الآية ١٧٢ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧٢ من سورة آل عمران

ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 137 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٢ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) هذا كان يوم " حمراء الأسد " ، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم ، فلما استمروا في سيرهم تندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة .

فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدا ، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد ، سوى جابر بن عبد الله رضي الله عنه - لما سنذكره - فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله [ عز وجل ] ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة قال : لما رجع المشركون عن أحد قالوا : لا محمدا قتلتم ، ولا الكواعب أردفتم ، بئسما صنعتم ، ارجعوا .

فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد - أو : بئر أبي عيينة - الشك من سفيان - فقال المشركون : نرجع من قابل .

فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت تعد غزوة ، فأنزل الله عز وجل : ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ) ورواه ابن مردويه من حديث محمد بن منصور ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس فذكره .

وقال محمد بن إسحاق : كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال ، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال ، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو ، وأذن مؤذنه ألا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس .

فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال : يا رسول الله ، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال : يا بني ، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ، فتخلف على أخواتك ، فتخلفت عليهن ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج معه .

وإنما خرج رسول الله مرهبا للعدو ، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة ، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم .

قال ابن إسحاق : حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان ، أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل ، كان شهد أحدا قال : شهدت أحدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخي فرجعنا جريحين ، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو ، قلت لأخي - أو قال لي - : أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

والله ما لنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت أيسر جراحا منه ، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون .

وقال البخاري : حدثنا محمد بن سلام ، حدثنا أبو معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها : ( الذين استجابوا لله والرسول ) [ من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ] ) قالت لعروة : يا ابن أختي ، كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر ، رضي الله عنهما ، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصابه يوم أحد ، وانصرف عنه المشركون ، خاف أن يرجعوا فقال : " من يرجع في إثرهم ؟

" فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير ، رضي الله عنهما .

هكذا رواه البخاري منفردا به ، بهذا السياق .

وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصم ، عن العباس الدوري ، عن أبي النضر ، عن أبي سعيد المؤدب ، عن هشام بن عروة ، به ، ثم قال : صحيح ولم يخرجاه .

كذا قال .

ورواه أيضا من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن البهي ، عن عروة قال : قالت لي عائشة : يا بني ، إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح .

ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

وروى ابن ماجه ، عن هشام بن عمار ، وهدبة بن عبد الوهاب عن سفيان بن عيينة ، عن هشام بن عروة به وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان ، به .

وقال أبو بكر بن مردويه .

حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه ، أنبأنا سمويه ، أنبأنا عبد الله بن الزبير ، أنبأنا سفيان ، أنبأنا هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح : أبو بكر والزبير ، رضي الله عنهما " .

ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده ، لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة كما قدمناه ، ومن جهة معناه ، فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة ، وإنما قالت عائشة لعروة بن الزبير ذلك لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهم .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سعد ، حدثني أبي ، [ حدثني ] عمي ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد ما كان منه ما كان ، فرجع إلى مكة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا ، وقد رجع ، وقذف الله في قلبه الرعب " .

وكانت وقعة أحد في شوال ، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة ، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة ، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المؤمنين القرح ، واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، واشتد عليهم الذي أصابهم .

وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه ، ويتبعوا ما كانوا متبعين ، وقال : " إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل " .

فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال : إن الناس قد جمعوا لكم فأبى عليه الناس أن يتبعوه ، فقال : " إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد " .

لأحضض الناس ، فانتدب معه أبو بكر الصديق ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، والزبير ، وسعد ، وطلحة ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان ، فطلبوا حتى بلغوا الصفراء ، فأنزل الله [ عز وجل ] ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم [ القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ] ) .

ثم قال ابن إسحاق : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد ، وهي من المدينة على ثمانية أميال .

قال ابن هشام : واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة .

وقد مر به - كما حدثني عبد الله بن أبي بكر - معبد بن أبي معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة - مسلمهم ومشركهم - عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة ، صفقتهم معه ، لا يخفون عنه شيئا كان بها ، ومعبد يومئذ مشرك فقال : يا محمد ، أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا أن الله عافاك فيهم .

ثم خرج ورسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد ، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء ، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا : أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم .

.

لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم .

فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟

قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ، وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط .

قال : ويلك .

ما تقول ؟

قال : والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - قال : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم .

قال : فإني أنهاك عن ذلك .

ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر ، قال : وما قلت ؟

قال : قلت : كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردى بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة لما سموا برئيس غير مخذول فقلت : ويل ابن حرب من لقائكم إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لأهل البسل ضاحية لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش تنابلة وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه .

ومر به ركب من بني عبد القيس ، فقال : أين تريدون ؟

قالوا : نريد المدينة .

قال : ولم ؟

قالوا : بعكاظ إذ وافيتمونا .

قالوا : نعم .

قال : فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد ، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه ، فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل .

وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه رجوعهم : " والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب " .

وقال الحسن البصري [ في قوله ] ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه [ الرعب ] فمن ينتدب في طلبه ؟

" فقام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فاتبعوهم ، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم ، يطلبه فلقي عيرا من التجار فقال : ردوا محمدا ولكم من الجعل كذا وكذا ، وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعا ، وأنني راجع إليهم .

فجاء التجار فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) فأنزل الله هذه الآية .

وهكذا قال عكرمة ، وقتادة وغير واحد : إن هذا السياق نزل في شأن [ غزوة ] حمراء الأسد " ، وقيل : نزلت في بدر الموعد ، والصحيح الأول .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ، المستجيبين لله والرسول من بعد ما أصابهم الجرح والكلوم.

(50) .

* * * وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حَمْراء الأسد في طلب العدّو -أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش- مُنصَرَفهم عن أحد.

وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، ليرى الناسُ أنّ به وأصحابِه قوةً على عدوهم.

كالذي:- 8233- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني حسين بن عبدالله، (51) عن عكرمة قال: كان يوم أحد [يوم] السبت للنصف من شوال، (52) فلما كان الغد من يوم أحد، يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذَّن مؤذِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب &; 7-400 &; العدو، وأذَّن مؤذِّنه أن: " لا يخرجنَّ معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس ".

فكلمه جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، إنّ أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع، وقال لي: " يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولستُ بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي!

فتخلَّف على أخواتك "، فتخلفت عليهن.

فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه.

وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبًا للعدوّ، ليبلغهم أنه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

(53) .

8234- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، فحدثني عبدالله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل، كان شهد أحدًا قال: شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدًا، أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين: فلما أذَّن [مؤذِّن] رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدوّ، (54) قلت لأخي -أو قال لي-: أتفوتنا غزوةٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل!

فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنت أيسر جرحًا منه، فكنتُ إذا غُلب حملته عُقبة ومشى عقبة، (55) حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثًا، الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.

(56) 8235- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فقال الله تبارك وتعالى: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرحُ"، أي: الجراح، وهم الذين سارُوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغدَ من يوم أحد إلى حمراء الأسد، على ما بهم من ألم الجراح =" للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ".

(57) 8236- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح " الآية، وذلك يوم أحد، بعد القتل والجراح، وبعد ما انصرف المشركون -أبو سفيان وأصحابه- فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " ألا عِصابة تنتدبُ لأمر الله، (58) تطلب عدوّها؟

فإنه أنكى للعدو، وأبعد للسَّمع!

فانطلق عصابة منهم على ما يعلم الله تعالى من الجَهد.

8237- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: انطلق أبو سفيان منصرفًا من أحد، حتى بلغ بعض الطريق، ثم إنهم ندموا وقالوا: بئسما صنعتم!

(59) إنكم قتلتموهم، حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم!

ارجعوا واستأصلوهم.

فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله رسوله، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، ثم رجعوا من حمراء الأسد، فأنـزل الله جل ثناؤه فيهم: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ".

(60) 8238- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، &; 7-402 &; حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إن الله جل وعز قذف في قلب أبي سفيان الرعب -يعني يوم أحد- بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرّفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب "!

وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدَمون المدينة في ذي القعدة، فينـزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذي أصابهم.

وإنّ رسول الله ندب الناس لينطلقوا معه، ويتَّبعوا ما كانوا متَّبعين، وقال: إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل، فجاء الشيطان فخوَّف أولياءه، فقال: " إن الناس قد جمعوا لكم "!

فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: " إني ذاهبٌ وإن لم يتبعني أحد "، لأحضِّضَ الناس.

(61) فانتدب معه أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح، في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنـزل الله تعالى: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيم ".

8239- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هاشم بن القاسم قال، حدثنا أبو سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت لعبدالله بن الزبير: يا ابن أختي، أما والله إن أباك وجدك -تعني أبا بكر والزبير- لممن قال الله تعالى فيهم: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ".

(62) .

8240- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرتُ أن أبا سفيان بن حرب لما راح هو وأصحابه يوم أحد، قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم عامدون إلى المدينة!

فقال: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال، فإنهم عامدون إلى المدينة، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل، فقد رَعَبهم الله، (63) وليسوا بعامديها ".

فركبوا الأثقال، فرعبهم الله.

ثم ندب ناسًا يتبعونهم ليروا أن بهم قوة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثًا، فنـزلت: " الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ".

8241- حدثني سعيد بن الربيع قال، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قالت لي عائشة: إنْ كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح - تعني أبا بكر والزبير.

(64) .

&; 7-404 &; 8242- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كان عبدالله من الذين استجابوا لله والرسول.

* * * قال أبو جعفر: فوعد تعالى ذكره، مُحسنَ من ذكرنا أمره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، إذا اتقى الله فخافه، فأدى فرائضه وأطاعه في أمره ونهيه فيما يستقبل من عمره =" أجرًا عظيما "، وذلك الثواب الجزيل، والجزاء العظيم على ما قدم من صالح أعماله في الدنيا.

------------------ الهوامش : (50) انظر تفسير"القرح" فيما سلف 7: 237.

(51) في المطبوعة والمخطوطة: "حسان بن عبد الله" ، وهو خطأ ، والصواب من تاريخ الطبري.

وهو"حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب".

روي عن عكرمة ، وروي عنه هشام ابن عروة ، وابن جريج ، وابن المبارك ، وابن إسحاق.

وهو ضعيف الحديث.

مترجم في التهذيب.

(52) ما بين القوسين زيادة من سيرة ابن هشام ومن تاريخ الطبري.

(53) الأثر: 8233- سيرة ابن هشام 3: 106 ، 107 ، وتاريخ الطبري 3: 29.

(54) ما بين القوسين زيادة من سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري.

(55) "العقبة": قدر ما يسره الماشي ما استطاع المشي ، يريد: حملته شوطًا ، وسار شوطًا.

(56) الأثر: 8234- سيرة ابن هشام 3: 107 - 108 ، وتاريخ الطبري 3: 29.

(57) الأثر: 8235- سيرة ابن هشام 3: 128.

(58) في المطبوعة: "ألا عصابة تشد لأمر الله" ، ولا معنى له ، وفي المخطوطة: ألا عصابة تشدد لأمر الله" ، وهو بلا ريب تصحيف ما أثبت."ندب القوم إلى الأمر فانتدبوا": دعاهم إليه وحثهم ، فأسرعوا إليه واستجابوا.

وفضلا عن ذلك ، فهذا هو اللفظ الذي كثر وروده في أخبار حمراء الأسد.

(59) في المخطوطة: "بئس ما صنعنا صنعتم" ، وهو سهو ، والصواب ما في المطبوعة.

وانظر ما سلف رقم: 8003.

(60) الأثر: 8237- مضى برقم: 8003 ، وانظر التعليق هناك.

(61) هكذا في المخطوطة والمطبوعة"وتفسير ابن كثير 2: 298.

أما الدر المنثور 2: 101 ، فقد أسقط"لأحضض الناس" ، وأنا أرجح أن صوابه هو: "ليحضض الناس" ، ولا أشك أن هذه الكلمة ليس من لفظه صلى الله عليه وسلم.

(62) الحديث: 8239- هاشم بن القاسم: هو أبو النضر الإمام الحافظ ، شيخ الإمام أحمد ، وإسحاق ، وابن المديني.

وهو ثقة ثبت حجة.

كان أهل بغداد يفخرون به.

أبو سعيد: هو المؤدب ، واسمه"محمد بن مسلم بن أبي الوضاح القضاعي".

وهو ثقة مأمون.

والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2: 298 ، من طريق العباس بن محمد الدوري ، عن هاشم بن القاسم ، بهذا الإسناد.

ووقع في مطبوعة المستدرك"هشام بن القاسم" ، وهو خطأ مطبعي لا شك فيه.

وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.

والحديث في الصحيحين ، كما سيأتي في الرواية الآتية: 8241.

ولعلهما اعتبراه من المستدرك لقوله في هذه الرواية"أنها قالت لعبد الله بن الزبير".

والذي في الرواية الآتية أنها قالت لعروة بن الزبير.

وهما أخوان ، والكلام لهما واحد.

ومع ذلك فإن الحاكم رواه مرة أخرى ، كرواية مسلم ، كما سيأتي.

(63) في المطبوعة: "قد أرعبهم الله" ، وفي المخطوطة"فقد رعبهم" كما أثبته وهو الصواب.

يقال"رعبه يرعبه" (على وزن فتح) ، و"رعبه" (مشدد العين) ، وقد نص أهل اللغة أنه لا يقال: "أرعبه".

وستأتي على الصواب في السطر التالي.

(64) الحديث: 8241- سعيد بن الربيع الرازي - شيخ الطبري: مضت له رواية عنه في: 3791 ، ولم نجد له ترجمة.

والحديث تكرار للحديث السابق: 8239.

ولكن في هذا أن خطاب عائشة لعروة بن الزبير ، وهناك خطابها لأخيه عبد الله ، وهما ابنا أختها أسماء بنت أبي بكر.

ورواه مسلم 2: 241 ، بأسانيد ، من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، ومن رواية إسماعيل بن أبي خالد ، عن البهي - وهو: عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير - عن عروة ، به ، نحوه.

ورواه البخاري 7: 287 ، مطولا ، من طريق أبي معاوية ، عن هشام بن عروة.

ومع ذلك فإن الحاكم رواه مرة أخرى 3: 363 ، من طريق إسماعيل بن أبي خالد ، عن البهي ، عن عروة - كرواية مسلم.

ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه"!

وسقطت هذه الرواية من تلخيص الذهبي ، مخطوطًا ومطبوعًا.

وذكره ابن كثير 2: 297 - 298 رواية البخاري ، ثم أشار إلى رواية الحاكم الأولى ، وتعقبه في دعواه أن الشيخين لم يخرجاه ، بقوله: "كذا قال".

ثم أشار إلى أنه رواه ابن ماجه ، وسعيد بن منصور ، وأبو بكر الحميدي في مسنده.

ثم أشار إلى رواية الحاكم الثانية.

وذكره السيوطي 2: 102 ، مطولا.

وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وأحمد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الدلائل.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيمالذين في موضع رفع على الابتداء ، وخبره من بعد ما أصابهم القرح .

ويجوز أن يكون في موضع خفض ، بدلا من المؤمنين ، أو من الذين لم يلحقوا .

استجابوا بمعنى أجابوا والسين والتاء زائدتان .

ومنه قوله :فلم يستجبه عند ذاك مجيبوفي الصحيحين عن عروة بن الزبير قال : قالت لي عائشة رضي الله عنها : كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح .

لفظ مسلم .

وعنه عن عائشة : يا ابن أختي كان أبواك - تعني الزبير وأبا بكر - من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح .

وقالت : لما انصرف المشركون من أحد وأصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما أصابهم خاف [ ص: 261 ] أن يرجعوا فقال : ( من ينتدب لهؤلاء حتى يعلموا أن بنا قوة ) قال فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين ; فخرجوا في آثار القوم ، فسمعوا بهم وانصرفوا بنعمة من الله وفضل .

وأشارت عائشة رضي الله عنها إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد ، وهي على نحو ثمانية أميال من المدينة ; وذلك أنه لما كان في يوم الأحد ، وهو الثاني من يوم أحد ، نادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس باتباع المشركين ، وقال : ( لا يخرج معنا إلا من شهدها بالأمس ) فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين .

في البخاري فقال : ( من يذهب في إثرهم ) فانتدب منهم سبعون رجلا .

قال : كان فيهم أبو بكر والزبير على ما تقدم ، حتى بلغ حمراء الأسد ، مرهبا للعدو ; فربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركوبا ، فربما يحمل على الأعناق ; وكل ذلك امتثال لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورغبة في الجهاد .

وقيل : إن الآية نزلت في رجلين من بني عبد الأشهل كانا مثخنين بالجراح ; يتوكأ أحدهما على صاحبه ، وخرجا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ; فلما وصلوا حمراء الأسد ، لقيهم نعيم بن مسعود فأخبرهم أن أبا سفيان بن حرب ومن معه من قريش قد جمعوا جموعهم ، وأجمعوا رأيهم على أن يأتوا إلى المدينة فيستأصلوا أهلها ; فقالوا ما أخبرنا الله عنهم : حسبنا الله ونعم الوكيل " .

وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك إذ جاءهم معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة حلفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وعيبة نصحه ، وكان قد رأى حال أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وما هم عليه ; ولما رأى عزم قريش على الرجوع ليستأصلوا أهل المدينة احتمله خوف ذلك ، وخالص نصحه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه على أن خوف قريشا بأن قال لهم : قد تركت محمدا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم ، قد اجتمع له من كان تخلف عنه ، وهم قد تحرقوا عليكم ; فالنجاء النجاء !

فإني أنهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملني ما رأيت أن قلت فيه أبياتا من الشعر .

قال : وما قلت ؟

قال : قلت :كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيلتردي بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيلفظلت عدوا أظن الأرض مائلة لما سموا برئيس غير مخذولفقلت ويل ابن حرب من لقائكم إذا تغطمطت البطحاء بالخيل[ ص: 262 ] إني نذير لأهل البسل ضاحية لكل ذي إربة منهم ومعقولمن جيش أحمد لا وخش قنابله وليس يوصف ما أنذرت بالقيلقال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، ورجعوا إلى مكة خائفين مسرعين ، ورجع النبي - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه إلى المدينة منصورا ; كما قال الله تعالى : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء أي قتال ورعب .

واستأذن جابر بن عبد الله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخروج معه فأذن له .

وأخبرهم تعالى أن الأجر العظيم قد تحصل لهم بهذه القفلة .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( إنها غزوة ) .

هذا تفسير الجمهور لهذه الآية .

وشذ مجاهد وعكرمة رحمهما الله تعالى فقالا : إن هذه الآية من قوله : الذين قال لهم الناس إلى قوله : عظيم إنما نزلت في خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر الصغرى .

وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أحد ، إذ قال : موعدنا بدر من العام المقبل .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( قولوا نعم ) فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بدر ، وكان بها سوق عظيم ، فأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه دراهم ; وقرب من بدر فجاءه نعيم بن مسعود الأشجعي ، فأخبره أن قريشا قد اجتمعت وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها ، فأشفق المسلمون من ذلك ، لكنهم قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل فصمموا حتى أتوا بدرا فلم يجدوا أحدا ، ووجدوا السوق فاشتروا بدراهمهم أدما وتجارة ، وانقلبوا ولم يلقوا كيدا ، وربحوا في تجارتهم ; فذلك قوله تعالى : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل أي وفضل في تلك التجارات ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من "أحد" إلى المدينة، وسمع أنَّ أبا سفيان ومن معه من المشركين قد هموا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا -على ما بهم من الجراح- استجابة لله ولرسوله، وطاعة لله ولرسوله، فوصلوا إلى "حمراء الأسد"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الذين استجابوا لله والرسول ) الآية ، وذلك أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم وتلاوموا وقالوا : لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم ، قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم؟

ارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان ، فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجرح والقرح الذي أصابهم يوم أحد ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بن عبد الله ، فقال : يا رسول الله إن أبي كان قد خلفني على أخوات لي سبع ، وقال لي يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك على نفسي في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلف على أخواتك ، فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه .

وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم فينصرفوا .

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا رضي الله عنهم حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال .

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعبد الله بن الزبير : يا ابن أختي أما والله إن أباك وجدك - تعني أبا بكر والزبير - لمن الذين قال الله عز وجل فيهم : ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) فمر برسول الله صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعي بحمراء الأسد وكانت خزاعة - مسلمهم وكافرهم - عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ، ومعبد يومئذ مشرك فقال : يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله تعالى كان قد أعفاك منهم ، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : لقد أصبنا جل أصحابه وقادتهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم ، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال : ما وراءك يا معبد ؟

قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم ، وفيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط ، قال : ويلك ما تقول ؟

قال : والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي الخيل ، قال : فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم ، قال : فإني والله أنهاك عن ذلك فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا : كادت تهد من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل فذكر أبياتا فرد ذلك أبا سفيان ومن معه .

ومر به ركب من عبد القيس فقال : أين تريدون؟

قالوا : نريد المدينة قال : ( ولم؟

قالوا : نريد الميرة ) قال : فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة وأحمل لكم إبلكم هذه زبيبا بعكاظ غدا إذا وافيتمونا؟

قالوا : نعم ، قال : فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم وانصرف أبو سفيان إلى مكة ، ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه : " حسبنا الله ونعم الوكيل " ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد الثالثة .

هذا قول أكثر المفسرين .

وقال مجاهد وعكرمة : نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال : يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذلك بيننا وبينك إن شاء الله " فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مر الظهران ثم ألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان : يا نعيم إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن ، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أني في جمع كثير لا طاقة لهم بنا ، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو ويضمنها قال : فجاء سهيل فقال له نعيم يا أبا يزيد : أتضمن لي هذه القلائص وأنطلق إلى محمد وأثبطه؟

قال : نعم .

فخرج نعيم حتى أتى المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال : أين تريدون؟

فقالوا : واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها فقال : بئس الرأي رأيتم ، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا الشريد ، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم ، والله لا يفلت منكم أحد ، فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفس محمد بيده لأخرجن ولو وحدي " فأما الجبان فإنه رجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقال : " حسبنا الله ونعم الوكيل " .

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا بدرا الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون أن يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون : حسبنا الله ونعم الوكيل ، حتى بلغوا بدرا وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين ووافقوا السوق وكانت معهم تجارات ونفقات فباعوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين فذلك قوله تعالى : ( الذين استجابوا لله والرسول ) أي أجابوا ومحل " الذين " خفض على صفة المؤمنين تقديره : إن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله والرسول ، ( من بعد ما أصابهم القرح ) أي : ( نالتهم الجراح ) تم الكلام هاهنا ثم ابتداء فقال : ( للذين أحسنوا منهم ) بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجابته إلى الغزو ، ( واتقوا ) معصيته ( أجر عظيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين» مبتدأ «استجابوا لله والرسول» دعاءه لهم بالخروج للقتال لما أراد أبو سفيان وأصحابه العود تواعدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم سوق بدر العام المقبل من يوم أحد «من بعد ما أصابهم القرح» بأحد وخبرُ المبتدأ «للذين أحسنوا منهم» بطاعته «واتقوا» مخالفته «أجر عظيم» هو الجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين لبُّوا نداء الله ورسوله وخرجوا في أعقاب المشركين إلى "حمراء الأسد" بعد هزيمتهم في غزوة "أُحد" مع ما كان بهم من آلام وجراح، وبذلوا غاية جهدهم، والتزموا بهدي نبيهم، للمحسنين منهم والمتقين ثواب عظيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدح - سبحانه - المؤمنين الصادقين الذين لم تمنعهم جراحهم وآلامهم عن الاستجابة لأمر رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى - : { الذين استجابوا للَّهِ والرسول مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ القرح لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ } .قال الفخر الرازى ما ملخصه : اعلم أن الله - تعالى - مدح المؤمنين على غزوتين تعرف إحداهما : بغزوة حمراء الأسد ، والثانية : بغزوة بدر الصغرى .

وكلاهما متصلة بغزوة أحد .أما غزوة حمراء الأسد فهى المرادة من هذه الآية ، فإن الأصح فى سبب نزولها أن أبا سفيان وأصحابه بعد أن انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ، ندموا وقالوا : إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فَلِم تركناهم؟

بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم ، فهموا بالرجوع .فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة .

فندب أصحابه إلى الخروج فى طلب أبى سفيان وقال : لا اريد أن يخرج الآن معى إلا من كان معى فى القتال - فى أحد - .فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع قوم من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد .وهى مكان على بعد ثمانية أميال من المدينة .فألقى الله الرعب فى قلوب المشركين فانهزموا .وروى أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة ، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى .

وكان كل ذلك لإثخان الجراح فيهم ، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة .وقوله { استجابوا } بمعنى أجابوا .

وقيل : استجابوا ، أصلها طلبوا الإجابة لأن الأصل فى الاستفعال طلب الفعل .

والقرح : الجراح الشديدة .والمعنى : أن الله - تعالى - لا يضيع أجر هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين أجابوا داعى الله وأطاعوا رسوله ، بأن خرجوا للجهاد فى سبيل عقيدتهم بدون وهن أو ضعف أو استكانة مع ما بهم من جراح شديدة ، وآلام مبرحة .ثم بين - سبحانه - جزاءهم فقال : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ } أى للذين أحسنوا منهم بأن أدوا جميع المأمورات ، واتقوا الله فى كل أحوالهم بأن صانوا أنفسهم عن جميع المنهيات ، لهؤلاء أجر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله - تعالى - .وقوله { الذين استجابوا } فى موضع رفع على الابتداء وخبره قوله { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } ويجوز أن يكون فى موضع جر على أنه صفة للمؤمنين فى قوله : { وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين } .قال صاحب الكشاف : و " من " فى قوله { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ } للتبيين مثلها فى قوله - تعالى - { وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى مدح المؤمنين على غزوتين، تعرف احداهما بغزوة حمراء الاسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى، وكلاهما متصلة بغزوة أحد، أما غزوة حمراء الاسد فهي المراد من هذه الآية على ما سنذكره ان شاء الله تعالى، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في محل ﴿ الذين ﴾ وجوه: الأول: وهو قول الزجاج أنه رفع بالابتداء وخبره ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ ﴾ الى آخر هذه الآية: أن يكون محله هو الخفض على النعت للمؤمنين الثالث: أن يكون نصباً على المدح.

المسألة الثانية: في سبب نزول هذه الآية قولان: الأول: وهو الأصح أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد وبلغوا الروحاء ندموا، وقالوا إنا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل فلم تركناهم؟

بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم، فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوة، فندب أصحابه الى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع قوم من أصحابه، قيل كانوا سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد وهو من المدينة على ثلاثة أميال، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فانهزموا، وروي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان كل ذلك لإثخان الجراحات فيهم، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة، ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.

والثاني: قال أبو بكر الأصم: نزلت هذه الآية في يوم أحد لما رجع الناس اليه صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنها بعد أن مثلوا بحمزة، فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا، وصلى عليهم، صلى الله عليه وسلم ودفنهم بدمائهم، وذكروا أن صفية جاءت لتنظر الى أخيها حمزة فقال عليه الصلاة والسلام للزبير: ردها لئلا تجزع من مثلة أخيها، فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله تعالى، فقال للزبير: فدعها تنظر اليه، فقالت خيرا واستغفرت له.

وجاءت امرأة قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر، فهذا ما قيل في سبب نزول هذه الآية، وأكثر الروايات على الوجه الأول.

المسألة الثالثة: استجاب: بمعنى أجاب، ومنه قوله: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ إلى  ﴾ وقيل: أجاب، فعل الاجابة واستجاب طلب أن يفعل الاجابة، لأن الأصل في الاستفعال طلب الفعل، والمعنى أجابوا وأطاعوا الله في أوامره وأطاعوا الرسول من بعد ما أصابهم الجراحات القوية.

أما قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ففيه مسألتان.

المسألة الأولى: في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ وجوه: الأول: ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ دخل تحته الائتمار بجميع المأمورات، وقوله: ﴿ واتقوا ﴾ دخل تحته الانتهاء عن جميع المنهيات، والمكلف عند هذين الأمرين يستحق الثواب العظيم.

الثاني: أحسنوا في طاعة الرسول في ذلك الوقت، واتقوا الله في التخلف عن الرسول، وذلك يدل على أنه يلزمهم الاستجابة للرسول وإن بلغ الأمر بهم في الجراحات ما بلغ من بعد أن يتمكنوا معه من النهوض.

الثالث: أحسنوا: فيما أتوا به من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، واتقوا ارتكاب شيء من المنهيات بعد ذلك.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف من في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ ﴾ للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا واتقوا كلهم لا بعضهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذين استجابوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ أو صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح.

روى: أنّ أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوّة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا، فنزلت.

و (من) في ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ ﴾ للتبيين مثلها في قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً ﴾ [الفتح: 29] لأنّ الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا بعضهم.

وعن عروة بن الزبير: قالت لي عائشة رضي الله عنها «إن أبويك لمن الذين استجابوا لله والرسول» تعني أبا بكر والزبير ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ روى أنّ أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد.

يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله؛ فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران.

فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم، إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جراءة، فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي.

أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريداً، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد.

وقيل: مرّ بأبي سفيان ركب من عبد القيس يريدون المدينة للميرة فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم، فكره المسلمون الخروج.

فقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد، فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل» وقيل: هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار حتى وافوا بدراً وأقاموا بها ثماني ليال، وكانت معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيراً، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.

ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق.

قالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق.

فالناس الأوّلون: المثبطون.

والآخرون: أبو سفيان وأصحابه.

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ الناس ﴾ إن كان نعيم هو المثبط وحده؟

قلت: قيل ذلك لأنه من جنس الناس، كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد فرد.

أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه، ويصلون جناح كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه.

فإن قلت: إلام يرجع المستكن في ﴿ فَزَادَهُمْ ﴾ ؟

قلت: إلى المقول الذي هو ﴿ إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم ﴾ كأنه قيل: قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيماناً، أو إلى مصدر قالوا، كقولك: من صدق كان خيراً له.

أو إلى الناس إذا أريد به نعيم وحده.

فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيماناً؟

قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج؛ ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان؛ لأنّ الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل.

وعن ابن عمر: قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟

قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة.

وينقص حتى يدخل صاحبه النار» وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: قم بنا نزدد إيماناً.

وعنه: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمّة لرجح به» ﴿ حَسْبُنَا الله ﴾ محسبنا، أي كافينا.

يقال: أحسبه الشيء إذا كفاه والدليل على أنه بمعنى المحسب أنك تقول: هذا رجل حسبك، فتصف به النكرة؛ لأنّ إضافته لكونه في معنى اسم الفاعل غير حقيقة ﴿ وَنِعْمَ الوكيل ﴾ ونعم الموكول إليه هو ﴿ فانقلبوا ﴾ فرجعوا من بدر ﴿ بِنِعْمَةٍ مّنَ الله ﴾ وهي السلامة وحذر العدوّ منهم ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح في التجارة، كقوله ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ ﴾ [البقرة: 198] .

﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ لم يلقوا ما يسوءهم من كيد عدوّ ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ بجرأتهم وخروجهم ﴿ والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا.

وفي ذلك تحسير لمن تخلف عنهم، وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء.

وروي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ ﴾ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ بِجُمْلَتِهِ ومِن لِلْبَيانِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الوَصْفَيْنِ المَدْحُ والتَّعْلِيلُ لا التَّقْيِيدُ، لِأنَّ المُسْتَجِيبِينَ كُلَّهم مُحْسِنُونَ مُتَّقُونَ.

رُوِيَ (أنَّ «أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ لَمّا رَجَعُوا فَبَلَغُوا الرَّوْحاءَ نَدِمُوا وهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ  فَنَدَبَ أصْحابَهُ لِلْخُرُوجِ في طَلَبِهِ وقالَ لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ جَماعَةٍ حَتّى بَلَغُوا حَمْراءَ الأسَدِ.

وهي عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ.

وكانَ بِأصْحابِهِ القَرْحُ فَتَحامَلُوا عَلى أنْفُسِهِمْ حَتّى لا يَفُوتَهُمُ الأجْرُ، وألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ فَذَهَبُوا فَنَزَلَتْ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين استجابوا لِلَّهِ والرسول} مبتدأ خبره للذين أحسنوا وصفة للمؤمنين أو نصب على المدح {مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح} الجرح روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا

آل عمران (١٧٢ _ ١٧٥)

من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب النبى واصحابه للخروج في طلب أبي سفيان فخرج يوم الأحد من المدينة مع سبعين رجلاً حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال وكان بأصحابه القرح فألقى الله الرعب في قلوب المشركين

فذهبوا فنزلت {لِلَّذِينَ أحسنوا منهم واتقوا} من للتبيين ومثلها فى قوله وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم {أَجْرٌ عَظِيمٌ} في الآخرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ أيْ أطاعُوا ﴿ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ بِامْتِثالِ الأوامِرِ ﴿ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ ﴾ أيْ نالَهُمُ الجِراحُ يَوْمَ أُحُدٍ، والمَوْصُولُ في مَوْضِعِ جَرِّ صِفَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ أعْنِي، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ هم، أوْ مُبْتَدَأٌ أوَّلٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ (172) قالَ الطَّبَرْسِيُّ: وهو الأشْبَهُ.

و(مِنهُمْ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (أحْسَنُوا) و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم - وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّها لِلْبَيانِ، فالكَلامُ حِينَئِذٍ فِيهِ تَجْرِيدٌ جَرَّدَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ المُحْسِنَ المُتَّقِيَ، والمَقْصُودُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَدْحُ والتَّعْلِيلُ لا التَّقْيِيدُ؛ لِأنَّ المُسْتَجِيبِينَ كُلَّهم مُحْسِنُونَ ومُتَّقُونَ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: «لَمّا كانَ يَوْمُ الأحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن شَوّالٍ وكانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنهُ أذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وأنْ لا يَخْرُجَ مَعَنا أحَدٌ إلّا أحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَكَلَّمَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِزامٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي كانَ خَلَّفَنِي عَلى أخَواتٍ لِي سَبْعٍ وقالَ: يا بُنَيَّ لا يَنْبَغِي لِي ولا لَكَ أنْ نَتْرُكَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةَ لا رَجُلَ فِيهِنَّ ولَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلى أخَواتِكَ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إرْهابًا لِلْعَدُوِّ حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ فَأقامَ بِها يَوْمَ الإثْنَيْنِ والثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ مَرَّ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ، وكانَتْ خُزاعَةُ مُسْلِمُهم ومُشْرِكُهم عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِتِهامَةَ صَفْقَتُهم مَعَهُ لا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كانَ بِها، ومَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أما واللَّهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنا ما أصابَكَ في أصْحابِكَ ولَوَدِدْنا أنَّ اللَّهَ تَعالى عافاكَ فِيهِمْ، ثُمَّ ذَهَبَ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِحَمْراءِ الأسَدِ حَتّى لَقِيَ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ بِالرَّوْحاءِ، وقَدْ أجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ وقالُوا: أصَبْنا أجَلَّ أصْحابِهِ وقادَتَهم وأشْرافَهم ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أنْ نَسْتَأْصِلَهم لَنَكُرَّنَّ عَلَيْهِمْ فَلَنَفْرَغَنَّ مِنهم، فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ مَعْبَدًا قالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ ؟

قالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ وهم يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكم تَحَرُّقًا، وقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَن كانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ في يَوْمِكم، ونَدِمُوا عَلى ما صَنَعُوا فِيهِمْ مِنَ الحَنَقِ عَلَيْكم شَيْءٌ لَمْ أرَ مِثْلَهُ.

قالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ ؟

قالَ: ما أرى واللَّهِ أنْ تَرْتَحِلَ حَتّى تَرى نَواصِيَ الخَيْلِ.

قالَ: فَواللَّهِ لَقَدْ أجْمَعْنا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهم.

قالَ: فَإنِّي أنْهاكَ عَنْ ذَلِكَ، واللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي ما رَأيْتُ عَلى أنْ قُلْتُ فِيهِمْ أبْياتًا مِنَ الشِّعْرِ.

قالَ: وما قُلْتَ ؟

قالَ قُلْتُ: كادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ تَرْمِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِّقاءِ ولا مِيلٍ مَعازِيلِ فَظَلَّتْ عَدْوًا كَأنَّ الأرْضَ مائِلَةٌ ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ وقُلْتُ ويْلَ ابْنِ حَرْبٍ مِن لِقائِهِمْ ∗∗∗ إذا تَغَطْمَطَتِ البَطْحاءُ بِالخَيْلِ إنِّي نَذِيرٌ لِأهْلِ النَّبْلِ ضاحِيَةً ∗∗∗ لِكُلِّ آرِبَةٍ مِنهم ومَعْقُولِ مِن خَيْلِ أحْمَدَ لا وخْشًا تَنابِلَةً ∗∗∗ ولَيْسَ يُوصَفُ ما أنْذَرْتُ بِالقِيلِ فَثَنى عِنْدَ ذَلِكَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، ومَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ فَقالَ: أيْنَ تُرِيدُونَ ؟

قالُوا: نُرِيدُ المَدِينَةَ.

قالَ: ولِمَ ؟

قالُوا: نُرِيدُ المِيرَةَ.

قالَ: فَهَلْ أنْتُمْ مُبَلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدًا رِسالَةً أُرْسِلُكم بِها إلَيْهِ وأحْمِلُ هَذِهِ لَكم غَدًا زَبِيبًا بِعُكاظٍ إذا وافَيْتُمُوهُ ؟

قالُوا: نَعَمْ.

قالَ: إذا وافَيْتُمُوهُ فَأخْبِرُوهُ أنْ قَدْ أجْمَعْنا السَّيْرَ إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهم، فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِحَمْراءِ الأسَدِ فَأخْبَرُوهُ بِالَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فَقالَ: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» .

وأخْرَجَ ابْنُ هِشامٍ «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا أرادَ الرُّجُوعَ إلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ: لا تَفْعَلُوا فَإنَّ القَوْمَ قَدْ جَرَّبُوا، وقَدْ خَشِينا أنْ يَكُونَ لَهم قِتالٌ غَيْرَ الَّذِي كانَ فارْجِعُوا إلى مَحالِّكم، فَرَجَعُوا، فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِحَمْراءِ الأسَدِ أنَّهم هَمُّوا بِالرَّجْعَةِ قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ سَوَّمْتُ لَهم حِجارَةً لَوْ صَبَّحُوا بِها لَكانُوا كَأمْسِ الذّاهِبِ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ إلى المَدِينَةِ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآياتِ»، وإلى هَذا ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ قال في رواية الكلبي: وذلك أن أبا سفيان حين رجع من أُحد، نادى فقال: يا محمد، إن الموعد بيننا وبينك موسم بدر الصغرى.

فقال  لعمر: «قُلْ لَهُ ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى» .

ثم ندم أبو سفيان، فقال لنعيم بن مسعود- وكان يخرج إلى المدينة للتجارة-: إذا أتيت المدينة، فخوّفهم لكيلا يخرجوا.

فلما قدم نعيم المدينة قال: إن أبا سفيان قد جمع خلقاً كثيرة، فكره أصحاب رسول الله  الخروج إليهم وتثاقلوا، فلما رأى ذلك رسول الله  منهم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرُجَنَّ إِلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ» قال: فمضى رسول الله  للميعاد، ومعه نحواً من سبعين رجلاً، حتى انتهوا إلى ذلك الموضع، وكان هنالك سوق فلم يخرج أحد من أهل مكة، فتسوقوا من السوق حاجتهم وانصرفوا، فنزل قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.

مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ يعني أصابتهم الجراحات يوم أُحد لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ أي الذين أوفوا الميعاد وَاتَّقَوْا السخط في معصية رسول الله  لهم أَجْرٌ عَظِيمٌ أي ثواب كثير الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعني نعيم بن مسعود، وإنما أراد به جنس الناس وكان رجلاً واحداً إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يعني أبا سفيان وأصحابه فَاخْشَوْهُمْ ولا تخرجوا إليهم فَزادَهُمْ إِيماناً أي تصديقاً، ويقيناً، وجرأة على القتال وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي ثقتنا بالله، وأيقنوا أن الله لا يخذل محمدا  وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي نعم الثقة لنا.

فَانْقَلَبُوا انصرفوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بأجر من الله وَفَضْلٍ يعني ما تسوقوا به من السوق، واشتروا الأشياء بسعر رخيص لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ يعني قتال وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ أي ذو مَنِّ عظيم.

وقال في رواية الضحاك: كان ذلك يوم أُحد، لما انهزمت قريش، ونزلت في مواضع، وكثرت الجراحات في أصحاب محمد  ، فهمّ رسول الله  بالخروج إليهم فأجابه سبعون رجلاً، فنزلت هذه الآية قوله تعالى: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ يعني نعيم بن مسعود، لأن كل عات متمرد شيطان يخوف أولياءه، يعني بأوليائه الكفار.

ويقال: يخوف أشكاله.

وقال الزجاج: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ أي ذلك التخويف عمل الشيطان، يخوفكم من أوليائه.

وقال القتبي: يخوف أولياءه أي بأوليائه، أي كما.

قال تعالى: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [الكهف: 2] يعني لينذركم ببأس شديد.

ثم قال تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ في الخروج وَخافُونِ في القعود إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين.

قال الزجاج: معناه إن كنتم مصدقين، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

آتاهم اللَّه مِنْ فضله، ومُسْتَبْشِرُون للمؤمنين أنَّهم لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ ثم أكَّد سبحانه استبشارهم بقوله: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ، ثم بيَّن سبحانه بقوله: وَفَضْلٍ، أنَّ إدخالَهُ إياهم الجَنَّةَ هو بفَضْل مِنْه، لا بعملِ أَحَدٍ، وأمَّا النعمة في الجَنَّة، والدَّرجاتُ، فقد أخبر أنَّها على قَدْر الأعمال.

قُلْتُ: وخرَّج أبو عبد اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ «١» صَاحِبُ ابن المبارَكِ في «رقائقه» ، بسنده، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي «أنَّ الشُّهداءَ فِي قِبابٍ مِنْ حَرِيرٍ فِي رِياضٍ خُضْرٍ، عِنْدَهُمْ حُوتٌ وَثَوْرٌ، يَظَلُّ الحُوتُ يُسَبِّحُ فِى أَنْهَارِ الجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ رائِحَةٍ فِي أَنْهَارِ الجَنَّةِ، فَإذَا أمسى وَكَزَهُ الثَّوْرُ بقَرْنِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، يَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ، وَيَبِيتُ الثَّوْرُ فِي أَفْنَاءِ الجَنَّةِ، فَإذَا أَصْبَحَ، غَدَا عَلَيْهِ الحُوتُ، فَوَكَزَهُ بِذَنَبِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ، فَيَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ، وَيَنْظُرُونَ إلى مَنَازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ...

» الحديثَ.

انتهى.

مختصرًا، وقد ذكره صاحب «التذكرة» مطوَّلاً.

وقرأ الكِسَائِيُّ: «وَإنَّ اللَّهَ» بكسر «٢» الهمزة على استئناف الإخبار، وقرأ باقي السبعة بالفتْحِ على أنَّ ذلك داخلٌ فيما يُسْتبشر به، وقوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا يحتملُ أنْ يكون صفَةً للمؤمنين على قراءة مَنْ كَسَر الألف من «إنَّ» ، والأظهر أنَّ الذين ابتداءٌ، وخبره في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ...

الآية، والمستجيبُونَ للَّه والرسولِ: هم الذين خرَجُوا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى حمراء الأسد في طلب قريش.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ...

الآية:

«الذين» : صفةٌ للمحسنين، وهذا القولُ هو الذي قاله الركْبُ من عبد القيس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ، نَدَبَ النَّبِيُّ  أصْحابَهُ لِاتِّباعِهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ بِمَنِ انْتَدَبَ مَعَهُ، فَلَقِيَ أبُو سُفْيانَ قَوْمًا، فَقالَ: إنْ لَقِيتُمْ مُحَمَّدًا، فَأخْبِرُوهُ أنِّي في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَقِيَهُمُ النَّبِيُّ  فَسَألَهم عَنْهُ؟

فَقالُوا: لَقِيناهُ في جَمْعٍ كَثِيرٍ، ونَراكَ في قِلَّةٍ، فَأبى إلّا أنْ يَطْلُبَهُ، فَسَبَقَهُ أبُو سُفْيانَ، فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا أرادَ الِانْصِرافَ عَنْ أُحُدٍ، قالَ: يا مُحَمَّدُ، مَوْعِدٌ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ، خَرَجَ أبُو سُفْيانَ، ثُمَّ ألْقى اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ، فَبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، فَلَفِي نَعِيمَ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقالَ: إنِّي قَدْ واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وهَذا عامُ جَدْبٍ، لا يَصْلُحُ لَنا، فَثَبَّطَهم عَنّا، وأعْلَمَهم أنّا في جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَلَقِيَهم فَخَوَّفَهم، فَقالُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، وخَرَجَ النَّبِيُّ  بِأصْحابِهِ، حَتّى أقامُوا بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ الآَياتُ.» وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.

والِاسْتِجابَةُ: الإجابَةُ.

وأنْشَدُوا: فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبٌ أيْ: فَلَمْ يُجِبْهُ.

وَفِي المُرادِ النَّبِيُّ  وخُرُوجُهُ ونَدْبُ النّاسِ لِلْخُرُوجِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِيُرْهِبَ العَدُوَّ بِاتِّباعِهِمْ.

والثّانِي: لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ القَوْمِ أنَّهم قالُوا: أصَبْتُمْ شَوْكَتَهم، ثُمَّ تَرَكْتُمُوهم.

وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في القَرْحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهُمْ ﴾ أيْ: أحْسَنُوا بِطاعَةِ الرَّسُولِ، واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ  ﴾ ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللهِ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

"يَسْتَبْشِرُونَ" مَعْناهُ: يُسَرُّونَ ويَفْرَحُونَ، ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى طَلَبِ البِشارَةِ، بَلْ هي بِمَعْنى: اسْتَغْنى اللهُ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ، وذَهَبَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ هَذا الِاسْتِبْشارَ إنَّما هو بِأنَّهم يَقُولُونَ: إخْوانُنا الَّذِينَ تَرَكْناهم خَلْفَنا في الدُنْيا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ مَعَ نَبِيِّهِمْ فَيُسْتَشْهَدُونَ فَيَنالُونَ مِنَ الكَرامَةِ مِثْلَ ما نَحْنُ فِيهِ فَيُسَرُّونَ لَهم بِذَلِكَ، إذْ يُحْصِلُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، وذَهَبَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ -وَأشارَ إلَيْهِ الزَجّاجُ وابْنُ فُورَكٍ- إلى أنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا  ﴾ إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ في فَضْلِ الشَهادَةِ، لَكِنَّ الشُهَداءَ لَمّا عايَنُوا ثَوابَ اللهِ وقَعَ اليَقِينُ بِأنَّ دِينَ الإسْلامِ هو الحَقُّ الَّذِي يُثِيبُ اللهُ عَلَيْهِ، فَهم فَرِحُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، و"ألّا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، التَقْدِيرُ: بِأنْ لا خَوْفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ.

ثُمَّ أكَّدَ تَعالى اسْتِبْشارَهم بِقَوْلِهِ: "يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ" ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وَفَضْلٍ" فَوَقَعَ إدْخالُهُ إيّاهُمُ الجَنَّةَ الَّذِي هو فَضْلٌ مِنهُ لا بِعَمَلِ أحَدٍ، وأمّا النِعْمَةُ في الجَنَّةِ والدَرَجاتُ فَقَدْ أخْبَرَ أنَّها عَلى قَدْرِ الأعْمالِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: "وَإنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ مِن "أنَّ"، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجُمْهُورُ العُلَماءِ: "وَأنَّ اللهَ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَذَلِكَ داخِلٌ فِيما يُسْتَبْشَرُ بِهِ، المَعْنى: بِنِعْمَةٍ وبِأنَّ اللهَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ فَهو إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ "وَفَضْلٍ واللهُ لا يُضِيعُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِينَ اسْتَجابُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الَّذِينَ" صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ الألِفَ مِن "أنَّ"، والأظْهَرُ أنَّ "الَّذِينَ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِلَّذِينَ أحْسَنُوا"...

الآيَةِ.

فَهَذِهِ الجُمْلَةُ هي خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ.

والمُسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ والرَسُولِ هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَبِيِّ  إلى حَمْراءِ الأسَدِ في طَلَبِ قُرَيْشٍ والتَظاهُرِ لَهُمْ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ في يَوْمِ الأحَدِ وهو الثانِي مِن يَوْمِ أُحُدٍ «نادى رَسُولُ اللهِ  في الناسِ بِاتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: " لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن شاهَدَنا بِالأمْسِ"» وكانَتْ بِالناسِ جِراحَةٌ وقَرْحٌ عَظِيمٌ، ولَكِنْ تَجَلَّدُوا ونَهَضَ مَعَهُ مِائَتا رَجُلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، وهي عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ، وأقامَ بِها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وجَرَتْ قِصَّةُ مَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ الَّتِي ذَكَرْناها، ومَرَّتْ قُرَيْشٌ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ  إلى المَدِينَةِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى في شَأْنِ أُولَئِكَ المُسْتَجِيبِينَ هَذِهِ الآيَةَ، ومَدَحَهم لِصَبْرِهِمْ.

ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ في الناسِ أخَوانِ وبِهِما جِراحَةٌ شَدِيدَةٌ وكانَ أحَدُهُما قَدْ ضَعُفَ، فَكانَ أخُوهُ يَحْمِلُهُ عُقْبَةً ويَمْشِي هو عُقْبَةً.

ورَغِبَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إلى النَبِيِّ  في الخُرُوجِ مَعَهُ فَأذِنَ لَهُ، وأخْبَرَهم تَعالى أنَّ الأجْرَ العَظِيمَ قَدْ تَحَصَّلَ لَهم بِهَذِهِ الفَعْلَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "إنَّها غَزْوَةٌ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قوله: ﴿ ولا تحسبن ﴾ عطف على ﴿ قل فادرءوا عن أنفسكم الموت ﴾ [آل عمران: 168]، فلمّا أمر الله نبيئه أن يجيبهم بما فيه تبكيتهم على طريقة إرخاء العِنان لهم في ظنّهم أنّ الذين قتلوا من إخوانهم قد ذهبوا سُدًى، فقيل لهم: إنّ الموت لا مفرّ منه على كل حال، أعرض بعد ذلك عن خطابهم لقلّة أهليتهم، وأقبل على خطاب من يستأهل المعرفة، فقال: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ﴾ وهو إبطال لما تلهّف منه المنافقون على إضاعة قتلاهم.

والخطاب يجوز أن يكون للنبيء صلى الله عليه وسلم تعليماً له، وليُعلِّم المسلمين، ويجوز أن يكون جارياً على طريقة العرب في عدم إرادة مخاطب معيّن.

والحسبان: الظنّ فهو نهي عن أن يظنّ أنّهم أموات وبالأحرى يكون نهياً عن الجزم بأنَّهم أموات.

وقرأ الجمهور: الذين قُتِلوا بتخفيف التاء وقرأه ابن عامر بتشديد التاء أي قُتِّلوا قتلاً كثيراً.

وقوله: ﴿ بل أحياء ﴾ للإضراب عن قوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا ﴾ فلذلك كان ما بعدها جملة غير مفرد، لأنّها أضربت عن حكم الجملة ولم تُضرب عن مفردٍ من الجملة، فالوجه في الجملة التي بعدها أن تكون اسمية من المبتدأ المحذوف والخبر الظاهر، فالتقدير: بل هم أحياء، ولذلك قرأه السبعة بالرفع، وقرئ بالنصب على أنّ الجملة فعلية، والمعنى: بل أحسبتم أحياء، وأنكرها أبو علي الفارسي.

وقد أثبت القرآن للمجاهدين موتاً ظاهراً بقوله: ﴿ قتلوا ﴾ ، ونفي عنهم الموت الحقيقي بقوله: ﴿ بل أحياء عند ربهم يرزقون ﴾ فعلِمنا أنّهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الأرواح، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح، غير مضمحلّة، بل هي حياة بمعنى تحقّق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارّة لأنفسهم، ومسرّتهم بإخوانهم، ولذلك كان قوله: ﴿ عند ربهم ﴾ دليلاً على أنّ حياتهم حياة خاصّة بهم، ليست هي الحياة المتعارفة في هذا العالم، أعني حياة الأجسام وجريان الدم في العروق، ونبضات القلب، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس، وكذلك الرزق يجب أن يكون ملائماً لحياة الأرواح وهو رزق النعيم في الجنّة.

فإن علّقنا ﴿ عند ربهم ﴾ بقوله: أحياء كما هو الظاهر، فالأمر ظاهر، وإن علقناه بقوله: ﴿ يرزقون ﴾ فكذلك، لأنّ هذه الحياة لمّا كان الرزق الناشئ عنها كائناً عند الله، كانت حياة غير مادّية ولا دنيويَّة، وحينئذ فتقديم الظرف للاهتمام بكينونة هذا الرزق.

وقولُه: ﴿ فرحين ﴾ حال من ضمير ﴿ يرزقون ﴾ .

والاستبشار: حصول البشارة، فالسين والتاء فيه كما هما في قوله تعالى: ﴿ واستغنى اللَّه ﴾ [التغابن: 6] وقد جمع اللَّهُ لهم بين المسرّة بأنفسهم والمسرّة بمن بقي من إخوانهم، لأنّ في بقائهم نكاية لأعدائهم، وهم مع حصول فضل الشهادة لهم على أيدي الأعداء يتمنّون هلاك أعدائهم، لأنّ في هلاكهم تحقيق أمنية أخرى لهم وهي أمنية نصر الدين.

فالمراد ﴿ بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم، ومعنى لم يلحقوا بهم لم يستشهدوا فيصيروا إلى الحياة الآخرة.

و ﴿ من خلفهم ﴾ تمثيل بمعنى من بعدهم، والتقدير: ويستبشرون بالذين لم يصيروا إلى الدار الآخرة مِن رفاقهم بأَمْنِهم وانتفاءِ ما يُحْزنهم.

وقوله: ﴿ ألا خوف عليهم ﴾ بدل اشتمال، و(لا) عاملة عمل ليس ومفيدة معناها، ولم يُبن اسم (لا) على الفتح هنا لظهور أنّ المقصود نفي الجنس ولا احتمال لنفي الوحدة فلا حاجة لبناء النكرة على الفتح، وهو كقول إحدى نساء حديث أمّ زرع: «زوجي كلَيْللِ نِهَامَة، لا حرٌّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سَآمَهْ» برفع الأسماء النكرات الثلاثة.

وفي هذا دلالة على أنّ أرواح هؤلاء الشهداء مُنحت الكشفَ على ما يسرّها من أحوال الذين يهمّهم شأنهم في الدنيا.

وأنّ هذا الكشف ثابت لجميع الشهداء في سبيل الله، وقد يكون خاصّاً الأحوال السارّة لأنّها لذّة لها.

وقد يكون عامّاً لِجميع الأحوال لأنّ لذّة الأرواح تحصل بالمعرفة، على أنّ الإمام الرازي حَصَر اللذّة الحقيقية في المعارف.

وهي لذّة الحكماء بمعرفة حقائق الأشياء، ولو كانت سيئة.

وفي الآية بشارة لأصحاب أُحُد بأنّهم لا تلحقهم نكبة بعد ذلك اليوم.

وضمير ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ يجوز أن يعود إلى الذين لم يلحقوا بهم فتكون الجملة حالاً من الذين لم يلحقوا بهم أي لا خوف عليهم ولا حزن فهم مستبشرون بنعمة من الله، ويحتمل أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ﴾ والضمير ل ﴿ الذين قُتِلوا في سبيل الله ﴾ ، وفائدة التكرير تحقيق معنى البشارة كقوله: ﴿ ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا ﴾ [القصص: 63] فكرّر أغويناهم، ولأنّ هذا استبشار منه عائد لأنفسهم، ومنه عائد لرفاقهم الذين استجابوا لله من بعد القرح، والأولى عائدة لإخوانهم.

والنعمة: هي ما يكون به صلاح، والفضل: الزيادة في النعمة.

وقوله: ﴿ وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ قرأه الجمهور بفتح همزة (أنّ) على أنه عطف على ﴿ نعمةٍ من الله وفضلٍ ﴾ ، والمقصود من ذلك تفخيم ما حصل لهم من الاستبشار وانشراح الأنفس بأنْ جمع الله لهم المسرّة الجثمانية الجزئية والمسرّة العقليّة الكلية، فإنّ إدراك الحقائق الكلية لذّة روحانية عظيمة لشرف الحقائق الكلية وشرف العلم بها، وحصول المسرّة للنفس من انكشافها لها وإدراكها، أي استبشروا بأنّ عَلِموا حقيقة كليّة وسرّاً جليلاً من أسرار العِلم بصفات الله وكمالاته، التي تعمّ آثارها، أهل الكمال كلَّهم، فتشمل الذين أدركوها وغيرهم، ولولا هذا المعنى الجليل لم يكن داع إلى زيادة ﴿ وأن الله لا يضيع أجرالمؤمنين ﴾ إذ لم يحصل بزيادته زيادةُ نعمة وفضل للمستبشرين مِن جنس النعمة والفضل الأولين، بل حصلت نعمة وفضل آخران.

وقرأه الكسائي بكسر همزة (إنّ) على أنه عطف على جملة ﴿ يستبشرون ﴾ في معنى التذييل فهو غير داخل فيما استبشر به الشهداء.

ويجوز أن تكون الجملة على هذا الوجه ابتداء كلام، فتكون الواو للاستئناف.

وجملة ﴿ الذين استجابوا لله والرسول ﴾ صفة للمؤمنين أو مبتدأ خبره ﴿ للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ﴾ وهذه الاستجابة تشير إلى ما وقع إثر أُحُد من الأرجاف بأنّ المشركين، بعد أن بلغوا الرّوحاء، خطر لهم أنْ لو لحقوا المسلمين فاستأصلوهم.

وقد مرّ ذكر هذا وما وقع لمعبد بن أبي معبد الخزاعي عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم ﴾ [آل عمران: 149].

وقد تقدّم القول في القرح عند قوله: ﴿ إن يمسسكم قرح ﴾ [آل عمران: 140].

والظاهر أنَّه هنا للقرح المجازي، ولذلك لم يجمع فيقال القروح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ ﴾ يَعْنِي أنَّهم في الحالِ وبَعْدَ القَتْلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَأمّا في الجَنَّةِ فَحالُهم في ذَلِكَ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ كافَّةِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ إحْياؤُهم في الحِكْمَةِ.

وَقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ وجابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها).» وفي ﴿ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بِحَيْثُ لا يَمْلِكُ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا رَبُّهم.

والثّانِي: أنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ مِن حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّهم أحْياءٌ دُونَ النّاسِ.

﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَقُولُونَ: إخْوانُنا يُقْتَلُونَ كَما قُتِلْنا فَيُصِيبُونَ مِن كَرامَةِ اللَّهِ ما أصَبْنا، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ يُؤْتى الشَّهِيدُ بِكِتابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ فَيُبَشَّرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَبْشِرُ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ في الدُّنْيا بِقُدُومِهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ ﴾ أمّا النّاسُ في المَوْضِعَيْنِ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الجَمْعِ فَهو واحِدٌ لِأنَّهُ تَقْدِيرُ الكَلامِ جاءَ القَوْلُ مِن قِبَلِ النّاسِ، والَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ هُمُ المُسْلِمُونَ وفي النّاسِ القائِلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو أعْرابِيٌّ جُعِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ جُعْلٌ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: هو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وهَذا قَوْلُ الواقِدِيِّ.

والنّاسُ الثّانِي أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ.

واخْتَلَفُوا في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ أبُو سُفْيانَ أنْ يَجْمَعَ لَهم هَذا الجَمْعَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بَعْدَ رُجُوعِهِ عَلى أُحُدٍ سَنَةَ ثَلاثٍ حَتّى أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ الرُّعْبَ كَفُّوا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ إسْحاقَ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ في بَدْرٍ الصُّغْرى سَنَةَ أرْبَعٍ بَعْدَ أُحُدٍ بِسَنَةٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ ﴾ التَّخْوِيفُ مِنَ الشَّيْطانِ والقَوْلُ مِنَ النّاسِ، وفي تَخْوِيفِ أوْلِيائِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ مِن أوْلِيائِهِ المُشْرِكِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ المُنافِقِينَ لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتالِ المُشْرِكِينَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمراء الأسد، وقد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: رجعنا قبل أن نستأصلهم، لَنَكُرَّنَّ على بقيتهم.

فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أصحابه يطلبهم، فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه ومر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان: بلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الرجعة الى أصحابه لنستأصلهم.

فلما مر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد أخبروه بالذي قال أبو سفيان؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله في ذلك ﴿ الذين استجابوا لله والرسول....

﴾ الآيات.

وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدراً، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم وقالوا: قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل، يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم، فالحذر الحذر....

فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان، فاستجابوا لله ورسوله وخرجوا ببضائع لهم وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا بضائعنا.

فكان بدر متجراً يوافي كل عام، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو ولا أصحابه، ومر عليهم ابن حمام فقال: من هؤلاء؟

قالوا: رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش.

فقدم على قريش فأخبرهم، فأرعب أبو سفيان ورجع إلى مكة، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السويق، وكانت في شعبان سنة ثلاث.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب» ، وكانت وقعة أحد في شوّال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وأنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذي أصابهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه وقال: إنما ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا تقدرون على مثلها حتى عام مقبل.

فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ فأبى الناس أن يتبعوه فقال: إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد.

فانتدب معه أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح؛ في سبعين رجلاً، فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ الآية.

وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم.

بئسما صنعتم ارجعوا.

فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد؛ أو بئر أبي عنبة، شك سفيان فقال المشركون: نرجع قابل.

فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تعد غزوة.

فأنزل الله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ الآية.

وقد كان أبو سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة.

فأتوه فلم يجدوا به أحد وتسوقوا.

فأنزل الله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر الصغرى وبهم الكلوم، خرجوا لموعد أبي سفيان فمر بهم أعرابي، ثم مر بأبي سفيان وأصحابه وهو يقول: ونفرت من رفقتي محمد ** وعجوة منثورة كالعنجد فتلقاه أبو سفيان فقال: ويلك ما تقول....؟!

فقال: محمد وأصحابه تركتهم ببدر الصغرى فقال أبو سفيان: يقولون ويصدقون، ونقول ولا نصدق وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الأعراب وانقلبوا؟!

قال عكرمة: ففيهم أنزلت هذه الآية ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ إلى قوله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب فمن ينتدب في طلبه؟

فقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه، فلقي عيراً من التجار فقال: ردوا محمداً ولكم من الجعل كذا وكذا...

وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعاً، وإني راجع إليهم.

فجاء التجار فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حسبنا الله.

فأنزل الله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول....

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: «أخبرت أن أبا سفيان لما راح هو وأصحابه يوم أحد منقلبين قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم عامدون إلى المدينة يا رسول الله.

فقال: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال فهم عامدوها، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل فقد أرعبهم الله فليسوا بعامديها.

فركبوا الأثقال.

ثم ندب أناساً يتبعوهم ليروا أن بهم قوّة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثاً، فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ الآية» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول....

﴾ الآية.

قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد انصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: من يرجع في أثرهم؟

فانتدب منهم سبعون رجلاً.

فيهم أبو بكر والزبير، فخرجوا في آثار القوم فسمعوا بهم، فانصرفوا بنعمة من الله وفضل.

قال: لم يلقوا عدوّاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: نزلت هذه الآية فينا ثمانية عشر رجلاً ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: «كان يوم أحد السبت للنصف من شوّال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوّال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر عن عبد الله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال: يا بني أنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن.

فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه.

وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعيباً للعدوّ ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوّة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم من عدوهم» .

وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً.

أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي، أو قال لي: تفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل.

فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحاً منه، فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد.

وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثاً.

الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.

فنزل ﴿ الذين استجابوا لله والرسول..

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: كان عبد الله من ﴿ الذين استجابوا لله والرسول ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ من بعد ما أصابهم القرح ﴾ قال: الجراحات.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ من بعد ما أصابهم القرح ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: افصلوا بينهما قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما ندم أبو سفيان وأصحابه على الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: ارجعوا فاستأصلوهم.

فقذف الله في قلوبهم الرعب فهزموا، فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً، فقالوا له: إن لقيت محمداً وأصحابه فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم.

فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابي في الطريق فأخبرهم الخبر فقالوا: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ ثم رجعوا من حمراء الأسد.

فأنزل الله فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن سعد عن ابن أبزى ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ قال: أبو سفيان.

قال لقوم: إن لقيتم أصحاب محمد فأخبروهم أنا قد جمعنا لهم جموعاً.

فأخبروهم فقالوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عيراً واردة المدينة ببضاعة لهم، وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم جبال فقال: إن لكم عليّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمداً ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي أخبرتموه أني قد جمعت له جموعاً كثيرة، فاستقبلت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد إنا نخبرك أن أبا سفيان قد جمع لك جموعاً كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل.

فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقيناً ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله: ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابة من أصحابه بعدما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد خلفهم حتى إذا كانوا بذي الحليفة، فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم فيقولون لهم: هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس فقالوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله: ﴿ الذين قال لهم الناس...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس...

﴾ الآية.

قال: إن أبا سفيان كان أرسل يوم أحد أو يوم الأحزاب إلى قريش، وغطفان، وهوازن، يستجيشهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه فقيل: لو ذهب نفر من المسلمين فأتوكم بالخبر، فذهب نفر حتى إذا كانوا بالمكان الذي ذكر لهم أنهم فيه لم يروا أحداً فرجعوا.

وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى يوم أحد فقيل له: يا رسول الله ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ﴾ فقال: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله: ﴿ الذين قال لهم الناس...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع «أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه علياً في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال: إن القوم قد جمعوا لكم ﴿ قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فنزلت فيهم هذه الآية....» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد «في قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ قال: هذا أبو سفيان قال لمحمد يوم أحد: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا.

فقال محمد صلى الله عليه وسلم: عسى.

فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدراً فوافوا السوق فابتاعوا، فذلك قوله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ وهي غزوة بدر الصغرى» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كانت بدر متجراً في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان أن يلقاه بها، فلقيهم رجل فقال له: إن بها جمعاً عظيماً من المشركين.

فأما الجبان فرجع.

وأما الشجاع فأخذ أهبة التجارة وأهبة القتال.

﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ ثم خرجوا حتى جاؤوها فتسوّقوا بها ولم يلقوا أحداً فنزلت ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ إلى قوله: ﴿ بنعمة من الله وفضل ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فزادهم إيماناً ﴾ قال: الإيمان يزيد وينقص.

وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ .

وأخرج البخاري وابن المنذر والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: قال آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ وقال نبيكم مثلها ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمرو قال: هي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ وهي الكلمة التي قالها نبيكم وأصحابه إذ قيل لهم ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ » .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتدّ غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء وقال: حسبي الله ونعم الوكيل» .

وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن بريدة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال عشر كلمات عند كل صلاة غداة وجد الله عندهن مكفياً مجزياً: خمس للدنيا، وخمس للآخرة: حسبي الله لديني، حسبي الله لما أهمني، حسبي الله لمن بغى عليّ، حسبي الله لمن حسدني، حسبي الله لمن كادني بسوء، حسبي الله عند الموت، حسبي الله عند المسألة في القبر، حسبي الله عند الميزان، حسبي الله عند الصراط، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴾ قال: ﴿ النعمة ﴾ أنهم سلموا و ﴿ الفضل ﴾ إن عيراً مرَّت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح مالاً فقسمه بين أصحابه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ﴿ الفضل ﴾ ما أصابوا من التجارة والأجر.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى ببدر دراهم ابتاعوا بها من موسم بدر، فأصابوا تجارة فذلك قول الله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ قال: أما النعمة فهي العافية، وأما الفضل فالتجارة، والسوء القتل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ قال: لم يؤذهم أحد ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ قال: أطاعوا الله ورسوله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف من طريق عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوّفكم أولياءه ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه ﴾ يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه ﴾ قال: يخوّف المؤمنين بالكفار.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ قال: يعظم أولياءه في أعينكم.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: تفسيرها يخوّفكم بأوليائه.

وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم في الآية قال: يخوّف الناس أولياءه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا ولي الشيطان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ الآية.

[قال المفسرون (١) (٢) (٣)  ، فأراد أن يرهب العَدُوَّ، ويريهم من نفسه وأصحابه [قُوَّةً؛ فَنَدَبَ] (٤) (٥)  في أصحابه، حتى بلغوا حَمرَاءَ الأسد -وهي مِنَ المدينة على ثمانية أميال (٦) (٧) ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ (٨) ومحل ﴿ الَّذِينَ ﴾ : خَفْضٌ، على النعت للمؤمنين (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾ على آخر الآية (١٣) و ﴿ اسْتَجَابُوا ﴾ ، بمعنى: أجابوا (١٤) (١٥) وقوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ﴾ أي: بطاعة رسول الله، وإجابته إلى ما دعاهم إليه، واتَّقَوا معصيتَهُ ومخالفته.

(١) منهم: عكرمة، وابن إسحاق، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والحسن.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 176 - 178، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 815 - 817، و"أسباب النزول"، للواحدي: ص 172 - 173.

(٢) ما بين المعقوفين: بياض في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٣) ما بين المعقوفين: بياض في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٤) ما بين المعقوفين: بياض في (أ).

والمثبت من (ب)، (ج).

(٥) في (ج): (معما).

(٦) قال ابن سعد في: "الطبقات الكبرى" 2/ 49: (وهي من المدينة على عشرة أميال، طريق العقيق، متياسرة عن ذي الحُليفة، إذا أخذتها من الوادي).

(٧) في (ج): (فألقى).

(٨) انظر: "المغازي" للواقدي 1/ 334 - 340، و"سيرة ابن هشام" 3/ 74 - 75، و"الطبقات الكبرى" لابن سعد 2/ 48 - 49، و"تاريخ الطبري" 2/ 534، و"البداية والنهاية" 4/ 504.

(٩) في (ب): (من للمؤمنين).

(١٠) في "معاني القرآن" له 1/ 489، نقله عنه بتصرف.

(١١) (أ)، (ب): (أو).

وساقط من (ج).

والمثبت من: "معاني القرآن".

(١٢) (ويكون خبر الابتداء): ساقط من (ج).

(١٣) وفيه وجوه أخرى من الإعراب: أنه خبر لمبتدأ مضمر، تقديره: (هم الذين)، أو إنه منصوب بإضمار أعني، أو أنه بدل من ﴿ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أو من ﴿ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ .

انظر: "الدر المصون": 3/ 488.

(١٤) في (أ)، (ب): (جابوا).

والمثبت من (ج).

وهو الصواب؛ لأن (جابوا) لا وجه لها -هنا- لأنها بمعنى: خرقوا.

يقال: (جاب الشيء جَوْبا)، و (اجتابه): خرقه.

و (جاب يجوب جَوْبا): قطع وخرق انظر: "اللسان" 2/ 717 (جوب).

(١٥) انظر: تفسير الآية 186 سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين استجابوا ﴾ صفة للمؤمنين أو مبتدأ وخبره ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ الآية، ونزلت في الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلف المشركين بعد غزوة أحد، فبلغ بهم إلى حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وكانوا قد أصابتهم جراحات وشدائد، فتجلدوا وخرجوا فمدحهم الله بذلك ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس ﴾ الآية: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد بعد أحد: بلغ ذلك أبا سفيان فمر عليه ركب من عبد القيس يريدون المدينة بالميرة؛ فجعل لهم حمل بعير من زبيب على أن يثبطوا المسلمين عن إتباع المشركين، فخوفوهم بهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل فخرجوا، فالناس الأول ركْب عبد القيس، والناس الثاني مشركو قريش وقيل: نادى أبو سفيان يوم أحد: موعدنا ببدر في القابل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله فلما كان العام القابل؛ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر للميعاد، فأرسل أبو سفيان نُعيم بن مسعود الأشجعي ليثبط المسلمين، فعلى هذا الناس الأول نعيم، وإنما قيل له: الناس وهو واحد: لأنه من جنس الناس: كقولك ركبت الخيل إذا ركبت فرساً ﴿ فَزَادَهُمْ ﴾ الفاعل ضمير المفعول، وهو إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، والصحيح أن الإيمان يزيد وينقص، فمعناه هنا قوة يقينهم وثقتهم بالله ﴿ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل ﴾ كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره؛ وهي التي قالها إبراهيم عليه اسلام حين ألقي في النار، ومعنى ﴿ حَسْبُنَا الله ﴾ : كافينا وحده فلا نخاف غيره، ومعنى: ﴿ وَنِعْمَ الوكيل ﴾ : ثناء على الله وأنه خير من يتوكل العبد عليه ويلجأ إليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يغل ﴾ بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس.

الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول.

﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: الحلواني عن هشام.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الباقون: بالتخفيف.

﴿ وإن الله ﴾ بالكسر على الابتداء: عليّ.

الباقون: بالفتح.

﴿ وخافوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل.

الباقون بالحذف.

الوقوف: ﴿ إن يغل ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ يوم القيامة ﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿ لايظلمون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ والحكمة ﴾ ج لمكان العطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مثليها ﴾ (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿ قلتم ﴾ ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ ه لا ﴿ نافقوا ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم.

﴿ أو ادفعوا ﴾ ط ﴿ لاتبعناكم ﴾ ط ﴿ للإيمان ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف.

﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ج لاحتمال كون "الذين" بدلاً عن ضمير ﴿ يكتمون ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.

﴿ ما قتلوا ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أمواتاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ص ﴿ يرزقون ﴾ ه لا لأن ﴿ فرحين ﴾ حالهم.

﴿ من فضله ﴾ (لا) للعطف.

﴿ من خلفهم ﴾ (لا) لتعلق "أن".

﴿ يحزنون ﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون.

﴿ وفضل ﴾ (لا) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ج لأن "الذين" يصلح صفة اللمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة.

﴿ القرح ﴾ ط لمن لم يقف على ﴿ المؤمنين ﴾ .

﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف.

﴿ إيماناً ﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب.

﴿ الوكيل ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ لا للعطف ﴿ رضوان الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ أولياءه ﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿ مؤمنين ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم من أحكام الجهاد.

وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية.

يقال: أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه.

والغل الحقد الكامن في الصدر.

والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في / أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار.

وقال  : " "من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" وقال أيضاً: " هدايا الولاة غلول" " وقال الجوهري: غل يغل غلولاً أي خان.

وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي  من الكبائر.

عن ثوبان عن رسول الله  : " "من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله  ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: " لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أميناً في الأرض؟

هيهات.

وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد  ﴾ أي ما كان الله ليتخذ ولداً.

ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته.

وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش.

ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.

ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح.

وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من / الإغلال.

قال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة.

قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد لقيل "يغلل" كما يقال: "يفسق ويكفر" والأولى أن يقال: هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك.

ومن هنا قال في الكشاف: معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.

وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل؟

وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل.

فقال: بل يغل ويقتل.

ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله  أخذها.

وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ ما كان لنا أن نشرك  ﴾ ﴿ ما كان ليأخذ أخاه  ﴾ ﴿ ما كان لنفس أن تموت  ﴾ ﴿ ما كان الله ليضل قوماً  ﴾ ﴿ وما كان الله ليطلعكم  ﴾ وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام "ما كان لك أن تضرب" بضم التاء.

والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس.

ويوافق هذه القراءة ما روي "أنه  لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت" .

وعلى هذا يغل بمعنى يخان.

وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي "أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟

فقال  : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم؟

فنزلت" .

وعن ابن عباس "أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي  من الغنائم بشيء زائد فنزلت" .

وقال الكلبي ومقاتل: "نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر.

فقال لهم  : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟

فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال  : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" .

وروي "أنه  بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع" فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.

وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر.

وقيل: نزلت في أداء الوحي.

كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل: / ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم  ﴾ ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.

وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.

قلت: ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده.

قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادات فضيحته.

ومثله قوله  : " لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته.

والمراد أنه  يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية.

وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة.

﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل: ثم يوفى ما كسب.

ثم فصل ما أجمل فقال: ﴿ أفمن اتبع ﴾ والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره "أمن اتقى فاتبع" قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ رجع منه بشدّة إرادة انتقام لأجل الغلول؟

وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال امر النبي  حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم يمتثلوا؟

وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون.

وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟

وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على العموم وإن كان سبب النزول خاصاً.

وقوله: ﴿ ومأواه جهنم ﴾ من تمام صلة من "باء".

وقوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ اعتراض.

قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يُسوى بين المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لهما وإهمالاً للطاعات وتنفيراً عنها.

﴿ هم درجات ﴾ قيل: أي لهم / درجات.

وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها.

وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا قال  : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات.

وقيل: المراد ذوو درجات.

ثم الضمير إلى أي شيء يعود؟

قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب.

ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفاً لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله: ﴿ عند الله ﴾ وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا" ولا يراد به عندية المكان لتنزهه  عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفاً وأنه يليق بأهل الثواب.

وقال الحسن: يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب.

عن رسول الله  : "إن منها ضحضاحاً وغمراً " وقال: " إن أهون أهل النار عذاباً رجل يحذى له نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي " والأوجه أن يكون عائداً إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق.

وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: ﴿ ولكل درجات مما عملوا  ﴾ ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيجازيهم بمقدارها.

قوله عز من قائل: ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين ﴾ في النظم وجوه منها: أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة؟

ومنها كأنه  قال: لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم.

ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، فالطعن فيه طعن فيكم.

ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد.

ومعنى المنّ ههنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه.

والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول.

فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة، والنبي يورد عليهم / وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال.

وأيضاً إنهم وإن شهدت فطرتهم بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي  لهم.

وأيضاً أنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم.

وبالجملة فعقول البشر يمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس.

فكما لا يتم الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي  .

ومن الثاني أن هذا الرسول بعث ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنسهم عربياً مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده.

فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه.

وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به.

وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ وذلك أن الافتخار بإبراهيم  كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب.

ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان للعرب ما يقابل ذلك.

فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم.

وقيل: ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل.

ويروى عن النبي  وعن فاطمة أنهما قرآ ﴿ من أنفسهم ﴾ بفتح الفاء أي أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً.

ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد  .

وأما سائر أوصافه من قوله: ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وإعراب قوله: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ كما سلف في قوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة  ﴾ ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم.

فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً.

ثم لما أجاب عن نسبة النبي  إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: ﴿ أنى هذا ﴾ وأجاب عنها بقوله: ﴿ قل هو من عند انفسكم ﴾ والواو في قوله ﴿ أو لما أصابتكم ﴾ لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و ﴿ لما ﴾ ظرف ﴿ قلتم ﴾ ومقول القول ﴿ أنى هذا ﴾ و ﴿ وأصابتكم ﴾ في محل / الجر بإضافة ﴿ لما ﴾ إليه.

والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟

ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم؟

والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر.

وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى.

فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: ﴿ قد أصبتم مثليها ﴾ جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد؟

لكنه صرح بجواب آخر فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ وفي تقريره وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم.

وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مقارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة.

الثاني ما روي عن علي  أنه قال: جاء جبريل  إلى النبي  يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.

فذكر رسول الله  ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم.

فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر.

فمعنى ﴿ هو من عند أنفسكم ﴾ هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل.

وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه.

وعارضهم الأشاعرة بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه.

فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم.

وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، فاستعير الإذن للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع ﴿ ليعلم المؤمنين ﴾ أي ليتميزوا عن أهل النفاق.

وإنما لم يقل "وليعلم المنافقين" ليناسب المؤمنين لفظاً لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة.

﴿ وقيل لهم ﴾ قال الأصم: هذا القائل رسول الله  ، كان يدعوهم إلى / القتال.

وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله ﴾ إن كان في قلبكم حب هذا الدين ﴿ أو ادفعوا ﴾ عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا.

وقال السدي وابن جريج: ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والرعب.

ثم إنه كأن سائلاً سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين إياهم إلى القتال؟

فقيل: ﴿ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ كأنهم جحدوا أن يكون بين الفريقين قتالألبتة.

أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لوافقناكم عليه, ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في الجواب فاسد.

أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كافٍ في وجوب القتال والدفع عن النفس والمال.

والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد.

وأما الثاني فلأنه  لما وعدهم بالنصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس إلى التهليكة.

ولركاكة جوابهم قال: ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ لأنهم تباعدوا بهذا الجواب المنبىء عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل اليوم.

والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر العلماء: إنه تنصيص من الله  على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول الكفر.

قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ فهذه الزيادة لا شك فيها.

وقال الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه  لم يظهر القول بتكفيرهم ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ أي لا يتجاوز الإيمان حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا به من التوحيد ﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري أحوالهم فيما بينهم.

وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن والأمارات، وهو  عالم بتفاصيل ذلك ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض  ﴾ .

﴿ الذين قالوا ﴾ منصوب على الذم أو على البدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ أو مرفوع على الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير ﴿ يكتمون ﴾ وقيل: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في ﴿ أفواههم ﴾ أو ﴿ قلوبهم ﴾ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد / إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق.

والقائلون - عند جمهور المفسرين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه.

واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: ﴿ وقعدوا ﴾ أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال.

والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج.

﴿ لو أطاعونا ﴾ في أمرنا إياهم بالقعود ﴿ ما قتلوا ﴾ كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت.

"ومن يسمع يخل" فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن الجهاد فأجابهم الله  بقوله: ﴿ قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره من أسباب النجاة, وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.

وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.

جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للرسول.

أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتاً.

وضمير المفعول للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً.

فحذف المفعول الأوّل لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكرو كما حذف المبتدأ في قوله: ﴿ بل أحياء ﴾ أي هم أحياء للدلالة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهارالجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآية " وعن جابر بن عبد الله قال: "نظر إليّ رسول الله  فقال: ما لي أراك مهتماً؟

قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك ديناً وعيالاً.

فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً.

فقال: يا عبدي سلني أعطك.

فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.

فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.

فقال: يا رب فأبلغ من روائي " فنزلت.

وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت / الآية في شهداء بئر معونة.

وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون.

واختلف العلماء في معنى هذه الحياة.

فعن طائفة أنها على سبيل المجاز.

وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبة.

وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك.

ومن هذه الطائفة من قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ألبتة.

روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع.

قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دماً.

ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت.

فالثواب أولى.

وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتاً والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في قوم القيامة، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه.

وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير.

وبقوله: ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة.

وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة.

وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل.

ولأن الإنسان يكون عالماً بنفسه حالماً يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم.

ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسماً مخصوصاً سارياً أو جوهراً مجرداً لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حياً أو أماته الله فيعيده حياً, وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات.

ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح، وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سروراً وابتهاجاً وفرحاً وارتياحاً، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها المعارف الإلهية، وأكثر أرباب / الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية.

ثم منهم من قال: إنه  يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها.

ومن الناس من طعن في هذه القول وقال: إن تجويز كون البدن الميت الملقى في التراب حياً متنعماً عاقلاً عارفاً نوع من السفسطة.

والحق في هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأوّل بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقاً وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة.

والذي أقوله: إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها.

وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير الأطوار كما كان يتغير في مدّة العمر بحسب الأسنان والأمزجة.

والتحقيق فيه أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر؟

فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى.

وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهداً في القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما روي "أنه  وقف على قليب بدر وقال: يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟

فإني وجدت ما وعدني الله حقاً.

فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟

فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئاً" .

وفي حديث عذاب القبر " إنه ليسمع قرع نعالهم " ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء وهو السر في آخر حديث عذاب القبر " فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله  بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة كما قتلوا تعجيلاً للثواب.

وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم.

فافهم / هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله أعلم.

ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: ﴿ فالذين عند ربك  ﴾ أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا".

يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها التنعم برزق الله كما ورد في الحديث.

﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها.

وقال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم.

فقوله: ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ فرحين ﴾ إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم.

بلسان الحكماء ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و ﴿ فرحين ﴾ رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، و ﴿ يستبشرون بالذين ﴾ بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم.

والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة.

ومعنى ﴿ من خلفهم ﴾ أنهم بقوا بعدهم.

وقيل لم يحلقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ﴿ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ بدل الاشتمال من "الذين".

وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم, وإنما بشرهم الله بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله  بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله: ﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكد فقال: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ وهي الثواب.

وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم.

﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ﴿ لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين.

ثم إنه  مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى.

أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبقَ منهم إلاّ القليل.

فلم تركناهم؟

فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس.

فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى الله الرعب في قلوب / المشركين وانهزموا.

فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ﴾ بإتيان جميع المأمورات ﴿ واتقوا ﴾ بالانتهاء عن المحظورات ﴿ وأحسنوا ﴾ في طاعة الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات.

روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة.

ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.

و "من" في قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم ﴾ للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم.

وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي  بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي  ودفنهم بدمائهم.

وذكروا "أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال  للزبير: ردّها لئلا تجزع من مثلة أخيها.

فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله  .

فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيراً واستغفرت له.

وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول  وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر" .

وأما الثانية فروى ابن عباس "أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت.

فقال  لعمر: قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله.

فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع.

ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل.

فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم.

فقال  : والذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وحدي.

فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام.

فلم يلق رسول الله  وأصحابه أحداً من المشركين.

وكانت معهم تجارت ونفقات فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.

ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل الله في المؤمنين ﴿ الذي قال لهم الناس ﴾ " يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه.

وإنما عبر / عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد.

ولأن الواحد إذا قال قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله  : ﴿ وإذا قتلتم نفساً  ﴾ وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: "مر ركب من عبد القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلاً - حمل بعير من زبيب -" .

وقال السدي: هم منافقو المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه.

والمفعول محذوف أي جمعوا لكم الجموع.

والعرب تسمي الجيش جمعاً.

﴿ فاخشوهم فزادهم ﴾ قول نعيم أو قول المثبطين ﴿ إيماناً ﴾ لأنهم لم يسمعوا قولهم وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى بحسب زيادتها ونقصانها.

وأما من قال: الإيمان عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها جعلت في الإيمان مجازاً.

وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل الكتاب.

وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل  حين ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله.

وقد مر إعراب مثله في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم  ﴾ ﴿ ونعم الوكيل ﴾ الكافي أو الكافل أو الموكول إليه هو.

ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوا فخرجوا ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله ﴾ وهي العافية ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ لم يصبهم قتل ولا جراح وصفهم بأنه حصل لهم الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، وإن ذلك ثمرة الإخلاص والتوكل على الله  وتعالى .

ثم روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟

فقال  : ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين حيث قضوا ما عليهم.

ثم قال: ﴿ والله ذو فضل عظيم ﴾ تنبيهاً على أن السبب الكلي في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحداً إلا إياه وذلك قوله: ﴿ إنما ذلكم ﴾ المثبط هو ﴿ الشيطان ﴾ لعتوّه وتمرده وإعوائه، ثم بين شيطنته بقوله: ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر والمعفول الأوّل محذوف أي يخوّفكم أولياءه ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء المثبطين.

والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه.

وقيل: الشيطان هو إبليس.

وقيل: المضاف محذوف والتقدير إنما / ذلكم قول الشيطان.

وقيل: يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله  .

وعلى هذا فالضمير في ﴿ فلا تخافوهم ﴾ للناس في قوله: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ وقيل: التقدير يخوّفكم بأوليائه كقوله: ﴿ ويخوّفونك بالذين من دونه  ﴾ فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر.

الله حسبي.

التأويل: قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها.

فالآن نقول: إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين و الصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة.

وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين  ﴾ وكما ورد في حديث الشهداء " "من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة" والذي جاء فيه " "إن أرواحهم في أجواف طير خضر" فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً.

فمن الممكن أن يخلق الله  من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله  .

وأما كون الطيرخضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿ تعرف في وجوههم نضرة النعيم  ﴾ وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه  ﴾ وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله  ورسوله أعلم بمرادهما.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ : قيل: أجابوا الله - عز وجل - والرسول  إلى ما دعاهم إليه، وأطاعوا فيما أمرهم به من بعد ما أصابهم القرح،، أي: الجراحة.

قيل: دعاهم إلى بدر الصغرى بعد ما أصابهم بأحد القروح والجراحات؛ فأجابوه، فذلك قوله -  -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ...

﴾ الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ ﴾ : في الإجابة له بعدما أصابتهم الجراحة، وشهدوا القتال معه.

﴿ وَٱتَّقَواْ ﴾ : الخلاف له، وترك الإجابة، ويحتمل: اتقوا النار وعقوبته.

﴿ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ : في الحنة وثواب جزيل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ...

﴾ الآية: قيل: إن المنافقين قالوا لأصحاب رسول الله  بعد ما انهزم كفار مكة وولوا أدبرهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، يخوفونهم؛ حتى لا يتبعوهم على أثرهم، فذلك عادتهم لم تزل؛ كقوله -  -: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً  ﴾ أي: فساداً.

وقيل: إنه إنما قال ذلك لهم رجل يقال لهم: نعيم بن مسعود، ولا ندري كيف كانت القصة؟.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ : لما وجدوا الأمر على ما قال لهم رسول الله  ووعد لهم، لا على ما قال أولئك؛ فزادهم ذلك إيماناً، أي: تصديقاً.

زادهم: قيل: جراءة وقوة وصلابة على ما كانوا من قبل في الحرب والقتال، ويحتمل: زادهم ذلك في أيمانهم قوة وصلابة وتصديقاً.

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، أي: تصديقاً ويقيناً بجرأتهم على عدوهم، ويقينهم بربهم، واستجابتهم لنبيهم  .

فإن قال قائل: ما معنى قوله -  وتعالى -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ على أثر قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، وقول ذلك قول لا يحتمل أن يزيد الإيمان، وليس كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً  ﴾ ؛ لأنها حجج، والحجج تزيد التصديق، أو تحدث، أو تدعوا إلى الثبات على ذلك؛ فيزيد الإيمان؛ فقولهم: اخشوهم، كيف يزيد؟

قيل: يخرج ذلك - والله أعلم - على وجوه: أحدها: أنهم إذا علموا أنهم أهل النفاق، وأنهم يخوفون بذلك، وقد كان وعدهم رسول الله  بصنيعهم، فكذبوهم بذلك، وأقبلوا نحو أمر رسول الله صلى الله عليه سلم إجابة لأمره؛ وتصديقاً بوعده، ومجانبة لاغترارهم بأخبار أعدائه والنزول على قولهم؛ فكان ذلك منهم - عند ذلك - زائداً في إيمانهم مع ما في تكذيبهم؛ ذلك نحو قوله - عز وجل: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...

 ﴾ الآية: إنه إذا زاد بتكذيب آيات الله رجساً؛ فمثله تكذيب المكذب بالآيات؛ لذلك يزيد إيماناً، والله أعلم.

والثاني: أن يكون رسول الله  أخبرهم بتفرق أعداء الله، وتشتت أمرهم، وأخبرهم المنافقون بالاجتماع؛ فصاروا إلى ما نعتهم به رسول الله  ؛ فوجدوا الأمر على ما قال [رسول الله  ]، وذلك من أنباء الغيب، [والإنباء عن الغيب] من أعظم آيات النبوة؛ فزادهم ذلك إيماناً، والله أعلم، وذلك، قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

والثالث: لم لما يغتروا بقول المنافقين، ولا قصدوا لذلك، ولا ضعفوا؛ فأنزل الله -  - سكينته على قلوبهم؛ ليزيد لهم بذلك إيماناً؛ كقوله -  -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ...

﴾ الآية [الفتح: 4]، وبالله التوفيق.

ثم معنى زيادة الإيمان بتخرج على وجوه: أحدها: بحق الابتداء في حادث الوقت؛ إذ له حكم التجدد في حق الأفعال بما هو للكفر به تارك؛ وعلى ذلك قوله -  -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [النساء: 136]، فيكون ذلك بحق الزيادة على ما مضى، وإن كان بحق التجدد في حق الحادث والفرد.

والثاني: أن يكون له الثبات عليه؛ إذ حجج الشيء توجب لزومه، والدوام عليه؛ فسمى ذلك زيادة.

ويحتمل: أن يكون يزداد له في أمره بصيرة، وعلى ما رغب فيه إقبالاً، ولحوقه مراعاة؛ فيكون في ذلك زيادة في قوته أو في نوره، أو بزينته وتمامه، وذلك أمر معروف.

ويحتمل: أن يكون ذلك داع إلى محافظة حقوق، والتمسك بأدلته، والوفاء بشرائطه؛ فيزيد ذلك فضله؛ كما عدت صلاة واحدة في التحقيق ألفاً؛ بما في ذلك من حفظ الحقوق ومراعاتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ﴾ : فزعوا إلى الله -  - بما رأوا من صدق وعد رسول الله  لهم وظهور كذب قول المنافقين: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ...

﴾ الآية، أو قالوا ذلك عند قول المنافقين إياهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ؛ فوضوا أمرهم [إلى الله  ]، وسلموا لما رأوا النصر منه؛ رضاء منهم بكل ما يصيبهم، كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ﴾ : مدحهم الله - عز وجل - بما رأوا أنفسهم لله؛ فكذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ .

أي: ذو منّ عظيم، يدفع المشركين عن المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ .

يحتمل النعمة: [نعمة الدين]، على ما ذكرنا.

وقيل: انقبلوا بنصر من الله والغنيمة، ويحتمل: النعمة من الله: الأمن من العدو؛ لأن المنافقين كانوا يخوفونهم بقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، ويحتمل: النعمة: الجنة، وفضلَ الزيادة على ذلك.

وقيل: انصرفوا بأجر من الله وفضل، وهو ما تشوقوا به من الشوق: ﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ﴾ ولا قتل، ولا هزيمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ ﴾ أي: اتبعوا العمل الذي به رضوان الله، ورضاء رسوله  .

وقيلأ: اتبعوا طاعته ورضاه.

ويحتمل قوله: ﴿ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ : الزيادة في الإيمان، وهو الصلابة والقوة فيه.

وقوله: ﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ﴾ : مما كانوا يخوفونهم بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ .

ويحتمل قوله -  -: ﴿ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: رجعوا بمحمد،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ﴾ يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ : ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا [فإنه] كان ينذر الفريقين جميعاً؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعاً، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه.

ويحتمل قوله: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ ، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ  ﴾ ، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ ، أي: بأوليائه، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  -: يخفوكم أولياءه، وهذا يؤيد تأويل من يتأول: يخوف بأوليائه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، ﴿ وَخَافُونِ ﴾ ، أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ  ﴾ أخبر أنْ ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما [لي] عليكم سلطان، وبالله العصمة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين استجابوا لأمر الله ورسوله عندما دُعوا إلى الخروج للقتال في سبيل الله، وملاقاة المشركين في غزوة "حمراء الأسد" التي أعقبت أُحُدًا بعدما أصابتهم الجروح يوم أُحُد، فلم تمنعهم جروحهم من تلبية نداء الله ورسوله.

للذين أحسنوا منهم في أعمالهم، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أجر عظيم من الله، وهو الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.NQ1ar"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تطرف جماعة فزعموا أن حياة الشهداء كحياتنا هذه في الدنيا يأكلون أكلنا، ويشربون شربنا ويتمعتون تمتعنا، وهو قول لا يصدر عن عاقل لأن من الشهداء من يحرق بالنار، ومن تأكله السباع أو الأسماك، وقال بعضهم المراد أن أجسادهم لا تبلى، ولم يزد على ذلك، ولكن هذا لم يثبت، على أن الجسد لا ثمرة له إذا خرجت منه الروح.

﴿ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ .

إنما قال: ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ للدلالة على أنهم وراءهم يقتفون أثرهم ويحذون حذوهم قدمًا بقدم، فهو قيد فيه الخبر والحث والترغيب والمدح والبشارة، وهو من البلاغة بالمكان الذي لا يطاول.

﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ  الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ  ﴾ ذُكر في الآية السابقة استبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله ثم ذكر هنا أنه يستبشرون بنعمة من الله وفضل، فالذي آتاهم من فضله مجمل تفصيله ما بعده وهو قسمان: فضل عليهم في إخوانهم الذين وراءهم، وفضل عليهم في أنفسهم وهو نعمة الله عليهم وفضله الخاص بهم في دار الكرامة، وقد أبهمه فلم يعينه للدلالة على عظمه وعلى كونه غيبًا لا يكتنه كنهه في هذه الدار.

ثم اختتم الكلام بفضله على إخوانهم كما افتتحه به وترك العطف لتنزيل الاستبشار الثاني منزلة الاستبشار الأول حتى كأنه هو.

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ  ﴾ : "من" للتبعيض وهي في محلها لأن من المؤمنين الصادقين من لم يخرج معه  إلى "حمراء الأسد" أي وهم من الذين لا يضيع الله أجرهم ولكنهم لا يستحقون الأجر العظيم الذي استحقه الذين خرجوا معه وهم مثقلون بالجراح ومرهقون من الإعياء إلى استئناف قتال أضعافهم من الأقوياء.

وثم وجه آخر وهو أنه وجد في نفوس بعض المؤمنين بعد أُحد شيء من الضعف فهذه الآيات كلها تأديب لهم، ولما دعاهم  للخروج لبوا واستجابوا له ظاهرًا وباطنًا، ولكن عرض لبعضهم عند الخروج بالفعل موانع في أنفسهم، أو أهليهم، فلم يخرجوا فأراد من الذين أحسنوا واتقوا الذين خرجوا بالفعل وهم بعض الذين استجابوا، والإحسان أن يعمل الإنسان العمل على أكمل وجوهه الممكنة والتقوى أن يتقي الإساءة والتقصير فيه.

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ  ﴾ الذين قال لهم الناس هم الذين استجابوا لله وللرسول فخرجوا إلى حمراء الأسد للقاء المشركين إذ عاد بهم أبو سفيان لاستئصالهم وكانوا سبعين رجلًا.

ولكن روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان قال حين أراد أن ينصرف من أُحد: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر القابل إن شئت، فقال رسول الله  "ذلك بيننا وبينك إن شاء الله"، فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل "مجنة" من ناحية "مر الظهران" وقيل بلغ "عسفان" فألقى الله تعالى الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمرًا فقال له أبو سفيان: إني وعدت محمدًا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ترعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن أرجع وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو.

فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم!

فوالله لا يفلت منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم فقال رسول الله  : "والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي"، فخرج ومعه سبعون راكبًا يقولون "حسبنا الله ونعم الوكيل" حتى وافى بدرًا فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان فلم يلقوا أحدًا لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة، فسماه أهل مكة جيش السويق، وقالوا لهم إنما خرجتم لتشربوا السويق.

قال بعضهم ووافى المسلمون سوق بدر وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدمًا وزبيبًا، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، وقال في ذلك عبد الله بن رواحة أو كعب بن مالك: وعدنا أبا سفيان وعدًا فلم نجد لميعاده صدقًا وما كان وافيًا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميمًا وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمرًا أبا جهل تركناه ثاويًا عصيتم رسول الله أف لدينكم وأمركم الشيء الذي كان غاويًا وإني وإن عنفتموني لقائل فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعد له فينا بغيره شهابًا لنا في ظلمة الليل هاديًا فعلى هذه الرواية يكون المراد بالناس الذين قالوا للمؤمنين إن الناس قد جمعوا لكم نعيم بن مسعود ومن وافقه فأذاع قوله، وعن الشافعي أنهم أربعة.

وروي أن ركبًا من عبد القيس مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلًا.

وعزاه الرازي إلى ابن عباس ومحمد بن اسحق، وذكر قولًا ثالثًا عن السدي أن الناس الذين قالوا هم المنافقون، وأما الناس الذين جمعوا الجموع لقتال المسلمين فهم أبو سفيان وأعوانه قولًا واحدًا، وعندي أنه يجوز أن يكون نعيم بن مسعود قال ذلك، وأن يكون قاله ركب عبد القيس، وتحدث به المنافقون، فإن الأمر الكبير من شأنه أن يتحدث به الناس ويذهبون فيه مع أهوائهم، كما أن السبعين الذين خرجوا مع النبي  إلى بدر الصغرى يجوز أن يكونوا هم الذين خرجوا معه إلى حمراء الأسد، فتصدق الآية على القصتين، وتكون الآيات متأخرة النزول عما قبلها.

وذكر ابن القيم في زاد المعاد والحلبي أن النبي  خرج إلى بدر الموعد في ألف وخمسمائة، ويجمع بينه وبين القول الأول بأن يكون خرج أولًا بالسبعين ثم تبعه الباقون.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، في الآية التنبيه في الموازنة بين أولياء الشيطان من مشركي مكة وغيرهم، وبين ولي المؤمنين القادر على كل شيء كأنه يقول: عليكم أن توازنوا بين قوتي وقوتهم، ونصرتي ونصرتهم فأنا الذي وعدتكم النصر، وأنا وليكم ونصيركم ما أطعتموني أطعتم رسولي، وفي هذا المقام شبهة تعرض لبعضهم، يقولون إن تكليف عدم الخوف من تكليف ما لا يستطاع، ولا يدخل في الوسع، فإن الإنسان إذا علم أن العَدد الكثير ذا العُدَد العظيمة يريد أن يواثبه وينزل به العذاب بأن رآه أو سمع باستعداده من الثقات فإنه لا يستطيع أن لا يخافه، فكان الظاهر أن يؤمروا بإكراه النفس على المقاومة والمدافعة مع الخوف لا أن ينهوا عن الخوف، والجواب: إن هذه الشبهة حجة الجبناء، فهي لا تطوف إلا في خيال الجبان، فإن أعمال النفس من الخوف والحزن والفرح يتراءى للإنسان انها اضطرارية وأن آثارها كائنة لا محالة مهما حدث سببها، والحقيقة أن ذلك اختيري من وجهين: أحدهما: إن هذه الأمور تأتي بالعادة والمزاولة ولذلك تختلف باختلاف الشعوب والأجيال، فمن اعتاد الإحجام عند الحاجة إلى الدفاع يصير جبانًا، والعادات خاضعة للاختيار بالتربية والتمرين، ففي استطاعة الإنسان أن يقاوم أسباب الخوف ويعوّد نفسه الاستهانة بها.

وثانيهما: أن هذه الأمور إذا حدثت بأسبابها فالإنسان مختار في الإسلاس لها، والاسترسال معها حتى يتمكن أثرها في النفس وتتجسم صورتها في الخيال، ومختار في ضد ذلك وهو مغالبتها والتعمل في صرفها وشغل النفس بما يضادها ويذهب بأثرها أو يتبدل به أثرًا آخر مناقضًا له، فهذا الأمر الاختياري هو مناط التكليف، كأنه يقول: إذا عرضت لكم أسباب الخوف فاستحضروا في نفوسكم قدرة الله على كل شيء، وكونه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وتذكروا وعده بنصركم وإظهار دينكم على الدين كله، وأن الحق يدمغ الباطل فإذا هو زاهق، وتذكروا قوله: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ ثم خذوا أهبتكم وتوكلوا على ربكم فإنه لا يدع لخوف غيره مكانًا في قلوبكم.

إن الوجه الأول إنما يتعلق به الاختيار في التربية التدريجية، والثاني يتعلق به الاختيار فورًا في كل وقت.

وإن قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ يفيد وجوب توثيق الإيمان بالله في القلب قبل كل شيء لأن تلك الخواطر والهواجس التي تحدث الخوف من أولياء الشيطان لا يمحوها من لوح القلب إلا الإيمان الصحيح لثابت، وفي قوله ﴿ إِنْ كُنْتُمْ  ﴾ إشارة إلى أن إيمان من يرجح الخوف من أولياء الشيطان على الخوف من الله تعالى مشكوك فيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله