الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٦٠ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 99 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وهذا كما تقدم من قوله : ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) [ آل عمران : 126 ] ثم أمرهم بالتوكل عليه فقال : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون )
القول في تأويل قوله : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " إن ينصركم الله "، أيها المؤمنون بالله ورسوله، على من ناوأكم وعاداكم من أعدائه والكافرين به =" فلا غالب لكم " من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم مَن بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله، فإن الغلبة لكم والظفر، دونهم =" وإن يخذُلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده "، يعني: إن يخذلكم ربكم بخلافكم أمره وترككم طاعته وطاعة رسوله، فيكلكم إلى أنفسكم =" فمن ذا الذي ينصركم من بعده "، يقول: فأيسوا من نصرة الناس، (20) فإنكم لا تجدون [ناصرًا] من بعد خذلان الله إياكم إن خذلكم، (21) يقول: فلا تتركوا أمري وطاعتي وطاعة رسولي فتهلكوا بخذلاني إياكم =" وعلى الله فليتوكل المؤمنون "، يعني: ولكن على ربكم، أيها المؤمنون، فتوكلوا دون سائر خلقه، وبه فارضوا من جميع من دونه، ولقضائه فاستسلموا، وجاهدوا فيه أعداءه، يكفكم بعونه، ويمددكم بنصره.
كما:- 8135- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إن ينصركم &; 7-348 &; الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون "، أي: إن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس = لن يضرك خذلان من خذلك، و إن يخذلك فلن ينصرك الناس =" فمن الذي ينصركم من بعده "، أي: لا تترك أمري للناس، وارفض [أمر] الناس لأمري، وعلى الله، [لا على الناس]، فليتوكل المؤمنون.
(22) ---------------- الهوامش : (20) أيست من الشيء آيس يأسًا ، لغة في"يئست منه أيأس يأسًا" ، وقد سلف مثل ذلك في موضع آخر لم أجده الآن.
(21) في المطبوعة: "فإنكم لا تجدون امرءًا من بعد خذلان الله" ، وفي المخطوطة: "لا تجدون أمرًا" ، ولم أجد لهما معنى أرتضيه ، فوضعت"ناصرًا" مكان"أمرًا" بين القوسين ، استظهارًا من معنى الآية ، وإن كنت أخشى أن يكون قد سقط من الناسخ شيء ، أو كتبت شيئًا مصحفًا لم أهتد لأصله.
وانظر سهو الناسخ في التعليق التالي.
(22) الأثر: 8135- سيرة ابن هشام 3: 124 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8132 ، بيد أنه في سيرة ابن هشام مختصر.
لم يرو ابن هشام صدر هذا الخبر ، بل بدأ من قوله: "أي: لا تترك" ، وقد أخطأ الناسخ فيما أرجح فسقط منه ما أثبت من سيرة ابن هشام بين الأقواس.
قوله تعالى : إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنونقوله تعالى : إن ينصركم الله فلا غالب لكم أي عليه توكلوا فإنه إن يعنكم ويمنعكم من عدوكم لن تغلبوا .
وإن يخذلكم يترككم من معونته .
فمن ذا الذي ينصركم من بعده أي لا ينصركم أحد من بعده ، أي من بعد خذلانه إياكم ; لأنه قال : وإن يخذلكم والخذلان ترك العون .
والمخذول : المتروك لا يعبأ به .
وخذلت الوحشية أقامت على ولدها في المرعى وتركت صواحباتها ; فهي خذول .
قال طرفة :خذول تراعي ربربا بخميلة تناول أطراف البرير وترتديوقال أيضا :نظرت إليك بعين جارية خذلت صواحبها على طفلوقيل : هذا من المقلوب ; لأنها هي المخذولة إذا تركت .
وتخاذلت رجلاه إذا ضعفتا .
قال :وخذول الرجل من غير كسحورجل خذلة للذي لا يزال يخذل ، والله أعلم .[ ص: 240 ]
أي: إن يمددكم الله بنصره ومعونته { فلا غالب لكم } فلو اجتمع عليكم من في أقطارها وما عندهم من العدد والعُدد، لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه.
{ وإن يخذلكم } ويكلكم إلى أنفسكم { فمن ذا الذي ينصركم من بعده } فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق.
وفي ضمن ذلك الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة، ولهذا قال: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } بتقديم المعمول يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا على غيره، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار.
وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله.
( إن ينصركم الله ) يعنكم الله ويمنعكم من عدوكم ، ( فلا غالب لكم ) مثل يوم بدر ، ( وإن يخذلكم ) يترككم فلم ينصركم كما كان بأحد والخذلان : القعود عن النصرة والإسلام للهلكة ، ( فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) أي : من بعد خذلانه ، ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) قيل : التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك وقيل : أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير الله ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره .
أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع البزار ببغداد ، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد الهيثم الأنباري ، أخبرنا محمد بن أبي العوام أخبرنا وهب بن جرير ، أخبرنا هشام بن حسان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدخل سبعون ألفا من أمتي الجنة بغير حساب " قيل : يا رسول الله من هم؟
قال : " هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون " فقال عكاشة بن محصن : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال : " أنت منهم " ثم قام آخر فقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال : " سبقك بها عكاشة " .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث ، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أخبرنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن حياة بن شريح ، حدثني بكر بن عمرو ، عن عبد الله بن هبيرة ، أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " .
«إن ينصركم الله» يُعنكم على عدوكم كيوم بدر «فلا غالب لكم وإن يخذلكم» يترك نصركم كيوم أُحد «فمن ذا الذي ينصركم من بعده» أي بعد خذلانه أي لا ناصر لكم «وعلى الله» لا غيره «فليتوكل» ليثق «المؤمنون».
إن يمددكم الله بنصره ومعونته فلا أحد يستطيع أن يغلبكم، وإن يخذلكم فمن هذا الذي يستطيع أن ينصركم من بعد خذلانه لكم؟
وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون.
ولقد أكد الله - تعالى - وجوب التوكل عليه بعد ذلك فى قوله : { إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الذي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ } ؟والمراد بالنصر هنا العون الذى يسوقه لعباده حتى ينتصروا على أعدائهم .
والمراد بالخذلان ترك العون .
والمخذول ، هو المتروك الذى لا يعبأ به .يقال : خذلت الوحشية إذا أقامت على ولدها فى المرعى وتركت صواحباتها .والمعنى : أن يرد الله - تعالى - نصركم كما نصركم يوم بدر - { فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } أى فإنه لا يوجد قوم يستطيعون قهركم ، لأن الله معكم ، ومن كان الله معه فلن يغلبه أحد من الخلق .وأن يرد أن يخذلكم ويمنع عنكم عونه كما حدث لكم يوم أحد ، فلن يستطيع أحد أن ينصركم من بعد خذلانه ، لأنه لا يوجد أحد عنده قدرة تقف أمام قدرة الله - تعالى - ومشيئته .والاستفهام هنا إنكارى يعنى النفى ، أى لا أحد يستطيع نصركم إذا اراد الله خذلانكم ، وهو جواب للشرط الثانى .وفيه لطف بالمؤمنين ، حيث صرح لهم بعدم الغلبة فى الأول ، ولم يصرح لهم بأنهم لا ناصر لهم فى الثانى ، بل أتى به فى صورة الاستفهام وإن كان معناه نفيا ليكون أبلغ ، إذ فى مجيئه على هذه الصورة الاستفهامية توجيه لأنظار المخاطبين إلى البحث عن قوة تكون قدرته كافية للوقوف أمام إرادة الله - تعالى - ولا شك أنهم لن يجدوه ، وعندئذ سيعتقدون عن يقين بأن الله وحده هو الكبير المتعال ، وأنه لا ناصر لهم سواه .وقوله { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } أى وعلى الله وحده لا على أحد سواه .
فليجعل المؤمنون اعتمادهم واتكالهم عليه ، لأن الذين يعتمدون على أى قوة سوى الله - تعالى - لن يصلوا إلى العاقبة الطيبة التى أعدها - سبحانه - لعباده المتقين .فالآية الكريمة كلام مستأنف ، وقد سيق بطرق تلوين الخطاب ، تشريفا للمؤمنين لايجاب التوكل عليه والترغيب فى طاعته التى تؤدى إلى النصر ، وتحذيرا لهم من معصيته التى تقضى إلى الخسران والخذلان .
قال ابن عباس: إن ينصركم الله كما نصركم يوم بدر.
فلا يغلبكم أحد، وإن يخذلكم كما خذلكم يوم أحد لم ينصركم أحد.
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل المقصود من الآية الترغيب في الطاعة، والتحذير عن المعصية، وذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن من اتقى معاصي الله تعالى نصره الله، وهو قوله: ﴿ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة ﴾ ثم بين في هذه الآية أن من نصره الله فلا غالب له، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين، ان من اتقى الله فقد فاز بسعادة الدنيا والآخرة فإنه يفوز بسعادة لا شقاوة معها وبعز لا ذل معه، ويصير غالبا لا يغلبه أحد، وأما من أتى بالمعصية فإن الله يخذله، ومن خذله الله فقد وقع في شقاوة لا سعادة معها، وذل لا عز معه.
المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الإيمان لا يحصل إلا بإعانة الله، والكفر لا يحصل إلا بخذلانه، والوجه فيه ظاهر لأنها دالة على أن الأمر كله لله.
المسألة الثالثة: قرأ عبيد بن عمير ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ من أخذله إذا جعله مخذولا.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ فيه وجهان: الأول: يعني من بعد خذلانه، والثاني: أنه مثل قولك: ليس لك من يحسن اليك من بعد فلان.
ثم قال: ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ يعني لما ثبت أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا راد لقضائه ولا دافع لحكمه، وجب أن لا يتوكل المؤمن إلا عليه، وقوله: ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ يفيد الحصر، أي على الله فليتوكل المؤمنون لا على غيره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِن يَنصُرْكُمُ الله ﴾ كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم ﴾ فهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه.
ونحوه ﴿ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ﴾ [فاطر: 2] .
﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ من بعد خذلانه.
أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان؛ تريد إذا جاوزته.
وقرأ عبيد بن عمير: ﴿ وإن يخذلكم ﴾ ، من أخذله إذا جعله مخذولاً.
وفيه ترغيب في الطاعة وفيما يستحقون به النصر من الله تعالى والتأييد، وتحذير من المعصية ومما يستوجبون به العقوبة بالخذلان ﴿ وَعَلَى الله ﴾ وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يوجب ذلك ويقتضيه.
يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً، إذا أخذه في خفية.
يقال أغلّ الجازر، إذا سرق من اللحم شيئاً مع الجلد.
والغل: الحقد الكامن في الصدر.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «من بعثناه على عمل فغلّ شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» وقوله صلى الله عليه وسلم: «هدايا الولاة غلول» وعنه: «ليس على المستعير غير المغل ضمان» وعنه: «لا إغلال ولا إسلال» ويقال: أغله إذا وجده غالا، كقولك: أبخلته وأفحمته ومعنى ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ وما صحّ له ذلك، يعني أن النبوة تنافي الغلول، وكذلك من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى معنى الأوّل، لأن معناه: وما صح له أن يوجد غالاً، ولا يوجد غالا إلا إذا كان غالاً.
وفيه وجهان: أحدهما أن يبرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وينزه وينبه على عصمته بأن النبوّة والغلول متنافيان؟
لئلا يظن به ظانّ شيئاً منه وألا يستريب به أحد، كما روى: أنّ قطيفة حمراء فقدت يوم بدر.
فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها.
وروي: «أنها نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز وطلبوا الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري، فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً، فقال صلى الله عليه وسلم: بل ظنتم أنا نغل ولا نقسم لكم» .
والثاني أن يكون مبالغة في النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي: أنه بعث طلائع فغنمت غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع، فنزلت.
يعني: وما كان لنبيّ أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.
وسمى حرمان بعض الغزاة ﴿ غلولا ﴾ تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر، ولو قرئ: (أن يغل) من أغل بمعنى غل، لجاز ﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة ﴾ يأت بالشيء الذي غله بعينه يحمله كما جاء في الحديث: «جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» وروي: «ألا لا أعرفنّ أحدكم يأتي ببعير له رغاء وببقرة لها خوار وبشاة لها ثغاء، فينادي يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً فقد بلغتك» وعن بعض جفاة العرب أنه سرق نافجة مسك، فتليت عليه الآية فقال: إذاً أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.
ويجوز أن يراد يأتي بما احتمل من وباله وتبعته وإثمه فإن قلت: هلا قيل: ثم يوفى ما كسب، ليتصل به؟
قلت: جيء بعامّ دخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى، وهو أبلغ وأثبت، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي يعدل بينهم في الجزاء، كلٌّ جزاؤه على قدر كسبه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ ﴾ كَما نَصَرَكم يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿ فَلا غالِبَ لَكُمْ ﴾ فَلا أحَدَ يَغْلِبُكم.
﴿ وَإنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾ كَما خَذَلَكم يَوْمَ أُحُدٍ.
﴿ فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ، أوْ مِن بَعْدِ اللَّهِ بِمَعْنى إذا جاوَزْتُمُوهُ فَلا ناصِرَ لَكُمْ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى المُقْتَضى لِلتَّوَكُّلِ وتَحْرِيضٌ عَلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ وتَحْذِيرٌ عَمّا يَسْتَجْلِبُ خِذْلانَهُ.
﴿ وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ فَلْيَخُصُّوهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ لِما عَلِمُوا أنْ لا ناصِرَ لَهم سِواهُ وآمَنُوا بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِن يَنصُرْكُمُ الله} كما نصركم يوم بدر {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} فلا أحد يغلبكم وإنما يدرك نصر الله من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه وقدرته {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} كما خذلكم يوم أحد {فَمَن ذَا الذى يَنصُرُكُم من بعده} من مبعد خذلانه وهو ترك المعونة أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من
بعد فلان تريد إذا جاوزته وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه علمهم أنه لا ناصر سواه ولأن إيمانهم يقتضي ذلك
﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ تَشْرِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والتَّرْغِيبِ في طاعَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها النُّصْرَةَ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ بِها الخِذْلانَ، أيْ إنْ يُرِدْ نَصْرَكم كَما أرادَهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَلا أحَدَ يَغْلِبُكم عَلى طَرِيقِ نَفْيِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ بِجَمِيعِ أفْرادِ الغالِبِ ذاتًا وصِفَةً، فَهو أبْلَغُ مِن لا يَغْلِبُكم أحَدٌ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى نَفْيِ الصِّفَةِ فَقَطْ.
ثُمَّ المَفْهُومُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، وإنْ كانَ نَفْيُ مَغْلُوبِيَّتِهِمْ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ أيْضًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، لَكِنَّ المَفْهُومَ مِنهُ فَهْمًا قَطْعِيًّا هو نَفْيُ المُساواةِ وإثْباتُ الغالِبِيَّةِ لِلْمُخاطَبِينَ، فَإذا قُلْتُ: لا أكْرَمَ مِن فُلانٍ ولا أفْضَلَ مِنهُ، فالمَفْهُومُ مِنهُ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ اللُّغاتِ، ولا اخْتِصاصَ بِالنَّفْيِ الصَّرِيحِ بَلْ هو مُطَّرِدٌ فِيما ورَدَ عَلى طَرِيقٍ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ( فَمَن أظْلِمُ مِمَّنْ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ) في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْزِيلِ، وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَبْحَثِ فِيما تَقَدَّمَ.
﴿ وإنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾ أيْ وإنْ يُرِدْ خِذْلانُكم ويَمْنَعْكم مَعُونَتَهُ كَما فَعَلَ يَوْمَ أُحُدٍ.
وقُرِئَ ( يَخْذُلُكم ) مِن أخْذَلَهُ إذا جَعَلَهُ مَخْذُولًا.
﴿ فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مُفِيدٌ لِانْتِفاءِ النّاصِرِ عَلى نَحْوِ انْتِفاءِ الغالِبِ، وقِيلَ: وجاءَ جَوابُ الشَّرْطِ في الأوَّلِ صَرِيحَ النَّفْيِ، ولَمْ يَجِئْ في الثّانِي كَذَلِكَ تَلَطُّفًا بِالمُؤْمِنِينَ حَيْثُ صَرَّحَ لَهم بِعَدَمِ الغَلَبَةِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهم، وإنْ كانَ الكَلامُ مُفِيدًا لَهُ.
﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ خِذْلانِهِ أوْ مِن بَعْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى إذا جاوَزْتُمُوهُ فَعَلى الأوَّلِ - بَعْدَ - ظَرْفُ زَمانٍ وهو الأصْلُ فِيها، وعَلى الثّانِي مُسْتَعارٌ لِلْمَكانِ ﴿ وعَلى اللَّهِ ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ.
﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ (160) المُرادُ بِهِمْ إمّا جِنْسُ المُؤْمِنِينَ، والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا المُخاطَبُونَ خاصَّةً بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِن تَشْرِيفِ المُخاطَبِينَ مَعَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ تَحَتُّمِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى، والفاءُ كَما قالُوا: لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما مَرَّ مِن غَلَبَةِ المُؤْمِنِينَ ومَغْلُوبِيَّتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ نَصْرِ اللَّهِ تَعالى لَهم وخِذْلانِهِ إيّاهم، فَإنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِمّا يَسْتَدْعِي قَصْرَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ لا مَحالَةَ.
<div class="verse-tafsir"
ثم أخبر عزّ وجلّ أن النصرة من عند الله كلها، فقال تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ يقول إن يمنعكم الله فَلا غالِبَ لَكُمْ من العدو يعني يوم بدر وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ يعني يوم أحد فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أي: يمنعكم من عدوكم وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي: فليتّق الواثقون في النصرة ويقال: على المؤمنين أن يتوكلوا على الله، لأنهم عرفوا أنه لا ناصر لهم غيره.
<div class="verse-tafsir"
«مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً، أُعْطِيِهَا، وَلَوْ لَمْ تُصْبْهُ» «١» ، انفرد به مُسْلم.
انتهى من «سلاح المؤمن» .
وقوله سبحانه: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ: معناه: فبرحمةٍ، قال القُشَيْريُّ في «التحبير» : واعلَمْ أنَّ اللَّه سبحانه يحبُّ من عباده مَنْ يرحم خَلْقه، ولا يرحم العبد إلاَّ إذا رحمه اللَّه سبحانَهُ، قال اللَّه تعالى لنبيِّه- عليه السلام-: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ.
انتهى.
قال ع «٢» : ومعنى هذه الآيةِ التقريعُ لكلِّ مَنْ أخلَّ يومَ أُحُدٍ بمَرْكزه، أي: كانوا يستحقُّون الملام منْكَ، ولكنْ برحمةٍ منه سُبْحَانه/ لِنْتَ لهم، وجَعَلَكَ على خُلُقٍ عظيمٍ، وبعَثَكَ لتتميمِ محاسنِ الأخلاق، ولو كُنْتَ فظًّا غليظَ القَلْب، لانفضوا مِنْ حولك، وتفرَّقوا عَنْكَ، والفَظُّ: الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفته صلّى الله عليه وسلّم في الكُتُب المُنزَّلة: «لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ وَلاَ صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ» «٣» ، والفَظَاظة: الجَفْوة في المعاشرة قولاً وفعلاً، وغِلَظُ القَلْب: عبارةٌ عن تجهُّمِ الوجْهِ، وقلَّةِ الانفعالِ في الرغَائِبِ، وقلَّةِ الإشفاقِ والرَّحْمةِ، والانفضاضُ: افتراق الجموع.
وقوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ...
الآية: أمر سبحانه نبيَّه- عليه السلام- بهذه الأوامر التي هِيَ بتدريجٍ بليغٍ، فأمره أنْ يعفو عَنْهم فيما له عليهم من حقّ، ثمّ
يستغفر لهم فيما للَّه علَيْهم مِنْ تَبِعَةٍ، فإذا صاروا في هذه الدَّرَجَة، كانوا أهلاً للاستشارة.
قال ع «١» : ومَنْ لا يستشيرُ أهل العِلْمِ والدِّين، فعَزْلُه واجبٌ، هذا ممَّا لا خلافَ فيه، وقد وردَتْ أحاديثُ كثيرةٌ في الاستشارة، ومُشَاورته- عليه السلام- إنما هي في أمور الحَرْب والبُعُوث ونحوه من أشخاصِ النَّوَازِلِ، فأما في حلالٍ، أو حرامٍ، أو حَدٍّ، فتلك قوانينُ شَرْعٍ، ما فرَّطنا في الكتابِ مِنْ شيء، والشورى مبنيَّة على اختلافِ «٢» الآراءِ، والمُسْتَشِيرُ ينظر في ذَلِكَ الخلافِ، ويتخيَّر، فإذا أرشده اللَّه إلى ما شاء منْهُ، عزم علَيْه، وأنفذه متوكِّلاً على اللَّه إذ هو غايةُ الاجتهادِ المَطْلُوب منه، وبهذا أمر اللَّه تعالى نبيَّه في هذه الآيةِ، وصِفَةُ المُسْتشارِ في الأحكامِ أنْ يكونَ عالماً ديِّناً، وقلَّما يكونُ ذلك إلاَّ في عاقلٍ، فقَدْ قال الحَسَنُ ابْنُ أبِي الحَسَنِ: ما كَمَلَ دِينُ امرئ لَمْ يَكْمَلْ عَقْلُهُ «٣» .
قال ع «٤» : والتوكُّل على اللَّه سبحانه وتعالى مِنْ فروض الإيمانِ وفصولِهِ، ولكنَّه مقترنٌ بالجِدِّ في الطاعاتِ، والتَّشْميرِ والحَزَامَةِ بغايةِ الجُهْدِ، وليس الإلقاء باليدِ وما أشبهه
بتوكُّل، وإنما هو كما قال- عليه السلام-: «قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ» .
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ هذه غايةٌ في الرِّفْعة، وشَرَفِ المنزلةِ، وقد جاءت آثار صحيحةٌ في فَضْل التوكُّلِ وعظيمِ منزلةِ المتوكِّلين، ففي «صحيح مُسْلِمٍ» عن عمران بن حصين أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالُوا: مَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لاَ يَرْقُونَ، وَلاَ يَستَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ، «١» وخَرَّج أبو عيسَى التِّرمذيُّ، عن أبي أُمَامَةَ، قَالَ: سمعتُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِل الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي» ، وخرَّجه ابن ماجة أيضاً «٢» ، وخرَّج أبو بَكْرٍ البَزَّارُ، وأبو عَبْدِ اللَّهِ التِّرمذيُّ الحكيمُ، عنْ عبد الرحمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصديقِ (رضي اللَّه عنه) ، قَالَ: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته قَالَ: قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ الأَلْفَ سَبْعِينَ أَلْفاً، فقالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ استزدته، فَقَالَ: قَدِ استزدته، فَأَعْطَانِي هَكَذَا، وفَتَحَ أَبُو وَهْبٍ يَدَيْهِ، قَالَ أَبُو وَهْبٍ: قَالَ هِشَامٌ:
هَذَا مِنَ اللَّهِ لاَ يدرى، مَا عَدَدُهُ» «٣» ، وخرَّج أبو نُعَيْمٍ، عن أنس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّة/ مِنْ أُمَّتِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، قَالَ: وَهَكَذَا، وَأَشَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ النَّاسَ الجَنَّةَ بحفنة واحدة، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «صدق عمر» «٤» .
اهـ من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: النَّصْرُ العَوْنُ، والخُذْلانُ: تَرْكُ العَوْنِ.
وقِيلَ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ تَعُودُ إلى خِذْلانِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاعْفُ عنهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ﴾ ﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرْكُمُ مِن بَعْدِهِ وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ .
أمَرَ اللهُ تَعالى رَسُولَهُ بِهَذِهِ الأوامِرِ الَّتِي هي بِتَدْرِيجٍ بَلِيغٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَعْفُوَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهم ما لَهُ في خاصَّتِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَبِعَةٍ وحَقٍّ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَرَجَةِ، أمَرَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم فِيما لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِن تَبِعَةٍ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَرَجَةِ كانُوا أهْلًا لِلِاسْتِشارَةِ في الأُمُورِ.
والشُورى مِن قَواعِدِ الشَرِيعَةِ وعَزائِمِ الأحْكامِ، ومَن لا يَسْتَشِيرُ أهْلَ العِلْمِ والدِينِ فَعَزْلُهُ واجِبٌ، هَذا ما لا خِلافَ فِيهِ، وقَدْ مَدَحَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ ﴾ وقالَ النَبِيُّ : « "ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ ولا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ"» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ « "المُسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ".» وصِفَةُ المُسْتَشارِ في الأحْكامِ أنْ يَكُونَ عالِمًا دَيِّنًا، وقَلَّ ما يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في عاقِلٍ، فَقَدْ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "ما كَمُلَ دِينُ امْرِئٍ لَمْ يَكْمُلْ عَقْلُهُ".
وصِفَةُ المُسْتَشارِ في أُمُورِ الدُنْيا أنْ يَكُونَ عاقِلًا مُجَرِّبًا وادًّا في المُسْتَشِيرِ.
والشُورى بَرَكَةٌ، وقَدْ جَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الخِلافَةَ -وَهِيَ أعْظَمُ النَوازِلِ- شُورى، وقالَ الحَسَنُ: واللهِ ما تَشاوَرَ قَوْمٌ بَيْنَهم إلّا هَداهُمُ اللهُ لِأفْضَلِ ما بِحَضْرَتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ يُشاوِرُ أصْحابَهُ، وقَدْ قالَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ: « "أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ"،» في اليَوْمِ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ المِقْدادُ ثُمَّ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ.
ومُشاوَرَتُهُ عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما هي في أُمُورِ الحُرُوبِ والبُعُوثِ ونَحْوِهِ مِن أشْخاصِ النَوازِلِ، وأمّا في حَلالٍ أو حَرامٍ أو حَدٍّ فَتِلْكَ قَوانِينُ شَرْعٍ "ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ"، وكَأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مُؤْنِسَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ كانَ تَغَلُّبُهم عَلى الرَأْيِ في قِصَّةِ أُحُدٍ يَقْتَضِي أنْ يُعاقَبُوا بِأنْ لا يُشاوَرُوا في المُسْتَأْنَفِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "وَشاوِرْهم في بَعْضِ الأمْرِ"، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ إنَّما هي بِاسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَقَعُ لِلْبَعْضِ ولِلْكُلِّ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللَفْظَ خاصٌّ بِما لَيْسَ مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، والشُورى مَبْنِيَّةٌ عَلى اخْتِلافِ الآراءِ، والمُسْتَشِيرُ يَنْظُرُ في ذَلِكَ الخِلافِ ويَتَخَيَّرُ، فَإذا أرْشَدَهُ اللهُ تَعالى إلى ما شاءَ مِنهُ عَزَمَ عَلَيْهِ وأنْفَذَهُ مُتَوَكِّلًا عَلى اللهِ، إذْ هي غايَةُ الِاجْتِهادِ المَطْلُوبِ مِنهُ، وبِهَذا أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَرَأ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو نُهَيْكٍ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعِكْرِمَةُ "عَزَمْتُ" بِضَمِّ التاءِ، سَمّى اللهُ تَعالى إرْشادَهُ وتَسْدِيدَهُ عَزْمًا مِنهُ، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ ﴾ ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ﴾ فَجَعَلَ تَعالى هَزْمَهُ المُشْرِكِينَ بِحُنَيْنٍ وتَشْوِيهَ وُجُوهِهِمْ رَمْيًا، إذْ كانَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِرَمْيِ مُحَمَّدٍ بِالحَصْباءِ.
وقَدْ قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي.
والتَوَكُّلُ عَلى اللهِ تَعالى مِن فُرُوضِ الإيمانِ وفُصُولِهِ، ولَكِنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِالجِدِّ في الطاعَةِ والتَشْمِيرِ والحَزامَةِ بِغايَةِ الجُهْدِ، ولَيْسَ الإلْقاءُ بِاليَدِ وما أشْبَهَهُ بِتَوَكُّلٍ، وإنَّما هو كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "قَيِّدْها وتَوَكَّلْ".» ثُمَّ ثَبَّتَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ﴾ أيْ: فالزَمُوا الأُمُورَ الَّتِي أمَرَكم بِها ووَعَدَكُمُ النَصْرَ مَعَها.
والخَذْلُ: هو التَرْكُ في مَواطِنِ الِاحْتِياجِ إلى التارِكِ، وأصْلُهُ مِن خَذْلِ الظِباءِ، وبِهَذا قِيلَ لَها: خاذِلٌ إذْ تَرَكَتْها أُمُّها، وهَذا عَلى النَسَبِ أيْ: ذاتُ خَذْلٍ لِأنَّ المَتْرُوكَةَ هي الخاذِلُ بِمَعْنى مَخْذُولَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ ﴾ تَقْدِيرُ جَوابِهِ: لا مَن، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" يَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى المَكْتُوبَةِ، ويَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى الخَذْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: "وَإنْ يَخْذُلْكُمْ" / <div class="verse-tafsir"
استئناف نشأ عن قوله: ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو مِتُّم ﴾ [آل عمران: 157] أو عن قوله: ﴿ لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم ﴾ [آل عمران: 156] الآية.
ولو حُمل هذا الخبر على ظاهر الإخبار لكان إخبَاراً بأمر معلوم عند المخاطبين إذ هم مؤمنون، ولا يجهل مؤمن أنّ الله إذا قَدّر نَصر أحَدٍ فلا رادّ لنصره، وأنَّه إذا قدّر خَذْلَه فلا ملجأ له من الهزيمة، فإنّ مثل هذا المعنى محقّق في جانب الله لا يجهله معترف بإلهيته، مؤمن بوحدانيته، وهل بعد اعتقاد نفي الشريك عن الله في ملكه مجال لاعتقاد وجود ممانع له في إرادته، فيتعيّن أن يكون هذا الخبر مراداً به غيرُ ظاهر الإخبار، وأحسن ما يحمل عليه أن يكون تقريراً لتسلية المؤمنين على ما أصابهم من الهزيمة، حتَّى لا يحزنوا على ما فات لأنّ ردّ الأمور إلى الله تعالى عند العجز عن تداركها مسلاة للنفس، وعزاء على المصيبة، وفي ضمن ذلك تنبيه إلى أنّ نصر الله قوماً في بعض الأيَّام، وخَذْله إيّاهم في بعضها، لا يكون إلاّ لحِكَم وأسباب، فعليهم السعي في أسباب الرضا الموجب للنصر، وتجنّب أسباب السخط الموجب للخَذل كما أشار إليه قوله: ﴿ يأيُّها الَّذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ﴾ [محمد: 7] وقوله: ﴿ فأثابكم غماً بغم ﴾ [آل عمران: 153] وقوله الآتي: ﴿ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليْها قلتم أنى هذا ﴾ [آل عمران: 165] وعليهم التطلّب للأسباب الَّتي قُدر لهم النَّصر لأجلها في مثل يوم بَدر، وأضدادها الَّتي كان بها الخَذل في يَوم أحُد، وفي التفكير في ذلك مجال واسع لمكاشفات الحقائق والعلل والأسباب والحكم والمنافع والمضارّ على قدر سعة التفكير الجائل في ذلك، ففي هذا الخبر العظيم إطلاق للأفكار من عقالها، وزجّ بها في مسارح العبر، ومراكض العظات، والسابقون الجيادُ، فالخبر مستعمل في لازم معناه وهو الحضّ على تحصيل ذلك.
وعلى هذا الوجه تظهر مناسبة موقع هذا الاستئناف عقب ما تقدّمه: لأنَّه بعد أن خاطبهم بفنون الملام والمعذرة والتسلية من قوله: ﴿ قد خلت من قبلكم سنن ﴾ [آل عمران: 137] إلى هنا، جمع لهم كُلّ ذلك في كلام جامع نافععٍ في تلقِّي الماضي، وصالححٍ للعمل به في المستقبل، ويجوز أن يكون الإخبار مبنيّاً على تنزيل العالم منزلة الجاهل، حيث أظهروا من الحرص على الغنيمة ومن التأوّل في أمر الرسول لهم في الثبات، ومن التلهّف على ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجرح، ما جعل حالهم كحال من يجهل أنّ النصر والخذل بيد الله تعالى.
فالخبر مستعمل في معناه على خلاف مقتضى الظاهر.
والنَّصر: الإعانة على الخلاص من غلب العَدوّ ومُريد الإضرار.
والخِذْلانُ ضدّه: وهو إمساك الإعانة مع القدرة، مأخوذ من خَذلت الوَحشية إذا تخلفت عن القطيع لأجل عجز ولدها عن المشي.
ومعنى ﴿ إن ينصركم ﴾ ﴿ وإن يخذلكم ﴾ إنْ يُرد هَذا لَكم، وإلاّ لما استقام جواب الشرط الأوّل، وهو « ﴿ فلا غالب لكم ﴾ إذ لا فائدة في ترتيب عدم الغلب على حصول النصر بالفِعل، ولا سيما مع نفي الجنس في قوله: ﴿ فلا غالب لكم ﴾ ، لأنَّه يصير من الإخبار بالمعلوم، كما تقول: إن قمتَ فأنتَ لست بقَاعد.
وأمَّا فعل الشرط الثَّاني وهو: ﴿ وإن يخذلكم ﴾ فيقدّر كذلك حَمْلاً على نظيره، وإن كان يستقيم المعنى بدون تأويل فيه.
وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ [المائدة: 6] الآية.
وجَعْل الجواب بقوله: ﴿ فلا غالب لكم ﴾ دون أن يقول: لا تغلبوا، للتنصيص على التَّعميم في الجواب، لأنّ عموم ترتّب الجزاء على الشرط أغلبي وقد يكون جزئياً أي لا تغلبوا من بعض المغالبين، فأريد بإفادة التعميم دفع التّوهم.
والاستفهام في قوله: ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ إنكاري أي فلا ينصركم أحد غيره.
وكلمة ﴿ من بَعده ﴾ هنا مستعملة في لازم معناها وهو المغايرة والمجاوزة: أي فمن الَّذي ينصركم دونَه أو غيرَه أي دون اللَّه، فالضّمير ضمير اسم الجلالة لا محالة، واستعمال (بعد) في مثل هذا شائع في القرآن قال تعالى: ﴿ فمن يهديه من بعد الله ﴾ [الجاثية: 23] وأصل هذا الاستعمال أنه كالتمثيلية المكنية: بأن مثلت الحالة الحاصلة من تقدير الانكسار بحالة من أسلم الذي استنصر به وخذله فتركه وانصرف عنه لأن المقاتل معك إذا ولى عنك فقد خذللك فحذف ما يدل على الحالة المشبه بها ورمز إليه بلازمه وهو لفظ ﴿ من بعده ﴾ .
وجملة ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ تذييل قصد به الأمر بالتَّوكل المستند إلى ارتكاب أسباب نصر الله تعالى: من أسباببٍ عادية وهي الاستعداد، وأسباببٍ نفسانية وهي تزكية النفس واتّباع رضَى الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وما صِلَةٌ دَخَلَتْ لِحُسْنِ النَّظْمِ.
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ﴾ الفَظُّ: الجافِي، والغَلِيظُ القَلْبِ: القاسِي، وجَمَعَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ، وإنْ كانَ مَعْناهُما واحِدًا لِلتَّأْكِيدِ.
﴿ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ وفي أمْرِهِ بِالمُشاوَرَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ في الحَرْبِ لِيَسْتَقِرَّ لَهُ الرَّأْيُ الصَّحِيحُ فِيهِ، قالَ الحَسَنُ: ما شاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أُمُورِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ تَأْلِيفًا لَهم وتَطْيِبًا لِأنْفُسِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِما عَلِمَ فِيها مِنَ الفَضْلِ، ولِتَتَأسّى أُمَّتُهُ بِذَلِكَ بَعْدَهُ ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِمُشاوَرَتِهِمْ لِيَسْتَنَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويَتْبَعَهُ فِيها المُؤْمِنُونَ وإنْ كانَ عَنْ مَشُورَتِهِمْ غَنِيًّا، وهَذا قَوْلُ سُفْيانَ.
﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ.
فَفي تَأْوِيلِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: «أنَّ قَطِيفَةً حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: أخَذَها رَسُولُ اللَّهِ ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في طَلائِعَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ وجَّهَهم في وجْهٍ، ثُمَّ غَنِمَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ أيْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَتْرُكَ طائِفَةً ويَجُورَ في القَسْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكْتُمَ النّاسَ ما بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِرَهْبَةٍ مِنهُ ولا رَغْبَةٍ فِيهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ إسْحاقَ.
وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ (يُغَلُّ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَتَّهِمَهُ أصْحابُهُ ويُخَوِّنُوهُ.
والثّانِي: مَعْناهُ: وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ أصْحابَهُ ويُخَوِّنَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
وَأصْلُ الغُلُولِ الغَلَلُ وهو دُخُولُ الماءِ في خِلالِ الشَّجَرِ، فَسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المالِ عَلى خَفاءٍ كَجَرْيِ الماءِ، ومِنهُ الغِلُّ الحِقْدُ لِأنَّهُ العَداوَةُ تَجْرِي في النَّفْسِ مَجْرى الغَلَلِ.
﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ وفي وجْهِ المِنَّةِ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيَكُونَ ذَلِكَ شَرَفًا لَهم.
والثّانِي: لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَعَلُّمَ الحِكْمَةِ مِنهُ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ.
والثّالِثُ: لِيُظْهِرَ لَهم عِلْمَ أحْوالِهِ مِنَ الصِّدْقِ والأمانَةِ والعِفَّةِ والطَّهارَةِ.
﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَشْهَدُ لَهم بِأنَّهم أزْكِياءُ في الدِّينِ.
والثّانِي: أنْ يَدْعُوَهم إلى ما يَكُونُونَ بِهِ أزْكِياءَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَّكاةَ الَّتِي يُطَهِّرُهم بِها، وهو قَوْلُ الفَرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن اسحق في الآية قال: أي أن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس، لن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك فلن يضرك الناس ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ أي لا تترك أمري للناس، وارفض الناس لأمري ﴿ وعلى الله ﴾ لا على الناس ﴿ فليتوكل المؤمنون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾ الآية.
معنى (الخِذْلان): القعود عن النُّصرَةِ وقت الحاجة إليها، والإسلامُ للهَلَكَةِ.
يقال: (خَذَلَ، يَخْذُلُ، خِذْلانًا، وخَذْلًا).
ويقال للبقرة والظَّبْيَة، إذا تخلفت مع ولدها في المرعى، وتركت صواحباتها: (خَذُول) (١) قال (٢) خَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَبًا بِخَمِيلَةٍ ...
تَنَاوَلُ أطرافَ البَرِيرِ وترتدي (٣) (٤) دَعَتْ مَيَّةَ الأعدادُ واستَبدَلت بها ...
خَنَاطِيلَ آجَالٍ (٥) (٦) (٧) أي: متخلفات من الأولاد.
والخَنَاطِيل (٨) (٩) قال محمد بن إسحاق بن يَسَار -في هذه الآية- (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ .
(مَنْ) -ههنا-: تقريرٌ لِلنَّفْي؛ أي: لا يَنْصُرُكُمْ أحدٌ (١٣) (١) وتُسمَّى كذلك: خاذِل.
انظر هذه المعاني لـ (خذل) في: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي 121، و"التهذيب" 1/ 998، و"معاني القرآن"، للنحاس 1/ 503، و"المقاييس" 2/ 165، و"الكليات" لأبي البقاء 310، و"اللسان" 2/ 1118.
(٢) في (ج): (وقال).
(٣) البيت من معلقته، وهو في: "ديوانه" 21، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 141، و"جمهرة أشعار العرب" ص 149، و"تهذيب اللغة" 1/ 999 (خذل)، و"المقاييس" 2/ 165، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني 47، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 58، و"اللسان" 2/ 1118 ولم ينسبه.
قوله: (تراعي ربربا)؛ أي: ترعى مع (الرَّبْرَب)، وهو: قطيع الظباء وبقر الوحش، وقيل: أولاد البقرة.
و (الخميلة): الأرض السهلة اللينة، التي فيها شجر.
والجمع: (خَمائل).
و (البَرِير): ثمر الإراك البالغ، ومفردها: (بَرِيرة).
وخَصَّ الخذول -هنا-؛ لأنها فَزِعةٌ بانفرادها، وَلِهَةٌ على وليدها، فهي تمد عنقها مرتاعة، فيظهر -حينها- جمالها، وحسنها، ولو كانت في قطيعها، لم يَبِنْ حسنُها، ثم وصفها بأنها ترعى أطراف شجر الأراك، وتمد عنقها، وتتطاول؛ لتنال ما علا من أغصان الشجر، فتتهَدَّل عليها الأغصان حتى تصبح كأنها رداءٌ لها.
انظر: "شرح القصائد" لابن الأنباري 141 - 142، والتبريزي 58 - 59.
(٤) هو: أبو الحارث، غَيْلان بن عُقْبَة بن بُهَيْش.
شاعر إسلامي، في الطبقة الثانية من فحول شعراء الإسلام، مات سنة (117هـ).
انظر: "الشعر والشعراء" ص 350، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 549، و"وفيات الأعيان" 4/ 11.
(٥) في (أ)، (ب)، (ج): مهملة من الشكل.
والمثبت من مصادر البيت.
(٦) في (أ): (العَيْن).
في (ب)، (ج): مهملة من الشكل.
والمثبت من مصادر البيت.
(٧) البيت في: ديوانه: 1455.
وورد منسوبًا له في: "الصحاح" 4/ 1686 (خطل)، و"اللسان" 5/ 2835 (عدد)، و"التاج" 14/ 215 (خنطل).
(الأعداد): جمع (عِدٍّ)، وهو الماء الدائم الذي لا ينقطع.
و (الخناطيل): القطعان من الإبل والبقر، وهي -هنا في البيت- بقر الوحش.
و (آجال): جمع: (إجْل) -بكسر الهمزة، وتسكين الجيم- وهو: القطيع من بقر الوحش والظباء.
و (العِين): بقر الوحش.
والثور منها: (أَعْيَن)، والبقرة: (عَيْناء).
و (خُذل): أي: أقامت على ولدها، وتركت صواحبها.
الشاعر -هنا- يذكر امرأة تسمى (ميّة)، وهي التي كان يشبب بها ويعشقها، يقول: تركت منازلَها وظعنت عنها، بعدما نضبت الغدرانُ في القيظ، وحضرت ماءً عِدًّا؛ واستبدلت الدارُ بها بقرَ الوحش، التي خالفتها إلى منازلها وأقامت فيها.
انظر: "اللسان" 5/ 2835 (عدد)، 3/ 1278 (خنطل)، 1/ 32 - 33 (أجل) ، و"القاموس" ص 1218 (عين).
(٨) في (أ)، (ب)، (ج): والخناظيل -بالظاء-.
والمثبت من: مصادر اللغة.
(٩) في (أ)، (ب)، (ج): (خنظول) بالظاء.
== الوارد في كتب اللغة التي رجعت إليها، أن واحد الخناطيل: (خِنْطيلة)، و (خُنْطُولة).
أما (الخنطول)، فهو يطلق على: القرن الطويل.
انظر: "التهذيب" 1/ 1113 (خنطل)، و"الصحاح" 4/ 1686 (خطل)، و"اللسان" 3/ 1278 (خنطل)، و"التاج": 14/ 215 (خنطل).
(١٠) قوله، في:"سيرة ابن هشام" 3/ 70، و"تفسير الطبري" 4/ 154، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 803.
(١١) في (ج): (ينصركم).
(١٢) في "سيرة ابن هشام": (وارفض أمر الناس ..).
(١٣) (أحد): مطموسة في: (ب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾ ما زائدة للتأكيد ﴿ لاَنْفَضُّواْ ﴾ أي تفرقوا ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ فيما يختص بك ﴿ واستغفر لَهُمْ ﴾ فيما يختص بحق الله ﴿ وَشَاوِرْهُمْ ﴾ المشاورة مأمور بها شرعاً، وإنما يشاور النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الرأي في الحروب وغيرها، لا في الأحكام الشرعية، وقال ابن عباس: وشاورهم في بعض الأمر ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ﴾ التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع أو حفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين: أحدهما قوله: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين ﴾ والآخر: الضمان الذي في قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3] وقد يكون واجباً لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الله فتوكلوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23] فجعله شرطاً في الإيمان، والظاهر قوله جل جلاله، ﴿ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ [آل عمران: 122] فإن الأمر محمول على الوجوب.
واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى: أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشك في نصيحته له، وقيامه بمصالحه.
والثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه، فإنه لا يعرف سواها، ولا يلجأ إلاّ إليها،.
والثالثة: أن يكون العبد مع ربه: كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم نفسه إليه بالكلية.
فصاحب الدرجة الأولى له حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية، وصاحب الثانية له حظ من المراد والاختيار بخلاف صاحب الثالثة.
وهذه الدرجات مبنيّة على التوحيد الخاص الذي تكلمنا عليه في قوله: ﴿ وإلهكم إله وَاحِدٌ ﴾ [البقرة: 163] فهي تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، فإن قيل: هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟
فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدهما: سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله تعالى: فهذا لا يجوز تركه: كالكل لدفع الجوع، واللباس لدفع البرد.
والثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدم فعله في التوكل لأن التوكل من أعمال القلب، لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه، والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدم فعله في التوكل، ثم إن فوق التوكل التفويض وهو الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند المراد والاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدباً مع الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الرعب ﴾ بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب.
الباقون: يسكون العين - ﴿ ومأواهم ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ ولقد صدقكم ﴾ وبابه بإدغام الدال في الصاد: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل ﴿ وتغشى ﴾ بتاء فوقانية وبالإمالة: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بياء الغيبة ﴿ كله ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون: بالنصب ﴿ يعملون بصير ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة.
الباقون: بالخطاب ﴿ متم ﴾ و ﴿ متنا ﴾ بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلاههنا لجوار ﴿ قتلتم ﴾ الباقون: بضم الميم من مات يموت.
﴿ يجمعون ﴾ بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب.
/ الوقوف: ﴿ سلطاناً ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ النار ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ بإذنه ﴾ ج لأن "حتى" تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران "إذا" مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره.
والوقف على ﴿ تحبون ﴾ ظاهر في الوجهين.
﴿ الآخرة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار وقيل لعطف ﴿ صرفكم ﴾ على الجواب المحذوف.
﴿ ليبتليكم ﴾ ج ﴿ عفا عنكم ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أصابكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ طائفة منكم ﴾ (لا) لأن الواو للحال.
﴿ الجاهلية ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لله ﴾ ط ﴿ يبدو لك ﴾ ط ﴿ ههنا ﴾ ط ﴿ مضاجعهم ﴾ ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم.
﴿ وليبتلي ﴾ ﴿ ما في قلوبكم ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ الجمعان ﴾ (لا) لأن إنما خبر إن ﴿ كسبوا ﴾ ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ وما قتلوا ﴾ ج لأن لام ﴿ يجعل ﴾ قد يتعلق بقوله: ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أو بمحذوف أي ذلك ليجعل ﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ تجمعون ﴾ ه ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ لنت لهم ﴾ ج لأن الواو للعطف و"لو" للشرط ﴿ من حولك ﴾ ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً ﴿ الأمر ﴾ ج لفاء التعقيب مع "إذا" الشرطية ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ المتوكلين ﴾ ه ﴿ لكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.
التفسير: إنه يذكر في هذه الآيات وجوهاً كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار.
من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام في جميع الأوقات.
الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أنا سنتلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين على سائر الأديان، ويؤيده قوله " نصرت بالرعب مسيرة شهر " وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة.
قال السدي: "لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق.
ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا.
قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم.
فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت الآية" .
وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة - يعني رسول الله - أين ابن أبي قحافة؟
أين ابن الخطاب؟
فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى.
والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعاً ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار.
وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه.
ولكن ظاهر قوله: ﴿ في قلوب الذين كفروا ﴾ يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم.
إما في الحرب وإما في المحاجة.
وقيل: إنه مخصوص بأولئك الكفار.
﴿ بما أشركوا ﴾ أي بسبب إشراكهم بالله.
وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه ﴾ ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول: إذا كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة.فيلزم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة.
كيف وإنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً؟
﴿ ما لم ينزل به سلطاناً ﴾ الهة لم ينزل الله بإشراكها حجة.
والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر.
قال الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر.
وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته.
ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب نفيه.
ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه.
ويكفي في رفع هذه الحاجةإثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته.
أقول: هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك.
ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال: ﴿ ومأواهم ﴾ أي والمكان الذي يأوون إليه ﴿ النار وبئس مثوى الظالمين ﴾ مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله: ﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم ﴾ / تستأصلونهم قتلاً.
قال أصحاب الاشتقاق: حَسَّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه.
﴿ بإذنه ﴾ بعلمه.
وقيل: المراد بهذا الوعد أنه رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء.
وقيل: هو ما ذكره من قوله ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ﴾ إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط هو الصبر والتقوى.
وقيل: المراد هو "أن الرسول قال للرماة: لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين مادمتم فيه.
فلما أقبل المشركون جعل الرماة: يرشقون خليهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم.
وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت ﴿ حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ﴾ " قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب.
والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطاً بالصبر.
وقال آخرون: إنه للمجازاة.
ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه.
وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة.
والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم في رسول الله وثالثها قال أبو مسلم: جوابه ثم صرفكم.
و "ثم" ههنا كالساقطة.
وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم فريقين.
والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة.
فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله أن لا نبرح هذا المكان.
فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون.
وقوله: ﴿ في الأمر ﴾ إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان.
وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله ﴿ ومنكم من يريد الآخرة ﴾ وفائدة قوله: ﴿ من بعد ما أراكم ما تحبون ﴾ التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان / من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم.
قوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباًَ حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة.
ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه.
وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وأيضاً إنه عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟
فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوهاً.
قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو.
ألا ترى أن النبي ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وبإذنه.
ثم قال ﴿ ليبتليكم ﴾ والمراد أنه لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين.
ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية مشتلمة على المعذورين، في الانصراف وعلى غير المعذورين.
فقوله: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ يرجع إلى المعذورين، وقوله ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يرجع إلى غير المعذورين.
وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله .
وقال الكعبي: ﴿ ثم صرفكم عنهم ﴾ بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم ﴿ ليبتليكم ﴾ بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم.
وقال أبو مسلم الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم، ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم.
قال القاضي: ظاهر قوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يقتضي تقدم ذنب منهم.
فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو.
وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك / المخالفة سبباً لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة.
ثم إن ظاهر الآية دل على أنه قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة فصارت الآية دليلاً على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر.
﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة, وقد يستدل بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة من أنه لا مؤمن ولا كافر.
قوله : ﴿ إذ تصعدون ﴾ إما مستأنف بإضمار "واذكر" وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه.
أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها.
قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى اعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد ﴿ ولا تلوون على أحد ﴾ لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته.
﴿ والرسول يدعوكم ﴾ كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة.
فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو.
﴿ في أخراكم ﴾ في سابقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه وبقي هو في الجماعة المتأخرة.
يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى.
﴿ فأثابكم ﴾ قال في الكشاف: إنه عطف على صرفكم.
وأقول: لا يبعد أن يعطف على ﴿ تصعدون ﴾ لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي رجع.
والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها.
فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير.
فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب.
أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور.
والباء في ﴿ بغم ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة.
أما الاحتمال الأول ففيه وجوه: قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام.
وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم.
وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين.
وفي الكشاف: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ فأثابكم ﴾ / للرسول أي فآساكم في الاغتنام.
فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها.
وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يكون هناك غمان: الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة.
أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً.
أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين.
أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول .
أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة.
وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها.
ثم اللام في قوله: ﴿ لكيلا تحزنوا ﴾ يحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ لأن في عفوه ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ فأثابكم ﴾ فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله.
وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائده.
قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم من الله خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء.
وأما المعتزلة فإنهم يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون.
وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال.
وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ.
وإن جعلت الباء بمعنى "مع" فالمعنى كما في قول الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى.
ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال: ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ عالم بجميع / أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك.
ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر لأديان، فخاطب الجماعة بقوله: ﴿ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً ﴾ وأراد هؤلاء بقوله: ﴿ يغشى طائفة منكم ﴾ والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة.
والنعاس فتور في أوائل النوم.
وانتصاب ﴿ أمنة ﴾ على أنها حال متقدمة من ﴿ نعاساً ﴾ مثل: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبارّ وبررة، أو على أنه مفعول ﴿ أنزل ﴾ و ﴿ نعاساً ﴾ بدل منه.
قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلاّ ويميل تحت حجفته.
وعن الزبير: كنت مع الرسول حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم.
والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: ﴿ ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان.
وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله.
وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهره جديدة له موجبة لزيادة وثوقهم بأن الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد.
ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط.
ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة.
ومنها أن الأعداء كانوا حراصاً متهالكين في قتلهم.
فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ الله ولكلاءته معهم.
ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس ههنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة.
واعلم أن من قرأ ﴿ تغشى ﴾ بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع.
ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر ﴿ إذ يغشيكم النعاس ﴾ ولأن العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشية الأمن، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئاً واحداً كان التذكر أولى.
وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: ﴿ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم لا همَّ الدين ولا همَّ النبي ولا المسلمين.
والهمّ / الأمر الشديد.
ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه.
فالمعنى أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات.
والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم فلم يكن لهم هناك إلا هَمُّ أنفسهم.
﴿ يظنون بالله غير الحق ﴾ وهو في حكم المصدر أي غير الظن الحق الذي يحب أن يظن به.
و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ بدل منه.
والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل الجاهلية فذكر أولاً أنهم يظنون بالله ظناً باطلاً، ثم بين أنهم اختاروا من الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة.
أو ﴿ ظن الجاهلية ﴾ مصدر و ﴿ غير الحق ﴾ تأكيد لـ ﴿ يظنون ﴾ كقولك: هذا القول غير ما تقول.
و ﴿ ظن الجاهلية ﴾ كقولك: حاتم الجود ورجل صدق.
مما أضيق للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام.
أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله.
فالجاهلية مصدر كالعالمية القادرية.
قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي إن الله يقوّيهم وينصرهم.
وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً حقاً لم يسلط الله الكفار عليه، وهذا ظن فاسد.
أما عند أهل السنة فلأنه فاعل لما يشاء ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلقة لم يجب أن يشرفه بأخرى.
وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية.
ولو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس إلى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف واستحقاق الثواب والعقاب.
وإنما يعرف كون الإنسان محقاً بالدلائل والبينات، ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية صاحبها والله أعلم.
﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ حكاية شبهة تمسك بها أهل النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار.
وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها.
ونظيره ما حكى عنه ﴿ لو أطاعونا ما قتلوا ﴾ وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، وإذا كانت لعدوّه قالوا عليه الأمر.
أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به محمد وهو النصر والقدرة شيء؟
وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟
والغرض منه تعيير المسلمين على التسديد في / الجهاد، فأمره الله أن يجيب عنها بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ والحوادث بأسرها مستندة إلى قضائه وقدره.
فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة.
﴿ يخفون في أنفسهم ﴾ في ضمائرهم أو فيما بينهم ﴿ ما لا يبدون لك ﴾ وذلك المخفي قولهم: ﴿ لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ أي لو كان هذا الدين حقاً لما سلط الله الكفار على من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله نبيه أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن بد من وجوده.
فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده.
وقيل: معناه لو تخلفتم أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ﴾ خص الابتلاء بما في الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء محله القلب الذي في الصدر.
والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب.
واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب.
أما نسقه فقوله: ﴿ وطائفة ﴾ مبتدأ و ﴿ أهمتهم ﴾ صفته و ﴿ يظنون ﴾ خبره.
ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، و ﴿ يظنون ﴾ صفة أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه اليبان للجملة قبلها، و ﴿ يقولون ﴾ بدل من ﴿ يظنون ﴾ أو بيان له.
وإنما صح وقوع القول الذي مقوله إنشاء بدلاً من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادراً عن الظن و ﴿ يخفون ﴾ حال من ﴿ يقولون ﴾ و ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ ﴿ كله ﴾ بالرفع فلأنه مبتدأ و ﴿ لله ﴾ خبره، والجملة خبر "إن".
ومن قرأ بالنصب فلكونه تأكيداً للأمر و ﴿ لله ﴾ خبر "إن" كما لو قلت: إن الإمر أجمع لله.
وقوله: ﴿ يقولون ﴾ استئناف، وقوله: و ﴿ وليبتلي ﴾ تقدم ذكره في الوقوف.
وأما نظمه فإنه لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظاناً بل شاكاً في حقية هذا الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء.
ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يشكف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا / يبدون لك ﴾ أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم؟
فقيل ﴿ يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ﴾ وقد مر تفسيره.
ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل ههنا؟
فيكون كالطعن في قوله: ﴿ قل إن الأمر كله لله ﴾ قال في التفسير الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي.
فذاك يقول: الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله.
وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر.
فأمر النبي أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لايرد القدر، والتدبير لا يبطل التقدير.
وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق ما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات.
ثم قال: ﴿ والله عليم بذات الصدور ﴾ صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح.
قوله عز من قائل: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ﴾ يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا.
ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله قتل.
ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن: أعن رسول الله تفرون؟
وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل أغزل.
وقال بعض الرواة: إن المسلمين لم يعدوا الجبل.
قال القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي .
ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي : لقد ذهبتم فيها عريضة.
وأما الذين ثبتوا مع الرسول فكانوا أربعة عشر رجلاً.
سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام.
وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ.
وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير.
وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن / حنيف.
ثم لم يقتل منهم أحد, وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع ﴿ إنما استزلهم الشيطان ﴾ تقول: زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق.
والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها.
والباء في ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ للاستعانة مثلها في: كتبت بالقلم.
والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي.
وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة.
فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطيئن فيه, وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة.
وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها.
وإنما قال: ﴿ ببعض ما كسبوا ﴾ لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله: ﴿ لها ما كسبت ﴾ أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله كقوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة.
ويحتمل أن تكون الباء بمعنى "في" أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال.
إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا.
وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها.
﴿ ولقد عفا الله عنهم ﴾ فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز.
بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟
والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله.
ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟
قالت المعتزلة: كلاهما محتمل.
لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية.
قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر.
قالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص.
وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط.
/ ثم ندب إلى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ﴾ قيل: إنه عام.
وقيل: يعني المنافقين.
وقيل: منافقي يوم أحد كعبد الله بن أبيّ وأصحابه.
وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافراً ﴿ وقالوا لإخوانهم ﴾ أي لأجل إخوانهم مثل ﴿ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وذلك أنهم قالوا: ﴿ لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ والميت والمقتول لا يكلم.
وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم.
ومعنى الأخوة اشتراك النسب.
فلعل المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين.
أو اتفاق الجنس فلعل بعض المنافقين صار مقتولاً في بعض الغزوات.
والضرب في الأرض الإبعاد فيها للتجارة وغيرها.
والغزو قصد محاربة العدو قريباً كان أو بعيداً.
والفاعل غاز والجمع غُزَّىً مثل: سابق وسبق، وراكع وركع، وإنما قال: ﴿ إذا ضربوا ﴾ دون "إذ ضربوا" أو "حين ضربوا" ليشاكل في المعنى قوله: ﴿ وقالوا ﴾ لأنه أراد حكاية الحال الماضية.
والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض.
فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: "قالوا" ويجوز أن يكون ﴿ قالوا ﴾ في تقدير "يقولون" لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في المستقبل مثل ﴿ أتى أمر الله ﴾ وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع.
ويمكن أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة.
وقال قطرب: كلمة "إذ" و "إذا" يجوز إقامة كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غير حجة عليه، قال الواحدي: في الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.
وأما اللام في قوله: ﴿ ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ﴾ ففي متعلقه وجهان: الأول أنه ﴿ قالوا ﴾ أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله : ﴿ فلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟
فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من الأسف.
وقيل: / لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة.
وقيل: المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين.
وقيل: المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها.
وقيل: الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة.
الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: ﴿ لا تكونوا ﴾ وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم ﴿ والله يحيي ويميت ﴾ رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له.
فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد.
فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له.
عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أناذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء.
وفي أمثالهم "الشجاع موقى والجبان ملقى".
وكان عليّ يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذين نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ فلا تكونوا مثلهم.
ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيداً لهم.
ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: ﴿ لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾ ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: ﴿ ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ﴾ شيء من مغفرته ورحمته ﴿ خير مما يجمعون ﴾ فاللام الأولى هي الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى.
والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر.
ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله.
وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا.
وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء.
ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم.
وإنما كانت المغفرة والرحمة خيراً من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيراً.
وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعاً من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، / وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه؟
فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ثم رغبهم بنوع آخر فقال: ﴿ ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ﴾ كأنه قيل: إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياماً قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية.
وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، الثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا.
ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها.
وفي قوله: ﴿ لإلى الله تحشرون ﴾ لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.
ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة.
ومنها بناء ﴿ تحشرون ﴾ على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره.
ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته.
ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون.
واعلم أنه ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه.
فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً في ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة.
فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه، وما أحسن هذا النسق!
يروى أن عيسى مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟
فقالوا: نخشى عذاب الله.
فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه.
ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة.
فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته.
ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات / العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة.
فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون.
قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: ﴿ ولئن متم أو قتلتم ﴾ عطفاً للشيء على نفسه.
قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم.
ثم إنه لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك ان عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم.
روي "أن امرأة عثمان دخلت على النبي - وكان النبي وعلي يغسلان السلاح - فقالت: ما فعل عثمان؟
أما والله لا تجدونه أمام القوم.
فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم.
فقال رسول الله : مه" .
وروي أنه قال حينئذٍ: "أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا." ولما دخل عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة.
وعنه أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وقال : " لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقة، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقة" فلما كان إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً لأن الغرض من البعثة - وهو التزام التكاليف - لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة.
وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان.
كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة.
واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق.
ولما كان أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس / كما قال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ و "ما" مزيدة للتوكيد.
أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى.
وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة.
وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً.
وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة.
وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله .
فلا رحمة بالحقيقة إلا له.
ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمته عوضاً كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض.
وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها.
فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم.
ثم بيّن أن الحكمة في لين جانبه ما هي فقال: ﴿ ولو كنت فظاً ﴾ سيء الخلق وأصله فظظ كحذر.
فظظت يا رجل بالكسر فظاظة ﴿ غليظ القلب ﴾ قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه "فض الختام".
ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك.
ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب ﴾ تشافههم بالملامة على ذلك ﴿ لانفضوا من حولك ﴾ هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم.
وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ وقال في إقامة حد الزنا: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ ومثله ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴾ ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴾ فيعلم من المدح على اللين في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل "لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى".
واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر.
وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة في حق جميع المكلفين.
فكل ما فعله مع محمد من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب.
فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء.
فلا يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، / وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره.
والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من الله.
ثم قال: ﴿ فاعف عنهم ﴾ فيما يختص بك {واستغفر لهم{ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم.
قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة.
ثم قال: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها.
وقيل: من شرت الدابة شوراً عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت.
والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشواراً.
يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.
وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء.
وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم.
ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا.
ومنها قال الحسن وسفيان بن عبيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة.
ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم.
ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال : " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " وهذا هو السر في الجماعات والجمعات.
ومنها أنه ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالاً مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة.
ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى, وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا؟
قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ ﴿ الأمر ﴾ ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس / ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد.
وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة.
ومنهم من قال: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأموراً بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة, وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب.
وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال: وهذا كقوله : " "البكر تستأمر في نفسها " ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها فكذا ههنا.
﴿ فإذا عزمت ﴾ أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى ﴿ فتوكل على الله ﴾ لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن.
عن جابر بن زيد أنه قرأ ﴿ فإذا عزمت ﴾ بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحداً.
﴿ إن ينصركم الله ﴾ عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد ﴿ وإن يخذلكم ﴾ كما خذلكم يوم أحد ﴿ فمن ذا الذي ينصركم من بعده ﴾ أي من بعد خذلالنه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك "ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان" تريد إذا جاوزته.
وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء؟
فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الأدخال فيه.
﴿ وعلى الله ﴾ وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه.
وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده.
التأويل: ﴿ ولقد صدقكم الله ﴾ أيها الطلاب ﴿ وعده ﴾ ألا من طلبني وحدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر / الطلب وعصيتم الدليل المربي ﴿ من بعد ما أراكم ﴾ الدليل بالتربية ﴿ ما تحبون ﴾ من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة.
قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال: ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات ﴿ ولقد عفا عنكم ﴾ يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية ﴿ والله ذو فضل على المؤمنين ﴾ في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة ﴿ والله خبير بما تعملون ﴾ من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم.
ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة.
فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة.
وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها ﴿ ظن الجاهلية ﴾ وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره.
هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء؟
﴿ ما قتلنا ههنا ﴾ بالباطل على أيدي حزب الشيطان ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم ﴾ أيها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل ﴾ ﴿ يوسوس في صدور الناس ﴾ ﴿ وليمحص ما في قلوبكم ﴾ أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم.
﴿ ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم ﴾ ليعلم أن الله في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو.
ومن هنا قال: " لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " إذا / ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان.
لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون.
وباقي الحقائق قد مرت في التفسير.
وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك الوقى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن، وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها.
ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل: فبرحمة من الله عليك لنت لهم؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾ : فيجب أن يكون الإنسان رحيماً على خلقه؛ على ما جاء في الخبر قال لأصحابه: "لَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتََّى تَرَاحَمُوا، فقيل: كلنا نرحم يا رسول الله، فقال: لَيْسَ تَرَاحُمَ الرَّجُلِ وَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ، وَلَكِنْ يَتَرَاحَمُ بَعْضُهُم بَعْضاً" أو كلام نحو هذا.
ومن جاء: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، ولَمْ يُوَقِّر كَبِيرَنَا - فَلَيْسَ مِنَّا" ، وما جاء: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ أَهْلَ الأَرْضِ لَمْ يَرْحَمْهُ أَهْلُ السَّمَاءِ" كما قال الله - -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ﴾ الآية، وقد أمر الله عباده أن يعامل بعضهم بعضاً بالرحمة واللين، إلا عند المعاندة والمكابرة؛ فحينئذ أمر بالقتال؛ كقوله لموسى وهارون - حيث أرسلهما إلى فرعون - فقال: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ ، وكان اللين في القول أنفذ في القلوب، وأسرع إلى الإجابة، وأدعى إلى لطاعة من الخشن من القول، وذلك ظاهر في الناس؛ لذلك أمر الله - عز وجل - رسلهم باللين من المعاملة، والرحمة على خلقه، وجعله سبب تأليف القلوب وجمعها، وجعل الخشن من القول والفظ سبب الفرقة بقوله: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً ﴾ .
[في القول] ﴿ غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ أي: لو كنت في الابتداء فظّاً غليظاً لتفرقوا ولم يجتمعوا عندك.
وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ ﴾ بأذاهم إياك ولا تكافِهِم، واستغفر لهم فيما بينهم وبين ربهم.
ويحتمل قوله: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ بما عصوك ولا تنتصر منهم، وكذلك أمر الله المؤمنين جملة أن يعفوا عنهم، وألا ينتصروا منهم بقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ وكان أرجى للمؤمنين قوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ؛ كما قال الله - -: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ...
﴾ الآية [الجاثية: 14]، وقوله - أيضاً -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ : لا جائز أن يؤمر بالاستغفار لهم ثم لا يفعل، وإذا فعل لا يجاب؛ فدل أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
وكذلك دعاء إبراهيم - -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ ، ودعاء نوح - -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ لا يجوز أن يدعو هؤلاء الأنبياء - عليهم السلام - ثم لا يجاب لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْر ﴾ : أمر الله - عز وجلّ - نبيه أن يشاور أصحابه في الأمر؛ ففيه وجوه ثلاثة: أحدها: أنه لا يجوز له أن يأمره بالمشاورة فيما فيه النص، وإنما يأمر بها فيما لا نصّ فيه؛ ففيه دليل جواز العمل بالاجتهاد.
والثاني: لا يخلو أمره بالمشاورة، إما لعظم قدرهم وعلوّ منزلتهم عند الله، أو لفضل العقل ورجحان اللب؛ فيكفما كان فلا يجوز لمن دونهم أن يسووا أنفسهم بهم، ولا جائز - أيضاً - أن يأمر نبيّه بمشاورة أصحابه، ثم لا يعمل برأيهم؛ دل أنهم إذا اجتمعوا كان الحق لا يشذ عنهم.
وقال بعضهم: إنما أمر نبيّه بمشاورتهم في أمر الحرب والقتال، وعن الحسن - - "لما أنزل الله - -: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْر ﴾ - قال رسول الله : إِنَّ اللهَ وَرسُولَهُ غَنِيَّانِ عَنْ مُشَاوَرَتِكُمْ؛ ولكنه أراد أن يكون سنة لأمته" ، وعن ابن عباس - - أنه كان يقرأ: "وشاورهم في بعض الأمر".
وقيل: أمر الله نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القومِ، وأن القوم إذا شاورهم بعضهم بعضاً فأرادوا بذلك وجه الله - عزم الله لهم على أَرْشَدِهِ.
وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد سيّدهم أن يقطع أمراً دونهم، ولا يشاورهم في الأمر شق عليهم؛ فأمر الله النبي أن يشاورهم في الأمر إذا أراد؛ فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم.
وفي بعض الأخبار قيل: "يا رسول الله، ما العزم؟
قال: أن تستشير ذا الرأي، ثم تطيعه" وكان يقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد ثبور، قيل: الثبور: الذي لا يستشير ويعمل برأيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ : أي: لا تتكلن إلى نفسك، ولا تعتمدن على أحد؛ ولكن اعتمد على الله وَكِلِ الأمر إليه.
وقيل: فإذا فرق [ذلك] الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك، فإن كان في أمر الحرب على ما قيل فهو - والله أعلم - لا تعجبن بالكثرة، ولا ترَيَنَّ النصر به، ولكن اعتمد بالنصر على الله؛ كقوله - -: ﴿ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً ﴾ ، والله أعلم بما أراد، بذلك؛ كقوله: ﴿ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ ﴾ : صدق الله من كان الله ناصره؛ فلا يغلبه العدوّ من بعد.
﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ [أي: يترككم] ﴿ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم ﴾ : والنصر يحتمل وجهين، يحتمل المعونة، ويحتمل: المنع: كقوله - -: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .
قوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ : [فلم يعنكم]؛ فمن [ذا] الذي أعانكم سواه؟!
ومن المنع، أي: إن منع الله عنكم العدوَّ، فلا غالب لكم، ﴿ وَإِن يَخْذُلْكُمْ ﴾ ، ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟!
والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أُمِّلَ منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته.
وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ : هو على الأمر في الحقيقة كأنه قال: وعلى الله فتوكلوا أيها المؤمنون.
والتوكل: هو الاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه، لا بالكثرة والأسباب التي يقوم بها، من نحو: القوة والعدة والنصرة والغلبة، وفي الشاهد إنما يكون عند الخلق بثلاث: إمّا بالكثرة، وإمَّا بفضل قوَّة بطش، وإمَّا بفضل تدبير ورأي في أمر الحرب، وجميع نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلبته على عدوه إنما كان لا بذلك؛ ولكن بالتوكل عليه وتفويض الأمر إليه؛ دل أن ذلك كان بالله - عزَّ وجلَّ - وذلك من آيات نبوَّته .
<div class="verse-tafsir"
إن يؤيدكم الله بإعانته ونصره فلا أحد يغلبكم، ولو اجتمع عليكم أهل الأرض، وإذا ترك نصركم ووَكَلكم إلى أنفسكم فلا أحد يستطيع أن ينصركم من بعده، فالنصر بيده وحده، وعلى الله فليعتمد المؤمنون لا على أحد سواه.
<div class="verse-tafsir" id="91.kowBm"
الفاء للتعقيب لأن الكلام في واقعة خالف النبي فيها بعضُ أصحابه فكان لذلك من الفشل وظهور المشركين ما كان حتى أصيب النبي مع من أصيب، فكان من لينه في معاملتهم ومخاطبتهم ومن رحمته بهم أن صبر وتجلد فلم يتشدد في عتب ولا توبيخ، اهتداء بكتاب الله تعالى، فقد أنزل الله عليه آيات كثيرة في الواقعة بينّ فيها ما كان من ضعف في المسلمين وعصيان وتقصير، حتى ما كان متعلقًا بالظنون الفكرية والهموم النفسية ولكن مع العتب اللطيف المقرون بذكر العفو والوعد بالنصر وإعلاء الكلمة وفوائد المصائب، وقد كان خلقه القرآن كما ورد في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها.
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ لأن الفظاظة وهي الشراسة والخشونة في المعاشرة، وهي القسوة من الأخلاق المنفرة للناس لا يصبرون على معاشرة صاحبها وإن كثرت فضائله، ورجيت فواضله، بل يتفرقون ويذهبون من حوله، ويتركونه وشأنه، لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه، والتحلق حواليه، وإذًا لفاتتهم هدايتك، ولم تبلغ قلوبهم دعوتك.
﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فلا تؤاخذهم على ما فرطوا واسأل الله تعالى أن يغفر لهم ولا يؤاخذهم أيضًا فبذلك تكون محافظًا على تلك الرحمة التي خصك الله بها، ومداومًا لتلك السيرة الحسنة التي هداك الله إليها.
﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ ليس من السهل أن يشاور الإنسان ولا أن يشير، وإذا كان المستشارون كثارًا كثر النزاع وتشعب الرأي، ولهذه الصعوبة والوعورة أمر الله تعالى نبيه أن يقرر سنة المشاورة في هذه الأمة بالعمل فكان يستشير أصحابه بغاية اللطف، ويصغى إلى كل قول ويرجع عن رأيه إلى رأيهم.
﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ إن العزم على الفعل وإن كان يكون بعد الفكر، وإحكام الرأي والمشاورة، وأخذ الأهبة فذلك كله لا يكفي للنجاح إلا بمعونة الله وتوفيقه؛ لأن الموانع الخارجية له والعوائق دونه لا يحيط بها إلا الله تعالى فلا بد للمؤمن من الاتكال عليه والاعتماد على حوله وقوته ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ على حوله وقوته، مع العلم في الأسباب بسنته.
﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ الكلام استئناف مسوق لبيان وجه وجوب التوكل على الله تعالى بعد المشاورة والعزيمة المبنية على أخذ الأهبة، والاستعداد بما يستطاع من حول وقوة، أي إن ينصركم الله بالعمل بسننه، وما يكون لكم من القوة والثبات بالاتكال على توفيقه ومعونته، فلا غالب لكم من الناس، الذين نصبهم حرمانهم من التوكل عليه تعالى غرضًا للقنوط واليأس.
﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾ بما كسبت أيديكم من الفشل، وعصيان القائد فيما حتمه من عمل، كما جرى لكم في أُحد، أو بالإعجاب بالكثرة، والاعتماد على الاستعداد والقوة، وهو مخل بالتوكل كما جرى يوم حنين.
﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد خذلانه أي لا أحد يملك لكم حينئذ نصرًا، ولا أن يدفع عنكم ضرًا، ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ ولا يتوكلوا على غيره لأن النصر بيده وهو الموفق لأسبابه وأهبه.
<div class="verse-tafsir"