الآية ١٥٢ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥٢ من سورة آل عمران

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 224 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٢ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ولقد صدقكم الله وعده ) أي : أول النهار ( إذ تحسونهم ) أي : تقتلونهم ( بإذنه ) أي : بتسليطه إياكم عليهم ( حتى إذا فشلتم ) وقال ابن جريج : قال ابن عباس : الفشل الجبن ، ( وتنازعتم في الأمر وعصيتم ) كما وقع للرماة ( من بعد ما أراكم ما تحبون ) وهو الظفر منهم ( منكم من يريد الدنيا ) وهم الذين رغبوا في المغنم حين رأوا الهزيمة ( ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ( ولقد عفا عنكم ) أي : غفر لكم ذلك الصنيع ، وذلك - والله أعلم - لكثرة عدد العدو وعددهم ، وقلة عدد المسلمين وعددهم .

قال ابن جريج : قوله : ( ولقد عفا عنكم ) قال : لم يستأصلكم .

وكذا قال محمد بن إسحاق ، رواهما ابن جرير ( والله ذو فضل على المؤمنين ) .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عبيد الله عن ابن عباس أنه قال : ما نصر الله في موطن كما نصره يوم أحد .

قال : فأنكرنا ذلك ، فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ، إن الله يقول في يوم أحد : ( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ) يقول ابن عباس : والحس : القتل ( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) الآية وإنما عنى بهذا الرماة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ، ثم قال : " احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا .

فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين أكبت الرماة جميعا [ ودخلوا ] في العسكر ينهبون ، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا ، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها ، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضرب بعضهم بعضا والتبسوا ، وقتل من المسلمين ناس كثير ، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار ، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا - حيث يقول الناس - الغار ، إنما كان تحت المهراس ، وصاح الشيطان : قتل محمد ، فلم يشك فيه أنه حق ، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق ، حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين ، نعرفه بتلفته إذا مشى - قال : ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا - قال : فرقي نحونا وهو يقول : " اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله " .

ويقول مرة أخرى : " اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا " .

حتى انتهى إلينا ، فمكث ساعة ، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل : اعل هبل ، مرتين - يعني آلهته - أين ابن أبي كبشة ؟

أين ابن أبي قحافة ؟

أين ابن الخطاب ؟

فقال عمر : يا رسول الله ، ألا أجيبه ؟

قال : " بلى " قال : فلما قال : اعل هبل .

قال عمر : الله أعلى وأجل .

فقال أبو سفيان : قد أنعمت عينها فعاد عنها أو : فعال !

فقال : أين ابن أبي كبشة ؟

أين ابن أبي قحافة ؟

أين ابن الخطاب ؟

فقال عمر : هذا رسول الله ، وهذا أبو بكر ، وها أنا ذا عمر .

قال : فقال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، الأيام دول ، وإن الحرب سجال .

قال : فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار .

قال إنكم تزعمون ذلك ، لقد خبنا إذا وخسرنا ، ثم قال أبو سفيان : إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك على رأي سراتنا .

قال : ثم أدركته حمية الجاهلية فقال : أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه .

هذا حديث غريب ، وسياق عجيب ، وهو من مرسلات ابن عباس ، فإنه لم يشهد أحدا ولا أبوه .

وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه ، عن عثمان بن سعيد ، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس ، به .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة ، من حديث سليمان بن داود الهاشمي ، به ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها ، فقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا حماد ، حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي ، عن ابن مسعود قال : إن النساء كن يوم أحد ، خلف المسلمين ، يجهزن على جرحى المشركين ، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر : أنه ليس أحد منا يريد الدنيا ، حتى أنزل الله عز وجل : ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) فلما خالف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به ، أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة : سبعة من الأنصار ، ورجلين من قريش ، وهو عاشرهم ، فلما رهقوه [ قال : " رحم الله رجلا ردهم عنا " .

قال : فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل ، فلما رهقوه ] أيضا قال : " رحم الله رجلا ردهم عنا " .

فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه : " ما أنصفنا أصحابنا " .

فجاء أبو سفيان فقال : اعل هبل .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا : الله أعلى وأجل " .

فقالوا : الله أعلى وأجل .

فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا : " الله مولانا ، والكافرون لا مولى لهم " .

ثم قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، يوم علينا ويوم لنا ويوم نساء ويوم نسر .

حنظلة بحنظلة ، وفلان بفلان ، وفلان بفلان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا سواء .

أما قتلانا فأحياء يرزقون ، وقتلاكم في النار يعذبون " .

قال أبو سفيان : قد كان في القوم مثلة ، وإن كانت لعن غير ملأ منا ، ما أمرت ولا نهيت ، ولا أحببت ولا كرهت ، ولا ساءني ولا سرني .

قال : فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه ، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكلت شيئا ؟

" قالوا : لا .

قال : " ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار " .

قال : فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه ، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه ، فرفع الأنصاري وترك حمزة ، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى [ عليه ] ثم رفع وترك حمزة ، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة .

تفرد به أحمد أيضا .

وقال البخاري : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق : عن البراء قال : لقينا المشركين يومئذ ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة ، وأمر عليهم عبد الله - يعني ابن جبير - وقال : " لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا " .

فلما لقيناهم هربوا ، حتى رأينا النساء يشتددن في الجبل ، رفعن عن سوقهن ، وقد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون : الغنيمة الغنيمة .

فقال عبد الله : عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا .

فأبوا ، فلما أبوا صرف وجوههم ، فأصيب سبعون قتيلا فأشرف أبو سفيان فقال : أفي القوم محمد ؟

فقال : " لا تجيبوه " .

فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟

فقال : " لا تجيبوه " .

فقال : أفي القوم ابن الخطاب ؟

فقال : إن هؤلاء قد قتلوا ، فلو كانوا أحياء لأجابوا .

فلم يملك عمر نفسه فقال : كذبت يا عدو الله ، قد أبقى الله لك ما يحزنك فقال أبو سفيان : اعل هبل .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أجيبوه " .

قالوا : ما نقول ؟

قال : " قولوا : الله أعلى وأجل " .

فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أجيبوه " .

قالوا : ما نقول ؟

قال : " قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم " .

قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني .

تفرد به البخاري من هذا الوجه ، ثم رواه عن عمرو بن خالد ، عن زهير بن معاوية عن أبي إسحاق ، عن البراء ، بنحوه وسيأتي بأبسط من هذا .

وقال البخاري أيضا : حدثنا عبيد الله بن سعيد ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : لما كان يوم أحد هزم المشركون ، فصرخ إبليس : أي عباد الله ، أخراكم .

فرجعت أولادهم فاجتلدت هي وأخراهم ، فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان ، فقال : أي عباد الله ، أبي أبي .

قال : قالت : فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه ، فقال حذيفة : يغفر الله لكم .

قال عروة : فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لقي الله عز وجل .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جده أن الزبير بن العوام قال : والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم [ هند ] وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه ، يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل فأتتنا من أدبارنا ، وصرخ صارخ : ألا إن محمدا قد قتل .

فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء ، حتى ما يدنو منه أحد من القوم .

قال محمد بن إسحاق : فلم يزل لواء المشركين صريعا ، حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية ، فدفعته لقريش فلاثوا به ، وقال السدي عن عبد خير قال : قال عبد الله بن مسعود قال : ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا ما نزل يوم أحد ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود ، وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة ، رواهن ابن مردويه في تفسيره .

وقوله : ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) قال ابن إسحاق : حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع ، أحد بني عدي بن النجار قال : انتهى أنس بن النضر ، عم أنس بن مالك ، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله ، في رجال من المهاجرين والأنصار ، قد ألقوا بأيديهم فقال : ما يخليكم ؟

فقالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟

قوموا فموتوا على ما مات عليه .

ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل .

وقال البخاري : حدثنا حسان بن حسان ، حدثنا محمد بن طلحة ، حدثنا حميد ، عن أنس بن مالك : أن عمه - يعني أنس بن النضر - غاب عن بدر فقال : غبت عن أول قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لئن أشهدني الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أجد فلقي يوم أحد ، فهزم الناس ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون ، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ فقال : أين يا سعد ؟

إني أجد ريح الجنة دون أحد .

فمضى فقتل ، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه بشامة وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم .

هذا لفظ البخاري وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس ، بنحوه .

وقال البخاري [ أيضا ] حدثنا عبدان ، أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال : جاء رجل حج البيت ، فرأى قوما جلوسا ، فقال : من هؤلاء القعود ؟

قالوا : هؤلاء قريش .

قال : من الشيخ ؟

قالوا : ابن عمر .

فأتاه فقال : إني سائلك عن شيء فحدثني .

قال : أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد ؟

قال : نعم .

قال : فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟

قال : نعم .

قال : فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟

قال : نعم .

قال : فكبر ، فقال ابن عمر : تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه .

أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه ، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت مريضة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه " .

وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه ، فبعث عثمان ، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى : " هذه يد عثمان " .

فضرب بها على يده ، فقال : " هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك " .

ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " ولقد صدقكم الله "، أيها المؤمنون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بأحُد وعدَه الذي وعدهم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

و " الوعد " الذي كان وعدَهم على لسانه بأحد، قوله للرماة: " اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نـزال غالبين ما ثبتم مكانكم ".

وكان وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم النصر يومئذ إن انتهوا إلى أمره، كالذي:- 8004- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بأحد، أمر الرماة، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال: " لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نـزال غالبين ما ثبتم مكانكم،" وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوّات بن جبير.

ثم إنّ طلحة بن عثمان، صاحب لواء المشركين، قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله يعجِّلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجِّلكم بسيوفنا إلى الجنة!

فهل منكم أحد يعجِّله الله بسيفي إلى الجنة!

أو يعجِّلني بسيفه إلى النار؟

فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: والذي نفسي بيده، لا أفارقك حتى يعجِّلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجِّلني بسيفك إلى الجنة!

فضربه علي فقطع رجلَه، فسقط، فانكشفت عورته، فقال: أنشدك الله والرحم، ابنَ عم!

فتركه.

&; 7-282 &; فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لعليّ أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟

قال: إنّ ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه.

= ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهزموا أبا سفيان.

فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل، (10) فرمته الرماة، فانقمع.

فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه، بادروا الغنيمة، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم!.

فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر.

فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

فلما رأى المشركون أنّ خيلهم تقاتل، تنادوا فشَدُّوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم.

(11) .

8005- حدثنا هارون بن إسحاق قال، حدثنا مصعب بن المقدام قال، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء قال: لما كان يوم أحُد ولقينا المشركين، أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا بإزاء الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، أخا خوات بن جبير، وقال لهم: " لا تبرحوا مكانكم، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تُعينونا ".

فلما التقى القوم، هُزم المشركون حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن وبدت خلاخلهنّ، فجعلوا يقولون: " الغنيمة، الغنيمة "!

قال عبد الله: مهلا!

أما علمتم ما عهدَ إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم!

فأبوا، فانطلقوا، فلما أتوهم صرف الله وجوههم، فأصيب من المسلمين سبعون قتيلا.

8006- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، بنحوه.

(12) 8007- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسُّونهم بإذنه "، فإن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوّال حتى نـزل أحدًا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذَّن في الناس، فاجتمعوا، وأمَّر على الخيل الزبير بن العوام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي.

وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلا من قريش يقال له: مصعب بن عمير.

وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحسَّر، (13) وبعث حمزة بين يديه.

وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل.

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وقال: " استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك ".

وأمر بخيل أخرى، فكانوا من جانب آخر، فقال: " لا تبرحوا حتى أوذنكم ".

وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه، كما قال: " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحُسُّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبُّون "، وإنّ الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم.

(14) 8008- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني &; 7-284 &; محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، (15) وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا -في قصة ذكرها عن أحد- ذكر أن كلهم قد حدَّث ببعضها، وأن حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نـزل الشعب من أحُد في عُدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحُد، وقال: " لا يقاتلنَّ أحدٌ، حتى نأمره بالقتال ".

(16) وقد سرَّحت قريش الظهر والكُراع، (17) في زروع كانت بالصَّمغة من قناة للمسلمين، (18) فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أترعى زروع بني قيلة ولما نُضارِب!

(19) وتعبَّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمئة رجل، (20) وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، (21) ومعهم مائتا فرس قد جَنَبوها، (22) فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل.

وأمرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ مُعلم بثياب بيض، والرماةُ خمسون رجلا &; 7-285 &; وقال: " انضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتونا من خلفنا!

إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك، لا نؤتيَنَّ من قبلك ".

(23) فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض.

(24) واقتتلوا، حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبى طالب، في رجال من المسلمين.

فأنـزل الله عز وجل نصره وصدقهم وعده، فحسُّوهم بالسيوف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمةَ لا شك فيها.

(25) 8009- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده قال، قال الزبير: والله لقد رأيتُني أنظر إلى خَدَم هند ابنة عتبة وصواحبها مشمِّرات هوارب، (26) ما دون إحداهن قليلٌ ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه يريدون النهب، وخلَّوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا.

وصرخ صارخٌ: " ألا إنّ محمدًا قد قُتل "!

فانكفأنا، وأنكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، (27) حتى ما يدنو منه أحدٌ من القوم.

(28) 8010- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: " ولقد صدقكم الله وعده "، أي: لقد وفَيتُ لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم.

(29) 8011- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: " ولقد صدقكم الله وعده "، وذلك يوم أحد، قال لهم: " إنكم ستظهرون، فلا أعرِفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا، (30) حتى تفرُغوا "!

فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عَهْده الذي عَهِده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به.

(31) * * * القول في تأويل قوله : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولقد وَفَى الله لكم، أيها المؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما وعدكم من النصر على عدوكم بأحُد، حين " تحُسُّونهم "، يعني: حين تقتلونهم.

* * * يقال منه: " حسَّه يَحُسُّه حسًا "، إذا قتله، (32) كما:- 8012- حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي قال، حدثنا يعقوب بن عيسى قال، حدثني عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله: " إذ تحُسُّونهم بإذنه "، قال: الحسُّ: القتل.

(33) 8013- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: سمعت عبيد الله بن عبد الله يقول في قول الله عز وجل: " إذ تحسُّونهم "، قال: القتل.

8014- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا &; 7-288 &; عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " إذ تحسونهم بإذنه "، قال: تقتلونهم.

* * * 8015- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم "، أي: قتلا بإذنه.

8016- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إذ تحسونهم "، يقول: إذ تقتلونهم.

8017- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " إذ تحسونهم بإذنه "، والحس القتل.

8018- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه "، يقول: تقتلونهم.

8019- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إذ تحسونهم " بالسيوف: أي القتل.

(34) 8020- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن: " إذ تحسونهم بإذنه "، يعني: القتل.

8021- حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: " إذ تحسونهم بإذنه "، يقول: تقتلونهم.

* * * وأما قوله: " بإذنه "، فإنه يعني: بحكمي وقضائي لكم بذلك، وتسليطي إياكم عليهم، (35) كما:- 8022- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: إذ تحسونهم بإذني، وتسليطي أيديكم عليهم، وكفِّي أيديهم عنكم.

(36) * * * القول في تأويل قوله : حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " حتى إذا فشلتم "، حتى إذا جبنتم وضعفتم (37) =" وتنازعتم في الأمر "، يقول: واختلفتم في أمر الله، يقول: وعصيتم وخالفتم نبيكم، فتركتم أمره وما عهد إليكم.

وإنما يعني بذلك الرماة الذين كان أمرَهم صلى الله عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشِّعب بأحُد بإزاء خالد بن الوليد ومن كان معه من فرسان المشركين، الذين ذكرنا قبلُ أمرَهم.

= وأما قوله: " من بعد ما أراكم ما تحبون "، فإنه يعني بذلك: من بعد الذي أراكم الله، أيها المؤمنون بمحمد، من النصر والظفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين على المومنين من ورائهم.

* * * وبنحو الذي قلنا تظاهرت الأخبار عن أهل التأويل.

وقد مضى ذكر بعض من قال، وسنذكر قول بعض من لم يذكر قوله فيما مضى.

*ذكر من قال ذلك: 8023- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر "، أي اختلفتم في الأمر =" وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون "، وذاكم يوم أحد، عهد إليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم وأمرَهم بأمر فنسوا العهد، وجاوزوا، (38) وخالفوا ما أمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقذف عليهم عدوَّهم، (39) بعد ما أراهم من عدوهم ما يحبون.

8024- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسًا من الناس -يعني: يوم أحُد- فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كونوا هاهنا، فردّوا وجه من فرَّ منا، (40) وكونوا حرسًا لنا من قِبل ظهورنا ".

وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه، قال الذين كانوا جُعلوا من ورائهم، بعضهم لبعض، (41) لما رأوا النساء مُصْعِدات في الجبل ورأوا الغنائم، &; 7-291 &; قالوا: " انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن تسبقوا إليها "!

وقالت طائفة أخرى: " بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا "!

فذلك قوله: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ، للذين أرادوا الغنيمة = وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ، للذين قالوا: " نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا ".

فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان فشلا حين تنازعوا بينهم يقول: " وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون "، كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة.

8025- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " حتى إذا فشلتم "، يقول: جبنتم عن عدوكم =" وتنازعتم في الأمر "، يقول: اختلفتم =" وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون "، وذلك يوم أحد قال لهم: " إنكم ستظهرون، فلا أعرفنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئًا حتى تفرغوا "، (42) فتركوا أمر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهده الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به، فانقذف عليهم عدوهم، (43) من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون.

(44) 8026- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج ، عن ابن جريج: " حتى إذا فشلتم "، قال ابن جريج، قال ابن عباس: الفشَل: الجبن.

8027- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون "، من الفتح.

8028- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " حتى إذا فشلتم "، أي تخاذلتم (45) =" وتنازعتم في الأمر "، أي: اختلفتم في أمري =" وعصيتم "، أي: تركتم أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم؛ وما عهد إليكم، يعني الرماة=" من بعد ما أراكم ما تحبون "، أي: الفتح لا شك فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم.

(46) 8029- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن المبارك، عن الحسن: " من بعد ما أراكم ما تحبون "، يعني: من الفتح.

* * * قال أبو جعفر: وقيل معنى قوله: " حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون " = حتى إذا تنازعتم في الأمر فشلتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون = وأنه من المقدم الذي معناه التأخير، (47) وإن " الواو " دخلت في ذلك، ومعناها السقوط، كما يقال، (48) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ [سورة الصافات: 103-104] معناه: ناديناه.

وهذا مقول في: ( حَتَّى إِذَا ) وفي فَلَمَّا أَنْ .

[لم يأت في غير هذين].

(49) ومنه قول الله عز وجل: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ثُمَّ قَالَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ [سورة الأنبياء: 96-97].

&; 7-293 &; ومعناه: اقترب، (50) كما قال الشاعر: (51) حَـــتَّى إذَا قَمِلَـــتْ بُطُـــونكُمُ وَرَأَيْتُــــمُ أَبْنَـــاءَكُمْ شَـــبُّوا (52) وَقَلَبْتُـــمْ ظَهْــرَ المِجَــنِّ لَنَــا إنَّ اللَّئِـــيمَ العَـــاجِزَ الخَـــبُّ (53) * * * القول في تأويل قوله : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " منكم من يريد الدنيا "، الذين تركوا مقعدهم الذي أقعدهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعب من أحُد لخيل المشركين، ولحقوا بعسكر المسلمين طلب النهب إذ رأوا هزيمة المشركين = ، " ومنكم من يريد الآخرة "، يعني بذلك: الذين ثبتوا من الرماة في مقاعدهم التي &; 7-294 &; أقعدهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعوا أمره، محافظة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابتغاء ما عند الله من الثواب بذلك من فعلهم والدار الآخرة.

كما:- 8030- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة "، فالذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم أصحاب الدنيا، والذين بقوا وقالوا: " لا نخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "، أرادوا الآخرة.

8031- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله.

8032 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة "، فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد طائفة من المسلمين، فقال: " كونوا مَسْلحة للناس "، (54) بمنـزلةٍ أمرَهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم.

فلما لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين، هزمهم نبي الله صلى الله عليه وسلم!

فلما رأى المسلحةُ أن الله عز وجل هزم المشركين، انطلق بعضهم وهم يتنادون: " الغنيمة!

الغنيمة!

لا تفتكم "!

وثبت بعضهم مكانهم، وقالوا: لا نَريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم!.

ففي ذلك نـزل: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة "، فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضَها، (55) حتى كان يوم أحد.

8033- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: لما هزم الله المشركين يوم أحد، قال الرماة: " أدركوا الناس ونبيَّ الله صلى الله عليه وسلم لا يسبقوكم إلى الغنائم، فتكون لهم دونكم "!

وقال بعضهم: " لا نَريم حتى يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم ".

فنـزلت: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة "، قال: ابن جريج، قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يومئذ.

8034 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن المبارك، عن الحسن: " منكم من يريد الدنيا "، هؤلاء الذين يجترون الغنائم (56) =" ومنكم من يريد الآخرة "، الذين يتبعونهم يقتلونهم.

8035- حدثنا الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي عن عبد خير قال: قال عبد الله: ما كنت أرى أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نـزل فينا يوم أحد: " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ".

(57) 8036- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن عبد خير قال، قال ابن مسعود: ما كنت أظن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أحدًا يريد الدنيا، حتى قال الله ما قال.

8037- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع &; 7-296 &; قال، قال عبد الله بن مسعود لما رآهم وقعوا في الغنائم: ما كنت أحسب أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان اليوم.

8038- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان ابن مسعود يقول: ما شعرتُ أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضها، حتى كان يومئذ.

(58) 8039- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق " منكم من يريد الدنيا "، أي: الذين أرادوا النهب رغبة في الدنيا وتركَ ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة =" ومنكم من يريد الآخرة "، أي: الذي جاهدوا في الله لم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة فيها، (59) رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة.

(60) * * * القول في تأويل قوله : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ثم صرفكم، أيها المؤمنون، عن المشركين بعد ما أراكم ما تحبون فيهم وفي أنفسكم، من هزيمتكم إياهم وظهوركم عليهم، فردَّ وجوهكم عنهم لمعصيتكم أمر رسولي، ومخالفتكم طاعته، وإيثاركم الدنيا على الآخرة، &; 7-297 &; - عقوبةً لكم على ما فعلتم،" ليبتليكم "، يقول: ليختبركم، (61) فيتميز المنافق منكم من المخلص الصادق في إيمانه منكم.

كما:- 8040- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ثم ذكر حين مال عليهم خالد بن الوليد: " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ".

8041- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن في قوله: " ثم صرفكم عنهم "، قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدَّة من أسروا يوم بدر، وقُتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشُجّ في وجهه، وكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيِّهم وهو يدعوهم إلى ربهم "؟

فنـزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [سورة آل عمران: 128]، الآية.

فقالوا: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر؟

فأنـزل الله عز وجل: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إلى قوله: " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم ".

8042- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة عن ابن إسحاق: " ثم صرفكم عنهم ليبتليكم "، أي: صرفكم عنهم ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم.

(62) * * * القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ولقد عفا عنكم "، ولقد عفا الله = أيها المخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتاركون طاعته فيما تقدم به إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم بلزومه = عنكم، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه، عما هو أعظم مما عاقبكم به من هزيمة أعدائكم إياكم، وصرفِ وجوهكم عنهم، (63) إذ لم يستأصل جمعكم، كما:- 8043- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن مبارك، عن الحسن، في قوله: " ولقد عفا عنكم "، قال: قال الحسن، وصفَّق بيديه: وكيف عفا عنهم، وقد قتل منهم سبعون، وقُتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه؟

قال: ثم يقول: قال الله عز وجل: " قد عفوت عنكم إذ عصيتموني، أن لا أكون استأصلتكم ".

قال: ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله غضابٌ لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فصنعوه، فوالله ما تركوا حتى غُمُّوا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يَتَجَرْثَمُ كل كبيرة، (64) ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه!!

فسوف يعلم.

8044- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: " ولقد عفا عنكم "، قال: لم يستأصلكم.

8045- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولقد عفا عنكم "، ولقد عفا الله عن عظيم ذلك، لم يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكن عُدْت بفضلي عليكم.

(65) * * * وأما قوله: " والله ذو فضل على المؤمنين "، فإنه يعني: والله ذو طَوْل على أهل الإيمان به وبرسوله، (66) بعفوه لهم عن كثير ما يستوجبون به العقوبة عليه من ذنوبهم، فإن عاقبهم على بعض ذلك، فذو إحسان إليهم بجميل أياديه عندهم.

كما:- 8046- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين "، يقول: وكذلك منَّ الله على المؤمنين، أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبًا وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم، لما أصابوا من معصيته، رحمةً لهم وعائدة عليهم، لما فيهم من الإيمان.

(67) --------------- الهوامش : (10) في التعليق على الأثر السالف: 7943 ، ذكرت أن المخطوطة هناك ، كان فيها"لر" غير منقوطة ، واستظهرت مرجحًا أنها"كر" ، ولكنه عاد هنا في المخطوطة ، فكتبها"حمل" واضحة ، فأخشى أن يكون هذا هو الصواب الراجح.

(11) الأثر: 8004- الأثر السالف رقم: 7943 ، والتاريخ 3: 14 ، 15.

(12) الأثران: 8005 ، 8006 - تاريخ الطبري 3: 13 ، 14 وانظر مسند أحمد 4: 293 ، 294.

(13) في المطبوعة: "بالجسر" ، وهو خطأ ، "والحسر" جمع حاسر ، وهم الرجالة الذين لا خيل لهم ، يقال: سموا بذلك لأنهم يحسرون عن أيديهم وأرجلهم.

ويقال إنه يقال لهم"حسر" ، لأنه لا بيض لهم ولا دروع يلبسونها.

(14) الأثر: 8007- تاريخ الطبري 3: 14.

(15) في المطبوعة والمخطوطة: "أن محمد بن يحيى.

.

." ، والصواب من سيرة ابن هشام 3: 64 وتاريخ الطبري 3: 9.

(16) في المطبوعة: "لا تقاتلوا حتى نأمر بالقتال" ، وفي المخطوطة مثله ، إلا أنه كتب: "نأمره" والصواب من سيرة ابن هشام ، ومن تاريخ الطبري.

(17) الظهر: الإبل التي يحمل عليها ويركب.

والكراع: اسم يجمع الخيل والسلاح ، ويعني هنا الخيل.

(18) "الصمغة": أرض في ناحية أحد.

و"قناة" واد يأتي من الطائف ، حتى ينتهي إلى أصل قبور الشهداء بأحد.

(19) بنو قيلة: هم الأوس والخزرج ، الأنصار.

وقيلة: أم قديمة لهم ينسبون إليها.

(20) في المطبوعة: "وصفنا رسول الله.

.

." ، وهو خطأ محض ، والصواب من سيرة ابن هشام ، والتاريخ ، والمخطوطة ، وهي فيها غير منقوطة.

(21) في المطبوعة: "وتصاف قريش.

.

." ، وهو خطأ صرف ، والصواب من التاريخ ، ومن المخطوطة وهي فيها غير منقوطة.

(22) جنب الفرس والأسير يجنبه (بضم النون) جنبًا (بالتحريك) فهو مجنوب وجنيب ، وخيل جنائب: إذا قادهما إلى جنبه.

ويقال: "خيل مجنبة" بتشديد النون مثلها.

(23) نضح عنه: ذب عنه ، ورد عنه ونافح.

(24) هذا اختصار مخل جدًا ، فإن أبا جعفر لفق كلام ابن إسحاق ، والذي رواه ابن هشام مخالف في ترتيبه لما جاء في خبر الطبري هنا.

وذلك أنه من أول قوله: "وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة.

.

." مقدم على قوله: "وتعبأت قريش" ، وذلك في السيرة 3: 69 ، 71.

أما قوله: "فلما التقى الناس" فإنه يأتي في السيرة في ص 72 ، وسياق الجملة: "فلما التقى الناس ، ودنا بعضهم من بعض ، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها ، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم" ، وساق ما كان من أمرهن ، ثم قال: "قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب ، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس" ، أما قوله بعد ذلك: "وحمزة بن عبد المطلب.

.

." ، فهو عطف علي"وقاتل أبو دجانة" ، استخرجه الطبري من سياق سيرة ابن إسحاق 3: 77 ، لا من نصه.

وقد تركت ما في التفسير على حاله ، لأنه خطأ من أبي جعفر نفسه ولا شك.

وأما قوله: "ثم أنزل الله نصره.

.

." إلى آخر الأثر فهو في السيرة 3: 82.

(25) الأثر: 8008- هذا أثر ملفق من نص ابن إسحاق ، وهو فيما رواه ابن هشام في سيرته من مواضع متفرقة كما سترى 3: 69 ، 70 / ثم ص: 72 / ثم ص: 77 / ثم ص 82 ، وانظر التعليق السالف.

ثم انظر تاريخ الطبري 3: 13 / ثم ص16.

وقوله: "حسوهم" أي قتلوهم واستأصلوهم ، كما سيأتي في تفسير الآية بعد.

(26) في المخطوطة: "مسموات هوادن" وضبط الكلمة الأولى بالقلم بفتح الميم وضم السين وميم مشددة مفتوحة !!

وهذا أعجب ما رأيت من السهو والغفلة!

والكلمتان خطأ محض ، وفي المطبوعة: "هوازم" ، والصواب من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري.

و"الخدم" جمع خدمة: وهي الخلخال ، ويجمع أيضًا"خدام" بكسر الخاء."شمر تشميرًا فهو مشمر": جد في السير أو العمل وأسرع ومضى مضيًا ، وأصله من فعل العادي إذا جد في عدوه وشمر عن ساقه وجمع ثوبه في يده ، ليكون أسرع له.

(27) في المخطوطة: "بعد أن رأينا أصحابناب" وضرب على"بنا" من"أصحابنا" ، فاجتهد الناشر قراءة هذا الكلام الفاسد فجعل مكان"أصبنا""هزمنا" ولكني رددته إلى نص ابن إسحاق من رواية ابن هشام في السيرة ، والطبري في التاريخ."انكفأ": مال ورجع وانقلب ، وهو صورة حركة الراجع ، من انكفاء الإناء إذا أملته ناحية ، و"انكفأوا علينا" ، أي مالوا راجعين عليهم.

(28) الأثر: 8009- سيرة ابن هشام 3: 82 ، وهو تابع آخر الأثر السالف رقم: 8008 ، وفي تاريخ الطبري 3: 16 ، 17.

(29) الأثر: 8010- سيرة ابن هشام 3: 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8002.

(30) في المخطوطة: "فلا عرض ما أصبتم" ، وفي المطبوعة: "فلا تأخذوا ما أصبتم" ، تصرف في طلب المعنى ، وهو خطأ ، وستأتي على الصواب في الأثر رقم: 8025 ، في المطبوعة والمخطوطة معًا ، كما كتبتها هنا.

وقوله: "فلا أعرفن ما أصبتم.

.

." ، يعني: لا يبلغني أنكم أصبتم من غنائمهم شيئًا.

وقولهم: "لا أعرفن كذا" و"ولأعرفن كذا" كلمة تقال عند الوعيد والتهديد والزجر الشديد.

وانظر مجيئها في الأثرين رقم: 8158 ، 8160 والتعليق عليهما.

وانظر الدر المنثور 2: 85.

(31) انظر الأثر الآتي رقم: 8025.

(32) انظر تفسير"الحس" فيما سلف 6: 443.

(33) الأثر: 8012-"محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطى" ، مضى القول فيه برقم: 2867 ، 2868 ، 2888 ، وفي 2868"محمد بن عبيد الله بن سعيد".

و"يعقوب بن عيسى" هو: "يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري" ، سلف في رقم: 2867.

و"عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز.

.

.

الزهري" ، هو الأعرج ، المعروف بابن أبي ثابت ، قيل: "ليس بثقة ، إنما كان صاحب شعر" ، وقال يحيى: "رأيته ببغداد ، كان يشتم الناس ويطعن في أحسابهم.

ليس حديثه بشيء".

مترجم في التهذيب.

و"محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف" قال البخاري: "منكر الحديث" ، وقال أبو حاتم: "هم ثلاثة إخوة: محمد بن عبد العزيز ، وعبد الله بن عبد العزيز ، وعمران بن عبد العزيز ، وهم ضعفاء الحديث ، ليس لهم حديث مستقيم ، وليس لمحمد عن أبي الزناد ، والزهري ، وهشام بن عروة ، حديث صحيح".

مترجم في الكبير 1 / 1 / 167 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 7.

(34) الأثر: 8019- سيرة ابن هشام 3: 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8010 ، وكان في المخطوطة والمطبوعة: "أي: بالقتل" ، والباء زيادة لا خير فيها ، والصواب من سيرة ابن هشام.

(35) انظر تفسير"الإذن" فيما سلف 2: 449 ، 450 / 4 : 286 ، 371 / 5 : 352 ، 355 ، 395.

(36) الأثر: 8022- سيرة ابن هشام 3: 120 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8019.

(37) انظر تفسير"فشل" فيما سلف 7: 168.

(38) في المطبوعة: "وجاوزوا" ، وهي ضعيفة المعنى هنا.

ولم تذكر كتب اللغة"حاوز" لكنهم قالوا: "انحاز القوم وتحوزوا وتحيزوا: تركوا مركزهم ومعركة قتالهم وتنحوا عنه ، ومالوا إلى موضع آخر".

وانظر ما سلف في التعليق على رقم: 7524 ، من قوله: "تحاوز الناس".

(39) في المطبوعة: "فانصرف عليهم" ، ولا معنى لها ، ولكنه أخذها من الأثر التالي 8025 ، من رسم المخطوطة هناك.

وفي الدر المنثور 2: 85"فانصر عليهم" ، ولا معنى لها أيضًا.

وهي في المخطوطة هنا"فصرف" ، فرجحت أن يكون هذا تصحيف"فقذف" ، فأثبتها ، وهي سياق المعنى حين انحطت عليهم خيل المشركين من ورائهم.

(40) في المخطوطة والمطبوعة: "من قدمنا" ، والصواب من تاريخ الطبري.

وفي الدر المنثور 2: 84"من ند منا" ، يقال"ند البعير" ، إذا نفر وشرد وذهب على وجهه ، ولا بأس بمعناها هنا.

(41) في المطبوعة: "اختلف الذين كانوا جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض" ، زاد الناشر الأول"اختلف" ، أما المخطوطة ، والدر المنثور 2: 84 ، فليس فيها"اختلف" ، والكلام بعد كما هو ، وهو مضطرب ، ورددته إلى الصواب من تاريخ الطبري ، حذفت"فقال" من وسط الكلام ، ووضعت"قال" في أوله.

(42) انظر التعليق على الأثر: 8011 ، ص: 286 ، تعليق: 4.

(43) في المخطوطة والمطبوعة: "فانصرف عليهم عدوهم" ، ولا معنى لها ، وفي الدر المنثور 2: 85"فانصر عليهم" ، ولا معنى لها ، وانظر التعليق السالف ص: 290 تعليق: 2.

(44) الأثر: 8025- مضى برقم: 8011 مختصرًا.

(45) في المطبوعة: "تجادلتم" ، وهو خطأ صرف ، والصواب من سيرة ابن هشام.

(46) الأثر: 8028- سيرة ابن هشام 3: 121.

(47) في المطبوعة: "أنه من المقدم.

.

." بإسقاط الواو ، وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة.

(48) في المطبوعة"كما قلنا في فلما أسلما.

.

." بزيادة"في" وفي المخطوطة: "كما قلنا فلما أسلما" ، بإسقاط"في" ، وأثبت ما في معاني القرآن للفراء 1: 238 ، فهذا نص كلامه.

(49) في المطبوعة: "وهذا مقول في (حتى إذا) وفي (لما) ومنه قول الله.

.

." ، وفي المخطوطة: "وهذا مقول في (حتى إذا) وفي (فلما أن) ، وفلما ، ومنه قول الله عز وجل".

والذي في المطبوعة تغيير لا خير فيه ، والذي في المخطوطة خطأ لا شك فيه ، فآثرت إثبات ما في معاني القرآن للفراء 1: 238 ، فإنه نص مقالته ، وزدت منه ما بين القوسين.

(50) انظر معاني القرآن للفراء 1: 238.

(51) هو الأسود بن يعفر النهشلي ، وهو في أكثر الكتب غير منسوب.

(52) معاني القرآن للفراء 1: 107 ، 238 / اللسان (قمل) والجزء: 20: 381 / تأويل مشكل القرآن: 197 ، 198 / المعاني الكبير: 533 / مجالس ثعلب: 74 / أمالي الشجري 1: 357 ، 358 / الإنصاف لابن الأنباري: 189 / الخزانة 4: 414 / وهو في جميعها غير منسوب ، وهو من شعر لم أجده تامًا ، ذكر أبياتًا منه البكري في معجم ما استعجم: 379 ، فيها البيت الأول وحده ، وبيتان آخران منها في اللسان (وقب) وتهذيب الألفاظ: 196.

وهو من شعر يهجو فيه بني نجيح ، من بني عبد الله بن مجاشع بن دارم يقول في هجائهم: أَبَنِــــي نَجِـــيحٍ، إنَّ أُمَّكُـــمُ أَمَــــةٌ، وإنَّ أَبَـــاكُمُ وَقْـــبُ أَكَــلَتْ خَــبِيثَ الــزَّادِ فَـاتَّخَمَتْ عَنْــهُ، وَشَــمَّ خِمَارَهَــا الكَـلْبُ وقوله: "قملت بطونكم" ، كثرت قبائلكم.

والبطون بطون القبائل.

(53) يقال: "قلبت له ظهر المجن" - والمجن: الترس ، لأنه يوارى صاحبه - كلمة تضرب مثلا لمن كان لصاحبه على مودة ورعاية ، ثم حال عن ذلك فعاداه.

والخب (بفتح الخاء ، وكسرها) الخداع الخبيث المنكر: وفي الحديث: "المؤمن غر كريم ، والكافر خب لئيم".

(54) المسلحة: القوم ذوو السلاح يوكلون بثغر من الثغور يحفظونه مخافة أن يأتي منه العدو.

وسميت الثغور"مسالح" من ذلك ، وهي مواضع المخافة.

(55) "ما شعرت" ، أي: ما علمت ، يأتي كذلك في الأثر التالي.

(56) في المطبوعة: "يحيزون الغنائم" ، وهو خطأ ، والكلمة في المخطوطة غير منقوطة ، والذي أثبته هو صواب قراءتها.

واجتر الشيء: جره ، يعني يطلبونها إلى أنفسهم.

(57) الأثر 8035-"الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي" ، مضى مرارًا ، وسلف ترجمته في رقم: 1625 ، وكان في المطبوعة: "العبقري" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة غير منقوط.

وأما "عبد خير" ، فهو"عبد خير بن يزيد الهمداني".

أدرك الجاهلية ، وروي عن أبي بكر ، وابن مسعود وعلي ، وزيد بن أرقم ، وعائشة.

وهو تابعي ثقة.

مترجم في التهذيب.

(58) الأثر: 8038- هو من بقية الأثر السالف: 8024 ، ورواه في تاريخه 3: 14.

(59) في المطبوعة: "لم يخالفوا" بإسقاط الواو ، وأثبتها من المخطوطة وابن هشام.

وفي المطبوعة والمخطوطة: "لعرض من الدنيا رغبة في رجاء ما عند الله" ، وهو كلام يتلجلج ، والصواب ما في سيرة ابن هشام ، وهو الذي أثبت.

(60) الأثر: 8039- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8028.

(61) انظر تفسير"ابتلى" فيما سلف 2: 49 / 3: 7 ، 220 / 5 : 339.

(62) الأثر: 8042- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8039.

وفي سيرة ابن هشام المطبوعة ، سقط بعض الكلام ، فاضطرب لفظه ، ويستفاد تصحيحه من هذا الموضع من التفسير.

(63) في المخطوطة: "وصرف وجوهكم عنه" ، والصواب ما في المطبوعة.

(64) في المطبوعة: "يتجرأ على كل كبيرة" ، تصرف في نص المخطوطة ، وتجرثم الشيء: أخذ معظمه ، وجرثومة كل شيء: أصله ومجتمعه.

(65) الأثر: 8045- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8042.

(66) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف 2: 344 / 5 : 164 ، 571 / 6: 156.

(67) الأثر: 8046- سيرة ابن هشام 3: 121 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8045.

وفي سيرة ابن هشام المطبوعة فساد قبيح.

يستفاد تصحيحه من هذا الموضع من التفسير.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنينقال محمد بن كعب القرظي : لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بعد أحد وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر !

فنزلت هذه الآية .

وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء ، وكان الظفر ابتداء للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة ، وترك بعض الرماة أيضا مركزهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة .

روى البخاري عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم : ( لا تبرحوا من مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم ) قال : فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن في الجبل ، وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا يقولون : الغنيمة الغنيمة .

فقال لهم عبد الله : أمهلوا !

أما عهد إليكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا تبرحوا ، فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من [ ص: 222 ] المسلمين سبعون رجلا .

ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نشز فقال : أفي القوم محمد ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تجيبوه ) حتى قالها ثلاثا .

ثم قال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟

ثلاثا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تجيبوه ) ثم قال : أفي القوم عمر بن الخطاب ؟

ثلاثا ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تجيبوه ) ثم التفت إلى أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا .

فلم يملك عمر - رضي الله عنه - نفسه دون أن قال : كذبت يا عدو الله !

قد أبقى الله لك من يخزيك به .

فقال : اعل هبل ; مرتين .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أجيبوه ) فقالوا : ما نقول يا رسول الله ؟

قال : ( قولوا الله أعلى وأجل ) .

قال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( أجيبوه ) .

قالوا : ما نقول يا رسول الله ؟

قال : قولوا ( الله مولانا ولا مولى لكم ) .

قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، أما إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني .

وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد القتال .

وفي رواية عن سعد : عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد .

يعني جبريل وميكائيل .

وفي رواية أخرى : يقاتلان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده .

وعن مجاهد قال : لم تقاتل الملائكة معهم يومئذ ، ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر .

قال البيهقي : إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به .

وعن عروة بن الزبير قال : وكان الله عز وجل وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين : وكان قد فعل ; فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركوا الرماة عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم ألا يبرحوا من منازلهم ، وأرادوا الدنيا ، رفع عنهم مدد الملائكة ، وأنزل الله تعالى : ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه فصدق الله وعده وأراهم الفتح ، فلما عصوا أعقبهم البلاء .

وعن عمير بن إسحاق قال : لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسعد يرمي بين يديه ، وفتى ينبل له ، كلما ذهبت نبلة أتاه بها .

قال ارم أبا إسحاق .

فلما فرغوا نظروا من الشاب ؟

فلم يروه ولم يعرفوه .

وقال محمد بن كعب : ولما قتل صاحب لواء المشركين وسقط لواؤهم ، رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية ; وفي ذلك يقول حسان :فلولا لواء الحارثية أصبحوا يباعون في الأسواق بيع الجلائب[ ص: 223 ] و تحسونهم معناه تقتلونهم وتستأصلونهم ; قال الشاعر :حسسناهم بالسيف حسا فأصبحت بقيتهم قد شردوا وتبددواوقال جرير :تحسهم السيوف كما تسامى حريق النار في الأجم الحصيدقال أبو عبيد : الحس الاستئصال بالقتل ; يقال : جراد محسوس إذا قتله البرد .

والبرد محسة للنبت .

أي محرقة له ذاهبة به .

وسنة حسوس أي جدبة تأكل كل شيء ; قال رؤبة :إذا شكونا سنة حسوسا تأكل بعد الأخضر اليبيساوأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة .

فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل .

بإذنه بعلمه ، أو بقضائه وأمره .

حتى إذا فشلتم أي جبنتم وضعفتم .

يقال فشل يفشل فهو فشل وفشل .

وجواب " حتى " محذوف ، أي حتى إذا فشلتم امتحنتم .

ومثل هذا جائز كقوله : فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فافعل .

وقال الفراء : جواب حتى ، وتنازعتم والواو مقحمة زائدة ; كقوله فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أي ناديناه .

وقال امرؤ القيس :فلما أجزنا ساحة الحي وانتحىأي انتحى .

وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو من وعصيتم .

أي حتى إذا فشلتم وتنازعتم عصيتم .

وعلى هذا فيه تقديم وتأخير ، أي حتى إذا تنازعتم وعصيتم فشلتم .

وقال أبو علي : يجوز أن يكون الجواب صرفكم عنهم ، و " ثم " زائدة ، والتقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قول الشاعر :أراني إذا ما بت بت على هوى فثم إذا أصبحت أصبحت عادياوجوز الأخفش أن تكون زائدة ; كما في قوله تعالى : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم .

وقيل : ( حتى ) بمعنى " إلى " وحينئذ لا جواب له ; أي صدقكم الله وعده إلى أن فشلتم ، أي كان ذلك الوعد بشرط الثبات .ومعنى وتنازعتم اختلفتم ; يعني الرماة حين قال بعضهم لبعض : نلحق الغنائم .

وقال بعضهم : بل نثبت في مكاننا الذي أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالثبوت فيه .[ ص: 224 ] وعصيتم أي خالفتم أمر الرسول في الثبوت .

من بعد ما أراكم ما تحبون يعني من الغلبة التي كانت للمسلمين يوم أحد أول أمرهم ; وذلك حين صرع صاحب لواء المشركين على ما تقدم ، وذلك أنه لما صرع انتشر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وصاروا كتائب متفرقة فحاسوا العدو ضربا حتى أجهضوهم عن أثقالهم .

وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مغلوبة ، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلا .

فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله عز وجل قد فتح لإخوانهم قالوا : والله ما نجلس ههنا لشيء ، قد أهلك الله العدو وإخواننا في عسكر المشركين .

وقال طوائف منهم : علام نقف وقد هزم الله العدو ؟

فتركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي صلي الله عليه وسلم ألا يتركوها ، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول فأوجفت الخيل فيهم قتلا .

وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم ، ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادئ النصر ، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في الانهزام .

ثم بين سبب التنازع .

فقال : منكم من يريد الدنيا يعني الغنيمة .

قال ابن مسعود : ما شعرنا أن أحدا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد .

ومنكم من يريد الآخرة وهم الذين ثبتوا في مركزهم ، ولم يخالفوا أمر نبيهم - صلى الله عليه وسلم - مع أميرهم عبد الله بن جبير ; فحمل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل عليه ، وكانا يومئذ كافرين فقتلوه مع من بقي ، رحمهم الله .

والعتاب مع من انهزم لا مع من ثبت ، فإن من ثبت فاز بالثواب ، وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان يهلكون ; ولكن لا يكون ما حل بهم عقوبة ، بل هو سبب المثوبة ، والله أعلم .قوله تعالى : ثم صرفكم عنهم ليبتليكم أي بعد أن استوليتم عليهم ردكم عنهم بالانهزام .

ودل هذا على أن المعصية مخلوقة لله تعالى .

وقالت المعتزلة : المعنى ثم انصرفتم ; فإضافته إلى الله تعالى بإخراجه الرعب من قلوب الكافرين من المسلمين ابتلاء لهم .

قال القشيري : وهذا لا يغنيهم ; لأن إخراج الرعب من قلوب الكافرين حتى يستخفوا بالمسلمين قبيح ولا يجوز عندهم ، أن يقع من الله قبيح ، فلا يبقى لقوله : ثم صرفكم عنهم معنى .

وقيل : معنى صرفكم عنهم أي لم يكلفكم طلبهم .قوله تعالى : ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة .

والخطاب قيل هو للجميع .

وقيل : هو للرماة الذين خالفوا ما أمروا به ، واختاره النحاس .

وقال أكثر المفسرين : ونظير هذه الآية قوله : ثم عفونا عنكم .

والله ذو فضل على المؤمنين بالعفو والمغفرة .

وعن ابن عباس قال : ما نصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في موطن كما نصر يوم أحد ، قال : وأنكرنا ذلك ، فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز [ ص: 225 ] وجل ، إن الله عز وجل يقول في يوم أحد : ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه - يقول ابن عباس : والحس القتل - حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين وإنما عنى بهذا الرماة .

وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقامهم في موضع ثم قال : ( احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا ) .

فلما غنم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينتهبون ، وقد التقت صفوف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم هكذا - وشبك أصابع يديه - والتبسوا .

فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضرب بعضهم بعضا والتبسوا ، وقتل من المسلمين ناس كثير ، وقد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ، وجال المسلمون نحو الجبل ، ولم يبلغوا حيث يقول الناس : الغار ، إنما كانوا تحت المهراس وصاح الشيطان : قتل محمد .

فلم يشك فيه أنه حق ، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين السعدين ، نعرفه بتكفئه إذا مشى .

قال : ففرحنا حتى كأنا لم يصبنا ما أصابنا .

قال : فرقي نحونا وهو يقول : ( اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم ) .

وقال كعب بن مالك : أنا كنت أول من عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين ; عرفته بعينيه من تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين !

أبشروا ، هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أقبل .

فأشار إلي أن اسكت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { ولقد صدقكم الله وعده } بالنصر، فنصركم عليهم، حتى ولوكم أكتافهم، وطفقتم فيهم قتلا، حتى صرتم سببا لأنفسكم، وعونا لأعدائكم عليكم، فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور { وتنازعتم في الأمر } الذي فيه ترك أمر الله بالائتلاف وعدم الاختلاف، فاختلفتم، فمن قائل نقيم في مركزنا الذي جعلنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قائل: ما مقامنا فيه وقد انهزم العدو، ولم يبق محذور، فعصيتم الرسول، وتركتم أمره من بعد ما أراكم الله ما تحبون وهو انخذال أعدائكم؛ لأن الواجب على من أنعم الله عليه بما أحب، أعظم من غيره.

فالواجب في هذه الحال خصوصًا، وفي غيرها عموما، امتثال أمر الله ورسوله.

{ منكم من يريد الدنيا } وهم الذين أوجب لهم ذلك ما أوجب، { ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين لزموا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا حيث أمروا.

{ ثم صرفكم عنهم } أي: بعدما وجدت هذه الأمور منكم، صرف الله وجوهكم عنهم، فصار الوجه لعدوكم، ابتلاء من الله لكم وامتحانا، ليتبين المؤمن من الكافر، والطائع من العاصي، وليكفر الله عنكم بهذه المصيبة ما صدر منكم، فلهذا قال: { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم.

ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم.

إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولقد صدقكم الله وعده ) قال محمد بن كعب القرظي : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أحد وقد أصابهم ما أصابهم ، قال ناس من أصحابه : من أين أصابنا هذا؟

وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله تعالى : ( ولقد صدقكم الله وعده ) بالنصر والظفر وذلك أن النصر والظفر كان للمسلمين في الابتداء ، ( إذ تحسونهم بإذنه ) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين ، وهو جبل عن يساره وأقام عليه الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم : احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وأقبل المشركون فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل والمسلمون يضربونهم بالسيوف ، حتى ولوا هاربين فذلك قوله تعالى ( إذ تحسونهم بإذنه ) أي تقتلونهم قتلا ذريعا بقضاء الله .

قال أبو عبيدة : الحس : هو الاستئصال بالقتل .

( حتى إذا فشلتم ) أي : إن جبنتم وقيل : معناه فلما فشلتم ، ( وتنازعتم في الأمر وعصيتم ) والواو زائدة في ( وتنازعتم ) يعني : حتى إذا فشلتم تنازعتم ، وقيل : فيه تقديم وتأخير تقديره : حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم ومعنى التنازع الاختلاف .

وكان اختلافهم أن الرماة اختلفوا حين انهزم المشركون فقال بعضهم : انهزم القوم فما مقامنا؟

وأقبلوا على الغنيمة وقال بعضهم : لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة .

فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه ، وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح فصارت دبورا بعد ما كانت صبا وانتقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من الدهش ، ونادى إبليس أن محمدا قد قتل وكان ذلك سبب الهزيمة للمسلمين .

قوله تعالى : ( وعصيتم ) يعني : الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتم أمره ، ( من بعد ما أراكم ) الله ( ما تحبون ) يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة ، ( منكم من يريد الدنيا ) يعني : الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب ، ( ومنكم من يريد الآخرة ) يعني : الذين ثبتوا مع عبد الله بن جبير حتى قتلوا قال عبد الله بن مسعود : ما شعرت أن أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية ( ثم صرفكم عنهم ) أي : ردكم عنهم بالهزيمة ، ( ليبتليكم ) ليمتحنكم وقيل : لينزل البلاء عليكم ( ولقد عفا عنكم ) يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة ، ( والله ذو فضل على المؤمنين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد صدقكم الله وعده» إياكم بالنصر «إذ تحسونهم» تقتلونهم «بإذنه» بإرادته «حتى إذا فَشِلْتُمْ» جبنتم عن القتال «وتنازعتم» اختلفتم «في الأمر» أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمقام في سفح الجبل للرمي فقال بعضكم: نذهب فقد نُصر أصحابنا وبعضكم: لا نخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم «وعصَيتم» أمره فتركتم المركز لطلب الغنيمة «من بعد ما أراكم» اللهُ «ما تحبون» من النصر وجواب إذا دل عليه ما قبله أي منعكم نصره «منكم من يريد الدنيا» فترك المركز للغنيمة «ومنكم من يريد الآخرة» فثبت به حتى قتل كعبد الله بن جبير و أصحابه «ثم صرفكم» عطف على جواب إذا المقدر ردَّكم للهزيمة «عنهم» أي الكفار «ليبتليكم» ليمنحنكم فيظهر المخلص من غيره «ولقد عفا عنكم» ما ارتكبتموه «والله ذو فضل على المؤمنين» بالعفو.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر، حين كنتم تقتلون الكفار في غزوة "أُحد" بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم: هل تبقون في مواقعكم أو تتركونها لجمع الغنانم مع مَن يجمعها؟

وعصيتم أمر رسولكم حين أمركم ألا تفارفوا أماكنكم بأي حال، حلَّت بكم الهزيمة من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، وتبيَّن أن منكم مَن يريد الغنائم، وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها، ثم صرف الله وجوهكم عن عدوكم؛ ليختبركم، وقد علم الله ندمكم وتوبتكم فعفا عنكم، والله ذو فضل عظيم على المؤمنين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قال القرطبى : قال محمد بن كعب القرظى : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد ، وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟

فنزل قوله - تعالى - { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } الآية .وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء ، وكان الظفر ابتداء للمسلمين ، غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة وترك بعض الرماة أيضاً مراكزهم طلبا للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة .وقد روى البخارى عن البراء بن عازب قال : لما كان يوم أحد ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم : " لا تبرحوا من مكانكم .

إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا " .قال : فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددت الجبل - أى يسرعن الفرار - يرفعن عن سوقهن ، قد بدت خلاخلهن .

فجعلوا يقولون - أى الرماة - " الغنيمة .

.

الغنيمة " فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير .

أمهلوا .

أما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا أماكنكم؟

فأبوا - وانطلقوا لجمع الغنائم - فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا " .وصدق الوعد معناه : تحقيقه والوفاء به ، الصدق مطابقة الخبر للواقع .

والمراد بهذا الوعد ، ما وعد الله به المؤمنين من النصر والظفر فى مثل قوله - تعالى - { ياأيها الذين آمنوا إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } وفى مثل قوله - تعالى - { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب بِمَآ أَشْرَكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } وفى مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم للرماة قبل أن تبدأ المعركة " لا تبرحوا أماكنكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم " .ومعنى " تحسونهم تقتلونهم قتلا شديدا يفقدون معه حسهم وحركتهم .

يقال : حسه حسا إذا قتله .

وحقيقته : أصاب حاسته بآفة فأبطلها ، يقال : كبده وفأده أى : أصاب كبده وفؤاده .

ومنه جراد محسوس ، وهو الذى قتله البرد أو مسته النار فأهلكته .والمعنى : ولقد حقق الله - تعالى - لكم - أيها المؤمنون - ما وعدكم به من النصر على أعدائكم إذ إيدكم فى أول معركة أحد بعونه وتأييده فصرتم تقتلون المشركين قتلا ذريعا شديدا بإذنه وتيسيره ورعايته وكان حليفا لكم فى أول المعركة .و " صدق " يتعدى لاثنين أحدهما بنفسه والآخر بحرف الجر تقول : صدقت زيداً فى الحديث .

وقد يتعدى بنفسه إلى مفعولين كما هنا إذ المفعول الأول ضمير المخاطبين ، والثانى قوله { وَعْدَهُ } .وقوله { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } معمول لصدقكم أى صدقكم فى هذا الوقت وهو وقت قتلهم وقوله " بإذنه " متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل " تحسونهم " أى تقتلونهم مأذونا لكم فى ذلك .فالجملة الكريمة تذكر المؤمنين بما كان من نصر الله - تعالى - لهم عندما أقبلوا على معركة أحد بقلوب مخلصة ، ونفوس ثابتة وعزيمة صادقة .

.

ثم بين - سبحانه - أن ما أصابهم من هزيمة بعد ذلك كان بسبب فشلهم وتنازعهم فقال - تعالى - : { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } .والفشل : بمعنى الجبن والضعف ، يقال فشل يفشل فهو فشل وفاشل والتنازع : التخاصم والتحالف .والمعنى : ولقد صدقكم الله وعده فى النصر - أيها المؤمنون - عندما كنتم تقاتلون أعداءكم بإيمان صادق ، وإخلاص الله - تعالى - حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم وتنازعتم فيما بينكم ( أنتبع الغنائم نجمعها أم نبقى فى أماكننا التى حددها الرسول صلى الله عليه وسلم لنا ) ؟

ومال أكثركم إلى طلب الغنائم مخالفاً أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما أراكم الله فى أول المعركة من نصر مؤزر تحبونه وترجونه ، ومن مغانم تتطلعون إليها بلهفة وشوق .حتى إذا فعلتم ذلك منع الله - تعالى - عنكم نصره ، وتحول نصركم إلى هزيمة وفقدتم أنفسكم وما جمعتموه من غنائم .وهكذا نرى أن ما أصاب المسلمين فى أحد من هزيمة كان بسبب فشل بعضهم وتنازعهم وعصيانهم أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم وصدق الله إذ يقول : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً } ولقد رتب الله - تعالى - ما حدث من بعض المؤمنين فى غزوة أحد ترتيباً دقيقاً ، يتفق مع ما حصل منهم وذلك لأنهم حدث منهم - أولا - الفشل بمعنى العجز النفسي عن الثبات والصبر .

ثم ترتب على ذلك أن تنازعو فيما بينهم ونتج عن هذا التنازع أن ترك معظمهم مكانه ونزل إلى ميدان المعركة لجمع المغانم ، ثم ترتب على كل ذلك معصيتهم لأمر رسولهم وقائدهم صلى الله عليه وسلم .قال الجمل ما ملخصه : وقوله { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ } فى حتى هذه قولان :أحدهما : أنها حرف جر بمعنى إلى وفى متعلقها حينئذ ثلاثة أوجه .أحدها : أنها متعلقة بقوله : { تَحُسُّونَهُمْ } أى تقتلونهم إلى هذا الوقت .والثانى : أنها متعلقة " بصدقكم " أى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم .

والثالث : أنها متعلقة بمحذوف دل عليه السياق تقديره : ودام لكم ذلك إلى وقت فشلكم .والقول الثانى : أنها حرف ابتداء داخلة على الجملة الشرطية { إِذَا } على بابها من كونها شرطية ، والصحيح أن جوابها محذوف أى حتى إذا فشلتم وتنازعتم منع الله عنكم نصره " .وقال الفخر الرازى : فإن قيل ما الفائدة فى قوله { بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } ؟فالجواب عنه : أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية ، لأنهم لما شاهدوا أن الله - تعالى - " أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية ، لأنهم لما شاهدوا أن الله - تعالى - " أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية ، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم .

وقوله { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة } تفصيل للتنازع الذى كان بين الرماة ، أو بين بعض أفراد المسلمين الذين اشتركوا فى هذه الغزوة .أى : منكم - أيها المسلمون - من يريد الدنيا ومغانمها حتى حمله ذلك على ترك مكانه المخصص له مخالفا نصيحة قائده ورسوله صلى الله عليه وسلم ولو أن هذا البعض منكم خالف هواه ، وحارب مطامعه ، وأطاع أمر رسوله صلى الله عليه وسلم لتم لكم النصر ، ولأتتكم الدنيا بغنائمها وهيى صاغرة .ومنكم من يريد بجهاده وعمله ثواب الآخرة وهم الذين أطاعوا أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم وثبتوا إلى جانبه يدافعون عنه وعن عقيدتهم وعن أنفسهم دفاع الأبطال الصامدين وهؤلاء هم الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ما يسعدهم فى دنياهم وآخرتهم .قال ابن جرير : قال ابن عباس : لما هزم الله المشركين يوم أحد ، قال الرماة : أدركوا الناس لا يسبقوكم إلى الغنائم فتكون لهم دونكم ، وقال بعضهم : لا نريم حتى يأذن لنا النبى صلى الله عليه وسلم فنزلت : { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة } .وقال ابن مسعود : ما علمنا أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد " .وقوله { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } عطف على جواب " إذا " المقدر ، وما بينهما اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه .والتقدير : منع الله نصره عنكم بسبب فشلكم وتنازعكم ومعصيتكم لنبيكم ثم ردكم عنهم دون أن تنالوا ما تبتغون { لِيَبْتَلِيَكُمْ } أى ليعاملكم الله - تعالى - معاملة من يمتحن غيره ، ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه وليتبين لكم الصابر المخلص من غيره .وجاء العطف بثم فى قوله { ثُمَّ صَرَفَكُمْ } للإشعار بالتفاوت الكبير بين المقصد الأصلى الذى خرجوا من أجله وهو النصر والحصول على الغنيمة وبين النتيجة التى انتهوا إليها وهى العودة مقهورين .وكان التعبير بكلمة { صَرَفَكُمْ } دون كلمة " هزمتم " لأن ما حدث فى أحد لم يكن هزيمة وإن لم يكن نصراً .

لأن الهزيمة تقتضى أن يولى المسلمون الأدبار وأن يتحكم فيهم أعداؤهم وما حدث فى أحد لم يكن كذلك ، وإنما كان زيادة فى عدد الشهداء من المسلمين عن عدد القتلى من المشركين لأن بعض المسلمين خالفوا وصية نبيهم صلى الله عليه وسلم وتطلعوا إلى زهرة الدنيا وزينتها بطريقة تتعارض مع ما يقتضيه الإيمان الصادق فكان من الله - تعالى - التأديب لهم ..

وفى هذا التعبير { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } تسلية لهم عما أصابهم ، وتخفيف لمصابهم فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إن ما حدث فى أحد إنما هو نوع من الصرف عن الغاية التى من أجلها خرجتم لحكم من أهمها : تمييز الخبيث من الطيب ، وتربيتكم على تحمل المصائب والآلام ، وتأديبكم بالأدب المناسب حتى لا تعودوا مرة أخرى إلى مخالفة رسولكم صلى الله عليه وسلم .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يمسح آلامهم ويذهب الحسرة من قلوبهم فقال - تعالى - { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } .أى : ولقد عفا - سبحانه - عما صدر منكم تفضلا منه وكرما ، والله تعالى هو صاحب الفضل المطلق الدائم على المؤمنين .ولقد أكد - سبحانه - هذا العفو باللام وبقد وبالتعبير بالماضى ، ليفتح أمامهم طريق الأمل ، وليحفزهم على التوبة الصادقة والإيمان العميق ، حتى لا ييأسوا من رحمة الله .والتذييل بقوله { ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } مؤكد لمضمون ما قبله .قال الآلوسى : " إيذان بأن ذلك العفو ، ولو كان بعد التوبة ، بطريق التفضل لا الوجوب أى : شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو فى جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم ، إذ الابتلاء أيضاً رحمة " .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد ذكرت المؤمنين بأن الله - تعالى - قد حقق وعده معهم فى أول المعركة بأن سلطهم على المشركين يقتلونهم بتأييده ورعايته قتلا ذريعا فلما صدر من بعض المؤمنين الفشل والتنازع والعصيان منع الله عنهم عونه وصرفهم عن الغاية التى كانوا يتمنونها ليتميز الخبيث من الطيب ومع ذلك فقد عفا الله عما صدر منهم من أخطاء لأنه هو صاحب الفضل الدائم على المؤمنين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها من وجوه: الأول: أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم بأحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر!

فأنزل الله تعالى هذه الآية.

الثاني: قال بعضهم كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يذبح كبشا فصدق الله رؤياه بقتل طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل بعده تسعة نفر على اللواء فذاك قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ يريد تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم.

الثالث: يجوز أن يكون هذا الوعد ما ذكره في قوله تعالى: ﴿ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ  ﴾ إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط الصبر والتقوى.

والرابع: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ  ﴾ إلا أن هذا أيضاً مشروط بشرط.

والخامس: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: ﴿ سَنُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب  ﴾ والسادس: قيل: الوعد هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرماة: «لا تبرحوا من هذا المكان، فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان» السابع: قال أبو مسلم: لما وعدهم الله في الآية المتقدمة إلقاء الرعب في قلوبهم أكد ذلك بأن ذكرهم ما أنجزهم من الوعد بالنصر في واقعة أحد، فإنه لما وعدهم بالنصرة بشرط أن يتقوا ويصبروا فحين أتوا بذلك الشرط لا جرم، وفى الله تعالى بالمشروط وأعطاهم النصرة، فلما تركوا الشرط لا جرم فاتهم المشروط.

إذا عرفت وجه النظم ففي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الصدق يتعدى إلى مفعولين، تقول: صدقته الوعد والوعيد.

المسألة الثانية: قد ذكرنا في قصة أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل، وأمرهم أن يثبتوا هناك ولا يبرحوا، سواء كانت النصرة للمسلمين أو عليهم، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا، والمسلمون على آثارهم يحسونهم، قال الليث: الحس: القتل الذريع، تحسونهم: أي تقتلونهم قتلا كثيرا، قال أبو عبيد، والزجاج، وابن قتيبة: الحس: الاستئصال بالقتل، يقال: جراد محسوس.

إذا قتله البرد.

وسنة حسوس: إذا أتت على كل شيء، ومعنى تحسونهم أي تستأصلونهم قتلا، قال أصحاب الاشتقاق: حسه إذا قتله لأنه أبطل حسه بالقتل، كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه، إذا أصاب رأسه، وقوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ أي بعلمه، ومعنى الكلام أنه تعالى لما وعدكم النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة فما دمتم وافين بهذا الشرط أنجز وعده ونصركم على أعدائكم، فلما تركتم الشرط وعصيتم أمر ربكم لا جرم زالت تلك النصرة.

أما قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ وتنازعتم فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدَمَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول ظاهر قوله: ﴿ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ بمنزلة الشرط، ولا بد له من الجواب فأين جوابه؟

واعلم أن للعلماء هاهنا طريقين: الأول: أن هذا ليس بشرط، بل المعنى، ولقد صدقكم الله وعده حتى إذا فشلتم، أي قد نصركم إلى أن كان منكم الفشل والتنازع، لأنه تعالى كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة، فلما فشلوا وعصوا انتهى النصر، وعلى هذا القول تكون كلمة حتى غاية بمعنى إلى فيكون معنى قوله: ﴿ حتى إِذَا ﴾ إلى أن، أو إلى حين.

الطريق الثاني: أن يساعد على أن قوله: ﴿ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ شرط، وعلى هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه: الأول: وهو قول البصريين أن جوابه محذوف، والتقدير: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منعكم الله نصره، وإنما حسن حذف هذا الجواب لدلالة قوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ عليه، ونظائره في القرآن كثيرة، قال تعالى: ﴿ فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِي الأرض أَوْ سُلَمَاً في السماء فتأتيهم بِآية  ﴾ والتقدير: فافعل، ثم أسقط هذا الجواب لدلالة هذا الكلام عليه، وقال: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء اليل  ﴾ والتقدير: أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك؟

الوجه الثاني: وهو مذهب الكوفيين واختيار الفراء: أن جوابه هو قوله: ﴿ وَعَصَيْتُمْ ﴾ والواو زائدة كما قال: ﴿ فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ  وَنَٰدَيْنَٰهُ أَن يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ  ﴾ والمعنى ناديناه، كذا هاهنا، الفشل والتنازع صار موجباً للعصيان، فكان التقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم، فالواو زائدة، وبعض من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب حتى إذا بدليل قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا  ﴾ والتقدير حتى إذا جاؤها فتحت لهم أبوابها.

فان قيل: إن فشلتم وتنازعتم معصية، فلو جعلنا الفشل والتنازع علة للمعصية لزم كون الشيء علة لنفسه وذلك فاسد.

قلنا: المراد من العصيان هاهنا خروجهم عن ذلك المكان، ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عن ذلك المكان، فلم يلزم تعليل الشيء بنفسه.

واعلم أن البصريين إنما لم يقبلوا هذا الجواب لأن مذهبهم أنه لا يجوز جعل الواو زائدة.

الوجه الثالث في الجواب: أن يقال تقدير الآية: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون، صرتم فريقين، منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة.

فالجواب: هو قوله: صرتم فريقين، إلا أنه أسقط لأن قوله: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة ﴾ يفيد فائدته ويؤدي معناه، لأن كلمة من للتبعيض فهي تفيد هذا الانقسام، وهذا احتمال خطر ببالي.

الوجه الرابع: قال أبو مسلم: جواب قوله: ﴿ حتى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ هو قوله: ﴿ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا وكذا صرفكم عنهم ليبتليكم وكلمة ثم هاهنا كالساقطة وهذا الوجه في غاية البعد.

والله أعلم.

المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة: أولها: الفشل وهو الضعف، وقيل الفشل هو الجبن، وهذا باطل بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ  ﴾ أي فتضعفوا، لأنه لا يليق به أن يكون المعنى فتجبنوا.

ثانيها: التنازع في الأمر وفيه بحثان.

البحث الأول: المراد من التنازع انه عليه الصلاة والسلام أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم ألبتة، وجعل أميرهم عبدالله بن جبير؛ فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون، ثم ان الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخيلهن، فقالوا الغنيمة الغنيمة، فقال عبدالله: عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا الى طلب الغنيمة، وبقي عبدالله مع طائفة قليلة دون العشرة الى أن قتلهم المشركون فهذا هو التنازع.

البحث الثاني: قوله: ﴿ فِى الأمر ﴾ فيه وجهان: الأول: أن الأمر هاهنا بمعنى الشأن والقصة، أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن.

والثاني: أنه الأمر الذي يضاده النهي.

والمعنى: وتنازعتم فيما أمركم الرسول به من ملازمة ذلك المكان.

وثالثها: وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، والمراد عصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.

بقي في هذه الآية سؤالات: الأول: لم قدم ذكر الفشل على ذكر التنازع والمعصية؟

والجواب: ان القوم لما رأوا هزيمة الكفار وطمعوا في الغنيمة فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعا في الغنيمة، ثم تنازعوا بطريق القول في أنا: هل نذهب لطلب الغنيمة أم لا؟

ثم اشتغلوا بطلب الغنيمة.

السؤال الثاني: لما كانت المعصية بمفارقة تلك المواضع خاصة بالبعض فلم جاء هذا العتاب باللفظ العام؟

والجواب: هذا اللفظ وان كان عاماً إلا أنه جاء المخصص بعده، وهو قوله: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة ﴾ .

السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله: ﴿ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ .

والجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بانجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الاكرام وأذاقهم وبال أمرهم.

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ وقد اختلف قول أصحابنا وقول المعتزلة في تفسير هذه الآية، وذلك لأن صرفهم عن الكفار معصية، فكيف أضافه الى نفسه؟

أما أصحابنا فهذا الاشكال غير وارد عليهم، لأن مذهبهم أن الخير والشر بارادة الله وتخليقه، فعلى هذا قالوا معنى هذا الصرف أن الله تعالى رد المسلمين عن الكفار، وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم، وهذا قول جمهور المفسرين.

قالت المعتزلة: هذا التأويل غير جائز ويدل عليه القرآن والعقل، أما القرآن فهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ  ﴾ فأضاف ما كان منهم الى فعل الشيطان، فكيف يضيفه بعد هذا الى نفسه؟

وأما المعقول فهو أنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان ذلك بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه، كما لا يجوز معاتبتهم على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم، ثم عند هذا ذكروا وجوها من التأويل: الأول: قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين، بعضهم فارقوا المكان أولا لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك، ثم هؤلاء الذين بقوا أحاط بهم العدو، فلو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلا، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع الى موضع يتحرزون فيه عن العدو، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب الى الجبل في جماعة من أصحابه وتحصنوا به ولم يكونوا عصاة بذلك، فلما كان ذلك الانصراف جائزا أضافه الى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وإذنه، ثم قال: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ والمراد أنه تعالى لما صرفهم الى ذلك المكان وتحصنوا به أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين، ولا شك أن الاقدام على الجهاد بعد الانهزام، وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقربائهم وأحبائهم هو من أعظم أنواع الابتلاء.

فان قيل: فعلى هذا التأويل هؤلاء الذين صرفهم الله عن الكفار ما كانوا مذنبين، فلم قال: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ .

قلنا: الآية مشتملة على ذكر من كان معذورا في الانصراف ومن لم يكن، وهم الذين بدؤا بالهزيمة فمضوا وعصوا فقوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ راجع الى المعذورين، لأن الآية لما اشتملت على قسمين وعلى حكمين رجع كل حكم الى القسم الذي يليق به، ونظيره قوله تعالى: ﴿ ثَانِيَ اثنين إِذْ هُمَا فِي الغار إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ  ﴾ والمراد الذي قال له: ﴿ لاَ تَحْزَنْ ﴾ وهو أبو بكر، لأنه كان خائفاً قبل هذا القول، فلما سمع هذا سكن، ثم قال: ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا  ﴾ وعنى بذلك الرسول دون أبي بكر، لأنه كان قد جرى ذكرهما جميعا، فهذا جملة ما ذكره الجبائي في هذا المقام.

والوجه الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو ان المراد من قوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ أنه تعالى أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة منه على عصيانهم وفشلهم، ثم قال: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا الى الله وترجعوا اليه وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره وملتم فيه إلى الغنيمة، ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم.

والوجه الثالث: قال الكعبي: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ بكثرة الانعام عليكم والتخفيف عنكم، فهذا ما قيل في هذا الموضع، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ فظاهره يقتضي تقدم ذنب منهم.

قال القاضي: إن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بأنه عفا عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر، فلابد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو والمغفرة.

واعلم أن الذنب لا شك أنه كان كبيرة، لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك المخالفة سبباً لانهزام المسلمين، وقتل جمع عظيم من أكابرهم، ومعلوم أن كل ذلك من باب الكبائر وأيضا: ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ  ﴾ يدل على كونه كبيرة، وقول من قال: إنه خاص في بدر ضعيف، لأن اللفظ عام، ولا تفاوت في المقصود، فكان التخصيص ممتنعا، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالى عفا عنهم من غير توبة، لأن التوبة غير مذكورة، فصار هذا دليلا على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر، وأما دليل المعتزلة في المنع عن ذلك، فقد تقدم الجواب عنه في سورة البقرة.

ثم قال: ﴿ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين ﴾ وهو راجع إلى ما تقدم من ذكر نعمه سبحانه وتعالى بالنصر أولا، ثم بالعفو عن المذنبين ثانياً.

وهذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن، لأنا بيّنا أن هذا الذنب كان من الكبائر، ثم إنه تعالى سماهم المؤمنين، فهذا يقتضي أن صاحب الكبيرة مؤمن بخلاف ما تقوله المعتزلة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ وعدهم الله النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله تعالى: ﴿ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ ﴾ [آل عمران: 125] ويجوز أن يكون الوعد قوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ فلما فشلوا وتنازعوا لم يرعبهم.

وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت.

وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره، واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل، وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم، والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم.

يحسونهم أي يقتلونهم قتلا ذريعاً.

حتى إذا فشلوا.

والفشل: الجبن وضعف الرأي.

وتنازعوا، فقال بعضهم: قد انهزم المشركون فما موقفنا هاهنا وقال بعضهم: لا نخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فممن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الاخرة ﴾ ونفر أعقابهم ينهبون، وهم الذين أرادوا الدنيا، فكرّ المشركون على الرماة، وقتلوا عبد الله بن جبير رضي الله عنه، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح دبوراً وكانت صباً، حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا، وهو قوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم على الإيمان عندها ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ لماعلم من ندمكم على ما فرط منكم من عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛ لأنّ الابتلاء رحمة كما أنّ النصرة رحمة.

فإن قلت: أين متعلق ﴿ حتى إِذَا ﴾ قلت: محذوف تقديره: حتى إذا فشلتم منعكم نصره.

ويجوز أن يكون المعنى: صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ نصب بصرفكم، أو بقوله: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أو بإضمار ﴿ اذكر ﴾ والإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد فيه.

يقال: صعد في الجبل وأصعد في الأرض.

يقال: أصعدنا من مكة إلى المدينة وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ تصعدون ﴾ ، يعني في الجبل.

وتعضد الأولى قراءة أبي: ﴿ إذ تصعدون في الوادي ﴾ .

وقرأ أبو حيوة: ﴿ تصعدون ﴾ ، بفتح التاء وتشديد العين، من تصعد في السلم وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ تلون ﴾ ، بواو واحدة وقد ذكرنا وجهها.

وقرئ: ﴿ يصعدون ﴾ .

﴿ ويلوون ﴾ بالياء ﴿ والرسول يَدْعُوكُمْ ﴾ كان يقول: «إليّ عباد الله إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرّ فله الجنة» ﴿ فِى أُخْرَاكُمْ ﴾ في ساقتكم وجماعتكم الأخرى وهي المتأخرة.

يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما تقول: في أوّلهم وأولاهم، بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى ﴿ فأثابكم ﴾ عطف على صرفكم، أي فجازاكم الله ﴿ غَمّاً ﴾ حين صرفكم عنهم وابتلاكم ﴿ ب ﴾ سبب ﴿ غَمّ ﴾ أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له، أو غما مضاعفاً، غما بعد غم، وغما متصلاً بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة والنصر ﴿ لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ ﴾ لتتمرنوا على تجرع الغموم، وتضروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ للرسول، أي فآساكم في الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم، فأثابكم غماً اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله، ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله، ولا على ما أصابكم من غلبة العدو.

وأنزل الله الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم.

وعن أبي طلحة رضي الله عنه: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، وما أحد إلا ويميل تحت حجفته» وعن (الزبير) رضي الله عنه: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف، فأرسل الله علينا النوم.

والله إني لأسمع قول معتِّب بن قشير والنعاس يغشاني: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.

والأمنة: الأمن.

وقرئ: ﴿ أمنة ﴾ بسكون الميم، كأنها المرة من الأمن و ﴿ نُّعَاساً ﴾ بدل من أمنة.

ويجوز أن يكون هو المفعول، وأمنة حالاً منه مقدمة عليه، كقولك: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعولاً له بمعنى نعستم أمنة.

ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين، بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن، كبار وبررة ﴿ يغشى ﴾ قرئ بالياء والتاء ردا على النعاس، أو على الأمنة ﴿ طَائِفَةً مّنكُمْ ﴾ هم أهل الصدق واليقين ﴿ وَطَائِفَةٌ ﴾ هم المنافقون ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ ما بهم إلا هم أنفسهم لا هم الدين ولا هم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، أو قد أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان، فهم في التشاكي والتباثّ ﴿ غَيْرَ الحق ﴾ في حكم المصدر.

ومعناه: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به.

و ﴿ ظَنَّ الجاهلية ﴾ بدل منه.

ويجوز أن يكون المعنى: يظنون بالله ظن الجاهلية.

وغير الحق: تأكيد ليظنون، كقولك: هذا القول غير ما تقول، وهذا القول لا قولك وظن الجاهلية، كقولك: حاتم الجود، ورجل صدق: يريد الظن المختص بالملة الجاهلية.

ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية، أي لا يظن مثل ذلك الظن إلا أهل الشرك الجاهلون بالله ﴿ يَقُولُونَ ﴾ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الامر مِن شَيْء ﴾ معناه هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب قط، يعنون النصر والإظهار على العدو ﴿ قُلْ إِنَّ الامر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ ولأوليائه المؤمنين وهو النصر والغلبة ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ [المجادلة: 21] ، ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون ﴾ [الصافات: 173] ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَالا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ معناه: يقولون لك فيما يظهرون: هل لنا من الأمر من شيء سؤال المؤمنين المسترشدين وهم فيما يبطنون على النفاق، يقولون في أنفسهم أو بعضهم لبعض منكرين لقولك لهم إن الأمر كله لله ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الامر شَيْء ﴾ أي لو كان الأمر كما قال محمد إن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون، لما غلبنا قط.

ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ يعني من علم الله منه أنه يقتل ويصرع في هذه المصارع وكتب ذلك في اللوح لم يكن بد من وجوده فلو قعدتم في بيوتكم ﴿ لَبَرَزَ ﴾ من بينكم ﴿ الذين ﴾ علم الله أنهم يقتلون ﴿ إلى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ وهي مصارعهم ليكون ما علم الله أنه يكون.

والمعنى أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين، وكتب مع ذلك أنهم الغالبون، لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم، وأن دين الإسلام يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم وترغيب في الشهادة، وحرصهم على الشهادة مما يحرضهم على الجهاد فتحصل الغلبة.

وقيل: معناه هل لنا من التدبير من شيء، يعنون لم نملك شيئاً من التدبير حيث خرجنا من المدينة إلى أحد، وكان علينا أن نقيم ولا نبرح كما كان رأي عبد الله بن أبيّ وغيره، ولو ملكنا من التدبير شيئاً لما قتلنا في هذه المعركة، قل إن التدبير كله لله، يريد أن الله عز وجل قد دبر الأمر كما جرى، ولو أقمتم بالمدينة ولم تخرجوا من بيوتكم لما نجا من القتل من قتل منكم.

وقرئ: ﴿ كتب عليهم القتال ﴾ .

﴿ وكتب عليهم القتل ﴾ ، على البناء للفاعل.

ولبرِّز، بالتشديد وضم الباء ﴿ وَلِيَبْتَلِىَ الله ﴾ وليمتحن ما في صدور المؤمنين من الإخلاص، ويمحص ما في قلوبهم من وساوس الشيطان.

فعل ذلك أو فعل ذلك لمصالح جمة وللابتلاء والتمحيص.

فإن قلت: كيف مواقع الجمل التي بعد قوله وطائفة؟

قلت: ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ ﴾ صفة لطائفة و ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ صفة أخرى أو حال بمعنى: قد أهمتهم أنفسهم ظانين.

أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها.

و ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بدل من يظنون.

فإن قلت: كيف صح أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلاً من الإخبار بالظن؟

قلت: كانت مسألتهم صادرة عن الظنّ، فلذلك جاز إبداله منه.

ويخفون حال من يقولون.

و ﴿ قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ ﴾ [آل عمران: 154] اعتراض بين الحال وذوي الحال.

و ﴿ يَقُولُونَ ﴾ بدل من ﴿ يُخْفُونَ ﴾ والأجود أن يكون استئنافاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ أيْ وعْدَهُ إيّاكم بِالنَّصْرِ بِشَرْطِ التَّقْوى والصَّبْرِ، وكانَ كَذَلِكَ حَتّى خالَفَ الرُّماةُ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أقْبَلُوا جَعَلَ الرُّماةُ يَرْشُقُونَهم بِالنَّبْلِ والباقُونَ يَضْرِبُونَهم بِالسَّيْفِ حَتّى انْهَزَمُوا والمُسْلِمُونَ عَلى آثارِهِمْ.

﴿ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ ﴾ تَقْتُلُونَهُمْ، مِن حِسِّهِ إذا أبْطَلَ حِسُّهُ.

﴿ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ ﴾ جَبُنْتُمْ وضَعُفَ رَأْيُكُمْ، أوْ مِلْتُمْ إلى الغَنِيمَةِ فَإنَّ الحِرْصَ مِن ضَعْفِ العَقْلِ.

﴿ وَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ يَعْنِي اخْتِلافَ الرُّماةِ حِينَ انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ فَقالَ بَعْضُهم فَما مَوْقِفُنا هاهُنا، وقالَ آخَرُونَ لا نُخالِفُ أمْرَ الرَّسُولِ فَثَبَتَ مَكانَهُ أمِيرُهم في نَفَرٍ دُونَ العَشَرَةِ ونَفَرَ الباقُونَ لِلنَّهْبِ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ ﴾ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ وانْهِزامِ العَدُوِّ، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ وهو امْتَحَنَكُمْ، ﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ﴾ وهُمُ التّارِكُونَ المَرْكَزَ لِلْغَنِيمَةِ.

﴿ وَمِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ وهُمُ الثّابِتُونَ مُحافَظَةً عَلى أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ ﴾ ثُمَّ كَفَّكم عَنْهم حَتّى حالَتِ الحالُ فَغَلَبُوكم.

﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ عَلى المَصائِبِ ويَمْتَحِنَ ثَباتَكم عَلى الإيمانِ عِنْدَها.

﴿ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ تَفَضُّلًا ولِما عَلِمَ مِن نَدَمِكم عَلى المُخالَفَةِ.

﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ، أوْ في الأحْوالِ كُلِّها سَواءٌ أُدِيلَ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ إذِ الِابْتِلاءُ أيْضًا رَحْمَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)

ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إلى المدينة فالناس من أصحابه من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزل {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ} أي حقق {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} تقتلونهم قتلاً ذريعاً وعن ابن عيسى حسه أبطل حسه بالقتل {بِإِذْنِهِ} بأمره وعلمه {حتى إِذَا فَشِلْتُمْ} جبنتم {وتنازعتم فِى الأمر} أي اختلفتم {وَعَصَيْتُمْ} أمر نبيكم بترككم المركز واشتغالكم بالغنيمة {مِن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} من الظفر وقهر الكفار ومتعلق إذا محذوف تقديره حتى إذا فشلتم منعكم نصره وجاز أن يكون المعنى صدقكم الله وعده إلى وقت فشلكم

{مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} أي الغنيمة وهم الذين تركوا المركز لطلب الغنيمة وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم حتى إذا فشلوا وتنازعوا فقال بعضهم قد انهزم المشركون فما موقفنا ههنا فادخلوا عسكر المسلمين وخذوا الغنيمة مع إخوانكم وقال بعضهم لا تخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فممن ثبت مكانه عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الأخرة} فكر المشركون على الرماة وقتلوا عبد الله بن

آل عمران (١٥٢ _ ١٥٤)

جبير وأقبلوا على المسلمين حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا وهو قوله {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أى كفك معونته عنكم فغلبوكم {لِيَبْتَلِيَكُمْ} ليمتحن صبركم على المصائب وثباتكم عندها وحقيقته ليعاملكم معاملة المختبر لأنه يجازي على ما يعمله العبد لا على ما يعلمه منه {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان رسول الله صلى الله عليه وسلم {والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين} بالعفو عنهم وقبول توبتهم أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ أخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَما رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ أُصِيبُوا بِما أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، ووَعْدَهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِصَدَقَ صَرِيحًا فَإنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ في مِثْلِ هَذا النَّحْوِ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ فَيُقالُ: صَدَقْتُ زَيْدًا في الحَدِيثِ، ومِن هُنا جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِنَزْعِ الخافِضِ، والمُرادُ بِهَذا الوَعْدِ ما وعَدَهم سُبْحانَهُ مِنَ النَّصْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿ إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ﴾ إلَخْ، وعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ قالَ لِلرُّماةِ: ”«لا تَبْرَحُوا مَكانَكم فَلَنْ نَزالَ غالِبِينَ ما ثَبَتُّمْ مَكانَكم“» .

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى: ”«لا تَبْرَحُوا عَنْ هَذا المَكانِ فَإنّا لا نَزالُ غالِبِينَ ما دُمْتُمْ في هَذا المَكانِ“» .

وأُيِّدَ الأوَّلُ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى وعَدَهم عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى أنْ يَمُدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وكانَ قَدْ فَعَلَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ وتَرَكُوا مَصافَّهم، وتَرَكَتِ الرُّماةُ عَهْدَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ أنْ لا يَبْرَحُوا مَنازِلَهم وأرادُوا الدُّنْيا؛ رَفَعَ اللَّهُ تَعالى مَدَدَ المَلائِكَةِ.

واخْتارَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ الثّانِيَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا.

والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ ما وعَدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما نَصَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ في مَوْطِنٍ كَما نَصَرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنِي وبَيْنَ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿ ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أيْ تَقْتُلُونَهم وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ الحَبْرُ بِقَوْلِ عُتْبَةَ اللَّيْثِيِّ: (نَحُسُّهُمْ) بِالبَيْضِ حَتّى كَأنَّنا نَفْلِقُ مِنهم بِالجَماجِمِ حَنْظَلا وبِقَوْلِهِ: ومِنّا الَّذِي لاقى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ (فَحَسَّ) بِهِ الأعْداءَ عَرْضَ العَساكِرِ وأصْلُ مَعْنى حَسَّهُ أصابَ حاسَّتَهُ بِآفَةٍ فَأبْطَلَها مِثْلَ كَبِدِهِ، ولِذا عُبِّرَ بِهِ عَنِ القَتْلِ، ومِنهُ جَرادٌ مَحْسُوسٌ وهو الَّذِي قَتَلَهُ البَرْدُ، وقِيلَ: هو الَّذِي مَسَّتْهُ النّارُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الحَسُّ بِالقَتْلِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْصالِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ صَدَقَكُمُ ﴾ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْوَعْدِ ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ، والتَّقْيِيدُ بِهِ لِتَحْقِيقِ أنَّ قَتْلَهم بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النَّصْرِ ﴿ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ ﴾ أيْ فَزِعْتُمْ وجَبُنْتُمْ عَنْ عَدُوِّكم ﴿ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ أيْ أمْرِ الحَرْبِ أوْ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَكم في سَدِّ ذَلِكَ الثَّغْرِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ﴿ وعَصَيْتُمْ ﴾ إذْ لَمْ تَثْبُتُوا هُناكَ ومِلْتُمْ إلى الغَنِيمَةِ ﴿ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ ﴾ مِنِ انْهِزامِ المُشْرِكِينَ وغَلَبَتِكم عَلَيْهِمْ.

قالَ مُجاهِدٌ: نَصَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى رَكِبَ نِساءُ المُشْرِكِينَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وزَلُولٍ ثُمَّ أُدِيلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ بِمَعْصِيَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ أنَّ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أقْبَلَ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ ومَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنِ احْمِلْ عَلَيْهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَهَزَمَهُ ومَن مَعَهُ، فَلَمّا رَأى الرُّماةُ ذَلِكَ انْكَفَأُوا إلّا قَلِيلًا ودَخَلُوا العَسْكَرَ وخالَفُوا الأمْرَ وأخْلَوُا الخَلَّةَ الَّتِي كانُوا فِيها، فَدَخَلَتْ خُيُولُ المُشْرِكِينَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ عَلى الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، فَضَرَبَ بَعْضُهم بَعْضًا والتَبَسُوا، وقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ أُناسٌ كَثِيرٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ﴾ وهُمُ الرُّماةُ الَّذِينَ طَمِعُوا في النَّهْبِ وفارَقُوا المَرْكَزَ لَهُ ﴿ ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ أمِيرِ الرُّماةِ ومَن ثَبَتَ مَعَهُ مُمْتَثِلًا أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى اسْتُشْهِدَ ﴿ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ ﴾ أيْ كَفِّكم عَنْهم حَتّى تَحَوَّلَتِ الحالُ مِنَ الغَلَبَةِ إلى ضِدِّها ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أيْ لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يُمْتَحَنُ لِيَبِينَ أمْرُكم وثَباتُكم عَلى الإيمانِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وإلّا فالِامْتِحانُ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفي (حَتّى) هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّها حَرْفُ جَرٍّ بِمَنزِلَةِ إلى ومُتَعَلِّقُها ﴿ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أوْ ﴿ صَدَقَكُمُ ﴾ أوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ دامَ لَكم ذَلِكَ، وثانِيهِما أنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ مِن إذا وما بَعْدَها، وجَوابُ (إذا) قِيلَ: ﴿ تَنازَعْتُمْ ﴾ والواوُ زائِدَةٌ واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: ﴿ صَرَفَكُمْ ﴾ ، و(ثُمَّ) زائِدَةٌ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، والصَّحِيحُ أنَّهُ مَحْذُوفٌ وعَلَيْهِ البَصْرِيُّونَ، وقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ: بِأنْ أمَرَكم، وأبُو حَيّانَ: انْقَسَمْتُمْ إلى قِسْمَيْنِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، والزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَعَكم نَصْرَهُ، وابْنُ عَطِيَّةَ: انْهَزَمْتُمْ، ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وبَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: امْتَحَنَكم، ورُدَّ بِجَعْلِ الِابْتِداءِ غايَةً لِلصَّرْفِ المُتَرَتِّبِ عَلى مَنعِ النَّصْرِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ يَكُونُ ﴿ صَرَفَكُمْ ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، وقِيلَ: إنَّ (إذا) اسْمٌ كَما في قَوْلِهِمْ: إذا يَقُومُ زَيْدٌ إذا يَقُومُ عَمْرٌو، و(حَتّى) حَرْفُ جَرٍّ بِمَعْنى إلى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (صَدَقَكُمْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى النَّصْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى إلى وقْتِ فَشَلِكم وتَنازُعِكم إلَخْ، و ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ ﴾ حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وهاتانِ الجُمْلَتانِ الظَّرْفِيَّتانِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.

﴿ ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ أوْ لِما عَلِمَ مِن عَظِيمِ نَدَمِكم عَلى المُخالَفَةِ، قِيلَ: والمُرادُ بِذَلِكَ العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ وهو عامٌّ لِسائِرِ المُنْصَرِفِينَ.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مَوْهَبٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي بِهِ أنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذا البَيْتِ أتَعْلَمُ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْها ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: فَتَعْلَمُ أنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَمْ يَشْهَدْها ؟

قالَ: نَعَمْ.

فَكَبَّرَ.

فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعالَ لِأُخْبِرَكَ ولِأُبَيِّنَ لَكَ عَمّا سَألْتَنِي عَنْهُ، أمّا فِرارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَفا عَنْهُ، وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإنَّهُ كانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَتْ مَرِيضَةً، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وسَهْمَهُ.

وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَوْ كانَ أحَدٌ أعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن عُثْمانَ لَبَعَثَهُ مَكانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمانَ فَكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ بَعْدَ ما ذَهَبَ عُثْمانُ إلى مَكَّةَ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِيَدِهِ اليُمْنى وضَرَبَ بِها عَلى يَدِهِ فَقالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ اذْهَبْ بِها الآنَ مَعَكَ، وقالَ البَلْخِيُّ: إنَّهُ عَفْوٌ عَنِ الِاسْتِئْصالِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وزَعَمَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّهُ خاصٌّ بِمَن لَمْ يَعْصِ اللَّهَ تَعالى بِانْصِرافِهِ، والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ يُقالُ: الدّاعِي لِقَوْلِ البَلْخِيِّ: إنَّ العَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ سَيَأْتِي ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِأصْرَحِ وجْهٍ، والتَّأْسِيسُ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ، وكَلامُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى عَفا عَنْ ذَنْبِ الفارِّينَ وهو صَرِيحُ الآيَةِ الآتِيَةِ، وأمّا أنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ ولَوْ بِالإشْعارِ أنَّ المُرادَ مِنَ العَفْوِ هُنا العَفْوُ عَنِ الذَّنْبِ فَلا أظُنُّ مُنْصِفًا يَدَّعِيهِ.

﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ (152) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ العَفْوَ ولَوْ كانَ بَعْدَ التَّوْبَةِ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ لا الوُجُوبِ أيْ شَأْنُهُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ أوْ في جَمِيعِ الأحْوالِ أُدِيلَ لَهم أوْ أُدِيلَ عَلَيْهِمْ، إذِ الِابْتِلاءُ أيْضًا رَحْمَةٌ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ إمّا المُخاطَبُونَ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّشْرِيفِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا الجِنْسُ ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَعَلَّ التَّعْمِيمَ هُنا وفِيما قَبْلَهُ أوْلى مِنَ التَّخْصِيصِ، وتَخْصِيصُ الفَضْلِ بِالعَفْوِ أوْلى مِن تَخْصِيصِهِ بِعَدَمِ الِاسْتِئْصالِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ وذلك أنهم لما أخذوا في الحرب انهزم المشركون، فلما أَخَذَ بعض المسلمين في النهب والغارة رجع الأمر عليهم وانهزم المسلمون، فذلك قوله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ.

إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ يقول: تقتلونهم بأمره.

وقال القتبي: تحسونهم يعني تستأصلونهم بالقتل، يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد.

حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ يعني: جَبُنْتُمْ من عدوكم، واختلفتم في الأمر وَعَصَيْتُمْ أمر الرسول  مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ يعني أراكم الله مَّا تُحِبُّونَ يعني من النصر على عدوكم، وهزيمة الكفار والغنيمة.

ثم قال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا أي يطلب الغنيمة وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وهم الذين ثبتوا عند المشركين حتى قتلوا.

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا لا نعرف أن أحداً منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية، فَعَلِمْنا أن فينا من يريد الدنيا ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ بالهزيمة من بعد أن أَظْفَركم عليهم لِيَبْتَلِيَكُمْ بمعصية الرسول بالقتل والهزيمة وَلَقَدْ عَفا الله عَنْكُمْ ولم يعاقبكم عند ذلك، فلم تقتلوا جميعاً وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ في عفوه وإنعامه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بالعفو والإنعام إِذْ تُصْعِدُونَ يعني: إلى الجبل هاربين، حيث صعدوا الجبل منهزمين من العدو، وكان رسول الله  يدعوهم: «يَا معْشرَ المُسْلِمينَ أَنَا رَسُولُ الله» فلم يلتفت إليه أحد، حتى أتوا على الجبل.

فذلك قوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ يعني الجبل.

وهذا قول الكلبي وقال الضحاك: إذ تصعدون في الوادي منهزمين.

وقال القتبي: يعني تبعدون في الهزيمة، يقال: أصعد في الأرض إذا أمعن في الهزيمة.

وقرأ الحسن: تَصْعَدُون بنصب التاء، أي تَصْعَدُون الجبل.

وقرأ العامة بالضم وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ يقول: ولا تقيمون على رسول الله  ، ويقال: لا يقيم بعضكم على بعض وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ يقول: مِنْ خَلْفِكم فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ يقول: جعل ثوابكم غماً على أثر الغم، ويقال: جزاكم غماً على أثر الغم، ويقال غماً متصلاً بالغم.

فأما الغم الأول: فإشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين وهم في ذلك الجبل قاله الكلبي.

وقال مقاتل: الغم الأول ما فاتهم من الفتح والغنيمة، فاجتمعوا وكانوا يذكرون فيما بينهم ما أصابهم في ذلك اليوم.

والغم الثاني: إذ صعد خالد بن الوليد، فلما عاينوه أَذْعَرهُم ذلك أي خوفهم، فأنساهم ما كانوا فيه من الحزن، فذلك قوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا مَا أَصابَكُمْ من القتل والهزيمة.

ويقال: الغم الأول الجُرح والقتل، والغم الثاني أنهم سمعوا بأن النبيّ  قد قتل فأنساهم الغم الأول.

قال: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ يعني لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فيجازيكم بها.

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً الأمنة في اللغة الأمن.

قال الكلبي: إذا أَمِنَ القوم نعسوا.

وقال الضحاك: النعاس عند القتال أمنة من الله تعالى.

ويقال: الذي يصيبه الغم والهزيمة لا يكون له شيء أحسن من النعاس، فيذهب عنه همه، فأصاب القومَ النعاسُ فذهب عنهم الغم وأمنوا.

قوله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ يعني النعاسَ يغشى ويعلو طائفة منكم، من كان من أهل الصدق واليقين.

قرأ حمزة والكسائي: تغشى بالتاء.

وقرأ الباقون بالياء.

فمن قرأ بالتاء انصرف إلى قوله أمنة، ومن قرأ بالياء يكون نعتاً للنعاس.

ثم قال: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يعني أهل النفاق.

وقال الكلبي: هو معتب بن قُشَيْر وأصحابه يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ يعني: أنهم يظنون أن لن ينصر الله محمداً وأصحابه ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ قال الكلبي: يعني كظنهم في الجاهلية.

وقال مقاتل: ظن الجاهلية كظن الجهال المشركين، مثل أبي سفيان وأصحابه يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ يعني: النصرة والفتح قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يعني النصرة والغنيمة كله من الله يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي يُسِرُّونَ في أنفسهم ما لا يُبْدُونَ لَكَ أي يقولون ما لا يظهرون لك يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا أي يقولون لو كان ديننا حقا ما قتلنا هاهُنا قال الكلبي: وفي الآية تقديم وتأخير، ومعناه يقولون: هل لنا من الامر من شيء، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون: لو كان لنا من الامر شىء ما قتلنا هاهنا قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ وقال الضحاك: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ يعني القدر خيره وشره من الله.

قرأ أبو عمرو: قل إن الامر كله لله بضم اللام، والباقون بالنصب.

فمن قرأ بالرفع جعله اسماً مستأنفاً، ومن نصب جعله نعتاً للأمر.

ثم قال تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ يقول: لظهر.

ويقال: لخرج الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ أي قُضِيَ عَلَيهم القتل إِلى مَضاجِعِهِمْ أي إلى مواضع مصارعهم.

معناه: أنهم وإن لم يخرجوا إلى العدو وقد قضى الله عليهم بالقتل، لخرجوا إلى مواضع قتلهم لا محالة، حتى ينفذ فيهم القضاء.

قال تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ يعني ليختبر ويظهر ما في قلوبكم وَلِيُمَحِّصَ يعني: ليظهر ويكفر مَا فِي قُلُوبِكُمْ من الذنوب وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: بما في القلوب من الخير والشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بأن أظهرهم على عدُوِّهم، وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ: الجَنَّة بلا «١» خلاف.

قال الفَخْر «٢» : ولا شَكَّ أنَّ ثوابَ الآخِرَةِ هي الجَنَّة، وذلك غَيْرُ حاصلٍ في الحالِ، فيكون المرادُ أنَّه سبحانه، لَمَّا حكم لهم بحصولها في الآخرة، قام حُكْمُهُ لهُمْ بذلك مَقَامَ الحُصُول في الحالِ، ومحمل قوله: فَآتاهُمُ أنه سيؤتيهم.

وقيل: ولا يمتنع أنْ تكون هذه الآية خاصَّةً بالشهداء، وأنه تعالى في حال نزول هذه الآية، كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة.

انتهى.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد: لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم.

وقوله سبحانه: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ هذا تثبيتٌ لهم، وقوله سبحانه: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينةِ، فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ «٣» قد جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم/، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ حتى لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رأى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَداً، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ؟

قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ قَدِ اجتمع مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا على مَا صَنَعُوا، قَالَ: وَيْلَك!

مَا تَقُولُ؟

قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ ترحل حتّى ترى نواصي الخيل، قال: فو الله، لقد

أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ: فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذلك، وو الله، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ على أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْراً، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟

قَالَ: قُلْتُ «١» : [البسيط]

كَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ...

إذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِ «٢»

تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍ ...

عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِ «٣»

فَظَلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَة ...

لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ «٤»

إلى آخر الشِّعْر، فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة «٥» : لاَ تَرْجِعُوا فإني أرى أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ قال الفَخْر «٦» : لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة.

انتهى.

وقوله سبحانه: بِما أَشْرَكُوا، هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة والبُرْهَان.

قال ص: قوله: وَبِئْسَ، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: النار [انتهى] .

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها: وعْظ الجميع، وزجْرُه إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل إن لم يزجر، ومنها: السَّتْر والإبقاء على من فعل، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ على خبر اللَّه إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، على ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، واشتعلت نارُ الحَرْب، وأبلى حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ «١» ، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَقْلَحِ «٢» ، وغيرُهم، وانهزم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم اثنان وعشْرُونَ رجُلاً، فهذا معنى قوله عز وجل: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، والحَسُّ: القتل الذَّريعُ، يقال: حَسَّهُمْ إذا استأصلهم قتْلاً، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ.

وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ، يحتملُ أنْ تكونَ «حتى» غايةً كأنه قال: إلى أنْ فشلتم، والأظهر الأقوى أنَّ «إذا» على بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنى، تقديرُهُ: انهزمتم، ونحوه، والفَشَل: استشعار العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ، وَعَصَيْتُمْ: عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل (رحمك اللَّه) ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة على رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ الله عز وجلّ ونبيُّه- عليه السلام- من الدُّنْيا وآفاتها بما لا يخفى على ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا «المُخْتَصَرِ» جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في «المسند المنتخب» له، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم/ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا على أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القيامة» «٣» .

انتهى من «الكوكب الدري» .

وقال- عليه السلام- للأنْصَارِ لما تعرَّضوا له إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ:

«أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله، مَا الفَقْرَ أخشى عَلَيْكُم!

وَلَكِنِّي أخشى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ على مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ «١» .

انتهى.

واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ وقد روى ابنُ المُبَارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ «٢» ، قال:

حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ «٣» أنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا؟

قَالَ: «إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ قَبِيحَةٍ» «٤» .

انتهى، فتأمَّله راشداً، وقولَه: مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَّا تُحِبُّونَ، يعني:

هزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر «٥» : واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هنْدِ بنت عتبة «٦» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ  وأصْحابُهُ مِن أُحُدٍ، قالَ قَوْمٌ مِنهُمْ: مِن أيْنَ أصابَنا هَذا، وقَدْ وعَدَنا اللَّهُ النَّصْرَ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

وقالَ المُفَسِّرُونَ: وعَدَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ النَّصْرَ بِأُحُدٍ، فَنَصَرَهم، فَلَمّا خالَفُوا، وطَلَبُوا الغَنِيمَةَ، هُزِمُوا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ  في مَوْطِنٍ ما نُصِرَ في أُحُدٍ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقالَ: بَيْنِي وبَيْنَكم كِتابُ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ ﴾ فَأمّا الحِسُّ، فَهو القَتْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والجَماعَةُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَحُسُّونَهم، أيْ: تَسْتَأْصِلُونَهم بِالقَتْلِ، يُقالُ: سَنَةٌ حَسُوسٌ: إذا أتَتْ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وجَرادٌ مَحْسُوسٌ: إذا قَتَلَهُ البَرْدُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: (بِإذْنِهِ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: بِأمْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِعِلْمِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: بِقَضائِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: جَبُنْتُمْ.

﴿ وَتَنازَعْتُمْ ﴾ أيِ: اخْتَلَفْتُمْ ﴿ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ ﴾ يَعْنِي: النُّصْرَةَ.

وقالَ الفَرّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، مَعْناهُ: حَتّى إذا تَنازَعْتُمْ في الأمْرِ، فَشِلْتُمْ وعَصَيْتُمْ، وهَذِهِ الواوُ زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ  ﴾ مَعْناهُ: نادَيْناهُ.

فَأمّا تَنازُعُهم، فَإنَّ بَعْضَ الرُّماةِ قالَ: قَدِ انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، فَما يَمْنَعُنا مِنَ الغَنِيمَةِ؟

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَثْبُتُ مَكانَنا كَما أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ  ، فَتَرَكَ المَرْكَزَ بَعْضُهم، وطَلَبَ الغَنِيمَةَ، وتَرَكُوا مَكانَهم، فَذَلِكَ عِصْيانُهم، وكانَ النَّبِيُّ  قَدْ أوْصاهُمْ: « "لَوْ رَأيْتُمُ الطَّيْرَ تَخَطَّفُنا فَلا تَبْرَحُوا مِن مَكانِكُمْ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الَّذِينَ طَلَبُوا الغَنِيمَةَ، وتَرَكُوا مَكانَهم.

﴿ وَمِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كُنْتُ أظُنُّ أحَدًا مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ يُرِيدُ الدُّنْيا حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ صَرَفَكم عَنْهُمْ ﴾ أيْ: رَدَّكم عَنِ المُشْرِكِينَ بِقَتْلِكم وهَزِيمَتِكم.

﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أيْ: لِيَخْتَبِرَكم، فَيَبِينُ الصّابِرُ مِنَ الجازِعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَفا عَنْ عُقُوبَتِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَفا عَنِ اسْتِئْصالِكم، قالَهُ الحَسَنُ.

وكانَ يَقُولُ: هَؤُلاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في سَبِيلِ اللَّهِ غِضابٌ لِلَّهِ، يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، نُهُوا عَنْ شَيْءٍ فَضَيَّعُوهُ، فَما تَرَكُوا حَتّى غُمُّوا بِهَذا الغَمِّ، والفاسِقُ اليَوْمَ يَتَجَرَّمُ كُلَّ كَبِيرَةٍ، ويَرْكَبُ كُلَّ داهِيَةٍ، ويَزْعُمُ أنْ لا بَأْسَ عَلَيْهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذْ عَفا عَنْهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إذْ لَمْ يُقْتَلُوا جَمِيعًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مِن يُرِيدُ الدُنْيا ومِنكم مِن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عنهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عنكم واللهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ جاءَتِ المُخاطَبَةُ في هَذِهِ الآياتِ بِجَمْعِ ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَتِ الأُمُورُ الَّتِي عاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى عَلَيْها لَمْ يَقَعْ فِيها جَمِيعُهُمْ، ولِذَلِكَ وُجُوهٌ مِنَ الفَصاحَةِ: مِنها وعْظُ الجَمِيعِ وزَجْرُهُ، إذْ مَن لَمْ يَفْعَلْ مُعَدٌّ أنْ يَفْعَلَ إنْ لَمْ يُزْجَرْ، ومِنها السَتْرُ والإبْقاءُ عَلى مَن فَعَلَ، وكانَ رَسُولُ اللهِ  قَدْ وعَدَ المُؤْمِنِينَ النَصْرَ يَوْمَئِذٍ، عَلى خَبَرِ اللهِ تَعالى إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فَصَدَقَ اللهُ الوَعْدَ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  صافَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ ورَتَّبَ الرُماةَ، عَلى ما قَدْ ذَكَرْناهُ في صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَبارَزَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أبا سَعْدِ بْنَ أبِي طَلْحَةَ وهو صاحِبُ لِواءِ المُشْرِكِينَ، وحَمَلَ الزُبَيْرُ وأبُو دُجانَةَ فَهَزّا عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ، ونَهَضَ رَسُولُ اللهِ  بِالناسِ، فَأبْلى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعاصِمُ بْنُ أبِي الأقْلَحِ، وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ وقُتِلَ مِنهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ ﴾ .

والحَسُّ: القَتْلُ الذَرِيعُ، يُقالُ حَسَّهم إذا اسْتَأْصَلَهم قَتْلًا، وحَسَّ البَرْدُ النَباتَ، وقالَ رُؤْبَةُ: إذا شَكَوْنا سَنَةً حَسُوسًا تَأْكُلُ بَعْدَ الأخْضَرِ اليَبِيسا قالَ بَعْضُ الناسِ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحاسَّةِ، والمَعْنى في حَسَّ: أفْسَدَ الحَواسَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

والإذْنُ: التَمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِالمُمَكَّنِ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "حَتّى" غايَةً مُجَرَّدَةً، كَأنَّهُ قالَ: إلى أنْ فَشِلْتُمْ، ويُقَوِّي هَذا أنَّ "إذا" بِمَعْنى "إذْ" لِأنَّ الأمْرَ قَدْ كانَ تَقَضّى، وإنَّما هي حِكايَةُ حالٍ، فَتَسْتَغْنِي "إذا" عَلى هَذا النَظَرِ عن جَوابٍ، والأظْهَرُ الأقْوى أنَّ "إذا" عَلى بابِها تَحْتاجُ إلى الجَوابِ، وتَكُونُ "حَتّى" كَأنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ عَلى نَحْوِ دُخُولِها عَلى الجُمَلِ.

واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ "إذا"، فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: "تَنازَعْتُمْ"، والواوُ زائِدَةٌ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: الجَوابُ قَوْلُهُ: "صَرَفَكُمْ" و"ثُمَّ" زائِدَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا يُشْبِهُ نَظَرَ أبِي عَلِيٍّ.

ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ وفُرْسانِ الصِناعَةِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: انْهَزَمْتُمْ ونَحْوُهُ.

والفَشَلُ: اسْتِشْعارُ العَجْزِ وتَرْكُ الجِدِّ، وهَذا مِمّا فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ قَوْمٌ.

والتَنازُعُ هو الَّذِي وقَعَ بَيْنَ الرُماةِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، ألْحِقُونا بِالمُسْلِمِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَثْبُتُ كَما أُمِرْنا.

و"عَصَيْتُمْ" عِبارَةٌ عن ذَهابِ مَن ذَهَبَ مِنَ الرُماةِ حَتّى تَمَكَّنَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِن غِرَّةِ المُسْلِمِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ ﴾ يَعْنِي مِن هَزْمِ القَوْمِ، قالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: واللهِ لَقَدْ رَأيْتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ وصَواحِبِها مُشَمِّراتٍ هارِباتٍ ما دُونَ أخْذِهِنَّ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، إذْ مالَتِ الرُماةُ إلى العَسْكَرِ حِينَ كَشَفْنا القَوْمَ عنهُ يُرِيدُونَ النَهْبَ وخَلَّوْا ظُهُورَنا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينا مِن أدْبارِنا، وصَرَخَ صارِخٌ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فانْكَفَأْنا وانْكَفَأ عَلَيْنا القَوْمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُنْيا ﴾ إخْبارٌ عَنِ الَّذِينَ حَرَصُوا عَلى الغَنِيمَةِ وكانَ المالُ هَمَّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسائِرُ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما كُنْتُ أرى أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ  يُرِيدُ الدُنْيا حَتّى نَزَلَ فِينا يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُنْيا ﴾ .

و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ إخْبارٌ عن ثُبُوتِ مَن ثَبَتَ مِنَ الرُماةِ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْرٍ امْتِثالًا لِلْأمْرِ حَتّى قُتِلُوا، ويَدْخُلُ في هَذا أنَسُ بْنُ النَضْرِ وكُلُّ مَن جَدَّ ولَمْ يَضْطَرِبْ مِنَ المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَبْتَلِيَكُمْ" مَعْناهُ: لِيُنْزِلَ بِكم ذَلِكَ البَلاءَ مِنَ القَتْلِ والتَمْحِيصِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ عَفا عنكُمْ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ الذَنْبَ كانَ يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِمّا نَزَلَ، وهَذا تَحْذِيرٌ، والمَعْنى: ولَقَدْ عَفا عنكم بِأنْ لَمْ يَسْتَأْصِلُوكُمْ، فَهو بِمَنزِلَةِ: ولَقَدْ أبْقى عَلَيْكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا بِأنَّهُ عَفا عن ذُنُوبِهِمْ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ العَفْوِ المَذْكُورِ بَعْدُ، وبِالتَفْسِيرِ الأوَّلِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وقُتِلَ عَمُّ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، وشُجَّ في وجْهِهِ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وإنَّما العَفْوُ أنْ لَمْ يَسْتَأْصِلْهم.

هَؤُلاءِ مَعَ رَسُولِ اللهِ  وفي سَبِيلِ اللهِ غِضابٌ لِلَّهِ، يُقاتِلُونَ أعْداءَ اللهِ، نُهُوا عن شَيْءٍ فَضَيَّعُوهُ، فَوَ اللهِ ما تُرِكُوا حَتّى غُمُّوا بِهَذا الغَمِّ، فَأفْسَقُ الفاسِقِينَ اليَوْمَ يَجْتَرِمُ كُلَّ كَبِيرَةٍ، ويَرْكَبُ كُلَّ داهِيَةٍ، ويَسْحَبُ عَلَيْها ثِيابَهُ، ويَزْعُمُ أنْ لا بَأْسَ عَلَيْهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ولقد صدقكم ﴾ عطف على قوله: ﴿ سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ [آل عمران: 151] وهذا عود إلى التَّسلية على ما أصابهم، وإظهار لاستمرار عناية الله تعالى بالمؤمنين، ورمز إلى الثقة بوعدهم بإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتبيين لسبب هزيمة المسلمين: تطميناً لهم بذكر نظيره ومماثله السابققِ، فإنّ لذلك موقعاً عظيماً في الكلام على حدّ قولهم (التَّاريخ يعيد نفسه) وليتوسّل بذلك إلى إلقاء تَبِعة الهزيمة عليهم، وأنّ الله لم يُخلفهم وعده، ولكن سوء صنيعهم أوقعهم في المصيبة كقوله: ﴿ وما أصابك من سيئة فمن نفسك ﴾ [النساء: 79].

وصِدق الوعد: تحقيقُه والوفاءُ به، لأنّ معنى الصدق مطابقة الخبر للواقع، وقد عدّي صدق هنا إلى مفعولين، وحقّه أن لا يتعدّى إلا إلى مفعول واحد.

قال الزمخشري في قوله تعالى في سورة [الأحزاب: 23]: ﴿ من المؤمنين رجال صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه ﴾ يقال: صدقني أخوك وكذَبني إذا قال لك الصدق والكذب، وأمَّا المثَل (صَدَقَنِي سِنّ بَكْرِه) فمعناه صدقني في سنّ بَكره بطرح الجارّ وإيصال الفعل.

فنصب وعدَه } هنا على الحذف والإيصال، وأصل الكلام صدقَكم في وعده، أو على تضمين صَدَق معنى أعطى.

والوعد هنا وعد النصر الواقعُ بمثل قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ﴾ [محمد: 7] أو بخبر خاصّ في يوم أحُد.

وإذْن الله بمعنى التقدير وتيسير الأسباب.

و (إذ) في قوله: ﴿ إذ تحسونهم ﴾ نصب على الظرفية لقوله: ﴿ صدقكم ﴾ أي: صدقكم الله الوعد حين كنتم تحسّونهم بإذنه فإنّ ذلك الحسّ تحقيق لوعد الله إيّاهم بالنَّصر، و(إذْ) فيه للمضيّ، وأتى بعدها بالمضارع لإفادة التجدّد أي لحكاية تجدّد الحسّ في الماضِي.

والحَسّ بفتح الحاء القَتل أطلقه أكثر اللغويين، وقَيّده في «الكشاف» بالقتل الذريع، وهو أصوب.

وقوله: ﴿ حتى إذا فشلتم ﴾ (حتَّى) حرف انتهاء وغاية، يفيد أنّ مضمون الجملة الَّتي بعدها غاية لمضمون الجملة الَّتي قبلها، فالمعنى: إذ تقتلونهم بتيسير الله، واستمرّ قتلكم إيّاهم إلى حصول الفشل لكم والتنازع بينكم.

و (حتَّى) هنا جارّة و(إذا) مجرور بها.

و (إذا) اسم زمان، وهو في الغالب للزمان المستقبل وقد يخرج عنه إلى الزمان مطلقاً كما هنا، ولعلّ نكتة ذلك أنَّه أريد استحضار الحالة العجيبة تبعاً لقوله: ﴿ تحسونهم ﴾ .

و (إذا) هنا مجرّدة عن معنى الشرط لأنَّها إذا صارت للمضيّ انسلخت عن الصلاحية للشرطية، إذ الشرط لا يكون ماضياً إلاّ بتأويل لذلك فهي غير محتاجة لجواب فلا فائدة في تكلّف تقديره: انقسمتم، ولا إلى جعل الكلام بعدها دليلاً عليه وهو قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ﴾ إلى آخرها.

والفشل: الوهن والإعياء، والتنازع: التخالف، والمُراد بالعصيان هنا عصيان أمر الرسول، وقد رتّبت الأفعال الثلاثة في الآية على حسب ترتيبها في الحصول، إذ كان الفشل، وهو ضجر بعض الرماة من ملازمة موقفهم للطمع في الغنيمة، قد حصل أولاً فنشأ عنه التنازع بينهم في ملازمة الموقف وفي اللحاق بالجيش للغنيمة، ونشأ عن التنازع تصميم معظمهم على مفارقة الموقف الَّذي أمرهم الرسول عليه الصلاة والسّلام بملازمته وعدم الانصراف منه، وهذا هو الأصل في ترتيب الأخبار في صناعة الإنشاء ما لم يقتض الحال العدول عنه.

والتعريف في قوله: ﴿ في الأمر ﴾ عوض عن المضاف إليه أي في أمركم أي شأنكم.

ومعنى ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ أراد به النَّصر إذ كانت الريح أوّل يوم أُحُد للمسلمين، فهزموا المشركين، وولوا الأدبار، حتَّى شوهدت نساؤهم مشمّرات عن سوقهنّ في أعلى الجبل هاربات من الأسر، وفيهنّ هند بنت عتبة بن ربيعة امرأة أبي سفيان، فلمَّا رأى الرماة الَّذين أمرهم الرسول أن يثبتوا لحماية ظهور المسلمين، الغنيمة، التحقوا بالغزاة، فرأى خالد بن الوليد، وهو قائد خيل المشركين يومئذ، غرّة من المسلمين فأتاهم من ورائهم فانكشفوا واضطرب بعضهم في بعض وبادروا الفرار وانهزموا، فذلك قوله تعالى: ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ فيكون المجرور متعلّقاً بفشلهم.

والكلام على هذا تشديد في الملام والتنديم.

والأظهر عندي أن يكون معنى ما تحبّون هو الغنيمة فإنّ المال محبوب، فيكون المجرور يتنازعه كُلّ من (فشلتم، وتنازعتم، وعصيتم)، وعدل عن ذكر الغنيمة باسمها، إلى الموصول تنبيهاً على أنَّهم عجّلوا في طلب المَال المحبوب، والكلام على هذا تمهيد لبساط المعذرة إذ كان فشلهم وتنازعهم وعصيانهم عن سبب من أغراض الحرب وهو المعبّر عنه ب (إحدى الحسنيين) ولم يكن ذلك عن جبن، ولا عن ضعف إيمان، أو قصد خذلان المسلمين، وكلّه تمهيد لما يأتي من قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ .

وقوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة ﴾ تفصيل لتنازعتم، وتبيين ل (عصيتم)، وتخصيص له بأنّ العاصين بعض المخاطبين المتنازعين، إذ الَّذين أرادوا الآخرة ليسوا بعاصين، ولذلك أخّرت هاته الجملة إلى بعد الفعلين، وكان مقتضى الظاهر أن يعقب بها قوله: ﴿ وتنازعتم في الأمر ﴾ وفي هذا الموضع للجملة ما أغنى عن ذكر ثلاث جمل وهذا من أبدع وجوه الإعجاز، والقرينة واضحة.

والمراد بقوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ﴾ إرادة نعمة الدنيا وخيرها، وهي الغنيمة، لأنّ من أراد الغنيمة لم يحرص على ثواب الامتثال لأمر الرسول بدون تأويل، وليس هو مفرّطاً في الآخرة مطلقاً، ولا حاسباً تحصيل خير الدنيا في فعله ذلك مفيتاً عليه ثواب الآخرة في غير ذلك الفعل، فليس في هذا الكلام ما يدلّ على أنّ الفريق الَّذين أرادوا ثواب الدنيا قد ارتدّوا عن الإيمان حينئذ، إذ ليس الحرص على تحصيل فائدة دنيوية من فعل من الأفعال، مع عدم الحرص على تحصيل ثواب الآخرة من ذلك الفعل بِدالَ على استخفاف بالآخرة، وإنكار لها، كما هو بيّن، ولا حاجة إلى تقدير: منكم من يريد الدنيا، فقط.

وإنَّما سمّيت مخالفة من خالف أمر الرسول عصياناً، مع أن تلك المخالفة كانت عن اجتهاد لا عن استخفاف، إذ كانوا قالوا: إنّ رسول الله أمرنا بالثبات هنا لحماية ظهور المسلمين، فلمَّا نصر الله المسلمين فما لنا وللوقوف هنا حتَّى تفوتنا الغنائم، فكانوا متأوَّلين، فإنَّما سمّيت هنا عصياناً لأنّ المقام ليس مقام اجتهاد، فإنّ شأن الحرب الطاعة للقائد من دون تأويل، أو لأنّ التأويل كان بعيداً فلم يعذروا فيه، أو لأنَّه كان تأويلاً لإرضاء حبّ المال، فلم يكن مكافئاً لدليل وجوب طاعة الرّسول.

وإنَّما قال: ﴿ ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ﴾ ليدلّ على أنّ ذلك الصرف بإذن الله وتقديره، كما كان القتل بإذن الله وأنّ حكمته الابتلاء، ليظهر للرسول وللنَّاس مَن ثبت على الإيمان من غيره، ولأنّ في الابتلاء أسراراً عظيمة في المحاسبة بين العبد وربِّه سبحانه وقد أجمل هذا الابتلاء هنا وسيبيّنه.

وعُقب هذا الملام بقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ تسكيناً لخواطرهم، وفي ذلك تلطّف معهم على عادة القرآن في تقريع المؤمنين، وأعظم من ذلك تقديم العفو على الملام في ملام الرسول عليه السلام في قوله تعالى: ﴿ عفا اللَّه عنك لم أذنت لهم ﴾ [التوبة: 43]، فتلك رتبة أشرف من رتبة تعقيب الملام بذكر العفو، وفيه أيضاً دلالة على صدق إيمانهم إذ عجل لهم الإعلام بالعفو لكيلا تطير نفوسهم رهبة وخوفاً من غضب الله تعالى.

وفي تذييله بقوله: ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ تأكيد ما اقتضاه قوله: <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ ﴾ أيْ تَقْتُلُونَهم في قَوْلِ الجَمِيعِ، يُقالُ: حَسَّهُ حَسًّا إذا قَتَلَهُ، لِأنَّهُ أُبْطِلَ بِمَعُونَتِهِ.

﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ الإصْعادِ والصُّعُودِ أنَّ الإصْعادَ في مُسْتَوى الأرْضِ، والصُّعُودَ في ارْتِفاعٍ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وأبِي العَبّاسِ، والزَّجّاجِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم صَعِدُوا في جَبَلِ أُحُدٍ فِرارًا.

﴿ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: « (يا عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا)» ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، والرَّبِيعِ.

﴿ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَمًّا عَلى غَمٍّ.

والثّانِي: غَمًّا مَعَ غَمٍّ.

وَفي الغَمِّ الأوَّلِ والثّانِي تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ القَتْلُ والجِراحُ، والغَمَّ الثّانِيَ الإرْجافُ بِقَتْلِ النَّبِيِّ  ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: غَمًّا يَوْمَ أُحُدٍ بِغَمِّ يَوْمِ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: كان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وكان قد فعل، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم، وتركت الرماة عهد الرسول إليهم أن لا يبرحوا منازلهم وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ﴾ فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده...

﴾ الآية.

قال: إن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحداً، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في الناس، فاجتمعوا وأمر على الخيل الزبير بن العوّام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلاً من قريش يقال له مصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطلب بالجيش، وبعث حمزة بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وقال: «استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك» ، وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر فقال: «لا تبرحوا حتى أوذنكم» ، وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل، فحمل خالد بن الوليد فهزمه ومن معه فقال: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ﴾ .

وأن الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعضاً من الناس فكانوا من ورائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كونوا ههنا، فَرُدّوا وجهه من نَدَّ مِنَّّا، وكونوا حرساً لنا قبل ظهورنا» .

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه الذين كانوا، جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض لما رأوا النساء مصعدات في الجبل، ورأوا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن تستبقوا إليها وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنثبت مكاننا، فذلك قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ﴾ للذين أرادوا الغنيمة ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ﴾ للذين قالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا.

فاتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فكان فشلاً حين تنازعوا بينهم يقول ﴿ وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة.

وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قال: «ما نصر الله نبيه في موطن كما نصر يوم أحد فانكروا» .

فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ﴾ يقول ابن عباس: (والحس).

القتل.

﴿ حتى إذا فشلتم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ وإنما عنى هذا الرماة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: «احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا» .

فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعاً فدخلوا في العسكر ينتهيون، والتفت صفوف المسلمين فهم هكذا وشبك بين يديه والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخل الخيل من ذلك الموضع على الصحابة، فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغاب.

إنما كانوا تحت المهراس، وصاح الشيطان قتل محمد فلم يشك فيه أنه حق.

فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع بين السعدين نعرفه بتكفؤه إذا مشى، ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصبنا فَرَقِيَ نحونا وهو يقول: «اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم» ، ويقول مرة أخرى.

اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل أعل هبل.

أين ابن أبي كبشة؟

أين ابن أبي قحافة؟

أين ابن الخطاب؟

فقال عمر: ألا أجيبة يا رسول الله؟

قال: «بلى» .

فلما قال: أعل هبل.

قال عمر: الله أعلى وأجل.

فعاد فقال: أين ابن أبي كبشة؟

أين ابن أبي قحافة؟

فقال عمر: هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر.

فقال: «يوم بيوم بدر، الأيام دول والحرب سجال» فقال عمر: لا سواء...

قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا.

ثم أدركته حمية الجاهلية فقال: أما انه كان ذلك ولم نكرهه.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر عن ابن مسعود قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرَّ أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ فلما خالف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به، أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة.

سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش.

وهو عاشر، فلما رهقوه قال: «رحم الله رجلاً ردهم عنا» .

فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضاً قال: «رحم الله رجلاً ردهم عنا» ، فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: «ما أنصفنا أصحابنا» .

فجاء أبو سفيان فقال: أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا الله أعلى وأجل» .

فقالوا: الله أعلى وأجل.

فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولوا اللهم مولانا والكافرون لا مولى لهم» .

ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا سواء.

أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون» .

قال أبو سفيان: قد كان في القوم مثلة وإن كانت على غير توجيه منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني.

قال: «فنظروا» فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكلت شيئاً؟

قالوا: لا.

قال: ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة النار» .

فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعون صلاة.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء بن عازب قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد وكانوا خمسين رجلاً عبد الله بن جبير ووضعهم موضعاً وقال: «ان رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تَبْرَحُوا حتى أرسل إليكم» ، فهزموهم قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن.

فقال أصحاب عبد الله: الغنيمة أي قوم الغنيمة...

ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟

قال عبدالله بن جبير: أفنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقالوا: إنا والله لَنَاْتِيَنَّ الناس فَلْنصِيبَنَّ من الغنيمة.

فلما أتوهم صرفت وجوههم فاقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً.

فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة.

سبعين أسيراً، وسبعين قتيلاً.

قال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاثاً؟

فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ثم قال: أفي ابن أبي قحافة مرتين؟

أفي القوم ابن الخطاب مرتين؟

ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم.

فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت أحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك.

قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.

ثم أخذ يرتجز: أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تجيبونه؟» قالوا: يا رسول الله ما نقول؟

قال قولوا: «الله أعلى وأجل» .

قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تجيبونه؟» قالوا: يا رسول الله وما نقول؟

قال: «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن جابر قال: انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: «الا أحد لهؤلاء؟» فقال طلحة: أنا يا رسول الله فقال: «كما أنت يا طلحة» فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله فقاتل عنه وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه فقال: ألا رجل لهؤلاء؟

فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله وأصحابه يصعدون، ثم قتل.

فلحقوه فلم يزل يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة أنا يا رسول الله فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لهؤلاء؟» فقال طلحة: أنا.

فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال: حس.

فقال.

«لو قلت بسم الله، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك في جوّ السماء» ، ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الرحمن بن عوف في قوله: ﴿ إذ تحسُّونهم بإذنه ﴾ قال: (الحس) القتل.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس.

مثله.

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس ﴿ إذ تحسونهم ﴾ قال: تقتلونهم.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ إذ تحسُّونهم ﴾ قال: تقتلونهم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: ومنا الذي لاقى بسيف محمد ** فحس به الأعداء عرض العساكر وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ إذ تحسونهم بإذنه ﴾ قال: تقتلونهم قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم؟

قال: نعم.

أما سعمت قول عتبة الليثي: نحسهم بالبيض حتى كأننا ** نفلق منهم بالجماجم حنظلا وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ حتى إذا فشلتم ﴾ قال: الفشل الجبن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ حتى إذا فشلتم ﴾ يقول: جبنتم عن عدوكم ﴿ وتنازعتم في الأمر ﴾ يقول اختلفتم وعصيتم ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ وذلك يوم أُحُد قال لهم: إنكم ستظهرون فلا أعرِفَنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئاً حتى تفرغوا.

فتركوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهدَه الذي عهده إليهم، وخافوا إلى غير ما أمرهم به فنصر عليهم عدوّهم من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن ابزى في قوله: ﴿ حتى إذا فشلتم ﴾ قال: كان وضع خمسين رجلاً من أصحابه عليهم عبيد الله بن خوات، فجعلهم بإزاء خالد بن الوليد على خيل المشركين، فلما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قال نصف أولئك: نذهب حتى نلحق بالناس ولا تفوتنا الغنائم، وقال بعضهم: قد عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نريم حتى يحدث إلينا.

فلما رأى خالد بن الوليد رقتهم حمل عليهم، فقاتلوا خالداً حتى ماتوا ربضة، فأنزل الله فيهم ﴿ ولقد صدقكم الله وعده ﴾ إلى قوله: ﴿ وعصيتم ﴾ فجعل أولئك الذين انصرفوا عصاة.

وأخرج ابن المنذر عن البراء بن عازب ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ الغنائم، وهزيمة القوم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ قال: نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول، ثم أديل عليهم المشركون بعصيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد طائفة من المسلمين فقال: كونوا مسلحة للناس بمنزلة أمرهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم.

فلما لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين، هزمهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المسلحة أن الله هزم المشركين انطلق بعضهم يتنادون الغنية الغنيمة...

لا تفتكم، وثبت بعضهم مكانهم وقالوا لا نريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم.

ففي ذلك نزل ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: لما هزم الله المشركين يوم أحد قال الرماة: أدركوا الناس ونبي الله صلى الله عليه وسلم لا يسبقونا إلى الغنائم فتكون لهم دونكم.

وقال بعضهم: لا نريم حتى يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ قال ابن جريج: قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ.

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود قال: ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا يوم أحد ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدة من أسروا يوم بدر، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه فقالوا: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر؟

فأنزل الله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده ﴾ إلى قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ قال: يقول الله: قد عفوت عنكم إذ عصيتموني أن لا أكون استأصلتكم، ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله، غضاب لله يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم، قتل منهم سبعون، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج وجهه، فأفسق الفاسقين اليوم يتجرأ على كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ قال: إذ لم يستأصلكم.

وأخرج البخاري عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني أنشدك بحرمة هذا البيت.

أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟

قال: نعم.

قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟

قال: نعم.

قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟

قال: نعم.

فكبر فقال ابن عمر: تعال لأخبرك، ولأبين لك عما سألتني عنه.

أما فراره يوم أحد فاشهد أن الله عفا عنه.

وأما تغيبه عن بدر فإنه تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لك أجر رجل وسهمه» .

وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى، فضرب بها على يده فقال «هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ الآية.

قال القُرَظِيُّ (١)  ، وأصحابُه إلى المدينة، وقد أصابهم ما أصابهم بِأُحُد، قال ناسٌ مِن أصحابه: مِنْ أين أصابَنَا هذا، وقد وَعَدَنا اللهُ النصرَ؟

[فأنزل اللهُ] (٢) ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ ؟.

وقال بعضهم: كان رسولُ اللهِ  ، رَأَى في المنام أنَّه (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ ؛ يريد: تصديق رؤيا رسول الله  .

والصِّدق يتعدى إلى مفعولين؛ تقول: صَدَقْتُهُ الوَعْدَ، والوَعِيدَ (٧) قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ .

قال اللَيْثُ (٨) ﴿ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ ، أي: تقتلونهم قَتْلًا شديدًا كثيرًا.

وروى الحَرَّانيُّ (٩) (١٠) وقال أبو عبيدة (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ : تستأصلونهم قَتْلًا (١٥) وقال أصحاب الاشتقاق: (حَسَّهُ، يَحُسُّهُ): إذا قَتَلَه؛ لأنه أبطل حِسَّهُ بالقتل، وأصابَهُ (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ أي: بِعِلْمِهِ (٢٠) قال المفسرون (٢١) ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ .

ثم أَخَلَّ الرُّمَاةُ (٢٢)  إيَّاهُ، فَحَمَلَ -حينئذ- خالدُ بنُ الوَلِيد (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ ﴾ أي: جَبنْتُم عن عَدُوِّكم (٢٥) قال الليث (٢٦) (٢٧) (٢٨) واختلفوا في جواب ﴿ حَتَّى إِذَا ﴾ (٢٩) فقال الفراء (٣٠) ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ ﴾ ، والواو فيه مُقْحَمَةٌ، معناها السقوط؛ كما قال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ﴾ (٣١) حَتَّى إذا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ...

ورَأَيْتُمُ أبْنَاءَكُمْ شَبُّوا وقلبتمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا ...

إنَّ اللَّئِيمَ العاجِزُ الخَبُّ (٣٢) قال: يريد: قَلَبْتُم.

هذا مذهب الكوفيين.

وعند البصريين: لا يجوز زيادةُ الواو.

ويتأولون هذه الآيةَ وأمثالَها، على حذف الجواب، والتقدير عندهم: (حتى إذا فَشِلْتُمْ، وتَنَازَعْتُم في الأمر، وعَصَيْتُم، امْتُحِنْتُمْ (٣٣) (٣٤) ﴿ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ  ﴾ ؛ معناه: فافْعَلْ.

فأسقط الجواب؛ إذْ أُمِنَ (٣٥) (٣٦) والآية -عند الفراء- على التقديم والتأخير؛ لأنه يذهب إلى أن الفَشَلَ مُؤَخَّرٌ بعد التَّنازُع؛ والمعنى عنده: (حتى إذا تنازعتم في الأمر وعَصَيْتُم؛ فَشِلتم).

فقدم المؤخر وأخر المقدم؛ كقوله: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ (٣٧) وغيره يقول: الفَشَل في موضعه، غَيْرُ مَنْوِيٍّ به التأخير.

والتنازع والعصيان كانا بعد الفَشَلِ (٣٨) والتنازع (٣٩) ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ ، إن شاء الله.

وكان اختلاف القوم (٤٠)  (٤١) وقوله تعالى: ﴿ وَعَصَيْتُمْ ﴾ .

أي (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾ يعني: الظَّفَرَ والنَّصْرَ والفَتْحَ، حين كان الدَّبْرَةُ (٤٤) (٤٥) وقوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ يعني (٤٦) ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾ يعني: الذين ثَبَتُوا مَعَ عبد الله بن جُبَيْر -وهو أمير الرُّمَاةِ (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ \[أي\] (٤٨) (٤٩) وقال عَطَاء (٥٠) (٥١) (٥٢) ﴿ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ ، ولم يقل: (انْصَرَفْتُمْ) (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ .

أي: لِيَخْتَبِرَكُمْ بِمَا جَعَلَ عليكم مِنَ الدَّبْرَةِ والهزيمةِ، فَيَتَبَيَّنَ الصابرُ (٥٤) (٥٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ أي: ذَنْبَكُمْ (٥٦)  وحيث (٥٧) وقال بعضُ المُفَسِّرِينَ (٥٨) ﴿ ثُمَ عَفَوْنَا عَنْكُمْ ﴾ (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال ابن عباس (٦٠) (١) قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 131 أ.

وقد نقله المؤلف بنصه عنه، من قوله: (لما رجع ..) إلى (..

ولقد صدقكم الله وعده).

وانظر قوله -كذلك- في: "أسباب النزول" للمؤلف (129)، و"زاد المسير" 1/ 475، و"تفسير القرطبي" 4/ 233.

والقُرَظي، هو: أبو حمزة، محمد بن كعب بن سليم بن أسد القُرَظي.

تقدمت ترجمته.

(٢) ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من: (ب)، (ج)، و"تفسير الثعلبي".

(٣) (أ)، (ب)، (ج): (أن).

وما أثبَتُه هو ما استصوبته.

(٤) في (ب): (فقتل).

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 125 - 126.

وعند الواقدي: هو طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة هو: عبد الله بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَي.

انظر: "المغازي" 1/ 220.

والذي ورد في كتب السِّيَر عن رؤيا رسول الله  : أنه رأى في منامه كأنه في دِرْعٍ حَصِينة، ورأى كأن سيفه ذا الفقار انفصم من عند ظُبَتِه، ورأى بقرا تُذبح، ورأى كأنه مردفٌ كَبْشًا.

فأولَّ النبي  الدرعَ الحصينة بالمدينة، وأما انفصام سيفه من عند ظُبَته: فمصيبة في نفسه؛ بأن يُقتل رجلٌ من أهل بيته، وأما البقر المذبوح: فقتلى في أصحابه، وأما أنه مُرْدف كَبشا: فكبش كتيبة العدو الذي سيقتلونه، أي: حامل لواء المشركين.

وفي رواية عن الواقدي: (ورأيت في سيفي فَلًّا فكرهته)، فهو الذي أصاب وجهه الشريف  .

انظر: "المغازي" 1/ 209، و"سيرة ابن هشام" 3/ 66 - 67، و"طبقات ابن سعد" 2/ 37 - 38، و"تاريخ الطبري" 2/ 502، و"إمتاع الأسماع" للمقريزي 1/ 116.

(٦) انظر: "المغازي" 1/ 226 - 228، و"الطبقات الكبرى" 2/ 40 - 41، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 787.

(٧) وقد يتعدى للثاني بالحرف، تقول: (صَدَقتك في القول).

(٨) قوله في: "تهذيب اللغة" 1/ 816 (حسس).

نقله عنه ببعض التصرف.

(٩) هو: أبو شعيب، عبد الله بن الحسن الحَرّاني.

تقدمت ترجمته.

(١٠) في "تهذيب اللغة" 1/ 816 (حسس).

وانظر قول ابن السكيت في "إصلاح المنطق" 26.

(١١) في "مجاز القرآن" 1/ 104.

(١٢) في "معاني القرآن" 478.

(١٣) في "تفسير غريب القرآن" له 113.

(١٤) هذا قول ابن قتيبة المصدر السابق، تصرف فيه المؤلف بالتقديم والتأخير.

(١٥) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 127، "نزهة القلوب"، للسجستاني 155، و"الموضع في تفسير القرآن" للحدادي 39.

(١٦) انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 9 (حسس)، و"النكت والعيون" 1/ 429، و"تفسير القرطبي" 4/ 235.

(١٧) (إذا أصاب بطنه): ساقط من (ج).

(١٨) يقال: (بَطَنَه)، و (بَطَنَ له)، و (بَطَّنَه): ضرب بَطْنَه.

انظر: "القاموس المحيط" ص 1180 (بطن).

و (رَأسَه، يرْأسَه، رَأسًا): أصاب رأسه.

انظر: "اللسان" 3/ 1533 (رأس).

(١٩) انظر: "الزاهر" 1/ 473.

(٢٠) هذا قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 478.

وقيل: بأمره وحكمة وقضائه.

وهو قول ابن عباس، والطبري، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو الليث.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 127، و"بحر العلوم" 1/ 308، و"زاد المسير" 1/ 476، و"تفسير القرطبي" 4/ 235.

وقيل: بلطفه، وقيل: بمعونته، وقيل: بصدق وعده.

وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها الماوردي في: "النكت والعيون" 2/ 906.

(٢١) انظر: "تفسير البغوي" 2/ 118، و"تفسير الثعلبي" 3/ 131 ب، و"تفسير ابن كثير" 1/ 444.

(٢٢) في (ب): (أجل الزمان).

(٢٣) هو: أبو سليمان، خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي.

سماه الرسول  : (سيف الله)، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وقائد خيلهم، وشهد مع الكفار حروبهم ضد المسلمين إلى عمرة الحديبية، وأسلم سنة سبع بعد خيبر، وقيل: قبلها.

وهو من أشهر قادة الجيوشَ عند المسلمين.

توفي سنة (21 هـ).

انظر: "الاستيعاب" 2/ 11، و"الإصابة" 1/ 413.

(٢٤) انظر: أخبار غزوة أحد في: "صحيح البخاري" (4043) كتاب المغازي.

باب غزوة أحد، و"سيرة ابن هشام" 3/ 3، و"الطبقات الكبرى" 2/ 36، و"إمتاع الأسماع" 1/ 116 وما بعدها، و"البداية والنهاية" 4/ 10 وما بعدها.

(٢٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 478، و"تفسير الطبري" 4/ 128، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 786.

(٢٦) قوله في: "تهذيب اللغة" 3/ 2792 (فشل).

نقله عنه بتصرف يسير.

(٢٧) في (ب)، (ج): (قوته).

(٢٨) (فشل): ساقطة من (ج).

وفي "التهذيب" ويقال: (وإنه لَخَشْلٌ فَشْل، وإنه لَخَشلٌ فَشِلٌ).

والفَشِلُ: الرجل الضعيف الجبان، وجمعه: أفشال.

يقال: فَشِلَ فَشلا.

أما الخَشل والخَشلُ: فهو -هنا-: الرديء من كل شيء.

والله أعلم.

انظر: "الصحاح" 4/ 1685 (خشل)، و"اللسان" 6/ 3418 (فشل)، 2/ 1167 (خشل).

(٢٩) (إذا): ساقطة من (ج).

(٣٠) في "معاني القرآن" له 1/ 238.

نقله عنه باختصار، وتصرف.

(٣١) سورة الصافات: 103، 104.

وبقيتها: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾ .

آية: 104.

(٣٢) البيتان للأسود بن يَعْفُر النهشلي.

وهما في "ديوانه" 19.

وأورد البكريُّ في "معجم ما استعجم" 2/ 379 البيت الأول ضمن أبيات نسبها للأسود قالها في هجاء بني نَجيح من بني مجاشع بن دارم.

وقد أورَدتْهما المصادر التالية، بدون نسبة "معاني القرآن" للفراء 2/ 51، و"تأويل مشكل القرآن" 254، وكتاب "المعاني الكبير" 1/ 533، و"المقتضب" 2/ 81، و"مجالس ثعلب" 1/ 59، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 55، و"تهذيب اللغة" 3/ 3047 (قمل)، 1/ 84 (باب الواوات)، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 646، 647، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 121، و"الإنصاف" للأنباري ص 367، 368، و"شرح المفصل" 8/ 94، و"رصف المباني" 487، و"لسان العرب" 6/ 3742 (قمل)، و"الجنى الداني" 165، و"تذكرة النحاة" 45، و"خزانة الأدب" 11/ 44، 45.

ورد في: "شرح القصائد السبع" (وقلبتم بطن المجن).

وورد في بعض المصادر: (إن الغَدُورَ الفاحشُ الخب)، وفي بعضها: (إن اللئيم الفاجر)، وفي "سر صناعة الإعراب" (حتى إذا امتلأت بطونكم).

قَمِلَت: من (قَمِلَ القومُ): كثروا، و (قَمِل الرجلُ): سَمِنَ بعد هُزَال.

ويريد -هنا-: كثرت قبائلكم.

والمِجَنُّ: التُّرْس.

وقوله: (وقلبتم ظهر المجن): كناية عن إسقاط الحياء والتنكر للمعروف، وإبداء العداوة والخِبُّ -بفتح الخاء وكسرها-: الخدّاع الذي يسعى بين الناس بالفساد.

أما بكسر الخاء فقط - (الخِبُّ) -، فهو: الغَدْر.

والشاهد فيه عنده: أن الواو في (قلبتم) زائدة، وحقها أن تسقط.

و (قلبتم): جواب (إذا).

(٣٣) في (أ): (امتَحَنْتم) -بالبناء للمعلوم-.

وفي: (ب)، (ج): مهملة من الشكل.

والصواب ما أثبتُّه.

(٣٤) (لبيان): ساقطة من (ج).

(٣٥) (أ)، (ب): (أمَرَّ).

والمثبت من (ج).

(٣٦) وقد بينَّا مذهبي البصريين، والكوفيين في زيادة الواو من عدمه، مع ذكر طرف من أدلة الفريقين على ذلك.

انظر التعليق على تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ آية: 50 من سورة آل عمران.

والتعليق على زيادة الواو في قوله تعالى: ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ آية: 49، والتعليق على زيادة (إذ) في قوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ ﴾ آية: 35.

(٣٧) سورة آل عمران: 55.

(٣٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 478، و"تفسير الطبري" 4/ 128 - 129.

(٣٩) من قوله: (والتنازع ..) إلى (..

من بعض): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 131 ب.

(٤٠) (القوم): ساقط من (ج).

(٤١) انظر: "صحيح البخاري" (4043) كتاب المغازي.

باب غزوة أحد، و"سنن أبي داود" رقم (2662)، و"تفسير النسائي" 1/ 334، و"مسند الطيالسي" 2/ 95 - 96 رقم (761)، و"الطبقات الكبرى" 2/ 41، و"تفسير الطبري" 4/ 128 - 129، و"تاريخه" 2/ 507، و"إمتاع الأسماع" 1/ 127، و"البداية والنهاية" 4/ 26.

(٤٢) من قوله: (أي ..) إلى (..

تحبون) ساقط من (ج).

(٤٣) يعني ترك الرماة لموقعهم الذي عينه لهم رسول الله  وأمرهم ألّا يبرحوه انظر: "تفسير الطبري" 4/ 128 - 129.

(٤٤) الدَّبْرَةُ -بفتح الدال-: الهزيمة في القتال.

أما الدِّبرة -بكسر الدال-: فهي خلاف القبلة.

انظر: "القاموس" ص 390 (دبر).

(٤٥) وهذا قول عامة المفسرين، منهم: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن إسحاق.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 128 - 129، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 788.

(٤٦) من قوله: (يعني ..) إلى (..

بالهزيمة) بنصه في: "تفسير الثعلبي" 3/ 132 أ.

(٤٧) وهو أمير الرماة: ليس في "تفسير الثعلبي".

وفي (ب): (الرملة).

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 129 - 130، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 789، و"المستدرك" 2/ 296 كتاب التفسير.

سورة آل عمران.

وعبد الله بن جُبَيْر بن النعمان الأوسي الأنصاري.

شهد العقبة وبدرًا، واستشهد يوم أحد -  - انظر: "الاستيعاب" 3/ 14، و"أسد الغابة" 3/ 194.

(٤٨) ما بين المعقوفين في (أ): (إلى).

والمثبت من: (ب)، (ج)، و"تفسير الثعلبي".

(٤٩) في (ج): (وههم).

(٥٠) لم أقف على مصدر قوله.

(٥١) هكذا في: (أ)، (ب)، (ج).

ومعناها -والله أعلم-: صرف بأسكم وقوتكم عنهم، لأن (حَدّ الرَّجُلِ): بأسه ونفاذُهُ.

في نجدته.

يقال: (إنه لذو حَدٍّ).

انظر: "اللسان" 2/ 801 (حدد).

(٥٢) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٥٣) انظر تأويل المعتزلة لها في: "تنزيه القرآن عن المطاعن" 82.

(٥٤) (أ)، (ب): (الصابرين).

والمثبت من (ج).

(٥٥) في (ب): (الشاك).

(٥٦) في (ج): (دينكم).

(٥٧) في (ج): (فحيث).

(٥٨) ممن قال ذلك: مقاتل، والحسن، وابن جريج، وابن إسحاق، والطبري، وأبو الليث، والثعلبي.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 131 - 132، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 789 - 790، و"بحر العلوم" 1/ 308، و"تفسير الثعلبي" 3/ 132 أ.

والعبارة له.

(٥٩) سورة البقرة: 52.

﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

(٦٠) لم أقف على مصدر قوله بهذا النص.

وقد أورد ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 477، عنه قولَه: (إذ عفا عنهم جميعًا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الرعب ﴾ قيل: ألقى الله الرعب في قلوب المشركين بأحد، فرجعوا إلى مكة من غير سبب، وقيل: لما كانوا ببعض الطريق هموا بالرجوع ليستأصلوا المسلمين، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فأمسكوا، والآية تتناول جميع الكفار لقوله صلى الله عليه وسلم: نصرت بالرعب ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المسلمين عن الله بالنصر، فنصرهم الله أولاً، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أمر الرماة أن يثبتوا في مكانهم؛ ولا يبرحوا فلما رأوا المشركين قد انهزموا طمعوا في الغنيمة واتبعوهم، وخالفوا ما أمروا به من الثبوت في مكانهم، فانقلبت الهزيمة على المسلمين ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أي: تقتلونهم قتلاً ذريعاً يعنى في أول الأمر ﴿ وتنازعتم ﴾ وقع النزاع بين الرماة فثبت بعضهم كما أمروا ولم يثبت بعضهم ﴿ وَعَصَيْتُمْ ﴾ أي خالفتم ما أمرتم به من الثبوت، وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين وإن كان المخالف بعضهم وعظاً للجميع، وستراً على من فعل ذلك وجواب إذ محذوف تقديره: لانهزمتم ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ الذين حرصوا على الغنيمة معه ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ معناه لينزل بكم ما نزل من القتل والتمحيص ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل بهم، لولا عفو الله عنهم، فمعناه؛ لقد أبقى عليكم، وقيل: هو عفو عن الذنب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرعب ﴾ بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب.

الباقون: يسكون العين - ﴿ ومأواهم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولقد صدقكم ﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل ﴿ وتغشى ﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ كله ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالنصب ﴿ يعملون بصير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة.

الباقون: بالخطاب ﴿ متم ﴾ و ﴿ متنا ﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلاههنا لجوار ﴿ قتلتم ﴾ الباقون: بضم الميم من مات يموت.

﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.

/ الوقوف: ﴿ سلطاناً ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ النار ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن "حتى" تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران "إذا" مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره.

والوقف على ﴿ تحبون ﴾ ظاهر في الوجهين.

﴿ الآخرة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿ صرفكم ﴾ على الجواب المحذوف.

﴿ ليبتليكم ﴾ ج ﴿ عفا عنكم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أصابكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ طائفة منكم ﴾ (لا) لأن الواو للحال.

﴿ الجاهلية ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ يبدو لك ﴾ ط ﴿ ههنا ﴾ ط ﴿ مضاجعهم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم.

﴿ وليبتلي ﴾ ﴿ ما في قلوبكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ الجمعان ﴾ (لا) لأن إنما خبر إن ﴿ كسبوا ﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ وما قتلوا ﴾ ج لأن لام ﴿ يجعل ﴾ قد يتعلق بقوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ تجمعون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ لنت لهم ﴾ ج لأن الواو للعطف و"لو" للشرط ﴿ من حولك ﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿ الأمر ﴾ ج لفاء التعقيب مع "إذا" الشرطية ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المتوكلين ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: إنه  يذكر في هذه الآيات وجوهاً كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار.

من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام في جميع الأوقات.

الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أنا سنتلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين على سائر الأديان، ويؤيده قوله  " نصرت بالرعب مسيرة شهر " وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة.

قال السدي: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق.

ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا.

قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم.

فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت الآية" .

وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة - يعني رسول الله  - أين ابن أبي قحافة؟

أين ابن الخطاب؟

فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى.

والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعاً ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار.

وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه.

ولكن ظاهر قوله: ﴿ في قلوب الذين كفروا ﴾ يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم.

إما في الحرب وإما في المحاجة.

وقيل: إنه مخصوص بأولئك الكفار.

﴿ بما أشركوا ﴾ أي بسبب إشراكهم بالله.

وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول: إذا كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة.فيلزم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة.

كيف وإنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً؟

﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ الهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.

والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر.

قال الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر.

وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته.

ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب نفيه.

ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه.

ويكفي في رفع هذه الحاجةإثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته.

أقول: هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك.

ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال: ﴿ ومأواهم ﴾ أي والمكان الذي يأوون إليه ﴿ النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ﴾ / تستأصلونهم قتلاً.

قال أصحاب الاشتقاق: حَسَّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه.

﴿ بإذنه ﴾ بعلمه.

وقيل: المراد بهذا الوعد أنه  رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء.

وقيل: هو ما ذكره من قوله ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم  ﴾ إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط هو الصبر والتقوى.

وقيل: المراد هو "أن الرسول  قال للرماة: لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين مادمتم فيه.

فلما أقبل المشركون جعل الرماة: يرشقون خليهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم.

وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ " قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب.

والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطاً بالصبر.

وقال آخرون: إنه للمجازاة.

ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه.

وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة.

والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم في رسول الله  وثالثها قال أبو مسلم: جوابه ثم صرفكم.

و "ثم" ههنا كالساقطة.

وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم فريقين.

والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة.

فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله  أن لا نبرح هذا المكان.

فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون.

وقوله: ﴿ في الأمر ﴾ إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.

وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ﴾ وفائدة قوله: ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان / من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم.

قوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه  رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباًَ حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة.

ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه.

وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وأيضاً إنه  عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟

فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوهاً.

قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو.

ألا ترى أن النبي  ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وبإذنه.

ثم قال ﴿ ليبتليكم ﴾ والمراد أنه  لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين.

ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية مشتلمة على المعذورين، في الانصراف وعلى غير المعذورين.

فقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ يرجع إلى المعذورين، وقوله ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يرجع إلى غير المعذورين.

وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله  .

وقال الكعبي: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ﴿ ليبتليكم ﴾ بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه  أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم، ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم.

قال القاضي: ظاهر قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يقتضي تقدم ذنب منهم.

فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو.

وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك / المخالفة سبباً لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة.

ثم إن ظاهر الآية دل على أنه  قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة فصارت الآية دليلاً على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر.

﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة, وقد يستدل بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة من أنه لا مؤمن ولا كافر.

قوله  : ﴿ إذ تصعدون ﴾ إما مستأنف بإضمار "واذكر" وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه.

أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها.

قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى اعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ ولا تلوون على أحد ﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته.

﴿ والرسول يدعوكم ﴾ كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة.

فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو.

﴿ في أخراكم ﴾ في سابقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه  وبقي هو في الجماعة المتأخرة.

يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى.

﴿ فأثابكم ﴾ قال في الكشاف: إنه عطف على صرفكم.

وأقول: لا يبعد أن يعطف على ﴿ تصعدون ﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي رجع.

والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها.

فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.

فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب.

أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور.

والباء في ﴿ بغم ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة.

أما الاحتمال الأول ففيه وجوه: قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام.

وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.

وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين.

وفي الكشاف: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ / للرسول أي فآساكم في الاغتنام.

فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها.

وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يكون هناك غمان: الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة.

أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً.

أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين.

أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول  .

أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة.

وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها.

ثم اللام في قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ لأن في عفوه  ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ فأثابكم ﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله.

وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائده.

قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم من الله  خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء.

وأما المعتزلة فإنهم يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه  لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.

وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال.

وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ.

وإن جعلت الباء بمعنى "مع" فالمعنى كما في قول الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى.

ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال: ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ عالم بجميع / أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.

ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي  يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر لأديان، فخاطب الجماعة بقوله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ وأراد هؤلاء بقوله: ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة.

والنعاس فتور في أوائل النوم.

وانتصاب ﴿ أمنة ﴾ على أنها حال متقدمة من ﴿ نعاساً ﴾ مثل: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبارّ وبررة، أو على أنه مفعول ﴿ أنزل ﴾ و ﴿ نعاساً ﴾ بدل منه.

قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلاّ ويميل تحت حجفته.

وعن الزبير: كنت مع الرسول  حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم.

والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: ﴿ ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.

وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهره جديدة له  موجبة لزيادة وثوقهم بأن الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد.

ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط.

ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة.

ومنها أن الأعداء كانوا حراصاً متهالكين في قتلهم.

فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ الله ولكلاءته معهم.

ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس ههنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة.

واعلم أن من قرأ ﴿ تغشى ﴾ بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع.

ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر ﴿ إذ يغشيكم النعاس  ﴾ ولأن العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشية الأمن، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئاً واحداً كان التذكر أولى.

وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته  وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم لا همَّ الدين ولا همَّ النبي ولا المسلمين.

والهمّ / الأمر الشديد.

ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه.

فالمعنى أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات.

والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم فلم يكن لهم هناك إلا هَمُّ أنفسهم.

﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ وهو في حكم المصدر أي غير الظن الحق الذي يحب أن يظن به.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ بدل منه.

والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل الجاهلية فذكر أولاً أنهم يظنون بالله ظناً باطلاً، ثم بين أنهم اختاروا من الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة.

أو ﴿ ظن الجاهلية ﴾ مصدر و ﴿ غير الحق ﴾ تأكيد لـ ﴿ يظنون ﴾ كقولك: هذا القول غير ما تقول.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ كقولك: حاتم الجود ورجل صدق.

مما أضيق للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام.

أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله.

فالجاهلية مصدر كالعالمية القادرية.

قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي  إن الله يقوّيهم وينصرهم.

وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً حقاً لم يسلط الله الكفار عليه، وهذا ظن فاسد.

أما عند أهل السنة فلأنه  فاعل لما يشاء ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلقة لم يجب أن يشرفه بأخرى.

وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية.

ولو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس إلى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف واستحقاق الثواب والعقاب.

وإنما يعرف كون الإنسان محقاً بالدلائل والبينات، ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية صاحبها والله أعلم.

﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ حكاية شبهة تمسك بها أهل النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار.

وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي  لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها.

ونظيره ما حكى عنه ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا  ﴾ وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، وإذا كانت لعدوّه قالوا عليه الأمر.

أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به محمد وهو النصر والقدرة شيء؟

وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟

والغرض منه تعيير المسلمين على التسديد في / الجهاد، فأمره الله  أن يجيب عنها بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ والحوادث بأسرها مستندة إلى قضائه وقدره.

فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة.

﴿ يخفون في أنفسهم ﴾ في ضمائرهم أو فيما بينهم ﴿ ما لا يبدون لك ﴾ وذلك المخفي قولهم: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ أي لو كان هذا الدين حقاً لما سلط الله الكفار على من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله  نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن بد من وجوده.

فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده.

وقيل: معناه لو تخلفتم أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ﴾ خص الابتلاء بما في الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء محله القلب الذي في الصدر.

والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب.

واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب.

أما نسقه فقوله: ﴿ وطائفة ﴾ مبتدأ و ﴿ أهمتهم ﴾ صفته و ﴿ يظنون ﴾ خبره.

ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، و ﴿ يظنون ﴾ صفة أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه اليبان للجملة قبلها، و ﴿ يقولون ﴾ بدل من ﴿ يظنون ﴾ أو بيان له.

وإنما صح وقوع القول الذي مقوله إنشاء بدلاً من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادراً عن الظن و ﴿ يخفون ﴾ حال من ﴿ يقولون ﴾ و ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ ﴿ كله ﴾ بالرفع فلأنه مبتدأ و ﴿ لله ﴾ خبره، والجملة خبر "إن".

ومن قرأ بالنصب فلكونه تأكيداً للأمر و ﴿ لله ﴾ خبر "إن" كما لو قلت: إن الإمر أجمع لله.

وقوله: ﴿ يقولون ﴾ استئناف، وقوله: و ﴿ وليبتلي ﴾ تقدم ذكره في الوقوف.

وأما نظمه فإنه لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظاناً بل شاكاً في حقية هذا الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء.

ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يشكف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا / يبدون لك ﴾ أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم؟

فقيل ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وقد مر تفسيره.

ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل ههنا؟

فيكون كالطعن في قوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ قال في التفسير الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي.

فذاك يقول: الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله.

وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر.

فأمر النبي  أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لايرد القدر، والتدبير لا يبطل التقدير.

وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق ما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات.

ثم قال: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح.

قوله عز من قائل: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.

ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله  قتل.

ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن: أعن رسول الله  تفرون؟

وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل أغزل.

وقال بعض الرواة: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي  .

ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي  : لقد ذهبتم فيها عريضة.

وأما الذين ثبتوا مع الرسول  فكانوا أربعة عشر رجلاً.

سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام.

وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.

وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير.

وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن / حنيف.

ثم لم يقتل منهم أحد, وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله  نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ تقول: زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق.

والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها.

والباء في ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ للاستعانة مثلها في: كتبت بالقلم.

والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي.

وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة.

فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطيئن فيه, وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة.

وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.

وإنما قال: ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله: ﴿ لها ما كسبت  ﴾ أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله  كقوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  ﴾ وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.

ويحتمل أن تكون الباء بمعنى "في" أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال.

إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.

وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها.

﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز.

بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟

والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله.

ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟

قالت المعتزلة: كلاهما محتمل.

لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية.

قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر.

قالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص.

وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.

/ ثم ندب إلى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ﴾ قيل: إنه عام.

وقيل: يعني المنافقين.

وقيل: منافقي يوم أحد كعبد الله بن أبيّ وأصحابه.

وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافراً ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخوانهم مثل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وذلك أنهم قالوا: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ والميت والمقتول لا يكلم.

وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم.

ومعنى الأخوة اشتراك النسب.

فلعل المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين.

أو اتفاق الجنس فلعل بعض المنافقين صار مقتولاً في بعض الغزوات.

والضرب في الأرض الإبعاد فيها للتجارة وغيرها.

والغزو قصد محاربة العدو قريباً كان أو بعيداً.

والفاعل غاز والجمع غُزَّىً مثل: سابق وسبق، وراكع وركع، وإنما قال: ﴿ إذا ضربوا ﴾ دون "إذ ضربوا" أو "حين ضربوا" ليشاكل في المعنى قوله: ﴿ وقالوا ﴾ لأنه أراد حكاية الحال الماضية.

والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.

فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: "قالوا" ويجوز أن يكون ﴿ قالوا ﴾ في تقدير "يقولون" لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في المستقبل مثل ﴿ أتى أمر الله  ﴾ وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع.

ويمكن أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة.

وقال قطرب: كلمة "إذ" و "إذا" يجوز إقامة كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غير حجة عليه، قال الواحدي: في الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

وأما اللام في قوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ ففي متعلقه وجهان: الأول أنه ﴿ قالوا ﴾ أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله  : ﴿ فلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟

فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من الأسف.

وقيل: / لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة.

وقيل: المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين.

وقيل: المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها.

وقيل: الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة.

الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: ﴿ لا تكونوا ﴾ وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم ﴿ والله يحيي ويميت ﴾ رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له.

فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد.

فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له.

عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أناذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.

وفي أمثالهم "الشجاع موقى والجبان ملقى".

وكان عليّ يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذين نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ فلا تكونوا مثلهم.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيداً لهم.

ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: ﴿ لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ﴾ شيء من مغفرته ورحمته ﴿ خير مما يجمعون ﴾ فاللام الأولى هي الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى.

والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر.

ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله.

وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا.

وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.

ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم.

وإنما كانت المغفرة والرحمة خيراً من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيراً.

وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعاً من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، / وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه؟

فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ثم رغبهم بنوع آخر فقال: ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾ كأنه قيل: إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياماً قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية.

وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، الثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا.

ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها.

وفي قوله: ﴿ لإلى الله تحشرون ﴾ لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.

ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة.

ومنها بناء ﴿ تحشرون ﴾ على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره.

ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته.

ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون.

واعلم أنه  ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه.

فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً في ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة.

فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه، وما أحسن هذا النسق!

يروى أن عيسى  مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟

فقالوا: نخشى عذاب الله.

فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه.

ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة.

فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته.

ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات / العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة.

فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون.

قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: ﴿ ولئن متم أو قتلتم ﴾ عطفاً للشيء على نفسه.

قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم.

ثم إنه  لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك ان عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول  حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم.

روي "أن امرأة عثمان دخلت على النبي  - وكان النبي  وعلي يغسلان السلاح - فقالت: ما فعل عثمان؟

أما والله لا تجدونه أمام القوم.

فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم.

فقال رسول الله  : مه" .

وروي أنه قال حينئذٍ: "أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا." ولما دخل عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة.

وعنه أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وقال  : " لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقة، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقة" فلما كان  إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً لأن الغرض من البعثة - وهو التزام التكاليف - لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة.

وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان.

كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله  بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة.

واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق.

ولما كان  أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس / كما قال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ و "ما" مزيدة للتوكيد.

أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى.

وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة.

وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً.

وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة.

وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله  .

فلا رحمة بالحقيقة إلا له.

ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمته عوضاً كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض.

وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها.

فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم.

ثم بيّن أن الحكمة في لين جانبه ما هي فقال: ﴿ ولو كنت فظاً ﴾ سيء الخلق وأصله فظظ كحذر.

فظظت يا رجل بالكسر فظاظة ﴿ غليظ القلب ﴾ قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه "فض الختام".

ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك.

ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب ﴾ تشافههم بالملامة على ذلك ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم.

وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقال في إقامة حد الزنا: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر  ﴾ ومثله ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  ﴾ ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ فيعلم من المدح على اللين في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل "لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى".

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر.

وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة في حق جميع المكلفين.

فكل ما فعله مع محمد  من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب.

فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء.

فلا يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، / وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره.

والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من الله.

ثم قال: ﴿ فاعف عنهم ﴾ فيما يختص بك {واستغفر لهم{ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم.

قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه  قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة.

ثم قال: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها.

وقيل: من شرت الدابة شوراً عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت.

والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشواراً.

يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.

وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء.

وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم.

ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا.

ومنها قال الحسن وسفيان بن عبيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة.

ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم.

ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال  : " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وهذا هو السر في الجماعات والجمعات.

ومنها أنه  ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالاً مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة.

ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى, وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا؟

قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ ﴿ الأمر ﴾ ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس / ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد.

وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي  بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة.

ومنهم من قال: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأموراً بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة, وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي  بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب.

وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال: وهذا كقوله  : " "البكر تستأمر في نفسها " ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها فكذا ههنا.

﴿ فإذا عزمت ﴾ أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿ فتوكل على الله ﴾ لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن.

عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ فإذا عزمت ﴾ بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحداً.

﴿ إن ينصركم الله ﴾ عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد ﴿ وإن يخذلكم ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ أي من بعد خذلالنه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك "ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان" تريد إذا جاوزته.

وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء؟

فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الأدخال فيه.

﴿ وعلى الله ﴾ وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه.

وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده.

التأويل: ﴿ ولقد صدقكم الله ﴾ أيها الطلاب ﴿ وعده ﴾ ألا من طلبني وحدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر / الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿ من بعد ما أراكم ﴾ الدليل بالتربية ﴿ ما تحبون ﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة.

قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال: ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.

ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة.

فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة.

وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ ظن الجاهلية ﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره.

هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء؟

﴿ ما قتلنا ههنا ﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم ﴾ أيها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ وليمحص ما في قلوبكم ﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم.

﴿ ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ﴾ ليعلم أن الله  في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو.

ومن هنا قال: " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا / ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان.

لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون.

وباقي الحقائق قد مرت في التفسير.

وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك الوقى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن، وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها.

ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ ﴾ : يحتمل الطاعة لهم: طاعة الدين، أي: يطيعونهم في كفرهم.

ويحتمل: الطاعة لهم في ترك الجهاد مع عدوهم؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً ﴾ الآية [آل عمران: 156] الآية، وقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا، أي: يردوكم على دينكم الأول، وهو على التمثيل والكناية، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ ﴾ : أي: أولى بكم، أو ناصركم، أو حافظكم، أو وليكم.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ ﴾ : أي: خير من ينصر من نصره؛ فلا يغلب، كقوله: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ ﴾ الآية: هذه بشارة من الله - عز وجل - لرسوله صلى اله عليه وسلم بالنصر له؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وكذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ" ، وكان ما ذكر؛ لأن رسول الله  كان يأتيهم بعد ذلك ويقصدهم، لا أنهم أتوه، وكانوا قبل ذلك يأتون رسول الله  ويقصدونه.

[وقوله:] ﴿ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً ﴾ : أي: بالشرك ما قذف في قلوبهم من الرعب، من غير أن كان لهم بما أشركوا حجة أو كتاب أو برهان أو عذر؛ قال ابن عباس -  -: "السلطان في القرآن حجة".

وقوله: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ ﴾ : أي: مقامهم في النار.

﴿ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : أي: النار بئس مقام الظالمين: وقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ .

أي: أنجز الله وعده؛ حيث أخبر أنه يلقي في قلوبهم الرعب، وقد فعل.

﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ : قال أهل التفسير: إذ تضلونهم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ : هو على التقديم والتأخير: "حتى إذا تنازعتم [و] فشلتم"؛ إذ التنازع هو سبب الفشل [والجبن]؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ  ﴾ .

[وقوله - عز وجلّ -: ﴿ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ .

قيل: في القصّة: إن نفراً من رماة أمرهم رسول الله  أن يكونوا في مكان، وألا يدعو موقفهم، فتركوه ووقعوا في غنائمه؛ فعوقبوا على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ﴾ ،] يحتمل: ما أراكم ما تحبون من الهزيمة والغنيمة.

ويحتمل: ما أراكم من النصر لكم على عدوكم، وإنجاز الوعد لكم.

وقوله: - عز وجل - ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ : روي عن عبد الله بن مسعود -  - أنه قال: "ما كنا نعرف [أن] أحداً من أصحاب رسول الله  يريد الدنيا، حتى نزل قوله: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ .

روي عن ابن عباس -  - في قوله -  -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ ، يعني: هُزِمَ المسلمون، يقول: صرفوا عن المشركين منهزمين، بعد إذ كانوا هزموهم، لكن لما عصوا وتركوا المركز صرفهم الله عن عدوه: ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ .

أي: ذلك الصرف كان لكم من الله ابتلاء ومحنة.

وقيل: كان ذلك العصيان - الذي منكم كان - من الله ابتلاء؛ ليعلم من قد علم أنه يعصي عاصياً، والله أعلم.

ودلّ قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾ - وإن كان الانصراف فعلهم - أن الله لفعلهم - على ما عليه فعلهم - خالقٌ، وأن خلق الشيء ليس هو ذلك الشيء؛ إذ ذلك الشيء إذا كان انصرافاً عن العدو معصيّة، وقد تبرأ الله -  - عن أن تضاف إليه المعاصي، وقد أضاف انصرافهم إلى فعله وهو الصرف - ثبت أنه غير فعلهم، والله أعلم.

﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ ؛ حيث لم يستأصلكم بالقتل.

ويحتمل: ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ ؛ حيث قبل رجوعكم وتوبتكم عن العصيان.

وهذه الآية قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ - ترد على المعتزلة؛ [وكذلك] قوله -  -: ﴿ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ  ﴾ [إلى آخر] الآية؛ لأنهم يقولون: هم الذين صرفوا أنفسهم لا الله، وهم الذين كتبوا عليهم القتل لا الله، وهم الذين يداولون لا الله، وقد أضاف - عز وجل - ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لا يضيف إليه إلا عن فعل وصنع له فيه؛ ولأنهم يقولون: لا يفعل إلا الأصلح لهم في الدين، فأيّ صلاح كان لهم في صرفه إياهم عن عدوهم؟!

وأيّ صلاح لهم فيما كتب عليهم القتل؟!

فدل أن الله قد يفعل بعباده ما ليس ذلك بأصلح لهم في الدّين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : بالعفو عنهم، وقبول التوبة؛ حيث عصوا رسول الله  وتركوا أمره، وعلى قول المعتزلة عليه أن يفعل ذلك؛ فعلى قولهم ليس هو بذي فضل على أحد، نعوذ بالله من السرف في القول.

قال الشيخ - رحمه الله -: الفائدة في تخصيص المؤمنين بالامتنان عليهم دون جملة من بعث النبي  فيهم ومنهم، مع ما ذكر منته بالبعث من أنفسهم، وقد بيّنا وجه المنة في البعث من جوهر البشر - وجهان: أحدهما: أن من لم يؤمن به لم يكن عرف نعمة من الله -  - وإن كان - في الحقيقة - نعمة منه لهم، ورحمة لهم وللعالمين، فخص من عرفة ليشكروا بما ذكرهم؛ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ ، أي: هم يقبلون ويعرفون حق الإنذار.

والثاني: أنه صار لهم حجة على جميع الأعداء: أنهم لا يطيعون لمعنى كان منهم، إلاّ وللمؤمنين عليهم وجه دفع ذلك بما كان عليه ما عرفوه به قبل الرسالة؛ لما فيه لزوم القول بصدقة؛ فيكون ذلك منة لهم وسروراً ونعمة عظيمة؛ فأستأداهم الله لشكرها، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد أنجزكم الله ما وعدكم به من النصر على أعدائكم يوم أُحد، حين كنتم تقتلونهم قتلًا شديدًا بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنْتُم وضعفتم عن الثبات على ما أمركم به الرسول واختلفتم بين البقاء في مواقعكم أو تركها وجمع الغنائم، وعصيتم الرسول في أمره لكم بالبقاء في مواقعكم على كل حال، وقع ذلك منكم من بعد ما أراكم الله ما تحبونه من النصر على أعدائكم، منكم من يريد غنائم الدنيا، وهم الذين تركوا مواقعهم، ومنكم من يريد ثواب الآخرة، وهم الذين بقوا في مواقعهم مطيعين أمر الرسول، ثم حَوَّلكم الله عنهم، وسلَّطهم عليكم؛ ليختبركم، فيظهر المؤمن الصابر على البلاء ممَّن زلت قدمه، وضعفت نفسه، ولقد عفا الله عنكم ما ارتكبتموه من المخالفة لأمر رسول الله  صاحب فضل عظيم على المؤمنين حيث هداهم للإيمان، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصائبهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.PgMOR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

روى الواحدي عن محمد بن كعب قال لما رجع رسول الله  إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد قال ناس من أصحابه؛ من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟

فأنزل الله هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ  ﴾ الآية.

ونقول: نعم إن الناس قالوا ذلك كما يعلم من قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا  ﴾ وسيأتي، ولكن هذا القول ليس سبب النزول لهذه الآية وحدها وإنما نزلت مع هذه الآيات الكثيرة بعد تلك الواقعة وما قيل فيها.

الوعد المشار إليه في الآية يحتمل أن يكون المراد به ما تكرر كثيرًا في القرآن من نصر الله المؤمنين ونصر من ينصره، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ  ﴾ الآية، وقال بعضهم: إن المراد به وعد النبي لهم عند تعبئتهم واختاره ابن جرير وروى فيه عن السدي أنه قال "لما برز رسول الله  إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين، وقال: ولا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير، ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار؟

فقام إليه علي بن أبي طالب فقال والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم، فتركه.

فكبر رسول الله  وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟

قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي  وأصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله  وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله  ، فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي  ، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم".

أي قتلوا منهم سبعين كما هو معلوم من الروايات المفصلة.

وإنما ذكرنا هنا رواية السدي بطولها لما فيها من التصريح بأن النبي  قال للرماة "فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم"، والتفصيل الذي يعين على فهم الآية وغيرها، ومنها أن الرماة لم يعصوا كلهم وإنما أولئك بعض عامتهم، وأما الخاصة الراسخون في الإيمان العارفون بالواجب فقد ثبتوا، والمختار عندنا أن المراد بوعد الله هنا ما تكرر في القرآن وإنما قال النبي ما قال للرماة عملًا بالقرآن وتأولًا له فإنه تعالى قرن الوعد فيه بشروط لا تتم إلا بالطاعة والثبات.

فملخص تفسير الآية هكذا ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ إياكم بالنصر حتى في هذه الواقعة ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ  ﴾ أي المشركين أي تقتلونهم قتلًا ذريعًا ﴿ بِإِذْنِهِ  ﴾ تعالى أي بعنايته وتأييده لكم ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ضعفتم في الرأي والعمل فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة، ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ فقال بعضكم ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون وقال الآخرون لا نخالف أمر الرسول، ﴿ وَعَصَيْتُمْ  ﴾ رسولكم وقائدكم بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه يحمون ظهوركم بنضح المشركين بالنبل ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ  ﴾ من النصر والظفر فصبرتم على الضراء ولم تصبروا في السراء، ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا  ﴾ كالذين تركوا مكانهم وذهبوا وراء الغنيمة ليصيبوا منها، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ كالذين ثبتوا من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير وهم نحو عشرة وكان الرماة خمسين رجلًا، والذين ثبتوا مع النبي  وهم ثلاثون رجلًا.

أي صدقكم وعده ونصركم على قلتكم وكثرة المشركين واستمر هذا النصر إلى أن فشلتم وتنازعتم وعصيتم، فعندما وصلتم إلى هذه الغاية، لم تعودوا مستحقين لهذه العناية، لمخالفتكم لسننه في استحقاق النصر، الذي وعد به أهل الثبات والصبر، فعلى هذا تكون "حتى" للغاية و"إذا" في قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ليست للشروط وإنما هي بمعنى الحين والوقت هذا هو المختار، والوجه الثاني أنها للشرط وجوابها محذوف تقديره عند البصريين "منعكم نصره" أو نحوه، وإن الحكمة في حذف الجواب هنا على القول به هي أن تذهب النفس في تقديره كل مذهب، ومثل هذا الحذف لا يأتي في الكلام البليغ إلا حيث ينتظر المخاطب الجواب بكل شغف ولهف ولك أن تجعل تقديره: امتحنكم بالإدالة منكم ليمحصكم ويميز المخلصين والصادقين منكم.

وحاصل المعنى أنه بعد أن صدقكم وعده فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حس واستئصال صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم، وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر أو لأجل أن يكون ذلك ابتلاء واختبارًا يمحصكم به ويميز بين الصادقين والمنافقين ويزيل، بين الأقوياء والضعفاء كما علم من الآيات السابقة.

وقد اسند الله تعالى صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الذي يعهدهم للنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل وأضاف ما أصابهم إليهم في قوله الذي سيأتي في السياق ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ باعتبار سببه وهو ما كان منهم من الفشل والتنازع والعصيان، وقد عد بعضهم إسناد الصرف إليه هنا مشكلًا لا سيما على مذهب المعتزلة الذين تكلف علماؤهم في تخريجه تكلفًا لا حاجة إليه، إذ لا إشكال فيه، ولكن المذاهب والاصطلاحات هي التي تولد لأصحابها المشكلات.

قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ  ﴾ بذلك التحميص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم فصرتم كأنكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا، وقد ظهر أثر هذا العفو في حمراء الأسد.

﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف يلم ببعضهم، أو تقصير يهبط بنفوس غير الراسخين منهم، حتى يبتلي ما في قلوبهم، ويمحص ما في صدورهم، فيكونوا من المخلصين.

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ  ﴾ أي صرفكم عنهم في ذلك الوقت الذي أصعدتم فيه أي ذهبتم وأبعدتم في الأرض منهزمين -وهو غير الصعود الذي هو الذهاب في المرتفعات كالجبال- لا تلوون أي لا تعطفون على أحد بنجدة ولا مدافعة، ولا تلتفون إلى من وراءكم لشدة الدهشة التي عرتكم والذعر الذي فاجأكم.

﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ  ﴾ أي تفعلون ذلك والرسول من ورائكم يدعوكم إليه فيمن تأخر معه منكم فكانوا ساقة الجيش -روي أنه كان يقول في دعوته: "إليّ عباد الله إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة"- وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، وكان يجب أن يكون لكم أسوة حسنة بالرسول فتقتدوا به في صبره وثباته ولكن أكثركم لم يفعل ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ  ﴾ ، الغم هو الألم الذي يفاجئ الإنسان عند نزول المصيبة وأما الحزن فهو الألم الذي يكون بعد ذلك ويستمر زمنًا.

﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ  ﴾ أي لأجل أن لا تحزنوا بعد هذا التأديب والتمرين على ما فاتكم من غنيمة ومنفعة، ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ  ﴾ من قرح ومصيبة فإن التربية إنما تكون بالعمل والتمرن الذي به يكمل الإيمان وترسخ الأخلاق.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون الضمير في "فأثابكم" للرسول أي فآساكم في الاغتمام وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم فأثابكم غمًا اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو.

﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، يقول فلا تعتذروا عن أنفسكم ولا تخادعوها فإن الخبير بأعمالكم المحيط بنفوسكم لا يخفى عليه من أمركم خافية وإنما المعوّل على علمه وخبره لا على إعذاركم وتأويلكم لأنفسكم ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ  ﴾ اختلف المفسرون في وقت هذا النعاس فقال بعضهم إن ذلك كان في أثناء الواقعة وأن الرجل كان ينام تحت ترسه كأنه آمن من كل خوف وفزع، إلا المنافقين فإنهم أهمتهم أنفسهم فاشتد جزعهم، وحمل بعضهم هذه الآية على آية الأنفال: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ  ﴾ وإنما هذه في غزوة بدر.

وقد مضت السنة في الخلق بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولًا كبيرًا ومصابًا عظيمًا فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه ويبيت بليلة الملسوع فيصبح خاملًا ضعيفًا، وقد كان المؤمنون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك إذ بلغهم أن جيشًا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدًا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد يضربون أخماسًا لأسداس، ويفكرون بما سيلاقون في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه، فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها ومثله المطر الذي أنزل عليهم عند شدة حاجتهم إليه وقد قرن ذكره به في الآية التي ذكرتهم بعناية الله بهم في ذلك.

وأما النعاس يوم أُحد فقد قيل إنه كان في أثناء الحرب، وقيل إنه كان بعدها وقد اتفق المفسرون وأهل السير على أن المؤمنين قد أصابهم يوم أُحد شيء من الضعف والوهن لما أصابهم من الفشل والعصيان، وقتل طائفة من كبارهم وشجعانهم فكانوا بعد انتهاء الواقعة قسمين، فقسم منهم ذكروا ما أصابهم فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم وذكروا الله ووعده بنصرهم فاستغفروا لذنوبهم ووثقوا بوعد ربهم، وعلموا أنه إن كان قد غلبوا في هذه المرة فإن الله سينصرهم في غيرها حيث لا يعودون إلى مثل ما وقع منهم فيها من الفشل والتنازع وعصيان قائدهم ورسولهم، فأنزل الله عليهم النعاس أمنة، أو الأمنة نعاسًا، حتى يستردوا ما فقدوا من القوة بما أصابهم من القرح، ومع عرض لهم من الضعف، والنوم للمصاب بمثل تلك المصائب نعمة كبيرة، وعناية من الله عظيمة، وقد كان من أثر هذا الاطمئنان في القلوب، والراحة للأجسام، والتسليم للقضاء، أن سهل على هؤلاء المؤمنين اقتفاء أثر المشركين بعد انصرافهم، وعزموا على قتالهم في حمراء الأسد عندما دعاهم الرسول إلى ذلك فاستجابوا له مذعنين.

واتفق الرواة أيضًا على أن كثيرًا منهم كانوا مثقلين بالجراح فلم يقدروا على اقتفاء أثر المشركين فذلك قوله تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ  ﴾ فهذه الطائفة من المؤمنين الضعفاء، ولا حاجة إلى جعلها في المنافقين كما قيل، فإن هؤلاء سيأتي الكلام فيهم وما من أمة إلا وفيها الضعفاء والأقوياء في الإيمان وغيره.

وقد بيّن ظنهم بقوله: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ فنلام أن ولينا وغلبنا؟

يعنون أنه ليس لهم من أمر النصر وعدمه شيء فإنهم فهموا مما وقع يوم بدر أن النصر وحقية الدين متلازمان، وعجبوا مما وقع في أحد كأنه مناف لحقيقة الدين، وهذا خطأ عظيم، أي فإن نصر الله لرسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالًا والعاقبة للمتقين.

﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ  ﴾ لا أمر النصر وحده، أي إن كل أمر يجري بحسب سننه تعالى في خلقه ونظامه الذي ربط فيه الأسباب بالمسببات ومنه نصر من ينصره من المؤمنين ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا  ﴾ أي لو كان أمر النصر والظفر في أيدينا لما وقع فينا القتل هنا، يقررون رأيهم ويستدلون عليه بما وقع لهم غافلين عن تحديد الآجال ولذلك أمر الله نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ أي لو كنتم وادعين في بيوتكم في سلم وأمان لخرج من بينكم من انتهت آجالهم وثبت في علم الله أنهم يقتلون كما يثبت المكتوب في الألواح والأوراق إلى حيث يقتلون ويسقطون من البراز، فتكون مصارعهم ومضاجع الموت لهم فقتل من قتل لم يكن لأن الأمر ليس كله بيد الله بل لأن آجالهم قد جاءت كما سبق في علم الله.

﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ أي يقع ذلك لأجل أن يكون القتل عاقبة من جاء أجلهم منكم ولأجل أن يمتحن الله نفوسكم فيظهر لكم ما انطوت عليه من ضعف وقوة في الإيمان، ويطهرها حتى تصل إلى الدرجات العلى من الإيقان، وقد تقدم تفسير الابتلاء والتمحيص في هذا السياق ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  ﴾ أي بالسرائر والوجدانات الملازمة للصدور حيث القلوب المنفعلة بها، والمنبسطة أو المنقبضة بتأثيرها، وقد يخفى ذلك على أصحابها فينخدعون للشعور العارض لها الذي لم يرسخ بالتجارب والابتلاء كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا  ﴾ أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أُحد لم يكن ذلك التولي منهم إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان لهم بالوسوسة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل