الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٤٠ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 174 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ) أي : إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة ، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) أي : نديل عليكم الأعداء تارة ، وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم ، ولهذا قال تعالى :( وليعلم الله الذين آمنوا ) قال ابن عباس : في مثل هذا لنرى ، أي : من يصبر على مناجزة الأعداء ( ويتخذ منكم شهداء ) يعني : يقتلون في سبيله ، ويبذلون مهجهم في مرضاته .
( والله لا يحب الظالمين )
القول في تأويل قوله : إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ قال أبو جعفر: اختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز والمدينة والبصرة: ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ )، كلاهما بفتح " القاف "، بمعنى: إن يمسسكم القتل والجراح، يا معشر أصحاب محمد، فقد مس القوم من أعدائكم من المشركين قرح = قتلٌ وجراح = مثله.
* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ ).
[كلاهما بضم القاف].
(56) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ: " إن يمسسكم قَرح فقد مس القوم قَرْح مثله "، بفتح " القاف " في الحرفين، لإجماع أهل التأويل على أن معناه: القتل والجراح، فذلك يدل على أن القراءة هي الفتح.
وكان بعض أهل العربية يزعُمُ أن " القَرح " و " القُرح " لغتان بمعنى واحد.
والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا.
(57) * * * *ذكر من قال: إنّ" القَرح "، الجراح والقتل.
7893- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إن يمسسكم قَرح فقد مس القوم قرحٌ مثله "، قال: جراحٌ وقتلٌ.
7894- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
7895- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرح مثله "، قال: إن يقتلوا منكم يوم أحد، فقد قتلتم منهم يوم بدر.
7896- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله "، والقرح الجراحة، وذاكم يوم أحد، فشا في أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ القتل والجراحة، فأخبرهم الله عز وجل أن القوم قد أصابهم من ذلك مثلُ الذي أصابكم، وأن الذي أصابكم عقوبة.
7897- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرح مثله "، قال: ذلك يوم أحد، فشا في المسلمين الجراح، وفشا فيهم القتل، فذلك قوله: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله "، يقول: إن كان أصابكم قرح فقد أصاب عدوّكم مثله = يعزّي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحثهُّم على القتال.
7898- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله "، والقرح هي الجراحات.
7899- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إن يمسسكم قرح " أي: جراح =" فقد مس القوم قرح مثله "، أي: جراح مثلها.
(58) 7900- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نام المسلمون وبهم الكلوم = يعني يوم أحد = قال عكرمة: وفيهم أنـزلت: " إن يمسسكم قرحٌ فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس "، وفيهم أنـزلت: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [سورة النساء: 104].
* * * وأما تأويل قوله: " إن يمسسكم قرحٌ"، فإنه: إن يصبكم،.
(59) كما:- 7901- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " إن يمسسكم "، إن يصبكم.
* * * القول في تأويل قوله : وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره [بقوله] (60) " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، أيام بدر وأحُد.
* * * ويعني بقوله: " نداولها بين الناس "، نجعلها دُوَلا بين الناس مصرَّفة.
= ويعني بـ" الناس "، المسلمين والمشركين.
وذلك أن الله عز وجل أدال المسلمين من المشركين ببدر، فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.
وأدال المشركين من المسلمين بأحُد، فقتلوا منهم سبعين، سوى من جرحوا منهم.
* * * يقال منه: " أدال الله فلانًا من فلان، فهو يُديله منه إدالة "، إذا ظفر به فانتصر منه مما كان نال منه المُدَال منه.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 7902- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، قال جعل الله الأيام دولا أدال الكفار يوم أحُد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
7903- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، إنه والله لولا الدُّوَل ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يُدال للكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب.
7904- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، فأظهر الله عز وجل &; 7-240 &; نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين يوم بدر، وأظهر عليهم عدوَّهم يوم أحُد.
وقد يدال الكافر من المؤمن، ويبتلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب.
وأما من ابتلى منهم = من المسلمين = يوم أحد، فكان عقوبة بمعصيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
7905- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، يومًا لكم، ويومًا عليكم.
7906- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: " نداولها بين الناس "، قال: أدال المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.
7907- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، فإنه كان يوم أحُد بيوم بدر، قُتل المؤمنون يومَ أحد، اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر المشركين، فجعل له الدولة عليهم.
7908- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان قتال أحد وأصاب المسلمين ما أصابَ، صعد النبي صلى الله عليه وسلم الجبل، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد!
يا محمد!
ألا تخرج؟
ألا تخرج؟
الحربُ سجال: يوم لنا ويوم لكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أجيبوه، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار!
فقال أبو سفيان: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم!
فقال رَسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.
فقال أبو سفيان: اعْلُ هُبَل!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: الله أعلى وأجل!
فقال أبو سفيان: موعدكم وموعدنا بدرٌ الصغرى = قال عكرمة: وفيهم أنـزلت: " وتلك الأيام نداولها بين الناس ".
7909- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك، &; 7-241 &; عن ابن جريج، عن ابن عباس، في قوله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، فإنه أدال على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد.
7910- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، أي نصرِّفها للناس، للبلاء والتمحيص.
(61) 7911- حدثني إبراهيم بن عبد الله قال، أخبرنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي قال، حدثنا حماد بن زيد، عن ابن عون، عن محمد في قول الله: " وتلك الأيام نداولها بين الناس "، قال: يعني الأمراء.
(62) * * * القول في تأويل قوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء = نداولها بين الناس.
ولو لم يكن في الكلام " واو "، لكان قوله: " ليعلم " متصلا بما قبله، وكان وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ، ليعلم الله الذين آمنوا.
ولكن لما دخلت " الواو " فيه، آذنت بأن الكلام متصل بما قبلها، وأن بعدها خبرًا مطلوبًا، واللام التي في قوله: " وليعلم "، به متعلقة.
(63) * * * فإن قال قائل: وكيف قيل: " وليعلم الله الذين آمنوا " معرِفةً، وأنت لا تستجيز في الكلام: " قد سألت فعلمتُ عبد الله "، وأنت تريد: علمت شخصه، إلا أن تريد: علمت صفته وما هو؟
قيل: إن ذلك إنما جاز مع " الذين "، لأن في" الذين " تأويل " مَن " و " أيّ"، وكذلك جائز مثله في" الألف واللام "، كما قال تعالى ذكره: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [سورة العنكبوت: 3]، (64) لأن في" الألف واللام " من تأويل " أيّ"، و " مَن "، مثل الذي في" الذي".
ولو جعل مع الاسم المعرفة اسم فيه دلالة على " أيّ"، جاز، كما يقال: " سألت لأعلم عبد الله مِنْ عمرو "، ويراد بذلك: لأعرف هذا من هذا.
(65) * * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام: وليعلم الله الذين آمنوا منكم، أيها القوم، من الذين نافقوا منكم، نداول بين الناس = فاستغنى بقوله: " وليعلم الله الذين آمنوا منكم "، عن ذكر قوله: " من الذين نافقوا "، لدلالة الكلام عليه.
إذ كان في قوله: " الذين آمنوا " تأويل " أيّ" على ما وصفنا.
فكأنه قيل: وليعلم الله أيكم المؤمن، كما قال جل ثناؤه: لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى [سورة الكهف: 12] (66) غير أن " الألف واللام "، و " الذي" و " من " إذا وضعت مع العَلم موضع " أيّ"، نصبت بوقوع العلم عليه، كما قيل: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ، فأما " أيّ" فإنها ترفع.
(67) * * * قال أبو جعفر: وأما قوله: " ويتخذ منكم شهداء "، فإنه يعني: " وليعلم &; 7-243 &; الله الذين آمنوا " وليتخذ منكم شهداء، أي: ليكرم منكم بالشهادة من أراد أن يكرمه بها.
* * * =" والشهداء " جمع " شهيد "، (68) كما:- 7912- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، أي: ليميِّز بين المؤمنين والمنافقين، وليكرم من أكرَم من أهل الإيمان بالشهادة.
(69) 7913- حدثني المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة على ابن جريج في قوله: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، قال: فإن المسلمين كانوا يسألون ربهم: " ربنا أرنا يومًا كيوم بدر نقاتل فيه المشركين، ونُبليك فيه خيرًا، ونلتمس فيه الشهادة "!
فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.
7914- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، فكرَّم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوِّهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله.
7915- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، قال: قال ابن عباس: كانوا يسألون الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.
7916- حدثني عن الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء "، كان المسلمون يسألون ربهم أن يُريهم يومًا كيوم بدر، يبلون فيه خيرًا، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق، فلقوا المشركين &; 7-244 &; يوم أحد، (70) فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله عز وجل فقال: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ الآية، [سورة البقرة: 154].
* * * قال أبو جعفر: وأما قوله: " والله لا يحب الظالمين "، فإنه يعني به: الذين ظلموا أنفسهم بمعصيتهم ربهم،، كما:- 7917- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " والله لا يحب الظالمين "، أي: المنافقين الذي يظهرون بألسنتهم الطاعة، وقلوبهم مصرَّة على المعصية.
(71) * * * --------------- الهوامش : (56) ما بين القوسين زيادة استظهرتها من سياق كلامه.
هذا ، وظاهر من ترجيح أبي جعفر بعد ، أن في الكلام سقطًا من الناسخ ، وذلك تفسير"القرح" بضم القاف ، ولعله كان قد ذكر هنا ما قاله الفراء في معاني القرآن 1: 234 وذلك قوله: "وقد قرأ أصحابُ عبد الله"قُرْح" وكأن القُرْح: ألم الجراحات ، وكأن القَرْحَ الجراحاتُ بأعيانها".
(57) انظر التعليق السالف ، فنص قوله هنا دال على خرم في نص الطبري.
(58) الأثر: 7899- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7891.
(59) انظر تفسير: "المس" فيما سلف 2: 274 / 5 : 118 / 7: 155.
(60) ما بين القوسين زيادة يقتضيها سياق تفسيره.
(61) الأثر: 7910- سيرة ابن هشام 3: 116 ، 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7899.
(62) الأثر: 7911-"إبراهيم بن عبد الله" ، كثير ، والذي نصوا على أن الطبري روى عنه ، هو: "إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي ، أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة" توفى سنة 265.
مترجم في التهذيب."وعبد الله بن عبد الوهاب الحجبي" ، روى عن مالك وحماد بن زيد.
وروى عنه البخاري ، مات سنة 228.
مترجم في التهذيب.
و"محمد" هو ابن سيرين.
(63) في المطبوعة والمخطوطة"اللام" بغير واو ، والصواب إثباتها.
وفي المطبوعة: "متعلقة به" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(64) في المخطوطة والمطبوعة: "وليعلمن الله" بالواو ، وهو سهو من الناسخ مخالف للتلاوة.
(65) انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء 1: 234 ، 235.
(66) في المخطوطة والمطبوعة: "ليعلم" بالياء ، وهو سهو من الناسخ مخالف للتلاوة.
(67) انظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1: 234 ، 235.
(68) انظر تفسير"الشهداء" فيما سلف 1: 376 - 378 / 3: 97 ، 145 / 6 : 75.
(69) الأثر: 7912- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7910.
(70) في المطبوعة: "فلقى المسلمون" ، بدل الناشر ما كان في المخطوطة: "فلقوا المسلمين" ، أما السيوطي في الدر المنثور 2: 79 ، فحذف"المسلمين" ، وكتب: "فلقوا يوم أحد" لفساد العبارة التي في مخطوطة الطبري فيما استظهر.
ولكني رجحت أن الناسخ الكثير السهو ، سها أيضًا فكتب"المسلمين" مكان"المشركين" ، وأثبت ما رجحت ، لأنه حق الكلام.
(71) الأثر: 7917- سيرة ابن هشام 3: 117 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7912.
قوله تعالى : إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمينقوله تعالى : إن يمسسكم قرح القرح الجرح .
والضم والفتح فيه لغتان عن الكسائي والأخفش ، مثل عقر وعقر .
الفراء : هو بالفتح الجرح ، وبالضم ألمه .
والمعنى : إن يمسسكم يوم أحد قرح فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله .
وقرأ محمد بن السميقع " قرح " بفتح القاف والراء على المصدر .وتلك الأيام نداولها بين الناس قيل : هذا في الحرب ، تكون مرة [ ص: 207 ] للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه ، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم ; فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون .
وقيل : نداولها بين الناس من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر .
والدولة الكرة ; قال الشاعر :فيوم لنا ويوم علينا ويوم نساء ويوم نسروليعلم الله الذين آمنوا معناه ، وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض ; كما قال : وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل : ليعلم صبر المؤمنين ، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبا قبل أن كلفهم .
وقد تقدم في " البقرة " هذا المعنى .قوله تعالى : ويتخذ منكم شهداء فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى ويتخذ منكم شهداء أي يكرمكم بالشهادة ; أي ليقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم .
وقيل : لهذا قيل شهيد : وقيل : سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة وقيل : سمي شهيدا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام ، لأنهم أحياء عند ربهم ، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة ; فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة ، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم ، ويكفيك في فضلها قوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية .
يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم إلى قوله : ذلك الفوز العظيم وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة .
وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد ؟
قال : كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة .
وفي البخاري : " من قتل من المسلمين يوم أحد " منهم حمزة واليمان والنضر بن أنس ومصعب بن عمير ، حدثني عمرو بن علي أن معاذ بن هشام قال حدثني أبي عن قتادة قال : ما نعلم حيا [ ص: 208 ] من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار .
قال قتادة : وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون ، ويوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة سبعون .
قال : وكان بئر معونة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويوم اليمامة على عهد أبي بكر يوم مسيلمة الكذاب .
وقال أنس : أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعلي بن أبي طالب وبه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن .الثانية : في قوله تعالى : ويتخذ منكم شهداء دليل على أن الإرادة غير الأمر كما يقول أهل السنة ; فإن الله تعالى نهى الكفار عن قتل المؤمنين : حمزة وأصحابه وأراد قتلهم ، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأراده فواقعه آدم ، وعكسه أنه أمر إبليس بالسجود ولم يرده فامتنع منه ; وعنه وقعت الإشارة بقوله الحق : ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم .
وإن كان قد أمر جميعهم بالجهاد ، ولكنه خلق الكسل والأسباب القاطعة عن المسير فقعدوا .الثالثة : روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر فقال له : ( خير أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم عام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا ) أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن .
فأنجز الله وعده بشهادة أوليائه بعد أن خيرهم فاختاروا القتل .
والله لا يحب الظالمين أي المشركين ، أي : وإن أنال الكفار من المؤمنين فهو لا يحبهم ، وإن أحل ألما بالمؤمنين فإنه يحب المؤمنين .
ثم سلَّاهم بما حصل لهم من الهزيمة، وبيَّن الحكم العظيمة المترتبة على ذلك، فقال: { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } فأنتم وإياهم قد تساويتم في القرح، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون كما قال تعالى: { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون } ومن الحكم في ذلك أن هذه الدار يعطي الله منها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، فيداول الله الأيام بين الناس، يوم لهذه الطائفة، ويوم للطائفة الأخرى؛ لأن هذه الدار الدنيا منقضية فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنها خالصة للذين آمنوا.
{ وليعلم الله الذين آمنوا } هذا أيضا من الحكم أنه يبتلي الله عباده بالهزيمة والابتلاء، ليتبين المؤمن من المنافق؛ لأنه لو استمر النصر للمؤمنين في جميع الوقائع لدخل في الإسلام من لا يريده، فإذا حصل في بعض الوقائع بعض أنواع الابتلاء، تبين المؤمن حقيقة الذي يرغب في الإسلام، في الضراء والسراء، واليسر والعسر، ممن ليس كذلك.
{ ويتخذ منكم شهداء } وهذا أيضا من بعض الحكم، لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل من وجود أسبابها، فهذا من رحمته بعباده المؤمنين، أن قيَّض لهم من الأسباب ما تكرهه النفوس، لينيلهم ما يحبون من المنازل العالية والنعيم المقيم، { والله لا يحب الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم، وتقاعدوا عن القتال في سبيله، وكأن في هذا تعريضا بذم المنافقين، وأنهم مبغضون لله، ولهذا ثبطهم عن القتال في سبيله.
{ ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين }
"إن يمسسكم قرح"قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر "قرح" بضم القاف حيث جاء، وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان معناهما كالجهد والجهد، وقال الفراء القرح بالفتح: الجراحة، وبالضم:ألم الجراحة، هذا خطاب مع المسلمين حيث انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن، يقول الله تعالى: "إن يمسسكم قرح" يوم أحد، "فقد مس القوم قرح مثله"، يوم بدر، "وتلك الأيام نداولها بين الناس"، فيوم لهم ويوم عليهم، أديل المسلمون على المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمساً وسبعين .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد ألمليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن خالد أنا زهير أخبرنا أبو إسحق قال:سمعت البراء بن عازب قال: "جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلاً عبد الله بن جبير، فقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، فهزموهم ، قال :فإنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟
فقال عبد الله بن جبير : أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين .
فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً فأصابوا منا سبعين .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين رجلاً، سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرات،فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا ، فما ملك عمر نفسه ، فقال كذبت والله ياعدو الله ، إن الذين عددت لأحياء كلهم ، وقد بقي لك مايسوءك ، قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلهً لم آمر بها ولم تسؤني ، ثم أخذ يرتجز:أعل هبل أعل هبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبوه ؟
قالوا : يا رسول مانقول؟
قال: قولوا الله أعلى وأجل، قال : إن لنا العزى ولا عزى لكم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبوه؟
قالوا : يا رسول الله مانقول ؟
قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ".
وروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي حديثه قال أبو سفيان : يوم بيوم وإن الأيام دول والحرب سجال، فقال عمر ضي الله عنه : لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
قال الزجاج: الدولة تكون للمسلمين على الكفار ، لقوله تعالى : "وإن جندنا لهم الغالبون" ، وكانت يوم احد للكفار على المسلمين لمخالفتهم امر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى:"وليعلم الله الذين آمنوا " يعني: إنما كانت هذه المداولة ليعلم الله (أي: ليرى الله ) الذين آمنوا فيميز المؤمن من المنافق، "ويتخذ منكم شهداء" يكرم أقواماً بالشهادة " والله لا يحب الظالمين ".
«إن يمسَسْكم» يصبكم بأحد «قرح» بفتح القاف وضمها جهد من جرح ونحو «فقد مسَّ القومَ» الكفار «قرحٌ مثله» ببدر «وتلك الأيام نداولها» نصرِّفها «بين الناس» يوماً لفرقة ويوماً لأخرى ليتعظوا «وليعلم الله» علم ظهور «الذين آمنوا» أخلصوا في إيمانهم من غيرهم «ويتخذ منكم شهداء» يكرمهم بالشهادة «والله لا يحب الظالمين» الكافرين أي يعاقبهم وما ينعم به عليهم استدراج.
إن أصابتكم -أيها المؤمنون- جراح أو قتل في غزوة "أُحد" فحزنتم لذلك، فقد أصاب المشركين جراح وقتل مثل ذلك في غزوة "بدر".
وتلك الأيام يُصَرِّفها الله بين الناس، نصر مرة وهزيمة أخرى، لما في ذلك من الحكمة، حتى يظهر ما علمه الله في الأزل ليميز الله المؤمن الصادق مِن غيره، ويُكْرِمَ أقوامًا منكم بالشهادة.
والله لا يحب الذين ظلموا أنفسهم، وقعدوا عن القتال في سبيله.
ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تسلية جديدة لهم ، فأخبرهم بأن ما أصابهم من جراح وآلام قد أصيب أعداؤهم بمثله فقال - تعالى - : { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ } .فقال الفخر الرازى : واعلم أن هذا من تمام قوله - تعالى - { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ } فبين - تعالى - أن الذين يصيبهم من القرح لا يصح أن يزيل جدهم واجتهادهم فى جهاد العدو ، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك ، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك فى الحرب ، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى .والمراد بالمس هنا : الإصابة بالجراح ونحوها .والقرح - بفتح القاف - الجرح الذى يصيب الإنسان ، والقرح - بضم القاف - الألم الذى يترتب على ذلك وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره .والمعنى : إن تكونوا - أيها المؤمنون - قد أصابتكم الجراح من المشركين فى غزوة أحد ، فأنتم قد أنزلتم بهم من الجراح فى غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم فى أحد ، ومع ذلك فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم ، فأنتم أولى بسبب إيمانكم ويقينكم ألا تهنوا والا تحزنوا لما أصابكم فى أحد وأن تعقدوا العزم على منازلتهم حتى يظهر أمر الله وهم كارهون .وقيل : إن المعنى إن تصبكم الجراح فى أحد فقد أصيب القوم بجراح مثلها فى هذه المعركة ذاتها .وقد ذكر صاحب الكشاف هذين المعنيين فقال : والمعنى : إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر ، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ، ولم ثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا .
ونحوه { وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابتغآء القوم إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ } وقيل : كان ذلك يوم أحد ، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .فإن قلت : كيف قيل " قرح مثله " وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟
قلت : بلى كان مثله .
ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار .
ألا ترى إلى قوله - تعالى - { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } ويبدو لنا أن الظاهر هو الرأى الأول ، وهو أن الكلام عن غزوتى بدر وأحد ، لأن الله - تعالى - قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن ما أصابهم فى أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدى المؤمنين فى غزوة بدر ، فلماذا يحزنون أو يضعفون؟
ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } ، ويؤيد هذا المعنى - كما سنبينه لعد قليل - .وجواب الشرط فى قوله { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } .
.
.
إلخ .
والتقدير إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم ، فقد مسهم قرح مثله قبل ذلك .وعبر عما أصاب المسلمين فى أحد بصيغة المضارع { يَمْسَسْكُمْ } لقربه من زمن الحال ، وعما أصاب المشركون بصيغة الماضى لبعده؛ لأن ما أصابهم كان فى غزوة بدر .وقوله { وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } بيان لسنة الله الجارية فى كونه ، وتسلية للمؤمنين عما أصابهم فى أحد .وقوله { نُدَاوِلُهَا } من المداولة ، وهى نقل الشىء من واحد إلى آخر .يقال : هذا الشىء تداولته الأيدى ، أى انتقل من واحد إلى آخر .والمعنى : لا تجزعوا أيها المؤمنون لما أصابكم من الجراح فى أحد على أيدى المشركين فهم قد أصيبوا منكم بمثل ذلك فى غزوة بدر ، وإن أيام الدنيا هى دول بين الناس ، لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد منهم ، فمن سره زمن ساءته أزمان ، ومن أمثال العرب .
الحرب سجال : والأيام دول فهى تارة لهؤلاء وتارة لأولئك ، كما قال الشاعر :فلا وأبى الناس لا يعلمون ...
فلا الخير خير ولا الشر شرفيوم علينا ، ويوم لنا ...
ويوم نساء ويوم نسرواسم الإشارة { تِلْكَ } مشاربه إلى ما بعده ، كما فى الضمائر المبهمة التى يفسرها ما بعدها ، ومثل هذا التركيب يفيد التفخيم والتعظيم .والمراد بالأيام : الأوقات والأزمان المختلفة لا الأيام العرفية التى يتكون الواحد منها من مدة معينة .وقد فسر صاحب الكشاف مداولة الأيام بتبادل النصر ، فقال : وقوله : { وَتِلْكَ الأيام } ، تلك مبتدأ ، والأيام صفته { نُدَاوِلُهَا } خبره .ويجوز أن يكون { وَتِلْكَ الأيام } مبتدأ وخبرا ، كما تقول : هى الأيام تبلى كل جديد .والمراد بالأيام : أوقات الظفر والغلبة .
ونداولها : نصرفها بين الناس ، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء " .وقد تكلم الإمام الرازى عن الحكمة فى مداولة الأيام بين الناس فقال ما ملخصه : واعمل أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله - تعالى - ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين ، وذلك لأن نصرة الله منصب شريف ، وإعزاز عظيم فلا يليق بالكافر ، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه :الأول : إنه - سبحانه - لو شدد المحنة على الكفار فى جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين فى جميع الأوقات .
لحصل العلم الاضطرارى بأن الإيمان حق وما سواه باطل ، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب ، فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية ، والمكلف يدفعها بواسطة النظر فى الدلائل الدالة على صحة الإسلام فيعظم ثوابه عند الله .والثانى : أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى ، فيكون تشديد المحنة عليه فى الدنيا أدباً ، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضباً من الله عليه " .ووجه آخر وهو شحذ عزائم المؤمنين فى اتخاذ وسائل النصر فلا يركنوا إلى إيمانهم ويتركوا العمل بالأسباب .ثم كشفت السورة الكريمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث فى غزوة أحد ، وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس فقال - تعالى - { وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } .أى فعلنا ما فعلنا فى أحد ، واقتضت حكمتنا أن نداول الأيام بينكم وبين عدوكم ، ليظهر أمركم - أيها المؤمنون - ، وليتميز قوى الإيمانى من ضعيفه .فمعنى علم الله هو تحقيق ما قدره فى الأزل فيعلمه الناس ، ويعلمه الله - تعالى - واقعا حاضرا ، وذلك لأن العلم الغيبيى لا يتربت عليه ثواب ولا عقاب ، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهداً واقعاً فى الحس .قال صاحب الكشاف : وقوله { وَلِيَعْلَمَ الله الذين آمَنُواْ } فيه وجهان :أحدهما : أن يكون المعلل محذوفا والمعنى : وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف فعلنا ذلك .
وهو من باب التمثيل .
بمعنى : فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت ، وإلا فالله - عز وجل - لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها .والثاني : أنه تكون العلة محذوفة ، وهذا عطف عليه والمعنى : وفعلنا ذلك ليكون كيت وليعلم الله .
وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة ، ليسليهم عما جرى عليهم ، وليبصرهم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من المصائب ، ولا يشعر أن لله فى ذلك من المصالح ما هو غافل عنه " .وقوله { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين يوم أحد .أى : وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم فى التضحية بالنفس من أجل إعلاء كلمة الله ، والدفاع عن الحق .
وهو - سبحانه - يحب الشهداء من عباده ، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات ، وأسمى المنازل .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } أي يكرمكم بالشهادة ، أي ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم .
وقيل : لهذا قيل شهيد .وقيل : سمى شهيداً لأنه مشهود له بالجنة .
وقيل : سمى شهيدا ، لأن أرواحهم احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم ، فالشهيد بمعنى الشاهد أى الحاضر للجنة .
والشهادة فضلها عظيم ويكفيك فى فضلها قوله - تعالى - { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } الآية .
وفى الحديث الشريف " أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما بال المؤمنين يفتنون فى قبورهم إلا الشهيد؟
فقال صلى الله عليه وسلم " كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة " " .وقوله - تعالى - { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } جملة معترضة لتقدير مضمون ما قبلها .أى : والله - تعالى - لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم عن نصرة الحق ، وإنما يحب المؤمنين الثابتين على الحق ، المجاهدين بأنفسهم وأموالهم فى سبيل إعلاء دين الله ، ونصره شريعته .
واعلم أن هذا من تمام قوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ فبين تعالى أن الذي يصيبهم من القرح لا يجب أن يزيل جدهم واجتهادهم في جهاد العدو، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فاذا كانوا مع باطلهم، وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك في الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ قُرْحٌ ﴾ بضم القاف وكذلك قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح ﴾ والباقون بفتح القاف فيهما واختلفوا على وجوه: فالأول: معناهما واحد، وهما لغتان: كالجهد والجهد، والوجد والوجد، والضعف والضعف.
والثاني: أن الفتح لغة تهامة والحجاز والضم لغة نجد.
والثالث: أنه بالفتح مصدر وبالضم اسم.
والرابع: وهو قول الفرّاء انه بالفتح الجراحة بعينها وبالضم ألم الجراحة.
والخامس: قال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم انها جمع قرحة.
المسألة الثانية: في الآية قولان: أحدهما: إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مسهم يوم بدر، وهو كقوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا ﴾ والثاني: أن الكفار قد نالهم يوم أحد مثل ما نالكم من الجرح والقتل، لأنه قتل منهم نيف وعشرون رجلا، وقتل صاحب لوائهم والجراحات كثرت فيهم وعقر عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار.
فان قيل كيف قال: ﴿ قَرْحٌ مّثْلُهُ ﴾ وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟
قلنا: يجب أن يفسر القرح في هذا التأويل بمجرد الانهزام لا بكثرة القتلى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ تِلْكَ ﴾ مبتدأ ﴿ والأيام ﴾ صفة و ﴿ نداولها ﴾ خبره ويجوز أن يقال: تلك الأيام مبتدأ وخبر كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد، فقوله: ﴿ تِلْكَ الأيام ﴾ إشارة إلى جميع أيام الوقائع العجيبة، فبين أنها دول تكون على الرجل حينا وله حينا والحرب سجال.
المسألة الثانية: قال القفال: المداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر، يقال: تداولته الأيدي إذا تناقلته ومنه قوله تعالى: ﴿ كَى لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ ﴾ أي تتداولونها ولا تجعلون للفقراء منها نصيباً، ويقال: الدنيا دول، أي تنتقل من قوم الى آخرين، ثم عنهم إلى غيرهم، ويقال: دال له الدهر بكذا إذا انتقل اليه، والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس لا يدوم مسارها ولا مضارها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوه، ويوم آخر بالعكس من ذلك، ولا يبقى شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها.
واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله تعالى تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين وذلك لأن نصرة الله منصب شريف وإعزاز عظيم، فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه: الأول: أنه تعالى لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات لحصل العلم الاضطراري بأن الايمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الايمان، وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الاسلام فيعظم ثوابه عند الله.
والثاني: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي، فيكون عند الله تشديد المحنة عليه في الدنيا أدباً له وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبا من الله عليه.
والثالث: وهو أن لذات الدنيا وآلامها غير باقية وأحوالها غير مستمرة، وإنما تحصل السعادات المستمرة في دار الآخرة، ولذلك فإنه تعالى يميت بعد الاحياء، ويسقم بعد الصحة، فاذا حسن ذلك فلم لا يحسن أن يبدل السراء بالضراء، والقدرة بالعجز، وروي أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد ثم قال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب، فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر، فقال أبو سفيان: يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال: ان كان كما تزعمون، فقد خبنا إذن وخسرنا.
﴿ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ ففيه مسائل.
المسألة الأولى: اللام في قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله ﴾ متعلق بفعل مضمر، اما بعده أو قبله، أما الاضمار بعده فعلى تقدير وليعلم الله الذين آمنوا فعلنا هذه المداولة، وأما الإضمار قبله فعلى تقدير ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ لأمور، منها ليعلم الله الذين آمنوا، ومنها ليتخذ منكم شهداء، ومنها ليمحص الله الذين آمنوا، ومنها ليمحق الكافرين، فكل ذلك كالسبب والعلة في تلك المداولة.
المسألة الثانية: الواو في قوله: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ نظائره كثيرة في القرآن، قال تعالى: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ والتقدير: وتلك الأيام نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم الله، وإنما حذف المعطوف عليه للإيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى، وليعرفهم أن تلك الواقعة وأن شأنهم فيها، فيه من وجوه المصالح ما لو عرفوه لسرهم.
المسألة الثالثة: ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ مشعر بأنه تعالى إنما فعل تلك المداولة ليكتسب هذا العلم، ومعلوم أن ذلك محال على الله تعالى، ونظير هذه الآية في الإشكال قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين ﴾ وقوله: ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا ﴾ وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول ﴾ وقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن الله تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها، فقال: كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها.
أجاب المتكلمون عنه: بأن الدلائل العقلية دلت على أنه تعالى يعلم الحوادث قبل وقوعها، فثبت أن التغيير في العلم محالا الا أن اطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان والمراد معلومه، وهذه قدرة فلان والمراد مقدوره، فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم، فالمراد تجدد المعلوم.
إذا عرفت هذا، فنقول: في هذه الآية وجوه: أحدها: ليظهر الاخلاص من النفاق والمؤمن من الكافر.
والثاني: ليعلم أولياء الله، فأضاف الى نفسه تفخيما.
وثالثها: ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مكان الحكم بالامتياز، لأن الحكم بالامتياز لا يحصل إلا بعد العلم.
ورابعها: ليعلم ذلك واقعاً منهم كما كان يعلم أنه سيقع، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.
المسألة الرابعة: العلم قد يكون بحيث يكتفى فيه بمفعول واحد، كما يقال: علمت زيداً، أي علمت ذاته وعرفته، وقد يفتقر إلى مفعولين، كما يقال: علمت زيداً كريما، والمراد منه في هذه الآية هذا القسم الثاني، إلا أن المفعول الثاني محذوف والتقدير: وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالايمان من غيرهم، أي الحكمة في هذه المداولة أن يصير الذين آمنوا متميزين عمن يدعي الايمان بسبب صبرهم وثباتهم على الاسلام، ويحتمل أن يكون العلم هاهنا من القسم الأول، بمعنى معرفة الذات، والمعنى وليعلم الله الذين آمنوا لما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم، أي ليعرفهم بأعيانهم إلا أن سبب حدوث هذا العلم، وهو ظهور الصبر حذف هاهنا.
أما قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ﴾ فالمراد منه ذكر الحكمة الثانية في تلك المداولة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: الأول: يتخذ منكم شهداء على الناس بما صدر منهم من الذنوب والمعاصي، فإن كونهم شهداء على الناس منصب عال ودرجة عالية.
والثاني: المراد منه وليكرم قوماً بالشهادة، وذلك لأن قوما من المسلمين فاتهم يوم بدر، وكانوا يتمنون لقاء العدو وأن يكون لهم يوم كيوم بدر يقاتلون فيه العدو ويلتمسون فيه الشهادة، وأيضا القرآن مملوء من تعظيم حال الشهداء قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أمواتا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَجِئ بالنبيين والشهداء ﴾ وقال: ﴿ فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾ فكانت هذه المنزلة هي المنزلة الثالثة للنبوة، وإذا كان كذلك فكان من جملة الفوائد المطلوبة من تلك المداولة حصول هذا المنصب العظيم لبعض المؤمنين.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع الحوادث بارادة الله تعالى فقالوا: منصب الشهادة على ما ذكرتم، فان كان يمكن تحصيلها بدون تسليط الكفار على المؤمنين لم يبق لحسن التعليل وجه، وإن كان لا يمكن فحينئذ يكون قتل الكفار للمؤمنين من لوازم تلك الشهادة، فاذا كان تحصيل تلك الشهادة للعبد مطلوباً لله تعالى وجب أن يكون ذلك القتل مطلوباً لله تعالى، وأيضاً فقوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء ﴾ تنصيص على أن ما به حصلت تلك الشهادة هو من الله تعالى، وذلك يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى.
المسألة الثالثة: الشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء، والمقتول من المسلمين بسيف الكفار شهيداً، وفي تعليل هذا الاسم وجوه: الأول: قال النضر بن شميل: الشهداء أحياء لقوله: ﴿ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ فأرواحهم حية وقد حضرت دار السلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها.
الثاني: قال ابن الانباري: لأن الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنة، فالشهيد فعيل بمعنى مفعول.
الثالث: سموا شهداء لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين، كما قال تعالى: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ الرابع: سموا شهداء لأنهم كما قتلوا أدخلوا الجنة، بدليل أن الكفار كما ماتوا أدخلوا النار بدليل قوله: ﴿ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ فكذا هاهنا يجب أن يقال: هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله، كما ماتوا دخلوا الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي المشركين، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ وهو اعتراض بين بعض التعليل وبعض، وفيه وجوه: الأول: والله لا يحب من لا يكون ثابتاً على الايمان صابراً على الجهاد.
الثاني: فيه إشارة إلى أنه تعالى إنما يؤيد الكافرين على المؤمنين لما ذكر من الفوائد، لا لأنه يحبهم.
ثم قال: ﴿ وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءَامَنُواْ ﴾ أي ليطهرهم من ذنوبهم ويزيلها عنهم، والمحص: في اللغة التنقية، والمحق في اللغة النقصان، وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ الله الربا ﴾ أي يستأصله.
قال الزجاج: معنى الآية أن الله تعالى جعل الأيام مداولة بين المسلمين والكافرين، فان حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين، وإن كانت الغلبة للمؤمنين على هؤلاء الكافرين كان المراد محق آثار الكافرين ومحوهم، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين، لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة لطيفة في المعنى.
والأقرب أن المراد بالكافرين هاهنا طائفة مخصوصة منهم وهم الذين حاربوا الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وإنما قلنا ذلك لعلمنا بأنه تعالى لم يمحق كل الكفار، بل كثير منهم بقي على كفره، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ ﴿ قرح ﴾ بفتح القاف وضمها، وهما لغتان كالضعف والضعف.
وقيل: هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها.
وقرأ أبو السَّمَّال ﴿ قرح ﴾ بفتحتين.
وقيل القرح والقرح كالطرد والطرد.
والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال.
فأنتم أولى أن لا تضعفوا.
ونحوه ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ ﴾ [النساء: 104] وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: كيف قيل ﴿ قَرْحٌ مّثْلُهُ ﴾ وماكان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟
قلت: بلى كان مثله، ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار.
ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وتنازعتم فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تحبون ﴾ [آل عمران: 75] .
﴿ وَتِلْكَ الايام ﴾ تلك مبتدأ، والأيام صفته.
و ﴿ نُدَاوِلُهَا ﴾ خبره، ويجوز أن يكون ﴿ تِلْكَ الايام ﴾ مبتدأ وخبراً، كما تقول: هي الأيام تبلي كل جديد.
والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة، نداولها: نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كقوله وهو من أبيات الكتاب: فَيَوْما عَلَيْنَا وَيَوماً لَنَا ** وَيَوْما نُسَاءُ وَيَوما نُسَرّ ومن أمثال العرب: الحرب سجال.
وعن أبي سفيان أنه صعد الجبل يوم أحد فمكث ساعة ثم قال: أين ابن أبي كبشة، أين ابن أبي قحافة، أين ابن الخطاب.
فقال عمر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر.
فقال أبو سفيان يوم بيوم والأيام دول والحرب سجال.
فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار.
فقال: إنكم تزعمون ذلك فقد خبنا إذن وخسرنا، والمداولة مثل المعاورة.
وقال: يَرِدُ المِيَاهَ فَلاَ يَزَالُ مُدَاوِلا ** فِي النَّاسِ بَيْنَ تَمَثلٍ وَسَمَاعِ يقال: داولت بينهم الشيء فتداولوه ﴿ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعلل محذوفاً معناه: وليتميز الثابتون على الإيمان منكم من الذين على حرف، فعلنا ذلك وهو من باب التمثيل، بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت، وإلا فالله عز وجل لم يزل عالماً بالأشياء قبل كونها.
وقيل: معناه وليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، والثاني أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه، معناه: وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم الله.
وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم أن العبد يسوءه ما يجري عليه من المصائب، ولا يشعر أنّ لله في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ وليكرم ناساً منكم بالشهادة، يريد المستشهدين يوم أحد.
أو وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بما يبتلى به صبركم من الشدائد، من قوله تعالى: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ [البقرة: 143] .
﴿ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ اعتراض بين بعض التعليل وبعض.
ومعناه: والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيل الله، الممحصين من الذنوب.
والتمحيص: التطهير والتصفية ﴿ وَيَمْحَقَ الكافرين ﴾ ويهلكهم.
يعني: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والاستشهاد والتمحيص، وغير ذلك مما هو أصلح لهم.
وإن كانت على الكافرين، فلمحقهم ومحو آثارهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ كالضَّعْفِ والضَّعْفِ.
وقِيلَ هو بِالفَتْحِ الجِراحُ وبِالضَّمِّ ألَمُها، والمَعْنى إنْ أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَضْعُفُوا ولَمْ يَجْبُنُوا فَأنْتُمْ أوْلى بِأنْ لا تَضْعُفُوا، فَإنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ.
وقِيلَ كَلا المِسِينَّ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ الرَّسُولِ .
﴿ وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ نَصْرِفُها بَيْنَهم نُدِيلُ لِهَؤُلاءِ تارَةً ولِهَؤُلاءِ أُخْرى كَقَوْلِهِ: فَيَوْمًا عَلَيْنا ويَوْمًا لَنا ∗∗∗ ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ والمُداوَلَةُ كالمُعاوَدَةِ يُقالُ داوَلْتُ الشَّيْءَ بَيْنَهم فَتَداوَلُوهُ، والأيّامَ تَحْتَمِلُ الوَصْفَ والخَبَرَ ونُداوِلُها يَحْتَمِلُ الخَبَرَ والحالَ والمُرادُ بِها: أوْقاتُ النَّصْرِ والغَلَبَةِ.
﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عُطِفَ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ نُداوِلُها لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ إيذانًا بِأنَّ العِلَّةَ فِيهِ غَيْرُ واحِدَةٍ، وإنَّ ما يُصِيبُ المُؤْمِنَ فِيهِ مِنَ المَصالِحِ ما لا يُعْلَمُ، أوِ الفِعْلُ المُعَلَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ولِيَتَمَيَّزَ الثّابِتُونَ عَلى الإيمانِ مِنَ الَّذِينَ عَلى حَرْفٍ فَعَلْنا ذَلِكَ، والقَصْدُ في أمْثالِهِ ونَقائِضِهِ لَيْسَ إلى إثْباتِ عِلْمِهِ تَعالى ونَفْيِهِ بَلْ إلى إثْباتِ المَعْلُومِ ونَفْيِهِ عَلى طَرِيقِ البُرْهانِ.
وقِيلَ مَعْناهُ لِيُعْلِمَهم عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ وهو العِلْمُ بِالشَّيْءِ مَوْجُودًا.
﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ ﴾ ويُكْرِمَ ناسًا مِنكم بِالشَّهادَةِ يُرِيدُ شُهَداءَ أُحُدٍ، أوْ يَتَّخِذَ مِنكم شُهُودًا مُعَدَّلِينَ بِما صُودِفَ مِنهم مِنَ الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ.
﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ يُضْمِرُونَ خِلافَ ما يُظْهِرُونَ، أوِ الكافِرِينَ وهو اعْتِراضٌ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَنْصُرُ الكافِرِينَ عَلى الحَقِيقَةِ وإنَّما يَغْلِبُهم أحْيانًا اسْتِدْراجًا لَهم وابْتِلاءً لِلْمُؤْمِنِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} بضم القاف حيث كان كوفى غير حفص وبفتح القاف غيرهم وهما لغتان كالضعف والضعف وقيل بالفتح الجراحة وبالضم ألمها {فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ} أي إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منه يوم بدر ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يمنعهم
عن معاودتكم إلى القتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا {وَتِلْكَ} مبتدأ {الأيام} صفته والخبر {نُدَاوِلُهَا} نصرفها {بَيْنَ الناس} أي نصرف ما فيها من النعم والنقم نعطي لهؤلاء تارة وطوراً لهؤلاء كبيت الكتاب ...
فيوماً علينا ويوماً لنا ...
ويوماً نساء ويوماً نسر ...
{وليعلم الله الذين آمنوا} أي نداولها لضروب من التدبير وليعلم الله المؤمنين مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم كما علمهم قبل الوجود {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} وليكرم ناسا منكم بالشهادة يريد للمستشهدين يوم أحد أو ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة من قوله لتكونوا شهداء على الناس {والله لاَ يُحِبُّ الظالمين} اعتراض بين بعض التعليل وبعض ومعناه والله لا يحب من لبس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله وهم المنافقون والكافرون
﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ القافِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، وهُما لُغَتانِ كالدُّفِّ والدَّفِّ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ، وقالَ الفَرّاءُ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجِراحَةُ، وبِالضَّمِّ ألَمُها، ويُقْرَأُ بِضَمِّ القافِ والرّاءِ عَلى الإتْباعِ كاليُسْرِ واليُسُرِ، والطُّنْبِ والطُّنُبِ، وقَرَأ أبُو السِّمالِ بِفَتْحِهِما، وهو مَصْدَرُ قَرِحَ يَقْرَحُ إذا صارَ لَهُ قُرْحَةٌ، والمَعْنى إنْ نالُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ نِلْتُمْ مِنهم قَبْلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمْ يُضْعِفُ ذَلِكَ قُلُوبَهم ولَمْ يُثَبِّطْهم عَنْ مُعاوَدَتِكم بِالقِتالِ وأنْتُمْ أحَقُّ بِأنْ لا تَضْعُفُوا؛ فَإنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما لا يَرْجُونَ، والمُضارِعُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ لِحِكايَةِ الحالِ لِأنَّ المَساسَ مَضى، وأمّا اسْتِعْمالُ إنْ فِبَتَقْدِيرِ كانَ أيْ إنْ كانَ مَسَّكم قَرْحٌ، و(إنْ) لا تَتَصَرَّفُ في كانَ لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ، أوْ عَلى ما قِيلَ: إنَّ ( إنْ ) قَدْ تَجِيءُ لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيقِ مِن غَيْرِ نَقْلِ فِعْلِهِ مِنَ الماضِي إلى المُسْتَقْبَلِ، وما وقَعَ في مَوْضِعِ جَوابِ الشَّرْطِ لَيْسَ بِجَوابِ حَقِيقَةٍ لِتَحَقُّقِهِ قَبْلَ هَذا الشَّرْطِ، بَلْ دَلِيلُ الجَوابِ، والمُرادُ إنْ كانَ مَسَّكم قَرْحٌ فَذَلِكَ لا يُصَحِّحُ عُذْرَكم وتَقاعُدَكم عَنِ الجِهادِ بَعْدُ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَسَّ أعْداءَكم مِثْلُهُ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، أوْ يُقالُ: إنْ مَسَّكم قَرْحٌ فَتَسَلَّوْا فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والمِثْلِيَّةُ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ القَتْلى في الجُمْلَةِ فَلا يَرِدُ أنَّ المُسْلِمِينَ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُشْرِكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ خَمْسَةً وسَبْعِينَ وجَرَحُوا سَبْعِينَ، والتَزَمَ بَعْضُهم تَفْسِيرَ القَرْحِ بِمُجَرَّدٍ الِانْهِزامِ دُونَ تَكْثِيرِ القَتْلى فِرارًا مِن هَذا الإيرادِ، وأبْعَدَ بَعْضٌ في تَوْجِيهِ الآيَةِ وحَمَلَها عَلى ما لا يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ: الأوْجَهُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ ﴾ فَلا تَهِنُوا لِأنَّهُ ﴿ مَسَّ القَوْمَ ﴾ أيِ الرِّجالَ ﴿ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ والقَرْحُ لِلرِّجالِ لا لِلنِّساءِ، فَمَن هو مِن زُمْرَةِ الرِّجالِ يَنْبَغِي أنْ لا يُعْرِضَ عَمّا هو سَمْتُهُ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَسْعى لَهُ، وبِهَذا يَظْهَرُ بَقاءُ وجْهِ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ، وأنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وكَذا يَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ قَرْحَ القَوْمِ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ قَرْحِهِمْ، ولا يَحْتاجُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الجَوابِ.
وقِيلَ: إنْ كِلا المَسَّيْنِ كانَ في أُحُدٍ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ نالُوا مِنهم قَبْلَ أنْ يُخالِفُوا أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَإنَّهم قَتَلُوا مِنهم نَيِّفًا وعِشْرِينَ رَجُلًا أحَدَهم صاحِبَ لِوائِهِمْ، وجَرَحُوا عَدَدًا كَثِيرًا، وعَقَرُوا عامَّةَ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ القَرْحَ الَّذِي مَسَّهم أنَّهم رَجَعُوا خائِبِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ بِحِفْظِ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿ وتِلْكَ الأيّامُ ﴾ اسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى ما بَعْدَهُ كَما في الضَّمائِرِ المُبْهَمَةِ الَّتِي يُفَسِّرُها ما بَعْدَها نَحْوُ - رَبَّهُ رَجُلًا - ومِثْلُهُ يُفِيدُ التَّفْخِيمَ والتَّعْظِيمَ، و( الأيّامُ ) بِمَعْنى الأوْقاتِ لا الأيّامُ العُرْفِيَّةُ، وتَعْرِيفُها لِلْعَهْدِ إشارَةٌ إلى أوْقاتِ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ، ويَوْما بَدْرٍ وأُحُدٍ داخِلانِ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ نُصَرِّفُها بَيْنَهم فَنُدِيلُ لِهَؤُلاءِ مَرَّةً ولِهَؤُلاءِ أُخْرى كَما وقَعَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ أُحُدٍ، والمُداوَلَةُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ، يُقالُ: تَداوَلَتْهُ الأيْدِي إذا انْتَقَلَ مِن واحِدٍ إلى واحِدٍ، و(النّاسِ) عامٌّ، وفَسَّرَهُ ابْنُ سِيرِينَ بِالأُمَراءِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، و(الأيّامُ) خَبَرُهُ، و(نُداوِلُها) في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (الأيّامُ) صِفَةً أوْ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و ﴿ نُداوِلُها ﴾ هو الخَبَرُ، و(بَيْنَ النّاسِ) ظَرْفٌ لِنُداوِلُها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الهاءِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ الدّالَّةُ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ تِلْكَ المُداوَلَةَ سُنَّةٌ مَسْلُوكَةٌ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ قاطِبَةً إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى، ومِن كَلامِهِمُ: الأيّامُ دُوَلٌ والحَرْبُ سِجالٌ، وفي هَذا ضَرْبٌ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقُرِئَ يُداوِلُها.
﴿ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ تَعْلِيلٌ لِما هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ مُطْلَقِ المُداوَلَةِ المُشارِ إلَيْها فِيما قَبْلُ، وهي المُداوَلَةُ المَعْهُودَةُ الجارِيَةُ بَيْنَ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ المُطْلَقُ مِنَ الفِعْلِ المُقَيَّدِ بِالوُقُوعِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أوْ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُطْلَقِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِهِ بَيْنَهُما، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى لَها مُعْتَبَرَةٍ، إمّا عَلى الخُصُوصِ والتَّعْيِينِ لِلدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْها كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ نُداوِلُها ﴾ بَيْنَكم وبَيْنَ عَدُوِّكم لِيَظْهَرَ أمْرُكم ولِيُعْلَمَ، وإمّا عَلى العُمُومِ والإبْهامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العِلَلَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما عُدَّ مِنَ الأُمُورِ، وأنَّ العَبْدَ يَسْؤُوهُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ ولا يَشْعُرُ بِما لِلَّهِ في طَيِّهِ مِنَ الألْطافِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَجْعَلُها دُوَلًا بَيْنَكم لِتَكُونَ حِكَمًا وفَوائِدَ جَمَّةً ﴿ ولِيَعْلَمَ ﴾ إلَخْ وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ ما لا يَخْفى، وتَخْصِيصُ البَيانِ بِعِلَّةِ هَذا الفَرْدِ مِن مُطْلَقِ المُداوَلَةِ دُونَ سائِرِ أفْرادِها الجارِيَةِ بَيْنَ بَقِيَّةِ الأُمَمِ تَعْيِينًا أوْ إيهامًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ العِلْمِيِّ بِبَيانِها، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ المَحْذُوفَ المُبْهَمَ عِبارَةٌ عَنْ عِلَلِ سائِرِ أفْرادِها لِلْإشارَةِ إجْمالًا إلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِها لَهُ عِلَّةٌ داعِيَةٌ في الظّاهِرِ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ كافَّةً لِيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ مِنَ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى تِلْكَ الإفْرادِ، ﴿ ولِيَعْلَمَ ﴾ إلَخْ فاللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُطْلَقِ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِتِلْكَ الأفْرادِ، والثّانِيَةُ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالفَرْدِ المَعْهُودِ، قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: داوَلَتْ بَيْنَكُمُ الأيّامُ لِأنَّ هَذِهِ عادَتُنا (ولِيَعْلَمَ) إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ الفِعْلَ المُعَلَّلَ بِهِ مَحْذُوفٌ ويُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا، والتَّقْدِيرُ ( ﴿ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ) فِعْلَ ذَلِكَ، ومِنهم مَن زَعَمَ زِيادَةَ الواوِ وهو مِن ضِيقِ المَجالِ، والكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ المُخْلِصِينَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، والعِلْمُ فِيهِ مَجازٌ عَنِ التَّمْيِيزِ مِن بابِ إطْلاقٍ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ أيْ لِيَمِيزَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ.
وحَمْلُ العِلْمِ عَلى التَّمْيِيزِ في حالِ التَّمْثِيلِ تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ طائِلٍ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ حَمْلَ العِلْمِ عَلى التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزَيِّ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ الجَزاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في البَقَرَةِ.
وبِالجُمْلَةِ لا يَرِدُ لُزُومُ حُدُوثِ العِلْمِ الَّذِي هو صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ تَعالى وإطْلاقُ الإيمانِ مَعَ أنَّ المُرادَ هو الرُّسُوخُ والإخْلاصُ فِيهِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ اسْمَ الإيمانِ لا يَنْطَلِقُ عَلى غَيْرِهِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ التَّقْدِيرَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنَ مِنَ المُنافِقِ إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ صَبْرَ الَّذِينَ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ بِإسْنادِهِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِأنَّ صُدُورَ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ بِصَدَدِ التَّعْلِيلِ مِن أفْعالِهِ تَعالى بِاعْتِبارِ مَنشَأِ مُعَيَّنٍ مِن صِفاتِهِ الَّتِي اسْتَجْمَعَها هَذا الِاسْمُ الأعْظَمُ مُغايِرٌ لِمَنشَأِ الآخَرِ.
﴿ ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ ﴾ جَمْعُ شَهِيدٍ وهو قَتِيلُ المَعْرَكَةِ وأرادَ بِهِمْ شُهَداءَ أُحُدٍ كَما قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ، و(مِن): ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَتَّخِذَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (شُهَداءَ)، وقِيلَ: جَمْعُ شاهِدٍ أيْ ويَتَّخِذَ مِنكم شُهُودًا مُعَدَّلِينَ بِما ظَهَرَ مِنَ الثَّباتِ عَلى الحَقِّ والصَّبْرِ عَلى الشَّدائِدِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَواهِدِ الصِّدْقِ لِيَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، و(مِن) عَلى هَذا بَيانِيَّةٌ لِأنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ وظِيفَةُ الكُلِّ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَما أبْطَأ عَلى النِّساءِ الخَبَرُ خَرَجْنَ يَسْتَخْبِرْنَ، فَإذا رَجُلانِ مَقْتُولانِ عَلى دابَّةٍ أوْ عَلى بَعِيرٍ، فَقالَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَن هَذانِ ؟
قالُوا: فُلانٌ وفُلانٌ أخُوها وزَوْجُها أوْ زَوْجُها وابْنُها، فَقالَتْ: ما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ؟
قالُوا: حَيٌّ، قالَتْ: فَلا أُبالِي يَتَّخِذُ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ الشُّهَداءَ، ونَزَلَ القُرْآنُ عَلى ما قالَتْ، ﴿ ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ ﴾ وكَنّى بِالِاتِّخاذِ عَنِ الإكْرامِ لِأنَّ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَقَدِ اخْتارَهُ وارْتَضاهُ، فالمَعْنى لِيُكْرِمَ أُناسًا مِنكم بِالشَّهادَةِ ﴿ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ (140) أيْ يُبْغِضُهم، والمُرادُ مِنَ الظّالِمِينَ إمّا المُنافِقُونَ كابْنِ أُبَيٍّ وأتْباعَهُ الَّذِينَ فارَقُوا جَيْشَ الإسْلامِ عَلى ما نَقَلْناهُ فِيما قَبْلُ فَهم في مُقابَلَةِ المُؤْمِنِينَ فِيما تَقَدَّمَ المُفَسَّرُ بِالثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ الرّاسِخِينَ فِيهِ الَّذِينَ تُوافِقُ ظَواهِرُهم بَواطِنَهم، وإمّا بِمَعْنى الكافِرِينَ المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْرِيرٍ مَضْمُونِ ما قَبْلَها، وفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَنْصُرُ الكافِرَ عَلى الحَقِيقَةِ وإنَّما يُغَلِّبُهُ أحْيانًا اسْتِدْراجًا وابْتِلاءً لِلْمُؤْمِنِ، وأيْضًا لَوْ كانَتِ النُّصْرَةُ دائِمًا لِلْمُؤْمِنِينَ لَكانَ النّاسُ يَدْخُلُونَ في الإيمانِ عَلى سَبِيلِ اليُمْنِ والفَأْلِ، والمَقْصُودُ غَيْرُ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ يعني القرآن، بيان للناس من الضلالة وَهُدىً من العمى وَمَوْعِظَةٌ من الجهل، ويقال: هُدىً وَمَوْعِظَةٌ أي كرامة ورحمة لِلْمُتَّقِينَ وَلا تَهِنُوا أي لا تضعفوا ولا تجبنوا، ويقال: ولا تَعْجزوا عن عدوكم وَلا تَحْزَنُوا على ما أصابكم من القتل والهزيمة يوم أحد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يعني: الغالبون يقول آخر الأمر لكم.
ويقال: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ في الجنة.
ويقال: هذا وعد لأصحاب محمد في المستأنف وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أي الغالبون على الأعداء بعد أحد، فلم يخرجوا بعد ذلك في عسكر إلا ظفروا في عهد رسول الله ، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله ، إذا كان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم، فهذه البلدان كلها إنما فتحت في عهد أصحاب رسول الله ، ثم بعد انقراضهم ما فتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتحون في ذلك الوقت.
ويقال: في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه لأنه قال لموسى عليه الصلاة والسلام: إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [طه: 68] وقال لهذه الأمة: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ويقال اشتُقَّت هذه اللفظة من اسم الله تعالى، لأن اسمه العلي الأعلى.
وقال للمؤمنين: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مصدقين بوعد الله.
ويقال: معناه إذ كنتم مؤمنين.
ويقال: في الآية تقديم وتأخير، فكأنه قال: ولا تهنوا ولا تحزنوا إن كنتم مؤمنين وأنتم الأعلون.
ويقال: إن هذا وعد لهم بأنهم غالبون إن ثبتوا وصدقوا، فلو أنهم ثبتوا وصدقوا لغَلَبُوا كما غَلَبوا يوم بدر، ولكنهم تركوا أمر رسول الله فرجع الأمر عليهم.
وكانت القصة في ذلك أنهم لما غَلَبُوا المشركين يوم بدر، وأصابوا منهم ما أصابوا- وسنذكر قصة بدر في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى- فرجع أبو سفيان بن حرب إلى مكة بالعير، وانهزم المشركون، وذهب عكرمة بن أبي جهل، ورجال أُصِيب أبناؤهم وآباؤهم وإخوانهم ببدر إلى أبي سفيان بن حرب- وهو رئيس مكة- فكلموه، وأتاه كل من كان له في ذلك العير مال، فقالوا: إن محمداً قد قتل خياركم، فاستعينوا بهذه الأموال على حربه ففعلوا.
قال الضحاك: فأعانهم أبو سفيان بمائة راحلة وما يصلحها من الزاد والسلاح، فسارت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل، وعليهم أبو سفيان بن حرب، وكان في القوم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وذلك قبل دخولهم في الإسلام، فلم يبق أحد من قريش إلا وخرج أهله معه وولده يجعلهم خلف ظهره ليقاتل عنهم.
فلما سمع بهم رسول الله خطب الناس، وقال في خطبته: «إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي سَيْفِي ثلمَةُ فَأَوَّلْتُهَا مصِيبَةً فِي نَفْسِي، وَرَأَيْتُ بُقُوراً قَدْ ذُبِحَتْ، فَأَوَّلْتُهَا قَتْلَى فِي أَصْحَابِي، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا المَدِينَةَ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ» .
وكره الخروج إليهم، فكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رسول الله بأن لا يخرج إليهم، ولكنه كان منافقاً فقال: يا رسول الله لا تخرج إليهم فأنا ما خرجنا إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه.
فقال رجال من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة وغيرهم ممن فاتته بدر: اخرج لهم يا رسول الله، لكي لا يرى أعداء الله أنا قد جَبُنَّا عنهم وضعفنا عن قتالهم.
فلم يزالوا به حتى دخل ولبس لأمته، ثم خرج النبيّ إليهم وقد خرج الناس فقالوا: استكرهنا رسول الله فقالوا: يا رسول الله: قد استكرهناك وما كان لنا ذلك، فإن شئت فاخرج، وإن شئت فاقعد.
فقال النبيّ : «مَا يَنْبَغِي لِلنَّبِيِّ أَنْ يَضَعَ سِلاَحَهُ إِذَا لَبِسَهُ حَتَّى يُقَاتِلَ» .
فخرج رسول الله ، وسار إلى أُحدٍ، فانخذل عبد الله بن أبي ابن سلول.
قال في رواية الكلبي: فرجع معه ثلاثمائة من الناس، وبقي مع رسول الله نحو سبعمائة رجل.
وقال في رواية الضحاك: فانخذل في ستمائة رجل من اليهود، وبقي مع النبيّ ألف رجل من المؤمنين الطيبين.
ثم خرج رسول الله حتى نزل بالشِّعب من أحد، وأمر عبد الله بن جبير على الرُّمَاة وقال لهم: «لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هَذَا المَوْضِعِ، وَاثْبُتُوا هاهنا إِنْ كَانَ الأَمْرُ عَلَيْنَا أَوْ لَنَا» .
وقال في رواية الكلبي: كان الرماةُ خمسين رجلاً.
وقَال في رواية الضحاك: كانوا سبعين رجلاً.
فجعل رسول الله ظهره إلى أُحد، ودنا المشركون وأخذوا في الحرب، فقامت هند امرأة أبي سفيان وصواحبتها حين حميت الحرب، يضربن بالدُّفوف خلف قريش ويقلن: نَحْنُ بَنَاتُ طَارِق ...
نَمْشِي على النَّمَارق إِن تُقْبِلُوا نُعَانِق ...
أَو تُدْبِرُوا نفارق فِرَاقَ غَيْرَ وَامِق فقاتل أبو دجانة في نفر من المسلمين قتالاً شديداً، وقاتل علي بن أبي طالب حتى انكسر سيفه، وقاتل سعد بن أبي وقاص، وكان النبيّ يقول لسعد: «ارْمِ فَداكَ أَبِي وَأُمِّي» فقتلوا جماعة من المشركين، وَصَدَقَهم الله وعده وأنزل نصره، حتى كانت هزيمة القوم لا شكّ.
فكشفوهم عن عسكرهم قال الزبير: رأيت هنداً وصواحبتها هوارب، فلما نظر الرماة إلى القوم وانهزموا، أقبلوا على النهب فقال لهم عبد الله بن جُبَيْر: لا تَبْرحوا عن هذا الموضع، فإن رسول الله قد عَهِدَ إليكم.
فلم يلتفتوا إلى قوله، وظنوا أن المشركين قد انهزموا فبقي عبد الله بن جبير مع ثمانية نفر، فخرج خالد بن الوليد مع خمسين ومائتي فارس من قِبَل الشِّعب، فقتلوا من بقي من الرماة، ودخلوا خلف أقفية المسلمين، وتفرق المسلمون ورجع المشركون، وحملوا حملةً واحدة، فصار المسلمون ثلاثة أنواع: بعضهم جريح، وبعضهم قتيل، وبعضهم منهزم.
وكان مصعب بن عمير يَذُبُّ عن رسول الله حتى قُتِلَ دونه، ثم قاد زياد بن السكن فقاتل بين يدي رسول الله حتى قُتِلَ، وخلص الحرب إلى رسول الله ، وقذف بالحجارة حتى وقع بشفتيه، وأصيبت رباعيَتُه، وكُلِمَتْ شفته، وأدمي ساقه.
فقال سفيان بن عيينة: لقد أصيب مع رسول الله نحو ثلاثين رجلاً، كلهم جثوا بين يديه.
أو قال: كلهم يتقدم بين يديه.
ثم يقول: وجهي لوجهك الوفاء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك سلام الله غير مودع.
فرجع الذي قتل مصعب بن عمير، فظن أنه قتل رسول الله .
فقال للمشركين: قتلت محمداً.
فصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قُتل.
ويقال: كان ذلك إبليس لعنه الله، فولى المسلمون هاربين متحيّرين، وجاء إبليس لعنه الله ونادى بأعلى صوته في المدينة: ألا إن محمداً قد قتل وأَخَذَت النسوة في البكاء في البيوت، فأقبل أَنَس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله في رِجَالٍ من المهاجرين والأنصار، فقال: ما يُجْلسكم؟
قالوا: قتل محمد.
فقال: ما تصنعون بالحياة بعده؟
موتوا كراماً عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ نبيُّكم.
ثم أقبل نحو العدو، فقاتل حتى قتل.
قال كعب بن مالك: فأوّل من كنت عرفت رسول الله من المسلمين، عرفت عينيه من تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله .
فأشار إليَّ أَن اسكت.
وقال أنس بن مالك: قد شجّ وجه رسول الله ، فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ رَسُولِ الله بِالدَّمِ» وهو يدعوهم إلى ربهم.
ويقال: إن أصحابه لما اجتمعوا قالوا: يا رسول الله، لو دعوت الله على هؤلاء الذين صنعوا بك؟
فقال النبيّ : «لَمْ أُبْعَثْ طَعَّاناً وَلاَ لَعَّاناً، وَلَكِن بُعِثْتُ دَاعِياً وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» فجاءه أبي بن خلف الجمحي، فقال: يا محمد لا نَجوتُ إن نجوتَ مني.
فهمَّ المسلمون بقتله، فقال لهم.
«دَعُوهُ» حتى دنا منه، فتناول رسول الله الحربة من الحارث بن الصمة ورماه بها، فخدشه في عنقه خدشاً غير كبير، وقد كان ذلك لقي رسول الله بمكة وقال: عندي فرس أعلفه كل يوم فرق ذرة، أقتلك عليه.
فقال له رسول الله : «بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ الله» .
فلما خدشه رسول الله في عنقه رجع إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد.
فقالوا له: ما بك من طعن.
فقال: بلى، لقد قال لي أنا أقتلك، والله لو بصق علي بعد تلك المقالة لقتلني.
فمات قبل أن يصل إلى مكة في طريقها.
وكان رسول الله واقفاً عند أحد، وقد اجتمع عليه بعض أصحابه، فعلت عليه فرقة من قريش في الجبل فقال رسول الله : «لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا» .
فأقبل عمر ورهط من المهاجرين، فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل.
وقد كان جبير بن مطعم قال لمملوك له- يقال له وحشي-: إن أنت قتلت محمداً جعلت لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلت لك مائة ناقة كلها سود الحدقة، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حرٌّ.
فقال وَحْشي: أما محمد فعليه حافظ من الله تعالى لا يخلص إليه أحد، وأما عَلَيُّ فما برز إليه رجل إلا قتله وأما حمزة فرجل شجاع، فعسى أن أُصَادفه في غِرَّته فاقتله مكانه.
وكانت هند كلما مرّ بها وَحْشي أو مرّت به هند قالت له: إيهاً أبا دسمة اشف واستشف.
فكمن وحشي خلف صخرة، وكان حمزة حمل على قوم من المشركين، فلما رجع من حملته مرّ بوحشي وهو خلف الصخرة، فزرقه بمزراق فأصابه فسقط، فذهبت هند ابنة عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى، يجدعن الآذان والأنوف، وشَقَّت هند بطن حمزة وأخذت كبده ومضغته، ثم صعدت هند على صخرة وهي تنادي بأعلى صوتها: نَحْنُ جَزَيْنَاكم بيوم بَدْر.
وأقبل أبو سفيان وهو يصرخ بأعلى صوته: اعلُ هبل يوماً بيوم بدر.
فقال النبيّ لعمر: «أَجِبْهُ يَا عُمَرَ» .
فأجابه عمر: الله أعلى وأجل لا سواه، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
ثم ركب النبيّ بغلته، وظاهر بين درعيه، وأخرج يده من جيب الدرع، وسلّ سيفه ذا الفقار، وباشر القتال بنفسه، وحمل على المشركين والتأم إليه المسلمون فأعانوه، وهزم الله جمع المشركين، وقُتل يومئذ من المسلمين سبعون رجلاً: أربعة نفر من المهاجرين، وستة وستون من الأنصار.
وقتل يومئذ من المشركين تسعة عشر رجلاً أو أكثر، وكثرت القروح في أصحاب رسول الله ، فعزَّاهم الله تعالى: في ذلك بقوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ قرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي وحمزة: قُرْحٌ بضم القاف والباقون بالنصب.
قال الفراء: القَرْح والقُرْح واحد.
ويقال: القَرْح بالنصب مصدر، والقُرح بالضم اسم.
ويقال: القَرْحُ بالنصب الجراحة، وبالضم ألم الجراحة.
يعني إن أصابكم الجراحات يوم أحد فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يقول: قد أصاب المشركين جراحات مثلها يوم بدر.
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ يقول: يوم لكم ويوم عليكم، وهذا كما يقال في الأمثال: الأيام دُوَل والحرب سِجَال.
ثم بين المعنى الذي تداول مرة لهم ومرة عليهم، فقال تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني يتبين المؤمن من المنافق أنهم يشكون في دينهم أم لا، لأن المؤمن المخلص يتبين حالُه عند الشدة والبلايا.
وهذا كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: إن الذهب والفضة يختبران بالنار، والمؤمن يختبر بالبلايا، والاختبار من الله تعالى إظهار ما علم منه من قبل فذلك قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني ليبين لهم الله الذي يعلم إيمانه، لأنه يعطى الثواب بما يظهر منه لا بما يعلم منه، وكذلك العقوبة.
أَلاَ ترى أنه عَلِم من إبليس المعصية في المستقبل ثم لم يلعنه ما لم يظهر منه.
ثم قال تعالى: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ يعني لكي يتخذ منكم شهداء، وإنما كان لأجل ذلك لا لأجل حب الكفار وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي الجاحدين.
<div class="verse-tafsir"
إليه، وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قال السُّدِّيُّ: معناه: وهم يعلَمُونَ أنهم/ قد أَذْنَبُوا «١» ، وقال ابنُ إسحاق: معناه: وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم «٢» ، وقيل: وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل: وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار، ثم شَرَّك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية.
قال ص: قوله: وَنِعْمَ المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرة والجنّة.
وقوله سبحانه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ...
الآية: الخطابُ للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديماً ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش: الخِطَابُ ب قَدْ خَلَتْ للكُفَّار.
قال ع «٣» : وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ: معناه: مضَتْ، والسُّنَن: الطرائِقُ.
وقال ابنُ زَيْد: سُنَنَ: معناه: أمثال «٤» ، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله:
فَانْظُروا هو عند الجمهورِ مِنْ نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر.
وقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ، يريد به القُرآن قاله الحَسَن وغيره «١» ، وقال جماعة: الإشارة ب «هذا» إلى قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ.
وقال الفَخْر «٢» : يعني بقوله: هذا بَيانٌ ما تقدَّم من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات.
انتهى.
ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ ألاَّ يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السّلم والرضى، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» «٣» ، وقوله سبحانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ.
قال ص: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضِعِ نصبٍ على الحال.
وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه، أي: لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فالزموه، ثم قال تعالى تسليةً للمؤمنين: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر ومنه قول الخَنْسَاء: [الوافر]
وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي ...
على إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن ...
أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي «٤»
والقَرْح: القَتْل والجِرَاحْ قاله مجاهدٌ وغيره «٥» .
وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، أخبر سبحانه على جهة التسلية أنَّ
الأيام على قديم الدهر وغابِرِه أيضاً إنما جعلَهَا دُولاً بيْنَ البَشَر، أي: فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار.
وقوله تعالى «١» : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، تقديره: وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى: ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلاً أنهم يؤمنون وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ: معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في فضائلِ الشهداءِ، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكفّار بالإدالة، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك حديثٌ «أنَّهُمْ يُدَالُونَ كَمَا تُنْصَرُونَ» والتمحيصُ: التنقيةُ، قال الخليل: التَّمْحِيصُ: التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ/ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ: الإذهاب شيْئاً فشيْئاً ومنه: مَحَاقُ القَمَر، وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ...
الآية: حَسِبْتُم: معناه: ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ، ثم خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، والسبب في ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادراً، فلم يوعب النَّاس معه إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْباً، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضى، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم ونبيِّهم بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنى من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادةِ والتّنعيم، قُلْتُ:
وفي كلام ع «٢» : بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» وخرَّجه أيضًا مسلمٌ «٣» ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ قَرْحٌ، فَشَكَوْا إلى النَّبِيِّ ما لَقُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» فَأمّا المَسُّ، فَهو الإصابَةُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ "قَرْحٌ" بِفَتْحِ القافِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ "قُرْحٌ" بِضَمِّ القافِ.
واخْتَلَفُوا هَلْ مَعْنى القُرْآَءَتَيْنِ واحِدٌ أمْ لا؟
فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: القَرْحُ بِالفَتْحِ: الجِراحُ، والقَتْلُ.
والقُرْحُ بِالضَّمِّ: ألَمُ الجِراحِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هُما في اللُّغَةِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ومَعْناهُ الجِراحُ وألَمُها، قالَ: ومَعْنى نُداوِلُها، أيْ: نَجْعَلُ الدَّوْلَةَ في وقْتٍ لِلْكُفّارِ عَلى المُؤْمِنِينَ، إذا عَصى المُؤْمِنُونَ، فَأمّا إذا أطاعُوا، فَهم مَنصُورُونَ، قالَ وَمَعْنى ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ أيْ: لِيَعْلَمَ واقِعًا مِنهم، لِأنَّهُ عالِمٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما يُجازِي عَلى ما وقَعَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى العِلْمِ هاهُنا: الرُّؤْيَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ ﴾ قالَ أبُو الضُّحى: نَزَلَتْ في قَتْلى أُحُدٍ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ: رَبَّنا أرِنا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ، نَلْتَمِسُ فِيهِ الشَّهادَةَ، فاتَّخَذَ مِنهم شُهَداءَ يَوْمَ أُحُدٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والظّالِمُونَ هاهُنا: المُنافِقُونَ: وقالَ غَيْرُهُ: هُمُ الَّذِينَ انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ ابْنِ أُبَيِّ المُنافِقِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "قَدْ خَلَتْ" لِلْمُؤْمِنِينَ.
والمَعْنى: لا يَذْهَبْ بِكم إنْ ظَهَرَ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ عَلَيْكم بِأُحُدٍ، فَإنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وقَدِيمًا أدالَ اللهُ المُكَذِّبِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَكِنِ انْظُرُوا كَيْفَ هَلَكَ المُكَذِّبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ عاقِبَةُ هَؤُلاءِ.
وقالَ النَقّاشُ: الخِطابُ بَعْدَ "قَدْ خَلَتْ" لِلْكُفّارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ قَلِقٌ، وخَلَتْ مَعْناهُ: مَضَتْ وسَلَفَتْ.
قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: أهْلُ سُنَنٍ.
والسُنَنُ: الطَرائِقُ مِنَ السِيَرِ والشَرائِعِ والمُلْكِ والفِتَنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وسُنَّةُ الإنْسانِ: الشَيْءُ الَّذِي يَعْمَلُهُ ويُوالِيهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ خالِدٍ الهُذَلِيِّ لِأبِي ذُؤَيْبٍ: فَلا تَجْزَعن مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ قَتَّةَ: وإنَّ الأُلى بِالطَفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَأسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَأسِّيا وقالَ لَبِيدٌ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ∗∗∗ ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ"- مَعْناهُ: أمْثالٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ.
وقالَ تَعالى: "فَسِيرُوا" وهَذا الأمْرُ يُنْبِئُكَ بِالإخْبارِ دُونَ السِيَرِ لِأنَّ الإخْبارَ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ سارَ وعايَنَ، إذْ هو مِمّا يُدْرَكُ بِحاسَّةِ البَصَرِ وعن ذَلِكَ يَنْتَقِلُ خَبَرُهُ، فَأحالَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.
وقَوْلُهُ: "فانْظُرُوا"، هو عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن نَظَرِ العَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: هو بِالفِكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هو هَذا القُرْآنُ جَعَلَهُ اللهُ بَيانًا لِلنّاسِ عامَّةً وهُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خاصَّةً، وقالَ بِمِثْلِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ والرَبِيعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَوْنُهُ بَيانًا لِلنّاسِ ظاهِرٌ، وهو في ذاتِهِ أيْضًا هُدىً مَنصُوبٌ ومَوْعِظَةٌ، لَكِنَّ مَن عَمِيَ بِالكُفْرِ وضَلَّ وقَسا قَلْبُهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ القُرْآنُ، وتَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى المُتَّقِينَ الَّذِينَ فِيهِمْ نَفْعٌ وإيّاهم هَدى، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ والطَبَرِيُّ وجَماعَةٌ: الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ ....
الآيَةِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَعْنى: هَذا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوهُ، قالَ الشَعْبِيُّ: المَعْنى: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ مِنَ العَمى.
ثُمَّ نَهى عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ عَنِ الوَهْنِ لِما أصابَهم بِأُحُدٍ، والحُزْنِ عَلى مَن فُقِدَ وعَلى مَذَمَّةِ الهَزِيمَةِ، وآنَسَهم بِأنَّهُمُ الأعْلَوْنَ أصْحابُ العاقِبَةِ والوَهْنُ والوَهَنُ: الضَعْفُ واللِينُ والبِلى، ومِنهُ: ﴿ وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:.
............................
∗∗∗ فَأصْبَحَ الحَبْلُ مِنها واهِنًا خَلَقا ومِن كَرَمِ الخُلُقِ ألّا يَهِنَ الإنْسانُ في حَرْبِهِ وخِصامِهِ، ولا يَلِينَ إذا كانَ مُحِقًّا، وأنْ يَتَقَصّى جَمِيعَ قُدْرَتِهِ ولا يَضْرَعَ ولَوْ ماتَ، وإنَّما يَحْسُنُ اللِينُ في السِلْمِ والرِضى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"» و« "المُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ"» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرُكَ ما إنْ أبُو مالِكٍ ∗∗∗ بِواهٍ ولا بِضَعِيفٍ قُواهْ إذا سُدْتَهُ سُدْتَ مِطْواعَةً ∗∗∗ ومَهْما وكَلْتَ إلَيْهِ كَفاهْ وفِي هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَجْرِي قَوْلُ النابِغَةِ: ومَن عَصاكَ فَعاقِبْهُ مُعاقَبَةً ∗∗∗ تَنْهى الظَلُومَ ولا تَقْعُدْ عَلى ضَمَدِ إلّا لِمِثْلِكَ أو مَن أنْتَ سابِقُهُ ∗∗∗ سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ وفِيهِ يَجْرِي قَوْلُ العَرَبِ: "إذا لَمْ تَغْلِبِ اخْلُبْ"، عَلى مَن تَأوَّلَهُ مِنَ المِخْلَبِ، أيْ حارِبْ ولَوْ بِالأظافِرِ، وهَذا هو فِعْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ طارِقٍ وهو مِن أصْحابِ عاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ حِينَ نَزَعَ يَدَهُ مِنَ القِرانِ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، وفِعْلُ المُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ في يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ.
ومَن رَآهُ مِن مَعْنى الخَلْبِ والخِلابَةِ الَّذِي هو الخَدِيعَةُ والمَكْرُ، فَهو رَأْيُ دُهاةِ العَرَبِ، ولَيْسَ بِرَأْيِ جُمْهُورِها، ومِنهُ فِعْلُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الأشْدَقِ مَعَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانٍ عِنْدَ قَتْلِهِ إيّاهُ، والأمْثِلَةُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وأيْضًا فَلَيْسَ المَكْرُ والخَدِيعَةُ بِذُلٍّ مَحْضٍ، ولِذَلِكَ رَآهُ بَعْضُهم.
وأمّا قَوْلُهُمْ: "إذا عَزَّ أخُوكَ فَهِنْ"، فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ المَعْنى فِيهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِمَعْنى: لِنْ واضْعُفْ ضَعْفَ المِطْواعِ.
وأمّا الرِوايَةُ بِضَمِّ الهاءِ فَهي أمْرٌ بِالهَوانِ، وما أعْرِفُ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِن مَقاطِعِ العَرَبِ، وأمّا الشَرْعُ فَقَدْ قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"،» ورَأيْتُ لِعاصِمٍ أنَّ المَثَلَ عَلى ضَمِّ الهاءِ إنَّما هو مِنَ الهَوْنِ الَّذِي هو الرِفْقُ ولَيْسَ مِنَ الهَوانِ.
قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجِبُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُوادَعَ العَدُوُّ ما كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَإنْ كانُوا في قُطْرٍ ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْظُرُ الإمامُ لَهم بِالأصْلَحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ إخْبارٌ بِعُلُوِّ كَلِمَةِ الإسْلامِ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وظاهِرُ اللَفْظِ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: إنَّما قالَ اللهُ لَهم ذَلِكَ بِسَبَبِ عُلُوِّهِمْ في الجَبَلِ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ حِينَ انْحازَ في نَفَرٍ يَسِيرٍ مِن أصْحابِهِ إلى الجَبَلِ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ عَلاخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ فَقالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: "اللهُمَّ لا يَعْلُونَنا" ثُمَّ قامَ وقامَ مَن مَعَهُ فَقاتَلَ أصْحابُهُ وقاتَلَ حِينَئِذٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى أزالُوا المُشْرِكِينَ عن رَأْسِ الجَبَلِ، وصَعِدَ رَسُولُ اللهِ وأصْحابُهُ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ » وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ فَيَكُونَ المَقْصِدُ هَزَّ النُفُوسِ وإقامَتَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ" فَيَكُونَ الشَرْطُ عَلى بابِهِ دُونَ تَجَوُّزٍ، ويَتَرَتَّبُ مِن ذَلِكَ الطَعْنُ عَلى مَن نَجَمَ نِفاقُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وعَلى مَن تَأوَّدَ إيمانُهُ واضْطَرَبَ يَقِينُهُ: ألا لا يُتَحَصَّلُ الوَعْدُ إلّا بِالإيمانِ، فالزَمُوهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى، تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ والأُسْوَةُ مَسْلاةٌ لِلْبَشَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَفْسَ عنهُ بِالتَأسِّي والسُلُوُّ بِالتَأسِّي هو النَفْعُ الَّذِي يَجُرُّهُ إلى نَفْسِهِ الشاهِدُ المَحْدُودُ، فَلِذَلِكَ رُدَّتْ شَهادَتُهُ فِيما حُدَّ فِيهِ وإنْ تابَ وحَسُنَتْ حالُهُ.
والقَرْحُ: القَتْلُ والجِراحُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم.
والمَعْنى: إنْ مَسَّكم في أُحُدٍ فَقَدْ مَسَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ بِأيْدِيكم.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "قَرْحٌ" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "قُرْحٌ" بِضَمِّ القافِ، وكُلُّهم سَكَّنَ الراءَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما لُغَتانِ كالضَعْفِ والضُعْفِ والكَرْهِ والكُرْهِ، والفَتْحُ أولى، لِأنَّها لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ والأخْذُ بِها أوجَبُ لِأنَّ القُرْآنَ عَلَيْها نَزَلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ القِراءاتُ لا يُظَنُّ إلّا أنَّها مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَبِيِّ ، وبِجَمِيعِها عارَضَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مَعَ طُولِ السِنِينَ تَوْسِعَةً عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وتَكْمِلَةً لِلسَّبْعَةِ الأحْرُفِ حَسَبَ ما بَيَّنّاهُ في صَدْرِ هَذا التَعْلِيقِ، وعَلى هَذا لا يُقالُ: هَذِهِ أولى مِن جِهَةِ نُزُولِ القُرْآنِ بِها، وإنْ رَجَحَتْ قِراءَةٌ فَبِوَجْهٍ غَيْرِ وجْهِ النُزُولِ.
قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: القَرْحُ والقُرْحُ مَصْدَرانِ بِمَعْنىً واحِدٍ، ومَن قالَ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجِراحاتُ بِأعْيانِها، والقُرْحُ بِضَمِّ القافِ ألَمُ الجِراحاتِ قُبِلَ مِنهُ إذا أتى بِرِوايَةٍ، لِأنَّ هَذا مِمّا لا يُعْلَمُ بِقِياسٍ، وقالَ بِهَذا التَفْسِيرِ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ الأعْمَشُ "إنْ تَمْسَسْكُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "قُرُوحٌ" بِالجَمْعِ، "فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ"، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "قَرَحٌ" بِفَتْحِ القافِ والراءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ في القَرْحِ كالشَلِّ والشَلَلِ والطَرْدِ والطَرَدِ،.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، ولَيْسَ هَذا عِنْدَهم مِن تَأْثِيرِ حَرْفِ الحَلْقِ، وأنا أمِيلُ في هَذا إلى قَوْلِ أصْحابِنا البَغْدادِيِّينَ: في أنَّ لِحَرْفِ الحَلْقِ في مِثْلِ هَذا أثَرًا مُعْتَمَدًا، وقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ بَنِي عَقِيلٍ يَقُولُ: نَحْوَهُ بِفَتْحِ الحاءِ، يُرِيدُ نَحْوَهُ، ولَوْ كانَتِ الكَلِمَةُ مَبْنِيَّةً عَلى فَتْحِ الحاءِ لَأُعِلَّتِ الواوُ كَعُصاةٍ وقَناةٍ، وسَمِعْتُ غَيْرَهُ يَقُولُ: أنا مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولا قَرابَةَ بَيْنِي وبَيْنَ البَصْرِيِّينَ ولَكِنَّها بَيْنِي وبَيْنَ الحَقِّ، والحَمْدُ لِلَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الايام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس}.
تسلية عمَّا أصاب المسلمين يوم أُحُد من الهزيمة بأن ذلك غير عجيب في الحرب، إذ لا يخلو جيش من أن يغلب في بعض مواقع الحرب، وقد سبق أنّ العدوّ غُلب.
والمسّ هنا الإصابة كقوله في سورة [البقرة: 214] ﴿ مستهم البأساء والضراء ﴾ والقَرح بفتح القاف في لغة قريش الجرح، وبضمِّها في لغة غيرهم، وقرأه الجمهور: بفتح القاف، وقرأه حمزة والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف: بضمّ القاف، وهو هنا مستعمل في غير حقيقته، بل هو استعارة للهزيمة الَّتي أصابتهم، فإنّ الهزيمة تشبّه بالثلمة وبالانكسار، فشبّهت هنا بالقرح حين يصيب الجسد، ولا يصحّ أن يراد به الحقيقة لأنّ الجراح الَّتي تصيب الجيش لا يعبأ بها إذا كان معها النصر، فلا شكّ أنّ التسلية وقعت عمّا أصابهم من الهزيمة.
والقوم هم مشركو مكة ومن معهم.
والمعنى إن هُزِمتم يوم أُحُد فقد هزم المشركون يوم بدر وكنتم كفافاً.
ولذلك أعقبه بقوله: وتلك الأيام نداولها بين الناس } .
والتَّعبير عمَّا أصاب المسلمين بصيغة المضارع في ﴿ يمسسكم ﴾ لقُربه من زمن الحال، وعمّا أصاب المشركين بصيغة الماضِي لبعده لأنَّه حصل يوم بدر.
فقوله: ﴿ فقد مس القوم قرح ﴾ ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنّه دليل عليه أغنى عنه على طريقة الإيجاز، والمعنى: إن يمسكم قرح فلا تحْزنوا أو فلا تهنوا وهَناً بالشكّ في وعد الله بنصر دينه إذ قد مسّ القومَ قرح مثله فلم تكونوا مهزومين ولكنّكم كنتم كفافاً، وذلك بالنِّسبة لقلّة المؤمنين نصر مبين.
وهذه المقابلة بما أصاب العدوّ يوم بدر تعيِّن أن يكون الكلام تسلية وليس إعلاماً بالعقوبة كما قاله جمع من المفسّرين.
وقد سأل هرقل أبا سفيان: كيف كان قتالكم له قال «الحرب بيننا سِجَال يَنَالُ مِنَّا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الرسل تبتلَى وتكون لهم العاقبة».
وقوله: ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ الواو اعتراضية، والإشارة بتلك إلى ما سيُذكر بعدُ، فالإشارة هنا بمنزلة ضمير الشأن لقصد الاهتمام بالخبر وهذا الخبر مكنّى به عن تعليل للجواب المحذوف المدلول عليه بجملة: ﴿ فقد مس القوم قرح مثله ﴾ .
و ﴿ الأيَّام ﴾ يجوز أن تكون جمع يوم مراد به يوم الحرب، كقولهم: يوم بدر ويوم بُعاث ويوم الشَّعْثَمَيْن، ومنه أيّام العرب، ويجوز أن يكون أطلق على الزّمان كقول طرفة: وما تَنْقُصصِ الأيَّامُ والدهرُ يَنْفَدِ *** أي الأزمان.
والمداولة تصريفها غريب إذ هي مصدر دَاول فلان فلاناً الشيء إذا جعله عنده دُولة ودوُلة عند الآخر أي يَدُولُه كُلٌّ منهما أي يلزمه حتَّى يشتهر به، ومنه دال يَدُول دَوْلاً اشتهر، لأنّ الملازمة تقتضِي الشهرة بالشيء، فالتداول في الأصل تفاعل من دال، ويكون ذلك في الأشياء والكلام، يقال: كلام مُدَاوَل، ثُمّ استعملوا داولت الشيء مجازاً، إذا جعلت غيرك يتداولونه، وقرينة هذا الاستعمال أن تقول: بينهم.
فالفاعل في هذا الإطلاق لا حظّ له من الفعل، ولكن له الحظّ في الجعل، وقريب منه قولهم: اضطررته إلى كذا، أي جعلته مضطرّاً مع أنّ أصل اضطرّ أنَّه مطاوع ضَرّه.
و ﴿ النَّاس ﴾ البشر كلهم لأنّ هذا من السنن الكونية، فلا يختصّ بالقوم المتحدّث عنهم.
﴿ وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ والله لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ ﴿ وَلِيُمَحِّصَ الله الذين ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الكافرين ﴾ .
عطف على جملة ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ ، فمضمون هذه علّة ثانية لجواب الشرط المحذوف المدلول عليه بقوله: ﴿ فقد مس القوم قرح مثله ﴾ وعلم الله بأنّهم مؤمنون متحقق من قبل أن يمسهم القرح.
فإن كان المراد من ﴿ الَّذين آمنوا ﴾ هنا معنى الَّذين آمنوا إيماناً راسخاً كاملاً فقد صار المعنى: أنّ علم الله برسوخ إيمانهم يحصل بعد مَسِّ القرح إيّاهم، وهو معنى غير مستقيم، فلذلك اختلف المفسّرون في المراد من هذا التَّعليل على اختلاف مذاهبهم في صفة العِلم، وقد تقرّر في أصول الدّين أن الفلاسفة قالوا: إنّ الله عالم بالكلّيات بأسرها، أي حقائق الأشياء على ما هي عليه، علماً كالعِلم المبحوث عنه في الفلسفة لأنّ ذلك العلم صفة كمال، وأنَّه يعلم الجزئيات من الجواهر والأعراض علماً بوجه كلّي.
ومعنى ذلك أنَّه يعلمها من حيث إنَّها غير متعلّقة بزمان، مِثالُه: أن يعلم أنّ القمر جسم يوجد في وقت تكوينه، وأنّ صفته تكون كذا وكذا، وأنّ عوارضه النورانية المكتسبة من الشَّمس والخسوف والسَّير في أمد كذا.
أمَّا حصوله في زمانه عندما يقع تكوينه، وكذلك حصول عوارضه، فغير معلوم لله تعالى، قالوا: لأنّ الله لو علم الجزئيات عند حصولها في أزمنتها للزم تغيّر علمه فيقتضي ذلك تغيّر القديم، أو لزم جهل العالِم، مثاله: أنَّه إذا علم أنّ القمر سيخسف ساعة كذا علماً أزلياً، فإذا خسف بالفعل فلا يخلو إمّا أن يزول ذلك العلم فيلزم تغيّر العلم السابق فيلزم من ذلك تغيّر الذات الموصوفةِ به من صفة إلى صفة، وهذا يستلزم الحدوث إذ حدوث الصّفة يستلزم حدوث الموصوف، وإمّا أن لا يزول العلم الأول فينقلب العلمُ جهلاً، لأنّ الله إنَّما علم أنّ القمر سيخسف في المستقبل والقمر الآن قد خسف بالفعل.
ولأجل هذا قالوا: إنّ علم الله تعالى غير زماني.
وقال المسلمون كلّهم: إنّ الله يعلم الكلّيات والجزئيات قبل حصولها، وعند حصولها.
وأجابوا عن شبهة الفلاسفة بأن العلم صفة من قبيل الإضافة أي نسبة بين العالِم والمعلوم، والإضافات اعتباريات، والاعتباريات عدميات، أو هو من قبيل الصّفة ذات الإضافة: أي صفة وجودية لها تعلّق، أي نسبة بينها وبين معلومها.
فإن كان العلم إضافة فتغيّرها لا يستلزم تغيّر موصوفها وهو العالم، ونظَّروا ذلك بالقديم يوصف بأنَّه قبل الحادث ومعه وبعده، من غير تغيّر في ذات القديم، وإن كان العلم صفة ذات إضافة أي ذات تعلّق، فالتغيّر يعتري تعلّقها ولا تتغيّر الصّفة فضلاً عن تغيّر الموصوف، فعلمُ اللَّهِ بأن القمر سيخسف، وعلمُه بأنَّه خاسف الآن، وعلمُه بأنَّه كان خاسفاً بالأمس، علم واحد لا يتغيّر موصوفة، وإن تغيّرت الصّفة، أو تغيّر متعلّقها على الوجهين، إلاّ أن سلف أهل السنّة والمعتزلة أبوا التَّصريح بتغيّر التعلُّق ولذلك لم يقع في كلامهم ذكر تعلقين للعلم الإلهي أحدهما قديم والآخر حادث، كما ذكروا ذلك في الإرادة والقدرة، نظراً لكون صفة العلم لا تتجاوز غيرَ ذات العالم تجاوزاً محسوساً.
فلذلك قال سلفهم: إنّ الله يعلم في الأزل أنّ القمر سيخسف في سنتنا هذه في بلد كذا ساعة كذا، فعند خسوف القمر كذلك عَلِم اللَّه أنَّه خسف بذلك العلم الأوّل لأنّ ذلك العلم مجموع من كون الفعل لم يحصل في الأزل، ومن كونه يحصل في وقته فيما لا يزال، قالوا: ولا يقاس ذلك على علمنا حين نعلم أنّ القمر سيخسف بمقتضى الحساب ثمّ عند خسوفه نعلم أنَّه تحقّق خسوفه بعلم جديد، لأنّ احتياجنا لعلم متجدّد إنَّما هو لطريان الغفلة عن الأول.
وقال بعض المعتزلة مثل جَهْم بن صَفْوَان وهِشام بن الحَكم: إنّ الله عالم في الأزل بالكلّيات والحقائق، وأمَّا علمه بالجزئيات والأشخاص والأحوال فحاصل بعد حدوثها لأنّ هذا العلم من التصديقات، ويلزمه عَدم سبق العلم.
وقال أبو الحُسين البصري من المعتزلة، رادّاً على السلف: لا يجوز أن يكون علم الله بأنّ القمر سيخسف عين علمه بعد ذلك بأنَّه خسف لأمور ثلاثة: الأوّل التغايُر بينهما في الحقيقة لأنّ حقيقة كونه سيقع غيرُ حقيقة كونه وقع، فالعلمُ بأحدهما يغاير العلم بالآخر، لأنّ اختلاف المتعلّقين يستدعي اختلاف العالم بهما.
الثَّاني التغاير بينهما في الشرط فإنّ شرط العلم بكون الشيء سيقع هو عدم الوقوع، وشرط العلم بكونه وقَع الوقوعُ، فلو كان العلمان شيئاً واحداً لم يختلف شرطاهُما.
الثَّالث أنّه يمكن العلم بأنَّه وقع الجهل بأنَّه سيقع وبالعكس وغير المعلوم غير المعلوم (هكذا عبّر أبو الحسين أي الأمر الغير المعلوم مغاير للمعلوم) ولذلك قال أبو الحسين بالتزام وقوع التَّغير في علم الله تعالى بالمتغيِّرات، وأنّ ذاته تعالى تقتضي اتّصافه بكونه عالماً بالمعلومات الَّتي ستقع، بشرط وقوعها، فيحدث العلم بأنَّها وجدت عند وجودها، ويزول عند زوالها، ويحصل علم آخر، وهذا عين مذهب جهم وهشام.
ورُدّ عليه بأنَّه يلزم أن لا يكون الله تعالى في الأزل عالماً بأحوال الحوادث، وهذا تجهيل.
وأجاب عنه عبد الحكيم في «حاشية المواقف» بأنّ أبا الحسين ذهب إلى أنَّه تعالى يعلم في الأزل أنّ الحادث سيقع على الوصف الفلاني، فلا جهل فيه، وأنّ عدم شهوده تعالى للحوادث قبل حدوثها ليس بجهل، إذ هي معدومة في الواقع، بل لو علمها تعالى شهودياً حينَ عدمها لكان ذلك العلم هو الجهل، لأنّ شهود المعدوم مخالف للواقع، فالعلم المتغيّر الحادث هو العلم الشهودي.
فالحاصل أنّ ثمة علمين: أحدهما قديم وهو العلم المشروط بالشروط، والآخر حادث وهو المعلوم الحاصلة عند حصول الشروط وليست بصفة مستقلّة، وإنَّما هي تعلّقات وإضافات، ولذلك جرى في كلام المتأخّرين، من علمائنا وعلماء المعتزلة، إطلاق إثباتتِ تعلّققٍ حادثثٍ لعلم الله تعالى بالحوادث.
وقد ذكر ذلك الشَّيخ عبد الحكيم في «الرسالة الخاقانية» الَّتي جعلها لِتحقيق علم الله تعالى غير منسوب لقائل، بل عبّر عنه بقيل، وقد رأيت التفتزاني جرى على ذلك في «حاشية الكشّاف» في هذه الآية فلعل الشَّيخ عبد الحكيم نسي أن ينسبه.
وتأويل الآية على اختلاف المذاهب: فأمَّا الّذين أبو إطلاق الحدوث على تعلّق العلم فقالوا في قوله: ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ أطلق العلم على لازمه وهو ثبوت المعلوم أي تميّزه على طريقة الكناية لأنَّها كإثبات الشيء بالبرهان، وهذا كقول إياس بن قبيصة الطائي: وأقبلت والخطيّ يخطِر بينا *** لأَعْلَمَ مَن جَبَانَها مِنْ شجاعها أي ليظهر الجبان والشُّجاع فأطلق العلم وأريد ملزومه.
ومنهم من جعل قوله: ﴿ وليعلم الله ﴾ تمثيلاً أي فعل ذلك فِعْلَ من يريد أن يعلم وإليه مال في «الكشاف»، ومنهم من قال: العلّة هي تعلّق علم الله بالحادث وهو تعلّق حادث، أي ليعلم الله الَّذين آمنوا موجودين.
قاله البيضاوي والتفتزاني في «حاشية الكشّاف».
وإن كان المراد من قوله: ﴿ الذين آمنوا ﴾ ظاهرَهُ أي ليعلم من اتَّصف بالإيمان، تعيّن التأويل في هذه الآية لاَ لأجل لزوم حدوث علم الله تعالى، بل لأنّ علم الله بالمؤمنين من أهل أُحُد حاصل من قبللِ أن يمسّهم القرح، فقال الزجاج: أراد العِلمَ الَّذي يترتّب عليه الجزاء وهو ثباتهم على الإيمان، وعدم تزلزلهم في حال الشدّة، وأشار التفتزاني إلى أنّ تأويل صاحب «الكشاف» ذلك بأنَّه وارد مورد التمثيل، ناظر إلى كون العلم بالمؤمنين حاصلاً من قبل، لا لأجل التحرّز عن لزوم حدوث العلم.
وقوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ عطف على العلّة السابقة.
وجعل القتل في ذلك اليوم الَّذي هو سبب اتِّخاذ القتلى شهداء علَّة من علل الهزيمة، لأنّ كثرة القتلى هي الَّتي أوقعت الهزيمة.
والشهداء هم الَّذين قُتلوا يوم أُحُد، وعبّر عن تقدير الشهادة لهم بالاتّخاذ لأنّ الشهادة فضيلة من الله، واقتراب من رضوانه، ولذلك قوبل بقوله: ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي الكافرين فهو في جانب الكفّار، أي فقتلاكم في الجنَّة، وقتلاهم في النَّار، فهو كقوله: ﴿ قل هل تربّصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين ﴾ [التوبة: 52].
والتَّمحيص: التنقية والتخليص من العيوب.
والمحق: الإهلاك.
وقد جعل الله تعالى مسّ القرح المؤمنين والكفار فاعلاً فِعلاً واحداً: هو فضيلة في جانب المؤمنين، ورزّية في جانب الكافرين، فجعله للمؤمنين تمحيصاً وزيادة في تزكية أنفسهم، واعتباراً بمواعظ الله تعالى، وجعله للكافرين هلاكاً، لأنّ ما أصابهم في بدر تناسوه، وما انتصروه في أحُد يزيدهم ثقة بأنفسهم فيتواكلون؛ يظنون المسلمين قد ذهب بأسهم، على أنّ المؤمنين في ازدياد، فلا ينقصهم من قُتل منهم، والكفّار في تناقض فمن ذهب منهم نفد.
وكذلك شأن المواعظ والنذر والعبر قد تكسب بعض النُّفوس كمالاً وبَعْضها نقصاً قال أبو الطيب: فحُبّ الجبان العيش أورده التُّقى *** وحبّ الشجاع العيش أورده الحربا ويختلف القصدَان والفعل واحد *** إلى أن نَرى إحسانَ هذا لنا ذنبا وقال تعالى: ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 124، 125]، وقال: ﴿ وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً ﴾ [الإسراء: 82] وهذا من بديع تقدير الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُنَنٌ مِنَ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ أهْلَكَهم بِها.
والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم أهْلُ سُنَنٍ كانُوا عَلَيْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ السُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ المُتَّبَعَةُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِنهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ فَيْدٍ: فَإنَّ الأُلى بِالطَّفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَّآسِيا ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
﴿ وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ نُورٌ وأدَبٌ.
﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ يَعْنِي أنْ يُصِيبَكم قَرْحٌ، قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّ القَرْحَ بِالفَتْحِ: الجِراحُ، وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وَأمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَسِّ واللَّمْسِ فَهو أنَّ اللَّمْسَ مُباشَرَةٌ بِإحْساسِ، والمَسَّ مُباشَرَةٌ بِغَيْرِ إحْساسٍ، وهَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ تَسْلِيَةً لَهم فَإنْ أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ قَرْحٌ فَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلُهُ.
﴿ وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: أيْ تَكُونُ مَرَّةً لِفِرْقَةٍ، ومَرَّةً عَلَيْها والدُّوَلَةُ: الكَرَّةُ، يُقالُ: أدالَ اللَّهُ فُلانًا مِن فُلانٍ بِأنْ جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عَلَيْهِ.
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لِيَبْتَلِيَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَعْنِي بِالتَّمْحِيصِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ والزَّجّاجِ، أصْلُ التَّمْحِيصِ عِنْدَهُما التَّخْلِيصُ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.
﴿ وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْقُصُهم.
﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ قِيلَ: تَمَنّى المَوْتَ بِالجِهادِ مَن لَمْ يَحْضُرْ بَدْرًا، فَلَمّا كانَ أُحُدٌ أعْرَضَ كَثِيرٌ مِنهم فَعاتَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ.
والثّانِي: فَقَدْ رَأيْتُمْ أسْبابَهُ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ إن يمسسكم ﴾ قال: أن يصبكم.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ برفع القاف فيهما.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ قال: جراح وقتل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ﴾ قال: إن يقتل منكم يوم أحد فقد قتلتم منهم يوم بدر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: نام المسلمون وبهم الكلوم يعني يوم أحد قال عكرمة: وفيهم أنزلت ﴿ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ وفيهم أنزلت ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ﴾ [ النساء: 104] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ فانه كان يوم أحد بيوم بدر.
قتل المؤمنون يوم أحد اتخذ الله منهم شهداء، وغلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر، فجعل له الدولة عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ قال: فانه أدال المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبلغني أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد بضعة وسبعين رجلاً، عدد الأسارى الذين أسروا يوم بدر من المشركين، وكان عدد الأسارى ثلاثة وسبعين رجلاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ قال: جعل الله الأيام دولاً.
مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء.
أدال الكفار يوم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية قال: والله لولا الدول ما أودى المؤمنون، ولكن قد يدال للكافر من المؤمن ويُبْتَلى المؤمن بالكافر، ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه، ويعلم الصادق من الكاذب.
وأخرج عن السدي ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ يوماً لكم ويوماً عليكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي حاتم عن ابن سيرين ﴿ وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ يعني الأمراء.
وأخرج ابن المنذر عن أبي جعفر قال: إن للحق دولة وإن للباطل دولة من دولة الحق.
إن إبليس أمر بالسجود لأدم فأديل آدم على إبليس، وابتلي ادم بالشجرة فأكل منها فأديل إبليس على آدم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ قال: إن المسلمين كانوا يسألون ربهم اللهم: ربنا أرنا يوماً كيوم بدر، نقاتل فيه المشركين، ونبليك فيه خيراً، ونلتمس فيه الشهادة.
فلقوا المشركين يوم أحد، فاتخذ منهم شهداء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كان المسلمون يسألون ربهم أن يريهم يوماً كيوم بدر.
يبلون فيه خيراً، ويرزقون فيه الشهادة، ويرزقون الجنة والحياة والرزق.
فلقوا يوم أحد، فاتخذ الله منهم شهداء، وهم الذين ذكرهم الله تعالى فقال: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتاً ﴾ [ البقرة: 154] الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ قال: يكرم الله أولياءه بالشهادة بأيدي عدوهم، ثم تصير حواصل الأمور وعواقبها لأهل طاعة الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ﴾ يقول: أن لا تقتلوا لا تكونوا شهداء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الضحى قال: نزلت ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ فقتل منهم يومئذ سبعون، منهم أربعة من المهاجرين: منهم حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، والشماس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وسائرهم من الأنصار.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟
قالوا: فلان وفلان.
أخوها وزوجها.
أو زوجها وابنها، فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالوا: حي...
قالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء.
ونزل القرآن على ما قالت ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ﴾ قال: يبتليهم ﴿ ويمحق الكافرين ﴾ قال: ينقصهم.
وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين.
إنه كانت إذا تلا هذه الآية قال: اللهمَّ محصناً ولا تجعلنا كافرين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسحاق ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ وتصيبوا من ثوابي الكرامة ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ﴾ يقول: ولمَ اختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره؟
حتى أعلم صدق ذلك منكم.
الإيمان بي، والصبر على ما أصابكم فيّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ الآية.
مَعْنَى ﴿ يَمْسَسْكُمْ ﴾ : يُصِبْكم (١) (٢) (٣) و (القَرْحُ): قُرِئ بِضَمِّ القَافِ، وفَتْحِه (٤) قال أهل اللغة (٥) (٦) (٧) (٨) قال الفراء (٩) (١٠) وقال الزجاج (١١) (١٢) قال الشاعر: لا يُسلِمُونَ قَرِيحًا حَلَّ وَسْطَهُمُ ...
يَوْمَ اللِّقَاءِ ولا يُشْوُونَ مَنْ قَرَحُوا (١٣) (١٤) قال المفسِّرُون (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ ﴾ .
قال ابنُ عبَّاس (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) والدَوْلَةُ: الكَرَّةُ (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .
اختلفوا في العامل في اللام، فذكروا فيه وجهين: أحدهما: أن اللام صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُضْمَر (٢٥) (٢٦) الوجه الثاني: أن العامل فيه: ﴿ نُدَاوِلُهَا ﴾ (٢٧) (٢٨) فَلَمَّا انكشف معنى اللّامِ المُضمَرة في (لِيظهر)، و (لِيَتبيَّن)، جرت مجرى الظاهرة؛ فأمكن (٢٩) (٣٠) (٣١) و (العِلْمُ) إذا لم يتعلق بالذَّاتِ، اقتَضَى مَعْلُومَيْنِ؛ كما تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا عاقلًا، وَجَوادا).
فلا (٣٢) (٣٣) والمفعول الثاني -ههنا- محذوف.
والتقدير: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا [مُمَيَّزينَ] (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) ويحتمل أن يكون (العِلْمُ) -ههنا- بمعنى: معرفة الذات؛ والتأويل: وَلِيَعلمَ اللهُ الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوِّهم؛ أي: لِيَعرِفَهم بأعيانهم.
إلَّا أنَّ سَبَبَ العِلْم، -وهو: ظهور الصبر -حذف ههنا-.
وقال الفراء (٣٨) (٣٩) ﴿ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى ﴾ .
وجاز ذلك؛ لأنَّ في (الذي)، وفي الأَلِفِ واللَّامِ تأويل (مَن) و (أيّ)؛ كما قال: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ .
وتأويل قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، واللهُ تعالى يعلم الشيءَ قبلَ وُجُودهِ، ولا يحتاج إلى سَبَبٍ حَتى يعلم؛ وإنما المعنى: وَلِيَعْلَمَ ذلك واقِعًا منهم.
أي: لِيَقَعَ ما عَلِمَهُ غَيْبًا، مُشَاهَدَةً للناس.
والمُجَازاة إنَّمَا تَقَع بِما يعلمه موجودًا كائِنًا، لا (٤٠) (٤١) ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ﴾ .
وقد استقصينا ما في هذا عند قوله: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ أي: وَلِيُكْرِمَ قَوْمًا بالشَّهَادةِ؛ وذلك أنَّ المسلمين تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوَّ، وأنْ يَكُونَ لهم يومٌ كيوم بَدْر، يقاتِلُوا فيه العَدُوَّ، ويَلْتَمِسُوا الشهادة (٤٢) والشُّهَدَاء: جمع شَهِيد؛ كـ (الكُرَمَاء)، و (الظُّرَفَاء).
والمقتول مِنَ المسلمين بِسَيْفِ الكُفَّار، يُسَمَّى: شهيدًا.
واختلفوا فيه: لِمَ سُمِّيَ شهيدًا؟: فقال النَضْرُ بن شُمَيْل (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) وقال ابنُ الأنباري (٤٩) وقال قومٌ (٥٠) (٥١) ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ .
قالَ أبو منصور (٥٢) (٥٣) (٥٤) ﴿ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ، الآية.
ثم يتلوهم في الفضل مَنْ عَدَّه النبيُّ مِنَ المسلمين شهيدا؛ فإنه قال: "المَبْطْونُ شَهِيد (٥٥) (٥٦) (٥٧) وذَكَرَ -أيضًا- غيرَ هذين.
ويدل على هذا ما رُوي أنَّ النَبِيَّ قال: "مالَكُمْ إذا رَأَيتم الرَّجلَ يُخَرِّقُ (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وقيل في الشَّهِيد: إنَّه سُمِّيَ (شَهِيدا) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ قال ابن عباس (٦٦) وفي هذا [إشارة] (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) وجملة معنى الآية: أنها [تَسْلِيَة] (٧٢) (٧٣) (٧٤) ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ (٧٥) (٧٦) (١) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 104.
(٢) (أو): في (أ)، (ب): و.
والمثبت من (ج).
(٣) أصل (المَسِّ): لمس الشيء باليد.
ثم تُوُسِّعَ فيه، واستعير للتعبير عن معانٍ عدَّة.
انظر: (مسس) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3394، و"اللسان" 7/ 4201.
(٤) القراءة بضم القاف في (قُرْح)، هي من رواية أبي بكر عن عاصم، وقراءة حمزة، الكسائي.
والقراءة بفتحها (قَرْح)، من رواية حفص عن عاصم، وابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر.
انظر: "علل القراءات" 1/ 126، و"الحجة" للفارسي 3/ 79، و"التبصرة" 464.
(٥) هو قول الليث.
ذكره الأزهري في: "تهذيب اللغة" 3/ 2918 (قرح).
(٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).
(٧) يقال: (وَجَدَ الشيءَ، يجِدُه، جِدَةً، ووُجْدًا، ووَجْدًا، ووجودا؛ ووُجْدانًا، وإجْدانًا).
وتأتي (الوُجْدُ) و (الوَجْدُ)، بمعنى: اليَسَار، والسَّعَة.
انظر: "اللسان" 8/ 4770 (وجد).
(٨) ومنها: (الكَرْه والكُرْه)، و (الفَقر والفُقْر)، و (الدَّف والدُّفُّ)، و (الشَّهْد والشُّهْد)،== و (الجَهْد والجُهْد)، و (الوَسْع والوُسْع).
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 234، و"الحجة" للفارسي 3/ 79.
(٩) في "معاني القرآن" له 1/ 234.
نقله عنه بنصه.
(١٠) (وكأن القرح الجراحات): ساقط من (ج).
وفي "معاني القرآن" الجرح -بدلًا من: الجراحات-.
(١١) في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 470.
نقله عنه بنصه.
(١٢) هكذا جاءت في (أ): (جَرَّحَه).
وفي (ب)، (ج): مهملة من علامات الشكْل.
والأصوب: (جَرَحَه) بدون تشديد في الرَّاء.
وهكذا وردت في مصادر اللغة.
قال ابن السكيت: (قَرَحَه، يَقْرَحُهُ، قَرْحًا: إذا جَرَحَه).
"إصلاح المنطق" ص 80، 195.
وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2918 (قرح)، و"مفردات ألفاظ القرآن" 665 (قرح)، و"الدر المصون" 3/ 403.
(١٣) البيت للمتنخل الهذلي.
وقد ورد منسوبًا له في: "إصلاح المنطق" 81، 195، و"شرح أشعار الهذليين" 1279، و"الأمالي" للقالي 1/ 28، و"الصحاح" 395 (قرح)، و"اللسان" 6/ 3571 (قرح).
وورد غير منسوب في: كتاب "المعاني الكبير" 901، و"جمهرة اللغة" 520 (قرح).
وقد وردت روايته في "الجمهرة": لا يُسْلِمون قَرِيحا كان وسْطَهُمُ ...
تحت العَجَاج ولا يشوون من قرحوا القريح: الجريح.
و (لا يُشْوُون مَن قَرَحُوا): يقال: (أشواه): إذا أصاب (شَوَاهُ)، وهي: أطرافه، وأخطأ مقتله.
ومعنى البيت: أن من جُرِح منهم حاموا عليه حتى يستنقذوه، ولا يخطِئون مقتل من جرحوه.
انظر: "المعاني الكبير" 901، و"الجمهرة" 520 (قرح)، و"اللسان" 6/ 3571 (قرح).
(١٤) انظر: المعاني السابقة لـ (قرح) في: "إصلاح المنطق" 81، 195، و"جمهرة اللغة" 520 (قرح)، و"التهذيب" 37 (قرح)، و"المخصص" 5/ 90.
(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 303، و"الطبري" 4/ 104، و"بحر العلوم" 1/ 304، و"تفسير الثعلبي" 3/ 122 ب، و"النكت والعيون" 1/ 426.
وقد رجح هذا القول: البغوي، والقرطبي، والنسفي، والشوكاني، وصديق خان.
انظر: "تفسير البغوي" 2/ 110، و"تفسير القرطبي" 4/ 217، و"تفسير النسفي" 1/ 84، و"فتح القدير" 1/ 584، و"فتح البيان" 2/ 137.
(١٦) في (ب)، (ج): (المشركون).
(١٧) لم أقف على مصدر قوله هذا.
وُيفهم من قوله -هنا- عموم أيام الدنيا، وما فيها من مداولة بين الناس، من عُسْر وُيسْر، وفَرَح وغَمِّ، بينما وردت آثار أخرى عنه، تخصص هذه الأيامَ بما حدث يوم بدر واحد، حيث كانت الدولة للمسلمين على المشركين يوم بدر، وللمشركين على المسلمين يوم أحد.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 105، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 772.
(١٨) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
(١٩) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
وقول الحسن، في: "تفسير الطبري" 4/ 104 - 105، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 773، و"النكت والعيون" 1/ 426.
(٢٠) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 105، و"النكت والعيون" 1/ 426.
(٢١) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 105، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 773.
(٢٢) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 105.
(٢٣) (الدَّوْلَة) -بفتح الدال-، أو (الدُّوْلَة) -بضم الدال-: أصل معناهما: تَحَوُّل شيء من مكان إلى مكان.
يقال: (تداولوا الشيء بينهم): إذا صار مِن بعضهم إلى بعض.
وتستعمل (الدوْلَة) -بفتح الدال وبضمها-: لانقلاب الزمان من حال البؤس، إلى حال السرور.
وكذلك في العُقْبَة في المال، أي: النَّوبة فيه.
ويرى بعضُ أهل اللغة أن بينهما فرقًا، فقالوا: الدَّولة -بالفتح-: تستعمل في العرب خاصة، وهو أن تدال إحدى الفئتين على الأخرى.
وبالضم: في المال خاصة.
يقال: (صار الفيءُ دوْلة بينهم)؛ أي: يتداولونه مرَّة لهذا ومرة لهذا.
وقيل: بالفتح: للفعل، وهو الانتقال من حال إلى حال.
وبالضم: اسمٌ للشيء المتداول بعينه.
وقيل: بالفتح: أن ترجع الكرة للجيش المهزوم، فينتصر على من هزمه، فتكون له الدَّوْلة.
وبالضم: في الملْك والسنن التي تُغير وتُبدل عن الدهر.
انظر (دول) في: "التهذيب" 2/ 1248، و"المقاييس" 2/ 314، و"اللسان" 3/ 1455، و"التاج" 14/ 245.
(٢٤) ما بين المعقوفين ورد مكانه في سورة الأصل: العبارةُ التالية: (عن خلق وتأتي مثله).
وهي عِبَارَةٌ مكانها في الصفحة التي تليها في الأصل، ولكن نظْرًا لوجود خرم في الأصل في هذا الموضع، فقد ظهرت هذه العبارة في المصورة في هذه الصفحة.
وقد أثبتها من (ب)، (ج).
(٢٥) في (ب): (لمضمر).
-بدلًا من: لفعل مضمر-.
(٢٦) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 106.
(٢٧) في (ج): (تداولها).
(٢٨) ورد هذا النص في: "الدر المصون" 3/ 405 ينقله عن ابن الأنباري، وفيه: (ولِيُظْهِرَ أمرَهم، ولِنبيِّن أعمالهم).
(٢٩) في (ب): (وليكن).
(٣٠) غير واضحة في (أ)، وفي (ب): (بـ).
والمثبت من (ج).
(٣١) لم أقف على مصدر قوله.
وقد أورده السمين الحلبي في "الدر" 3/ 405.
(٣٢) في (ج): (ولا).
(٣٣) أي: أن العِلْمَ -هنا- متعلق بذاته.
ويجوز أن يتعدى (عَلِمَ) إلى مفعول واحد؛ وذلك إذا كان بمعنى (عَرَف)، أو أن يكون العِلْمُ متعلقًا بالذوات دون الأحوال.
فأما إذا كان بمعنى (عرف) فيرى السمينُ الحلبيُّ أنه يُشْكِلُ في هذا الموضع؛ لأن الله -تعالى- لا يجوز أن يوصف بذلك، وإنما يوصف بالعلم؛ لأن المعرفة هي: إدراك الشيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بجهل، أو نسيان حاصل بعد العلم.== أما العِلْم، فهو: الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، إذ هو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض.
انظر: كتاب "التعريفات" للجرجاني 155، 221، و"التوقيف على مهمات التعاريف" 523، 666، و"الدر المصون" 3/ 406، و"الكليّات"، لأبي البقاء: 868.
(٣٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب).
والمثبت من (ج).
(٣٥) في (ب): (ليتميز).
(٣٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وساقط من (ب).
والمثبت من (ج).
(٣٧) في (ب): (الملخص).
(٣٨) في "معاني القرآن" له 1/ 234.
نقله عنه باختصار، وتصرف يسير.
وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 106.
(٣٩) ما بين المعقوفين في (أ) غير مقروء.
وفي (ب): (أين).
والمثبت من (ج).
(٤٠) (لا): ساقطة من (ج).
(٤١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 470 - 471، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 482، و"المحرر الوجيز" 3/ 341، و"البحر المحيط" 3/ 63.
(٤٢) من قال ذلك: ابن عباس، ومجاهد، وابن جريج، والضحاك، وقتادة، والربيع، والسدي، وابن إسحاق.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 106 - 107.
(٤٣) قوله، في: "تهذيب اللغة" 2/ 1943 (شهد)، و"اللسان" 4/ 2348 (شهد).
(٤٤) قوله، في "التهذيب" 2/ 1943 (شهد).
نقل أكثر قوله بنصِّه وتصرف قليلًا في آخره.
(٤٥) سورة آل عمران 169.
وبقيتها: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ .
(٤٦) في (ج): (حضرت).
(٤٧) ما بين المعقوفين زيادة لازمة من: "تهذيب اللغة".
(٤٨) وفي "التهذيب": وأرواح غيرهم أخِّرَتْ إلى يوم البَعْث.
(٤٩) قوله، في: المصدر السابق.
نقله عنه بمعناه.
(٥٠) أورد هذا القول الأزهريُّ في المصدر السابق، ولم ينسبه لقائل.
(٥١) في (ب): (بالبعث).
بدلًا من: (يوم البعث).
(٥٢) هو الأزهري، وقوله في: "تهذيب اللغة" 2/ 1943.
نقله عنه بتصرف واختصار.
(٥٣) في (أ)، (ب): الأفضل.
والمثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة".
(٥٤) وعبارة "التهذيب": ميّزت هذه الطبقة عن الأمة بالفضل الذيَ حازوه.- بدلًا من عبارة المؤلف: (أبانهم ..
المؤمنين).
(٥٥) في (أ): (شهيدا).
والمثبت من: (ب)، (ج)، و"التهذيب"، ومصادر الخبر.
(٥٦) في (ب): (شهيدا).
(٥٧) الحديث ورد من رواية جابر بن عتيك، ونصه: (..
فقال رسول الله : "وما تعدُّون الشهادة؟." قالوا: القتل في سبيل الله.
فقال رسول الله : "الشهداء سَبْعَةٌ، سوى القَتْل في سبيل الله: المَطْعُونُ شهيد، والغَرِقُ شهيد، وصاحبُ ذات الجَنْب شهيد، والمَبْطُونُ شهيد، والحَرِقُ شهيد، والذي يموت تحت الهَدْمِ شهيد، والمرأَة تموت بِجُمْعٍ شهيد".
وقد أخرجه مالك في: "الموطأ" 161 رقم (36) كتاب الجنائز.
باب النهي عن البكاء على الميت.
واللفظ له.
وأخرجه أحمد في "المسند" 5/ 446 انظر: "الفتح الرباني" 14/ 39)، وأبو داود في "السنن" رقم (3111).
كتاب الجنائز.
باب في فضل من مات في الطاعون.
وأخرجها النسائي في "السنن" رقم (1846) كتاب الجنائز.
باب النهي عن البكاء على الميت.
رقم (3194) كتاب الجهاد.
باب من خان غازيا ..
وأخرجه ابن ماجه في "السنن" رقم (2803) كتاب الجهاد.
ما يرجى فيه الشهادة، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" رقم (2261).
وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" 3/ 562 رقم (6695).
وابن حبان في صحيحه 7/ 461 رقم (3189)، 463 رقم (3190).
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 1/ 351 كتاب الجنائز، وصححه ووافقه الذهبي، والطبراني في "المعجم الكبير" 2/ 191 رقم (1779)، 192 رقم (1780)، و"الأوسط" 2/ 142 (1265)، والبغوي في "شرح السنة" 5/ 433 رقم 1532.
وأخرج الشافعى أوَّلَه في "المسند" 1/ 199 رقم (556)، وكذا البيهقي في "السنن" 4/ 69 واقتصر على أوَّله.
وقد ورد حديث آخر بنحو هذا الحديث عن أبي هريرة: (الشهداء خمسة: ..) وذكر بعضر الأنواع التي وردت في الحديث السابق.
== أخرجه البخاري في "الصحيح" (2829).
كتاب الجهاد: باب الشهادة سبع سوى القتل، ومسلم في "الصحيح" رقم (1914) كتاب الإمارة.
باب بيان الشهداء.
وأحمد في "المسند" 2/ 441، 310، وابن ماجة في "السنن" رقم (2804)، والطيالسي 316 رقم (2407)، وعبد الرزاق في "المصنف" 5/ 270 رقم (9574).
وانظر أحاديث، وآثارًا أخرى في: "صحيح البخاري" (5733) كتاب الطب.
باب ما يذكر في الطاعون، و"مصنف عبد الرزاق" 5/ 269 رقم (9572)، 271 رقم (9575، 9576، 9577)، و"سنن سعيد بن منصور" 2/ 235 - 236 رقم (2615، 2616، 2617)، و"فتح الباري" 6/ 43 - 44، و"كنز العمال" 4/ 421 - 424 رقم (11213 - 11231)، و"الفتح الرباني" 14/ 34 - 39.
و (المبطون): الذي مات بداء البطن، كالاستسقاء، ونحوه من العلل.
و (المطعون): الذي مات من إصابته بالطاعون.
و (المرأة تموت بجُمْع): التي تموت وولدها في بطنها.
وقيل: التي تموت بكرًا.
و (ذات الجنب): التهاب يصيب غلاف الرئة، ينتج عنه سُعال وحمى، ونخس في الجنب، ويسمى- كذلك (الجُناب).
(٥٨) (يُخرِّق) جاءت في: (أ)، (ب)، (ج) مهملة من الشكل، وفي "تهذيب اللغة" 2/ 1944: (يَخرِق)، خلاف ما جاء في مخطوط التهذيب، كما أشار إلى ذلك محقق التهذيب.
وكذا ورد ضبطها في: "اللسان" 4/ 2348 (شهد)، وما أثبتُّه هو ما استصوبته؛ لأنها وردت في مصادر الخبر (يُخرِّق)، ومن هذه المصادر: أصل مخطوط "تهذيب اللغة"؛ حيث أشار إلى ذلك محقق التهذيب في هامش نفس الصفحة قائلًا: (ضُبط في مُصوَّرة التهذيب بضم أوَّلِه؛ فكأنه يُراد فيها مشدَّد الراء من (التخريق).
ولكن المحقق أثبتها (يَخرِق) إما باجتهاد منه، أو اعتمادًا على ما في "اللسان".
وكذا وردت (يُخرَق) في: "غريب الحديث" لابن سلّام 1/ 102، 2/ 28، و"الفائق" للزمخشري 2/ 414، و"غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 78، و"النهاية" لابن الأثير 3/ 201.
(٥٩) (تُعَرِّبوا) وردت في (أ)، (ب)، (ج) مهملة من الشكل.
ووردت في "تهذيب اللغة" (تُعرِبوا)، وهو خلاف ما ورد في أصل التهذيب كما أشار إلى ذلك == محققه؛ حيث قال: (ضُبطت بتشديد الراء في المصورة).
وكذا وردت بتشديد الراء في مصادر الخبر المشار إليها سابقًا.
وهي ما اعتمدت عليه في ضبط الكلمة.
أما في "لسان العرب" 4/ 2348 (شهد) فقد نقل هذا النص عن الأزهري وفيه: (أنْ لا تَعْزِمُوا عليه).
(٦٠) ما بين المعقوفين زيادة من "تهذيب اللغة"، وبقية مصادر الأثر التالية.
(٦١) الأثر، لم أهتد إليه في كتب السنة، وقد أورده: أبو عبيد بن سلّام في: "غريب الحديث" 1/ 102 من قول عمر ، حيث قال: (وقد روي عن عمر أنه قال: ..) وذكره، وفي: 2/ 28 قال: (وفي حديث عمر: ما يمنعكم إذا رأيتم الرجل ..) وذكره وأشار محقق "غريب الحديث" في هامش: 2/ 252 إلى أنه وردت زيادة في بعض نسخ الغريب فيها سند هذا الأثر، وهو: (..
قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن زيد بن صوحان، عن عمر ..).
وفي "التهذيب" 6/ 74: جعله من قول عمر، حيث قال: القوله (..)، وقد أورده الزمخشري في "الفائق" 2/ 414، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 2/ 78 وقال: (قال عمر: مالكم ..) وذكره، وابن الأثير في "النهاية" 3/ 201.
وفي جميع المصادر السابقة التي أوردت الأثر لم يرد فيها قولهم: (..
يا رسول الله ..).
وقوله: (تُعَرِّبوا عليه)؛ أي: تقبِّحوا قولَه، وتعيبوه، وتَرَدُّوه عليه، وتُفسِدوا عليه كلامَه، وتهجِّنوه.
انظر: "الفائق" 2/ 414، و"اللسان" 5/ 2866 (عرب)، في كتاب "النخل" لأبي حاتم السجستاني 101: (وفي الحديث: (فما عرَّبتم عليه)، أيَ: فما غيَّرتم).
(٦٢) لم أقف على من قال بهذا القول.
(٦٣) في (أ)، (ب): (معنى).
والمثبت من (ج).
(٦٤) وردت -هنا- عبارة مكررة في (ج)، وهي: (فهو على هذا التأويل).
(٦٥) أورد ابن حجر في "فتح الباري" هذه الأقوال في سبب تسمية الشهيد بهذا الاسم، وزاد عليها أقوالًا أخرى، ثم قال: (وبعض هذه يختص بمن قتل في سبيل الله، وبعضها يعم غيره، وبعضها قد ينازع فيه).
"فتح الباري" 6/ 43.
(٦٦) قوله، في "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 774.
(٦٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
(٦٨) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب): (يريد).
والمثبت من (ج).
وهو الصواب.
(٦٩) أي في قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ (٧٠) لا: ساقطة من (ج).
(٧١) في (ب)، (ج): (وإذا).
(٧٢) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
(٧٣) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
(٧٤) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
(٧٥) سورة الأنبياء: 35.
وتمامها: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ .
(٧٦) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَهِنُوا ﴾ تقوية لقلوب المؤمنين ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ إخبار بعلو كلمة الإسلام ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ الآية معناها: إن مسكم قتل أو جراح في أحُد فقد مس الكفارَ مثلُه في بدر، وقيل: قد مس الكفار يوم أحد مثل ما مسكم فيه، فإنهم نالوا منكم ونلتم منهم، وذلك تسلية للمؤمنين بالتأسي ﴿ نُدَاوِلُهَا ﴾ تسلية أيضاً عما جرى يوم أحد ﴿ وَلِيَعْلَمَ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: أصابكم ما أصابهم يوم أحد؛ ليعلم والمعنى ليعلم ذلك علماً ظاهراً لكم تقوم به الحجة ﴿ شُهَدَآءَ ﴾ من قتل من المسلمين يوم أحد ﴿ وَلِيُمَحِّصَ الله ﴾ أي: يظهر، وقيل: يميز، وهو معطوف على ما تقدم من التعليلات لقصة أحد، والمعنى أن إدالة الكفار على المسلمين إنما هي لتمحيص المؤمنين، وأن نصر المؤمنين على الكفار إنما هو ليمحق الله الكافرين أي يهلكهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
﴿ قرح ﴾ بالضم حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة.
الباقون بالفتح.
الوقوف: ﴿ مضاعفة ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفحلون ﴾ ه ج للعطف ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ومن قرأ ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو فوقه مطلق ﴿ والأرض ﴾ ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدّة.
﴿ للمتقين ﴾ لا لأن الذين صفتهم.
﴿ عن الناس ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ج ه لأن والذين يصلح مبتدأ وخبره ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ فلا وقف على ﴿ يعلمون ﴾ ويصلح معطوفاً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على ﴿ يعلمون ﴾ لينصرف عموم أولئك إلى المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله.
والوقف لطول الكلام على ﴿ لذنوبهم ﴾ للابتداء بالاستفهام وعلى ﴿ إلا الله ﴾ لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا أنت ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ سنن ﴾ لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار بالتبار.
﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ بين الناس ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوفة أي ليعتبروا ﴿ وليعلم شهداء ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ لا للعطف على ﴿ ليعلم ﴾ ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد النهي عن ذلك نظراً لهم ورحمة عليهم.
وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد.
وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافاً لما علم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد من تضعيفه.
كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ فيه أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه.
فلو أكل ولم يتق زال الفلاح.
ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار / المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.
وكون النار معدّة للكافرين لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين.
لم يمتنع من أن تركبها لبعض حوائجك.
ومثله قوله في صفة الجنة: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ فإنه لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور.
﴿ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء فهو ليس أهلاً للرحمة.
وغيرهم يحمل الآية على الزجر والتخويف ﴿ وسارعوا ﴾ معطوف على ما قبله.
ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: ﴿ سارعوا ﴾ وقوله: ﴿ أطيعوا الله ﴾ كالشيء الواحد لأنهما متلازمان.
وتمسك كثير من الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم.
ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل المنهيات وهذا قول عكرمة.
وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض.
وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات.
وعن أبي العالية أنه الهجرة.
وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام قصة أحد.
وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن الربا.
ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب.
والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين.
ثم وصف الجنة بأن عرضها السموات، ومن البيّن أن نفس السموات لا تكون عرضاً للجنة، فالمراد كعرض السموات لقوله في موضع آخر ﴿ عرضها كعرض السماء ﴾ والمراد المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ونظيره ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ لأنها أطول الاشياء بقاء عندنا.
وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقاً طبقاً بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله .
وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكاً له، فلا بد أن تكون الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا.
وقال أبو مسلم: معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا.
معناه لو عرضت السموات والأرض على / سبيل البيع لكاتنا ثمناً للجنة.
والأكثرون على أن المراد بالعرض ههنا خلاف الطول.
وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول.
ونظيره ﴿ بطائنها من استبرق ﴾ لأن البطائن في العادة تكون أدون حالاً من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟
وقال القفال: العرض عبارة عن السعة.
تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة.
والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق.
فجعل العرض كناية عن السعة.
وسئل ههنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟
وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت العرش.
قال في صفة الفردوس " سقفها عرش الرحمن " وروي أن رسول هرقل سأل النبي وقال: إنك تدعو الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟
فقال النبي : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" ؟
والمعنى - والله ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل.
وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟
فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟
قيل: فأين هي؟
قال: فوق السموات السبع تحت العرش.
ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.
منها قوله: ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء ﴾ في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه.
عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة.
وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي من مثقال ذرة.
وقيل: في عرس أو حبس.
والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن.
وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان مخالفاً له، فإنهم لا يتركونه.
وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة, أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين.
ومنها قوله ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ كظم القربة إذا ملأها وشد فاها.
ويقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم.
قال : "من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" وقال أيضاً: " "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ومنها قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم ﴾ ويحتمل أنه غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم.
فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم.
والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه.
قال : " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" وعن عيسى ابن مريم : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.
وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات.
ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو.
فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير.
فذكر ثواب المجموع بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.
قال ابن عباس في رواية عطاء: "إن منهالاً التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي وذكر ذلك له فنزلت ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ الآية" .
وقال في رواية الكلبي: "إن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله بينهما، فكانا لا يفترقان في احوالهما.
فخرج الثقفي مع رسول الله بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته.
فأقبل ذات يوم فأبصر امراة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها.
ذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعاً فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك.
قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح ي الجبال ويتوب / الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي.
قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم فانطلق الى رسول الله فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة.
فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل بتوبته فتلا على رسول الله ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ فقال عمر: يا رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة في التوبة" .
وعن ابن مسعود "أن المسلمين قالوا للنبي : أبنوا إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟
كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا.
فسكت النبي فنزلت/.
فقال النبي : ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهم" ، وبيّن أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.
والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح ﴿ أو ظلموا أنفسهم ﴾ أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.
وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله : ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ﴾ وظلم النفس ما دونه من القبلة واللسمة.
وهذا القول أنسب بسبب النزول الذي رويناه.
وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار منها لأنه كان مأموراً بالاستغفار ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى ﴿ ذكروا الله ﴾ أي وعيده أو عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا العرض الأكبر على الله.
وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف.
ويكون الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي.
ونظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة والدعاء تقديم التعظيم والثناء ﴿ فاستغفروا لذنوبهم ﴾ يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى.
والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل.
فأما الاستغفار بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات " سبقت رحمتي غضبي" فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب / بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد.
وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" وعن أنس قال: سمعت رسول الله يقول: "قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وعن علي قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ﴿ ولم يصروا ﴾ لم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.
والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه.
وأصر أيضاً عن النبي : " "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معاً كما لو قلت: ما جاءني زيد وهو راكب.
وأردت نفي المجيء والركوب معاً.
وذلك أن المقام مقام مدح لهم بعدم الإصرار.
والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى قوله : " رفع القلم عن ثلاث " وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقاً كما لو أردت في المثال المذكور نفي المجيء / في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ﴾ وهي إشارة إلى إزالة العقاب ﴿ وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ وهذه إشارة إلى إيصال الثواب ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ ذلك الجزاء.
قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجراً والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء.
ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا التحقيق.
واستدلوا أيضاً بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين لقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته.
ثم ذكر ما يحمل المكلفين على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة.
والمثال المتبع وهي "فعلة" بمعنى "مفعولة" من سن الماء يسنه إذا والى صبه فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا حسن الرعي.
والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله في الأمم السالفة يعني سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ فإنهم خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين.
قال مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل والكافر له اللعن والعقاب.
ثم قال ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم وليس المراد من قوله ﴿ فسيروا في الأرض ﴾ الأمر بالسير بل المقصود تعرّف أحوالهم.
فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً.
ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قيل: إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار ﴿ هذا بيان ﴾ المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: ﴿ قد خلت ﴾ جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم.
أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من / الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو الموعظة.
وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به.
وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية, وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة.
والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ وخص المتقون بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر.
ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ .
كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق.
والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على من قتل منكم وجرح ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ وفي هذا تسلية لهم وبشارة.
وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، وإما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر.
قال ابن عباس: "انهزم أصحاب رسول الله يوم أحد.
فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل.
فقال النبي : اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر.
فأنزل الله هذه الآية" .
وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وقال راشد بن سعد: "لما انصرف رسول الله يوم أحد كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله : أهكذا تفعل برسولك؟
فنزلت" ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد.
وقيل بالفتح لغة تهامة والحجاز.
وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم.
وقال الفراء: إنه بالفتح الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة.
وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع / قرحة.
ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم بدر.
ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا تجبنوا ونظيره ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذٍ خلق من الكفار نيف وعشرون رجلاً، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار كما يجيء من قوله : ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم ﴾ والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس القتل والجراحة ﴿ وتلك الأيام ﴾ موصوفاً وصفته مبتدأ خبره ﴿ نداولها ﴾ وتلك مبتدأ أو الأيام خبره كقولك: "هي الأيام تبلي كل جديد" فإن الضمير لا يوصف ويكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء الزمان.
والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات الغريبة.
وقوله ﴿ نداولها ﴾ كالتفسير لما تقدمه.
والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر.
ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته.
والدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين لا تدوم مسارّها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوّه، ويوم آخر بالعكس فلا يبقي شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره قولهم: "الحرب سجال".
شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة، وليس المراد من هذه المداولة أنه تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون.
بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب.
فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله : ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد.
والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم.
وفي إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله.
وقد احتج هشام بن الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا ﴾ على أنه لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها في تفسير قوله : ﴿ وإذا ابتلى إبراهيم ربه ﴾ وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على / المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره.
فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم الله محال.
فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار.
وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم.
وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.
وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم.
وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد.
وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى الى مفعولين والتقدير: وليعلمهم مميزين عن غيرهم.
ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا.
ومن حكم المداولة قوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد.
أو المراد ليكرم ناساً منكم بالشهادة.
والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء.
والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيداً.
قال النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم.
وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض.
وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم.
ومن الحكم قوله: ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ﴾ والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان.
وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.
وقال الزجاج: معنى الآية أنه أن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار.
وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل لايقطع طرفاً ننقصها من أطرافها.
التأويل: ﴿ لا تأكلوا الربا ﴾ ما يؤدي إلى الحرص إلى طلب الدنيا ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.
﴿ واتقوا الله ﴾ خطاب للخواص أي اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ عن حجب ما سوى الله، وتظفرون بالوصول إلى الله.
ثم خاطب العوام الذين هم ارباب الوسائط بقوله: ﴿ واتقوا ﴾ أي بالقناعة ﴿ النار ﴾ / أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة رسوله.
ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان ﴿ عرضها السموات والأرض ﴾ أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما قال النبي عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.
فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها.
وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية ﴿ ينفقون أموالهم في السراء ﴾ وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله ﴿ فعلوا فاحشة ﴾ هي رؤية غير الله ﴿ أوظلموا أنفسهم ﴾ بالتعليق بما سوى الله ﴿ وذكروا الله ﴾ بالنظر إليه وبرؤيته ﴿ ومن يغفر ﴾ ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار ﴿ إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ من رؤية الوسائط والتعلق بها ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن كل شيء ما خلا الله باطل ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة ﴾ أي هم مستحقون لمقامات القرب ﴿ من ربهم وجنات ﴾ من أصناف ألطافه ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ العناية ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ لأن نيل المقصود في بذل المجهود ﴿ قد خلت من قبلكم أمم ﴾ لهم ﴿ سنن فسيروا في الأرض ﴾ نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية ﴿ ولا تهنوا ﴾ أيها السائرون في السر إلى الله ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما فاتكم من اللذات الفانية ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ من أهل الدنيا والآخرة لأنكم من أهل الله ﴿ إن يمسسكم ﴾ في أثناء المجاهدات ﴿ قرح ﴾ ابتلاء وامتحان ﴿ فقد مس القوم ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ قرح ﴾ محن ﴿ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ السائرين يوماً نعمة ويوماً نقمة، ويوماً منحة ويوماً محنة ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ أرباب المشاهدات والمكاشفات ﴿ وليمحص الله ﴾ فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه.
وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ﴾ .
اختلف فيه: قيل: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ في آخر الأمر؛ يعني في أُحد؛ فقد مسَّ المشركين قرح مثله يوم بدر، يذكر هذا - والله أعلم - على التسكين؛ ليعلموا أنهم لم يخصوا بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .
تحتمل الآية وجوهاً: يوماً للمؤمنين ويوماً عليهم، وذلك أن الأمر بمجاهدة العدو والقتال معهم محنة من الله - - إياهم يمتحنهم ويبتليهم؛ مرة بالظفر لهم والنصر على عدوهم، ومرة بالظفر [للعدوّ عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ يمتحن عباده] بجميع أنواع المحن، بالخير مرة، وبالشر ثانياً.
ويحتمل المداولة - أيضاً وجهاً آخر: وهو أن الظفر والنصر لو كان أبداً للمؤمنين - لكان الكفار إذا أسلموا لم يسلموا إسلام اختيار؛ ولكن إنما آمنوا إيمان قهر وكره وجبر؛ لما يخافون على أنفسهم من الهلاك إذا رأوا الدولة والظفر للمؤمنين، وإن كان الظفر والنصر أبداً للكفار؛ فلعلهم يظنون أنهم المحقون فيمنعهم ذلك عن الإسلام.
ويحتمل أن ما يصيب [بمعصية]، المؤمنين إنما يصيب بمعصية سبقت منهم، أو خلاف كان منهم؛ من ترك أمر أو ارتكاب نهي، والله أعلم.
فإن طعن طاعن من الملاحدة في قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ أليس وعد أنكم إن نصرتم دينه ينصركم، وأخبر - أيضاً - أنه إن نصركم فلا غالب لكم، فإذا نصرتم دنيه فلم ينصركم؛ أليس يكون خلفاً في الوعد؟
أو إن نصركم فغلبتم يكون كذباً في الخبر.
قيل: لهذا جواب من أوجه: قيل: يحتمل قوله - عز وجل -: إن تنصروا دين الله في الدنيا ينصركم في الآخرة بالحجج؛ كقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [غافر: 51]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ .
وقيل: إن تنصروا دين الله ولم تعصوا الله فيه - ينصركم؛ فلا غالب لكم.
وقيل: يحتمل: إن تنصروا دين الله جملةً - ينصركم؛ كقوله - -: "لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ، كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ" وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ .
وقيل: إن تنصروا دين الله ينصركم؛ أي: يجعل الظفر؛ والنصر في العاقبة لكم، وكذلك: وإن كان في ابتداء الأمر الغلبة على المؤمنين؛ فإن العاقبة لهم في الحروب كلّها، ومقدار ما كان عليهم إنما كان لأمر سبق منهم: إمّا إعجاباً بالكثرة؛ كقوله - -: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً ﴾ ، وإمّا خلافاً لرسول الله .
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ دلالة أن كان من الله معنى لديه تكون الغلبة لهم؛ بقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ولكان هو يجعل أبداً الدولة لأحد الفريقين، وقد أخبر أنه يجعل لهما، ومعلوم إن كانت الدولة بالغلبة، فثبت أن من الله في صنع العباد - صنع له أضيف [إليه صنيعهم]، والله أعلم.
ثم معلوم أن الغلبة لو كانت للمسلمين - كان ذلك ألزم للحجّة، وأظهر للدعوة، وأدعى [إلى الإجابة]، وفيها كل صلاح، فثبت أن ليس في المحنة شرط إعطاء الأصلح، والله أعلم.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ردّ قول الأصلح؛ حيث قالوا: إن الله لا يفعل إلا الأصلح في الدين، يقال لهم: أي صلاح للمؤمنين في مداولة الكافرين على المؤمنين؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: ليعلم ما قد علم بالغيب أنه يؤمن بالامتحان مؤمناً شاهداً، وليعلم ما قد علم أنه يكون كائناً.
وجائز أن يراد بالعلم: المعلوم؛ كقوله: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية، تخرج على أوجه: أحدها: أن ما وصفت الله به إذا ذكرت معه الخلق - تذكر وقت كون الخلق؛ لئلا يتوهم قدمه، وإذا وصفت الله - - بلا ذكر الخلق وصفته به في الأزل؛ نحو أن تقول: عالم، قادر، سميع - في الأزل، فإذا ذكرت المسموع المقدور عليه والمعلوم - ذكرت وقت كونه؛ لتزيل توهم القدم على الآخر؛ وعلى هذا عندنا القول بـ"خالق" "رازق" ونحو ذلك، والله أعلم.
والثاني: على تسمية معلومة علماً في مجاز اللغة؛ وذلك كما سمّى عذاب الله في القرآن أمره، وسمى الناس الصلاة - وغيرها من العبادات - أمره، على معنى أنها تفعل بأمره؛ وكذلك ما سميت الجنة رحمته، على أن كان فيها؛ فيكون: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: ليكون الذين آمنوا على ما علمه يكون، والله أعلم.
والثالث: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ في الغيب شهوداً؛ إذ هو عالم الغيب والشهادة، وتحقيق ذلك لا يكون بحادث العلم، وذلك نحو من يعلم الغد يكون؛ يعلمه بعد الغد، وإن لم يكن له حدوث العلم قد كان؛ وعلى هذا قيل: ليعلمه كائناً لوقت كونه ما قد علمه يكون قبل كونه، والله أعلم.
وقال بعض أهل التأويل: ليكون الذي علمه يكون بالمحنة ظاهراً موجوداً، وهو يرجع إلى ما بيّنا.
وقال بعضهم: ليراه، وهذا من صاحبه ظن أن الكلام في الرؤية لعله أيسر، وعن التشبيه أبعد، وعند من يعرف الله حق المعرفة: هما واحد.
والأصل في هذا ونحوه في الإضافات إلى الله: أنها كانت بالأحرف المجعولة المتعارف في الخلق، ثم هي تؤدي عن كل ما يضاف إليه، ويشار إليه ما كان عرف من حال ذلك قبل الإضافة، لا أن يقدر عند الإضافة معنى لا نعرفه به لولا ذلك، على ما عرف من الاشتراك في اللفظ والاختلاف في المعنى؛ فعلى ذلك أمر الإضافة إلى الله - - ويوضح ذلك ما لم يفهم أحد من قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ ما فهم من إضافة الحدود إلى غيره؛ وكذلك بيوت الله، وعباد الله، وروح الله وكلمته، ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه.
وجائز - في الجملة - أن يوصف الله بأنه لم يزل عالماً بكون كل ما يكون كيف يكون؟
وفي وقت كونه كائناً؛ وبعد كونه قد مضى كونه؛ على تحقيق التغير في أحوال الذي يكون لا في الله - وتعالى - إذ تغير الأحوال واستحالتها من آيات الحدث وأمارات الصنعة.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ : قيل فيه بوجهين: أحدهما: "ولم يعلم"، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: على إثبات أنه علم أنهم لم يجاهدوا؛ كقول الناس: ما شاء الله كان، [وما لم يشأ لم يكن]، أي: شاء ألا يكون، لا يكون.
والثاني: أنه عالم بكل شيء، فلو كان منكم جهاد لكان يعلمه، وإنما لم يعلمه؛ لأنه لم يكن؛ وعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: ليس لهم.
والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ﴾ بمعنى: إلا؛ كقوله ﴿ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ - بالتشديد - بمعنى: إلا عليها حافظ؛ فيكون معنى الآية: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ؟!
لا تدخلوها إلا أن يعلم الله مجاهدتكم، أي: حتى تجاهدوا فيعلم الله ذلك منكم موجوداً، والله أعلم.
وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ أي: ليعلم ما قد علم أنه يصير صابراً؛ وكذلك قوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ أي: ليعلمن الذين قد علم أنهم يصدقون - صادقين، وليعلمن الذين قد علم أنهم يكذبون - كاذبين، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ ﴾ أي: حتى يعلم ما قد علم أنهم يجاهدون - مجاهدين، وأصله: قوله - عز وجل -: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ ليعلم شاهداً ما قد علم غائباً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ﴾ أي: يستشهدون في سبيل الله بأيدي عدوهم.
ويحتمل: ويتخذ منكم شهداء على الناس؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، وفيه دلالة أنهم لا يستوجبون بنفس الإيمان الشهادة على الناس؛ حتى تظهر الصيانة والعدالة في أنفسهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : أي: يمحص ذنوبهم وسيئاتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: يهلكهم ويستأصلهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : ما ذكرنا من تمحيص الذنوب على ما روي عن رسول الله : "السَّيْفُ مَحَّاءٌ لِلذُّنُوبِ" ﴿ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ : أي: يهلكهم، ولا يكون السيف تمحيصاً لهم من الكفر، بل يهلكهم في النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ : قيل: بل حسبتم أن تدخلوا الجنة.
﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ﴾ : أي: ولم يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ أي: لم يجاهدوا.
وقيل: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، و"لما" بمعنى: "إلا يعلم"، بمعنى: لا تدخلون الجنة إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ : من قرأ بالتشديد؛ فكان معناه: "إلا عليها حافظ"، ومن قرأ بالتخفيف؛ فمعناه: لَعَلَيْها حافظ، و"ما" صلة.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، أي: ظننتم ذلك، ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ ﴾ ، وقال في [موضع آخر]: ﴿ أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ ﴾ الآية [آل عمران: 165]، بمعنى: ولم تجاهدوا، ولم يصبكم مثل الذي ذكر؛ ففي ذلك وعد أن يصيب أولئك الذين خاطبهم به ما أصاب من تقدمهم، وأن الله قد يعلم أنهم يجاهدون قبل الموت؛ وعلى هذا قال قوم في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ -: أن يدخلوا الجنة إذا أصابهم مثل الذي أصاب من تقدمهم، والله أعلم.
فيكون تأويل ﴿ وَلَمَّا ﴾ : ولم، والألف صلة.
وقيل: يحتمل بالتشديد منه: إلا؛ كما قيل في تأويل قوله - عز وجل -: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ بالتشديد: "إلا عليها حافظ"؛ فيكون بمعنى الإضمار: لا تدخلوا إلا أن يعلم الله الذين جاهدوا منكم، وقد بيّنا ما في العلم في الحرف الأوّل على أنه له وجهان - أيضاً -: أحدهما: أن الله لم يعلم بذلك، وهو العالم بكل شيء فلو كان: لكان يعلمه.
والثاني: أن يعلموا أن يكونوا لم يجاهدوا بعد، وسيجاهدون على ما بيّنا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إن أصابكم -أيها المؤمنون- جِرَاح وقَتْل يوم أُحد، فقد أصاب الكفار جرَاح وقَتْل مثل ما أصابكم، والأيام يصرفها الله بين الناس مؤمنهم وكافرهم بما شاء من نصر وهزيمة؛ لحِكَم بالغَة؛ منها: ليَظْهَر المؤمنون حقيقةً من المنافقين، ومنها: ليُكْرِم من يشاء بالشهادة في سبيله، والله لا يحب الظالمين لأنفسهم بترك الجهاد في سبيله.
من فوائد الآيات الترغيب في المسارعة إلى عمل الصالحات اغتنامًا للأوقات، ومبادرة للطاعات قبل فواتها.
من صفات المتقين التي يستحقون بها دخول الجنة: الإنفاق في كل حال، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان إلى الخلق.
النظر في أحوال الأمم السابقة من أعظم ما يورث العبرة والعظة لمن كان له قلب يعقل به.
<div class="verse-tafsir" id="91.2y6V8"
هذه الآيات وما بعدها في قصة أُحد وما فيها من السنن الاجتماعية والحكم والأحكام فهي متصلة بقوله : ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ إلخ الآيات التي تقدمت.
﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ إن بعض المفسرين يجعل الآيتين الأوليين من هذه الآيات تمهيدًا لما بعدهما من النهي عن الوهن والحزن وما يتبع ذلك، وعلى هذا جرى (الجلال) كأنه يقول إن هذا الذي وقع لا يصح أن يضعف عزائمكم فإن السنن التي قد خلت من قبلكم تبين لكم كيف كانت مصارعة الحق للباطل وكيف ابتلي أهل الحق أحيانًا بالخوف والجوع والانكسار في الحرب ثم كانت العاقبة لهم فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين للرسل المقاومين لهم فإنهم كانوا هم المخذولين المغلوبين وكان جند الله هم المنصورين الغالبين، وإذا كان الأمر كذلك فلا تهنوا ولا تحزنوا لما أصابكم في أُحد.
هذا رأي ضعيف، فإن ذكر السنن بعد آيات متعددة، في موضوعات مختلفة، تفيد معاني كثيرة.
فإن الله تعالى نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين بدت لهم بغضاؤهم، وبيّن هو لهم مجامع خبثهم وكيدهم.
ثم ذكر النبي والمؤمنين بوقعة أحد وما كان فيها بالإجمال، وذكرهم بنصره لهم ببدر.
ثم ذكر المتقين وأوصافهم وما وعدوا به.
ثم ذكر بعد ذلك كله مضي السنن في الأمم وأنه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، فذكر السنن بعد ذلك كله يفيد معاني كثيرة تحتاج إلى شرح طويل جدًا لا معنى واحدًا كما قيل.
وإن في القرآن من إفادة المباني القليلة للمعاني الكثيرة بمعونة السياق والأسلوب ما لا يخطر في بال أحد من كتاب البشر وعلمائهم ومثل هذا مما تجب العناية ببيانه.
يقول الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز إن كون القرآن معجزًا ببلاغته يوجب علينا أن نجعل أسلوبه الذي كان معجزًا به فنًا ليبقى دالًا على وجه إعجازه، كذلك أقول إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننًا يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبيّنها العلماء بالتفصيل عملًا بإرشاده كالتوحيد والأصول والفقه.
والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها.
ولا يحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وضعت لها الأصول والقواعد، وفرعت منها الفروع والمسائل.
وإنني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله من ذكرها.
يعني أنهم بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها وبما منحوا من الذكاء والحذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها.
وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل انفع من العلم النظري المحض وكذلك كانت علومهم كلها، ولما اختلفت حالة العصر اختلافًا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما كانت محتاجة أيضًا إلى تدوين هذا العلم، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية أو علم الاجتماع أو علم السياسة الدينية.
سم بما شئت فلا حرج في التسمية.
ومعنى الجملة: انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين فإذا أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم، وإن سلكتم سبل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم، وفي هذا تذكير لمن خالف أمر النبي في أُحد.
ففي الآية مجاري أمن ومجاري خوف، فهو على بشارته لهم فيها بالنصر وهلاك عدوهم ينذرهم عاقبة الميل عن سننه ويبين لهم أنهم إذا ساروا في طريق الضالين من قبلهم فإنهم ينتهون إلى مثل ما انتهوا إليه، فالآية خبر وتشريع، وفي طيها وعد ووعيد.
﴿ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ أي أن المصارعة بين الحق والباطل قد وقعت من الأمم الماضية، وكان أهل الحق يغلبون أهل الباطل ويُنْصَرون عليهم بالصبر والتقوى، وكان ذلك يجري بأسباب مطردة، وعلى طرائق مستقيمة، يعلم منها أن صاحب الحق إذا حافظ عليه ينصر ويرث الأرض، وأن من ينحرف عنه ويعيث في الأرض فسادًا يخذل وتكون عاقبته الدمار، فسيروا في الأرض واسْتْقرُوا ما حل بالأمم ليحصل لكم العلم الصحيح التفصيلي بذلك وهو الذي يحصل به اليقين ويترتب عليه العمل.
وقال بعض المفسرين إن لم تصدقوا فسيروا.
وهذا قول باطل.
والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم هو الذي يوصل إلى معرفة تلك السنن والاعتبار بها كما ينبغي.
نعم إن النظر في التاريخ الذي يشرح ما عرفه الذين ساروا في الأرض ورأوا آثار الذين خلوا يعطي الإنسان من المعرفة ما يهديه إلى تلك السنن ويفيده عظة واعتبارًا، ولكن دون اعتبار الذي يسير في الأرض بنفسه ويرى الآثار بعينه ولذلك أمر بالسير والنظر.
ثم اتبع ذلك بقوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كأنه يقول إن كل إنسان له عقل يعتبر به فهو يفهم أن السير في الأرض يدله على تلك السنن، ولكن المؤمن المتقي أجدر بفهمها لأن كتابه أرشده إليها وأجدر كذلك بالاهتداء والاتعاظ بها.
وقد بينا في تفسير الفاتحة أن لسير الناس في الحياة سننًا يؤدي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها إلى الهلاك والشقاء وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهي إلى غايتها سواء كان مؤمنًا أو كافرًا كما قال سيدنا علي: "إن هؤلاء قد انتصروا باجتماعهم على باطلهم وخذلتهم بتفرقكم عن حقكم".
ومن هذه السنن أن اجتماع الناس وتواصلهم وتعاونهم على طلب مصلحة من مصالحهم يكون، مع الثبات، من أسباب نجاحهم ووصولهم إلى مقصدهم سواء كان ما اجتمعوا عليه حقًا أو باطلًا، وإنما يصلون إلى مقصدهم بشيء من الحق والخير ويكون ما عندهم من الباطل قد ثبت باستناده إلى ما معهم من الحق وهو فضيلة الاجتماع والتعاون والثبات.
فالفضائل لها عماد من الحق فإذا قام رجل بدعوى باطلة ولكن رأى جمهور من الناس أنه محق يدعو إلى شيء نافع وأنه يجب نصره فاجتمعوا عليه ونصروه وثبتوا على ذلك فإنهم ينجحون معه بهذه الصفات.
ولكن الغالب أن الباطل لا يدوم بل لا يستمر زمنًا طويلًا لأنه ليس له في الواقع ما يؤيده بل له ما يقاومه فيكون صاحبه دائمًا متزلزلًا فإذا جاء الحق ووجد أنصارًا يجرون على سنة الاجتماع في التعاون والتناصر، ويؤيدون الداعي إليه بالثبات والتعاون، فإنه لا يلبث أن يدمغ الباطل وتكون العاقبة لأهله، فإن شابت حقهم شائبة من الباطل، أو انحرفوا عن سنن الله في تأييده، فإن العاقبة تنذرهم بسوء المصير.
فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نعرف أنفسنا وكنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا ومن السير على سنن الله في طلبه وفي حفظه وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين.
﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ إن الحزن إنما يكون على ما فات الإنسان وخسره مما يحبه.
وسببه أنه يشعر أنه قد فاته بفوته شيء من قوته وفقد بفقده شيئًا من عزيمته أو أعضائه.
ذلك بأن صلة الانسان بمحبوباته من المال والمتاع والناس كالأصدقاء وذي القربى تكسبه قوة وتعطيه غبطة وسرورًا فإذا هو فقد شيئًا منها بلا عوض فإنه يعرض لنفسه ألم الحزن الذي يشبه الظلمة ويسمونه كدرًا كأن النفس كانت صافية رائقة فجاء ذلك الانفعال فكدرها بما أزال من صفوها.
وقد يقال هنا نهاهم عن الوهن بما عرض لهم والحزن على ما فقدوا في "أُحد" وكل من الوهن والحزن كان قد وقع وهو أمر طبيعي في مثل الحال التي كانوا عليها؟
والجواب أن المراد بالنهي ما يمكن أن يتعلق به الكسب من معالجة وجدان النفس بالعمل ولو تكلفًا.
كأنه يقول: انظروا في سنن من قبلكم تجدوا أنه ما اجتمع قوم على حق وأحكموا أمرهم وأخذوا أهبتهم وأعدوا لكل أمر عدته، ولم يظلموا أنفسهم في العمل لنصرته، إلا وظفروا بما طلبوا، وعوضوا مما خسروا، فحولوا وجوهكم عن جهة ما خسرتم، وولوها جهة ما يستقبلكم، وانهضوا به العزيمة والحزم، مع التوكل على الله ، والحزن إنما يكون على فقد ما لا عوض منه وإن لكم خير عوض مما فقدتم، وأنتم الأعلون برجحانكم عليهم في مجموع الوقعتين -بدر وأحد- إذ الذين قتلوا منهم أكثر من الذين قتلوا منكم، على كثرتهم وقلتكم، أو جملة وأنتم الأعلون معترضة يراد بها التبشير بما يكون في المستقبل من النصر، وهما قولان المفسرين.
وسواء كانت للتسلية أو للبشارة فهي مرتبطة بالإيمان الصحيح الذي لا شائبة فيه فإن من اخترق هذا الإيمان فؤاده وتمكن من سويدائه، يكون على يقين من العاقبة، بعد الثقة من مراعاة السنن العامة، والأسباب المطردة، ولذلك قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ومثل هذا الشرط كثير في القرآن وهو ليس للشك وإنما يراد به تنبيه المؤمن إلى حاله، ومحاسبة نفسه على أعماله.
رأيت النبي ليلة الخميس الماضية (غرة ذي القعدة سنة ١٣٢٠) في الرؤيا منصرفًا مع أصحابه من أحد وهو يقول: "لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة" أي لما في الهزيمة من التأديب الإلهي للمؤمنين وتعليمهم أن يأخذوا بالاحتياط ولا يغتروا بشيء يشغلهم عن الاستعداد وتسديد النظر وأخذ الأهبة وغير ذلك من الأسباب والسنن.
ثم بين تعالى وجه جدارتهم بأن لا يهنوا ولا يحزنوا فقال: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم "قرح" بضم القاف والباقون بفتحها.
قال كثير من المفسرين إن القرح بالفتح والضم واحد فهو "كالضعف" فيه اللغتان ومعناه الجرح، وقال بعضهم إن القرح بالفتح هو الجراح وبالضم أثرها وألمها.
ورجح ابن جرير قراءة الفتح قال "لإجماع أهل التأويل على أن معناه القتل والجراح فذلك يدل على أن القراءة هي بالفتح وكان بعض أهل العربية يزعم أن القَرح والقُرح لغتان بمعنى واحد والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا" أي من أن القرح بالفتح يشمل الجرح والقتل ويؤيده أنه هو الذي حصل.
وفي لسان العرب "القَرح والقُرح" لغتان عض السلاح ونحوه مما يجرح الجسد وقيل القَرح الآثار والقُرح الألم.
عبر المضارع بدل الماضي فلم يقل: "إن يمسكم قرح" ليحضر صورة المس في أذهان المخاطبين.
وإن اعتبار المساواة في المثل من التدقيق الفلسفي الذي لم تكن تقصده العرب في مثل هذه العبارة، وهذا القول صحيح على كل تقدير.
﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ .
هذه قاعدة كقاعدة ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ أي هذه سنة من تلك السنن وهي ظاهرة بين الناس بصرف النظر عن المحقين والمبطلين.
والمداولة في الواقع تكون مبنية على أعمال الناس فلا تكون الدولة لفريق دون آخر جزافًا وإنما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها.
أي إذا علمتم أن ذلك سنة، فعليكم أن لا تهنوا وتضعفوا بما أصابكم لأنكم تعلمون أن الدولة تدول.
والعبارة تومئ إلى شيء مطوي كان معلومًا لهم وهو أن لكل دولة سبب فكأنه قال: إذا كانت المداولة منوطة بالأعمال التي تفضي إليها كالاجتماع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتحكموها أتم الإحكام.
وفي الجملة من الإيجاز وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ما لا يعهد مثله في غير القرآن.
ثم قال : ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إن المراد بعلم الله فيه علم عباده، وإنهم يفسرونه بعلم الظهور أي ليظهر علمه بذلك.
ومعنى قول الجمهور: أن المراد بالعلم علم الظهور أن العلم بالشيء على أنه سيقع ثابت في الأزل فإذا وقع ذلك الشيء حصل تغير في ذلك المعلوم فصار حالًا بعد أن كان مستقبلًا فهل تعَلُّق العلم به عند الوقوع هو عين تَعَلُّقه به من الأزل إلى قبيل وقوعه؟
قال الحكماء: إن الزمن ليس بشيء بالنسبة إلى الله فليس هناك تقدم ولا تأخر ولا متقدم ولا متأخر فتعلق العلم بالمعلوم واحد في الأزل والأبد.
فعلى هذا القول يكون معنى ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ ليظهر علمه للناس بظهور المعلوم لهم فهو كقوله: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ أي يعلم الناس ذلك ويميزونه.
وأما جمهور المتكلمين فيقولون إن الله تعالى يعلم كل شيء أزلًا وأبدًا ولكن تعلق علمه بالأشياء على أنها ستقع غير تعلق علمه بها وهي واقعة فذلك علم غير ظاهر فيه المعلوم في الوجود وهذا علم ظهر متعلقه ووجد.
والمراد بقوله: "ليعلم" الثاني.
إنهم يريدون بعلم الغيب والشهادة معنى آخر، إن العبارة ظاهرة الصحة وإيهام تجدد العلم الإلهي مدفوع، ولكن ما النكتة في اختيار هذه العبارة وأمثالها كقوله في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ولم لم يبين المراد بعبارة لا إيهام فيها؟
النكتة بيان أن العلم إذا لم يصدقه العمل لا يعتد به.
وبيان ذلك أن الانسان كثيرًا ما يتصور الشيء ويحكم بصحته فيرى أنه يعتقده، ولكن إذا عرض العمل كذبه في اعتقاده وتبين أنه لم يكن متحققًا به وإنما كان صورة انطبعت في مخه مع الغفلة عما يعارضها من سائر عقائده المتمكنة التي لها سلطان على وجدانه وأثر في عمله وأخلاقه وعادته التي تجري عليها أعماله.
مثال ذلك أن بعض الناس تحدثه نفسه بأنه شجاع ويعتقد ذلك لعدم وجود ما يعارضه في نفسه حتى إذا ما عرض له ما لا تظهر به حقيقة الشجاعة بالفعل من الحاجة إلى ركوب الخطر وخوض غمرات الموت دفاعًا عن الحق أو الحقيقة جبن وجزع وظهر غروره بنفسه وانخداعه لوهمه.
ومثله من تحدثه نفسه بأنه لقوة إيمانه عظيم الثقة بالله والتوكل عليه، حتى تظهر الحوادث والوقائع أنه هلوع إذا مسه الشر كان جزوعًا، وإذا مسه الخير كان منوعًا، لا يثق بربه ولا بنفسه.
فأراد الله تعالى أن يرشدنا بقوله ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ إلى أن العلم لا يكون علمًا والإيمان لا يكون إيمانًا إلا إذا صدقهما العمل وظهر أثرهما بالفعل فكأنه قال ليتبين الذين آمنوا على طريق التمثيل.
وأما قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه من الشهادة في القتال وهي أن يقتل المؤمن في سبيل الله أي مدافعًا عن الحق قاصدًا إعلاء كلمته.
والثاني: أنه من الشهادة على الناس بالمعنى الذي تقدم في قوله : ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ والأول هو الذي يسبق إلى الذهن في هذا المقام.
وإنما سمي هؤلاء المقتولون شهداء لأنهم يشاهدون بعد الموت من الملكوت ونعيمه ما لا يكون لغيرهم، أو لأنهم ببذل أنفسهم في سبيل الله يكونون من الشهداء على الناس يوم القيامة بالمعنى المشار إليه آنفًا، أو لأنه مشهود لهم بالجنة، ولأن الملائكة تشهد موتهم.
أقوال.
وقوله: ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ جملة معترضة مسوقة لبيان أن الشهداء يكونون مما خلصوا لله وأخلصوا في إيمانهم وأعمالهم فلم يظلموا أنفسهم بمخالفة الأمر أو النهي، ولا بالخروج عن سنن الله في الخلق، وأنه تعالى لا يصطفي للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم، وفي ذلك بشارة للمتقين، وإنذار للمقصرين، فالناس قبل الابتلاء بالمحن والفتن يكونون سواء، فإذا ابتلوا تبين المخلص والصادق، والظالم والمنافق، وما أسهل ادعاء الاخلاص والصدق إذا كانت آياتهما مجهولة.
فبيان السبب مؤدب للمقصرين، وقاطع لألسنة المدعين، إلا أن يكونوا مع الأغبياء الجاهلين.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ قال البعض إن التمحيص تكفير الذنوب وهو مردود بأن المعهود من القرآن التعبير عن هذا المعنى بالتكفير، وبأن للتمحيص هنا معنى آخر يتفق مع ما قاله بعض المفسرين في جملته لا في تصويره.
كل إنسان يحكم لنفسه في نفسه بأمور كثيرة يصدقه فيها الحق الواقع أو يكذبه فالمعتقد حقية الدين قد يتصور وقت الرخاء أنه يسهل عليه بذل ماله ونفسه في سبيل الله ليحفظ شرف دينه ويدفع عنه كيد المعتدين، فإذا جاء البأس ظهر له من نفسه خلاف ما كان يتصور.
فالإنسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلى كمال التجلي إلا بالتجارب الكثيرة والامتحان بالشدائد العظيمة، فالتجارب والشدائد كتمحيص الذهب يظهر به زيفه ونضاره.
ثم إنها أيضًا تنفي خبثه وزغله.
كذلك كان الأمر في أحد: تميز المؤمنون الصادقون من المنافقين، وتطهرت نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها فصارت تبرًا خالصًا، وهؤلاء هم الذين خالفوا أمر النبي وطمعوا في الغنيمة والذين انهزموا وولوا وهم مدبرون، محص الجميع بتلك الشدة فعلموا أن المسلم ما خلق ليلهو ويلعب، ولا ليكسل ويتواكل، ولا لينال الظفر والسيادة بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في المخلوقات، بل خلق ليكون أكثر الناس جدًا في العمل، وأشدهم محافظة على النواميس والسنن.
وأما محق الكافرين بالشدائد فليس معناه فناؤهم وهلاكهم وإنما هو اليأس يسطو عليهم، وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم، حتى يذهب ما كان قد بقي من نور الفضيلة في نفوسهم، فلا تبقى لهم شجاعة ولا بأس، ولا شيء من عزة النفس، فيكون أحدهم كالهلال في المحاق لا نور له، بل يكون وجوده كالعدم لأنه لا أثر له ولا فائدة فيه، فذلك محقه إذا غلب على أمره.
وإذا هو انتصر طغى وتجبر، وبغى وظلم، وذلك محق معنوي، وتكون عاقبته المحق الصوري، كذلك لا يثبت للكافرين المبطلين وجود مع المؤمنين الصادقين، وإنما يبقون ظاهرين إذا لم يظهر من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.
<div class="verse-tafsir"