الآية ١٥٥ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥٥ من سورة آل عمران

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ ۖ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ١٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٥ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٥ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ) أي : ببعض ذنوبهم السالفة ، كما قال بعض السلف : إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها .

ثم قال تعالى : ( ولقد عفا الله عنهم ) أي : عما كان منهم من الفرار ( إن الله غفور حليم ) أي : يغفر الذنب ويحلم عن خلقه ، ويتجاوز عنهم ، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان ، رضي الله عنه ، وتوليه يوم أحد ، وأن الله [ قد ] عفا عنهم ، عند قوله : ( ولقد عفا عنكم ) ومناسب ذكره هاهنا .

قال الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا زائدة ، عن عاصم ، عن شقيق ، قال : لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة ، فقال له الوليد : ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان ؟

فقال له عبد الرحمن : أبلغه أني لم أفر يوم عينين - قال عاصم : يقول يوم أحد - ولم أتخلف عن بدر ، ولم أترك سنة عمر .

قال : فانطلق فخبر ذلك عثمان ، قال : فقال : أما قوله : إني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه ، فقال : ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ) وأما قوله : إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت ، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم ، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم فقد شهد .

وأما قوله : " إني لم أترك سنة عمر " فإني لا أطيقها ولا هو ، فأته فحدثه بذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين ولَّوا عن المشركين، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وانهزموا عنهم.

* * * وقوله: " تولَّوا "،" تفعَّلوا "، من قولهم: " ولَّى فلان ظهره ".

(23) * * * وقوله: " يوم التقى الجمعان "، يعني: يوم التقى جمعُ المشركين والمسلمين بأحد =" إنما استزلهم الشيطان "، أي: إنما دعاهم إلى الزّلة الشيطانُ.

* * * وقوله " استزل "" استفعل " من " الزلة ".

و " الزلة "، هي الخطيئة.

(24) * * * =" ببعض ما كسبوا "، يعني ببعض ما عملوا من الذنوب (25) .

=" ولقد عفا الله عنهم "، يقول: ولقد تجاوز الله عن عقوبة ذنوبهم فصفح لهم عنه (26) =" إن الله غفور "، يعني به: مغطّ على ذنوب من آمن به واتبع رسوله، بعفوه عن عقوبته إياهم عليها =" حليم "، يعني أنه ذو أناة لا يعجل على من عصاه وخالف أمره بالنقمة.

(27) * * * ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين عُنوا بهذه الآية.

فقال بعضهم: عني بها كلُّ من ولَّى الدُّبُرَ عن المشركين بأحد.

*ذكر من قال ذلك: 8098- حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه قال: خطب عمر يوم الجمعة فقرأ "آل عمران "، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله: " إنّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان "، قال: لما كان يوم أحد هزمناهم، ففررتُ حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنـزو كأنني أرْوَى، (28) والناس يقولون: " قُتل محمد "!

فقلت: لا أجد أحدًا يقول: " قتل محمد "، إلا قتلته!.

حتى اجتمعنا على الجبل، فنـزلت: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان "، الآية كلها.

(29) 8099- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان "، الآية، وذلك يوم أحد، ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبيّ الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنـزل الله عز وجل ما تسمعون: أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم.

8100- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان "، الآية، فذكر نحو قول قتادة.

* * * وقال آخرون: بل عني بذلك خاصٌّ ممن ولَّى الدبر يومئذ، قالوا: وإنما عنى به الذين لحقوا بالمدينة منهم دون غيرهم.

*ذكر من قال ذلك: 8101- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما انهزموا يومئذ، تفرّق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم &; 7-329 &; أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، فذكر الله عز وجل الذين انهزموا فدخلوا المدينة فقال: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان "، الآية.

* * * وقال آخرون: بل نـزل ذلك في رجال بأعيانهم معروفين.

*ذكر من قال ذلك: 8102- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عكرمة قوله: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان "، قال: نـزلت في رافع بن المعلَّى وغيره من الأنصار، وأبي حُذيفة بن عتبة ورجل آخر = قال ابن جريج: وقوله: " إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم "، إذ لم يعاقبهم.

8103- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فرّ عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان -رجلان من الأنصار- حتى بلغوا الجلْعَب = (30) جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص - فأقاموا به ثلاثًا، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضةً!!

(31) 8104- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قوله: " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا " الآية، &; 7-330 &; والذين استزلهم الشيطان: عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان، الأنصاريان، ثم الزّرَقَّيان (32) .

* * * وأما قوله: " ولقد عفا الله عنهم "، فإن معناه: ولقد تجاوز الله عن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوّهم.

كما:- 8105- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قوله: " ولقد عفا الله عنهم "، يقول: " ولقد عفا الله عنهم "، إذ لم يعاقبهم.

8106- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله في تولِّيهم يوم أحد: " ولقد عفا الله عنهم "، فلا أدري أذلك العفو عن تلك العصابة، أم عفوٌ عن المسلمين كلهم؟.

* * * وقد بينا تأويل قوله: " إن الله غفور حليم "، فيما مضى.

(33) ------------------- الهوامش : (23) انظر تفسير"تولى" فيما سلف 2: 162 ، 299 / 3 : 115 ، 131 / 4 : 237 / 6 : 283 ، 291 ، 477 ، 483.

(24) انظر تفسير: "زل" فيما سلف 1: 524 ، 525 / 4: 259 ، 260.

(25) انظر تفسير"كسب" فيما سلف 2: 273 ، 274 / 3: 101 ، 128 / 4: 449 / 6 : 131 ، 295.

(26) انظر تفسير"عفا" فيما سلف من فهارس اللغة.

(27) انظر تفسير"غفور حليم" فيما سلف من فهارس اللغة.

(28) "أنزو": أثبت ، والنزو الوثب.

والأروى: أنثى الوعول ، وهي قوية على التصعيد في الجبال.

(29) الأثر: 8098-"أبو هشام الرفاعي" هو"محمد بن يزيد بن محمد بن كثير" ، مضى في رقم: 3286 ، 4557 ، 4888 ، وغيرها.

و"أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط" ، قيل اسمه"محمد" ، وقيل: "عبد الله" وقيل وقيل ، ولكن الحافظ قال: "والصحيح أن اسمه كنيته ، كان حافظًا متقنًا ، ولكنه لما كبر ساء حفظه ، فكان يهم إذا روى ، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر ، كما قال ابن حبان".

مترجم في التهذيب.

و"عاصم بن كليب بن شهاب المجنون الجرمي" ، روى عن أبيه ، وأبي بردة بن أبي موسى ، ومحمد بن كب القرظي ، وغيرهم.

روى عنه ابن عون وشعبة وشريك والسفيانان وغيرهم.

قال أحمد: "لا بأس بحديثه" ، وقال النسائي وابن معين: "ثقة".

وكان من العباد ، ولم يكن كثير الحديث.

مترجم في التهذيب.

وأبوه: "كليب بن شهاب بن المجنون الجرمي" ، روى عن أبيه ، وعن خاله الفلتان بن عاصم ، وعمر ، وعلي ، وسعد ، وأبي ذر ، وأبي موسى ، وأبي هريرة وغيرهم.

قال ابن سعد: "كان ثقة ، ورأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به".

مترجم في التهذيب.

(30) "الجلعب" ضبطه البكري بفتح الجيم وسكون اللام وفتح العين ، وضبطه ياقوت بفتح الجيم واللام وسكون العين ، وقال: وقد تناء بعضهم في الشعر كعادتهم في أمثاله فقال (من أبيات صححتها ، ففي مطبوعة معجم البلدان خطأ كثير): فَمَـا فَتِئَـتْ ضُبْـعُ الجَـلَعْبَيْنِ تَعْتَرى مَصَـارِعَ قَتْـلَى فِـي الـتُّرَابِ سِبَالُهَا (31) قوله: "لقد ذهبتم فيها عريضة" ، أي واسعة.

والضمير في قوله: "فيها" إلى"الأرض" ، يقول: لقد اتسعت منادح الأرض في وجوهكم حين فررتم ، فأبعدتم المذهب ، يتعجب من فعلهم.

هذا ، ولم أجد الأثر في سيرة ابن هشام.

(32) الأثر: 8104- لم أجد هذا الأثر أيضًا في سيرة ابن هشام.

(33) انظر ما سلف 5: 117 ، 521.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليمقوله تعالى : إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا هذه الجملة هي خبر إن الذين تولوا والمراد من تولى عن المشركين يوم أحد ; عن عمر - رضي الله عنه - وغيره .

السدي : يعني من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة دون من صعد الجبل .

وقيل : هي في قوم بأعيانهم تخلفوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت هزيمتهم ثلاثة أيام ثم انصرفوا .

ومعنى استزلهم الشيطان استدعى زللهم بأن ذكرهم خطايا سلفت منهم ، فكرهوا الثبوت لئلا يقتلوا .

وهو معنى ببعض ما كسبوا وقيل : استزلهم حملهم على الزلل ، وهو استفعل من الزلة وهي الخطيئة .

وقيل : زل وأزل بمعنى واحد .

ثم قيل : كرهوا القتال قبل إخلاص التوبة ، فإنما تولوا لهذا ، وهذا على القول الأول .

وعلى الثاني بمعصيتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في تركهم المركز وميلهم إلى الغنيمة .

وقال الحسن : ما كسبوا قبولهم من إبليس ما وسوس إليهم .

وقال الكلبي : زين لهم الشيطان أعمالهم .

وقيل : لم يكن الانهزام معصية ; لأنهم أرادوا التحصن بالمدينة ، فيقطع العدو طمعه فيهم لما سمعوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل .

ويجوز أن يقال : لم يسمعوا دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - للهول الذي كانوا فيه .

ويجوز أن يقال : زاد عدد العدو على الضعف ; لأنهم كانوا سبعمائة والعدو ثلاثة آلاف .

وعند هذا يجوز الانهزام ولكن الانهزام عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطأ لا يجوز ، ولعلهم توهموا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انحاز إلى الجبل أيضا .

وأحسنها الأول .

وعلى الجملة فإن حمل الأمر على ذنب محقق فقد عفا الله عنه ، وإن حمل على انهزام مسوغ فالآية فيمن أبعد في الهزيمة وزاد على القدر المسوغ .

وذكر أبو الليث السمرقندي نصر بن محمد بن إبراهيم قال : حدثنا الخليل بن أحمد قال حدثنا السراج قال حدثنا قتيبة قال حدثنا أبو بكر بن غيلان عن جرير : أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : أتسبني وقد شهدت بدرا ولم تشهد ، وقد بايعت تحت الشجرة ولم تبايع ، وقد كنت تولى مع من تولى يوم الجمع ، يعني يوم أحد .

فرد عليه عثمان فقال : أما قولك : أنا شهدت بدرا ولم تشهد ، فإني لم أغب عن شيء شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت مريضة وكنت معها أمرضها ، فضرب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهما في سهام المسلمين ، وأما بيعة الشجرة فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثني ربيئة على المشركين بمكة - الربيئة هو الناظر - فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمينه على شماله فقال : ( هذه لعثمان ) فيمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 231 ] وشماله خير لي من يميني وشمالي .

وأما يوم الجمع فقال الله عنهم ولقد عفا الله عنهم فكنت فيمن عفا الله عنهم .

فحج عثمان عبد الرحمن .قلت : وهذا المعنى صحيح أيضا عن ابن عمر ، كما في صحيح البخاري قال : حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال : جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال : من هؤلاء القعود ؟

قالوا : هؤلاء قريش .

قال : من الشيخ ؟

قالوا : ابن عمر ; فأتاه فقال : إني سائلك عن شيء أتحدثني ؟

قال : أنشدك بحرمة هذا البيت ، أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد ؟

قال : نعم .

قال : فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟

قال : نعم .

قال : فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟

قال نعم .

قال : فكبر .

قال ابن عمر : تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه ; أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه .

وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت مريضة ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ( إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه ) .

وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه ، فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة ; فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده اليمنى : ( هذه يد عثمان ) فضرب بها على يده فقال : ( هذه لعثمان ) .

اذهب بهذا الآن معك .قلت : ونظير هذه الآية توبة الله على آدم عليه السلام .

وقوله عليه السلام : ( فحج آدم موسى ) أي غلبه بالحجة ; وذلك أن موسى عليه السلام أراد توبيخ آدم ولومه في إخراج نفسه وذريته من الجنة بسبب أكله من الشجرة ; فقال له آدم : ( أفتلومني على أمر قدره الله تعالى علي قبل أن أخلق بأربعين سنة تاب علي منه ومن تاب عليه فلا ذنب له ومن لا ذنب له لا يتوجه عليه لوم ) .

وكذلك من عفا الله عنه .

وإنما كان هذا لإخباره تعالى بذلك ، وخبره صدق .

وغيرهما من المذنبين التائبين يرجون رحمته ويخافون عذابه ، فهم على وجل وخوف ألا تقبل توبتهم ، وإن قبلت فالخوف أغلب عليهم إذ لا علم لهم بذلك .

فاعلم .[ ص: 232 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن حال الذين انهزموا يوم "أحد" وما الذي أوجب لهم الفرار، وأنه من تسويل الشيطان، وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم.

فهم الذين أدخلوه على أنفسهم، ومكنوه بما فعلوا من المعاصي، لأنها مركبه ومدخله، فلو اعتصموا بطاعة ربهم لما كان له عليهم من سلطان.

قال تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ثم أخبر أنه عفا عنهم بعدما فعلوا ما يوجب المؤاخذة، وإلا فلو واخذهم لاستأصلهم.

{ إن الله غفور } للمذنبين الخطائين بما يوفقهم له من التوبة والاستغفار، والمصائب المكفرة، { حليم } لا يعاجل من عصاه، بل يستأني به، ويدعوه إلى الإنابة إليه، والإقبال عليه.

ثم إن تاب وأناب قبل منه، وصيره كأنه لم يجر منه ذنب، ولم يصدر منه عيب، فلله الحمد على إحسانه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين تولوا منكم ) أي انهزموا ، ( منكم ) يا معشر المسلمين ، ( يوم التقى الجمعان ) جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلا ستة من المهاجرين : وهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم .

قوله تعالى : ( إنما استزلهم الشيطان ) أي : طلب زلتهم كما يقال : استعجلت فلانا إذا طلبت عجلته وقيل : حملهم على الزلة وهي الخطيئة وقيل : أزل واستزل بمعنى واحد ، ( ببعض ما كسبوا ) أي : بشؤم ذنوبهم ، قال بعضهم : بتركهم المركز ، وقال الحسن : ما كسبوا هو قبولهم من الشيطان ما وسوس إليهم من الهزيمة ، ( ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين تَوَلَّوْا منكم» عن القتال «يوم التقى الجمعان» جمع المسلمين وجمع الكفار بأُحُد وهم المسلمون إلا اثنيْ عشر رجلا «إنما استزلَّهم» أزلهم «الشيطان» بوسوسته «ببعض ما كسبوا» من الذنوب وهو مخالفة أمر النبي «ولقد عفا اللهُ عنهم إن الله غفور» للمؤمنين «حليم» لا يعجل على العصاة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين فرُّوا منكم -يا أصحاب- محمد عن القتال يوم التقى المؤمنون والمشركون في غزوة "أُحد"، إنما أوقعهم الشيطان في هذا الذنب ببعض ما عملوا من الذنوب، ولقد تجاوز الله عنهم فلم يعاقبهم.

إن الله غفور للمذنبين التائبين، حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

{ إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ } .وقوله { تَوَلَّوْاْ } من التولى ويستعمل هذا اللفظ بمعنى الإقبال وبمعنى الإدبار فإن كان متعديا بنفسه كان بمعنى الإقبال كما فى قوله - تعالى - { وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ } وإذا كان متعديا بعن أو غير متعد أصلا كان بمعنى الإعراض كما فى الآية التى معنا .والتولى الذى وقع فيه من ذكرهم الله - تعالى - فى الآية التى معنا يتناول الرماة الذين تركوا أماكنهم التى أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالبقاء فيها لحماية ظهور المسلمين كما يتناول الذين لم يثبتوا بجانب النبى صلى الله عليه وسلم بل فروا إلى الجبل أو إلى غيره عندما اضطربت الصفوف .ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثبتت إلى جانب النبى صلى الله عليه وسلم بدون وهن أو ضعف وقد أصيب ممن كان حوله أكثر من ثلاثين ، وكلهم يفتدى النبى صلى الله عليه وسلم بنفسه ويقول : وجهى لوجهم الفداء ونفسى لنفسك الفداء .

وعليك السلام غير مودع .ومعنى { استزلهم الشيطان } طلب لهم الزلل والخطيئة ، أو حملهم عليها بوسوسته لهم : أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالثبات فى مواقفهم التى عينها لهم ، فكانت مخالفتهم لرسولهم وقائدهم طاعة للشيطان .

فحرمهم الله تأييده وتقوية قلوبهم .قال الراغب : استزله إذا تحرى زلته ، وقوله - تعالى - { إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } أى استجرهم الشيطان حتى زلوا ، فإن الخطيئة الصغيرة إذا ترخص الإنسان فيها تصير مسهلة لسبيل الشيطان على نفسه ، والزلة فى الأصل : استرسال الرجل من غير قصد " .والمراد بالزلة هنا ما حدث منهم من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ترتب عليها هزيمتهم .والمعنى : إن الذين تولوا منكم - يا معشر المؤمنين - عن القتال أو تركوا أماكنهم فلم يثبتوا فيها طلبا للغنيمة يوم التقيتم بالمشركين فى معركة أحد؛ { إِنَّمَا استزلهم الشيطان } أى طلب منهم الزلل والمعصية ، ودعاهم إليها بمكر منه وكان ذلك { بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } أى بسبب بعض ما اكتسبوه من ذنوب ، لأن نفوسهم لم تتجه بكليتها إلى الله فترتب على ذلك أن منعوا النصر والتأييد وقوة القلب والثبات .قال ابن القيم : " كانت أعمالهم جنداً عليهم ازداد بها عدوهم قوة .

فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ولا بد للعبد فى كل وقت من سرية ن نفسه تهزمه أو تنصره .

فهو يمد عدوه بأعماله من حيث يظن أنه يقاتل بها ، ويبعث إليه سرية تغزوه مع عدوه من حيث يظن أنه يغزو عدوه .فأعمال العبد تسوقه قسراً إلى مقتضاها من الخير والشر والعبد لا يشعر أو يشعر ويتعامى .ففرار الإنسان من عدوه وهو يطيقه إنما هو بجند من عمله بعثه له الشيطان واستزله به " .ثم أخبر - سبحانه - أنه قد عفا عن هؤلاء الزالين ، حتى تكون أمامهم الفرصة لتطهير نفوسهم .

وبعثها على التوبة الصادقة والإخلاص لله رب العالمين ، فقال - تعالى - { وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ إِنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ } .أى : ولقد عفا - سبحانه - عنهم لصدق توبتهم وندمهم على ما فرط منهم ، لأن فرارهم لم يكن عن نفاق ، بل كان عارضا عرض لهم عندما اضطربت الصفوف واختلطت الأصوات ثم عادوا إلى صفوف الثابتين من المؤمنين ليكونوا معهم فى قتال أعدائهم .ولقد أكد الله - تعالى - هذا العلو بلام التأكيد وبقد المفيدة للتحقيق ، وبرصفه - سبحانه - لذته بالمغفرة فإن هذا الوصف يؤكد أن العفو شأن من شئونه ، وبوصفه - سبحانه - لذاته بالحلم ، فإن هذا الوصف يفيد أنه لا يعاجل عابده بالعقاب ، بل إن ما أصابهم من مصائب فهو بسبب ما اقترفوه من ذنوب ويعفو - سبحانه - عن كثير .وصدق الله إذ يقول : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ } وقد أكد - سبحانه - شان هذا العفو لتذهب عن نفوس هؤلاء الذين استزلهم الشيطان حيرتها ولتتخلع عن الماضى ، ولتستقبل الحاضر والمستقبل بقلوب عامرة بالإيمان ، وبنفوس متغلبة على أهوائها مطيعة لتعاليم دينها .وبذلك نرى الآية الكريمة قد بينت للمؤمنين بعض الأسباب الظاهرة والخفية لما أصابهم فى أحد ، وفتحت لهم باب التوبة لتطهير أنفسهم ، وأخبرتهم بعفو الله عنهم ، وفى ذلك ما فيه من عظات وعبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .وبعد هذا الحديث الحكيم عن أحداث معركة أحد ، وعما تم للمسلمين فى أولها من نصر ، ثم عما جرى لهم بعد ذلك من اضطراب وتفرق بسبب مخالفة بعضهم لوصايا نبيهم صلى الله عليه وسلم .بعد كل ذلك وجه القرآن نداء إلى المؤمنين نهاهم عن التشبه بالكافرين وعن الاستماع إلى أباطيلهم وحضهم فيه على مواصلة الجهاد فى سبيل الله ، حتى تكون كلمة الله هى العليا وأخبرهم بأن الآجال بيد الله ، وأن موتهم من أجل الدفاع عن الحق أشرف لهم من الحياة الذليلة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن المراد: أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين وفارقوا المكان وانهزموا قد عفا الله عنهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفت الأخبار فيمن ثبت ذلك اليوم وفيمن تولى، فذكر محمد بن اسحاق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا، واختلفوا في المنهزمين، فقيل: إن بعضهم ورد المدينة وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل، وهو سعد بن عثمان، ثم ورد بعده رجال دخلوا على نسائهم، وجعل النساء يقلن: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرون!

وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل اغزل به، ومنهم قال: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال: والذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفرا منهم تولوا وأبعدوا، فمنهم من دخل المدينة، ومنهم من ذهب الى سائر الجوانب، وأما الأكثرون فإنهم نزلوا عند الجبل واجتمعوا هناك.

ومن المنهزمين عمر، الا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد، بل ثبت على الجبل الى أن صعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم أيضا عثمان انهزم مع رجلين من الانصار يقال لهما سعد وعقبة، انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لقد ذهبتم فيها عريضة وقالت فاطمة لعلي: ما فعل عثمان؟

فنقصه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا علي أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا» وأما الذين ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، وسبعة من الانصار، فمن المهاجرين أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيدالله وأبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام، ومن الانصار الخباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحرث بن الصمة وسهل بن حنيف وأسيد بن حضير وسعد بن معاذ، وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير، وخمسة من الانصار: أبو دجانة والحرث بن الصمة وخباب بن المنذر وعاصم بن ثابت وسهل ابن حنيف، ثم لم يقتل منهم أحد.

وروى ابن عيينة أنه أصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك السلام غير مودع.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان ﴾ هذا خطاب للمؤمنين خاصة يعني الذين انهزموا يوم أحد ﴿ إِنَّمَا استزلهم الشيطان ﴾ أي حملهم على الزلة.

وأزل واستزل بمعنى واحد، قال تعالى: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا  ﴾ وقال ابن قتيبة: استزلهم طلب زلتهم، كما يقال استعجلته أي طلبت عجلته، واستعملته طلبت عمله.

المسألة الثالثة: قال الكعبي: الآية تدل على أن المعاصي لا تنسب إلى الله، فإنه تعالى نسبها في هذه الآية إلى الشيطان وهو كقوله تعالى عن موسى: ﴿ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان  ﴾ وكقول يوسف.

﴿ من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي  ﴾ وكقول صاحب موسى: ﴿ وما أنسانيه إلا الشيطان  ﴾ .

المسألة الرابعة: أنه تعالى لم يبين أن الشيطان في أي شيء استزلهم، وذلك لأن مع العفو لا حاجة إلى تعيين المعصية، لكن العلماء جوزوا أن يكون المراد بذلك تحولهم عن ذلك الموضع، بأن يكون رغبتهم في الغنيمة، وأن يكون فشلهم في الجهاد وعدو لهم عن الاخلاص، وأي ذلك كان، فقد صح أن الله تعالى عفا عنهم.

وروي أن عثمان عوتب في هزيمته يوم أحد، فقال إن ذلك وإن كان خطأ لكن الله عفا عنه، وقرأ هذه الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ ففيه وجهان: أحدهما: أن الباء للالصاق كقولك: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، والمعنى أنه كان قد صدرت عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه، الأول: قال الزجاج: انهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوبا كانت لهم، فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها، وإلا بعد الاخلاص في التوبة، فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه.

الثاني: انهم لما أذنبوا بسبب مفارقة ذلك المكان أزلهم الشيطان بشؤم هذه المعصية وأوقعهم في الهزيمة، لأن الذنب يجر الى الذنب، كما أن الطاعة تجر الى الطاعة.

ويكون لطفا فيها.

الثالث: لما أذنبوا بسبب الفشل ومنازعة بعضهم مع بعض وقعوا في ذلك الذنب.

والوجه الثاني: أن يكون المعنى: استزلهم الشيطان في بعض ما كسبوا، لا في كل ما كسبوا، والمراد منه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم، بل هذه زلة وقعت لهم في بعض أعمالهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ ﴾ .

واعلم أن هذه الآية دلت على أن تلك الزلة ما كانت بسبب الكفر، فإن العفو عن الكفر لا يجوز لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ ثم قالت المعتزلة: ذلك الذنب إن كان من الصغائر جاز العفو عنه من غير توبة، وإن كان من الكبائر لم يجز إلا مع التوبة، فهاهنا لابد من تقدم التوبة منهم، وإن كان ذلك غير مذكور في الآية، قال القاضي: والأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر ويدل عليه وجهان: الأول: أنه لا يكاد في الكبائر يقال إنها زلة، إنما يقال ذلك في الصغائر.

الثاني: أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق الى ثباتهم في ذلك المكان حاجة، فلا جرم انتقلوا عنه وتحولوا لطلب الغنيمة، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مدخلا، وأما على قول أصحابنا فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز، فلا حاجة الى هذه التكلفات.

ثم قال تعالى: ﴿ أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ أي غفور لمن تاب وأناب، حليم لا يعجل بالعقوبة.

وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ذلك الذنب كان من الكبائر، لأنه لو كان من الصغائر لوجب على قول المعتزلة أن يعفو عنه، ولو كان العفو عنه واجبا لما حسن التمدح به، لأن من يظلم إنسانا فإنه لا يحسن أن يتمدح بأنه عفا عنه وغفر له، فلما ذكر هذا التمدح علمنا أن ذلك الذنب كان من الكبائر، ولما عفا عنه علمنا أن العفو عن الكبائر واقع، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ استزلهم ﴾ طلب منهم الزلل ودعاهم إليه ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ من ذنوبهم ومعناه: إنّ الذين انهزموا يوم أحد كان السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوباً، فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.

وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي، وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدمت لهم، لأنّ الذنب يجرّ إلى الذنب، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.

وقال الحسن رضي الله عنه: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.

وقيل: ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ هو تركهم المركز الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات فيه.

فجرّهم ذلك إلى الهزيمة وقيل: ذكرهم تلك الخطايا فكرهوا لقاء الله معها، فأخروا الجهاد حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية.

فإن قلت: لم قيل ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ ؟

قلت: هو كقوله تعالى: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ [المائدة: 15] .

﴿ وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ ﴾ لتوبتهم واعتذارهم ﴿ إن الله غَفُورٌ ﴾ للذنوب ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يعاجل بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ﴾ يَعْنِي إنَّ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ إنَّما كانَ السَّبَبُ في انْهِزامِهِمْ أنَّ الشَّيْطانَ طَلَبَ مِنهُمُ الزَّلَلَ فَأطاعُوهُ واقْتَرَفُوا ذُنُوبًا لِمُخالَفَةِ النَّبِيِّ  بِتَرْكِ المَرْكَزِ، والحِرْصِ عَلى الغَنِيمَةِ أوِ الحَياةِ فَمُنِعُوا التَّأْيِيدَ وقُوَّةَ القَلْبِ.

وقِيلَ اسْتِزْلالُ الشَّيْطانِ تَوَلِّيهِمْ وذَلِكَ بِسَبَبِ ذُنُوبٍ تَقَدَّمَتْ لَهم فَإنَّ المَعاصِيَ يَجُرُّ بَعْضُها بَعْضًا كالطّاعَةِ.

وقِيلَ اسْتَزَلَّهم بِذِكْرِ ذُنُوبٍ سَلَفَتْ مِنهم فَكَرِهُوا القِتالَ قَبْلَ إخْلاصِ التَّوْبَةِ والخُرُوجِ مِنَ المَظْلَمَةِ.

﴿ وَلَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ واعْتِذارِهِمْ.

﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِلذُّنُوبِ ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لا يُعاجِلُ بِعُقُوبَةِ الذَّنْبِ كَيْ يَتُوبَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ} انهزموا {يَوْمَ التقى الجمعان} جمع محمد عليه السلام

آل عمران (١٥٥ _ ١٥٨)

وجمع أبي سفيان للقتال بأحد {إِنَّمَا استزلهم الشيطان} دعاهم إلى الزلة وحمهلم عليها {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} بتركهم المركز الذي امرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات فيه فالإضافة إلى الشيطان لطف وتقريب والتعليل بكسبهم وعظ وتأديب وكان أصحاب محمد عليه السلام تولوا عنه يوم أحد إلا ثلاثة عشر رجلاً منهم أبو بكر وعلي وطلحة وابن عوف وسعد بن أبي وقاص والباقون من الأنصار {وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ} تجاوز عنهم {إن الله غفور رحيم} للذنوب {حليم} لا يعاجل بالعقوبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا ﴾ الدُّبُرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ، أوْ إنَّ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنكم إلى المَدِينَةِ ﴿ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ وهُما جَمْعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَمْعُ أبِي سُفْيانَ.

﴿ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ ﴾ أيْ طَلَبَ مِنهُمُ الزَّلَلَ ودَعاهم إلَيْهِ ﴿ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ﴾ مِن ذُنُوبِهِمْ يَعْنِي إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا كانَ السَّبَبُ في تَوْلِيَتِهِمْ أنَّهم كانُوا أطاعُوا الشَّيْطانَ فاقْتَرَفُوا ذُنُوبًا فَمُنِعُوا مِنَ التَّأْيِيدِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ حَتّى تَوَلَّوْا، وعَلى هَذا لا يَكُونُ الزَّلَلُ هو التَّوَلِّي بَلِ الذُّنُوبُ المُفْضِيَةُ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الزَّلَلُ الَّذِي أوْقَعَهُمُ الشَّيْطانُ فِيهِ ودَعاهم إلَيْهِ هو التَّوَلِّيَ نَفْسَهُ، وحِينَئِذٍ يُرادُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا إمّا الذُّنُوبُ السّابِقَةُ، ومَعْنى السَّبَبِيَّةِ انْجِرارُها إلَيْهِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَجُرُّ الذَّنْبَ كَما أنَّ الطّاعَةَ تَجُرُّ الطّاعَةَ، وإمّا قَبُولُ ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِنَ الهَزِيمَةِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وإمّا مُخالَفَةُ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالثَّباتِ في المَرْكَزِ فَجَرَّهم ذَلِكَ إلى الهَزِيمَةِ، وإمّا الذُّنُوبُ السّابِقَةُ لا بِطْرِيقِ الِانْجِرارِ بَلْ لِكَراهَةِ الجِهادِ مَعَها، فَقَدْ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الشَّيْطانَ ذَكَّرَهم خَطايا لَهم كَرِهُوا لِقاءَ اللَّهِ تَعالى مَعَها فَأخَّرُوا الجِهادَ وتَوَلَّوْا حَتّى يُصْلِحُوا أمْرَهم ويُجاهِدُوا عَلى حالٍ مَرْضِيَّةٍ، والتَّرْكِيبُ عَلى الوَجْهَيْنِ مِن بابِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ: إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ ولَيْسَ مِن بابِ أنَّ الصِّفَةَ عِلَّةٌ لِلْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ ﴾ لِأنَّ ﴿ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ﴾ يَأْباهُ ويُحَقِّقُ التَّحْقِيقَ، وهو أيْضًا مِن بابِ التَّرْدِيدِ لِلتَّعْلِيقِ كَقَوْلِهِ: صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها ∗∗∗ لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ لَأنَّ ﴿ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ ﴾ إلَخْ خَبَرُ إنَّ، وزِيدَ إنَّ للتَّوْكِيدِ وطُولِ الكَلامِ، وما لِتَكُفَّها عَنِ العَمَلِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما تَوَلَّوْا لِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَزَلَّهم بِبَعْضِ إلَخْ، فَهو كَقَوْلِكَ: إنَّ الَّذِي أكْرَمَكَ إنَّما أكْرَمَكَ لِأنَّكَ تَسْتَحِقُّهُ، وذِكْرُ بَعْضٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في كَسْبِهِمْ ما هو طاعَةٌ لا يُوجِبُ الِاسْتِزْلالِ، أوْ لِأنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ بِكُلِّ ما كَسَبُوا لِأنَّ الكُلَّ يَسْتَدْعِي زِيادَةً عَلَيْها لَكِنَّهُ تَعالى مَنَّ بِالعَفْوِ عَنْ كَثِيرٍ ﴿ ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ﴾ .

﴿ ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ أعادَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ العَفْوِ تَأْكِيدًا لِطَمَعِ المُذْنِبِينَ فِيهِ ومَنعًا لَهم عَنِ اليَأْسِ وتَحْسِينًا لِلظُّنُونِ بِأتَمِّ وجْهٍ، وقَدْ يُقالُ: هَذا تَأْسِيسٌ لا تَأْكِيدٌ فَتَذَكَّرْ.

﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِلذُّنُوبِ صَغائِرِها وكَبائِرِها ﴿ حَلِيمٌ ﴾ (155) لا يُعاجِلُ بِعُقُوبَةِ المُذْنِبِ، وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلْعَفْوِ عَنْ هَؤُلاءِ المُتَوَلِّينَ وكانُوا أكْثَرَ القَوْمِ، فَقَدْ ذَكَرَ أبُو القاسِمِ البَلْخِيُّ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا؛ خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: أبُو بَكْرٍ وعَلِيٌّ وطِلْحَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والباقُونَ مِنَ الأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، ومِن مَشاهِيرِ المُنْهَزِمِينَ: عُثْمانُ ورافِعُ بْنُ المُعَلّى وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وسَعْدٌ وعُقْبَةُ ابْنا عُثْمانَ مِنَ الأنْصارِ مِن بَنِي زُرَيْقٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، وعَنْ غَيْرِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، ولَمْ يُوجَدْ في الآثارِ تَصْرِيحٌ بِأكْثَرَ مِن هَؤُلاءِ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم بالَغُوا في الفِرارِ ولَمْ يَرْجِعُوا إلّا بَعْدَ مُضِيِّ وقْتٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، حَتّى إنَّ مِنهم مَن لَمْ يَرْجِعْ إلّا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: لَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِها عَرِيضَةً، وأمّا سائِرُ المُنْهَزِمِينَ فَقَدِ اجْتَمَعُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى الجَبَلِ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ مِن هَذا الصِّنْفِ كَما في خَبَرِ ابْنِ جَرِيرٍ خِلافًا لِلشِّيعَةِ، وبِفَرْضِ التَّسْلِيمِ لا تَعْيِيرَ بَعْدَ عَفْوِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجَمِيعِ، ونَحْنُ لا نَدَّعِي العِصْمَةَ في الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ولا نَشْتَرِطُها في الخِلافَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم نزل في المنهزمين قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ أي الذين انهزموا منكم يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يعني جمع المسلمين، وجمع المشركين إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ قال القتبي: استزلهم أي طلب زلتهم، كما يقال: استعجلت فلاناً أي طلبت عجلته واستعملته أي طلبت عمله.

ويقال: زَيَّنَ لهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا يعني: الذي أصابهم كان بأعمالهم كما قال في آية أخرى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] .

وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ حيث لم يستأصلهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم حَلِيمٌ إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو بكر عن غيلان بن جرير، أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال له عبد الرحمن: أتسبُّني وقد شهدت بدراً ولم تشهدها؟

وبايعتُ تحت الشجرة ولم تُبَايع؟

وقد كنت توليت فيمن تولى يوم الجمع- أي يوم أحد- فردّ عليه عثمان وقال: أما قولك إنك شهدت بدراً ولم أشهدها، فإني لم أغب عن شيء شهده رسول الله  ، إلا أن ابنة رسول الله  كانت مريضة فكنت معها أُمرِّضها، وضرب لي رسول الله  بسهم في سهام المسلمين.

وأما بيعة الشجرة، فبعثني رسول الله  رداً على المشركين بمكة فضرب رسول الله  يمينه على شماله قال: «هَذِهِ لِعُثْمَانَ» فيمين رسول الله  إليّ خير من يميني وشمالي.

وأما يوم الجمع فقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ فكنت فيمن عفى الله عنهم.

فخصم عثمان عبد الرحمن بن عوف.

ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني منافقي أهل الكتاب وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ من المنافقين: إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ يعني إذا ساروا في الأرض تجاراً مسافرين، فماتوا في سفرهم أَوْ كانُوا غُزًّى يعني: خرجوا في الغزو فقتلوا.

قال القتبي: غزّاً جمع غاز، مثل صائم وصُوَّم، ونائم ونوم لَوْ كانُوا عِنْدَنا بالمدينة مَا ماتُوا في سفرهم وَما قُتِلُوا في الغزو لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ الظن حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ويقال: جعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم لأنه ظهر نفاقهم.

وقال الضحاك: ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب المنافقين، لأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في أشجار الجنان حيث شاءت.

وأرواح قتلى المنافقين في حواصل طير سُودٍ تسرح في الجحيم.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يحيي في السفر ويميت في الحضر، ويحيي في الحضر ويميت في السفر.

ويقال: والله يحيي قلوب المؤمنين ويميت قلوب الكافرين، يحيي قلوب المؤمنين بالنصرة والخروج إلى الغزو، ويميت قلوب المنافقين بالتخلف وظن السوء.

وقال الضحاك: يعني يحيي من أحيى من نطفة بقدرته، ويميت من أمات بعزته وسلطانه.

وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قرأ عبد الله بن كثير وحمزة والكسائي: يَعْمَلُونَ بالياء على معنى المغايبة.

وقرأ الباقون: بالتاء.

ومعناه قل لهم: والله بما تعملون بصير وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ يعني: إن متم في إقامتكم، أو قتلتم في سبيل الله وأنتُم مُؤْمنون لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ يعني: ونعمة وجنة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ في الدنيا من الأموال يا معشر المنافقين.

قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم: متم بضم الميم في جميع القرآن، والباقون بكسرها.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

ثم قال: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ في الغزو لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ بعد الموت.

قرأ عاصم في رواية حفص: خير مما يَجْمَعون بالياء.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ يقول: فبرحمة من الله وما صلة، فالله ذكر منه أن جعل رسوله رحيماً رؤوفاً بالمؤمنين، حيث قال: فبرحمة مِّنَ الله لِنْتَ لَهُمْ يا محمد أني لينت لهم جانبك، وكنت رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ أي خشناً في القول غليظ القول لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي لتفرقوا من عندك، ولكن الله جعلك سهلاً سَمْحاً طلقاً ليناً لطيفاً باراً رحيماً، وهكذا قال الضحاك.

ثم قال: فَاعْفُ عَنْهُمْ أي: فتجاوز عنهم، ولا تعاقبهم بما يكون منهم من الزلة والذنب وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ من ذلك الذنب وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يقول: إذا أردت أن تعمل عملاً فاعمل بتدبيرهم ومشاورتهم، ويقال: ناظرهم في الأمر.

ويقال: ناظرهم عند القتال.

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ: وشاوِرْهُمْ في بَعْضِ الأمر، لأنه كان يشاورهم فيما لم ينزل عليه الوحي فيه، وكان النبيّ  عاقلاً ذا رأي، ولكنه أمر بالمشورة ليَقْتَدي به غيره، ولأن في المشاورة تودُّداً لأصحابه، لأنه إذا شَاوَرهم تَوَدَّد قلوبهم.

وفي المشورة أيضاً ترك الملامة، لأنه يقال: فعلت كذا بمشاورتكم.

وروى سهل بن سعيد الساعدي عن رسول الله  أنه قال: «مَا شَقِيَ عَبْدٌ قَطّ بِمَشُورَةٍ وَمَا سَعِدَ عَبْدٌ بِاسْتِغْنَاءِ رَأْيٍ» .

ثم قال تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي لا تتوكل على المشورة، ولكن توكل على الله بعد المشورة لا على الأصحاب إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ الذين يتوكلون على الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، وانكفأ علينا القومُ.

وقوله سبحانه: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم قاله ابنُ عَبَّاسٍ «١» ، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود: ما كنتُ أرى أنّ أحدا من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يريدُ الدنيا حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا» .

وقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر امتثالا للأمْر حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ ولم يضطرب من المؤمنين.

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)

وقوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ العامل في إذ قوله: «عفا» ، وقراءة «٣» الجمهور «تصعدون» (بضم التاء، وكسر العين) من: أصْعَدَ، ومعناه: ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ: وجهُ الأرض، ف «أَصْعَدَ» : معناه: دَخَلَ في الصَّعيد كما أنّ «أصبح» :

دخل في الصّباح.

وقوله سبحانه: وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ «١» : «على أُحُدٍ» (بضم الألف والحاء) ، يريد الجَبَلَ، والمعنيّ بذلك نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوى لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي صلّى الله عليه وسلّم:

«إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ» ، والناسُ يفرُّون، وفي قوله تعالى: فِي أُخْراكُمْ: مدح له صلّى الله عليه وسلّم فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطا «٢» : ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا وكذلك كان صلّى الله عليه وسلّم أشْجَعَ الناسِ ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ «٣» /: كِنَّا إذا احمر البَأْسُ، اتقيناه برَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله تعالى: فَأَثابَكُمْ: معناه: جازاكُمْ على صنيعكم، واختلف في معنى قوله تعالى: غَمًّا بِغَمٍّ، فقال قوم: المعنى: أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم.

قال قتادة، ومجاهد:

الغَمُّ الأول: أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمّدا قد قتل، والثاني: القتل والجراح «٤» .

وقوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ، أي: من الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الانهزام، واللامُ من قوله: «لكَيْ لاَ» متعلِّقة ب «أثَابَكُمْ» ، المعنى: لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه، ثم ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ: وفي صحيح البخاريِّ» ، عن أنسٍ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أحد، قال:

فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ «١» ، ونحْوه عن الزُّبَيْر «٢» ، وابنِ مسْعود «٣» ، «والواوُ» في قوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن.

وقوله سبحانه: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ: معناه: يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم يضمحلُّ.

قلْتُ: وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي «صحيح مسلم» ، وغيره، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ...

» «٤» الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود: واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» «٥» اهـ.

وقوله:

ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ: ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: ٢٦] وتَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ [الأحزاب: ٣٣] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ: وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا.

وقوله «١» سبحانه: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ...

الآية: أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو.

وقوله سبحانه: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ «٢» عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن.

وقوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ: اللام في «ليبتلي» متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره: وليبتليَ وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا/ الاختبار.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال عُمَرُ (رضي اللَّه عنه) : المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولى ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ «٣» .

وقيل: نزلَتْ في الذين فرّوا إلى المدينة.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَوَلِّيهِمْ: فِرارُهم مِنَ العَدُوِّ.

والجَمْعانِ: جَمْعُ المُؤْمِنِينَ، وجَمْعُ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ يَوْمُ أُحُدٍ.

واسْتَزَلَّهُمْ: طَلَبَ زِلَلَهم، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو كَما تَقُولُ: اسْتَعْجَلْتُ فُلانًا، أيْ: طَلَبْتُ عَجَلَتَهُ، واسْتَعْمَلْتُهُ: طَلَبْتُ عَمَلَهُ.

والَّذِي كَسَبُوا يُرِيدُ بِهِ الذُّنُوبَ.

وفي سَبَبِ فِرارِهِمْ يَوْمَئِذٍ قَوْلانِ.

أحَدُها: أنَّهم سَمِعُوا أنَّ النَّبِيَّ  قَدْ قُتِلَ، فَتَرَخَّصُوا في الفِرارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ أذْكَرَهم خَطاياهم، فَكَرِهُوا لِقاءَ اللَّهِ إلّا عَلى حالٍ يَرْضُونَها، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللهُ عنهم إنَّ اللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ ؟

فَقالَ الفارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِها جَمِيعُ مَن تَوَلّى ذَلِكَ اليَوْمَ عَنِ العَدُوِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ عَلى جَمِيعِ أنْحاءِ التَوَلِّي الَّذِي لَمْ يَكُنْ تَحَرُّفًا لِقِتالٍ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ قالَ: خَطَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَرَأ [آلَ عِمْرانَ]، وكانَ يُعْجِبُهُ إذا خَطَبَ أنْ يَقْرَأها، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمْنا فَفَرَرْتُ حَتّى صَعِدْتُ الجَبَلَ، فَلَقَدْ رَأيْتُنِي أنْزُو كَأنِّي أرْوى، والناسُ يَقُولُونَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَقُلْتُ: لا أجِدُ أحَدًا يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ إلّا قَتَلْتُهُ، حَتّى اجْتَمَعْنا عَلى الجَبَلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها.

قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في كُلِّ مَن فَرَّ بِتَخْوِيفِ الشَيْطانِ وخَدْعِهِ، وعَفا اللهُ عنهم هَذِهِ الزَلَّةَ.

قالَ ابْنُ فُورَكٍ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَبِيِّ يَوْمَئِذٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ، أبُو طَلْحَةَ وغَيْرُهُ.

وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ المُسْلِمُونَ عن حَمْلَةِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ صَعِدَ قَوْمٌ الجَبَلَ، وفَرَّ آخَرُونَ حَتّى أتَوُا المَدِينَةَ، فَذَكَرَ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ الَّذِينَ فَرُّوا إلى المَدِينَةِ خاصَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: جَعَلَ الفِرارَ إلى الجَبَلِ تَحَيُّزًا إلى فِئَةٍ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن فَرَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِرارًا كَثِيرًا، مِنهم رافِعُ بْنُ المُعَلّى، وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ ورَجُلٌ آخَرُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «فَرَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعُقْبَةُ بْنُ عُثْمانَ وأخُوهُ سَعْدٌ، ورَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ زُرَقِيّانِ، حَتّى بَلَغُوا الجَعْلَبَ، -جَبَلٌ بِناحِيَةِ المَدِينَةِ مِمّا يَلِي الأعْوَصَ- فَأقامُوا بِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللهِ  ، فَقالَ لَهُمْ: "لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً".» قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَلا أدْرِي هَلْ عَفا عن هَذِهِ الطائِفَةِ خاصَّةً أمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ جَمِيعًا؟

واسْتَزَلَّ مَعْناهُ: طَلَبَ مِنهم أنْ يَزِلُّوا، لِأنَّ ذَلِكَ هو مُقْتَضى وسْوَسَتِهِ وتَخْوِيفِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِبَعْضِ ما كَسَبُوا" ظاهِرُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَتْ لَهم ذُنُوبٌ عاقَبَهُمُ اللهُ عَلَيْها بِتَمْكِينِ الشَيْطانِ مِنِ اسْتِزْلالِهِمْ، وبِخَلْقِ ما اكْتَسَبُوهُ أيْضًا هم مِنَ الفِرارِ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: إنَّ الشَيْطانَ ذَكَّرَهم بِذُنُوبٍ لَهم مُتَقَدِّمَةٍ، فَكَرِهُوا المَوْتَ قَبْلَ التَوْبَةِ مِنها والإقْلاعِ عنها، قالَ المَهْدَوِيُّ: بِما اكْتَسَبُوا مِن حُبِّ الغَنِيمَةِ والحِرْصِ عَلى الحَياةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ في قَوْلِهِ: "بِبَعْضِ ما كَسَبُوا" إلى هَذِهِ العِبْرَةِ، أيْ: كانَ لِلشَّيْطانِ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي اكْتَسَبُوهُ اسْتِزْلالٌ لَهُمْ، فَهو شَرِيكٌ في بَعْضِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِعَفْوِهِ عنهُمْ، فَتَأوَّلَهُ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى حَطِّ التَبِعَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وكَذَلِكَ تَأوَّلَهُعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ في حَدِيثِهِ مَعَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ، وكَذَلِكَ تَأوَّلَهُ ابْنُ عُمَرَ في حَدِيثِهِ مَعَ الرَجُلِ العِراقِيِّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى الآيَةِ: عَفا اللهُ عنهم إذْ لَمْ يُعاقِبْهُمْ، والفِرارُ مِنَ الزَحْفِ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وعَدَّها رَسُولُ اللهِ  : في المُوبِقاتِ مَعَ الشِرْكِ وقَتْلِ النَفْسِ وغَيْرِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لبيان سبب الهزيمة الخفيّ، وهي استزلال الشيطان إيّاهم، وأراد ب ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ يومَ أُحُد، و(استزلّهم) بمعنى أزلّهم أي جعلهم زالّين، والزلل مستعار لفعل الخطيئة، والسين والتاء فيه للتأكيد، مثل استفاد واستبشر واستنشق وقول النَّابغة: وهم قتلوا الطائي بالجوّ عنوة *** أبا جابر فاسْتَنْكحوا أم جابر أي نكحوا.

ومنه قوله تعالى: ﴿ واستغنى اللَّه ﴾ [التغابن: 6] وقوله: ﴿ أبى واستكبر ﴾ [البقرة: 34].

ولا يحسن حمل السين والتاء على معنى الطلب لأنّ المقصود لومهم على وقوعهم في معصية الرسول، فهو زلل واقع.

والمراد بالزّلل الانهزام، وإطلاق الزلل عليه معلوم مشهور كإطلاق ثبات القدم على ضدّه وهو النَّصر قال تعالى: ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ [آل عمران: 147].

(والباء في ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ للسببية وأريد ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ مفارقة موقفهم، وعصيان أمر الرّسول، والتنازع، والتعجيل إلى الغنيمة، والمعنى أن ما أصابهم كان من آثار الشيطان، رماهم فيه ببعض ما كسبوا من صنيعهم، والمقصد من هذا إلقاء تبعة ذلك الانهزام على عواتقهم، وإبطال ما عرّض به المنافقون من رمى تبعته على أمر الرسول عليه الصلاة والسّلام بالخروج، وتحريض الله المؤمنين على الجهاد.

وذلك شأن ضعاف العقول أن يشتبه عليهم مقارن الفعل بسببه، ولأجل تخليص الأفكار من هذا الغلط الخفيّ وضع أهل المنطق باب القضيّة اللزوميّة والقضيّة الاتفاقية.

ومناسبةُ ذكر هذه الآية عقب الَّتي قبلها أنَّه تعالى بعد أن بيَّن لهم مرتبة حقّ اليقين بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم ﴾ انتقل بهم إلى مرتبة الأسباب الظاهرة، فبيّن لهم أنَّه إن كان للأسباب تأثير فسبب مصيبتهم هي أفعالهم الَّتي أملاها الشيطان عليهم وأضلّهم، فلم يتفطّنوا إلى السبب، والتبس عليهم بالمقارن، ومن شأن هذا الضلال أن يحول بين المخطئ وبين تدارك خطئه ولا يخفى ما في الجمع بين هذه الأغراض من العلم الصّحيح، وتزكية النفوس، وتحبيب الله ورسوله للمؤمنين، وتعظيمه عندهم، وتنفيرهم من الشيطان، والأفعاللِ الذميمة، ومعصية الرسول، وتسفيه أحلام المشركين والمنافقين.

وعلى هذا فالمراد من الذين تولّوا نفس المخاطبين بقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم...

﴾ [آل عمران: 152] الآيات.

وضمير ﴿ منكم ﴾ راجع إلى عامّة جيش أُحُد فشمل الذين ثبتوا ولم يفرّوا.

وعن السديّ أنّ الذين تولّوا جماعة هربوا إلى المدينة.

وللمفسّرين في قوله: ﴿ استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ احتمالات ذكرها صاحب «الكشاف» والفخر، وهي بمعزل عن القصد.

وقوله: ﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ أعيد الإخبار بالعفْو تأنيساً لهم كقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ تَوَعَّدُوا المُؤْمِنِينَ بِالرُّجُوعِ، فَكانَ مَن أخَذَتْهُ الأمَنَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مُتَأهِّبِينَ لِلْقِتالِ، وهم أبُو طَلْحَةَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، وغَيْرُهم فَنامُوا حَتّى أخَذَتْهُمُ الأمَنَةُ.

﴿ وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ مِنَ الخَوْفِ وهم مِنَ المُنافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ومَن مَعَهُما أخَذَهُمُ الخَوْفُ فَلَمْ يَنامُوا لِسُوءِ الظَّنِّ.

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ ﴾ يَعْنِي في التَّكْذِيبِ بِوَعْدِهِ.

﴿ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنّا أُخْرِجْنا كَرْهًا ولَوْ كانَ الأمْرُ إلَيْنا ما خَرَجْنا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أيْ لَيْسَ لَنا مِنَ الظَّفَرِ شَيْءٌ، كَما وُعِدْنا، عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ لِذَلِكَ.

﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَوْ تَخَلَّفْتُمْ لَخَرَجَ مِنكُمُ المُؤْمِنُونَ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا بِتَخَلُّفِكم.

والثّانِي: لَوْ تَخَلَّفْتُمْ لَخَرَجَ مِنكُمُ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ، ولَمْ يُنْجِهِمْ قُعُودُهم.

﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ المُبْتَلى المُخْتَبَرِ.

والثّانِي: مَعْناهُ لِيَبْتَلِيَ أوْلِياءَ اللَّهِ ما في صُدُورِكم فَأضافَ الِابْتِلاءَ إلَيْهِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ فِيهِمْ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: هم كُلُّ مَن ولّى الدُّبُرَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّانِي: أنَّهم مَن هَرَبَ إلى المَدِينَةِ وقْتَ الهَزِيمَةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحَبَّتُهم لِلْغَنِيمَةِ وحِرْصُهم عَلى الحَياةِ.

والثّانِي: اسْتَذَلَّهم بِذِكْرِ خَطايا سَلَفَتْ لَهم، وكَرِهُوا القَتْلَ قَبْلَ إخْلاصِ التَّوْبَةِ مِنها والخُرُوجِ مِنَ المَظْلِمَةِ فِيها، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ وَلَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حَلُمَ عَنْهم إذْ لَمْ يُعاجِلُهم بِالعُقُوبَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: غَفَرَ لَهُمُ الخَطِيئَةَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم قَدْ أخْلَصُوا التَّوْبَةَ.

وَقِيلَ: إنَّ الَّذِينَ بَقُوا مَعَ النَّبِيِّ  لَمْ يَنْهَزِمُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مِنهم خَمْسَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والباقُونَ مِنَ الأنْصارِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن كليب قال: خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها فلما انتهى إلى قوله: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ قال: لما كان يوم أحد هزمنا، ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى، والناس يقولون: قتل محمد فقلت: لا أجد أحداً يقول قتل محمد إلا قتلته، حتى اجتمعنا على الجبل.

فنزلت ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان...

﴾ الآية.

كلها.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن عوف ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ قال: هم ثلاثة.

واحد من المهاجرين، واثنان من الأنصار.

وأخرج ابن منده في معرفة الصحابة عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان...

﴾ الآية.

قال: نزلت في عثمان، ورافع بن العلى، وحارثة بن زيد.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ قال: نزلت في رافع بن المعلى وغيره من الأنصار، وأبي حذيفة بن عتبة، ورجل آخر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ قال: عثمان، والوليد بن عقبة، وخارجة بن زيد، ورفاعة بن معلى.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان الذين ولوا الدبر يومئذ: عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان، أخوان من الأنصار من بني زريق.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن اسحق ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ فلان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان الأنصاريان، ثم الزرقيان.

وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنفى دون الأغوص، وفر عقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان، حتى بلغوا الجعلب جبل بناحية المدينة مما يلي الأغوص فأقاموا به ثلاثاً، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد ذهبتم فيها عريضة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جريرعن قتادة ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ ذلك يوم أحد ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبي الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله ما تسمعون أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إن الذين تولوا منكم ﴾ يعني انصرفوا عن القتال منهزمين ﴿ يوم التقى الجمعان ﴾ يوم أحد حين التقى الجمعان؛ جمع المسلمين، وجمع المشركين، فانهزم المسلمون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي في ثمانية عشر رجلاً ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ يعني حين تركوا المركز وعصوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال للرماة يوم أحد «لا تبرحوا مكانكم فترك بعضهم المركز» ﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ حين لم يعاقبهم فيستأصلهم جميعاً ﴿ إن الله غفور حليم ﴾ فلم يجعل لمن انهزم يوم أحد بعد قتال بدر النار كما جعل يوم بدر.

هذه رخصة بعد التشديد.

وأخرج أحمد وابن المنذر عن شقيق قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟

فقال له عبد الرحمن: أخبره أني لم أفر يوم عينين يقول يوم أحد، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر، فانطلق فخبر بذلك عثمان فقال: أما قوله أني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذلك وقد عفا الله عني؟

فقال: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ﴾ .

وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم.

ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم فقد شهد.

وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر فإني لا أطيقها ولا هو، فأتاه فحدثه بذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن رجاء بن أبي سلمة قال: الحلم أرفع من العقل لأن الله عز وجل تسمى به.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ هذا الخطاب للمؤمنين خاصَّةً، يعني: الذين انهزموا يوم أحد (١) ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ ﴾ أي: حَمَلَهُمْ على الزَّلَّةِ، وَكَسَبَهُمْ الزَّلَّةَ (٢) و (أَزَلَّ)، و (اسْتَزَلَّ)، بمعنى واحد.

ذكرنا ذلك في قوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ  ﴾ (٣) وقال ابن قُتَيْبَة (٤) ﴿ اسْتَزَلَّهُمُ ﴾ : طَلَبَ زَلَّتَهم؛ كما يقال: (استعجلته)؛ أي: طَلَبْتُ عَجَلَتَهُ، و (استعملته): طَلَبْتُ عَمَلَهُ.

وقول تعالى: ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ قال مقاتل (٥)  ، وتركهم المَرْكَزَ.

وقيل: استزَلَّهم الشيطانُ بِتَذْكِيرِ خَطَايَا سَلَفَتْ لهم، فكرهوا أن يُقْتَلُوا قبلَ إخلاصِ التَّوْبَةِ.

وهذا اختيار الزَّجَّاج؛ لأنه قال (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ .

قال الكلبيُّ (٨) (٩) (١٠) وقيل (١١) (١) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 144.

(٢) (وكسبهم الزلة): ساقط من (ج).= يقال: (كَسَبَ هو)؛ بمعنى: أصاب.

ويقال: (كَسَبْتُ زيدًا مالًا)، و (أكْسَبْتُ زيدًا مالًا)؛ أي: أعنته على كَسْبِه، أو جعلته يَكْسِبُهُ.

انظر: "اللسان" 7/ 3870 (كسب)، و"القاموس" 131 (كسب).

والزَّلَّة: الخطيئة.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 145، و"القاموس" ص 1010 (زلل).

(٣) انظر: "تفسير البسيط" عند تفسير هذه الآية (٤) في "تفسير غريب القرآن" له 107.

نقله عنه بتصرف.

(٥) في "تفسيره" 1/ 309.

(٦) في "معاني القرآن" له 1/ 481.

نقله عنه بتصرف يسير جدًّا.

وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 500.

(٧) قال أبو حسان عن قول الزّجاج -هذا-: (ولا يَظْهَرُ هذا القول، لأنهم كانوا قادرين على التوبة قبل القتال، وفي حالة القتال، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.).

"البحر المحيط" 3/ 91.

(٨) لم أقف عليه (٩) في "تفسيره" 1/ 309.

(١٠) وممن قال بهذا القول: الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو الليث.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 797 - 798، و"بحر العلوم" 1/ 310.

(١١) هذا قول الجمهور، ومنهم: عثمان بن عفان  ، وابن عمر -  ما-، وقتادة، والربيع، والطبري.

انظر: "صحيح البخاري" (4066) كتاب المغازي.

باب: قول الله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ ، و"تفسير الطبري" 4/ 144 - 146، و"بحر العلوم" 1/ 310، و"تفسير الثعلبي" 3/ 135 أ، و"المحرر الوجيز" 3/ 287، و"تفسير القرطبي" 4/ 244 - 345، و"البحر المحيط" 3/ 91، و"مجمع الزوائد" 9/ 83 - 84.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمَنَةً نُّعَاساً ﴾ قال ابن مسعود: نعسنا يوم أحد، والنعاس في الحرب أمان من الله ﴿ يغشى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ ﴾ هم المؤمنون المخلصون، غشيهم النعاس تأميناً لهم ﴿ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ هم المنافقون كانوا خائفين من أن يرجع إليهم أبو سفيان، والمشركون ﴿ غَيْرَ الحق ﴾ معناه يظنون أن الإسلام ليس بحق، وأن الله لا ينصرهم، و ﴿ ظَنَّ الجاهلية ﴾ بدل وهو على حذف الموصوف تقديره ظن المودة الجاهلية، أو الفرقة الجاهلية ﴿ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ ﴾ قالها عبد الله بن أبيّ بن سلول، والمعنى: ليس لنا رأي، ولا يسمع قولنا أو: لسنا على شيء من الأمر الحق، فيكون قولهم على هذا كفراً ﴿ يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ﴾ يحتمل أن يريد الأقوال التي قالوها أو الكفر ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ ﴾ قاله معتب بن قشير، ويحتمل من المعنى ما احتمل قول عبد الله بن أبي ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ الآية: رد عليهم، وإعلامٌ بأن أجل كل إنسان إنما هو واحد، وأن من لم يقتل يموت بأجله، ولا يؤخر، وأن من كتب عليه القتل لا ينجيه منه شيء ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ﴾ يتعلق بفعل تقديره فعل بكم ذلك ليبتلي ﴿ إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ ﴾ الآية: نزلت فيمن فر يوم أحد ﴿ استزلهم ﴾ أي طلب منهم أن يزلوا، ويحتمل أن يكون معناه: أزلهم؛ أي أوقعهم في الزلل ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ أي كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها؛ بأن مكن الشيطان من استزلالهم ﴿ عَفَا الله عَنْهُمْ ﴾ أي غفر لهم ما وقعوا فيه من الفرار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرعب ﴾ بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب.

الباقون: يسكون العين - ﴿ ومأواهم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولقد صدقكم ﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل ﴿ وتغشى ﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ كله ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالنصب ﴿ يعملون بصير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة.

الباقون: بالخطاب ﴿ متم ﴾ و ﴿ متنا ﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلاههنا لجوار ﴿ قتلتم ﴾ الباقون: بضم الميم من مات يموت.

﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.

/ الوقوف: ﴿ سلطاناً ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ النار ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن "حتى" تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران "إذا" مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره.

والوقف على ﴿ تحبون ﴾ ظاهر في الوجهين.

﴿ الآخرة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿ صرفكم ﴾ على الجواب المحذوف.

﴿ ليبتليكم ﴾ ج ﴿ عفا عنكم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أصابكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ طائفة منكم ﴾ (لا) لأن الواو للحال.

﴿ الجاهلية ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ يبدو لك ﴾ ط ﴿ ههنا ﴾ ط ﴿ مضاجعهم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم.

﴿ وليبتلي ﴾ ﴿ ما في قلوبكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ الجمعان ﴾ (لا) لأن إنما خبر إن ﴿ كسبوا ﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ وما قتلوا ﴾ ج لأن لام ﴿ يجعل ﴾ قد يتعلق بقوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ تجمعون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ لنت لهم ﴾ ج لأن الواو للعطف و"لو" للشرط ﴿ من حولك ﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿ الأمر ﴾ ج لفاء التعقيب مع "إذا" الشرطية ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المتوكلين ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: إنه  يذكر في هذه الآيات وجوهاً كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار.

من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام في جميع الأوقات.

الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أنا سنتلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين على سائر الأديان، ويؤيده قوله  " نصرت بالرعب مسيرة شهر " وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة.

قال السدي: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق.

ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا.

قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم.

فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت الآية" .

وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة - يعني رسول الله  - أين ابن أبي قحافة؟

أين ابن الخطاب؟

فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى.

والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعاً ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار.

وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه.

ولكن ظاهر قوله: ﴿ في قلوب الذين كفروا ﴾ يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم.

إما في الحرب وإما في المحاجة.

وقيل: إنه مخصوص بأولئك الكفار.

﴿ بما أشركوا ﴾ أي بسبب إشراكهم بالله.

وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول: إذا كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة.فيلزم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة.

كيف وإنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً؟

﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ الهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.

والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر.

قال الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر.

وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته.

ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب نفيه.

ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه.

ويكفي في رفع هذه الحاجةإثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته.

أقول: هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك.

ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال: ﴿ ومأواهم ﴾ أي والمكان الذي يأوون إليه ﴿ النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ﴾ / تستأصلونهم قتلاً.

قال أصحاب الاشتقاق: حَسَّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه.

﴿ بإذنه ﴾ بعلمه.

وقيل: المراد بهذا الوعد أنه  رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء.

وقيل: هو ما ذكره من قوله ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم  ﴾ إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط هو الصبر والتقوى.

وقيل: المراد هو "أن الرسول  قال للرماة: لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين مادمتم فيه.

فلما أقبل المشركون جعل الرماة: يرشقون خليهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم.

وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ " قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب.

والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطاً بالصبر.

وقال آخرون: إنه للمجازاة.

ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه.

وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة.

والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم في رسول الله  وثالثها قال أبو مسلم: جوابه ثم صرفكم.

و "ثم" ههنا كالساقطة.

وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم فريقين.

والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة.

فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله  أن لا نبرح هذا المكان.

فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون.

وقوله: ﴿ في الأمر ﴾ إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.

وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ﴾ وفائدة قوله: ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان / من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم.

قوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه  رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباًَ حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة.

ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه.

وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وأيضاً إنه  عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟

فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوهاً.

قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو.

ألا ترى أن النبي  ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وبإذنه.

ثم قال ﴿ ليبتليكم ﴾ والمراد أنه  لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين.

ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية مشتلمة على المعذورين، في الانصراف وعلى غير المعذورين.

فقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ يرجع إلى المعذورين، وقوله ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يرجع إلى غير المعذورين.

وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله  .

وقال الكعبي: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ﴿ ليبتليكم ﴾ بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه  أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم، ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم.

قال القاضي: ظاهر قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يقتضي تقدم ذنب منهم.

فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو.

وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك / المخالفة سبباً لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة.

ثم إن ظاهر الآية دل على أنه  قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة فصارت الآية دليلاً على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر.

﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة, وقد يستدل بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة من أنه لا مؤمن ولا كافر.

قوله  : ﴿ إذ تصعدون ﴾ إما مستأنف بإضمار "واذكر" وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه.

أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها.

قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى اعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ ولا تلوون على أحد ﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته.

﴿ والرسول يدعوكم ﴾ كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة.

فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو.

﴿ في أخراكم ﴾ في سابقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه  وبقي هو في الجماعة المتأخرة.

يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى.

﴿ فأثابكم ﴾ قال في الكشاف: إنه عطف على صرفكم.

وأقول: لا يبعد أن يعطف على ﴿ تصعدون ﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي رجع.

والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها.

فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.

فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب.

أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور.

والباء في ﴿ بغم ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة.

أما الاحتمال الأول ففيه وجوه: قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام.

وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.

وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين.

وفي الكشاف: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ / للرسول أي فآساكم في الاغتنام.

فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها.

وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يكون هناك غمان: الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة.

أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً.

أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين.

أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول  .

أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة.

وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها.

ثم اللام في قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ لأن في عفوه  ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ فأثابكم ﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله.

وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائده.

قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم من الله  خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء.

وأما المعتزلة فإنهم يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه  لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.

وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال.

وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ.

وإن جعلت الباء بمعنى "مع" فالمعنى كما في قول الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى.

ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال: ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ عالم بجميع / أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.

ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي  يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر لأديان، فخاطب الجماعة بقوله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ وأراد هؤلاء بقوله: ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة.

والنعاس فتور في أوائل النوم.

وانتصاب ﴿ أمنة ﴾ على أنها حال متقدمة من ﴿ نعاساً ﴾ مثل: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبارّ وبررة، أو على أنه مفعول ﴿ أنزل ﴾ و ﴿ نعاساً ﴾ بدل منه.

قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلاّ ويميل تحت حجفته.

وعن الزبير: كنت مع الرسول  حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم.

والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: ﴿ ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.

وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهره جديدة له  موجبة لزيادة وثوقهم بأن الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد.

ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط.

ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة.

ومنها أن الأعداء كانوا حراصاً متهالكين في قتلهم.

فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ الله ولكلاءته معهم.

ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس ههنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة.

واعلم أن من قرأ ﴿ تغشى ﴾ بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع.

ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر ﴿ إذ يغشيكم النعاس  ﴾ ولأن العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشية الأمن، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئاً واحداً كان التذكر أولى.

وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته  وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم لا همَّ الدين ولا همَّ النبي ولا المسلمين.

والهمّ / الأمر الشديد.

ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه.

فالمعنى أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات.

والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم فلم يكن لهم هناك إلا هَمُّ أنفسهم.

﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ وهو في حكم المصدر أي غير الظن الحق الذي يحب أن يظن به.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ بدل منه.

والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل الجاهلية فذكر أولاً أنهم يظنون بالله ظناً باطلاً، ثم بين أنهم اختاروا من الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة.

أو ﴿ ظن الجاهلية ﴾ مصدر و ﴿ غير الحق ﴾ تأكيد لـ ﴿ يظنون ﴾ كقولك: هذا القول غير ما تقول.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ كقولك: حاتم الجود ورجل صدق.

مما أضيق للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام.

أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله.

فالجاهلية مصدر كالعالمية القادرية.

قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي  إن الله يقوّيهم وينصرهم.

وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً حقاً لم يسلط الله الكفار عليه، وهذا ظن فاسد.

أما عند أهل السنة فلأنه  فاعل لما يشاء ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلقة لم يجب أن يشرفه بأخرى.

وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية.

ولو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس إلى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف واستحقاق الثواب والعقاب.

وإنما يعرف كون الإنسان محقاً بالدلائل والبينات، ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية صاحبها والله أعلم.

﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ حكاية شبهة تمسك بها أهل النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار.

وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي  لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها.

ونظيره ما حكى عنه ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا  ﴾ وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، وإذا كانت لعدوّه قالوا عليه الأمر.

أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به محمد وهو النصر والقدرة شيء؟

وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟

والغرض منه تعيير المسلمين على التسديد في / الجهاد، فأمره الله  أن يجيب عنها بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ والحوادث بأسرها مستندة إلى قضائه وقدره.

فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة.

﴿ يخفون في أنفسهم ﴾ في ضمائرهم أو فيما بينهم ﴿ ما لا يبدون لك ﴾ وذلك المخفي قولهم: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ أي لو كان هذا الدين حقاً لما سلط الله الكفار على من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله  نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن بد من وجوده.

فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده.

وقيل: معناه لو تخلفتم أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ﴾ خص الابتلاء بما في الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء محله القلب الذي في الصدر.

والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب.

واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب.

أما نسقه فقوله: ﴿ وطائفة ﴾ مبتدأ و ﴿ أهمتهم ﴾ صفته و ﴿ يظنون ﴾ خبره.

ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، و ﴿ يظنون ﴾ صفة أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه اليبان للجملة قبلها، و ﴿ يقولون ﴾ بدل من ﴿ يظنون ﴾ أو بيان له.

وإنما صح وقوع القول الذي مقوله إنشاء بدلاً من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادراً عن الظن و ﴿ يخفون ﴾ حال من ﴿ يقولون ﴾ و ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ ﴿ كله ﴾ بالرفع فلأنه مبتدأ و ﴿ لله ﴾ خبره، والجملة خبر "إن".

ومن قرأ بالنصب فلكونه تأكيداً للأمر و ﴿ لله ﴾ خبر "إن" كما لو قلت: إن الإمر أجمع لله.

وقوله: ﴿ يقولون ﴾ استئناف، وقوله: و ﴿ وليبتلي ﴾ تقدم ذكره في الوقوف.

وأما نظمه فإنه لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظاناً بل شاكاً في حقية هذا الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء.

ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يشكف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا / يبدون لك ﴾ أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم؟

فقيل ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وقد مر تفسيره.

ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل ههنا؟

فيكون كالطعن في قوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ قال في التفسير الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي.

فذاك يقول: الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله.

وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر.

فأمر النبي  أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لايرد القدر، والتدبير لا يبطل التقدير.

وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق ما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات.

ثم قال: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح.

قوله عز من قائل: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.

ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله  قتل.

ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن: أعن رسول الله  تفرون؟

وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل أغزل.

وقال بعض الرواة: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي  .

ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي  : لقد ذهبتم فيها عريضة.

وأما الذين ثبتوا مع الرسول  فكانوا أربعة عشر رجلاً.

سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام.

وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.

وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير.

وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن / حنيف.

ثم لم يقتل منهم أحد, وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله  نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ تقول: زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق.

والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها.

والباء في ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ للاستعانة مثلها في: كتبت بالقلم.

والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي.

وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة.

فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطيئن فيه, وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة.

وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.

وإنما قال: ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله: ﴿ لها ما كسبت  ﴾ أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله  كقوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  ﴾ وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.

ويحتمل أن تكون الباء بمعنى "في" أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال.

إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.

وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها.

﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز.

بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟

والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله.

ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟

قالت المعتزلة: كلاهما محتمل.

لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية.

قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر.

قالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص.

وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.

/ ثم ندب إلى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ﴾ قيل: إنه عام.

وقيل: يعني المنافقين.

وقيل: منافقي يوم أحد كعبد الله بن أبيّ وأصحابه.

وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافراً ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخوانهم مثل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وذلك أنهم قالوا: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ والميت والمقتول لا يكلم.

وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم.

ومعنى الأخوة اشتراك النسب.

فلعل المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين.

أو اتفاق الجنس فلعل بعض المنافقين صار مقتولاً في بعض الغزوات.

والضرب في الأرض الإبعاد فيها للتجارة وغيرها.

والغزو قصد محاربة العدو قريباً كان أو بعيداً.

والفاعل غاز والجمع غُزَّىً مثل: سابق وسبق، وراكع وركع، وإنما قال: ﴿ إذا ضربوا ﴾ دون "إذ ضربوا" أو "حين ضربوا" ليشاكل في المعنى قوله: ﴿ وقالوا ﴾ لأنه أراد حكاية الحال الماضية.

والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.

فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: "قالوا" ويجوز أن يكون ﴿ قالوا ﴾ في تقدير "يقولون" لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في المستقبل مثل ﴿ أتى أمر الله  ﴾ وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع.

ويمكن أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة.

وقال قطرب: كلمة "إذ" و "إذا" يجوز إقامة كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غير حجة عليه، قال الواحدي: في الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

وأما اللام في قوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ ففي متعلقه وجهان: الأول أنه ﴿ قالوا ﴾ أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله  : ﴿ فلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟

فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من الأسف.

وقيل: / لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة.

وقيل: المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين.

وقيل: المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها.

وقيل: الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة.

الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: ﴿ لا تكونوا ﴾ وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم ﴿ والله يحيي ويميت ﴾ رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له.

فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد.

فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له.

عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أناذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.

وفي أمثالهم "الشجاع موقى والجبان ملقى".

وكان عليّ يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذين نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ فلا تكونوا مثلهم.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيداً لهم.

ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: ﴿ لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ﴾ شيء من مغفرته ورحمته ﴿ خير مما يجمعون ﴾ فاللام الأولى هي الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى.

والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر.

ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله.

وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا.

وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.

ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم.

وإنما كانت المغفرة والرحمة خيراً من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيراً.

وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعاً من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، / وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه؟

فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ثم رغبهم بنوع آخر فقال: ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾ كأنه قيل: إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياماً قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية.

وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، الثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا.

ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها.

وفي قوله: ﴿ لإلى الله تحشرون ﴾ لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.

ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة.

ومنها بناء ﴿ تحشرون ﴾ على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره.

ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته.

ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون.

واعلم أنه  ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه.

فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً في ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة.

فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه، وما أحسن هذا النسق!

يروى أن عيسى  مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟

فقالوا: نخشى عذاب الله.

فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه.

ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة.

فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته.

ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات / العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة.

فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون.

قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: ﴿ ولئن متم أو قتلتم ﴾ عطفاً للشيء على نفسه.

قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم.

ثم إنه  لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك ان عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول  حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم.

روي "أن امرأة عثمان دخلت على النبي  - وكان النبي  وعلي يغسلان السلاح - فقالت: ما فعل عثمان؟

أما والله لا تجدونه أمام القوم.

فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم.

فقال رسول الله  : مه" .

وروي أنه قال حينئذٍ: "أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا." ولما دخل عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة.

وعنه أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وقال  : " لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقة، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقة" فلما كان  إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً لأن الغرض من البعثة - وهو التزام التكاليف - لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة.

وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان.

كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله  بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة.

واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق.

ولما كان  أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس / كما قال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ و "ما" مزيدة للتوكيد.

أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى.

وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة.

وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً.

وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة.

وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله  .

فلا رحمة بالحقيقة إلا له.

ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمته عوضاً كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض.

وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها.

فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم.

ثم بيّن أن الحكمة في لين جانبه ما هي فقال: ﴿ ولو كنت فظاً ﴾ سيء الخلق وأصله فظظ كحذر.

فظظت يا رجل بالكسر فظاظة ﴿ غليظ القلب ﴾ قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه "فض الختام".

ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك.

ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب ﴾ تشافههم بالملامة على ذلك ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم.

وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقال في إقامة حد الزنا: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر  ﴾ ومثله ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  ﴾ ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ فيعلم من المدح على اللين في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل "لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى".

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر.

وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة في حق جميع المكلفين.

فكل ما فعله مع محمد  من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب.

فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء.

فلا يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، / وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره.

والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من الله.

ثم قال: ﴿ فاعف عنهم ﴾ فيما يختص بك {واستغفر لهم{ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم.

قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه  قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة.

ثم قال: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها.

وقيل: من شرت الدابة شوراً عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت.

والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشواراً.

يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.

وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء.

وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم.

ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا.

ومنها قال الحسن وسفيان بن عبيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة.

ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم.

ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال  : " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وهذا هو السر في الجماعات والجمعات.

ومنها أنه  ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالاً مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة.

ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى, وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا؟

قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ ﴿ الأمر ﴾ ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس / ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد.

وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي  بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة.

ومنهم من قال: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأموراً بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة, وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي  بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب.

وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال: وهذا كقوله  : " "البكر تستأمر في نفسها " ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها فكذا ههنا.

﴿ فإذا عزمت ﴾ أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿ فتوكل على الله ﴾ لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن.

عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ فإذا عزمت ﴾ بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحداً.

﴿ إن ينصركم الله ﴾ عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد ﴿ وإن يخذلكم ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ أي من بعد خذلالنه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك "ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان" تريد إذا جاوزته.

وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء؟

فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الأدخال فيه.

﴿ وعلى الله ﴾ وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه.

وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده.

التأويل: ﴿ ولقد صدقكم الله ﴾ أيها الطلاب ﴿ وعده ﴾ ألا من طلبني وحدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر / الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿ من بعد ما أراكم ﴾ الدليل بالتربية ﴿ ما تحبون ﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة.

قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال: ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.

ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة.

فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة.

وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ ظن الجاهلية ﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره.

هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء؟

﴿ ما قتلنا ههنا ﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم ﴾ أيها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ وليمحص ما في قلوبكم ﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم.

﴿ ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ﴾ ليعلم أن الله  في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو.

ومن هنا قال: " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا / ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان.

لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون.

وباقي الحقائق قد مرت في التفسير.

وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك الوقى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن، وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها.

ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ ﴾ : فيه لغتان: "تَصْعدون" بفتح التاء، وهو من الصعود أن صعدوا الجبل، "وتُصعدون" بالرفع، وهو أن أصعدوا أصحابهم نحو الوادي؛ لأن المنهزم الأوّل إذا التفت فرأى منهزماً آخر أشتدّ.

وقيل: الإصعاد هو الإبعاد في الأرض.

وقيل: تَصْعدون من صعود الجبل، وتُصعدون في الوادي من الجبل.

وقوله: ﴿ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ ﴾ : أي: لا تلتفتون على أحد، ولا ترجعون.

﴿ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ ﴾ .

أي: الرسول يدعوكم وينادي وراءكم: إلَيَّ أنا الرسول.

وقيل: يناديكم من بعدكم: إِلَيَّ أنا رسول الله يا معشر المؤمنين، وكان يصل نداؤه في أخراهم بأولهم بعضهم ببعض، فلم يرجعوا إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ : اختلف فيه، قيل: غمّ الأول: الهزيمة والنكبة التي أصابتهم، والغم الآخر: الصوت الذي سمعوا: قُتِلَ محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - فذلك غم على غم.

ويحتمل: ﴿ غَمّاًً ﴾ : بعصيانهم رسول الله  اغتموا، والغم الآخر: أن كيف يعتذرون إلى رسول الله  بتركهم المركز، وعصيانهم إياه والخلاف له.

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ : أي: مرة بعد المرة الأولى.

وقيل: ﴿ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ ، أي: هزيمة بعد هزيمة: أصابتهم هزيمة بعد هزيمة من قتل إخوانهم، وإصابتهم الجراحات.

وقيل: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً ﴾ : بعصيانكم رسول الله  ، ﴿ بِغَمٍّ ﴾ : الذي أدخلوا على رسول الله  بترككم المركزَ والطاعةَ له، وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ ﴾ وهو غم الهزيمة والنكبة، بالغم الذي أدخلوا على رسول الله  في عصيانهم إياه، وإهمالهم المَقْعَد الذي أمرهم بالمقام فيه.

وقيل: غماً بالغم الذي له تركوا المركز، وهو أن غمهم اغتنام أصحابهم.

وقيل: غم الاعتذار إلى رسول الله  بالغم الذي جنوه به؛ حيث مالوا إلى الدنيا، وعصوه فيما أمرهم.

وقيل: غماً [على] أثر غم، نحو: القتل، والهزيمة، والإرجاف بقتل رسول الله  ، وحقيقته: أن يكون أحد الغمين جزاء، والآخر ابتداء، وفي ذلك تحقيق الزَّلة والجزاء؛ وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ ﴾ : يعني: من الفتح والغنيمة، ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ ﴾ من الدنيا، ﴿ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ ﴾ : فيها من أنواع الشدائد؛ بما أدخلتم على رسول الله  من الغمّ بعصيانكم إيّاه.

﴿ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ : على الوعيد: [وقوله]: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ : قيل فيه بوجهين؛ قيل: الطائفة التي أتاها النعاس هم المؤمنون، سمعوا بانصراف العدو عنهم فصدقوا الخبر فناموا؛ لأن الخوف إذا غلب يمنع النوم، وأمّا الطائفة التي قد أهمتهم أنفسهم هم المنافقون، لم يصدّقوا الخبر فلم يذهب عنهم الخوف، فلم ينعسوا؛ وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ  ﴾ الآية.

وقيل: كانت الطائفتان جميعاً من المؤمنين، لكن إحداهما قد أتاها النعاس؛ لما أمنوا من العدو، والأخرى لا؛ بعصيانهم رسول الله  وترْكِهم أمره منع ذلك النوم عنهم؛ إذ كيف يلقون رسول الله  ، وكيف يعتذرون إليه؟

والله أعلم.

وعن ابن مسعود -  - قال: "النُّعَاسُ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَفِي القِتَالِ أَمنَةٌ مِنَ الله".

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ ﴾ : قيل: يظنون بالله ألا ينصر محمّداً  وأصحابه، ذا في غير المؤمنين.

وقيل: ﴿ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ﴾ نوناً كاذبة، إنما هم أهل شرك وريبة في أمر الله، يقولون: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا ﴾ : وقوله: - عز وجل -: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ : قيل: يقولون بعضهم لبعض: ﴿ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ ﴾ ، يعني بالأمر: النصر والغنيمة.

وقيل: قالوا ذلك للمؤمنين.

﴿ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ ﴾ .

يعني النصر والفتح كلّه بيد الله.

﴿ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ﴾ : والذين يخفون قولهم: لو أقمنا في منازلنا ما قتلنا ههنا، وقيل: يقولون: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ ، [قالوا: ليس لنا] من الأمر من شيء؛ إنما الأمر إلى محمد، ولو كان الأمر لنا ما خرجنا إلى هؤلاء حتى قتلنا ههنا.

قال الله -  -: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ﴾ : قيل: ﴿ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ كما يقولون: ﴿ لَبَرَزَ ﴾ ، يعني: لخروج من البيوت ﴿ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ ﴾ ؛ ليقتلوا.

وقيل: من كتب عليه القتل يظهر الذي كتب عليه حيث كان.

وقيل: إذا كتب على أحد القتل لأتاه، ولو كان في البيت، وكقوله: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  ﴾ ، وقيل: متى كتب الله على قوم القتل فلم يموتوا أبداً؟!

وفي هذا بيان أن الآجال المكتوبة هي التي تنقضي بها الأعمار: إن كان قتلاً فقتل، وإن كان موتاً فموت، لا على ما قالت المعتزلة: إن القتل تعجيل عن أجله المكتوب له وعليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ : والابتلاء هو الاستظهار؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ  ﴾ تبدي وتظهر، وذلك يكون بوجهين: يظهر بالجزاء مرة، ومرة بالكتاب، يعلم الخلق من كانت سريرته حسنة بالجزاء، وكذلك إذا كانت سيئة، أو يعلم ذلك بالكتاب.

وقوله -  -: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ ، أي: ليظهر الله للخلق ما في صدورهم مما مضى، وليجلعه ظاهراً لهم.

﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ .

من الذنوب.

وعن ابن عباس -  - قال: "الابتلاء والتمحيص هما واحد".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ : يقول: هو عالم بما في صدروهم من سرائرهم، ولكن يجعلها ظاهراً عندكم.

ويحتمل الابتلاء - ههنا - الأمر بالجهاد؛ ليعلموا المنافق منهم من المؤمن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ﴾ : يعني: إن الذين انصرفوا عن عدوهم مدبرين منهم منهزمين يوم التقى الجمعان: جمع المؤمنين، وجمع المشركين.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ : أي: إنما انهزموا ولم يثبتوا خوفاً أن يقتلوا بالثبات؛ فيلقوا الله وعليهم عصيان رسول الله  ، فكرهوا أن يقتلوا وعليهم معصية رسول الله  ؛ خوفاً من الله -  - ﴿ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ بما خافوا الله بعصيانهم رسول الله  .

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ - أن اللعين لما رآهم أجابوه إلى ما دعاهم من اشتغالهم بالغنيمة، وتركهم المركز، وعصيانهم رسول الله  دعاهم إلى الهزيمة، فانهزموا وتولّوا - عدوَّهم.

ويحتمل قوله: ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ﴾ ، أي: بكسبهم، قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ؛ فكذلك هذا، والله أعلم.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

قَبِلَ توبتكم، وعفا عنكم، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ لم يخزكم وقت عصيانكم، ولا عاقبكم، أو حليم بتأخير العذاب عنكم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين انهزموا منكم - يا أصحاب محمد - يوم التقى جَمْعُ المشركين في أُحدٍ بجمع المسلمين، إنما حملهم الشيطان على الزلل بسبب بعض ما اكتسبوه من المعاصي، ولقد عفا الله عنهم فلم يؤاخذهم بها فضلًا منه ورحمة، إن الله غفور لمن تاب، حليم لا يعاجل بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.4VKyv"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

روى الواحدي عن محمد بن كعب قال لما رجع رسول الله  إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أُحد قال ناس من أصحابه؛ من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟

فأنزل الله هذه الآية ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ  ﴾ الآية.

ونقول: نعم إن الناس قالوا ذلك كما يعلم من قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا  ﴾ وسيأتي، ولكن هذا القول ليس سبب النزول لهذه الآية وحدها وإنما نزلت مع هذه الآيات الكثيرة بعد تلك الواقعة وما قيل فيها.

الوعد المشار إليه في الآية يحتمل أن يكون المراد به ما تكرر كثيرًا في القرآن من نصر الله المؤمنين ونصر من ينصره، وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد به ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ  ﴾ الآية، وقال بعضهم: إن المراد به وعد النبي لهم عند تعبئتهم واختاره ابن جرير وروى فيه عن السدي أنه قال "لما برز رسول الله  إلى المشركين بأحد أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين، وقال: ولا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جبير، ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد إنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلني بسيفه إلى النار؟

فقام إليه علي بن أبي طالب فقال والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم، فتركه.

فكبر رسول الله  وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟

قال إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته فاستحييت منه، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم وحمل النبي  وأصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله  وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتهبونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله  ، فانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله ثم حمل على أصحاب النبي  ، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تنادوا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم".

أي قتلوا منهم سبعين كما هو معلوم من الروايات المفصلة.

وإنما ذكرنا هنا رواية السدي بطولها لما فيها من التصريح بأن النبي  قال للرماة "فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم"، والتفصيل الذي يعين على فهم الآية وغيرها، ومنها أن الرماة لم يعصوا كلهم وإنما أولئك بعض عامتهم، وأما الخاصة الراسخون في الإيمان العارفون بالواجب فقد ثبتوا، والمختار عندنا أن المراد بوعد الله هنا ما تكرر في القرآن وإنما قال النبي ما قال للرماة عملًا بالقرآن وتأولًا له فإنه تعالى قرن الوعد فيه بشروط لا تتم إلا بالطاعة والثبات.

فملخص تفسير الآية هكذا ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ  ﴾ إياكم بالنصر حتى في هذه الواقعة ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ  ﴾ أي المشركين أي تقتلونهم قتلًا ذريعًا ﴿ بِإِذْنِهِ  ﴾ تعالى أي بعنايته وتأييده لكم ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ضعفتم في الرأي والعمل فلم تقووا على حبس أنفسكم عن الغنيمة، ﴿ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ فقال بعضكم ما بقاؤنا هنا وقد انهزم المشركون وقال الآخرون لا نخالف أمر الرسول، ﴿ وَعَصَيْتُمْ  ﴾ رسولكم وقائدكم بترك أكثر الرماة للمكان الذي أقامهم فيه يحمون ظهوركم بنضح المشركين بالنبل ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ  ﴾ من النصر والظفر فصبرتم على الضراء ولم تصبروا في السراء، ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا  ﴾ كالذين تركوا مكانهم وذهبوا وراء الغنيمة ليصيبوا منها، ﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ  ﴾ كالذين ثبتوا من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير وهم نحو عشرة وكان الرماة خمسين رجلًا، والذين ثبتوا مع النبي  وهم ثلاثون رجلًا.

أي صدقكم وعده ونصركم على قلتكم وكثرة المشركين واستمر هذا النصر إلى أن فشلتم وتنازعتم وعصيتم، فعندما وصلتم إلى هذه الغاية، لم تعودوا مستحقين لهذه العناية، لمخالفتكم لسننه في استحقاق النصر، الذي وعد به أهل الثبات والصبر، فعلى هذا تكون "حتى" للغاية و"إذا" في قوله: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ  ﴾ ليست للشروط وإنما هي بمعنى الحين والوقت هذا هو المختار، والوجه الثاني أنها للشرط وجوابها محذوف تقديره عند البصريين "منعكم نصره" أو نحوه، وإن الحكمة في حذف الجواب هنا على القول به هي أن تذهب النفس في تقديره كل مذهب، ومثل هذا الحذف لا يأتي في الكلام البليغ إلا حيث ينتظر المخاطب الجواب بكل شغف ولهف ولك أن تجعل تقديره: امتحنكم بالإدالة منكم ليمحصكم ويميز المخلصين والصادقين منكم.

وحاصل المعنى أنه بعد أن صدقكم وعده فكنتم تقتلونهم بإذنه ومعونته قتل حس واستئصال صرفكم عنهم بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم، وحال بينكم وبين تمام النصر ليمتحنكم بذلك أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ويختبر أو لأجل أن يكون ذلك ابتلاء واختبارًا يمحصكم به ويميز بين الصادقين والمنافقين ويزيل، بين الأقوياء والضعفاء كما علم من الآيات السابقة.

وقد اسند الله تعالى صرف المؤمنين عن المشركين إلى نفسه هنا باعتبار غايته الحميدة في تربيتهم وتمحيصهم الذي يعهدهم للنصر الكامل والظفر الشامل في المستقبل وأضاف ما أصابهم إليهم في قوله الذي سيأتي في السياق ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ  ﴾ باعتبار سببه وهو ما كان منهم من الفشل والتنازع والعصيان، وقد عد بعضهم إسناد الصرف إليه هنا مشكلًا لا سيما على مذهب المعتزلة الذين تكلف علماؤهم في تخريجه تكلفًا لا حاجة إليه، إذ لا إشكال فيه، ولكن المذاهب والاصطلاحات هي التي تولد لأصحابها المشكلات.

قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ  ﴾ بذلك التحميص الذي محا أثر الذنب من نفوسكم فصرتم كأنكم لم تفشلوا ولم تتنازعوا ولم تعصوا، وقد ظهر أثر هذا العفو في حمراء الأسد.

﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فلا يذرهم على ما هم عليه من ضعف يلم ببعضهم، أو تقصير يهبط بنفوس غير الراسخين منهم، حتى يبتلي ما في قلوبهم، ويمحص ما في صدورهم، فيكونوا من المخلصين.

﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ  ﴾ أي صرفكم عنهم في ذلك الوقت الذي أصعدتم فيه أي ذهبتم وأبعدتم في الأرض منهزمين -وهو غير الصعود الذي هو الذهاب في المرتفعات كالجبال- لا تلوون أي لا تعطفون على أحد بنجدة ولا مدافعة، ولا تلتفون إلى من وراءكم لشدة الدهشة التي عرتكم والذعر الذي فاجأكم.

﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ  ﴾ أي تفعلون ذلك والرسول من ورائكم يدعوكم إليه فيمن تأخر معه منكم فكانوا ساقة الجيش -روي أنه كان يقول في دعوته: "إليّ عباد الله إليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكر فله الجنة"- وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، وكان يجب أن يكون لكم أسوة حسنة بالرسول فتقتدوا به في صبره وثباته ولكن أكثركم لم يفعل ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ  ﴾ ، الغم هو الألم الذي يفاجئ الإنسان عند نزول المصيبة وأما الحزن فهو الألم الذي يكون بعد ذلك ويستمر زمنًا.

﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ  ﴾ أي لأجل أن لا تحزنوا بعد هذا التأديب والتمرين على ما فاتكم من غنيمة ومنفعة، ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ  ﴾ من قرح ومصيبة فإن التربية إنما تكون بالعمل والتمرن الذي به يكمل الإيمان وترسخ الأخلاق.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون الضمير في "فأثابكم" للرسول أي فآساكم في الاغتمام وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمه ما نزل بكم فأثابكم غمًا اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يثربكم على عصيانكم ومخالفتكم لأمره، وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو.

﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ ، يقول فلا تعتذروا عن أنفسكم ولا تخادعوها فإن الخبير بأعمالكم المحيط بنفوسكم لا يخفى عليه من أمركم خافية وإنما المعوّل على علمه وخبره لا على إعذاركم وتأويلكم لأنفسكم ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ  ﴾ اختلف المفسرون في وقت هذا النعاس فقال بعضهم إن ذلك كان في أثناء الواقعة وأن الرجل كان ينام تحت ترسه كأنه آمن من كل خوف وفزع، إلا المنافقين فإنهم أهمتهم أنفسهم فاشتد جزعهم، وحمل بعضهم هذه الآية على آية الأنفال: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ  ﴾ وإنما هذه في غزوة بدر.

وقد مضت السنة في الخلق بأن من يتوقع في صبيحة ليلته هولًا كبيرًا ومصابًا عظيمًا فإنه يتجافى جنبه عن مضجعه ويبيت بليلة الملسوع فيصبح خاملًا ضعيفًا، وقد كان المؤمنون يوم بدر يتوقعون مثل ذلك إذ بلغهم أن جيشًا يزيد على عددهم ثلاثة أضعاف سيحاربهم غدًا وهو أشد منهم قوة وأعظم عدة فكان من مقتضى العادة أن يناموا على بساط الأرق والسهاد يضربون أخماسًا لأسداس، ويفكرون بما سيلاقون في غدهم من الشدة والبأس، ولكن الله رحمهم بما أنزل عليهم من النعاس، غشيهم فناموا واثقين بالله تعالى مطمئنين لوعده، وأصبحوا على همة ونشاط في لقاء عدوهم وعدوه، فالنعاس لم يكن يوم بدر في وقت الحرب بل قبلها ومثله المطر الذي أنزل عليهم عند شدة حاجتهم إليه وقد قرن ذكره به في الآية التي ذكرتهم بعناية الله بهم في ذلك.

وأما النعاس يوم أُحد فقد قيل إنه كان في أثناء الحرب، وقيل إنه كان بعدها وقد اتفق المفسرون وأهل السير على أن المؤمنين قد أصابهم يوم أُحد شيء من الضعف والوهن لما أصابهم من الفشل والعصيان، وقتل طائفة من كبارهم وشجعانهم فكانوا بعد انتهاء الواقعة قسمين، فقسم منهم ذكروا ما أصابهم فعرفوا أنه كان بتقصير من بعضهم وذكروا الله ووعده بنصرهم فاستغفروا لذنوبهم ووثقوا بوعد ربهم، وعلموا أنه إن كان قد غلبوا في هذه المرة فإن الله سينصرهم في غيرها حيث لا يعودون إلى مثل ما وقع منهم فيها من الفشل والتنازع وعصيان قائدهم ورسولهم، فأنزل الله عليهم النعاس أمنة، أو الأمنة نعاسًا، حتى يستردوا ما فقدوا من القوة بما أصابهم من القرح، ومع عرض لهم من الضعف، والنوم للمصاب بمثل تلك المصائب نعمة كبيرة، وعناية من الله عظيمة، وقد كان من أثر هذا الاطمئنان في القلوب، والراحة للأجسام، والتسليم للقضاء، أن سهل على هؤلاء المؤمنين اقتفاء أثر المشركين بعد انصرافهم، وعزموا على قتالهم في حمراء الأسد عندما دعاهم الرسول إلى ذلك فاستجابوا له مذعنين.

واتفق الرواة أيضًا على أن كثيرًا منهم كانوا مثقلين بالجراح فلم يقدروا على اقتفاء أثر المشركين فذلك قوله تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ  ﴾ فهذه الطائفة من المؤمنين الضعفاء، ولا حاجة إلى جعلها في المنافقين كما قيل، فإن هؤلاء سيأتي الكلام فيهم وما من أمة إلا وفيها الضعفاء والأقوياء في الإيمان وغيره.

وقد بيّن ظنهم بقوله: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ  ﴾ فنلام أن ولينا وغلبنا؟

يعنون أنه ليس لهم من أمر النصر وعدمه شيء فإنهم فهموا مما وقع يوم بدر أن النصر وحقية الدين متلازمان، وعجبوا مما وقع في أحد كأنه مناف لحقيقة الدين، وهذا خطأ عظيم، أي فإن نصر الله لرسله لا يمنع أن تكون الحرب سجالًا والعاقبة للمتقين.

﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ  ﴾ لا أمر النصر وحده، أي إن كل أمر يجري بحسب سننه تعالى في خلقه ونظامه الذي ربط فيه الأسباب بالمسببات ومنه نصر من ينصره من المؤمنين ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا  ﴾ أي لو كان أمر النصر والظفر في أيدينا لما وقع فينا القتل هنا، يقررون رأيهم ويستدلون عليه بما وقع لهم غافلين عن تحديد الآجال ولذلك أمر الله نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ  ﴾ أي لو كنتم وادعين في بيوتكم في سلم وأمان لخرج من بينكم من انتهت آجالهم وثبت في علم الله أنهم يقتلون كما يثبت المكتوب في الألواح والأوراق إلى حيث يقتلون ويسقطون من البراز، فتكون مصارعهم ومضاجع الموت لهم فقتل من قتل لم يكن لأن الأمر ليس كله بيد الله بل لأن آجالهم قد جاءت كما سبق في علم الله.

﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ أي يقع ذلك لأجل أن يكون القتل عاقبة من جاء أجلهم منكم ولأجل أن يمتحن الله نفوسكم فيظهر لكم ما انطوت عليه من ضعف وقوة في الإيمان، ويطهرها حتى تصل إلى الدرجات العلى من الإيقان، وقد تقدم تفسير الابتلاء والتمحيص في هذا السياق ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ  ﴾ أي بالسرائر والوجدانات الملازمة للصدور حيث القلوب المنفعلة بها، والمنبسطة أو المنقبضة بتأثيرها، وقد يخفى ذلك على أصحابها فينخدعون للشعور العارض لها الذي لم يرسخ بالتجارب والابتلاء كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا  ﴾ أي إن الذين تولوا وفروا من أماكنهم يوم التقى جمعكم بجمع المشركين في أُحد لم يكن ذلك التولي منهم إلا بإيقاع الشيطان لهم في الزلل، أي زلوا وانحرفوا عما يجب أن يكونوا ثابتين عليه باستجرار الشيطان لهم بالوسوسة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله