الآية ١٥١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥١ من سورة آل عمران

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًۭا ۖ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 121 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم ، بسبب كفرهم وشركهم ، مع ما ادخره لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال ، فقال : ( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) .

وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان - يعني التيمي - عن سيار ، عن أبي أمامة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلني [ ربي ] على الأنبياء - أو قال : على الأمم - بأربع " قال " أرسلت إلى الناس كافة وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره ، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي وأحل لي الغنائم " .

ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي ، عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي - سكن البصرة - عن أبي أمامة صدي بن عجلان ، رضي الله عنه ، به .

وقال : حسن صحيح .

وقال سعيد بن منصور : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث : أن أبا يونس حدثه ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " نصرت بالرعب على العدو " .

ورواه مسلم من حديث ابن وهب .

وروى الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق عن أبي بردة ، عن أبيه أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خمسا : بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي ، ونصرت بالرعب شهرا ، وأعطيت الشفاعة ، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته ، وإني اختبأت شفاعتي ، ثم جعلتها لمن مات لا يشرك بالله شيئا " .

تفرد به أحمد .

وروى العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) قال : قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب ، فرجع إلى مكة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا ، وقد رجع ، وقذف الله في قلبه الرعب " .

رواه ابن أبي حاتم .

وقوله : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) قال ابن عباس : وعدهم الله النصر .

وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله : ( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين .

بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) أن ذلك كان يوم أحد لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل ، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام ، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة ، تأخر الوعد الذي كان مشروطا بالثبات والطاعة ، ولهذا قال :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: سيلقى الله، أيها المؤمنون =" في قلوب الذين كفروا " بربهم، وجحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ممن حاربكم بأحد =" الرعب "، وهو الجزع والهلع =" بما أشركوا بالله "، يعني: بشركهم بالله وعبادتهم الأصنام، وطاعتهم الشيطان التي لم أجعل لهم بها حجة = وهي" السلطان " = التي أخبر عز وجل أنه لم ينـزله بكفرهم وشركهم.

وهذا وعدٌ من الله جل ثناؤه أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر على أعدائهم، والفلج عليهم، ما استقاموا على عهده، وتمسكوا بطاعته.

ثم أخبرهم ما هو فاعلٌ بأعدائهم بعد مصيرهم إليه، فقال جل ثناؤه: " ومأواهم النار "، يعني: ومرجعهم الذي يرجعون إليه يوم القيامة، النارُ =" وبئس مثوى الظالمين "، يقول: وبئس مقام الظالمين - الذين ظلموا أنفسهم باكتسابهم ما أوجب لها عقابَ الله - النارُ، كما:- 8002- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينـزل به سلطانًا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين "، إني سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب الذي به كنت أنصركم عليهم، بما أشركوا بي ما لم أجعل لهم به حجة، أي: فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهور عليكم، ما اعتصمتم واتبعتم أمري، للمصيبة التي أصابتكم منهم بذنوب قدمتموها لأنفسكم، خالفتم بها أمري، وعصيتم فيها نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم.

(7) 8003- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجِّهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق.

ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم، إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم!

(8) ارجعوا فاستأصلوهم!

فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فانهزموا.

فلقوا أعرابيًّا، فجعلوا له جُعْلا وقالوا له: إن لقيت محمدًا فأخبره بما قد جمعنا لهم.

فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فأنـزل الله عز وجل في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما قُذف في قلبه من الرعب فقال: " سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ".

(9) -------------- الهوامش : (7) الأثر: 8002- سيرة ابن هشام 3: 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8001.

(8) "الشريد" ، هكذا في المطبوعة والدر المنثور 2: 82 ، وأما المخطوطة ، فاللفظ فيها مضطرب لا يستبين.

وانظر أيضًا رقم: 8237.

(9) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه: "يتلوه القول في تأويل قوله: "ولقد صدقكم الله وعده" وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم" ثم يتلوه ما نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسرِّ".

أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان قال ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير" ثم انظر ما سلف في ص6: 495 ، 496 التعليق رقم: 5 / ثم 7: 21 ، تعليق 1 / ثم 7: 154 ، تعليق: 1.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالميننظيره وقذف في قلوبهم الرعب .

وقرأ ابن عامر والكسائي " الرعب " بضم العين ; وهما لغتان .

والرعب : الخوف ; يقال : رعبته رعبا ورعبا ، فهو مرعوب .

ويجوز أن يكون الرعب مصدرا ، والرعب الاسم .

وأصله من الملء ; يقال سيل راعب يملأ الوادي .

ورعبت الحوض ملأته .

والمعنى : سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا .

وقرأ السختياني " سيلقي " بالياء ، والباقون بنون العظمة .

قال السدي وغيره : لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة انطلقوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ندموا وقالوا : بئس ما صنعنا !

قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ، ارجعوا فاستأصلوهم ; فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به .

والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام ; قال الله تعالى : وألقى الألواح فألقوا حبالهم وعصيهم فألقى عصاه .

قال الشاعر :فألقت عصاها واستقر بها النوىثم قد يستعمل مجازا كما في هذه الآية ، وقوله : وألقيت عليك محبة مني وألقي عليك مسألة .قوله تعالى : بما أشركوا بالله تعليل ; أي كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم إشراكهم ; فما للمصدر .

ويقال أشرك به أي عدل به غيره ليجعله شريكا .قوله تعالى : ما لم ينزل به سلطانا حجة وبيانا ، وعذرا وبرهانا ; ومن هذا قيل ، للوالي [ ص: 221 ] سلطان ; لأنه حجة الله عز وجل في الأرض .

ويقال : إنه مأخوذ من السليط وهو ما يضاء به السراج ، وهو دهن السمسم ; قال امرؤ القيس :أمال السليط بالذبال المفتلفالسلطان يستضاء به في إظهار الحق وقمع الباطل .

وقيل السليط الحديد .

والسلاطة الحدة .

والسلاطة من التسليط وهو القهر ; والسلطان من ذلك ، فالنون زائدة .

فأصل السلطان القوة ، فإنه يقهر بها كما يقهر بالسلطان .

والسليطة المرأة الصاخبة .

والسليط الرجل الفصيح اللسان .

ومعنى هذا أنه لم تثبت عبادة الأوثان في شيء من الملل .

ولم يدل عقل على جواز ذلك .

ثم أخبر الله تعالى عن مصيرهم ومرجعهم فقال : ومأواهم النار ثم ذمه فقال : وبئس مثوى الظالمين والمثوى : المكان الذي يقام فيه ; يقال : ثوى يثوي ثواء .

والمأوى : كل مكان يرجع إليه شيء ليلا أو نهارا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه وحده وليا وناصرا من دون كل أحد، فمن ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، وهو الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم، وقد فعل تعالى.

وذلك أن المشركين -بعدما انصرفوا من وقعة "أحد" - تشاوروا بينهم، وقالوا: كيف ننصرف، بعد أن قتلنا منهم من قتلنا، وهزمناهم ولما نستأصلهم؟

فهموا بذلك، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فانصرفوا خائبين، ولا شك أن هذا من أعظم النصر، لأنه قد تقدم أن نصر الله لعباده المؤمنين لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، وهذا من الثاني.

ثم ذكر السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، فقال: { بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } أي: ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه من الأنداد والأصنام، التي اتخذوها على حسب أهوائهم وإرادتهم الفاسدة، من غير حجة ولا برهان، وانقطعوا من ولاية الواحد الرحمن، فمن ثم كان المشرك مرعوبا من المؤمنين، لا يعتمد على ركن وثيق، وليس له ملجأ عند كل شدة وضيق، هذا حاله في الدنيا، وأما في الآخرة فأشد وأعظم، ولهذا قال: { ومأواهم النار } أي: مستقرهم الذي يأوون إليه وليس لهم عنها خروج، { وبئس مثوى الظالمين } بسبب ظلمهم وعدوانهم صارت النار مثواهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) وذلك أن أبا سفيان والمشركين لما ارتحلوا يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى إذا بلغوا بعض الطريق ندموا وقالوا : بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم ، ارجعوا فاستأصلوهم فلما عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به .

سنلقي أي : سنقذف في قلوب الذين كفروا ، الرعب : الخوف ، وقرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب ( الرعب ) بضم العين وقرأ الآخرون بسكونها ، ( بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ) حجة وبرهانا ، ( ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) مقام الكافرين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب» بسكون العين وضمها الخوف، وقد عزموا بعد ارتحالهم من أُحد على العود واستئصال المسلمين فرعبوا ولم يرجعوا «بما أشركوا» بسبب إشراكهم «بالله ما لم ينزل به سلطانا» حجة على عبادته وهو الأصنام «ومأواهم النار وبئس مثوى» مأوى «الظالمين» الكافرين هي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سنقذف في قلوب الذين كفروا أشدَّ الفزع والخوف بسبب إشراكهم بالله آلهة مزعومة، ليس لهم دليل أو برهان على استحقاقها للعبادة مع الله، فحالتهم في الدنيا: رعب وهلع من المؤمنين، أما مكانهم في الآخرة الذي يأوون إليه فهو النار؛ وذلك بسبب ظلمهم وعدوانهم، وساء هذا المقام مقامًا لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بشرهم - سبحانه - بأنه سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم فقال - تعالى - : { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب بِمَآ أَشْرَكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } .والرعب : الخوف والفزع ، يقال رعبه يرعبه أى خوفه أصله من الملء يقال : سيل راعب ، إذا ملأ الأودية .

ورعبت الحوض : ملأته .والسلطان : الحجة والبرهان وسميت الحجة سلطانا لقوتها ونفوذها .

أصل المادة يدل على الشدة والقوة ومنها السليط الشديد واللسان الطويل .والمعنى : سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا بسبب إشراكهم مع الله - تعالى - آلهة لم ينزل الله بها حجة والمراد : أنه لا حجة لهم حتى ينزلها .قال الآلوسى : قوله { مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ } أى بإشراكه أو بعبادته ، و " ما " نكره موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية و " سلطانا " أى حجة والإتيان بها للإشارة بأن المتبع فى باب التوحيد هو البرهان السماوى دون الآراء والأهواء الباطلة .

.

وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم ، أى : لا حجة حتى ينزلها ، فهو على حد قوله فى وصف مفازة :لا تفزع الأرنب أهوالها ...

ولا ترى الضب بها ينجحرإذ المراد : لا ضب بها حتى ينجحر .

فالمراد نفيهما جميعا .فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين بأن الله - تعالى - سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم حتى لا يتجاسروا عليهم .ومن مظاهر الرعب التى ألقاها الله - تعالى - فى قلوب المشركين أنهم بعد أن انتصروا على المسلمين فى غزوة أحد .

كان فى قدرتهم أن يوغلوا فى مهاجمتهم وقتالهم إلا أن الرعب صدهم عن ذلك .ولقد حاولوا وهم فى طريقهم إلى مكة أن يعودوا للقضاء على المسلمين إلا أن الخوف داخل قلوبهم وجعل أحد زعمائهم وهو صفوان بن أمية يقول لهم : " يا أهل مكة لا ترجعوا لقتال القوم ، فإنى أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذى كان " .قال الفخر الرازى ما ملخصه قوله { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } اختلفوا فى أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد ، أو هو عام فى جميع الأوقات؟قال كثير من المفسرين : إنه مختص بهذا اليوم ، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت فى هذه الواقعة .ثم القائلون بهذا القول ذكروا فى كيفية إلقاء الرعب فى قلوب المشركين فى هذا اليوم وجهين :الأول : أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب فى قلوبهم ، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب .والثانى : أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة فلما كانوا فى بعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئاً قتلنا الأكثرين منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون .

ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب فى قلوبهم .والقول الثانى : أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد ، بل هو عام ، كأنه قيل : إنه وإن وقعة لكم هذه الواقعة فى يوم أحد ، إلا أن الله - تعالى - سيلقى الرعب منكم بعد ذلك فى قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار ، ويظهر دينكم على سائر الأديان .وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرا لجميع الأديان والملل .

ونظير هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم " نصرت بالرعب مسيرة شهر " .ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء عاقبة هؤلاء الكافرين فقال : { وَمَأْوَاهُمُ النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين } .والمأوى : اسم مكان من أوى يأوى .

وهو المكان الذى يرجع إليه الشخص ويعود إليه .والمثوى : اسم مكان - أيضا - يقال : ثوى بالمكان وفيه يثوى ثواء وثويا وأثوى به ، أى أطال الإقامة والنزول فيه .والمعنى : أن هؤلاء الكافرين سيلقى الله - تعالى - الرعب والفزع فى قلوبهم حتى لا يتجاسروا على المؤمنين ، هذا فى الدنيا ، أما فى الآخرة ، فالمكان الذى يأوون إليه ويستقرون فيه هو النار ، لا مأوى لهم غيرها ، وبئس هذه النار موضع إقامة دائمة لهم .وقد أظهر - سبحانه - الاسم فى موضع الإضمار فلم يقل : وبئس النار مثواهم ، بل قال : { وَبِئْسَ مثوى الظالمين } : للإشارة إلى أن هذا المآل الأليم إنما هو جزاء عادل لهم بسبب ظلمهم إذ هم الذين ظلموا أنفسهم فأضلوها وصدوها عن الحق فكانت نهايتهم تلك النهاية المهينة ، " وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون " .وفى جعل هذه النار مثواهم بعد جعلها مأواهم إشارة إلى خلودهم فيها ، فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث ، وأما المأوى فهو المكان الذى يأوى إليه الإنسان .وقدم المأوى على المثوى لأن هذا هو الترتيب الوجودى فى الخارج ، لأن الإنسان يأوى إلى المكان ثم يثوى فيه .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن إطاعة الكافرين وبينت لهم النتائج الوخيمة التى تترتب على إطاعتهم ثم دعتهم إلى الاعتصام بدين الله وبشرتهم بسوء عاقبة أعدائهم فى الدنيا والآخرة .ثم ذكر الله - تعالى - المؤمنين بما حدث لهم فز غزوة أحد ، وكيف أنهم انتصروا على أعدائهم فى أول معركة ثم كيف أنهم أصيبوا بالهزيمة بعد ذلك بسبب فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى هذه المعركة تصويرا بليغا مؤثرا وحكى أقوال ضعاف الإيمان ورد عليها بما يدحضها .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك فيقول : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ .

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره، فإنه تعالى ذكر وجوها كثيرة في الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار، ومن جملتها ما ذكر في هذه الآية أنه تعالى يلقي الخوف في قلوب الكفار، ولا شك أن ذلك مما يوجب استيلاء المسلمين عليهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد، أو هو عام في جميع الأوقات؟

قال كثير من المفسرين: إنه مختص بهذا اليوم، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين: الأول: أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل، وقال: أين ابن أبي كبشة، وأين ابن أبي قحافة، وأين ابن الخطاب، فأجابه عمر، ودارت بينهما كلمات، وما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل والذهاب إليهم، والثاني: أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة، فلما كانوا في بعض الطريق قالوا: ما صنعنا شيئاً، قتلنا الأكثرين منهم، ثم تركناهم ونحن قاهرون، ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم.

والقول الثاني: أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام.

قال القفال رحمه الله: كأنه قيل إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أن الله تعالى سيلقي الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان.

وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهراً لجميع الأديان والملل، ونظير هذه الآية قوله عليه السلام نصرت بالرعب مسيرة شهر.

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر والكسائي ﴿ الرعب ﴾ بضم العين، والباقون بتخفيفها في كل القرآن، قال الواحدي: هما لغتان، يقال: رعبته رعبا ورعبا وهو مرعوب، ويجوز أن يكون الرعب مصدرا، والرعب اسم منه.

المسألة الثالثة: الرعب: الخوف الذي يحصل في القلب، وأصل الرعب الملء، يقال سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار، وإنما سمي الفزع رعبا لأنه يملأ القلب خوفا.

المسألة الرابعة: ظاهر قوله: ﴿ سَنُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ يقتضي وقوع الرعب في جميع الكفار، فذهب بعض العلماء إلى اجراء هذا العموم على ظاهره، لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه ضرب من الرعب من المسلمين، إما في الحرب، وإما عند المحاجة.

وقوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ لا يقتضي وقوع جميع أنواع الرعب في قلوب الكفار، إنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من بعض الوجوه، وذهب جمع من المفسرين إلى أنه مخصوص بأولئك الكفار.

أما قوله: ﴿ بِمَا أَشْرَكُواْ بالله ﴾ فاعلم أن ما مصدرية، والمعنى: بسبب إشراكهم بالله.

واعلم أن تقدير هذا بالوجه المعقول هو أن الدعاء إنما يصير في محل الاجابة عند الاضطرار كما قال: ﴿ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ  ﴾ ومن اعتقد أن لله شريكا لم يحصل له الاضطرار، لأنه يقول: إن كان هذا المعبود لا ينصرني، فذاك الآخر ينصرني، وإن لم يحصل في قلبه الاضطرار لم تحصل الاجابة ولا النصرة، وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعب والخوف في قلبه، فثبت أن الاشراك بالله يوجب الرعب.

أما قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: السلطان هاهنا هو الحجة والبرهان، وفي اشتقاقه وجوه: الأول: قال الزجاج: إنه من السليط وهو الذي يضاء به السراج، وقيل للأمراء سلاطين لأنهم الذين بهم يتوصل الناس إلى تحصيل الحقوق.

الثاني: أن السلطان في اللغة هو الحجة، وإنما قيل للأمير سلطان، لأن معناه أنه ذو الحجة.

الثالث: قال الليث: السلطان القدرة، لأن أصل بنائه من التسليط وعلى هذا سلطان الملك: قوته وقدرته، ويسمى البرهان سلطاناً لقوته على دفع الباطل.

الرابع: قال ابن دريد: سلطان كل شيء حدته، وهو مأخوذ من اللسان السليط، والسلاطة بمعنى الحدة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا ﴾ يوهم أن فيه سلطانا إلا أن الله تعالى ما أنزله وما أظهره، إلا أن الجواب عنه أنه لو كان لأنزل الله به سلطانا، فلما لم ينزل به سلطاناً وجب عدمه، وحاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون: أن هذا مما لا دليل عليه فلم يجز إثباته، ومنهم من يبالغ فيقول: لا دليل عليه فيجب نفيه، ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع، فقال: لا سبيل إلى اثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات اليه، ويكفي في دفع هذه الحاجة اثبات الصانع الواحد، فما زاد عليه لا سبيل إلى اثباته فلم يجز اثباته.

المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على فساد التقليد، وذلك لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه، فوجب أن يكون القول به باطلا، وهذا إنما يصح إذا كان القول باثبات ما لا دليل على ثبوته يكون باطلا، فيلزم فساد القول بالتقليد.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النار ﴾ .

واعلم أنه تعالى بين أن أحوال هؤلاء المشركين في الدنيا هو وقوع الخوف في قلوبهم، وبين أحوالهم في الآخرة، وهي أن مأواهم ومسكنهم النار.

ثم قال: ﴿ وَبِئْسَ مثوى الظالمين ﴾ المثوى: المكان الذي يكون مقر الإنسان ومأواه، من قولهم: ثوى يثوي ثويا، وجمع المثوى مثاوي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ ﴾ قال عليّ رضي الله عنه: نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.

وعن الحسن رضي الله عنه: إن تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم، لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين، ويقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم، وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوماً له ويوماً عليه.

وعن السدي: إن تستكينوا لأبي سفيان وأصحابه وتستأمنوهم ﴿ يَرُدُّوكُم ﴾ إلى دينهم.

وقيل هو عامّ في جميع الكفار، وإنّ على المؤمنين أن يجانبوهم ولا يطيعوهم في شيء ولا ينزلوا على حكمهم ولا على مشورتهم حتى لا يستجرّوهم إلى موافقتهم ﴿ بَلِ الله مولاكم ﴾ أي ناصركم، لا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته.

وقرئ بالنصب على: بل أطيعوا الله مولاكم ﴿ سَنُلْقِى ﴾ قرئ بالنون والياء.

والرعب بسكون العين وضمها قيل: قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة.

وقيل: ذهبوا إلى مكة فلما كانوا ببعض الطريق قالوا: ما صنعنا شيئاً، قتلنا منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم فأمسكوا.

﴿ بِمَا أَشْرَكُواْ ﴾ بسبب إشراكهم، أي كان السبب في إلقاء الله الرّعب في قلوبهم إشراكهم به ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سلطانا ﴾ آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.

فإن قلت: كان هناك حجة حتى ينزلها الله فيصح لهم الإشراك؟

قلت: لم يعن أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل عليهم، لأن الشرك لا يستقيم أن يقوم عليه حجة، وإنما المراد نفي الحجة ونزولها جيمعاً، كقوله: وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِر <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ يُرِيدُ ما قَذَفَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَوْفِ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى تَرَكُوا القِتالَ ورَجَعُوا مِن غَيْرِ سَبَبٍ، ونادى أبُو سُفْيانَ يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» .

وقِيلَ لَمّا رَجَعُوا وكانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ نَدِمُوا وعَزَمُوا أنْ يَعُودُوا عَلَيْهِمْ لِيَسْتَأْصِلُوهُمْ، فَألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِالضَّمِّ عَلى الأصْلِ في كُلِّ القُرْآنِ ﴿ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِهِ.

﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ﴾ أيْ آلِهَةً لَيْسَ عَلى إشْراكِها حُجَّةٌ ولَمْ يُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ بِهِ سُلْطانًا وهو كَقَوْلِهِ: وَلا تَرى الضُّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وأصْلُ السَّلْطَنَةِ القُوَّةُ ومِنهُ السَّلِيطُ لِقُوَّةِ اشْتِعالِهِ والسَّلاطَةُ لِحِدَّةِ اللِّسانِ.

﴿ وَمَأْواهُمُ النّارُ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ ﴾ أيْ مَثْواهُمْ، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّغْلِيظِ والتَّعْلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)

{سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب} الرعب شامي وعلي وهما لغتان قيل قذف الله في قلوب المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة من غير سبب ولهم القوة والغلبة {بِمَا أَشْرَكُواْ بالله} بسبب إشراكهم أي كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا} آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة ولم يرد أن هناك حجة إلا أنها تنزل عليهم لأن الشرك لا يستقيم أن تقوم عليه حجة وإنما المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله ...

ولا ترى الضب بها ينجحر ...

أي ليس بها ضب فينجحر ولم يعن أن بها ضباً ولا ينجحر {وَمَأْوَاهُمُ} مرجعهم {النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين} النار فالمخصوص بالذم محذوف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ كالبَيانِ لِما قَبْلُ، وعَبَّرَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الإلْقاءِ، و(الرُّعْبَ) بِسُكُونِ العَيْنِ: الخَوْفُ والفَزَعُ، أيْ سَنَقْذِفُ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ انْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ حَتّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ ثُمَّ إنَّهم نَدِمُوا فَقالُوا: بِئْسَ ما صَنَعْتُمْ إنَّكم قَتَلْتُمُوهم حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ إلّا الشَّرِيدُ تَرَكْتُمُوهُمُ ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوا، فَقَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا فَلَقُوا أعْرابِيًّا فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا فَقالُوا لَهُ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ فَأخْبِرْهم بِما قَدْ جَمَعْنا لَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَطَلَبَهم حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ يَذْكُرُ فِيها أمْرَ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ»، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ الأحْزابِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلى العَدُوِّ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يُقْذَفُ في قُلُوبِ أعْدائِي» .

وقُرِئَ ( سَيُلْقِي ) بِالياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (الرُّعُبَ) بِضَمِّ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمُّ هو الأصْلُ والسُّكُونُ لِلتَّخْفِيفِ، وقِيلَ: الأصْلُ السُّكُونُ والضَّمُّ لِلْإتْباعِ.

﴿ بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِالذّاتِ الواجِبِ الوُجُودِ المُسْتَجْمِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ولِإشْعارِ هَذا الِاسْمِ بِالعَظَمَةِ المُنافِيَةِ لِلشَّرِكَةِ أتى بِهِ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (سَنُلْقِي) دُونَ (الرُّعْبِ) ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَلُّقُ (فِي) بِهِ لِاخْتِلافِ المَعْنى، والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وكانَ الإشْراكُ سَبَبًا لِإلْقاءِ الرُّعْبِ لِأنَّهُ مِن مُوجِباتِ خِذْلانِهِمْ ونَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وكِلاهُما مِن دَواعِي الرُّعْبِ ﴿ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ ﴾ أيْ بِإشْراكِهِ، وقِيلَ: بِعِبادَتِهِ، و(ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ ولَيْسَتْ مَصْدَرِيَّةً ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ حُجَّةً، والإتْيانُ بِها لِلْإشارَةِ بِأنَّ المُتَّبَعَ في بابِ التَّوْحِيدِ هو البُرْهانُ السَّماوِيُّ دُونَ الآراءِ والأهْواءِ الباطِلَةِ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ بِها يُتَقَوّى عَلى الخَصْمِ، ويُتَسَلَّطُ عَلَيْهِ، والنُّونُ زائِدَةٌ، وقِيلَ: أصْلِيَّةٌ، وذِكْرُ عَدَمِ إنْزالِ الحُجَّةِ مَعَ اسْتِحالَةِ تُحَقُّقِها مِن بابِ انْتِفاءِ المُقَيَّدِ لِانْتِفاءِ قَيْدِهِ اللّازِمِ، أيْ لا حُجَّةَ حَتّى يُنْزِلَها، فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في وصْفِ مَفازَةٍ: لا يُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُها ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ إذِ المُرادُ لا ضَبَّ بِها حَتّى يَنْجَحِرَ، فالمُرادُ نَفْيُهُما جَمِيعًا وهَذا كَقَوْلِهِمُ: السّالِبَةُ لا تَقْتَضِي وُجُودَ المَوْضُوعِ، وما ذَكَرْنا مِنِ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ الحُجَّةِ عَلى الإشْراكِ يَكادُ يَكُونُ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أمّا في الإشْراكِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَظاهِرٌ، إذْ كَيْفَ يَأْمُرُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِاعْتِقادِ أنَّ خالِقَ العالَمِ اثْنانِ مُشْتَرِكانِ في وُجُوبِ الوُجُودِ والِاتِّصافِ بِكُلِّ كَمالٍ، وأمّا الإشْراكُ في الأُلُوهِيَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُشْرِكِينَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلِأنَّهُ يُفْضِي إلى الأمْرِ بِاعْتِقادِ أشْياءَ خِلافَ الواقِعِ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَعْتَقِدُونَهُ في أصْنامِهِمْ، وقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَوْلُ عِصامِ المِلَّةِ: ونَحْنُ نَقُولُ: الحُجَّةُ عَلى الإشْراكِ تَحْتَ قُدْرَتِهِ تَعالى لَوْ شاءَ أنْزَلَها إذْ لَوْ أمَرَ بِإشْراكِ الأصْنامِ بِهِ في العِبادَةِ لَوَجَبَتِ العِبادَةُ لا أراهُ إلّا حَلًّا لِعِصامِ الدِّينِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ المُخاطَبُ بِها الثَّنَوِيَّةُ والوَثَنِيَّةُ تَأْبى إمْكانَ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى مَنِ اطَّلَعَ عَلى مَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى المَوْتَ عَلَيْها، ولا جَعَلَنا مِمَّنْ أشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعالى ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا.

﴿ ومَأْواهُمُ ﴾ أيْ ما يَأْوُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ ﴿ النّارُ ﴾ لا مَأْوى لَهم غَيْرُها.

﴿ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ ﴾ (151) أيْ مَثْواهم، وإنَّما وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّغْلِيظِ والتَّعْلِيلِ والإشْعارِ بِأنَّهم في إشْراكِهِمْ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والمَثْوى مَكانُ الإقامَةِ عَلى وزْنِ مَفْعَلٍ مَن ثَوَيْتُ، ولامُهُ ياءٌ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ مَثْواهُمُ النّارُ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالمَأْوى لِلْإيذانِ بِالخُلُودِ إذِ الإقامَةُ مَأْخُوذَةٌ في المَثْوى دُونَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة: الرعب بتسكين العين.

وقرأ ابن عامر، والكسائي: الرعب بالضم.

وأصله الضم، إلا أنه إذا اجتمع ضمتان حذفت إحداهما عند من قرأ بالجزم.

ومعنى الآية سنلقي الهيبة في قلوب المشركين، وذلك بعد هزيمة المؤمنين، قذف الله تعالى في قلوب الذين كفروا الرعب فانهزموا إلى مكة.

ويقال: حين صعد خالد بن الوليد الجبل، قصد رسول الله  ، فدعا رسول الله  فرجع خالد منهزماً.

ويقال: عنى به يوم الأحزاب، ألقي في قلوبهم الرعب فانهزموا بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ يعني بأنهم أشركوا بالله ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً يعني كتاباً فيه عذر وحجة لهم بالشرك وَمَأْواهُمُ النَّارُ أي: مصيرهم إلى النار في الآخرة وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ يعني أن مثوى المشركين النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بأن أظهرهم على عدُوِّهم، وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ: الجَنَّة بلا «١» خلاف.

قال الفَخْر «٢» : ولا شَكَّ أنَّ ثوابَ الآخِرَةِ هي الجَنَّة، وذلك غَيْرُ حاصلٍ في الحالِ، فيكون المرادُ أنَّه سبحانه، لَمَّا حكم لهم بحصولها في الآخرة، قام حُكْمُهُ لهُمْ بذلك مَقَامَ الحُصُول في الحالِ، ومحمل قوله: فَآتاهُمُ أنه سيؤتيهم.

وقيل: ولا يمتنع أنْ تكون هذه الآية خاصَّةً بالشهداء، وأنه تعالى في حال نزول هذه الآية، كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة.

انتهى.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد: لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم.

وقوله سبحانه: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ هذا تثبيتٌ لهم، وقوله سبحانه: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينةِ، فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ «٣» قد جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم/، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ حتى لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رأى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَداً، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ؟

قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ قَدِ اجتمع مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا على مَا صَنَعُوا، قَالَ: وَيْلَك!

مَا تَقُولُ؟

قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ ترحل حتّى ترى نواصي الخيل، قال: فو الله، لقد

أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ: فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذلك، وو الله، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ على أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْراً، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟

قَالَ: قُلْتُ «١» : [البسيط]

كَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ...

إذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِ «٢»

تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍ ...

عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِ «٣»

فَظَلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَة ...

لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ «٤»

إلى آخر الشِّعْر، فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة «٥» : لاَ تَرْجِعُوا فإني أرى أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ قال الفَخْر «٦» : لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة.

انتهى.

وقوله سبحانه: بِما أَشْرَكُوا، هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة والبُرْهَان.

قال ص: قوله: وَبِئْسَ، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: النار [انتهى] .

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها: وعْظ الجميع، وزجْرُه إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل إن لم يزجر، ومنها: السَّتْر والإبقاء على من فعل، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ على خبر اللَّه إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، على ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، واشتعلت نارُ الحَرْب، وأبلى حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ «١» ، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَقْلَحِ «٢» ، وغيرُهم، وانهزم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم اثنان وعشْرُونَ رجُلاً، فهذا معنى قوله عز وجل: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، والحَسُّ: القتل الذَّريعُ، يقال: حَسَّهُمْ إذا استأصلهم قتْلاً، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ.

وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ، يحتملُ أنْ تكونَ «حتى» غايةً كأنه قال: إلى أنْ فشلتم، والأظهر الأقوى أنَّ «إذا» على بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنى، تقديرُهُ: انهزمتم، ونحوه، والفَشَل: استشعار العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ، وَعَصَيْتُمْ: عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل (رحمك اللَّه) ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة على رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ الله عز وجلّ ونبيُّه- عليه السلام- من الدُّنْيا وآفاتها بما لا يخفى على ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا «المُخْتَصَرِ» جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في «المسند المنتخب» له، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا على أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القيامة» «٣» .

انتهى من «الكوكب الدري» .

وقال- عليه السلام- للأنْصَارِ لما تعرَّضوا له إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ:

«أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله، مَا الفَقْرَ أخشى عَلَيْكُم!

وَلَكِنِّي أخشى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ على مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ «١» .

انتهى.

واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ وقد روى ابنُ المُبَارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ «٢» ، قال:

حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ «٣» أنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا؟

قَالَ: «إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ قَبِيحَةٍ» «٤» .

انتهى، فتأمَّله راشداً، وقولَه: مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَّا تُحِبُّونَ، يعني:

هزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر «٥» : واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هنْدِ بنت عتبة «٦» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا ارْتَحَلَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ نَحْوَ مَكَّةَ نَدِمُوا في بَعْضِ الطَّرِيقِ، وقالُوا: قَتَلْتُمُوهم حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ إلّا الشِّرْذِمَةُ، تَرَكْتُمُوهُمْ؟!

ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهم، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والإلْقاءُ: القَذْفُ.

والرُّعْبُ: الخَوْفُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وَحَمْزَةُ "الرُّعْبَ" ساكِنَةَ العَيْنِ، خَفِيفَةً وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وأبُو جَعْفَرٍ، مَضْمُومَةَ العَيْنِ، مُثَقَّلَةً، أيْنَ وقَعَتْ.

والسُّلْطانُ هاهُنا: الحُجَّةُ في قَوْلِ الجَماعَةِ.

والمَأْوى: المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ.

والمَثْوى: المَقامُ، والثَّوى: الإقامَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والظّالِمُونَ هاهُنا: الكافِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ بَلِ اللهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ الناصِرِينَ ﴾ ﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النارُ وبِئْسَ مَثْوى الظالِمِينَ ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ جَبَّنُوا المُسْلِمِينَ وقالُوا في أمْرِ أُحُدٍ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يُهْزَمْ، والَّذِينَ قالُوا: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَلْنَرْجِعْ إلى دِينِنا الأوَّلِ، إلى نَحْوِ هَذِهِ الأقْوالِ، ثُمَّ اللَفْظُ يَقْتَضِي كُلَّ كافِرٍ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ويَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

نَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عن طاعَتِهِمْ.

و"بَلِ" تَرْكٌ لِلْكَلامِ الأوَّلِ ودُخُولٌ في غَيْرِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وهَذا تَثْبِيتٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ" "بَلِ اللهَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: بَلْ أطِيعُوا اللهَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "سَنُلْقِي" اسْتِعارَةٌ، إذْ حَقِيقَةُ الإلْقاءِ إنَّما هي في الأجْرامِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ  ﴾ ونَحْوُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: هُما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما عَلى النابِحِ العاوِي أشَدَّ رِجامِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "سَنُلْقِي" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ: "سَيُلْقِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى "هُوَ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ "الرُعُبَ" بِضَمِّ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ، وقَرَأ الباقُونَ: "الرُعْبَ" بِسُكُونِ العَيْنِ.

وهَذا كَقَوْلِهِمْ: عُنُقٌ وعُنْقٌ وكِلاهُما حَسَنٌ فَصِيحٌ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ «لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ بِالكُفّارِ؛ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ  عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وقالَ: انْظُرِ القَوْمَ، فَإنْ كانُوا قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ ورَكِبُوا الإبِلَ فَهم مُتَشَمِّرُونَ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانُوا عَلى الخَيْلِ فَهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ، فَمَضى عَلِيٌّ فَرَآهم قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ فَأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ  ، فَسُرَّ وسُرَّ المُسْلِمُونَ.

ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ  إلى المَدِينَةِ فَتَجَهَّزَ واتَّبَعَ المُشْرِكِينَ يُرِيهِ الجَلَدَ، فَبَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ؛ وإنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: أحِينَ قَتَلْناهم وهَزَمْناهم ولَمْ يَبْقَ إلّا الفَلُّ والطَرِيدُ نَنْصَرِفُ عنهُمُ؟

ارْجِعْ بِنا إلَيْهِمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَهم فَعَزَمُوا عَلى ذَلِكَ، وكانَ مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ قَدْ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ  وهو عَلى كُفْرِهِ، إلّا أنَّ خُزاعَةَ كُلَّها كانَتْ تَمِيلُ إلى رَسُولِ اللهِ  ، فَقالَ لَهُ: واللهِ يا مُحَمَّدُ لَقَدْ ساءَنا ما أصابَكَ؛ ولَوَدِدْنا أنَّكَ لَمْ تُرْزَأْ في أصْحابِكَ.

فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ  والناسُ بِما عَزَمَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنَ الانْصِرافِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَسَخَّرَ اللهُ ذَلِكَ الرَجُلَ مَعْبَدَ بْنَ أبِي مَعْبَدٍ، وألْقى بِسَبَبِهِ الرُعْبَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ الخَبَرَ رَكِبَ حَتّى لَحِقَ بِأبِي سُفْيانَ بِالرَوْحاءِ، وقُرَيْشٌ قَدْ أجْمَعُوا الرَجْعَةَ إلى رَسُولِ اللهِ  وأصْحابِهِ، فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ مَعْبَدًا قالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ؟

قالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ، قَدِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ مَن كانَ تَخَلَّفَ عنهُ، ونَدِمُوا عَلى ما صَنَعُوا، قالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ؟

قالَ: واللهِ ما أرى أنْ تَرْتَحِلَ حَتّى تَرى نَواصِيَ الخَيْلِ، قالَ: فَوَ اللهِ لَقَدْ أجْمَعْنا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، قالَ: فَإنِّي أنْهاكَ عن ذَلِكَ، واللهِ لَقَدْ حَمَلَنِي ما رَأيْتُ عَلى أنْ قُلْتُ فِيهِ شِعْرًا قالَ: وما قُلْتَ؟

قالَ "قُلْتُ": كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي ∗∗∗ إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِقاءِ ولا مِيلٍ مَعازِيلِ فَظَلْتُ عَدْوًا أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ إلى آخِرِ الشِعْرِ، فَوَقَعَ الرُعْبُ في قُلُوبِ الكُفّارِ.

وقالَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ: لا تَرْجِعُوا فَإنِّي أرى أنَّهُ سَيَكُونُ لِلْقَوْمِ قِتالٌ غَيْرُ الَّذِي كانَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» في هَذا الإلْقاءِ، وهي -بَعْدُ- مُتَناوِلَةٌ كُلَّ كافِرٍ، ويَجْرِي مَعَها قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "نُصِرْتُ بِالرُعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ"،» ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ إنَّما أُعْلِمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِها بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ كُلِّها حِينَ امْتَدَّ ظِلُّ الإسْلامِ.

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ لَمّا أمَرَ اللهُ المُؤْمِنَ بِالصَبْرِ.

ووَعَدَهُ النَصْرَ، وأخْبَرَهُ أنَّ الرُعْبَ مُلْقىً في قُلُوبِ الكُفّارِ، نَقَصَ الرُعْبُ مِن كُلِّ كافِرٍ جُزْءًا مَعَ زِيادَةِ شَجاعَةِ المُؤْمِنِ، إذْ قَدْ وُعِدَ النَصْرَ، فَلِذَلِكَ كُلِّفَ المُؤْمِنُ الوُقُوفَ لِلْكافِرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما أشْرَكُوا" هَذِهِ باءُ السَبَبِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكَ بِاللهِ نَفْسُهُ مُقَسَّمَةٌ في الدُنْيا، ولَيْسَ لَهُ بِاللهِ تَعالى ثِقَةٌ، فَهو يَكْرَهُ المَوْتَ ويَسْتَشْعِرُ الرُعْبَ مِنهُ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِعاقِبَةِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَأْوى: مَفْعَلٌ مِن أوَيْتَ إلى المَكانِ إذا دَخَلْتَهُ وسَكَنْتَ فِيهِ، والمَثْوى، مَفْعَلٌ مِن: ثَوَيْتَ، والتَقْدِيرُ: وبِئْسَ مَثْوى الظالِمِينَ هي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

رجوع إلى تسلية المؤمنين، وتطْمينهم، ووعدهم بالنَّصر على العدوّ.

والإلقاءُ حقيقته رمي شيء على الأرض ﴿ فألقوا حبالهم وعصيّهم ﴾ [الشعراء: 44]، أو في الماء ﴿ فألقِيه في اليمّ ﴾ [القصص: 7] ويطلق على الإفضاء بالكلام ﴿ يُلقُون السمع ﴾ [الشعراء: 223] وعلى حصول الشيء في النفس كأنّ ملقياً ألقاه أي من غير سبق تهيّؤ ﴿ وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ﴾ [المائدة: 64] وهو هنا مجاز في الجعل والتَّكوين كقوله: ﴿ وقذف في قلوبهم الرعب ﴾ [الأحزاب: 26].

والرعب: الفزع من شدّة خوف، وفيه لغتان الرعْب بسكون العين والرعُب بضم العين وقرأه الجمهور بسكون العين وقرأه ابن عامر، والكسائي بضم العين.

والبَاء في قوله: ﴿ بما أشركوا بالله ﴾ للعِوض وتسمّى باء المقابلة مثل قولهم: هذه بتلك، وقوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ [المائدة: 38]، وهذا جزاء دنيوي رتّبهُ الله تعالى على الإشراك به، ومن حكمته تعالى أن رتّب على الأمور الخبيثة آثاراً خبيثة، فإنّ الشرك لمّا كان اعتقاد تأثير من لا تأثير له، وكان ذلك الاعتقاد يرتكز في نفوس معتقديه على غير دليل، كان من شأن معتقده أن يكون مضطرِب النَّفس متحيّراً في العاقبة في تغلّب بعض الآلهة على بعض، فيكون لكلّ قوم صَنم هم أخصّ به، وهم في تلك الحالة يعتقدون أنّ لغيره من الأصنام مثل ما له من القدرة والغيرة.

فلا تزال آلهتهم في مغالبة ومنافرة.

كمَا لا يزال أتباعهم كذلك، والَّذين حالهم كما وصفنا لا يستقرّ لهم قرار في الثِّقة بالنَّصر في حروبهم، إذ هم لا يدرون هل الربح مع آلهتهم أم مع أضدادها، وعليه فقوله: ﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ صلة أجريت على المشرك به ليس القصد بها تعريف الشركاء، ولكن قصد بها الإيماء إلى أنَّه من أسباببِ إلقاء الرعب في قلوبهم، إذ هم على غير يَقين فيما أشركوا واعتقدوا، فقلوبهم وَجِلة متزلزلة، إذ قد علم كلّ أحد أن الشركاء يَستحيل أن ينزل بهم سلطان.

فإن قلتَ: ما ذكرتَه يقتضي أنّ الشرك سبب في إلقاء الرعب في قلوب أهله، فيتعيّن أن يكون الرعب نازلاً في قلوبهم من قبل هذه الوقعة، والله يقول ﴿ سنلقي ﴾ » أي في المستقبل، قلت: هو كذلك إلاّ أنّ هذه الصّفات تستكنّ في النفوس حتَّى يدعو داعي ظهورها، فالرعب والشجاعة صفتان لا تظهران إلا عند القتال، وتقويان وتضعفان، فالشجاع تزيد شجاعته بتكرّر الانتصار، وقد ينزوي قليلاً إذا انهزم ثُمّ تعود له صفته سرعَى.

كما وصفه عمرو بن الإطْنابَةِ في قوله: وقَوْلي كُلَّمَا جَشَأتْ وجَاشَتْ *** مَكَانَككِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي وقول الحُصَيْننِ بن الحُمَام: تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحياة فلم أجدْ *** لِنَفْسِي حَيَاة مثلَ أنْ أتَقدّمَا وكذلك الرعب والجبن قد يضعف عند حصول بارقة انتصار، فالمشركون لما انهزموا بادِئ الأمر يومَ أُحُد، فُلَّت عزيمتهم، ثُمّ لمّا ابتلَى الله المؤمنين بالهزيمة راجعَهم شيء من الشجاعة والازدهاء، ولكنّهم بعد انصرافِهم عَاوَدَتْهم صفاتهم، (وتأبَى الطِبَاعُ عَلى الناقل).

فقوله: ﴿ سنُلقي ﴾ أي إلقاءَ إعادةِ الصفة إلى النُّفوس، ولك أن تجعل السين فيه لمجرّد التَّأكيد أي ألقينا ونُلقي، ويندفع الإشكال.

وكثير من المفسِّرين ذكروا أنّ هذا الرعب كانت له مظاهر: منها أنّ المشركين لمَّا انتصروا على المسلمين كان في مكنتهم أن يوغلوا في استيصالهم إلاّ أنّ الرعب صدّهم عن ذلك، لأنَّهم خافوا أن تعود عليهم الهزيمة، وتدور عليهم الدائرة، ومنها أنَّهم لمَّا انصرفوا قاصدين الرجوع إلى مكَّة عنّ لهم في الطريق ندم، وقالوا: لو رجعنا فاقتفينا آثار محمد وأصحابه، فإنّا قتلناهم ولم يبق إلاّ الفَلّ والطَّريد، فلْنرجع إليهم حتَّى نستأصلهم، وبلغ ذلك النَّبيء صلى الله عليه وسلم فندب المسلمين إلى لقائهم، فانتدبوا، وكانوا في غاية الضعف ومثقّلين بالجراحة، حتَّى قيل: إنّ الواحد منهم كان يحمل الآخر ثمّ ينزل المحمول فيحمل الَّذي كان حامله، فقيّض الله مَعْبَد بنَ أبي مَعْبَد الخُزَاعي وهو كافر فجاء إلى رسول الله فقال: «إنّ خزاعة قد ساءها ما أصابك ولوَدِدْنا أنَّك لم تُرزأ في أصحابك» ثُمّ لحق معبد بقريش فأدركهم بالرّوْحَاء قد أجمعوا الرجعة إلى قتال المسلمين فقال له أبو سفيان: ما وراءَك يا معبد، قال: محمد وأصحابه قد خرجوا يطلبونكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرّقون عليكم، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه، فقال: ويلك، ما تقول؟

قال: ما أرى أنَّك ترتحلُ حتَّى ترى نواصي الخيل ولقد حملني ما رأيت منه على أن قلتُ فيه: كَادَت تُهَدّ من الأصوات راحلتي *** إذْ سالت الأرض بالجُرْد الأبابيلِ تَرْدِي بأسْدٍ كراممٍ لا تَنابِلَةٍ *** عند اللِّقاء ولا مِيللٍ مَعَازِيلِ فَظَلْتُ أعْدُو وأظُنّ الأرض مائلة *** لمّا سَمَوا برَئيس غير مخذولِ فوقع الرّعب في قلوب المشركين وقال صفوان بن أميَّة: لا ترجعوا فإنِّي أرى أنَّه سيكون للقوم قتال غير الَّذي كان.

وقوله: ﴿ ما لم ينزل به سلطانا ﴾ أي ما لاسلطان له.

والسلطان: الحجّة والبرهان لأنَّه يتسلّط على النّفس، ونُفي تنزيله وأريد نَفْيُ وجوده، لأنّه لو كان لنَزْل أي لأوْحى الله به إلى النَّاس، لأنّ الله لم يكتم النَّاسَ الإرشادَ إلى ما يجب عليهم من اعتقاد على ألْسنةِ الرسل، فالتنزيل إمَّا بمعنى الوحي، وإمَّا بمعنى نصب الأدلَّة عليهم كقولهم: «نزلت الحكمة على ألْسنة العرب وعقول الفرس وأيدي الصّين» ولمَّا كان الحقّ لا يعدو هذين الحالين: لأنَّه إمَّا أن يعلم بالوحي، أو بالأمارات، كان نفي تنزيل السلطان على الإشراك كناية عن نفي السلطان نفسه، كقول الشاعر الّذي لا يعرف اسمه: لا تُفْزع الأرْنَبَ أهوالُهَا *** ولا تَرَى الضبّ بها يَنْجَحِرْ وقوله: ﴿ ومأواهم النار ﴾ ذِكر عقابهم في الآخرة.

والمأوى مَفعل من أوى إلى كذا إذا ذهب إليه، والمَثْوَى مَفعل من ثَوَى إذا أقام؛ فالنَّار مصيرهم ومقرّهم والمرادُ المشركون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ ﴾ أيْ تَقْتُلُونَهم في قَوْلِ الجَمِيعِ، يُقالُ: حَسَّهُ حَسًّا إذا قَتَلَهُ، لِأنَّهُ أُبْطِلَ بِمَعُونَتِهِ.

﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الإصْعادِ والصُّعُودِ أنَّ الإصْعادَ في مُسْتَوى الأرْضِ، والصُّعُودَ في ارْتِفاعٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وأبِي العَبّاسِ، والزَّجّاجِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم صَعِدُوا في جَبَلِ أُحُدٍ فِرارًا.

﴿ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: « (يا عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا)» ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ.

﴿ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَمًّا عَلى غَمٍّ.

والثّانِي: غَمًّا مَعَ غَمٍّ.

وَفي الغَمِّ الأوَّلِ والثّانِي تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ القَتْلُ والجِراحُ، والغَمَّ الثّانِيَ الإرْجافُ بِقَتْلِ النَّبِيِّ  ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: غَمًّا يَوْمَ أُحُدٍ بِغَمِّ يَوْمِ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن السدي قال: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق.

ثم إنهم ندموا فقالوا: بئسما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى لم يبق إلا الشريد، تركتموهم...؟

إرجعوا فاستأصلوا.

فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً فقالوا له: إن لقيت محمداً فأخبرهم بما قد جمعنا لهم.

فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد.

فأنزل الله في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما قذف في قلبه من الرعب فقال: ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية قال: «قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب» .

وأخرج مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالرعب على العدوّ» .

وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي امامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فضلت على الأنبياء بأربع: «أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما رجل أدركه من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره، ونُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأحل لنا الغنائم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

[و] (١) ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ .

قال المفسرون: هذا وَعْدٌ مِنَ الله تعالى للمؤمنين، بِخذلان أعدائِهم بالرُّعْب (٢) وقال السُّدِّي (٣) و (الإلقاء) (٤) ﴿ وَأَلقَى اَلأَلوَاحَ  ﴾ ، ﴿ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ  ﴾ ، ﴿ إِذْ يُلْقُونَ  ﴾ .

ويُسْتَعْمَلُ في غير الأعيان؛ تَوَسُّعًا؛ كقوله: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي  ﴾ ، ويقال: ألقَى عليه مَسْئلةً).

ومِثْلُ (الإلقاء) -في أنه يُسْتَعْمَلُ في الأعيان حقيقةً، وفي غير الأعيان تَوَسُّعًا-: (القَذْفُ)، و (الرَّجْمُ)، و (الرَّمْيُ)؛ يقال: (رَمَاهُ بالزِّنَا)؛ قال الله -عز وجل-: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ  ﴾ أي: بالزِّنَا.

وهذا اتِّسَاعٌ؛ لأن هذا ليس بِعَيْنٍ، وكذلك: (القَذْفُ).

قال الشاعر: قَذَفُوا سَيِّدَهُم في وَرْطَةٍ ...

قَذْفَكَ المَقْلَةَ وَسْطَ المُعْتَرَكْ (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ الرُّعْبَ ﴾ يُقرأ (٧) (٨) (٩) (١٠) والرُّعْبُ، بمعنى: الرَّوْع (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (رَعَبْتُ] (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ (ما) ليست بموصولة؛ لأنها للمصدر؛ أي: بإشراكهم بالله.

والباء في ﴿ بِاللَّهِ ﴾ ، مِنْ صِلَةِ معنى الإشراك، لا لَفْظه؛ لأن لفظَ الإشراك لا يقتضي الباء.

قال الأزهري (١٩) ﴿ لَا تُشرِك بِاَللَّهِ  ﴾ ؛ لأن معناه: لا تَعْدِلْ به غَيْرَه، فتجعله شريكًا له، وذلك (٢٠) ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ ؛ أي: بِمَا عَدَلُوا باللهِ، ومَنْ عَدَلَ بالله شيئًا مِنْ خَلْقِهِ، فهو كافرٌ (٢١) وقوله تعالى: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ .

أي: حُجَّةً، وَبَيَانًا.

و (السُّلْطَانُ)؛ معناه: الحُجَّةُ، في قول أكثر المفسِّرينَ، وأهلِ اللغة (٢٢) قال الزَّجَّاجُ (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال في موضع آخر (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ومَنْ قال: (قَضَى به عليك السُّلطانُ)؛ ذَهَبَ إلى معنى: (صاحبُ السُّلطانِ)؛ أي: صاحب الحُجَّةِ.

وجائزٌ أنْ يذهب بـ (السُّلطان) إلى معنى: الاحتجاج والبرهان.

قال ابن السِّكِّيت (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) قال الأزهريُّ (٣٧) (٣٨) ﴿ وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ (٣٩) وقال اللَّيْثُ (٤٠) (٤١) والسُّلْطانُ: البُرْهان، لِقُوَّتِهِ على دفع الباطل.

والتَّسْلِيطُ على الشيء: التَّقْوِية عليه.

وقال ابن دُرَيد (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) سلاَطٌ حِدَادٌ أَرْهَقَتْهَا المَوَاقِعُ (٤٦) هذا كلام أهل اللغة في معنى (السلطان) واشتقاقه.

قال أهل التفسير: لم [يُنْزل] (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾ .

أي مرجعهم ومصيرهم.

﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ المَثْوَى: المكان الذي (٤٩) (٥٠) ويقال للمقتول: (ثَوَى) (٥١) (٥٢) (٥٣) (١) زيادة من (ب).

(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 279.

(٣) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 124، و"تفسير الثعلبي" 3/ 130 ب، و"زاد المسير" 1/ 474.

(٤) من قوله: (والإلقاء ..) إلى (..

والعنق): نقله -بتصرف واختصار- عن "الحجة" للفارسي 3/ 85 - 88 (٥) البيت ليزيد بن طُعْمَة الخَطْمِيِّ.

وقد ورد منسوبًا له في: كتاب "المعاني الكبير" 1/ 309، و"تهذيب اللغة" 4/ 3430 (مقل)، و"اللسان" 8/ 4813 (ورط)، 7/ 4245 (مقل).

وورد غير منسوب في: "مجالس ثعلب" 2/ 542، و"الحجة" للفارسي 3/ 87.

وقد ورد في "المعاني الكبير" (قذفوا جارهم في هُوَّةٍ ..).

== والوَرْطَةُ: الهَلَكَةُ، أو كلُّ غامض.

وأصلها: الأرض التي لا طريق فيها.

و (أوْرَطَهُ)، وَ (وَرَّطَهُ): أوقعه فيما لا خلاص له منه.

والمَقْلَةُ: هى حصاة القَسْمِ، التي توضع في الإناء، ويصب فيه الماء حتى يغمرها، فيعرف بها قَدْرُ ما يسقى كلُّ واحد؛ وذلك إذا قل الماء، وكانوا في سفر.

وفي "مجالس ثعلب": 2/ 542: أنها الحجر الذي يُلقى في البئر، يُقدر به الماء انظر: "اللسان" 8/ 4812 (ورط)، 7/ 4245 (مقل).

(٦) يقال: (تَصَافَنَ القومُ، تَصَافُنًا): إذا اقتسموا الماء بينهم على طريقة إلقاء المَقْلَةِ في الإناء.

وذلك عند قلة الماء.

كما سبق بيانه في الهامش السابق.

انظر: "اللسان" 13/ 249 (صفن).

(٧) في (ج): (يقرى).

(٨) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة: (الرُّعْبَ) مخففة؛ أي: ساكنة العين.

وقرأ ابن عامر، والكسائي: (الرُّعُبَ) بالتثقيل؛ أي: مضمومة العين.

انظر: كتاب "السبعة" 217، و"الحجة" للفارسي 3/ 85، و"حجة القراءات" لابن زنجلة 176.

(٩) في (أ): كالطِّنْبِ.

وهى خطأ، وفي (ب): مهملة من غير شكل.

والصواب ما أثبته.

الطُّنْب: الحبلَ الذي يُشَدُّ به الخِبَاء والسُّرَادق.

أو هو -أيضا-: عِرْق الشجر، وعَصَبُ الجَسَد، وَسَيْرٌ يُوصَلُ بِوَتَرِ القَوْسِ، ثم يدار على مَحزِّهَا الذي تقع فيه حلقة الوَتَر.

ويُسمَّى -كذلك-: (الإطنابة).

وجمع الطُّنْب: (أطْنَابٌ)، و (طِنَبَةٌ).

انظر: (طنب) في "الصحاح" 1/ 172، و"اللسان" 5/ 2708، و"التاج" 2/ 186 - 188.

(١٠) انظر: "أدب الكاتب" 536 - 537 (١١) الرَّوْع: الفزع.

يقال: (رُعْتُه، أرُوعُهُ، رَوْعا).

انظر: "إصلاح المنطق" 123 (روع).

(١٢) هكذا جاءت في أ -بتشديد العين المفتوحة-.

وأهملت من الشكل في (ب)، (ج).

أكثر مصادر اللغة التي بين يدي، أوردتها: (رَعَبه) -بفتح العين من غير تشديد- والمصدر منها: (رُعْبًا ورُعُبا).

أما (رَعَّبه) فمصدرها: (الترعيب).

انظر: (رعب) في: "اللسان" 3/ 1667، و"القاموس" ص 90، و"التاج" 2/ 25 - 26.

وفي "الجمهرة" لابن دريد: "رُعِبَ الرجل، يُرْعَبُ رُعْبًا، فهو (مرعوب)، و (رَعَبْتُه أنا، أرْعَبُه)، فـ (أنا راعِبٌ له.

1/ 318 (رعب).

(١٣) وهكذا ورد ضبطها -بفتح الراء في الأولى، وضمها في الثانية، مع تسكين العين في الحالتين في: "تهذيب اللغة" 2/ 1422، و"المقاييس" 2/ 410، و"المجمل" 1/ 384.

وورد ضَبْطُها في أكثر المصادر اللغوية التي بين يدي، كالتالي: (رُعْبًا، ورُعُبًا).

انظر: (رعب) في: كتاب "العين" 2/ 130، و"اللسان" 3/ 1667، و"القاموس" ص 90، و"المصباح المنير" 88، و"عمدة الحفاظ" 205، و"التاج" 2/ 25 - 26.

وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 232.

(١٤) و -كذلك-: (رَعِبٌ).

انظر: "عمدة الحفاظ" 205.

(١٥) في (أ): (الرَعَب).

وفي (ب): (غير مشكولة).

وفي (ج): ساقطة.

والمثبت من: مصادر اللغة.

ولتتناسب مع ما قبلها من قوله: (رَعْبا ورُعْبا).

(١٦) انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 410.

وقال في "تاج العروس" عن الحالة الثانية، وهي: (الرُّعْب، والرُّعُب): (هما لغتان.

وقيل: الأصل الضم، ولا سكون تخفيف.

وقيل: العكس، والضم إتباع.

وقيل: الأول مصدر، والثاني: اسم.

وقيل: كلاهما اسم.

وقيل: كلاهما مصدر).

1/ 371 (رعب).

وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 232، و"تفسير الفخر الرازي" 9/ 33.

(١٧) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).

وساقط من (ج).

والمثبت من (ب).

(١٨) ويقال: (رعَبَ الحوضَ)، (يَرْعَبُهُ رَعْبا): مَلأه و (رَعَبَ السيلُ الوادي): ملأه.

انظر: (رعب) في: "المقاييس" 2/ 410، و"اللسان" 3/ 1667.

(١٩) في "تهذيب اللغة"10/ 16 (شرك).

نقله عنه بتصرف يسير.

(٢٠) في "التهذيب" وكذلك.

(٢١) في "التهذيب" فهو مشرك.

وفي نسخ أخرى منه أشار إليها محقِّقُهُ: فهو كافر مشرك.

(٢٢) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 106، و"تأويل المشكل" له 504، و"تفسير الطبري" 7/ 279، و"نزهة القلوب" للسجستاني 276، و"تهذيب اللغة" 2/ 1732 (سلط)، و"المجمل" 2/ 471 (سلط)، و"مفردات ألفاظ القرآن"420 (سلط).

(٢٣) في "معاني القرآن" له 3/ 76 عند تفسير آية 96 من سورة هود.

(٢٤) السَّلِيطُ -عند عامَّةِ العرب-: الزَّيْتُ، وعند أهل اليمن: دهن السِّمْسِم، وقيل: هو كل دهن عُصِر من حَبِّ.

انظر: "اللسان" 4/ 2065 (سلط).

(٢٥) السراج: ليست في: "معاني القرآن".

(٢٦) من قوله: (وقيل ..) على (..

الحقوق): في "معاني القرآن" للزجاج 5/ 127 عند تفسير آية 29 من سورة الحاقة.

(٢٧) في (ج)، و"معاني القرآن": (تقام).

(٢٨) في "معاني القرآن" له 2/ 123 - 124 عند تفسير آية 144 من سورة النساء.

نقله عنه باختصار، وتصرف ببعض عباراته.

وانظر: "المذكر والمؤنث" له 74.

(٢٩) في (ج)، و"معاني القرآن" (وتُذَكِّره).

(٣٠) في (ج): (قضيت).

(٣١) من قوله: (السلطان ..) إلى (..

قضت به عيك): ساقط من (ج).

(٣٢) في "إصلاح المنطق" 362.

نقله عنه بتصرف يسير.

(٣٣) في (ج): (مؤنث).

(٣٤) في (ج): (قضيت).

(٣٥) في "إصلاح المنطق" علينا.

وفي بعض النسخ منه أشار إليها محققه: (عليك)، و (عليه).

(٣٦) في (ج): (أمنه).

(٣٧) في "تهذيب اللغة" 2/ 1732 (سلط).

نقله عنه بنصه.

(٣٨) في (ج): (لأنه لفظا).

(٣٩) سورة هود: 96، والمؤمنون: 45، وغافر: 23.

وورد في: "تهذيب اللغة" ﴿ بِسُلطَانٍ مُبِينٍ ﴾ .

وهي من سورة إبراهيم: 10، والنمل: 21، والدخان: 19، والذاريات: 38، والطور: 38.

انظر حول تذكير وتأنيث (السلطان): "المذكر والمؤنث" للفراء 74، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 381، و"الزاهر" لابن الأنباري 2/ 29 - 30، و"المذكر والمؤنث" لابن التستري 51، 83، و"اللسان" 4/ 2065 (سلط).

(٤٠) قوله: في "تهذيب اللغة" 2/ 1733 (سلط).

نقله عنه بمعناه.

(٤١) في (أ): (بنايه)، وفي (ج): (بيانه)، والمثبت من: (ب)، و"التهذيب".

(٤٢) في "الجمهرة" 2/ 836 (سلط).

قال: (حِدَّته وسطوته).

ويبدو أن المؤلف نقله عن الأزهري، نظرا لتوافق عبارة المؤلف مع عبارة التهذيب.

انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1723 (سلط).

(٤٣) من قوله: (من ..) إلى (..

أرهقتها المواقع): بنصه في: "تهذيب اللغة" 2/ 1732 (سلط).

(٤٤) في "التهذيب" نصالا.

النَّصْل: الحديدة التي توضع في رأس المهم أو الرمح، أو حديدة السيف ما لم يكن له مقبض.

والجمع: أنْصُل، ونِصَال، ونُصُول.

انظر: "القاموس" 1062 - 1063 (نصل).

(٤٥) في (أ)، (ب): (محدودة).

والمثبت من: (ج)، و"تهذيب اللغة"، وهو ما استصوبته؛ لأنه يقال: (حَدَّده، فهو مُحدَّد).

"التاج" 2/ 332 (حدد).

أما (المحدود) -في اللغة-، فهو: المَمْنوع من الخير وغيره، أو كلُّ مَصْروفٍ عن خير أو شر.

انظر: (حدد) في: "اللسان" 2/ 799، و"القاموس" ص 276.

(٤٦) لم أهتد إلى قائله.

وقد ورد غير منسوب في: "تهذيب اللغة" 2/ 1732 (سلط)؛ و"اللسان" 4/ 2065 (سلط).

(٤٧) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٤٨) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 124، و"بحر العلوم" 1/ 307، و"تفسير القرطبي" 4/ 233.

(٤٩) (الذي): ساقطة من (ب).

(٥٠) يقال: (ثَوَى المكانَ)، و (ثَوَى به)، (يَثوي، ثَواءً، وثُوِيًّا).

ويقال -كذلك-: (أثْوَى)؛ بمعنى: أقام.

و (أثْوَيْتُه، وثَوَّيْته): ألزمته الثَّواءَ فيه.

انظر (ثوى) في: "التهذيب" 1/ 510، و"اللسان" 1/ 524، و"التاج" 19/ 262.

(٥١) في "التهذيب" 1/ 510 (ثوى)، و"اللسان" 1/ 525 (ثوى): (ويقال للمقتول: قد ثَوَى).

(٥٢) في (ج): (الثوى).

(٥٣) انظر: المصادر السابقة، و"القاموس" (1268) (ثوى).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الرعب ﴾ قيل: ألقى الله الرعب في قلوب المشركين بأحد، فرجعوا إلى مكة من غير سبب، وقيل: لما كانوا ببعض الطريق هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فأمسكوا، والآية تتناول جميع الكفار لقوله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالرعب ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المسلمين عن الله بالنصر، فنصرهم الله أولاً، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أمر الرماة أن يثبتوا في مكانهم؛ ولا يبرحوا فلما رأوا المشركين قد انهزموا طمعوا في الغنيمة واتبعوهم، وخالفوا ما أمروا به من الثبوت في مكانهم، فانقلبت الهزيمة على المسلمين ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أي: تقتلونهم قتلاً ذريعاً يعنى في أول الأمر ﴿ وتنازعتم ﴾ وقع النزاع بين الرماة فثبت بعضهم كما أمروا ولم يثبت بعضهم ﴿ وَعَصَيْتُمْ ﴾ أي خالفتم ما أمرتم به من الثبوت، وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين وإن كان المخالف بعضهم وعظاً للجميع، وستراً على من فعل ذلك وجواب إذ محذوف تقديره: لانهزمتم ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ الذين حرصوا على الغنيمة معه ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ معناه لينزل بكم ما نزل من القتل والتمحيص ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بهم، لولا عفو الله عنهم، فمعناه؛ لقد أبقى عليكم، وقيل: هو عفو عن الذنب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرعب ﴾ بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب.

الباقون: يسكون العين - ﴿ ومأواهم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولقد صدقكم ﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل ﴿ وتغشى ﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ كله ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالنصب ﴿ يعملون بصير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة.

الباقون: بالخطاب ﴿ متم ﴾ و ﴿ متنا ﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلاههنا لجوار ﴿ قتلتم ﴾ الباقون: بضم الميم من مات يموت.

﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.

/ الوقوف: ﴿ سلطاناً ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ النار ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن "حتى" تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران "إذا" مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره.

والوقف على ﴿ تحبون ﴾ ظاهر في الوجهين.

﴿ الآخرة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿ صرفكم ﴾ على الجواب المحذوف.

﴿ ليبتليكم ﴾ ج ﴿ عفا عنكم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أصابكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ طائفة منكم ﴾ (لا) لأن الواو للحال.

﴿ الجاهلية ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ يبدو لك ﴾ ط ﴿ ههنا ﴾ ط ﴿ مضاجعهم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم.

﴿ وليبتلي ﴾ ﴿ ما في قلوبكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ الجمعان ﴾ (لا) لأن إنما خبر إن ﴿ كسبوا ﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ وما قتلوا ﴾ ج لأن لام ﴿ يجعل ﴾ قد يتعلق بقوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ تجمعون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ لنت لهم ﴾ ج لأن الواو للعطف و"لو" للشرط ﴿ من حولك ﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿ الأمر ﴾ ج لفاء التعقيب مع "إذا" الشرطية ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المتوكلين ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: إنه  يذكر في هذه الآيات وجوهاً كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار.

من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام في جميع الأوقات.

الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أنا سنتلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين على سائر الأديان، ويؤيده قوله  " نصرت بالرعب مسيرة شهر " وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة.

قال السدي: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق.

ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا.

قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم.

فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت الآية" .

وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة - يعني رسول الله  - أين ابن أبي قحافة؟

أين ابن الخطاب؟

فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى.

والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعاً ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار.

وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه.

ولكن ظاهر قوله: ﴿ في قلوب الذين كفروا ﴾ يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم.

إما في الحرب وإما في المحاجة.

وقيل: إنه مخصوص بأولئك الكفار.

﴿ بما أشركوا ﴾ أي بسبب إشراكهم بالله.

وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول: إذا كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة.فيلزم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة.

كيف وإنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً؟

﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ الهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.

والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر.

قال الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر.

وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته.

ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب نفيه.

ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه.

ويكفي في رفع هذه الحاجةإثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته.

أقول: هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك.

ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال: ﴿ ومأواهم ﴾ أي والمكان الذي يأوون إليه ﴿ النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ﴾ / تستأصلونهم قتلاً.

قال أصحاب الاشتقاق: حَسَّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه.

﴿ بإذنه ﴾ بعلمه.

وقيل: المراد بهذا الوعد أنه  رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء.

وقيل: هو ما ذكره من قوله ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم  ﴾ إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط هو الصبر والتقوى.

وقيل: المراد هو "أن الرسول  قال للرماة: لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين مادمتم فيه.

فلما أقبل المشركون جعل الرماة: يرشقون خليهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم.

وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ " قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب.

والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطاً بالصبر.

وقال آخرون: إنه للمجازاة.

ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه.

وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة.

والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم في رسول الله  وثالثها قال أبو مسلم: جوابه ثم صرفكم.

و "ثم" ههنا كالساقطة.

وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم فريقين.

والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة.

فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله  أن لا نبرح هذا المكان.

فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون.

وقوله: ﴿ في الأمر ﴾ إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.

وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ﴾ وفائدة قوله: ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان / من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم.

قوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه  رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباًَ حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة.

ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه.

وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وأيضاً إنه  عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟

فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوهاً.

قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو.

ألا ترى أن النبي  ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وبإذنه.

ثم قال ﴿ ليبتليكم ﴾ والمراد أنه  لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين.

ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية مشتلمة على المعذورين، في الانصراف وعلى غير المعذورين.

فقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ يرجع إلى المعذورين، وقوله ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يرجع إلى غير المعذورين.

وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله  .

وقال الكعبي: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ﴿ ليبتليكم ﴾ بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه  أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم، ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم.

قال القاضي: ظاهر قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يقتضي تقدم ذنب منهم.

فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو.

وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك / المخالفة سبباً لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة.

ثم إن ظاهر الآية دل على أنه  قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة فصارت الآية دليلاً على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر.

﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة, وقد يستدل بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة من أنه لا مؤمن ولا كافر.

قوله  : ﴿ إذ تصعدون ﴾ إما مستأنف بإضمار "واذكر" وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه.

أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها.

قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى اعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ ولا تلوون على أحد ﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته.

﴿ والرسول يدعوكم ﴾ كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة.

فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو.

﴿ في أخراكم ﴾ في سابقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه  وبقي هو في الجماعة المتأخرة.

يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى.

﴿ فأثابكم ﴾ قال في الكشاف: إنه عطف على صرفكم.

وأقول: لا يبعد أن يعطف على ﴿ تصعدون ﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي رجع.

والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها.

فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.

فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب.

أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور.

والباء في ﴿ بغم ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة.

أما الاحتمال الأول ففيه وجوه: قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام.

وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.

وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين.

وفي الكشاف: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ / للرسول أي فآساكم في الاغتنام.

فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها.

وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يكون هناك غمان: الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة.

أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً.

أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين.

أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول  .

أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة.

وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها.

ثم اللام في قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ لأن في عفوه  ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ فأثابكم ﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله.

وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائده.

قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم من الله  خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء.

وأما المعتزلة فإنهم يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه  لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.

وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال.

وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ.

وإن جعلت الباء بمعنى "مع" فالمعنى كما في قول الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى.

ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال: ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ عالم بجميع / أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.

ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي  يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر لأديان، فخاطب الجماعة بقوله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ وأراد هؤلاء بقوله: ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة.

والنعاس فتور في أوائل النوم.

وانتصاب ﴿ أمنة ﴾ على أنها حال متقدمة من ﴿ نعاساً ﴾ مثل: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبارّ وبررة، أو على أنه مفعول ﴿ أنزل ﴾ و ﴿ نعاساً ﴾ بدل منه.

قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلاّ ويميل تحت حجفته.

وعن الزبير: كنت مع الرسول  حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم.

والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: ﴿ ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.

وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهره جديدة له  موجبة لزيادة وثوقهم بأن الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد.

ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط.

ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة.

ومنها أن الأعداء كانوا حراصاً متهالكين في قتلهم.

فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ الله ولكلاءته معهم.

ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس ههنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة.

واعلم أن من قرأ ﴿ تغشى ﴾ بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع.

ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر ﴿ إذ يغشيكم النعاس  ﴾ ولأن العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشية الأمن، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئاً واحداً كان التذكر أولى.

وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته  وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم لا همَّ الدين ولا همَّ النبي ولا المسلمين.

والهمّ / الأمر الشديد.

ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه.

فالمعنى أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات.

والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم فلم يكن لهم هناك إلا هَمُّ أنفسهم.

﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ وهو في حكم المصدر أي غير الظن الحق الذي يحب أن يظن به.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ بدل منه.

والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل الجاهلية فذكر أولاً أنهم يظنون بالله ظناً باطلاً، ثم بين أنهم اختاروا من الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة.

أو ﴿ ظن الجاهلية ﴾ مصدر و ﴿ غير الحق ﴾ تأكيد لـ ﴿ يظنون ﴾ كقولك: هذا القول غير ما تقول.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ كقولك: حاتم الجود ورجل صدق.

مما أضيق للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام.

أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله.

فالجاهلية مصدر كالعالمية القادرية.

قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي  إن الله يقوّيهم وينصرهم.

وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً حقاً لم يسلط الله الكفار عليه، وهذا ظن فاسد.

أما عند أهل السنة فلأنه  فاعل لما يشاء ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلقة لم يجب أن يشرفه بأخرى.

وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية.

ولو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس إلى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف واستحقاق الثواب والعقاب.

وإنما يعرف كون الإنسان محقاً بالدلائل والبينات، ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية صاحبها والله أعلم.

﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ حكاية شبهة تمسك بها أهل النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار.

وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي  لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها.

ونظيره ما حكى عنه ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا  ﴾ وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، وإذا كانت لعدوّه قالوا عليه الأمر.

أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به محمد وهو النصر والقدرة شيء؟

وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟

والغرض منه تعيير المسلمين على التسديد في / الجهاد، فأمره الله  أن يجيب عنها بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ والحوادث بأسرها مستندة إلى قضائه وقدره.

فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة.

﴿ يخفون في أنفسهم ﴾ في ضمائرهم أو فيما بينهم ﴿ ما لا يبدون لك ﴾ وذلك المخفي قولهم: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ أي لو كان هذا الدين حقاً لما سلط الله الكفار على من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله  نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن بد من وجوده.

فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده.

وقيل: معناه لو تخلفتم أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ﴾ خص الابتلاء بما في الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء محله القلب الذي في الصدر.

والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب.

واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب.

أما نسقه فقوله: ﴿ وطائفة ﴾ مبتدأ و ﴿ أهمتهم ﴾ صفته و ﴿ يظنون ﴾ خبره.

ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، و ﴿ يظنون ﴾ صفة أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه اليبان للجملة قبلها، و ﴿ يقولون ﴾ بدل من ﴿ يظنون ﴾ أو بيان له.

وإنما صح وقوع القول الذي مقوله إنشاء بدلاً من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادراً عن الظن و ﴿ يخفون ﴾ حال من ﴿ يقولون ﴾ و ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ ﴿ كله ﴾ بالرفع فلأنه مبتدأ و ﴿ لله ﴾ خبره، والجملة خبر "إن".

ومن قرأ بالنصب فلكونه تأكيداً للأمر و ﴿ لله ﴾ خبر "إن" كما لو قلت: إن الإمر أجمع لله.

وقوله: ﴿ يقولون ﴾ استئناف، وقوله: و ﴿ وليبتلي ﴾ تقدم ذكره في الوقوف.

وأما نظمه فإنه لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظاناً بل شاكاً في حقية هذا الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء.

ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يشكف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا / يبدون لك ﴾ أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم؟

فقيل ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وقد مر تفسيره.

ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل ههنا؟

فيكون كالطعن في قوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ قال في التفسير الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي.

فذاك يقول: الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله.

وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر.

فأمر النبي  أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لايرد القدر، والتدبير لا يبطل التقدير.

وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق ما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات.

ثم قال: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح.

قوله عز من قائل: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.

ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله  قتل.

ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن: أعن رسول الله  تفرون؟

وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل أغزل.

وقال بعض الرواة: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي  .

ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي  : لقد ذهبتم فيها عريضة.

وأما الذين ثبتوا مع الرسول  فكانوا أربعة عشر رجلاً.

سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام.

وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.

وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير.

وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن / حنيف.

ثم لم يقتل منهم أحد, وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله  نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ تقول: زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق.

والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها.

والباء في ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ للاستعانة مثلها في: كتبت بالقلم.

والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي.

وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة.

فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطيئن فيه, وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة.

وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.

وإنما قال: ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله: ﴿ لها ما كسبت  ﴾ أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله  كقوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  ﴾ وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.

ويحتمل أن تكون الباء بمعنى "في" أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال.

إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.

وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها.

﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز.

بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟

والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله.

ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟

قالت المعتزلة: كلاهما محتمل.

لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية.

قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر.

قالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص.

وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.

/ ثم ندب إلى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ﴾ قيل: إنه عام.

وقيل: يعني المنافقين.

وقيل: منافقي يوم أحد كعبد الله بن أبيّ وأصحابه.

وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافراً ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخوانهم مثل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وذلك أنهم قالوا: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ والميت والمقتول لا يكلم.

وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم.

ومعنى الأخوة اشتراك النسب.

فلعل المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين.

أو اتفاق الجنس فلعل بعض المنافقين صار مقتولاً في بعض الغزوات.

والضرب في الأرض الإبعاد فيها للتجارة وغيرها.

والغزو قصد محاربة العدو قريباً كان أو بعيداً.

والفاعل غاز والجمع غُزَّىً مثل: سابق وسبق، وراكع وركع، وإنما قال: ﴿ إذا ضربوا ﴾ دون "إذ ضربوا" أو "حين ضربوا" ليشاكل في المعنى قوله: ﴿ وقالوا ﴾ لأنه أراد حكاية الحال الماضية.

والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.

فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: "قالوا" ويجوز أن يكون ﴿ قالوا ﴾ في تقدير "يقولون" لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في المستقبل مثل ﴿ أتى أمر الله  ﴾ وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع.

ويمكن أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة.

وقال قطرب: كلمة "إذ" و "إذا" يجوز إقامة كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غير حجة عليه، قال الواحدي: في الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

وأما اللام في قوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ ففي متعلقه وجهان: الأول أنه ﴿ قالوا ﴾ أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله  : ﴿ فلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟

فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من الأسف.

وقيل: / لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة.

وقيل: المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين.

وقيل: المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها.

وقيل: الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة.

الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: ﴿ لا تكونوا ﴾ وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم ﴿ والله يحيي ويميت ﴾ رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له.

فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد.

فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له.

عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أناذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.

وفي أمثالهم "الشجاع موقى والجبان ملقى".

وكان عليّ يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذين نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ فلا تكونوا مثلهم.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيداً لهم.

ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: ﴿ لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ﴾ شيء من مغفرته ورحمته ﴿ خير مما يجمعون ﴾ فاللام الأولى هي الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى.

والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر.

ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله.

وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا.

وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.

ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم.

وإنما كانت المغفرة والرحمة خيراً من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيراً.

وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعاً من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، / وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه؟

فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ثم رغبهم بنوع آخر فقال: ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾ كأنه قيل: إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياماً قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية.

وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، الثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا.

ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها.

وفي قوله: ﴿ لإلى الله تحشرون ﴾ لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.

ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة.

ومنها بناء ﴿ تحشرون ﴾ على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره.

ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته.

ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون.

واعلم أنه  ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه.

فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً في ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة.

فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه، وما أحسن هذا النسق!

يروى أن عيسى  مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟

فقالوا: نخشى عذاب الله.

فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه.

ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة.

فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته.

ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات / العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة.

فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون.

قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: ﴿ ولئن متم أو قتلتم ﴾ عطفاً للشيء على نفسه.

قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم.

ثم إنه  لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك ان عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول  حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم.

روي "أن امرأة عثمان دخلت على النبي  - وكان النبي  وعلي يغسلان السلاح - فقالت: ما فعل عثمان؟

أما والله لا تجدونه أمام القوم.

فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم.

فقال رسول الله  : مه" .

وروي أنه قال حينئذٍ: "أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا." ولما دخل عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة.

وعنه أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وقال  : " لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقة، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقة" فلما كان  إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً لأن الغرض من البعثة - وهو التزام التكاليف - لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة.

وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان.

كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله  بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة.

واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق.

ولما كان  أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس / كما قال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ و "ما" مزيدة للتوكيد.

أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى.

وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة.

وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً.

وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة.

وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله  .

فلا رحمة بالحقيقة إلا له.

ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمته عوضاً كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض.

وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها.

فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم.

ثم بيّن أن الحكمة في لين جانبه ما هي فقال: ﴿ ولو كنت فظاً ﴾ سيء الخلق وأصله فظظ كحذر.

فظظت يا رجل بالكسر فظاظة ﴿ غليظ القلب ﴾ قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه "فض الختام".

ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك.

ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب ﴾ تشافههم بالملامة على ذلك ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم.

وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقال في إقامة حد الزنا: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر  ﴾ ومثله ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  ﴾ ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ فيعلم من المدح على اللين في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل "لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى".

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر.

وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة في حق جميع المكلفين.

فكل ما فعله مع محمد  من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب.

فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء.

فلا يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، / وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره.

والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من الله.

ثم قال: ﴿ فاعف عنهم ﴾ فيما يختص بك {واستغفر لهم{ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم.

قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه  قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة.

ثم قال: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها.

وقيل: من شرت الدابة شوراً عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت.

والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشواراً.

يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.

وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء.

وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم.

ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا.

ومنها قال الحسن وسفيان بن عبيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة.

ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم.

ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال  : " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وهذا هو السر في الجماعات والجمعات.

ومنها أنه  ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالاً مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة.

ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى, وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا؟

قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ ﴿ الأمر ﴾ ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس / ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد.

وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي  بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة.

ومنهم من قال: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأموراً بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة, وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي  بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب.

وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال: وهذا كقوله  : " "البكر تستأمر في نفسها " ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها فكذا ههنا.

﴿ فإذا عزمت ﴾ أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿ فتوكل على الله ﴾ لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن.

عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ فإذا عزمت ﴾ بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحداً.

﴿ إن ينصركم الله ﴾ عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد ﴿ وإن يخذلكم ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ أي من بعد خذلالنه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك "ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان" تريد إذا جاوزته.

وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء؟

فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الأدخال فيه.

﴿ وعلى الله ﴾ وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه.

وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده.

التأويل: ﴿ ولقد صدقكم الله ﴾ أيها الطلاب ﴿ وعده ﴾ ألا من طلبني وحدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر / الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿ من بعد ما أراكم ﴾ الدليل بالتربية ﴿ ما تحبون ﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة.

قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال: ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.

ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة.

فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة.

وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ ظن الجاهلية ﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره.

هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء؟

﴿ ما قتلنا ههنا ﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم ﴾ أيها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ وليمحص ما في قلوبكم ﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم.

﴿ ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ﴾ ليعلم أن الله  في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو.

ومن هنا قال: " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا / ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان.

لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون.

وباقي الحقائق قد مرت في التفسير.

وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك الوقى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن، وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها.

ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ ﴾ : يحتمل الطاعة لهم: طاعة الدين، أي: يطيعونهم في كفرهم.

ويحتمل: الطاعة لهم في ترك الجهاد مع عدوهم؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً ﴾ الآية [آل عمران: 156] الآية، وقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا، أي: يردوكم على دينكم الأول، وهو على التمثيل والكناية، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ : أي: أولى بكم، أو ناصركم، أو حافظكم، أو وليكم.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ ﴾ : أي: خير من ينصر من نصره؛ فلا يغلب، كقوله: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ ﴾ الآية: هذه بشارة من الله - عز وجل - لرسوله صلى اله عليه وسلم بالنصر له؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وكذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ" ، وكان ما ذكر؛ لأن رسول الله  كان يأتيهم بعد ذلك ويقصدهم، لا أنهم أتوه، وكانوا قبل ذلك يأتون رسول الله  ويقصدونه.

[وقوله:] ﴿ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ : أي: بالشرك ما قذف في قلوبهم من الرعب، من غير أن كان لهم بما أشركوا حجة أو كتاب أو برهان أو عذر؛ قال ابن عباس -  -: "السلطان في القرآن حجة".

وقوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ ﴾ : أي: مقامهم في النار.

﴿ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : أي: النار بئس مقام الظالمين: وقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ .

أي: أنجز الله وعده؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وقد فعل.

﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ : قال أهل التفسير: إذ تضلونهم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ : هو على التقديم والتأخير: "حتى إذا تنازعتم [و] فشلتم"؛ إذ التنازع هو سبب الفشل [والجبن]؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ  ﴾ .

[وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ .

قيل: في القصّة: إن نفراً من رماة أمرهم رسول الله  أن يكونوا في مكان، وألا يدعو موقفهم، فتركوه ووقعوا في غنائمه؛ فعوقبوا على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ ،] يحتمل: ما أراكم ما تحبون من الهزيمة والغنيمة.

ويحتمل: ما أراكم من النصر لكم على عدوكم، وإنجاز الوعد لكم.

وقوله: - عز وجل - ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ : روي عن عبد الله بن مسعود -  - أنه قال: "ما كنا نعرف [أن] أحداً من أصحاب رسول الله  يريد الدنيا، حتى نزل قوله: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ .

روي عن ابن عباس -  - في قوله -  -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ ، يعني: هُزِمَ المسلمون، يقول: صرفوا عن المشركين منهزمين، بعد إذ كانوا هزموهم، لكن لما عصوا وتركوا المركز صرفهم الله عن عدوه: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ .

أي: ذلك الصرف كان لكم من الله ابتلاء ومحنة.

وقيل: كان ذلك العصيان - الذي منكم كان - من الله ابتلاء؛ ليعلم من قد علم أنه يعصي عاصياً، والله أعلم.

ودلّ قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ - وإن كان الانصراف فعلهم - أن الله لفعلهم - على ما عليه فعلهم - خالقٌ، وأن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ إذ ذلك الشيء إذا كان انصرافاً عن العدو معصيّة، وقد تبرأ الله -  - عن أن تضاف إليه المعاصي، وقد أضاف انصرافهم إلى فعله وهو الصرف - ثبت أنه غير فعلهم، والله أعلم.

﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ ؛ حيث لم يستأصلكم بالقتل.

ويحتمل: ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ ؛ حيث قبل رجوعكم وتوبتكم عن العصيان.

وهذه الآية قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ - ترد على المعتزلة؛ [وكذلك] قوله -  -: ﴿ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ  ﴾ [إلى آخر] الآية؛ لأنهم يقولون: هم الذين صرفوا أنفسهم لا الله، وهم الذين كتبوا عليهم القتل لا الله، وهم الذين يداولون لا الله، وقد أضاف - عز وجل - ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لا يضيف إليه إلا عن فعل وصنع له فيه؛ ولأنهم يقولون: لا يفعل إلا الأصلح لهم في الدين، فأيّ صلاح كان لهم في صرفه إياهم عن عدوهم؟!

وأيّ صلاح لهم فيما كتب عليهم القتل؟!

فدل أن الله قد يفعل بعباده ما ليس ذلك بأصلح لهم في الدّين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول الله  وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي فضل على أحد، نعوذ بالله من السرف في القول.

قال الشيخ - رحمه الله -: الفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون جملة من بعث النبي  فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته بالبعث من أنفسهم، وقد بيّنا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان: أحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من الله -  - وإن كان - في الحقيقة - نعمة منه لهم، ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفة ليشكروا بما ذكرهم؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ ، أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار.

والثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان منهم، إلاّ وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقة؛ فيكون ذلك منة لهم وسروراً ونعمة عظيمة؛ فأستأداهم الله لشكرها، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سنلقي في قلوب الذين كفروا بالله الخوف الشديد، حتى لا يستطيعوا الثبات لقتالكم بسبب إشراكهم بالله آلهةً عبدوها بأهوائهم، لم ينزل عليهم بها حجة، ومُسْتقرُّهم الذي يرجعون إليه في الآخرة هو النار، وبئس مستقر الظالمين النار.

<div class="verse-tafsir" id="91.dke1E"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قال بعض المفسرين إن هذه الآيات التفات عن خطاب المنافقين الذين وبخهم في الآيات السابقة أن انهزموا وقالوا ما قالوا، إلى خطاب المؤمنين الصادقين.

وعندي أن الخطاب لمن سمع قول أولئك القائلين من المنافقين: ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم.

وهو أخص مما قبله.

قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ معناه إن تطيعوا الذين جحدوا نبوة محمد، ولم يقبلوا دعوته إلى التوحيد والخير كأبي سفيان ومن معه من مشركي مكة الذين دعاكم مرضى القلوب إلى الرجوع إليهم، وتوسيط رئيس المنافقين عبدالله بن أُبي بينكم وبين رئيسهم (أبي سفيان) ليطلب لكم منه الأمان أو الذين كفروا بقلوبهم وآمنوا بأفواههم كعبدالله بن أُبي وأصحابه الذين خذلوكم قبل الشروع في الحرب ثم دعوكم بعدها إلى الرجوع عن دينكم وقالوا لو كان محمد نبيًا لما أصابه ما أصابه ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  ﴾ إلى ما كنتم عليه من الكفر ابتداء أو استدراجًا.

أي إن طلبتم الأمان منهم وكانت حالكم معهم حال المغلوب مع الغالب يتولوا عليكم، وتكونوا معهم أذلاء مقهورين حتى يردوكم عن دينكم ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ  ﴾ للدنيا والآخرة، أما الأول فبخضوعكم لسلطانهم، وامتهانكم بينهم، وحرمانكم مما وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات من استخلافهم في الأرض بالسيادة والملك، ومن تمكين دينهم وتبديلهم من بعد خوفهم أمنًا، وأما الآخر فبما يمسكهم في الآخرة من عذاب المرتدين مع الحرمان مما وعد الله المتقين.

﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ  ﴾ لا وجه للاعتراض بأن الكافرين لا خير فيهم، فإن التفضيل إنما هو بالنسبة إلى النصر يعني أن نصر الله لعباده المؤمنين خير من نصر الكافرين لمن ينصرونه من أوليائهم ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا  ﴾ .

وفي الآية وجهان: أحدهما: أن إلقاء الرعب خاص بتلك الواقعة ولو كان عامًا لشمل غزوة حنين ولم يكن الكفار فيها مرعوبين بل كانوا مستميتين، وكذلك نرى أن كثيرًا من الكافرين قد حاربوا ولم يصبهم الرعب وهذا الوجه هو الذي عليه مفسرنا (الجلال) وكثير من المفسرين.

والوجه الثاني: أن الآية بيان لسنة إلهية عامة، وهو الحق، وبيانه يتوقف على فهم المعنى المراد من لفظ المؤمنين ولفظ الكافرين وهو ما كان عليه المؤمنون والكافرون في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات، فأما أولئك المؤمنون فهم الذين كانوا في مرتبة من اليقين والاذعان، قد صدقها العمل الذي كان منه بذل الأنفس والأموال في سبيل الإيمان، الذين عاتبهم الله ووبخهم على تلك الهفوة التي وقعت من بعضهم بما تقدم وما يأتي في هذا السياق من الآيات، وأما أولئك الكافرون فهم الذين دُعوا إلى الإيمان وأقيم لهم على الدعوة الدليل والبرهان، فجاحدوا وعاندوا وكابروا الحق، وآثروا مقارعة الداعي ومن استجاب له بالسيف، وقعدوا له ولهم كل مرصد، فإذا نظرنا في شرك هؤلاء الكافرين، وفي حالهم مع أولئك المؤمنين، نجد أن شأنهم معهم كشأن من يرى نور الحق مع خصمه فيحمله البغي والعدوان على مجاحدته من غير حجة ولا دليل، يرتاب فيما هو فيه ويتزلزل، فإذا شاهد الذين دعوه ثابتين مطمئنين يعظم ارتيابه ويهاب خصمه حتى يمتلئ قلبه رعبًا منه.

هذا هو شأن الكافرين المعاندين مع المؤمنين الصادقين، كأنه تعالى يقول هذه هي الطبيعة في المشركين إذا قاوموا المؤمنين، فلا تخافوهم ولا تبالوا بقول من يدعوكم إلى موالاتهم والالتجاء إليهم.

وبهذا يندفع قول من يقول: ما بالنا نجد الرعب كثيرًا ما يقع في قلوب المسلمين، ولا يقع في قلوب الكافرين؟

فإن الذين يسمون أنفسهم مسلمين قد يكونون على غير ما كان عليه أولئك الذين خوطبوا بهذا الوعد من قوة اليقين والإذعان والثبات والصبر وبذل النفس والمال في سبيل الله وتمني الموت في الدفاع عن الحق، فمعنى المؤمنين غير متحقق فيهم، وإنما رعب المشركين مرتبط بإيمان المؤمنين وما يكون له من الآثار، فحال المسلمين اليوم لا يقوم حجة على القرآن لأن أكثرهم قد انصرفوا عن الاجتماع على ما جاء به الإسلام من الحق وما كان عليه سلفهم من الإيمان والصفات والأعمال، فالقرآن باق على وعده، ولكن هات لنا المؤمنين الذين ينطبق إيمانهم على آياته ولك من إنجاز وعده في هذه الآية وغيرها ما تشاء.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ  ﴾ الآية.

وعلى هذا يكون الإشراك سببًا للرعب كسائر الأسباب العادية التي ربط الله بها المسببات كالشرب للري، والأكل للشبع فمن وصل إليه الحق تزلزل الباطل في نفسه لا محالة.

﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ  ﴾ أي هي مكانهم الذي يأوون إليه في الآخرة بعد ما يصيبهم من الخذلان في الدنيا ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ  ﴾ أي والنار التي يأوون إليها بئس المثوى والمقام لهم؛ بسبب ظلمهم لأنفسهم بالكفر والجحود، ومعاندة الحق، ومقاومة أهله، وظلم الناس بسوء المعاملة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل