الآية ١٥ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥ من سورة آل عمران

۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 107 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال تعالى : ( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ) أي : قل يا محمد للناس : أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها ، الذي هو زائل لا محالة .

ثم أخبر عن ذلك ، فقال : ( للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) أي : تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار ، من أنواع الأشربة ، من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .

( خالدين فيها ) أي : ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا .

( وأزواج مطهرة ) أي : من الدنس ، والخبث ، والأذى ، والحيض ، والنفاس ، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا .

( ورضوان من الله ) أي : يحل عليهم رضوانه ، فلا يسخط عليهم بعده أبدا ، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في ( براءة ) : ( ورضوان من الله أكبر ) [ التوبة : 72 ] أي : أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم ، ثم قال [ تعالى ] ( والله بصير بالعباد ) أي : يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: قل، يا محمد، للناس الذين زُيِّن لهم حب الشهوات من النساء والبنين، وسائر ما ذكر ربنا جل ثناؤه: " أؤنبئكم "، أأخبركم وأعلمكم (87) =" بخير من ذلكم "، يعني: بخير وأفضل لكم =" من &; 6-260 &; ذلكم "، يعني: مما زُيِّن لكم في الدنيا حبُّ شهوته من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وأنواع الأموال التي هي متاع الدنيا.

* * * ثم اختلف أهل العربية في الموضع الذي تناهى إليه الاستفهام من هذا الكلام.

فقال بعضهم: تناهى ذلك عند قوله: " من ذلكم "، ثم ابتدأ الخبر عما للذين اتقوا عند ربهم، فقيل: " للذين اتقوا عند ربهم جناتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها "، فلذلك رفع " الجنات ".

* * * ومن قال هذا القول لم يجز في قوله: " جنات تجري من تحتها الأنهار " إلا الرفع، وذلك أنه خبر مبتدأ غيرُ مردود على قوله: " بخير "، فيكون الخفض فيه جائزا.

وهو وإن كان خبرًا مبتدأ عندهم، ففيه إبانة عن معنى " الخير " الذي أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: للناس: أؤنبئكم به؟" والجنات " على هذا القول مرفوعة باللام التي في قوله: " للذين اتقوا عند ربهم ".

* * * وقال آخرون منهم بنحو من هذا القول، إلا أنهم قالوا: إن جعلت اللام التي في قوله: " للذين " من صلة " الإنباء "، جاز في" الجنات " الخفض والرفع: الخفضُ على الرد على " الخير "، والرفع على أن يكون قوله: " للذين اتقوا " خبرَ مبتدأ، على ما قد بيَّناه قبلُ.

* * * وقال آخرون: بل منتهى الاستفهام قوله: " عند ربهم "، ثم ابتدأ: " جناتٌ تجري من تحتها الأنهار ".

وقالوا: تأويل الكلام: " قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم "، ثم كأنه قيل: " ماذا لهم ".

أو: " ما ذاك "؟

(88) فقال: هو " جناتٌ تجري من تحتها الأنهار "، الآية.

* * * &; 6-261 &; قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من جعل الاستفهام متناهيًا عند قوله: " بخير من ذلكم "، والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله: " للذين اتقوا عند ربهم جنات "، فيكون مخرج ذلك مخرج الخبر، وهو إبانة عن معنى " الخير " الذي قال: أؤنبئكم به؟

(89) فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير.

قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: وأما قوله: " خالدين فيها "، فمنصوب على القطع (90) * * * ومعنى قوله: " للذين اتقوا "، للذين خافوا الله فأطاعوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

(91) =" عند ربهم "، يعني بذلك: لهم جنات تجري من تحتها الأنهار عند ربهم.

* * * " والجنات "، البساتين، وقد بينا ذلك بالشواهد فيما مضى = وأنّ قوله: " تجري من تحتها الأنهار "، يعني به: من تحت الأشجار، وأن " الخلود " فيها دوام البقاء فيها، وأن " الأزواج المطهرة "، هن نساء الجنة اللواتي طُهِّرن من كل &; 6-262 &; أذًى يكون بنساء أهل الدنيا، من الحيض والمنىّ والبوْل والنفاس وما أشبه ذَلك من الأذى = بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(92) * * * وقوله: " ورِضْوَانٌ من الله "، يعني: ورضى الله، وهو مصدر من قول القائل: " رَضي الله عن فلان فهو يَرْضى عنه رضًى " منقوص " ورِضْوانًا ورُضْوانًا ومَرْضاةً".

فأما " الرُّضوان " بضم الراء، فهو لغة قيس، وبه كان عاصم يقرأ.

* * * قال أبو جعفر: وإنما ذكر الله جل ثناؤه فيما ذكر للذين اتقوا عنده من الخير = رضْوانَه، لأن رضوانه أعلى منازل كرامة أهل الجنة، كما:- 6751 - حدثنا ابن بشار قال، حدثني أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: إذا دخل أهلُ الجنة الجنة، قال الله تبارك وتعالى: أعطيكم أفضلَ من هذا!

فيقولون: أيْ ربنا، أيّ شيء أفضل من هذا؟

قال: رِضْواني.

(93) * * * وقوله: " والله بصير بالعباد "، يعني بذلك: واللهُ ذو بصر بالذي يتقيه من عباده فيخافه، (94) فيطيعه، ويؤثر ما عنده مما ذكر أنه أعدّه للذين اتقوه على حُبّ ما زُيِّنَ له في عاجل الدنيا من شهوات النساء والبنين وسائر ما عدّد منها تعالى &; 6-263 &; ذكره = وبالذي لا يتقيه فيخافه، ولكنه يعصيه ويطيع الشيطان ويؤثر ما زيِّن له في الدنيا من حب شهوة النساء والبنين والأموال، على ما عنده من النعيم المقيم = عالمٌ تعالى ذكره بكلّ فريق منهم، حتى يجازي كلَّهم عند معادهم إليه جزاءَهم، المحسنَ بإحسانه، والمسيءَ بإساءته.

* * * ------------------------ الهوامش: (87) انظر تفسير"أنبأ" فيما سلف 1: 488 ، 489.

(88) في المطبوعة والمخطوطة بعد هذا ، وقيل قوله: "فقال: هو جنات..." ما نصه: "أو على أنه يقال: ماذا لهم؟

أو ما ذاك؟" ومن البين أن هذا تكرار لا معنى له ، وأنه من سهو الناسخ الكثير السهو.

فمن أجل ذلك طرحته من المتن.

(89) في المخطوطة والمطبوعة: "أنبئكم به" ، والصواب ما أثبت ، وانظر تفصيل ذلك في معاني القرآن للفراء 1: 195-198.

(90) عند هذا انتهى آخر جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه: "يتلوه: وأما قوله: {خالدين فيها} فمنصوب على القطع.

وصلى الله على سيدنا محمد النبيّ وعلى آله الطاهرين وسَلّم كثيرًا" ويتلوه ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم".

"القطع" ، يعني: الحال ، كما بينت في 2: 392 ، والمراجع هناك ، وانظر فهرس المصطلحات في الأجزاء السالفة.

ثم انظر ما سيأتي: ص 270 ، تعليق: 3 .

(91) انظر تفسير"اتقى" في فهارس اللغة مادة"وقى".

(92) انظر تفسير"الجنة" فيما سلف 1: 384 / ثم 5: 535 ، 542 = وتفسير"الخلود" فيما سلف 1: 397 ، 398 / 2: 286 / 4: 317 / 5: 429 = وتفسير"الأزواج المطهرة" فيما سلف 1: 395-397.

(93) الأثر: 6751- هذا خبر غير مرفوع ، ولكن شاهده من المرفوع ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة!

يقولون: لبيك ربنا وسعديك!

فيقول: هل رضيتم؟

فيقولون: وما لنا لا نرضى ، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك!

فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك!

قالوا: يا رب ، وأي شيء أفضل من ذلك؟

فيقول: أحل عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم أبدًا".

وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى حديث جابر في الفتح 11: 364 ، وقال: عند البزار وصححه ابن حبان".

ولم أجد لفظه.

(94) انظر تفسير"بصير" فيما سلف 2: 140 ، 376 ، 506 / ثم 5: 76 ، 167.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعبادمنتهى الاستفهام عند قوله : من ذلكم ، للذين اتقوا خبر مقدم ، وجنات رفع بالابتداء .

وقيل : منتهاه عند ربهم ، وجنات على هذا رفع بابتداء مضمر تقديره ذلك جنات .

ويجوز على هذا التأويل : " جنات " بالخفض بدلا من " خير " ولا يجوز ذلك على الأول .

قال ابن عطية : وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله ، عليه السلام : تنكح المرأة لأربع : لمالها وحسبها وجمالها ودينها ، فاظفر بذات الدين ، تربت يداك خرجه مسلم وغيره .

فقوله ( فاظفر بذات الدين ) مثال لهذه الآية .

وما قبل مثال للأولى .

فذكر تعالى هذه تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها .

وقد تقدم في البقرة معاني ألفاظ هذه الآية .

والرضوان مصدر من الرضا ، وهو أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى لهم ( تريدون شيئا أزيدكم ) ؟

[ ص: 36 ] فيقولون : يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا ؟

فيقول : ( رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا ) خرجه مسلم .

وفي قوله تعالى والله بصير بالعباد وعد ووعيد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما { والله بصير بالعباد } أي: عالم بما فيهم من الأوصاف الحسنة والأوصاف القبيحة، وما هو اللائق بأحوالهم، يوفق من شاء منهم ويخذل من شاء.

فالجنة التي ذكر الله وصفها ونعتها بأكمل نعت وصف أيضا المستحقين لها وهم الذين اتقوه بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وكان من دعائهم أن قالوا:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله ) قرأه العامة بكسر الراء ، وروى أبو بكر عن عاصم بضم الراء ، وهما لغتان كالعدوان والعدوان .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا يحيى بن سليمان ، حدثني ابن وهب ، حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة فيقولون : لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك ، فيقول : هل رضيتم؟

فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟

فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟

فيقولون : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟

فيقول : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل» يا محمد لقومك «أؤنبِّئكم» أخبركم «بخير من ذلكم» المذكور من الشهوات استفهام تقرير «للذين اتقوا» الشرك «عند ربهم» خبر مبتدأُه «جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين» أي مقدرين الخلود «فيها» إذا دخلوها «وأزواج مطهرة» من الحيض وغيره مما يستقذر «ورضوان» بكسر أوله وضمه لغتان أي رضا كثير «من الله والله بصير» عالم «بالعباد» فيجازي كلاً منهم بعمله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول-: أأخبركم بخير مما زُيِّن للنَّاس في هذه الحياة الدنيا، لمن راقب الله وخاف عقابه جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين فيها، ولهم فيها أزواج مطهرات من الحيض والنفاس وسوء الخلق، ولهم أعظم من ذلك: رضوان من الله.

والله مطَّلِع على سرائر خلقه، عالم بأحوالهم، وسيجازيهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أى قل يا محمد للناس الذين مالوا إلى شهوات الدنيا من النساء والبنين وغيرهما ، قل لهم ألا تحبون أن أخبركم بما هو خير من تلك المشتهيات الدنيوية؟والاستفهام للتقرير ، والمراد به التحقيق والتثبيت في نفوس المخاطبين ، أى تحقيق وتثبيت خيرية ما عند الله وأفضليته على شهوات الدنيا ، وحضهم على الاستجابة لما سيلقى عليهم .وافتتح الكلام بكلمة { قُلْ } للاهتمام بالمقول وتنبيه السامعين إلى أن ما سيلقى عليهم أمر يهمهم ومما يقوى هذا التنبيه هنا : التعبير بقوله { أَؤُنَبِّئُكُمْ } لأن الإنباء معناه الخبر العظيم الشأن ، والتعبير بقوله { ذلكم } لاشتماله على الإشارة التى للبعيد الدالة على عظم شأن ما سيخبرهم به ، والتعبير بقوله { بِخَيْرٍ } الذى يدل على الأفضلية ، لأن نعيم الآخرة خير محض ونعيم الدنيا مشوب بالشرور والأضرار .

ثم بين - سبحانه - المخبر عنه بعد أن مهد له بتلك التنبيهات التي تشوق إلى سماعه وتغرى بالاستجابة له فقال : { لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله } .هذه هى اللذائذ والمتع التى أعدها الله - تعالى - لمن اتقاه ، أى أدى ما أمره به ، وابتعد عما نهاه عنه .وأول هذه النعم : { جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } أى بساتين تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، وفى هذه الجنات مالا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .وقوله { لِلَّذِينَ اتقوا } ، خبر مقدم ، وقوله { جَنَّاتٌ } مبتدأ مؤخر ، وقوله { عِندَ رَبِّهِمْ } في محل نصب على الحال من جنات .

وقوله { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } صفة لجنات .وعلى هذا يكون منتهى الاستفهام عند قوله { مِّن ذلكم } وهذا هو المشهور عند العلماء .

ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله { لِلَّذِينَ اتقوا } ثم يبتدأ فيقال : عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار .

ومنهم من يجعل الاستفهام منتهيا عند قوله - تعالى - { عِندَ رَبِّهِمْ } ثم يبدأ فيقال : جنات تجرى من تحتها الأنهار .قال ابن جرير : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من جعل الاستفهام منتهيا عند قوله - تعالى - { بِخَيْرٍ مِّن ذلكم } والخبر بعده مبتدأ عمن له الجنات بقوله : { ذِينَ اتقوا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } فيكون مخرج ذلك مخرج الخير .

وهو إبانة عن معنى الخير الذى قال : أنبئكم به ، فلا يكون بالكلام حينئذ حاجة إلى ضمير " .وثانى هذه النعم عبر عنه - سبحانه - بقوله { خَالِدِينَ فِيهَا } أى أن هؤلاء الذين اتقوا ربهم خالدين في تلك الجنات التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين خلوداً أبدياً ، بخلاف أولئك المنعمين بنعم الدنيا فإن نعيمهم إلى فناء وزوال .وثالث هذه النعم قوله - تعالى - { وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ } .والأزواج : جمع زوجهة وهي المرأة يختص بها الرجل .

أى ولهم في تلك الجنات أزواج مطهرة غاية التطهير من كل دنس وقذر حسى ومعنوى ، فقد وصف - سبحانه - هؤلاء الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل ما يتمناه الرجل في المرأة .ورابع هذه النعم قوله - تعالى - { وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله } وهذه النعمة هي أعظم النعم وأجلها أى لهم رضا عظيم من خالق الخلق ، ومبدع الكون ، ومنشىء الوجود .

وهو مصدر كالرضا ، ولكن يزيد عليه أنه الرضا العظيم ، لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، ولأن التنكير قصد به التفخيم والتعظيم .وقوله { مِّنَ الله } صفة لرضوان مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة .روى الشيخان عن أبي سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله - عزو وجل - يقول لأهل الجنة يوم القيامة : يا أهل الجنة فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، فيقول : هل رضيتم؟

فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ولم تعط أحداً من خلقك؟

فيقول : أنا اعطيكم أفضل من ذلك؟

قالوا : يا ربنا رأى شيء أفضل من ذلك؟

فيقول : أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده أبداً " .هذه هى اللذائذ والمتع والنعم التى أعدها الله - تعالى - لعباده المتقين .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : { والله بَصِيرٌ بالعباد } أي أنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده ، لا تخفى عليه خافية من شئونهم .

وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .

ففي هذا التذييل وعد للمتقين ووعيد للمسيئين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ﴿ أَؤُنَبّئُكُمْ ﴾ بهمزتين واختلفت الرواية عن نافع وأبي عمرو.

المسألة الثانية: ذكروا في متعلق الاستفهام ثلاثة أوجه: الأول: أن يكون المعنى: هل أؤنبئكم بخير من ذلاكم، ثم يبتدأ فيقال: للذين اتقوا عند ربهم كذا وكذا والثاني: هل أؤنبئكم بخير من ذلاكم للذين اتقوا، ثم يبتدأ فيقال: عند ربهم جنّات تجري والثالث: هل أنبئكم بخير من ذلاكم للذين اتقوا عند ربهم، ثم يبتدى فيقال: جنّات تجري.

المسألة الثالثة: في وجه النظم وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال: ﴿ والله عِندَهُ حُسْنُ المأب  ﴾ بيّن في هذه الآية أن ذلك المآب، كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا، فقال: ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم ﴾ الثاني: أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها كما قال في آية أخرى ﴿ والأخرة خَيْرٌ وأبقى  ﴾ الثالث: كأنه تعالى نبّه على أن أمرك في الدنيا وإن كان حسناً منتظماً إلا أن أمرك في الآخرة خير وأفضل، والمقصود منه أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأوسع وأفسح من بطن الأم، فكذلك الآخرة أطيب وأوسع وأفسح من الدنيا.

المسألة الرابعة: إنما قلنا: إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا، لأن نعم الدنيا مشوبة بالمضرة، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية، وأيضاً فنعم الدنيا منقطعة لا محالة، ونعم الآخرة باقية لا محالة.

أما قوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ اتقوا ﴾ فقد بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ أن التقوى ما هي وبالجملة، فإن الإنسان لا يكون متقياً إلا إذا كان آتياً بالواجبات، متحرزاً عن المحظورات، وقال بعض أصحابنا: التقوى عبارة عن اتقاء الشرك، وذلك لأن التقوى صارت في عرف القرآن مختصة بالإيمان، قال تعالى: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى  ﴾ وظاهر اللفظ أيضاً مطابق له، لأن الاتقاء عن الشرك أعم من الاتقاء عن جميع المحظورات، ومن الاتقاء عن بعض المحظورات، لأن ماهية الاشتراك لا تدل على ماهية الامتياز، فحقيقة التقوى وماهيتها حاصلة عند حصول الاتقاء عن الشرك، وعرف القرآن مطابق لذلك، فوجب حمله عليه فكان قوله: ﴿ لّلَّذِينَ اتقوا ﴾ محمولاً على كل من اتقى الكفر بالله.

أما قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ ﴾ ففيه احتمالان الأول: أن يكون ذلك صفة للخير، والتقدير: هل أنبئكم بخير من ذلاكم عند ربهم للذين اتقوا والثاني: أن يكون ذلك صفة للذين اتقوا والتقدير: للذين اتقوا عند ربهم خير من منافع الدنيا ويكون ذلك إشارة إلى أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله تعالى، فيخرج عنه المنافق، ويدخل فيه من كان مؤمناً في علم الله.

وأما قوله: ﴿ جنات ﴾ فالتقدير: هو جنّات، وقرأ بعضهم ﴿ جنات ﴾ بالجر على البدل من خير، واعلم أن قوله: ﴿ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وصف لطيب الجنّة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب، كما قال تعالى: ﴿ فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين  ﴾ .

ثم قال: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ والمراد كون تلك النعم دائمة.

ثم قال: ﴿ وأزواج مُّطَهَّرَةٌ ورضوان مّنَ الله ﴾ وقد ذكرنا لطائفها عند قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ  ﴾ وتحقيق القول فيه أن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن، ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب، فقال: ﴿ مُّطَهَّرَةٍ ﴾ ويدخل في ذلك: الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة.

ثم قال تعالى: ﴿ ورضوان مّنَ الله ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ عاصم ﴿ وَرِضْوَانٍ ﴾ بضم الراء، والباقون بكسرها، أما الضم فهو لغة قيس وتميم، وقال الفرّاء: يقال رضيت رضا ورضوانا، ومثل الراضون بالكسر الحرمان والقربان وبالضم الطغيان والرجحان والكفران والشكران.

المسألة الثانية: قال المتكلمون: الثواب له ركنان أحدهما: المنفعة، وهي التي ذكرناها، والثاني: التعظيم، وهو المراد بالرضوان، وذلك لأن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم، حامد لهم، مثن عليهم، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع، وأما الحكماء فإنهم قالوا: الجنّات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية، والرضوان فهو إشارة إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية، وهو عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفته، ثم يصير في أول هذه المقامات راضياً عن الله تعالى، وفي آخرها مرضياً عند الله تعالى، والله الإشارة بقوله: ﴿ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً  ﴾ ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ورضوان مّنَ الله أكْبَرُ ذلك هُوَ الفوز العظيم  ﴾ .

ثم قال: ﴿ والله بَصِيرٌ بالعباد ﴾ أي عالم بمصالحهم، فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ ﴾ المزين هو الله سبحانه وتعالى للابتلاء، كقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الارض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ ﴾ [الكهف: 7] ويدل عليه قراءة مجاهد: ﴿ زَيَّنَ للناس ﴾ ، على تسمية الفاعل.

وعن الحسن: الشيطان.

والله زينها لهم، لأنا لا نعلم أحداً أذم لها من خالقها ﴿ حُبُّ الشهوات ﴾ جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها.

والوجه أن يقصد تخسيسها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، وقال: ﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات ﴾ ثم جاء التفسير، ليقرر أوّلا في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس، فيكون أقوى لتخسيسها، وأدلّ على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله.

والقنطار: المال الكثير.

قيل: ملء مسك ثور.

وعن سعيد بن جبير: مائة ألف دينار.

ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا.

و ﴿ المقنطرة ﴾ مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة.

و ﴿ المسومة ﴾ المعلمة، من السومة وهي العلامة.

أو المطهمة أو المرعية من أسام الدابة وسوّمها ﴿ والانعام ﴾ الأزواج الثمانية ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ مَّتَاعُ الحياة ﴾ .

﴿ لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات ﴾ كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم، كما تقول: هل أدلك على رجل عالم؟

عندي رجل صفته كيت وكيت.

ويجوز أن يتعلق اللام بخير.

واختص المتقين، لأنهم هم المنتفعون به.

وترتفع ﴿ جنات ﴾ على: هو جنات.

وتنصره قراءة من قرأ ﴿ جنات ﴾ بالجرّ على البدل من خير ﴿ والله بَصِيرٌ بالعباد ﴾ يثيب ويعاقب على الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم، فلذلك أعدّ لهم الجنات.

﴿ الذين يَقُولُونَ ﴾ نصب على المدح، أو رفع.

ويجوز الجرّ صفة للمتقين أو للعباد.

والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كما لهم في كل واحدة منها.

وقد مرّ الكلام في ذلك.

وخص الأسحار لأنهم كانوا يقدّمون قيام الليل فيحسن طلب الحاجة بعده ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10] وعن الحسن: كانوا يصلون في أوّل الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار، هذا نهارهم، وهذا ليلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِ تَقْرِيرَ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن مُسْتَلَذّاتِ الدُّنْيا.

﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما هو خَيْرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ اللّامَ بِخَيْرٍ ويَرْتَفِعُ جَنّاتٍ عَلى هو جَنّاتٌ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن جَرَّها بَدَلًا مِن بِخَيْرٍ.

﴿ وَأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ مِمّا يَسْتَقْذِرُ مِنَ النِّساءِ.

﴿ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ بِضَمِّ الرّاءِ ما خَلا الحَرْفَ الثّانِي في المائِدَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ﴾ بِكَسْرِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ.

﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ أيْ بِأعْمالِهِمْ فَيُثِيبُ المُحْسِنَ ويُعاقِبُ المُسِيءَ، أوْ بِأحْوالِ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَلِذَلِكَ أعَدَّ لَهم جَنّاتٍ، وقَدْ نَبَّهَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نِعَمِهِ فَأدْناها مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وأعْلاها رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ﴾ وأوْسَطُها الجَنَّةُ ونَعِيمُها.

﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، أوْ لِلْعِبادِ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ.

وفي تَرْتِيبِ السُّؤالِ عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِ المَغْفِرَةِ أوِ الِاسْتِعْدادِ لَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم زهدهم في الدنيا فقال {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم} من الذي تقدم {لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات} كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير من ذلكم فجنات مبتدأ وللذين اتقوا خبره {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} صفة لجنات ويجوز أن يتعلق اللام بخير واختص المتقين لأنهم هم المنتفعون به ويرتفع جنات على هو جنات وتنصره قراءة من قرأ جناتٍ بالجر على البدل من خير {خالدين فِيهَا وأزواج مُّطَهَّرَةٌ ورضوان مّنَ الله} أي رضا الله {والله بَصِيرٌ بالعباد} عالم بأعمالهم فيجازيهم عليها أو بصير بالذين اتقوا وبأحوالهم فلذا أعد لهم الجنات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَثْبِيتٌ لِما فُهِمَ مِمّا قَبْلُ مِن أنَّ ثَوابَ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن مُسْتَلِذّاتِ الدُّنْيا، والمُرادُ مِنَ الإنْباءِ الإخْبارُ و ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ النِّساءِ وما مَعَهُ، والقُرّاءُ فِيما إذا اِجْتَمَعَ هَمْزَتانِ أُولاهُما مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَضْمُومَةٌ كَما هُنا وكَما في سُورَةِ ص [8] ﴿ أأُنْزِلَ ﴾ وسُورَةِ القَمَرِ [25] ﴿ أأُلْقِيَ ﴾ عَلى خَمْسِ مَراتِبَ: إحْداها: مَرْتَبَةُ قالُونَ وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ وإدْخالُ ألِفٍ بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ.

الثّانِيَةُ: مَرْتَبَةُ ورْشٍ وابْنِ كَثِيرٍ وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ أيْضًا بَيْنَ بَيْنَ مِن غَيْرِ إدْخالٍ ألِفٍ بَيْنَهُما.

الثّالِثَةُ: مَرْتَبَةُ الكُوفِيِّينَ وابْنِ ذَكْوانَ عَنِ اِبْنِ عامِرٍ وهي تَحْقِيقُ الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ إدْخالِ ألِفٍ.

الرّابِعَةُ: مَرْتَبَةُ هِشامٍ وهي أنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: التَّحْقِيقُ وعَدَمُ إدْخالِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، الوَجْهُ الثّانِي: التَّحْقِيقُ وإدْخالُ ألِفٍ بَيْنَهُما في السُّوَرِ الثَّلاثِ، الوَجْهُ الثّالِثُ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ السُّوَرِ فَيُحِقِّقُ ويُقَصِّرُ هُنا ويَمُدُّ في الأخِيرَتَيْنِ.

الخامِسَةُ: مَرْتَبَةُ أبِي عَمْرٍو وهي تَسْهِيلُ الثّانِيَةِ مَعَ إدْخالِ الألِفِ وعَدَمِهِ، والظَّرْفُ الأوَّلُ: مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، والثّانِي: مُتَعَلِّقٌ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً كَما قالَ أبُو البَقاءِ لِأنَّهُ يُوجِبُ أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ وما فِيها مِمّا رَغِبُوا فِيهِ بَعْضًا لَمّا زَهِدُوا عَنْهُ مِنَ الأمْوالِ ونَحْوِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِذَلِكَ الخَيْرِ المُبْهَمِ عَلى أنَّ ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و ﴿ جَنّاتٌ ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، و ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِلِاسْتِقْرارِ وكَوْنُهُ صِفَةً لِلْجَنّاتِ في الأصْلِ قُدِّمَ فانْتَصَبَ حالًا مِنها، وفي ذِكْرِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ الجَنّاتِ ورِفْعَةِ شَأْنِها، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَّقِينَ إيذانٌ بِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ، والمُرادُ مِنهُمُ المُتَبَتِّلُونَ إلَيْهِ تَعالى المُعْرِضُونَ عَمَّنْ سِواهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ الأوْصافُ الآتِيَةُ وتَعْلِيقُ حُصُولِ الجَنّاتِ وما يَأْتِي بَعْدُ بِهَذا العُنْوانِ لِلتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِخَيْرٍ أيْضًا أوْ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لَهُ، و(جَنّاتٌ) حِينَئِذٍ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ هي جَنّاتٌ والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِ (خَيْرٍ) و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِالفِعْلِ عَلى مَعْنى ثَبُتَ تَقْواهم عِنْدَهُ شَهادَةً لَهم بِالإخْلاصِ، وجازَ أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا مُقَدَّمًا فَلا يَحْتاجُ إلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يُقالُ: عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الثَّوابُ ولا يُقالُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الجَنَّةُ، وبِذَلِكَ يُصَرِّحُ كَلامُ السَّعْدِ وغَيْرِهِ وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ، وقُرِئَ (جَنّاتٍ) بِكَسْرِ التّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَجْرُورٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن لَفْظِ خَيْرٍ، وثانِيهُما: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ (أعْنِي مَثَلًا) أوِ البَدَلِيَّةِ مِن مَحَلِّ بِخَيْرٍ.

﴿ تَجْرِي ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ عَلى القِراءَتَيْنِ ﴿ مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ تَقَدَّمَ ما فِيهِ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في (لِلَّذِينَ) والعامِلُ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الهاءِ في تَحْتِها أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في اِتَّقَوْا ولا يَخْفى ما فِيهِ.

﴿ وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ أيْ مُنَزَّهَةٌ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ خَلْقًا وخُلُقًا، والعَطْفُ عَلى جَنّاتٍ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ وأمّا عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ لَهم في الكَلامِ ﴿ ورِضْوانٌ ﴾ أيْ رِضًا عَظِيمٌ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْوِينُ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ وقِراءَتانِ سَبْعِيَّتانِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ﴾ فَإنَّهُ بِالكَسْرِ بِالِاتِّفاقِ، وقِيلَ: المَكْسُورُ اِسْمٌ والمَضْمُومُ مَصْدَرٌ، وهو قَوْلٌ لا ثَبْتَ لَهُ ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ صِفَةٌ لِرِضْوانٍ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ.

﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ  ﴾ أيْ خَبِيرٌ بِهِمْ وبِأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَيُثِيبُ المُحْسِنَ فَضْلًا ويُعاقِبُ المُسِيءَ عَدْلًا، أوْ خَبِيرٌ بِأحْوالِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا فَلِذَلِكَ أعَدَّ لَهم ما أعَدَّ، فالعِبادُ عَلى الأوَّلِ: عامَّ؛ وعَلى الثّانِي: خاصٌّ.

وقَدْ بَدَأ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أوَّلًا بِذِكْرِ المَقَرِّ وهو الجَنّاتُ، ثُمَّ ثَنّى بِذِكْرِ ما يَحْصُلُ بِهِ الأُنْسُ التّامُّ وهو الأزْواجُ المُطَهَّرَةُ، ثُمَّ ثَلَّثَ بِذِكْرِ ما هو الإكْسِيرُ الأعْظَمُ والرُّوحُ لِفُؤادِ الوالِهِ المُغْرَمِ وهو رِضا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وفي الحَدِيثِ: «أنَّهُ سُبْحانَهُ ”يَسْألُ أهْلَ الجَنَّةِ هَلْ رَضِيتُمْ؟

فَيَقُولُونَ ما لَنا لا نَرْضى يا رَبُّ وقَدْ أعْطَيْتَنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا مِن خَلْقِكَ فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ ألا أُعْطِيكم أفْضَلَ مِن ذَلِكَ؟

فَيَقُولُونَ يا رَبُّ وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن ذَلِكَ قالَ: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا“».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ حُسِّن وحُبِّب إليهم، وقد يكون التزيين من الله تعالى.

كما قال في آية أخرى زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل: 4] كما قال في آية أخرى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النمل: 24] فأما التزيين من الله تعالى، فهو على وجهين: يكون على جهة الامتحان للمؤمنين مع العصمة، وقد يكون للكفار على جهة العقوبة مع الخذلان، وأما التزيين من الشيطان، فهو على جهة الوسوسة.

فقال: زين للناس حب الشهوات مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ بدأ بالنساء، لأن فتنة النساء أشد من فتنة جميع الأشياء.

كما روي عن النبي  أنه قال: «ما تَرَكْتُ لأُمَّتِي فِتْنَةً أَشَدَّ مِنْ فِتْنَةِ النِّسَاءِ» ، ولأن النساء فتنتهن ظاهرة من وقت آدم-  - إلى يومنا هذا.

ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة: إحداهما أنها تؤدي إلى قطيعة الرحم، لأن المرأة تأمر زوجها بقطيعة الرحم عن الأمهات والأخوات.

والثانية يبتلي بجمع المال من الحلال والحرام، وأما البنون، فإن الفتنة فيهم واحدة، وهي ما ابتلي به من جمع المال لأجلهم.

فذكر البنين وأراد به الذكور والإناث.

وقال بعض الحكماء: أولادنا فتنة إن عاشوا فتنونا، وإن ماتوا أحزنونا.

ثم قال تعالى وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ روي عن الفراء أنه قال: القناطير جمع قنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير.

وروي عن أبي عبيدة أنه قال: المقنطرة مُفَعَّلة من الورق.

كما يقال: ألف مؤلفة، وبذر مبذرة.

ويقال: المقنطرة هي المكيلة، ثم اختلفوا في مقدار القنطار، فروي عن مجاهد أنه قال: القنطار سبعون ألف دينار.

وقال أبو هريرة: القنطار اثني عشر ألف أوقية.

وقال معاذ بن جبل: ألف ومائتا أوقية.

وقال بعضهم: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ من ذهب.

حكاه الكلبي، وقال: هو لغة رومية.

وروي عن الحسن البصري أنه سئل عن القنطار ما هو؟

فقال: هو مثل دية أحدكم.

ثم قال تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ يعني الراعية كما قال في آية أخرى فِيهِ تُسِيمُونَ أي ترعون.

وهو قول سعيد بن جبير ومقاتل.

وقال يحيى بن كثير: هي السمينة المصورة.

وقال أبو عبيدة المُعْلَمة.

وَالْأَنْعامِ يعني الإبل والبقر والغنم وَالْحَرْثِ يعني الزرع، ذكر أربعة أصناف كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس، أما الذهب والفضة، فيتمول به التجار، وأما الخيل المُسَوَّمة، فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام، فيتمول بها أهل البوادي وأما الحرث فيتمول به أهل الرساتيق، فيكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول به، وأما النساء والبنين فهي فتنة للجميع.

ثم زهد في ذلك كله، ورغب في الآخرة فقال تعالى: ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي منفعة الحياة الدنيا تذهب، ولا تبقى وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي المرجع في الآخرة الجنة، لا تزول.

ولا تفنى.

ثم بَيّن أن الذي وعد المؤمنين في الآخرة، خير مما زين للكفار فقال تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ أي من الذي زين للناس في الدنيا لِلَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك والفواحش والكبائر.

ويقال للذين اتقوا الزينة، فلا تشغلهم عن طاعة الله عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يعني البساتين تجري من تحت شجرها، ومساكنها الأنهار، فهو خير من الزينة الدنيوية وما فيها.

وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله  أنه قال: «لَشِبْرٌ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .

قال: خالِدِينَ فِيها يعني مقيمين فيها أبداً وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ معناه في الخلق والخلق، فأما الخلق فإنهن لا يحضن ولا يتمخطن، ولا يأتين الخلاء، وأما الخُلُق، فإنهن لا يَغِرْن ولا يحسدن، ولا ينظرن إلى غير أزواجهن وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أي مع هذه النعم لهم رضوان من الله، وهو من أعظم النعم كما قال في آية أخرى وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72] قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَرُضْوَان بضم الراء، والباقون بالكسر، وهما لغتان، وتفسيرهما واحد وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي عالم بأعمالهم وثوابهم.

ثم وصفهم فقال تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا أي صَدَّقْنَا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي: خطايانا التي كانت في الشرك وفي الإسلام وَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عنا عذاب النار الصَّابِرِينَ يعني الجنة التي ذكر للذين اتقوا الشرك، وللصابرين الذين يصبرون على طاعة الله، ويصبرون على المعاصي، ويصبرون على ما أصابهم من الشدة والمصيبة.

وَالصَّادِقِينَ يعني الصادقين في إيمانهم، وفي قلوبهم، وفي وعدهم بينهم وبين الناس، وبينهم وبين الله تعالى.

ثم قال: وَالْقانِتِينَ يعني المطيعين لله تعالى وَالْمُنْفِقِينَ الذي يتصدقون من أموالهم فِي سَبِيلِ الله وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ يعني يصلون لله عند الأسحار.

ويقال: يصلون لله بالليل، ويستغفرون عند السحر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)

وقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ...

الآيةُ: هذه الآيةُ ابتداءُ وعظٍ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ، والشهواتُ ذميمةٌ، واتباعها مُرْدٍ، وطاعتها مهلكة، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ» «١» ، فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا، فمَنْ واقعها، خلص إِلى النَّار، قلْتُ: وقد جاءت إحاديثٌ/ كثيرةٌ في التزْهِيدِ في الدنيا، ذكَرْنا من صحيحها وحَسَنِهَا في هذا المُخْتَصَرِ جملةً صالحةً لا توجد في غيره من التَّفَاسير، فعلَيْكَ بتحصيله، فتَطَّلعَ فيه على جواهرَ نفيسةٍ، لا توجَدُ مجموعةً في غيره كما هي بحَمْدِ اللَّه حاصلةٌ فيه، وكيف لا يكونُ هذا المختصر فائقاً في الحُسْن، وأحاديثه بحَمْد اللَّه مختارةٌ، أكثرها من أصولِ الإسلامِ الستَّةِ: البخاريِّ، ومسلمٍ، وأبي داود، والتِّرمذيِّ، والنَّسائِيِّ، وابنِ مَاجَة، فهذه أصول الإِسلام، ثم مِنْ غيرها كصحيح ابن حِبَّانَ، وصحيح الحاكمِ، أعني: «المُسْتَدْرَكَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وأَبِي عَوَانَةَ، وابْنِ خُزَيْمَةَ، والدَّارِمِيِّ، وَالمُوَطَّإِ، وغيرِها من المسانيدِ المشهورةِ بيْن أئمَّة الحديثِ حَسْبما هو معلومٌ في علْمِ الحديث، وقصْدِي من هذا نُصْحُ من اطلع على هذا الكتاب أنْ يعلم قَدْرَ ما أنعم اللَّه به علَيْه، فإِن التحدُّث بالنعم شُكْر، ولنرجَعْ إلى ما قصدناه من نقل الأحاديث:

روى الترمذيُّ عن عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قالت: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إِنْ أَرَدتِّ اللُّحُوقَ بِي، فَلْيَكْفِيكِ مِنَ الدُّنْيَا، كَزَادِ الرَّاكِبَ، وإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلاَ تَسْتَخْلِفِي ثَوْباً حتى تَرْقَعِيهِ» «١» حديث غَرِيبٌ، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ البَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ» ، خرَّجه أبو داود «٢» وقد نقله البغويُّ في «مصابيحه» ، والبَذَاذَةُ: هي رث الهيئة.

اهـ والْقَناطِيرِ: جمع قِنْطَارٍ، وهو العُقْدة الكثيرةُ من المال واختلف النّاس في تحرير

حَدِّه، وأصحُّ الأقوالِ فيه: ما رواه أُبَيُّ بن كعب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «القِنْطَارُ أَلْفٌ ومِائَتَا أُوقِيَّةٍ» «١» ، لكنَّ القنْطارَ على هذا يختلفُ باختلاف البلادِ في قَدْر الأَوقِيَّةِ.

وقوله: الْمُقَنْطَرَةِ، قال الطبريُّ «٢» : معناه: المُضَعَّفة، وقال الربيعُ: المالُ الكثيرُ بعْضُه على بعض «٣» .

ص: الْمُقَنْطَرَةِ: مُفَعْلَلَة، أو مُفَنْعَلَة مِن القنطار، ومعناه: المجتمعة.

م: أبو البقاء: ومِنَ الذَّهَبِ: في موضعِ الحالِ من الْمُقَنْطَرَةِ اهـ.

وقوله: الْمُسَوَّمَةِ: قال مجاهدٌ: معناه المُطَهَّمة الحِسَان «٤» ، وقال ابن عبَّاس وغيره: معناه: الراعيَةُ «٥» ، وقيل: المُعَدَّة، وَالْأَنْعامِ: الأصنافُ الأربعةُ: الإِبلُ، والبَقَرُ، والضَّأْنُ، والمَعْز.

ص: والأنعامُ: واحدُها نَعَمٌ، والنَّعَمُ: الإِبل فقَطْ، وإِذا جُمِعَ، انطلق على الإِبلِ والبقرِ والغنمِ.

اهـ.

وَالْحَرْثِ: هنا اسمٌ لكلِّ ما يُحْرَثُ من حَبٍّ وغيره، والمَتَاعُ: ما يستمتعُ به، وينتفع مدّة ما منحصرة، والْمَآبِ: المَرْجِعُ، فمعنى الآية: تقليلُ أمر الدُّنيا وتحقيرُها، والترغيبُ في حُسْن المَرْجِع إِلى اللَّه تعالى.

وقوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ...

الآية: في هذه الآية تَسْلِيَةٌ عن الدنيا، وتقويةٌ لنفوسِ تاركيها ذَكَر تعالى حالَ الدُّنْيا، وكَيْف استقر تزيينُ شهواتها، ثم جاء بالإِنباءِ بخَيْرٍ من ذلك هَازًّا للنفُوس، وجامعاً لها لتَسْمَعَ هذا النبأَ المستغْرَبَ النافع لمن عقل، وأنبّىء: معناه: أخبر.

وقوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ، الرِّضْوَانُ: مصدر مِنْ «رَضِيَ» ، وفي الحديث الصحيحِ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ، إذا استقروا فِيهَا، وَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: أَتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكُمْ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟

قَالُوا: يَا رَبَّنَا، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟

فَيَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً» «١» ، هذا سياقُ الحديثِ، وقد يجيءُ مختلِفَ الألفاظِ، والمعنى قريبٌ بعضُه من بعض، قال الفَخْر «٢» : وذلك أن معرفة أهْلِ الجَنَّة، مع هذا النعيم المقيم بأنَّه تعالى راضٍ عنهم، مُثْنٍ عليهم- أزيدُ عليهم في إِيجابِ السُّرور.

اهـ.

وباقي الآية بيِّن، وقد تقدَّم في سورة البقرة بيانُهُ.

وقوله تعالى: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ...

الآية: «الَّذِينَ» : بدلٌ من «الَّذِينَ اتقوا» ، وفسر سبحانه في هذه الآية أحوال المتقين الموعودِينَ بالجَنَّات، والصَّبْرُ في هذه الآية: معناه: على الطَّاعاتِ، وعن المعاصي والشهواتِ، والصِّدْقُ:

معناه: في الأقوالِ والأفعالِ، والقُنُوتُ: الطاعةُ والدعاءُ أيضاً، وبكلِّ ذلك يتصف المتَّقِي، والإِنْفَاقُ: معناه: في سبِيلِ اللَّه ومَظَانِّ الأجر، والاِستغفارُ: طلبُ المَغْفرة من اللَّه سبحانه، وخصَّ تعالى السَّحَر لما فيه من الفَضْل حسْبَما وَرَدَ فيه مِنْ صحيحِ الأحاديثِ كحديث النُّزُول: «هَلْ مِنْ دَاعٍ، فَأَسْتجِيبَ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ، فَأَغْفِرَ لَهُ» »

، إِلى غير ذلك ممَّا ورد في فَضْله.

قلت: تنبيهٌ: قال القرطبيُّ في «تذكرته» ، وقد جاء حديثُ النزولِ مفسَّراً مبيَّناً في ما خرَّجه النسائِيُّ عن أبي هُرَيْرة، وأبي سَعِيدٍ، قَالاَ: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يُمْهِلُ حتى يَمْضِيَ شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّل، ثُمَّ يَأْمُرُ مُنَادِياً يَقُولُ: هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ يعطى» ، صحّحه أبو محمّد عبد الحقّ «٤» .

اهـ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ رَوى عَطاءُ بْنُ السّائِبِ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ قالَ عُمَرُ: يا رَبِّ الآَنَ حِينَ زَيَّنْتَها؟!

فَنَزَلَتْ: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ ووَجْهُ الآَيَةِ أنَّهُ خَبَّرَ أنَّ ما عِنْدَهُ خَيْرٌ مِمّا في الدُّنْيا، وإنْ كانَ مَحْبُوبًا، لِيَتْرُكُوا ما يُحِبُّونَ لِما يَرْجُونَ.

فَأمّا الرِّضْوانُ، فَقَرَأ عاصِمٌ، إلّا حَفْصًا وأبانَ بْنَ يَزِيدٍ عَنْهُ، بِرَفْعِ الرّاءِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، واسْتَثْنى يَحْيى والعُلَيْمِيَّ كَسَرَ الرّاءَ في المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ  ﴾ .

وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ، والكَسْرُ لُغَةُ قُرَيْشٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَضِيتُ الشَّيْءَ أرْضاهُ رِضًى ومَرْضاةً ورِضْوانًا ورُضْوانًا.

﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ يَعْلَمُ مَن يُؤْثِرُ ما عِنْدَهُ مِمَّنْ يُؤْثِرُ شَهَواتِ الدُّنْيا، فَهو يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِن اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنِ الدُنْيا وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِيها، وذَكَرَ تَعالى حالَ الدُنْيا وكَيْفَ اسْتَقَرَّ تَزْيِينُ شَهَواتِها، ثُمَّ جاءَ الإنْباءُ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكَ، هازًّا لِلنُّفُوسِ وجامِعًا لَها، لِتَسْمَعَ هَذا النَبَأ المُسْتَغْرَبَ النافِعَ لِمَن عَقَلَ.

وأُنَبِّئُ: مَعْناهُ أُخْبِرُ.

وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ الكَلامَ الَّذِي أُمِرَ النَبِيُّ  بِقَوْلِهِ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "عِنْدَ رَبِّهِمْ".

و"جَنّاتٌ" عَلى هَذا؛ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ جَنّاتٌ؛ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: "مِن ذَلِكُمْ" وأنَّ قَوْلَهُ "لِلَّذِينَ" خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ، و"جَنّاتٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجُوزُ في "جَنّاتٌ" الخَفْضُ بَدَلًا مِن "خَيْرٍ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى التَأْوِيلِ الثانِي، والتَأْوِيلانِ مُحْتَمَلانِ.

وقَوْلُهُ "مِن تَحْتِها" يَعْنِي مِن تَحْتِ أشْجارِها، وعُلُوِّها مِنَ الغُرَفِ ونَحْوِها.

"وَخالِدِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ: "وَأزْواجٌ" عَطْفٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو جَمْعُ زَوْجٍ، وهي امْرَأةُ الإنْسانِ، وقَدْ يُقالُ زَوْجَةٌ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ.

و"مُطَهَّرَةٌ"، مَعْناهُ مِنَ المَعْهُودِ في الدُنْيا مِنَ الأقْذارِ والرَيْبِ وكُلِّ ما يَصِمُ في الخَلْقِ والخُلُقِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأزْواجُ: الأنْواعَ والأشْباهَ.

والرِضْوانُ: مَصْدَرٌ مِنَ الرِضى، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اسْتَقَرُّوا فِيها وحَصَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؛ قالَ اللهُ لَهُمْ: أتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكم ما هو أفْضَلُ مِن هَذا؟

قالُوا: يا رَبَّنا وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟

فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"» هَذا سِياقُ الحَدِيثِ، وقَدْ يَجِيءُ مُخْتَلِفَ الألْفاظِ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني، فإنّه نشأ عن قوله: ﴿ زين للناس ﴾ [آل عمران: 14] المقتضي أنّ الكلام مسوق مساق الغضّ من هذه الشهوات.

وافتتح الاستئناف بكلمة ﴿ قل ﴾ للاهتمام بالمقول، والمخاطب بقل النبي صلى الله عليه وسلم والاستفهام للعرض تشويقاً من نفوس المخاطبين إلى تلقّي ما سيقصّ عليهم كقوله تعالى: ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ﴾ [الصف: 10] الآية.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر، وأبو جعفر، ورُويس عن يعقوبَ: ﴿ أُونّبئكم ﴾ بتسهيل الهمزة الثانية واوَا.

وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، ورَوح عن يعقوب، وخلفٌ: بتخفيف الهمزتين.

وجملة ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ مستأنفة وهي المنبَّأ به.

ويجوز أن يكون ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بقوله: «خيرٍ» و«جنّات» مبتدأ محذوف الخبر: أي لهم، أو خبراً لمبتدأ محذوف.

وقد ألغي ما يقابل شهوات الدنيا في ذكر نعيم الآخرة؛ لأنّ لذة البنين ولذة المال هنالك مفقودة، للاستغناء عنها، وكذلك لذة الخيل والأنعام؛ إذ لا دوابّ في الجنة، فبقي ما يقابل النساء والحرث، وهو الجنّات وَالأزواج، لأنّ بهما تمام النعيم والتأنّس، وزيد عليهما رضوان الله الذي حرُمه من جعل حظّه لذّات الدنيا وأعرض عن الآخرة.

ومعنى المطهّرة المنزّهة ممّا يعتري نساء البشر ممّا تشمئزّ مِنه النفوس، فالطهارة هنا حسية لا معنوية.

وعطف ﴿ رضوانٌ من الله ﴾ على ما أعدّ للذين اتّقوا عند الله: لأنّ رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي؛ لأنّ رضوان الله تقريب رُوحاني قال تعالى: ﴿ ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72] وقرأ الجمهور: ﴿ رِضوان ﴾ بكسر الراء وقرأه أبو بكر عن عاصم: بضم الراء وهما لغتان.

وأظهر اسم الجلالة في قوله: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ، دون أن يقول ورضوان منه أي من ربّهم: لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان.

وجملة ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ اعتراض لبيان الوعد أي أنّه عليم بالذين اتّقوا ومراتببِ تقواهم، فهو يجازيهم، ولتضمّن بصير معنى عليم عدي بالباء.

وإظهار اسم الجلالة في قوله: ﴿ واللَّه بصير بالعباد ﴾ لقصد استقلال الجملة لتكون كالمَثَل.

وقوله: ﴿ الذين يقولون ﴾ عطف بيان ﴿ للذين اتقوا ﴾ وصفهم بالتقوى وبالتوجّه إلى الله تعالى بطلب المغفرة.

ومعنى القول هنا الكلامُ المطابق للواقع في الخبرِ، والجاري على فرط الرغبة في الدعاء، في قولهم: ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ إلخ، وإنّما يجري كذلك إذا سعى الداعي في وسائل الإجابة وترقّبها بأسبابها التي ترشد إليها التقوى، فلا يُجازَى هذا الجزاءَ من قال ذلك بفمه ولم يعمل لهُ.

وقوله: ﴿ الصابرين والصادقين ﴾ الآية صفات للذين اتّقوا، أو صفات للذين يقولون، والظاهر الأوّل.

وذكر هنا أصول فضائل صفات المتديّنين: وهي الصبر الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي.

والصدق الذي هو ملاك الاستقامة وبثّ الثقة بين أفراد الأمة.

والقنوت، وهو ملازمة العبادات في أوقاتها وإتقانها وهو عبادة نفسية جسدية.

والإنفاق وهو أصل إقامة أوَد الأمة بكفاية حاج المحتاجين، وهو قربة مالية والمال شقيق النفس.

وزاد الاستغفار بالأسحار وهو الدعاء والصلاة المشتملة عليه في أواخر الليل، والسحر سُدس الليل الأخيرْ؛ لأنّ العبادة فيه أشدّ إخلاصاً، لما في ذلك الوقت من هدوء النفوس، ولدلالته على اهتمام صاحبه بأمر آخرته، فاختار له هؤلاء الصادقُون آخرَ الليل لأنّه وقت صفاء السرائر، والتجرّد عن الشواغل.

وعطف في قوله: ﴿ الصابرين ﴾ ، وما بعده: سواء كان قوله: ﴿ الصابرين ﴾ صفة ثانية، بعد قوله: ﴿ الذين يقولون ﴾ ، أممِ كان ابتداء الصفات بعد البيان طريقة ثانية من طريقتي تعداد الصفات في الذكر في كلامهم، فيكون، بالعطف وبدونه، مثل تعدّد الأخبار والأحوال؛ إذ ليست حروف العطف بمقصورة على تشريك الذوات.

وفي «الكشاف»؛ أنّ في عطف الصفات نكْتة زائدة على ذكرها بدون العطف وهي الإشارة إلى كمال الموصوف في كلّ صفة منها، وأحال تفصيله على ما تقدم له في قوله تعالى: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ [البقرة: 4] مع أنّه لم يبيّن هنالك شيئاً من هذا، وسكت الكاتبون عن بيان ذلك هنا وهناك، وكلامه يقتضي أنّ الأصل عنده في تعدّد الصفات والأخبار ترك العطف فلذلك يكون عطفها مؤذناً بمعنى خصوصي، يقصده البليغ، ولعل وجهه أنّ شأن حرف العطف أن يُستغنَى به عن تكرير العامل فيناسب المعمولات، وليس كذلك الصفات، فإذا عُطفت فقد نُزلت كل صفة منزلة ذات مستقلة، وما ذلك إلاّ لقوة الموصوف في تلك الصفة، حتى كأنّ الواحد صار عدداً، كقولهم واحدٌ كألْف، ولا أحسب لهذا الكلام تسليماً.

وقد تقدم عطف الصفات عند قوله تعالى: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ في سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ﴾ مَعْنى زُيِّنَ: أيْ حُسِّنَ حُبُّ الشَّهَواتِ، والشَّهْوَةُ مِن خَلْقِ اللَّهِ في الإنْسانِ، لِأنَّها ضَرُورَةٌ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها.

وَفي المُزَيِّنِ لِحُبِّ الشَّهَواتِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْطانُ، لِأنَّهُ لا أحَدَ أشَدُّ ذَمًّا لَها مِنَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي خَلَقَها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: تَأْوِيلُ أنَّ اللَّهَ زَيَّنَ حُبَّ الشَّهَواتِ لِما جَعَلَهُ في الطَّبائِعِ مِنَ المُنازَعَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها  ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ زَيَّنَ مِن حُبِّها ما حَسُنَ، وزَيَّنَ الشَّيْطانُ مِن حُبِّها ما قَبُحَ.

﴿ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ ﴾ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ القِنْطارِ عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ، وهو قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ ورَواهُ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ)» .

والثّانِي: أنَّهُ ألْفٌ ومِائَتا دِينارٍ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، والحَسَنِ، وقَدْ رَواهُ الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّالِثُ: أنَّهُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ أوْ ألْفَ دِينارٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ثَمانُونَ ألْفًا مِنَ الدَّراهِمِ، أوْ مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَّهَبِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وقَتادَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ.

والسّادِسُ: أنَّهُ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، قالَهُ أبُو نَضْرَةَ.

والسّابِعُ: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

وَفي ﴿ المُقَنْطَرَةِ ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها المُضاعَفَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها الكامِلَةُ المُجْتَمِعَةُ.

والثّالِثُ: هي تِسْعَةُ قَناطِيرَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: هي المَضْرُوبَةُ دَراهِمَ أوْ دَنانِيرَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والخامِسُ: أنَّها المَجْعُولَةُ كَذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: دَراهِمُ مُدَرْهَمَةٌ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا سادِسًا: أنَّ القَناطِيرَ المَذْكُورَةَ مَأْخُوذَةٌ مِن قَنْطَرَةِ الوادِي، إمّا لِأنَّها بِتَرْكِها مُعَدَّةٌ كالقَناطِرِ المَعْبُورَةِ، وإمّا لِأنَّها مُعَدَّةٌ لِوَقْتِ الحاجَةِ، والقَناطِيرُ مَأْخُوذَةٌ مِن عَقْدِ الشَّيْءِ وإحْكامِهِ كالقَنْطَرَةِ.

﴿ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها الرّاعِيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والرَّبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ أيْ تَرْعَوْنَ.

والثّانِي: أنَّ المُسَوَّمَةَ الحَسَنَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها المُعَلَّمَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّها مِنَ السِّيما مَقْصُورَةٌ ومَمْدُودٌ، قالَهُ الحَسَنُ، قالَ الشّاعِرُ: غُلامٌ رَماهُ اللَّهُ بِالحُسْنِ يافِعًا لَهُ سِيمْياءٌ لا تَشُقُّ عَلى البَصَرِ ﴿ والأنْعامِ ﴾ هي الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ مِنَ الضَّأْنِ والمَعْزِ، ولا يُقالُ: النَّعَمُ لِجِنْسٍ مِنها عَلى الِانْفِرادِ إلّا لِلْإبِلِ خاصَّةً.

( والحَرْثِ ) هو الزَّرْعُ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يُرِيدَ أرْضَ الحَرْثِ لِأنَّها أصْلٌ، ويَكُونُ الحَرْثُ بِمَعْنى المَحْرُوثِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم زينت لنا الدنيا، وأنبأتنا أن ما بعدها خير منها، فاجعل حظنا في الذي هو خير وأبقى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾ الذي ذَكَرتُ (١) قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٢) قال العلماء: ويدخل تحت هذا الخطاب كلُّ (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ جَنَّاتٌ ﴾ يرتفع على وجهين: أحدهما: بخبر الصفة، ويكون تمام الكلام عند قوله: ﴿ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ ﴾ .

والثاني: على تقدير الجواب، ويكون تمام الكلام عند قوله (٥) ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ، فكأنه قيل: ما ذلك الخير؟

فقيل: هو جنَّات، ومثله: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ  ﴾ ؛ أي: هو النار.

وقوله تعالى: ﴿ وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ قد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

ويُقرأ (٦) (٧) (٨) قال الفراء (٩) (١٠) ومثل (الرِّضوانِ) بالكسر من المصادر: (الرِّئْمان) (١١) وبالضمِّ: (الطُّغْيان)، و (الرُّجْحان)، و (الكُفْران).

وقال (١٢) (١٣) (١) (الذي ذكرت): ساقطة من: (د).

(٢) لم أعثر على هذه الرواية فيما رجعت إليه من مراجع، إلَّا في "تفسير الخازن" 1/ 275، وعبارته قريبة جدًا من عبارة الواحدي.

وفي "تنوير المقباس" 44: (يعني: أبا بكر وأصحابه).

(٣) (كل): ساقطة من: (د).

(٤) وممن ذهب للعموم فيها: الإمام الطبري في "تفسيره" 3/ 206، حيث قال عن معنى: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ (للذين خافوا الله فأطاعوه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه).

(٥) من قوله: (بخير ..) إلى: (..

تمام الكلام عند قوله): ساقط من: (ج)، (د).

(٦) (ويُقرأ): ساقطة من: (ج).

(٧) هي قراءة عاصم برواية أبي بكر بن عيَّاش عنه، أمَّا رواية حفص عن عاصم فهي بالكسر كبقية السبعة.

انظر: "السبعة" 202، "الحجة" للفارسي: 3/ 21.

(٨) (وتميم): ساقطة من: (ج).

انظر: "تفسير الطبري" 6/ 206.

وقيس: قبيلة عظيمة من قبائل العرب، تنتسب إلى قيس بن غيلان بن مضر بن نِزار بن معد بن عدنان.

وغلب اسم قيس على سائر العدنانية.

انظر حولها "معجم قبائل العرب" 3/ 972.

وتميم: قبيلة عظيمة من العدنانية، تنتسب إلى تميم بن مُر بن أدّ بن طابخة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد عدنان.

وكانت منازلهم بنجد، دائرة من هنالك إلى البصرة واليمامة، حتى تتصل بالبحرين، وانتشروا في الكوفة، ثم تفرقوا في الحواضر.

انظر المرجع السابق 1/ 126.

(٩) لم أهتد إلى مصدر قوله، وقد يكون في كتابه (المصادر).

(١٠) (ورضوانًا): ساقطة من: (د).

(١١) الرِّئْمان: الالتئام، يقال: (رَئِمَ الجُرْح رَأمًا، ورِئْمانًا حسنًا): التأم.

انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1332 (ريم)، "اللسان" 3/ 1536 (رأم).

(١٢) في (ج): (قال).

(١٣) في "الكتاب" له: 4/ 11.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم ﴾ تفضيل للآخرة على الدنيا ليرغب فيها.

وتمام الكلام في قوله: ﴿ مِّن ذلكم ﴾ ثم ابتدأ قوله: ﴿ لِلَّذِينَ اتقوا ﴾ تفسيراً لذلك، فجنات على هذا مبتدأ وخبره للذين اتقوا، وقيل: إن قوله للذين اتقوا متعلق بما قبله.

وتمام الكلام في قوله: عند ربهم، فجنات على هذا خبر مبتدأ مضمر ﴿ ورضوان مِّنَ الله ﴾ زيادة إلى نعيم الجنة، وهو أعظم من النعيم حسبما ورد في الحديث ﴿ الذين يَقُولُونَ ﴾ نعتٌ للذين اتقوا، ورفع بالابتداء، أو نصب بإضمار فعل ﴿ الصادقين ﴾ في الأقوال والأفعال ﴿ والقانتين ﴾ العابدين والمطيعين ﴿ والمستغفرين ﴾ الاستغفار هو طلب المغفرة قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف نستغفر؟

فقال: قولوا اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ﴿ بالأسحار ﴾ جمع سحر وهو آخر الليل يقال: إنه الثلث الأخير، وهو الذي ورد أن الله يقول حينئذٍ: «من يستغفرني فأغفر له» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سيغلبون ويحشرون ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعليّ وخلف وعباس مخير.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون بالياء ﴿ مثليهم ﴾ بضم الهاء: سهل ويعقوب وكذلك ما انفتح قبل الياء مثل ﴿ بجنتيهم  ﴾ ﴿ رأى العين ﴾ بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون بهمزة ساكنة ﴿ أونبئكم ﴾ بهمزة غير ممدودة بعدها واو مضمومة: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب غير عباس وأوقية وأبي شعيب ونافع غير قالون.

﴿ آونبئكم ﴾ بالمد والواو المضمومة: يزيد وقالون وعباس وأوقية وأبو شعيب.

الباقون بهمزتين هشام يدخل بينهما مدة.

﴿ ورضوان ﴾ بضم الراء حيث كان: الأعشى والبرجمي وافقا يحيى وحماداً إلا في ﴿ من اتبع رضوانه  ﴾ في المائدة ﴿ أن الدين ﴾ بفتح "إن" علي.

الباقون بالكسر.

﴿ وجهي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر غير النجاري عن هشام وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ ومن اتبعني ﴾ بإثبات الياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمر وأبا جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ ويقاتلون الذين ﴾ : حمزة ونصير في رواية علي بن نصير.

الباقون ﴿ ويقتلون ﴾ .

﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: أبو جعفر.

الباقون بالعكس.

/ الوقوف: ﴿ جهنم ﴾ ط، ﴿ المهاد ﴾ ه، ﴿ التقتا ﴾ ط لأن التقدير منهما فئة أو إحداهما.

﴿ العين ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ه، ﴿ والحرث ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ ج للفصل بين النقيضين مع اتفاق الجملتين.

﴿ المآب ﴾ ج ﴿ من ذلكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ بالعباد ﴾ ج للاية على جعل "الذين" خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين، أو مدحاً على "أعني الذين" ولجواز أنه نعت للعباد أو للمتقين.

﴿ النار ﴾ ج لأن "الصابرين" يصلح بدلاً من "الذين" والوقف أجود نصباً على المدح.

﴿ بالأسحار ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف،ولو وقف احترازاً عن وهم دخول الملائكة وأولو العلم في الاستثناء والمشاركة في الألوهية كان جيداً.

﴿ بالقسط ﴾ ط، ﴿ الحكيم ﴾ ط إلا لمن قرأ "إن" بالفتح على البدل من "أنه" ﴿ الإسلام ﴾ ه، ﴿ بينهم ﴾ ط لإطلاق حكم غير مخصوص بما قبله.

﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ ومن اتبعن ﴾ ط لابتداء أمر يشمل أهل الكتاب والعرب، والأول مختص بأهل الكتاب فلم يكن الثاني من جملة جزاء الشرط، ﴿ أأسلمتم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ اهتدوا ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع العطف.

﴿ البلاغ ﴾ ط، ﴿ بالعباد ﴾ ه، ﴿ بغير حق ﴾ ز لمن قرأ ﴿ ويقاتلون ﴾ لعدول المعنى من قوله ﴿ يقتلون ﴾ ﴿ أليم ﴾ ه، ﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع اتحاد المقصود.

﴿ من ناصرين ﴾ ه، ﴿ معرضون ﴾ ه، ﴿ معدودات ﴾ ص لأن الواو للعطف أو الحال.

﴿ يفترون ﴾ ه، ﴿ يظلمون ﴾ ه.

التفسير: عن ابن عباس في رواية أبي صالح عنه قال: "لما هزم الله المشركين يوم بدر قالت يهود المدينة: هذا والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته وصفته وأنه لا ترد له راية وأرادوا تصديقه واتباعه.

ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى ننظر إلى وقعة أخرى.

فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله  شكوا فقالوا: لا والله ما هو به.

وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا.

وكان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد.

وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكباً إلى أهل مكة أبي سفيان وأصحابه فوافقوهم وأجمعوا أمرهم وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة.

ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله فيهم هذه الآية" .

وقال محمد بن إسحق بن يسار في رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس: "لما أصاب رسول الله  قريشاً ببدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم.

فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة.

أما والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس" فأنزل الله ﴿ قل للذين كفروا ﴾ يعني اليهود ﴿ ستغلبون ﴾ / تهزمون ﴿ وتحشرون إلى جهنم ﴾ في الآخرة.

ومعنى جهنم قد مر في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم ولبئس المهاد  ﴾ وقيل: هم مشركو مكة ﴿ ستغلبون ﴾ يعني يوم بدر من قرأ بتاء الخطاب فمعناه الأمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر بأي لفظ أراد  ، ومن قرأ بالياء فالأمر متوجه إلى حكاية هذا اللفظ أي قل لهم قولي لك: ﴿ سيغلبون ﴾ .

وفي الآية حجاج للقائل بتكليف ما لا يطاق، فإنه  أخبر عنهم بأنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب الخبر كذباً.

وفيها دليل على صحة البعث والحشر بإخبار الصادق وفي قوله ﴿ ستغلبون ﴾ وقد وقع كما أخبر إخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدق النبي  .

نظيره في حق عيسى  ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم  ﴾ ثم إنه  ذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة ذلك الحكم فقال ﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ يوم بدر ﴿ فئة ﴾ إحداهما جماعة ﴿ تقاتل في سبيل الله ﴾ وهم المسلمون لأنهم يقاتلون لنصرة دين الله وإعلاء كلمته ﴿ وفئة ﴾ أخرى ﴿ كافرة ﴾ هم كفار قريش.

وبيان كون تلك الواقعة آية من وجوه: أحدها أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف أمور منها: قلة العَدَدِ والعُدَدِ، كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً مع كل أربع منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة ومن الخيل فرسان.

ومنها أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا.

ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها من أول غزوات رسول الله  ، وكان قد حصل في المشركين أضداد هذه المعاني.

كانوا تسعمائة وخمسين رجلاً وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم دارعون، وكان معهم دروع سوى ذلك، وكانوا قد مرنوا على الحرب والغارات.

وإذا كان كذلك كانت غلبة المسلمين خارقة للعادة فكانت معجزة.

وثانيها أنه  كان قد أخبر عن ذلك بإخبار الله في قوله  ﴿ وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين  ﴾ يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان.

وكان أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان والإخبار عن الغيب معجز.

وثالثها إمداد الملائكة كما سيجيء في هذه السورة.

ورابعها قوله ﴿ يرونهم مثليهم ﴾ وفيه أربعة احتمالات لأن الضمير في "يرون" إما أن يعود إلى الفئة الكافرة أو إلى الفئة المسلمة، وعلى كلا التقديرين يجوز عود الضمير في ﴿ مثليهم ﴾ إلى كل منهما فهذه أربعة: الأول أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.

الثاني أنها رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، ودليل هذا الاحتمال قراءة من قرأ ﴿ ترونهم ﴾ بتاء الخطاب أي ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي أنفسهم.

ودليل الاحتمالين جميعاً أن عود الضمير في "يرون" إلى /الأقرب وهو الفئة الكافرة أولى، ولأنه  جعل هذه الحالة آية للكفار حيث خاطبهم بقوله ﴿ قد كان لكم آية ﴾ فوجب أن يكون الراؤون هم الكفار حتى تكون حجة عليهم، ولو كانت الآية مما شاهدها المؤمنون لم يصلح جعلها حجة على الكفرة.

والحكمة في ذلك أن يهابهم المشركون ويجبنوا عن قتالهم وهذا لا يناقض قوله في سورة الأنفال ﴿ ويقللكم في أعينهم  ﴾ لاختلاف الوقتين فكأنهم قللوا أوّلاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا.

على أن تقليلهم تارة في أعينهم وتكثيرهم أخرى أبلغ في القدرة وإظهار الآية.

الاحتمال الثالث أن الرائين هم المسلمون والمرئيين هم المشركون.

فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين والسبب فيه ما قرر عليه أمرهم من مقاومة الواحد الاثنين في قوله  : ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ والكافرون كانوا قريباً من ثلاثة أمثالهم، فلو رأوهم كما هم لجبنوا وضعفوا.

الاحتمال الرابع أن يكون الراؤون هم المسلمين، ثم إنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين وهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد لأن هذا يوجب نصرة الكفار وإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك.

وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة.

وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي.

أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله  أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً.

وعلى هذا تكون الرؤية البصر، ويكون ﴿ مثليهم ﴾ نصباً على الحال، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنه في غاية الكثرة، لكن قوله: ﴿ رأى العين ﴾ لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات.

وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات.

وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ، فقد يرى البعض دون البعض.

أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض، أو خلق الله  في الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر، أو يحدث في عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث في أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل.

﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ إما بالغلبة كيوم بدر، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد.

﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكره من / الآية ﴿ لعبرة ﴾ نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم ﴿ لأولي الأبصار ﴾ ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين.

ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه ﴿ زين للناس ﴾ اللذات الجسمانية والآخرة.

وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة.

وأما ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد  إلا أنه يمنعه من اتباعه حب المال والجاه.

وروينا أيضاً أنه  لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالعدة والعدد، فبيّن الله  في هذه الآية أن تلك الأشياء متاع الدنيا وزينتها، والآخرة خير.

والمزين هو الله  .

أما عند الأشاعرة فلأنه خالق أفعال العباد كلها، ولو كان المزين هو الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان؟

وأما عند جمهور المعتزلة فلحكمة الابتلاء ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  ﴾ ولأنها وسائل إلى منافع الآخرة وهو أن يتصدق بها أو يتقوى بها على طاعة الله أو يشتغل بشكرها.

كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب.

ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً.

وعن الجبائي واختاره القاضي، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان.

وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك.

واحتجاجه في الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات، وإن تزيينها وظيفة الشيطان.

وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده.

وقال في معرض الذم ﴿ ذلك متاع الحياة الدنيا ﴾ والذام للشيء لا يكون مزيناً له.

وقال ﴿ قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ﴾ والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟.

ثم إنه  جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور "قدرة" وللمرجو "رجاء".

وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية.

فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها.

قال المتكلمون: في الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه.

فالشهوة من فعل الله  ، والمحبة من أفعال العباد، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات.

واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة، ومنه قوله  حكاية عن سليمان /  ﴿ إني أحببت حب الخير  ﴾ ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير.

فقوله: ﴿ حب الشهوات ﴾ قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة.

ولفظ ﴿ الناس ﴾ عام فظاهره يقتضي أن هذا المعنى عام لجميع الناس ولا شك أنه موجود في الأغلب وفي أكثر الأوقات فلا يبعد التعميم، فطالما أعطى للأغلب حكم الكل.

على أن من همته بجوامعها مقصورة على طلب اللذات الروحانية في غاية الندرة، وبقاء ذلك النادر في جميع الأحيان على ذلك الخاطر أعز وأمنع.

ثم شرع في بيان تلك الأعيان المشتهيات فذكر منها ما هي الأمهات ورتبها في سبع مراتب: الأولى النساء لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودّة ورحمة  ﴾ وقال  : " إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" " الثانية الأولاد ولا سيما البنين ولهذا خصوا بالذكر، ومحبة النساء والأولاد كأنها حالة غريزية ولولاها لم يتصور بقاء النسل للحيوانات.

الثالثة والرابعة القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ومنه القنطرة.

والمال الكثير قنطار لأن الإنسان يتوثق بها في دفع النوائب.

أبو عبيد: إنه وزن لا يحد.

روى أبو هريرة عن النبي  : " "القنطار اثنا عشر ألف أوقية " وروى أنس عنه هو ألف دينار.

وروى أبي بن كعب عنه هو ألف ومائتا أوقية.

وقال ابن عباس: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم وهو مقدار الدية.

وبه قال الحسن.

وزعم الكلبي أن القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة.

وعن سعيد بن جبير أنه مائة ألف دينار.

والمقنطرة مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم "ألف مؤلفة وبدرة مبدّرة وإبل مؤبلة".

قال الكلبي: القناطير ثلاثة والمقنطرة المضاعفة فكان المجموع ستة.

وإنما كان الذهب والفضة محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء.

وكل الصيد يوجد في الفرا *** ولولا التقى لقلت جلت قدرته وصفة المالكية هي القدرة، وأنها صفة كمال والكمال محبوب لذاته.

والخامسة الخيل المسوّمة قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها وهو جولانها في مشيتها.

ويسمى الخيال خيالاً لجولان هذه القوة في استحضار الصور.

والمسومة قيل المرعية.

أسمت الدابة وسوّمتها إذا أرسلتها في مرجها للرعي.

ولا شك أنها إذا رعت ازدادت حسناً وبهاء.

وقيل: هي المعلمة من السومة / العلامة.

ثم اختلفوا في تلك العلامة فعن أبي مسلم: الغرة والتحجيل، وقال الأصم: هي البلق.

وقال قتادة: الشية - وقيل: الكي.

وقال مجاهد وعكرمة: المسومة المطهمة أي الحسان.

قال الأصمعي: رجل مطهم وفرس مطهم وفرس مطهم أي تام، كل شيء على حدته فهو بارع الجمال.

السادسة الأنعام وهو جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.

ولا يقال للجنس الواحد منها نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.

السابعة الحرث وهو الزراعة ذلك الذي ذكر متاع الحياة الدنيا لأن وجوه الانتفاعات الدنيوية للإنسان إما أن تكون من بني نوعه أو من غيره.

والأول أصل وهو المرأة وفرع وهو الولد، وإنما فرض الكلام في الذكور لشرفهم.

والثاني إما أن تكون من المعدنيات وأكثرها فائدة وأعمها عائدة الجوهران الثمينان فخصا بالذكر، وإما أن تكون من الحيوانات للركوب والكر والفر وهو الخيل، أو للحمل واللحم وهو الأنعام، وإما أن تكون من النباتات وهو الحاصل من الزراعة وإنما لم يتعرض للدور والقصور لأنها لم تكن معتادة عند العرب، والقرآن يخاطب أولاً معهم.

﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ أي المرجع.

وإنما لم يذكر المآب القبيح وهو النار لأنها غير مقصودة بالذات لأنه  خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولهذا قال: " "سبقت رحمتي غضبي" " ثم بيّن أن ذلك المرجع كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا.

والمقصود أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأفسح من بطن الأم فكذلك الآخرة أفسح وأوسع من الدنيا، أو لأنه لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ قل أؤنبئكم بخير ﴾ أي بشيء هو خير ﴿ من ذلكم ﴾ الذي عددنا.

ثم استأنف بيانه وتقريره فقال: ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات ﴾ كما تقول: هل أدلكم على حبر خير من فلان؟

عندي رجل من صفته كيت وكيت.

وبيان الخيرية ظاهر من وصف الجنات والأزواج مع قيد الخلود، فإن النعمة وإن عظمت، فتوهم الانقطاع والزوال ينغص صفوها وينقص لذتها، وبعد زوال هذا الوهم لن يتكامل طيبها إلا بالنساء فبهن يحصل الأنس.

ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة فقال: ﴿ مطهرة ﴾ أي من الأقذار والمنفرات.

وبعد ذكر تمام النعمة ذكر ماهو فوق التمام فقال: ﴿ ورضوان من الله ﴾ ويندرج فيه جميع المطالب والمقاصد لأن العبد إذا رضي عنه المولى لم يتصور منصب أجل منه وأعلى، وكأن المولى وما يملكه للعبد، كما أن العبد وما يملكه للمولى ﴿ ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ ويحتمل أن يكون اللام في قوله: ﴿ للذين اتقوا ﴾ متعلقاً بخير.

واختص المتقين لأنهم /هم المنتفعون به ويرتفع ﴿ جنات ﴾ على الخبر أي هو جنات ويعضده قراءة بعضهم ﴿ جنات ﴾ بالجر على البدل من ﴿ خير ﴾ وذلك أن اللام في هذه القراءة يتعين أن يكون متعلقاً بخير.

وقوله: ﴿ عند ربهم ﴾ يحتمل أن يتعلق بما يتعلق بما تعلق به قوله: ﴿ للذين ﴾ أي ثبت لهم عند ربهم.

ويحتمل أن يكون صفة لخير، ويحتمل أن يكون من تمام قوله: ﴿ اتقوا ﴾ فيكون إشارة إلى أن هذا الثواب لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله  فلا يدخل فيه إلا من كان مؤمناً في علم الله ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختار لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا، أو بصير بهم يثيب ويعاقب بحسب الاستحقاق، أو بصير بالذين اتقوا ربهم وبأحوالهم فلذلك أعدّ لهم الجنات ﴿ الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة.

وقد حكى الله  ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم فقيل: دل ذلك على أن الإيمان هو التصديق فقط، فإن العمل الصالح لو كان داخلاً فيه كما زعموا كان إدخاله في النار قبيحاً عندهم فيكون ممتنع الوقوع من الله  ، وضده واجب الوقوع، وسؤال الواجب وقوعه عبث فلا يصلح للمدح.

ويمكن أن يجاب عنه بأن العبد قد يدعو بما يعلم أنه حاصل له إظهار الذل و العبودية وإبداء للاستكانة والخشوع.

وأيضاً صورة العمل الصالح لا تفيد ما لم تقع في حيز القبول.

فعلى المتقي أن لا يتكل عليها ويبتهل إلى الله في مواجب الغفران.

ثم عدد من أوصاف عباده خمسة ووسط العاطف بينها دلالة على كمالهم في كل واحد منها، أو إشارة إلى أن كل واحد منها يكفي في استحقاق المدح والثواب فقال: ﴿ الصابرين ﴾ أي في أداء الطاعات وعلى ترك المحظورات وعند المحن والشدائد.

وقف رجل على الشبلي فقال: أيّ صبر أشد على الصابرين؟

فقال: الصبر في الله  .

فقال: لا.

فقال: الصبر لله.

فقال: لا.

فقال: الصبر مع الله.

قال: لا.

قال: فأي شيء؟

قال: الصبر عن الله.

فصرخ الشبلي صرخة كاد يتلف روحه.

﴿ والصادقين ﴾ أي في الأقوال وفي الأفعال بأن لا ينصرف عنها قبل تمامها، وفي النيات بأن يمضي العزم على الخيرات.

﴿ والقانتين ﴾ والمقيمين على الطاعات والمواظبين عليها ﴿ والمنفقين ﴾ ما تيسر على من تيسر بشروطه ومصارفه وجوباً وندباً ﴿ والمستغفرين بالأسحار ﴾ أي فيها.

والسحر قبل طلوع الفجر.

وخص هذا الوقت لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل حتى إذا كان السحر أخذوا في الدعاء والاستغفار هذا ليلهم وذلك نهارهم.

وللاستغفار بالأسحار مزيد آثار وأنوار لأن السحر وقت النوم والغفلة، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة عرض الذلة على حضرة العزة لا يبعد أن يفيض عليه سجال المغفرة وأن يطلع صبح العالم الصغير عند طلوع صبح العالم الكبير فيستنير قلب المؤمن بأنوار المعارف وآثار اللطائف.

أما بيان ترتيب الأوصاف، / فالصبر يشمل أداء جميل التكاليف.

ثم الإنسان قد يلتزم من نفسه ما هو غير واجب عليه، فالصادق من يخرج عن عهدة ذلك ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ثم المواظبة على سلوك سبيل الخيرات أمر محمود فأشير إلى ذلك بقوله: ﴿ والقانتين ﴾ ثم إن ههنا أمرين يعينان على الطاعة: الخدمة بالمال والابتهال والتضرع إلى حصرة القدس والجلال وذلك قوله: ﴿ والمنفقين والمستغفرين بالأسحار ﴾ فقوله: ﴿ والمنفقين ﴾ معناه الشفقة على خلق الله وباقي الأوصاف حاصله التعظيم لأمر الله.

قال الكلبي: "لما ظهر رسول الله  بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي  الذي يخرج في آخر الزمان!

فلما دخلا على النبي  عرفاه بالصفة والنعت فقالا: أنت محمد؟

قال: نعم.

قالا: وأنت أحمد؟

قال: نعم.

قالا: إنا نسألك عن شهادة فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك.

فقال لهما رسول الله  : سلاني.

قالا: أخبرنا من أعظم شهادة في كتاب الله فأنزل الله على نبيه ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ فأسلم الرجلان وصدقا رسول الله  " .

ووجه النظم أنه مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله: ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ ثم بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية.

واعلم أن الشهادة من الله  ومن الملائكة ومن أولي العلم يحتمل أن تكون بمعنى واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك.

أما الأول فتقريره من وجهين: أحدهما أن الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله  وفي حق الملائكة وفي حق أولي العلم.

أما من الله فذلك أنه أخبر في القرآن أنه إله واحد لا إله إلا هو وذلك في مواضع كثيرة كالإخلاص وآية الكرسي وغيرهما، التمسك بالدلائل السمعية في هذه المسألة جائز لأن العلم بنبوّة محمد  لا يتوقف على العلم بها.

وأما من الملائكة وأولي العلم وهم الذين عرفوا وحداينة الله  بالدلائل القاطعة، فكلهم أخبروا أيضاً أن الله واحد لا شريك له.

وثاني الوجهين أن تجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان.

فالله  أظهر ذلك وبيّن بأن خلق ما يدل على ذلك، والملائكة وأولو العلم أظهروا ذلك وبينوه.

أيضاً الملائكة للرسل والرسل للعلماء والعلماء لعامة الخلق.

فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان.

فأما مفهوم الإظهار والبيان فشيء واحد في حق الكل، فكأنه قيل للنبي  : إن وحدانية الله  أمر قد ثبت بشهادة الله وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المبين والمنهج القويم لا يضعف بمخالفة بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فأثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك، فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.

وأما الثاني فهو قول من يقول شهادة الله  على / توحيده عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ونظيره قوله  : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ فالصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة.

فإن قيل: المدعي للوحدانية هو الله.

فكيف يكون المدعي شاهداً؟

فالجواب أنه ليس الشاهد بالحقيقة إلا الله لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ثم وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل والتوصل بها إلى معرفة الوحدانية، ثم وفقهم حتى أرشدوا غيرهم إلى ذلك ولهذا قال: ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ وفي انتصاب ﴿ قائماً بالقسط ﴾ وجوه: الأول أنه حال مؤكدة والتقدير: شهد الله قائماً بالقسط، أو لا إله إلا هو قائماً بالقسط.

وهذا أوجه لكون الإلهية والتفرد بها مقتضياً للعدالة مثل: هذا أبوك عطوفاً.

أو لا رجل إلا عبد الله شجاعاً.

ويحتمل أن يكون حالاً من "أولي العلم" أي حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة.

الثاني أن يكون صفة للمنفي كأنه قيل: لا إله قائماً بالقسط إلا هو.

وقد رأيناهم يتسعون في الفصل بين الصفة والموصوف.

الثالث أن يكون نصباً على المدح وإن كان نكرة كقوله: ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثاً مراضيع مثل السعالى ومعنى كونه قائماً بالقسط قائماً بالعدل كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي يجريه على سن الاستقامة، أو مقيماً للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآحال، ويثيب ويعاقب وفيما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض والعمل على السوية فيما بينهم.

واعلم أن وجوب الوجود يلزمه الغنى المطلق والعلم التام والفيض العام والحكمة الكاملة والرحمة الشاملة وعدم الانقسام بجهة من الجهات وعدم الافتقار بوجه من الوجوه إلى شيء من الأشياء وعدم النقص والنقض في شيء من الأفعال والأحكام إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العليا.

ومركوز في العقل السليم أن من هذا شأنه لا يصدر منه شيء إلا على وفق العدالة وقضية التسوية ورعاية الأصلح عموماً أو خصوصاً.

فكل ما يخيل إلى المكلف أنه خارج عن قانون العدالة أو يشبه الجور أو القبح، وجب أن ينسب ذلك إلى قصور فهمه وعدم إحاطته التامة بسلسلة الأسباب والمسببات والمبادىء والغايات، فانظر في كيفية خلقه أعضاء الإنسان حتى تعرف عدل الله وحكمته فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح والغنى والفقر والصحة والسقم وطول العمر وقصره واللذة والألم، واقطع بأن كل ذلك عدل وصواب.

ثم انظر في كيفية خلقه العناصر وأجرام الأفلاك والكواكب وتقدير كل منها بقدر معين وخاصية معينة، فكلها حكمة وعدالة.

وانظر إلى تفاوت الخلائق / في العلم والجهل والفطانة والبلادة والهداية والغواية واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط، فإن الإنسان بل كل ما سوى الله  لم يخلق مستعداً لإدراك تفاصيل كلمات الله.

فالخوض في ذلك خوض فيما لا يعنيه بل لا يسعه ولا ينفعه إلا العلم الإجمالي بأنه  واحد في ملكه، وملكه لا منازع له فيه ولا مضاد ولا مانع لقضائه ولا راد، وأن الكل بقضائه وقدره، وفي كل واحد من مصنوعاته ولكل شيء من أفعاله حكم ومصالح لا يحيط بذلك علماً إلا موجده وخالقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

هذا هو الدين القويم والاعتقاد المستقيم، والعدول عنه مراء، والجدال فيه هراء.

فمن نسبه إلى الجور في فعل من الأفعال فهو الجائر لا على غيره بل على نفسه إذ لا يعترف بجهله وقصوره، ولكن ينسب ذلك إلى علام الخفيات والمطلع على الكليات والجزئيات من أزل الآزال إلى أبد الآباد.

ومن زعم أن شيئاً من الأشياء خيراً أو شراً في اعتقاده حسناً أو قبيحاً بحسب نظره خارج عن مشيئته وإرادته فقد كذب ابن أخت خالته، لأنه يدعي التوحيد ثم يثبت قادراً آخر أو خالقاً غير الله  ، ولا خالق إلا هو، فلهذا كرر مضمون الشهادة وقال: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو.

وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو كقولك: الدليل دل على وحدانية الله، ومتى كان كذلك فقد صح القول بوحدانية الله.

وفيه إيقاظ لأمة محمد أن يقولوا على وفق شهادة الله والملائكة وأولي العلم ﴿ لا إله إلا هو ﴾ وإعلام بأن هذه الكلمة يجب أن يكررها المسلم ما أمكنه هو المسك ما كررته يتضوّع *** ثم أكد كونه منفرداً بالألوهية وقائماً بالعدل بقوله: ﴿ الغزيز الحكيم ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم.

ولا تتم القدرة إلا بالتفرد والاستقلال، ولا العدالة إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى.

والدين في اللغة الجزاء ثم الطاعة.

سميت ديناً لأنها سبب الجزاء.والإسلام في اللغة الانقياد والدخول في السلم أو في السلامة أو في إخلاص العبادة من قولهم: "سلم له الشيء" أي خلص له.

والإسلام في عرف الشرع يطلق تارة على الإقرار باللسان في الظاهر ومنه قوله  : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا  ﴾ ويطلق أخرى على الانقياد الكلي وهو المراد ههنا.

وفيه إيذان بأن الدين هو العدل والتوحيد.

أما التوحيد فأن يعلم أن الله  لا شريك له ولا نظير في الذات ولا في صفة من الصفات كما شهد هو به، وأما العدل فهو أن يعلم أن كل ما خلق وأمر المكلف به ونهاه / عنه فإنه عدل وصواب وفيه حكم ومصالح، فيأتمر بذلك وينتهي عنه ليكون عبداً منقاداً معترفاً بأنه  قائم بالقسط.

ومن قرأ بفتح "أن" فتقديره عند البصريين ذلك بدل من الأول، بدل الكل فكأنه قيل: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام فيكون من باب وضع الظاهر موضع المضمر كقوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** وقيل: تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام.

وقيل: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.

لأن كونه  واحداً يوجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام، لأن دين الإسلام مشتمل على هذه الواحدانية.

وقرىء الأول بالكسر والثاني بالفتح على أن الفعل واقع على الثاني وما بينهما اعتراض.

ثم ذكر أنه أوضح الدلائل وأزل الشبهات، والقوم ما كفروا إلا لقصورهم وتقصيرهم فقال: ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم اليهود واختلافهم أن موسى عليه موسى  لما قرب وفاته سلم التوراة إلى سبعين رجلاً من الأحبار وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين بعد ما جاءهم التوراة بغياً بينهم وتحاسداً على طلب الدنيا.

وقيل: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى  بعد ما جاءهم العلم أنه عبد الله ورسوله.

وقيل: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

وأنكروا نبوة محمد  وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش لأنهم أميون ونحن أهل كتاب.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ أي الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم.

لأنا لو حملناه على العلم لزم نسبة العناد إلى جمع عظيم وهو بعيد قاله في التفسير الكبير.

﴿ ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ﴾ لا يصعب عليه عدة أفعاله ومعاصيه وإن كانت كثيرة، أو المراد أنه سيصل إلى الله سريعاً فيحاسبه أي يجازيه على كفره.

ثم بين للرسول  ما يقوله في محاجتهم فقال: ﴿ فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ﴾ قال الفراء: أي أخلصت عملي لله.

فعلى هذا "الوجه" في معنى العمل.

وقيل: أي أسلمت وجه عملي لله.

فحذف المضاف والمعنى كل ما يصدر مني من الأعمال.

فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله والانقياد لإلهيته وحكمه.

وقيل: الوجه مقحم، والتقدير: أسلمت نفسي لله، وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس كأنه موقوف على عبادته معرض عن كل ما سواه، وقوله: ﴿ ومن اتبعن ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿ أسلمت ﴾ وحسن للفصل.

أو مفعول معه والواو بمعنى "مع".

ثم في كيفية إيراد هذا الكلام طريقان: أحدهما أن هذا إعراض عن المحاجة لأنه  كان قد أظهر المعجزات / كالقرآن ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وقد مر في هذه السورة إبطال إلهية عيسى وإثبات نبوة محمد  .

ثم بيّن نفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ وذكر أن اختلاف هؤلاء اليهود والنصارى إنما هو لأجل البغي والحسد فلم يبق إلا أن يقول: أما أنا ومن اتبعن فمنقادون للحق مستسلمون له مقبلون على عبودية الله  .

وهذا طريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.

وثانيهما أن قوله: ﴿ أسلمت ﴾ محاجة وبيانه أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع وكونه مستحقاً للعبادة، فكأنه  قال هذا القول متفق عليه بين الكل فأنا متمسك بهذا القدر المتفق عليه وداعي الخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك.

فاليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركون يدعون وجوب عبادة الأوثان.

فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها ونظير هذه الآية ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً  ﴾ وعن أبي مسلم أن الآية في هذا الموضع كقول إبراهيم  ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ كأنه قيل: فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا متمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأنه كان محقاً في قوله صادقاً في دينه، فيكون من باب التمسك بالإلزامات وداخلاً تحت قوله: ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ ﴿ وقل للذين أوتوا الكتاب ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ والأميين ﴾ وهم مشركو العرب الذين لا كتاب لهم ﴿ أأسلمتم ﴾ ومعناه الأمر وفائدته التعيير بالعناد وقلة الإنصاف كقولك لمن لخصت له المسئلة ولم تأل جهداً في سلوك طريقة الكشف والبيان له: هل فهمتها؟

فإنه يكون توبيخاً له بالبلادة وكلال الذهن ومثله في آية تحريم الخمر ﴿ فهل أنتم منتهون  ﴾ إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء.

﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ إلى ما يهدي الله إليه أو إلى الفوز والنجاة في الآخرة ﴿ وإن تولوا ﴾ أعرضوا عن الإسلام لي والاتباع لك ﴿ فإنما عليك البلاغ ﴾ .

ما عليك إلا أن تبلغ الرسالة وتنبه على طريق الرشاد ﴿ والله بصير بالعباد ﴾ يوفق للصلاح من شاء ويترك على الضلالة من أراد.

ثم وصف المتولي بصفات ثلاث وأردفه بوعيده فقال: ﴿ إن الذين يكفرون بآيات الله ﴾ أي ببعضها المعهود لأن اليهود كانوا مقرين ببعض الآيات الدالة على وجود الصانع وقدرته وعلمه وشيء من المعاد أو بكلها كما هو ظاهر الجمع المضاف، وتوجيهه أن المكذب ببعض آيات الله كالكافر بجميعها ﴿ ويقتلون النبيين ﴾ أي المعهودين لأنهم ما قتلوا كلهم ولا أكثرهم ﴿ بغير حق ﴾ من غير ما شبهة عندهم ﴿ ويقتلون ﴾ أو يقاتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.

عن الحسن أن في الآية دلالة على أن الآمر / بالمعروف والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزل الأنبياء فلهذا ذكرهم عقيبهم.

"وروي أن رجلاً قام إلى رسول الله  فقال: أيّ الجهاد أفضل؟

فقال  : أفضل الجهاد كلمة حق عند سطان جائر" .

فإن قيل: إذا كان قوله: ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ في حكم المستقبل لا أقل من الحال لأنه وعيد لمن هو في زمن رسول الله، ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح الكلام؟

قلنا: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله  والمؤمنين جميعاً، إلا أنه  عصمهم منهم فصح إطلاق القاتل عليهم كما يقال: السم قاتل أي ذلك من شأنه إن وجد القابل.

أو نقول: وصفوا بسيرة أسلافهم لأنهم راضون بذلك.

عن أبي عبيدة بن الجراح "قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟

قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بمعروف ونهى عن منكر ثم قرأ هذه الآية.

ثم قال: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار في ساعة واحدة.

فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً من آخر النهار" ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾ إنما دخلت الفاء لتضمن اسم "إن" معنى الشرط، فإن لا يغير معنى الابتداء بخلاف "ليت" و"لعل".

واعلم أنه  قسم وعيدهم إلى ثلاثة أقسام: الأول اجتماع أسباب الآلام والمكاره عليهم وهو العذاب الأليم، واستعارة البشارة ههنا للتهكم.

الثاني زوال أسباب المنافع عنهم بالكلية وهو قوله: ﴿ أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ﴾ أما في الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن وأسباب الاحترام والاحتشام بأصناف الذل والهوان من السبي والقتل والجزية، وأما في الآخرة فكما قال عز من قائل ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً  ﴾ الثالث لزوم ذلك في حقهم وهو قوله: ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ثم ذكر غاية عناد أهل الكتاب فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ عن ابن عباس قال: "دخل رسول الله  بيت المدراس على جماعة من اليهود فدعاهم إلى الله فقال له نعيم بن عمرو والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟

فقال: على ملة إبراهيم.

فقالا: إن إبراهيم كان يهودياً.

فقال رسول الله: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا" فنزلت.

وقال الكلبي: نزلت في اللذين زنيا من خيبر وحكم رسول الله  فيهما بالرجم وأنكر اليهود عليه  وسوف تجيء القصة في سورة المائدة مفصلة.

وقيل: دعاهم النبي  أو إياهم والنصارى إلى الآيات الدالة على صحة نبوته من التوراة أو منها ومن الإنجيل فأبوا فنزلت.

ومعنى قوله: ﴿ أوتوا نصيباً ﴾ أي حظاً وافراً من علم الكتاب يريد أحبار اليهود.

و"من" إما للتبعيض وإما للبيان.

والكتاب يراد به غير القرآن من الكتب التي كانوا مقرين بحقيتها.

/ وقيل: أي حصلوا من جنس الكتب المنزلة أو من اللوح التوراة وهي نصيب عظيم.

ثم بين سبب التعجيب بقوله: ﴿ يدعون إلى كتاب الله ﴾ وهو التوراة كما مر في أسباب النزول، ولأنه  عجب رسوله من تمردهم وإعراضهم، وإنما يتوجه التعجيب إذا تمردوا عن حكم الكتاب الذي يعتقدون صحته.

وعن ابن عباس أنه القرآن وليس ببعيد لأنهم دعوا إليه بعد قيام الحجج على أنه كتاب من عند الله ليحكم أي الكتاب بينهم أي بينهم وبين رسول الله  ، فحذف الثاني للعلم به.

أو يراد الحكم في الاختلاف الواقع بينهم كما في قصة الزانيين، ولهذا راجعوا في ذلك رسول الله  رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم، قال في الكشاف: والوجه أن يراد ما وقع من الاختلاف والتعادي بين من أسلم من أحبارهم وبين من لم يسلم وأنهم دعوا إلى كتاب الله الذي لا اختلاف بينهم في صحته وهو التوراة ليحكم بين المحق والمبطل منهم ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ وهم الرؤساء والأحبار أو الذين لم يسلموا من أحبارهم ومعنى "ثم" استبعاد ما بين رتبتي الدعاء والتولي ﴿ وهم معرضون ﴾ قوم لا يزال الإعراض ديدنهم وهجيراهم.

والضمير في "هم" إما أن يرجع إلى الفريق أي هم جامعون بين التولي والإعراض لا عن استماعهم الحجة في ذلك المقام فقط، بل عنه وعن سائر المقامات.

وإما أن يرجع إلى الباقين منهم فيكون قد وصف العلماء والرؤساء بالتولي والباقين بالإعراض لأجل إعراض علمائهم ومتقدميهم.

وإما أن يرجع إلى كل أهل الكتاب أي هم قوم عادتهم الإعراض عن قبول الحق ذلك التولي والإعراض، أو ذلك العقاب أو الوعيد بسبب أنهم كانوا يتساهلون في أمر العقاب ولا يفرقون بين ما يتعلق بأصول الدين وبين ما يتعلق بفروعها فقالوا: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات  ﴾ هي أيام عبادة العجل فاستوجبوا الذم من وجوه: أحدها استقصار مدة العذاب ومن أين لهم العلم بذلك؟

وثانيها أن عبادة العجل كفر والكفر يستحق به الكافر عذاباً دائماً.

وثالثها أن استثناء الأيام المعدودات فقط فيه دليل على أنهم استحقروا تكذيب محمد  والقرآن وذلك كفر صريح.

﴿ وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ﴾ من قولهم: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أو من قولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً  ﴾ أو من قولهم "نحن أولى بالنبوة من قريش" أو من زعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم.

﴿ فكيف ﴾ يصنعون؟

أو فكيف حالهم؟

وفي هذا الحذف فخامة لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من العذاب ﴿ إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ قال الفراء: إذا قلت جمعوا اليوم الخميس معناه جمعوا لفعل يوجد في يوم الخميس.

أما إذا قلت: جمعوا في يوم الخميس فلا تضمر فعلاً.

وأيضاً من المعلوم أن ذلك اليوم لا فائدة فيه إلا المجازاة والفرق بين المثاب والمعاقب.

﴿ ووفيت كل نفس ما كسبت ﴾ من ثواب أو عقاب أو جزاء / ما عملت ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ يرجع إلى كل نفس على المعنى لأنه في معنى كل الناس كما تقول: ثلاثة أنفس تريد ثلاثة أناسي.

روي أن أول راية ترفع لأهل الموقف من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله على رؤوس الإشهاد ثم يأمر بهم إلى النار.

التأويل: ﴿ ستغلبون ﴾ إشارة إلى أن المبتلى بالكفر مغلوب الحكم الأزلي بالشقاوة ﴿ ربنا غلبت علينا شقوتنا ﴾ \[المؤمنون: 106\] ثم مغلوب الهوى والنفس والشيطان ولذات الدنيا.

فبغلبات النفس والهوى يرد إلى أسفل سافلي الطبيعة فيعيش فيها ثم يموت على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه في قعر جهنم وبئس المهاد، مهاد مهده في معاشه.

﴿ قد كان لكم آية في فئتين التقتا ﴾ إن لله  فئتين في الظاهر من المؤمن والكافر، وفئتين في الباطن من القلب وصفاته والنفس وصفاتها الذميمة، ولهما الحرب والالتقاء على الدوام وهو الجهاد الأكبر ﴿ والله يؤيد بنصره من يشاء ﴾ من القلب وجنوده وهم الروح والسر والأوصاف الحميدة والملائكة، ومن النفس وأعوانها وهم الهوى والدنيا والأوصاف الذميمة والشياطين ثم أخبر عن جنود الفئتين وأعوان الفرقتين بقوله: ﴿ زين للناس ﴾ .

واعلم أنالله خلق الخلق على طبقات ثلاث: العوام ويعبر عنهم بلفظ الناس والغالب عليهم الهوى وهم أصحاب النفوس، والخواص ويعبر عنهم بلفظ المؤمن وهم أرباب الأرواح والغالب عليهم التقوى، وخواص الخواص ويذكرهم بلفظ الولي ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والغالب فهيم المحبة والشوق.

ثم إن لجهنم سبع دركات محفوفة بالشهوات.

فأشار بالنساء إلى شهوة الفرج، وبالبنين إلى شهوة الطبيعة الحيوانية المائلة إلى الولد، وبالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى شهوة الحرص على المال، وبالخيل المسوّمة إلى شهوة الجاه والخيلاء بالركوب عليها، وبالأنعام إلى شهوة الجمال والاقتناء ﴿ ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون  ﴾ وبالحرث إلى شهوة الحكم والرياسة على الرعايا وأهل القرى.

ثم ذكر درجات الجنات الثمانية للخواص منها التقوى للذين اتقوا والرضا بالقضاء ﴿ ورضوان من الله ﴾ والإيمان ﴿ ربنا إننا آمنا ﴾ والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار هذه جنات عاجلة تجري من تحتها الأنهار الألطاف والواردات.

والأزواج المطهرة الأخلاق الفاضلة التي تتولد منها، فإذا عاش في الجنات مات وحشر كذلك.

ثم أشار إلى أحوال خواص الخواص مستورة من نظر الخواص محفوظة عن فهم العوام بقوله: ﴿ والله عنده حسن المآب ﴾ ما احلولى لهم الدنيا يا دنيا مري على أوليائي ولا وقفوا عند جنة المأوى ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ وإنما طلبوا قرب المولى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى  ﴾ ﴿ شهد الله ﴾ بكلامه / الأزلي عن عمله السرمدي على ذاته الأحدي وكونه الصمدي ﴿ أنه لا إله إلا هو ﴾ وهي شهادة الحق للحق بالحق أنه الحق، وهو متفرد بهذه الشهادة الأزلية الأبدية لا يشاركه فيها أحد، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات وصفاته لا تشبه الصفات، فشهادته لا تشبه الشهادات.

شهد بجلال قدره على كمال عزه حين لا حين ولا أين ولا عقل ولا جهل ولا غير ولا شرك ولا عرش ولا فرش ولا الجنة ولا النار ولا الليل ولا النهار ولا الجن ولا الإنس ولا الملائكة ولا أولو العلم ولا الإنكار ولا الإقرار، فأخبر الذي كان عما كان كما كان وهو أنه لا إله إلا هو، ثم أبدع الموجودات كما شاء على ما شاء لما شاء.

فكل جزء من أجزائها، وكل ذرة من ذراتها، بوجوده مفصح، ولربوبيته موضح، وعلى قدمه شاهد، ولكن ينبوع ماء التوحيد هو القدم فجرى في مجاري أنهار المحدثات إلى أن ظهر من عيون الملائكة وأولي العلم.

ثم الملائكة وإن كانوا مظهر ماء التوحيد كما كان أولو العلم، ولكن اختص أولو العلم منهم بمشربية ﴿ وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها  ﴾ .

لي سكرتان وللندمان واحدة *** شيء خصصت به من بينهم وحدي فحقيقة معنى الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو وهو قائم بالقسط على أمور عباده حتى يشهد على شهادته الملائكة وأولو العلم.

ثم فائدة التكرار بقوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ عائدة إلى أولي العلم الذين لهم شركة مع الملائكة في مظهرية ماء التوحيد بالشهادة، ولهم اختصاص بالمشربية لماء التوحيد فشاهدوا حقيقة ﴿ لا إله إلا هو العزيز ﴾ الذي لا يشاهد عزته إلا أعزته من بين البرية ﴿ الحكيم ﴾ الذي بحكمته اختارهم لهذه العزة من جملة الخليقة.

﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ﴾ الاختلاف في الصورة من نتائج تناكر الأرواح في عالم المعنى والأرواح فما تعارف منها في الميثاق لتقاربهم في الصف أو لتقابلهم في المنزل ائتلف، وما تناكر منها لتباعدهم في الصف أو لتدابرهم في المنزل اختلف.

﴿ إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ فيه أن العلم مظنة الحسد، ولكن المحمود منه ما يخص باسم الغبطة.

﴿ ويقتلون النبيين ﴾ الإنسان خلق مستعداً لقبول فيض صفات لطف الحق وقهره، فكما أن كمال الإنسان في قبول فيض اللطف أن يفدي نفسه في متابعة الأنبياء حتى يكون خير البرية، فنقصانه في قبول فيض القهر أن يقتل الأنبياء حتى يكون شر البرية، فلهذا تحبط أعماله ولا ترجى توبته وترجى توبة إبليس ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن من أوتي حظاً من العلم فعليه إذا دعي إلى حكم من أحكام الله أو إلى ترك الدنيا ومخالفة الهوى أن يمتثل وينقاد وإلا كان مغروراً بالدنيا مفترياً في الدعوى، وهذه حال أكثر من أوتي نصيباً / من علم الظاهر ولم يؤت حظاً من علم الباطن، فهم أهل العزة بالله فكيف حال المغرورين إذا جمعهم الله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ ﴾ .

أي: الشيهات.

﴿ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ ﴾ .

وما ذكر ...

إلى آخره.

قال الحسن: واللهِ ما زيّنها إلا الشيطان؛ إذ لا أحد أذم لها ولأهلها من الله  ، وإليه يذهب المعتزلة، لكن الأصل في هذا وفي أمثاله: أن الله - عز وجل - زيَّن هذه الأشياء، والتزيين من الله [-  ] وتعالى - يقع لوجهين، وكذلك الكراهة - أيضاً - تقع لوجهين: تزين في الطباع، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويُشْتَهي، وإن لم يكن في نفسه حَسَناً.

وتزين في العقل، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه، أو الأمر او حمد العاقبة ونحو ذلك، ثم جعل العقل مانعاً له، ردّاً عما يرغب إليه الطبع ويميل؛ لأن الطبع أبداً يميل [ويرغب] إلى ماهو ألذّ وأشهي وأخف عليه، وينفر عما يضره ويؤلمه.

والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه؛ وعلى ذلك يخرج قوله  : "حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَالنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" : ليس على كراهة العقل، ولا على شهوة العقل؛ ولكن على كراهة الطبع وشهوته؛ وكذلك قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ  ﴾ : ليس على كراهة الاختيار، ولكن كراهة الطبع؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار، وكذلك رغبة العقول رغبة الاختيار، وفيها تجري الكلفة - أعني: على اختيار العقل، لا اختيار الطبع - بما يميل ويرغب في الألذّ، وينفر عن الضارِّ؛ دليله قوله: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً  ﴾ أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجاً؛ فدلت الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته، لا على اختيار الطبع؛ لذلك قلنا: إنه يجوز التزيين في الطبع من الله  ، وكذلك الكراهة في الطبع تكره من الله  .

فأمّا قولهم: إن الشيطان هو الذي زينها: فإن عنوا أنه يزينها لهم، أي: يرغبهم ويدعوهم إليها، ويريهم زينتها - فنعم.

وإن عنوا أنّه يزينها بحيث نَفَّسَهَا لهم - فلا؛ لأن الله -  - وصف الشيطان بالضعف، ونفي عنه هذه القدرة بقوله: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً  ﴾ ، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما قالوا، لم يكن كيده على ما وصفه - عزّ وجلّ - بالضعف؛ ولكن كان قويّاً، ولكنه يدعوهم إليها، ويرغبهم فيها، ويريهم المزين لهم، ثم دعاؤه إيَّاهم، وحجَّته في ذلك، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ  ﴾ ، فالعدو الَّذي يَرَى هو من يعاديه، ولا يُرَى هو - كان يجب أن يكون أحذر منه، وأخوف ممن يرى.

ووجه آخر: أن الشهوات التي أضافت التزيين إليها لا خلاف بينهم في أنها مخلوقة لله [تعالى]، فما بقي للشيطان إلا الدعاء إليها، والترغيب فيها.

وفيه وجه آخر: أنه لو لم يجعل هذا مزيناً من الله  ، زال موضع استدلال الشاهد على الغائب، وبالدنيا على الآخرة.

وقد جعل ما في الدنيا نوعين: مستحسناً ومستقبحاً.

وجعل ذلك عياراً لما أوعد ووعد، فلما لم يكونا منه - لا يصح موضع التعيير، لأنه - جلّ وعلا - بلطفه سخَّر كلّ مرغوب في الدّنيا، ومدعو إليه من جوهره - في الآخرة، وحسنه؛ ليرغب الناسَ هذا إلى ما في الجنة بحسنه ولطفه زينته، ويدعوهم إلى ترك ما في الدّنيا من الفاني إلى نعيم دائم أبداً، فلو جعل هذا من تزيين الشيطان - لعنه الله - ومصنوعه لهم، لذهب عظيم موضع الاستدلال الذي ذكرنا؛ فدلّ أنه مزين منه عز وجل،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

ثمّ امتحنهم [الله] - عز وجل - بترك ما زين لهم في الطباع؛ بما ركب لهم من العقول الوافرة؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين، وعلى ذلك جرت الكلفة والخطاب، لا بما مالت إليه الطباع، ونفرت عنه العقول، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة وجوب الحق في كل ما ذكر في الآية من المال، وكذلك الخيل، وأمّا في النساء والبنين: فلما مُتِّعوا بهم - أوجب عليهم النفقة كذلك.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ ﴾ : أوجب في النساء عليهم النفقة، وكذلك البنين، وأوجب في الذهب والفضّة حقا، ثم ذكر الخيل المسوّمة: إن كان المراد منه جعلها سائمة؛ لذلك قال أبو حنيفة [  ]: إِنَّ فِي الخَيْلِ صََدَقَةً، ثم اختلف في المسوّمة؛ قال بعضهم: هي المسيبّة الراعية.

وقال آخرون: هي المعلمة، وعن ابن عباس -  -: "المُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَة".

وقال غيرهم: المُطَهَّمَة، وهي المُحَسَّنة.

ثم أخبر أن ما ذكر في الآية ﴿ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ، وأمرهم بترك ذلك، وأخبر أن لهم عنده: ﴿ حُسْنُ ٱلْمَآبِ ﴾ ، إن هم تركوا مما امتُحِنُوا [به]، ثم قال: إن من اتقى في الدنيا [له خير] من ذلك بقوله: ﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ إلى آخره.

ثم اختلف في ﴿ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ ﴾ ؛ منهم من قال: ألف ومائتا أوقية.

ومنهم من قال: اثنا عشر ألفاً.

ومنهم من يقول: سبعون ألف دينار.

ومنهم من يقول: هو بلسان الروميّة: ملء مَسْكِ ثور ذهباً أو فضة.

ومنهم من يقول: كل مائةٍ قنطارٌ من كل شيء، وهو اسم المال العظيم الكثير لا يُدرَى ما مقداره، وليس لنا إلى معرفة قدره حاجة ولا فائدة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الرغبة فيما كثر من المال؛ إذ ليس قدر أحق بأن يحمل عليه الرغبة من الآخر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ .

قيل: مطهرة: من الآفات كلها، من الأخلاق السيئة، والأقذار والعيوب كلها، وقد ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة؛ قال: وكل أهل الجنة مطهر من جميع المعايب؛ لأن العيوب في الأشياء علم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، إلا أن الذِّكْر جَرَى للنساء؛ لما ظهر في الدنيا [فيهن] من فضل المعايب والأذى.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا...

﴾ الآية.

قد رضي [منهم] بهذا القول، وفيه تزكية لهم، ولو كان الإيمان: جميعَ الطاعات - لم يرض منهم [التزكية بها، وقد أخبر الله نبيه  أن للذين اتقوا عند ربهم في الجنة خيراً من هذا الذي زيّن] للناس في الدنيا من النساء، وما ذكر إلى آخره.

وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا ﴾ : يحتمل: اتقوا الشرك.

ويحتمل: للذين اتقوا الفواحش والمعاصي كلها.

وقوله: ﴿ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

قيل: الصَّابرين على طاعة الله.

وقيل: [الصابرين] على أداء الفرائض.

وقيل: الصّابرين على المرازئ والمصائب والشدائد.

والصبر: هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي.

وقوله: ﴿ وَٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

قيل: في إيمانهم.

وقيل: الصَّادقين بما وَعَدوا.

وقيل: الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون.

﴿ وَٱلْمُنْفِقِينَ ﴾ .

يحتمل الإنفاق: ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات.

ويحتمل المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضاً من حق القرابة والصلة.

﴿ وَٱلْقَانِتِينَ ﴾ .

قيل: القانت: الخاضع.

وقيل: القانت: المطيع.

وقيل: الخاشع، وكله يرجع إلى واحد، وأصله: القيام، وكل من قام لآخر كان مطيعاً وخاشعاً وخاضعاً ومقراً.

وقيل: القانت: المقرّ كقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ  ﴾ ، أي: مقرون.

وقال قتادة: ﴿ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ : الذين صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه.

﴿ وَٱلصَّادِقِينَ ﴾ : الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السّر والعلانية ﴿ وَٱلْقَانِتِينَ ﴾ : المطيعين.

﴿ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ ﴾ ، ﴿ وَٱلْمُنْفِقِينَ ﴾ : يعني: نفقة أموالهم في السبيل الله.

﴿ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ ﴾ : قيل: المصلين بالأسحار.

وقيل: المصلين في أوّل الليل، والمستغفرين في آخره.

وأصل الاستغفار: طلب المغفرة مما ارْتُكِب من المآثم، على ندامة القلب، والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبداً، ليس كقول الناس: نسغفر الله، غير ندامة القلب، وأصل الاستغفار في الحقيقة: طلب المغفرة بأسبابها، ليس أن يقول بلسانه: اغفر لي؛ كقول نوح [  ]: لقومه: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ  ﴾ أمرهم بالتوحيد، ثم أخبر - عز وجل - أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى آخر ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول-: "خبركم بخير من تلك الشهوات؟

للذين اتقوا الله بفعل طاعته وترك معصيته جناتٌ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين فيها لا يدركهم موت ولا فناء، ولهم فيها أزواج مطهرات من كل سوء في خَلْقِهن وأخلاقهن، ولهم مع ذلك رضوان من الله يحل عليهم فلا يسخط عليهم أبدًا، والله بصير بأحوال عباده، لا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيهم عليها.

من فوائد الآيات أن غرور الكفار بأموالهم وأولادهم لن يغنيهم يوم القيامة من عذاب الله تعالى إذا نزل بهم.

النصر حقيقة لا يتعلق بمجرد العدد والعُدة، وانما بتأييد الله تعالى وعونه.

زَيَّن الله تعالى للناس أنواعًا من شهوات الدنيا ليبتليهم، وليعلم تعالى من يقف عند حدوده ممن يتعداها.

كل نعيم الدنيا ولذاتها قليل زائل، لا يقاس بما في الآخرة من النعيم العظيم الذي لا يزول.

<div class="verse-tafsir" id="91.mYjEG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم تفسير التقوى والجنات والأزواج المطهرة في سورة البقرة.....

وأكبر من هذه الذات كلها رضوان الله تعالى، وهذا يدلنا على أن أهل الجنة طبقات ومراتب كما نراهم في الدنيا، فمن الناس من لا يفهم معنى رضوان الله تعالى ولا يكون باعثًا له على ترك الشر ولا على فعل الخير، وإنما يفهمون معنى اللذات الحسية التي جربوها فكانت أحسن الأشياء موقعًا من نفوسهم، فهم فيها يرغبون ولأجلها يعملون، ولكن جميع المتقين يعرفون في الآخرة هذه اللذة التي لم يكونوا يعقلون لها معنى في الدنيا.

﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ  ﴾ ختم الآية بهذه الجملة للإشعار بأنه ليس كل من ادعى التقوى في نفسه أو بلسانه يكون متقيًا، وإنما المتقي عند الله هو من يعلم الله منه التقوى، وفي هذا تنبيه للناس وإيقاظ لمحاسبة نفوسهم على التقوى لئلا يغشهم العجب بأنفسهم فيحسبوها متقية وما هي بمتقية.

﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا  ﴾ وصف أهل التقوى بشأن من شؤونهم وهو أنهم لتأثر قلوبهم بالتقوى التي هي ثمرة الإيمان تفيض ألسنتهم بالاعتراف بهذا الإيمان في مقام الابتهال والدعاء.

﴿ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ  ﴾ : وصف الله المتقين بهذه الصفات التي استحقوا بها تلك الدرجات.

ومجموع الآيات الواردة في الصبر تدلنا على أن الصبر هو حبس النفس عند كل مكروه يشق على النفس احتماله، وأكمل أنواعه الصبر على ملازمة الشريعة في المنشط والمكره، فعندما تهب زوابع الشهوات فتزلزل الاعتقاد بقبح المعاصي وسوء عاقبتها يكون الصبر هو الذي يثبت الإيمان ويقف بالنفس عند الحدود المشروعة لذلك قرن الأمر بالتواصي بالحق بالأمر بالتواصي بالصبر في سورة العصر، والحق هو المقصود الأول من الدين وهو لا يقوم إلا بالصبر.

وكما يحفظ النفس عند حدود الشرع يحفظ شرف الإنسان في الدنيا عند المكاره ويحفظ حقوق الناس أن تغتالها أيدي المطامع.

والصدق يكون في القول والعمل والوصف، يقال فلان صادق في عمله، صادق في جهاده وصادق في حبه كما يقال صادق في قوله.

وفسروا القانتين بالمطيعين وبالمداومين على الطاعة والعبادة.

والمنفقون معروفون..

إلخ.

ومن مباحث اللفظ النكتة في نسق هذه الأوصاف بالعطف مع أن الأوصاف المعدودة تسرد غير معطوفة، وعن الزمخشري أن العطف يفيد كمال الموصوفين بهذه الأوصاف، وقال غيره من المفسرين إننا لا نعهد من معاني الواو الكمال في معطوفاتها، ومن عنده ذوق في اللسان يجد في نفسه فرقًا بين لمعطوف وغيره، ومن الأمثلة على ذلك قوله الشاعر: ولوكان رمحًا واحدًا لاتقيته ولكنه رمح وثان وثالث وإن بيان الفرق ربما لا تفي به العبارة إلا مع الاستعانة بالسليقة، ويمكن تقريب ذلك بأن يقال إن الأوصاف المسرودة بغير عطف كالوصف الواحد وأما عطفها فيفيد أن كل واحد منها وصف مستقل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر