة الشيطان.

وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده.

وقال في معرض الذم ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ والذام للشيء لا يكون مزيناً له.

وقال ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟.

ثم إنه  جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور "قدرة" وللمرجو "رجاء".

وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية.

فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها.

قال المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه.

فالشهوة من فعل الله  ، والمحبة من أفعال العباد، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات.

واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله  حكاية عن سليمان /  ﴿ إني أحببت حب الخير  ﴾ ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير.

فقوله: ﴿ حب الشهوات ﴾ قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة.

ولفظ ﴿ الناس ﴾ عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل.

على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع.

ثم شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة  ﴾ وقال  : " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" " الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات.

الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة.

والمال الكثير قنطار لأن الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب.

أبو عبيد: إنه وزن لا يحد.

روى أبو هريرة عن النبي  : " "القنطار اثنا عشر ألف أوقية " وروى أنس عنه هو ألف دينار.

وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية.

وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية.

وبه قال الحسن.

وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة.

وعن سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار.

والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم "ألف مؤلفة وبدرة مبدّرة وإبل مؤبلة".

قال الكلبي: القناطير ثلاثة والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة.

وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء.

وكل الصيد يوجد في الفرا *** ولولا التقى لقلت جلت قدرته وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته.

والخامسة الخيل المسوّمة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها وهو جولانها في مشيتها.

ويسمى الخيال خيالاً لجولان هذه القوة في استحضار الصور.

والمسومة قيل المرعية.

أسمت الدابة وسوّمتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي.

ولا شك أنها إذا رعت ازدادت حسناً وبهاء.

وقيل: هي المعلمة من السومة / العلامة.

ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال الأصم: هي البلق.

وقال قتادة: الشية - وقيل: الكي.

وقال مجاهد وعكرمة: المسومة المطهمة أي الحسان.

قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم وفرس مطهم أي تام، كل شيء على حدته فهو بارع الجمال.

السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.

ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.

السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره.

والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم.

والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، والقرآن يخاطب أولاً معهم.

﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ أي المرجع.

وإنما لم يذكر المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه  خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولهذا قال: " "سبقت رحمتي غضبي" " ثم بيّن أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا.

والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ قل أؤنبئكم بخير ﴾ أي بشيء هو خير ﴿ من ذلكم ﴾ الذي عددنا.

ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟

عندي رجل من صفته كيت وكيت.

وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس.

ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: ﴿ مطهرة ﴾ أي من الأقذار والمنفرات.

وبعد ذكر تمام النعمة ذكر ماهو فوق التمام فقال: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن العبد وما يملكه للمولى ﴿ ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ ويحتمل أن يكون اللام في قوله: ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بخير.

واختص المتقين لأنهم /هم المنتفعون به ويرتفع ﴿ جنات ﴾ على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم ﴿ جنات ﴾ بالجر على البدل من ﴿ خير ﴾ وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون متعلقاً بخير.

وقوله: ﴿ عند ربهم ﴾ يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: ﴿ للذين ﴾ أي ثبت لهم عند ربهم.

ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ اتقوا ﴾ فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله  فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمناً في علم الله ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعدّ لهم الجنات ﴿ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة.

وقد حكى الله  ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلاً فيه كما زعموا كان إدخاله في النار قبيحاً عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله  ، وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح.

ويمكن أن يجاب عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل و العبودية وإبداء للاستكانة والخشوع.

وأيضاً صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز القبول.

فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران.

ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: ﴿ الصابرين ﴾ أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد.

وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشد على الصابرين؟

فقال: الصبر في الله  .

فقال: لا.

فقال: الصبر لله.

فقال: لا.

فقال: الصبر مع الله.

قال: لا.

قال: فأي شيء؟

قال: الصبر عن الله.

فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه.

﴿ والصادقين ﴾ أي في الأقوال وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على الخيرات.

﴿ والقانتين ﴾ والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها ﴿ والمنفقين ﴾ ما تيسر على من تيسر بشروطه ومصارفه وجوباً وندباً ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ أي فيها.

والسحر قبل طلوع الفجر.

وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم.

وللاستغفار بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن بأنوار المعارف وآثار اللطائف.

أما بيان ترتيب الأوصاف، / فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف.

ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك بقوله: ﴿ والقانتين ﴾ ثم إن ههنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال والابتهال والتضرع إلى حصرة القدس والجلال وذلك قوله: ﴿ والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾ فقوله: ﴿ والمنفقين ﴾ معناه الشفقة على خلق الله وباقي الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله.

قال الكلبي: "لما ظهر رسول الله  بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي  الذي يخرج في آخر الزمان!

فلما دخلا على النبي  عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟

قال: نعم.

قالا: وأنت أحمد؟

قال: نعم.

قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك.

فقال لهما رسول الله  : سلاني.

قالا: أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله  " .

ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية.

واعلم أن الشهادة من الله  ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك.

أما الأول فتقريره من وجهين: أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله  وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم.

أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد  لا يتوقف على العلم بها.

وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحداينة الله  بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له.

وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان.

فالله  أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه.

أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق.

فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان.

فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي  : إن وحدانية الله  أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.

وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله  على / توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله  : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.

فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله.

فكيف يكون المدعي شاهداً؟

فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ وفي انتصاب ﴿ قائماً بالقسط ﴾ وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط.

وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفاً.

أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً.

ويحتمل أن يكون حالاً من "أولي العلم" أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة.

الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو.

وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.

الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله: ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثاً مراضيع مثل السعالى ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم.

واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا.

ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً.

فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادىء والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب.

ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة.

وانظر إلى تفاوت الخلائق / في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله  لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله.

فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه  واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء.

فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد.

ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله  ، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو.

وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله.

وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه هو المسك ما كررته يتضوّع *** ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله: ﴿ الغزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم.

ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى.

والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة.

سميت ديناً لأنها سبب الجزاء.والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم: "سلم له الشيء" أي خلص له.

والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله  : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا  ﴾ ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ههنا.

وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد.

أما التوحيد فأن يعلم أن الله  لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه / عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبداً منقاداً معترفاً بأنه  قائم بالقسط.

ومن قرأ بفتح "أن" فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام.

وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.

لأن كونه  واحداً يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الواحدانية.

وقرىء الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض.

ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزل الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه موسى  لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلاً من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على طلب الدنيا.

وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى  بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله.

وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

وأنكروا نبوة محمد  وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم.

لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير.

﴿ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ﴾ لا يصعب عليه عدة أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله سريعاً فيحاسبه أي يجازيه على كفره.

ثم بين للرسول  ما يقوله في محاجتهم فقال: ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ قال الفراء: أي أخلصت عملي لله.

فعلى هذا "الوجه" في معنى العمل.

وقيل: أي أسلمت وجه عملي لله.

فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال.

فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه.

وقيل: الوجه مقحم، والتقدير: أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: ﴿ ومن اتبعن ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿ أسلمت ﴾ وحسن للفصل.

أو مفعول معه والواو بمعنى "مع".

ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه  كان قد أظهر المعجزات / كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد  .

ثم بيّن نفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وذكر أن اختلاف هؤلاء اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله  .

وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.

وثانيهما أن قوله: ﴿ أسلمت ﴾ محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه  قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك.

فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان.

فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً  ﴾ وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم  ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ والأميين ﴾ وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم ﴿ أأسلمتم ﴾ ومعناه الأمر وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسئلة ولم تأل جهداً في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟

فإنه يكون توبيخاً له بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء.

﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ إلى ما يهدي الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة ﴿ وإن تولوا ﴾ أعرضوا عن الإسلام لي والاتباع لك ﴿ فإنما عليك البلاغ ﴾ .

ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الرشاد ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد.

ثم وصف المتولي بصفات ثلاث وأردفه بوعيده فقال: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات الله ﴾ أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر بجميعها ﴿ ويقتلون النبيين ﴾ أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم ﴿ بغير حق ﴾ من غير ما شبهة عندهم ﴿ ويقتلون ﴾ أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.

عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر / بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم.

"وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله  فقال: أيّ الجهاد أفضل؟

فقال  : أفضل الجهاد كلمة حق عند سطان جائر" .

فإن قيل: إذا كان قوله: ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟

قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله  والمؤمنين جميعاً، إلا أنه  عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال: السم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل.

أو نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك.

عن أبي عبيدة بن الجراح "قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟

قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية.

ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة.

فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار" ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ إنما دخلت الفاء لتضمن اسم "إن" معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف "ليت" و"لعل".

واعلم أنه  قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة ههنا للتهكم.

الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً  ﴾ الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ عن ابن عباس قال: "دخل رسول الله  بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟

فقال: على ملة إبراهيم.

فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً.

فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله  فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه  وسوف تجيء القصة في سورة المائدة مفصلة.

وقيل: دعاهم النبي  أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت.

ومعنى قوله: ﴿ أوتوا نصيباً ﴾ أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود.

و"من" إما للتبعيض وإما للبيان.

والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها.

/ وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم.

ثم بين سبب التعجيب بقوله: ﴿ يدعون إلى كتاب الله ﴾ وهو التوراة كما مر في أسباب النزول، ولأنه  عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته.

وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله  ، فحذف الثاني للعلم به.

أو يراد الحكم في الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله  رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى "ثم" استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي ﴿ وهم معرضون ﴾ قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم.

والضمير في "هم" إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات.

وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم.

وإما أن يرجع إلى كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات  ﴾ هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟

وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق به الكافر عذاباً دائماً.

وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل على أنهم استحقروا تكذيب محمد  والقرآن وذلك كفر صريح.

﴿ وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ من قولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أو من قولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً  ﴾ أو من قولهم "نحن أولى بالنبوة من قريش" أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم.

﴿ فكيف ﴾ يصنعون؟

أو فكيف حالهم؟

وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من العذاب ﴿ إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ قال الفراء: إذا قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس.

أما إذا قلت: جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلاً.

وأيضاً من المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب.

﴿ ووفيت كل نفس ما كسبت ﴾ من ثواب أو عقاب أو جزاء / ما عملت ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي.

روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار.

التأويل: ﴿ ستغلبون ﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ \[المؤمنون: 106\] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا.

فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه.

﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ إن لله  فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: ﴿ زين للناس ﴾ .

واعلم أنالله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والغالب فهيم المحبة والشوق.

ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات.

فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  ﴾ وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى.

ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ ورضوان من الله ﴾ والإيمان ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات.

والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك.

ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ وإنما طلبوا قرب المولى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى  ﴾ ﴿ شهد الله ﴾ بكلامه / الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿ أنه لا إله إلا هو ﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات.

شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.

فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم.

ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ .

لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم.

ثم فائدة التكرار بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿ لا إله إلا هو العزيز ﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿ الحكيم ﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة.

﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة.

﴿ ويقتلون النبيين ﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً / من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ ﴾ .

أي: الشيهات.

﴿ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ ﴾ .

وما ذكر ...

إلى آخره.

قال الحسن: واللهِ ما زيّنها إلا الشيطان؛ إذ لا أحد أذم لها ولأهلها من الله  ، وإليه يذهب المعتزلة، لكن الأصل في هذا وفي أمثاله: أن الله - عز وجل - زيَّن هذه الأشياء، والتزيين من الله [-  ] وتعالى - يقع لوجهين، وكذلك الكراهة - أيضاً - تقع لوجهين: تزين في الطباع، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويُشْتَهي، وإن لم يكن في نفسه حَسَناً.

وتزين في العقل، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه، أو الأمر او حمد العاقبة ونحو ذلك، ثم جعل العقل مانعاً له، ردّاً عما يرغب إليه الطبع ويميل؛ لأن الطبع أبداً يميل [ويرغب] إلى ماهو ألذّ وأشهي وأخف عليه، وينفر عما يضره ويؤلمه.

والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه؛ وعلى ذلك يخرج قوله  : "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَالنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" : ليس على كراهة العقل، ولا على شهوة العقل؛ ولكن على كراهة الطبع وشهوته؛ وكذلك قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ  ﴾ : ليس على كراهة الاختيار، ولكن كراهة الطبع؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار، وكذلك رغبة العقول رغبة الاختيار، وفيها تجري الكلفة - أعني: على اختيار العقل، لا اختيار الطبع - بما يميل ويرغب في الألذّ، وينفر عن الضارِّ؛ دليله قوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجاً؛ فدلت الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته، لا على اختيار الطبع؛ لذلك قلنا: إنه يجوز التزيين في الطبع من الله  ، وكذلك الكراهة في الطبع تكره من الله  .

فأمّا قولهم: إن الشيطان هو الذي زينها: فإن عنوا أنه يزينها لهم، أي: يرغبهم ويدعوهم إليها، ويريهم زينتها - فنعم.

وإن عنوا أنّه يزينها بحيث نَفَّسَهَا لهم - فلا؛ لأن الله -  - وصف الشيطان بالضعف، ونفي عنه هذه القدرة بقوله: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً  ﴾ ، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما قالوا، لم يكن كيده على ما وصفه - عزّ وجلّ - بالضعف؛ ولكن كان قويّاً، ولكنه يدعوهم إليها، ويرغبهم فيها، ويريهم المزين لهم، ثم دعاؤه إيَّاهم، وحجَّته في ذلك، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ ، فالعدو الَّذي يَرَى هو من يعاديه، ولا يُرَى هو - كان يجب أن يكون أحذر منه، وأخوف ممن يرى.

ووجه آخر: أن الشهوات التي أضافت التزيين إليها لا خلاف بينهم في أنها مخلوقة لله [تعالى]، فما بقي للشيطان إلا الدعاء إليها، والترغيب فيها.

وفيه وجه آخر: أنه لو لم يجعل هذا مزيناً من الله  ، زال موضع استدلال الشاهد على الغائب، وبالدنيا على الآخرة.

وقد جعل ما في الدنيا نوعين: مستحسناً ومستقبحاً.

وجعل ذلك عياراً لما أوعد ووعد، فلما لم يكونا منه - لا يصح موضع التعيير، لأنه - جلّ وعلا - بلطفه سخَّر كلّ مرغوب في الدّنيا، ومدعو إليه من جوهره - في الآخرة، وحسنه؛ ليرغب الناسَ هذا إلى ما في الجنة بحسنه ولطفه زينته، ويدعوهم إلى ترك ما في الدّنيا من الفاني إلى نعيم دائم أبداً، فلو جعل هذا من تزيين الشيطان - لعنه الله - ومصنوعه لهم، لذهب عظيم موضع الاستدلال الذي ذكرنا؛ فدلّ أنه مزين منه عز وجل،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

ثمّ امتحنهم [الله] - عز وجل - بترك ما زين لهم في الطباع؛ بما ركب لهم من العقول الوافرة؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين، وعلى ذلك جرت الكلفة والخطاب، لا بما مالت إليه الطباع، ونفرت عنه العقول، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة وجوب الحق في كل ما ذكر في الآية من المال، وكذلك الخيل، وأمّا في النساء والبنين: فلما مُتِّعوا بهم - أوجب عليهم النفقة كذلك.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ ﴾ : أوجب في النساء عليهم النفقة، وكذلك البنين، وأوجب في الذهب والفضّة حقا، ثم ذكر الخيل المسوّمة: إن كان المراد منه جعلها سائمة؛ لذلك قال أبو حنيفة [  ]: إِنَّ فِي الخَيْلِ صََدَقَةً، ثم اختلف في المسوّمة؛ قال بعضهم: هي المسيبّة الراعية.

وقال آخرون: هي المعلمة، وعن ابن عباس -  -: "المُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَة".

وقال غيرهم: المُطَهَّمَة، وهي المُحَسَّنة.

ثم أخبر أن ما ذكر في الآية ﴿ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، وأمرهم بترك ذلك، وأخبر أن لهم عنده: ﴿ حُسْنُ ٱلْمَآبِ ﴾ ، إن هم تركوا مما امتُحِنُوا [به]، ثم قال: إن من اتقى في الدنيا [له خير] من ذلك بقوله: ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ إلى آخره.

ثم اختلف في ﴿ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ ﴾ ؛ منهم من قال: ألف ومائتا أوقية.

ومنهم من قال: اثنا عشر ألفاً.

ومنهم من يقول: سبعون ألف دينار.

ومنهم من يقول: هو بلسان الروميّة: ملء مَسْكِ ثور ذهباً أو فضة.

ومنهم من يقول: كل مائةٍ قنطارٌ من كل شيء، وهو اسم المال العظيم الكثير لا يُدرَى ما مقداره، وليس لنا إلى معرفة قدره حاجة ولا فائدة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الرغبة فيما كثر من المال؛ إذ ليس قدر أحق بأن يحمل عليه الرغبة من الآخر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ .

قيل: مطهرة: من الآفات كلها، من الأخلاق السيئة، والأقذار والعيوب كلها، وقد ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة؛ قال: وكل أهل الجنة مطهر من جميع المعايب؛ لأن العيوب في الأشياء علم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، إلا أن الذِّكْر جَرَى للنساء؛ لما ظهر في الدنيا [فيهن] من فضل المعايب والأذى.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا...

﴾ الآية.

قد رضي [منهم] بهذا القول، وفيه تزكية لهم، ولو كان الإيمان: جميعَ الطاعات - لم يرض منهم [التزكية بها، وقد أخبر الله نبيه  أن للذين اتقوا عند ربهم في الجنة خيراً من هذا الذي زيّن] للناس في الدنيا من النساء، وما ذكر إلى آخره.

وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا ﴾ : يحتمل: اتقوا الشرك.

ويحتمل: للذين اتقوا الفواحش والمعاصي كلها.

وقوله: ﴿ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

قيل: الصَّابرين على طاعة الله.

وقيل: [الصابرين] على أداء الفرائض.

وقيل: الصّابرين على المرازئ والمصائب والشدائد.

والصبر: هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي.

وقوله: ﴿ وَٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

قيل: في إيمانهم.

وقيل: الصَّادقين بما وَعَدوا.

وقيل: الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون.

﴿ وَٱلْمُنْفِقِينَ ﴾ .

يحتمل الإنفاق: ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات.

ويحتمل المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضاً من حق القرابة والصلة.

﴿ وَٱلْقَانِتِينَ ﴾ .

قيل: القانت: الخاضع.

وقيل: القانت: المطيع.

وقيل: الخاشع، وكله يرجع إلى واحد، وأصله: القيام، وكل من قام لآخر كان مطيعاً وخاشعاً وخاضعاً ومقراً.

وقيل: القانت: المقرّ كقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ  ﴾ ، أي: مقرون.

وقال قتادة: ﴿ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ : الذين صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه.

﴿ وَٱلصَّادِقِينَ ﴾ : الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السّر والعلانية ﴿ وَٱلْقَانِتِينَ ﴾ : المطيعين.

﴿ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ ﴾ ، ﴿ وَٱلْمُنْفِقِينَ ﴾ : يعني: نفقة أموالهم في السبيل الله.

﴿ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ ﴾ : قيل: المصلين بالأسحار.

وقيل: المصلين في أوّل الليل، والمستغفرين في آخره.

وأصل الاستغفار: طلب المغفرة مما ارْتُكِب من المآثم، على ندامة القلب، والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبداً، ليس كقول الناس: نسغفر الله، غير ندامة القلب، وأصل الاستغفار في الحقيقة: طلب المغفرة بأسبابها، ليس أن يقول بلسانه: اغفر لي؛ كقول نوح [  ]: لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ  ﴾ أمرهم بالتوحيد، ثم أخبر - عز وجل - أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى آخر ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يخبر الله تعالى أنه حَسَّن للناس -ابتلاءً لهم- حب الشهوات الدنيوية: مثل النساء، والبنين، والأموال الكثيرة المجتمعة من الذهب والفضة، والخيل المُعلَّمة الحسان، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، وزراعة الأرض، ذلك متاع الحياة الدنيا يُتَمتَّعُ به فترة ثم يزول، فلا ينبغي للمؤمن أن يتعلق به، والله عنده وحده حسن المرجع، وهو الجنة التي عرضها السماوات والأرض.

<div class="verse-tafsir" id="91.JrEwa"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن رئيس وفد نجران ذكر في حديثه مع النبي  أنه يمنعه من الاعتراف بأنه هو النبي المبشر به وبصدقه أن هرقل ملك الروم أكرم مثواه ومتعه وأنه يسلبه ما أعطاه من مال وجاه إذا هو آمن.

فَبَيَّنَ تعالى أن ما زين للناس من حب الشهوات حتى صرفهم عن الحق لا خير فيه.

والمختار عندي أنه لما كان الكلام السابق يتضمن وعيد الكافرين جاء بعده بوعد المتقين، وجعل له مقدمة بيَّن فيها جميع أصول اللذات التي يتمتع بها الناس بحسب غرائزهم تمهيدًا لتعظيم شأن ما بعدها من أمر الآخرة.

ولمحبة الولد طوران: طور الصغير، وهو حب ذاتي لهم لا علة ولا فكر فيه ولا عقل ولا رأي، بل هو جنون فطري ورحمة ربانية عامة لجميع الحيوانات لا فرق بين الإنسان والهرة.

والطور الثاني حب معلول معه فكر، وهو المراد بالآية، وهو حب الأمل والرجاء بالولد ولذلك كان خاصًا بالبنين وإنما الحب على قدر الأمل فإذا خاب يضعف الحب ويرث وربما انقلب إلى عداوة تستتبع التقاضي وطلب العقاب أو الغرامة كما يقع كثيرًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله