الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥٦ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 163 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد ، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار وفي الحروب : لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم .
فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم ) أي : عن إخوانهم ( إذا ضربوا في الأرض ) أي : سافروا للتجارة ونحوها ( أو كانوا غزى ) أي : في الغزو ( لو كانوا عندنا ) أي : في البلد ( ما ماتوا وما قتلوا ) أي : ما ماتوا في السفر ولا قتلوا في الغزو .
وقوله : ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ) أي : خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتهم وقتلهم ثم قال تعالى ردا عليهم : ( والله يحيي ويميت ) أي : بيده الخلق وإليه يرجع الأمر ، ولا يحيا أحد ولا يموت إلا بمشيئته وقدره ، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه إلا بقضائه وقدره ( والله بما تعملون بصير ) أي : وعلمه وبصره نافذ في جميع خلقه ، لا يخفى عليه من أمورهم شيء .
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لإخوانه من أهل الكفر =" إذا ضربوا في الأرض " &; 7-331 &; فخرجوا من بلادهم سفرًا في تجارة =" أو كانوا غُزًّى "، يقول: أو كان خروجهم من بلادهم غزاةً فهلكوا فماتوا في سفرهم، أو قتلوا في غزوهم =" لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا "، يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار أنهم يقولون لمن غزا منهم فقتل، أو مات في سفر خرج فيه في طاعة الله، أو تجارة: لو لم يكونوا خرجوا من عندنا، وكانوا أقاموا في بلادهم ما ماتوا وما قتلوا =" ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم "، يعني: أنهم يقولون ذلك، كي يجعل الله قولهم ذلك حزنًا في قلوبهم وغمًّا، ويجهلون أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده.
* * * وقد قيل: إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبَّهوا بهم فيما نهاهم عنه من سوء اليقين بالله، هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه.
*ذكر من قال ذلك: 8107- حدثني محمد قال: حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم " الآية، قال: هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي.
8108- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: " وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزًّى "، قول المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول.
8109- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* * * وقال آخرون في ذلك: هم جميع المنافقين.
*ذكر من قال ذلك: 8110- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " يا أيها &; 7-332 &; الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم " الآية، أي: لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله والضرب في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قُتلوا.
(34) * * * وأما قوله: " إذا ضربوا في الأرض "، فإنه اختلف في تأويله.
(35) فقال بعضهم: هو السفر في التجارة، والسير في الأرض لطلب المعيشة.
*ذكر من قال ذلك: 8111- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إذا ضربوا في الأرض "، وهي التجارة.
* * * وقال آخرون: بل هو السير في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .
*ذكر من قال ذلك: 8112- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إذا ضربوا في الأرض "، الضربُ في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله.
(36) * * * وأصل " الضرب في الأرض "، الإبعاد فيها سيرًا.
(37) * * * وأما قوله: " أو كانوا غُزًّى "، فإنه يعني: أو كانوا غزاة في سبيل الله.
* * * و " الغزَّى " جمع " غاز "، جمع على " فعَّل " كما يجمع " شاهد "" شهَّد "، و " قائل "" قول "،.
وقد ينشد بيت رؤبة: &; 7-333 &; فــاليوم قَــدْ نَهْنَهِنــي تَنَهْنُهِــي وَأوْلُ حِــــلْمٍ لَيْسَ بِالمُسَــــفَّهِ وَقُوَّلٌ: إلا دَهٍ فَلا دَهِ (38) وينشد أيضًا: وقَوْلُهُمْ: إلا دَهٍ فَلا دَهِ * * * * وإنما قيل: " لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى "، فأصحبَ ماضي الفعل، الحرفَ الذي لا يصحب مع الماضي منه إلا المستقبل، فقيل: " وقالوا لإخوانهم "، ثم قيل: " إذا ضربوا "، وإنما يقال في الكلام: " أكرمتك إذْ زرتني"، ولا يقال: " أكرمتك إذا زرتني".
لأن " القول " الذي في قوله: " وقالوا لإخوانهم "، وإن كان في لفظ الماضي فإنه بمعنى &; 7-334 &; المستقبل.
وذلك أن العرب تذهب بـ" الذين " مذهب الجزاء، وتعاملها في ذلك معاملة " من " و " ما "، لتقارب معاني ذلك في كثير من الأشياء، وإن جميعهنّ أشياء (39) مجهولات غير موقتات توقيت " عمرو " و " زيد ".
(40) .
فلما كان ذلك كذلك = وكان صحيحًا في الكلام فصيحًا أن يقال للرجل: " أكرمْ من أكرمك "" وأكرم كل رجل أكرمك "، فيكون الكلام خارجًا بلفظ الماضي مع " من "، و " كلٍّ"، مجهولَيْنِ ومعناه الاستقبال، (41) إذ كان الموصوف بالفعل غير مؤقت، وكان " الذين " في قوله: " لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض "، غير موقَّتين، (42) = أجريت مجرى " من " و " ما " في ترجمتها التي تذهب مذهب الجزاء، (43) وإخراج صلاتها بألفاظ الماضي من الأفعال وهي بمعنى الاستقبال، كما قال الشاعر في" ما ": (44) وإنّــي لآتِيكُـمْ تَشَـكُّرَ مَـا مَضَـى مِـنَ الأمْـرِ واسْتِيجَابَ مَا كَانَ فِي غَدِ (45) فقال: " ما كان في غد "، وهو يريد: ما يكون في غد.
ولو كان أراد الماضي لقال: " ما كان في أمس "، ولم يجز له أن يقول: " ما كان في غد ".
ولو كان " الذي" موقَّتًا، لم يجز أن يقال ذلك.
خطأ أن يقال: " لتُكرِمن &; 7-335 &; هذا الذي أكرمك إذا زرته "، (46) لأن " الذي" ههنا موقّت، فقد خرج من معنى الجزاء، ولو لم يكن في الكلام " هذا "، لكان جائزًا فصيحًا، لأن " الذي" يصير حينئذ مجهولا غير موقت.
ومن ذلك قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [سورة الحج: 25] فردّ" يصدون " على " كفروا "، لأن " الذين " غير موقتة.
فقوله: " كفروا "، وإن كان في لفظ ماض، فمعناه الاستقبال، وكذلك قوله: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [سورة مريم: 60] وقوله: إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [سورة المائدة: 34]، معناه: إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم = وإلا من يتوب ويؤمن.
ونظائر ذلك في القرآن والكلام كثير، والعلة في كل ذلك واحدة.
(47) .
* * * وأما قوله: " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم "، فإنه يعني بذلك: حزنًا في قلوبهم، (48) كما:- 8113- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " في قلوبهم "، قال: يحزنهم قولهم، لا ينفعهم شيئًا.
8114- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
8115- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم "، لقلة اليقين بربهم جل ثناؤه.
(49) * * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (والله يحيي ويميت) والله المعجِّل الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، (50) والمميت من يشاء كلما شاء، دون غيره من سائر خلقه.
وهذا من الله عز وجل ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء الله = وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا بعد فناء أجله الذي كتب له = ونهيٌ منه لهم، إذ كان كذلك، أن يجزعوا لموت من مات منهم أو قتل من قتل منهم في حرب المشركين.
* * * ثم قال جل ثناؤه: " والله بما تعملون بصيرٌ"، يقول: إن الله يرى ما تعملون من خير وشر، فاتقوه أيها المؤمنون، إنه محصٍ ذلك كله، حتى يجازي كل عامل بعمله على قدر استحقاقه.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال ابن إسحاق.
8116- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " والله يحيي ويميت "، أي: يعجل ما يشاء، ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته.
(51) ----------------- الهوامش : (34) الأثر: 8110- سيرة ابن هشام 3: 122 ، 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8096.
(35) انظر تفسير"ضرب في الأرض" فيما سلف 5: 593 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 106.
(36) الأثر: 8112- سيرة ابن هشام 3: 122 ، 123 ، وهو بعض الأثر السالف: 8110 ، وتتمته.
(37) انظر تفسير"ضرب في الأرض" فيما سلف 5: 593 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 106.
(38) ديوانه: 166 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 106 ، ومشكل القرآن: 438 ، وجمهرة الأمثال: 23 ، وأمثال الميداني 1: 38 ، والخزانة 3: 90 ، واللسان (قول) (دها) ، وغيرها كثير ، وسيأتي في التفسير 24: 66 (بولاق).
وهو من قصيدته التي يذكر فيها نفسه وشبابه ، وقد سلفت منها عدة أبيات في مواضع متفرقة.
"نهنهت فلانًا عن الشيء فتنهنه" ، أي: زجرته فانزجر ، وكففته فانكف.
و"الأول": الرجوع.
يقول: قد كفني عن الصبا طولى عتابي لنفسي وملامتي إياها ، ورجوع عقل لا يوصف بالسفه ، بعد جنون الشباب ، ثم قول الناس: "إلا ده ، فلا ده".
وقد اختلف في تفسير"إلا ده فلا ده" ، اختلاف كثير ، قال أبو عبيدة: "يقول إن لم يكن هذا فلا ذا.
ومثل هذا قولهم: إن لم تتركه هذا اليوم فلا تتركه أبدًا ، وإن لم يكن ذاك الآن ، لم يكن أبدًا".
وقال ابن قتيبة: "يريدون: إن لم يكن هذا الأمر لم يكن غيره .
.
.
ويروى أهل العربية أن الدال فيه مبدلة من ذال ، كأنهم أرادوا: إن لم تكن هذه ، لم تكن أخرى".
وقال أبو هلال: "قال بعضهم: يضرب مثلا للرجل يطلب شيئًا ، فإذا منعه طلب غيره.
وقال الأصمعي: لا أدري ما أصله!
وقال غيره: أصله أن بعض الكهان تنافر إليه رجلان فامتحناه ، فقالا له: في أي شيء جئناك؟
قال: في كذا ، قالا: لا!
فأعاد النظر وقال: إلا ده فلا ده - أي: إن لم يكن كذا فليس غيره ، ثم أخبرهما.
.
.
وكانت العرب تقول ، إذا رأى الرجل ثأره: إلا ده فلا ده - أي: إن لم يثأر الآن ، لم يثأر أبدًا".
ومهما يكن من أصله ، فإن رؤبة يريد: زجرني عن ذلك كف نفسي عن الغي ، وأوبة حلم أطاره جنون الشباب ، وقول ناصحين يقول: إن لم ترعو الآن عن غيك ، فلن ترعوى ما عشت!
(39) في المطبوعة: "وأن جمعهن أشياء.
.
." ، وهو خطأ صوابه من المطبوعة.
(40) الموقت ، والتوقيت: هو المعرفة المحددة ، والتعريف المحدد ، وهو الذي يعني سماه تعيينًا مطلقًا غير مقيد ، مثل"زيد" ، فإنه يعين مسماه تعيينًا مطلقًا ، أو محددًا.
وانظر ما سلف 1: 181 ، تعليق: 1 / 2: 339.
والمجهول: غير المعروف ، وهو النكرة.
(41) في المخطوطة والمطبوعة"مع من وكل مجهول" ، والصواب ما أثبت ، ويعني بقوله"مجهولين": نكرتين.
(42) "موقتين" جمع"موقت" بالياء والنون ، وهي المعرفة كما سلف.
والسياق"وكان الذين ..
..
..
غير موقتين" ، لأن"الذين" جمع ، فوصفها بالجمع.
(43) في المخطوطة"التي تذهب الجزاء" ، وفي معاني القرآن للفراء 1: 243: "لأن"الذين" يذهب بها إلى معنى الجزاء ، من: من ، وما".
فالتصرف الذي ذهب إليه الناشر الأول صواب جيد جدًا."والترجمة" هنا: التفسير والبيان.
(44) هو الطرماح بن حكيم.
(45) مضى تخريج البيت وشرحه فيما سلف 2: 351 ، تعليق: 5.
(46) في المطبوعة"خطأ أن يقال لك من هذا الذي.
.
." أخطأ قراءة المخطوطة فجعل"لتكرمن""لك من" وهو فاسد ، والصواب ما أثبت ، وهو الذي يدل عليه السياق.
(47) انظر معاني القرآن للفراء 1: 243 ، 244.
(48) انظر تفسير"الحسرة" فيما سلف 3: 295 - 299.
(49) الأثر: 8115- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8110 ، 8112.
(50) أخشى أن يكون سقط من الناسخ بعض تفسير الآية ، وكأنه كان: "والله المؤخر أجل من يشاء من حيث شاء ، وهو المعجل.
.
." ، وانظر الأثر الآتي رقم: 8116.
(51) الأثر: 8116- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8115.
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصيرقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا يعني المنافقين .
وقالوا لإخوانهم يعني في النفاق أو في النسب في السرايا التي بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بئر معونة .
لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فنهي المسلمون أن يقولوا مثل قولهم .
وقوله : إذا ضربوا هو لما مضى ; أي إذ ضربوا ; لأن في الكلام معنى الشرط من حيث كان " الذين " مبهما غير موقت ، فوقع " إذا " موقع " إذ " كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل .
ومعنى ضربوا في الأرض سافروا فيها وساروا لتجارة أو غيرها فماتوا .أو كانوا غزى غزاة فقتلوا .
والغزى جمع منقوص لا يتغير لفظها في رفع وخفض ، واحدهم غاز ، كراكع وركع ، وصائم وصوم ، ونائم ونوم ، وشاهد وشهد ، وغائب وغيب .
ويجوز في الجمع غزاة مثل قضاة ، وغزاء بالمد مثل ضراب وصوام .
ويقال : غزى جمع الغزاة .
قال الشاعر :قل للقوافل والغزى إذا غزواوروي عن الزهري أنه قرأه " غزى " بالتخفيف .
والمغزية المرأة التي غزا زوجها .
وأتان مغزية متأخرة النتاج ثم تنتج .
وأغزت الناقة إذا عسر لقاحها .
والغزو قصد الشيء .
والمغزى المقصد .
ويقال في النسب إلى الغزو : غزوي .قوله تعالى : ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم يعني ظنهم وقولهم .
واللام متعلقة بقوله قالوا أي ليجعل ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا .
حسرة أي ندامة في قلوبهم .
والحسرة الاهتمام على فائت لم يقدر بلوغه ; قال الشاعر :فواحسرتي لم أقض منها لبانتي ولم أتمتع بالجوار وبالقربوقيل : هي متعلقة بمحذوف .
والمعنى : لا تكونوا مثلهم " ليجعل الله ذلك " القول " حسرة في قلوبهم " لأنهم ظهر نفاقهم .
وقيل : المعنى لا تصدقوهم ولا تلتفتوا إليهم ; فكان [ ص: 233 ] ذلك حسرة في قلوبهم .
وقيل : ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم يوم القيامة لما هم فيه من الخزي والندامة ، ولما فيه المسلمون من النعيم والكرامة .والله يحيي ويميت أي يقدر على أن يحيي من يخرج إلى القتال ، ويميت من أقام في أهله .والله بما تعملون بصير قرئ بالياء والتاء .
ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه خير من جميع الدنيا .
ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يشابهوا الكافرين، الذين لا يؤمنون بربهم، ولا بقضائه وقدره، من المنافقين وغيرهم.
ينهاهم عن مشابهتهم في كل شيء، وفي هذا الأمر الخاص وهو أنهم يقولون لإخوانهم في الدين أو في النسب: { إذا ضربوا في الأرض } أي: سافروا للتجارة { أو كانوا غزى } أي: غزاة، ثم جرى عليهم قتل أو موت، يعارضون القدر ويقولون: { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } وهذا كذب منهم، فقد قال تعالى: { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } ولكن هذا التكذيب لم يفدهم، إلا أن الله يجعل هذا القول، وهذه العقيدة حسرة في قلوبهم، فتزداد مصيبتهم، وأما المؤمنون بالله فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله، فيؤمنون ويسلمون، فيهدي الله قلوبهم ويثبتها، ويخفف بذلك عنهم المصيبة.
قال الله ردا عليهم: { والله يحيي ويميت } أي: هو المنفرد بذلك، فلا يغني حذر عن قدر.
{ والله بما تعملون بصير } فيجازيكم بأعمالكم وتكذيبكم.
( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ) يعني : المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه ، ( وقالوا لإخوانهم ) في النفاق والكفر وقيل : في النسب ، ( إذا ضربوا في الأرض ) أي : سافروا فيها لتجارة أو غيرها ، ( أو كانوا غزى ) أي : غزاة جمع غاز فقتلوا ، ( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك ) يعني : قولهم وظنهم ، ( حسرة ) غما ( في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " يعملون " بالياء وقرأ الآخرون بالتاء .
«يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا» أي المنافقين «وقالوا لإخوانهم» أي في شأنهم «إذا ضربوا» سافروا «في الأرض» فماتوا «أو كانوا غُزٌى» جمع غاز فقتلوا «لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا» أي لا تقولوا كقولهم «ليجعل الله ذلك» القول في عاقبة أمرهم «حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت» فلا يمنع عن الموت قعود «والله بما تعملون» بالتاء والياء «بصير» فيجازيكم به.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تُشابهوا الكافرين الذين لا يؤمنون بربهم، فهم يقولون لإخوانهم من أهل الكفر إذا خرجوا يبحثون في أرض الله عن معاشهم أو كانوا مع الغزاة المقاتلين فماتوا أو قُتِلوا: لو لم يخرج هؤلاء ولم يقاتلوا وأقاموا معنا ما ماتوا وما قُتلوا.
وهذا القول يزيدهم ألمًا وحزنًا وحسرة تستقر في قلوبهم، أما المؤمنون فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله فيهدي الله قلوبهم، ويخفف عنهم المصيبة، والله يحيي مَن قدَّر له الحياة -وإن كان مسافرًا أو غازيًا- ويميت مَنِ انتهى أجله -وإن كان مقيمًا- والله بكل ما تعملونه بصير، فيجازيكم به.
استمع إلى القرآن وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البليغ فيقول : { ياأيها الذين آمَنُواْ .
.
.
} .قوله { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ } الخ كلام مستأنف قصد به تحذير المؤمنين من التشبه بالكافرين ومن الاستماع إلى أقوالهم الذميمة .والمراد بالذين كفروا المنافقون كعبد الله بن أبى بن سلول وأشباهه من المنافقين الذين سبق للقرآن أن حكى عنهم أنهم قالوا : { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا } وإنما ذكرهم بصفة الكفر للتصريح بمباينة حالهم لحال المؤمنين وللتنفير عن مماثلتهم ومسايرتهم .
وقيل المراد بهم جميع الكفار .والمراد بإخوانهم : إخوانهم فى الكفر والنفاق والمذهب أو فى النسب وقوله { إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض } أى سافروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا .
وأصل الضرب : إيقاع شىء على شىء ثم استعمل فى السير ، لما فيه من ضرب الأرض بالأرجل ، ثم صار حقيقة فيه .وقوله : { غُزًّى } جمع غاز كراكع وركع ، وصائم وصوم ، ونائم ونوم .والمعنى : يا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا بفزع وجزع من أجل إخوانهم الذين فقدوهم بسبب سفرهم للتجارة أو بسبب غزوهم فى سبيل الله .قالوا على سبيل التفجع : لو كان هؤلاء الذين ماتوا فى السفر أو الغزو مقيمين معنا ، أو ملازمين بيوتهم ، ولم يضربوا فى الأرض ولم يغزوا فيها لبقوا أحياء ولما ماتوا أو قتلوا .وقولهم هذا يدل على جبنهم وعجزهم ، كما يدل على ضعف عقولهم وعدم إيمانهم بقضاء الله وقدره ، إذ لو كانوا مؤمنين بقضاء الله وقدره لعلموا أن كل شىء عنده بمقدار ، وأن العاقل هو الذى يعمل ما يجب عليه بجد وإخلاص ثم يترك بعد ذلك النتائج لله يسيرها كيف يشاء .وقولهم هذا بجانب ذلك يدل على سوء نيتهم ، وخبث طويتهم ، لأنهم قصدوا به تثبيط عزائم المجاهدين عن الجهاد ، وعن السعى فى الأرض من أجل طلب الرزق الذى أحله الله .والنهى فى قوله - تعالى { لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ } يشعر بالتفاوت الشديد بين المقامين : مقام الإيمان ومقام الكفران ، وأنه لا يليق بالمؤمن أن ينحدر إلى المنحدر الدون وهو التشبه بالكافرين ، بعد أن رفعه الله بالإيمان إلى أعلى عليين ، وفى هذا تقبيح للمنهى عنه بأبلغ وجه وبأدق تصوير .واللام فى قوله { لإِخْوَانِهِمْ } يرى صاحب الكشاف أنها للتعليل فقد قال : قوله : { وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ } أى لأجل إخوانهم ، كقوله - تعالى - { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ } ويجوز أن تكون اللام للدلالة على موضع الخطاب ، ويكون المعنى : لا تكونوا أيها المؤمنون كهؤلاء الذين كفروا وقالوا لإخوانهم الأحياء : لو كان أولئك الذين فقدناهم ملازمين لبيوتهم ولم يضربوا فى الأرض ولم يغزوا لما أصابهم ما أصابهم من الموت أو القتل .قال الفخر الرازى ما ملخصه : فإن قيل إن قوله { قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ } يدل على الماضى ، وقوله { إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض } يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟فالجواب من وجوه :أولها : أن قوله { قَالُواْ } تقديره : يقولون ، فكأنه قيل : لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا ..
.وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضى للتأكيد وللإشعار بأن جدهم فى تقرير الشبهة قد بلغ الغاية ، وصار بسبب ذلك الجد ينظر لى هذا المستقبل كالكائن الواقع .وثانيها : أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية .
والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا فى الأرض ، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فمن أخبر عنهم بعد ذلك فلا بد أن يقول : قالوا .وثالثها : قال " قطرب " كلمة " إذ " و " وإذا يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى وهو حسن لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول ، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم أولى " .وقوله { أَوْ كَانُواْ غُزًّى } معطوف على { ضَرَبُواْ فِي الأرض } من عطف الخاص بعد العام ، اعتناء به لأن الغزو هو المقصود فى هذا المقام وما قبله توطئة له .قالوا : على أنه قد يوجد الغزو بدون الضرب فى الأرض بناء على أن المراد بالضرب فى الأرض السفر البعيد ، فيكون على هذا بين الضرب فى الأرض وبين الغزو خصوص وعموم من وجه .وإنما لم يقل أو غزوا : للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة ، أو لا نقضاء ذلك ، أى كانوا غزاة فيما مضى .وقوله { لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } فى محل نصب مقول القول .ثم بين - سبحانه - ما ترتب على أقوالهم من عواقب سيئة فقال : { لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ } .والحسرة - كما يقول الراغب - هى غم الإنسان على ما فاته ، والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذى حمله على ما ارتكبه ، أو انحسرت قواه - أى انسلخت - من فرط الغم ، وأدركه إعياء عن تدارك ما فرط " .فالحسرة هى الهم المضنى الذى يلقى على النفس الحزن المستمر والألم الشديد ، واللام فى قوله { لِيَجْعَلَ } هى التى تسمى بلام العاقبة ، وهى متعلقة بقالوا أى قالوا ما قالوا لغرض من أغراضهم التى يتوهمون من ورائها منفعتهم ومضرة المؤمنين فكان عاقبة قولهم ومصيره إلى الحسرة والندامة لأن المؤمنين الصادقين لن يلتفتوا إلى هذا القول .
بل سيمضون فى طريق الجهاد الذى كتبه الله عليهم وسيكون النصر الذى وعدهم الله إياه حليفهم وبذلك يزداد الكافرون المنافقون حسرة على حسرتهم .ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويكون المعنى : أن الله - تعالى - طبع الكفار على هذه الأخلاق السيئة بسبب كفرهم وضلالهم لأجل أن يجعل الحسرة فى قلوبهم والغم فى نفوسهم والضلال بهذه الأقوال والأفعال فى عقولهم .قال صاحب الكشاف : فإن قتل ما متعلق ليجعل؟
قلت : قالوا .
أى قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة فى قلوبهم على أن اللام مثلها فى { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } أو لا تكونوا بمعنى : لا تكونوا مثلهم فى النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله الله حسرة فى قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم .
فإن قلت : ما معنى إسناد الفعلى إلى الله؟
قلت : معناه أن الله - تعالى - عند اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة فى قلوبهم ويضيق صدورهم عقوبة لهم .
كما قال - تعالى - { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السمآء } ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل عليه النهى ، أى لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثهلم حسرة فى قلوبهم ، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم " .والجعل هنا بمعنى التصيير ، وقوله { حَسْرَةً } مفعول ثان له ، وقوله ، { فِي قُلُوبِهِمْ } متعلق بيجعل .وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها ، لإرادة التمكن ، والإيذان بعدم الزوال .وقوله { والله يُحْيِي وَيُمِيتُ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } رد على قولهم الباطل أثر بيان سوء عاقبته وحض للمؤمنين على الجهاد فى سبيل الله وترغيب لهم فى العمل الصالح ، أى أن الأرواح كلها بيد الله يقبضها متى شاء ، ويرسلها متى شاء فالقعود فى البيوت لا يطيل الآجال كما أن الخروج للجهاد فى سبيل الله أو للسعى فى طلب الرزق لا ينقصها وما دام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يسارع إلى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله ، وأن يسعى فى الأرض ذات الطول والعرض ليأكل من رزق الله وأن يباشر الأسباب التى شرعها الله بدون عجز أو كسل وليعلم أن الله مطلع على أعمال الناس وأقوالهم وسيجازيهم عليها يوم القيامة بما يستحقون من خير أو شر .
اعلم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار بقولهم: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ثم إنه لما ظهر عن بعض المؤمنين فتور وفشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع وعفا الله بفضله عنهم، ذكر في هذه الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لمن يريد الخروج الى الجهاد: لو لم تخرجوا لما متم وما قتلتم فان الله هو المحيي والمميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد، ومن قدر له الموت لم يبق وإن لم يجاهد، وهو المراد من قوله: ﴿ والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ ﴾ وأيضا الذي قتل في الجهاد، لو أنه ما خرج الى الجهاد لكان يموت لا محالة، فاذا كان لابد من الموت فلأن يقتل في الجهاد حتى يستوجب الثواب العظيم، كان ذلك خيرا له من أن يموت من غير فائدة، وهو المراد من قوله: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ فهذا هو المقصود من الكلام، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ كالذين كَفَرُواْ ﴾ فقال بعضهم: هو على إطلاقه، فيدخل فيه كل كافر يقول مثل هذا القول سواء كان منافقا أو لم يكن، وقال آخرون: إنه مخصوص بالمنافقين لأن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مختصة بشرح أحوالهم، وقال آخرون: هذا مختص بعبدالله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، وسائر أصحابه، وعلى هذين القولين فالآية تدل على أن الايمان ليس عبارة عن الإقرار باللسان، كما تقول الكرامية إذ لو كان كذلك لكان المنافق مؤمناً، ولو كان مؤمناً لما سماه الله كافراً.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ وَقَالُواْ لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخراجهم كقوله: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ وأقول: تقرير هذا الوجه أنهم لما قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فهذا يدل على أن أولئك الإخوان كانوا ميتين ومقتولين عند هذا القول، فوجب أن يكون المراد من قوله: ﴿ وَقَالُواْ لإخوانهم ﴾ هو أنهم قالوا ذلك لأجل إخوانهم، ولا يكون المراد هو أنهم ذكروا هذا القول مع إخوانهم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ إخوانهم ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه الأخوة في النسب وان كانوا مسلمين، كقوله تعالى: ﴿ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ ﴿ وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا ﴾ فإن الأخوّة في هذه الآيات أخوة النسب لا أخوّة الدين، فلعل أولئك المقتولين من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين، فالمنافقون ذكروا هذا الكلام، ويحتمل أن يكون المراد من هذه الأخوة المشاكلة في الدين، واتفق الى أن صار بعض المنافقين مقتولا في بعض الغزوات فالذين بقوا من المنافقين قالوا ذلك.
المسألة الرابعة: المنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد، وهو المراد بقوله: ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض ﴾ والخارج إلى الغزو، وهو المراد بقوله: ﴿ أَوْ كَانُواْ غُزًّى ﴾ إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر والغزو، وجعلوا ذلك سببا لتنفير الناس عن الجهاد، وذلك لأن في الطباع محبة الحياة وكراهية الموت والقتل، فإذا قيل للمرء: إن تحرزت من السفر والجهاد فأنت سليم طيب العيش، وان تقحمت أحدهما وصلت الى الموت أو القتل، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك ويرغب في ملازمة البيت، وكان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد.
فان قيل: فلماذا ذكر بعض الضرب في الأرض الغزو وهو داخل فيه؟
قلنا: لأن الضرب في الأرض يراد به الابعاد في السفر، لا ما يقرب منه، وفي الغزو لا فرق بين بعيده وقريبه، اذ الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا يوصف بأنه ضارب في الأرض مع قرب المسافة وإن كان غازيا، فهذا فائدة إفراد الغزو عن الضرب في الأرض.
المسألة الخامسة: في الآية إشكال وهو أن قوله: ﴿ وَقَالُواْ لإخوانهم ﴾ يدل على الماضي، وقوله: ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ ﴾ يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟
بل لو قال: وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض، أي حين ضربوا لم يكن فيه إشكال.
والجواب عنه من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ قَالُواْ ﴾ تقديره: يقولون فكأنه قيل: لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا، وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين: أحدهما: أن الشيء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل فقد يعبر عنه بأنه حدث أو هو حادث قال تعالى: ﴿ أتى أَمْرُ الله ﴾ وقال: ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ ﴾ فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقل لم يكن فيه مبالغة أما لما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي، دل ذلك على أن جدهم واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، وصار بسبب ذلك الجد هذا المستقبل كالكائن الواقع.
الفائدة الثانية: إنه تعالى لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل ذلك على أنه ليس المقصود الإخبار عن صدور هذا الكلام، بل المقصود الإخبار عن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة، فهذا هو الجواب المعتمد عندي، والله أعلم.
الوجه الثاني في الجواب: أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية، والمعنى أن إخوانهم اذا ضربوا في الارض، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فمن أخبر عنهم بعد ذلك لابد وان يقول: قالوا، فهذا هو المراد بقولنا: خرج هذا الكلام على سبيل حكاية الحال الماضية.
الوجه الثالث: قال قطرب: كلمة اذ واذا، يجوز اقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى، وأقول: هذا الذي قاله قطرب كلام حسن، وذلك لأنا اذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم، كان ذلك أولى، أقصى ما في الباب أن يقال إذ حقيقة في المستقبل، ولكن لم لا يجوز استعماله في الماضي على سبيل المجاز لما بينه وبين كلمة إذ من المشابهة الشديدة؟
وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلا على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى.
المسألة السادسة: ﴿ غُزًّى ﴾ جمع غاز، كالقول والركع والسجد، جمع قائل وراكع وساجد، ومثله من الناقص عفا ويجوز أيضا: غزاة، مثل قضاة ورماة في جمع القاضي والرامي، ومعنى الغزو في كلام العرب قصد العدو، والمغزى المقصد.
المسألة السابعة: قال الواحدي: في الآية محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزاة فقتلوا، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فقوله: ﴿ مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ﴾ يدل على موتهم وقتلهم.
ثم قال تعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن التقدير أنهم قالوا ذلك الكلام ليجعل الله ذلك الكلام حسرة في قلوبهم، مثل ما يقال: ربيته ليؤذيني ونصرته ليقهرني ومثله قوله تعالى: ﴿ فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في بيان أن ذلك القول كيف استعقب حصول الحسرة في قلوبهم وجوها: الأول: أن أقارب ذلك المقتول اذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم، لان أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر وعن ذلك الغزو لبقي، فذلك الشخص انما مات أو قتل بسبب أن هذا الإنسان قصر في منعه، فيعتقد السامع لهذا الكلام انه هو الذي تسبب إلى موت ذلك الشخص العزيز عليه أو قتله، ومتى اعتقد في نفسه ذلك فلا شك أنه تزداد حسرته وتلهفه، أما المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكون إلا بتقدير الله وقضائه، لم يحصل ألبتة في قلبه شيء من هذا النوع من الحسرة، فثبت أن تلك الشبهة التي ذكرها المنافقون لا تفيدهم إلا زيادة الحسرة.
الوجه الثاني: ان المنافقين إذا ألقوا هذه الشبهة إلى اخوانهم تثبطوا عن الغزو والجهاد وتخلفوا عنه، فاذا اشتغل المسلمون بالجهاد والغزو، ووصلوا بسببه إلى الغنائم العظيمة والاستيلاء على الاعداء.
والفوز بالأماني، بقي ذلك المتخلف عند ذلك في الخيبة والحسرة.
الوجه الثالث: أن هذه الحسرة إنما تحصل يوم القيامة في قلوب المنافقين إذا رأوا تخصيص الله المجاهدين بمزيد الكرامات واعلاء الدرجات، وتخصيص هؤلاء المنافقين بمزيد الخزي واللعن والعقاب.
الوجه الرابع: أن المنافقين إذا أوردوا هذه الشبهة على ضعفة المسلمين ووجدوا منهم قبولا لها، فرحوا بذلك، من حيث إنه راج كيدهم ومكرهم على أولئك الضعفة، فالله تعالى يقول: إنه سيصير ذلك حسرة في قلوبهم إذا علموا أنهم كانوا على الباطل في تقرير هذه الشبهة.
الوجه الخامس: أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في الحيرة والخيبة وضيق الصدر، وهو المراد بالحسرة، كقوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً ﴾ .
الوجه السادس: أنهم متى أقوا هذه الشبهة على أقوياء المسلمين لم يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم.
والقول الثاني في تفسير الآية: أن اللام في قوله: ﴿ لِيَجْعَلَ الله ﴾ متعلقة بما دل عليه النهي، والتقدير: لا تكونوا مثلهم حتى يجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغيظهم.
ثم قال تعالى: ﴿ والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن المقصود منه بيان الجواب عن هذه الشبهة، وتقريره أن المحيي والمميت هو الله، ولا تأثير لشيء آخر في الحياة والموت، وأن علم الله لا يتغير، وأن حكمه لا ينقلب، وأن قضاءه لا يتبدل، فكيف ينفع الجلوس في البيت من الموت؟
فإن قيل: إن كان القول بأن قضاء الله لا يتبدل يمنع من كون الجد والاجتهاد مفيدا في الحذر عن القتل والموت، فكذا القول بأن قضاء الله لا يتبدل وجب أن يمنع من كون العمل مفيدا في الاحتراز عن عقاب الآخرة، وهذا يمنع من لزوم التكليف، والمقصود من هذه الآيات تقرير الأمر بالجهاد والتكليف، وإذا كان الجواب يفضي بالآخرة إلى سقوط التكليف كان هذا الكلام يفضي ثبوته الى نفيه فيكون باطلا.
الجواب: أن حسن التكليف عندنا غير معلل بعلة ورعاية مصلحة، بل عندنا أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
والوجه الثاني: في تأويل الآية: أنه ليس الغرض من هذا الكلام الجواب عن تلك الشبهة بل المقصود أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن أن يقولوا مثل قول المنافقين، قال: ﴿ والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ ﴾ يريد: يحيي قلوب أوليائه وأهل طاعته بالنور والفرقان، ويميت قلوب أعدائه من المنافقين.
ثم قال تعالى: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المقصود منه الترغيب والترهيب فيما تقدم ذكره من طريقة المؤمنين وطريقة المنافقين.
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ كناية عن الغائبين، والتقدير ﴿ لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ والباقون بالتاء على الخطاب ليكون وفقاً لما قبله في قوله: ﴿ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ ﴾ ولما بعده في قوله: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا تجمعون ﴾ .
واعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين، وتقريره أن هذا الموت لابد واقع ولا محيص للانسان من أن يقتل أو يموت، فاذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل الله وفي طلب رضوانه، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ولذاتها التي لا ينتفع الإنسان بها بعد الموت ألبتة، وهذا جواب في غاية الحسن والقوة، وذلك لأن الإنسان إذا توجه الى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا وأقبل على الآخرة، فاذا مات فكأنه تخلص عن العدو ووصل الى المحبوب، وإذا جلس في بيته خائفا من الموت حريصاً على جمع الدنيا، فإذا مات فكأنه حجب عن المعشوق وألقي في دار الغربة، ولا شك في كمال سعادة الأول، وكمال شقاوة الثاني.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة والكسائي (متم) بكسر الميم، والباقون بضم الميم، والأولون أخذوه من: مات يمات مت، مثل هاب يهاب هبت، وخاف يخاف خفت، وروى المبرد هذه اللغة فإن صح فقد صحت هذه القراءة، وأما قراءة الجمهور فهو مأخوذ من مات يموت مت، مثل: قال يقول قلت.
المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: اللام في قوله: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ ﴾ لام القسم، بتقدير الله لئن قتلتم في سبيل الله، واللام في قوله: ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ ﴾ جواب القسم، ودال على أن ما هو داخل عليه جزاء، والأصوب عندي أن يقال: هذه اللام للتأكيد، فيكون المعنى إن وجب أن تموتوا وتقتلوا في سفركم وغزوكم، فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة أيضا، فلماذا تحترزون عنه كأنه قيل: إن الموت والقتل غير لازم الحصول، ثم بتقدير أن يكون لازماً فإنه يستعقب لزوم المغفرة، فكيف يليق بالعاقل أن يحترز عنه؟
المسألة الثالثة: قرأ حفص عن عاصم (يجمعون) بالياء على سبيل الغيبة، والباقون بالتاء على وجه الخطاب، أما وجه الغيبة فالمعنى أن مغفرة الله خير مما يجمعه هؤلاء المنافقون من الحطام الفاني، وأما وجه الخطاب فالمعنى أنه تعالى كأنه يخاطب المؤمنين فيقول لهم مغفرة الله خير لكم من الأموال التي تجمعونها في الدنيا.
المسألة الرابعة: إنما قلنا: إن رحمة الله ومغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه: أحدها: أن من يطلب المال فهو في تعب من ذلك الطلب في الحال، ولعله لا ينتفع به غدا لأنه يموت قبل الغد وأما طلب الرحمة والمغفرة فإنه لابد وأن ينتفع به لأن الله لا يخلف وعده، وقد قال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ .
وثانيها: هب أنه بقي إلى الغد لكن لعل ذلك المال لا يبقى إلى الغد، فكم من انسان أصبح أميرا وأمسى أسيرا، وخيرات الآخرة لا تزول لقوله: ﴿ والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ﴾ ولقوله: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ ﴾ .
وثالثها: بتقدير أن يبقى إلى الغد ويبقى المال إلى الغد، لكن لعله يحدث حادث يمنعك عن الانتفاع به مثل مرض وألم وغيرهما، ومنافع الآخرة ليست كذلك.
ورابعها: بتقدير أنه في الغد يمكنك الانتفاع بذلك المال، ولكن لذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وذلك مما لا يخفى، وأما منافع الآخرة فليست كذلك.
وخامسها: هب أن تلك المنافع تحصل في الغد خالصة عن الشوائب ولكنها لا تدوم ولا تستمر، بل تنقطع وتفنى، وكلما كانت اللذة أقوى وأكمل، كان التأسف والتحسر عند فواتها أشد وأعظم، ومنافع الآخرة مصونة عن الانقطاع والزوال.
وسادسها: أن منافع الدنيا حسية ومنافع الآخرة عقلية، والحسية خسيسة، والعقلية شريفة، أترى ان انتفاع الحمار بلذة بطنه وفرجه يساوي ابتهاج الملائكة المقربين عند إشراقها بالأنوار الإلهية، فهذه المعاقد الستة تنبهك على ما لانهاية لها من الوجوه الدالة على صحة قوله سبحانه وتعالى: ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ .
فإن قيل: كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما تجمعون، ولا خير فيما تجمعون أصلا.
قلنا: إن الذي تجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيرا، وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات، فقيل: المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات.
ثم قال: ﴿ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ ﴾ .
واعلم أنه سبحانه وتعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالحشر الى مغفرة الله، وفي هذه الآية زاد في إعلاء الدرجات فرغبهم هاهنا بالحشر الى الله، يروى أن عيسى بن مريم صلوات الله عليه وسلامه مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم آثار العبادة، فقال ماذا تطلبون؟
فقالوا: نخشى عذاب الله، فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه، ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم، فقالوا: نطلب الجنة والرحمة، فقال: هو أكرم من أن يمنحكم رحمته ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم أكثر، فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا، ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة، فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقون، فانظر في ترتيب هذه الآيات فإنه قال في الآية الأولى: ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله ﴾ وهو إشارة الى من يعبده خوفا من عقابه، ثم قال: ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ وهو إشارة الى من يعبده لطلب ثوابه، ثم قال في خاتمة الآية: ﴿ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ ﴾ وهو إشارة الى من يعبد الله لمجرد الربوبية والعبودية، وهذا أعلى المقامات وأبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة، ألا ترى أنه لما شرف الملائكة قال: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ وقال للمقربين من أهل الثواب: ﴿ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ ﴾ فبين أن هؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعته ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه، واستئناسهم بكرمه، وتمتعهم بشروق نور ربوبيته، وهذا مقام فيه إطناب، والمستبصر يرشده القدر الذي أوردناه.
ولنرجع إلى التفسير: كأنه قيل إن تركتم الجهاد واحترزتم عن القتل والموت بقيتم أياما قليلة في الدنيا مع تلك اللذات الخسيسة، ثم تتركونها لا محالة، فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، أما لو أعرضتم عن لذات الدنيا وطيباتها، وبذلتم النفس والمال للمولى يكون حشركم إلى الله، ووقوفكم على عتبة رحمة الله، وتلذذكم بذكر الله، فشتان ما بين هاتين الدرجتين والمنزلتين.
واعلم أن في قوله: ﴿ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ ﴾ دقائق: أحدها: أنه لم يقل: تحشرون إلى الله بل قال: ﴿ لالى الله تحشرون ﴾ ، وهذا يفيد الحصر، معناه إلى الله يحشر العالمون لا إلى غيره، وهذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ولا ضار ولا نافع إلا هو، قال تعالى: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ وقال تعالى: ﴿ والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ .
وثانيها: أنه ذكر من أسماء الله هذا الاسم، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة وكمال القهر، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.
وثالثها: إدخال لام التأكيد في اسم الله حيث قال: ﴿ لإِلَى الله ﴾ وهذا ينبهك على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر والنشر، كما قال: ﴿ إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى ﴾ .
ورابعها: أن قوله: ﴿ تُحْشَرُونَ ﴾ فعل ما لم يسم فاعله، مع أن فاعل ذلك الحشر هو الله، وإنما لم يقع التصريح به لأنه تعالى هو العظيم الكبير الذي، شهدت العقول بأنه هو الله الذي يبدئ ويعيد، ومنه الانشاء والإعادة، فترك التصريح في مثل هذا الموضع أدل على العظمة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ ياأرض ابلعى مَاءكِ ﴾ .
وخامسها: أنه أضاف حشرهم إلى غيرهم، وذلك ينبه العقل على أن جميع الخلق مضطرون في قبضة القدرة ونفاذ المشيئة، فهم سواء كانوا أحياء أم أمواتا لا يخرجون عن قهر الربوبية وكبرياء الإلهية.
وسادسها: أن قوله: ﴿ تُحْشَرُونَ ﴾ خطاب مع الكل، فهو يدل على أن جميع العالمين يحشرون ويوقفون في عرصة القيامة وبساط العدل، فيجتمع المظلوم مع الظالم، والمقتول مع القاتل، والحق سبحانه وتعالى يحكم بين عبيده بالعدل المبرأ عن الجور، كما قال: ﴿ وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة ﴾ فمن تأمل في قوله تعالى: ﴿ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ ﴾ وساعده التوفيق علم أن هذه الفوائد التي ذكرناها كالقطرة من بحار الأسرار المودعة في هذه الآية، وتمسك القاضي بهذه الآية على أن المقتول ليس بميت، قال: لأن قوله: ﴿ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ ﴾ يقتضي عطف المقتول على الميت، وعطف الشيء على نفسه ممتنع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالُواْ لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخوانهم، كقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ [الأحقاف: 11] ومعنى الأخوّة: اتفاق الجنس أو النسب ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض ﴾ إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها ﴿ أوكَانُواْ اغزى ﴾ جمع غاز، كعاف وعفى، كقوله: عفى الحياض أجون.
وقرئ بتخفيف الزاي على حذف التاء من غزاة.
فإن قلت: كيف قيل: ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ ﴾ مع ﴿ قَالُواْ ﴾ ؟
قلت: هو على حكاية الحال الماضية، كقولك: حين يضربون في الأرض فإن قلت: ما متعلق ليجعل؟
قلت: قالوا، أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون ﴿ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ على أنّ اللام مثلها في ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ [القصص: 8] أو لا تكونوا، بمعنى: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده، ليجعله الله حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم.
فإن قلت: ما معنى إسناد الفعل إلى الله تعالى؟
قلت: معناه أنّ الله عز وجل عند اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة في قلوبهم، ويضيق صدورهم عقوبة، فاعتقاده فعلهم وما يكون عنده من الغم والحسرة وضيق الصدور فعل الله عز وجل كقوله: ﴿ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السماء ﴾ [الأنعام: 125] ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دلّ عليه النهى، أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، لأنّ مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادّتهم، مما يغمهم ويغيظهم ﴿ والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ ﴾ ردٌّ لقولهم.
أي الأمر بيده، قد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد كما يشاء.
وعن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال عند موته: مافيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة، وها أناذا أموت كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ فلا تكونوا مثلهم.
وقرى بالياء، يعني الذين كفروا ﴿ لَمَغْفِرَةٌ ﴾ جواب القسم، وهو سادّ مسدّ جواب الشرط، وكذلك ﴿ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ ﴾ كذب الكافرين أوَّلاً في زعمهم أن من سافر من إخوانهم أو غزى لو كان في المدينة لما مات، ونهى المسلمين عن ذلك لأنه سبب التقاعد عن الجهاد، ثم قال لهم: ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالموت والقتل في سبيل الله، فإنّ ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.
وقرئ بالياء، أي يجمع الكفار ﴿ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ ﴾ لإلى الله الرحيم الواسع الرحمة، المثيب العظيم الثواب تحشرون ولوقوع اسم الله تعالى هذا الموقع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به، شأن ليس بالخفي.
قرئ: ﴿ متم ﴾ بضم الميم وكسرها، من مات يموت ومات يمات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ.
﴿ وَقالُوا لإخْوانِهِمْ ﴾ لِأجْلِهِمْ وفِيهِمْ، وَمَعْنى إخْوَتِهِمُ اتِّفاقُهم في النَّسَبِ أوِ المَذْهَبِ ﴿ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ ﴾ إذا سافَرُوا فِيها وأبْعَدُوا لِلتِّجارَةِ أوْ غَيْرِها، وكانَ حَقُّهُ إذْ لِقَوْلِهِ قالُوا لَكِنَّهُ جاءَ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى ﴾ جَمْعُ غازٍ كَعافٍ وعُفًّى.
﴿ لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ مَفْعُولُ قالُوا وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ إخْوانَهم لَمْ يَكُونُوا مُخاطَبِينَ بِهِ.
﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ قالُوا عَلى أنَّ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ مِثْلُها في لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، أوْ لا تَكُونُوا أيْ لا تَكُونُوا مَثَّلَهم في النُّطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ والِاعْتِقادِ لِيَجْعَلَهُ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً، فَذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم مِنِ الِاعْتِقادِ.
وقِيلَ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ أيْ لا تَكُونُوا مِثْلَهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ انْتِفاءَ كَوْنِكم مِثْلَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّ مُخالَفَتَهم ومُضادَّتَهم مِمّا يَغُمُّهم.
﴿ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ أيْ هو المُؤَثِّرُ في الحَياةِ والمَماتِ لا الإقامَةِ والسَّفَرِ فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ ويُمِيتُ المُقِيمَ والقاعِدَ.
﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يُماثِلُوهم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ عَلى أنَّهُ وعِيدٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا.
<div class="verse-tafsir"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)
{يا أيها الذين آمنوا لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ} كابن أبيّ وأصحابه {وَقَالُواْ لإخوانهم} أي في حق إخوانهم في النسب أو في النفاق {إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأرض} سافروا فيها للتجارة أو غيرها {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} جمع غازٍ كعافٍ وعفّى وأصابهم موت أو قتل {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً في قلوبهم} اللام يتعلق بلا تكونوا أي لا تكونوا كهؤلاء في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم أو بقالوا أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون ذلك حسرة فى قلوبهم خصاة والحسرة الندامة على فوت المحبوب {والله يُحْيىِ وَيُمِيتُ} رد لقولهم إن القتال يقطع الآجال أي الأمر بيده قد يحيي المسافر والمقاتل ويميت
المقيم والقاعد {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم على أعمالكم يعملون مكي وحمزة وعلي أي الذين كفروا
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهُمُ المُنافِقُونَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ قالَهُ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ، وإنَّما ذُكِرَ في صَدْرِ الجُمْلَةِ كُفْرُهم تَصْرِيحًا بِمُبايَنَةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ وتَنْفِيرًا عَنْ مُماثَلَتِهِمْ وهم هم، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ الإقْرارِ بِاللِّسانِ كَما يَقُولُهُ الكَرّامِيَّةُ، وإلّا لَما سُمِيَّ المُنافِقُ كافِرًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا سائِرُ الكُفّارِ عَلى العُمُومِ، أيْ لا تَكُونُوا كالكَفَرَةِ في نَفْسِ الأمْرِ ﴿ وقالُوا لإخْوانِهِمْ ﴾ في المَذْهَبِ أوِ النَّسَبِ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ قالُوا لِأجْلِهِمْ، وجَعَلَها ابْنُ الحاجِبِ بِمَعْنى عَنْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُخاطَبَةَ الإخْوانِ كَما هو المُتَبادَرُ لِدَلالَةِ ما بَعْدُ عَلى أنَّهم كانُوا غائِبِينَ حِينَ هَذا القَوْلِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَعَلَ القَوْلَ لِإخْوانِهِمْ بِاعْتِبارِ البَعْضِ الحاضِرِينَ، والضَّرْبُ الآتِي لِضَرْبٍ آخَرَ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ سِوى كَثْرَةِ الفُضُولِ.
﴿ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ سافَرُوا فِيها لِتِجارَةٍ أوْ طَلَبِ مَعاشٍ فَماتُوا قالَهُ السُّدِّيُّ، وأصْلُ الضَّرْبِ إيقاعُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ واسْتُعْمِلَ في السَّيْرِ لِما فِيهِ مِن ضَرْبِ الأرْضِ بِالرِّجْلِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، وقِيلَ: أصْلُ الضَّرْبِ في الأرْضِ الإبْعادُ في السَّيْرِ وهو مَمْنُوعٌ، وخَصَّ الأرْضَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أكْثَرَ أسْفارِهِمْ كانَ في البَرِّ، وقِيلَ: اكْتَفى بِذِكْرِ الأرْضِ مُرادًا بِها البَرُّ عَنْ ذِكْرِ البَحْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأرْضِ ما يَشْمَلُ البَرَّ والبَحْرَ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وجِيءَ بِإذا، وحَقُّ الكَلامِ إذْ كَما قالُوا لَقالُوا الدّالُّ بِهَيْئَةٍ عَلى الزَّمانِ المُنافِي لِلزَّمانِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ (إذا) مُراعاةً لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنْ تُقَدِّرَ نَفْسَكَ كَأنَّكَ مَوْجُودٌ في ذَلِكَ الزَّمانِ الماضِي أوْ تُقَدِّرَ ذَلِكَ الزَّمانَ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ الآنَ وهَذا كَقَوْلِكَ: قالُوا ذَلِكَ حِينَ يَضْرِبُونَ، والمَعْنى حِينَ ضَرَبُوا إلّا أنَّكَ جِئْتَ بِلَفْظِ المُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِصُورَةِ ضَرْبِهِمْ في الأرْضِ، واعْتُرِضَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ حِكايَةَ الحالِ إنَّما تَكُونُ حَيْثُ يُؤْتى بِصِيغَةِ الحالِ وهَذِهِ صِيغَةُ اسْتِقْبالٍ لِأنَّ مَعْنى ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ حِينَ يَضْرِبُونَ فِيما يُسْتَقْبَلُ، الثّانِي أنَّ قَوْلَهم: لَوْ كانُوا عِنْدَنا إنَّما هو بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَكَيْفَ يَتَقَيَّدُ بِالضَّرْبِ في الأرْضِ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ في مَعْنى الِاسْتِمْرارِ كَما في ﴿ وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فَيُفْسِدُ الِاسْتِحْضارَ نَظَرًا لِلْحالِ، وعَنِ الثّانِي بِأنْ ﴿ قالُوا لإخْوانِهِمْ ﴾ في مَوْقِعِ جَزاءِ الشَّرْطِ مِن جِهَةِ المَعْنى فَيَكُونُ المَعْنى لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا، وإذا ضُرِبَ إخْوانُهم فَماتُوا ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى ﴾ فَقُتِلُوا قالُوا ﴿ لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ فالضَّرْبُ والقَتْلُ كِلاهُما في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وتَقْيِيدُ القَوْلِ بِالضَّرْبِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الأخِيرِ وهو المَوْتُ، والقَتْلُ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظًا لِدَلالَةِ ما في القَوْلِ عَلَيْهِ فَهو مُرادٌ مَعْنًى، والمُعْتَبَرُ المُقارَنَةُ عُرْفًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ وكَقَوْلِكَ: إذا طَلَعَ هِلالُ المُحَرَّمِ؛ أتَيْتُكَ في مُنْتَصَفِهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: (إذا) هُنا تَنُوبُ عَمّا مَضى مِنَ الزَّمانِ وما يُسْتَقْبَلُ يَعْنِي أنَّها لِمُجَرَّدِ الوَقْتِ أوْ لِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الصّائِبُ أنْ لا يُجْعَلَ ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ ظَرْفًا لِقالُوا، بَلْ ظَرْفٌ لِما يَحْصُلُ لِلْإخْوانِ حِينَ يُقالُ لِأجْلِهِمْ وفي حَقِّهِمْ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: قالُوا لِأجْلِ الأحْوالِ العارِضَةِ لِلْإخْوانِ ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ بِمَعْنى حِينَ كانُوا يَضْرِبُونَ قالَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَجْرِيدَ (إذا) عَنْ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ وجَعْلَها بِمَعْنى الوَقْتِ مُطْلَقًا كافٍ في تَوْجِيهِ الآيَةِ مُزِيلٌ لِإشْكالِها، وقَصْدُ الِاسْتِمْرارِ مِنها لا يَدْفَعُ الِاعْتِراضَ عَنْ ذَلِكَ التَّوْجِيهِ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ لِلِاسْتِمْرارِ تَشْمَلُ الماضِي فَلا تَكُونُ لِحِكايَةِ الحالِ، وكَذا إذا كانَ قالُوا جَوابًا إذْ يَصِيرُ مُسْتَقْبَلًا فَلا تَتَأتّى فِيهِ الحِكايَةُ المَذْكُورَةُ أيْضًا، ويَرُدُّ عَلى ما اقْتَضاهُ النَّظَرُ الصّائِبُ أنَّ دُونَ إثْباتِ صِحَّةِ مِثْلِهِ في العَرَبِيَّةِ خَرْطَ القَتادِ، وأقْعَدُ مِنهُ - وإنْ كانَ بَعِيدًا - ما قالَهُ أبُو حَيّانَ مِن أنَّهُ يُمْكِنُ إقْرارُ (إذا) عَلى الِاسْتِقْبالِ بِأنْ يُقَدَّرَ العامِلُ فِيها مُضافٌ مُسْتَقْبَلٌ عَلى أنَّ ضَمِيرَ لَوْ كانُوا عائِدًا عَلى إخْوانِهِمْ لَفْظًا لا مَعْنًى عَلى حَدِّ عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، والتَّقْدِيرُ (وقالُوا) مَخافَةَ هَلاكِ إخْوانِهِمْ ﴿ إذا ضَرَبُوا ﴾ ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا ﴾ أيْ إخْوانُنا الآخَرُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ مَوْتُهم وقَتْلُهم ﴿ عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ فَتَكُونُ هَذِهِ المَقالَةُ تَثْبِيطًا لِإخْوانِهِمُ الباقِينَ عَنِ السَّفَرِ والغَزْوِ لِئَلّا يُصِيبَهم ما أصابَ الأوَّلِينَ، وإنَّما لَمْ يَحْمِلُوا (إذا) هُنا عَلى الحالِ كَما قِيلَ بِحَمْلِها عَلَيْهِ بَعْدَ القَسَمِ نَحْوِ ﴿ واللَّيْلِ إذا يَغْشى ﴾ لِتَصْفُوَ لَهم دَعْوى حِكايَةِ الحالِ عَنِ الكَدَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ هُناكَ، فَقَدْ صَحَّحُوا فِيهِ بَقاءَها عَلى الِاسْتِقْبالِ مِن غَيْرِ مَحْذُورٍ، وجُوِّزَ في الآيَةِ كَوْنُ قالُوا بِمَعْنى يَقُولُونَ، وقَدْ جاءَ في كَلامِهِمُ اسْتِعْمالُ الماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ ومِنهُ قَوْلُهُ: وإنِّي لَآتِيكم تَشَكُّرَ ما مَضى مِنَ الأمْرِ واسْتِيجابَ ما كانَ في غَدِ وكَذا جُوِّزَ بَقاؤُهُ عَلى مَعْناهُ وحَمْلُ (إذا) عَلى الماضِي فَإنَّها تَجِيءُ لَهُ كَما جاءَتْ إذْ لِلْمُسْتَقْبَلِ في قَوْلِ البَعْضِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ وقَوْلِهِ: ونَدْمانٍ يَزِيدُ الكَأْسَ طِيبًا ∗∗∗ سَقَيْتُ (إذا) تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ وحِينَئِذٍ لا مُنافاةَ بَيْنَ زَمانَيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ كُلَّهُ، والجُمْلَةُ المُعَيِّنَةُ لِوَجْهِ الشَّبَهِ والمُماثِلَةِ الَّتِي نُهُوا عَنْها هي الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ، والمَعْنى لا تَتَشَبَّهُوا بِالكُفّارِ في قَوْلِهِمْ لِإخْوانِهِمْ إذا سافَرُوا ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى ﴾ جَمْعُ غازٍ كَعافٍ وعُفًّى وهو مِن نَوادِرِ الجَمْعِ في المُعْتَلِّ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بَعْضُهم بِقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ومُغْبَرَّةِ الآفاقِ خاشِعَةِ الصُّوى ∗∗∗ لَها قَلْبٌ عُفّى الحِياضِ أجْوَنُ ويُجْمَعُ عَلى غُزاةٍ كَقاضٍ وقُضاةٍ، وعَلى غَزِي مِثْلِ حاجٍّ وحَجِيجٍ وقاطِنٍ وقَطِينٍ، وعَلى غُزّاءٍ مِثْلِ فاسِقٍ وفُسّاقٍ، وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَ تَأبَّطَ شَرًّا.
فَيَوْمًا بِغُزّاءٍ ويَوْمًا بِسُرْيَةٍ ∗∗∗ ويَوْمًا بِخَشْخاشٍ مِنَ الرَّجْلِ هَيْضَلِ وعَلى غازُونَ مِثْلِ ضارِبٍ وضارِبُونَ، وهو مَنصُوبٌ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى الألِفِ المُنْقَلِبَةِ عَنِ الواوِ المَحْذُوفَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ إذْ أصْلُهُ غَزُوا تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فَقُلِبَتْ ألْفًا ثُمَّ حُذِفَتْ وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وفِيهِ وجْهانِ: الأوَّلُ: أنَّ أصْلَهُ غُزّاةً فَحُذِفَتِ الهاءُ تَخْفِيفًا لِأنَّ التّاءَ دَلِيلُ الجَمْعِ، وقَدْ حَصَلَ مِن نَفْسِ الصِّيغَةِ.
والثّانِي أنَّهُ أُرِيدَ قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَحُذِفَتْ إحْدى الزّاءَيْنِ كَراهِيَةَ التَّضْعِيفِ، وذُكِرَ هَذا الشِّقُّ مَعَ دُخُولِهِ فِيما قَبْلَهُ لِأنَّهُ المَقْصُودُ في المَقامِ وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ عَلى أنَّهُ قِيلَ: قَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الضَّرْبِ في الأرْضِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ السَّفَرُ البَعِيدُ فَبُيِّنَ الضَّرْبُ عَلى هَذا، وكَوْنُهم غُزاةً عُمُومٌ مِن وجْهٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أوْ غَزْوًا لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ اتِّصافِهِمْ بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ غُزاةً أوْ لِانْقِضاءِ ذَلِكَ، أيْ كانُوا غُزاةً فِيما مَضى.
﴿ لَوْ كانُوا ﴾ مُقِيمِينَ ﴿ عِنْدَنا ﴾ بِأنْ لَمْ يُسافِرُوا أوْ يَغْزُوا ﴿ ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ بَلْ كانُوا يَبْقَوْنَ زِيادَةً عَلى ما بَقُوا، والجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولٌ لِقالُوا ودَلِيلٌ عَلى أنَّ في الكَلامِ السّابِقِ مُضْمَرًا قَدْ حُذِفَ أيْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ فَماتُوا ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى ﴾ فَقُتِلُوا، وتَقْدِيرُ فَماتُوا، أوْ قَتَلُوا في كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ ومِن جُمْلَةِ المُشَبَّهِ بِهِ، والإشارَةُ إلى القَوْلِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الِاعْتِقادِ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ، والمَعْنى لا تَكُونُوا مِثْلَهم في القَوْلِ الباطِلِ والمُعْتَقَدِ الفاسِدِ المُؤَدِّيَيْنِ إلى الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ والدَّمارِ في العاقِبَةِ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ وأبِي عَلِيٍّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِلا تَكُونُوا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ فَهو خارِجٌ عَنْ جُمْلَةِ المُشَبَّهِ بِهِ، لَكِنَّ القَوْلَ والمُعْتَقَدِ داخِلانِ فِيهِ، أيْ لا تَكُونُوا مِثْلَهم في النُّطْقِ بِذَلِكَ القَوْلِ واعْتِقادِهِ لِيَجْعَلَ انْتِفاءَ كَوْنِكم مَعَهم في ذَلِكَ القَوْلِ والِاعْتِقادِ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ خاصَّةً، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ قَوْلٌ لا تَحْقِيقَ فِيهِ لِأنَّ جَعْلَ الحَسْرَةِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّهْيِ، إنَّما يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ امْتِثالِ النَّهْيِ، وهو انْتِفاءُ المُماثِلَةِ، فَحُصُولُ ذَلِكَ الِانْتِفاءِ والمُخالَفَةِ فِيما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ يَحْصُلُ عَنْهُ ما يَغِيظُهم ويَغُمُّهم، إذْ لَمْ يُوافِقُوهم فِيما قالُوهُ واعْتَقَدُوهُ، فَيُتْرَكُ الضَّرْبُ في الأرْضِ والغَزْوِ، وكَأنَّ القائِلَ التَبَسَ عَلَيْهِ اسْتِدْعاءُ انْتِفاءِ المُماثِلَةِ بِحُصُولِ الِانْتِفاءِ، وفَهْمُ هَذا فِيهِ خَفاءٌ ودِقَّةٌ.
وتَعَقَّبَهُ السَّفاقُسِيُّ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الِاعْتِراضِ أنْ لا يَجُوزَ نَحْوُ لا تَعْصِ لِتَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ لَيْسَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وكَذا لا يَجُوزُ أطِعِ اللَّهَ تَعالى لِتَدْخُلَ الجَنَّةَ؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ سَبَبًا لِدُخُولِها، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ أنَّ اللّامَ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ والمَأْمُورِ بِهِ عَلى مَعْنى أنَّ الكَفَّ عَنِ الفِعْلِ أوِ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ ونَحْوِهِ، وهَذا لا إشْكالَ فِيهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ بِلا تَكُونُوا، والإشارَةُ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ، والكُلُّ خارِجٌ عَنِ المُشَبَّهِ بِهِ، والمَعْنى لا تَكُونُوا مِثْلَهم لِيَجْعَلَ اللَّهُ انْتِفاءَ كَوْنِكم مِثْلَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ، وعَلى هَذا يَكُونُ (وقالُوا) ابْتِداءَ كَلامٍ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّراتٍ شَتّى كَما يَقْتَضِيهِ أقْوالُ المُنافِقِينَ وأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ لَمّا وقَعَ التَّنْبِيهُ عَلى عَدَمِ الكَوْنِ مِثْلَهم عَمَّ جَمِيعَ ما يَتَّصِلُ بِهِمْ مِنَ الرَّذائِلِ، وخُصَّ المَذْكُورُ لِكَوْنِهِ أشْنَعَ وأبِينَ لِنِفاقِهِمْ أيْ أنَّهم أعْداءُ الدِّينِ لَمْ يُقَصِّرُوا في المَضارَةِ والمُضادَّةِ، بَلْ فَعَلُوا كَيْتَ وكَيْتَ وقالُوا كَذا وكَذا، ومِن هَذا يُعْلَمُ ما في تِلْكَ المُقَدَّراتِ، وعَلى كُلٍّ مِنَ الأوْجِهِ الثَّلاثَةِ يَكُونُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ في قُلُوبِهِمْ عائِدًا إلى الكافِرِينَ، وذَكَرَ القُلُوبَ مَعَ أنَّ الحَسْرَةَ لا تَكُونُ إلّا فِيها لِإرادَةِ التَّمَكُّنِ والإيذانِ بِعَدَمِ الزَّوالِ.
وجَوَّزَ ابْنُ تَمْجِيدٍ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى المُؤْمِنِينَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالُوا حِينَئِذٍ لا غَيْرَ، ووَجَّهَ الآيَةَ بِما يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ.
﴿ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ إثْرَ بَيانِ غائِلَتِهِ أيْ واللَّهُ هو المُؤَثِّرُ الحَقِيقِيُّ في الحَياةِ والمَماتِ وحْدَهُ لا الإقامَةُ أوِ السَّفَرُ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يُحْيِي المُسافِرَ والغازِيَ مَعَ اقْتِحامِهِما مَوارِدَ الحُتُوفِ، ويُمِيتُ المُقِيمَ والقاعِدَ وإنْ كانا تَحْتَ ظِلالِ النَّعِيمِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُوجِدُ الحَياةَ والمَماتَ وإنْ كانَ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ فِيهِ ولا يَحْصُلُ بِهِ الرَّدُّ، وإنَّما الكَلامُ في إحْداثِ ما يُؤَثِّرُهُما، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى يُحْيِي ويُمِيتُ في السَّفَرِ والحَضَرِ عِنْدَ حُضُورِ الأجَلِ، ولا مُؤَخِّرَ لِما قَدَّمَ، ولا مُقَدِّمَ لِما أخَّرَ، ولا رادَّ لِما قَضى، ولا مَحِيصَ عَمّا قَدَّرَ، وفِيهِ مَنعُ المُؤْمِنِينَ عَنِ التَّخَلُّفِ في الجِهادِ لِخَشْيَةِ القَتْلِ، والواوُ لِلْحالِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ الإخْبارِ عَلى الإنْشاءِ.
﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ (156) تَرْغِيبٌ في الطّاعَةِ، وتَرْهِيبٌ عَنِ المَعْصِيَةِ، أوْ تَهْدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يُماثِلُوا الكُفّارَ؛ لِأنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى كَعِلْمِهِ تُسْتَعْمَلُ في القُرْآنِ لِلْمُجازاةِ عَلى المَرْئِيِّ كالمَعْلُومِ، والمُؤْمِنُونَ وإنْ لَمْ يُماثِلُوهم فِيما ذُكِرَ، لَكِنْ نَدَمُهم عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ يَقْتَضِيهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ - غَيْرُ عاصِمٍ - يَعْمَلُونَ بِالياءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ حِينَئِذٍ لِلْكُفّارِ، والعَمَلُ عامٌّ مُتَناوِلٌ لِلْقَوْلِ المَذْكُورِ ولِمُنْشِئِهِ الَّذِي هو الِاعْتِقادُ الفاسِدُ ولِما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ تَعَرَّضَ لِعُنْوانِ البَصَرِ لا لِعُنْوانِ السَّمْعِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ وكَذا تَقْدِيمُ الظَّرْفِ.
* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) ﴿ وكَأيِّنْ ﴾ وكَمْ ﴿ مِن نَبِيٍّ ﴾ مُرْتَفِعِ القَدْرِ جَلِيلِ الشَّأْنِ وهو في الأنْفُسِ الرُّوحُ القُدُسِيَّةِ ﴿ قاتَلَ مَعَهُ ﴾ عَدُوُّ اللَّهِ تَعالى أعْنِي النَّفْسَ الأمّارَةَ ﴿ رِبِّيُّونَ ﴾ مُتَخَلِّقُونَ بِأخْلاقِ الرَّبِّ وهُمُ القُوى الرُّوحانِيَّةُ ﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وطَرِيقُ الوُصُولِ إلَيْهِ مِن تَعَبِ المُجاهَداتِ ﴿ وما ضَعُفُوا ﴾ في طَلَبِ الحَقِّ ﴿ وما اسْتَكانُوا ﴾ وما خَضَعُوا لِلسِّوى ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى مُقاساةِ الشَّدائِدِ في جِهادِ النَّفْسِ ﴿ وما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ اسْتُرُ لَنا وُجُوداتِنا بِإفاضَةِ أنْوارِ الوُجُودِ الحَقِيقِيِّ عَلَيْنا ﴿ وإسْرافَنا في أمْرِنا ﴾ أيْ تَجاوُزَنا حُدُودَ ظاهِرِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ صَدَماتِ التَّجَلِّياتِ ﴿ وثَبِّتْ أقْدامَنا ﴾ في مَواطِنِ حُرُوبِ أنْفُسِنا ﴿ وانْصُرْنا ﴾ بِتَأْيِيدِكَ وإمْدادِكَ ﴿ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ السّاتِرِينَ لِرُبُوبِيَّتِكَ.
﴿ فَآتاهُمُ اللَّهُ ﴾ بِسَبَبِ دُعائِهِمْ بِألْسِنَةِ الِاسْتِعْداداتِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ تَعالى ﴿ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ وهو مَرْتَبَةُ تَوْحِيدِ الأفْعالِ وتَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿ وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ وهو مَقامُ تَوْحِيدِ الذّاتِ ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ في الطَّلَبِ الَّذِينَ لا يَلْتَفِتُونَ إلى الأغْيارِ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهُمُ النُّفُوسُ الكافِرَةُ وصِفاتُها ﴿ يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ ﴾ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ وهو سَجِينُ البَهِيمِيَّةِ ﴿ فَتَنْقَلِبُوا ﴾ تَرْجِعُوا القَهْقَرى ﴿ خاسِرِينَ ﴾ أنْفُسَكم.
﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ﴾ ناصِرُكم ﴿ وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ ﴾ لِمَن عَوَّلَ عَلَيْهِ وقَطَعَ نَظَرَهُ عَمَّنْ سِواهُ.
﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ أيِ الخَوْفَ ﴿ بِما أشْرَكُوا ﴾ أيْ بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ ﴿ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ ﴾ أيْ بِوُجُودِهِ ﴿ سُلْطانًا ﴾ أيْ حُجَّةً إذْ لا حُجَّةَ عَلى وُجُودِهِ حَتّى يُنْزِلَها لِتَحَقُّقِ عَدَمِهِ بِحَسَبِ ذاتِهِ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ إلْقاءَ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ مُسَبَّبًا عَنْ شِرْكِهِمْ لِأنَّ الشَّجاعَةَ وسائِرَ الفَضائِلِ اعْتِدالاتٌ في قُوى النَّفْسِ عِنْدَ تَنُّورِها بِنُورِ القَلْبِ المُنَوَّرِ بِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَلا تَكُونُ تامَّةً حَقِيقِيَّةً إلّا لِلْمُوَحِّدِ المُوقِنِ، وأمّا المُشْرِكُ فَمَحْجُوبٌ عَنْ مَنبَعِ القُوَّةِ بِما أشْرَكَ ما لا وُجُودَ ولا ذاتَ في الحَقِيقَةِ لَهُ فَهو ضَعِيفٌ عاذَ بَقَرْمَلَةٍ ﴿ ومَأْواهُمُ النّارُ ﴾ وهي نارُ الحِرْمانِ ﴿ وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ وضَعُوا الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وعَبَدُوا أسْماءً سَمَّوْها ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِن كِتابٍ.
﴿ ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ ﴾ المَشْرُوطَ بِالصَّبْرِ والتَّقْوى ﴿ إذْ تَحُسُّونَهُمْ ﴾ أيْ تَقْتُلُونَ جُنُودَ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ قَتْلًا ذَرِيعًا ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ وأمْرِهِ لا عَلى وفْقِ الطَّبْعِ ﴿ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ ﴾ جَبُنْتُمْ عِنْدَ تَجَلِّي الجِلالِ ﴿ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ﴾ وخالَفْتُمْ في أمْرِ الطَّلَبِ ﴿ وعَصَيْتُمْ ﴾ المُرْشِدَ المُرَبِّي ﴿ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ ﴾ مِنَ الفَوْزِ بِأنْوارِ الحَضْرَةِ ﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ﴾ لِقُصُورِ هِمَّتِهِ وضَعْفِ رَأْيِهِ ﴿ ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ لِطُولِ باعِهِ وقُوَّةِ عَقْلِهِ ﴿ ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ ﴾ أيْ عَنْ أعْداءِ نُفُوسِكم وجُنُودِها ﴿ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ أيْ يَمْتَحِنَكم بِالسَّتْرِ بَعْدَ التَّجَلِّي بِأنْوارِ المُشاهِداتِ والصَّحْوِ بَعْدَ السُّكْرِ بِأقْداحِ الوارِداتِ والفِطامِ بَعْدَ إرْضاعِ ألْبانِ المُلاطَفاتِ كَما يَقْتَضِي ذَلِكَ الجَلالُ ﴿ ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ فانْقَطَعْتُمْ إلَيْهِ كَما هو مُقْتَضى الجَمالِ ﴿ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ في طَوْرَيِ التَّقْرِيبِ والإبْعادِ، وما ألْطَفَ قَوْلَ مَن قالَ: فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيَقْسُ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ ﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ﴾ في جَبَلِ التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ ﴿ ولا تَلْوُونَ ﴾ أيْ لا تَلْتَفِتُونَ ﴿ عَلى أحَدٍ ﴾ مِنَ الأمْرَيْنِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿ والرَّسُولُ ﴾ أيْ رَسُولُ الوارِداتِ ﴿ يَدْعُوكُمْ ﴾ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ﴿ فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ ﴾ فَجازاكم بَدَلَ غَمِّ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِغَمِّ طَلَبِ الحَقِّ ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مِن زَخارِفِ الدُّنْيا ﴿ ولا ما أصابَكُمْ ﴾ مِن صَدَماتِ تَجَلِّي القَهْرِ ﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أقْرَبُ إلَيْكم مِنكم.
﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا ﴾ أيْ وارِادًا مِن ألْطافِهِ ظَهَرَ في صُورَةِ النُّعاسِ وهو السِّكِّينَةُ الرَّحْمانِيَّةُ ﴿ يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ ﴾ وهُمُ الصّادِقُونَ في الطَّلَبِ ﴿ وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ وهم أرْبابُ النُّفُوسِ فَإنَّهم لا هَمَّ لَهم سِوى حَظِّ نُفُوسِهِمْ واسْتِيفاءِ لَذّاتِها ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ بِمُقْتَضى سُوءِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ أيْ إنَّ الخَلْقَ حالُوا بَيْنَنا وبَيْنَ التَّدْبِيرِ ولَوْ لَمْ يَحُولُوا لَفَعَلْنا ما بِهِ صَلاحُنا ﴿ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ فَهو المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ فَلا تَدْبِيرَ مَعَ تَدْبِيرِهِ، ولا وُجُودَ لِأحَدٍ سِواهُ ﴿ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ﴾ الخَبِيثَةِ ﴿ ما لا يُبْدُونَ ﴾ بِزَعْمِهِمْ لَكَ أيُّها المُرْشِدُ الكامِلُ ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ﴾ بِسَيْفِ الشَّهَواتِ ( ﴿ ها هُنا ﴾ ) أيْ في هَذِهِ النَّشْأةِ ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ ﴾ وهي مَنازِلُ العَدَمِ الأصْلِيِّ قَبْلَ ظُهُورِ هَذِهِ التَّعْيِناتِ ﴿ لَبَرَزَ ﴾ عَلى حَسَبِ العِلْمِ ﴿ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ ﴾ في لَوْحِ الأزَلِ ﴿ إلى مَضاجِعِهِمْ ﴾ وهي بَيْداءُ الشَّهَواتِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها ﴾ أيْ نُظْهِرَها بِهَذا التَّعَيُّنِ، وإنَّما فَعَلَ سُبْحانَهُ ما فَعَلَ لِحِكَمٍ شَتًّى ﴿ ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ ما في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ لِيَمْتَحِنَ ما في اسْتِعْدادِكم مِنَ الصِّدْقِ والإخْلاصِ والتَّوَكُّلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأخْلاقِ ويُخْرِجَها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ ﴿ ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ أيْ يُخَلِّصَ ما بَرَزَ مِن مَكْمَنِ الصَّدْرِ إلى مَخْزَنِ القَلْبِ مِن غِشِّ الوَساوِسِ وخَواطِرِ النَّفْسِ، فَإنَّ البَلاءَ سَوْطٌ يَسُوقُ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ إلَيْهِ، ولِهَذا ورَدَ: «أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ ثُمَّ الأوْلِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» .
ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ: لِلَّهِ دَرُّ النّائِباتِ فَإنَّها ∗∗∗ صَدَأُ اللِّئامِ وصَيْقَلُ الأحْرارِ ما كُنْتُ إلّا زُبْرَةً فَطَبَعْنَنِي ∗∗∗ سَيْفًا وأطْلَعَ صَرْفَهُنَّ غِرارِي وذَلِكَ لِأنَّهم حِينَئِذٍ يَنْقَطِعُونَ إلى الحَقِّ، ولا يَظْهَرُ عَلى كُلٍّ مِنهم إلّا ما في مَكْمَنِ اسْتِعْدادِهِ كَما قِيلَ: عِنْدَ الِامْتِحانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أوْ يُهانُ، والخِطابُ في كِلا المَوْضِعَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ الأوَّلَ لِلْمُنافِقِينَ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَصَّ الصُّدُورَ بِالأوَّلِينَ لِأنَّ الصَّدْرَ مَعْدِنُ الغِلِّ والوَسْوَسَةِ فَهو أوْفَقُ بِحالِ المُنافِقِينَ، وخَصَّ القُلُوبَ بِالآخَرِينَ لِأنَّ القَلْبَ مَقَرُّ الإيمانِ والِاطْمِئْنانِ وهو أوْفَقُ بِحالِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ نِسْبَةَ الإسْلامِ بِاللِّسانِ إلى الإيمانِ بِالجَنانِ كَنِسْبَةِ الصَّدْرِ إلى القَلْبِ قِيلَ: ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ التَّرْهِيبُ والتَّحْذِيرُ عَنِ الِاتِّصالِ بِما لا يَرْضى مِن تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي يَكُونُ الصَّدْرُ مَكْمَنًا لَها.
﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ جَمْعُ الرُّوحِ وقُواها وجَمْعُ النَّفْسِ وقُواها ﴿ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ لِأنَّها تُورِثُ الظُّلْمَةَ، والشَّيْطانُ لا مَجالَ لَهُ عَلى ابْنِ آدَمَ بِالتَّزْيِينِ والوَسْوَسَةِ إلّا إذا وجَدَ ظُلْمَةً في القَلْبِ، ولَكَ أنْ تُبْقِيَ الجَمْعَيْنِ عَلى ظاهِرِهِما وباقِي الإشارَةِ بِحالِهِ ﴿ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ حِينَ اسْتَنارَتْ قُلُوبُهم بِنُورِ النَّدَمِ والتَّوْبَةِ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ وبِمُقْتَضى ذَلِكَ ظَهَرَتِ المُخالَفاتُ وأُرْدِفَتْ بِالتَّوْبَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِرْآةً لِظُهُورِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
ومِن هُنا جاءَ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَأتى اللَّهُ تَعالى بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيُغْفَرُ لَهم» .
وحُكِيَ أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ أدْهَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أكْثَرَ لَيْلَةً في الطَّوافِ مِن قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الذُّنُوبِ، فَسَمِعَ هاتِفًا مَن قَلْبِهِ يَقُولُ: يا إبْراهِيمُ أنْتَ تَسْألُهُ العِصْمَةَ، وكُلُّ عِبادِهِ يَسْألُونَهُ العِصْمَةَ، فَإذا عَصَمَكم عَلى مَن يَتَفَضَّلُ وعَلى مَن يَتَكَرَّمُ.
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِرُؤْيَةِ الأغْيارِ واعْتِقادِ تَأْثِيرِ السِّوى، وقالُوا لِأجْلِ إخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ إذا فارَقُوهم بِتَرْكِ ما هم عَلَيْهِ وسافَرُوا في أرْضِ نُفُوسِهِمْ وسَلَكُوا سَبِيلَ الرَّشادِ ﴿ أوْ كانُوا غُزًّى ﴾ أيَّ مُجاهِدِينَ مَعَ أعْدى أعْدائِهِمْ وهي نُفُوسُهُمُ الَّتِي بَيْنَ جُنُوبِهِمْ وقُواها وجُنُودُها مِنَ الهَوى والشَّيْطانِ ﴿ لَوْ كانُوا ﴾ مُقِيمِينَ ﴿ عِنْدَنا ﴾ مُوافِقِينَ لَنا ﴿ ما ماتُوا ﴾ بِمُقاساةِ الرِّياضَةِ ﴿ وما قُتِلُوا ﴾ بِسَيْفِ المُجاهِدَةِ، ولاسْتَراحُوا مِن هَذا النَّصَبِ ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ﴾ أيْ عَدَمِ الكَوْنِ مِثْلَهم ﴿ حَسْرَةً ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ حِينَ يَرَوْنَ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لَكم واللَّهُ يُحْيِي مَن يَشاءُ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ ويُمِيتُ مَن يَشاءُ بِمَوْتِ الجَهْلِ والبُعْدِ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ تَحْذِيرٌ عَنِ المَيْلِ إلى قَوْلِ المُنْكِرِينَ واعْتِقادِهِمْ <div class="verse-tafsir"
ثم نزل في المنهزمين قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ أي الذين انهزموا منكم يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يعني جمع المسلمين، وجمع المشركين إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ قال القتبي: استزلهم أي طلب زلتهم، كما يقال: استعجلت فلاناً أي طلبت عجلته واستعملته أي طلبت عمله.
ويقال: زَيَّنَ لهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا يعني: الذي أصابهم كان بأعمالهم كما قال في آية أخرى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] .
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ حيث لم يستأصلهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم حَلِيمٌ إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة.
قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو بكر عن غيلان بن جرير، أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال له عبد الرحمن: أتسبُّني وقد شهدت بدراً ولم تشهدها؟
وبايعتُ تحت الشجرة ولم تُبَايع؟
وقد كنت توليت فيمن تولى يوم الجمع- أي يوم أحد- فردّ عليه عثمان وقال: أما قولك إنك شهدت بدراً ولم أشهدها، فإني لم أغب عن شيء شهده رسول الله ، إلا أن ابنة رسول الله كانت مريضة فكنت معها أُمرِّضها، وضرب لي رسول الله بسهم في سهام المسلمين.
وأما بيعة الشجرة، فبعثني رسول الله رداً على المشركين بمكة فضرب رسول الله يمينه على شماله قال: «هَذِهِ لِعُثْمَانَ» فيمين رسول الله إليّ خير من يميني وشمالي.
وأما يوم الجمع فقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ فكنت فيمن عفى الله عنهم.
فخصم عثمان عبد الرحمن بن عوف.
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني منافقي أهل الكتاب وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ من المنافقين: إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ يعني إذا ساروا في الأرض تجاراً مسافرين، فماتوا في سفرهم أَوْ كانُوا غُزًّى يعني: خرجوا في الغزو فقتلوا.
قال القتبي: غزّاً جمع غاز، مثل صائم وصُوَّم، ونائم ونوم لَوْ كانُوا عِنْدَنا بالمدينة مَا ماتُوا في سفرهم وَما قُتِلُوا في الغزو لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ الظن حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ويقال: جعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم لأنه ظهر نفاقهم.
وقال الضحاك: ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب المنافقين، لأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في أشجار الجنان حيث شاءت.
وأرواح قتلى المنافقين في حواصل طير سُودٍ تسرح في الجحيم.
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يحيي في السفر ويميت في الحضر، ويحيي في الحضر ويميت في السفر.
ويقال: والله يحيي قلوب المؤمنين ويميت قلوب الكافرين، يحيي قلوب المؤمنين بالنصرة والخروج إلى الغزو، ويميت قلوب المنافقين بالتخلف وظن السوء.
وقال الضحاك: يعني يحيي من أحيى من نطفة بقدرته، ويميت من أمات بعزته وسلطانه.
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قرأ عبد الله بن كثير وحمزة والكسائي: يَعْمَلُونَ بالياء على معنى المغايبة.
وقرأ الباقون: بالتاء.
ومعناه قل لهم: والله بما تعملون بصير وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ يعني: إن متم في إقامتكم، أو قتلتم في سبيل الله وأنتُم مُؤْمنون لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ يعني: ونعمة وجنة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ في الدنيا من الأموال يا معشر المنافقين.
قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم: متم بضم الميم في جميع القرآن، والباقون بكسرها.
وهما لغتان ومعناهما واحد.
ثم قال: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ في الغزو لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ بعد الموت.
قرأ عاصم في رواية حفص: خير مما يَجْمَعون بالياء.
وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ يقول: فبرحمة من الله وما صلة، فالله ذكر منه أن جعل رسوله رحيماً رؤوفاً بالمؤمنين، حيث قال: فبرحمة مِّنَ الله لِنْتَ لَهُمْ يا محمد أني لينت لهم جانبك، وكنت رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ أي خشناً في القول غليظ القول لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي لتفرقوا من عندك، ولكن الله جعلك سهلاً سَمْحاً طلقاً ليناً لطيفاً باراً رحيماً، وهكذا قال الضحاك.
ثم قال: فَاعْفُ عَنْهُمْ أي: فتجاوز عنهم، ولا تعاقبهم بما يكون منهم من الزلة والذنب وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ من ذلك الذنب وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يقول: إذا أردت أن تعمل عملاً فاعمل بتدبيرهم ومشاورتهم، ويقال: ناظرهم في الأمر.
ويقال: ناظرهم عند القتال.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ: وشاوِرْهُمْ في بَعْضِ الأمر، لأنه كان يشاورهم فيما لم ينزل عليه الوحي فيه، وكان النبيّ عاقلاً ذا رأي، ولكنه أمر بالمشورة ليَقْتَدي به غيره، ولأن في المشاورة تودُّداً لأصحابه، لأنه إذا شَاوَرهم تَوَدَّد قلوبهم.
وفي المشورة أيضاً ترك الملامة، لأنه يقال: فعلت كذا بمشاورتكم.
وروى سهل بن سعيد الساعدي عن رسول الله أنه قال: «مَا شَقِيَ عَبْدٌ قَطّ بِمَشُورَةٍ وَمَا سَعِدَ عَبْدٌ بِاسْتِغْنَاءِ رَأْيٍ» .
ثم قال تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي لا تتوكل على المشورة، ولكن توكل على الله بعد المشورة لا على الأصحاب إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ الذين يتوكلون على الله.
<div class="verse-tafsir"
قال ابنُ زَيْد: فلا أدْري، هل عُفِيَ عن هذه الطائفةِ خاصَّة، أمْ عن المؤمنين جميعاً «١» .
وقوله تعالى: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا: ظاهره عند جمهور المفسِّرين: أنه كانَتْ لهم ذنوبٌ عاقبهم اللَّه علَيْها بتَمْكين الشيطان من استزلالهم بوسوسَتِهِ وتخويفِهِ، والفَرَارُ مِنَ الزَّحْفِ «٢» من الكبائر بإجماعٍ فيما عَلِمْتُ، وقَدْ عده صلّى الله عليه وسلّم في السّبع الموبقات «٣» .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ ...
الآية: نَهَى اللَّه المؤمنِينَ أنْ يكونوا مثل الكفَّار المنافقين في هذا المعتقَدِ الفاسِدِ الذي هو أنَّ من سافر في تجارةٍ ونحوها، ومَنْ قَاتَلَ فَقُتِلَ، لو قعد في بَيْته لعاش، ولم يَمُتْ في ذلك الوَقْتِ الذي عَرَّض فيه نَفْسه للسَّفَر أو للقِتَال، وهذا هو مُعْتَقَدُ المعتزلة في القَوْل بالأَجَلَيْنِ، أو نحو منه، وصرّح بهذا المقالة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيٍّ المُنَافِقُ، وأصحابه قاله مجاهد
وغيره «١» ، والضَّرْبُ في الأرض: السيرُ في التِّجَارة، وغُزًّى: جمعُ غازٍ.
وقوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ الإشارةُ ب «ذَلِكَ» إلى هذا المعتقد الَّذى جعله اللَّه حَسْرةً لهم لأن الذي يتيقن أنَّ كل قَتْل ومَوْت، إنما هو بأجَلٍ سابقٍ يجدُ برد اليأسِ والتسليمِ للَّه سبحانه على قلبه، والذي يَعْتَقِدُ أنَّ حميمه لو قعد في بَيْته، لم يَمْتُ، يتحسَّر ويتلهَّف وعلى هذا التأويل، مَشَى المتأوِّلونَ، وهو أظهرُ مَا في الآية، والتحسُّرُ: التلهُّفُ على الشيء، والغَمُّ به.
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ توكيدٌ للنهيْ في قوله: لاَ تَكُونُوا ووعيدٌ لمن خالفه، ووَعْدٌ لمن امتثله.
وقوله سبحانه: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ اللامُ في وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ هي المؤذنةُ بمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قوله: لَمَغْفِرَةٌ هي المتلقِّية للقَسَمِ، والتقديرُ: واللَّهِ، لمغفرةٌ وترتَّب المَوْتُ قبل القَتْل في قوله تعالى: مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا مراعاةً لترتُّب الضَّرْب في الأرض والغَزْو، وقدَّم القَتْل هنا لأنَّه الأشرف الأهمُّ، ثم قدَّم المَوْتَ في قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لأنها آية وعظٍ بالآخرةِ والحَشْرِ، وآيةُ تزهيدٍ في الدنْيَا والحَيَاةِ، وفي الآيةِ تحقيرٌ لأمر الدنيا، وحضٌّ على طَلَبِ الشهادةِ، والمعنى: إذا كان الحَشْر لا بُدَّ في كِلاَ الأمْرَيْن، فالمضيُّ إليه في حالِ شهادةٍ أولى وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ «٢» ، أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ» ، رواه الجماعةُ إلاَّ البخاريَّ «٣» ، وعن أنَسٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ في النِّفاقِ، وقِيلَ: إخْوانُهم في النَّسَبِ.
قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قالَ: "إذا ضَرَبُوا" ولَمْ يَقُلْ: إذْ ضَرَبُوا، لِأنَّهُ يُرِيدُ: شَأْنَهم هَذا أبَدًا، تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَدَّثَ صَدَقَ، وإذا ضَرَبَ صَبَرَ.
و"إذا" لِما يُسْتَقْبَلُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَحْكم لَهُ بِهَذا المُسْتَقْبَلِ إلّا لَمّا قَدْ خَبَّرَ مِنهُ فِيما مَضى.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿ ضَرَبُوا في الأرْضِ ﴾ : سارُوا وسافَرُوا.
و"غُزًّى" جَمْعُ غازِي.
وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ، فَماتُوا، أوْ غَزَوْا، فَقُتِلُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ما ظَنُّوا مِن أنَّهم لَوْ كانُوا عِنْدَهم، سَلِمُوا، ﴿ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ ﴾ أيْ: حُزْنًا.
قالَ ابْنُ فارِسٍ: الحَسْرَةُ: التَّلَهُّفُ عَلى الشَّيْءِ الفائِتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ أيْ: لَيْسَ تَحَرُّزُ الإنْسانِ يَمْنَعُهُ مِن أجْلِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: يَعْمَلُونَ بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّةُ مَن قَرَأ بِالياءِ أنَّ قَبْلَها غَيْبَةً، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لإخْوانِهِمْ ﴾ ومَن قَرَأ بِالتّاِءِ، فَحُجَّتُهُ ﴿ لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أو كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ الكَوْنِ مِثْلَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في هَذا المُعْتَقَدِ الفاسِدِ، الَّذِي هو أنَّ مَن سافَرَ في تِجارَةٍ ونَحْوِها ومَن قاتَلَ فَقُتِلَ لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَعاشَ ولَمْ يَمُتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي عَرَّضَ فِيهِ نَفْسَهُ لِلسَّفَرِ أو لِلْقِتالِ، وهَذا هو مُعْتَقَدُ المُعْتَزِلَةِ في القَوْلِ بِالأجَلَيْنِ، وهو نَحْوٌ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِإخْوانِهِمْ" هي أُخُوَّةُ نَسَبٍ، لِأنَّ قَتْلى أُحُدٍ كانُوا مِنَ الأنْصارِ، أكْثَرُهم مِنَ الخَزْرَجِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا أرْبَعَةً، وصَرَّحَ بِهَذِهِ المَقالَةِ -فِيما ذَكَرَ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما- عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ المُنافِقُ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: بَلْ قالَها جَمِيعُ المُنافِقِينَ، ودَخَلَتْ "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ وهي حَرْفُ اسْتِقْبالٍ مِن حَيْثُ "الَّذِينَ" اسْمٌ فِيهِ إبْهامٌ يَعُمُّ مَن قالَ في الماضِي ومَن يَقُولُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِن حَيْثُ هَذِهِ النازِلَةُ تُتَصَوَّرُ في مُسْتَقْبَلِ الزَمانِ، ويَطَّرِدُ النَهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيها، فَوُضِعَتْ "إذا" لِتَدُلَّ عَلى اطِّرادِ الأمْرِ في مُسْتَقْبَلِ الزَمانِ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ﴾ إلى نَحْوِها مِنَ الآياتِ، وكَما قالَتْ: وفِينا نَبِيٌّ يَعْلَمُ ما في غَدِ كَما أنَّ فائِدَةَ وضْعِهِمُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِ الأمْرِ، لِأنَّ صِيغَةَ الماضِي مُتَحَقِّقَةُ الوُقُوعِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنِّي لَآتِيكم تَشَكُّرَ ما مَضى مِنَ الأمْرِ واسْتِيجابَ ما كانَ في غَدِ وَمِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا والضَرْبُ في الأرْضِ: الإبْعادُ في السَيْرِ، ومِنهُ: ضَرَبَ الدَهْرُ ضَرَبانَهُ.
إذا بَعُدَتِ المُدَّةُ.
وضَرْبُ الأرْضِ: هو الذَهابُ فِيها لِحاجَةِ الإنْسانِ خاصَّةً بِسُقُوطِ "فِي"، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: الضَرْبُ في الأرْضِ: السَيْرُ في التِجارَةِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: بَلْ هو السَيْرُ في جَمِيعِ طاعاتِ اللهِ ورَسُولِهِ، والضَرْبُ في الأرْضِ يَعُمُّ القَوْلَيْنِ.
و"غُزّىً": جَمْعُ غازٍ، وزْنُهُ - فُعَّلٌ- بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّ العَيْنِ المَفْتُوحَةِ، كَشاهِدٍ وشُهَّدٍ وقائِلٍ وقُوَّلٍ، ويُنْشَدُ بَيْتُ رُؤْبَةَ.
فالآنَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي ∗∗∗ وأولُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالمُسَفَّهِ ∗∗∗ وقُوَّلٌ إلّا دَهٍ فَلا دَهِ.
يُرِيدُ إنْ لَمْ تَتُبِ الآنَ فَلا تَتُوبُ أبَدًا، وهو مِثْلُ مَعْناهُ: إنْ لَمْ تَكُنْ كَذا فَلا يَكُونُ كَذا، وقَدْ رُوِيَ: وقَوْلُهم إلّا دَهٍ فَلا دَهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: لا يَدْخُلُ "غُزّىً" الجَرُّ ولا الرَفْعُ.
وقَرَأتْهُ عامَّةُ القُرّاءِ بِتَشْدِيدِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ والزُهْرِيُّ: "غُزىً" مُخَفَّفَةَ الزايِ، ووَجْهُهُ إمّا أنْ يُرِيدَ غُزاةً، فَحَذَفَ الهاءَ إخْلادًا إلى لُغَةِ مَن يَقُولُ "غُزّىً" بِالتَشْدِيدِ، وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ يَمْدَحُ الكِسائِيَّ: أبى الذَمَّ أخْلاقُ الكِسائِيِّ وانْتَمى بِهِ ∗∗∗ المَجْدَ أخْلاقُ الأُبُوِّ السَوابِقِ يُرِيدُ الأُبُوَّةَ جَمْعَ أبٍ، كَما أنَّ العُمُومَةَ جَمْعُ عَمٍّ، والبُنُوَّةَ جَمْعُ ابْنٍ، وقَدْ قالُوا: ابْنٌ وبِنْوٌ.
وتَحْتَمِلُ قِراءَتُهُما أنْ تَكُونَ تَخْفِيفًا لِلزّايِ مِن "غُزّىً"، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذابًا" في قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ تَخْفِيفٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ جَرى عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَما قُتِّلُوا" مُشَدَّدَةَ التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يُحْزِنُهم قَوْلُهُ ولا يَنْفَعُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذا المُعْتَقَدِ الَّذِي لَهُمْ، جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً، لِأنَّ الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنَّ كُلَّ مَوْتٍ وقَتْلٍ فَبِأجَلٍ سابِقٍ، يَجِدُ بَرْدَ اليَأْسِ والتَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى عَلى قَلْبِهِ، والَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ حَمِيمَهُ لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَمْ يَمُتْ يَتَحَسَّرُ ويَتَلَهَّفُ.
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَشى المُتَأوِّلُونَ، وهو أظْهَرُ ما في الآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى انْتِهاءِ المُؤْمِنِينَ ومُخالَفَتِهِمُ الكافِرِينَ في هَذا المُعْتَقَدِ، فَيَكُونُ خِلافُهم لَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ.
وقالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى نَفْسِ نَهْيِ اللهِ تَعالى عَنِ الكَوْنِ مِثْلَ الكافِرِينَ في هَذا المُعْتَقَدِ، لِأنَّهم إذا رَأوا أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ وسَمَهم بِمُعْتَقَدٍ وأمَرَ بِخِلافِهِمْ كانَ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النَهْيِ والِانْتِهاءِ مَعًا، فَتَأمَّلْهُ.
والحَسْرَةُ: التَلَهُّفُ عَلى الشَيْءِ والغَمُّ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى خَبَرًا جَزْمًا أنَّهُ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ بِقَضاءٍ حَتْمٍ، لا كَما يَعْتَقِدُ هَؤُلاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "واللهُ بِما يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، فَهَذا وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا تَوْكِيدٌ لِلنَّهْيِ في قَوْلِهِ: "لا تَكُونُوا" ووَعِيدٌ لِمَن خالَفَهُ، ووَعْدٌ لِمَنِ امْتَثَلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
تحذير من العود إلى مخالجة عقائد المشركين، وبيان لسوء عاقبة تلك العقائد في الدنيا أيضاً.
والكلام استئناف.
والإقبال على المؤمنين بالخطاب تلطّف بهم جميعاً بعد تقريع فريق منهم الَّذين تولّوا يوم التقى الجمعان.
واللام في قولهم: ﴿ لإخوانهم ﴾ ليست لام تعدية فعل القول بل هي لام العلّة كقوله تعالى: ﴿ ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ لأنّ الإخوان ليسوا متكلّماً معهم بل هم الَّذين ماتوا وقُتلوا، والمراد بالإخوان الأقارب في النسب، أي من الخزرج المؤمنين، لأنّ الشهداء من المؤمنين.
و (إذ) هنا ظرف للماضي بدليل فعليّ (قالوا وضَربوا)، وقد حذف فعل دلّ عليه قوله: ﴿ ما ماتوا ﴾ تقديره: فماتوا في سفرهم أو قتلوا في الغزو.
والضرب في الأرض هو السفر، فالضرب مستعمل في السير لأنّ أصل الضّرب هو إيقاع جسم على جسم وقرعه به، فالسير ضرب في الأرض بالأرجل، فأطلق على السفر للتجارة في قوله تعالى: ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللَّه ﴾ [المزمل: 20]، وعلى مطلق السفر كما هنا، وعلى السفر للغزو كما في قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ [النساء: 94] وقوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ [النساء: 101] والظاهر أنّ المراد هنا السفر في مصالح المسلمين لأنّ ذلك هو الَّذي يلومهم عليه الكفار، وقيل: أريد بالضرب في الأرض التجارة.
وعليه يكون قرنه مع القتل في الغزو لكونهما كذلك في عقيدة الكفار.
و ﴿ غُزًّى ﴾ جمع غاز.
وفُعَّل قليل في جمع فَاعل الناقص.
وهو مع ذلك فصيح.
ونظيره عُفَّى في قول امرئ القيس: لَهَا قُلُب عُفَّى الحِيَاضضِ أُجُونُ *** وقوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ علّة ل (قَالوا) باعتبار ما يتضمّنه من اعتقاد ذلك مع الإعلان به توجيهاً للنَّهي عن التشبيه بهم أي فإنَّكم إن اعتقدتم اعتقادهم لحِقَكم أثره كما لحقهم، فالإشارة بقوله: (ذلك) إلى القول الدال على الاعتقاد، وعلى هذا الوجه فالتعليل خارج عن التشبيه.
وقيل: اللام لام العاقبة، أي: لا تكونوا كالَّذين قالوا فترتّب على قولهم أن كان ذلك حسرة في قلوبهم، فيكون قوله: ﴿ ليجعل ﴾ على هذا الوجه من صلة (الّذين)، ومن جملة الأحوال المشبّه بها، فيعلم أنّ النّهي عن التّشبّه بهم فيها لما فيها من الضرّ.
والحَسرة: شدّة الأسف أي الحُزن، وكانَ هذا حسرة عليهم لأنَّهم توهّموا أنّ مصابهم نشأ عن تضييعهم الحزم، وأنَّهم لو كانوا سلكوا غير ما سلكوه لنجوا فلا يزالون متلهّفين على مافتهم.
والمؤمن يبذل جهده فإذا خَابَ سَلَّم لْحكم القدر.
وقوله: ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ تحذير لهم من أن يضمروا العود إلى ما نهوا عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وما صِلَةٌ دَخَلَتْ لِحُسْنِ النَّظْمِ.
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ الفَظُّ: الجافِي، والغَلِيظُ القَلْبِ: القاسِي، وجَمَعَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، وإنْ كانَ مَعْناهُما واحِدًا لِلتَّأْكِيدِ.
﴿ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ وفي أمْرِهِ بِالمُشاوَرَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ في الحَرْبِ لِيَسْتَقِرَّ لَهُ الرَّأْيُ الصَّحِيحُ فِيهِ، قالَ الحَسَنُ: ما شاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أُمُورِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ تَأْلِيفًا لَهم وتَطْيِبًا لِأنْفُسِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِما عَلِمَ فِيها مِنَ الفَضْلِ، ولِتَتَأسّى أُمَّتُهُ بِذَلِكَ بَعْدَهُ ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِيَسْتَنَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويَتْبَعَهُ فِيها المُؤْمِنُونَ وإنْ كانَ عَنْ مَشُورَتِهِمْ غَنِيًّا، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ.
﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ.
فَفي تَأْوِيلِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أخَذَها رَسُولُ اللَّهِ ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في طَلائِعَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ وجَّهَهم في وجْهٍ، ثُمَّ غَنِمَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ أيْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَتْرُكَ طائِفَةً ويَجُورَ في القَسْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكْتُمَ النّاسَ ما بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِرَهْبَةٍ مِنهُ ولا رَغْبَةٍ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَتَّهِمَهُ أصْحابُهُ ويُخَوِّنُوهُ.
والثّانِي: مَعْناهُ: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ أصْحابَهُ ويُخَوِّنَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
وَأصْلُ الغُلُولِ الغَلَلُ وهو دُخُولُ الماءِ في خِلالِ الشَّجَرِ، فَسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المالِ عَلى خَفاءٍ كَجَرْيِ الماءِ، ومِنهُ الغِلُّ الحِقْدُ لِأنَّهُ العَداوَةُ تَجْرِي في النَّفْسِ مَجْرى الغَلَلِ.
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ وفي وجْهِ المِنَّةِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيَكُونَ ذَلِكَ شَرَفًا لَهم.
والثّانِي: لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَعَلُّمَ الحِكْمَةِ مِنهُ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ.
والثّالِثُ: لِيُظْهِرَ لَهم عِلْمَ أحْوالِهِ مِنَ الصِّدْقِ والأمانَةِ والعِفَّةِ والطَّهارَةِ.
﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ.
والثّانِي: أنْ يَدْعُوَهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ أزْكِياءَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض...
﴾ الآية.
قال: هذا قول عبدالله بن أبي بن سلول والمنافقين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم...
﴾ الآية.
قال: هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي ﴿ إذا ضربوا في الأرض ﴾ وهي التجارة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ قال: هذا قول الكفار إذا مات الرجل يقولون: لو كان عندنا ما مات فلا تقولوا كما قال الكفار.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ قال: يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن اسحق ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ لقلة اليقين بربهم ﴿ والله يحيي ويميت ﴾ أي يُعَجِّلُ ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله...
﴾ الآية.
أي الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله أو قتل ﴿ خير ﴾ لو علموا واتقوا ﴿ مما يجمعون ﴾ من الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد تخوف الموت والقتل لما جمعوا من زهيد الدنيا زهادة في الآخرة ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾ أي ذلك كائن إذ إلى الله المرجع فلا تَغُرَنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه آثر عندكم منها.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ متم ﴾ و ﴿ إذا متنا ﴾ .
كل شيء في القرآن بكسر الميم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية قال ابن عباس -في رواية عطاء (١) ، مِنَ السَّرَايَا إلى بِئْرِ مَعُونَة (٢) (٣) ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾ .
وقال مجاهد (٤) (٥) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ : جميعَ المنافقين.
وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لِإِخوَانِهِم ﴾ .
أي: في النِّفَاق.
وقيل: في النَّسَبِ (٦) ﴿ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ أي: ساروا وسافروا فيها.
وكان (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) فقوله (١٢) ﴿ كَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، في معنى: يَكْفُرُونَ، فدخلت (إذا) لِمَعْنى الاستقبال؛ والتقدير: (لا تكونوا كالذين يكفرون (١٣) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ؛ معناه: إنَّ الذين يكفرون.
وكذلك قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا ﴾ ؛ معناه: يَتُوبُون.
ومثله: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ ؛ معناه: إلّا مَن يَتُوب.
ومشهورٌ في كلامهم، أنْ يقول الرجلُ للرجلِ: (لا تضربْ إلّا الذي ضَرَبَكَ؛ إذا سَلَّمْتَ عليه).
فيجيء بـ (إذا)؛ لأن (الذي) غير مُؤَقَّت، فلو وَقَّته، لَقَالَ: (اضربْ هذا الذي ضَرَبَكَ؛ إذْ (١٤) (١٥) هذا مذهب الفراء (١٦) وإنِّي لآتِيكمْ تَشَكُّرُ ما مَضَى ...
مِنَ الأمرِ واستيجابَ ماكان في غَدِ (١٧) وأجاز (١٨) (١٩) ثمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنِّي إذ جَزَى ...
جَنَّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلى (٢٠) معناه: إذا يجزي (٢١) قال ابن الأنباري (٢٢) (٢٣) والذي احْتَجَّ به من قولِ الراجز، فإن معناه: (ثم جزاه الله عني، إذْ حَكَمَ بالجزاء وأوجبه).
فـ (إذ) في بابها، غير منقولة إلى معنى غيرها (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ كَانُوا غُزًّى ﴾ (الغُزَّى) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ومعنى (الغَزْوِ) -في كلام العرب-: قَصْدُ العَدُوِّ.
و (المَغْزَى): المَقْصد.
روى عَمْرُو (٢٩) قال الأزهري (٣٠) (٣١) قُلْ لِلْقَوافِلِ والغَزِيِّ إذا غَزَوْا ...
والباكِرِينَ ولِلْمُجِدِّ الرَائحِ [[البيت، ورد في: "تهذيب اللغة" 3/ 2662 (غزا)، و"إعراب القرآن"، للنحاس ص 373، و"الأمالي" لأبي عبد الله اليزيدي 1، و"ذيل الأمالي" للقالي 3/ 8، و"أمالي المرتضى" 2/ 199، و"اللسان" 6/ 3253 (غزا)، و"المقاصد النحوية" 2/ 502.
وقد اختلف في نسبته، فقال اليزيدي في "الأمالي" (وقد قال لي الأصمعي، يرويها للصلتان العبدي).
وقال القالي: (وكان في كتابي للصَّلتان، فقال [يعني ابن دريد]: هي لزياد الأعجم؛ وكان ينزل إصْطَخر، ورثى بهذه القصيدة المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة.
قال: وأنشدنا هذه القصيدة أبو الحسن الأخفش لزياد الأعجم).
"ذيل الأمالي" 3/ 8.
وقال ابن منظور: (رأيت في حواشي ابن برِّي أن هذا البيت للصليان [هكذا في "اللسان"، بالياء] العبدي، لا لزياد.
قال: وقد غلط أيضًا في نسبتها لزياد، أبو الفرج الأصبهاني، صاحب الأغاني، وتبعه الناس على ذلك).
"اللسان" 6/ 3253.
والصَّلَتَان، هو: قُثَم بن خبيئة، من عبد القيس.
انظر: "الشعر والشعراء" (331)، و"معاهد التنصيص" 1/ 74.
وقد ورد في بعض المصادر: (والغزاة إذا غزو) وليس فيها موضع للشاهد.
وورد: (للباكرين).
و (القوافل): جمع (قافِلَةٍ)، وهي: الرُّفْقَة الراجعة من سفرها إلى وطنها.
و (الباكِرِين): المُسْرِعين في الذهاب من أوَّلِ النهار.
و (المُجِدّ الرائح): المجتهد في رجوعه آخر النهار، أو المجتهد في السير في وقت الرواح، وهو: من الزوال إلى الليل.
والشاهد في البيت قوله: (الغَزِيِّ)، وهي جمعُ (غازٍ).
انظر: "اللسان" 3/ 1763 (روح)، و"الخزانة" 10/ 5.]] وفي الآية محذوفٌ، يَدُلُّ عليه الكلامُ؛ والتقدير: إذا ضَرَبُوا في الأرض، فَمَاتُوا أو كانوا غُزًّى فَقُتِلُوا، ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾ (٣٢) فقوله: ﴿ مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾ ؛ يَدُلُّ على موتِهم وقَتْلِهم.
وقوله تعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي: لِيَجْعَلَ ظَنَّهُمْ -أَنَهم لو [لم]، (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وتقدير الآية: لا تكونوا كهؤلاء الكفار في هذا القول منهم؛ لِيَجْعَلَ اللهُ ذلك حسرةً في قلوبهم دونكم.
فـ (اللام) في ﴿ لِيَجْعَلَ ﴾ متعلقة بـ ﴿ لاَ تَكُونُوا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ أي (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقال ابن عباس -في رواية عطاء (٤٠) ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ ، يريد: يومَ القِيَامَةِ؛ لِمَا هم فيه من الخِزْيِ والهَوَان، ولما فيه أولياء (٤١) ﴿ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ ؛ يريد: الندامة على ترك الإسلام.
﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ ؛ يريد: يحيى قلوبَ أوليائه وأهلِ طاعته، وُيرْشِدُهم للعمل بطاعته، وُيميت قلوبَ أعدائِهِ من المنافقين والكُفَّار.
واللَّام (٤٢) ﴿ لِيَجْعَلَ اَللَّهُ ﴾ متعلق (٤٣) ﴿ كَفَرُوا ﴾ ؛ على [أنها] (٤٤) (٤٥) ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ بالياء والتاء (٤٧) ﴿ وَلَا تَكُونُوا ﴾ .
ومن قرأ [الياء] (٤٨) ﴿ وَقَالُوا لِإخوَانِهِم ﴾ ، فحمل الكلام على الغَيْبَةِ.
(١) لم أقف على مصدر هذه الرواية.
(٢) بَعَث النبي ، سبعينَ رَجُلا؛ لِحاجَةٍ، يُقال لهم القُرَّاء، فَعَرَضَ لهم حَيَّانِ من بني سُلَيْمِ: رِعْلٌ وذَكْوانُ، عند بِئْر يُقال لها بئرُ مَعُونَةَ، فقال القوم: والله ما إيَّاكم أرَدْنَا، إنَّمَا نحنُ مُجْتازُون في حاجة للنبي ، فقَتَلُوهم، فَدَعَا النبي ، عليهم شهرا، في صلاة الغَدَاةِ).
"صحيح البخاري" (4088)، كتاب: المغازي.
باب: غزوة الرجيع.
وهذ إحدى الروايات التي أوردها البخاري حول هذه السَّرِية، وهناك روايات أخرى عنده.
انظرها في الباب نفسه.
== وانظر روايات أخرى لهذه السَّرِيَّة في كتب السيرة، منها: "المغازي" 1/ 346، و"سيرة ابن هشام" 3/ 184، و"الطبقات الكبرى" 2/ 51، و"تاريخ الطبري" 2/ 545.
(٣) بعث النبي ، سَرِيَّةً؛ عَيْنًا له، وقيل بعثهم استجابة لطلب عَضَل والقَارَة أن يبعث معهم من يُفَقِّههم في الإسلام ويقرؤهم القرآن، -وكان ذلك خدعة منهم، اتفقوا فيه مع بني لِحيان-، وأمَّرَ على السرِية عاصمَ بن ثابت، وقيل: مَرْثَد بن أبي مرثد الغَنَوِي، فخرجوا حتى إذا كانوا عند ماءٍ لهذيل، يقال له: الرَّجِيع، بناحية الحجاز، هجم عليهم بنو لِحيان، حيٌّ من هذيل، فاستل الصحابة سيوفهم، فقال لهم الأعداء: لكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم رجلًا، فرفض عاصم، وقاتل حتى قتل، مع نَفَرٍ من أصحابه، وأسِرَ البقيَّةُ، وانطلق الأعداء بِخبَيْب بن عَدي، وزيد بن الدِّثِنَّةِ، وباعوهما بمكة، فقتلهما أهل مكة ثأرا لقتلاهم في بدر.
انظر تفصيل أخبار هذه السرِيَّة في: "صحيح البخاري" (4086).
كتاب: المغازي، باب: غزوة الرجيع، و"المغازي" 1/ 354، و"سيرة ابن هشام" 3/ 160، و"الطبقات الكبرى" 2/ 55، و"تاريخ الطبري" 2/ 538.
(٤) الذي وقفت عليه عنه: قوله: (قول المنافق؛ عبد الله بن أبي بن سلول) "تفسير الطبري" 4/ 146، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 799.
وقد أورده السيوطي في "الدر" 2/ 158، إلا أن لفظه عنده: (هذا قول عبد الله بن أبي بن سلول، والمنافقين).
ونسبه السيوطي إخراجه لهما، وزاد نسبته للفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 69، و"تفسير الطبري" 4/ 146، و"تفسير أبن أبي حاتم" 3/ 798.
(٦) ذكر القولِين: الثعلبي في: "تفسيره" 3/ 135 ب، ولم يعزهما لقائل.
ورجح ابن == عطية القولَ بأنها أخُوَّةُ النَسَبِ، قائلا: (لأن قَتْلَى أُحُد كانوا من الأنصار، أكثرهم من الخزرج، ولم يكن فيهم من المهاجرين إلا أربعة).
"المحرر" 3/ 389.
(٧) من قوله: (وكان ..) إلى نهاية بيت الشعر: (..
ما كان في غد): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن"، للفراء 1/ 243 - 244، وأضاف إليه -مُلَفِّقا- بعضًا مِن كلام ابن الأنباري الذي أورده الأزهري في "التهذيب" 1/ 137 (إذ).
وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري 121.
(٨) (أ)، (ب)، (ج): (إذا).
وهي خطأ.
والمثبت من "معاني القرآن".
وهي الصواب.
(٩) (ضربتك إذ قمت ولا تقول): ساقطة من (ج).
(١٠) في (ج): (بمعنى) بدلًا من: (في معنى).
(١١) يقول ابن عطية: (ودخلت (إذا) في هذه الآية -وهي حرف استقبال-؛ من حيث (الذين) اسمٌ فيه إبهام، ويعمُّ مَنْ قال في الماضي ومَنْ يقول في المستقبل، ومن حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان).
المحرر 3/ 389.
(١٢) في (أ)، (ب): (بقوله).
وساقطة من (ج).
وليست في "معاني القرآن"، والمثبت هو ما اسْتَصْوَبْتُه.
ومن قوله: (بقوله ..) إلى (..
بمعنى الاستقبال): ساقط من (ج).
(١٣) في (ج): (كفروا).
(١٤) في (أ)، (ب): (إذا).
والمثبت من (ج).
وهو الصواب.
(١٥) في (ج): (أشبههما).
(١٦) في "معاني القرآن" له 1/ 244.
(١٧) البيت للطِّرِمّاح بن حكيم الطائي، وهو في: ذيل ديوانه 572، وورد منسوبًا له، في: "أمالي بن الشجري" 1/ 67، 2/ 53، 453، و"اللسان" 7/ 3962 (كون).
وورد غير منسوب في: "معاني الفراء" 1/ 180، و"تفسير الطبري" 4/ 148، و"الخصائص" 3/ 331، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 398، و"المحرر الوجيز" 3/ 390.
وردت روايته عند ابن الشجري: (من الود)، و (من البر)، و (من الأمس) بدلًا من: (من الأمر).
كما وردت روايته: (..
في الغد).
وفي "اللسان" (واستنجاز ما كان == في غد).
وفي جميع المصادر السابقة -ما عدا "معاني القرآن"- ورد: (وإني)، والصواب ما ورد في الديوان، و"معاني الفراء" (فإني)؛ لأن جوابٌ للشرط الوارد في البيت الذي قبله، وهو: مَنْ كان لا يأتيك إلا لحاجة ...
يروح بها فيما يروح ويغتدي (١٨) في (ج): (وأجاب).
(١٩) في كتاب "الأضداد" له 150 - 152.
وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري 119، فقد ناقش هذا الأمر، وأورد قول الأخفش هذا.
(٢٠) البيت لأبي النجم العجلي.
وقد ورد منسوبًا له في: المصادر السابقة، و"تفسير الطبري" 7/ 137، و"الصاحبي" 196، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 67، 153، و"اللسان" 5/ 2716 (طها)، 1/ 50 (إذ) ولم يشبه هنا.
وورد غير منسوب في: "تهذيب اللغة" 1/ 138.
وقد ورد في كل المصادر السابقة: (..
جزاه الله عنا).
(العلالي)، جمع: عُلِّيَّة -بكسر العين وضمها-، وهي الغُرْفة العالية في البيت.
وأراد هنا (عِلِّيِّينَ) الواردة في القرآن.
و (العُلَى)، جمع: عُلْيا.
انظر: "عمدة الحفاظ" 379، 380 (علو).
(٢١) في (ج): (إذ يجزي).
وفي "الأضداد"، لقطرب، وابن الأنباري: إذا جزى.
(٢٢) لم أقف على مصدر قوله، وليس هو في كتابه "الأضداد" الذي تعرض فيه لهذه المسألة.
(٢٣) في (أ): (وضُعَ).
وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل.
وما أثبته هو ما استصوبته.
(٢٤) انظر هذه المسألة في: "تفسير الطبري" 4/ 147 - 148، و"تهذيب اللغة" 1/ 138 (إذ)، و"اللسان" 1/ 50 (تفسير إذ).
(٢٥) في (ب): (الغز).
(٢٦) (العُفَّى، والعافِيَةِ والعُفَاة)؛ كلها جمعُ (عافٍ) و (مُعْتَفٍ)، وهو: كلُّ مَن جاءك يطلب رزقًا أو معروفًا، ويقال: (وفلان تَعْتَفِيه الأضيافُ) أو (هو كثير العُفَّى أو العافية)؛ أي: كثير الأضياف.
انظر: "اللسان" 5/ 3019 (عفا).
(٢٧) في (أ): (خراب) بالخاء.
والمثبت من: (ب)، (ج)، و"معاني القرآن" للزجاج.
(٢٨) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (107)، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 481 - 482، و"تفسير الطبري" 4/ 147، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 372 - 373، و"الدر المصون" 3/ 454، وقال: (ويقال: غُزَّاء -بالمد، أيضًا-، وهو شاذ).
(٢٩) في (أ)، (ب): (عمر).
والمثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة" 3/ 2661 - 2662؛ حيث نقل قول عمرو عنه بنصه.
وعمرو هو: ابن أبي عمرو الشيباني (إسحاق بن مرار).
(٣٠) قوله في: المصدر السابق 3/ 2662.
(٣١) في (أ)، (ب): (الزياد).
والمثبت من (ج)، وهو الصواب؛ لأن اسمه (زياد) في المصادر التي تَرْجَمَت له، وليس (الزياد).
وفي "التهذيب" (وقال زياد الأعجم).
وهو: زياد بن سَلْمَى، وقيل: زياد بن جابر بن عمرو بن عامر، من عبد القيس، وقيل له الأعجم، لِلُكْنَة كانت فيه، شاعر إسلامي، شهد فتح إصطخر، وتوفي في حدود المائة للهجرة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 279، و"معجم الأدباء" 3/ 352.
(٣٢) (وما قتلوا): ليس في (ج).
(٣٣) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب)، والمُثبت من (ج).
(٣٤) في (ب): (حضروا).
(٣٥) في (أ): (اشتد).
وفي (ب): (واشتد).
والمثبت من (ج).
(٣٦) في (ب): (فيما).
(٣٧) من: (أي ..) إلى (..
في علم الله): نقله -بتصرف يسير جدًا- عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 824.
(٣٨) في (أ) ، (ب)، (ج): (وطلبًا).
ولم أر للواو وجهًا -هنا- فحذفتها.
(٣٩) انظر: المصدر السابق، و"تفسير الطبري" 4/ 148.
(٤٠) لم أقف على مصدر هذه الرواية.
(٤١) في (ج): (لأولياء).
(٤٢) في (ج): (فاللام).
(٤٣) في (ب): (تتعلق).
(٤٤) ما بين المعقوفين زيادة أضفتها لتستقيم بها العبارة (٤٥) وتُسمَّى لام الصيرورة، ولام المآل.
(٤٦) سورة القصص: 8.
وبقيتها: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾ .
وينسب القول بأن اللام -هنا- لام الصيرورة، للأخفش، وليس هو رأي أكثر النحويين.
قال ابن هشام: (وأنكر البصريون ومن تابعهم، لامَ العاقبة.
قال الزمخشري: والتحقيق أنها لام العلة، وأن التعليل فيها وارد على طريق المجاز، دون الحقيقة، وبيانه: أنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عَدُوًّا وحَزَنا، بل المحبةَ والتَّبنِّي، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شُبِّه بالداعي الذي يُفعَلُ الفعل لأجله.
فاللام مستعارة لما يشبه التعليل، كما استعير الأسدُ لمن == يشبه الأسدَ).
"مغني اللبيب" 283.
وانظر: كتاب "معاني الحروف" للرماني 56، و"الدر المصون" 3/ 454 - 456، و"همع الهوامع" 4/ 200.
(٤٧) قرأ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ بالياء: ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف.
وقرأ الباقون: نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ بالتاء.
انظر: "السبعة" 217، و"الحجة" للفارسي 3/ 91، و"المبسوط" لابن مهران 148، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 181.
(٤٨) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ ﴾ أي المنافقين ﴿ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ هي أخوة القرابة، لأن المنافقين كانوا من الأوس والخزرج، وكان أكثر المقتولين يوم أحد منهم، ولم يقتل من المهاجرين إلاّ أربعة ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض ﴾ أي سافروا وإنما قال: إذا التي للاستقبال مع قالوا، لأنه على حكاية الحال الماضية ﴿ أَوْ كَانُواْ غُزًّى ﴾ جمع غاز وزنه فُعَّل بضم الفاء وتشديد العين ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا ﴾ اعتقاد منهم فاسد؛ لأنهم ظنوا أن أخوانهم لو كانوا عندهم لم يموتوا ولم يقتلوا، وهذا قول من لا يؤمن بالقدر والأجل المحتوم، ويقرب منه مذهب المعتزلة في القول بالأجلين ﴿ لِيَجْعَلَ ﴾ متعلق بقالوا.
أي قالوا ذلك فكان حسرة في قلوبهم، فاللام لام الصيرورة لبيان العاقبة ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قولهم واعتقادهم الفاسد الذي أوجب لهم الحسرة، لأن الذي يتيقن بالقدر والأجل تذهب عنه الحسرة ﴿ والله يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ رد على قولهم واعتقادهم ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ ﴾ الآية إخبار أن مغفرة الله ورحمته لهم إذا قتلوا وماتوا في سبيل الله خير لهم مما يجمعون من الدنيا ﴿ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ ﴾ الآية إخبار أن من مات أو قتل فإنه يحشر إلى الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الرعب ﴾ بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب.
الباقون: يسكون العين - ﴿ ومأواهم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ ولقد صدقكم ﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل ﴿ وتغشى ﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بياء الغيبة ﴿ كله ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون: بالنصب ﴿ يعملون بصير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة.
الباقون: بالخطاب ﴿ متم ﴾ و ﴿ متنا ﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلاههنا لجوار ﴿ قتلتم ﴾ الباقون: بضم الميم من مات يموت.
﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.
/ الوقوف: ﴿ سلطاناً ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ النار ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن "حتى" تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران "إذا" مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره.
والوقف على ﴿ تحبون ﴾ ظاهر في الوجهين.
﴿ الآخرة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿ صرفكم ﴾ على الجواب المحذوف.
﴿ ليبتليكم ﴾ ج ﴿ عفا عنكم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أصابكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ طائفة منكم ﴾ (لا) لأن الواو للحال.
﴿ الجاهلية ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ يبدو لك ﴾ ط ﴿ ههنا ﴾ ط ﴿ مضاجعهم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم.
﴿ وليبتلي ﴾ ﴿ ما في قلوبكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ الجمعان ﴾ (لا) لأن إنما خبر إن ﴿ كسبوا ﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ وما قتلوا ﴾ ج لأن لام ﴿ يجعل ﴾ قد يتعلق بقوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ تجمعون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ لنت لهم ﴾ ج لأن الواو للعطف و"لو" للشرط ﴿ من حولك ﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿ الأمر ﴾ ج لفاء التعقيب مع "إذا" الشرطية ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المتوكلين ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.
التفسير: إنه يذكر في هذه الآيات وجوهاً كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار.
من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام في جميع الأوقات.
الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أنا سنتلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين على سائر الأديان، ويؤيده قوله " نصرت بالرعب مسيرة شهر " وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة.
قال السدي: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق.
ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا.
قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم.
فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت الآية" .
وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة - يعني رسول الله - أين ابن أبي قحافة؟
أين ابن الخطاب؟
فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى.
والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعاً ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار.
وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه.
ولكن ظاهر قوله: ﴿ في قلوب الذين كفروا ﴾ يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم.
إما في الحرب وإما في المحاجة.
وقيل: إنه مخصوص بأولئك الكفار.
﴿ بما أشركوا ﴾ أي بسبب إشراكهم بالله.
وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول: إذا كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة.فيلزم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة.
كيف وإنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً؟
﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ الهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.
والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر.
قال الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر.
وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته.
ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب نفيه.
ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه.
ويكفي في رفع هذه الحاجةإثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته.
أقول: هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك.
ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال: ﴿ ومأواهم ﴾ أي والمكان الذي يأوون إليه ﴿ النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ﴾ / تستأصلونهم قتلاً.
قال أصحاب الاشتقاق: حَسَّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه.
﴿ بإذنه ﴾ بعلمه.
وقيل: المراد بهذا الوعد أنه رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء.
وقيل: هو ما ذكره من قوله ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ﴾ إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط هو الصبر والتقوى.
وقيل: المراد هو "أن الرسول قال للرماة: لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين مادمتم فيه.
فلما أقبل المشركون جعل الرماة: يرشقون خليهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم.
وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ " قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب.
والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطاً بالصبر.
وقال آخرون: إنه للمجازاة.
ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه.
وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة.
والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم في رسول الله وثالثها قال أبو مسلم: جوابه ثم صرفكم.
و "ثم" ههنا كالساقطة.
وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم فريقين.
والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة.
فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله أن لا نبرح هذا المكان.
فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون.
وقوله: ﴿ في الأمر ﴾ إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.
وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ﴾ وفائدة قوله: ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان / من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم.
قوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباًَ حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة.
ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه.
وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وأيضاً إنه عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟
فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوهاً.
قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو.
ألا ترى أن النبي ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وبإذنه.
ثم قال ﴿ ليبتليكم ﴾ والمراد أنه لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين.
ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية مشتلمة على المعذورين، في الانصراف وعلى غير المعذورين.
فقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ يرجع إلى المعذورين، وقوله ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يرجع إلى غير المعذورين.
وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله .
وقال الكعبي: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ﴿ ليبتليكم ﴾ بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم.
وقال أبو مسلم الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم، ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم.
قال القاضي: ظاهر قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يقتضي تقدم ذنب منهم.
فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو.
وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك / المخالفة سبباً لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة.
ثم إن ظاهر الآية دل على أنه قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة فصارت الآية دليلاً على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر.
﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة, وقد يستدل بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة من أنه لا مؤمن ولا كافر.
قوله : ﴿ إذ تصعدون ﴾ إما مستأنف بإضمار "واذكر" وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه.
أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها.
قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى اعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ ولا تلوون على أحد ﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته.
﴿ والرسول يدعوكم ﴾ كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة.
فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو.
﴿ في أخراكم ﴾ في سابقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه وبقي هو في الجماعة المتأخرة.
يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى.
﴿ فأثابكم ﴾ قال في الكشاف: إنه عطف على صرفكم.
وأقول: لا يبعد أن يعطف على ﴿ تصعدون ﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي رجع.
والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها.
فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.
فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب.
أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور.
والباء في ﴿ بغم ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة.
أما الاحتمال الأول ففيه وجوه: قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام.
وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.
وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين.
وفي الكشاف: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ / للرسول أي فآساكم في الاغتنام.
فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها.
وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يكون هناك غمان: الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة.
أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً.
أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين.
أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول .
أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة.
وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها.
ثم اللام في قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ لأن في عفوه ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ فأثابكم ﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله.
وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائده.
قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم من الله خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء.
وأما المعتزلة فإنهم يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.
وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال.
وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ.
وإن جعلت الباء بمعنى "مع" فالمعنى كما في قول الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى.
ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال: ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ عالم بجميع / أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.
ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر لأديان، فخاطب الجماعة بقوله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ وأراد هؤلاء بقوله: ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة.
والنعاس فتور في أوائل النوم.
وانتصاب ﴿ أمنة ﴾ على أنها حال متقدمة من ﴿ نعاساً ﴾ مثل: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبارّ وبررة، أو على أنه مفعول ﴿ أنزل ﴾ و ﴿ نعاساً ﴾ بدل منه.
قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلاّ ويميل تحت حجفته.
وعن الزبير: كنت مع الرسول حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم.
والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: ﴿ ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.
وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.
وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهره جديدة له موجبة لزيادة وثوقهم بأن الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد.
ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط.
ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة.
ومنها أن الأعداء كانوا حراصاً متهالكين في قتلهم.
فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ الله ولكلاءته معهم.
ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس ههنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة.
واعلم أن من قرأ ﴿ تغشى ﴾ بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع.
ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر ﴿ إذ يغشيكم النعاس ﴾ ولأن العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشية الأمن، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئاً واحداً كان التذكر أولى.
وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم لا همَّ الدين ولا همَّ النبي ولا المسلمين.
والهمّ / الأمر الشديد.
ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه.
فالمعنى أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات.
والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم فلم يكن لهم هناك إلا هَمُّ أنفسهم.
﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ وهو في حكم المصدر أي غير الظن الحق الذي يحب أن يظن به.
و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ بدل منه.
والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل الجاهلية فذكر أولاً أنهم يظنون بالله ظناً باطلاً، ثم بين أنهم اختاروا من الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة.
أو ﴿ ظن الجاهلية ﴾ مصدر و ﴿ غير الحق ﴾ تأكيد لـ ﴿ يظنون ﴾ كقولك: هذا القول غير ما تقول.
و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ كقولك: حاتم الجود ورجل صدق.
مما أضيق للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام.
أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله.
فالجاهلية مصدر كالعالمية القادرية.
قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي إن الله يقوّيهم وينصرهم.
وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً حقاً لم يسلط الله الكفار عليه، وهذا ظن فاسد.
أما عند أهل السنة فلأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلقة لم يجب أن يشرفه بأخرى.
وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية.
ولو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس إلى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف واستحقاق الثواب والعقاب.
وإنما يعرف كون الإنسان محقاً بالدلائل والبينات، ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية صاحبها والله أعلم.
﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ حكاية شبهة تمسك بها أهل النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار.
وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها.
ونظيره ما حكى عنه ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، وإذا كانت لعدوّه قالوا عليه الأمر.
أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به محمد وهو النصر والقدرة شيء؟
وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟
والغرض منه تعيير المسلمين على التسديد في / الجهاد، فأمره الله أن يجيب عنها بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ والحوادث بأسرها مستندة إلى قضائه وقدره.
فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة.
﴿ يخفون في أنفسهم ﴾ في ضمائرهم أو فيما بينهم ﴿ ما لا يبدون لك ﴾ وذلك المخفي قولهم: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ أي لو كان هذا الدين حقاً لما سلط الله الكفار على من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن بد من وجوده.
فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده.
وقيل: معناه لو تخلفتم أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ﴾ خص الابتلاء بما في الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء محله القلب الذي في الصدر.
والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب.
واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب.
أما نسقه فقوله: ﴿ وطائفة ﴾ مبتدأ و ﴿ أهمتهم ﴾ صفته و ﴿ يظنون ﴾ خبره.
ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، و ﴿ يظنون ﴾ صفة أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه اليبان للجملة قبلها، و ﴿ يقولون ﴾ بدل من ﴿ يظنون ﴾ أو بيان له.
وإنما صح وقوع القول الذي مقوله إنشاء بدلاً من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادراً عن الظن و ﴿ يخفون ﴾ حال من ﴿ يقولون ﴾ و ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ ﴿ كله ﴾ بالرفع فلأنه مبتدأ و ﴿ لله ﴾ خبره، والجملة خبر "إن".
ومن قرأ بالنصب فلكونه تأكيداً للأمر و ﴿ لله ﴾ خبر "إن" كما لو قلت: إن الإمر أجمع لله.
وقوله: ﴿ يقولون ﴾ استئناف، وقوله: و ﴿ وليبتلي ﴾ تقدم ذكره في الوقوف.
وأما نظمه فإنه لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظاناً بل شاكاً في حقية هذا الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء.
ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يشكف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا / يبدون لك ﴾ أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم؟
فقيل ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وقد مر تفسيره.
ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل ههنا؟
فيكون كالطعن في قوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ قال في التفسير الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي.
فذاك يقول: الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله.
وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر.
فأمر النبي أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لايرد القدر، والتدبير لا يبطل التقدير.
وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق ما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات.
ثم قال: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح.
قوله عز من قائل: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.
ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله قتل.
ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن: أعن رسول الله تفرون؟
وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل أغزل.
وقال بعض الرواة: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.
قال القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي .
ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي : لقد ذهبتم فيها عريضة.
وأما الذين ثبتوا مع الرسول فكانوا أربعة عشر رجلاً.
سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام.
وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.
وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير.
وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن / حنيف.
ثم لم يقتل منهم أحد, وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ تقول: زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق.
والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها.
والباء في ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ للاستعانة مثلها في: كتبت بالقلم.
والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي.
وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة.
فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطيئن فيه, وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة.
وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.
وإنما قال: ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله: ﴿ لها ما كسبت ﴾ أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله كقوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.
ويحتمل أن تكون الباء بمعنى "في" أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال.
إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.
وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها.
﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز.
بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟
والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله.
ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟
قالت المعتزلة: كلاهما محتمل.
لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية.
قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر.
قالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص.
وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.
/ ثم ندب إلى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ﴾ قيل: إنه عام.
وقيل: يعني المنافقين.
وقيل: منافقي يوم أحد كعبد الله بن أبيّ وأصحابه.
وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافراً ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخوانهم مثل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وذلك أنهم قالوا: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ والميت والمقتول لا يكلم.
وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم.
ومعنى الأخوة اشتراك النسب.
فلعل المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين.
أو اتفاق الجنس فلعل بعض المنافقين صار مقتولاً في بعض الغزوات.
والضرب في الأرض الإبعاد فيها للتجارة وغيرها.
والغزو قصد محاربة العدو قريباً كان أو بعيداً.
والفاعل غاز والجمع غُزَّىً مثل: سابق وسبق، وراكع وركع، وإنما قال: ﴿ إذا ضربوا ﴾ دون "إذ ضربوا" أو "حين ضربوا" ليشاكل في المعنى قوله: ﴿ وقالوا ﴾ لأنه أراد حكاية الحال الماضية.
والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.
فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: "قالوا" ويجوز أن يكون ﴿ قالوا ﴾ في تقدير "يقولون" لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في المستقبل مثل ﴿ أتى أمر الله ﴾ وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع.
ويمكن أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة.
وقال قطرب: كلمة "إذ" و "إذا" يجوز إقامة كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غير حجة عليه، قال الواحدي: في الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
وأما اللام في قوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ ففي متعلقه وجهان: الأول أنه ﴿ قالوا ﴾ أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله : ﴿ فلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟
فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من الأسف.
وقيل: / لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة.
وقيل: المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين.
وقيل: المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها.
وقيل: الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة.
الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: ﴿ لا تكونوا ﴾ وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم ﴿ والله يحيي ويميت ﴾ رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له.
فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد.
فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له.
عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أناذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.
وفي أمثالهم "الشجاع موقى والجبان ملقى".
وكان عليّ يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذين نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ فلا تكونوا مثلهم.
ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيداً لهم.
ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: ﴿ لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ﴾ شيء من مغفرته ورحمته ﴿ خير مما يجمعون ﴾ فاللام الأولى هي الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى.
والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر.
ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله.
وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا.
وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.
ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم.
وإنما كانت المغفرة والرحمة خيراً من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيراً.
وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعاً من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، / وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه؟
فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ثم رغبهم بنوع آخر فقال: ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾ كأنه قيل: إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياماً قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية.
وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، الثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا.
ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها.
وفي قوله: ﴿ لإلى الله تحشرون ﴾ لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.
ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة.
ومنها بناء ﴿ تحشرون ﴾ على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره.
ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته.
ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون.
واعلم أنه ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه.
فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً في ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة.
فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه، وما أحسن هذا النسق!
يروى أن عيسى مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟
فقالوا: نخشى عذاب الله.
فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه.
ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة.
فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته.
ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات / العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة.
فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون.
قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: ﴿ ولئن متم أو قتلتم ﴾ عطفاً للشيء على نفسه.
قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم.
ثم إنه لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك ان عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم.
روي "أن امرأة عثمان دخلت على النبي - وكان النبي وعلي يغسلان السلاح - فقالت: ما فعل عثمان؟
أما والله لا تجدونه أمام القوم.
فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم.
فقال رسول الله : مه" .
وروي أنه قال حينئذٍ: "أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا." ولما دخل عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة.
وعنه أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وقال : " لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقة، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقة" فلما كان إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً لأن الغرض من البعثة - وهو التزام التكاليف - لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة.
وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان.
كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة.
واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق.
ولما كان أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس / كما قال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ و "ما" مزيدة للتوكيد.
أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى.
وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة.
وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً.
وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة.
وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله .
فلا رحمة بالحقيقة إلا له.
ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمته عوضاً كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض.
وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها.
فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم.
ثم بيّن أن الحكمة في لين جانبه ما هي فقال: ﴿ ولو كنت فظاً ﴾ سيء الخلق وأصله فظظ كحذر.
فظظت يا رجل بالكسر فظاظة ﴿ غليظ القلب ﴾ قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه "فض الختام".
ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك.
ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب ﴾ تشافههم بالملامة على ذلك ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم.
وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ وقال في إقامة حد الزنا: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ ومثله ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴾ ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ فيعلم من المدح على اللين في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل "لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى".
واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر.
وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة في حق جميع المكلفين.
فكل ما فعله مع محمد من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب.
فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء.
فلا يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، / وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره.
والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من الله.
ثم قال: ﴿ فاعف عنهم ﴾ فيما يختص بك {واستغفر لهم{ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم.
قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة.
ثم قال: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها.
وقيل: من شرت الدابة شوراً عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت.
والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشواراً.
يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.
وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء.
وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم.
ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا.
ومنها قال الحسن وسفيان بن عبيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة.
ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم.
ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال : " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وهذا هو السر في الجماعات والجمعات.
ومنها أنه ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالاً مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة.
ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى, وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا؟
قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ ﴿ الأمر ﴾ ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس / ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد.
وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة.
ومنهم من قال: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأموراً بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة, وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب.
وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال: وهذا كقوله : " "البكر تستأمر في نفسها " ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها فكذا ههنا.
﴿ فإذا عزمت ﴾ أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿ فتوكل على الله ﴾ لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن.
عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ فإذا عزمت ﴾ بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحداً.
﴿ إن ينصركم الله ﴾ عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد ﴿ وإن يخذلكم ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ أي من بعد خذلالنه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك "ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان" تريد إذا جاوزته.
وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء؟
فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الأدخال فيه.
﴿ وعلى الله ﴾ وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه.
وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده.
التأويل: ﴿ ولقد صدقكم الله ﴾ أيها الطلاب ﴿ وعده ﴾ ألا من طلبني وحدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر / الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿ من بعد ما أراكم ﴾ الدليل بالتربية ﴿ ما تحبون ﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة.
قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال: ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.
ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة.
فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة.
وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ ظن الجاهلية ﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره.
هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء؟
﴿ ما قتلنا ههنا ﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم ﴾ أيها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ﴿ يوسوس في صدور الناس ﴾ ﴿ وليمحص ما في قلوبكم ﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم.
﴿ ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ﴾ ليعلم أن الله في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو.
ومن هنا قال: " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا / ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان.
لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون.
وباقي الحقائق قد مرت في التفسير.
وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك الوقى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن، وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها.
ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عزّ وجلّ -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى ﴾ الآية.
اختلف في قوله - -: ﴿ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ، قال بعضهم: نهى المؤمنين أن يكونوا كالذين كفروا في السرّ والعلانية.
﴿ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ ﴾ ، يعني: المنافقين، ﴿ لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ﴾ .
وقيل: لا تكونوا كالمنافقين قالوا لإخوانهم - يعني: لبعضهم -: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
وقيل: قالوا لإخوانهم، يعني: المؤمنين الذين تولوا، وهم كانوا إخوانهم في النسب، وإن لم يكونوا إخوانهم في الدين والمذهب.
لا حاجة لنا إلى معرفة قائله من كان، ولكن المعنى ألا يقولوا مثل قولهم لمن قتل.
وقوله: ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، يعني: إذا ضربوا في الأرض تجاراً أو "غزى"، أي: غزاة.
وقيل: قوله: ﴿ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أو كانوا غزاة على إسقاط الألف.
وقوله - عزّ وجل -: ﴿ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ : أي: ليجعل الله ذلك القول الذي قالوا حسرة يتردد في أجوافهم.
ويحتمل قوله: ﴿ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً ﴾ يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ ﴾ .
أي: والله يحيي من ضرب في الأرض وغزا، ويميت من أقام ولم يخرج غازياً، أي: لا يتقدم الموت بالخروج في الغزو، ولا يتأخر بالمقام وترك الخروج، دعاهم إلى التسليم، إنما هي أنفاس معدودة، وأرزاق مقسومة، وآجال مضروبة، ما لم يفناها واستوفاها وانقضى أجلها: لا يأتيها.
﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ : وعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ ﴾ : أي أن الموت إن كان لا بدّ نازل بكم؛ فقتلكم أو موتكم في طاعة الله وجهاده خير من أن ينزل بكم في غير طاعة الله وسبيله.
﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ : من الأموال.
﴿ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ ﴾ : أي: إن متم على فراشكم، أو قتلتم في سبيل الله - فإليه تحشرون، فمعناه - والله أعلم - أي: إن لم تقدروا على أن لم تحشروا إليه، كيف تقدرون ألا ينزل على فراشكم بكم الموت، وإن أقمتم في بيوتكم؛!
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، لا تكونوا مثل الكفار من المنافقين، ويقولون لأقاربهم إذا سافروا يطلبون رزقًا، أو كانوا غُزَاة فماتوا أو قتلوا: لو كانوا عندنا ولم يخرجوا، ولم يغزوا لم يموتوا ولم يقتلوا، جعل الله هذا الاعتقاد في قلوبهم ليزدادوا ندامة وحزنًا في قلوبهم، والله وحده هو الذي يحيي ويميت بمشيئته، لا يمنع قَدَرَه قعود ولا يُعَجلُه خروج، والله بما تعملون بصير، لا تخفى عليه أعمالكم، وسيجازيكم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.0bz78"
يقول بعض المفسرين إن هذا القول وقع من بعض الكفار فعلًا فنهى الله المؤمنين أن يقولوا مثله، والمختار أن هذا القول لا يصدر إلا عن كافر فلا يليق مثله بالمؤمنين.
أما وقد سأل سائل الآن عن مسألة القضاء والقدر فإنني أجيب السائل بمثل ما أجبت به من سألني عن ذلك من غير المسلمين إذ قال: "إن هذه العقيدة هي السبب في تأخر المسلمين عن غيرهم من الأمم، فإنهم ينكرون الأسباب ولا يحفلون بها".
فقلت له: إن ما ينتقد على المسلمين من ذلك لا يرجع منه شيء إلى الإسلام الخالص، فما قرره فهو الحق الواقع في نفسه الذي لا يمكن لمؤمن ولا ملحد إنكاره، إن القضاء عبارة عن تعلق العلم الإلهي بالشيء، والعلم انكشاف لا يفيد الإلزام، والقدر وقوع الشيء على حسب العلم، والعلم لا يكون إلا مطابقًا للواقع وإلا كان جهلًا، أو الواقع غير واقع وهو محال، وهنا أمران كل منهما ثابت في نفسه: أحدهما: أن الله خالق كل شيء.
وثانيهما: أن هذا النوع من المخلوقات الذي يسمى "الإنسان" يعمل أعماله بقصد واختيار، ولكنه غير تام القدرة ولا الإرادة ولا العلم، فقد يعزم على العمل ثم تنفسخ عزيمته لتغير علمه بالمصلحة أو لعجزه عن تنفيذ ما عزم عليه مع بقاء علمه بأنه هو الموافق للمصلحة، وذلك لمرض يلم به أو مانع يحول دون ما أراده، وهذا يقع مع الناس كل يوم ولكنهم قد يغفلون عنه ويغترون بما ينفذ من عزائمهم فيظنون أن الإنسان يفعل ما يشاء.
جاء مصر رجلان من الأوروبيين الذين جرت عادة أمثالهم بأن يحددوا مدة سفرهم ومقامهم في كل بلد يزورونه قبل الشروع في السفر، وكان مما كتباه في برنامج سفرهما أنهما يقيمان بمصر ستة أيام، فمرض أحدهما فاضطر إلى أن يمد في مدة السفر بغير حساب، وهكذا شأن الإنسان يعزم فيعمل، أو يعجز أو يموت قبل التمكن من العمل، فاختياره في أعماله وقدرته عليها ومعرفته الأسباب وقيامها به كل ذلك له حدود لا يتجاوزها، فهو لا يحيط علمًا بأسباب الموت ولا يقدر على اجتناب كل ما يعمل من أسبابه، وما كل سبب يتعرض له يقع، فجميع الذين يصطلون بنار الحرب يعرضون أنفسهم للقتل، وقد يسلم أكثرهم ويقتل أقلهم.
﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ أي لا تكونوا يا معشر المؤمنين مثل أولئك الكافرين في اعتقادهم ولا تقولوا مثل قولهم الناشئ عن ذلك الاعتقاد.
﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أي إن الحياة والممات بيد الله تعالى وهو ممد الموجودات كلها بما يحفظ وجوده، والعالمين بحياتهم وموتهم، فلا يليق بالعاقل أن يقول لمن أماته لو كان في مكان كذا لما مات بل كانت حياته أطول، وهناك علة أخرى من علل النهي عن مثل ذلك القول وهي ما أفاده قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ وبيان ذلك أن حظ الحي من هذه الحياة هو ما يجمعه من المال والمتاع الذي تتحقق به شهواته وحظوظه، وما يلاقيه من يقتل أو يموت في سبيل الله من مغفرته تعالى ورحمته فهو خير لي من جميع ما يتمتع به في هذه الدار الفانية، والموت في سبيل الله هو الموت في أي عمل من الأعمال التي يعملها الإنسان لله أي سبيل البر والخير التي هدى الله الإنسان إليها ويرضاها منه، وقد يموت الإنسان في أثناء الحرب من التعب أو غير ذلك من الأسباب التي يأتيها المحارب في أثنائها فيكون ذلك من الموت في سبيل الله .
﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ : إنه ليس لله تعالى مكان يحصره فيحشر الناس ويساقون إليه، ولكن الإنسان يغفل في هذه الدار عن الله فينسى هيبته وجلاله وينصرف عن استشعار عظمته وسلطانه؛ لاشتغاله بدفع المكاره عن نفسه، وجلب اللذات والرغائب لها، وأما ذلك اليوم يحشر له الناس فلا اشتغال فيه بتقويم بنية، ولا التمتع بلذة، ولا مدافعة عدو، ولا مقاومة مكروه، ولا بتربية نفس، ولا تنزيه حس، وإنما يستقبل فيه كل أحد ما يلاقيه من الله تعالى جزاء على عمله لا يشغله عنه شيء فيكون بذلك راجعًا عن كل شيء كان فيه إلى الله تعالى محشورًا مع سائر الناس إليه لا يشغلهم عنه شيء.
وإذا كان هذا مصير كل من يموت أو يقتل إلى الله تعالى مهما كان سبب موته أو قتله ومهما طالت حياته فالاشتغال بذكر سبب هذا المصير ومبدأه لا يفيد وإنما الذي يفيد هو الاهتمام بذلك المستقبل، والاشتغال بالاستعداد له وذلك دأب العقلاء من المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"