الآية ١٤١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٤١ من سورة آل عمران

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 118 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : يكفر عنهم من ذنوبهم ، إن كان لهم ذنوب وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به ، وقوله : ( ويمحق الكافرين ) أي : فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وليمحِّصَ الله الذين آمنوا "، وليختبرَ الله الذين صدَّقوا الله ورسوله، فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلصَ الصحيحَ الإيمان، من المنافق.

كما:- 7918- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " وليمحص الله الذين آمنوا "، قال: ليبتلي.

(1) 7919- حدثنا المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

7920- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " وليمحص الله الذين آمنوا "، قال: ليمحص الله المؤمن حتى يصدِّق.

7921- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وليمحص الله الذين آمنوا "، يقول: يبتلي المؤمنين.

7922- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " وليمحص الله الذين آمنوا "، قال: يبتليهم.

7923- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين "، فكان تمحيصًا للمؤمنين، ومحقًا للكافرين.

7924- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق،" وليمحص الله الذين آمنوا "، أي يختبر الذين آمنوا، حتى يخلِّصهم بالبلاء الذي نـزل بهم، وكيف صَبْرهم ويقينُهم.

(2) 7925- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين "، قال: يمحق من مُحق في الدنيا، وكان بقية من يمحق في الآخرة في النار.

* * * وأما قوله: " ويمحق الكافرين "، فإنه يعني به: أنه ينقُصهم ويفنيهم.

* * * يقال منه: " محقَ فلان هذا الطعام "، إذا نقصه أو أفناه،" يمحقه محقًا "، ومنه قيل لمحاق القمر: " مُحاق "، وذلك نقصانه وفناؤه، (3) كما:- 7926- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن &; 7-246 &; ابن جريج قال، قال ابن عباس: " ويمحق الكافرين "، قال: ينقصهم.

7927- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " ويمحق الكافرين "، قال: يمحق الكافر حتى يكذِّبه.

7928- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ويمحق الكافرين "، أي: يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به منكم.

(4) -------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة: ".

.

.

عن مجاهد مثله في قوله.

.

." ، وزيادة"مثله" فساد ، وليس في المخطوطة.

(2) الأثر: 7924- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7917.

(3) انظر تفسير"محق" فيما سلف 6: 15.

و"المحاق" بضم الميم وكسرها.

(4) الأثر: 7928- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7924.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين فيه ثلاثة أقوال : يمحص يختبر .

الثاني : يطهر ; أي من ذنوبهم فهو على حذف مضاف .

المعنى : وليمحص الله ذنوب الذين آمنوا ; قاله الفراء .

الثالث : يمحص يخلص ; فهذا أغربها .

قال الخليل : يقال محص الحبل يمحص محصا إذا انقطع وبره ; ومنه ( اللهم محص عنا ذنوبنا ) أي خلصنا من عقوبتها .

وقال أبو إسحاق الزجاج : قرأت على محمد بن يزيد عن الخليل : التمحيص التخليص .

يقال : محصه يمحصه محصا إذا خلصه ; فالمعنى عليه ليبتلي المؤمنين ليثيبهم ويخلصهم من ذنوبهم .

ويمحق الكافرين أي يستأصلهم بالهلاك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وليمحص الله الذين آمنوا } وهذا أيضا من الحكم أن الله يمحص بذلك المؤمنين من ذنوبهم وعيوبهم، يدل ذلك على أن الشهادة والقتال في سبيل الله يكفر الذنوب، ويزيل العيوب، وليمحص الله أيضا المؤمنين من غيرهم من المنافقين، فيتخلصون منهم، ويعرفون المؤمن من المنافق، ومن الحكم أيضا أنه يقدر ذلك، ليمحق الكافرين، أي: ليكون سببا لمحقهم واستئصالهم بالعقوبة، فإنهم إذا انتصروا، بغوا، وازدادوا طغيانا إلى طغيانهم، يستحقون به المعاجلة بالعقوبة، رحمة بعباده المؤمنين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وليمحص الله الذين آمنوا ) أي : يطهرهم من الذنوب ، ( ويمحق الكافرين ) يفنيهم ويهلكهم معناه : أنهم إن قتلوكم فهو تطهير لكم ، وإن قتلتموهم فهو محقهم واستئصالهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وليمحِّص الله الذين آمنوا» يطهرهم من الذنوب بما يصيبهم «ويمحق» يهلك «الكافرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهذه الهزيمة التي وقعت في "أُحد" كانت اختبارًا وتصفية للمؤمنين، وتخليصًا لهم من المنافقين وهلاكًا للكافرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين فى غزوة أحد فقال : { وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الكافرين } .وقوله { وَلِيُمَحِّصَ } من المحص بمعنى التنقية والتخليص .

يقال : محصت الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث .أو من التمحيص بمعنى الابتلاء والاختبار .وقوله { وَيَمْحَقَ } من المحق وهو محو الشىء والذهاب به ، وأصله نقص الشىء قليلا قليلا حتى يفنى .

يقال : محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى أفناه ومنه المحاق ، لأخر الشهر ، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى .والمعنى : ولقد فعل - سبحانه - ما فعل فى غزوة أحد ، لكى يطهر المؤمنين ويصفيهم من الذنوب ، ويخلصهم من المنافقين المندسين بينهم ، ولكى يهلك الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم وبطرهم .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذكر اربع حكم لما حدث للمؤمنين فى غزوة أحد وهيى : تحقق علم الله - تعالى - وإظهاره للمؤمنين ، وإكرام بعضهم بالشهادة التى توصل صاحبها إلى أعلى الدرجات ، وتطهير المؤمنين وتخليصهم من ذنوبهم ومن المنافقين ، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدا رويدا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن هذا من تمام قوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ  ﴾ فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فاذا كانوا مع باطلهم، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ قُرْحٌ ﴾ بضم القاف وكذلك قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح  ﴾ والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه: فالأول: معناهما واحد، وهما لغتان: كالجهد والجهد، والوجد والوجد، والضعف والضعف.

والثاني: أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد.

والثالث: أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم.

والرابع: وهو قول الفرّاء انه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة.

والخامس: قال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم انها جمع قرحة.

المسألة الثانية: في الآية قولان: أحدهما: إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر، وهو كقوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا  ﴾ والثاني: أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح والقتل، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا، وقتل صاحب لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار.

فان قيل كيف قال: ﴿ قَرْحٌ مّثْلُهُ ﴾ وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟

قلنا: يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ تِلْكَ ﴾ مبتدأ ﴿ والأيام ﴾ صفة و ﴿ نداولها ﴾ خبره ويجوز أن يقال: تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد، فقوله: ﴿ تِلْكَ الأيام ﴾ إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال.

المسألة الثانية: قال القفال: المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر، يقال: تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى: ﴿ كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ  ﴾ أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيباً، ويقال: الدنيا دول، أي تنتقل من قوم الى آخرين، ثم عنهم إلى غيرهم، ويقال: دال له الدهر بكذا إذا انتقل اليه، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه، ويوم آخر بالعكس من ذلك، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها.

واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم، فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه: الأول: أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الايمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الايمان، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله.

والثاني: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدباً له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه.

والثالث: وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الاحياء، ويسقم بعد الصحة، فاذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء، والقدرة بالعجز، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب، فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال: ان كان كما تزعمون، فقد خبنا إذن وخسرنا.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ ففيه مسائل.

المسألة الأولى: اللام في قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله ﴾ متعلق بفعل مضمر، اما بعده أو قبله، أما الاضمار بعده فعلى تقدير وليعلم الله الذين آمنوا فعلنا هذه المداولة، وأما الإضمار قبله فعلى تقدير ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ لأمور، منها ليعلم الله الذين آمنوا، ومنها ليتخذ منكم شهداء، ومنها ليمحص الله الذين آمنوا، ومنها ليمحق الكافرين، فكل ذلك كالسبب والعلة في تلك المداولة.

المسألة الثانية: الواو في قوله: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ نظائره كثيرة في القرآن، قال تعالى: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ والتقدير: وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها، فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرهم.

المسألة الثالثة: ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى، ونظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين  ﴾ وقوله: ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا  ﴾ وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين  ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول  ﴾ وقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها، فقال: كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها.

أجاب المتكلمون عنه: بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها، فثبت أن التغيير في العلم محالا الا أن اطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان والمراد معلومه، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم، فالمراد تجدد المعلوم.

إذا عرفت هذا، فنقول: في هذه الآية وجوه: أحدها: ليظهر الاخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر.

والثاني: ليعلم أولياء الله، فأضاف الى نفسه تفخيما.

وثالثها: ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم.

ورابعها: ليعلم ذلك واقعاً منهم كما كان يعلم أنه سيقع، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.

المسألة الرابعة: العلم قد يكون بحيث يكتفى فيه بمفعول واحد، كما يقال: علمت زيداً، أي علمت ذاته وعرفته، وقد يفتقر إلى مفعولين، كما يقال: علمت زيداً كريما، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالايمان من غيرهم، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الايمان بسبب صبرهم وثباتهم على الاسلام، ويحتمل أن يكون العلم هاهنا من القسم الأول، بمعنى معرفة الذات، والمعنى وليعلم الله الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم، وهو ظهور الصبر حذف هاهنا.

أما قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ﴾ فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: الأول: يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية.

والثاني: المراد منه وليكرم قوماً بالشهادة، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ  ﴾ وقال: ﴿ وَجِئ بالنبيين والشهداء  ﴾ وقال: ﴿ فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين  ﴾ فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بارادة الله تعالى فقالوا: منصب الشهادة على ما ذكرتم، فان كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة، فاذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوباً لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوباً لله تعالى، وأيضاً فقوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ﴾ تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من الله تعالى، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى.

المسألة الثالثة: الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيداً، وفي تعليل هذا الاسم وجوه: الأول: قال النضر بن شميل: الشهداء أحياء لقوله: ﴿ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ  ﴾ فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها.

الثاني: قال ابن الانباري: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول.

الثالث: سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين، كما قال تعالى: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  ﴾ الرابع: سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله: ﴿ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً  ﴾ فكذا هاهنا يجب أن يقال: هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله، كما ماتوا دخلوا الجنة.

ثم قال تعالى: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي المشركين، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ وهو اعتراض بين بعض التعليل وبعض، وفيه وجوه: الأول: والله لا يحب من لا يكون ثابتاً على الايمان صابراً على الجهاد.

الثاني: فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد، لا لأنه يحبهم.

ثم قال: ﴿ وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءَامَنُواْ ﴾ أي ليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم، والمحص: في اللغة التنقية، والمحق في اللغة النقصان، وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ الله الربا  ﴾ أي يستأصله.

قال الزجاج: معنى الآية أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين، فان حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين، لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة لطيفة في المعنى.

والأقرب أن المراد بالكافرين هاهنا طائفة مخصوصة منهم وهم الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وإنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار، بل كثير منهم بقي على كفره، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ ﴿ قرح ﴾ بفتح القاف وضمها، وهما لغتان كالضعف والضعف.

وقيل: هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها.

وقرأ أبو السَّمَّال ﴿ قرح ﴾ بفتحتين.

وقيل القرح والقرح كالطرد والطرد.

والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال.

فأنتم أولى أن لا تضعفوا.

ونحوه ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ [النساء: 104] وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: كيف قيل ﴿ قَرْحٌ مّثْلُهُ ﴾ وماكان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟

قلت: بلى كان مثله، ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار.

ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وتنازعتم فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تحبون ﴾ [آل عمران: 75] .

﴿ وَتِلْكَ الايام ﴾ تلك مبتدأ، والأيام صفته.

و ﴿ نُدَاوِلُهَا ﴾ خبره، ويجوز أن يكون ﴿ تِلْكَ الايام ﴾ مبتدأ وخبراً، كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد.

والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله وهو من أبيات الكتاب: فَيَوْما عَلَيْنَا وَيَوماً لَنَا ** وَيَوْما نُسَاءُ وَيَوما نُسَرّ ومن أمثال العرب: الحرب سجال.

وعن أبي سفيان أنه صعد الجبل يوم أحد فمكث ساعة ثم قال: أين ابن أبي كبشة، أين ابن أبي قحافة، أين ابن الخطاب.

فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر.

فقال أبو سفيان يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال.

فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.

فقال: إنكم تزعمون ذلك فقد خبنا إذن وخسرنا، والمداولة مثل المعاورة.

وقال: يَرِدُ المِيَاهَ فَلاَ يَزَالُ مُدَاوِلا ** فِي النَّاسِ بَيْنَ تَمَثلٍ وَسَمَاعِ يقال: داولت بينهم الشيء فتداولوه ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعلل محذوفاً معناه: وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف، فعلنا ذلك وهو من باب التمثيل، بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت، وإلا فالله عز وجل لم يزل عالماً بالأشياء قبل كونها.

وقيل: معناه وليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، والثاني أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه، معناه: وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم الله.

وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم أن العبد يسوءه ما يجري عليه من المصائب، ولا يشعر أنّ لله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ وليكرم ناساً منكم بالشهادة، يريد المستشهدين يوم أحد.

أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلى به صبركم من الشدائد، من قوله تعالى: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ [البقرة: 143] .

﴿ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ اعتراض بين بعض التعليل وبعض.

ومعناه: والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيل الله، الممحصين من الذنوب.

والتمحيص: التطهير والتصفية ﴿ وَيَمْحَقَ الكافرين ﴾ ويهلكهم.

يعني: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وغير ذلك مما هو أصلح لهم.

وإن كانت على الكافرين، فلمحقهم ومحو آثارهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِيُطَهِّرَهم ويُصَفِّيهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ إنْ كانَتِ الدُّولَةُ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ ويُهْلِكَهم إنْ كانَتْ عَلَيْهِمْ، والمَحْقُ نَقْصُ الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا.

﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ﴾ بَلْ أحَسِبْتُمْ ومَعْناهُ الإنْكارُ.

﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ﴾ ولَمّا تُجاهِدُوا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ والفَرْقُ بَيْنَ لَمّا ولَمْ أنَّ فِيهِ تَوَقُّعَ الفِعْلِ فِيما يُسْتَقْبَلُ.

وَقُرِئَ «يَعْلَمَ» بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَعْلَمْنَ فَحُذِفَتِ النُّونُ، ﴿ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ ﴾ نُصِبَ بِإضْمارِ أنَّ عَلى أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ كَأنَّهُ قالَ: ولَمّا تُجاهِدُوا وأنْتُمْ صابِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وليمحص الله الذين آمنوا} التمحيص التطهير والتصفية {وَيَمْحَقَ الكافرين} ويهلكهم يعني إن كانت الدولة على المؤمنين للتمييز والاستشهاد والتمحيض وإن كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو آثارهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ لِيُطَهِّرَهم مِنَ الذُّنُوبِ، ويُصَفِّيَهم مِنَ السَّيِّئاتِ.

وأصْلُ التَّمْحِيصِ كَما قالَ الخَلِيلُ: تَخْلِيصُ الشَّيْءِ مِن كُلِّ عَيْبٍ يُقالُ: مَحَّصْتُ الذَّهَبَ إذا أزَلْتَ خُبْثَهُ.

والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى (يَتَّخِذَ) وتَكْرِيرُ اللّامِ لِلِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ ولِذَلِكَ أظْهَرَ الِاسْمَ الجَلِيلَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ أوْ لِتَذْكِيرِ التَّعْلِيلِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالِاعْتِراضِ، وهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ كَما قالَ مَوْلانا شَيْخَ الإسْلامِ عِلَلٌ لِلْمُداوَلَةِ المَعْهُودَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى المُؤْمِنِينَ قُدِّمَتْ في الذِّكْرِ لِأنَّها المُحْتاجَةُ إلى البَيانِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ العِلَّةِ الأخِيرَةِ عَنِ الِاعْتِراضِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ انْدِراجُ المُذْنِبِينَ في الظّالِمِينَ، أوْ لِتَقْتَرِنَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ويَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ (141) لِما بَيْنَهُما مِنَ المُناسَبَةِ حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ مِنَ التَّمْحِيصِ والمَحْقِ إزالَةٌ إلّا أنَّ في الأوَّلِ إزالَةَ الآثارِ وإزاحَةَ الأوْضارِ، وفي الثّانِي إزالَةَ العَيْنِ وإهْلاكَ النَّفْسِ، وأصْلُ المَحْقِ تَنْقِيصُ الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِنهُ المِحاقُ، والمَعْنى: ويُهْلِكَ الكافِرِينَ، ولا يُبْقِيَ مِنهم أحَدًا، يَنْفُخُ النّارَ، وهَذا عِلَّةٌ لِلْمُداوَلَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِنهم هُنا طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ وهُمُ الَّذِينَ حارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى مَحَقَهم جَمِيعًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عِلَّةٌ لِلْمُداوَلَةِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى المُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَإنَّ الكُفّارَ إذا غَلَبُوا أحْيانًا اغْتَرُّوا وأوْقَعَهُمُ الشَّيْطانُ في أوْحالِ الأمَلِ، ووَسْوَسَ لَهم فَبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذُنُوبِهِمْ وخَلَّدَهم في النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي: لكي يُظْهر المؤمنين ويكفر ذنوبهم.

والتمحيص في اللغة الاختبار والتطهير.

والله بَيّن أنه يُداول الأيام بين الناس لكي يَظْهر المؤمن من المنافق، ويكرم بعض المؤمنين بالشهادة لينالوا ثواب الشهداء، وقد ذكر ثوابهم بعد هذا في هذه الصورة وليكفر ذنوبهم وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ أي يهلكهم ويستأصلهم لأنهم يجترءون فيخرجون مرة أخرى فيستأصلهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إليه، وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قال السُّدِّيُّ: معناه: وهم يعلَمُونَ أنهم/ قد أَذْنَبُوا «١» ، وقال ابنُ إسحاق: معناه: وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم «٢» ، وقيل: وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل: وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار، ثم شَرَّك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ...

الآية.

قال ص: قوله: وَنِعْمَ المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرة والجنّة.

وقوله سبحانه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ...

الآية: الخطابُ للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديماً ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش: الخِطَابُ ب قَدْ خَلَتْ للكُفَّار.

قال ع «٣» : وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ: معناه: مضَتْ، والسُّنَن: الطرائِقُ.

وقال ابنُ زَيْد: سُنَنَ: معناه: أمثال «٤» ، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله:

فَانْظُروا هو عند الجمهورِ مِنْ نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر.

وقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ، يريد به القُرآن قاله الحَسَن وغيره «١» ، وقال جماعة: الإشارة ب «هذا» إلى قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ.

وقال الفَخْر «٢» : يعني بقوله: هذا بَيانٌ ما تقدَّم من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات.

انتهى.

ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ ألاَّ يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السّلم والرضى، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» «٣» ، وقوله سبحانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ.

قال ص: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضِعِ نصبٍ على الحال.

وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه، أي: لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فالزموه، ثم قال تعالى تسليةً للمؤمنين: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر ومنه قول الخَنْسَاء: [الوافر]

وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي ...

على إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن ...

أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي «٤»

والقَرْح: القَتْل والجِرَاحْ قاله مجاهدٌ وغيره «٥» .

وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، أخبر سبحانه على جهة التسلية أنَّ

الأيام على قديم الدهر وغابِرِه أيضاً إنما جعلَهَا دُولاً بيْنَ البَشَر، أي: فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار.

وقوله تعالى «١» : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، تقديره: وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى: ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلاً أنهم يؤمنون وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ: معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في فضائلِ الشهداءِ، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكفّار بالإدالة، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك حديثٌ «أنَّهُمْ يُدَالُونَ كَمَا تُنْصَرُونَ» والتمحيصُ: التنقيةُ، قال الخليل: التَّمْحِيصُ: التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ/ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ: الإذهاب شيْئاً فشيْئاً ومنه: مَحَاقُ القَمَر، وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ...

الآية: حَسِبْتُم: معناه: ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ، ثم خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، والسبب في ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادراً، فلم يوعب النَّاس معه إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْباً، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضى، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم ونبيِّهم بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنى من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادةِ والتّنعيم، قُلْتُ:

وفي كلام ع «٢» : بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» وخرَّجه أيضًا مسلمٌ «٣» ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: جَعَلَ اللَّهُ الأيّامَ مُداوَلَةً بَيْنَ النّاسِ، لِيُمَحِّصَ المُؤْمِنِينَ، ويَمْحَقَ الكافِرِينَ.

وفي التَّمْحِيصِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ، وأنْشَدُوا: رَأيْتُ فَضِيلًا كانَ شَيْئًا مُلَفَّفًا فَكَشَفَهُ التَّمْحِيصُ حَتّى بَدا لَيًّا وَهُوَ قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّنْقِيَةُ، والتَّخْلِيصُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وحُكِيَ عَنِ المُبَرِّدِ، قالَ: يُقالُ: مَحَّصَ الحَبْلَ مَحْصًا: إذا ذَهَبَ مِنهُ الوَبَرُ حَتّى يَتَخَلَّصَ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: [اللَّهُمَّ ] مَحِّصْ عَنّا ذُنُوبَنا: أذْهِبْها عَنّا.

وذَكَرَ الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ التَّمْحِيصَ: التَّخْلِيصُ، يُقالُ: مَحَّصْتُ الشَّيْءَ أُمَحِّصُهُ مَحْصًا: إذا أخْلَصْتُهُ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ التَّمْحِيصُ: ابْتِلاءُ المُؤْمِنِينَ بِما يَجْرِي عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي: هو تَنْقِيَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ بِذَلِكَ.

قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى الآَيَةِ: ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ بِالذُّنُوبِ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يُهْلِكُهم قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُذْهِبُ دَعْوَتَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: يُنْقِصُهم ويُقَلِّلُهم، قالَهُ الفَرّاءُ.

والرّابِعُ: يُحْبِطُ أعْمالَهم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ الناسِ ولِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ  ﴾ ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ .

أخْبَرَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَسْلِيَةِ؛ أنَّ الأيّامَ عَلى قَدِيمِ الدَهْرِ وغابِرِهِ أيْضًا إنَّما جَعَلَها دُوَلًا بَيْنَ البَشَرِ، أيْ: فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُدالَ عَلَيْكُمُ الكُفّارُ.

وقالَ تَعالى: "نُداوِلُها" فَهي مُفاعَلَةٌ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وإنَّما ساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المُداوَلَةَ مِنهُ تَعالى هي بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الفَرِيقانِ يَتَداوَلانِ حَسُنَ ذَلِكَ، والدُولَةُ بِضَمِّ الدالِ المَصْدَرُ، والدَوْلَةُ بِفَتْحِ الدالِ: الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِن ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ يُقالُ: في دَوْلَةِ فُلانٍ لِأنَّها مَرَّةٌ في الدَهْرِ، وسَمِعَ بَعْضُ العَرَبِ الأقْحاحِ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إنَّما هو "وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ العَرَبِ"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "بَيْنَ الناسِ" فَقالَ: إنّا لِلَّهِ، ذَهَبَ مُلْكُ العَرَبِ ورَبِّ الكَعْبَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ دَخَلَتِ الواوُ لِتُؤْذِنَ أنَّ اللامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ في آخِرِ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا، فَعَلَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلِيَعْلَمَ" مَعْناهُ: لِيَظْهَرَ في الوُجُودِ إيمانُ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أزَلًا أنَّهم يُؤْمِنُونَ، ولِيُساوِقَ عِلْمُهُ إيمانَهم ووُجُودَهُمْ، وإلّا فَقَدْ عَلِمَهم في الأوَّلِ، وعِلْمُهُ تَعالى لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ التَغْيِيرُ؛ ونَحْوُ هَذا: أنْ يَضْرِبَ حاكِمٌ أحَدًا ثُمَّ يُبَيِّنَ سَبَبَ الضَرْبِ ويَقُولَ: فَعَلْتُ هَذا التَبْيِينَ لِأضْرِبَ مُسْتَحِقًّا، مَعْناهُ: لِيَظْهَرَ أنَّ فِعْلِي وافَقَ اسْتِحْقاقَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ  ﴾ ، مَعْناهُ: أهْلَ فَوْزٍ في سَبِيلِهِ حَسْبَما ورَدَ في فَضائِلِ الشَهِيدِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ إدالَتَهُ الكُفّارَ عَلى المُؤْمِنِينَ إنَّما هي لِيُمَحِّصَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ إدالَةَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفّارِ إنَّما هي لِمَحْقِ الكُفّارِ، هَذا مُقْتَضى ألْفاظِ الآيَةِ.

وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: جَعَلَ اللهُ الدَوْلَةَ لِرَسُولِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ.

وذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى العِبارَةِ عن إدالَةِ المُؤْمِنِينَ بِالنَصْرِ، وعن إدالَةِ الكُفّارِ بِالإدالَةِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  حَدِيثُ: « "إنَّهم يُدالُونَ كَما تُنْصَرُونَ".» والتَمْحِيصُ: التَنْقِيَةُ.

قالَ الخَلِيلُ: التَمْحِيصُ مِنَ العَيْبِ، يُقالُ: مَحَّصَ الحَبْلُ إذا زالَ عنهُ بِكَثْرَةِ مَرِّهِ عَلى اليَدِ زِئْبِرُهُ وأمْلَسَ، هَكَذا ساقَ الزَجّاجُ اللَفْظَةَ "الحَبْلُ" ورَواها النَقّاشُ "مَحَّصَ الجَمَلُ": إذا زالَ عنهُ وبَرُهُ وأمْلَسَ، وقالَ حَنِيفُ الحَناتِمِ، وقَدْ ورَدَ ماءً يُقالُ لَهُ: طُوَيْلِعٌ: إنَّكَ لَمَحِصُ الرِشاءِ، بَعِيدُ المُسْتَقى، مَطِلٌ عَلى الأعْداءِ، فالمَعْنى: إنَّهُ لِبُعْدِهِ يَمْلُسُ حَبْلُهُ بِطُولِ الجَرِّ ومَرِّ الأيْدِي.

فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يُمَحِّصُ المُؤْمِنِينَ إذا أدالَ عَلَيْهِمْ، بِأنَّهُ يُنَقِّي المُتَشَهِّدِينَ مِن ذُنُوبِهِمْ، ويُنَقِّي الأحْياءَ مِن مُنافِقِهِمْ إذْ يُمَيِّزُهُمْ، وأنَّهُ يَمْحَقُ الكافِرِينَ إذا نَصَرَ عَلَيْهِمْ أيْ: يَنْقُصُهُمْ، والمَحْقُ: الذَهابُ شَيْئًا شَيْئًا، ومِنهُ مِحاقُ القَمَرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الايام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس}.

تسلية عمَّا أصاب المسلمين يوم أُحُد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب، إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب، وقد سبق أنّ العدوّ غُلب.

والمسّ هنا الإصابة كقوله في سورة [البقرة: 214] ﴿ مستهم البأساء والضراء ﴾ والقَرح بفتح القاف في لغة قريش الجرح، وبضمِّها في لغة غيرهم، وقرأه الجمهور: بفتح القاف، وقرأه حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف: بضمّ القاف، وهو هنا مستعمل في غير حقيقته، بل هو استعارة للهزيمة الَّتي أصابتهم، فإنّ الهزيمة تشبّه بالثلمة وبالانكسار، فشبّهت هنا بالقرح حين يصيب الجسد، ولا يصحّ أن يراد به الحقيقة لأنّ الجراح الَّتي تصيب الجيش لا يعبأ بها إذا كان معها النصر، فلا شكّ أنّ التسلية وقعت عمّا أصابهم من الهزيمة.

والقوم هم مشركو مكة ومن معهم.

والمعنى إن هُزِمتم يوم أُحُد فقد هزم المشركون يوم بدر وكنتم كفافاً.

ولذلك أعقبه بقوله: وتلك الأيام نداولها بين الناس } .

والتَّعبير عمَّا أصاب المسلمين بصيغة المضارع في ﴿ يمسسكم ﴾ لقُربه من زمن الحال، وعمّا أصاب المشركين بصيغة الماضِي لبعده لأنَّه حصل يوم بدر.

فقوله: ﴿ فقد مس القوم قرح ﴾ ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنّه دليل عليه أغنى عنه على طريقة الإيجاز، والمعنى: إن يمسكم قرح فلا تحْزنوا أو فلا تهنوا وهَناً بالشكّ في وعد الله بنصر دينه إذ قد مسّ القومَ قرح مثله فلم تكونوا مهزومين ولكنّكم كنتم كفافاً، وذلك بالنِّسبة لقلّة المؤمنين نصر مبين.

وهذه المقابلة بما أصاب العدوّ يوم بدر تعيِّن أن يكون الكلام تسلية وليس إعلاماً بالعقوبة كما قاله جمع من المفسّرين.

وقد سأل هرقل أبا سفيان: كيف كان قتالكم له قال «الحرب بيننا سِجَال يَنَالُ مِنَّا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الرسل تبتلَى وتكون لهم العاقبة».

وقوله: ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ الواو اعتراضية، والإشارة بتلك إلى ما سيُذكر بعدُ، فالإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن لقصد الاهتمام بالخبر وهذا الخبر مكنّى به عن تعليل للجواب المحذوف المدلول عليه بجملة: ﴿ فقد مس القوم قرح مثله ﴾ .

و ﴿ الأيَّام ﴾ يجوز أن تكون جمع يوم مراد به يوم الحرب، كقولهم: يوم بدر ويوم بُعاث ويوم الشَّعْثَمَيْن، ومنه أيّام العرب، ويجوز أن يكون أطلق على الزّمان كقول طرفة: وما تَنْقُصصِ الأيَّامُ والدهرُ يَنْفَدِ *** أي الأزمان.

والمداولة تصريفها غريب إذ هي مصدر دَاول فلان فلاناً الشيء إذا جعله عنده دُولة ودوُلة عند الآخر أي يَدُولُه كُلٌّ منهما أي يلزمه حتَّى يشتهر به، ومنه دال يَدُول دَوْلاً اشتهر، لأنّ الملازمة تقتضِي الشهرة بالشيء، فالتداول في الأصل تفاعل من دال، ويكون ذلك في الأشياء والكلام، يقال: كلام مُدَاوَل، ثُمّ استعملوا داولت الشيء مجازاً، إذا جعلت غيرك يتداولونه، وقرينة هذا الاستعمال أن تقول: بينهم.

فالفاعل في هذا الإطلاق لا حظّ له من الفعل، ولكن له الحظّ في الجعل، وقريب منه قولهم: اضطررته إلى كذا، أي جعلته مضطرّاً مع أنّ أصل اضطرّ أنَّه مطاوع ضَرّه.

و ﴿ النَّاس ﴾ البشر كلهم لأنّ هذا من السنن الكونية، فلا يختصّ بالقوم المتحدّث عنهم.

﴿ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ ﴿ وَلِيُمَحِّصَ الله الذين ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الكافرين ﴾ .

عطف على جملة ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ ، فمضمون هذه علّة ثانية لجواب الشرط المحذوف المدلول عليه بقوله: ﴿ فقد مس القوم قرح مثله ﴾ وعلم الله بأنّهم مؤمنون متحقق من قبل أن يمسهم القرح.

فإن كان المراد من ﴿ الَّذين آمنوا ﴾ هنا معنى الَّذين آمنوا إيماناً راسخاً كاملاً فقد صار المعنى: أنّ علم الله برسوخ إيمانهم يحصل بعد مَسِّ القرح إيّاهم، وهو معنى غير مستقيم، فلذلك اختلف المفسّرون في المراد من هذا التَّعليل على اختلاف مذاهبهم في صفة العِلم، وقد تقرّر في أصول الدّين أن الفلاسفة قالوا: إنّ الله عالم بالكلّيات بأسرها، أي حقائق الأشياء على ما هي عليه، علماً كالعِلم المبحوث عنه في الفلسفة لأنّ ذلك العلم صفة كمال، وأنَّه يعلم الجزئيات من الجواهر والأعراض علماً بوجه كلّي.

ومعنى ذلك أنَّه يعلمها من حيث إنَّها غير متعلّقة بزمان، مِثالُه: أن يعلم أنّ القمر جسم يوجد في وقت تكوينه، وأنّ صفته تكون كذا وكذا، وأنّ عوارضه النورانية المكتسبة من الشَّمس والخسوف والسَّير في أمد كذا.

أمَّا حصوله في زمانه عندما يقع تكوينه، وكذلك حصول عوارضه، فغير معلوم لله تعالى، قالوا: لأنّ الله لو علم الجزئيات عند حصولها في أزمنتها للزم تغيّر علمه فيقتضي ذلك تغيّر القديم، أو لزم جهل العالِم، مثاله: أنَّه إذا علم أنّ القمر سيخسف ساعة كذا علماً أزلياً، فإذا خسف بالفعل فلا يخلو إمّا أن يزول ذلك العلم فيلزم تغيّر العلم السابق فيلزم من ذلك تغيّر الذات الموصوفةِ به من صفة إلى صفة، وهذا يستلزم الحدوث إذ حدوث الصّفة يستلزم حدوث الموصوف، وإمّا أن لا يزول العلم الأول فينقلب العلمُ جهلاً، لأنّ الله إنَّما علم أنّ القمر سيخسف في المستقبل والقمر الآن قد خسف بالفعل.

ولأجل هذا قالوا: إنّ علم الله تعالى غير زماني.

وقال المسلمون كلّهم: إنّ الله يعلم الكلّيات والجزئيات قبل حصولها، وعند حصولها.

وأجابوا عن شبهة الفلاسفة بأن العلم صفة من قبيل الإضافة أي نسبة بين العالِم والمعلوم، والإضافات اعتباريات، والاعتباريات عدميات، أو هو من قبيل الصّفة ذات الإضافة: أي صفة وجودية لها تعلّق، أي نسبة بينها وبين معلومها.

فإن كان العلم إضافة فتغيّرها لا يستلزم تغيّر موصوفها وهو العالم، ونظَّروا ذلك بالقديم يوصف بأنَّه قبل الحادث ومعه وبعده، من غير تغيّر في ذات القديم، وإن كان العلم صفة ذات إضافة أي ذات تعلّق، فالتغيّر يعتري تعلّقها ولا تتغيّر الصّفة فضلاً عن تغيّر الموصوف، فعلمُ اللَّهِ بأن القمر سيخسف، وعلمُه بأنَّه خاسف الآن، وعلمُه بأنَّه كان خاسفاً بالأمس، علم واحد لا يتغيّر موصوفة، وإن تغيّرت الصّفة، أو تغيّر متعلّقها على الوجهين، إلاّ أن سلف أهل السنّة والمعتزلة أبوا التَّصريح بتغيّر التعلُّق ولذلك لم يقع في كلامهم ذكر تعلقين للعلم الإلهي أحدهما قديم والآخر حادث، كما ذكروا ذلك في الإرادة والقدرة، نظراً لكون صفة العلم لا تتجاوز غيرَ ذات العالم تجاوزاً محسوساً.

فلذلك قال سلفهم: إنّ الله يعلم في الأزل أنّ القمر سيخسف في سنتنا هذه في بلد كذا ساعة كذا، فعند خسوف القمر كذلك عَلِم اللَّه أنَّه خسف بذلك العلم الأوّل لأنّ ذلك العلم مجموع من كون الفعل لم يحصل في الأزل، ومن كونه يحصل في وقته فيما لا يزال، قالوا: ولا يقاس ذلك على علمنا حين نعلم أنّ القمر سيخسف بمقتضى الحساب ثمّ عند خسوفه نعلم أنَّه تحقّق خسوفه بعلم جديد، لأنّ احتياجنا لعلم متجدّد إنَّما هو لطريان الغفلة عن الأول.

وقال بعض المعتزلة مثل جَهْم بن صَفْوَان وهِشام بن الحَكم: إنّ الله عالم في الأزل بالكلّيات والحقائق، وأمَّا علمه بالجزئيات والأشخاص والأحوال فحاصل بعد حدوثها لأنّ هذا العلم من التصديقات، ويلزمه عَدم سبق العلم.

وقال أبو الحُسين البصري من المعتزلة، رادّاً على السلف: لا يجوز أن يكون علم الله بأنّ القمر سيخسف عين علمه بعد ذلك بأنَّه خسف لأمور ثلاثة: الأوّل التغايُر بينهما في الحقيقة لأنّ حقيقة كونه سيقع غيرُ حقيقة كونه وقع، فالعلمُ بأحدهما يغاير العلم بالآخر، لأنّ اختلاف المتعلّقين يستدعي اختلاف العالم بهما.

الثَّاني التغاير بينهما في الشرط فإنّ شرط العلم بكون الشيء سيقع هو عدم الوقوع، وشرط العلم بكونه وقَع الوقوعُ، فلو كان العلمان شيئاً واحداً لم يختلف شرطاهُما.

الثَّالث أنّه يمكن العلم بأنَّه وقع الجهل بأنَّه سيقع وبالعكس وغير المعلوم غير المعلوم (هكذا عبّر أبو الحسين أي الأمر الغير المعلوم مغاير للمعلوم) ولذلك قال أبو الحسين بالتزام وقوع التَّغير في علم الله تعالى بالمتغيِّرات، وأنّ ذاته تعالى تقتضي اتّصافه بكونه عالماً بالمعلومات الَّتي ستقع، بشرط وقوعها، فيحدث العلم بأنَّها وجدت عند وجودها، ويزول عند زوالها، ويحصل علم آخر، وهذا عين مذهب جهم وهشام.

ورُدّ عليه بأنَّه يلزم أن لا يكون الله تعالى في الأزل عالماً بأحوال الحوادث، وهذا تجهيل.

وأجاب عنه عبد الحكيم في «حاشية المواقف» بأنّ أبا الحسين ذهب إلى أنَّه تعالى يعلم في الأزل أنّ الحادث سيقع على الوصف الفلاني، فلا جهل فيه، وأنّ عدم شهوده تعالى للحوادث قبل حدوثها ليس بجهل، إذ هي معدومة في الواقع، بل لو علمها تعالى شهودياً حينَ عدمها لكان ذلك العلم هو الجهل، لأنّ شهود المعدوم مخالف للواقع، فالعلم المتغيّر الحادث هو العلم الشهودي.

فالحاصل أنّ ثمة علمين: أحدهما قديم وهو العلم المشروط بالشروط، والآخر حادث وهو المعلوم الحاصلة عند حصول الشروط وليست بصفة مستقلّة، وإنَّما هي تعلّقات وإضافات، ولذلك جرى في كلام المتأخّرين، من علمائنا وعلماء المعتزلة، إطلاق إثباتتِ تعلّققٍ حادثثٍ لعلم الله تعالى بالحوادث.

وقد ذكر ذلك الشَّيخ عبد الحكيم في «الرسالة الخاقانية» الَّتي جعلها لِتحقيق علم الله تعالى غير منسوب لقائل، بل عبّر عنه بقيل، وقد رأيت التفتزاني جرى على ذلك في «حاشية الكشّاف» في هذه الآية فلعل الشَّيخ عبد الحكيم نسي أن ينسبه.

وتأويل الآية على اختلاف المذاهب: فأمَّا الّذين أبو إطلاق الحدوث على تعلّق العلم فقالوا في قوله: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ أطلق العلم على لازمه وهو ثبوت المعلوم أي تميّزه على طريقة الكناية لأنَّها كإثبات الشيء بالبرهان، وهذا كقول إياس بن قبيصة الطائي: وأقبلت والخطيّ يخطِر بينا *** لأَعْلَمَ مَن جَبَانَها مِنْ شجاعها أي ليظهر الجبان والشُّجاع فأطلق العلم وأريد ملزومه.

ومنهم من جعل قوله: ﴿ وليعلم الله ﴾ تمثيلاً أي فعل ذلك فِعْلَ من يريد أن يعلم وإليه مال في «الكشاف»، ومنهم من قال: العلّة هي تعلّق علم الله بالحادث وهو تعلّق حادث، أي ليعلم الله الَّذين آمنوا موجودين.

قاله البيضاوي والتفتزاني في «حاشية الكشّاف».

وإن كان المراد من قوله: ﴿ الذين آمنوا ﴾ ظاهرَهُ أي ليعلم من اتَّصف بالإيمان، تعيّن التأويل في هذه الآية لاَ لأجل لزوم حدوث علم الله تعالى، بل لأنّ علم الله بالمؤمنين من أهل أُحُد حاصل من قبللِ أن يمسّهم القرح، فقال الزجاج: أراد العِلمَ الَّذي يترتّب عليه الجزاء وهو ثباتهم على الإيمان، وعدم تزلزلهم في حال الشدّة، وأشار التفتزاني إلى أنّ تأويل صاحب «الكشاف» ذلك بأنَّه وارد مورد التمثيل، ناظر إلى كون العلم بالمؤمنين حاصلاً من قبل، لا لأجل التحرّز عن لزوم حدوث العلم.

وقوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ عطف على العلّة السابقة.

وجعل القتل في ذلك اليوم الَّذي هو سبب اتِّخاذ القتلى شهداء علَّة من علل الهزيمة، لأنّ كثرة القتلى هي الَّتي أوقعت الهزيمة.

والشهداء هم الَّذين قُتلوا يوم أُحُد، وعبّر عن تقدير الشهادة لهم بالاتّخاذ لأنّ الشهادة فضيلة من الله، واقتراب من رضوانه، ولذلك قوبل بقوله: ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي الكافرين فهو في جانب الكفّار، أي فقتلاكم في الجنَّة، وقتلاهم في النَّار، فهو كقوله: ﴿ قل هل تربّصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين ﴾ [التوبة: 52].

والتَّمحيص: التنقية والتخليص من العيوب.

والمحق: الإهلاك.

وقد جعل الله تعالى مسّ القرح المؤمنين والكفار فاعلاً فِعلاً واحداً: هو فضيلة في جانب المؤمنين، ورزّية في جانب الكافرين، فجعله للمؤمنين تمحيصاً وزيادة في تزكية أنفسهم، واعتباراً بمواعظ الله تعالى، وجعله للكافرين هلاكاً، لأنّ ما أصابهم في بدر تناسوه، وما انتصروه في أحُد يزيدهم ثقة بأنفسهم فيتواكلون؛ يظنون المسلمين قد ذهب بأسهم، على أنّ المؤمنين في ازدياد، فلا ينقصهم من قُتل منهم، والكفّار في تناقض فمن ذهب منهم نفد.

وكذلك شأن المواعظ والنذر والعبر قد تكسب بعض النُّفوس كمالاً وبَعْضها نقصاً قال أبو الطيب: فحُبّ الجبان العيش أورده التُّقى *** وحبّ الشجاع العيش أورده الحربا ويختلف القصدَان والفعل واحد *** إلى أن نَرى إحسانَ هذا لنا ذنبا وقال تعالى: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 124، 125]، وقال: ﴿ وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ﴾ [الإسراء: 82] وهذا من بديع تقدير الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُنَنٌ مِنَ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ أهْلَكَهم بِها.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم أهْلُ سُنَنٍ كانُوا عَلَيْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ السُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ المُتَّبَعَةُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِنهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ  ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ فَيْدٍ: فَإنَّ الأُلى بِالطَّفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَّآسِيا ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

﴿ وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ نُورٌ وأدَبٌ.

﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ يَعْنِي أنْ يُصِيبَكم قَرْحٌ، قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّ القَرْحَ بِالفَتْحِ: الجِراحُ، وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وَأمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَسِّ واللَّمْسِ فَهو أنَّ اللَّمْسَ مُباشَرَةٌ بِإحْساسِ، والمَسَّ مُباشَرَةٌ بِغَيْرِ إحْساسٍ، وهَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ تَسْلِيَةً لَهم فَإنْ أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ قَرْحٌ فَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلُهُ.

﴿ وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: أيْ تَكُونُ مَرَّةً لِفِرْقَةٍ، ومَرَّةً عَلَيْها والدُّوَلَةُ: الكَرَّةُ، يُقالُ: أدالَ اللَّهُ فُلانًا مِن فُلانٍ بِأنْ جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عَلَيْهِ.

﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لِيَبْتَلِيَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالتَّمْحِيصِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ والزَّجّاجِ، أصْلُ التَّمْحِيصِ عِنْدَهُما التَّخْلِيصُ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.

﴿ وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْقُصُهم.

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ قِيلَ: تَمَنّى المَوْتَ بِالجِهادِ مَن لَمْ يَحْضُرْ بَدْرًا، فَلَمّا كانَ أُحُدٌ أعْرَضَ كَثِيرٌ مِنهم فَعاتَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ.

والثّانِي: فَقَدْ رَأيْتُمْ أسْبابَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ إن يمسسكم ﴾ قال: أن يصبكم.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ برفع القاف فيهما.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ قال: جراح وقتل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ قال: إن يقتل منكم يوم أحد فقد قتلتم منهم يوم بدر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: نام المسلمون وبهم الكلوم يعني يوم أحد قال عكرمة: وفيهم أنزلت ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ وفيهم أنزلت ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ﴾ [ النساء: 104] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ فانه كان يوم أحد بيوم بدر.

قتل المؤمنون يوم أحد اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر، فجعل له الدولة عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ قال: فانه أدال المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبلغني أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد بضعة وسبعين رجلاً، عدد الأسارى الذين أسروا يوم بدر من المشركين، وكان عدد الأسارى ثلاثة وسبعين رجلاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ قال: جعل الله الأيام دولاً.

مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء.

أدال الكفار يوم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية قال: والله لولا الدول ما أودى المؤمنون، ولكن قد يدال للكافر من المؤمن ويُبْتَلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب.

وأخرج عن السدي ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ يوماً لكم ويوماً عليكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي حاتم عن ابن سيرين ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ يعني الأمراء.

وأخرج ابن المنذر عن أبي جعفر قال: إن للحق دولة وإن للباطل دولة من دولة الحق.

إن إبليس أمر بالسجود لأدم فأديل آدم على إبليس، وابتلي ادم بالشجرة فأكل منها فأديل إبليس على آدم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ قال: إن المسلمين كانوا يسألون ربهم اللهم: ربنا أرنا يوماً كيوم بدر، نقاتل فيه المشركين، ونبليك فيه خيراً، ونلتمس فيه الشهادة.

فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يوماً كيوم بدر.

يبلون فيه خيراً، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق.

فلقوا يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله تعالى فقال: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً ﴾ [ البقرة: 154] الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ قال: يكرم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ يقول: أن لا تقتلوا لا تكونوا شهداء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الضحى قال: نزلت ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ فقتل منهم يومئذ سبعون، منهم أربعة من المهاجرين: منهم حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟

قالوا: فلان وفلان.

أخوها وزوجها.

أو زوجها وابنها، فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالوا: حي...

قالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء.

ونزل القرآن على ما قالت ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ﴾ قال: يبتليهم ﴿ ويمحق الكافرين ﴾ قال: ينقصهم.

وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين.

إنه كانت إذا تلا هذه الآية قال: اللهمَّ محصناً ولا تجعلنا كافرين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسحاق ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ وتصيبوا من ثوابي الكرامة ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ﴾ يقول: ولمَ اختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره؟

حتى أعلم صدق ذلك منكم.

الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم فيّ.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: لِيُظْهِرَهم (١) (٢) (٣) قرأت على سَعِيد بن محمد الحِيري، فقلت: أَخْبَرَكم أبو علي الفارسي، عن الزجَّاج، قال: سمعت المبَرِّد يقول: (مَحَصَ (٤) (٥) (٦) (٧) و (حبْلٌ مَحِصٌ، ومَلِصٌ)، بمعنًى واحدٍ (٨) قال (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) صُمِّ النُّسُورِ صِحاحٌ غيرُ عاثِرَةٍ ...

رُكِّبْنَ في مَحِصَاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ (١٦) (١٧) قال المُبرِّد (١٨) (١٩) وهذا الذي ذكره المبرِّدُ، تأويل (المَحَصِ) -بفتح الحاء-، وهو واقعٌ (٢٠) (٢١) قال الخليل (٢٢) (٢٣) [شَدِيدُ] (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وَشَقّوا (٢٨) (٢٩) (٣٠) يعني: بِمَجْلُوِّ النِّصَالِ (٣١) فمعنى قوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: لِيُخَلِّصهم مِن ذُنوبهم.

وإلى هذا ذَهَب أكثرُ أهلِ المعاني والتفسير.

وقال (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) حتى بَدَتْ قَمْرَاؤُهُ وتَمَحَّصَتْ ظَلْمَـ ...

ـاؤُهُ (٣٧) (٣٨) وهذا اختيار الفرَّاء؛ لأنه قال (٣٩) (٤٠) وعلى هذا القول؛ تقدير الآية: وَلِيُمَحِّصَ الله ذنوبَ الذين آمنوا.

فحذف المضاف (٤١) وروى أبو عُبَيْد (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ﴾ أي: لِيَبْتَلِي.

وهذا اختيار القُتَيْبِيِّ (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ .

(المَحْقُ) في اللغة معناه: النُّقْصَان.

يقال: (مَحَقَهُ اللهُ، فامْتَحَقَ، وامَّحَقَ) (٤٩) وقال أبو زيد (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) وأنشد ابن السِّكِّيت (٥٦) ...

حتى أنسَّ وأَمْحَقَا (٥٧) (٥٨) (٥٩) ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾ (٦٠) قال أبو إسحاق (٦١) لِيُمَحِّصَ اللهُ المُؤْمنينَ، إذا أدَالَ عليهم، بما يقع عليهم (٦٢) ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ : يستأصلهم، إذا أدال عليهم، ويهلكهم بذنوبهم.

فَقَابَلَ (٦٣) (١) هكذا في (أ)، (ب): (لِيُظْهرهم) -بالظاء-.

وفي (ج): (ليطهِّرهم) -بالطاء-.

وهي أوْلى.

إلّا أنَّ الأولَى، وهي (لِيظْهِرَهم) تدخل في المعنى المراد من التمحيص.

جاء في "اللسان" (..

وقد أمْحَصَت الشمسُ؛ أي: ظهرت من الكسوف وانجلت) 7/ 4145 (محص).

وقد قال المؤلف -فيما سيأتي- عند تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ : (قد ذكرنا للتمحيص ثلاثة معانٍ، عند قوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ : التطهير، والكشف، والابتلاء.

وهذا القول يعزز ما جاء في نسخة (ج)؛ لأن التطهير مصدر لـ (طهَّر)، إلا أنِّي آثرت أن أبقِيَ ما في نسختي (أ)، (ب)؛ لأن الكلمة وردت فيهما مضبوطة بالشكل، واضحة، فكأن الناسخ أراد بشَكْلها أن يُنَبِّهنا إلى رسمها.

(٢) في (ب): (والتلخيص).

(٣) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من: (ب)، (ج) و"معاني القرآن"، للزجاج، حيث وردت العبارة فيه.

(٤) هكذا ضبطت في (أ): (مَحَصَ) -بفتح الحاء-.

وكذا وردت في "معاني == القرآن"، للزجاج 1/ 471.

أمّا في (ب)، (ج) فأهمِلَت من الشَّكْل.

وفي "التهذيب" 4/ 3350، و"اللسان" 7/ 4145 فقد وردت فيهما: (مَحِصَ) -بكسر الحاء-.

(٥) (أ)، (ب)، (ج): (محصا) مُهْمَلة من الشَّكْل.

وضَبَطْتُها من: "معاني القرآن"، للزجاج 1/ 471، و"التهذيب" 4/ 3350 حيث نقل نَصَّ الزجاج، و"الدر المصون" 3/ 407 حيث نقل هذا النص عن الواحدي.

أمّا في: "الزاهر" 1/ 108، و"اللسان" 7/ 4145 فقد وردت فيها: (مَحَصًا) -بفتح الحاء-.

(٦) (أ)، (ب)، (ج): زبيره وفي "معاني القرآن" للزجاج: (إذا ذهب منه الوبَرُ).

وقد وردت (زبيره) في: "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي: 536 إلا أني لم أجدها في كتب اللغة الأخرى التي رجعت إليها.

وقد ذكرها السمين الحلبي -نفسه- في: "الدر المصون" 3/ 407 (زئبره) وفق ما أثبَتُّهُ.

والمثبت من كتب اللغة.

انظر: "مقاييس اللغة" 5/ 300 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145، و"الدر المصون" 3/ 407.

الزِّئْبِرُ -بكسر الباء، وقد يضمها بعضُهم-: هو ما يظهر من درز الثوب.

وهو الزَّغَب والوَبَر الذي يعلو المنسوجات.

انظر: "التاج" 6/ 449 (زأبر)، و"المعجم الوسيط" 1/ 388 (زأبر).

(٧) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

وهي فيهما غير مشكولة.

وفي "معاني القرآن"، للزجاج وردت: (يَمْلَصَ).

وقد ضبطْتُها بالشكل من: "تهذيب اللغة" 4/ 3350 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145 (محص).

وهي الصواب.

ويَمَّلص: يَنْزَلِقُ من اليد.

والمَلَص: الزَّلَق.

يقال: (مَلِصَ مَلَصًا)، (فهو أمْلَصُ، ومَلِصٌ، ومَلِيصٌ).

قال في: "اللسان" (و (امَّلَصَ، وتَمَلَّص): زَلَّ انسلالًا لِمَلاسَتِهِ.

وخصَّ اللِّحيانيُّ به الرِّشاءَ، والعِنان، والحبل، قال: و (انمَلَص الشيءُ): أفْلَتَ.

وتُدْغمُ النون في المِيمِ) 7/ 4262 (ملص).

(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 471، و"الزاهر" 1/ 108، و"تهذيب اللغة" == 4/ 3350 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145، و"الدر المصون" 3/ 407.

(٩) القائل هو الزجاج، ويروي المؤلفُ قولَه هذا بسنده السابق، وقول الزجاج -بنصه- في: "معاني القرآن" له 1/ 472.

قال الزجاج: (ويقال: ..) وذكره.

(١٠) في (ب): (يملص).

وفي "معاني القرآن" (تُمَحَّصَ).

وما أثبتُّه ورد كذلك في: "تهذيب اللغة" 4/ 3350 (محص) حيث نقل نَصَّ الزجاج.

و"الدر المصون" 3/ 407 حيث نقل نَصَّ المؤلف (الواحدي).

وورد في "اللسان" 7/ 4145 (محص) قوله: (أنْ تُمْحَصَ) -بضم التاء-.

(١١) في (ب)، (ج): (أن).

(١٢) في (ب): (الرها).

والرَّهل -هنا-: استرخاء اللحم مِنْ سِمَنٍ.

يقال: (رَهِلَ اللحم، يَرْهَلُ، رَهَلًا)، فهو (رَهِلٌ): إذا استرخى واضطرب.

انظر (رهل) في: "جمهرة اللغة" 802، و"المجمل" 403، و"اللسان" 3/ 1756.

(١٣) في (ج): (أنشد) -بدون واو-.

(١٤) في "الزاهر" 1/ 107.

(١٥) قال البغدادي: (وأبو دُوَاد، بدالين مهملتين، أوْلاهما مضموم، بعدها واو).

"خزانة الأدب" 9/ 590.

وكذا كُتِب في "الأصمعيات" 185.

أما في المصادر التالية، فقد ورد (دُؤاد).

وهو: أبو دؤاد الإيادي، جارية بن الحجَّاج، وقيل: جُوَيْرِية بن الحجاج، وقيل: حنظلة بن الشَّرْفي.

(١٦) البيت في "ديوانه" 285.

وورد منسوبًا له في "الزاهر" 1/ 107، وورد غير منسوب في "الدر المصون" 3/ 408.

وقد وردت روايته في المصادر السابقة: (..

صِحاحٍ غيرِ عاثرةٍ ..) - بكسمِ (صِحاحٍ)، و (غيرِ).

قال ابن الأنباري: (النُّسْور: اللحم الذي في باطن الحافر، يشبه النوى، واحدها: نَسْر).

"الزاهر" 1/ 107.

(١٧) انظر: المصدر السابق.

وورد فيه: (..

من العظم، والجلد، والعصب).

(١٨) قوله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 471.

(١٩) في "معاني القرآن" أذهب هنا.

(٢٠) الفعل الواقع هو الفعل المتعدي إلى مفعول أو أكثر.

وسمي بـ (الواقع)؛ لوقوعه على المفعول بِه، ويسمى كذلك بالفعل المجاوز، لمجاوزته الفاعل إلى المفعول به.

انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" 245، و"موسوعة النحو والصرف" 498.

(٢١) في "الدر المصون" 3/ 408 - وقد نقل نَصَّ الواحدي هذا-: (..

والمحص-بسكون الحاء- مصنوعٌ).

المطاوع من (محص) هو: انْمَحَص، وتُدغم النونُ في الميم فيصير: (امَّحَص) قال في "اللسان" (وقَدْ أَمْحَصَت الشمسُ: أي: ظهرت من الكسوف وانجلت.

وُيروَى: امَّحَصت على المطاوعة، وهو قليل في الرباعي).

7/ 4145 (محص).

(٢٢) قوله في: كتاب "العين" له 3/ 127.

ولكن المؤلف نقل قوله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 472 نظرًا لتطابق النص معه.

ونص قول الخليل: (المحْصُ: خُلُوص الشيء.

(مَحَصْتُهُ محْصًا): خلَّصْته من كل عيب).

وفي "معاني القرآن" للنحاس: (قال أبو إسحاق: قرأت على أبي العباسِ، محمد == ابن يزيد، عن الخليل: أن التمحيص: التخليص؛ يقال: (مَحَصَه، يَمْحَص، مَحْصًا): إذا خلَّصه) 1/ 483.

(٢٣) في (ب): (ذئبا).

(٢٤) (شديد) غير مقروء في (أ).

وفي (ب): (فيديد).

والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.

(٢٥) في (ج): السوى.

-غير معجمة-.

والبيت من الرجز، وتمامه: كالكَرِّ لا شَخْتٌ ولا فيه لَوَى وقد ورد منسوبًا لرؤبة، في: "تهذب اللغة" 4/ 3350 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145 (محص)، و"الدر المصون" 3/ 408، و"التاج" 9/ 359 (محص).

وفي "اللسان" 7/ 3851 (كرر) نقله عن الأزهري، ولم ينسبه.

والبيت ليس في ديوان رؤبة، وإنما في ديوان العجاج (بعناية وليم بن الورد) ص 73.

وقد ورد منسوبًا له في "اللسان" 7/ 4109، وقد أورد الأزهري شطره الثاني، ونسبه للعَجَّاج في "التهذيب" 4/ 3314 (لوى).

وورد في "اللسان" 7/ 3851 (كرر): (..

لا سَخْتٌ ..) وهي تصحيف -والله أعلم-، وفي "الدر المصون" (..

السوى ..).

(الجَلْز): الطيُّ، واللَّيُّ.

وكل شيء يُلوى على شيء، ففعله: الجَلْز.

يقال: (جَلَزْته، أجْلُزُه، جَلْزًا).

انظر: "اللسان" 2/ 656 (جلز).

و (الصُّلْب): الظهر.

انظر: "المجمل" 538 (صلب) و (الشَّوَى): الأطراف، و (شَوَى الفَرَسِ): قوائمه.

انظر: "اللسان" 4/ 2368 (شوى).

يصف الفرس بأنه شديد طَيِّ الظهر؛ أي: وثيق الخلْق، أطرافه وقوائمه نَقِيِّة من العيوب المشينة.

أما (السَّوَى) -على الرواية الثانية التي أوردها السمين الحلبي-، فقد فسَّرَهُ السمين بأنه: الظَّهْر.

جعله مقصورًا للضرورة.

وأصله: (السواء).

و (الكَرُّ): الحبل الذي يصعد به على النخل.

وجمعه (كرور).

و (الشخت): == الدقِيق، الضامر.

و (اللَّوَى): العِوَج.

انظر: "التهذيب" 4/ 3123 (كرر)، 4/ 3350 (محص)، و"القاموس" 198 (شخت).

(٢٦) انظر (محص) في: "التهذيب" 4/ 3350، و"اللسان" 7/ 4145.

(٢٧) هو: أسامة بن الحارث الهذلي.

وقيل: أسامة بن حبيب.

شاعرٌ مُخَضْرَم (جاهلي، إسلامي).

انظر: "الشعر والشعراء" 2/ 670، و"شرح أشعر الهذليين" 3/ 1289، و"الإصابة" لابن حجر 1/ 31.

(٢٨) في (ج): (شقوا) - بدون واو-.

(٢٩) في (ج): (القطاة).

(٣٠) صدر بيت، وتمامه: لَهُمْ قُتَرَاتٌ قد بُنِينَ مَحاتِدُ وقد ورد منسوبًا له في: "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1300، و"تهذيب اللغة" 4/ 3350 (محص)، و"اللسان" 7/ 4145 (محص)، و"التاج" 4/ 410 (حتد).

وورد غير منسوب في: "اللسان" 2/ 768 (حتد).

ولكنه ورد في "شرح أشعار الهذليين" بالرواية التالية: (..

بِمَنْحُوضِ القِطَاع ..) وليس في هذه الرواية شاهد على ما ذهب إليه المؤلف.

وفي "التهذيب" (أشَفُّوا ..)، وفي "اللسان" 2/ 768: (..

له قُتُرات ..)، وفي 7/ 4145: (أشْفَوْا ..).

يصف الشاعر حِمَارًا رُمي بالنِّصال، حتى رَقَّ فؤادُه من الفزع، فيقول: شَقُّوا فؤادَه.

بـ (مَنْحوض القِطَاع)، وهو النَّصْل الدَّقيق المُرْهف.

يقال: (سِنان نَحِيض)، أي: رقيق.

و (نَحَّضَه): رقَّقَه.

و (القطاع): جمع: قِطْع، وهو نصلٌ قَصِير عَرِيض.

و (القُترات) واحدها: (قِتْر)، و (قِتْرَة)، وهي: نوع من النصال حاد الطَّرف.

و (محاتد): أي: قديمة ورثوها عن آبائهم فهي لهم أصل، و (المحتِدُ): الأصل.

انظر: المصادر السابقة.

و"الصحاح" 1107 (نحض)، و"اللسان" 6/ 3526 (قتر).

(٣١) النِّصَال، والأنْصُل، والنُّصُول)، واحدها: (نصْل)، وهي حديدة السَّهم، == والرُّمْح، والسَّيف ما لم يكن له مِقْبَض، فإذا كان له مقبض، فهو سيف.

انظر: "التاج" 15/ 738 (نصل).

(٣٢) في (ج): (قال) -بدون واو-.

(٣٣) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٤) (يريد): ساقطة من (ب).

(٣٥) لم أقف على مصدر قوله، وليس في كتابه (الجيم).

نقله عنه القالي في "أماليه" 2/ 275.

(٣٦) في (ب): (اكشف) -بدون واو-.

(٣٧) في (أ): (ظلماه)، والمثبت من (ب)، (ج).

و (القَمْرَاء): ضوء القَمَر.

و (ليلة قمراء): مضيئة.

و (الظَّلْمَاء): الظُلْمة.

و (ليلة ظلماء): شديدة الظلمة.

انظر: "اللسان" 7/ 3736 (قمر)، 5/ 2759 (ظلم).

(٣٨) ينظر: "أمالي القالي" 2/ 275، و"الفاخر" 135، و"اللآلئ" 916، و"أساس البلاغة" (محص)، والزاهر 1/ 15.

(٣٩) في "معاني القرآن" له 1/ 235.

نقله بنصه.

(٤٠) في "معاني القرآن" يمحص.

(٤١) انظر: "مجالس ثعلب" 1/ 266، فقد حكى هذا القول.

(٤٢) (أبو عبيد): في (أ) تُقرأ: (أبو عبيدة) -فيشتبه السكون على الدال بالتاء المربوطة-.

وفي (ج): أبو عبيدة.

وما أثبتُّه من (ب)، و"تهذيب اللغة"، وهو الصواب؛ لأن أبا عبيد هو المعروف بالرواية عن أبي عمرو الشيباني.

انظر: مقدمة تحقيق كتاب "الجيم" 1/ 25.

(٤٣) انظر قوله في "تهذيب اللغة" 4/ 3350 (محص).

(٤٤) في (ج): (والاختيار) وفي "التهذيب" الاختبار والابتلاء.

(٤٥) قوله، في "تفسير الطبري" 4/ 107، و"زاد المسير" 1/ 467.

(٤٦) قوله، في "تفسيره" 137، و"تفسير الطبري" 4/ 107 - 108، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 774.

(٤٧) في "تفسير الطبري" 4/ 108، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 775 - من رواية ابن جريج عنه-، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 426.

وهو قول: الحسن، وابن إسحاق، وقتادة انظر: المصادر السابقة.

(٤٨) هو ابن قتيبة، واختياره هذا في: "تفسير غريب القرآن" له 1/ 106، وهو -كذلك- قول المبرد في "الكامل" 1/ 213.

(٤٩) انظر: (محق) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3351، و"اللسان" 7/ 4146.

(٥٠) قوله، في: "تهذيب اللغة" 4/ 3352 (محق)، و"اللسان" 7/ 4146 (محق).

(٥١) قول الأصمعي هذا، مِن تتمة كلام أبي زيد.

قال: (وأبَى الأصمعيُّ إلا (محقه)).

وفي "الصحاح" (و (مَحقَه الله)؛ أي: ذهب ببركته.

و (أمحقه) لغة رديئة) 1553 (محق).

وانظر: "اللسان" 7/ 4146 (محق).

(٥٢) نلاحظ هنا أن الفعل (أمحق) لازم، وأما (أمحقه) السابق، فمتعدٍّ.

(٥٣) قوله في: "إصلاح المنطق" 278، و"التهذيب" 4/ 3352 (محق)، و"الصحاح" 1553 (محق).

(٥٤) في (ب): (يرق).

(٥٥) مُحَاق، ومَحاق، ومِحاق.

بضم الميم، وفتحها، وكسرها-.

انظر: "اللسان" 7/ 4147 (محق).

(٥٦) ولفظ أبي عمرو كما في "إصلاح المنطق" (قال أبو عمرو: الإمحاق: أن يَهلِك؛ كمُحاق الهلال، وأنشد ..).

وفي "التهذيب" (عن ابن السكيت عن أبي عمرو: الإمحاق: أن يهلك الشيء ..).

(٥٧) في (ج): (وامَّحقا).

وهذا مقطع من بيت وتمامه -حسب روايته في "إصلاح المنطق" 278 - : أبوك الذي يَطْوِي أُنُوفَ عُنُوقهِ ...

بأظفاره حتى أنَسَّ وأمْحَقا وقد نسبه في "اللسان" 7/ 4147 (محق) لسَبْرة بن عمرو الأسدي، يهجو به خالد بن قيس، وقد ورد غير منسوب في: "إصلاح المنطق" 278، و"تهذيب اللغة" 4/ 3352 (محق)، و"الصحاح" 1553 (محق)، و"اللسان" 7/ 4147 (محق).

وقد وردت روايته في هذه المصادر -عدا "إصلاح المنطق"-: (يَكْوي أنوث عنوقه).

و (العُنُوق): مفردها: (عَنَاق)، وهي: الأنثى من أولاد المِعْزى، إذا أتت عليها == سنة.

وتُجمع -كذلك- على: (أعْنُق، وعُنُق).

و (العُنوق) جمعٌ نادرٌ.

و (أنَسَّ)؛ أي: بلغ نَسِيسَهُ، ونَسِيسَتَهُ؛ وهو: بقية روحه، أو غاية جهده.

انظر: "التهذيب" 3/ 2597 (عنق)، و"القاموس" 4/ 577 (نسس).

(٥٨) قول ابن الأعرابي في: "تهذيب اللغة" 4/ 3353 (محق)، وفيه: (أبو العباس عن ابن الأعرابي، قال: المحق: ..) وليس فيه (عن المفضل).

وكذا أورده صاحب "اللسان" في: 7/ 4146 (محق).

(٥٩) (عند العرب): ليس في "تهذيب اللغة"، ولا في "اللسان".

(٦٠) سورة البقرة: 276.

وتمامها: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ .

(٦١) في "معاني القرآن" له 1/ 470.

نقله عنه بتصرف.

(٦٢) (بما يقع عليهم): ساقط من (ج).

(٦٣) في (ب): (مقابل).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَهِنُوا ﴾ تقوية لقلوب المؤمنين ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ إخبار بعلو كلمة الإسلام ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ الآية معناها: إن مسكم قتل أو جراح في أحُد فقد مس الكفارَ مثلُه في بدر، وقيل: قد مس الكفار يوم أحد مثل ما مسكم فيه، فإنهم نالوا منكم ونلتم منهم، وذلك تسلية للمؤمنين بالتأسي ﴿ نُدَاوِلُهَا ﴾ تسلية أيضاً عما جرى يوم أحد ﴿ وَلِيَعْلَمَ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: أصابكم ما أصابهم يوم أحد؛ ليعلم والمعنى ليعلم ذلك علماً ظاهراً لكم تقوم به الحجة ﴿ شُهَدَآءَ ﴾ من قتل من المسلمين يوم أحد ﴿ وَلِيُمَحِّصَ الله ﴾ أي: يظهر، وقيل: يميز، وهو معطوف على ما تقدم من التعليلات لقصة أحد، والمعنى أن إدالة الكفار على المسلمين إنما هي لتمحيص المؤمنين، وأن نصر المؤمنين على الكفار إنما هو ليمحق الله الكافرين أي يهلكهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

﴿ قرح ﴾ بالضم حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة.

الباقون بالفتح.

الوقوف: ﴿ مضاعفة ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفحلون ﴾ ه ج للعطف ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ومن قرأ ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو فوقه مطلق ﴿ والأرض ﴾ ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدّة.

﴿ للمتقين ﴾ لا لأن الذين صفتهم.

﴿ عن الناس ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ج ه لأن والذين يصلح مبتدأ وخبره ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ فلا وقف على ﴿ يعلمون ﴾ ويصلح معطوفاً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على ﴿ يعلمون ﴾ لينصرف عموم أولئك إلى المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله.

والوقف لطول الكلام على ﴿ لذنوبهم ﴾ للابتداء بالاستفهام وعلى ﴿ إلا الله ﴾ لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا أنت ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ سنن ﴾ لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار بالتبار.

﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ بين الناس ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوفة أي ليعتبروا ﴿ وليعلم شهداء ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ لا للعطف على ﴿ ليعلم ﴾ ﴿ الكافرين ﴾ ه.

التفسير: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد النهي عن ذلك نظراً لهم ورحمة عليهم.

وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد.

وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافاً لما علم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد من تضعيفه.

كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ فيه أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه.

فلو أكل ولم يتق زال الفلاح.

ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار / المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.

وكون النار معدّة للكافرين لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين.

لم يمتنع من أن تركبها لبعض حوائجك.

ومثله قوله في صفة الجنة: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ فإنه لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور.

﴿ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء فهو ليس أهلاً للرحمة.

وغيرهم يحمل الآية على الزجر والتخويف ﴿ وسارعوا ﴾ معطوف على ما قبله.

ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: ﴿ سارعوا ﴾ وقوله: ﴿ أطيعوا الله ﴾ كالشيء الواحد لأنهما متلازمان.

وتمسك كثير من الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم.

ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل المنهيات وهذا قول عكرمة.

وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض.

وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات.

وعن أبي العالية أنه الهجرة.

وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام قصة أحد.

وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن الربا.

ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب.

والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين.

ثم وصف الجنة بأن عرضها السموات، ومن البيّن أن نفس السموات لا تكون عرضاً للجنة، فالمراد كعرض السموات لقوله في موضع آخر ﴿ عرضها كعرض السماء  ﴾ والمراد المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ونظيره ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض  ﴾ لأنها أطول الاشياء بقاء عندنا.

وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقاً طبقاً بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله  .

وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكاً له، فلا بد أن تكون الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا.

وقال أبو مسلم: معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا.

معناه لو عرضت السموات والأرض على / سبيل البيع لكاتنا ثمناً للجنة.

والأكثرون على أن المراد بالعرض ههنا خلاف الطول.

وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول.

ونظيره ﴿ بطائنها من استبرق  ﴾ لأن البطائن في العادة تكون أدون حالاً من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟

وقال القفال: العرض عبارة عن السعة.

تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة.

والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق.

فجعل العرض كناية عن السعة.

وسئل ههنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟

وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت العرش.

قال  في صفة الفردوس " سقفها عرش الرحمن " وروي أن رسول هرقل سأل النبي  وقال: إنك تدعو الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟

فقال النبي  : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" ؟

والمعنى - والله ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل.

وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟

فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟

قيل: فأين هي؟

قال: فوق السموات السبع تحت العرش.

ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.

منها قوله: ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء ﴾ في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه.

عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة.

وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي من مثقال ذرة.

وقيل: في عرس أو حبس.

والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن.

وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان مخالفاً له، فإنهم لا يتركونه.

وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة, أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين.

ومنها قوله ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ كظم القربة إذا ملأها وشد فاها.

ويقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم.

قال  : "من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" وقال أيضاً: " "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ومنها قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم  ﴾ ويحتمل أنه  غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم.

فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم.

والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه.

قال  : " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" وعن عيسى ابن مريم  : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.

وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات.

ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو.

فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير.

فذكر ثواب المجموع بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.

قال ابن عباس في رواية عطاء: "إن منهالاً التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي  وذكر ذلك له فنزلت ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ الآية" .

وقال في رواية الكلبي: "إن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله  بينهما، فكانا لا يفترقان في احوالهما.

فخرج الثقفي مع رسول الله  بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته.

فأقبل ذات يوم فأبصر امراة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها.

ذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعاً فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك.

قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح ي الجبال ويتوب / الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي.

قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم فانطلق الى رسول الله  فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة.

فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل  بتوبته فتلا على رسول الله  ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ فقال عمر: يا رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟

فقال: بل للناس عامة في التوبة" .

وعن ابن مسعود "أن المسلمين قالوا للنبي  : أبنوا إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟

كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا.

فسكت النبي  فنزلت/.

فقال النبي  : ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهم" ، وبيّن أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.

والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح ﴿ أو ظلموا أنفسهم ﴾ أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.

وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله  : ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة  ﴾ وظلم النفس ما دونه من القبلة واللسمة.

وهذا القول أنسب بسبب النزول الذي رويناه.

وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار منها لأنه  كان مأموراً بالاستغفار ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى ﴿ ذكروا الله ﴾ أي وعيده أو عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا العرض الأكبر على الله.

وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف.

ويكون الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي.

ونظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون  ﴾ وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة والدعاء تقديم التعظيم والثناء ﴿ فاستغفروا لذنوبهم ﴾ يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى.

والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل.

فأما الاستغفار بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات " سبقت رحمتي غضبي" فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب / بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد.

وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" وعن أنس قال: سمعت رسول الله  يقول: "قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.

يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.

يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وعن علي  قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله  يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ﴿ ولم يصروا ﴾ لم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.

والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه.

وأصر أيضاً عن النبي  : " "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معاً كما لو قلت: ما جاءني زيد وهو راكب.

وأردت نفي المجيء والركوب معاً.

وذلك أن المقام مقام مدح لهم بعدم الإصرار.

والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى قوله  : " رفع القلم عن ثلاث " وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقاً كما لو أردت في المثال المذكور نفي المجيء / في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ﴾ وهي إشارة إلى إزالة العقاب ﴿ وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ وهذه إشارة إلى إيصال الثواب ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ ذلك الجزاء.

قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجراً والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء.

ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا التحقيق.

واستدلوا أيضاً بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين لقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته.

ثم ذكر ما يحمل المكلفين على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة.

والمثال المتبع وهي "فعلة" بمعنى "مفعولة" من سن الماء يسنه إذا والى صبه فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا حسن الرعي.

والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله  في الأمم السالفة يعني سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ فإنهم خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين.

قال مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل والكافر له اللعن والعقاب.

ثم قال ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم وليس المراد من قوله ﴿ فسيروا في الأرض ﴾ الأمر بالسير بل المقصود تعرّف أحوالهم.

فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً.

ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قيل: إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار ﴿ هذا بيان ﴾ المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: ﴿ قد خلت ﴾ جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم.

أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من / الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو الموعظة.

وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به.

وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية, وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة.

والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن  ﴾ وخص المتقون بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر.

ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ .

كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق.

والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على من قتل منكم وجرح ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: ﴿ والعاقبة للمتقين  ﴾ وفي هذا تسلية لهم وبشارة.

وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، وإما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر.

قال ابن عباس: "انهزم أصحاب رسول الله  يوم أحد.

فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل.

فقال النبي  : اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر.

فأنزل الله  هذه الآية" .

وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وقال راشد بن سعد: "لما انصرف رسول الله  يوم أحد كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله  : أهكذا تفعل برسولك؟

فنزلت" ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد.

وقيل بالفتح لغة تهامة والحجاز.

وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم.

وقال الفراء: إنه بالفتح الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة.

وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع / قرحة.

ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم بدر.

ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا تجبنوا ونظيره ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون  ﴾ وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذٍ خلق من الكفار نيف وعشرون رجلاً، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار كما يجيء من قوله  : ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم  ﴾ والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس القتل والجراحة ﴿ وتلك الأيام ﴾ موصوفاً وصفته مبتدأ خبره ﴿ نداولها ﴾ وتلك مبتدأ أو الأيام خبره كقولك: "هي الأيام تبلي كل جديد" فإن الضمير لا يوصف ويكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء الزمان.

والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات الغريبة.

وقوله ﴿ نداولها ﴾ كالتفسير لما تقدمه.

والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر.

ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته.

والدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين لا تدوم مسارّها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوّه، ويوم آخر بالعكس فلا يبقي شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره قولهم: "الحرب سجال".

شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة، وليس المراد من هذه المداولة أنه  تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون.

بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب.

فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله  : ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد.

والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم.

وفي إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله.

وقد احتج هشام بن الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا  ﴾ على أنه  لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها في تفسير قوله  : ﴿ وإذا ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على / المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره.

فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم الله  محال.

فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار.

وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم.

وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.

وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم.

وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد.

وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى الى مفعولين والتقدير: وليعلمهم مميزين عن غيرهم.

ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا.

ومن حكم المداولة قوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد.

أو المراد ليكرم ناساً منكم بالشهادة.

والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء.

والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيداً.

قال النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم.

وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض.

وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم.

ومن الحكم قوله: ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ﴾ والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان.

وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.

وقال الزجاج: معنى الآية أنه أن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار.

وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل لايقطع طرفاً ننقصها من أطرافها.

التأويل: ﴿ لا تأكلوا الربا ﴾ ما يؤدي إلى الحرص إلى طلب الدنيا ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.

﴿ واتقوا الله ﴾ خطاب للخواص أي اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ عن حجب ما سوى الله، وتظفرون بالوصول إلى الله.

ثم خاطب العوام الذين هم ارباب الوسائط بقوله: ﴿ واتقوا ﴾ أي بالقناعة ﴿ النار ﴾ / أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة رسوله.

ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان ﴿ عرضها السموات والأرض ﴾ أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما قال النبي  عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.

فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها.

وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية ﴿ ينفقون أموالهم في السراء ﴾ وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله ﴿ فعلوا فاحشة ﴾ هي رؤية غير الله ﴿ أوظلموا أنفسهم ﴾ بالتعليق بما سوى الله ﴿ وذكروا الله ﴾ بالنظر إليه وبرؤيته ﴿ ومن يغفر ﴾ ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار ﴿ إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ من رؤية الوسائط والتعلق بها ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن كل شيء ما خلا الله باطل ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة ﴾ أي هم مستحقون لمقامات القرب ﴿ من ربهم وجنات ﴾ من أصناف ألطافه ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ العناية ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ لأن نيل المقصود في بذل المجهود ﴿ قد خلت من قبلكم أمم ﴾ لهم ﴿ سنن فسيروا في الأرض ﴾ نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية ﴿ ولا تهنوا ﴾ أيها السائرون في السر إلى الله ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما فاتكم من اللذات الفانية ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ من أهل الدنيا والآخرة لأنكم من أهل الله ﴿ إن يمسسكم ﴾ في أثناء المجاهدات ﴿ قرح ﴾ ابتلاء وامتحان ﴿ فقد مس القوم ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ قرح ﴾ محن ﴿ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ السائرين يوماً نعمة ويوماً نقمة، ويوماً منحة ويوماً محنة ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ أرباب المشاهدات والمكاشفات ﴿ وليمحص الله ﴾ فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه.

وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ في آخر الأمر؛ يعني في أُحد؛ فقد مسَّ المشركين قرح مثله يوم بدر، يذكر هذا - والله أعلم - على التسكين؛ ليعلموا أنهم لم يخصوا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

تحتمل الآية وجوهاً: يوماً للمؤمنين ويوماً عليهم، وذلك أن الأمر بمجاهدة العدو والقتال معهم محنة من الله -  - إياهم يمتحنهم ويبتليهم؛ مرة بالظفر لهم والنصر على عدوهم، ومرة بالظفر [للعدوّ عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ يمتحن عباده] بجميع أنواع المحن، بالخير مرة، وبالشر ثانياً.

ويحتمل المداولة - أيضاً وجهاً آخر: وهو أن الظفر والنصر لو كان أبداً للمؤمنين - لكان الكفار إذا أسلموا لم يسلموا إسلام اختيار؛ ولكن إنما آمنوا إيمان قهر وكره وجبر؛ لما يخافون على أنفسهم من الهلاك إذا رأوا الدولة والظفر للمؤمنين، وإن كان الظفر والنصر أبداً للكفار؛ فلعلهم يظنون أنهم المحقون فيمنعهم ذلك عن الإسلام.

ويحتمل أن ما يصيب [بمعصية]، المؤمنين إنما يصيب بمعصية سبقت منهم، أو خلاف كان منهم؛ من ترك أمر أو ارتكاب نهي، والله أعلم.

فإن طعن طاعن من الملاحدة في قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ أليس وعد أنكم إن نصرتم دينه ينصركم، وأخبر - أيضاً - أنه إن نصركم فلا غالب لكم، فإذا نصرتم دنيه فلم ينصركم؛ أليس يكون خلفاً في الوعد؟

أو إن نصركم فغلبتم يكون كذباً في الخبر.

قيل: لهذا جواب من أوجه: قيل: يحتمل قوله - عز وجل -: إن تنصروا دين الله في الدنيا ينصركم في الآخرة بالحجج؛ كقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [غافر: 51]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  ﴾ .

وقيل: إن تنصروا دين الله ولم تعصوا الله فيه - ينصركم؛ فلا غالب لكم.

وقيل: يحتمل: إن تنصروا دين الله جملةً - ينصركم؛ كقوله -  -: "لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ، كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ" وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ  ﴾ .

وقيل: إن تنصروا دين الله ينصركم؛ أي: يجعل الظفر؛ والنصر في العاقبة لكم، وكذلك: وإن كان في ابتداء الأمر الغلبة على المؤمنين؛ فإن العاقبة لهم في الحروب كلّها، ومقدار ما كان عليهم إنما كان لأمر سبق منهم: إمّا إعجاباً بالكثرة؛ كقوله -  -: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً  ﴾ ، وإمّا خلافاً لرسول الله  .

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ دلالة أن كان من الله معنى لديه تكون الغلبة لهم؛ بقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ولكان هو يجعل أبداً الدولة لأحد الفريقين، وقد أخبر أنه يجعل لهما، ومعلوم إن كانت الدولة بالغلبة، فثبت أن من الله في صنع العباد - صنع له أضيف [إليه صنيعهم]، والله أعلم.

ثم معلوم أن الغلبة لو كانت للمسلمين - كان ذلك ألزم للحجّة، وأظهر للدعوة، وأدعى [إلى الإجابة]، وفيها كل صلاح، فثبت أن ليس في المحنة شرط إعطاء الأصلح، والله أعلم.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ردّ قول الأصلح؛ حيث قالوا: إن الله لا يفعل إلا الأصلح في الدين، يقال لهم: أي صلاح للمؤمنين في مداولة الكافرين على المؤمنين؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: ليعلم ما قد علم بالغيب أنه يؤمن بالامتحان مؤمناً شاهداً، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً.

وجائز أن يراد بالعلم: المعلوم؛ كقوله: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية، تخرج على أوجه: أحدها: أن ما وصفت الله به إذا ذكرت معه الخلق - تذكر وقت كون الخلق؛ لئلا يتوهم قدمه، وإذا وصفت الله -  - بلا ذكر الخلق وصفته به في الأزل؛ نحو أن تقول: عالم، قادر، سميع - في الأزل، فإذا ذكرت المسموع المقدور عليه والمعلوم - ذكرت وقت كونه؛ لتزيل توهم القدم على الآخر؛ وعلى هذا عندنا القول بـ"خالق" "رازق" ونحو ذلك، والله أعلم.

والثاني: على تسمية معلومة علماً في مجاز اللغة؛ وذلك كما سمّى عذاب الله في القرآن أمره، وسمى الناس الصلاة - وغيرها من العبادات - أمره، على معنى أنها تفعل بأمره؛ وكذلك ما سميت الجنة رحمته، على أن كان فيها؛ فيكون: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: ليكون الذين آمنوا على ما علمه يكون، والله أعلم.

والثالث: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ في الغيب شهوداً؛ إذ هو عالم الغيب والشهادة، وتحقيق ذلك لا يكون بحادث العلم، وذلك نحو من يعلم الغد يكون؛ يعلمه بعد الغد، وإن لم يكن له حدوث العلم قد كان؛ وعلى هذا قيل: ليعلمه كائناً لوقت كونه ما قد علمه يكون قبل كونه، والله أعلم.

وقال بعض أهل التأويل: ليكون الذي علمه يكون بالمحنة ظاهراً موجوداً، وهو يرجع إلى ما بيّنا.

وقال بعضهم: ليراه، وهذا من صاحبه ظن أن الكلام في الرؤية لعله أيسر، وعن التشبيه أبعد، وعند من يعرف الله حق المعرفة: هما واحد.

والأصل في هذا ونحوه في الإضافات إلى الله: أنها كانت بالأحرف المجعولة المتعارف في الخلق، ثم هي تؤدي عن كل ما يضاف إليه، ويشار إليه ما كان عرف من حال ذلك قبل الإضافة، لا أن يقدر عند الإضافة معنى لا نعرفه به لولا ذلك، على ما عرف من الاشتراك في اللفظ والاختلاف في المعنى؛ فعلى ذلك أمر الإضافة إلى الله -  - ويوضح ذلك ما لم يفهم أحد من قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ  ﴾ ما فهم من إضافة الحدود إلى غيره؛ وكذلك بيوت الله، وعباد الله، وروح الله وكلمته، ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه.

وجائز - في الجملة - أن يوصف الله بأنه لم يزل عالماً بكون كل ما يكون كيف يكون؟

وفي وقت كونه كائناً؛ وبعد كونه قد مضى كونه؛ على تحقيق التغير في أحوال الذي يكون لا في الله -  وتعالى - إذ تغير الأحوال واستحالتها من آيات الحدث وأمارات الصنعة.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ : قيل فيه بوجهين: أحدهما: "ولم يعلم"، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: على إثبات أنه علم أنهم لم يجاهدوا؛ كقول الناس: ما شاء الله كان، [وما لم يشأ لم يكن]، أي: شاء ألا يكون، لا يكون.

والثاني: أنه عالم بكل شيء، فلو كان منكم جهاد لكان يعلمه، وإنما لم يعلمه؛ لأنه لم يكن؛ وعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: ليس لهم.

والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ﴾ بمعنى: إلا؛ كقوله ﴿ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ  ﴾ - بالتشديد - بمعنى: إلا عليها حافظ؛ فيكون معنى الآية: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ؟!

لا تدخلوها إلا أن يعلم الله مجاهدتكم، أي: حتى تجاهدوا فيعلم الله ذلك منكم موجوداً، والله أعلم.

وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ أي: ليعلم ما قد علم أنه يصير صابراً؛ وكذلك قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ  ﴾ أي: ليعلمن الذين قد علم أنهم يصدقون - صادقين، وليعلمن الذين قد علم أنهم يكذبون - كاذبين، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ  ﴾ أي: حتى يعلم ما قد علم أنهم يجاهدون - مجاهدين، وأصله: قوله - عز وجل -: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ  ﴾ ليعلم شاهداً ما قد علم غائباً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ﴾ أي: يستشهدون في سبيل الله بأيدي عدوهم.

ويحتمل: ويتخذ منكم شهداء على الناس؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ  ﴾ ، وفيه دلالة أنهم لا يستوجبون بنفس الإيمان الشهادة على الناس؛ حتى تظهر الصيانة والعدالة في أنفسهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: يمحص ذنوبهم وسيئاتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: يهلكهم ويستأصلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : ما ذكرنا من تمحيص الذنوب على ما روي عن رسول الله  : "السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ" ﴿ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: يهلكهم، ولا يكون السيف تمحيصاً لهم من الكفر، بل يهلكهم في النار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ : قيل: بل حسبتم أن تدخلوا الجنة.

﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ﴾ : أي: ولم يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ أي: لم يجاهدوا.

وقيل: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، و"لما" بمعنى: "إلا يعلم"، بمعنى: لا تدخلون الجنة إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ  ﴾ : من قرأ بالتشديد؛ فكان معناه: "إلا عليها حافظ"، ومن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه: لَعَلَيْها حافظ، و"ما" صلة.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، أي: ظننتم ذلك، ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، وقال في [موضع آخر]: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ ﴾ الآية [آل عمران: 165]، بمعنى: ولم تجاهدوا، ولم يصبكم مثل الذي ذكر؛ ففي ذلك وعد أن يصيب أولئك الذين خاطبهم به ما أصاب من تقدمهم، وأن الله قد يعلم أنهم يجاهدون قبل الموت؛ وعلى هذا قال قوم في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ  ﴾ -: أن يدخلوا الجنة إذا أصابهم مثل الذي أصاب من تقدمهم، والله أعلم.

فيكون تأويل ﴿ وَلَمَّا ﴾ : ولم، والألف صلة.

وقيل: يحتمل بالتشديد منه: إلا؛ كما قيل في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ  ﴾ بالتشديد: "إلا عليها حافظ"؛ فيكون بمعنى الإضمار: لا تدخلوا إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم، وقد بيّنا ما في العلم في الحرف الأوّل على أنه له وجهان - أيضاً -: أحدهما: أن الله لم يعلم بذلك، وهو العالم بكل شيء فلو كان: لكان يعلمه.

والثاني: أن يعلموا أن يكونوا لم يجاهدوا بعد، وسيجاهدون على ما بيّنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن هذه الحكم تَطْهيرُ المؤمنين من ذنوبهم، وتخليص صَفِّهم من المنافقين، وليُهْلِك الكافرين ويمحوهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.Opg4x"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات وما بعدها في قصة أُحد وما فيها من السنن الاجتماعية والحكم والأحكام فهي متصلة بقوله  : ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ  ﴾ إلخ الآيات التي تقدمت.

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ إن بعض المفسرين يجعل الآيتين الأوليين من هذه الآيات تمهيدًا لما بعدهما من النهي عن الوهن والحزن وما يتبع ذلك، وعلى هذا جرى (الجلال) كأنه يقول إن هذا الذي وقع لا يصح أن يضعف عزائمكم فإن السنن التي قد خلت من قبلكم تبين لكم كيف كانت مصارعة الحق للباطل وكيف ابتلي أهل الحق أحيانًا بالخوف والجوع والانكسار في الحرب ثم كانت العاقبة لهم فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين للرسل المقاومين لهم فإنهم كانوا هم المخذولين المغلوبين وكان جند الله هم المنصورين الغالبين، وإذا كان الأمر كذلك فلا تهنوا ولا تحزنوا لما أصابكم في أُحد.

هذا رأي ضعيف، فإن ذكر السنن بعد آيات متعددة، في موضوعات مختلفة، تفيد معاني كثيرة.

فإن الله تعالى نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين بدت لهم بغضاؤهم، وبيّن هو لهم مجامع خبثهم وكيدهم.

ثم ذكر النبي  والمؤمنين بوقعة أحد وما كان فيها بالإجمال، وذكرهم بنصره لهم ببدر.

ثم ذكر المتقين وأوصافهم وما وعدوا به.

ثم ذكر بعد ذلك كله مضي السنن في الأمم وأنه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، فذكر السنن بعد ذلك كله يفيد معاني كثيرة تحتاج إلى شرح طويل جدًا لا معنى واحدًا كما قيل.

وإن في القرآن من إفادة المباني القليلة للمعاني الكثيرة بمعونة السياق والأسلوب ما لا يخطر في بال أحد من كتاب البشر وعلمائهم ومثل هذا مما تجب العناية ببيانه.

يقول الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز إن كون القرآن معجزًا ببلاغته يوجب علينا أن نجعل أسلوبه الذي كان معجزًا به فنًا ليبقى دالًا على وجه إعجازه، كذلك أقول إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننًا يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبيّنها العلماء بالتفصيل عملًا بإرشاده كالتوحيد والأصول والفقه.

والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها.

ولا يحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وضعت لها الأصول والقواعد، وفرعت منها الفروع والمسائل.

وإنني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله من ذكرها.

يعني أنهم بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها وبما منحوا من الذكاء والحذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها.

وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل انفع من العلم النظري المحض وكذلك كانت علومهم كلها، ولما اختلفت حالة العصر اختلافًا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما كانت محتاجة أيضًا إلى تدوين هذا العلم، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية أو علم الاجتماع أو علم السياسة الدينية.

سم بما شئت فلا حرج في التسمية.

ومعنى الجملة: انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين فإذا أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم، وإن سلكتم سبل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم، وفي هذا تذكير لمن خالف أمر النبي  في أُحد.

ففي الآية مجاري أمن ومجاري خوف، فهو على بشارته لهم فيها بالنصر وهلاك عدوهم ينذرهم عاقبة الميل عن سننه ويبين لهم أنهم إذا ساروا في طريق الضالين من قبلهم فإنهم ينتهون إلى مثل ما انتهوا إليه، فالآية خبر وتشريع، وفي طيها وعد ووعيد.

﴿ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ  ﴾ أي أن المصارعة بين الحق والباطل قد وقعت من الأمم الماضية، وكان أهل الحق يغلبون أهل الباطل ويُنْصَرون عليهم بالصبر والتقوى، وكان ذلك يجري بأسباب مطردة، وعلى طرائق مستقيمة، يعلم منها أن صاحب الحق إذا حافظ عليه ينصر ويرث الأرض، وأن من ينحرف عنه ويعيث في الأرض فسادًا يخذل وتكون عاقبته الدمار، فسيروا في الأرض واسْتْقرُوا ما حل بالأمم ليحصل لكم العلم الصحيح التفصيلي بذلك وهو الذي يحصل به اليقين ويترتب عليه العمل.

وقال بعض المفسرين إن لم تصدقوا فسيروا.

وهذا قول باطل.

والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم هو الذي يوصل إلى معرفة تلك السنن والاعتبار بها كما ينبغي.

نعم إن النظر في التاريخ الذي يشرح ما عرفه الذين ساروا في الأرض ورأوا آثار الذين خلوا يعطي الإنسان من المعرفة ما يهديه إلى تلك السنن ويفيده عظة واعتبارًا، ولكن دون اعتبار الذي يسير في الأرض بنفسه ويرى الآثار بعينه ولذلك أمر بالسير والنظر.

ثم اتبع ذلك بقوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ كأنه يقول إن كل إنسان له عقل يعتبر به فهو يفهم أن السير في الأرض يدله على تلك السنن، ولكن المؤمن المتقي أجدر بفهمها لأن كتابه أرشده إليها وأجدر كذلك بالاهتداء والاتعاظ بها.

وقد بينا في تفسير الفاتحة أن لسير الناس في الحياة سننًا يؤدي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها إلى الهلاك والشقاء وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهي إلى غايتها سواء كان مؤمنًا أو كافرًا كما قال سيدنا علي: "إن هؤلاء قد انتصروا باجتماعهم على باطلهم وخذلتهم بتفرقكم عن حقكم".

ومن هذه السنن أن اجتماع الناس وتواصلهم وتعاونهم على طلب مصلحة من مصالحهم يكون، مع الثبات، من أسباب نجاحهم ووصولهم إلى مقصدهم سواء كان ما اجتمعوا عليه حقًا أو باطلًا، وإنما يصلون إلى مقصدهم بشيء من الحق والخير ويكون ما عندهم من الباطل قد ثبت باستناده إلى ما معهم من الحق وهو فضيلة الاجتماع والتعاون والثبات.

فالفضائل لها عماد من الحق فإذا قام رجل بدعوى باطلة ولكن رأى جمهور من الناس أنه محق يدعو إلى شيء نافع وأنه يجب نصره فاجتمعوا عليه ونصروه وثبتوا على ذلك فإنهم ينجحون معه بهذه الصفات.

ولكن الغالب أن الباطل لا يدوم بل لا يستمر زمنًا طويلًا لأنه ليس له في الواقع ما يؤيده بل له ما يقاومه فيكون صاحبه دائمًا متزلزلًا فإذا جاء الحق ووجد أنصارًا يجرون على سنة الاجتماع في التعاون والتناصر، ويؤيدون الداعي إليه بالثبات والتعاون، فإنه لا يلبث أن يدمغ الباطل وتكون العاقبة لأهله، فإن شابت حقهم شائبة من الباطل، أو انحرفوا عن سنن الله في تأييده، فإن العاقبة تنذرهم بسوء المصير.

فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نعرف أنفسنا وكنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا ومن السير على سنن الله في طلبه وفي حفظه وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين.

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ إن الحزن إنما يكون على ما فات الإنسان وخسره مما يحبه.

وسببه أنه يشعر أنه قد فاته بفوته شيء من قوته وفقد بفقده شيئًا من عزيمته أو أعضائه.

ذلك بأن صلة الانسان بمحبوباته من المال والمتاع والناس كالأصدقاء وذي القربى تكسبه قوة وتعطيه غبطة وسرورًا فإذا هو فقد شيئًا منها بلا عوض فإنه يعرض لنفسه ألم الحزن الذي يشبه الظلمة ويسمونه كدرًا كأن النفس كانت صافية رائقة فجاء ذلك الانفعال فكدرها بما أزال من صفوها.

وقد يقال هنا نهاهم عن الوهن بما عرض لهم والحزن على ما فقدوا في "أُحد" وكل من الوهن والحزن كان قد وقع وهو أمر طبيعي في مثل الحال التي كانوا عليها؟

والجواب أن المراد بالنهي ما يمكن أن يتعلق به الكسب من معالجة وجدان النفس بالعمل ولو تكلفًا.

كأنه يقول: انظروا في سنن من قبلكم تجدوا أنه ما اجتمع قوم على حق وأحكموا أمرهم وأخذوا أهبتهم وأعدوا لكل أمر عدته، ولم يظلموا أنفسهم في العمل لنصرته، إلا وظفروا بما طلبوا، وعوضوا مما خسروا، فحولوا وجوهكم عن جهة ما خسرتم، وولوها جهة ما يستقبلكم، وانهضوا به العزيمة والحزم، مع التوكل على الله  ، والحزن إنما يكون على فقد ما لا عوض منه وإن لكم خير عوض مما فقدتم، وأنتم الأعلون برجحانكم عليهم في مجموع الوقعتين -بدر وأحد- إذ الذين قتلوا منهم أكثر من الذين قتلوا منكم، على كثرتهم وقلتكم، أو جملة وأنتم الأعلون معترضة يراد بها التبشير بما يكون في المستقبل من النصر، وهما قولان المفسرين.

وسواء كانت للتسلية أو للبشارة فهي مرتبطة بالإيمان الصحيح الذي لا شائبة فيه فإن من اخترق هذا الإيمان فؤاده وتمكن من سويدائه، يكون على يقين من العاقبة، بعد الثقة من مراعاة السنن العامة، والأسباب المطردة، ولذلك قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ومثل هذا الشرط كثير في القرآن وهو ليس للشك وإنما يراد به تنبيه المؤمن إلى حاله، ومحاسبة نفسه على أعماله.

رأيت النبي  ليلة الخميس الماضية (غرة ذي القعدة سنة ١٣٢٠) في الرؤيا منصرفًا مع أصحابه من أحد وهو يقول: "لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة" أي لما في الهزيمة من التأديب الإلهي للمؤمنين وتعليمهم أن يأخذوا بالاحتياط ولا يغتروا بشيء يشغلهم عن الاستعداد وتسديد النظر وأخذ الأهبة وغير ذلك من الأسباب والسنن.

ثم بين تعالى وجه جدارتهم بأن لا يهنوا ولا يحزنوا فقال: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ  ﴾ قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم "قرح" بضم القاف والباقون بفتحها.

قال كثير من المفسرين إن القرح بالفتح والضم واحد فهو "كالضعف" فيه اللغتان ومعناه الجرح، وقال بعضهم إن القرح بالفتح هو الجراح وبالضم أثرها وألمها.

ورجح ابن جرير قراءة الفتح قال "لإجماع أهل التأويل على أن معناه القتل والجراح فذلك يدل على أن القراءة هي بالفتح وكان بعض أهل العربية يزعم أن القَرح والقُرح لغتان بمعنى واحد والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا" أي من أن القرح بالفتح يشمل الجرح والقتل ويؤيده أنه هو الذي حصل.

وفي لسان العرب "القَرح والقُرح" لغتان عض السلاح ونحوه مما يجرح الجسد وقيل القَرح الآثار والقُرح الألم.

عبر المضارع بدل الماضي فلم يقل: "إن يمسكم قرح" ليحضر صورة المس في أذهان المخاطبين.

وإن اعتبار المساواة في المثل من التدقيق الفلسفي الذي لم تكن تقصده العرب في مثل هذه العبارة، وهذا القول صحيح على كل تقدير.

﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ .

هذه قاعدة كقاعدة ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ  ﴾ أي هذه سنة من تلك السنن وهي ظاهرة بين الناس بصرف النظر عن المحقين والمبطلين.

والمداولة في الواقع تكون مبنية على أعمال الناس فلا تكون الدولة لفريق دون آخر جزافًا وإنما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها.

أي إذا علمتم أن ذلك سنة، فعليكم أن لا تهنوا وتضعفوا بما أصابكم لأنكم تعلمون أن الدولة تدول.

والعبارة تومئ إلى شيء مطوي كان معلومًا لهم وهو أن لكل دولة سبب فكأنه قال: إذا كانت المداولة منوطة بالأعمال التي تفضي إليها كالاجتماع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتحكموها أتم الإحكام.

وفي الجملة من الإيجاز وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ما لا يعهد مثله في غير القرآن.

ثم قال  : ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ إن المراد بعلم الله فيه علم عباده، وإنهم يفسرونه بعلم الظهور أي ليظهر علمه بذلك.

ومعنى قول الجمهور: أن المراد بالعلم علم الظهور أن العلم بالشيء على أنه سيقع ثابت في الأزل فإذا وقع ذلك الشيء حصل تغير في ذلك المعلوم فصار حالًا بعد أن كان مستقبلًا فهل تعَلُّق العلم به عند الوقوع هو عين تَعَلُّقه به من الأزل إلى قبيل وقوعه؟

قال الحكماء: إن الزمن ليس بشيء بالنسبة إلى الله فليس هناك تقدم ولا تأخر ولا متقدم ولا متأخر فتعلق العلم بالمعلوم واحد في الأزل والأبد.

فعلى هذا القول يكون معنى ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ  ﴾ ليظهر علمه للناس بظهور المعلوم لهم فهو كقوله: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  ﴾ أي يعلم الناس ذلك ويميزونه.

وأما جمهور المتكلمين فيقولون إن الله تعالى يعلم كل شيء أزلًا وأبدًا ولكن تعلق علمه بالأشياء على أنها ستقع غير تعلق علمه بها وهي واقعة فذلك علم غير ظاهر فيه المعلوم في الوجود وهذا علم ظهر متعلقه ووجد.

والمراد بقوله: "ليعلم" الثاني.

إنهم يريدون بعلم الغيب والشهادة معنى آخر، إن العبارة ظاهرة الصحة وإيهام تجدد العلم الإلهي مدفوع، ولكن ما النكتة في اختيار هذه العبارة وأمثالها كقوله في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ ولم لم يبين المراد بعبارة لا إيهام فيها؟

النكتة بيان أن العلم إذا لم يصدقه العمل لا يعتد به.

وبيان ذلك أن الانسان كثيرًا ما يتصور الشيء ويحكم بصحته فيرى أنه يعتقده، ولكن إذا عرض العمل كذبه في اعتقاده وتبين أنه لم يكن متحققًا به وإنما كان صورة انطبعت في مخه مع الغفلة عما يعارضها من سائر عقائده المتمكنة التي لها سلطان على وجدانه وأثر في عمله وأخلاقه وعادته التي تجري عليها أعماله.

مثال ذلك أن بعض الناس تحدثه نفسه بأنه شجاع ويعتقد ذلك لعدم وجود ما يعارضه في نفسه حتى إذا ما عرض له ما لا تظهر به حقيقة الشجاعة بالفعل من الحاجة إلى ركوب الخطر وخوض غمرات الموت دفاعًا عن الحق أو الحقيقة جبن وجزع وظهر غروره بنفسه وانخداعه لوهمه.

ومثله من تحدثه نفسه بأنه لقوة إيمانه عظيم الثقة بالله والتوكل عليه، حتى تظهر الحوادث والوقائع أنه هلوع إذا مسه الشر كان جزوعًا، وإذا مسه الخير كان منوعًا، لا يثق بربه ولا بنفسه.

فأراد الله تعالى أن يرشدنا بقوله ﴿ لِيَعْلَمَ  ﴾ إلى أن العلم لا يكون علمًا والإيمان لا يكون إيمانًا إلا إذا صدقهما العمل وظهر أثرهما بالفعل فكأنه قال ليتبين الذين آمنوا على طريق التمثيل.

وأما قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ  ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه من الشهادة في القتال وهي أن يقتل المؤمن في سبيل الله أي مدافعًا عن الحق قاصدًا إعلاء كلمته.

والثاني: أنه من الشهادة على الناس بالمعنى الذي تقدم في قوله  : ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ  ﴾ والأول هو الذي يسبق إلى الذهن في هذا المقام.

وإنما سمي هؤلاء المقتولون شهداء لأنهم يشاهدون بعد الموت من الملكوت ونعيمه ما لا يكون لغيرهم، أو لأنهم ببذل أنفسهم في سبيل الله يكونون من الشهداء على الناس يوم القيامة بالمعنى المشار إليه آنفًا، أو لأنه مشهود لهم بالجنة، ولأن الملائكة تشهد موتهم.

أقوال.

وقوله: ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ  ﴾ جملة معترضة مسوقة لبيان أن الشهداء يكونون مما خلصوا لله وأخلصوا في إيمانهم وأعمالهم فلم يظلموا أنفسهم بمخالفة الأمر أو النهي، ولا بالخروج عن سنن الله في الخلق، وأنه تعالى لا يصطفي للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم، وفي ذلك بشارة للمتقين، وإنذار للمقصرين، فالناس قبل الابتلاء بالمحن والفتن يكونون سواء، فإذا ابتلوا تبين المخلص والصادق، والظالم والمنافق، وما أسهل ادعاء الاخلاص والصدق إذا كانت آياتهما مجهولة.

فبيان السبب مؤدب للمقصرين، وقاطع لألسنة المدعين، إلا أن يكونوا مع الأغبياء الجاهلين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ  ﴾ قال البعض إن التمحيص تكفير الذنوب وهو مردود بأن المعهود من القرآن التعبير عن هذا المعنى بالتكفير، وبأن للتمحيص هنا معنى آخر يتفق مع ما قاله بعض المفسرين في جملته لا في تصويره.

كل إنسان يحكم لنفسه في نفسه بأمور كثيرة يصدقه فيها الحق الواقع أو يكذبه فالمعتقد حقية الدين قد يتصور وقت الرخاء أنه يسهل عليه بذل ماله ونفسه في سبيل الله ليحفظ شرف دينه ويدفع عنه كيد المعتدين، فإذا جاء البأس ظهر له من نفسه خلاف ما كان يتصور.

فالإنسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلى كمال التجلي إلا بالتجارب الكثيرة والامتحان بالشدائد العظيمة، فالتجارب والشدائد كتمحيص الذهب يظهر به زيفه ونضاره.

ثم إنها أيضًا تنفي خبثه وزغله.

كذلك كان الأمر في أحد: تميز المؤمنون الصادقون من المنافقين، وتطهرت نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها فصارت تبرًا خالصًا، وهؤلاء هم الذين خالفوا أمر النبي  وطمعوا في الغنيمة والذين انهزموا وولوا وهم مدبرون، محص الجميع بتلك الشدة فعلموا أن المسلم ما خلق ليلهو ويلعب، ولا ليكسل ويتواكل، ولا لينال الظفر والسيادة بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في المخلوقات، بل خلق ليكون أكثر الناس جدًا في العمل، وأشدهم محافظة على النواميس والسنن.

وأما محق الكافرين بالشدائد فليس معناه فناؤهم وهلاكهم وإنما هو اليأس يسطو عليهم، وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم، حتى يذهب ما كان قد بقي من نور الفضيلة في نفوسهم، فلا تبقى لهم شجاعة ولا بأس، ولا شيء من عزة النفس، فيكون أحدهم كالهلال في المحاق لا نور له، بل يكون وجوده كالعدم لأنه لا أثر له ولا فائدة فيه، فذلك محقه إذا غلب على أمره.

وإذا هو انتصر طغى وتجبر، وبغى وظلم، وذلك محق معنوي، وتكون عاقبته المحق الصوري، كذلك لا يثبت للكافرين المبطلين وجود مع المؤمنين الصادقين، وإنما يبقون ظاهرين إذا لم يظهر من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله