الآية ١٥٩ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٥٩ من سورة آل عمران

فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 189 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٩ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم ، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته ، المتبعين لأمره ، التاركين لزجره ، وأطاب لهم لفظه : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) أي : أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم .

قال قتادة : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) يقول : فبرحمة من الله لنت لهم .

و " ما " صلة ، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) [ النساء : 155 ، المائدة : 13 ] وبالنكرة كقوله : ( عما قليل ) [ المؤمنون : 40 ] وهكذا هاهنا قال : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) أي : برحمة من الله .

وقال الحسن البصري : هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به .

وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) [ التوبة : 128 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حيوة ، حدثنا بقية ، حدثنا محمد بن زياد ، حدثني أبو راشد الحبراني قال : أخد بيدي أبو أمامة الباهلي وقال : أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أبا أمامة ، إن من المؤمنين من يلين لي قلبه " .

انفرد به أحمد .

ثم قال تعالى : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) الفظ : الغليظ ، [ و ] المراد به هاهنا غليظ الكلام ، لقوله بعد ذلك : ( غليظ القلب ) أي : لو كنت سيئ الكلام قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك ، ولكن الله جمعهم عليك ، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم ، كما قال عبد الله بن عمرو : إنه رأى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : أنه ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح .

وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي ، أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي ، حدثنا عمار بن عبد الرحمن ، عن المسعودي ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض " حديث غريب .

ولهذا قال تعالى : ( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث ، تطييبا لقلوبهم ، ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم [ كما ] شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا : يا رسول الله ، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك ، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن نقول : اذهب ، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن [ شمالك ] مقاتلون .

وشاورهم - أيضا - أين يكون المنزل ؟

حتى أشار المنذر بن عمرو المعنق ليموت ، بالتقدم إلى أمام القوم ، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو ، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم ، فخرج إليهم .

وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ ، فأبى عليه ذلك السعدان : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فترك ذلك .

وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين ، فقال له الصديق : إنا لم نجئ لقتال أحد ، وإنما جئنا معتمرين ، فأجابه إلى ما قال .

وقال عليه السلام في قصة الإفك : " أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم ، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء ، وأبنوهم بمن - والله - ما علمت عليه إلا خيرا " .

واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة ، رضي الله عنها .

فكان [ صلى الله عليه وسلم ] يشاورهم في الحروب ونحوها .

وقد اختلف الفقهاء : هل كان ذلك واجبا عليه أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم ؟

على قولين .

وقد قال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي ، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر ، حدثنا سعيد بن [ أبي ] مريم ، أنبأنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس في قوله : ( وشاورهم في الأمر ) قال : أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما .

ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

وهكذا رواه الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : نزلت في أبي بكر وعمر ، وكانا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه وأبوي المسلمين .

وقد روى الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد الحميد ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر : " لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما " .

وروى ابن مردويه ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم ؟

قال " مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم " .

وقد قال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يحيى بن أبي بكير عن شيبان عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المستشار مؤتمن " .

ورواه أبو داود والترمذي ، وحسنه [ و ] النسائي ، من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط منه .

ثم قال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أسود بن عامر ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن أبي عمرو الشيباني ، عن أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المستشار مؤتمن " .

تفرد به .

[ وقال أيضا ] وحدثنا أبو بكر ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه .

تفرد به أيضا .

وقوله : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) أي : إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ( إن الله يحب المتوكلين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فبما رحمة من الله "، فبرحمة من الله، و " ما " صلة.

(3) وقد بينت وجه دخولها في الكلام في قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [سورة البقرة: 26].

(4) والعرب تجعل " ما " صلة في المعرفة والنكرة، كما قال: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [سورة النساء: 155 سورة المائدة: 13]، والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم.

وهذا في المعرفة.

وقال في النكرة: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ [سورة المؤمنون: 40]، والمعنى: عن قليل.

وربما جعلت اسما وهي في مذهب صلة، فيرفع ما بعدها أحيانًا على وجه الصلة، ويخفض على إتباع الصلة ما قبلها، كما قال الشاعر: (5) فَكَـفَى بِنَـا فَضْـلا عَـلَى مَنْ غَيْرِنَا حُـــبُّ النَّبــيِّ مُحَــمَّدٍ إِيَّانَــا (6) إذا جعلت غير صلة رفعتَ بإضمار " هو "، وإن خفضت أتبعت " من "، (7) فأعربته.

فذلك حكمه على ما وصفنا مع النكرات.

فأما إذا كانت الصلة معرفة، كان الفصيح من الكلام الإتباع، كما قيل: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ، والرفع جائز في العربية.

(8) * * * وبنحو ما قلنا في قوله: " فبما رحمة من الله لنت لهم "، قال جماعة من أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 8119- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " فبما رحمة من الله لنت لهم "، يقول: فبرحمة من الله لنت لهم.

* * * وأما قوله: " ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك "، فإنه يعني بـ" الفظ " الجافي، وبـ" الغليظ القلب "، القاسي القلب، غير ذي رحمة ولا رأفة.

وكذلك كانت صفته صلى الله عليه وسلم، كما وصفه الله به: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [سورة التوبة: 128].

* * * فتأويل الكلام: فبرحمة الله، يا محمد، ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك =" لنت لهم "، لتبَّاعك وأصحابك، فسُهلت لهم خلائقك، وحسنت لهم أخلاقك، حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمَه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتَّبعك ولا ما بُعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم، فبرحمة من الله لنت لهم.

كما:- 8120- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك "، إي والله، لطهَّره الله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبًا رحيما بالمؤمنين رءوفًا = وذكر لنا أن نعت محمد صلى &; 7-342 &; الله عليه وسلم في التوراة: " ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح ".

8121- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بنحوه.

8122- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك "، قال: ذكر لينه لهم وصبره عليهم = لضعفهم، وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه = في كل ما خالفوا فيه مما افترض عليهم من طاعة نبيِّهم.

(9) * * * وأما قوله: " لانفضوا من حولك "، فإنه يعني: لتفرقوا عنك.

كما:- 8123- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح قال، قال ابن عباس: قوله: " لانفضوا من حولك "، قال: انصرفوا عنك.

8124- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " لانفضوا من حولك "، أي: لتركوك.

(10) * * * القول في تأويل قوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فاعف عنهم "، فتجاوز، يا محمد، عن تُبَّاعك وأصحابك من المؤمنين بك وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروهٍ في نفسك =" واستغفر لهم "، وادع ربك لهم بالمغفرة لما أتوا من جُرْم، واستحقوا عليه عقوبة منه.

كما:- 8125- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فاعف عنهم "، أي: فتجاوز عنهم =" واستغفر لهم "، ذنوبَ من قارف من أهل الإيمان منهم.

(11) * * * ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى ذكره نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم، وما المعنى الذي أمره أن يشاورهم فيه؟

فقال بعضهم: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: " وشاورهم في الأمر "، بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب وعند لقاء العدو، تطييبًا منه بذلك أنفسَهم، وتألّفًا لهم على دينهم، وليروا أنه يسمع منهم ويستعين بهم، وإن كان الله عز وجل قد أغناه = بتدبيره له أمورَه، وسياسته إيّاه وتقويمه أسبابه = عنهم.

*ذكر من قال ذلك: 8126- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين "، &; 7-344 &; أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء، لأنه أطيب لأنفس القوم = وأنّ القوم إذا شاور بعضهم بعضًا وأرادوا بذلك وجه الله، عزم لهم على أرشدِه.

8127- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " وشاورهم في الأمر "، قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه الوحي من السماء، لأنه أطيب لأنفسهم.

8128- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " وشاورهم في الأمر "، أي: لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم، و إن كنت عنهم غنيًّا، تؤلفهم بذلك على دينهم.

(12) * * * وقال آخرون: بل أمره بذلك في ذلك.

ليبين له الرأي وأصوبَ الأمور في التدبير، (13) لما علم في المشورة تعالى ذكره من الفضْل.

*ذكر من قال ذلك: 8129- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم قوله: " وشاورهم في الأمر "، قال: ما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشورة، إلا لما علم فيها من الفضل.

8130- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا معتمر بن سليمان، عن إياس بن دغفل، عن الحسن: ما شاور قوم قط إلا هُدُوا لأرشد أمورهم.

(14) * * * وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة أصحابه فيما أمرَه بمشاورتهم فيه، مع &; 7-345 &; إغنائه بتقويمه إياه وتدبيره أسبابه عن آرائهم، ليتبعه المؤمنون من بعده فيما حزبهم من أمر دينهم، ويستنُّوا بسنَّته في ذلك، ويحتذوا المثالَ الذي رأوه يفعله في حياته من مشاورتَه في أموره = مع المنـزلة التي هو بها من الله = أصحابَهُ وتبَّاعَهُ في الأمر ينـزل بهم من أمر دينهم ودنياهم، (15) فيتشاوروا بينهم ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم.

لأن المؤمنين إذا تشاوروا في أمور دينهم متبعين الحق في ذلك، لم يُخْلهم الله عز وجل من لطفه وتوفيقه للصواب من الرأي والقول فيه.

قالوا: وذلك نظير قوله عز وجل الذي مدح به أهل الإيمان: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [سورة الشورى: 38].

*ذكر من قال ذلك: 8131- حدثنا سوَّار بن عبد الله العنبري قال، قال سفيان بن عيينة في قوله: " وشاورهم في الأمر "، قال: هي للمؤمنين، أن يتشاوروا فيما لم يأتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أثر.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان = وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها، (16) ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنـزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته صلى الله عليه وسلم يفعله.

فأما النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك.

وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله في ذلك، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق، (17) وإرادةِ &; 7-346 &; جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حَيْد عن هدى، فالله مسدِّدهم وموفِّقهم.

* * * وأما قوله: " فإذا عزمت فتوكل على الله "، فإنه يعني: فإذا صحِّ عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحزبك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك، أو خالفها =" وتوكل "، فيما تأتي من أمورك وتدع، وتحاول أو تزاول، على ربك، فثق به في كل ذلك، وارض بقضائه في جميعه، دون آراء سائر خلقه ومعونتهم =" فإن الله يحب المتوكلين "، وهم الراضون بقضائه، والمستسلمون لحكمه فيهم، وافق ذلك منهم هوى أو خالفه.

كما:- 8132- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " فإذا عزمت فتوكل على الله إنّ الله يحب المتوكلين " =" فإذا عزمت "، أي: على أمر جاءك مني، أو أمر من دينك في جهاد عدوك لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، فامض على ما أمرتَ به، على خلاف من خالفك وموافقة من وافقك = و " توكل على الله "، (18) أي: ارضَ به من العباد =" إن الله يحب المتوكلين ".

(19) 8133- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " فإذا عزمت فتوكل على الله "، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويستقيمَ على أمر الله، ويتوكل على الله.

8134- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " فإذا عزمت فتوكل على الله "، الآية، أمره الله إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل عليه.

------------------- الهوامش : (3) "الصلة" ، الزيادة ، انظر ما سلف 1: 190 / 405 ، تعليق: 4 / 406 / 548 ، ثم فهرس المصطلحات في سائر الأجزاء.

(4) انظر ما سلف 1: 404 ، 405.

(5) هو حسان بن ثابت ، أو كعب بن مالك ، أو غيرهما ، انظر ما سلف 1: 404 تعليق: 5.

(6) سلف تخريج البيت في 1: 404 ، تعليق: 5.

(7) وذلك أن"من" و"ما" حكمهما في هذا واحد ، كما سلف في 1: 404.

(8) انظر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 244 ، 245.

(9) الأثر: 8122- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو من تتمة الآثار التي آخرها: 8118 ، وهو في السيرة تال للأثر الآتي رقم: 24 : 8.

(10) الأثر: 8124- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8122 ، ولكنه سابق له في سيرة ابن هشام.

(11) الأثر: 8125- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8124 ، ولكنه تال للأثر رقم: 8122 في سياق السيرة.

وفي سيرة ابن هشام: "ذنوبهم من قارف" ، ولكن طابع السيرة جعل"ذنوبهم" من الآية ، فحصرها بين أقواس مع لفظ الآية!!

وهو عجب!

(12) الأثر: 8128- سيرة ابن هشام 3: 123 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8125.

(13) في المطبوعة: "بل أمره بذلك في ذلك وإن كان له الرأي وأصوب الأمور.

.

." ، لم يستطع الناشر أن يحسن قراءة المخطوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(14) الأثر: 8130-"إياس بن دغفل الحارثي ، أبو دغفل" ، روي عن الحسن ، وأبي نضرة وعطاء وغيرهم ، وروى عنه معتمر بن سليمان ، وأبو داود الطيالسي ، وأبو عامر العقدي.

وهو ثقة.

مترجم في التهذيب.

(15) قوله: "أصحابه وتباعه" منصوب مفعول لقوله: "من مشاورته في أموره.

.

." (16) في المطبوعة: "ما في الأمور" ، والصواب ما في المخطوطة ، ولكن الناشر الأول لم يحسن قراءتها.

يريد: الوجه الذي تؤتى منه الأمور وتطلب.

(17) "توخى الأمر": تحراه وقصده ويممه ، ثم تقلب واوه ألفًا فيقال"تأخيت الأمر" ، والشافعي رضي الله عنه يكثر من استعمالها في كتبه كذلك.

ثم انظر تعليق أخي السيد أحمد ، على رسالة الشافعي ص: 504 ، تعليق: 2.

(18) هكذا ثبت في المخطوطة والمطبوعة وسيرة ابن هشام: "وتوكل" بالواو ، وهو جائز ، لأنه في سياق التفسير ، وأما الآية فهي"فتوكل" بالفاء ، فلذلك جعلت الواو خارج القوس.

(19) الأثر: 8132- سيرة ابن هشام 3: 123 ، 124 ، وهو من تمام الآثار التي آخرها: 8128.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" ما " صلة فيها معنى التأكيد ، أي فبرحمة ; كقوله : عما قليل فبما نقضهم ميثاقهم جند ما هنالك مهزوم .

وليست بزائدة على الإطلاق ، وإنما أطلق عليها سيبويه معنى الزيادة من حيث زال عملها .

ابن كيسان : " ما " نكرة في موضع جر بالباء ورحمة بدل منها .

ومعنى الآية : أنه عليه السلام لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم يعنفهم بين الرب تعالى أنه إنما فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه .

وقيل : " ما " استفهام .

والمعنى : فبأي [ ص: 234 ] رحمة من الله لنت لهم ; فهو تعجيب .

وفيه بعد ; لأنه لو كان كذلك لكان " فبم " بغير ألف .

لنت من لان يلين لينا وليانا بالفتح .

والفظ الغليظ الجافي .

فظظت تفظ فظاظة وفظاظا فأنت فظ .

والأنثى فظة والجمع أفظاظ .

وفي صفة النبي عليه السلام ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ; وأنشد المفضل في المذكر :وليس بفظ في الأداني والأولى يؤمون جدواه ولكنه سهل وفظ على أعدائه يحذرونهفسطوته حتف ونائله جزلوقال آخر في المؤنث :أموت من الضر في منزلي وغيري يموت من الكظهودنيا تجود على الجاهلي ن وهي على ذي النهى فظهوغلظ القلب عبارة عن تجهم الوجه ، وقلة الانفعال في الرغائب ، وقلة الإشفاق والرحمة ، ومن ذلك قول الشاعر :يبكى علينا ولا نبكي على أحد لنحن أغلظ أكبادا من الإبلومعنى لانفضوا لتفرقوا ; فضضتهم فانفضوا ، أي فرقتهم فتفرقوا ; ومن ذلك قول أبي النجم يصف إبلا :مستعجلات القيض غير جرد ينفض عنهن الحصى بالصمدوأصل الفض الكسر ; ومنه قولهم : لا يفضض الله فاك .

والمعنى : يا محمد لولا رفقك لمنعهم الاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم .قوله تعالى : فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فيه ثمان مسائل : الأولى : قال العلماء : أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ ; وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة ; فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضا ، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلا للاستشارة في [ ص: 235 ] الأمور .

قال أهل اللغة : الاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها بجري أو غيره .

ويقال للموضع الذي تركض فيه : مشوار .

وقد يكون من قولهم : شرت العسل واشترته فهو مشور ومشتار إذا أخذته من موضعه ، قال عدي بن زيد :في سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ماذي مشارالثانية : قال ابن عطية : والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ; من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب .

هذا ما لا خلاف فيه .

وقد مدح الله المؤمنين بقوله : وأمرهم شورى بينهم .

قال أعرابي : ما غبنت قط حتى يغبن قومي ; قيل : وكيف ذلك ؟

قال لا أفعل شيئا حتى أشاورهم .

وقال ابن خويز منداد : واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون ، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها .

وكان يقال : ما ندم من استشار .

وكان يقال : من أعجب برأيه ضل .الثالثة : قوله تعالى : وشاورهم في الأمر يدل على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون مع إمكان الوحي ; فإن الله أذن لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك .

واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام أن يشاور فيه أصحابه ; فقالت طائفة : ذلك في مكائد الحروب ، وعند لقاء العدو ، وتطييبا لنفوسهم ، ورفعا لأقدارهم ، وتألفا على دينهم ، وإن كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم بوحيه .

روي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق والشافعي .

قال الشافعي : هو كقوله ( والبكر تستأمر ) تطيبا لقلبها ; لا أنه واجب .

وقال مقاتل وقتادة والربيع : كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم : فأمر الله تعالى ; نبيه عليه السلام أن يشاورهم في الأمر : فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم ، وأطيب لنفوسهم .

فإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم .

وقال آخرون : ذلك فيما لم يأته فيه وحي .

روي ذلك عن الحسن البصري والضحاك قالا : ما أمر الله تعالى نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ، ولتقتدي به أمته من بعده .

وفي قراءة ابن عباس : " وشاورهم في بعض الأمر " ولقد أحسن القائل :شاور صديقك في الخفي المشكل واقبل نصيحة ناصح متفضل[ ص: 236 ] فالله قد أوصى بذاك نبيه في قوله : ( شاورهم ) و ( توكل )جاء في مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : المستشار مؤتمن .

قال العلماء : وصفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالما دينا ، وقلما يكون ذلك إلا في عاقل .

قال الحسن : ما كمل دين امرئ ما لم يكمل عقله .

فإذا استشير من هذه صفته واجتهد في الصلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه ; قاله الخطابي وغيره .الخامسة : وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلا مجربا وادا في المستشير .

قال :شاور صديقك في الخفي المشكلوقد تقدم .

وقال آخر :وإن باب أمر عليك التوى فشاور لبيبا ولا تعصهفي أبيات .

والشورى بركة .

وقال عليه السلام : ما ندم من استشار ولا خاب من استخار .

وروى سهل بن سعد الساعدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شقي قط عبد بمشورة وما [ ص: 237 ] سعد باستغناء رأي .

وقال بعضهم : شاور من جرب الأمور ; فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غاليا وأنت تأخذه مجانا .

وقد جعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الخلافة - وهي أعظم النوازل - شورى .

قال البخاري : وكانت الأئمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها .

وقال سفيان الثوري : ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ، ومن يخشى الله تعالى .

وقال الحسن : والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم .

وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم .السادسة : والشورى مبنية على اختلاف الآراء ، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ، وينظر أقربها قولا إلى الكتاب والسنة إن أمكنه ، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلا عليه ، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب ; وبهذا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية .السابعة : قوله تعالى : فإذا عزمت فتوكل على الله قال قتادة : أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله ، لا على مشاورتهم .

والعزم هو الأمر المروى المنقح ، وليس ركوب الرأي دون روية عزما ، إلا على مقطع المشيحين من فتاك العرب ; كما قال :إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانباولم يستشر في رأيه غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحباوقال النقاش : العزم والحزم واحد ، والحاء مبدلة من العين .

قال ابن عطية : وهذا خطأ ; [ ص: 238 ] فالحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه .

والعزم قصد الإمضاء ; والله تعالى يقول : وشاورهم في الأمر فإذا عزمت .

فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم .

والعرب تقول : قد أحزم لو أعزم .

وقرأ جعفر الصادق وجابر بن زيد : " فإذا عزمت " بضم التاء .

نسب العزم إلى نفسه سبحانه إذ هو بهدايته وتوفيقه ; كما قال : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى .

ومعنى الكلام أي عزمت لك ووفقتك وأرشدتك فتوكل على الله .

والباقون بفتح التاء .

قال المهلب : وامتثل هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر ربه فقال : لا ينبغي لنبي يلبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله .

أي ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف ; لأنه نقض للتوكل الذي شرطه الله عز وجل مع العزيمة .

فلبسه لأمته - صلى الله عليه وسلم - حين أشار عليه بالخروج يوم أحد من أكرمه الله بالشهادة فيه ، وهم صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر : يا رسول الله اخرج بنا إلى عدونا ; دال على العزيمة .

وكان - صلى الله عليه وسلم - أشار بالقعود ، وكذلك عبد الله بن أبي أشار بذلك وقال : أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس ، فإن هم أقاموا أقاموا بشر مجلس ، وإن جاءونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه السكك ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام ، فوالله ما حاربنا قط عدو في هذه المدينة إلا غلبناه ، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا غلبنا .

وأبى هذا الرأي من ذكرنا ، وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب .

فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة ، ودخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه ، فندم أولئك القوم وقالوا : أكرهنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; فلما خرج عليهم في سلاحه قالوا : يا رسول الله ، أقم إن شئت فإنا لا نريد أن نكرهك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا ينبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل .الثامنة : قوله تعالى : فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين التوكل : الاعتماد على الله مع إظهار العجز ، والاسم التكلان .

يقال منه : اتكلت عليه في أمري ، وأصله : " اوتكلت " قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، ثم أبدلت منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال .

ويقال : وكلته بأمري توكيلا ، والاسم الوكالة بكسر الواو وفتحها .واختلف العلماء في التوكل ; فقالت طائفة من المتصوفة : لا يستحقه إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سبع أو غيره ، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى .

[ ص: 239 ] وقال عامة الفقهاء : ما تقدم ذكره عند قوله تعالى : وعلى الله فليتوكل المؤمنون .

وهو الصحيح كما بيناه .

وقد خاف موسى وهارون بإخبار الله تعالى عنهما في قوله لا تخافا .

وقال : فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف وأخبر عن إبراهيم بقوله : فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف .

فإذا كان الخليل وموسى الكليم قد خافا - وحسبك بهما - فغيرهما أولى .

وسيأتي بيان هذا المعنى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك.

{ ولو كنت فظا } أي: سيئ الخلق { غليظ القلب } أي: قاسيه، { لانفضوا من حولك } لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ.

فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟!

أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر الله، وجذبا لعباد الله لدين الله.

ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان.

{ وشاورهم في الأمر } أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره: منها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله.

ومنها: أن فيها تسميحا لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي: والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة.

ومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول.

ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلا، وأغزرهم علما، وأفضلهم رأيا-: { وشاورهم في الأمر } فكيف بغيره؟!

ثم قال تعالى: { فإذا عزمت } أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى استشارة { فتوكل على الله } أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئا من حولك وقوتك، { إن الله يحب المتوكلين } عليه، اللاجئين إليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فبما رحمة من الله ) أي : فبرحمة من الله و " ما " ) صلة كقوله ( فبما نقضهم ) ( لنت لهم ) أي : سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك ولم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أحد ، ( ولو كنت فظا ) يعني : جافيا سيئ الخلق قليل الاحتمال ، ( غليظ القلب ) قال الكلبي : فظا في القول غليظ القلب في الفعل ، ( لانفضوا من حولك ) أي : لنفروا وتفرقوا عنك ، يقال : فضضتهم فانفضوا أي فرقتهم فتفرقوا ( فاعف عنهم ) تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد ، ( واستغفر لهم ) حتى أشفعك فيهم ، ( وشاورهم في الأمر ) أي : استخرج آراءهم واعلم ما عندهم من قول العرب : شرت الدابة وشورتها إذا استخرجت جريها ، وشرت العسل وأشرته إذا أخذته من موضعه واستخرجته .

واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبوا وكرهوا .

فقال بعضهم : هو خاص في المعنى أي : وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله تعالى عهد ، قال الكلبي : يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكايد الحرب عند الغزو .

وقال مقاتل وقتادة : أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييبا لقلوبهم ، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم ، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم .

وقال الحسن : قد علم الله عز وجل أنه ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده .

أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي : أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم بن علي الصالحاني ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ، أخبرنا علي بن العباس المقانعي أخبرنا أحمد بن ماهان ، أخبرني أبي ، أخبرنا طلحة بن زيد ، عن عقيل عن الزهري عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : " ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

قوله تعالى : ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) لا على مشاورتهم أي : قم بأمر الله وثق به واستعنه ، ( إن الله يحب المتوكلين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبما رحمة من الله لِنْتَ» يا محمد «لهم» أي سهلت أخلاقك إذ خالفوك «ولو كنت فظا» سيء الخُلُق «غليظ القلب» جافيا فأغلظت لهم «لا نفضُّوا» تفرقوا «من حولك فاعف» تجاوز «عنهم» ما أتوه «واستغفر لهم» ذنوبهم حتى أغفر لهم «وشاورهم» استخرج آراءهم «في الأمر» أي شأنك من الحرب وغيرة تطيبيا لقلوبهم ولستن بك وكان صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لهم.

(فإذا عزمت) على إمضاء ما تريد بعد المشاورة «فَتوكَّلْ على الله» ثق به لا بالمشاورة «إن الله يحب المتوكلين» عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فبرحمة من الله لك ولأصحابك -أيها النبي- منَّ الله عليك فكنت رفيقًا بهم، ولو كنت سيِّئ الخُلق قاسي القلب، لانْصَرَفَ أصحابك من حولك، فلا تؤاخذهم بما كان منهم في غزوة "أُحد"، واسأل الله -أيها النبي- أن يغفر لهم، وشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى مشورة، فإذا عزمت على أمر من الأمور -بعد الاستشارة- فأَمْضِه معتمدًا على الله وحده، إن الله يحب المتوكلين عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

الخطاب فى قوله - تعالى - { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } .

.

.

الخ للنبى صلى الله عليه وسلم .والفاء لترتيب الكلام على ما ينبىء عنه السياق من استحقاق الفارين والمخالفين للملامة والتعنيف منه .

صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية .والباء هنا للسببية ، و " ما " مزيدة للتأكيد ولتقوية معنى الرحمة " لنت " من لان يلين لينا وليانا بمعنى الرفق وسعة الخلق و " الفظ " الغليظ الجافى فى المعاشرة قولا وفعلا .وأصل الفظ - كما يقول الراغب - ماء الكرش وهو مكروه شربه بمقتضى الطبع ولا يشرب إلى فى أشد حالات الضرورة .وغلظ القلب عبارة عن قسوته وقلة تأثره من الغلظة ضد الرقة ، وتنشا عن هذه الغلظة الفظاظة والجفاء .والمعنى : فبسبب رحمة عظيمة فياضة منحك الله إياها يا محمد كنت لينا مع أتباعك فى كل أحوالك ، ولكن بدون إفراط أو تفريط ، فقد وقفت من أخطائهم التى وقعوا فيها فى غزوة أحد موقف القائد الحكيم الملهم فلم تعنفهم على ما وقع منهم وأنت تراهم قد استغرقهم الحزن والهم .

.

بل كنت لينا رفيقا معهم .وهكذا القائد الحكيم لا يكثر من لوم جنده على أخطائهم الماضية ، لأن كثرة اللوم والتعنيف قد تولد اليأس ، وإنما يتلفت إلى الماضى ليأخذ منه العبرة والعظة لحاضره ومستقبله ويغرس فى نفوس الذين معه ما يحفز همتهم ويشحذ عزيمتهم ويجعلهم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم بثقة واطمئنان وبصيرة مستنيرة .وإن الشدة فى غير موضعها تفرق ولا تجمع وتضعف ولا تقوى ، وذا قال - تعالى - { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } .أى ولو كنت - يا محمد - كريه الخلق ، حشن الجانب ، جافيا فى أقوالك وأفعالك ، قاسى القلب لا تتأثر لما يصيب أصحابك .

.

.

ولو كنت كذلك { لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } أى لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك .فالجملة الكريمة تنفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون فظا أو غليظا ، لأن " لو " تدل على نفى الجواب لنفى الشرط .

أى أنك لست - يا محمد - فظا ولا غليظ القلب ولذلك التف أصحابك من حولك يفتدونك بأرواحهم وبكل مرتخص وغال ، ويحبونك حبا يفوق حبهم لأنفسهم ولأولادهم ولآبائهم ولأحب الأشياء إليهم .وقال - سبحانه - { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب } لينفى عنه صلى الله عليه وسلم القسوة والغلظة فى الظاهر والباطن : إذ القسوة الظاهرية تبدو أكثر ما تبدو فى الفظاظة التى هى خشونة الجانب ، وجفاء الطبع ، والقسوة الباطنية تكون بسبب يبوسة القلب ، وغلظ النفس وعدم تأثرها بما يصيب غيرها .والرسول صلى الله عليه وسلم كان مبرأ من كل ذلك ، ويكفى أن الله - تعالى - قد قال فى وصفه : { لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : إنى أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الكتب المتقدمكة .

إنه ليس بفظ ، ولا غليظ ولا صخاب فى الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح .ولقد كان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم مداراة الناس إلا أن يكون فى المداراة حق مضيع فعن عائشة رضى الله عنها ، قالت : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أمرنى بمداراة الناس كما أمرنى بإقامة الفرائض " .ثم أمر الله تعالى ، بما يترتب على الرفق والبشاشة فقال : { فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } .فالفاء هنا تفيد ترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أى أنه يترتب على لين جانبك مع أصحابك ، ورحمتك بهم ، أن تعفو عنهم فيما وقعوا فيه من أخطاء تتعلق بشخصك أو ما وقعوا فيه من مخالفات أدت إلى هزيمتهم فى أحد ، فقد كانت زلة منهم وقد أدبهم الله عليها .وأن تلتمس من الله تعالى ، أن يغفر لهم ما فرط منهم ، إذ فى إظهارك ذلك لهم تأكيد لعفوك عنهم ، وتشجيع لهم على الطاعة والاستجابة لأمرك .

وأن تشاورهم فى الأمر أى فى أمر الحرب ونحوه مما تجرى فيه المشاورة فى العادة من الأمور التى تهم الأمة .وقد جاءت هذه الأوامر للنبى صلى الله عليه وسلم ، على أحسن نسق ، وأحكم ترتيب ، لأن الله تعالى أمره أولاً بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه ، فإذا ما انتهوا إلى هذا المقام ، أمره بأن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى ، لتنزاح عنهم التبعات ، فإذا صاروا إلى هذه الدرجة ، أمره بأ يشاورهم فى الأمر لأنهم قد أصبحوا أهلا لهذه المشاورة .ولقد تكلم العلماء كلاما طويلا عن حكم المشورة وعن معناها ، وعن فوائدها ، فقد قال القرطبى ما ملخصه : والاستشارة مأخوذة من قول العرب : شُرْتُ الدابة وشَوَّرتها ، إذا عملت خبرها وحالها يجرى أو غيره .

.

وقد يكون من قولهم : شُرْتُ العسل واشْتَرتُه ، إذا أخذته من موضعه .ثم قال : واختلف أهل التأويل فى المعنى الذى أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور فيه أصحابه فقالت طائفة : ذلك فى مكائد الحروب ، وعند لقاء العدو ، تطييبا لنفوسهم ورفعاً لأقدارهم وإن كان الله - تعالى - قد أغناه عن رأيهم بوحيه .وقال آخرون : ذلك فيما لم يأته فيه وحى .

فقد قال الحسن : ما أمر الله - تعالى - نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما فى المشاورة من الفضل وليقتدى به أمته من بعده .ثم قال : والشورى من قواعد الشريعة ، وعزائم الأحكام ، والذى لا يستشير أهل العلم والدين - والخبرة - فعزله واجب وهذا لا خلاف فيه .وقد استشار النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه فى كثير من الأمور ، وقال " المستشار مؤتمن " وقال " ما ندم من استشار ولا خاب من استخار " وقال : " ما شقى قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأى " .وقال البخارى : " وكانت الأمة بعد النبى صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم فى الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها " .وقال الفخر الرازى ما ملخصه : " اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحى من عند الله لم يجز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يشاور فيه الأمة ، لأنه إذا جاء النص بطل الرأى والقياس ، فأما مالا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه فى جميع الأشياء أولا؟قال بعضهم : هذا الأمر مخصوص بالمشاورة فى الحروب ، لأن الألف واللام فى لفظ " الأمر " تعود على المعهود السابق وهو ما يتعلق بالحروب - إذ الكلام فى غزوة أحد - .وقال آخرون : اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحى فتبقى حجته فى الباقى وظاهر الأمر فى قوله { وَشَاوِرْهُمْ } للوجوب وحمله الشافعى على الندب .

.والحق أن الشورى أصل من أصول الحكم فى الإسلام ، وقد استشار النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه فى غزوات بدر وأحد والأحزاب وفى غير ذلك من الأمور التى تتعلق بمصالح المسلمين ، وسار على هذا المنهج السلف الصالح من هذه الأمة .ولقد كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور وبتمثل لهم فى كتبه بقول الشاعر :خليلى ليس الرأى فى صدر واحد ...

أشيرا على بالذى تريانوقد تمدح الحكماء والشعراء بفضيلة الشورى وما يترتب عليها من خير ومنفعة ومن ذلك قول بشار بن برد :إذا بلغ الرأى المشورة فاستعن ...

برأى نصيح أو نصيحة حازمولا تحسب الشورى عليك غضاضه ...

فإن الخوافى قوة للقوادموالحكام العقلاء المنصفون المتحرون للحق والعدل هم الذين يقيمون حكمهم على مبدأ الشورى ولا يعادى الشورى من الحكام إلا أحد اثنين :إما رجل قد أصيب بداء الغرور والتعالى ، فهو يتوهم أن قوله هو الحق الذى لا يخالطه باطل ، وأنه ليس محتاجا إلى مشورة غيره وإما رجل ظالم مستبد مجانب للحق ، فهو ينفذ ما يريده بدون مشورة أحد لأنه يخشى إذا استشار غيره أن يطلع الناس على ظلمه وجوره وفجوره .هذا ومتى تمت المشورة على أحسن الوجوه وأصلحها واستقرت الأمور على وجه معين ، فعلى العاقل أن يمضى على ما استقر عليه الرأى بدون تردد أو تخاذل ، ولذا قال - سبحانه - { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين } .أى فإذا عقدت نيتك على إتمام الأمر وإمضائه بعد المشاورة السليمة وبعد أن تبين لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فبادر بتنفيذ ما عقدت العزم على تنفيذه ، و { تَوَكَّلْ عَلَى الله } أى اعتمد عليه فى الوصول إلى غايتك ، فإن الله - تعالى - يحب المعتمدين عليه ، المفوضين أمورهم إليه مع مباشرة الأسباب التى شرعها لهم لكى يصلوا إلى مطلوبهم .فالجملة الكريمة تأمر النبى صلى الله عليه وسلم وتأمر كل من يتأتى له الخطاب بأن يبذل أقصى جهده لمعرفة ما هو صواب بأن يستشير أهل الخبرة كل فى مجال تخصصه فإذا ما استقر رأيه على وجهة نظر معينة - بعد أن درسها دراسة فاحصة واستشار العقلاء الأمناء فيها - فعليه أن يبادر إلى تنفيذها بدون تردد فإن التردد يضيع الأوقات والتأخر كثيرا ما يحول الحسنات إلى سيئات وعليه مع حسن الاستعداد أن يكون معتمدا على الله ، مظهرا العجز أمام قدرته - سبحانه - لأنه هو الخالق للأسباب والمسببات وهو القادر على تغييرها .وكم من أناس اعتمدوا على قوتهم وحدها ، أو على مباشرتهم للأسباب وحدها دون أن يجعلوا للاعتماد على الله مكانا فى نفوسهم ، فكانت نتيجتهم الفشل والخذلان وكانت الهزيمة المنكرة المرة التى اكتسبوها بسبب غرورهم وفجورهم وفسوقهم عن أمر الله .

ورحم الله القائل :إذا لم يكن عون من الله للفتى ...

فأول ما يجنى عليه اجتهاده

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن القوم لما انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالتغليط والتشديد، وإنما خاطبهم بالكلام اللين، ثم إنه سبحانه وتعالى لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم، زاد في الفضل والاحسان بأن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم على عفوه عنهم، وتركه التغليظ عليهم فقال: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ ﴾ ومن أنصف علم أن هذا ترتيب حسن في الكلام.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن لينه صلى الله عليه وسلم مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم قال تعالى: ﴿ واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين  ﴾ وقال: ﴿ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ  ﴾ وقال: ﴿ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنينَ رَؤوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «لا حلم أحب إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه ولا جهل أبغض الى الله من جهل إمام وخرقه» فلما كان عليه الصلاة والسلام إمام العالمين، وجب أن يكون أكثرهم حلما وأحسنهم خلقاً.

وروي أن امرأة عثمان دخلت عليه صلى الله عليه وسلم، وكان النبي وعلي يغسلان السلاح، فقالت: ما فعل ابن عفان؟

أما والله لا تجدونه إمام القوم، فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الزمان اليوم، فقال عليه الصلاة والسلام مه وروي أنه قال حيئنذ: أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا، ولما دخل عليه عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: «لقد ذهبتم فيها عريضة» وروي عن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الاحسان، كنا مشركين، فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين جملة، وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا، فما كنا ندخل في الاسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الايمان، قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم الدين وكملت الشريعة.

وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد فاذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» واعلم أن سر الأمر في حسن الخلق أمران: اعتبار حال القائل، واعتبار حال الفاعل، أما اعتبار حال القائل فلأن جواهر النفوس مختلفة بالماهية، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الأرواح جنود مجندة» وقال: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة» وكما أنها في جانب النقصان تنتهي إلى غاية البلادة والمهانة والنذالة، واستيلاء الشهوة والغضب عليها واستيلاء حب المال واللذات، فكذلك في جانب الكمال قد تنتهي إلى غاية القوة والجلالة، أما في القوة النظرية فيكون كما وصفه الله تعالى بقوله: ﴿ نُّورٌ على نُورٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً  ﴾ وأما في القوة العملية، فكما وصفه الله بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ كأنها من جنس أرواح الملائكة، فلا تنقاد للشهوة ولا تميل لدواعي الغضب، ولا تتأثر من حب المال والجاه، فان من تأثر عن شيء كان المتأثر أضعف من المؤثر، فالنفس إذا مالت إلى هذه المحسوسات كانت روحانياتها أضعف من الجسمانيات، وإذا لم تمل إليها ولم تلتفت إليها كانت روحانياتها مستعلية على الجسمانيات، وهذه الخواص نظرية، وكانت نفسه المقدسة في غاية الجلالة والكمال في هذه الخصال.

وأما اعتبار حال الفاعل فقوله عليه الصلاة والسلام: «من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب» فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب لم يغضب، وإذا حصل له محبوب لم يأنس به، لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً من هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها، ومتى كان الإنسان كذلك كان حسن الخلق، طيب العشرة مع الخلق، ولما كان صلوات الله وسلامه عليه أكمل البشر في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق، لا جرم كان أكمل الخلق في حسن الخلق.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ ﴾ وجه الاستدلال أنه تعالى بين أن حسن خلقه مع الخلق، إنما كان بسبب رحمة الله تعالى، فنقول: رحمة الله عند المعتزلة عامة في حق المكلفين، فكل ما فعله مع محمد عليه الصلاة والسلام من الهداية والدعوة والبيان والارشاد، فقد فعل مثل ذلك مع إبليس وفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب، فإذا كان على هذا القول كل ما فعله الله تعالى مع المكلفين في هذا الباب مشتركا فيه بين أصفى الأصفياء، وبين أشقى الأشقياء لم يكن اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، فكان على هذا القول تعليل حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام برحمة الله باطلا، ولما كان هذا باطلا علمنا أن جميع أفعال العباد بقضاء الله وبقدره، والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف وهذا في غاية البعد، لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف، فقد فعله في حق المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف، فذاك في الحقيقة إنما اكتسبه من نفسه لا من الله، لأنه متى فعل الطاعة استحق ذلك المزيد من اللطف، ووجب إيصاله إليه، ومتى لم يفعل امتنع إيصاله، فكان ذلك للعبد من نفسه لا من الله.

المسألة الثالثة: ذهب الأكثرون الى أن (ما) في قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله ﴾ صلة زائدة ومثله في القرآن كثير، كقوله: ﴿ عَمَّا قَلِيلٍ ﴾ و ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ  ﴾ ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم  ﴾ ﴿ مما خطيئاتهم  ﴾ قالوا: والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد على ما يستغنى عنه، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَن جَاء البشير  ﴾ أراد فلما جاء، فأكد بأن، وقال المحققون: دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائر، وهاهنا يجوز أن تكون (ما) استفهاما للتعجب تقديره: فبأي رحمة من الله لنت لهم، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم إنه ما أظهر ألبتة، تغليظا في القول، ولا خشونة في الكلام، علموا أن هذا لا يتأتى الا بتأييد رباني وتسديد إلهي، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد، فقيل: فبأي رحمة من الله لنت لهم، وهذا هو الأصوب عندي.

المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في صيرورة محمد عليه الصلاة والسلام رحيما بالأمة، فاذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة الا لله سبحانه، والذي يقرر ذلك وجوه: أحدها: أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئاً من ذلك، وإذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال لا محالة، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله:.

وثانيها: أن كل رحيم سوى الله تعالى فانه يستفيد برحمته عوضا، إما هربا من العقاب، أو طلبا للثواب، أو طلبا للذكر الجميل، فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية، فإن من رأى حيوانا في الألم رق قلبه، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الألم، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن قلبه، فلو لم يوجد شيء من هذه الأعراض لم يرحم ألبتة، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض، فلا رحمة إلا لله.

وثالثها: أن كل من رحم غيره فإنه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه والبلاء، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال إلا مع سلامة الأعضاء، وهي ليست إلا من الله تعالى، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله، وأما في الظاهر فكل من أعانه الله على الرحمة سمي رحيما، قال عليه السلام: «الراحمون يرحمهم الرحمن» وقال في صفة محمد عليه السلام: ﴿ بالمؤمنين رؤوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ .

واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد صلى الله عليه وسلم أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة وفيه مسائل.

المسألة الأولى: قال الواحدي: رحمه الله تعالى: الفظ، الغليظ الجانب السيء الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ، وأصله فظظ، كقوله: حذر من حذرت، وفرق من فرقت، الا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحن رجل صب، وأصله صبب، وأما الفض بالضاد فهو تفريق الشيء، وانفض القوم تفرقوا، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا  ﴾ ومنه: فضضت الكتاب، ومنه يقال: لا يفضض الله فاك.

فان قيل: ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب؟

قلنا: الفظ الذي يكون سيء الخلق، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء، فقد لا يكون الإنسان سيء الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم، فظهر الفرق من هذا الوجه.

المسألة الثانية: أن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله الى الخلق، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما، يتجاوز عن ذنبهم، ويعفو عن إساءتهم، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب، بل يكون كثير الميل الى إعانة الضعفاء، كثير القيام بإعانة الفقراء، كثير التجاوز عن سيآتهم، كثير الصفح عن زلاتهم، فلهذا المعنى قال: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة.

وحمل القفال رحمه الله هذه الآية على واقعة أحد قال: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ ﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب ﴾ وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم.

المسألة الثالثة: اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض الى إهمال حق من حقوق الله، فأما إذا أدى الى ذلك لم يجز، قال تعالى: ﴿ يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ  ﴾ وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنا: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله  ﴾ .

وههنا دقيقة أخرى: وهي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية، وأمره بالغلظة في قوله: ﴿ واغلظ عَلَيْهِمْ ﴾ فهاهنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين، فهو كقوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين  ﴾ وقوله: ﴿ أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ  ﴾ وتحقيق القول فيه أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، والفضيلة في الوسط، فورود الأمر بالتغليظ تارة، وأخرى بالنهي عنه، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الافراط والتفريط، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر ﴾ واعلم أنه تعالى أمره في هذه الآية بثلاثة أشياء: أولها: بالعفو عنهم وفيه مسائل.

المسألة الأولى: أن كمال حال العبد ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق الله تعالى، قال عليه السلام: «تخلقوا بأخلاق الله» ثم إنه تعالى لما عفا عنهم في الآية المتقدمة أمر الرسول أيضا أن يعفو عنهم ليحصل للرسول عليه السلام فضيلة التخلق بأخلاق الله.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: (فاعف عنهم) فيما يتعلق بحقك (واستغفر لهم) فيما يتعلق بحق الله تعالى.

المسألة الثالثة: ظاهر الأمر للوجوب، والفاء في قوله تعالى: ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ يدل على التعقيب، فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال، وهذا يدل على كمال الرحمة الإلهية حيث عفا هو عنهم، ثم أوجب على رسوله أن يعفو في الحال عنهم.

واعلم أن قوله: ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ إيجاب للعفو على الرسول عليه السلام، ولما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم، بل ندبهم إليه فقال تعالى: ﴿ والعافين عَنِ الناس  ﴾ ليعلم أن حسنات الأبرار سيآت المقربين.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ واستغفر لَهُمُ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية دلالة قوية على أنه تعالى يعفو عن أصحاب الكبائر، وذلك لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ الله  ﴾ فثبت أن انهزام أهل أحد كان من الكبائر، ثم إنه تعالى نص في الآية المتقدمة على أنه عفا عنهم وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالعفو عنهم، ثم أمره بالاستغفار لهم، وذلك من أدل الدلائل على ما ذكرنا.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ واستغفر لَهُمُ ﴾ أمر له بالاستغفار لأصحاب الكبائر، وإذا أمره بطلب المغفرة لا يجوز أن لا يجيبه إليه، لأن ذلك لا يليق بالكريم، فدلت هذه الآية على أنه تعالى يشفع محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا في حق أصحاب الكبائر، فبأن يشفعه في حقهم في القيامة كان أولى.

المسألة الثالثة: أنه سبحانه وتعالى عفا عنهم أولا بقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ  ﴾ ثم أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالاستغفار لهم ولأجلهم، كأنه قيل له: يا محمد استغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، واعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، وهذا يدل على كمال رحمة الله لهذه الأمة.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: يقال: شاورهم مشاورة وشواراً ومشورة، والقوم شورى، وهي مصدر سمي القوم بها كقوله: ﴿ وَإِذْ هُمْ نجوى  ﴾ قيل: المشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته، وقيل مأخوذة من قولهم: شرت الدابة شورا إذا عرضتها، والمكان الذي يعرض فيه الدواب يسمى مشواراً، كأنه بالعرض يعلم خيره وشره، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها.

المسألة الثانية: الفائدة في أنه تعالى أمر الرسول بمشاورتهم وجوه: الأول: أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم ورفعة درجتهم، وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته، ولو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفظاظة.

الثاني: أنه عليه السلام وإن كان أكمل الناس عقلا إلا أن علوم الخلق متناهية، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله، لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا فإنه عليه السلام قال: «أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم» ولهذا السبب قال عليه السلام: «ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم».

الثالث: قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته.

الرابع: أنه عليه السلام شاورهم في واقعة أحد فأشاروا عليه بالخروج، وكان ميله إلى أن يخرج، فلما خرج وقع ما وقع، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر.

فأمره الله تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة.

الخامس: وشاورهم في الأمر، لا لتستفيد منهم رأياً وعلما، لكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم ومقادير حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك فحينئذ يتميز عندك الفاضل من المفضول فبين لهم على قدر منازلهم.

السادس: وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج إليهم، ولكن لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات.

وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد.

السابع: لما أمر الله محمدا عليه السلام بمشاورتهم دلَّ ذلك على أن لهم عند الله قدراً وقيمة، فهذا يفيد أن لهم قدرا عند الله وقدرا عند الرسول وقدرا عند الخلق.

الثامن: الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده، فهؤلاء لما أذنبوا عفا الله عنهم، فربما خطر ببالهم أن الله تعالى وإن عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة، فبين الله تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة، بل أنا أزيد فيها، وذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم، وبعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم قبل ذلك، والسبب فيه أنكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم وطاعتكم، والآن تعولون على فضلي وعفوي، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظم مما كان قبل ذلك، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم وكرمي أكثر من طاعتكم.

والوجوه الثلاثة الأول مذكورة، والبقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا؟

قال الكلبي وكثير من العلماء: هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب وحجته أن الألف واللام في لفظ الأمر ليسا للاستغراق، لما بين أن الذي نزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه، فوجب حمل الألف واللام هاهنا على المعهود السابق، والمعهود السابق في هذه الآية إنما هو ما يتعلق بالحرب ولقاء العدو، فكان قوله: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر ﴾ مختصا بذلك، ثم قال القائلون بهذا القول: قد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل منه، فأشار عليه السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا، فقبل منهما وخرق الصحيفة، ومنهم من قال: اللفظ عام خص عنه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في الباقي، والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال: ﴿ فاعتبروا ياأولى الأبصار  ﴾ وكان عليه السلام سيد أولي الأبصار، ومدح المستنبطين فقال: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  ﴾ وكان أكثر الناس عقلا وذكاء، وهذا يدل على أنه كان مأمورا بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة فلهذا كان مأمورا بالمشاورة.

وقد شاورهم يوم بدر في الأساري وكان من أمور الدين، والدليل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس أن النص كان لعامة الملائكة في سجود آدم، ثم إن ابليس خص نفسه بالقياس وهو قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ فصار ملعونا، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لما استحق اللعن بهذا السبب.

المسألة الرابعة: ظاهر الأمر للوجوب فقوله: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ ﴾ يقتضي الوجوب، وحمل الشافعي رحمه الله ذلك على الندب فقال هذا كقوله عليه الصلاة والسلام: «البكر تستأمر في نفسها» ولو أكرهها الأب على النكاح جاز، لكن الأولى ذلك تطييبا لنفسها فكذا هاهنا.

المسألة الخامسة: روى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال: الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورته في هذه الآية أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وعندي فيه إشكال، لأن الذين أمر الله رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم وهم المنهزمون، فهب أن عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآية، إلا أن أبا بكر ما كان منهم فكيف يدخل تحت هذه الآية، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى أنه إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده وعصمته، والمقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله في جميع الأمور.

المسألة الثانية: دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه، كما يقوله بعض الجهال، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، بل التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحق.

المسألة الثالثة: حكي عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ ﴾ بضم التاء، كأن الله تعالى قال للرسول إذا عزمت أنا فتوكل، وهذا ضعيف من وجهين: الأول: وصف الله بالعزم غير جائز، ويمكن أن يقال: هذا العزم بمعنى الايجاب والالزام، والمعنى وشاورهم في الأمر، فاذا عزمت لك على شيء وأرشدتك إليه.

فتوكل علي، ولا تشاور بعد ذلك أحدا.

والثاني: أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة لا يجوز إلحاقها بالقرآن، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين ﴾ والغرض منه ترغيب المكلفين في الرجوع الى الله تعالى والإعراض عن كل ما سوى الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

(ما) مزيدة للتوكيد والدلالة على أنّ لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله ونحوه ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم لعناهم ﴾ [المائدة: 13] ومعنى الرحمة: ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم حتى أثابهم غما بغم وآساهم بالمباثة بعد ما خالفوه وعصوا أمره وانهزموا وتركوه ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً ﴾ جافياً ﴿ غَلِيظَ القلب ﴾ قاسيه ﴿ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ لتفرّقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ فيما يختص بك ﴿ واستغفر لَهُمْ ﴾ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر ﴾ يعني في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي لتستظهر برأيهم، ولما فيه من تطييب نفوسهم والرفع من أقدارهم.

وعن الحسن رضي الله عنه: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستنّ به من بعده.

وعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما تشاور قوم قط إلا هدو لأرشد أمرهم» وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقيل: كان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه لئلا يثقل عليهم استبداده بالرأي دونهم.

وقرئ: ﴿ وشاورهم في بعض الأمر ﴾ ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ ﴾ فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح، فإن ما هو أصلح لك لا يعلمه إلا الله لا أنت ولا من تشاور.

وقرئ: ﴿ فإذا عزمت ﴾ بضم التاء، بمعنى فإذا عزمت لك على شيء وأرشدتك إليه فتوكل عليّ ولا تشاور بعد ذلك أحداً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ أيْ فَبِرَحْمَةٍ، وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ لِينَهُ لَهم ما كانَ إلّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وهو رَبْطُهُ عَلى جَأْشِهِ وتَوْفِيقُهُ لِلرِّفْقِ بِهِمْ حَتّى اغْتَمَّ لَهم بَعْدَ أنْ خالَفُوهُ.

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا ﴾ سَيِّئَ الخُلُقِ جافِيًا.

﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ قاسِيهِ.

﴿ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ولَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ.

﴿ فاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ فِيما يَخْتَصُّ بِكَ.

﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فِيما لِلَّهِ.

﴿ وَشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ أيْ في أمْرِ الحَرْبِ إذِ الكَلامُ فِيهِ، أوْ فِيما يَصِحُّ أنْ يُشاوِرَ فِيهِ اسْتِظْهارًا بِرَأْيِهِمْ وتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ وتَمْهِيدًا لِسُنَّةِ المُشاوَرَةِ لِلْأُمَّةِ.

﴿ فَإذا عَزَمْتَ ﴾ فَإذا وطَّنْتَ نَفْسَكَ عَلى شَيْءٍ بَعْدَ الشُّورى.

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ في إمْضاءِ أمْرِكَ عَلى ما هو أصْلَحُ لَكَ، فَإنَّهُ لا يَعْلَمُهُ سِواهُ.

وقُرِئَ «فَإذا عَزَمْتَ»، عَلى التَّكَلُّمِ أيْ فَإذا عَزَمْتُ لَكَ عَلى شَيْءٍ وعَيَّنْتُهُ لَكَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ولا تُشاوِرْ فِيهِ أحَدًا.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ﴾ فَيَنْصُرُهم ويَهْدِيهِمْ إلى الصَّلاحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ} ما مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله ومعنى الرحمة ربطه على جأشه وتوفيقه

للرفق والتلطف بهم {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً} جافياً {غَلِيظَ القلب} قاسيه {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم {فاعف عَنْهُمْ} ما كان منهم يوم أحد مما يختص بك {واستغفر لَهُمُ} فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم {وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر} أي في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحى تطبيبا لنفوسهم وترويحا لقلوبهم ورفعا لأقدارهم أو لتقتدى بك أمتك فيها في الحديث ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم وعن أبى هريرة رضى الله عنه ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى شاورت فلاناً أظهرت ما عندي وما عنده من الرأى وشرت الدابة واستخرجت جريها وشرت العسل أخذته من مآخذ نوفيه دلالة جواز الاجتهاد وبيان أن القياس حجة {فَإِذَا عَزَمْتَ} فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله} في إمضاء أمرك على الأرشد لا على المشورة {إن الله يحب المتوكلين} رعليه والتوكل الاعتماد على الله والتفويض في الأمور إليه وقال ذو النون خلع الأرباب وقطع الأسباب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الكَلامِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ السِّياقُ مِنِ اسْتِحْقاقِ الفارِّينَ المَلامَةَ والتَّعْنِيفَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُقْتَضى الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ حَيْثُ صَدَرُوا عَنْهُ وحِياضُ الأهْوالِ مُتْرَعَةٌ، وشَمَّرُوا لِلْهَزِيمَةِ والحَرْبُ قائِمَةٌ عَلى ساقٍ، أوْ مِن سَعَةِ فَضاءِ مَغْفِرَتِهِ ورَحْمَتِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِلِنْتَ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ، وما: مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وعَلَيْهِ أجِلَّةُ المُفَسِّرِينَ، وهو المَأْثُورُ عَنْ قَتادَةَ، وحَكى الزَّجّاجُ الإجْماعَ عَلَيْهِ وفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً بِمَعْنى شَيْءٍ، (ورَحْمَةٍ) بَدَلٌ مِنها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةً لَها، وقِيلَ: إنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلتَّعَجُّبِ، والتَّقْدِيرُ فَبِأيِّ رَحْمَةٍ لِنْتَ لَهم، والتَّنْوِينُ في رَحْمَةٍ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِلتَّفْخِيمِ، (ومِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها أيْ ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ ﴾ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُنْتَ لَيِّنَ الجانِبِ لَهم ولَمْ تُعَنِّفْهم، ولَعَلَّ المُرادَ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ رَبْطُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى جَأْشِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَخْصِيصِهِ لَهُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وجُعِلَ الرِّفْقُ ولِينُ الجانِبِ مُسَبِّبًا عَنْ رَبْطِ الجَأْشِ؛ لِأنَّ مَن مَلَكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ كانَ كامِلَ الشَّجاعَةِ.

قِيلَ: وأفادَ الكَلامُ في هَذا المَقامِ فائِدَتَيْنِ: إحْداهُما ما يَدُلُّ عَلى شَجاعَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والثّانِيَةُ ما يَدُلُّ عَلى رِفْقِهِ فَهو مِن بابِ التَّكْمِيلِ، وقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هاتانِ الصِّفَتانِ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ ثَبَتَ حَتّى كَرَّ عَلَيْهِ أصْحابُهُ مَعَ أنَّهُ عَراهُ ما عَراهُ ثُمَّ ما زَجَرَهم ولا عَنَّفَهم عَلى الفِرارِ، بَلْ آساهم في الغَمِّ ﴿ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا ﴾ أيْ خَشِنَ الجانِبِ شَرِسَ الأخْلاقِ جافِيًا في المُعاشَرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ أيْ قاسِيَهُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿ فَظًّا ﴾ في الأقْوالِ ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ في الأفْعالِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الفَظَّ سَيِّئُ الخُلُقِ في الأُمُورِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، و ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ السَّيِّئَ في الأُمُورِ الباطِنَةِ، والثّانِي سَبَبٌ لِلْأوَّلِ، وقُدِّمَ المُسَبِّبُ لِظُهُورِهِ إذْ هو الَّذِي يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ لَوْ كُنْتَ عَلى خِلافِ تَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ المُعَبَّرُ عَنْهُما بِالرَّحْمَةِ وهو التَّهَوُّرُ المُشارُ إلَيْهِ بِالفَظاظَةِ وسُوءِ الأخْلاقِ المَرْمُوزِ إلَيْهِ بِغِلَظِ القَلْبِ، فَإنَّ قَساوَةَ القَلْبِ وعَدَمَ تَأثُّرِهِ يَتْبَعُها كُلُّ صِفَةٍ ذَمِيمَةٍ، ولِهَذا ورَدَ: «أبْعَدُ القُلُوبِ عَنِ اللَّهِ تَعالى القُلُوبُ القاسِيَةُ» .

وكَأنَّهُ لِبُعْدِهِ صُدِّرَ بِيُمْكِنُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ في الكَلامِ حَذْفٌ أيْ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ فَلَمْ تَلِنْ لَهم وأغْلَظْتَ عَلَيْهِمْ ﴿ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ أيْ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ ونَفَرُوا مِنكَ ولَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ وتَرَدَّوْا في مُهاوِي الرَّدى ولَمْ يَنْتَظِمْ أمْرُ ما بُعِثْتَ بِهِ مِن هِدايَتِهِمْ وإرْشادِهِمْ إلى الصِّراطِ.

﴿ فاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاعْفُ عَنْهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِكَ ﴿ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ اللَّهَ تَعالى فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إتْمامًا لِلشَّفَقَةِ وإكْمالًا لِلتَّرْبِيَةِ ﴿ وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ أيْ في الحَرْبِ.

أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةَ، وهو المُناسِبُ لِلْمَقامِ، أوْ فِيهِ وفي أمْثالِهِ مِمّا تَجْرِي فِيهِ المُشاوَرَةُ عادَةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، واخْتُلِفَ في مُشاوَرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في أمْرِ الدِّينِ إذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ وحْيٌ فَمَن أبى الِاجْتِهادَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَهَبَ إلى عَدَمِ جَوازِها، ومَن لا يَأْباهُ - وهو الأصَحُّ - ذَهَبَ إلى جَوازِها، وفائِدَتُها الِاسْتِظْهارُ بِرَأْيِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: ”لَوِ اجْتَمَعْتُما في مَشُورَةٍ ما خالَفْتُكُما»“ أوِ التَّطْيِيبُ لِأنْفُسِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُشاوِرَ أصْحابَهُ في الأُمُورِ وهو يَأْتِيهِ وحْيُ السَّماءِ لِأنَّهُ أطْيَبُ لِأنْفُسِ القَوْمِ، أوْ أنْ تَكُونَ سُنَّةً بَعْدَهُ لِأُمَّتِهِ»، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى ما بِهِ إلَيْهِمْ حاجَةٌ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَن بَعْدَهُ، ويُؤَيِّدَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”أما إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَغَنِيّانِ عَنْها، ولَكِنْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى رَحْمَةً لِأُمَّتِي، فَمَنِ اسْتَشارَ مِنهم لَمْ يَعْدَمْ رَشَدًا، ومَن تَرَكَها لَمْ يَعْدَمْ غَيًّا»“ .

وقِيلَ: فائِدَةُ ذَلِكَ أنْ يَمْتَحِنَهم فَيَتَمَيَّزَ النّاصِحُ مِنَ الغاشِّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وادَّعى الجَصّاصُ أنَّ كَوْنَ الأمْرِ بِالمُشاوَرَةِ عَلى جِهَةِ تَطْيِيبِ النُّفُوسِ مَثَلًا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم أنَّهم إذا اسْتَفْرَغُوا مَجْهُودَهم في اسْتِنْباطِ الصَّوابِ عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَطْيِيبُ نُفُوسِهِمْ، بَلْ فِيهِ إيحاشُهم بِأنَّ آراءَهم غَيْرُ مَقْبُولَةٍ ولا مُعَوَّلٌ عَلَيْها، وجَزَمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِمُشاوَرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهم فائِدَةٌ هِيَ الِاسْتِظْهارُ بِما عِنْدَهم، وأنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَهم ضَرْبٌ مِنَ الِاجْتِهادِ، فَما وافَقَ رَأْيَهُ عَمِلَ بِهِ، وما خالَفَهُ تُرِكَ مِن غَيْرِ لَوْمٍ، وفِيهِ إرْشادٌ لِلِاجْتِهادِ وجَوازِهِ بِحَضْرَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإشْعارٌ بِمَنزِلَةِ الصَّحابَةِ وأنَّهم كُلَّهم أهْلُ اجْتِهادٍ، وأنَّ باطِنَهم مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى انْتَهى.

وفِيهِ نَظَرٌ إذْ لا خَفاءَ عَلى مَن راجَعَ وِجْدانَهُ أنَّ في قَوْلِ الكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ ماذا تَرى في أمْرِ كَذا وماذا عِنْدَكَ فِيهِ تَطْيِيبًا لِنَفْسِهِ وتَنْشِيطًا لَها لِاكْتِسابِ الآراءِ وإعْمالِ الفِكْرِ لا سِيَّما إذا صادَفَ رَأْيُهُ رَأْيَ الكَبِيرِ أحْيانًا، وإنْ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ بِرَأْيِهِ المُوافِقِ، بَلِ العَمَلُ بِالرَّأْيِ المُوافِقِ، وما ادَّعاهُ مِن أنَّ الرَّأْيَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ كانَ فِيهِ إيحاشٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لا سِيَّما فِيما نَحْنُ فِيهِ لِعِلْمِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِعُلُوِّ شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأنَّ عُقُولَهم بِالنِّسْبَةِ إلى عَقْلِهِ الشَّرِيفِ كالسُّها بِالنِّسْبَةِ إلى شَمْسِ الضُّحى، عَلى أنَّ مَن قالَ: إنَّ فائِدَةَ المُشاوَرَةِ تَطْيِيبُ النَّفْسِ أشارَ إلى أنَّ الوَحْيَ يَأْتِيهِ فَهو غَنِيٌّ عَنْها، وحِينَئِذٍ يَكُونُ قَصْدُ التَّطْيِيبِ أتَمَّ وأظْهَرَ لِما في المُشاوَرَةِ إذْ ذاكَ مِن تَعْرِيضِهِمْ لِما يُمْكِنُ أنْ يُوافِقَ الوَحْيَ، والإيحاشُ بِعَدَمِ العَمَلِ هُنا أبْعَدُ لِأنَّ مُسْتَنَدَهُ اتِّباعُ الوَحْيِ، ومَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ أنَّهُ أوْلى بِالِاتِّباعِ لِأنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِن أنَّ في ذَلِكَ إشْعارًا بِأنَّ الصَّحابَةَ كُلَّهم أهْلُ اجْتِهادٍ في حَيِّزِ المَنعِ؛ لِأنَّ أمْرَ السُّلْطانِ مَثَلًا لِعامِلِهِ أنْ يُشاوِرَ أهْلَ بَلَدِهِ في أُمُورِهِ لا يَسْتَدْعِي أنْ يُشاوِرَ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ مِنهم في ذَلِكَ، بَلْ لا يَكادُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرادًا أصْلًا، بَلِ المُرادُ أنْ يُشاوِرَ أهْلَ الآراءِ مِنهم والمُتَدَرِّبِينَ فِيهِمْ، وكَوْنُ الصَّحابَةِ كُلِّهِمْ كَذَلِكَ أوَّلُ المُدَّعى، ودُونَ إثْباتِهِ وقْعَةُ الجَمَلِ وحَرْبُ صِفِّينَ.

ويُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ مِنَ الصَّحابَةِ المَأْمُورُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمُشاوَرَتِهِمْ أهْلُ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ لا مُطْلَقًا بِما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ﴿ وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ : أبُو بَكْرٍ وعُمَرَ، ومِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ الحَبْرِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِما، نَعَمْ لَوْ كانَتِ المُشاوَرَةُ لِمُجَرَّدِ تَطْيِيبِ النُّفُوسِ دُونَ الِاسْتِظْهارِ كانَ لِمُشاوَرَةِ أيِّ واحِدٍ مِنهم، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن أرْبابِ الرَّأْيِ وجْهٌ، لَكِنَّ الجَصّاصَ لَمْ يَبْنِ كَلامَهُ عَلى ذَلِكَ.

بَقِيَ أنَّ بَيْنَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ مِن «قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْعُمَرَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَوِ اجْتَمَعْتُما عَلى مَشُورَةٍ ما خالَفْتُكُما»، وما أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ: «أما إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَغَنِيّانِ عَنْها، ولَكِنْ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى رَحْمَةً لِأُمَّتِي» تَنافِيًا إلّا أنْ يُحْمَلَ خَبَرُ عَدَمِ مُخالَفَتِهِما لَوِ اجْتَمَعا عَلى الإشارَةِ إلى رِفْعَةِ قَدْرِهِما وعُلُوِّ شَأْنِهِما، وأنَّ اجْتِماعَهُما عَلى أمْرٍ لا يَكُونُ إلّا مُوافِقًا لِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو الَّذِي عَلَيْهِ المُعَوَّلُ وبِهِ العَمَلُ، وكَأنَّ في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما خالَفْتُكُما دُونَ لَعَمِلْتُ بِقَوْلِكُما مَثَلًا نَوْعُ إشْعارٍ بِما قُلْنا فَتَدَبَّرْ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ كَما أخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْهُ ﴿ وشاوِرْهم فِي ﴾ بَعْضِ ﴿ الأمْرِ ﴾ ﴿ فَإذا عَزَمْتَ ﴾ أيْ إذا عَقَدْتَ قَلْبَكَ عَلى الفِعْلِ وإمْضائِهِ بَعْدَ المُشاوَرَةِ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ.

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ فاعْتَمِدْ عَلَيْهِ وثِقْ بِهِ وفَوَّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ فَإنَّهُ الأعْلَمُ بِما هو الأصْلَحُ، وأصْلُ التَّوَكُّلِ إظْهارُ العَجْزِ والِاعْتِمادُ عَلى الغَيْرِ والِاكْتِفاءُ بِهِ في فِعْلِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وهو عِنْدَنا عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يُنافِي مُراعاةَ الأسْبابِ، بَلْ يَكُونُ بِمُراعاتِها مَعَ تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ، و(اعْقِلْها وتَوَكَّلْ) يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ، وعِنْدَ ساداتِنا الصُّوفِيَّةِ هو إهْمالُ التَّدْبِيرِ بِالكُلِّيَّةِ، وعَنْ خالِدِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قَرَأ (فَإذا عَزَمْتُ) بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ والمَعْنى فَإذا قَطَعْتُ لَكَ بِشَيْءٍ وعَيَّنْتُهُ لَكَ فَتَوَكُّلْ عَلَيَّ ولا تُشاوِرْ بِهِ أحَدًا، والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ التَّوَكُّلِ والأمْرِ بِهِ، فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَلامِ مُسْتَدْعٍ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ والأمْرِ بِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ﴾ عَلَيْهِ الواثِقِينَ بِهِ المُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ فَيَنْصُرُهم ويُرْشِدُهم إلى ما هو خَيْرٌ لَهم كَما تَقْتَضِيهِ المُحِبَّةُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ رُوعِيَ في الآيَةِ حُسْنُ التَّرْتِيبِ وذَلِكَ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُمِرَ أوَّلًا بِالعَفْوِ عَنْهم فِيما يَتَعَلَّقُ بِخاصَّةِ نَفْسِهِ، فَإذا انْتَهَوْا إلى هَذا المَقامِ أُمِرَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى لِتَنْزاحَ عَنْهُمُ التَّبِعَتانِ، فَلَّما صارُوا إلى هُنا أُمِرَ بِأنْ يُشاوِرَهم في الأمْرِ إذْ صارُوا خالِصِينَ مِنَ التَّبِعَتَيْنِ مُصَفَّيْنَ مِنهُما، ثُمَّ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِانْقِطاعِ إلَيْهِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ السَّنَدُ الأقْوَمُ والمَلْجَأُ الأعْظَمُ الَّذِي لا تُؤَثِّرُ الأسْبابُ إلّا بِهِ، ولا تَنْقَضِي الحاجُ إلّا عِنْدَ بابِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم نزل في المنهزمين قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ أي الذين انهزموا منكم يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ يعني جمع المسلمين، وجمع المشركين إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ قال القتبي: استزلهم أي طلب زلتهم، كما يقال: استعجلت فلاناً أي طلبت عجلته واستعملته أي طلبت عمله.

ويقال: زَيَّنَ لهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا يعني: الذي أصابهم كان بأعمالهم كما قال في آية أخرى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] .

وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ حيث لم يستأصلهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوبهم حَلِيمٌ إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو بكر عن غيلان بن جرير، أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال له عبد الرحمن: أتسبُّني وقد شهدت بدراً ولم تشهدها؟

وبايعتُ تحت الشجرة ولم تُبَايع؟

وقد كنت توليت فيمن تولى يوم الجمع- أي يوم أحد- فردّ عليه عثمان وقال: أما قولك إنك شهدت بدراً ولم أشهدها، فإني لم أغب عن شيء شهده رسول الله  ، إلا أن ابنة رسول الله  كانت مريضة فكنت معها أُمرِّضها، وضرب لي رسول الله  بسهم في سهام المسلمين.

وأما بيعة الشجرة، فبعثني رسول الله  رداً على المشركين بمكة فضرب رسول الله  يمينه على شماله قال: «هَذِهِ لِعُثْمَانَ» فيمين رسول الله  إليّ خير من يميني وشمالي.

وأما يوم الجمع فقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ فكنت فيمن عفى الله عنهم.

فخصم عثمان عبد الرحمن بن عوف.

ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني منافقي أهل الكتاب وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ من المنافقين: إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ يعني إذا ساروا في الأرض تجاراً مسافرين، فماتوا في سفرهم أَوْ كانُوا غُزًّى يعني: خرجوا في الغزو فقتلوا.

قال القتبي: غزّاً جمع غاز، مثل صائم وصُوَّم، ونائم ونوم لَوْ كانُوا عِنْدَنا بالمدينة مَا ماتُوا في سفرهم وَما قُتِلُوا في الغزو لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ الظن حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ويقال: جعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم لأنه ظهر نفاقهم.

وقال الضحاك: ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب المنافقين، لأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في أشجار الجنان حيث شاءت.

وأرواح قتلى المنافقين في حواصل طير سُودٍ تسرح في الجحيم.

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ أي يحيي في السفر ويميت في الحضر، ويحيي في الحضر ويميت في السفر.

ويقال: والله يحيي قلوب المؤمنين ويميت قلوب الكافرين، يحيي قلوب المؤمنين بالنصرة والخروج إلى الغزو، ويميت قلوب المنافقين بالتخلف وظن السوء.

وقال الضحاك: يعني يحيي من أحيى من نطفة بقدرته، ويميت من أمات بعزته وسلطانه.

وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قرأ عبد الله بن كثير وحمزة والكسائي: يَعْمَلُونَ بالياء على معنى المغايبة.

وقرأ الباقون: بالتاء.

ومعناه قل لهم: والله بما تعملون بصير وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ يعني: إن متم في إقامتكم، أو قتلتم في سبيل الله وأنتُم مُؤْمنون لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ لذنوبكم وَرَحْمَةٌ يعني: ونعمة وجنة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ في الدنيا من الأموال يا معشر المنافقين.

قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم: متم بضم الميم في جميع القرآن، والباقون بكسرها.

وهما لغتان ومعناهما واحد.

ثم قال: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ في الغزو لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ بعد الموت.

قرأ عاصم في رواية حفص: خير مما يَجْمَعون بالياء.

وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ يقول: فبرحمة من الله وما صلة، فالله ذكر منه أن جعل رسوله رحيماً رؤوفاً بالمؤمنين، حيث قال: فبرحمة مِّنَ الله لِنْتَ لَهُمْ يا محمد أني لينت لهم جانبك، وكنت رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ أي خشناً في القول غليظ القول لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي لتفرقوا من عندك، ولكن الله جعلك سهلاً سَمْحاً طلقاً ليناً لطيفاً باراً رحيماً، وهكذا قال الضحاك.

ثم قال: فَاعْفُ عَنْهُمْ أي: فتجاوز عنهم، ولا تعاقبهم بما يكون منهم من الزلة والذنب وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ من ذلك الذنب وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يقول: إذا أردت أن تعمل عملاً فاعمل بتدبيرهم ومشاورتهم، ويقال: ناظرهم في الأمر.

ويقال: ناظرهم عند القتال.

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ: وشاوِرْهُمْ في بَعْضِ الأمر، لأنه كان يشاورهم فيما لم ينزل عليه الوحي فيه، وكان النبيّ  عاقلاً ذا رأي، ولكنه أمر بالمشورة ليَقْتَدي به غيره، ولأن في المشاورة تودُّداً لأصحابه، لأنه إذا شَاوَرهم تَوَدَّد قلوبهم.

وفي المشورة أيضاً ترك الملامة، لأنه يقال: فعلت كذا بمشاورتكم.

وروى سهل بن سعيد الساعدي عن رسول الله  أنه قال: «مَا شَقِيَ عَبْدٌ قَطّ بِمَشُورَةٍ وَمَا سَعِدَ عَبْدٌ بِاسْتِغْنَاءِ رَأْيٍ» .

ثم قال تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي لا تتوكل على المشورة، ولكن توكل على الله بعد المشورة لا على الأصحاب إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ الذين يتوكلون على الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

«مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً، أُعْطِيِهَا، وَلَوْ لَمْ تُصْبْهُ» «١» ، انفرد به مُسْلم.

انتهى من «سلاح المؤمن» .

وقوله سبحانه: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ: معناه: فبرحمةٍ، قال القُشَيْريُّ في «التحبير» : واعلَمْ أنَّ اللَّه سبحانه يحبُّ من عباده مَنْ يرحم خَلْقه، ولا يرحم العبد إلاَّ إذا رحمه اللَّه سبحانَهُ، قال اللَّه تعالى لنبيِّه- عليه السلام-: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ.

انتهى.

قال ع «٢» : ومعنى هذه الآيةِ التقريعُ لكلِّ مَنْ أخلَّ يومَ أُحُدٍ بمَرْكزه، أي: كانوا يستحقُّون الملام منْكَ، ولكنْ برحمةٍ منه سُبْحَانه/ لِنْتَ لهم، وجَعَلَكَ على خُلُقٍ عظيمٍ، وبعَثَكَ لتتميمِ محاسنِ الأخلاق، ولو كُنْتَ فظًّا غليظَ القَلْب، لانفضوا مِنْ حولك، وتفرَّقوا عَنْكَ، والفَظُّ: الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفته صلّى الله عليه وسلّم في الكُتُب المُنزَّلة: «لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ وَلاَ صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ» «٣» ، والفَظَاظة: الجَفْوة في المعاشرة قولاً وفعلاً، وغِلَظُ القَلْب: عبارةٌ عن تجهُّمِ الوجْهِ، وقلَّةِ الانفعالِ في الرغَائِبِ، وقلَّةِ الإشفاقِ والرَّحْمةِ، والانفضاضُ: افتراق الجموع.

وقوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ...

الآية: أمر سبحانه نبيَّه- عليه السلام- بهذه الأوامر التي هِيَ بتدريجٍ بليغٍ، فأمره أنْ يعفو عَنْهم فيما له عليهم من حقّ، ثمّ

يستغفر لهم فيما للَّه علَيْهم مِنْ تَبِعَةٍ، فإذا صاروا في هذه الدَّرَجَة، كانوا أهلاً للاستشارة.

قال ع «١» : ومَنْ لا يستشيرُ أهل العِلْمِ والدِّين، فعَزْلُه واجبٌ، هذا ممَّا لا خلافَ فيه، وقد وردَتْ أحاديثُ كثيرةٌ في الاستشارة، ومُشَاورته- عليه السلام- إنما هي في أمور الحَرْب والبُعُوث ونحوه من أشخاصِ النَّوَازِلِ، فأما في حلالٍ، أو حرامٍ، أو حَدٍّ، فتلك قوانينُ شَرْعٍ، ما فرَّطنا في الكتابِ مِنْ شيء، والشورى مبنيَّة على اختلافِ «٢» الآراءِ، والمُسْتَشِيرُ ينظر في ذَلِكَ الخلافِ، ويتخيَّر، فإذا أرشده اللَّه إلى ما شاء منْهُ، عزم علَيْه، وأنفذه متوكِّلاً على اللَّه إذ هو غايةُ الاجتهادِ المَطْلُوب منه، وبهذا أمر اللَّه تعالى نبيَّه في هذه الآيةِ، وصِفَةُ المُسْتشارِ في الأحكامِ أنْ يكونَ عالماً ديِّناً، وقلَّما يكونُ ذلك إلاَّ في عاقلٍ، فقَدْ قال الحَسَنُ ابْنُ أبِي الحَسَنِ: ما كَمَلَ دِينُ امرئ لَمْ يَكْمَلْ عَقْلُهُ «٣» .

قال ع «٤» : والتوكُّل على اللَّه سبحانه وتعالى مِنْ فروض الإيمانِ وفصولِهِ، ولكنَّه مقترنٌ بالجِدِّ في الطاعاتِ، والتَّشْميرِ والحَزَامَةِ بغايةِ الجُهْدِ، وليس الإلقاء باليدِ وما أشبهه

بتوكُّل، وإنما هو كما قال- عليه السلام-: «قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ» .

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ هذه غايةٌ في الرِّفْعة، وشَرَفِ المنزلةِ، وقد جاءت آثار صحيحةٌ في فَضْل التوكُّلِ وعظيمِ منزلةِ المتوكِّلين، ففي «صحيح مُسْلِمٍ» عن عمران بن حصين أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالُوا: مَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لاَ يَرْقُونَ، وَلاَ يَستَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ، «١» وخَرَّج أبو عيسَى التِّرمذيُّ، عن أبي أُمَامَةَ، قَالَ: سمعتُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِل الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي» ، وخرَّجه ابن ماجة أيضاً «٢» ، وخرَّج أبو بَكْرٍ البَزَّارُ، وأبو عَبْدِ اللَّهِ التِّرمذيُّ الحكيمُ، عنْ عبد الرحمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصديقِ (رضي اللَّه عنه) ، قَالَ: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته قَالَ: قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ الأَلْفَ سَبْعِينَ أَلْفاً، فقالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته، فَقَالَ: قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي هَكَذَا، وفَتَحَ أَبُو وَهْبٍ يَدَيْهِ، قَالَ أَبُو وَهْبٍ: قَالَ هِشَامٌ:

هَذَا مِنَ اللَّهِ لاَ يدرى، مَا عَدَدُهُ» «٣» ، وخرَّج أبو نُعَيْمٍ، عن أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّة/ مِنْ أُمَّتِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، قَالَ: وَهَكَذَا، وَأَشَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ النَّاسَ الجَنَّةَ بحفنة واحدة، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «صدق عمر» «٤» .

اهـ من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ "ما" هاهُنا صِلَةٌ، ومِثْلُهُ: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: دُخُولُ "ما" هاهُنا يُحْدِثُ تَوْكِيدًا.

قالَ النّابِغَةُ: المَرْءُ يَهْوى أنْ يَعِي شَ وطُولُ عَيْشٍ ما يَضُرُّهُ فَأكَّدَ بِذِكْرِ "ما" وفِيمَن تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الرَّحْمَةُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ  .

والثّانِي: بِالمُؤْمِنِينَ.

قالَ قَتادَةُ: ومَعْنى ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ لِأنَّ جانِبَكَ، وحُسْنُ خُلُقِكَ، وكَثُرَ احْتِمالِكَ.

قالَ الزَّجّاجُ: والفَظُّ: الغَلِيظُ الجانِبِ، السَّيِّئُ الخُلُقِ، يُقالُ: فَظَظْتُ تَفَظُّ فَظاظَةً وفَظَظًا، والفَظُّ: ماءُ الكَرِشِ والفَرْثِ، وإنَّما سُمِّيَ فَظًّا لِغِلَظِ مَشْرَبِهِ.

فَأمّا الغَلِيظُ القَلْبِ، فَقِيلَ: هو القاسِي القَلْبِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الفَظاظَةِ والغِلَظِ - وإنْ كانا بِمَعْنًى واحِدٍ تَوْكِيدًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَظُّ: في القَوْلِ، والغَلِيظُ القَلْبِ: في الفِعْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لانْفَضُّوا ﴾ أيْ: تَفَرَّقُوا، وتَقُولُ فَضَضْتُ عَنِ الكِتابِ خَتْمَهُ: إذا فَرَّقْتُهُ عَنْهُ.

﴿ فاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: تَجاوَزْ عَنْ هَفَواتِهِمْ، وسَلِ اللَّهَ المَغْفِرَةَ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ وَشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ مَعْناهُ: اسْتَخْرِجْ آَراءَهم، واعْلَمْ ما عِنْدَهم.

ويُقالُ: إنَّهُ مِن: شُرْتُ العَسَلَ.

وَأنْشَدُوا: وقاسَمَها بِاللَّهِ حَقًّا لَأنْتُمْ ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: شاوَرْتُ الرَّجُلَ مُشاوَرَةً وشُورًا، وما يَكُونُ عَنْ ذَلِكَ اسْمُهُ المَشُورَةُ.

وبَعْضُهم يَقُولُ: المَشُورَةُ.

ويُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الصُّورَةِ والشُّورَةُ، أيْ: حَسَنُ الهَيْئَةِ واللِّباسِ.

ومَعْنى قَوْلِهِمْ: شاوَرْتُ فُلانًا، أظْهَرْتَ ما عِنْدَهُ وما عِنْدِي.

وشُرْتُ الدّابَّةَ: إذا امْتَحَنْتَها، فَعَرَفْتَ هَيْئَتَها في سَيْرِها.

وشُرْتُ العَسَلَ: إذا أخَذْتَهُ مِن مَواضِعِ النَّحْلِ.

وعَسَلٌ مُشارٌ.

قالَ الأعْشى: كَأنَّ القَرَنْفُلَ والزَّنَجَبِي ∗∗∗ لَ باتا بِفِيها وأرَيا مُشارًا والأرْيُ: العَسَلُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ لِأيِّ مَعْنًى أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِمُشاوَرَةِ أصْحابِهِ مَعَ كَوْنِهِ كامِلَ الرَّأْيِ، تامَّ التَّدْبِيرِ، عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِيَسْتَنَّ بِهِ مَن بَعْدَهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.

والثّانِي: لِتَطِيبَ قُلُوبُهم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعُ، وابْنُ إسْحاقَ.

ومُقاتِلٍ.

قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ  : « "البِكْرُ تُسْتَأْمَرُ في نَفْسِها"،» إنَّما أرادَ اسْتِطابَةَ نَفْسِها، فَإنَّها لَوْ كَرِهَتْ، كانَ لِلْأبِ أنْ يُزَوِّجَها، وكَذَلِكَ مُشاوَرَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِابْنِهِ حِينَ أمَرَ بِذَبْحِهِ.

والثّالِثُ: لِلْإعْلامِ بِبَرَكَةِ المُشاوَرَةِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكُ.

ومِن فَوائِدِ المُشاوَرَةِ أنَّ المُشاوِرَ إذا لَمْ يَنْجَحْ أمْرُهُ، عَلِمَ أنَّ امْتِناعَ النَّجاحِ مَحْضُ قَدْرٍ، فَلَمْ يُلِمْ نَفْسَهُ، ومِنها أنَّهُ قَدْ يَعْزِمُ عَلى أمْرٍ، فَيَبِينُ لَهُ الصَّوابُ في قَوْلِ غَيْرِهِ، فَيَعْلَمُ عَجْزَ نَفْسِهِ عَنِ الإحاطَةِ بِفُنُونِ المَصالِحِ.قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الِاسْتِشارَةُ عَيْنُ الهِدايَةَ، وقَدْ خاطَرَ مَنِ اسْتَغْنى بِرَأْيِهِ، والتَّدْبِيرُ قَبْلَ العَمَلِ يُؤَمِّنُكَ مِنَ النَّدَمِ.

وقالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: ما اسْتُنْبِطَ الصَّوابُ بِمِثْلِ المُشاوَرَةِ، ولا حُصِّنَتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ المُواساةِ، ولا اكْتُسِبَتِ البَغْضاءُ بِمِثْلِ الكِبْرِ.

واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما أمَرَ النَّبِيَّ  بِمُشاوَرَةِ أصْحابِهِ فِيما لَمْ يَأْتِهِ فِيهِ وحْيٌ، وعَمَّهم بِالذِّكْرِ، والمَقْصُودُ أرْبابُ الفَضْلِ والتَّجارِبِ مِنهم.

وفي الَّذِي أمَرَ بِمُشاوَرَتِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ.

حَكاهُما القاضِي أبُو يَعْلى.

أحَدُهُما: أنَّهُ أمْرُ الدُّنْيا خاصَّةً.

والثّانِي: أمْرُ الدِّينِ والدُّنْيا، وهو أصَحُّ.

وَقَدْ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ "وَشاوَرَهم في بَعْضِ الأمْرِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا عَزَمْتَ ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: العَزْمُ: عَقْدُ القَلْبِ عَلى الشَّيْءِ ويُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ.

وقَدْ قَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ: (فَإذا عَزَمْتَ) بِضَمِّ التّاءِ.

فَأمّا التَّوَكُّلُ، فَقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ.

وَمَعْنى الكَلامِ: فَإذا عَزَمْتَ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ، فَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، لا عَلى المُشاوَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ أو مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنَ حَوْلِكَ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَمَغْفِرَةٌ" هي المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ، والتَقْدِيرُ: واللهِ لَمَغْفِرَةٌ.

وتَرَتَّبَ المَوْتُ قَبْلَ القَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿ ما ماتُوا وما قُتِلُوا  ﴾ مُراعاةً لِرُتْبَةِ الضَرْبِ في الأرْضِ والغَزْوِ، فَقَدَّمَ المَوْتَ الَّذِي هو بِإزاءِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، وهو الضَرْبُ، وقَدَّمَ القَتْلَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ، والمَعْنى: أو مُتُّمْ في سَبِيلِ اللهِ، فَوَقَعَ أجْرُكم عَلى اللهِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَوْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ ﴾ لِأنَّها آيَةُ وعْظٍ بِالآخِرَةِ والحَشْرِ، وآيَةُ تَزْهِيدٍ في الدُنْيا والحَياةِ.

والمَوْتُ المَذْكُورُ فِيها هو مَوْتٌ عَلى الإطْلاقِ في السَبِيلِ وفي المَنزِلِ وكَيْفَ كانَ، فَقُدِّمَ لِعُمُومِهِ وأنَّهُ الأغْلَبُ في الناسِ مِنَ القَتْلِ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِتُّمْ" بِكَسْرِ المِيمِ و"مِتْنا" و"مِتَّ" بِالكَسْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ ضَمَّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى عنهُ حَفْصٌ ضَمَّ المِيمِ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ: "أو مُتُّمْ" "وَلَئِنْ مُتُّمْ" " فَقَطْ، وكَسْرَ المِيمِ حَيْثُ ما وقَعَتْ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ضَمُّ المِيمِ هو الأشْهَرُ والأقْيَسُ، مُتَّ تَمُوتُ مِثْلُ: قُلْتَ تَقُولُ وطُفْتَ تَطُوفُ، والكَسْرُ شاذٌّ في القِياسِ وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ كَثِيرًا، ولَيْسَ كَما شَذَّ قِياسًا واسْتِعْمالًا كَشُذُوذِ اليَجَدَّعِ ونَحْوِهِ، ونَظِيرُ مِتَّ تَمُوتُ بِكَسْرِ المِيمِ: فَضِلَ بِكَسْرِ الضادِ يَفْضُلُ في الصَحِيحِ وأنْشَدُوا: ذَكَرْتُ ابْنَ عَبّاسٍ بِبابِ ابْنِ عامِرٍ وما مَرَّ مِن عُمْرِي ذَكَرْتُ وما فَضِلْ وقَوْلُهُ تَعالى: "لَمَغْفِرَةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ "وَرَحْمَةٌ" عَطْفٌ عَلى المَغْفِرَةِ و"خَيْرٌ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، والمَعْنى: المَغْفِرَةُ والرَحْمَةُ اللاحِقَةُ عَنِ القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ، فَجاءَ لَفْظُ المَغْفِرَةِ غَيْرَ مُعَرَّفٍ إشارَةً بَلِيغَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنها خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ العَبْدِ المُؤْمِنِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "لَمَغْفِرَةٌ" إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ، سَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ، ويَجِيءُ التَقْدِيرُ: لَذَلِكَ مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ، وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ، وقَوْلُهُ: "خَيْرٌ" صِفَةٌ لِخَبَرِ الِابْتِداءِ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ وهي أشْكَلُ بِالكَلامِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهم عاصِمٌ فِيما رُوِيَ عن حَفْصٍ: "يَجْمَعُونَ" بِالياءِ، والمَعْنى: مِمّا يَجْمَعُهُ المُنافِقُونَ وغَيْرُهم.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الحَشْرَ إلَيْهِ، وأنَّهُ غايَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ قُتِلَ أو ماتَ.

وفي الآيَةِ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا وحَضٌّ عَلى طَلَبِ الشَهادَةِ، أيْ: إذا كانَ الحَشْرُ في كِلا الأمْرَيْنِ فالمُضِيُّ إلَيْهِ في حالِ الشَهادَةِ أولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ و"ما" قَدْ جُرِّدَ عنها مَعْنى النَفْيِ، ودَخَلَتْ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَتْ بِزائِدَةٍ عَلى الإطْلاقِ لا مَعْنى لَها، وأطْلَقَ عَلَيْها سِيبَوَيْهِ اسْمَ الزِيادَةِ مِن حَيْثُ زالَ عَمَلُها، وهَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ  ﴾ قالَ الزَجّاجُ: الباءُ بِإجْماعٍ مِنَ النَحْوِيِّينَ صِلَةٌ وفِيها مَعْنى التَأْكِيدِ.

ومَعْنى الآيَةِ: التَقْرِيعُ لِجَمِيعِ مَن أخَلَّ يَوْمَ أُحُدٍ بِمَرْكَزِهِ، أيْ كانُوا يَسْتَحِقُّونَ المَلامَ مِنكَ، وأنْ لا تَلِينَ لَهُمْ، ولَكِنْ رَحِمَ اللهُ جَمِيعَكُمْ، أنْتَ يا مُحَمَّدُ بِأنْ جَعَلَكَ اللهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وبَعَثَكَ لِتُتَمِّمَ مَحاسِنَ الأخْلاقِ، وهم بِأنْ لَيَّنَكَ لَهم.

وجُعِلْتَ بِهَذِهِ الصِفاتِ لِما عَلِمَ تَعالى في ذَلِكَ مِن صَلاحِهِمْ، وأنَّكَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ، وتَفَرَّقُوا عنكَ.

والفَظُّ: الجافِي في مَنطِقِهِ ومَقاطِعِهِ، وفي صِفَةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ، وقالَ الجَوارِي لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِن رَسُولِ اللهِ....

الحَدِيثَ، وفَظاظَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً مِنهُ آلَةً لِعَضْدِ الحَقِّ والشِدَّةِ في الدِينِ، والفَظاظَةُ الجَفْوَةُ في المُعاشَرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أخْشى فَظاظَةَ عَمٍّ أو جَفاءَ أخٍ ∗∗∗ وكُنْتُ أخْشى عَلَيْها مِن أذى الكَلِمِ وغِلَظُ القَلْبِ: عِبارَةٌ عن تَجَهُّمِ الوَجْهِ وقِلَّةِ الِانْفِعالِ في الرَغائِبِ وقِلَّةِ الإشْفاقِ والرَحْمَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: يُبْكى عَلَيْنا ولا نَبْكِي عَلى أحَدٍ ∗∗∗ لَنَحْنُ أغْلَظُ أكْبادًا مِنَ الإبِلِ والِانْفِضاضُ: افْتِراقُ الجُمُوعِ، ومِنهُ فَضُّ الخاتَمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء للتفريع على ما اشتمل عليه الكلام السابق الَّذي حُكي فيه مخالفة طوائف لأمر الرسول من مؤمنين ومنافقين، وما حكي من عفو الله عنهم فيما صنعوا.

ولأنّ في تلك الواقعة المحكية بالآيات السابقة مظاهر كثيرة من لين النَّبيء صلى الله عليه وسلم للمسلمين، حيث استشارهم في الخروج، وحيث لم يثرِّبهم على ما صنعوا من مغادرة مراكزهم، ولمَّا كان عفو الله عنهم يعرف في معاملة الرّسول إيّاهم، ألاَن الله لهم الرسول تحقيقاً لرحمته وعفوه، فكان المعنى: ولقد عفا الله عنهم برحمته فَلاَن لهم الرسول بإذن الله وتكوينه إيّاه راحماً، قال تعالى: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [الأنبياء: 107].

والباء للمصاحبة، أي لنتَ مع رحمة الله: إذ كان لينه في ذلك كلّه ليناً لا تفريط معه لشيء من مصالحهم، ولا مجاراةً لهم في التساهل في أمر الدّين، فلذلك كان حقيقاً باسم الرحمة.

وتقديم المجرور مفيد للحصر الإضافي، أي: برحمة من الله لا بغير ذلك من أحوالهم، وهذا القصر مفيد التعريض بأنّ أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم، ولكن الله ألاَن خلق رسوله رحمة بهم، لحكمة علمها الله في سياسة هذه الأمَّة.

وزيدت (ما) بعد باء الجرّ لتأكيد الجملة بما فيه من القصر، فتعيّنَ بزيادتها كون التَّقديم للحصر، لا لمجرد الاهتمام، ونبّه عليه في «الكشاف».

واللِينُ هنا مجاز في سعة الخلق مع أمّة الدعوة والمسلمين، وفي الصفح عن جَفاء المشركين، وإقالة العثرات.

ودلّ فعل المضيّ في قوله: ﴿ لنت ﴾ على أنّ ذلك وصف تقرّر وعرف من خُلقه، وأنّ فطرته على ذلك برحمة من الله إذ خلقَه كذلك ﴿ واللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ [الأنعام: 124]، فخلق الرسول مُناسب لتحقيق حصول مراد الله تعالى من إرساله، لأنّ الرسول يجيء بشريعة يبلّغها عن الله تعالى، فالتبليغ متعيّن لا مصانعة فيه، ولا يتأثّر بخلق الرسول، وهو أيضاً مأمور بسياسة أمَّته بتلك الشريعة، وتنفيذها فيهم، وهذا عمل له ارتباط قوي بمناسبة خُلق الرسول لطباع أمّته حتَّى يلائم خلقه الوسائل المتوسَّل بها لحمل أمَّته على الشَّريعة الناجحة في البلوغ بهم إلى مراد الله تعالى منهم.

أرسل محمَّد صلى الله عليه وسلم مفطوراً على الرحمة، فكان لِينه رحمة من الله بالأمَّة في تنفيذ شريعته بدون تساهل وبرفق وإعانة على تحصيلها، فلذلك جعل لينه مصاحباً لرحمةٍ من الله أودعها الله فِيه، إذ هو قد بعث للنَّاس كافّة، ولكن اختار الله أن تكون دعوته بين العرب أولَ شيء لحكمةٍ أرادها الله تعالى في أن يكون العرب هم مبلغي الشَّريعة للعالم.

والعرب أمَّة عُرفت بالأنفة، وإباء الضيم، وسلامةِ الفطرة.

وسرعةِ الفهم.

وهم المتلقُّون الأوّلون للدين فلم تكن تليق بهم الشّدة والغلظة، ولكنّهم محتاجون إلى استنزال طائرهم في تبليغ الشريعة لهم، ليتجنّبوا بذلك المكابرةَ الَّتي هي الحائل الوحيد بينهم وبين الإذعان إلى الحقّ.

وورد أن صفح النَّبيء صلى الله عليه وسلم وعفوه ورحمته كان سبباً في دخول كثير في الإسلام، كما ذكر بعض ذلك عياض في كتاب الشفاء.

فضمير ﴿ لهم ﴾ عائد على جميع الأمَّة كما هو مقتضى مقام التَّشريع وسياسة الأمَّة، وليس عائداً على المسلمين الَّذين عصوا أمر الرسول يوم أُحُد، لأنَّه لا يناسب قوله بعده: ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ إذ لا يُظنّ ذلك بالمسلمين، ولأنَّه لا يناسب قوله بعده: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ إذا كان المراد المشاورة للاستعانة بآرائهم، بل المعنى: لو كنت فظّاً لنفرك كثير ممّن استجاب لك فهلكوا، أو يكون الضّمير عائداً على المنافقين المعبّر عنهم بقوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ [آل عمران: 154] فالمعنى: ولو كنت فظّاً لأعلنوا الكفر وتفرّقوا عنك، وليس المراد أنَّك لنت لهم في وقعة أُحُد خاصّة، لأنّ قوله بعده: ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ إلخ ينافي ذلك المحمل.

والفَظّ: السيء الخلق، الجافي الطبع.

والغليظ القلب: القاسِيه، إذ الغلظة مجاز عن القسوة وقلّة التسامح، كما كان اللين مجازاً في عكس ذلك، وقالت جواري الأنصار لعمر حين انتهرهنّ «أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله» يردن أنت فظّ وغليظ دون رسول الله.

والانفضاض: التفرق.

و ﴿ من حولك ﴾ أي من جهتك وإزائك، يقال: حَوْله وحَوْلَيه وحَوَاليْه وحَوَالَه وحِيَالَه وبِحِيَالِه.

والضّمير للذين حَوْل رسول الله، أي الَّذين دخلوا في الدّين لأنَّهم لا يطيقون الشدّة، والكلام تمثيل: شبّهت هيئة النفور منه وكراهية الدخول في دينه بالانفضاض من حوله أي الفرار عنه متفرّقين، وهو يؤذَّن بأنَّهم حوله متّبعون له.

والتَّفريع في قوله: ﴿ فاعف عنهم ﴾ على قوله: ﴿ لنت لهم ﴾ الآية، لأنّ جميع الأفعال المأمور بها مناسب للين، فأمَّا العفول والاستغفار فأمرهما ظاهر، وأمَّا عطف ﴿ وشاورهم ﴾ فلأنّ الخروج إلى أُحُد كان عن تشاور معهم وإشارتهم، ويشمل هذا الضّميرُ جميع الَّذين لاَن لهم صلى الله عليه وسلم وهم أصحابه الَّذين حوله سواء من صدر منهم أمر يوم أحُد وغيرهم.

والمشاورة مصدر شاور، والاسم الشُّورَى والمَشُورة بفتح الميم وضم الشِّين أصلها مَفْعُلة بضمّ العين، فوقع فيها نقل حركة الواو إلى الساكن.

قيل: المشاورة مشتقّة من شار الدابّة إذا اختبر جَريها عند العرض على المشتري، وفعل شار الدابّة مشتقّ من المِشْوَار وهو المكان الَّذي تُركض فيه الدوابّ.

وأصله معرّب (نَشْخُوَار) بالفارسية وهو ما تبقيه الدابّة من علفها.

وقيل: مشتقّة من شار العسل أي جناه من الوقَبَة لأنّ بها يستخرج الحقّ والصّواب، وإنَّما تكون في الأمر المهمّ المشكل من شؤون المرء في نفسه أو شؤون القبيلة أو شؤون الأمة.

و (أل) في الأمر للجنس، والمراد بالأمر المهمّ الَّذي يؤتمر له، ومنه قولهم: أمْر أمِر، وقال أبو سفيان لأصحابه في حديث هرقل: «لقد أمِر أمْرُ ابن أبي كَبشة، إنَّه يَخافُه مَلِك بَنِي الأصفر».

وقيل: أريد بالأمر أمر الحرب فاللام للعهد.

وظاهر الأمر أنّ المراد المشاورة الحقيقية الَّتي يقصد منها الاستعانة برأي المستشارَيْن بدليل قوله عقبه: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ فضمير الجميع في قوله: ﴿ وشاورهم ﴾ عائد على المسلمين خاصة: أي شاور الَّذين أسلموا مِن بين مَن لنت لهم، أي لا يصدّك خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحُد عن أن تستعين برأيهم في مواقع أخرى، فإنَّما كان ما حصل فلتة منهم، وعشرة قد أقَلْتَهم منها.

ويحتمل أن يراد استشارة عبد الله بن أبي وأصحابه، فالمراد الأخذ بظاهر أحوالهم وتأليفهم، لعلّهم أن يُخلصوا الإسلام أو لا يزيدوا نفاقاً، وقطعاً لأعذارهم فيما يستقبل.

وقد دلّت الآية على أن الشُّورى مأمور بها الرسُول صلى الله عليه وسلم فيما عبّر عنه ب (الأمر) وهو مُهمّات اللأمّة ومصالحها في الحرب وغيره، وذلك في غير أمر التَّشريع لأنّ أمر التَّشريع إن كان فيه وحي فلا محيد عنه، وإن لم يكن فيه وحي وقلنا بجواز الاجتهاد للنَّبيء صلى الله عليه وسلم في التَّشريع فلا تدخل فيه الشورى لأنّ شأن الاجتهاد أن يستند إلى الأدلّة لا للآراء، والمجتهد لا يستشير غيره إلاّ عند القضاء باجتهاده.

كما فعل عُمر وعُثمان.

فتعيّن أنّ المشاورة المأمور بها هنا هي المشاورة في شؤون الأمَّة ومصالحها، وقد أمر الله بها هنا ومدحها في ذكر الأنصار في قوله تعالى: ﴿ وأمرهم شورى بينهم ﴾ [الشورى: 38] واشترطها في أمر العائلة فقال: ﴿ فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ﴾ [البقرة: 233].

فشرع بهاته الآيات المشاورة في مراتب المصالح كلّها: وهي مصالح العائلة ومصالح القبيلة أو البلد، ومصالح الأمَّة.

واختلف العلماء في مدلول قوله: ﴿ وشاورهم ﴾ هل هو للوجوب أو للندب، وهل هو خاصّ بالرسول عليه الصلاة السَّلام، أو عامّ له ولولاة أمور الأمَّة كلّهم.

فَذهب المالكية إلى الوجوب والعموم، قال ابن خُوَيْز منداد: واجب على الولاة المشاورة، فيُشاورون العلماء فيما يشكل من أمور الدّين، ويشاورون وجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب، ويشاورون وجوه النَّاس فيما يتعلَّق بمصالحهم ويشاورون وجوه الكتّاب والعمّال والوزراء فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها.

وأشار ابن العربي إلى وجوبها بأنَّها سبب للصّواب فقالَ: والشورى مِسبار العقل وسبب الصّواب.

يشير إلى أنَّنا مأمورون بتحرّي الصّواب في مصالح الأمَّة، وما يتوقّف عليه الواجب فهو واجب.

وقال ابن عطية: الشورى من قواعد الشَّريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، وهذا ما لا اختلاف فيه.

واعتراض عليه ابن عرفة قوله: فعزله واجب ولم يعترض كونَها واجبة، إلاّ أنّ ابن عطية ذكر ذلك جازماً به وابن عرفة اعترضه بالقياس على قول علماء الكلام بعدم عزل الأمير إذا ظهر فسقه، يعني ولا يزيد تركُ الشورى على كونه تركَ واجب فهو فسق.

وقلت: من حفظ حجَّة على من لم يحفظ، وإنّ القياس فيه فارق معتبر فإنّ الفسق مضرّته قاصرة على النفس وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر والفوات، ومحمل الأمر عند المالكية للوجوب والأصل عندهم عدم الخصوصية في التَّشريع إلاّ لدليل.

وعن الشافعي أنّ هذا الأمر للاستحباب، ولتقتدي به الأمّة، وهو عامّ للرسول وغيره، تطييباً لنفوس أصحابه ورفعاً لأقدارهم، وروى مثله عن قتادة، والرّبيع، وابن إسحاق.

وردّ هذا أبو بكر أحمدُ بن عليّ الرازي الحنفي المشهور بالجَصّاص بقوله: لو كان معلوماً عندهم أنَّهم إذا استَفرغوا جهدهم في استنباط الصّواب عمَّا سُئِلُوا عنه، ثُمّ لم يكن معمولاً به، لم يكن في ذلك تطييب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم، بل فيه إيحاشُهم فالمشاورة لم تفد شيئاً فهذا تأويل ساقط.

وقال النووي، في صدر كتاب الصلاة من «شرح مسلم»: الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار.

وقال الفخر: ظاهر الأمر أنَّه للوجوب.

ولم ينسب العلماء للحنفية قولاً في هذا الأمر إلا أنّ الجَصّاص قال في كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى: ﴿ وأمرهم شورى بينهم ﴾ ): هذا يدلّ على جلالة وقع المَشُورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصّلاة ويدلّ على أنَّنا مأمورون بها.

ومجموع كلامي الجصّاص يدلّ أن مذهب أبي حنيفة وجوبها.

ومن السلف من ذهب إلى اختصاص الوجوب بالنَّبيء صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسفيان، قالا: وإنَّما أمر بها ليقتدى به غيره وتشيع في أمَّته وذلك فيما لا وحي فيه.

وقد استشار النَّبيء صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لبدر، وفي الخروج إلى أحُد، وفي شأن الأسرى يوم بدر، واستشار عموم الجيش في رَدِّ سبي هوازن.

والظاهر أنَّها لا تكون في الأحكام الشرعية لأنّ الأحكام إن كانت بوحي فظاهر، وإن كانت اجتهادية، بناء على جواز الاجتهاد للنَّبيء صلى الله عليه وسلم في الأمور الشرعية، فالاجتهاد إنَّما يستند للأدلَّة لا للآراء وإذا كان المجتهد من أمَّته لا يستشير في اجتهاده، فكيف تجب الاستشارة على النَّبيء صلى الله عليه وسلم مع أنَّه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطإ عليه فإنَّه لا يُقرّ على خطإ باتّفاق العلماء.

ولم يزل من سنّة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي في مصالح المسلمين، قال البخاري في كتاب الاعتصام من «صحيحه»: «وكانت الأئمة بعد النَّبيء صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم، وكان القُرّاء أصحابَ مشُورة عمَرَ: كُهولاً كانوا أو شُبَّاناً، وكان وقّافاً عند كتاب الله».

وأخرج الخطيب عن عليّ قال: «قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بعدَك لم يَنزل فيه قرآن ولم يسْمع منك فيه شيء قال: اجمعوا له العابِد من أمّتي واجعلوه بينكم شُورى ولا تقضوه برأي واحد» واستشار أبو بكر في قتال أهل الردّة، وتشاور الصّحابةُ في أمر الخليفة بعد وفاة النَّبيء صلى الله عليه وسلم وجعل عمر رضي الله عنه الأمر شورى بعده في ستَّة عيّنهم، وجعل مراقبة الشورى لِخمسين من الأنصار، وكان عمر يكتب لعمّاله يأمرهم بالتَّشاور، ويتمثّل لهم في كتابه بقول الشاعر (لم أقف على اسمه): خَلِيلَيّ ليسَ الرأيُ في صَدرِ واحد *** أشِيرا عَلَيّ بالَّذِي تَرَيَانِ هذا والشورى ممَّا جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبّة الصلاح وتطلّب النجاح في المساعي، ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتَّشاور في شأنه إذ قال للملائكة: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30]، إذ قد غَنِي الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنَّه عرض على الملائكة مراده ليكون التَّشاور سنّة في البشر ضرورة أنّه مقترن بتكوينه، فإنّ مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه، ولمَّا كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة في وقت التكوين.

ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى عليه السَّلام فيما حكى الله عنه بقوله: ﴿ فماذا تأمرون ﴾ [الأعراف: 110].

واستشارت بلقيس في شأن سليمان عليه السلام فيما حكى الله عنها بقوله: واستَبَدّت مَرّة واحِدة *** إنَّمَا العَاجِز مَن لا يستبدّ ومَثل ثانيهما قول سَعْد بن نَاشِب: إذا هَمّ ألقَى بين عينيه عزمه *** ونَكَّب عن ذِكْر العواقب جانباً ولم يستَشِرْ في أمره غَير نفسه *** ولم يَرْضَ إلا قَائم السيف صاحباً ومن أحسن ما قيل في الشورى قول بشار بن برد: إذا بَلغ الرأيُ المَشُورة فاستَعن *** بحزم نصيح أو نصيحة حازم ولا تحسب الشُورى عليك غضاضة *** مَكانُ الخَوافي قُوّة للقَوادِم وهي أبيات كثيرة مثبتة في كتب الأدب.

وقوله: فإذا عزمت فتوكل على الله } العزم هو تصميم الرأي على الفعل وحُذف متعلَّق (عزمت) لأنَّه دلّ عليه التفريع عن قوله: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ ، فالتقدير: فإذا عزمت على الأمر.

وقد ظهر من التفريع أنّ المراد: فإذا عزمت بعد الشورى أي تبيّن لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فعزمت على تَنفيذه سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى أم كان رأياً آخر لاح للرّسول سدادُه فقد يَخْرج من آراء أهل الشورى رأي، وفي المثل: «مَا بَيْنَ الرأيَيْن رأي».

وقوله: ﴿ فتوكل على الله ﴾ التوكُّل حقيقته الاعتماد، وهو هنا مجاز في الشروع في الفعل مع رجاء السداد فيه من الله، وهو شأن أهل الإيمان، فالتوكّل انفعال قلبي عقلي يتوجّه به الفاعل إلى الله راجياً الإعانة ومستعيذاً من الخيبة والعوائق، وربَّما رافقه قول لساني وهو الدعاء بذلك.

وبذلك يَظهر أن قوله: ﴿ فتوكل على الله ﴾ دليل على جواب إذَا، وفَرع عنه، والتقدير: فإذَا عزمت فَبَادر ولا تتأخّر وتَوكَّل على الله، لأنّ للتأخّر آفاتتٍ، والتردّد يضيّع الأوقات، ولو كان التَّوكل هو جواب إذا لما كان للشورى فائدة لأنّ الشورى كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل لحصول الفعل المرغوب على أحسن وجه وأقربه، فإنّ القصد منها العمل بما يتضّح منها، ولو كان المراد حصول التوكّل من أوّل خطور الخاطر، لما كان للأمر بالشورى من فائدة.

وهذه الآية أوضح آية في الإرشاد إلى معنى التَّوكل الَّذي حرَف القاصرون ومن كان على شاكلتهم معناه، فأفسدوا هذا الدين من مبناه.

وقوله: ﴿ إن الله يحب المتوكلين ﴾ لأنّ التوكّل علامة صدق الإيمان، وفيه ملاحظة عظمة الله وقدرته، واعتقادُ الحاجة إليه، وعدم الاستغناء عنه وهذا، أدب عظيم مع الخالق يدلّ على محبّة العبد ربّه فلذلك أحبَّه الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وما صِلَةٌ دَخَلَتْ لِحُسْنِ النَّظْمِ.

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ الفَظُّ: الجافِي، والغَلِيظُ القَلْبِ: القاسِي، وجَمَعَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، وإنْ كانَ مَعْناهُما واحِدًا لِلتَّأْكِيدِ.

﴿ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ وفي أمْرِهِ بِالمُشاوَرَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ في الحَرْبِ لِيَسْتَقِرَّ لَهُ الرَّأْيُ الصَّحِيحُ فِيهِ، قالَ الحَسَنُ: ما شاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أُمُورِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ تَأْلِيفًا لَهم وتَطْيِبًا لِأنْفُسِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِما عَلِمَ فِيها مِنَ الفَضْلِ، ولِتَتَأسّى أُمَّتُهُ بِذَلِكَ بَعْدَهُ  ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِيَسْتَنَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويَتْبَعَهُ فِيها المُؤْمِنُونَ وإنْ كانَ عَنْ مَشُورَتِهِمْ غَنِيًّا، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ.

﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ.

فَفي تَأْوِيلِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أخَذَها رَسُولُ اللَّهِ  ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في طَلائِعَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ  وجَّهَهم في وجْهٍ، ثُمَّ غَنِمَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ أيْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَتْرُكَ طائِفَةً ويَجُورَ في القَسْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكْتُمَ النّاسَ ما بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِرَهْبَةٍ مِنهُ ولا رَغْبَةٍ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.

وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَتَّهِمَهُ أصْحابُهُ ويُخَوِّنُوهُ.

والثّانِي: مَعْناهُ: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ أصْحابَهُ ويُخَوِّنَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

وَأصْلُ الغُلُولِ الغَلَلُ وهو دُخُولُ الماءِ في خِلالِ الشَّجَرِ، فَسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المالِ عَلى خَفاءٍ كَجَرْيِ الماءِ، ومِنهُ الغِلُّ الحِقْدُ لِأنَّهُ العَداوَةُ تَجْرِي في النَّفْسِ مَجْرى الغَلَلِ.

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ وفي وجْهِ المِنَّةِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيَكُونَ ذَلِكَ شَرَفًا لَهم.

والثّانِي: لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَعَلُّمَ الحِكْمَةِ مِنهُ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ.

والثّالِثُ: لِيُظْهِرَ لَهم عِلْمَ أحْوالِهِ مِنَ الصِّدْقِ والأمانَةِ والعِفَّةِ والطَّهارَةِ.

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ.

والثّانِي: أنْ يَدْعُوَهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ أزْكِياءَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فبما رحمة من الله ﴾ يقول: فبرحمة من الله ﴿ لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ أي والله طهره من الفظاظة والغلظة، وجعله قريباً رحيماً رؤوفاً بالمؤمنين.

وذكر لنا أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن.

أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم نعته الله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ قال: لانصرفوا عنك.

وأخرج الحكيم الترمذي وابن عد بسند فيه متروك عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن الحسن في قوله: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ قال: قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ قال: أمر الله نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على رشده.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: ما أمر الله نبيه بالمشاورة إلا لما علم ما فيها من الفضل والبركة.

قال سفيان: وبلغني أنها نصف العقل.

وكان عمر بن الخطاب يشاور حتى المرأة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم.

وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ان الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ قال: أبو بكر وعمر.

وأخرج من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر.

وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتا في مشورة ما خالفتكما» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحداً من الناس أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عمرو قال: كتب أبو بكر الصديق إلى عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشاور في الحرب فعليك به.

وأخرج الحاكم عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت مستخلفاً أحداً عن غير مشورة لاستخلف ابن أم عبد» .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب وابن المنذر بسند حسن عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ وشاورهم في بعض الأمر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويستقيم على أمر الله، ويتوكل على الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد وأبي نهيك أنهما قرآ ﴿ فإذا عزمت يا محمد على أمر فتوكل على الله ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن علي قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم فقال: مشاورة أهل الرأي، ثم أتباعهم» .

وأخرج الحاكم عن الحباب بن المنذر قال: «أشرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني.

خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعسكر خلف الماء، فقلت يا رسول الله أبوحي فعلت أو برأي؟

قال: برأي يا حباب.

قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك، فإن لجأت لجأت إليه، فقبل ذلك مني.

قال: ونزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الأمرين أحب إليك تكون في دنياك مع أصحابك أو ترد على ربك فيما وعدك من جنات النعيم؟

فاستشار أصحابه فقالوا: يا رسول الله تكون معنا أحب إلينا، وتخبرنا بعورات عدونا، وتدعو الله لينصرنا عليهم وتخبرنا من خبر السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك لا تتكلم يا حباب!

فقلت: يا رسول الله اختر حيث اختار لك ربك.

فقبل ذلك مني» قال الذهبي: حديث منكر.

وأخرج ابن سعد عن ابن عباس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً يوم بدر فقال الحباب بن المنذر: ليس هذا بمنزل، انطلق بنا إلى أدنى ماء إلى القوم، ثم نبني عليه حوضاً ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ونغور ما سواها من القلب.

فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حباب أشرت بالرأي» فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ذلك.

وأخرج ابن سعد بن يحيى بن سعيد.

أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس يوم بدر، فقام الحباب بن المنذر فقال: نحن أهل الحرب، أرى أن تغور المياه إلا ماء واحداً نلقاهم عليه.

قال: واستشارهم يوم قريظة والنضير، فقام الحباب بن المنذر فقال: أرى أن ننزل بين القصور فنقطع خبر هؤلاء عن هؤلاء، وخبر هؤلاء عن هؤلاء، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

أكثر النحويِّينَ على أنَّ (ما) -ههنا- صِلَةٌ (١) (٢) ﴿ عَمَّا قَلِيلٍ  ﴾ ، و ﴿ جُندٌ مَّا  ﴾ ، ﴿ فبَمَا نَقضِهِم  ﴾ ، ﴿ مِمَّا خَطَايَاهُمْ ﴾ (٣) [وتكثر] (٤) وقاهم جَدُّهُمْ بِبَني أبِيهم ...

وبالأشْقَيْنَ ما كانَ العِقَابُ (٥) أراد: (وبالأشْقَيْنَ (٦) (٧) وقال النابغة: المرءُ يَهْوَى أنْ يَعِيـ ...

ـشَ وطُولُ عَيْشٍ ما يَضُرُّهْ (٨) والعرب قد تزيد في الكلام ما يُسْتغنى عنه؛ للتأكيد؛ كقوله: (أنت فعلت كذا وكذا؛ يا هذا!) فأدخلوا (يا هذا)؛ للتأكيد؛ إذ كانت (أنت) دالاًّ على الخطاب.

وكذلك قولهم: (لَمَّا أنْ زارني عبد الله، زُرْتُه).

معناه: لَمَّا زارني (٩) قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ  ﴾ ، أراد: فلَمَّا جاء.

فأكّد بـ (أنْ) (١٠) يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ (١١) (١٢) وقال بعضهم (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ (لانَ، يَلِينُ، لِينًا) (١٦) (١٧) (١٨) قال الشاعر: وإنْ هي أعطتك اللَّيانَ كأنها ...

لِغَيرك مِن خُلّانِها سَتَلِينُ (١٩) ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا ﴾ الفظُّ (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال الكلبي (٢٨) (٢٩) ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ أي: لَتَفَرَّقوا وَنَفَرُوا منك؛ كما تتطاير شظايا الشيء المتكَسِّر.

والفَضُّ: الكسر والتفريق (٣٠) (٣١) قال الزّجاج (٣٢) (٣٣) (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ .

أي: ما فعلوا يومَ أُحُد حتى أشفعك فيهم.

وقال الكلبي: فاعف عنهم أي الشيء يكون منهم و ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ .

مِنْ ذلك الذَنْب.

وقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ يقال: (شَاوَرَ مُشَاوَرَةً)، و (شِوارا) (٣٥) (٣٦) (٣٧) ﴿ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ﴾ (٣٨) وقد ذَكَرْنا أمْرَ هذه الكلمة وما فيها، عند قوله: ﴿ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ  ﴾ .

قال أصحاب المعاني (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) وقال الكلبي (٤٣) (٤٤) وروى عَمرو بن دينار، عن ابن عباس، أنه قال (٤٥)  ، بمشاورته في هذه الآية: أبو بكر وعمر-  ما-.

وقال قتادة (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) قال الشافعي ( (٥٠)  : "والبِكْرُ تُسْتَأمَر" (٥١) (٥٢) وقال الحَسَنُ (٥٣) (٥٤) وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ ﴾ ؛ أي: على ما تريد إمضاءَهُ (٥٥) ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ ، لا على المشاورة.

ومعنى التَّوَكُّلِ: تفويضُ الأَمْرِ إلى الله؛ لِلثِّقَةِ بِحُسْنِ تدبيره.

(١) (صلة)؛ بمعنى زيادة.

(٢) في (ب): (التوكيد).

(٣) المؤلف -هنا- أوردها على قراءة أبي عمرو: ﴿ خَطَايَاهُم ﴾ .

وقرأ الباقون: ﴿ خَطِيئَاتِهِمْ ﴾ .

انظر: "الكشف" لمكي 2/ 337، و"إتحاف فضلاء البشر" (425).

وممن ذهب إلى كون (ما) -هنا- (صِلَة): الفراء في: "معاني القرآن" 114، والمبرد في "الكامل" 1/ 342، والطبري في "تفسيره" 4/ 150، وكراع النمل في "المنتخب" 2/ 687، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 482، وابن شقير في "المحلى ووجوه النصب" 290، وابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 261، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 136 أ، والسفاريني في "لباب الإعراب" 463.

قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 482: "ما" بإجماع النحويين -هنا- صِلَةٌ، لا تمنع الباء من عملها فيما عملت.

(٤) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٥) البيت في "ديوانه" 45.

وورد منسوبًا له في "الأصمعيات" 131، و"الشعر والشعراء" 54، وكتاب "المعاني الكبير" 2/ 886، و"فصل المقال" للبكري 385.

البيت من قصيدة قالها الشاعر حين غزا بني أسد فأخطأهم، وأصاب بني كنانة بدلًا منهم، وهو لا يدري.

و (الجَدُّ) -هنا-: الحظ والبخت.

أي: أن بني أسد وقاهم حظهم من سطوته، بقتل بني عمهم -بني كنانة- لأن أسد وكنانة أخوان.

والشاهد في البيت زيادة (ما) في قوله: (وبالأشقين ما كان العقاب).

ويجوز كون (ما) مع الفعل بتأويل المصدر؛ أي: وبالأشقَيْن كون العقاب.

(٦) في (ج): (بالأشقين).

بدون واو.

(٧) (العقاب): ساقطة من (ج).

(٨) البيت نسب للنابغة الذبياني، وقد ورد في ديوانه 122.

ونسبته له المصادر التالية: "الشعر والشعراء" 85، و"جمهرة أشعار العرب" (63)، و"الأضداد" لابن الأنباري 196.

ونسب للنابغة الجعدي، وقد ورد منسوبًا له في "ديوانه" 191.

ونسبته إليه المصادر التالية: "الأمالي" للقالي 2/ 8، و"الأمالي" للمرتضى 1/ 266، و"الأشباه والنظائر في النحو" للسيوطي 5/ 163، و"خزانة الأدب" 3/ 172.

وقد ورد في الشعر المنسوب لِلَبِيد.

انظر "ديوانه" 356.

وأورده ابن الشجري في "أماليه" 2/ 365، ونسبه لبعض المُعمِّرِين.

وورد في: "المدخل" للحدادي 146، و"زاد المسير" 1/ 485 ونسباه للنابغة ولم يحددا مَن مِنهما.

== وورد غير منسوب في: "أمالي الزجاجي" 111، و"النكت والعيون" 2/ 911.

وورد البيت بروايات عدة منها: (المرء يرغب في الحياة)، و (المرء يأمل أن يعيش).

و (المرء يهوى ما يعيش).

وورد: (وطول عيش ..)، و (وطول عمر ..).

وورد: (قد يضره) بدلًا من: (ما يضره) وليس فيها موضع الشاهد.

ويجوز أن تكون (ما) في البيت بمعنى (الذي)، والتأويل: وطول عيش الذي يضره.

انظر: "الأضداد"، لابن الأنباري 196.

(٩) انظر: "مغني اللبيب" 50.

(١٠) في (ج): (أن).

بدلًا من: بأن.

(١١) في (أ)، (ب): (يتم يتم)، والمثبت من (ج)، ومصادر الشاهد.

وهذا جزء من بيت شعر لجرير، وهو في "ديوانه" 219، وتمامه: يا تيمَ تيمَ عَدِيٍّ لا أبا لكُمُ ...

لا يُوقِعَنَّكمُ في سَوْأةٍ عُمَرُ وقد ورد منسوبًا له في: "كتاب سيبويه" 1/ 53، 2/ 205، و"الكامل" 3/ 217، و"المقتضب" 4/ 229، و"اللامات" 101، و"الخصائص" 1/ 345، و"العمدة" 2/ 841، و"شرح المفصل" 2/ 10، 105، و"اللسان" 1/ 18 (أبي)، و"المقاصد النحوية" 4/ 240، و"شرح شواهد المغني" 2/ 855، و"خزانة الأدب" 2/ 298، 301، 4/ 99، 107، 8/ 317، 10/ 191.= وورد غير منسوب في: "الأصول في النحو" 1/ 343، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 307، و"شرح ابن عقيل" 3/ 17، و"ارتشاف الضرب" 3/ 315، و"منهج السالك".

3/ 153، و"همع الهوامع" 5/ 196، 2/ 122، و"الدرر اللوامع" 2/ 154.

وورد في أكثر المصادر: (لا يُلْقِيَنَّكُمُ في سوأة ..).

والبيت من قصيدة قالها الشاعر في هجاء عمر بن لَجَأ التَيْمِي.

ويعني بـ (تيم): تيم بن عبد مناة بن أدّ.

و (عدي) أخو (تيم).

وأضاف (تيم) إلى (عدي) تخصيصًا، وتمييزًا لهم عن بطون عدة كلها تُدْعَى تَيْمًا.

وقوله: (لا أبا لكم)، أصلها: أن يُنسب المخاطبُ إلى غير أب معلوم؛ شتمًا له، ثم كثرت في الاستعمال حتى جُعلت في كل خطاب يغلظ فيه على المخاطب.

و (السوأة): الفعلة القبيحة.

يريد الشاعر تحذير بني تيم، وهي قبيلة عمر بن لجأ، بأن يمنعوا عمر من التعرض للشاعر بهجاء؛ وإلّا فإن الشاعر سيتعرض لِتَيْم في شعره، ويلقيهم في بلِيَّة، هم في غنى عنها.

ويجوز في (تيم) الأولى الضمُّ، على أنه منادى مفرد عَلَم، ويحوز النصبُ على تقدير إضافته إلى ما بعد (تيم) الثانية، أو بتقدير إضافته إلى محذوف وهو: (عدي).

(وتيم) الثاني لا يجوز فيه إلا النصب على أنه منادى مضاف، أو مفعول بإضمار (أعني)، أو عطف بيان، أو توكيد، أو بدل.

انظر: "ارتشاف الضرب" 3/ 135.

والشاهد فيه: تكرير (تيم) للتأكيد.

(١٢) في (أ)، (ب): يتم.

والمثبت من (ج).

(١٣) لم أقف على القائل.

وممن أورد هذا القول ممن سبق المؤلف: الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 136 أ، قائلاً: (وقال بعضهم: ..) ولم يعين.

(١٤) ورد في: (ج) في هذا الموضع كلمة زائدة، لا وجه لها، وهي: (قوله).

(١٥) وقد جوز هذا الرأي الفخر الرازي في "تفسيره" 9/ 64 قائلًا: (وقال المحققون: دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين، غير جائز)، ثم ذكر هذا الرأي واستصوبه.

والذي دفع لهذا الرأي هو تنزيه كتاب الله من أن يكون فيه حرف زائد مهمل، لا معنى له.

وهذا فيه نظر؛ لأن القائلين بزيادة (ما) ويغرها من الحروف، لا يقصدون جواز سقوطها، وأنها مهملة لا معنى لها، بل يقولون: إنها مَزيدة لمعنًى مقصود، وهو -هنا- في (ما): التوكيد؛ أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواردة في القرآن.

وكون (ما) للاستفهام التعجبي، قد رَدَّه علماءُ النحو، من ناحية الصناعة النحوية، ومنهم: ابن هشام في "المغني" 394، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 98، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 362.

(١٦) ضُبطت: (لَيْنًا) بفتح اللام، في "تهذيب اللغة" 4/ 3314 (لين)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 136 أ، وضبطت في بقية المصادر اللغوية التالية: (لينا) بكسر اللام.

(١٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(١٨) ورد في مصادر اللغة: اللِّين: ضد الخشونة، قال الراغب: (ويستعمل ذلك في الأجسام، ثم يستعار للخُلُق وغيره من المعاني).

"مفردات ألفاظ القرآن" 752 (لين).

أما (اللِّيان) بكسر اللام فمصدر الملاينة، يقال: (لايَنْته مُلايَنْة)، و (لِيَانا).

انظر (لين) في: "جمهرة اللغة" 2/ 989، و"الصحاح" 6/ 2198، و"المقاييس" 5/ 225، و"اللسان" 7/ 4117، و"القاموس" (1232).

(١٩) البيت، لكُثَيِّر عَزَّة وقد ورد منسوبًا له في: "زهر الآداب" 1/ 17.

وليس في ديوانه، وأورده محقق ديوانه وجعله مما نُسِب له، وأحال على المصدر السابقة == انظر "ديوانه" 176.

ورواية البيت في المصدر السابق: وإن هي أعطتك الليان فإنها ...

لآخر من خلانها ستلين (٢٠) من قوله: (الفظ ..) إلى (..

وأصله صبب): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 483.

(٢١) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2806 (فظظ)، و"الفرق بين الحروف الخمسة" 155، و"زينة الفضلاء" للأنباري 98.

(٢٢) انظر: "اللسان" 6/ 3437 (فظظ).

قال الراغب: (الفظُّ: الكريه الخُلُق؛ مستعار من: (الفظِّ)؛ أي: ماء الكرش، وذلك مكروه شربه، لا يتناول إلا في أشدّ ضرورة).

"مفردات ألفاظ القرآن" 640 (فظظ).

(٢٣) في (أ): (حَذِرَ) بفتح الراء، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل، والصواب ما أثبت.

(٢٤) في (أ): (حَذَرت) بفتح الذال، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل، والصواب ما أثبت، وهي بكسر الذال.

انظر: (حذر) في: "التهذيب" 1/ 767، و"القاموس" 373.

(٢٥) في (أ): (فَرِق) بفتح القاف.

وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل.

والصواب ما أثبت.

يقال: (رجلٌ فَرقٌ): شديد الفزع.

انظر: "القاموس" 917 (فرق).

(٢٦) في (أ): (صبِّ)، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل.

والصواب ما أثبت.

يقال: (رجلٌ صبُّ): بيِّنُ الصَّبَابَة.

والصبابة: رِقّة الشَّوْق.

انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 71 (صب)، و"المخصص" 4/ 61.

(٢٧) في (أ): (صبَبٌ) بفتح الباء الأولى، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل، == والصواب ما أثبت.

قال سيبويه عن (صَبِّ): (زعم الخليل أنها (فَعِلٌ)؛ لأنك تقول: (صَبِبْتُ صبابة)، كما تقول: (قَنِعْتُ قَناعةً)، و"قَنِعٌ".

"كتاب سيبويه" 4/ 419.

وانظر: "المخصص" 4/ 61.

(٢٨) قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 136 ب.

(٢٩) قال السمين الحلبي: (وعن الغِلْظَةِ تنشأ الفظاظة، فلم قُدِّمت؟

فقيل: قدِّم ما هو ظاهر للحسِّ، على ما هو خافٍ في القلب؛ لأنه كما تقدم أن الفظاظة: الجفوة في العشرة قولًا وفعلًا.

والغِلْظُ: قساوة القلب، وهذا أحسن من قَوْلِ من جعلهما بمعنًى، وجمع بينهما).

"الدر المصون" 3/ 463.

(٣٠) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2799 (فض)، و"الفرق بين الحروف الخمسة" 156، و"زينة الفضلاء" 98.

(٣١) معناه لا يكسر الله أسنانك، ويفرِّقها.

والفم يقوم مقام الأسنان.

وقد يقال: (لا يُفْضِ الله فاك)، ومعناه حينها: لا يجعل الله فاك فضاءً، لا أسنان فيه.

انظر: "الزاهر" 1/ 274 - 277، و"تهذيب اللغة" (فض) 3/ 2799، و"الفائق" 3/ 123، و"النهاية في غريب الحديث" 3/ 453.

(٣٢) في "معاني القرآن" له 1/ 482.

نقله عنه بنصه.

(٣٣) في "المعاني" مما يوجب.

(٣٤) في "المعاني" في الدين.

(٣٥) في (ج): (سوارا).

(٣٦) قال في (لسان العرب): (والمَشُورَة بضم السين (مَفْعَلة) ولا تكون (مفعولة)؛ لأنها مصدر، والمصادر لا تجيء على مثال (مفعولة)، وإن جاءت على مثال (مفعول)، وكذلك المَشْوَرَة) 4/ 2358 (شور).

(٣٧) (ومَشْوَرة): ساقطة من (ج).

انظر (شور) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1803، و"اللسان" 4/ 2358.

(٣٨) في (ج): (فإذا).

(٣٩) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 483.

ومن قوله: (قال أصحاب المعاني ..) إلى نهاية تفسير هذا المقطع: موجود في "تفسير الثعلبي" 3/ 137أ.

نقله عنه بالمعنى.

(٤٠) في (ب): (من الله فيه) بدلًا من (فيه من الله).

(٤١) في (ج): (ورحى).

(٤٢) أخرج هذه القراءة عنه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (257)؛ وابن أبي == حاتم في "تفسيره" 3/ 802، وذكرها ابن جني في "المحتسب" 1/ 175، وأبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 311، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 137أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 489، ونسبها -كذلك- إلى ابن مسعود، وذكرها السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 160 وقال: (بسند حسن)، وزاد نسبة إخراجها إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.

(٤٣) قوله في: "تفسير الثعلبي" / 137 أ.

(٤٤) من قوله: (ومكايدها ..) إلى (..

خاص في العرب): ساقط من (ج).

(٤٥) أخرج قوله: الحاكم في "المستدرك" 3/ 70 كتاب معرفة الصحابة.

وقال: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 109 كتاب أدب القاضي.

باب: (مشاورة الوالي ..)، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 502.

(٤٦) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 152، و"ابن أبي حاتم" 3/ 802، و"الثعلبي" 3/ 137أ، وأورده السيوطى في "الدر" 2/ 159وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.

(٤٧) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 152، والمصادر السابقة.

(٤٨) قوله في: "تفسيره" 1/ 310، و"تفسير الثعلبي" 3/ 137 أ.

(٤٩) في (ب): (ورخصا).

(٥٠) قوله معناه في كتاب "الأم" 5/ 19.

(٥١) الحديث: أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (1421) كتاب النكاح.

باب: (استئذان الثيب في النكاح).

ونصه عنده: (الثَّيِّبُ أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستَأمَر، وإذنها سكوتها).

وورد عنده بلفظ: "الأيِّم أحق ..

والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتُها).

وأخرجه الشافعي بلفظ (تستأمر) في "الأم" 7/ 165، وبلفظ (تستأذن) في "الأم" 2/ 19، وأخرجه أحمد في "المسند" 1/ 219، وانظر: "الدراية" لابن حجر 2/ 59، 61، 62.

(٥٢) في (ب): أكرمها.

(٥٣) قوله في: كتاب "الأم" للشافعي 7/ 100، و"أحكام القرآن" له 2/ 119، و"تفسير ابن أبي حاتم" 632، و"معاني القرآن" للنحاس 502، و"سنن البيهقي" 10/ 109، كتاب "آداب القاضي"، و"زاد المسير" 1/ 488.

وأورده السيوطي في: "الدر" 2/ 159 وزاد نسبة إخراجه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.

(٥٤) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 153، و"زاد المسير" 1/ 488.

(٥٥) في (أ)، (ب)، (ج): إمضاؤه.

وما أثبت هو الصواب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾ ما زائدة للتأكيد ﴿ لاَنْفَضُّواْ ﴾ أي تفرقوا ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ فيما يختص بك ﴿ واستغفر لَهُمْ ﴾ فيما يختص بحق الله ﴿ وَشَاوِرْهُمْ ﴾ المشاورة مأمور بها شرعاً، وإنما يشاور النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الرأي في الحروب وغيرها، لا في الأحكام الشرعية، وقال ابن عباس: وشاورهم في بعض الأمر ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع أو حفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين: أحدهما قوله: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين ﴾ والآخر: الضمان الذي في قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3] وقد يكون واجباً لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الله فتوكلوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23] فجعله شرطاً في الإيمان، والظاهر قوله جل جلاله، ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ [آل عمران: 122] فإن الأمر محمول على الوجوب.

واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى: أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشك في نصيحته له، وقيامه بمصالحه.

والثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه، فإنه لا يعرف سواها، ولا يلجأ إلاّ إليها،.

والثالثة: أن يكون العبد مع ربه: كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم نفسه إليه بالكلية.

فصاحب الدرجة الأولى له حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية، وصاحب الثانية له حظ من المراد والاختيار بخلاف صاحب الثالثة.

وهذه الدرجات مبنيّة على التوحيد الخاص الذي تكلمنا عليه في قوله: ﴿ وإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ [البقرة: 163] فهي تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، فإن قيل: هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟

فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدهما: سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله تعالى: فهذا لا يجوز تركه: كالكل لدفع الجوع، واللباس لدفع البرد.

والثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدم فعله في التوكل لأن التوكل من أعمال القلب، لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه، والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدم فعله في التوكل، ثم إن فوق التوكل التفويض وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند المراد والاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدباً مع الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرعب ﴾ بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب.

الباقون: يسكون العين - ﴿ ومأواهم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولقد صدقكم ﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل ﴿ وتغشى ﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ كله ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالنصب ﴿ يعملون بصير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة.

الباقون: بالخطاب ﴿ متم ﴾ و ﴿ متنا ﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلاههنا لجوار ﴿ قتلتم ﴾ الباقون: بضم الميم من مات يموت.

﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.

/ الوقوف: ﴿ سلطاناً ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ النار ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن "حتى" تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران "إذا" مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره.

والوقف على ﴿ تحبون ﴾ ظاهر في الوجهين.

﴿ الآخرة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿ صرفكم ﴾ على الجواب المحذوف.

﴿ ليبتليكم ﴾ ج ﴿ عفا عنكم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أصابكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ طائفة منكم ﴾ (لا) لأن الواو للحال.

﴿ الجاهلية ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ يبدو لك ﴾ ط ﴿ ههنا ﴾ ط ﴿ مضاجعهم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم.

﴿ وليبتلي ﴾ ﴿ ما في قلوبكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ الجمعان ﴾ (لا) لأن إنما خبر إن ﴿ كسبوا ﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ وما قتلوا ﴾ ج لأن لام ﴿ يجعل ﴾ قد يتعلق بقوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ تجمعون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ لنت لهم ﴾ ج لأن الواو للعطف و"لو" للشرط ﴿ من حولك ﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿ الأمر ﴾ ج لفاء التعقيب مع "إذا" الشرطية ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المتوكلين ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: إنه  يذكر في هذه الآيات وجوهاً كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار.

من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام في جميع الأوقات.

الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أنا سنتلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين على سائر الأديان، ويؤيده قوله  " نصرت بالرعب مسيرة شهر " وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة.

قال السدي: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق.

ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا.

قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم.

فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت الآية" .

وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة - يعني رسول الله  - أين ابن أبي قحافة؟

أين ابن الخطاب؟

فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى.

والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعاً ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار.

وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه.

ولكن ظاهر قوله: ﴿ في قلوب الذين كفروا ﴾ يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم.

إما في الحرب وإما في المحاجة.

وقيل: إنه مخصوص بأولئك الكفار.

﴿ بما أشركوا ﴾ أي بسبب إشراكهم بالله.

وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول: إذا كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة.فيلزم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة.

كيف وإنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً؟

﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ الهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.

والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر.

قال الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر.

وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته.

ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب نفيه.

ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه.

ويكفي في رفع هذه الحاجةإثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته.

أقول: هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك.

ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال: ﴿ ومأواهم ﴾ أي والمكان الذي يأوون إليه ﴿ النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ﴾ / تستأصلونهم قتلاً.

قال أصحاب الاشتقاق: حَسَّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه.

﴿ بإذنه ﴾ بعلمه.

وقيل: المراد بهذا الوعد أنه  رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء.

وقيل: هو ما ذكره من قوله ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم  ﴾ إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط هو الصبر والتقوى.

وقيل: المراد هو "أن الرسول  قال للرماة: لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين مادمتم فيه.

فلما أقبل المشركون جعل الرماة: يرشقون خليهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم.

وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ " قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب.

والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطاً بالصبر.

وقال آخرون: إنه للمجازاة.

ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه.

وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة.

والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم في رسول الله  وثالثها قال أبو مسلم: جوابه ثم صرفكم.

و "ثم" ههنا كالساقطة.

وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم فريقين.

والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة.

فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله  أن لا نبرح هذا المكان.

فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون.

وقوله: ﴿ في الأمر ﴾ إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.

وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ﴾ وفائدة قوله: ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان / من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم.

قوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه  رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباًَ حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة.

ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه.

وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وأيضاً إنه  عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟

فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوهاً.

قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو.

ألا ترى أن النبي  ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وبإذنه.

ثم قال ﴿ ليبتليكم ﴾ والمراد أنه  لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين.

ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية مشتلمة على المعذورين، في الانصراف وعلى غير المعذورين.

فقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ يرجع إلى المعذورين، وقوله ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يرجع إلى غير المعذورين.

وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله  .

وقال الكعبي: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ﴿ ليبتليكم ﴾ بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه  أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم، ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم.

قال القاضي: ظاهر قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يقتضي تقدم ذنب منهم.

فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو.

وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك / المخالفة سبباً لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة.

ثم إن ظاهر الآية دل على أنه  قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة فصارت الآية دليلاً على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر.

﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة, وقد يستدل بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة من أنه لا مؤمن ولا كافر.

قوله  : ﴿ إذ تصعدون ﴾ إما مستأنف بإضمار "واذكر" وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه.

أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها.

قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى اعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ ولا تلوون على أحد ﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته.

﴿ والرسول يدعوكم ﴾ كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة.

فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو.

﴿ في أخراكم ﴾ في سابقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه  وبقي هو في الجماعة المتأخرة.

يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى.

﴿ فأثابكم ﴾ قال في الكشاف: إنه عطف على صرفكم.

وأقول: لا يبعد أن يعطف على ﴿ تصعدون ﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي رجع.

والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها.

فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.

فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب.

أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور.

والباء في ﴿ بغم ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة.

أما الاحتمال الأول ففيه وجوه: قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام.

وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.

وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين.

وفي الكشاف: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ / للرسول أي فآساكم في الاغتنام.

فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها.

وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يكون هناك غمان: الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة.

أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً.

أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين.

أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول  .

أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة.

وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها.

ثم اللام في قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ لأن في عفوه  ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ فأثابكم ﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله.

وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائده.

قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم من الله  خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء.

وأما المعتزلة فإنهم يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه  لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.

وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال.

وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ.

وإن جعلت الباء بمعنى "مع" فالمعنى كما في قول الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى.

ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال: ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ عالم بجميع / أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.

ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي  يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر لأديان، فخاطب الجماعة بقوله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ وأراد هؤلاء بقوله: ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة.

والنعاس فتور في أوائل النوم.

وانتصاب ﴿ أمنة ﴾ على أنها حال متقدمة من ﴿ نعاساً ﴾ مثل: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبارّ وبررة، أو على أنه مفعول ﴿ أنزل ﴾ و ﴿ نعاساً ﴾ بدل منه.

قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلاّ ويميل تحت حجفته.

وعن الزبير: كنت مع الرسول  حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم.

والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: ﴿ ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.

وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.

وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهره جديدة له  موجبة لزيادة وثوقهم بأن الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد.

ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط.

ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة.

ومنها أن الأعداء كانوا حراصاً متهالكين في قتلهم.

فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ الله ولكلاءته معهم.

ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس ههنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة.

واعلم أن من قرأ ﴿ تغشى ﴾ بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع.

ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر ﴿ إذ يغشيكم النعاس  ﴾ ولأن العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشية الأمن، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئاً واحداً كان التذكر أولى.

وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته  وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم لا همَّ الدين ولا همَّ النبي ولا المسلمين.

والهمّ / الأمر الشديد.

ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه.

فالمعنى أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات.

والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم فلم يكن لهم هناك إلا هَمُّ أنفسهم.

﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ وهو في حكم المصدر أي غير الظن الحق الذي يحب أن يظن به.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ بدل منه.

والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل الجاهلية فذكر أولاً أنهم يظنون بالله ظناً باطلاً، ثم بين أنهم اختاروا من الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة.

أو ﴿ ظن الجاهلية ﴾ مصدر و ﴿ غير الحق ﴾ تأكيد لـ ﴿ يظنون ﴾ كقولك: هذا القول غير ما تقول.

و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ كقولك: حاتم الجود ورجل صدق.

مما أضيق للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام.

أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله.

فالجاهلية مصدر كالعالمية القادرية.

قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي  إن الله يقوّيهم وينصرهم.

وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً حقاً لم يسلط الله الكفار عليه، وهذا ظن فاسد.

أما عند أهل السنة فلأنه  فاعل لما يشاء ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلقة لم يجب أن يشرفه بأخرى.

وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية.

ولو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس إلى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف واستحقاق الثواب والعقاب.

وإنما يعرف كون الإنسان محقاً بالدلائل والبينات، ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية صاحبها والله أعلم.

﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ حكاية شبهة تمسك بها أهل النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار.

وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي  لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها.

ونظيره ما حكى عنه ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا  ﴾ وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، وإذا كانت لعدوّه قالوا عليه الأمر.

أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به محمد وهو النصر والقدرة شيء؟

وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟

والغرض منه تعيير المسلمين على التسديد في / الجهاد، فأمره الله  أن يجيب عنها بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ والحوادث بأسرها مستندة إلى قضائه وقدره.

فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة.

﴿ يخفون في أنفسهم ﴾ في ضمائرهم أو فيما بينهم ﴿ ما لا يبدون لك ﴾ وذلك المخفي قولهم: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ أي لو كان هذا الدين حقاً لما سلط الله الكفار على من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله  نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن بد من وجوده.

فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده.

وقيل: معناه لو تخلفتم أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ﴾ خص الابتلاء بما في الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء محله القلب الذي في الصدر.

والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب.

واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب.

أما نسقه فقوله: ﴿ وطائفة ﴾ مبتدأ و ﴿ أهمتهم ﴾ صفته و ﴿ يظنون ﴾ خبره.

ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، و ﴿ يظنون ﴾ صفة أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه اليبان للجملة قبلها، و ﴿ يقولون ﴾ بدل من ﴿ يظنون ﴾ أو بيان له.

وإنما صح وقوع القول الذي مقوله إنشاء بدلاً من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادراً عن الظن و ﴿ يخفون ﴾ حال من ﴿ يقولون ﴾ و ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ ﴿ كله ﴾ بالرفع فلأنه مبتدأ و ﴿ لله ﴾ خبره، والجملة خبر "إن".

ومن قرأ بالنصب فلكونه تأكيداً للأمر و ﴿ لله ﴾ خبر "إن" كما لو قلت: إن الإمر أجمع لله.

وقوله: ﴿ يقولون ﴾ استئناف، وقوله: و ﴿ وليبتلي ﴾ تقدم ذكره في الوقوف.

وأما نظمه فإنه لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظاناً بل شاكاً في حقية هذا الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء.

ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يشكف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا / يبدون لك ﴾ أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم؟

فقيل ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وقد مر تفسيره.

ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل ههنا؟

فيكون كالطعن في قوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ قال في التفسير الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي.

فذاك يقول: الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله.

وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر.

فأمر النبي  أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لايرد القدر، والتدبير لا يبطل التقدير.

وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق ما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات.

ثم قال: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح.

قوله عز من قائل: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.

ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله  قتل.

ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن: أعن رسول الله  تفرون؟

وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل أغزل.

وقال بعض الرواة: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.

قال القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي  .

ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي  : لقد ذهبتم فيها عريضة.

وأما الذين ثبتوا مع الرسول  فكانوا أربعة عشر رجلاً.

سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام.

وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.

وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير.

وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن / حنيف.

ثم لم يقتل منهم أحد, وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله  نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ تقول: زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق.

والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها.

والباء في ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ للاستعانة مثلها في: كتبت بالقلم.

والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي.

وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة.

فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطيئن فيه, وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة.

وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.

وإنما قال: ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله: ﴿ لها ما كسبت  ﴾ أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله  كقوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير  ﴾ وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.

ويحتمل أن تكون الباء بمعنى "في" أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال.

إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.

وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها.

﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز.

بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟

والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله.

ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟

قالت المعتزلة: كلاهما محتمل.

لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية.

قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر.

قالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص.

وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.

/ ثم ندب إلى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ﴾ قيل: إنه عام.

وقيل: يعني المنافقين.

وقيل: منافقي يوم أحد كعبد الله بن أبيّ وأصحابه.

وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافراً ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخوانهم مثل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه  ﴾ وذلك أنهم قالوا: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ والميت والمقتول لا يكلم.

وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم.

ومعنى الأخوة اشتراك النسب.

فلعل المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين.

أو اتفاق الجنس فلعل بعض المنافقين صار مقتولاً في بعض الغزوات.

والضرب في الأرض الإبعاد فيها للتجارة وغيرها.

والغزو قصد محاربة العدو قريباً كان أو بعيداً.

والفاعل غاز والجمع غُزَّىً مثل: سابق وسبق، وراكع وركع، وإنما قال: ﴿ إذا ضربوا ﴾ دون "إذ ضربوا" أو "حين ضربوا" ليشاكل في المعنى قوله: ﴿ وقالوا ﴾ لأنه أراد حكاية الحال الماضية.

والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.

فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: "قالوا" ويجوز أن يكون ﴿ قالوا ﴾ في تقدير "يقولون" لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في المستقبل مثل ﴿ أتى أمر الله  ﴾ وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع.

ويمكن أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة.

وقال قطرب: كلمة "إذ" و "إذا" يجوز إقامة كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غير حجة عليه، قال الواحدي: في الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

وأما اللام في قوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ ففي متعلقه وجهان: الأول أنه ﴿ قالوا ﴾ أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله  : ﴿ فلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟

فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من الأسف.

وقيل: / لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة.

وقيل: المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين.

وقيل: المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها.

وقيل: الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة.

الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: ﴿ لا تكونوا ﴾ وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم ﴿ والله يحيي ويميت ﴾ رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له.

فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد.

فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له.

عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أناذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.

وفي أمثالهم "الشجاع موقى والجبان ملقى".

وكان عليّ يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذين نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ فلا تكونوا مثلهم.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيداً لهم.

ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: ﴿ لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ﴾ شيء من مغفرته ورحمته ﴿ خير مما يجمعون ﴾ فاللام الأولى هي الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى.

والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر.

ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله.

وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا.

وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.

ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم.

وإنما كانت المغفرة والرحمة خيراً من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيراً.

وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعاً من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، / وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه؟

فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ثم رغبهم بنوع آخر فقال: ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾ كأنه قيل: إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياماً قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية.

وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، الثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا.

ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها.

وفي قوله: ﴿ لإلى الله تحشرون ﴾ لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.

ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة.

ومنها بناء ﴿ تحشرون ﴾ على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره.

ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته.

ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون.

واعلم أنه  ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه.

فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً في ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة.

فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه، وما أحسن هذا النسق!

يروى أن عيسى  مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟

فقالوا: نخشى عذاب الله.

فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه.

ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة.

فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته.

ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات / العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة.

فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون.

قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: ﴿ ولئن متم أو قتلتم ﴾ عطفاً للشيء على نفسه.

قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم.

ثم إنه  لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك ان عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول  حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم.

روي "أن امرأة عثمان دخلت على النبي  - وكان النبي  وعلي يغسلان السلاح - فقالت: ما فعل عثمان؟

أما والله لا تجدونه أمام القوم.

فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم.

فقال رسول الله  : مه" .

وروي أنه قال حينئذٍ: "أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا." ولما دخل عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة.

وعنه أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وقال  : " لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقة، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقة" فلما كان  إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً لأن الغرض من البعثة - وهو التزام التكاليف - لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة.

وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان.

كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله  بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة.

واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق.

ولما كان  أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس / كما قال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ و "ما" مزيدة للتوكيد.

أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى.

وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة.

وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً.

وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة.

وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله  .

فلا رحمة بالحقيقة إلا له.

ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمته عوضاً كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض.

وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها.

فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم.

ثم بيّن أن الحكمة في لين جانبه ما هي فقال: ﴿ ولو كنت فظاً ﴾ سيء الخلق وأصله فظظ كحذر.

فظظت يا رجل بالكسر فظاظة ﴿ غليظ القلب ﴾ قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه "فض الختام".

ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك.

ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب ﴾ تشافههم بالملامة على ذلك ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم.

وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقال في إقامة حد الزنا: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر  ﴾ ومثله ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين  ﴾ ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ فيعلم من المدح على اللين في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل "لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى".

واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر.

وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة في حق جميع المكلفين.

فكل ما فعله مع محمد  من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب.

فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء.

فلا يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، / وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره.

والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من الله.

ثم قال: ﴿ فاعف عنهم ﴾ فيما يختص بك {واستغفر لهم{ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم.

قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه  قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة.

ثم قال: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها.

وقيل: من شرت الدابة شوراً عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت.

والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشواراً.

يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.

وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء.

وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم.

ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا.

ومنها قال الحسن وسفيان بن عبيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة.

ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم.

ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال  : " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وهذا هو السر في الجماعات والجمعات.

ومنها أنه  ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالاً مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة.

ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى, وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا؟

قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ ﴿ الأمر ﴾ ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس / ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد.

وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي  بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة.

ومنهم من قال: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأموراً بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة, وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي  بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب.

وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال: وهذا كقوله  : " "البكر تستأمر في نفسها " ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها فكذا ههنا.

﴿ فإذا عزمت ﴾ أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿ فتوكل على الله ﴾ لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن.

عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ فإذا عزمت ﴾ بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحداً.

﴿ إن ينصركم الله ﴾ عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد ﴿ وإن يخذلكم ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ أي من بعد خذلالنه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك "ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان" تريد إذا جاوزته.

وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء؟

فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الأدخال فيه.

﴿ وعلى الله ﴾ وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه.

وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده.

التأويل: ﴿ ولقد صدقكم الله ﴾ أيها الطلاب ﴿ وعده ﴾ ألا من طلبني وحدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر / الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿ من بعد ما أراكم ﴾ الدليل بالتربية ﴿ ما تحبون ﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة.

قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال: ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.

ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة.

فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة.

وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ ظن الجاهلية ﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره.

هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء؟

﴿ ما قتلنا ههنا ﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم ﴾ أيها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل  ﴾ ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ وليمحص ما في قلوبكم ﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم.

﴿ ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ﴾ ليعلم أن الله  في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو.

ومن هنا قال: " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا / ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان.

لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون.

وباقي الحقائق قد مرت في التفسير.

وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك الوقى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن، وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها.

ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل: فبرحمة من الله عليك لنت لهم؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ : فيجب أن يكون الإنسان رحيماً على خلقه؛ على ما جاء في الخبر قال لأصحابه: "لَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتََّى تَرَاحَمُوا، فقيل: كلنا نرحم يا رسول الله، فقال: لَيْسَ تَرَاحُمَ الرَّجُلِ وَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ، وَلَكِنْ يَتَرَاحَمُ بَعْضُهُم بَعْضاً" أو كلام نحو هذا.

ومن جاء: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، ولَمْ يُوَقِّر كَبِيرَنَا - فَلَيْسَ مِنَّا" ، وما جاء: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ أَهْلَ الأَرْضِ لَمْ يَرْحَمْهُ أَهْلُ السَّمَاءِ" كما قال الله -  -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ  ﴾ الآية، وقد أمر الله عباده أن يعامل بعضهم بعضاً بالرحمة واللين، إلا عند المعاندة والمكابرة؛ فحينئذ أمر بالقتال؛ كقوله لموسى وهارون - حيث أرسلهما إلى فرعون - فقال: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ  ﴾ ، وكان اللين في القول أنفذ في القلوب، وأسرع إلى الإجابة، وأدعى إلى لطاعة من الخشن من القول، وذلك ظاهر في الناس؛ لذلك أمر الله - عز وجل - رسلهم باللين من المعاملة، والرحمة على خلقه، وجعله سبب تأليف القلوب وجمعها، وجعل الخشن من القول والفظ سبب الفرقة بقوله: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً ﴾ .

[في القول] ﴿ غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ أي: لو كنت في الابتداء فظّاً غليظاً لتفرقوا ولم يجتمعوا عندك.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ ﴾ بأذاهم إياك ولا تكافِهِم، واستغفر لهم فيما بينهم وبين ربهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ بما عصوك ولا تنتصر منهم، وكذلك أمر الله المؤمنين جملة أن يعفوا عنهم، وألا ينتصروا منهم بقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ  ﴾ وكان أرجى للمؤمنين قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ؛ كما قال الله -  -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ...

﴾ الآية [الجاثية: 14]، وقوله - أيضاً -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ : لا جائز أن يؤمر بالاستغفار لهم ثم لا يفعل، وإذا فعل لا يجاب؛ فدل أنه ما ذكرنا، والله أعلم.

وكذلك دعاء إبراهيم -  -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ  ﴾ ، ودعاء نوح -  -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ لا يجوز أن يدعو هؤلاء الأنبياء - عليهم السلام - ثم لا يجاب لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْر ﴾ : أمر الله - عز وجلّ - نبيه  أن يشاور أصحابه في الأمر؛ ففيه وجوه ثلاثة: أحدها: أنه لا يجوز له أن يأمره بالمشاورة فيما فيه النص، وإنما يأمر بها فيما لا نصّ فيه؛ ففيه دليل جواز العمل بالاجتهاد.

والثاني: لا يخلو أمره بالمشاورة، إما لعظم قدرهم وعلوّ منزلتهم عند الله، أو لفضل العقل ورجحان اللب؛ فيكفما كان فلا يجوز لمن دونهم أن يسووا أنفسهم بهم، ولا جائز - أيضاً - أن يأمر نبيّه  بمشاورة أصحابه، ثم لا يعمل برأيهم؛ دل أنهم إذا اجتمعوا كان الحق لا يشذ عنهم.

وقال بعضهم: إنما أمر نبيّه  بمشاورتهم في أمر الحرب والقتال، وعن الحسن -  - "لما أنزل الله -  -: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْر ﴾ - قال رسول الله  : إِنَّ اللهَ وَرسُولَهُ غَنِيَّانِ عَنْ مُشَاوَرَتِكُمْ؛ ولكنه أراد أن يكون سنة لأمته" ، وعن ابن عباس -  - أنه كان يقرأ: "وشاورهم في بعض الأمر".

وقيل: أمر الله نبيه  أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القومِ، وأن القوم إذا شاورهم بعضهم بعضاً فأرادوا بذلك وجه الله - عزم الله لهم على أَرْشَدِهِ.

وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد سيّدهم أن يقطع أمراً دونهم، ولا يشاورهم في الأمر شق عليهم؛ فأمر الله النبي  أن يشاورهم في الأمر إذا أراد؛ فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم.

وفي بعض الأخبار قيل: "يا رسول الله، ما العزم؟

قال: أن تستشير ذا الرأي، ثم تطيعه" وكان يقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد ثبور، قيل: الثبور: الذي لا يستشير ويعمل برأيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ : أي: لا تتكلن إلى نفسك، ولا تعتمدن على أحد؛ ولكن اعتمد على الله وَكِلِ الأمر إليه.

وقيل: فإذا فرق [ذلك] الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك، فإن كان في أمر الحرب على ما قيل فهو - والله أعلم - لا تعجبن بالكثرة، ولا ترَيَنَّ النصر به، ولكن اعتمد بالنصر على الله؛ كقوله -  -: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً  ﴾ ، والله أعلم بما أراد، بذلك؛ كقوله: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ : صدق الله من كان الله ناصره؛ فلا يغلبه العدوّ من بعد.

﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ [أي: يترككم] ﴿ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم ﴾ : والنصر يحتمل وجهين، يحتمل المعونة، ويحتمل: المنع: كقوله -  -: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ  ﴾ .

قوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ : [فلم يعنكم]؛ فمن [ذا] الذي أعانكم سواه؟!

ومن المنع، أي: إن منع الله عنكم العدوَّ، فلا غالب لكم، ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ ، ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟!

والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أُمِّلَ منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته.

وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ : هو على الأمر في الحقيقة كأنه قال: وعلى الله فتوكلوا أيها المؤمنون.

والتوكل: هو الاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه، لا بالكثرة والأسباب التي يقوم بها، من نحو: القوة والعدة والنصرة والغلبة، وفي الشاهد إنما يكون عند الخلق بثلاث: إمّا بالكثرة، وإمَّا بفضل قوَّة بطش، وإمَّا بفضل تدبير ورأي في أمر الحرب، وجميع نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلبته على عدوه إنما كان لا بذلك؛ ولكن بالتوكل عليه وتفويض الأمر إليه؛ دل أن ذلك كان بالله - عزَّ وجلَّ - وذلك من آيات نبوَّته  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فبسبب رحمة من الله عظيمة كان خُلُقك -أيها النبي- سهلًا مع أصحابك، ولو كنت شديدًا في قولك وفعلك، قاسي القلب لتفرقوا عنك، فتجاوز عنهم تقصيرهم في حقك، واطلب لهم المغفرة، واطلب رأيهم فيما يحتاج إلى مشورة، فإذا عقدت عزمك على أمر بعد المشاورة فامض فيه، وتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين عليه فيوفقهم ويؤيدهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.0zVEO"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الفاء للتعقيب لأن الكلام في واقعة خالف النبي  فيها بعضُ أصحابه فكان لذلك من الفشل وظهور المشركين ما كان حتى أصيب النبي  مع من أصيب، فكان من لينه في معاملتهم ومخاطبتهم ومن رحمته بهم أن صبر وتجلد فلم يتشدد في عتب ولا توبيخ، اهتداء بكتاب الله تعالى، فقد أنزل الله عليه آيات كثيرة في الواقعة بينّ فيها ما كان من ضعف في المسلمين وعصيان وتقصير، حتى ما كان متعلقًا بالظنون الفكرية والهموم النفسية ولكن مع العتب اللطيف المقرون بذكر العفو والوعد بالنصر وإعلاء الكلمة وفوائد المصائب، وقد كان خلقه  القرآن كما ورد في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها.

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ  ﴾ لأن الفظاظة وهي الشراسة والخشونة في المعاشرة، وهي القسوة من الأخلاق المنفرة للناس لا يصبرون على معاشرة صاحبها وإن كثرت فضائله، ورجيت فواضله، بل يتفرقون ويذهبون من حوله، ويتركونه وشأنه، لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه، والتحلق حواليه، وإذًا لفاتتهم هدايتك، ولم تبلغ قلوبهم دعوتك.

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ  ﴾ فلا تؤاخذهم على ما فرطوا واسأل الله تعالى أن يغفر لهم ولا يؤاخذهم أيضًا فبذلك تكون محافظًا على تلك الرحمة التي خصك الله بها، ومداومًا لتلك السيرة الحسنة التي هداك الله إليها.

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ  ﴾ ليس من السهل أن يشاور الإنسان ولا أن يشير، وإذا كان المستشارون كثارًا كثر النزاع وتشعب الرأي، ولهذه الصعوبة والوعورة أمر الله تعالى نبيه أن يقرر سنة المشاورة في هذه الأمة بالعمل فكان  يستشير أصحابه بغاية اللطف، ويصغى إلى كل قول ويرجع عن رأيه إلى رأيهم.

﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ  ﴾ إن العزم على الفعل وإن كان يكون بعد الفكر، وإحكام الرأي والمشاورة، وأخذ الأهبة فذلك كله لا يكفي للنجاح إلا بمعونة الله وتوفيقه؛ لأن الموانع الخارجية له والعوائق دونه لا يحيط بها إلا الله تعالى فلا بد للمؤمن من الاتكال عليه والاعتماد على حوله وقوته ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ  ﴾ على حوله وقوته، مع العلم في الأسباب بسنته.

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ الكلام استئناف مسوق لبيان وجه وجوب التوكل على الله تعالى بعد المشاورة والعزيمة المبنية على أخذ الأهبة، والاستعداد بما يستطاع من حول وقوة، أي إن ينصركم الله بالعمل بسننه، وما يكون لكم من القوة والثبات بالاتكال على توفيقه ومعونته، فلا غالب لكم من الناس، الذين نصبهم حرمانهم من التوكل عليه تعالى غرضًا للقنوط واليأس.

﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ  ﴾ بما كسبت أيديكم من الفشل، وعصيان القائد فيما حتمه من عمل، كما جرى لكم في أُحد، أو بالإعجاب بالكثرة، والاعتماد على الاستعداد والقوة، وهو مخل بالتوكل كما جرى يوم حنين.

﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ  ﴾ أي من بعد خذلانه أي لا أحد يملك لكم حينئذ نصرًا، ولا أن يدفع عنكم ضرًا، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ  ﴾ ولا يتوكلوا على غيره لأن النصر بيده وهو الموفق لأسبابه وأهبه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله