الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٣٩ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 104 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال مسليا للمؤمنين : ( ولا تهنوا ) أي : لا تضعفوا بسبب ما جرى ( ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) أي العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون .
القول في تأويل قوله : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) قال أبو جعفر: وهذا من الله تعالى ذكره تعزيةٌ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أصابهم من الجراح والقتل بأحد.
قال: " ولا تهنوا ولا تحزنوا "، يا أصحاب محمد، يعني: ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح - عن جهاد عدوكم وحربهم.
* * * =من قول القائل: " وهنَ فلان في هذا الأمر فهو يهنُ وَهْنًا ".
* * * =" ولا تحزنوا "، ولا تأسوْا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم " أنتم الأعلون "، يعني: الظاهرُون عليهم، ولكم العُقبَى في الظفر والنُّصرة عليهم =" إن كنتم مؤمنين "، يقول: إن كنتم مصدِّقي نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيما يَعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يؤول إليه أمركم وأمرهم.
كما:- 7884- حدثنا المثني قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم القتلُ والجراح، حتى خلص إلى كل امرئ منهم البأسُ، فأنـزل الله عز وجل القرآن، فآسَى فيه المؤمنين بأحسن ما آسى به قومًا من المسلمين كانوا قبلهم من الأمم الماضية، فقال: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنم مؤمنين " إلى قوله: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ .
7885- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين "، يعزّي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كما تسمعون، ويحثهم على قتال عدوهم، وينهاهم عن العجز والوَهن في طلب عدوهم في سبيل الله.
7886- حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين "، قال: يأمر محمدًا، يقول: " ولا تهنوا "، أن تمضوا في سبيل الله.
(53) 7887- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " ولا تهنوا "، ولا تضعفوا.
7888- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7889- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: " ولا تهنوا ولا تحزنوا "، يقول: ولا تضعفوا.
7890- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " ولا تهنوا "، قال ابن جريج: ولا تضعفوا في أمر عدوكم، =" ولا تحزنوا وأنتم الأعلون "، قال: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعب، فقالوا: ما فعل فلان؟
ما فعل فلان؟
فنعى بعضهم بعضًا، وتحدَّثوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فكانوا في همّ وحزَن.
فبينما هم كذلك، إذ علا خالد بن الوليد الجبلَ بخيل المشركين فوقهم، وهم أسفلُ في الشِّعب.
فلما رأوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فرحوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا قوة لنا إلا بك، وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر "!.
قال: وثاب نفرٌ من المسلمين رُماة، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبلَ.
فذلك قوله: " وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ".
7891- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولا تهنوا "، أي: لا تضعفوا =" ولا تحزنوا "، ولا تأسوا على ما أصابكم، (54) =" وأنتم الأعلون "، أي: لكم تكون العاقبة والظهور =" إن كنتم مؤمنين " إن كنتم صدَّقتم نبيي بما جاءكم به عني.
(55) 7892- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم لا يعلُون علينا ".
فأنـزل الله عز وجل: " ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ".
---------------- الهوامش : (53) في المخطوطة: "وأن تمضوا" ، بزيادة "واو" ، والذي في المطبوعة أظهر.
(54) في سيرة ابن هشام: "ولا تبتئسوا".
(55) الأثر: 7891- سيرة ابن هشام 3: 116 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 7878.
قوله تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين[ ص: 206 ] عزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح ، وحثهم على قتال عدوهم ونهاهم عن العجز والفشل فقال ولا تهنوا أي لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم .
ولا تحزنوا على ظهورهم ، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة .
وأنتم الأعلون أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر إن كنتم مؤمنين أي بصدق وعدي .
وقيل : " إن " بمعنى " إذ " .
قال ابن عباس : انهزم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين ، يريد أن يعلو عليهم الجبل ; فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اللهم لا يعلن علينا ، اللهم لا قوة لنا إلا بك ، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر .
فأنزل الله هذه الآيات .
وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم ; فذلك قوله تعالى : وأنتم الأعلون يعني الغالبين على الأعداء بعد أحد .
فلم يخرجوا بعد ذلك عسكرا إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي كل عسكر كان بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم ، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم بعد انقراضهم ما افتتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت .
وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة ; لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه ; لأنه قال لموسى : إنك أنت الأعلى وقال لهذه الأمة : وأنتم الأعلون .
وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي ، وقال للمؤمنين : وأنتم الأعلون
يقول تعالى مشجعا لعباده المؤمنين، ومقويا لعزائمهم ومنهضا لهممهم: { ولا تهنوا ولا تحزنوا } أي: ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم، ولا تحزنوا في قلوبكم، عندما أصابتكم المصيبة، وابتليتم بهذه البلوى، فإن الحزن في القلوب، والوهن على الأبدان، زيادة مصيبة عليكم، وعون لعدوكم عليكم، بل شجعوا قلوبكم وصبروها، وادفعوا عنها الحزن وتصلبوا على قتال عدوكم، وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن، وهم الأعلون في الإيمان، ورجاء نصر الله وثوابه، فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك، ولهذا قال تعالى { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }
قوله تعالى : " ولا تهنوا ولا تحزنوا"، هذا حث لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد، زيادةً على ما أصابهم من القتل والجراح يوم أحد، يقول الله تعالى : ولا تهنوا أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، وكان قد قتل يومئذ خمسة منهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير، وقتل من الأنصار سبعون رجلاً.
"ولا تحزنوا" فإنكم "وأنتم الأعلون" أي تكون لكم العاقبة بالنصرة والظفر، "إن كنتم مؤمنين" يعني:إذ كنتم مؤمنين: أي:لأنكم مؤمنين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله تعالى:"وأنتم الأعلون" وقال الكلبي: نزلت هذه الآيه بعد يوم أحد حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم ما أصابهم من الجراح، فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآيه، دليله قوله تعالى: "ولا تهنوا في ابتغاء القوم" (النساء - 104).
«ولا تهنوا» تضعفوا عن قتال الكفار «ولا تحزنوا» على ما أصابكم بأحد «وأنتم الأعلون» بالغلبة عليهم «إن كنتم مؤمنين» حقا وجوابه دل عليه مجموع ما قبله.
ولا تضْعُفوا -أيها المؤمنون- عن قتال عدوكم، ولا تحزنوا لما أصابكم في "أُحد"، وأنتم الغالبون والعاقبة لكم، إن كنتم مصدقين بالله ورسوله متَّبعين شرعه.
وبعد هذا البيان الحكيم ، يتجه القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزية فينهاهم عن أسباب الفشل والضعف ، ويأمرهم بالصمود وقوة اليقين .
ويبشرهم بأنهم هم الأعلون فيقول : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } .وقوله { تَهِنُوا } من الوهن - بسكون الهاء وفتحها - وهو الضعف .
وأصله ضعف الذات كما فى قوله - تعالى - حكاية عن زكريا : { قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي }أى ضعف جسمى .وهو هنا مجاز عن خور العزيمة ، وضعف الإرادة ، وانقلاب الرجاء يأساً والشجاعة جبنا ، واليقين شكا ، ولذلك نهوا عنه .وقوله { تَحْزَنُوا } من الحزن وهو ألم نفسى يصيب الإنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه ، أو عند نزول أمر يجعل النفس فى هم وقلق .والمقصود من النهى عن الوهن والحزن ، النهى عن سببهما وعن الاسترسال فى الألم مما أصابهم فى غزوة أحد .والمعنى : لا تسترسلوا - أيها المؤمنون - فى الهم والألم مما أصابكم فى يوم أحد ، ولا تضعفوا عن جهاد أعدائكم فإن الضعف ليس من صفات المؤمنين ، ولا تحزنوا على من قتل منكم فإن هؤلاء القتلى من الشهداء الذين لهم منزلتهم السامية عند الله .وقوله { وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ } جملة حالية من ضمير الجماعة فى ولا تهنوا ولا تحزنوا والمقصوج بها بشارتهم وتسليتهم وإدخال الطمأنينة على قلوبهم .أى لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم فأنتم قد أصبتم منهم فى غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم فى غزوة أحد .
وأنتم تقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله وهم يقاتلون فى سبيل الطاغوت .وأنتم سيكون لكم النصر عليهم فى النهاية ، لأن الله - تعالى - قد وعدكم بذلك فهو القائل : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد } وقوله { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } جملة شرطية ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله .أى : إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا بل اعتبروا بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم فيه من أخطاء يوجب قوة القلب ، وصدق العزيمة ، والصمود فى وجه الأعداء ، والإصرار على قتالهم حتى تكون كلمة الله هى العليا .والتعليق بالشرط فى قوله { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } المراد منه التهييج لنفوسهم حتى يكون تمسكها بالإيمان أشد وأقوى ، إذ قد علم الله - تعالى - أنهم مؤمنون ، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن بسبب ما أصابهم فى أحد صاروا بمنزلة من ضعف يقينه ، فقيل لهم : إن كنتم مؤمنين حقا فاتركوا الوهن والحزن وجدوا فى قتال أعدائكم ، فإن سنة الله فى خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم وأن تصابوا منهم إلا أن العاقبة ستكون لكم .فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على الجهاد والصبر ، وتشجيع على القتال وتسلية لهم عما أصابهم ، وبشارة بأن النصر فى النهاية سيكون حليفهم .
اعلم أن الذي قدمه من قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ وقوله: ﴿ هذا بيان للناس ﴾ كالمقدمة لقوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا ﴾ كأنه قال إذا بحثتم عن أحوال القرون الماضية علمتم أن أهل الباطل وإن اتفقت لهم الصولة، لكن كان مآل الأمر إلى الضعف والفتور، وصارت دولة أهل الحق عالية، وصولة أهل الباطل مندرسة، فلا ينبغي أن تصير صولة الكفار عليكم يوم أحد سبباً لضعف قلبكم ولجبنكم وعجزكم، بل يجب أن يقوى قلبكم فان الاستعلاء سيحصل لكم والقوة والدولة راجعة إليكم.
ثم نقول قوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُواْ ﴾ أي لا تضعفوا عن الجهاد، والوهن الضعف قال تعالى: حكاية عن زكريا عليه السلام ﴿ إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ أي على من قتل منكم أو جرح وقوله: ﴿ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ فيه وجوه: الأول: أن حالكم أعلى من حالهم في القتل لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، وهو كقوله تعالى: ﴿ أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا ﴾ أو لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان، أو لأن قتالهم للدين الباطل وقتالكم للدين الحق، وكل ذلك يوجب كونكم أعلى حالا منهم.
الثاني: أن يكون المراد وأنتم الأعلون بالحجة والتمسك بالدين والعاقبة الحميدة.
الثالث: أن يكون المعنى وأنتم الأعلون من حيث إنكم في العاقبة تظفرون بهم وتستولون عليهم وهذا شديد المناسبة لما قبله، لأن القوم انكسرت قلوبهم بسبب ذلك الوهن فهم كانوا محتاجين الى ما يفيدهم قوة في القلب، وفرحا في النفس، فبشرهم الله تعالى بذلك، فأما قوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ ففيه وجوه: الأول: وأنتم الأعلون ان بقيتم على إيمانكم، والمقصود بيان أن الله تعالى إنما تكفل باعلاء درجتهم لأجل تمسكهم بدين الاسلام.
الثاني: وأنتم الأعلون فكونوا مصدقين لهذه البشارة ان كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة.
والثالث: التقدير: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين، فان الله تعالى وعد بنصرة هذا الدين، فان كنتم من المؤمنين علمتم أن هذه الواقعة لا تبقى بحالها، وأن الدولة تصير للمسلمين والاستيلاء على العدو يحصل لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ ﴾ إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب، يعني: حثهم على النظر في سوء عواقب المكذبين قبلهم والاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ ﴾ يعني أنه مع كونه بياناً وتنبيهاً للمكذبين فهو زيادة تثبيت وموعظة للذين اتقوا من المؤمنين ويجوز أن يكون قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق به ما ذكر من أجر العاملين، ويكون قوله: ﴿ هذا بَيَانٌ ﴾ إشارة إلى ما لخص وبين من أمر المتقين والتائبين والمصرّين ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا ﴾ تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد وتقوية من قلوبهم، يعني ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم، أي لا يورثنكم ذلك وهنا وجبنا، ولا تبالوا به، ولا تحزنوا على من قتل منكم وجرح ﴿ وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب، لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد.
أو وأنتم الأعلون شأناً، لأنّ قتالكم لله ولإعلاء كلمته، وقتالهم للشيطان لإعلاء كلمة الكفر، ولأنّ قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار.
أو هي بشارة لهم بالعلو والغلبة، أي وأنتم الأعلون في العاقبة ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون ﴾ [الصافات: 173] .
﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ متعلق بالنهي بمعنى: ولا تهنوا إن صح إيمانكم على أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بصنع الله وقلة المبالاة بأعدائه.
أو بالأعلون، أي إن كنتم مصدّقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ تَسْلِيَةٌ لَهم عَمّا أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، والمَعْنى لا تَضْعُفُوا عَنِ الجِهادِ بِما أصابَكم ولا تَحْزَنُوا عَلى مَن قُتِلَ مِنكم.
﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ وحالُكم إنَّكم أعْلى مِنهم شَأْنًا، فَإنَّكم عَلى الحَقِّ وقِتالُكم لِلَّهِ وقَتْلاكم في الجَنَّةِ، وإنَّهم عَلى الباطِلِ وقِتالُهم لِلشَّيْطانِ وقَتْلاهم في النّارِ، أوْ لِأنَّكم أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ مِمّا أصابُوا مِنكُمُ اليَوْمَ، أوْ ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ في العاقِبَةِ فَيَكُونُ بِشارَةً لَهم بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ أيْ لا تَهِنُوا إنْ صَحَّ إيمانُكُمْ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي قُوَّةَ القَلْبِ بِالوُثُوقِ عَلى اللَّهِ أوْ بِالأعْلَوْنَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ تَهِنُواْ} ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم من الهزيمة {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على ما فاتكم من الغنيمة أو على من قتل منكم أو جرح وهو تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد وتقوية لقلوبهم {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون بالنصر والظفر فى العاقبة
آل عمران (١٣٩ _ ١٤٣)
وهي بشارة لهم بالعلو والغلبة وإن جندنا لهم الغالبون أو وأنتم الأعلون شأناً لأن قتالكم لله ولاعلاء كلمته وقتالهم للشيطان ولإعلاء كلمة الكفر أو لأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} متعلق بالنهي أي ولا تهنوا إن صح إيمانكم يعني أن صحة الإيمان توجب قوة القلب والثقة بوعد الله وقلة المبالاة بأعدائه أو بالأعلون أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله به ويبشركم به من الغلبة
﴿ ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «انْهَزَمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أقْبَلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْلُوا عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ، اللَّهُمَّ لَيْسَ يَعْبُدُكَ بِهَذِهِ البَلْدَةِ غَيْرُ هَؤُلاءِ النَّفَرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وثابَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَصَعِدُوا الجَبَلَ ورَمَوْا خَيْلَ المُشْرِكِينَ حَتّى هَزَمُوهم» .
وعَنِ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ تَسْلِيَةً لِلْمُسْلِمِينَ لِما نالَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ القَتْلِ والجِراحِ.
وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ حِينَ «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِطَلَبِ القَوْمِ، وقَدْ أصابَهم مِنَ الجِراحِ ما أصابَهم، وقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”لا يَخْرُجُ إلّا مَن شَهِدَ مَعَنا بِالأمْسِ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»“ وأيًّا ما كانَ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ( سِيرُوا في الأرْضِ ) بِحَسَبِ اللَّفْظِ، ومُرْتَبِطَةٌ بِهِ بِحَسَبِ المَعْنى إنْ قُلْنا إنَّهُ عَوْدٌ إلى التَّفْصِيلِ، وبِما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ أُحُدٍ - إنْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ - وبِهِ قالَ جَمْعٌ، وجَعَلُوا تَوْسِيطَ حَدِيثِ الرِّبا اسْتِطْرادًا أوْ إشارَةً إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن عَداوَةِ الدِّينِ ومُحارَبَةِ المُسْلِمِينَ، وبِهِ يَظْهَرُ الرَّبْطُ، وقَدْ مَرَّ تَوْجِيهُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ أيْضًا.
ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ارْتِباطَ هَذِهِ الآيَةِ لَفْظًا بِمَحْذُوفٍ أيْ كُونُوا مُجِدِّينَ ولا تَهِنُوا، ومَضى عَلى الخِلافِ وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، والوَهْنُ الضَّعْفُ أيْ لا تَضْعُفُوا عَنْ قِتالِ أعْدائِكم والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى بِما نالَكم مِنَ الجِراحِ ﴿ ولا تَحْزَنُوا ﴾ عَلى ما أصَبْتُمْ بِهِ مِن قَتْلِ الأعِزَّةِ، وقَدْ قُتِلَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ صاحِبُ رايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعُثْمانُ بْنُ شَمّاسٍ، وسَعْدٌ مَوْلى عُتْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، وسَبْعُونَ مِنَ الأنْصارِ، وقِيلَ: ( لا تَحْزَنُوا ) عَلى ما فاتَكم مِنَ الغَنِيمَةِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، والظّاهِرُ أنَّ حَقِيقَةَ النَّهْيِ غَيْرُ مُرادَةٍ هُنا، بَلِ المُرادُ التَّسْلِيَةُ والتَّشْجِيعُ، وإنْ أُرِيدَتِ الحَقِيقَةُ فَلَعَلَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى الوَهْنِ والحُزْنِ مِنَ الآثارِ الِاخْتِيارِيَّةِ أيْ لا تَفْعَلُوا ما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ الفِعْلَيْنِ أيْ والحالُ أنَّكُمُ ( الأعْلَوْنَ ) الغالِبُونَ دُونَ أعْدائِكم، فَإنَّ مَصِيرَهم مَصِيرُ أسْلافِهِمُ المُكَذِّبِينَ فَهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ الإشْعارِ بِالغَلَبَةِ والنَّصْرِ.
حَكى القُرْطُبِيُّ أنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ظَفِرُوا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ في عَهْدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا في كُلِّ عَسْكَرٍ كانَ بَعْدُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، أوِ المُرادُ والحالُ أنَّكم أعْلى مِنهم شَأْنًا، فَإنَّكم عَلى الحَقِّ وقِتالُكم لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى، وقَتْلاكم في الجَنَّةِ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ وقِتالُهم لِنُصْرَةِ كَلِمَةِ الشَّيْطانِ وقَتْلاهم في النّارِ، واشْتِراكُهم عَلى هَذا في العُلُوِّ بِناءً عَلى الظّاهِرِ وزَعْمِهِمْ، وإذا أُخِذَ العُلُوُّ بِمَعْنى الغَلَبَةِ لا يَحْتاجُ إلى هَذا لِما أنَّ الحَرْبَ سِجالٌ، وأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وقِيلَ: المُرادُ ﴿ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ حالًا مِنهم حَيْثُ أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْبَرَ مِمّا أصابُوا مِنكُمُ اليَوْمَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ الجُمْلَةِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ وجَعَلَها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ النَّهْيِ المَذْكُورِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (139) لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مَعْنًى، وإنْ كانَ الجَوابُ مَحْذُوفًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا، فَإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ قُوَّةَ القَلْبِ ومَزِيدَ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَعالى وعَدَمَ المُبالاةِ بِأعْدائِهِ، ولا يَخْفى أنَّ دَعْوى التَّعَلُّقِ مِمّا لا بَأْسَ بِها، لَكِنَّ الحُكْمَ - بِكَوْنِ تِلْكَ الجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةً - مُعْتَرِضٌ بِالبُعْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الشَّرْطُ مُتَعَلِّقًا بِالأعْلَوْنَ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ، فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى يَقْتَضِي العُلُوَّ لا مَحالَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالإيمانِ التَّصْدِيقُ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى بِالنُّصْرَةِ والظَّفَرِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ولا اخْتِصاصَ لِهَذا الِاحْتِمالِ بِالِاحْتِمالِ الأخِيرِ مِنِ احْتِمالَيِ التَّعَلُّقِ كَما يُوهِمُهُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرِ المَقْصُودُ مِنَ الشَّرْطِ هُنا تَحْقِيقُ المُعَلِّقِ بِهِ كَما في قَوْلِ الأجِيرِ: إنْ كُنْتُ عَمِلْتُ لَكَ فَأعْطِنِي أجْرِي، أوْ مِن قَبِيلِ قَوْلِكَ لِوَلَدِكَ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَلا تَعْصِنِي، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ عَلى التَّعْلِيلِ، أيْ لا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا لِإجْلِ كَوْنِكم مُؤْمِنِينَ، أوْ ( وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ) لِأجْلِ ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إنْ بَقِيتُمْ عَلى الإيمانِ لَيْسَ لَهُ كَمالُ مُلاءَمَةٍ لِلْمَقامِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ يعني القرآن، بيان للناس من الضلالة وَهُدىً من العمى وَمَوْعِظَةٌ من الجهل، ويقال: هُدىً وَمَوْعِظَةٌ أي كرامة ورحمة لِلْمُتَّقِينَ وَلا تَهِنُوا أي لا تضعفوا ولا تجبنوا، ويقال: ولا تَعْجزوا عن عدوكم وَلا تَحْزَنُوا على ما أصابكم من القتل والهزيمة يوم أحد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ يعني: الغالبون يقول آخر الأمر لكم.
ويقال: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ في الجنة.
ويقال: هذا وعد لأصحاب محمد في المستأنف وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أي الغالبون على الأعداء بعد أحد، فلم يخرجوا بعد ذلك في عسكر إلا ظفروا في عهد رسول الله ، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله ، إذا كان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم، فهذه البلدان كلها إنما فتحت في عهد أصحاب رسول الله ، ثم بعد انقراضهم ما فتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتحون في ذلك الوقت.
ويقال: في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه لأنه قال لموسى عليه الصلاة والسلام: إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى [طه: 68] وقال لهذه الأمة: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ويقال اشتُقَّت هذه اللفظة من اسم الله تعالى، لأن اسمه العلي الأعلى.
وقال للمؤمنين: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: إن كنتم مصدقين بوعد الله.
ويقال: معناه إذ كنتم مؤمنين.
ويقال: في الآية تقديم وتأخير، فكأنه قال: ولا تهنوا ولا تحزنوا إن كنتم مؤمنين وأنتم الأعلون.
ويقال: إن هذا وعد لهم بأنهم غالبون إن ثبتوا وصدقوا، فلو أنهم ثبتوا وصدقوا لغَلَبُوا كما غَلَبوا يوم بدر، ولكنهم تركوا أمر رسول الله فرجع الأمر عليهم.
وكانت القصة في ذلك أنهم لما غَلَبُوا المشركين يوم بدر، وأصابوا منهم ما أصابوا- وسنذكر قصة بدر في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى- فرجع أبو سفيان بن حرب إلى مكة بالعير، وانهزم المشركون، وذهب عكرمة بن أبي جهل، ورجال أُصِيب أبناؤهم وآباؤهم وإخوانهم ببدر إلى أبي سفيان بن حرب- وهو رئيس مكة- فكلموه، وأتاه كل من كان له في ذلك العير مال، فقالوا: إن محمداً قد قتل خياركم، فاستعينوا بهذه الأموال على حربه ففعلوا.
قال الضحاك: فأعانهم أبو سفيان بمائة راحلة وما يصلحها من الزاد والسلاح، فسارت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل، وعليهم أبو سفيان بن حرب، وكان في القوم خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وذلك قبل دخولهم في الإسلام، فلم يبق أحد من قريش إلا وخرج أهله معه وولده يجعلهم خلف ظهره ليقاتل عنهم.
فلما سمع بهم رسول الله خطب الناس، وقال في خطبته: «إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ فِي سَيْفِي ثلمَةُ فَأَوَّلْتُهَا مصِيبَةً فِي نَفْسِي، وَرَأَيْتُ بُقُوراً قَدْ ذُبِحَتْ، فَأَوَّلْتُهَا قَتْلَى فِي أَصْحَابِي، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا المَدِينَةَ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ» .
وكره الخروج إليهم، فكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رسول الله بأن لا يخرج إليهم، ولكنه كان منافقاً فقال: يا رسول الله لا تخرج إليهم فأنا ما خرجنا إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه.
فقال رجال من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة وغيرهم ممن فاتته بدر: اخرج لهم يا رسول الله، لكي لا يرى أعداء الله أنا قد جَبُنَّا عنهم وضعفنا عن قتالهم.
فلم يزالوا به حتى دخل ولبس لأمته، ثم خرج النبيّ إليهم وقد خرج الناس فقالوا: استكرهنا رسول الله فقالوا: يا رسول الله: قد استكرهناك وما كان لنا ذلك، فإن شئت فاخرج، وإن شئت فاقعد.
فقال النبيّ : «مَا يَنْبَغِي لِلنَّبِيِّ أَنْ يَضَعَ سِلاَحَهُ إِذَا لَبِسَهُ حَتَّى يُقَاتِلَ» .
فخرج رسول الله ، وسار إلى أُحدٍ، فانخذل عبد الله بن أبي ابن سلول.
قال في رواية الكلبي: فرجع معه ثلاثمائة من الناس، وبقي مع رسول الله نحو سبعمائة رجل.
وقال في رواية الضحاك: فانخذل في ستمائة رجل من اليهود، وبقي مع النبيّ ألف رجل من المؤمنين الطيبين.
ثم خرج رسول الله حتى نزل بالشِّعب من أحد، وأمر عبد الله بن جبير على الرُّمَاة وقال لهم: «لاَ تَبْرَحُوا مِنْ هَذَا المَوْضِعِ، وَاثْبُتُوا هاهنا إِنْ كَانَ الأَمْرُ عَلَيْنَا أَوْ لَنَا» .
وقال في رواية الكلبي: كان الرماةُ خمسين رجلاً.
وقَال في رواية الضحاك: كانوا سبعين رجلاً.
فجعل رسول الله ظهره إلى أُحد، ودنا المشركون وأخذوا في الحرب، فقامت هند امرأة أبي سفيان وصواحبتها حين حميت الحرب، يضربن بالدُّفوف خلف قريش ويقلن: نَحْنُ بَنَاتُ طَارِق ...
نَمْشِي على النَّمَارق إِن تُقْبِلُوا نُعَانِق ...
أَو تُدْبِرُوا نفارق فِرَاقَ غَيْرَ وَامِق فقاتل أبو دجانة في نفر من المسلمين قتالاً شديداً، وقاتل علي بن أبي طالب حتى انكسر سيفه، وقاتل سعد بن أبي وقاص، وكان النبيّ يقول لسعد: «ارْمِ فَداكَ أَبِي وَأُمِّي» فقتلوا جماعة من المشركين، وَصَدَقَهم الله وعده وأنزل نصره، حتى كانت هزيمة القوم لا شكّ.
فكشفوهم عن عسكرهم قال الزبير: رأيت هنداً وصواحبتها هوارب، فلما نظر الرماة إلى القوم وانهزموا، أقبلوا على النهب فقال لهم عبد الله بن جُبَيْر: لا تَبْرحوا عن هذا الموضع، فإن رسول الله قد عَهِدَ إليكم.
فلم يلتفتوا إلى قوله، وظنوا أن المشركين قد انهزموا فبقي عبد الله بن جبير مع ثمانية نفر، فخرج خالد بن الوليد مع خمسين ومائتي فارس من قِبَل الشِّعب، فقتلوا من بقي من الرماة، ودخلوا خلف أقفية المسلمين، وتفرق المسلمون ورجع المشركون، وحملوا حملةً واحدة، فصار المسلمون ثلاثة أنواع: بعضهم جريح، وبعضهم قتيل، وبعضهم منهزم.
وكان مصعب بن عمير يَذُبُّ عن رسول الله حتى قُتِلَ دونه، ثم قاد زياد بن السكن فقاتل بين يدي رسول الله حتى قُتِلَ، وخلص الحرب إلى رسول الله ، وقذف بالحجارة حتى وقع بشفتيه، وأصيبت رباعيَتُه، وكُلِمَتْ شفته، وأدمي ساقه.
فقال سفيان بن عيينة: لقد أصيب مع رسول الله نحو ثلاثين رجلاً، كلهم جثوا بين يديه.
أو قال: كلهم يتقدم بين يديه.
ثم يقول: وجهي لوجهك الوفاء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك سلام الله غير مودع.
فرجع الذي قتل مصعب بن عمير، فظن أنه قتل رسول الله .
فقال للمشركين: قتلت محمداً.
فصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قُتل.
ويقال: كان ذلك إبليس لعنه الله، فولى المسلمون هاربين متحيّرين، وجاء إبليس لعنه الله ونادى بأعلى صوته في المدينة: ألا إن محمداً قد قتل وأَخَذَت النسوة في البكاء في البيوت، فأقبل أَنَس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله في رِجَالٍ من المهاجرين والأنصار، فقال: ما يُجْلسكم؟
قالوا: قتل محمد.
فقال: ما تصنعون بالحياة بعده؟
موتوا كراماً عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ نبيُّكم.
ثم أقبل نحو العدو، فقاتل حتى قتل.
قال كعب بن مالك: فأوّل من كنت عرفت رسول الله من المسلمين، عرفت عينيه من تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله .
فأشار إليَّ أَن اسكت.
وقال أنس بن مالك: قد شجّ وجه رسول الله ، فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ رَسُولِ الله بِالدَّمِ» وهو يدعوهم إلى ربهم.
ويقال: إن أصحابه لما اجتمعوا قالوا: يا رسول الله، لو دعوت الله على هؤلاء الذين صنعوا بك؟
فقال النبيّ : «لَمْ أُبْعَثْ طَعَّاناً وَلاَ لَعَّاناً، وَلَكِن بُعِثْتُ دَاعِياً وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ» فجاءه أبي بن خلف الجمحي، فقال: يا محمد لا نَجوتُ إن نجوتَ مني.
فهمَّ المسلمون بقتله، فقال لهم.
«دَعُوهُ» حتى دنا منه، فتناول رسول الله الحربة من الحارث بن الصمة ورماه بها، فخدشه في عنقه خدشاً غير كبير، وقد كان ذلك لقي رسول الله بمكة وقال: عندي فرس أعلفه كل يوم فرق ذرة، أقتلك عليه.
فقال له رسول الله : «بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ الله» .
فلما خدشه رسول الله في عنقه رجع إلى قريش وهو يقول: قتلني محمد.
فقالوا له: ما بك من طعن.
فقال: بلى، لقد قال لي أنا أقتلك، والله لو بصق علي بعد تلك المقالة لقتلني.
فمات قبل أن يصل إلى مكة في طريقها.
وكان رسول الله واقفاً عند أحد، وقد اجتمع عليه بعض أصحابه، فعلت عليه فرقة من قريش في الجبل فقال رسول الله : «لاَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا» .
فأقبل عمر ورهط من المهاجرين، فقاتلوهم حتى أهبطوهم من الجبل.
وقد كان جبير بن مطعم قال لمملوك له- يقال له وحشي-: إن أنت قتلت محمداً جعلت لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب جعلت لك مائة ناقة كلها سود الحدقة، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حرٌّ.
فقال وَحْشي: أما محمد فعليه حافظ من الله تعالى لا يخلص إليه أحد، وأما عَلَيُّ فما برز إليه رجل إلا قتله وأما حمزة فرجل شجاع، فعسى أن أُصَادفه في غِرَّته فاقتله مكانه.
وكانت هند كلما مرّ بها وَحْشي أو مرّت به هند قالت له: إيهاً أبا دسمة اشف واستشف.
فكمن وحشي خلف صخرة، وكان حمزة حمل على قوم من المشركين، فلما رجع من حملته مرّ بوحشي وهو خلف الصخرة، فزرقه بمزراق فأصابه فسقط، فذهبت هند ابنة عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى، يجدعن الآذان والأنوف، وشَقَّت هند بطن حمزة وأخذت كبده ومضغته، ثم صعدت هند على صخرة وهي تنادي بأعلى صوتها: نَحْنُ جَزَيْنَاكم بيوم بَدْر.
وأقبل أبو سفيان وهو يصرخ بأعلى صوته: اعلُ هبل يوماً بيوم بدر.
فقال النبيّ لعمر: «أَجِبْهُ يَا عُمَرَ» .
فأجابه عمر: الله أعلى وأجل لا سواه، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
ثم ركب النبيّ بغلته، وظاهر بين درعيه، وأخرج يده من جيب الدرع، وسلّ سيفه ذا الفقار، وباشر القتال بنفسه، وحمل على المشركين والتأم إليه المسلمون فأعانوه، وهزم الله جمع المشركين، وقُتل يومئذ من المسلمين سبعون رجلاً: أربعة نفر من المهاجرين، وستة وستون من الأنصار.
وقتل يومئذ من المشركين تسعة عشر رجلاً أو أكثر، وكثرت القروح في أصحاب رسول الله ، فعزَّاهم الله تعالى: في ذلك بقوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ قرأ عاصم في رواية أبي بكر والكسائي وحمزة: قُرْحٌ بضم القاف والباقون بالنصب.
قال الفراء: القَرْح والقُرْح واحد.
ويقال: القَرْح بالنصب مصدر، والقُرح بالضم اسم.
ويقال: القَرْحُ بالنصب الجراحة، وبالضم ألم الجراحة.
يعني إن أصابكم الجراحات يوم أحد فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يقول: قد أصاب المشركين جراحات مثلها يوم بدر.
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ يقول: يوم لكم ويوم عليكم، وهذا كما يقال في الأمثال: الأيام دُوَل والحرب سِجَال.
ثم بين المعنى الذي تداول مرة لهم ومرة عليهم، فقال تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني يتبين المؤمن من المنافق أنهم يشكون في دينهم أم لا، لأن المؤمن المخلص يتبين حالُه عند الشدة والبلايا.
وهذا كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: إن الذهب والفضة يختبران بالنار، والمؤمن يختبر بالبلايا، والاختبار من الله تعالى إظهار ما علم منه من قبل فذلك قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني ليبين لهم الله الذي يعلم إيمانه، لأنه يعطى الثواب بما يظهر منه لا بما يعلم منه، وكذلك العقوبة.
أَلاَ ترى أنه عَلِم من إبليس المعصية في المستقبل ثم لم يلعنه ما لم يظهر منه.
ثم قال تعالى: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ يعني لكي يتخذ منكم شهداء، وإنما كان لأجل ذلك لا لأجل حب الكفار وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي الجاحدين.
<div class="verse-tafsir"
إليه، وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قال السُّدِّيُّ: معناه: وهم يعلَمُونَ أنهم/ قد أَذْنَبُوا «١» ، وقال ابنُ إسحاق: معناه: وهم يعلمون بمَا حَرَّمْتُ عليهم «٢» ، وقيل: وهم يعلَمُونَ أنَّ بابِ التوبة مفتوحٌ، وقيل: وهم يعلمون أنِّي أعاقب عَلَى الإصرار، ثم شَرَّك سبحانه الطَّائفَتَيْنِ المذكورتَيْن في قوله: أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية.
قال ص: قوله: وَنِعْمَ المخصوصُ بالمدحِ محذوفٌ، أي المغفرة والجنّة.
وقوله سبحانه: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ...
الآية: الخطابُ للمؤمنين، والمعنى: لا يذهب بكُمْ أنْ ظَهَرَ الكُفَّار المكذِّبون عليكم بِأُحُدٍ، فإن العاقبة للمتَّقين، وقديماً ما أدال اللَّه المُكَذِّبين على المؤمنين، ولكن انظروا كيْفَ هلَك المكذِّبون بَعْدَ ذلك، فكذلك تكُونُ عاقبةُ هؤلاءِ، وقال النَّقَّاش: الخِطَابُ ب قَدْ خَلَتْ للكُفَّار.
قال ع «٣» : وذلك قَلِقٌ، وخَلَتْ: معناه: مضَتْ، والسُّنَن: الطرائِقُ.
وقال ابنُ زَيْد: سُنَنَ: معناه: أمثال «٤» ، وهذا تفسيرٌ لا يخُصُّ اللفظة، وقوله:
فَانْظُروا هو عند الجمهورِ مِنْ نظر العين، وقال قوم: هو بالفكر.
وقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ، يريد به القُرآن قاله الحَسَن وغيره «١» ، وقال جماعة: الإشارة ب «هذا» إلى قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ.
وقال الفَخْر «٢» : يعني بقوله: هذا بَيانٌ ما تقدَّم من أمره سبحانه، ونَهْيِهِ، ووعدِهِ، ووعيدِهِ، وذكرِهِ لأنواع البيِّنات والآيات.
انتهى.
ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوَهَنِ، وهو الضَّعْف، وأنَّسهم بأنهم الأعلَوْنَ أصْحَابُ العاقبة، ومِنْ كَرَمِ الخُلُقِ ألاَّ يَهِنَ الإنسانُ في حربه، إذا كان مُحِقًّا، وإنما يحسن اللِّين في السّلم والرضى، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» «٣» ، وقوله سبحانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إخبار بعُلُوِّ كلمة الإسلام، هذا قول الجمهور، وهو ظاهر اللفظ.
قال ص: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ: في موضِعِ نصبٍ على الحال.
وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: المقصدُ هزُّ النفوسِ، وإقامتها، ويترتَّب من ذلك الطَّعْنُ على من نجم في ذلك اليَوْم نِفَاقُهُ أو اضطرب يقينه، أي: لا يتحصَّل الوعد إلاَّ بالإيمان، فالزموه، ثم قال تعالى تسليةً للمؤمنين: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، والأُسْوَةُ مسلاة للبَشَر ومنه قول الخَنْسَاء: [الوافر]
وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي ...
على إخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِن ...
أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي «٤»
والقَرْح: القَتْل والجِرَاحْ قاله مجاهدٌ وغيره «٥» .
وقوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، أخبر سبحانه على جهة التسلية أنَّ
الأيام على قديم الدهر وغابِرِه أيضاً إنما جعلَهَا دُولاً بيْنَ البَشَر، أي: فلا تُنْكِرُوا أنْ يدَالَ عليكم الكفَّار.
وقوله تعالى «١» : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، تقديره: وليَعْلَم اللَّهُ الذين آمنوا فعل ذلك، والمعنى: ليظهر في الوجود إيمانُ الذين قَدْ علم اللَّه أزلاً أنهم يؤمنون وإلاَّ فقد علمهم في الأزَلِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ: معناه أهْل فَوْز في سَبِيلِهِ، حسْبما وَرَدَ في فضائلِ الشهداءِ، وذَهَب كثيرٌ من العلماء إلى التَّعْبير عن إدَالَةِ المؤمنين بالنَّصْر، وعن إدالة الكفّار بالإدالة، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في ذلك حديثٌ «أنَّهُمْ يُدَالُونَ كَمَا تُنْصَرُونَ» والتمحيصُ: التنقيةُ، قال الخليل: التَّمْحِيصُ: التخليص من العَيْب، فتمحيصُ المؤمنينَ/ هو تنقيتُهم منَ الذُّنُوب، والمَحَقُ: الإذهاب شيْئاً فشيْئاً ومنه: مَحَاقُ القَمَر، وقوله سبحانه: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ...
الآية: حَسِبْتُم: معناه: ظَنَنْتُم، وهذه الآيةُ وما بعدها عَتْبٌ وتقريعٌ لطوائفَ مِنَ المؤمنين الَّذينَ وقَعَتْ منهم الهَنَوَاتُ المشْهورة في يَوْمِ أُحُدٍ، ثم خاطب اللَّه سبحانَهُ المؤمنين بقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، والسبب في ذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ في غزوةِ بَدْرٍ، يريدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مبادراً، فلم يوعب النَّاس معه إذ كان الظنُّ أنه لا يلقى حَرْباً، فلَمَّا قضَى اللَّه ببَدْرٍ ما قضى، وفاز حاضِرُوها بالمَنْزِلة الرَّفيعةِ، كان المتخلِّفون من المؤمنين عنْها يتمنَّوْن حُضُور قتالِ الكُفَّار ليكونَ منْهُمْ في ذلك غَنَاء يُلْحِقُهُمْ عِنْدَ ربِّهم ونبيِّهم بمنزلةِ أهْل بَدْر، فلمَّا جاء أمْر أُحُدٍ، لم يَصْدُقْ كُلُّ المؤمنين، فعاتبهم اللَّه بهذه الآية، وألزمهم تمنِّيَ المَوْتِ من حيثُ تَمَنَّوْا أسبابه، وهو لقاءُ العَدُوِّ ومُضَارَبَتُهم، وإلاَّ فنَفْسُ قَتْل المُشْرِك للمُسْلِم لا يجُوزُ أنْ يتمنى من حيث هو قَتْلٌ، وإنما تتمنى لواحقه من الشهادةِ والتّنعيم، قُلْتُ:
وفي كلام ع «٢» : بعضُ إجمالٍ، وقد ترجم البخاريُّ تَمَنِّيَ الشهادةِ، ثم أسند عن أبي هريرة، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدتُّ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» وخرَّجه أيضًا مسلمٌ «٣» ، وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ مِنْ حديث
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ لَمّا انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ، أقْبَلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ يُرِيدُ أنْ يَعْلُوَ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، فَقالَ النَّبِيُّ : "اللَّهُمَّ لا يَعْلُونَ عَلَيْنا اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: ﴿ وَلا تَهِنُوا ﴾ أيْ: ولا تَضْعُفُوا.
وفِيما نُهُوا عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَتَلَ إخْوانَهم مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ هَزِيمَتُهم يَوْمَ أُحُدٍ، وقَتْلُهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما أصابَ النَّبِيَّ مَن شَجِّهِ، وكَسْرِ رُباعِيَّتِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ما فاتَ مِنَ الغَنِيمَةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُ: أنْتُمُ الغالِبُونَ وآَخِرُ الأمْرِ لَكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "قَدْ خَلَتْ" لِلْمُؤْمِنِينَ.
والمَعْنى: لا يَذْهَبْ بِكم إنْ ظَهَرَ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ عَلَيْكم بِأُحُدٍ، فَإنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وقَدِيمًا أدالَ اللهُ المُكَذِّبِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَكِنِ انْظُرُوا كَيْفَ هَلَكَ المُكَذِّبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ عاقِبَةُ هَؤُلاءِ.
وقالَ النَقّاشُ: الخِطابُ بَعْدَ "قَدْ خَلَتْ" لِلْكُفّارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ قَلِقٌ، وخَلَتْ مَعْناهُ: مَضَتْ وسَلَفَتْ.
قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: أهْلُ سُنَنٍ.
والسُنَنُ: الطَرائِقُ مِنَ السِيَرِ والشَرائِعِ والمُلْكِ والفِتَنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وسُنَّةُ الإنْسانِ: الشَيْءُ الَّذِي يَعْمَلُهُ ويُوالِيهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ خالِدٍ الهُذَلِيِّ لِأبِي ذُؤَيْبٍ: فَلا تَجْزَعن مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ قَتَّةَ: وإنَّ الأُلى بِالطَفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَأسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَأسِّيا وقالَ لَبِيدٌ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ∗∗∗ ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ"- مَعْناهُ: أمْثالٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ.
وقالَ تَعالى: "فَسِيرُوا" وهَذا الأمْرُ يُنْبِئُكَ بِالإخْبارِ دُونَ السِيَرِ لِأنَّ الإخْبارَ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ سارَ وعايَنَ، إذْ هو مِمّا يُدْرَكُ بِحاسَّةِ البَصَرِ وعن ذَلِكَ يَنْتَقِلُ خَبَرُهُ، فَأحالَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.
وقَوْلُهُ: "فانْظُرُوا"، هو عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن نَظَرِ العَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: هو بِالفِكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هو هَذا القُرْآنُ جَعَلَهُ اللهُ بَيانًا لِلنّاسِ عامَّةً وهُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خاصَّةً، وقالَ بِمِثْلِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ والرَبِيعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَوْنُهُ بَيانًا لِلنّاسِ ظاهِرٌ، وهو في ذاتِهِ أيْضًا هُدىً مَنصُوبٌ ومَوْعِظَةٌ، لَكِنَّ مَن عَمِيَ بِالكُفْرِ وضَلَّ وقَسا قَلْبُهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ القُرْآنُ، وتَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى المُتَّقِينَ الَّذِينَ فِيهِمْ نَفْعٌ وإيّاهم هَدى، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ والطَبَرِيُّ وجَماعَةٌ: الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ ....
الآيَةِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَعْنى: هَذا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوهُ، قالَ الشَعْبِيُّ: المَعْنى: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ مِنَ العَمى.
ثُمَّ نَهى عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ عَنِ الوَهْنِ لِما أصابَهم بِأُحُدٍ، والحُزْنِ عَلى مَن فُقِدَ وعَلى مَذَمَّةِ الهَزِيمَةِ، وآنَسَهم بِأنَّهُمُ الأعْلَوْنَ أصْحابُ العاقِبَةِ والوَهْنُ والوَهَنُ: الضَعْفُ واللِينُ والبِلى، ومِنهُ: ﴿ وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:.
............................
∗∗∗ فَأصْبَحَ الحَبْلُ مِنها واهِنًا خَلَقا ومِن كَرَمِ الخُلُقِ ألّا يَهِنَ الإنْسانُ في حَرْبِهِ وخِصامِهِ، ولا يَلِينَ إذا كانَ مُحِقًّا، وأنْ يَتَقَصّى جَمِيعَ قُدْرَتِهِ ولا يَضْرَعَ ولَوْ ماتَ، وإنَّما يَحْسُنُ اللِينُ في السِلْمِ والرِضى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"» و« "المُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ"» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرُكَ ما إنْ أبُو مالِكٍ ∗∗∗ بِواهٍ ولا بِضَعِيفٍ قُواهْ إذا سُدْتَهُ سُدْتَ مِطْواعَةً ∗∗∗ ومَهْما وكَلْتَ إلَيْهِ كَفاهْ وفِي هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَجْرِي قَوْلُ النابِغَةِ: ومَن عَصاكَ فَعاقِبْهُ مُعاقَبَةً ∗∗∗ تَنْهى الظَلُومَ ولا تَقْعُدْ عَلى ضَمَدِ إلّا لِمِثْلِكَ أو مَن أنْتَ سابِقُهُ ∗∗∗ سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ وفِيهِ يَجْرِي قَوْلُ العَرَبِ: "إذا لَمْ تَغْلِبِ اخْلُبْ"، عَلى مَن تَأوَّلَهُ مِنَ المِخْلَبِ، أيْ حارِبْ ولَوْ بِالأظافِرِ، وهَذا هو فِعْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ طارِقٍ وهو مِن أصْحابِ عاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ حِينَ نَزَعَ يَدَهُ مِنَ القِرانِ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، وفِعْلُ المُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ في يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ.
ومَن رَآهُ مِن مَعْنى الخَلْبِ والخِلابَةِ الَّذِي هو الخَدِيعَةُ والمَكْرُ، فَهو رَأْيُ دُهاةِ العَرَبِ، ولَيْسَ بِرَأْيِ جُمْهُورِها، ومِنهُ فِعْلُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الأشْدَقِ مَعَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانٍ عِنْدَ قَتْلِهِ إيّاهُ، والأمْثِلَةُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وأيْضًا فَلَيْسَ المَكْرُ والخَدِيعَةُ بِذُلٍّ مَحْضٍ، ولِذَلِكَ رَآهُ بَعْضُهم.
وأمّا قَوْلُهُمْ: "إذا عَزَّ أخُوكَ فَهِنْ"، فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ المَعْنى فِيهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِمَعْنى: لِنْ واضْعُفْ ضَعْفَ المِطْواعِ.
وأمّا الرِوايَةُ بِضَمِّ الهاءِ فَهي أمْرٌ بِالهَوانِ، وما أعْرِفُ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِن مَقاطِعِ العَرَبِ، وأمّا الشَرْعُ فَقَدْ قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"،» ورَأيْتُ لِعاصِمٍ أنَّ المَثَلَ عَلى ضَمِّ الهاءِ إنَّما هو مِنَ الهَوْنِ الَّذِي هو الرِفْقُ ولَيْسَ مِنَ الهَوانِ.
قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجِبُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُوادَعَ العَدُوُّ ما كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَإنْ كانُوا في قُطْرٍ ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْظُرُ الإمامُ لَهم بِالأصْلَحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ إخْبارٌ بِعُلُوِّ كَلِمَةِ الإسْلامِ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وظاهِرُ اللَفْظِ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: إنَّما قالَ اللهُ لَهم ذَلِكَ بِسَبَبِ عُلُوِّهِمْ في الجَبَلِ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ حِينَ انْحازَ في نَفَرٍ يَسِيرٍ مِن أصْحابِهِ إلى الجَبَلِ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ عَلاخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ فَقالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: "اللهُمَّ لا يَعْلُونَنا" ثُمَّ قامَ وقامَ مَن مَعَهُ فَقاتَلَ أصْحابُهُ وقاتَلَ حِينَئِذٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى أزالُوا المُشْرِكِينَ عن رَأْسِ الجَبَلِ، وصَعِدَ رَسُولُ اللهِ وأصْحابُهُ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ » وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ فَيَكُونَ المَقْصِدُ هَزَّ النُفُوسِ وإقامَتَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ" فَيَكُونَ الشَرْطُ عَلى بابِهِ دُونَ تَجَوُّزٍ، ويَتَرَتَّبُ مِن ذَلِكَ الطَعْنُ عَلى مَن نَجَمَ نِفاقُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وعَلى مَن تَأوَّدَ إيمانُهُ واضْطَرَبَ يَقِينُهُ: ألا لا يُتَحَصَّلُ الوَعْدُ إلّا بِالإيمانِ، فالزَمُوهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى، تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ والأُسْوَةُ مَسْلاةٌ لِلْبَشَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَفْسَ عنهُ بِالتَأسِّي والسُلُوُّ بِالتَأسِّي هو النَفْعُ الَّذِي يَجُرُّهُ إلى نَفْسِهِ الشاهِدُ المَحْدُودُ، فَلِذَلِكَ رُدَّتْ شَهادَتُهُ فِيما حُدَّ فِيهِ وإنْ تابَ وحَسُنَتْ حالُهُ.
والقَرْحُ: القَتْلُ والجِراحُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم.
والمَعْنى: إنْ مَسَّكم في أُحُدٍ فَقَدْ مَسَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ بِأيْدِيكم.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "قَرْحٌ" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "قُرْحٌ" بِضَمِّ القافِ، وكُلُّهم سَكَّنَ الراءَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما لُغَتانِ كالضَعْفِ والضُعْفِ والكَرْهِ والكُرْهِ، والفَتْحُ أولى، لِأنَّها لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ والأخْذُ بِها أوجَبُ لِأنَّ القُرْآنَ عَلَيْها نَزَلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ القِراءاتُ لا يُظَنُّ إلّا أنَّها مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَبِيِّ ، وبِجَمِيعِها عارَضَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مَعَ طُولِ السِنِينَ تَوْسِعَةً عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وتَكْمِلَةً لِلسَّبْعَةِ الأحْرُفِ حَسَبَ ما بَيَّنّاهُ في صَدْرِ هَذا التَعْلِيقِ، وعَلى هَذا لا يُقالُ: هَذِهِ أولى مِن جِهَةِ نُزُولِ القُرْآنِ بِها، وإنْ رَجَحَتْ قِراءَةٌ فَبِوَجْهٍ غَيْرِ وجْهِ النُزُولِ.
قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: القَرْحُ والقُرْحُ مَصْدَرانِ بِمَعْنىً واحِدٍ، ومَن قالَ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجِراحاتُ بِأعْيانِها، والقُرْحُ بِضَمِّ القافِ ألَمُ الجِراحاتِ قُبِلَ مِنهُ إذا أتى بِرِوايَةٍ، لِأنَّ هَذا مِمّا لا يُعْلَمُ بِقِياسٍ، وقالَ بِهَذا التَفْسِيرِ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ الأعْمَشُ "إنْ تَمْسَسْكُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "قُرُوحٌ" بِالجَمْعِ، "فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ"، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "قَرَحٌ" بِفَتْحِ القافِ والراءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ في القَرْحِ كالشَلِّ والشَلَلِ والطَرْدِ والطَرَدِ،.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، ولَيْسَ هَذا عِنْدَهم مِن تَأْثِيرِ حَرْفِ الحَلْقِ، وأنا أمِيلُ في هَذا إلى قَوْلِ أصْحابِنا البَغْدادِيِّينَ: في أنَّ لِحَرْفِ الحَلْقِ في مِثْلِ هَذا أثَرًا مُعْتَمَدًا، وقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ بَنِي عَقِيلٍ يَقُولُ: نَحْوَهُ بِفَتْحِ الحاءِ، يُرِيدُ نَحْوَهُ، ولَوْ كانَتِ الكَلِمَةُ مَبْنِيَّةً عَلى فَتْحِ الحاءِ لَأُعِلَّتِ الواوُ كَعُصاةٍ وقَناةٍ، وسَمِعْتُ غَيْرَهُ يَقُولُ: أنا مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولا قَرابَةَ بَيْنِي وبَيْنَ البَصْرِيِّينَ ولَكِنَّها بَيْنِي وبَيْنَ الحَقِّ، والحَمْدُ لِلَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا ﴾ نهي للمسلمين عن أسباب الفشل.
والوهن: الضعف، وأصله ضعف الذات: كالجسم في قوله تعالى: ﴿ ربِّ إنِّي وهَن العظم منِّي ﴾ [مريم: 4]، والحبْل في قول زهير: فأصبح الحَبْل منها خَلَقا *** وهو هنا مجاز في خور العزيمة وضعف الإرادة وانقلاب الرجاء يأساً، والشَّجاعة جبناً، واليقين شكّاً، ولذلك نهوا عنه.
وأمَّا الحزن فهو شدّة الأسف البالغة حدّ الكآبة والانكسار.
والوهنُ والحزن حالتان للنفس تنشآن عن اعتقاد الخيبة والرزء فيترتّب عليهما الاستسلام وترك المقاومة.
فالنهي عن الوهن والحزن في الحقيقة نهي عن سببهما وهو الاعتقاد، كما يُنهى عن النسيان، وكما يُنهى أحد عن فعل غيره في نحو لا أرَيَنّ فلاناً في موضع كذا أي لا تَتْركْه يحلّ فيه، ولذلك قدّم على هذا النَّهي قوله: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ [آل عمران: 137] إلخ...
وعقب بقوله: ﴿ وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ .
وقوله: ﴿ وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ ، الواو للعطف وهذه بشارة لهم بالنَّصر المستقبل، فالعلوّ هنا علوّ مجازيّ وهو علوّ المنزلة.
والتَّعليق بالشرط في قوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ قصد به تهييج غيرتهم على الإيمان إذ قد علِم الله أنَّهم مؤمنون ولكنَّهم لمّا لاح عليهم الوهن والحزن من الغلبة، كانوا بمنزلة من ضعف يقينه فقيل لهم: إن علمتم من أنفسكم الإيمان، وجيء بإن الشرطية الَّتي من شأنها عدم تحقيق شرطها، إتماماً لِهذا المقصد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُنَنٌ مِنَ اللَّهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ أهْلَكَهم بِها.
والثّانِي: يَعْنِي أنَّهم أهْلُ سُنَنٍ كانُوا عَلَيْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ، وأصْلُ السُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ المُتَّبَعَةُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، ومِنهُ سُنَّةُ النَّبِيِّ ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ فَيْدٍ: فَإنَّ الأُلى بِالطَّفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَّآسِيا ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
﴿ وَهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ نُورٌ وأدَبٌ.
﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ يَعْنِي أنْ يُصِيبَكم قَرْحٌ، قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ القافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّ القَرْحَ بِالفَتْحِ: الجِراحُ، وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
وَأمّا الفَرْقُ بَيْنَ المَسِّ واللَّمْسِ فَهو أنَّ اللَّمْسَ مُباشَرَةٌ بِإحْساسِ، والمَسَّ مُباشَرَةٌ بِغَيْرِ إحْساسٍ، وهَذا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ تَسْلِيَةً لَهم فَإنْ أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ قَرْحٌ فَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلُهُ.
﴿ وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: أيْ تَكُونُ مَرَّةً لِفِرْقَةٍ، ومَرَّةً عَلَيْها والدُّوَلَةُ: الكَرَّةُ، يُقالُ: أدالَ اللَّهُ فُلانًا مِن فُلانٍ بِأنْ جَعَلَ الكَرَّةَ لَهُ عَلَيْهِ.
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لِيَبْتَلِيَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَعْنِي بِالتَّمْحِيصِ تَخْلِيصَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو قَوْلُ أبِي العَبّاسِ والزَّجّاجِ، أصْلُ التَّمْحِيصِ عِنْدَهُما التَّخْلِيصُ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ ذُنُوبَ الَّذِينَ آمَنُوا، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.
﴿ وَيَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَنْقُصُهم.
﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ ﴾ قِيلَ: تَمَنّى المَوْتَ بِالجِهادِ مَن لَمْ يَحْضُرْ بَدْرًا، فَلَمّا كانَ أُحُدٌ أعْرَضَ كَثِيرٌ مِنهم فَعاتَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، هَكَذا قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
﴿ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فَقَدْ عَلِمْتُمُوهُ.
والثّانِي: فَقَدْ رَأيْتُمْ أسْبابَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن الزهري قال: كثر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم القتل والجراح حتى خلص إلى كل امرئ منهم البأس.
فأنزل الله القرآن، فآسى فيه بين المؤمنين بأحسن ما آسى به قوماً كانوا قبلهم من الأمم الماضية فقال: ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا ﴾ إلى قوله: ﴿ لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: أقبل خالد بن الوليد يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اللهمَّ لا يعلون علينا.
فأنزل الله: ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب يوم أحد، فسألوا ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وما فعل فلان؟
فنعى بعضهم لبعض، وتحدثوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل، فكانوا في هم وحزن.
فبينما هم كذلك علا خالد بن الوليد بخيل المشركين فوقهم على الجبل، وكان على أحد مجنبتي المشركين وهم أسفل من الشعب، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم فرحوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم لا قوّة لنا إلا بك، وليس أحد يعبدك بهذا البلد غير هؤلاء النفر، فلا تهلكهم» وثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله، وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله: ﴿ وأنتم الأعْلَوْنَ إن كنتم مؤمنين ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ولا تهنوا ﴾ قال: لا تضعفوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ قال: وأنتم الغالبون.
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ الآية.
قالَ الزُهْرِيُّ (١) (٢) (٣) ومعنى ﴿ وَلَا تَهِنُوا ﴾ : لا تضْعُفُوا.
والوَهْنُ (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) قال المفسِّرُون: ﴿ وَلَا تَهِنُواْ ﴾ عن جهاد عدوِّكم، بما نالَكُم مِنَ الهزيمة (١٠) ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ على ما فاتكم من الغَنِيمَةِ (١١) ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ ؛ أي: لكم تكون العاقِبَةُ بالنَصْرِ والظَّفَرِ.
قال ابن عباس (١٢) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يعني: أَنَّ الإيمانَ يُوجِب ما ذكر مِن تَرْكِ الوَهْنِ والحُزْن.
فقيلَ: إنْ كُنتم مؤمنين؛ فَلا تَهِنوا ولا تحزنوا؛ أي (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يريد: مُصَدِّقِينَ؛ تحريضًا مِنَ اللهِ تعالى لهم.
وفيه وجْه آخر، وهو: أن (١٦) (١٧) وفي قوله: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ وجهان: أحدهما: أنه في موضعُ الحَال؛ كأنَّهُ قيل: لا تَحْزَنوا عَالِينَ؛ أي: منصورين على عَدُوِّكُم (١٨) (١٩) الثاني: أنه اعتراضٌ بِوَعْدٍ مؤكد؛ كأنه قيل: ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا إنْ كُنْتُم مؤمنين، وأنتم الأَعْلَوْن (٢٠) وفي هذه الآية إشارَهٌ إلى أنَّ (٢١) (١) في (ج): (الأزهري).
وقول الزهري، في "تفسير الطبري" 4/ 102.
(٢) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 102، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 770.
(٣) قوله هذا يرويه عن مجاهد، وهو في: "تفسير مجاهد" 136، و"تفسير الطبري" 4/ 102، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 770.
(٤) من قوله: (والوهن ..) إلى (..
وهَنا لغة): نقله -بتصرف واختصار- عن: "تهذيب اللغة" 4/ 3966 (وهن).
(٥) هكذا جاءت في (أ): (وَهِنَ) -بكسر الهاء-.
وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل.
وفي "التهذيب" (وَهَنَ) -بفتح الهاء- وقد وردت الكلمة في مصادر اللغة بالحركات الثلاث (فتح الهاء وكسرها وضمها).
انظر مادة (وهن) في: "الصحاح" 2215، و"التاج" 18/ 579.
(٦) في (أ): (وَهْنًا) بتسكين الهاء وفي (ب)، (ج): مهملةٌ غير مشكولة.
والمثبت هو الصواب.
انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3966 (وهن).
(٧) من قوله: (وأوهنه الله ..) إلى نهاية شطر بيت الشعر: (..
فقر): نقله -بتصرف يسير- عن "تهذيب اللغة" 4/ 3967 (وهن).
(٨) انظر (وهن) في: "جمهرة اللغة" 996، و"الصحاح" 2215 - 2216، و"التاج" 18/ 579.
(٩) عجز بيت، وصدره: وإذا تَلْسُنُنِي ألسُنُها وهو في: ديوانه: 53، وورد منسوبًا له في: "التهذيب" 4/ 3967 (وهن)، و"الصحاح" 2215 (وهن)، و"اللسان" 6/ 445 (فقر)، 7/ 4030 (لسن)، 8/ 4935 (وهن).
ومعنى (تلسُنُني)؛ أي: تأخذني بلسانها، يقال: (لَسَنَه لَسْنًا): إذا أخذه بلسانه.
انظر: "اللسان" 7/ 4030 (لسن).
والمَوْهون: هو الذي أصابه وَجَعُ (الواهنة)، وهو وَجَعٌ يصيب العِرْق المستبطن حبْل العاتق إلى الكتف.
انظر: "التهذيب" 4/ 3967 (وهن).
والفَقِر: الذي يشتكي من فَقَارِهِ.
انظر: "اللسان" 6/ 445 (فقر).
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 102 - 103، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 771.
(١١) في (ج): (القسمة).
لم أقف على من قال بأنهم نُهُوا عن الحزن على ما فاتهم من الغنيمة.
وقد ذكر هذا القول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 122 ب.
وصدَّره -مع القول السابق- بقوله: (وقيل: ..).
ولم يبين القائل.
وأورده ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 466 وقال: (ذكره علي بن أحمد النيسابوري) يعني: المؤلف (الواحدي).
ويرى مقاتل أنهم نُهوا عن الحزن على ما أصابهم من هزيمة يوم أحد.
انظر: "تفسيره" 1/ 303.
ويرى الماوردي أنهم نهوا عن الحزن على ما أصاب النبي من شَجِّه، وكَسْرِ رَبَاعِيَتِهِ.
انظر: "النكت والعيون" 1/ 466.
وقيل: نُهُوا عن الحزن على مَن قُتِل من إخوانهم من المسلمين.
ونسبه ابن الجوزي لابن عباس.
انظر: "زاد المسير" 1/ 466.
(١٢) لم أقف على مصدر قوله.
(١٣) في (ج): (إلى).
(١٤) في (ب): (أن لا).
(١٥) لم أقف على مصدر قوله.
(١٦) (أن): ساقطة من (ج).
(١٧) في (ج): (لصدق).
(١٨) (على عدوكم): ساقطة من (ج).
(١٩) انظر: "البيان"، للأنباري 1/ 222، و"الدر المصون" 3/ 401.
(٢٠) انظر: "الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 633.
(٢١) أن: ساقطة من (ج).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَهِنُوا ﴾ تقوية لقلوب المؤمنين ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ إخبار بعلو كلمة الإسلام ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ﴾ الآية معناها: إن مسكم قتل أو جراح في أحُد فقد مس الكفارَ مثلُه في بدر، وقيل: قد مس الكفار يوم أحد مثل ما مسكم فيه، فإنهم نالوا منكم ونلتم منهم، وذلك تسلية للمؤمنين بالتأسي ﴿ نُدَاوِلُهَا ﴾ تسلية أيضاً عما جرى يوم أحد ﴿ وَلِيَعْلَمَ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: أصابكم ما أصابهم يوم أحد؛ ليعلم والمعنى ليعلم ذلك علماً ظاهراً لكم تقوم به الحجة ﴿ شُهَدَآءَ ﴾ من قتل من المسلمين يوم أحد ﴿ وَلِيُمَحِّصَ الله ﴾ أي: يظهر، وقيل: يميز، وهو معطوف على ما تقدم من التعليلات لقصة أحد، والمعنى أن إدالة الكفار على المسلمين إنما هي لتمحيص المؤمنين، وأن نصر المؤمنين على الكفار إنما هو ليمحق الله الكافرين أي يهلكهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو العطف: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
﴿ قرح ﴾ بالضم حيث كان: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة.
الباقون بالفتح.
الوقوف: ﴿ مضاعفة ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ تفحلون ﴾ ه ج للعطف ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ومن قرأ ﴿ سارعوا ﴾ بغير واو فوقه مطلق ﴿ والأرض ﴾ ص لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً أي جنة واسعة معدّة.
﴿ للمتقين ﴾ لا لأن الذين صفتهم.
﴿ عن الناس ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ج ه لأن والذين يصلح مبتدأ وخبره ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ فلا وقف على ﴿ يعلمون ﴾ ويصلح معطوفاً لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له فيوقف على ﴿ يعلمون ﴾ لينصرف عموم أولئك إلى المتقين السابقين منهم بعصمة الله واللاحقين بهم برحمة الله.
والوقف لطول الكلام على ﴿ لذنوبهم ﴾ للابتداء بالاستفهام وعلى ﴿ إلا الله ﴾ لاعتراض الاستفهام ولزوم الجواب بأن يقول الروح: لا أحد يغفر الذنوب إلا أنت ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ سنن ﴾ لا لتعقب الأمر بالاعتبار بعد الإخبار بالتبار.
﴿ المكذبين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ مثله ﴾ ط ﴿ بين الناس ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوفة أي ليعتبروا ﴿ وليعلم شهداء ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ لا للعطف على ﴿ ليعلم ﴾ ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلاً بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين كانت قد اجتمعت من الربا، وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، وكان من الممكن أن يصير ذلك داعياً للمسلمين إلى الإقدام على الربا كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر ويتمكنوا من الانتقام منهم، فورد النهي عن ذلك نظراً لهم ورحمة عليهم.
وقيل: إن هذه الآيات ابتداء أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميماً لما سلف من الإرشاد إلى الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد.
وليس المراد النهي عن الربا في حال كونه أضعافاً لما علم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما هو نهي عنه مع توبيخ بما كانوا عليه في الغالب والمعتاد من تضعيفه.
كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، وهكذا مرة بعد أخرى حتى استغرق بالشيء الطفيف مال المديون ﴿ واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ فيه أن اتقاء الله في هذا النهي واجب، وأن الفلاح يقف عليه.
فلو أكل ولم يتق زال الفلاح.
ويعلم منه أن الربا من الكبائر لا من الصغائر ويؤكد قوله: ﴿ واتقوا النار التي أعدت للكافرين ﴾ كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار / المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه.
وكون النار معدّة للكافرين لا يمنع دخول الفساق وهم مسلمون فيها لأن أكثر أهل النار الكفار فغلب جانبهم كما لو قلت: أعددت هذه الدابة للقاء المشركين.
لم يمتنع من أن تركبها لبعض حوائجك.
ومثله قوله في صفة الجنة: ﴿ أعدت للمتقين ﴾ فإنه لا يدل على أنه لا يدخلها سواهم من الصبيان والمجانين وغيرهم كالملائكة والحور.
﴿ وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ فيه أن رجاء الرحمة موقوف على طاعة الله وطاعة الرسول فلهذا يتمسك به أصحاب الوعيد في أن من عصى الله ورسوله في شيء من الأشياء فهو ليس أهلاً للرحمة.
وغيرهم يحمل الآية على الزجر والتخويف ﴿ وسارعوا ﴾ معطوف على ما قبله.
ومن قرأ بغير الواو فلأنه جعل قوله: ﴿ سارعوا ﴾ وقوله: ﴿ أطيعوا الله ﴾ كالشيء الواحد لأنهما متلازمان.
وتمسك كثير من الأصوليين به في أن ظاهر الأمر يوجب الفور قالوا: في الكلام محذوف والتقدير: سارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم.
ونكر المغفرة ليفيد المغفرة العظيمة المتناهية في العظم وليس ذلك إلا المغفرة الحاصلة بسبب الإسلام والإتيان بجميع الطاعات والاجتناب عن كل المنهيات وهذا قول عكرمة.
وعن علي بن أبي طالب: هو أداء الفرائض.
وعن عثمان بن عفان أنه الإخلاص لأنه المقصود من جميع العبادات.
وعن أبي العالية أنه الهجرة.
وقال الضحاك ومحمد بن إسحق: إنه الجهاد لأنه من تمام قصة أحد.
وقال الأصم: بادروا إلى التوبة من الربا لأنه ورد عقيب النهي عن الربا.
ثم عطف عليه المسارعة إلى الجنة لأن الغفران ظاهره إزالة العقاب.
والجنة معناها حصول الثواب، ولا بد للمكلف من تحصيل الأمرين.
ثم وصف الجنة بأن عرضها السموات، ومن البيّن أن نفس السموات لا تكون عرضاً للجنة، فالمراد كعرض السموات لقوله في موضع آخر ﴿ عرضها كعرض السماء ﴾ والمراد المبالغة في وصف سعة الجنة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه ونظيره ﴿ خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ﴾ لأنها أطول الاشياء بقاء عندنا.
وقيل: المراد أنه لو جعلت السموات والأرضون طبقاً طبقاً بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحاً مؤلفاً من أجزاء لا تتجزأ، ثم وصل البعض بالبعض طبقاً واحداً لكان ذلك مثل عرض الجنة، وهذه غاية من السعة لا يعلمها إلا الله .
وقيل: إن الجنة التي عرضها عرض السموات والأرض إنما تكون للرجل الواحد لأن الإنسان إنما يرغب فيما يصير ملكاً له، فلا بد أن تكون الجنة المملوكة لكل أحد مقدارها هكذا.
وقال أبو مسلم: معنى العرض القيمة، ومنه عارضت الثوب بكذا.
معناه لو عرضت السموات والأرض على / سبيل البيع لكاتنا ثمناً للجنة.
والأكثرون على أن المراد بالعرض ههنا خلاف الطول.
وخص بالذكر لأنه في العادة أدنى من الطول، وإذا كان العرض هكذا فما ظنك بالطول.
ونظيره ﴿ بطائنها من استبرق ﴾ لأن البطائن في العادة تكون أدون حالاً من الظهائر وإذا كانت البطانة كذلك فكيف الظهارة؟
وقال القفال: العرض عبارة عن السعة.
تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة.
والأصل فيه أن ما اتسع عرضه لم يضق ولم يدق، وما ضاق عرضه دق.
فجعل العرض كناية عن السعة.
وسئل ههنا إنكم تقولون الجنة في السماء فكيف يكون عرضها كعرض السماء؟
وأجيب بعد تسليم كونها الآن مخلوقة أنها فوق السموات وتحت العرش.
قال في صفة الفردوس " سقفها عرش الرحمن " وروي أن رسول هرقل سأل النبي وقال: إنك تدعو الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين فأين النار؟
فقال النبي : "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار" ؟
والمعنى - والله ورسوله أعلم - أنه إذا دار الفلك حصل النهار في جانب من العالم والليل في ضد ذلك الجانب، فكذا الجنة في جهة العلو والنار في جهة السفل.
وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي الأرض أم في السماء؟
فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟
قيل: فأين هي؟
قال: فوق السموات السبع تحت العرش.
ثم ذكر صفات المتقين حتى يتمكن الإنسان من الجنة بواسطة اكتساب تلك الصفات.
منها قوله: ﴿ الذين ينفقون في السراء والضراء ﴾ في حال الغنى والفقر لا يخلون بأن ينفقوا ما قدروا عليه.
عن بعض السلف أنه ربما تصدق ببصلة.
وعن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فكان الفقير أنكر عليها فقالت: احسب كم هي من مثقال ذرة.
وقيل: في عرس أو حبس.
والمراد في جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حال مسرة ومضرة، فهم لا يدعون الإحسان إلى الناس في حالتي فرح وحزن.
وقيل: إن ذلك الإحسان والإنفاق سواء سرهم بأن كان على وفق طبعهم، أو ساءهم بأن كان مخالفاً له، فإنهم لا يتركونه.
وفي افتتاحه بذكر الإنفاق دليل على عظم وقعه عند الله لأنه طاعة شاقة, أو لأنه كان أهم في ذلك الوقت لأجل الحاجة إليه في الجهاد ومواساة فقراء المسلمين.
ومنها قوله ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ كظم القربة إذا ملأها وشد فاها.
ويقال: كظم غيظه إذا سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل كأنه كتمه على امتلائه، ورد غيظه في جوفه، وكف غضبه عن الإمضاء، وهو من أقسام الصبر والحلم.
قال : "من كظم غيظاً وهو يقدر على انفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً" وقال أيضاً: " "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ومنها قوله: ﴿ والعافين عن الناس ﴾ قيل: يحتمل أن يراد العفو عن المعسرين لأنه ورد عقيب قصة الربا كما قال في البقرة: ﴿ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم ﴾ ويحتمل أنه غضب على المشركين حين مثلوا بحمزة فقال: لأمثلن بهم.
فندب إلى كظم هذا الغيظ والصبر عليه والعفو عنهم.
والظاهر أنه عام لجميع المكلفين في الأحوال إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه.
قال : " لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه" وعن عيسى ابن مريم : ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك ذاك مكافأة، إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ يجوز أن يكون اللام للجنس فيتناول كل محسن ويدخل فيه هؤلاء المذكورون، وأن يكون للعهد فيكون إشارة إلى هؤلاء.
وذلك أن من أنواع الإحسان إيصال النفع إلى الغير وهو المعنى بالإنفاق في السراء والضراء في وجوه الخيرات.
ويدخل فيه الإنفاق بالعلم وبالنفس، والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
ومنها دفع الضرر عن الغير إما في الدنيا بأن لا يشتغل بمقابلة الإساءة بإساءة أخرى وهو المعبر عنه بكظم الغيظ، وإما في الآخرة بأن يبرىء ذمته عن التبعات والمطالبات الأخروية وهو المقصود بالعفو.
فإذن الآية دالة على جميع جهات الإحسان إلى الغير.
فذكر ثواب المجموع بقوله: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ فإن محبة الله للعبد أعظم درجات الثواب.
قال ابن عباس في رواية عطاء: "إن منهالاً التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمراً فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك، فأتى النبي وذكر ذلك له فنزلت ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ الآية" .
وقال في رواية الكلبي: "إن رجلين أنصارياً وثقفياً آخى رسول الله بينهما، فكانا لا يفترقان في احوالهما.
فخرج الثقفي مع رسول الله بالقرعة في السفر وخلف الأنصاري في أهله وحاجته.
فأقبل ذات يوم فأبصر امراة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها.
ذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحى فأدبر راجعاً فقال: سبحان الله خنت أمانتك وعصيت ربك ولم تصب حاجتك.
قال: وندم على صنيعه فخرج يسيح ي الجبال ويتوب / الى الله من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجداً وهو يقول: رب ذنبي ذنبي.
قد خنت أخي فقال له: يا فلان قم فانطلق الى رسول الله فاسأله عن ذنبك لعل الله أن يجعل لك فرجاً وتوبة.
فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة، وكان ذات يوم عند صلاة العصر فنزل جبريل بتوبته فتلا على رسول الله ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ فقال عمر: يا رسول الله أخاص هذا لهذا أم للناس عامة؟
فقال: بل للناس عامة في التوبة" .
وعن ابن مسعود "أن المسلمين قالوا للنبي : أبنوا إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟
كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدع أذنك اجدع أنفك افعل كذا.
فسكت النبي فنزلت/.
فقال النبي : ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأها عليهم" ، وبيّن أنهم أكرم على الله منهم حيث جعل كفارة ذنبهم الاستغفار.
والفاحشة نعت محذوف أي فعلوا فعلة فاحشة متزايدة القبح ﴿ أو ظلموا أنفسهم ﴾ أذنبوا أي ذنب كان مما يؤاخذ الإنسان به.
وقيل: الفاحشة هي الزنا لقوله : ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ﴾ وظلم النفس ما دونه من القبلة واللسمة.
وهذا القول أنسب بسبب النزول الذي رويناه.
وقيل: الفاحشة هي الكبيرة وظلم النفس هي الصغيرة والصغيرة يجب الاستغفار منها لأنه كان مأموراً بالاستغفار ﴿ واستغفر لذنبك ﴾ وما كان استغفاره إلا عن الصغائر بل ترك الأولى ﴿ ذكروا الله ﴾ أي وعيده أو عقابه وأنه سائلهم أو نهيه، أو جلاله الموجب للخشية والحياء منه، أو ذكروا العرض الأكبر على الله.
وعلى جميع التقادير فلا بد من مضاف محذوف.
ويكون الذكر بمعنى ضد النسيان وإليه ذهب الضحاك ومقاتل والواقدي.
ونظيره ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ وقيل: المراد ذكروا الله بالثناء والتعظيم والإجلال، فإن من آداب المسألة والدعاء تقديم التعظيم والثناء ﴿ فاستغفروا لذنوبهم ﴾ يقال: استغفر الله لذنبه ومن ذنبه بمعنى.
والمراد بالاستغفار الإتيان بالتوبة على الوجه الصحيح، وهو الندم على فعل ما مضى مع العزم على ترك مثله في المستقبل.
فأما الاستغفار بمجرد اللسان فذاك لا أثر له في إزالة الذنب وإنما يجب إظهار هذا الاستغفار لإزالة التهمة ولإظهار كونه منقطعاً إلى الله تعالى ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ لأن كمال قدرته وغناه كما أنه يقتضي إيقاع العبد في العقاب، فكمال رحمته وعفوه يقتضي إزالة ذلك العقاب عنه، لكن صدور الرحمة عنه بالذات " سبقت رحمتي غضبي" فجانب العفو والمغفرة أرجح ولا سيما إذا اقترن الذنب / بالتوبة والاعتذار والتنصل بأقصى ما يمكن للعبد.
وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" وعن أنس قال: سمعت رسول الله يقول: "قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.
يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرضين خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة" وعن علي قال: حدثني أبو بكر قال: سمعت رسول الله يقول: "ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له" ثم قرأ ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ وهذه الجملة معترضة والتقدير: فاستغفروا لذنوبهم ﴿ ولم يصروا ﴾ لم يقيموا على قبيح فعلهم غير مستغفرين.
والتركيب يدل على الشدة، ومنه صررت الصرة شددتها، وصر الفرس أذنيه ضمهما إلى رأسه.
وأصر أيضاً عن النبي : " "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة " وروي " لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار " ﴿ وهم يعلمون ﴾ حال من فاعل يصروا، وحرف النفي منصب عليها معاً كما لو قلت: ما جاءني زيد وهو راكب.
وأردت نفي المجيء والركوب معاً.
وذلك أن المقام مقام مدح لهم بعدم الإصرار.
والمعنى ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها والوعيد عليها لأنه قد يعذر الجاهل ولا يعذر العالم، ويحتمل أن يراد بالعلم العقل والتمييز والتمكن من الاحتراز عن الفواحش فيجري مجرى قوله : " رفع القلم عن ثلاث " وعلى هذا يجوز أن يراد نفي الإصرار في حالة العلم لا نفيه مطلقاً كما لو أردت في المثال المذكور نفي المجيء / في حال الركوب لا نفي المجيء على الإطلاق ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم ﴾ وهي إشارة إلى إزالة العقاب ﴿ وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ﴾ وهذه إشارة إلى إيصال الثواب ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ ذلك الجزاء.
قال القاضي: وهذا يبطل قول من قال: إن الثواب تفضل من الله وليس جزاء على عملهم، وذلك أنه سمى الجزاء أجراً والأجر واجب مستحق فكذلك الجزاء.
ولقائل أن يقول: إنه على وجه التشبيه لا التحقيق.
واستدلوا أيضاً بالآية على أن أهل الجنة هم المتقون والتائبون دون المصرين لقوله: ﴿ ولم يصروا ﴾ والجواب ما مر أن كون الجنة معدة للمتقين الموصوفين لا يوجب أن لا يدخلها غيرهم بفضل الله وبرحمته.
ثم ذكر ما يحمل المكلفين على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية فقال: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ وأصل الخلو الانفراد، والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه، وكل ما انقرض ومضى فقد انفرد عن الوجود، والسنة الطريقة المستقيمة.
والمثال المتبع وهي "فعلة" بمعنى "مفعولة" من سن الماء يسنه إذا والى صبه فكأنه أجراه على نهج واحد، أو من سننت النصل أحددته، أو من سن الإبل إذا حسن الرعي.
والمراد قد مضت من قبلكم سنن الله في الأمم السالفة يعني سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله: ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ فإنهم خالفوا رسلهم للحرص على الدنيا وطلب لذاتها، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي عليهم اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة هذا قول أكثر المفسرين.
قال مجاهد: المراد سنن الله في الكافرين والمؤمنين فإن الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر، ولكن المؤمن بقي له الثناء الجميل والثواب الجزيل والكافر له اللعن والعقاب.
ثم قال ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر، أو لأن الغرض زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يحصل بتأمل أحوال أمثالهم وليس المراد من قوله ﴿ فسيروا في الأرض ﴾ الأمر بالسير بل المقصود تعرّف أحوالهم.
فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلاً.
ولا يبعد أن يقال: ندب إلى السير لأن لمشاهدة آثار الأقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قيل: إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار ﴿ هذا بيان ﴾ المشار إليه بهذا إما أن يكون جميع ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد للمتقين والتائبين والمصرين ويكون قوله: ﴿ قد خلت ﴾ جملة معترضة للبعث على الإيمان وما يستحق من الأجر، وإما أن يكون ما حثهم عليه من النظر في سوء عواقب المكذبين ومن الاعتبار بما يعاينون من آثار هلاكهم.
أما البيان والهدى والموعظة فلا بد من / الفرق بينها لأن العطف يقتضي المغايرة، فقيل: البيان كالجنس وهو إزالة الشبهات وتحته نوعان: أحدهما الكلام الذي يهدي المكلف إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى، وثانيهما الكلام الزاجر عما لا ينبغي في طريق الدين وهو الموعظة.
وخص الهدى والموعظة بالمتقين لأنهم هم المنتفعون به.
وقيل: البيان عام للناس والهدى والموعظة خاصان بالمتقين، لأن الهدى اسم للدلالة بشرط كونها موصلة إلى البغية, وأقول: يشبه أن يكون البيان عاماً لجميع المكلفين وبأي طريق كان من طرق الدلالة.
والهدى يراد به الكلام البرهاني والجدلي، والموعظة يراد بها الكلام الإقناعي الخطابي كقوله: ﴿ ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ وخص المتقون بالذكر لأن البيان في حق غيرهم غير مثمر.
ثم لما بيّن هذه المقدمات ومهدها ذكر المقصود وهو قوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ .
كأنه قال: إذا بحثتم عن أحوال القرون الخالية علمتم أن صولة الباطل تضحمل، وأن العاقبة والغلبة لأرباب الحق.
والوهن الضعف أي لا تضعفوا عن الجهاد ولا يورثنكم ما أصابكم يوم أحد وهناً وجبناً ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على من قتل منكم وجرح ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد أو أنتم الأعلون شأنا لأن قتالكم لله وقتالهم للشيطان وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، أو أنتم الأعلون بالحجة والعاقبة الحميدة كقوله: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ وفي هذا تسلية لهم وبشارة.
وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ أي إن كنتم مصدقين بما يعدكم الله ويبشركم به من الغلبة، وإما أن يكون قيداً لقوله: ﴿ ولا تهنوا ﴾ أي إن صح إيمانكم بالله وبحقية هذا الدين فلا تضعفوا لثقتكم بأن الله سيتم هذا الأمر.
قال ابن عباس: "انهزم أصحاب رسول الله يوم أحد.
فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل.
فقال النبي : اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر.
فأنزل الله هذه الآية" .
وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ وقال راشد بن سعد: "لما انصرف رسول الله يوم أحد كئيباً حزيناً جعلت المرأة تجيء بزوجها وأبيها وابنها مقتولين فقال رسول الله : أهكذا تفعل برسولك؟
فنزلت" ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ بفتح القاف وبضمها وهما لغتان كالضعف والضعف، والجهد والجهد.
وقيل بالفتح لغة تهامة والحجاز.
وقيل بالفتح مصدر، وبالضم اسم.
وقال الفراء: إنه بالفتح الجراحة بعينها، وبالضم ألم الجراحة.
وقال ابن مقسم: هما لغتان إلا أن المفتوحة توهم أنها جمع / قرحة.
ومعنى الآية إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبل ذلك في يوم بدر.
ثم لم يثبطهم ذلك عن معاودة القتال فأنتم أولى بأن لا تفرقوا ولا تجبنوا ونظيره ﴿ فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ وقيل: القرحان في يوم أحد وذلك أنه قتل يومئذٍ خلق من الكفار نيف وعشرون رجلاً، وقتل صاحب لوائهم، وكثرت الجراحات فيهم، وعقرت عامة خيلهم بالنبل، وقد كانت الهزيمة عليهم في أول النهار كما يجيء من قوله : ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم ﴾ والمماثلة في عدد القتلى والجرحى غير لازمة وإنما تكفي المثلية في نفس القتل والجراحة ﴿ وتلك الأيام ﴾ موصوفاً وصفته مبتدأ خبره ﴿ نداولها ﴾ وتلك مبتدأ أو الأيام خبره كقولك: "هي الأيام تبلي كل جديد" فإن الضمير لا يوصف ويكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الوقائع والأحوال العجيبة التي يعرفها أهل التجارب من أبناء الزمان.
والمراد بالأيام ما في تلك الأوقات من الظفر والغلبة والحالات الغريبة.
وقوله ﴿ نداولها ﴾ كالتفسير لما تقدمه.
والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر.
ويقال: تداولته الأيدي أي تناقلته.
والدنيا دول أي تنتقل من قوم إلى آخرين لا تدوم مسارّها ومغامها، فيوم يحصل فيه السرور له والغم لعدوّه، ويوم آخر بالعكس فلا يبقي شيء من أحوالها ولا يستقر أثر من آثارها ونظيره قولهم: "الحرب سجال".
شبهت بالدلاء لكونها تارة مملوءة وأخرى فارغة، وليس المراد من هذه المداولة أنه تارة ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، فإن نصرة الله منصب شريف لا يناله الكافرون.
بل المراد أنه تارة يشدد المحنة على الكافرين وأخرى على المؤمنين وذلك أنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميعها لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب.
فالحكمة في المداولة أن تكون الشبهات باقية والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل الدالة على صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله وإلى هذا يشير قوله : ﴿ وليعلم الله الذين آمنوا ﴾ وحذف المعطوف عليه ليذهب الوهم كل مذهب ويقرر الفوائد.
والتقدير نداولها بين الناس ليكون كيت وكيت وليعلم.
وفي إيذان بأن المصلحة في هذه المداولة ليست بواحدة ولكن في ضمنها مصالح جمة لو عرفوها انقلبت مساءتهم مسرة منها أن يعلم الله.
وقد احتج هشام بن الحكم بظاهر هذه الآية ونحوها كقوله: ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا ﴾ على أنه لا يعلم الحوادث إلا عند وقوعها وقد سبق الأجوبة عنها في تفسير قوله : ﴿ وإذا ابتلى إبراهيم ربه ﴾ وتأويل الآية أن إطلاق لفظ العلم على المعلوم والقدرة على / المقدور مجاز مشهور، يقال: هذا علم فلان أو قدرته والمراد معلومه أو مقدوره.
فكل آية يشعر ظاهرها بتجدد العلم فالمراد تجدد المعلوم لأن التغير في علم الله محال.
فمعنى الآية ليظهر معلومنا وهو المخلص من المنافق والمؤمن من الكفار.
وقيل: معناه ليحكم بالامتياز، فوضع العلم مقام الحكم.
وقيل: ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجوداً منهم الثبات، لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد.
وقيل: ليعلم أولياء الله فأضاف إلى نفسه تفخيماً لهم.
وعلى الأقوال العلم بمعنى العرفان ولهذا تعدى إلى مفعول واحد.
وقيل: إنه بمعنى فعل القلب الذي يتعدى الى مفعولين والتقدير: وليعلمهم مميزين عن غيرهم.
ويحتمل على جميع التقادير أن يضمر متعلق وليعلم بعده ومعناه: وليتميز الثابتون على الإيمان من المضطربين فعلنا ما فعلنا.
ومن حكم المداولة قوله: ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة كقوله: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ فإن كونهم كذلك منصب شريف لا يناله إلا هذه الأمة، ولن يكونوا من الأمة إلا بالصبر على ما ابتلوا به من الشدائد.
أو المراد ليكرم ناساً منكم بالشهادة.
والشهداء جمع شهيد كالكرماء والظرفاء.
والمقتول من المسلمين بسيف الكفار يسمى شهيداً.
قال النضر بن شميل: لأنهم أحياء حضروا دار السلام كما ماتوا بخلاف غيرهم.
وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته شهدوا له بالجنة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ أي المشركين ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ قال ابن عباس: وقيل: لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان الصابرين على البلوى، وهو اعتراض بين بعض المعللات وبعض.
وفيه أن دولة الكافرين على المؤمنين للفوائد المذكورة لا لأنه يحبهم.
ومن الحكم قوله: ﴿ وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ﴾ والمحص في اللغة التنقية والمحق النقصان.
وقال المفضل: هو أن يذهب الشيء كله حتى لا يرى منه شيء.
وقال الزجاج: معنى الآية أنه أن حصلت الغلبة للكافرين على المؤمنين كان المراد تمحيص ذنوب المؤمنين أي تطهيرهم وتصفيتهم، وإن كان بالعكس فالمراد محو آثار الكفار.
وهذه مقابلة لطيفة لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم لا بالكلية، فإن ذلك غير واقع بل بتدريج ومهل لايقطع طرفاً ننقصها من أطرافها.
التأويل: ﴿ لا تأكلوا الربا ﴾ ما يؤدي إلى الحرص إلى طلب الدنيا ﴿ أضعافاً مضاعفة ﴾ إلى ما لا يتناهى فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.
﴿ واتقوا الله ﴾ خطاب للخواص أي اتقوا بالله عن غير الله في طلب الله ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ عن حجب ما سوى الله، وتظفرون بالوصول إلى الله.
ثم خاطب العوام الذين هم ارباب الوسائط بقوله: ﴿ واتقوا ﴾ أي بالقناعة ﴿ النار ﴾ / أي نار الحرص التي توري عنها نار القطيعة، وجوزوا بقدمي طاعة الله وطاعة رسوله.
ثم أخبر عن المسارعة إلى الجنان بمصارعة النفس والجنان ﴿ عرضها السموات والأرض ﴾ أي المسافة بين العبد وبينها هذا القدر لأن الوصول إليها بعد العبور عما في السموات والأرض وهو عالم المحسوسات كما قال النبي عن عيسى أنه قال: لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين.
فالولادة الثانية هي الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس عنها.
وولوج الملكوت هو التحلية بالصفات الروحانية ﴿ ينفقون أموالهم في السراء ﴾ وأرواحهم في الضراء بل من سوى الله في طلب الله ﴿ فعلوا فاحشة ﴾ هي رؤية غير الله ﴿ أوظلموا أنفسهم ﴾ بالتعليق بما سوى الله ﴿ وذكروا الله ﴾ بالنظر إليه وبرؤيته ﴿ ومن يغفر ﴾ ومن يستر بكنف عواطفه ذنوب وجود الأغيار ﴿ إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ﴾ من رؤية الوسائط والتعلق بها ﴿ وهم يعلمون ﴾ أن كل شيء ما خلا الله باطل ﴿ أولئك جزاؤهم مغفرة ﴾ أي هم مستحقون لمقامات القرب ﴿ من ربهم وجنات ﴾ من أصناف ألطافه ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ العناية ﴿ ونعم أجر العاملين ﴾ لأن نيل المقصود في بذل المجهود ﴿ قد خلت من قبلكم أمم ﴾ لهم ﴿ سنن فسيروا في الأرض ﴾ نفوسكم الحيوانية بالعبور على أوصافها الدنية لتبلغوا سماء قلوبكم الروحانية ﴿ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ بهذه المقامات الروحانية والمكاشفات الربانية ﴿ ولا تهنوا ﴾ أيها السائرون في السر إلى الله ﴿ ولا تحزنوا ﴾ على ما فاتكم من اللذات الفانية ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ من أهل الدنيا والآخرة لأنكم من أهل الله ﴿ إن يمسسكم ﴾ في أثناء المجاهدات ﴿ قرح ﴾ ابتلاء وامتحان ﴿ فقد مس القوم ﴾ من الأنبياء والأولياء ﴿ قرح ﴾ محن ﴿ مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ﴾ السائرين يوماً نعمة ويوماً نقمة، ويوماً منحة ويوماً محنة ﴿ ويتخذ منكم شهداء ﴾ أرباب المشاهدات والمكاشفات ﴿ وليمحص الله ﴾ فيه إشارة إلى أن كل ألم ونصب يصيب المؤمن فهو تطهير لقلبه وتكفير لسره، وما يصيب الكافر من نعمة ودولة وغنى ومنى فهو سبب لكفرانه ومزيد لطغيانه.
وبوجه آخر البلاء لأهل الولاء تمحيص للقلوب عن ظلمات العيوب وتنويرها بأنوار الغيوب ومحق صفات نفوسهم الكافرة ومحو سمات أخلاقهم الفاجرة ليتخلصوا عن قفص الأشباح إلى حظائر الأرواح.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ .
يحتمل أحكاماً، والأحكام تكون على وجهين: حكم يجب لهم، وهو الثواب عند الطاعة، واتباع الحق، وعذاب يحل بهم عند الخلاف والمعصية.
ويحتمل "السنين": الأحكام المشروعة.
﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ حتى تروا آثار من كذب الرسل وما حلَّ بهم من العذاب؛ بالتكذيب.
أو ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : أي سلوا من يعلم ما الذي حل بهم حتى يخبروكم ما مضى من الهلاك في الأمم الخالية، فهذا تنبيه من الله - عز وجل - إياهم أنكم إن كذبتم الرسول - فيحل بكم ما قد حلَّ بمن قد كان قبلكم، وإن أطعتم الرسول - فكلم من الثواب ما لهم، فاعتبروا به كيف كان جزاؤهم بالتكذيب.
وما في القرآن مثل هذا فمعناه: لو سئلت لأخبروك.
وقيل: ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : أي: تفكروا في القرآن يخبركم عن الأمم الماضية؛ فكأنكم سرتم في الأرض، وما في القرآن مثل هذا - فمعناه: لو سألتَ لأخبروك؛ فإن فيه خبر من كان قبلكم من الأمم، وما لهم من الثواب بالتصديق والطاعة، وما عليهم من العقاب بالتكذيب، والله أعلم.
وفيه قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ يحتمل في المكذبين بالرسل والمصدقين، ﴿ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل: لو سرتم فيها لرأيتم آثارهم، ولعرفتم بذلك ما إليه ترجع عواقب الفريقين.
ويحتمل: الأمر بالتأمّل في آثارهم، والنظر في الأنباء عنهم؛ ليكون لهم به العبر، وعما هم عليه مزدجر.
ويحتمل "السنن": الموضوع من الأحكام، وبما به امتحن من قبلهم؛ ليعلموا أن الذي بلوا به ليس ببديع؛ بل على ذلك أمر من تقدمهم؛ كقوله: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَيَانٌ ﴾ يعني: القرآن؛ هو بيان للناس، وهدى من الضلالة.
﴿ وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: يتعظ به المتقون.
ويحتمل: ﴿ بَيَانٌ لِّلنَّاسِ ﴾ : ما ذكر من السنن التي في الأمم الخالية.
دل قوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ أن لله في صرف الدوْلة إلى أهل الشرك فعل وتدبير؛ إذ أضاف ذلك إليه ما به الدولة، ثم ذلك معصية وقهر وتذليل، فثبت جواز كون ما هو فعل معصية إلى الله من طريق التخليق والتقدير، والله أعلم؛ إذ ذلك لهم بما هم عصاة به - عز وجل - والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا ﴾ : ولا تضعفوا في محاربة العدو، ولا تحزنوا بما يصيبكم من الجراحات والقروح؛ كقوله - -: ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ﴾ ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَهِنُوا ﴾ : في الحرب وأنتم تعلمون لله؛ إذ هم لا يضعفون فيها، وهم يعملون للشيطان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْزَنُوا ﴾ على ما فاتكم من إخوانكم الذين قتلوا.
ويحتمل: ما أصابكم من القروح؛ أي: تلك القروح والجراحات لا تمنعكم عن قتال العدو؛ ولكم الآخرة والشهادة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ في الآخرة.
وقيل: ﴿ الأَعْلَوْنَ ﴾ المحقون بالحجج.
وقيل: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ في النصر؛ أي: ترجع عاقبة الأمر إليكم.
ويحتمل أن النصر لكم إن لم تضعفوا في الحرب، ولم تعصوا الله - عز وجل - ورسوله .
ويحتمل: ﴿ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ﴾ : لكم الشهادة إذا قتلتم؛ وأحياء عند الله، وهم أموات.
وقوله - عز وجل -: [ ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ].
ليس على الشرط؛ ولكن على الخبر؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ ﴾ أي: إذ كن يؤمن [بالله]، وإن كنتم مؤمنين بالوعد والخبر.
<div class="verse-tafsir"
ولا تضعفوا -أيها المؤمنون- ولا تحزنوا على ما أصابكم يوم أُحد -ولا ينبغي ذلك لكم، فأنتم الأعلون بإيمانكم، والأعلون بعون الله ورجائكم نصره، إن كنتم مؤمنين بالله ووعده لعباده المتقين.
<div class="verse-tafsir" id="91.5RZ4X"
هذه الآيات وما بعدها في قصة أُحد وما فيها من السنن الاجتماعية والحكم والأحكام فهي متصلة بقوله : ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ إلخ الآيات التي تقدمت.
﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ إن بعض المفسرين يجعل الآيتين الأوليين من هذه الآيات تمهيدًا لما بعدهما من النهي عن الوهن والحزن وما يتبع ذلك، وعلى هذا جرى (الجلال) كأنه يقول إن هذا الذي وقع لا يصح أن يضعف عزائمكم فإن السنن التي قد خلت من قبلكم تبين لكم كيف كانت مصارعة الحق للباطل وكيف ابتلي أهل الحق أحيانًا بالخوف والجوع والانكسار في الحرب ثم كانت العاقبة لهم فانظروا كيف كانت عاقبة المكذبين للرسل المقاومين لهم فإنهم كانوا هم المخذولين المغلوبين وكان جند الله هم المنصورين الغالبين، وإذا كان الأمر كذلك فلا تهنوا ولا تحزنوا لما أصابكم في أُحد.
هذا رأي ضعيف، فإن ذكر السنن بعد آيات متعددة، في موضوعات مختلفة، تفيد معاني كثيرة.
فإن الله تعالى نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة من الأعداء الذين بدت لهم بغضاؤهم، وبيّن هو لهم مجامع خبثهم وكيدهم.
ثم ذكر النبي والمؤمنين بوقعة أحد وما كان فيها بالإجمال، وذكرهم بنصره لهم ببدر.
ثم ذكر المتقين وأوصافهم وما وعدوا به.
ثم ذكر بعد ذلك كله مضي السنن في الأمم وأنه بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين، فذكر السنن بعد ذلك كله يفيد معاني كثيرة تحتاج إلى شرح طويل جدًا لا معنى واحدًا كما قيل.
وإن في القرآن من إفادة المباني القليلة للمعاني الكثيرة بمعونة السياق والأسلوب ما لا يخطر في بال أحد من كتاب البشر وعلمائهم ومثل هذا مما تجب العناية ببيانه.
يقول الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز إن كون القرآن معجزًا ببلاغته يوجب علينا أن نجعل أسلوبه الذي كان معجزًا به فنًا ليبقى دالًا على وجه إعجازه، كذلك أقول إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننًا يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال وبيّنها العلماء بالتفصيل عملًا بإرشاده كالتوحيد والأصول والفقه.
والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها.
ولا يحتج علينا بعدم تدوين الصحابة لها فإن الصحابة لم يدونوا غير هذا العلم من العلوم الشرعية التي وضعت لها الأصول والقواعد، وفرعت منها الفروع والمسائل.
وإنني لا أشك في كون الصحابة كانوا مهتدين بهذه السنن وعالمين بمراد الله من ذكرها.
يعني أنهم بما لهم من معرفة أحوال القبائل العربية والشعوب القريبة منهم ومن التجارب والأخبار في الحرب وغيرها وبما منحوا من الذكاء والحذق وقوة الاستنباط كانوا يفهمون المراد من سنن الله تعالى ويهتدون بها في حروبهم وفتوحاتهم وسياستهم للأمم التي استولوا عليها.
وما كانوا عليه من العلم بالتجربة والعمل انفع من العلم النظري المحض وكذلك كانت علومهم كلها، ولما اختلفت حالة العصر اختلافًا احتاجت معه الأمة إلى تدوين علم الأحكام وعلم العقائد وغيرهما كانت محتاجة أيضًا إلى تدوين هذا العلم، ولك أن تسميه علم السنن الإلهية أو علم الاجتماع أو علم السياسة الدينية.
سم بما شئت فلا حرج في التسمية.
ومعنى الجملة: انظروا إلى من تقدمكم من الصالحين والمكذبين فإذا أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقبتكم كعاقبتهم، وإن سلكتم سبل المكذبين فعاقبتكم كعاقبتهم، وفي هذا تذكير لمن خالف أمر النبي في أُحد.
ففي الآية مجاري أمن ومجاري خوف، فهو على بشارته لهم فيها بالنصر وهلاك عدوهم ينذرهم عاقبة الميل عن سننه ويبين لهم أنهم إذا ساروا في طريق الضالين من قبلهم فإنهم ينتهون إلى مثل ما انتهوا إليه، فالآية خبر وتشريع، وفي طيها وعد ووعيد.
﴿ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ أي أن المصارعة بين الحق والباطل قد وقعت من الأمم الماضية، وكان أهل الحق يغلبون أهل الباطل ويُنْصَرون عليهم بالصبر والتقوى، وكان ذلك يجري بأسباب مطردة، وعلى طرائق مستقيمة، يعلم منها أن صاحب الحق إذا حافظ عليه ينصر ويرث الأرض، وأن من ينحرف عنه ويعيث في الأرض فسادًا يخذل وتكون عاقبته الدمار، فسيروا في الأرض واسْتْقرُوا ما حل بالأمم ليحصل لكم العلم الصحيح التفصيلي بذلك وهو الذي يحصل به اليقين ويترتب عليه العمل.
وقال بعض المفسرين إن لم تصدقوا فسيروا.
وهذا قول باطل.
والسير في الأرض والبحث عن أحوال الماضين وتعرف ما حل بهم هو الذي يوصل إلى معرفة تلك السنن والاعتبار بها كما ينبغي.
نعم إن النظر في التاريخ الذي يشرح ما عرفه الذين ساروا في الأرض ورأوا آثار الذين خلوا يعطي الإنسان من المعرفة ما يهديه إلى تلك السنن ويفيده عظة واعتبارًا، ولكن دون اعتبار الذي يسير في الأرض بنفسه ويرى الآثار بعينه ولذلك أمر بالسير والنظر.
ثم اتبع ذلك بقوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كأنه يقول إن كل إنسان له عقل يعتبر به فهو يفهم أن السير في الأرض يدله على تلك السنن، ولكن المؤمن المتقي أجدر بفهمها لأن كتابه أرشده إليها وأجدر كذلك بالاهتداء والاتعاظ بها.
وقد بينا في تفسير الفاتحة أن لسير الناس في الحياة سننًا يؤدي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها إلى الهلاك والشقاء وأن من يتبع تلك السنن فلا بد أن ينتهي إلى غايتها سواء كان مؤمنًا أو كافرًا كما قال سيدنا علي: "إن هؤلاء قد انتصروا باجتماعهم على باطلهم وخذلتهم بتفرقكم عن حقكم".
ومن هذه السنن أن اجتماع الناس وتواصلهم وتعاونهم على طلب مصلحة من مصالحهم يكون، مع الثبات، من أسباب نجاحهم ووصولهم إلى مقصدهم سواء كان ما اجتمعوا عليه حقًا أو باطلًا، وإنما يصلون إلى مقصدهم بشيء من الحق والخير ويكون ما عندهم من الباطل قد ثبت باستناده إلى ما معهم من الحق وهو فضيلة الاجتماع والتعاون والثبات.
فالفضائل لها عماد من الحق فإذا قام رجل بدعوى باطلة ولكن رأى جمهور من الناس أنه محق يدعو إلى شيء نافع وأنه يجب نصره فاجتمعوا عليه ونصروه وثبتوا على ذلك فإنهم ينجحون معه بهذه الصفات.
ولكن الغالب أن الباطل لا يدوم بل لا يستمر زمنًا طويلًا لأنه ليس له في الواقع ما يؤيده بل له ما يقاومه فيكون صاحبه دائمًا متزلزلًا فإذا جاء الحق ووجد أنصارًا يجرون على سنة الاجتماع في التعاون والتناصر، ويؤيدون الداعي إليه بالثبات والتعاون، فإنه لا يلبث أن يدمغ الباطل وتكون العاقبة لأهله، فإن شابت حقهم شائبة من الباطل، أو انحرفوا عن سنن الله في تأييده، فإن العاقبة تنذرهم بسوء المصير.
فالقرآن يهدينا في مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نعرف أنفسنا وكنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقنا ومن السير على سنن الله في طلبه وفي حفظه وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه وإلا كنا غير مهتدين ولا متعظين.
﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ إن الحزن إنما يكون على ما فات الإنسان وخسره مما يحبه.
وسببه أنه يشعر أنه قد فاته بفوته شيء من قوته وفقد بفقده شيئًا من عزيمته أو أعضائه.
ذلك بأن صلة الانسان بمحبوباته من المال والمتاع والناس كالأصدقاء وذي القربى تكسبه قوة وتعطيه غبطة وسرورًا فإذا هو فقد شيئًا منها بلا عوض فإنه يعرض لنفسه ألم الحزن الذي يشبه الظلمة ويسمونه كدرًا كأن النفس كانت صافية رائقة فجاء ذلك الانفعال فكدرها بما أزال من صفوها.
وقد يقال هنا نهاهم عن الوهن بما عرض لهم والحزن على ما فقدوا في "أُحد" وكل من الوهن والحزن كان قد وقع وهو أمر طبيعي في مثل الحال التي كانوا عليها؟
والجواب أن المراد بالنهي ما يمكن أن يتعلق به الكسب من معالجة وجدان النفس بالعمل ولو تكلفًا.
كأنه يقول: انظروا في سنن من قبلكم تجدوا أنه ما اجتمع قوم على حق وأحكموا أمرهم وأخذوا أهبتهم وأعدوا لكل أمر عدته، ولم يظلموا أنفسهم في العمل لنصرته، إلا وظفروا بما طلبوا، وعوضوا مما خسروا، فحولوا وجوهكم عن جهة ما خسرتم، وولوها جهة ما يستقبلكم، وانهضوا به العزيمة والحزم، مع التوكل على الله ، والحزن إنما يكون على فقد ما لا عوض منه وإن لكم خير عوض مما فقدتم، وأنتم الأعلون برجحانكم عليهم في مجموع الوقعتين -بدر وأحد- إذ الذين قتلوا منهم أكثر من الذين قتلوا منكم، على كثرتهم وقلتكم، أو جملة وأنتم الأعلون معترضة يراد بها التبشير بما يكون في المستقبل من النصر، وهما قولان المفسرين.
وسواء كانت للتسلية أو للبشارة فهي مرتبطة بالإيمان الصحيح الذي لا شائبة فيه فإن من اخترق هذا الإيمان فؤاده وتمكن من سويدائه، يكون على يقين من العاقبة، بعد الثقة من مراعاة السنن العامة، والأسباب المطردة، ولذلك قال: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ومثل هذا الشرط كثير في القرآن وهو ليس للشك وإنما يراد به تنبيه المؤمن إلى حاله، ومحاسبة نفسه على أعماله.
رأيت النبي ليلة الخميس الماضية (غرة ذي القعدة سنة ١٣٢٠) في الرؤيا منصرفًا مع أصحابه من أحد وهو يقول: "لو خيرت بين النصر والهزيمة لاخترت الهزيمة" أي لما في الهزيمة من التأديب الإلهي للمؤمنين وتعليمهم أن يأخذوا بالاحتياط ولا يغتروا بشيء يشغلهم عن الاستعداد وتسديد النظر وأخذ الأهبة وغير ذلك من الأسباب والسنن.
ثم بين تعالى وجه جدارتهم بأن لا يهنوا ولا يحزنوا فقال: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم "قرح" بضم القاف والباقون بفتحها.
قال كثير من المفسرين إن القرح بالفتح والضم واحد فهو "كالضعف" فيه اللغتان ومعناه الجرح، وقال بعضهم إن القرح بالفتح هو الجراح وبالضم أثرها وألمها.
ورجح ابن جرير قراءة الفتح قال "لإجماع أهل التأويل على أن معناه القتل والجراح فذلك يدل على أن القراءة هي بالفتح وكان بعض أهل العربية يزعم أن القَرح والقُرح لغتان بمعنى واحد والمعروف عند أهل العلم بكلام العرب ما قلنا" أي من أن القرح بالفتح يشمل الجرح والقتل ويؤيده أنه هو الذي حصل.
وفي لسان العرب "القَرح والقُرح" لغتان عض السلاح ونحوه مما يجرح الجسد وقيل القَرح الآثار والقُرح الألم.
عبر المضارع بدل الماضي فلم يقل: "إن يمسكم قرح" ليحضر صورة المس في أذهان المخاطبين.
وإن اعتبار المساواة في المثل من التدقيق الفلسفي الذي لم تكن تقصده العرب في مثل هذه العبارة، وهذا القول صحيح على كل تقدير.
﴿ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ .
هذه قاعدة كقاعدة ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ أي هذه سنة من تلك السنن وهي ظاهرة بين الناس بصرف النظر عن المحقين والمبطلين.
والمداولة في الواقع تكون مبنية على أعمال الناس فلا تكون الدولة لفريق دون آخر جزافًا وإنما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حق رعايتها.
أي إذا علمتم أن ذلك سنة، فعليكم أن لا تهنوا وتضعفوا بما أصابكم لأنكم تعلمون أن الدولة تدول.
والعبارة تومئ إلى شيء مطوي كان معلومًا لهم وهو أن لكل دولة سبب فكأنه قال: إذا كانت المداولة منوطة بالأعمال التي تفضي إليها كالاجتماع والثبات وصحة النظر وقوة العزيمة وأخذ الأهبة وإعداد ما يستطاع من القوة فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتحكموها أتم الإحكام.
وفي الجملة من الإيجاز وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة ما لا يعهد مثله في غير القرآن.
ثم قال : ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إن المراد بعلم الله فيه علم عباده، وإنهم يفسرونه بعلم الظهور أي ليظهر علمه بذلك.
ومعنى قول الجمهور: أن المراد بالعلم علم الظهور أن العلم بالشيء على أنه سيقع ثابت في الأزل فإذا وقع ذلك الشيء حصل تغير في ذلك المعلوم فصار حالًا بعد أن كان مستقبلًا فهل تعَلُّق العلم به عند الوقوع هو عين تَعَلُّقه به من الأزل إلى قبيل وقوعه؟
قال الحكماء: إن الزمن ليس بشيء بالنسبة إلى الله فليس هناك تقدم ولا تأخر ولا متقدم ولا متأخر فتعلق العلم بالمعلوم واحد في الأزل والأبد.
فعلى هذا القول يكون معنى ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾ ليظهر علمه للناس بظهور المعلوم لهم فهو كقوله: ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ أي يعلم الناس ذلك ويميزونه.
وأما جمهور المتكلمين فيقولون إن الله تعالى يعلم كل شيء أزلًا وأبدًا ولكن تعلق علمه بالأشياء على أنها ستقع غير تعلق علمه بها وهي واقعة فذلك علم غير ظاهر فيه المعلوم في الوجود وهذا علم ظهر متعلقه ووجد.
والمراد بقوله: "ليعلم" الثاني.
إنهم يريدون بعلم الغيب والشهادة معنى آخر، إن العبارة ظاهرة الصحة وإيهام تجدد العلم الإلهي مدفوع، ولكن ما النكتة في اختيار هذه العبارة وأمثالها كقوله في الآية التي بعد هذه الآية: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ولم لم يبين المراد بعبارة لا إيهام فيها؟
النكتة بيان أن العلم إذا لم يصدقه العمل لا يعتد به.
وبيان ذلك أن الانسان كثيرًا ما يتصور الشيء ويحكم بصحته فيرى أنه يعتقده، ولكن إذا عرض العمل كذبه في اعتقاده وتبين أنه لم يكن متحققًا به وإنما كان صورة انطبعت في مخه مع الغفلة عما يعارضها من سائر عقائده المتمكنة التي لها سلطان على وجدانه وأثر في عمله وأخلاقه وعادته التي تجري عليها أعماله.
مثال ذلك أن بعض الناس تحدثه نفسه بأنه شجاع ويعتقد ذلك لعدم وجود ما يعارضه في نفسه حتى إذا ما عرض له ما لا تظهر به حقيقة الشجاعة بالفعل من الحاجة إلى ركوب الخطر وخوض غمرات الموت دفاعًا عن الحق أو الحقيقة جبن وجزع وظهر غروره بنفسه وانخداعه لوهمه.
ومثله من تحدثه نفسه بأنه لقوة إيمانه عظيم الثقة بالله والتوكل عليه، حتى تظهر الحوادث والوقائع أنه هلوع إذا مسه الشر كان جزوعًا، وإذا مسه الخير كان منوعًا، لا يثق بربه ولا بنفسه.
فأراد الله تعالى أن يرشدنا بقوله ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ إلى أن العلم لا يكون علمًا والإيمان لا يكون إيمانًا إلا إذا صدقهما العمل وظهر أثرهما بالفعل فكأنه قال ليتبين الذين آمنوا على طريق التمثيل.
وأما قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أنه من الشهادة في القتال وهي أن يقتل المؤمن في سبيل الله أي مدافعًا عن الحق قاصدًا إعلاء كلمته.
والثاني: أنه من الشهادة على الناس بالمعنى الذي تقدم في قوله : ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ والأول هو الذي يسبق إلى الذهن في هذا المقام.
وإنما سمي هؤلاء المقتولون شهداء لأنهم يشاهدون بعد الموت من الملكوت ونعيمه ما لا يكون لغيرهم، أو لأنهم ببذل أنفسهم في سبيل الله يكونون من الشهداء على الناس يوم القيامة بالمعنى المشار إليه آنفًا، أو لأنه مشهود لهم بالجنة، ولأن الملائكة تشهد موتهم.
أقوال.
وقوله: ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ جملة معترضة مسوقة لبيان أن الشهداء يكونون مما خلصوا لله وأخلصوا في إيمانهم وأعمالهم فلم يظلموا أنفسهم بمخالفة الأمر أو النهي، ولا بالخروج عن سنن الله في الخلق، وأنه تعالى لا يصطفي للشهادة الظالمين ما داموا على ظلمهم، وفي ذلك بشارة للمتقين، وإنذار للمقصرين، فالناس قبل الابتلاء بالمحن والفتن يكونون سواء، فإذا ابتلوا تبين المخلص والصادق، والظالم والمنافق، وما أسهل ادعاء الاخلاص والصدق إذا كانت آياتهما مجهولة.
فبيان السبب مؤدب للمقصرين، وقاطع لألسنة المدعين، إلا أن يكونوا مع الأغبياء الجاهلين.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ قال البعض إن التمحيص تكفير الذنوب وهو مردود بأن المعهود من القرآن التعبير عن هذا المعنى بالتكفير، وبأن للتمحيص هنا معنى آخر يتفق مع ما قاله بعض المفسرين في جملته لا في تصويره.
كل إنسان يحكم لنفسه في نفسه بأمور كثيرة يصدقه فيها الحق الواقع أو يكذبه فالمعتقد حقية الدين قد يتصور وقت الرخاء أنه يسهل عليه بذل ماله ونفسه في سبيل الله ليحفظ شرف دينه ويدفع عنه كيد المعتدين، فإذا جاء البأس ظهر له من نفسه خلاف ما كان يتصور.
فالإنسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلى كمال التجلي إلا بالتجارب الكثيرة والامتحان بالشدائد العظيمة، فالتجارب والشدائد كتمحيص الذهب يظهر به زيفه ونضاره.
ثم إنها أيضًا تنفي خبثه وزغله.
كذلك كان الأمر في أحد: تميز المؤمنون الصادقون من المنافقين، وتطهرت نفوس بعض ضعفاء المؤمنين من كدورتها فصارت تبرًا خالصًا، وهؤلاء هم الذين خالفوا أمر النبي وطمعوا في الغنيمة والذين انهزموا وولوا وهم مدبرون، محص الجميع بتلك الشدة فعلموا أن المسلم ما خلق ليلهو ويلعب، ولا ليكسل ويتواكل، ولا لينال الظفر والسيادة بخوارق العادات، وتبديل سنن الله في المخلوقات، بل خلق ليكون أكثر الناس جدًا في العمل، وأشدهم محافظة على النواميس والسنن.
وأما محق الكافرين بالشدائد فليس معناه فناؤهم وهلاكهم وإنما هو اليأس يسطو عليهم، وفقد الرجاء يذهب بعزائمهم، حتى يذهب ما كان قد بقي من نور الفضيلة في نفوسهم، فلا تبقى لهم شجاعة ولا بأس، ولا شيء من عزة النفس، فيكون أحدهم كالهلال في المحاق لا نور له، بل يكون وجوده كالعدم لأنه لا أثر له ولا فائدة فيه، فذلك محقه إذا غلب على أمره.
وإذا هو انتصر طغى وتجبر، وبغى وظلم، وذلك محق معنوي، وتكون عاقبته المحق الصوري، كذلك لا يثبت للكافرين المبطلين وجود مع المؤمنين الصادقين، وإنما يبقون ظاهرين إذا لم يظهر من أهل الحق والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.
<div class="verse-tafsir"