الآية ١٧٣ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٧٣ من سورة آل عمران

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ١٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 162 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٣ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا [ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ] ) أي : الذين توعدهم الناس [ بالجموع ] وخوفوهم بكثرة الأعداء ، فما اكترثوا لذلك ، بل توكلوا على الله واستعانوا به ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) قال البخاري : حدثنا أحمد بن يونس ، أراه قال : حدثنا أبو بكر ، عن أبي حصين ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا : ( إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) وقد رواه النسائي ، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله ، كلاهما عن يحيى بن أبي بكير ، عن أبي بكر - وهو ابن عياش - به .

والعجب أن الحاكم [ أبا عبد الله ] رواه من حديث أحمد بن يونس ، به ، ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

ثم رواه البخاري عن أبي غسان مالك بن إسماعيل ، عن إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس قال : كان آخر قول إبراهيم ، عليه السلام ، حين ألقي في النار : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) .

وقال عبد الرزاق : قال ابن عيينة : وأخبرني زكريا ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو قال : هي كلمة إبراهيم عليه السلام حين ألقي في البنيان .

رواه ابن جرير .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري أخبرنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري ، أنبأنا أبو بكر بن عياش ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له يوم أحد : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم .

فأنزل الله هذه الآية .

وروى أيضا بسنده عن محمد بن عبيد الله الرافعي ، عن أبيه ، عن جده أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه عليا في نفر معه في طلب أبي سفيان ، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال : إن القوم قد جمعوا لكم قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل .

فنزلت فيهم هذه الآية .

ثم قال ابن مردويه : حدثنا دعلج بن أحمد ، أخبرنا الحسن بن سفيان ، أنبأنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد ، أنبأنا موسى بن أعين ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا : ( حسبنا الله ونعم الوكيل " .

هذا حديث غريب من هذا الوجه .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حيوة بن شريح وإبراهيم بن أبي العباس قالا حدثنا بقية ، حدثنا بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن سيف ، عن عوف بن مالك أنه حدثهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر : حسبي الله ونعم الوكيل .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ردوا علي الرجل " .

فقال : " ما قلت ؟

" .

قال : قلت : حسبي الله ونعم الوكيل .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ، فإذا غلبك أمر فقل : حسبي الله ونعم الوكيل " .

وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث بقية عن بحير ، عن خالد ، عن سيف - وهو الشامي ، ولم ينسب - عن عوف بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أسباط ، حدثنا مطرف ، عن عطية ، عن ابن عباس [ في قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) [ المدثر : 8 ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ، يسمع متى يؤمر فينفخ " .

فقال أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : فما نقول ؟

قال : " قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا " .

وقد روي هذا من غير وجه ، وهو حديث جيد ، وروينا عن أم المؤمنين عائشة وزينب [ بنت جحش ] رضي الله عنهما ، أنهما تفاخرتا فقالت زينب : زوجني الله وزوجكن أهاليكن وقالت عائشة : نزلت براءتي من السماء في القرآن .

فسلمت لها زينب ، ثم قالت : كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل ؟

فقالت : قلت : حسبي الله ونعم الوكيل ، فقالت زينب : قلت كلمة المؤمنين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ،" الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم ".

* * * و " الذين " في موضع خفض مردود على الْمُؤْمِنِينَ ، وهذه الصفة من صفة الذين استجابوا لله والرسول.

* * * و " الناس " الأوّل، هم قوم -فيما ذكر لنا- كان أبو سفيان سألهم أن يثبِّطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد.

و " الناس " الثاني، هم أبو سفيان وأصحابه من قريش، الذين كانوا معه بأحد.

* * * ويعني بقوله: " قد جمعوا لكم "، قد جمعوا الرجال للقائكم والكرّة إليكم لحربكم =" فاخشوهم "، يقول: فاحذروهم، واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم =" فزادهم إيمانًا "، يقول: فزادهم ذلك من تخويف من خوَّفهم أمرَ أبي سفيان وأصحابه من المشركين، يقينًا إلى يقينهم، وتصديقًا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير فيه، ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا = ثقة بالله وتوكلا عليه، إذ خوَّفهم من خوفَّهم أبا سفيان وأصحابه من المشركين =" حسبنا الله ونعم الوكيل "، يعني بقوله: " حسبنا الله "، كفانا الله، يعني: يكفينا الله = (65) " ونعم الوكيل "، يقول: ونعم المولى لمن وليَه وكفَله.

* * * وإنما وصف تعالى نفسه بذلك، لأن " الوكيل "، في كلام العرب، هو المسنَد إليه القيام بأمر من أسنِد إليه القيام بأمره.

فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآيات، قد كانوا فوَّضوا أمرهم إلى الله، ووثِقوا به، وأسندوا ذلك إليه، وصف نفسه بقيامه لهم بذلك، وتفويضِهم أمرهم إليه بالوكالة فقال: ونعم الوكيل الله تعالى لهم.

* * * واختلف أهل التأويل في الوقت الذي قال من قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الناس قد جمعوا لكم ".

فقال بعضهم: قيل ذلك لهم في وجههم الذين خرجوا فيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد إلى حمراء الأسد، في طلب أبي سفيان ومن معه من المشركين.

ذكر من قال ذلك، وذكر السبب الذي من أجله قيل ذلك، ومن قائله: 8243- حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: مرَّ به -يعني برسول الله صلى الله عليه وسلم- معبدٌ الخزاعيّ بحمراء الأسد= وكانت خزاعة، مسلمُهم ومشركهم، عَيْبةَ نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، (66) صفقتهم معه، (67) لا يخفون عليه شيئًا كان بها، =ومعبد يومئذ مشرك= فقال: والله يا محمد، أما والله لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم!

(68) ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد، (69) حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوحاء، قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا!

حَدَّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟!

(70) لنَكرَّن على بقيَّتهم، فلنفرغنَّ منهم ".

فلما رأى أبو سفيان معبدًا &; 7-407 &; قال: ما وراءك يا معبد؟

قال: محمد، قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرَّقون عليكم تحرُّقا، (71) قد اجتمع معه من كان تخلَّف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنَق عليكم شيء لم أر مثله قط!

(72) .

قال: ويلك!

ما تقول؟

قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل!

قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم!

قال: فإنّي أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيتُ على أن قلت فيه أبياتًا من شعر!

قال: وما قلت؟

قال: قلت: كَـادَتْ تُهَـدُّ مِـنَ الأصْـوَاتِ رَاحِلَتي إِذْ سَــالَتِ الأرَضُ بِـالجُرْدِ الأبَـابيِل (73) تَــرْدِي بِأُسْــدٍ كِــرَامٍ لا تَنَابِلَـةٍ عِنْــد اللِّقَــاء وَلا خُـرْقٍ مَعَـازِيِل (74) &; 7-408 &; فَظَلْـتُ عَـدْوًا, أَظُـنُّ الأرْضَ مَائِلَـةً لَمَّـا سَـمَوْا بِـرَئيسٍ غَـيْرِ مَخْـذُولِ (75) فَقُلْـتُ: وَيْـلَ ابْـنِ حَـرْبٍ منْ لِقَائِكُمُ إِذَا تَغَطْمَطَــتِ البَطْحَــاءُ بِـالخِيِل (76) إنِّـي نَذِيـرٌ لأهْـلِ البَسْـلِ ضَاحِيَـةً لِكَــلِّ ذِي إرْبَــةٍ مِنْهُـمْ وَمَعْقُـولِ (77) مِـنْ جَـيْشِ أَحْـمَدَ لا وَخْـشٍ قَنَابِلُـهُ وَلَيْسَ يُـوصَفُ مَـا أَنْـذَرْتُ بِـالقِيلِ (78) قال: فثنَى ذلك أبا سفيان ومن معه.

ومرَّ به ركب من عبد القيس.

فقال: أين تريدون؟

قالوا: نريد المدينة.

قال: ولم؟

قالوا: نريد الميرة.

قال: فهل &; 7-409 &; أنتم مبلَّغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها، وأحمِّل لكم إبلكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتموها؟

قالوا: نعم.

قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم!

فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: (79) " حسبنا الله ونعم الوكيل ".

(80) 8244 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: فقال الله: " الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل "، و " الناس " الذين قالوا لهم ما قالوا= النفر من عبد القيس الذين قال لهم أبو سفيان ما قال=: إنّ أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم!

يقول الله تبارك وتعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ الآية.

(81) 8245- حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما ندموا= يعني أبا سفيان وأصحابه= على الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: " ارجعوا فاستأصلوهم "، فقذف الله في قلوبهم الرعب فهزموا، فلقوا أعرابيًّا فجعلوا له جُعْلا فقالوا له: إن لقيت محمدًا وأصحابه فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم!

فأخبر الله جل ثناؤه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابيَّ في الطريق، فأخبرهم الخبر، فقالوا: " حسبنا الله ونعم الوكيل "!

ثم رجعوا من حمراء الأسد.

فأنـزل الله تعالى فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ".

8246 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عِيرًا واردةَ المدينة ببضاعة لهم، (82) وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم حِبال، (83) فقال: إنّ لكم عليَّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمدًا ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي، وأخبرتموه أنّي قد جمعت له جموعًا كثيرة.

فاستقبلت العيرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: (84) يا محمد إنا نخبرك أنّ أبا سفيان قد جمع لك جموعًا كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل!

فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقينًا، وقالوا: (85) " حسبنا الله ونعم الوكيل ".

فأنـزل الله تبارك وتعالى: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم " الآية.

8247 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال، انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابةٌ من أصحابه بعد ما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد خلفهم، حتى كانوا بذي الحليفة، فجعل الأعراب والناسُ يأتون عليهم فيقولون لهم: هذا أبو سفيان مائلٌ عليكم بالناس!

فقالوا: " حسبنا الله ونعم الوكيل ".

فأنـزل الله تعالى فيهم: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ".

* * * وقال آخرون: بل قال ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قال ذلك له، في غزوة بدر الصغرى، وذلك في مسير النبي صلى الله عليه وسلم عامَ قابلٍ من وقعة أحد للقاء عدوِّه أبي سفيان وأصحابه، للموعد الذي كان واعده الالتقاءَ بها.

* ذكر من قال ذلك: 8248 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم "، قال: هذا أبو سفيان قال لمحمد: " موعدكم بدرٌ حيث قتلتم أصحابنا "، فقال محمد صلى الله عليه وسلم: " عسى "!

فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نـزل بدرًا، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا، فذلك قوله تبارك وتعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ، وهي غزوة بدر الصغرى.

8249 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه= وزاد فيه: وهي بدر الصغرى= قال ابن جريج: لما عبَّى النبي صلى الله عليه وسلم لموعد أبي سفيان، (86) فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش، فيقولون: " قد جمعوا لكم "!

يكيدونهم بذلك، يريدون أن يَرْعَبوهم، فيقول المؤمنون: " حسبنا الله ونعم الوكيل "، حتى قدموا بدرًا، فوجدوا أسواقها عافية لم ينازعهم فيها أحد.

(87) قال: وقدم رجل من المشركين وأخبر أهل مكة بخيل محمد عليه السلام، وقال في ذلك: (88) نَفَـرَتْ قَلُـوصيِ عَـنْ خُـيولِ مُحَمَّدِ وَعَجْـــوَةٍ مَنْثُـــورَةٍ كَــالعُنْجُدِ وَاتَّخَذَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِي * * * قال أبو جعفر: هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو: &; 7-412 &; قَــدْ نَفَــرَتْ مِـنْ رُفْقَتَـيْ مُحَـمَّدِ وَعَجْــوَةٍ مِــنْ يَــثْرِبٍ كَـالعُنْجُدِ (89) تَهْــوِي عَــلَى دِيـنِ أَبيهَـا الأتْلَـدِ قَــدْ جَـعَلَتْ مَـاءَ قُدَيْـدٍ مَوْعِـدِي (90) وَمَاءَ ضَجْنَانَ لَهَا ضُحَى الغَدِ (91) * * * 8250 - حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة قال: كانت بدر متجرًا في الجاهلية، فخرج ناس من المسلمين يريدونه، ولقيهم ناسٌ من المشركين فقالوا لهم: " إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم "!

فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ الأهبة للقتال وأهبة التجارة، وقالوا: " حسبنا الله ونعم الوكيل "!

فأتوهم فلم يلقوا أحدًا، فأنـزل الله عز وجل فيهم: " إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم "= قال ابن يحيى قال، عبد الرزاق قال، ابن عيينة: وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبدالله بن عمرو قال: هي كلمة إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، فقال: " حسبنا الله ونعم الوكيل ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: " إن الذي قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، كان في حال خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخروج من خرج معه في أثر أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش، مُنْصَرَفهم عن أحد إلى حمراء الأسد ".

لأن الله تعالى ذكره إنما مدح الذين وصفهم بقيلهم: " حسبنا الله ونعم الوكيل "، لما قيل لهم: " إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم "، بعد الذي قد كان نالهم من القروح والكلوم بقوله: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ، ولم تكن هذه الصفة إلا صفة من تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جرحى أصحابه بأحد إلى حمراء الأسد.

وأما الذين خرجوا معه إلى غزوة بدر الصغرى، (92) فإنه لم يكن فيهم جريح إلا جريح قد تقادم اندمال جرحه وبرأ كلمُه.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج إلى بدر الخرجة الثانية إليها، لموعد أبي سفيان الذي كان واعده اللقاء بها، بعد سنة من غزوة أحد، في شعبان سنة أربع من الهجرة.

وذلك أن وقعة أحد كانت في النصف من شوال من سنة ثلاث، وخروج النبي صلى الله عليه وسلم لغزوة بدر الصغرى إليها في شعبان من سنة أربع، ولم يكن للنبيّ صلى الله عليه وسلم بين ذلك وقعة مع المشركين كانت بينهم فيها حرب جرح فيها أصحابه، ولكن قد كان قتل في وقعة الرَّجيع من أصحابه جماعة لم يشهد أحد منهم غزوة بدر الصغرى.

وكانت وقعة الرَّجيع فيما بين وقعة أحد وغزوة النبي صلى الله عليه وسلم بدرًا الصغرى.

* * * --------------- الهوامش : (65) انظر تفسير"حسب" فيما سلف 4: 244.

(66) العيبة: وعاء من أدم يكون في المتاع.

ثم أخذوا منه على المثل قولهم: "عيبة الرجل" ، أي موضع سره ، وفي الحديث: "الأنصار كرشى وعيبتي" أي: خاصتي وموضع سرى.

ويقال لأهل الرجل"هم عيبته" ، من ذلك.

(67) الصفقة: البيعة ، ثم استعملت في العهد والميثاق ، وفي الحديث: "إن أكبر الكبائر أن تقاتل أهل صفقتك" ، وذلك إذا أعطى الرجل عهده وميثاقه ثم يقاتله ، وأصل ذلك كله من الصفق باليد.

لأن المتعاهدين والمتبايعين ، يضع أحدهما يده في يد الآخر.

ومنه حديث ابن عمر: "أعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه".

فالصفقة المرة من التصفيق باليد.

(68) عافاه الله وأعفاه: وهب له العافية من العلل والبلايا.

وفي سيرة ابن هشام"عافاك فيهم" ، وهما سواء.

وقوله: "عافاك فيهم" ، أي: صانك مما نزل بأصحابك.

(69) في المطبوعة: "من حمراء الأسد" ، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري.

(70) في المطبوعة: "أصبنا في أحد أصحابه.

.

." ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة وسيرة ابن هشام والتاريخ.

وحد كل شيء: طرف شباته ، كحد السكين والسيف والسنان.

ومنه يقال: "حد الرجل" وهو بأسه ونفاذه في نجدته.

و"رجل ذو حد": أي بأس ماض.

وقوله: "أصبنا حد أصحابه" ، أي: كسرنا حدهم وثلمناه كما يثلم السيف ، فصاروا أضعف مما كانوا.

(71) يتحرق: يتلهب من الغيظ كمثل حريق النار.

(72) في المطبوعة: "فهم من الحنق عليكم بشيء لم أر مثله قط" ، غير ما في المخطوطة ، وهو الصواب الموافق لما في سيرة ابن هشام ، وتاريخ الطبري.

(73) هد البناء: ضعضعه وهدمه.

ومنه"هده الأمر" إذا بلغ منه فضعضعه وكسره وأوهنه.

يقول: كادت تنهار راحلته من الفزع.

و"الجرد" جمع أجرد: وهو القصير الشعر من الخيل ، وهو من علامات عتقها وكرمها.

و"الأبابيل" الجماعات المتفرقة ، واحدها"إبيل" (بكسر الهمزة وتشديد الباء المكسورة) ، وقيل غير ذلك ، وقيل: هو جمع لا واحد له.

وزعم معبد كثرة خيل المسلمين في مخرجهم إلى حمراء الأسد ، والذي في السير أن المسلمين كانوا في أحد ألفًا ، فيهم مئة دارع.

وفرسان: أحدهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والآخر لأبي بردة بن نيار.

(74) ردت الخيل تردى (على وزن جرى يجري): رجمت الأرض بحوافرها في سيرها أو عدوها.

و"التنابل" جمع تنبال وتنبالة (بكسر التاء) ، وهو القصير ، والقصر معيب ، لأن المقاتل القصير لا يطول باعه إذا قاتل بسيف أو رمح.

وفي المطبوعة"ولا ميل معازيل" ، كما في سيرة ابن هشام ، ولكن الذي أثبته هو رواية الطبري في التفسير ، وفي التاريخ.

و"الخرق" جمع.

خرق: وهو الأحمق الذي لا رفق له في عمل.

وأنا أرجح أنه أراد الصفة من قولهم: "خرق الظبي وغيره": إذا دهش وفزع ، فلصق بالأرض ولم يقدر على النهوض ، والصفة من ذلك"خرق" على وزن"فرح" ، ولكنه جمعه على باب"أفعل".

وأما"الميل" فهو جمع أميل: وهو الذي يميل على السرج في جانب ولا يستوي عليه ، لأنه لا يحسن الركوب ولا الفروسية.

و"المعازيل" جمع معزال: وهو الذي لا سلاح معه.

وأنا أرى أن"الأميل" ، هو الذي يميل عن عدوه من الخوف و"المعزال" ، الذي يعتزل المعركة من الفرق ، فلا يكاد يقاتل ، ولا ينجد من استغاث به.

(75) قوله: "فظلت عدوا" ، أي: فظللت أعدو عدوًا.

و"سما الرجل لعدوه": إذ أشرف له وقصد نحوه ، عاليًا عليه.

(76) "تغطمطت القدر": اشتد غليانها ، وبان صوتها كصوت اضطراب الأمواج.

و"البطحاء": مسيل الوادي ، فيه دقاق الحصى.

و"الخيل" ، ضبطه السهيلي في الروض الأنف (2: 144) بفتح الخاء وسكون الباء ، وقال: "قوله: بالخيل ، جعل الردف حرف لين ، والأبيات كلها مردفة الروى بحرف مد ولين.

وهذا هو السناد..

ونظيره قول ابن كلثوم: "ألا هبى بصحنك فاصبحينا" ثم قال: "تصفقها الرياح إذا جرينا".

وهو وجه صحيح مقارب.

وأما أبو ذر الخشني فقد ضبطه"الجيل" بكسر الجيم ، وقال: "الجيل: الصنف من الناس".

وهذا لا معنى له.

وهو في مطبوعة سيرة ابن هشام"الجيل" بالجيم ، وكذلك هو في تاريخ الطبري.

فلو صح أنها بالجيم ، فأنا أرى أنها جماعة الخيل ، وذلك أنهم قالوا: "الجول" (بضم الجيم) و"الجول" بفتحها: هي جماعة الخيل أو الإبل ، وقالوا أيضا: "الجول" بضم الجيم و"الجال" و"الجيل" ناحية البئر وجانبها.

فكأنه قاس هذا على هذا.

أو كأنه جمع جائل من قولهم: "جالت الخيل بفرسانها" إذا طافت وذهبت وجاءت ، جمعه كجمع: هائم وهيم ، على شذوذه.

فأما إذا كانت الرواية"الخيل" بكسر الخاء ، فهو جمع خائل أيضا كالذي سلف ، والخائل هو الحافظ للشيء الراعي له ، من خال المال يخوله: إذا ساسه وأحسن القيام عليه ، فهو خائل وخال.

يقال: "من خال هذا الفرس" ، أي صاحبها القائم بأمرها.

(77) قال أبو ذر الخشني: "البسل: الحرام.

وأراد بأهل البسل قريشًا ، لأنهم أهل مكة ، ومكة حرام".

وقوله: "ضاحية" أي علانية من"ضحا" أي برز ، والضاحية من كل شيء ما برز منه.

فهو إما مصدر على وزن"عافية" ، أو اسم فاعل قام مقامه.

و"الإربة" البصر بالأمور.

و"المعقول" مصدر كالمصادر التي جاءت على وزنه ، وهو العقل.

(78) "الوخش": رذالة الناس وسقاطهم وصغارهم.

و"القنابل" جمع قنبلة (بفتح القاف) وهي الطائفة من الناس والخيل.

(79) أسقطت المطبوعة: "وأصحابه" ، وهي ثابتة في التاريخ وفي المخطوطة ، وفعل الناشر ذلك ليوافق ما في سيرة ابن هشام.

(80) الأثر: 8243 - سيرة ابن هشام 3: 108- 110 ، وهو بقية الأثر السالف: 8233 ، وتاريخ الطبري 3: 28- 29.

(81) الأثر: 8244 - سيرة ابن هشام 3: 128 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها: 8235.

(82) "العير" (بكسر العين): القافلة من الإبل أو الحمير أو البغال ، تحمل عليها الميرة.

(83) "الحبال" جمع حبل: وهو العهد.

(84) في المطبوعة: "قالوا له" ، بحذف الفاء ، والصواب من المخطوطة.

(85) في المطبوعة: "ولم يزده ذلك" بالواو ، والصواب من المخطوطة.

(86) في المطبوعة: "لما عمد النبي.

.

." ، وفي المخطوطة"لما عبد" ، ورجحت أن صحة قراءتها ما أثبت."عبى الجيش تعبئة": هيأه وأصلح أمره وجمعه ، مثل"عبأه".

ورجحت ذلك ، لأن معناه وارد في الآثار الأخرى.

(87) قوله: "أسواقهم عافية" ، أي وافرة ، من قولهم: "أرض عافية": لم يرع أحد نبتها ، فوفر نبتها وكثر.

يعني أن الأسواق لم يحضرها أحد يزاحمهم في تجارتها.

وانظر الأثر الآتي رقم: 8252.

(88) هو معبد بن أبي معبد الخزاعي ، كما روى ابن هشام في سيرته 3: 220 ، 221 ، والطبري في تاريخه 3: 41.

(89) سيرة ابن هشام 2: 220 ، 221 ، وتاريخ الطبري 3: 41 ، ومعجم ما استعجم: 856 ، 857.

وقوله: "رفقتي محمد" بالتثنية ، يعنى المهاجرين والأنصار.

و"العجوة" ضرب من أجود التمر بالمدينة ، ونخلته هي"اللينة" المذكورة في قوله تعالى: "ما قطعتم من لينة" ، في سورة الحشر.

و"يثرب" مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

و"العنجد": الزبيب الأسود.

(90) تهوي: تسرع ، هوت الناقة تهوى: أسرعت إسراعًا.

والدين: الدأب والعادة.

و"الأتلد" الأقدم ، من التليد ، وهو القديم.

و"قديد": موضع ماء بين مكة والمدينة.

(91) و"ضجنان" (بفتح أوله وسكون الجيم): وهو جبل على طريق المدينة من مكة ، بينه وبين قديد ليلة ، كما بينه هذا الشعر.

قاله أبو عبيد البكرى في معجم ما استعجم.

(92) في المطبوعة: "وأما قول الذين خرجوا معه" ، وهي زيادة فاسدة ، وليست في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيلاختلف فقال مجاهد ومقاتل وعكرمة والكلبي : هو نعيم بن مسعود الأشجعي .

واللفظ عام ومعناه خاص ; كقوله : أم يحسدون الناس يعني محمدا - صلى الله عليه وسلم - .

السدي : هو أعرابي جعل له جعل على ذلك .

وقال ابن إسحاق وجماعة : يريد بالناس ركب عبد القيس ، مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليثبطوهم .

وقيل : الناس هنا المنافقون .

قال السدي : لما تجهز النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه للمسير إلى بدر الصغرى لميعاد أبي سفيان أتاهم المنافقون وقالوا : نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتمونا ، وقد قاتلوكم في دياركم وظفروا ; فإن أتيتموهم في ديارهم فلا يرجع منكم [ ص: 263 ] أحد .

فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل .

وقال أبو معشر : دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة ، فسألهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أبي سفيان فقالوا : قد جمعوا لكم جموعا كثيرة فاخشوهم أي فخافوهم واحذروهم ; فإنه لا طاقة لكم بهم .

فالناس على هذه الأقوال على بابه من الجمع ، والله أعلم .قوله تعالى : فزادهم إيمانا أي فزادهم قول الناس إيمانا ، أي تصديقا ويقينا في دينهم ، وإقامة على نصرتهم ، وقوة وجراءة واستعدادا .

فزيادة الإيمان على هذا هي في الأعمال .

وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمان ونقصانه على أقوال .

والعقيدة في هذا على أن نفس الإيمان الذي هو تاج واحد ، وتصديق واحد بشيء ما ، إنما هو معنى فرد ، لا يدخل معه زيادة إذا حصل ، ولا يبقى منه شيء إذا زال ; فلم يبق إلا أن تكون الزيادة والنقصان في متعلقاته دون ذاته .

فذهب جمع من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمال الصادرة عنه ، لا سيما أن كثيرا من العلماء يوقعون اسم الإيمان على الطاعات ; لقوله - صلى الله عليه وسلم - : الإيمان بضع وسبعون بابا فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق أخرجه الترمذي ، وزاد مسلم ( والحياء شعبة من الإيمان ) وفي حديث علي - رضي الله عنه - : إن الإيمان ليبدو لمظة بيضاء في القلب ، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة .

وقوله " لمظة " قال الأصمعي : اللمظة مثل النكتة ونحوها من البياض ; ومنه قيل : فرس ألمظ ، إذا كان بجحفلته شيء من بياض .

والمحدثون يقولون " لمظة " بالفتح .

وأما كلام العرب فبالضم ; مثل شبهة ودهمة وخمرة .

وفيه حجة على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد وينقص .

ألا تراه يقول : كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة حتى يبيض القلب كله .

وكذلك النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب كلما ازداد النفاق اسود القلب حتى يسود القلب كله .

ومنهم من قال : إن الإيمان عرض ، وهو لا يثبت زمانين ; فهو للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللصلحاء متعاقب ، فيزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن ، وباعتبار دوام حضوره .

وينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن .

أشار إلى هذا أبو المعالي .

وهذا المعنى موجود في حديث الشفاعة ، حديث أبي سعيد الخدري أخرجه مسلم .

وفيه : ( فيقول المؤمنون يا ربنا إخواننا كانوا يصومون ويصلون ويحجون فقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف [ ص: 264 ] ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ) وذكر الحديث .

وقد قيل : إن المراد بالإيمان في هذا الحديث أعمال القلوب ; كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك .

وسماها إيمانا لكونها في محل الإيمان أو عني بالإيمان ، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره ، أو كان منه بسبب .

دليل هذا التأويل قول الشافعي بعد إخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير : ( لم نذر فيها خيرا ) مع أنه تعالى يخرج بعد ذلك جموعا كثيرة ممن يقول لا إله إلا الله ، وهم مؤمنون قطعا ; ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم .

ثم إن عدم الوجود الأول الذي يركب عليه المثل لم تكن زيادة ولا نقصان .

وقدر ذلك في الحركة .

فإن الله سبحانه إذا خلق علما فردا وخلق معه مثله أو أمثاله بمعلومات فقد زاد علمه ; فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص ، أي زالت الزيادة .

وكذلك إذا خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها .

وذهب قوم من العلماء إلى أن زيادة الإيمان ونقصه إنما هو طريق الأدلة ، فتزيد الأدلة عند واحد فيقال في ذلك : إنها زيادة في الإيمان ; وبهذا المعنى - على أحد الأقوال - فضل الأنبياء على الخلق ، فإنهم علموه من وجوه كثيرة ، أكثر من الوجوه التي علمه الخلق بها .

وهذا القول خارج عن مقتضى الآية ; إذ لا يتصور أن تكون الزيادة فيها من جهة الأدلة .

وذهب قوم : إلى أن الزيادة في الإيمان إنما هي بنزول الفرائض والأخبار في مدة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي المعرفة بها بعد الجهل غابر الدهر .

وهذا إنما هو زيادة إيمان ; فالقول فيه إن الإيمان يزيد قول مجازي ، ولا يتصور فيه النقص على هذا الحد ، وإنما يتصور بالإضافة إلى من علم .

فاعلم .قوله تعالى : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل أي كافينا الله .

وحسب مأخوذ من الإحساب ، وهو الكفاية .

قال الشاعر :فتملأ بيتنا إقطا وسمنا وحسبك من غنى شبع وريروى البخاري عن ابن عباس قال في قوله تعالى : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم - إلى قوله : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم الخليل عليه السلام [ ص: 265 ] حين ألقي في النار .

وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وجاءهم من جاءهم وقال لهم: { إن الناس قد جمعوا لكم } وهموا باستئصالكم، تخويفا لهم وترهيبا، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله واتكالا عليه.

{ وقالوا حسبنا الله } أي: كافينا كل ما أهمنا { ونعم الوكيل } المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين قال لهم الناس ) ومحل " الذين " خفض أيضا مردود على الذين الأول وأراد بالناس : نعيم بن مسعود ، في قول مجاهد وعكرمة فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله تعالى : ( أم يحسدون الناس ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم وحده وقال محمد بن إسحاق وجماعة : أراد بالناس الركب من عبد القيس ، ( إن الناس قد جمعوا لكم ) يعني أبا سفيان وأصحابه ، ( فاخشوهم ) فخافوهم واحذروهم فإنه لا طاقة لكم بهم ، ( فزادهم إيمانا ) تصديقا ويقينا وقوة ( وقالوا حسبنا الله ) أي : كافينا الله ، ( ونعم الوكيل ) أي : الموكول إليه الأمور فعيل بمعنى مفعول .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن يونس ، أخبرنا أبو بكر ، عن أبي حصين ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا : ( إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين» بدل من الذين قبله أو نعت «قال لهم الناس» أي نعيم بن مسعود الأشجعي «إن الناس» أبا سفيان وأصحابه «قد جمعوا لكم» الجموع ليستأصلوكم «فاخشوهم» ولا تأتوهم «فزادهم» ذلك القول «إيمانا» تصديقا بالله ويقينا «وقالوا حسبنا الله» كافينا أمرهم «ونعم الوكيل» المفوَّض إليه الأمر هو، وخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فوافوا سوق بدر وألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان وأصحابه فلم يأتوا وكان معهم تجارات فباعوا وربحوا قال الله تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهم الذين قال لهم بعض المشركين: إن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا أمرهم على الرجوع إليكم لاستئصالكم، فاحذروهم واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، فزادهم ذلك التخويف يقينًا وتصديقًا بوعد الله لهم، ولم يَثْنِهم ذلك عن عزمهم، فساروا إلى حيث شاء الله، وقالوا: حسبنا الله أي: كافينا، ونِعْم الوكيل المفوَّض إليه تدبير عباده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدحهم - سبحانه - على ثباتهم وشجاعتهم وحسن اعتمادهم على خالقهم - عز وجل - ، بعد أن مدحهم قبل ذلك على حسن استجابتهم لله ولرسوله فقال - تعالى - : { الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل } .قال الفخر الرازى ما ملخصه : نزلت هذه الآية فى غزوة بدر الصغرى ، وذلك أن أبا سفيان لما عزم على الانصراف إلى مكة فى أعقاب غزوة أحد نادى : يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرة فنقتتل بها إن شئت .

فقال النبى صلى الله عليه وسلم لعمر : قل له بيننا وبينك ذلك إن شاء الله .فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران ، فألقى الله الرعب فى قلبه ، فبدا له أن يرجع .

فلقى نعيم بن مسعود وقد قدم معتمرا فقال له : يا نعيم : إنى وعدت محمداً أن نلتقى بموسم بدر .

وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ، ونشرب فيه اللبن .

وقد بدا لى أن أرجع .

ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة علينا ، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندى عشرة من الإبل .فخرج نعيم إلى المدينة فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم : ما هذا بالرأى .أتوكم فى دياركم وقتلوا أكثركم فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد .فوقع هذا الكلام فى قلوب قوم منهم .

فلما رأى النبى صلى الله عليه وسلم ذلك قال " والذى نفسى بيده لأخرجن إليهم ولو وحدى " .ثم خرج صلى الله عليه وسلم فى جمع من أصحابه ، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى - وهى ماء لبنى كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام - ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين .ووافقوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدما وزبيباً .

وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين .أما أبو سفيان ومن معه فقد عادوا إلى مكة بعد أن وصلوا إلى مر الظهران .

.

.وقيل إن الذين قابلهم أبو سفيان عند خروجه من مكة جماعة من بنى عبد القيس ، وقد قال لهم ما قاله لنعيم بن مسعود عندما أزمع العودة إلى مكة بعد أن قذف الله الرعب فى قلبه من لقاء المسلمين .وعلى أية حال ففى سبب نزول هذه الآية والتى قبلها أقوال أخرى للمفسرين اكتفينا بما ذكرناه خشية الإطالة .وقوله { الذين قَالَ لَهُمُ الناس } بدل من قوله { الذين استجابوا للَّهِ والرسول } أو صفة له .

أو فى محل نصب على المدح أى مدح الذين قال لهم الناس .

.

.

الخ .والمراد فى الموصول فى الآيتين طائفة واحدة من المؤمنين وهم الذين لم تمنعهم الجراح عن الخروج للقتال ، ولم يرهبهم قول من قال لهم بعد ذلك إن الناس قد جمعوا لكم .والمراد من الناس الأول وهو قوله { الذين قَالَ لَهُمُ الناس } جماعة بنى عبد القيس أو نعيم بن مسعود .قال صاحب الكشاف : فإن قلت كيف قيل " الناس " إن كان نعيم هو المثبتط وحده؟

قلت : قيل ذلك؛ لأنه من جنس الناس كما يقال : فلان يركب الخيل ، ويلبس البرد وماله إلا فرس واحد وبرد فرد .

أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه ، ويصلون جناح كلامه ، ويثبطون مثل تثبيطه .والمراد من الناس الثانى وهو قوله : { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم } أبو سفيان ومن معه .

فأل فيهما للعهد ، والناس الثانى غير الأول .وقوله - تعالى - حكاية عن هؤلاء المثبطين : { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم } أى إن أعداءكم المشركين قد جمعوا لكم جموعا كثيرة ليستأصلوكم ، فاخشوهم ولا تخرجوا لقتالهم .وحذف مفعول { جَمَعُواْ } فلم يقل : جمعوا جيشا كبيرا أو جمعوا أنفسهم وعددهم وأحلافهم وذلك ليذهب الخيال كل مذهب فى مقدار ما جمعوا من رجال وسلاح وأموال ، ولمن هذا القول الذى صدر من هؤلاء المثبطين ، لم يلتفت إليه المؤمنون الصادقون المخلصون فى جهادهم وفى اعتمادهم على خالقهم ، بل كانوا كما أخبر الله تعالى - عنهم { فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل } .أى أن هذا القول الذى قاله المثبطون ، زاد المؤمنين إيمانا على إيمانهم ، ويقينا على يقينهم ، وثباتا على ثباتهم ، وجعلهم يقولون للمرجفين بثقة واطمئنان : { حَسْبُنَا الله } أى كافينا الله أمر أعدائنا { وَنِعْمَ الوكيل } أى نعم النصير خالقنا - عز وجل - فهو الموكول إليه أمرنا ومصيرنا .وقولهم هذا يدل دلالة واحضة على قوة إيمانهم ، وشدة ثقتهم فى نصر الله - تعالى - لهم ، مهما كثر عدد أعدائهم ، ومهما تعددت مظاهر قوتهم .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف زادهم نعيم أو مقوله إيماناً؟

قلت : لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد ، وأظهروا حمية الإسلام ، كان ذلك أثبت ليقينهم ، وأقوى لاعتقادهم ، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج .

ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى جهة العدو طاعة عظيمة ، والطاعات من جملة الإيمان ، لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل .

وعن ابن عمر : قلنا يا رسول الله : إن الإيمان يزيد وينقص؟

قال : " نعم .

يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار " .

وعن عمر - رضى الله عنه - أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول : قم بنا نزداد إيمانا .

وعنه : " لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح به " .وقال ابن كثير : روى البخارى عن ابن عباس : قال : { حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل } قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقى به فى النار .

وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم " .وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا وقعتم فى الأمر العظيم فقولوا : " حسبنا الله ونعم الوكيل " " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل.

المسألة الأولى: هذه الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى، روى ابن عباس أن أبا سفيان لما عزم على أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى فنقتتل بها إن شئت، فقال عليه الصلاة والسلام لعمر: قل بيننا وبينك ذلك إن شاء الله تعالى، فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمر الظهران، وألقى الله تعالى الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم نعيم معتمرا، فقال: يا نعيم إني وعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاد بذلك جراءة، فاذهب إلى المدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الابل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقتلوا أكثرهم فان ذهبتم اليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم، فلما عرف الرسول عليه الصلاة والسلام ذلك قال: والذي نفس محمد بيده لأخرجن إليهم ولو وحدي ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه نحو من سبعين رجلا فيهم ابن مسعود، وذهبوا إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى، وهي ماء لبني كنانة، وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدا من المشركين، ووافقوا السوق، وكانت معهم نفقات وتجارات، فباعوا واشتروا أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق، وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق، فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية.

المسألة الثانية: في محل ﴿ الذين ﴾ وجوه: أحدها: أنه جر، صفة للمؤمنين بتقدير: والله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس.

الثاني: أنه بدل من قوله: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ الثالث: أنه رفع بالابتداء وخبره ﴿ فَزَادَهُمْ إيمانا ﴾ .

المسألة الثالثة: المراد بقوله: ﴿ الذين ﴾ من تقدم ذكرهم، وهم الذين استجابوا لله والرسول، وفي المراد بقوله: ﴿ قَالَ لَهُمُ الناس ﴾ وجوه: الأول: أن هذا القائل هو نعيم بن مسعود كما ذكرناه في سبب نزول هذه الآية، وإنما جاز إطلاق لفظ الناس على الإنسان الواحد، لأنه إذا قال الواحد قولا وله أتباع يقولون مثل قوله أو يرضون بقوله، حسن حينئذ إضافة ذلك الفعل إلى الكل، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا  ﴾ ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً  ﴾ وهم لم يفعلوا ذلك وإنما فعله أسلافهم، إلا أنه أضيف اليهم لمتابعتهم لهم على تصويبهم في تلك الأفعال فكذا هاهنا يجوز أن يضاف القول إلى الجماعة الراضين بقول ذلك الواحد.

الثاني: وهو قول ابن عباس، ومحمد بن إسحاق: أن ركبا من عبد القيس مروا بأبي سفيان، فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلا.

الثالث: قال السدي: هم المنافقون، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بعد لميعاد أبي سفيان: القوم قد أتوكم في دياركم، فقتلوا الأكثرين منكم، فان ذهبتهم إليهم لم يبق منكم أحد.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ المراد بالناس هو أبو سفيان وأصحابه ورؤساء عسكره، وقوله: ﴿ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ أي جمعوا لكم الجموع، فحذف المفعول لأن العرب تسمي الجيش جمعا ويجمعونه جموعا، وقوله: ﴿ فاخشوهم ﴾ أي فكونوا خائفين منهم، ثم انه تعالى أخبر أن المسلمين لما سمعوا هذا الكلام لم يلتفتوا اليه ولم يقيموا له وزنا، فقال تعالى: ﴿ فَزَادَهُمْ إيمانا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله: ﴿ فَزَادَهُمْ ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه قولان: الأول: عائد إلى الذين ذكروا هذه التخويفات.

والثاني: أنه عائد إلى نفس قولهم، والتقدير: فزادهم ذلك القول إيمانا، وإنما حسنت هذه الاضافة لأن هذه الزيادة في الايمان لما حصلت عند سماع هذا القول حسنت إضافتها إلى هذا القول وإلى هذا القائل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً  ﴾ المسألة الثانية: المراد بالزيادة في الايمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام المخوف لم يلتفتوا اليه، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار، وعلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به وينهى عنه ثقل ذلك أو خف، لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة، وكانوا محتاجين إلى المداواة، وحدث في قلوبهم وثوق بأن الله ينصرهم على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة، فهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿ فَزَادَهُمْ إيمانا ﴾ .

المسألة الثالثة: الذين يقولون إن الايمان عبارة لا عن التصديق بل عن الطاعات، وإنه يقبل الزيادة والنقصان، احتجوا بهذه الآية، فانه تعالى نص على وقوع الزيادة، والذين لا يقولون بهذا القول قالوا: الزيادة إنما وقعت في مراتب الايمان وفي شعائره، فصح القول بوقوع الزيادة في الايمان مجازا.

المسألة الرابعة: هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء الله وقدره، وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد، والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمين عن الآخر فانه يحصل في قلب الغالب قوة وشدة استيلاء، وفي قلب المغلوب انكسار وضعف، ثم انه سبحانه قلب القضية هاهنا، فأودع قلوب الغالبين وهم المشركون الخوف والرعب، وأودع قلوب المغلوبين القوة والحمية والصلابة، وذلك يدل على أن الدواعي والصوارف من الله تعالى، وإنها متى حدثت في القلوب وقعت الأفعال على وفقها.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل ﴾ والمراد أنهم كلما ازدادوا إيمانا في قلوبهم أظهروا ما يطابقه فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.

قال ابن الانباري: ﴿ حَسْبُنَا الله ﴾ أي كافينا الله، ومثله قول امرئ القيس: وحسبك من غنى شبع وري *** أي يكفيك الشبع والري، وأما (الوكيل) ففيه أقوال: أحدها: أنه الكفيل.

قال الشاعر: ذكرت أبا أروى فبت كأنني *** بَرِدِّ الأمور الماضيات وكيل اراد كأنني برد الأمور كفيل.

الثاني: قال الفراء: الوكيل: الكافي، والذي يدل على صحة هذا القول أن نعم سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقاً للذي قبلها، تقول: رازقنا الله ونعم الرازق، وخالقنا الله ونعم الخالق، وهذا أحسن من قول من يقول: خالقنا الله ونعم الرازق، فكذا هاهنا تقدير الآية: يكفينا الله ونعم الكافي.

الثالث: الوكيل، فعيل بمعنى مفعول، وهو الموكول اليه، والكافي والكفيل يجوز أن يسمى وكيلا، لأن الكافي يكون الأمر موكولا إليه، وكذا الكفيل يكون الأمر موكولا إليه.

ثم قال تعالى: ﴿ فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ ﴾ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج والمعنى: وخرجوا فانقلبوا، فحذف الخروج لأن الانقلاب يدل عليه، كقوله: ﴿ أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق  ﴾ أي فضرب فانفلق، وقوله: ﴿ بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ ﴾ قال مجاهد والسدي: النعمة هاهنا العافية، والفضل التجارة، وقيل: النعمة منافع الدنيا، والفضل ثواب الآخرة، وقوله: ﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء ﴾ لم يصبهم قتل ولا جراح في قول الجميع ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ في طاعة رسوله ﴿ والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا، وفي ذلك إلقاء الحسرة في قلوب المتخلفين عنهم وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم مما فاز به هؤلاء، وروي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم.

واعلم أن أهل المغازي اختلفوا، فذهب الواقدي إلى تخصيص الآية الأولى بواقعة حمراء الأسد، والآية الثانية ببدر الصغرى، ومنهم من يجعل الآيتين في وقعة بدر الصغرى، والأول أولى لأن قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح ﴾ كأنه يدل على قرب عهد بالقرح، فالمدح فيه أكثر من المدح على الخروج على العدو من وقت إصابة القرح لمسه، والقول الآخر أيضا محتمل.

والقرح على هذا القول يجب أن يفسر بالهزيمة، فكأنه قيل: إن الذين انهزموا ثم أحسنوا الأعمال بالتوبة واتقوا الله في سائر أمورهم، ثم استجابوا لله وللرسول عازمين على الثواب موطنين أنفسهم على لقاء العدو، بحيث لما بلغهم كثرة جموعهم لم يفتروا ولم يفشلوا، وتوكلوا على الله ورضوا به كافياً ومعيناً فلهم أجر عظيم لا يحجبهم عنه ما كان منهم من الهزيمة إذ كانوا قد تابوا عنها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذين استجابوا ﴾ مبتدأ خبره ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ أو صفة للمؤمنين، أو نصب على المدح.

روى: أنّ أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يرهبهم ويريهم من نفسه وأصحابه قوّة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال، وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا، فنزلت.

و (من) في ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ ﴾ للتبيين مثلها في قوله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً ﴾ [الفتح: 29] لأنّ الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا، لا بعضهم.

وعن عروة بن الزبير: قالت لي عائشة رضي الله عنها «إن أبويك لمن الذين استجابوا لله والرسول» تعني أبا بكر والزبير ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ﴾ روى أنّ أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد.

يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله؛ فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مر الظهران.

فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم، إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جراءة، فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشر من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي.

أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريداً، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد.

وقيل: مرّ بأبي سفيان ركب من عبد القيس يريدون المدينة للميرة فجعل لهم حمل بعير من زبيب إن ثبطوهم، فكره المسلمون الخروج.

فقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد، فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل» وقيل: هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار حتى وافوا بدراً وأقاموا بها ثماني ليال، وكانت معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيراً، ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.

ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق.

قالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق.

فالناس الأوّلون: المثبطون.

والآخرون: أبو سفيان وأصحابه.

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ الناس ﴾ إن كان نعيم هو المثبط وحده؟

قلت: قيل ذلك لأنه من جنس الناس، كما يقال: فلان يركب الخيل ويلبس البرود، وماله إلا فرس واحد وبرد فرد.

أو لأنه حين قال ذلك لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامونه، ويصلون جناح كلامه، ويثبطون مثل تثبيطه.

فإن قلت: إلام يرجع المستكن في ﴿ فَزَادَهُمْ ﴾ ؟

قلت: إلى المقول الذي هو ﴿ إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم ﴾ كأنه قيل: قالوا لهم هذا الكلام فزادهم إيماناً، أو إلى مصدر قالوا، كقولك: من صدق كان خيراً له.

أو إلى الناس إذا أريد به نعيم وحده.

فإن قلت: كيف زادهم نعيم أو مقوله إيماناً؟

قلت: لما لم يسمعوا قوله وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد وأظهروا حمية الإسلام، كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج؛ ولأن خروجهم على أثر تثبيطه إلى وجهة العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان؛ لأنّ الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل.

وعن ابن عمر: قلنا يا رسول الله إن الإيمان يزيد وينقص؟

قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة.

وينقص حتى يدخل صاحبه النار» وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان يأخذ بيد الرجل فيقول: قم بنا نزدد إيماناً.

وعنه: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمّة لرجح به» ﴿ حَسْبُنَا الله ﴾ محسبنا، أي كافينا.

يقال: أحسبه الشيء إذا كفاه والدليل على أنه بمعنى المحسب أنك تقول: هذا رجل حسبك، فتصف به النكرة؛ لأنّ إضافته لكونه في معنى اسم الفاعل غير حقيقة ﴿ وَنِعْمَ الوكيل ﴾ ونعم الموكول إليه هو ﴿ فانقلبوا ﴾ فرجعوا من بدر ﴿ بِنِعْمَةٍ مّنَ الله ﴾ وهي السلامة وحذر العدوّ منهم ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح في التجارة، كقوله ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ ﴾ [البقرة: 198] .

﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ لم يلقوا ما يسوءهم من كيد عدوّ ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ بجرأتهم وخروجهم ﴿ والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا.

وفي ذلك تحسير لمن تخلف عنهم، وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم ما فاز به هؤلاء.

وروي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ ﴾ يَعْنِي الرَّكْبُ الَّذِينَ اسْتَقْبَلُوهم مِن عَبْدِ قَيْسٍ أوْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وأُطْلِقَ عَلَيْهِ النّاسُ لِأنَّهُ مِن جِنْسِهِمْ كَما يُقالُ فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ وما لَهُ إلّا فَرَسٌ واحِدٌ لِأنَّهُ انْضَمَّ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المَدِينَةِ وأذاعُوا كَلامَهُ.

﴿ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ ﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ.

رُوِيَ: «أنَّهُ نادى عِنْدَ انْصِرافِهِ مِن أُحُدٍ: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُنا مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا كانَ القابِلُ خَرَجَ في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ وبَدا لَهُ أنْ يَرْجِعَ، فَمَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِن عَبْدِ قَيْسٍ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ فَشَرَطَ لَهم حِمْلَ بَعِيرٍ مِن زَبِيبٍ أنْ ثَبَّطُوا المُسْلِمِينَ.» وَقِيلَ: «لَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَسَألَهُ ذَلِكَ والتَزَمَ لَهُ عَشْرًا مِنَ الإبِلِ، فَخَرَجَ نُعَيْمٌ فَوَجَدَ المُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ فَقالَ لَهم أتَوْكم في دِيارِكم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا شَرِيدٌ أفَتَرَوْنَ أنْ تَخْرُجُوا وقَدْ جَمَعُوا لَكم فَفَتِرُوا، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ فَخَرَجَ في سَبْعِينَ راكِبًا وهم يَقُولُونَ حَسْبُنا اللَّهُ.» ﴿ فَزادَهم إيمانًا ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلْمَقُولِ أوْ لِمَصْدَرٍ قالَ أوْ لِفاعِلِهِ أنْ أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ، والبارِزُ لِلْمَقُولِ لَهم والمَعْنى: إنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ ولَمْ يَضْعُفُوا بَلْ ثَبَتَ بِهِ يَقِينُهم بِاللَّهِ وازْدادَ إيمانُهم وأظْهَرُوا حَمِيَّةَ الإسْلامِ وأخْلَصُوا النِّيَّةَ عِنْدَهُ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: « (قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ، قالَ: نَعَمْ يَزِيدُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ الجَنَّةَ ويَنْقُصُ حَتّى يُدْخِلَ صاحِبَهُ النّارَ.» وَهَذا ظاهِرٌ إنْ جَعَلَ الطّاعَةَ مِن جُمْلَةِ الإيمانِ وكَذا إنْ لَمْ تُجْعَلْ فَإنَّ اليَقِينَ يَزْدادُ بِالإلْفِ وكَثْرَةِ التَّأمُّلِ وتَناصُرِ الحُجَجِ.

﴿ وَقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ مُحْسِبُنا وكافِينا، مِن أحْسَبَهُ إذا كَفاهُ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المُحْسِبِ إنَّهُ لا يَسْتَفِيدُ بِالإضافَةِ تَعْرِيفًا في قَوْلِكَ هَذا رَجُلٌ حَسْبُكَ.

﴿ وَنِعْمَ الوَكِيلُ ﴾ ونِعْمَ المَوْكُولُ إلَيْهِ هو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين قَالَ لَهُمُ الناس} بدل من الذين استجابوا {إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} روي أن أبا سفيان نادى عند انصرافه من أحد يا محمد موعدنا موسم بدر القابل فقال عليه السلام إن شاء الله فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة فألقى الله الرعب فى قلبه فبداله أن يرجع فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر وقد بدا لي أن أرجع فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم أتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم فوالله لا يفلت منكم أحد فقال عليه السلام والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون حسبنا الله ونعم الوكيل حتى وافوا بدرا وأقاموا بها ثمان ليال وكانت معهم تجارة فباعوها وأصابوا خيراً ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين ولم يكن قتال ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا إنما خرجتم لتأكلوا السوق فالناس الأول نعيم وهو جمع أريد به الواحد أو كان له أتباع يثبطون مثل تثبيطه والثاني أبو سفيان وأصحابه {فاخشوهم} فخافوهم {فَزَادَهُمُ} أي المقول الذي هو إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم أو القول أو نعيم {إيمانا} بصيرة وإيقاناً {وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله} كافينا الله أي الذي يكفينا الله يقال أحسبه الشئ إذا كفاه وهو بمعنى المحسب بدليل أنك تقول هذا رجل حسبك فتصف به النكرة

لأن اضافته غير حقيقة لكونه في معنى اسم الفاعل {وَنِعْمَ الوكيل} ونعم الموكول إليه هو

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ ﴾ بَدَلٌ مِنَ ( ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ ) أوْ صِفَةٌ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ: الأوَّلُ: رَكْبُ عَبْدِ قَيْسٍ، ومِنَ الثّانِي: أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، فَألْ فِيهِما لِلْعَهْدِ، والنّاسُ الثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ.

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ وغَيْرِهِمْ أنَّهم قالُوا: والخَبَرُ مُتَداخِلٌ، «نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى، وذَلِكَ أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أرادَ أنْ يَنْصَرِفَ: يا مُحَمَّدُ مَوْعِدُ ما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ القابِلُ إنْ شِئْتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا كانَ العامُ المُقْبِلُ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ في أهْلِ مَكَّةَ حَتّى نَزَلَ مَجَنَّةَ مِن ناحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرانِ، وقِيلَ: بَلَغَ عُسْفانَ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الرُّعْبَ فَبَدا لَهُ الرُّجُوعُ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيَّ وقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَقالَ لَهُ أبُو سُفْيانَ: إنِّي واعَدْتُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ أنَّ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ، وإنَّ هَذِهِ عامُ جَدْبٍ، ولا يَصْلُحُنا إلّا عامٌ نَرْعى فِيهِ الشَّجَرَ ونَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وقَدْ بَدا لِي، وأكْرَهُ أنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ ولا أخْرُجُ أنا فَيَزِيدُهم ذَلِكَ جُرْأةً، فالحَقِ المَدِينَةَ فَتُثَبِّطُهم ولَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الإبِلِ أضَعُها عَلى يَدَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَأتى نُعَيْمٌ المَدِينَةَ فَوَجَدَ النّاسَ يَتَجَهَّزُونَ لِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ فَقالَ لَهم: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأْيُكم أتَوْكم في دِيارِكم وقَرارِكم فَلَمْ يُفْلِتْ مِنكم إلّا شَرِيدٌ، فَتُرِيدُونَ أنْ تَخْرُجُوا إلَيْهِمْ وقَدْ جَمَعُوا لَكم عِنْدَ المَوْسِمِ، فَواللَّهِ لا يُفْلِتُ مِنكم أحَدٌ، فَكَرِهَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الخُرُوجَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ وحْدِي، فَخَرَجَ ومَعَهُ سَبْعُونَ راكِبًا يَقُولُونَ: (حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ) حَتّى وافى بَدْرًا فَأقامَ بِها ثَمانِيَةَ أيّامٍ يَنْتَظِرُ أبا سُفْيانَ، وقَدِ انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِن مَجَنَّةَ إلى مَكَّةَ فَسَمّاهم أهْلُ مَكَّةَ جَيْشَ السَّوِيقِ يُرِيدُونَ أنَّكم لَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا سِوى شُرْبِ السَّوِيقِ، ولَمْ يَلْقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ فَكَرَّ راجِعًا إلى المَدِينَةِ»، وفي ذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ أوْ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: وعَدْنا أبا سُفْيانَ وعْدًا فَلَمْ نَجِدْ لِمِيعادِهِ صِدْقًا وما كانَ وافِيا فَأُقْسِمُ لَوْ وافَيْتَنا فَلَقِيتَنا ∗∗∗ لَأُبْتَ ذَمِيمًا وافْتَقَدْتَ المَوالِيا تَرَكْنا بِهِ أوْصالَ عُتْبَةَ وابْنَهُ ∗∗∗ وعَمْرًا أبا جَهْلٍ تَرَكْناهُ ثاوِيا عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ أُفٍّ لِدِينِكم ∗∗∗ وأمْرِكُمُ الشَّيْءَ الَّذِي كانَ غاوِيا وإنِّي وإنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقائِلٌ ∗∗∗ فِدًى لِرَسُولِ اللَّهِ أهْلِي ومالِيا أطَعْناهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينا بِغَيْرِهِ ∗∗∗ شِهابًا لَنا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هادِيا فَعَلى هَذا المُرادُ مِنَ النّاسِ الأوَّلُ نُعَيْمٌ، وأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَما يُطْلَقُ الجَمْعُ واسْمُ الجَمْعِ المُحَلّى بِألِ الجِنْسِيَّةِ عَلى الواحِدِ مِنهُ مَجازًا كَما صَرَّحُوا بِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ المُذِيعِينَ لَهُ كالقائِلِينَ لَهم لَكِنْ في كَوْنِ القائِلِ نُعَيْمًا مَقالٌ.

وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ القائِلِينَ أُناسٌ مِن عَبْدِ قَيْسٍ.

﴿ فَزادَهم إيمانًا ﴾ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلْمَقُولِ أوْ لِمَصْدَرٍ قالَ: أوْ لِفاعِلِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ نُعَيْمٌ وحْدَهُ، أوْ لِلَّهِ تَعالى، وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ الأوَّلَ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَزِيدُ إيمانًا إلّا النُّطْقُ بِهِ لا هو في نَفْسِهِ، وكَذا الثّالِثُ بِأنَّهُ إذا أُطْلِقَ عَلى المُفْرَدِ لَفْظُ الجَمْعِ مَجازًا فَإنَّ الضَّمائِرَ تَجْرِي عَلى ذَلِكَ الجَمْعِ لا عَلى المُفْرَدِ فَيُقالُ: مَفارِقُهُ شابَتْ، بِاعْتِبارِ الإخْبارِ عَنِ الجَمْعِ، ولا يَجُوزُ: مَفارِقُهُ شابَ، بِاعْتِبارِ مَفْرِقُهُ شابَ، وفي كِلا التَّعْقِيبَيْنِ نَظَرٌ، أمّا الأوَّلُ فَقَدْ نَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ بِأنَّ المَقُولَ هو الَّذِي في الحَقِيقَةِ حَصَلَ بِهِ زِيادَةُ الإيمانِ، وأمّا الثّانِي فَقَدْ نَظَرَ فِيهِ السَّفاقُسِيُّ بِأنَّهُ لا يَبْعُدُ جَوازُهُ بِناءً عَلى ما عُلِمَ مِنِ اسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ فِيما لَهُ لَفْظٌ ولَهُ مَعْنًى مِنِ اعْتِبارِ اللَّفْظِ تارَةً والمَعْنى أُخْرى.

والمُرادُ أنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ذَلِكَ بَلْ ثَبَتَ بِهِ يَقِينُهم بِاللَّهِ تَعالى، وازْدادُوا طُمَأْنِينَةً وأظْهَرُوا حَمِيَّةَ الإسْلامِ.

واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ: إنَّ الإيمانَ يَتَفاوَتُ زِيادَةً ونُقْصانًا، وهَذا ظاهِرٌ إنْ جُعِلَتِ الطّاعَةُ مِن جُمْلَةِ الإيمانِ، وأمّا إنْ جُعِلَ الإيمانُ نَفْسَ التَّصْدِيقِ والِاعْتِقادِ فَقَدْ قالُوا في ذَلِكَ: إنَّ اليَقِينَ مِمّا يَزْدادُ بِالأُلْفِ وكَثْرَةِ التَّأمُّلِ وتَناصُرِ الحُجَجِ بِلا رَيْبٍ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، ومَن جَعَلَ الإيمانَ نَفْسَ التَّصْدِيقِ وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ قابِلًا لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ يُؤَوِّلُ ما ورَدَ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ المُتَعَلِّقِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ زِيادَتَهُ مَجازٌ عَنْ زِيادَةِ ثَمَرَتِهِ وظُهُورِ آثارِهِ وإشْراقِ نُورِهِ وضِيائِهِ في القَلْبِ، ونُقْصانُهُ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، وكَأنَّ الزِّيادَةَ هُنا مَجازٌ عَنْ ظُهُورِ الحَمِيَّةِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِما يُثَبِّطُهم، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّأْوِيلَ الأوَّلَ هُنا خَفِيٌّ جِدًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لِلْقَوْمِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عِنْدَ ذَلِكَ القَوْلِ شَيْءٌ يَجِبُ الإيمانُ بِهِ كَوُجُوبِ صَلاةٍ أوْ صَوْمٍ مَثَلًا لِيُقالَ: إنَّ زِيادَةَ إيمانِهِمْ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ المُتَعَلِّقِ، وكَذا التِزامُ التَّأْوِيلِ الثّانِي في الآياتِ والآثارِ الَّتِي لَمْ تَكَدْ تَتَمَنطَقُ بِمِنطَقَةِ الحَصْرِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ.

فالأوْلى القَوْلُ بِقَبُولِ الإيمانِ الزِّيادَةَ والنُّقْصانَ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ نَفْسُ التَّصْدِيقِ، وكَوْنُهُ إذا نَقَصَ يَكُونُ ظَنًّا أوْ شَكًّا، ويَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ إيمانًا وتَصْدِيقًا مِمّا لا ظَنَّ ولا شَكَّ في أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ مَمْنُوعٌ.

نَعَمْ قَدْ يَكُونُ التَّصْدِيقُ بِمَرْتَبَةٍ إذا نَزَلَ عَنْها يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ تَصْدِيقًا، وذاكَ مِمّا لا نِزاعَ لِأحَدٍ في أنَّهُ لا يَقْبَلُ النُّقْصانَ مَعَ بَقاءِ كَوْنِهِ تَصْدِيقًا، وإلى هَذا أشارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

﴿ وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ أيْ مُحْسِبُنا وكافِينا مِن أحْسَبَهُ إذا كَفاهُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ حَسْبَ بِمَعْنى مُحْسِبٌ اسْمُ فاعِلٍ وُقُوعُهُ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ في هَذا رَجُلٌ حَسْبُكَ مَعَ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ، فَلَوْلا أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ وإضافَتُهُ لَفْظِيَّةٌ لا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا كَإضافَةِ المَصْدَرِ ما صَحَّ كَوْنُهُ صِفَةً لِرَجُلٍ كَذا قالُوا، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ بِاسْمِ الفاعِلِ لَهُ حُكْمُهُ في الإضافَةِ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.

﴿ ونِعْمَ الوَكِيلُ ﴾ (172) أيِ المَوْكُولُ إلَيْهِ فَفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرُهُ تَعالى، والظّاهِرُ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها، والواوُ إمّا مِنَ الحِكايَةِ أوْ مِنَ المَحْكِيِّ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ وقُلْنا: بِجَوازِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ لِكَوْنِهِما حِينَئِذٍ في حُكْمِ المُفْرَدَيْنِ، فَأمْرُ العَطْفِ ظاهِرٌ مِن غَيْرِ تَكَلُّفِ التَّأْوِيلِ لِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَ عَلَيْها في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ.

(قالُوا) لَكِنَّ القَوْلَ بِجَوازِ هَذا العَطْفِ بِدُونِ التَّأْوِيلِ عِنْدَ الجُمْهُورِ مَمْنُوعٌ لا بُدَّ لَهُ مِن شاهِدٍ ولَمْ يَثْبُتْ.

وإنْ كانَ الثّانِي وقُلْنا بِجَوازِ عِطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ مُطْلَقًا - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الصَّفّارُ - أوْ قُلْنا: بِجَوازِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ أعْنِي عَطْفَ حاصِلِ مَضْمُونِ إحْدى الجُمْلَتَيْنِ عَلى حاصِلِ مَضْمُونِ الأُخْرى مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى اللَّفْظِ - كَما أشارَ إلى ذَلِكَ العَلّامَةُ الثّانِي - فالأمْرُ أيْضًا ظاهِرٌ، وإنْ قُلْنا: بِعَدَمِ جَوازِ ذَلِكَ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ إمّا في جانِبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أوْ في جانِبِ المَعْطُوفِ، والذّاهِبُونَ إلى الأوَّلِ قالُوا: إنَّ الجُمْلَةَ الأُولى وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً صُورَةٌ، لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنها إنْشاءُ التَّوَكُّلِ أوِ الكِفايَةُ لا الإخْبارُ بِأنَّهُ تَعالى كافٍ في نَفْسِ الأمْرِ، والذّاهِبُونَ إلى الثّانِي اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قَدَّرَ قُلْنا أيْ - وقُلْنا نِعْمَ الوَكِيلُ -.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ تَقْدِيرٌ لا يَنْساقُ الذِّهْنُ إلَيْهِ، ولا دَلالَةَ لِلْقَرِينَةِ عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ لا يُوجَدُ بَيْنَ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى كافِيهِمْ والإخْبارِ بِأنَّهم قالُوا - نِعْمَ الوَكِيلُ - مُناسَبَةٌ مُعْتَدٌّ بِها يَحْسُنُ بِسَبَبِها العَطْفُ بَيْنَهُما، ومِنهم مَن جَعَلَ مَدْخُولَ الواوِ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ إمّا مُؤَخَّرًا لِتَناسُبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ (حَسْبُنا) خَبَرٌ، و(اللَّهُ) مُبْتَدَأٌ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ومَجِيءِ حَذْفِهِ في الِاسْتِعْمالِ وانْتِقالِ الذِّهْنِ إلَيْهِ، وإمّا مُقَدَّمًا رِعايَةً لِقُرْبِ المَرْجِعِ مَعَ ما سَبَقَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّهُ بَعْدَ تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ لَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ - نِعْمَ الوَكِيلُ - بِمَقُولٍ في حَقِّهِ ذَلِكَ تَكُونُ الجُمْلَةُ أيْضًا إنْشائِيَّةً، إذِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الَّتِي خَبَرُها إنْشاءٌ إنْشائِيَّةٌ كَما أنَّ الَّتِي خَبَرُها فِعْلٌ فِعْلِيَّةٌ بِحَسَبِ المَعْنى، كَيْفَ لا ولا فَرْقَ بَيْنَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وزَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلِ، في أنَّ مَدْلُولَ كُلٍّ مِنهُما نِسْبَةٌ غَيْرُ مُحْتَمِلَةٍ لِلصِّدْقِ والكَذِبِ، وبَعْدَ التَّأْوِيلِ لا يَكُونُ المَعْطُوفُ جُمْلَةَ (نِعْمَ الوَكِيلِ)، بَلْ جُمْلَةَ مُتَعَلِّقِ خَبَرِها (نِعْمَ الوَكِيلُ) والإشْكالُ إنَّما هو في عَطْفِ (نِعْمَ الوَكِيلُ) إلّا أنْ يُقالَ يُخْتارُ هَذا، ويُقالُ: الجَوابُ عَنْ شَيْءٍ قَدْ يَكُونُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وإبْداءِ شَيْءٍ آخَرَ، وقَدْ يَكُونُ بِتَغْيِيرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وما هَهُنا مِنَ الثّانِي، فَمِن حَيْثُ الظّاهِرُ المَعْطُوفُ هو جُمْلَةُ (نِعْمَ الوَكِيلُ) فَيَعُودُ الإشْكالُ، ومِن حَيْثُ الحَقِيقَةُ هو جُمْلَةُ هو مَقُولٌ، فَلا إشْكالَ، لَكِنْ يُرَدُّ أنَّهُ بَعْدَ التَّأْوِيلِ يَفُوتُ إنْشاءُ المَدْحِ العامِّ الَّذِي وُضِعَ أفْعالُ المَدْحِ لَهُ، بَلْ يَصِيرُ لِلْإخْبارِ بِالمَدْحِ الخاصِّ، وهو أنَّهُ مَقُولٌ في حَقِّهِ (نِعْمَ الوَكِيلُ) وأيْضًا مَقُولِيَّةُ المَقُولِ المَذْكُورِ فِيهِ إنَّما تَكُونُ بِطَرِيقِ الحَمْلِ والإخْبارِ عَنْهُ بِنِعَمَ الوَكِيلِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَقُولٍ في حَقِّهِ مَرَّةً أُخْرى، ويَلْزَمُ تَقْدِيراتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وكَأنَّهُ لِهَذا لَمْ يُؤَوِّلِ الجُمْهُورُ الإنْشاءَ الواقِعَ خَبَرًا بِذَلِكَ، وإنَّما هو مُخْتارُ السَّعْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الواوِ مِنَ المَحْكِيِّ عَطَفَ (نِعْمَ الوَكِيلُ) عَلى (حَسْبُنا) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ في مَعْنى الفِعْلِ كَما عُطِفَ (جَعَلَ) عَلى (فالِقُ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ عَلى رَأْيٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الَّتِي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ عَلى المُفْرَدِ؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ خَبَرٌ عَنِ المُفْرَدِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ لا مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ، وهَذا وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ لا غُبارَ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ أمْرَ العَطْفِ عَلى الخَبَرِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الرَّضِيُّ مِن أنَّ نِعْمَ الرَّجُلُ بِمَعْنى المُفْرَدِ وتَقْدِيرُهُ أيْ رَجُلٌ جَيِّدٌ، أظْهَرُ، كَما لا يَخْفى.

ومِنَ النّاسِ مَنِ ادَّعى أنَّ الآيَةَ شاهِدٌ عَلى جَوازِ عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ فِيما لَهُ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ بِناءً عَلى أنَّ الواوَ مِنَ الحِكايَةِ لا غَيْرَ.

ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ الواوِ كَذَلِكَ فِيها لا تَصْلُحُ شاهِدًا عَلى ما ذُكِرَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ (قالُوا) مُقَدَّرًا في المَعْطُوفِ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ كَما يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ في الآيَةِ عَطْفٌ عَلى الإخْبارِ، وفِيهِ الخِلافُ الَّذِي عَرَفْتَ، كَذَلِكَ يَقْتَضِي عَطْفَ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، وفِيهِ أيْضًا خِلافٌ مَشْهُورٌ كَعَكْسِهِ، ومِمّا ذَكَرْنا في أمْرِ الإنْشاءِ والإخْبارِ يُسْتَخْرَجُ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ، وقَدْ أطالَ العُلَماءُ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وما ذَكَرْناهُ قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، ووَشْلٌ مِن غَدِيرٍ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ كانَتْ آخِرَ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَبْدِ الرَّزّاقِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: " «إذا وقَعْتُمْ في الأمْرِ فَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا اشْتَدَّ غَمُّهُ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ وقالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» .

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ أمانُ كُلِّ خائِفٍ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ قال في رواية الكلبي: وذلك أن أبا سفيان حين رجع من أُحد، نادى فقال: يا محمد، إن الموعد بيننا وبينك موسم بدر الصغرى.

فقال  لعمر: «قُلْ لَهُ ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى» .

ثم ندم أبو سفيان، فقال لنعيم بن مسعود- وكان يخرج إلى المدينة للتجارة-: إذا أتيت المدينة، فخوّفهم لكيلا يخرجوا.

فلما قدم نعيم المدينة قال: إن أبا سفيان قد جمع خلقاً كثيرة، فكره أصحاب رسول الله  الخروج إليهم وتثاقلوا، فلما رأى ذلك رسول الله  منهم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَخْرُجَنَّ إِلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ» قال: فمضى رسول الله  للميعاد، ومعه نحواً من سبعين رجلاً، حتى انتهوا إلى ذلك الموضع، وكان هنالك سوق فلم يخرج أحد من أهل مكة، فتسوقوا من السوق حاجتهم وانصرفوا، فنزل قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.

مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ يعني أصابتهم الجراحات يوم أُحد لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ أي الذين أوفوا الميعاد وَاتَّقَوْا السخط في معصية رسول الله  لهم أَجْرٌ عَظِيمٌ أي ثواب كثير الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعني نعيم بن مسعود، وإنما أراد به جنس الناس وكان رجلاً واحداً إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يعني أبا سفيان وأصحابه فَاخْشَوْهُمْ ولا تخرجوا إليهم فَزادَهُمْ إِيماناً أي تصديقاً، ويقيناً، وجرأة على القتال وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي ثقتنا بالله، وأيقنوا أن الله لا يخذل محمدا  وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي نعم الثقة لنا.

فَانْقَلَبُوا انصرفوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بأجر من الله وَفَضْلٍ يعني ما تسوقوا به من السوق، واشتروا الأشياء بسعر رخيص لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ يعني قتال وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ أي ذو مَنِّ عظيم.

وقال في رواية الضحاك: كان ذلك يوم أُحد، لما انهزمت قريش، ونزلت في مواضع، وكثرت الجراحات في أصحاب محمد  ، فهمّ رسول الله  بالخروج إليهم فأجابه سبعون رجلاً، فنزلت هذه الآية قوله تعالى: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ يعني نعيم بن مسعود، لأن كل عات متمرد شيطان يخوف أولياءه، يعني بأوليائه الكفار.

ويقال: يخوف أشكاله.

وقال الزجاج: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ أي ذلك التخويف عمل الشيطان، يخوفكم من أوليائه.

وقال القتبي: يخوف أولياءه أي بأوليائه، أي كما.

قال تعالى: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [الكهف: 2] يعني لينذركم ببأس شديد.

ثم قال تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ في الخروج وَخافُونِ في القعود إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين.

قال الزجاج: معناه إن كنتم مصدقين، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

آتاهم اللَّه مِنْ فضله، ومُسْتَبْشِرُون للمؤمنين أنَّهم لا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُونَ ثم أكَّد سبحانه استبشارهم بقوله: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ، ثم بيَّن سبحانه بقوله: وَفَضْلٍ، أنَّ إدخالَهُ إياهم الجَنَّةَ هو بفَضْل مِنْه، لا بعملِ أَحَدٍ، وأمَّا النعمة في الجَنَّة، والدَّرجاتُ، فقد أخبر أنَّها على قَدْر الأعمال.

قُلْتُ: وخرَّج أبو عبد اللَّهِ الحُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ «١» صَاحِبُ ابن المبارَكِ في «رقائقه» ، بسنده، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي «أنَّ الشُّهداءَ فِي قِبابٍ مِنْ حَرِيرٍ فِي رِياضٍ خُضْرٍ، عِنْدَهُمْ حُوتٌ وَثَوْرٌ، يَظَلُّ الحُوتُ يُسَبِّحُ فِى أَنْهَارِ الجَنَّةِ يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ رائِحَةٍ فِي أَنْهَارِ الجَنَّةِ، فَإذَا أمسى وَكَزَهُ الثَّوْرُ بقَرْنِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ لَحْمَهُ، يَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ، وَيَبِيتُ الثَّوْرُ فِي أَفْنَاءِ الجَنَّةِ، فَإذَا أَصْبَحَ، غَدَا عَلَيْهِ الحُوتُ، فَوَكَزَهُ بِذَنَبِهِ، فَيُذْكِيهِ، فَيَأْكُلُونَ، فَيَجِدُونَ فِي لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رَائِحَةٍ فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ، وَيَنْظُرُونَ إلى مَنَازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ...

» الحديثَ.

انتهى.

مختصرًا، وقد ذكره صاحب «التذكرة» مطوَّلاً.

وقرأ الكِسَائِيُّ: «وَإنَّ اللَّهَ» بكسر «٢» الهمزة على استئناف الإخبار، وقرأ باقي السبعة بالفتْحِ على أنَّ ذلك داخلٌ فيما يُسْتبشر به، وقوله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا يحتملُ أنْ يكون صفَةً للمؤمنين على قراءة مَنْ كَسَر الألف من «إنَّ» ، والأظهر أنَّ الذين ابتداءٌ، وخبره في قوله: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ...

الآية، والمستجيبُونَ للَّه والرسولِ: هم الذين خرَجُوا مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى حمراء الأسد في طلب قريش.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ...

الآية:

«الذين» : صفةٌ للمحسنين، وهذا القولُ هو الذي قاله الركْبُ من عبد القيس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ ﴾ في المُرادِ بِالنّاسِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم رَكْبٌ لَقِيَهم أبُو سُفْيانَ، فَضَمِنَ لَهم ضَمانًا لِتَخْوِيفِ النَّبِيِّ  وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ نَعِيمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، لَمّا رَأوُا النَّبِيَّ  يَتَجَهَّزُ، نَهُوا المُسْلِمِينَ عَنِ الخُرُوجِ، وقالُوا: إنَّ أتَيْتُمُوهم في دِيارِهِمْ، لَمْ يَرْجِعْ مِنكم أحَدٌ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ يَعْنِي أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَزادَهم إيمانًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: زادَهم ذَلِكَ التَّخْوِيفُ ثُبُوتًا في دِينِهِمْ، وإقامَةً عَلى نُصْرَةِ نَبِيِّهِمْ، وقالُوا: ﴿ حَسْبُنا اللَّهُ ﴾ أيْ: هو الَّذِي يَكْفِينا أمْرَهم.

فَأمّا "الوَكِيلُ"، فَقالَ الفَرّاءُ: الوَكِيلُ: الكافِي، واخْتارَهُ ابْنُ القاسِمِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَفِيلُ، قالَ: ووَكِيلُ الرَّجُلِ في مالِهِ: هو الَّذِي كَفَلَهُ لَهُ، وقامَ بِهِ.

وقالَ الخَطّابِيُّ: الوَكِيلُ: الكَفِيلُ بِأرْزاقِ العِبادِ ومَصالِحِهِمْ، وحَقِيقَتُهُ: أنَّهُ الَّذِي يَسْتَقِلُّ بِالأمْرِ المَوْكُولِ إلَيْهِ.

وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّ قَوْمًا قالُوا: الوَكِيلُ: الرَّبُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ إنَّ الناسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ﴾ ﴿ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ واللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ "الَّذِينَ" صِفَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ المَذْكُورِينَ.

وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قالَهُ الرَكْبُ مِن عَبْدِ القَيْسِ لِرَسُولِ اللهِ  وأصْحابِهِ حِينَ حَمَّلَهم أبُو سُفْيانَ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرْتُهُ قَبْلُ، فالناسُ الأوَّلُ رَكْبُ عَبْدِ القَيْسِ والناسُ الثانِي عَسْكَرُ قُرَيْشٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَزادَهم إيمانًا"، أيْ: ثُبُوتًا واسْتِعْدادًا، فَزِيادَةُ الإيمانِ في هَذا هي في الأعْمالِ.

وأطْلَقَ العُلَماءُ عِبارَةَ: أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ، والعَقِيدَةُ في هَذا أنَّ نَفْسَ الإيمانِ الَّذِي هو تَصْدِيقٌ واحِدٌ بِشَيْءٍ ما، إنَّما هو مَعْنىً فَرْدٌ لا تَدْخُلُهُ زِيادَةٌ إذا حَصَلَ، ولا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ إذا زالَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ الزِيادَةُ والنَقْصُ في مُتَعَلِّقاتِهِ دُونَ ذاتِهِ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ يُقالُ: يَزِيدُ ويَنْقُصُ مِن حَيْثُ تَزِيدُ الأعْمالُ الصادِرَةُ عنهُ وتَنْقُصُ، لا سِيَّما أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ يُوقِعُونَ اسْمَ الإيمانِ عَلى الطاعاتِ؛ وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى أنَّ الزِيادَةَ في الإيمانِ إنَّما هي بِنُزُولِ الفُرُوضِ والإخْبارِ في مُدَّةِ النَبِيِّ  ، وفي المَعْرِفَةِ بِها بَعْدَ الجَهْلِ غابِرَ الدَهْرِ، وهَذا إنَّما زِيادَةُ إيمانٍ إلى إيمانٍ، فالقَوْلُ فِيهِ إنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ قَوْلٌ مَجازِيٌّ ولا يُتَصَوَّرُ النَقْصُ فِيهِ عَلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ الأنْقَصُ بِالإضافَةِ إلى مَن عَلِمَ.

وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ زِيادَةَ الإيمانِ ونَقْصَهُ إنَّما هي مِن طَرِيقِ الأدِلَّةِ، فَتَزِيدُ الأدِلَّةُ عِنْدَ واحِدٍ، فَيُقالُ في ذَلِكَ: إنَّها زِيادَةٌ في الإيمانِ، وهَذا كَما يُقالُ في الكُسْوَةِ، إنَّها زِيادَةٌ في الإنْسانِ.

وذَهَبَ أبُو المَعالِي في "الإرْشادِ": إلى أنَّ زِيادَةَ الإيمانِ ونُقْصانَهُ إنَّما هو بِسَبَبِ ثُبُوتِ المُعْتَقَدِ وتَعاوُرِهِ دائِبًا، قالَ: وذَلِكَ أنَّ الإيمانَ عَرَضٌ وهو لا يَثْبُتُ زَمانَيْنِ فَهو لِلنَّبِيِّ  ولِلصُّلَحاءِ مُتَعاقِبٌ مُتَوالٍ، ولِلْفاسِقِ والغافِلِ غَيْرُ مُتَوالٍ، يَصْحَبُهُ حِينًا ويُفارِقُهُ حِينًا في الفَتْرَةِ، ذَلِكَ الآخَرُ أكْثَرُ إيمانًا، فَهَذِهِ هي الزِيادَةُ والنَقْصُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَزادَهم إيمانًا ﴾ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ الأدِلَّةِ، ويُتَصَوَّرُ في الآيَةِ الجِهاتُ الأُخَرُ الثَلاثُ.

ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ الوَفْدُ مِن عَبْدِ القَيْسِ رَسُولَ اللهِ  بِما حَمَّلَهم أبُو سُفْيانَ، وأنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِمْ بِالناسِ لِيَسْتَأْصِلَهُمْ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ أيْضًا أعْرابِيٌّ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ  : « "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ"» فَقالُوها واسْتَمَرَّتْ عَزائِمُهم عَلى الصَبْرِ، ودَفَعَ اللهُ عنهم كُلَّ سُوءٍ، وألْقى الرُعْبَ في قُلُوبِ الكُفّارِ فَمَرُّوا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ ﴾ يُرِيدُ في السَلامَةِ والظُهُورِ في اتِّباعِ العَدُوِّ وحِمايَةِ الحَوْزَةِ، وبِفَضْلٍ في الأجْرِ الَّذِي حازُوهُ، والفَخْرِ الَّذِي تَجَلَّلُوهُ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ قَدْ مَضَتْ نَظائِرُهُ.

هَذا هو تَفْسِيرُ الجُمْهُورِ لِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها في غَزْوَةِ أُحُدٍ في الخَرْجَةِ إلى حَمْراءِ الأسَدِ وشَذَّ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ فَقالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: "فَضْلٌ عَظِيمٌ" إنَّما نَزَلَتْ في خُرُوجِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى بَدْرٍ الصُغْرى، وذَلِكَ «أنَّهُ خَرَجَ لِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ في أُحُدٍ إذْ قالَ: مَوْعِدُنا بَدْرٌ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فَقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "قُولُوا نَعَمْ" فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ قِبَلَ بَدْرٍ وكانَ بِها سُوقٌ عَظِيمٌ، فَأعْطى رَسُولُ اللهِ  أصْحابَهُ دَراهِمَ، وقَرُبَ مِن بَدْرٍ فَجاءَهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ فَأخْبَرَهُ أنَّ قُرَيْشًا قَدِ اجْتَمَعَتْ وأقْبَلَتْ لِحَرْبِهِ هي ومَنِ انْضافَ إلَيْها، فَأشْفَقَ المُسْلِمُونَ مِن ذَلِكَ لَكِنَّهم قالُوا: ﴿ حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ﴾ ، وصَمَّمُوا حَتّى أتَوْا بَدْرًا فَلَمْ يَجِدُوا عَدُوًّا، ووَجَدُوا السُوقَ فاشْتَرَوْا بِدَراهِمِهِمْ أُدْمًا وتِجارَةً، وانْقَلَبُوا ولَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا ورَبِحُوا في تِجارَتِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ ﴾ » أيْ فَضْلٍ في تِلْكَ التِجارَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، وما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ مِن أنَّ لَفْظَةَ "الناسِ" تَقَعُ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ إلى آخره، بدلاً من ﴿ الذين استجابوا لله والرسول ﴾ [آل عمران: 172]، أو صفة له، أو صفة ثانية للمؤمنين في قوله: ﴿ وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ [آل عمران: 171] على طريقة ترك العطف في الأخبار.

وإنَّما جيء بإعادة الموصول، دون أن تعطف الصلة على الصلة، اهتماماً بشأن هذه الصلة الثانية حتّى لا تكون كجزء صلةٍ، ويجوز أن يكون ابتداء كلام مستأنففٍ، فيكون مبتدأ وخبره قوله: ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ﴾ [آل عمران: 175] أي ذلك القول، كما سيأتي.

وهذا تخلّص بذكر شأن من شؤون المسلمين كفاهم الله به بأس عدوّهم بعد يَوم أحُد بعاممٍ، إنجازاً لوعدهم مع أبي سفيان إذ قال: مَوعدكم بدر في العام القابل، وكان أبو سفيان قد كره الخروج إلى لقاء المسلمين في ذلك الأجل، وكاد للمسلمين ليُظهر إخلاف الوعد منهم ليجعل ذلك ذريعة إلى الإرجاف بين العرب بضعف المسلمين، فجَاعَل ركباً من عبدِ القيس مارينَ بمَرّ الظَّهْرانَ قرب مكّة قاصدين المدينة للميرة، أن يخبروا المسلمين بأنّ قريشاً جمعوا لهم جيشاً عظيماً، وكان مع الركب نعيم بن مسعود الأشجعي، فأخبر نعيم ومن معه المسلمين بذلك فزاد ذلك المسلمين استعداداً وحميّة للدين، وخرجوا إلى الموعد وهو بدر، فلم يجدوا المشركين وانتظروهم هنالك، وكانت هنالك سوق فاتّجَرُوا ورجعوا سالمين غير مذمومين، فذلك قوله تعالى: ﴿ الذين قال لهم الناس أي الركب العَبْدِيُّون إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ أي إنّ قريشاً قد جمعوا لكم.

وحذف مفعول ﴿ جمعوا ﴾ أي جمعوا أنفسهم وعُددهم وأحلافهم كما فعلوا يوم بدر الأول.

وقال بعض المُفسّرين وأهل العربية: إنّ لفظ الناس هنا أطلق على نُعيم بن مسعود وأبي سفيان، وجعلوه شاهداً على استعمال الناس بمعنى الواحد والآية تحتمله، وإطلاق لفظ الناس مراداً به واحد أو نحوه مستعمل لقصد الإبهام، ومنه قوله تعالى: ﴿ أم يحسدون الناس على ما ءاتاهم الله من فضله ﴾ [النساء: 54] قال المفسّرون: يعني ب (الناس) محمداً صلى الله عليه وسلم وقوله: ﴿ فزادهم إيماناً ﴾ أي زادهم قول الناس، فضمير الرفع المستتر في ﴿ فزادهم ﴾ عائد إلى القول المستفاد من فعل ﴿ قال لهم الناس ﴾ أو عائد إلى الناس، ولمّا كان ذاك القول مراداً به تخويف المسلمين ورجوعهم عن قصدهم.

وحصل منه خلاف ما أراد به المشركون، جُعل ما حصل به زائداً في إيمان المسلمين.

فالظاهر أنّ الإيمان أطلق هنا على العمل، أي العزم على النصر والجهاد، وهو بهذا المعنى يزيد وينقص.

ومسألة زيادة الإيمان ونقصه مسألة قديمة، والخلاف فيها مبنيّ على أنّ الأعمال يطلق عليها اسم الإيمان، كما قال تعالى: ﴿ وما كان اللَّه ليضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] يعني صَلاتكم.

أمّا التَّصديق القلبي وهو عقد القلب على إثبات وجود الله وصفاته وبعثة الرسل وصدق الرسول، فلا يقبل النقص، ولا يقبل الزيادة، ولذلك لا خلاف بين المسلمين في هذا المعنى، وإنّما هو خلاف مبني على اللفظ، غير أنّه قد تقرّر في علم الأخلاق أنّ الاعتقاد الجازم إذا تكررت أدلّته، أو طال زمانه، أو قارنته التجارب، يزداد جلاء وانكشافاً، وهو المعبّر عنه بالمَلَكة، فلعلّ هذا المعنى ممّا يراد بالزيادة، بقرينة أنّ القرآن لم يطلق وصف النقص في الإيمان بل ما ذكر إلا الزيادة، وقد قال إبراهيمُ عليه السلام: ﴿ بلى ولكن ليطمئنّ قلبي ﴾ [البقرة: 260] وقولهم: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ كلمة لعلّهمُ ألهموها أو تلقّوها عن النبي صلى الله عليه وسلم وحسب أي كاف، وهو اسم جامد بمعنى الوصف ليس له فعل، قالوا: ومنه اسمه تعالى الحَسيب، فهو فعيل بمعنى مُفعل.

وقيل: الإحساب هو الإكفاء، وقيل: هو اسم فعل بمعنى كفى، وهو ظاهر القاموس.

وردّه ابن هشام في توضيحه بأنّ دخول العوامل عليه نحو ﴿ فإنّ حسبك الله ﴾ ، وقولهم: بحسبك درهم، ينافي دعوى كونه اسم فعل لأنّ أسماء الأفعال لا تدخل عليها العوامل، وقيل: هو مصدر، وهو ظاهر كلام سيبويه.

وهو من الأسماء اللازمة للإضافة لفظاً دون معنى، فيبنى على الضمّ مثل: قبلُ وبعدُ، كقولهم: اعطه درهيمن فَحَسْبُ، ويتجدّد له معنى حينئذ فيكون بمعنى لا غير.

وإضافته لا تفيده تعريفاً لأنّه في قوة المشتقّ ولذلك توصف به النكرة، وهو ملازم الإفراد والتذكير فلا يثنّى ولا يجمعُ ولا يؤنّث لأنّه لجموده شابَه المصدر، أو لأنّه لمّا كان اسم فعل فهو كالمصدر، أو لأنّه مصدر،، وهو شأن المصادر، ومَعناها: إنّهم اكتفوا بالله ناصراً وإن كانوا في قِلّة وضعف.

وجملة ﴿ ونعم الوكيل ﴾ معطوفة على ﴿ حسبنا الله ﴾ في كلام القائلين، فالواو من المحكي لا من الحكاية، وهو من عطف الإنشاء على الخبر الذي لا تطلب فيه إلا المناسبة.

والمخصوص بالمدح محذوف لتقدّم دليله.

و ﴿ الوكيل ﴾ فعيل بمعنى مفعول أي موكول إليه.

يقال: وكل حاجته إلى فلان إذا اعتمد عليه في قضائها وفوّض إليه تحصيلها، ويقال للذي لا يستطيع القيام بشؤونه بنفسه: رَجل وَكَل بفتحتين أي كثير الاعتماد على غيره، فالوكيل هو القائم بشأن من وكّله، وهذا القيام بشأن الموكِّل يختلف باختلاف الأحوال الموكّل فيها، وبذلك الاختلاف يختلف معنى الوكيل، فإن كان القيام في دفع العداء والجور فالوكيل الناصر والمدافع ﴿ قل لست عليكم بوكيل ﴾ [الأنعام: 66]، ومنه ﴿ فمن يجادل اللَّه عنهم يوم القيامة أمَّن يكون عليهم وكيلاً ﴾ [النساء: 109].

ومنه الوكيل في الخصومة، وإن كان في شؤون الحياة فالوكيل الكافل والكافي منه: ﴿ أن لا تتخذوا من دوني وكيلاً ﴾ [الإسراء: 2] كما قال: ﴿ قد جعلتم الله عليكم كفيلاً ﴾ [النحل: 91] ولذلك كان من أسمائه تعالى: الوكيل، وقولُه: ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ ومنه الوكيل على المال، ولذلك أطلق على هذا المعنى أيضاً اسم الكفيل في قوله تعالى: ﴿ وقد جعلتم اللَّه عليكم كفيلاً ﴾ .

وقد حمل الزمخشري الوكيل على ما يشمل هذا عند قوله تعالى: ﴿ وهو على كل شيء وكيل ﴾ في سورة [الأنعام: 102]، فقال: وهو مالك لكلّ شيء من الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال.

وذلك يدل على أنّ الوكيل اسم جامع للرقيب والحافظ في الأمور التي يُعني الناس بحفظها ورقابتها وادّخارها، ولذلك يتقيّد ويتعمّم بحسب المقامات.

وقوله: فانقلبوا بنعمة من الله } تعقيب للإخبار عن ثبات إيمانهم وقولِهم: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهو تعقيب لمحذوف يدلّ عليه فعل ﴿ فانقلبوا ﴾ ، لأنّ الانقلاب يقتضي أنَّهم خرجوا للقاء العدوّ الذي بلغ عنهم أنّهم جمعوا لَهم ولم يَعبأوا بخويف الشيطان، والتقدير: فخرجوا فانقلبوا بنعمة من الله.

والباء للملابسة أي ملابسين لِنعمة وفضل من الله.

فالنعمة هي ما أخذوه من الأموال، والفضلُ فضل الجهاد.

ومعنى لم يمسسهم سوء لم يلاقوا حرباً مع المشركين.

وجملة ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ﴾ إمّا استئناف بياني إن جَعلتَ قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ بدلاً أو صفة كما تقدّم، وإمَّا خبر عن ﴿ الذين قال لهم الناسإن جَعلَت قوله: الذين قال لهم الناس ﴾ مبتدأ، والتقدير: الذين قال لهم الناس إلى آخره إنّما مقالهم يخوّف الشيطان به.

ورابط هذه الجملة بالمبتدأ، وهو «الذين قال لهم الناس» على هذا التقدير، هو اسم الإشارة، واسم الإشارة مبتدأ.

ثم الإشارة بقوله: ﴿ ذلكم ﴾ إمّا عائد إلى المقال فلفظ الشيطان على هذا مبتدأ ثان، ولفظه مستعمل في معناه الحقيقي، والمعنى: أنّ ذلك المقال ناشئ عن وسوسة الشيطان في نفوس الذين دبّروا مكيدة الإرجاف بتلك المقالة لتخويف المسلمين بواسطة ركب عبد القيس.

وإمّا أن تعود الإشارة الى ﴿ الناس ﴾ من قوله: ﴿ قال لهم الناس ﴾ لأن الناس مؤوّل بشخص، أعني نُعميا بن مسعود، فالشيطان بدل أو بيان من اسم الإشارة وأطلق عليه لفظ شيطان على طريقة التشبيه البليغ.

وقوله: ﴿ يخوف أولياءه ﴾ تقديره يخوّفكم أولياءه، فحذف المفعول الأول لفعل (يخوّف) بقرينة قوله بعده: ﴿ فلا تخافوهم ﴾ فإنّ خَوّف يتعدّى إلى مفعولين إذ هو مضاعف خاف المجرّد، وخاف يتعدّى الى مفعول واحد فصار بالتضعيف متعدّياً إلى مفعولين من باب كَسَا كما قال تعالى: ﴿ ويخوّفكم اللَّه نفسه ﴾ [آل عمران: 28].

وضمير ﴿ فلا تخافوهم ﴾ على هذا يعود إلى ﴿ أولياءه ﴾ وجملة ﴿ وخافون ﴾ معترضة بين جملة ﴿ فلا تخافوهم ﴾ وجملة ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ .

وقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ شرط مؤخّر تقدّم دليل جوابه، وهو تذكير وإحماء لإيمانهم وإلا فقد علم أنّهم مؤمنون حقّاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ ﴾ يَعْنِي أنَّهم في الحالِ وبَعْدَ القَتْلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَأمّا في الجَنَّةِ فَحالُهم في ذَلِكَ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ كافَّةِ المُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ إحْياؤُهم في الحِكْمَةِ.

وَقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ وجابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها).» وفي ﴿ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بِحَيْثُ لا يَمْلِكُ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا رَبُّهم.

والثّانِي: أنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ مِن حَيْثُ يَعْلَمُ أنَّهم أحْياءٌ دُونَ النّاسِ.

﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَقُولُونَ: إخْوانُنا يُقْتَلُونَ كَما قُتِلْنا فَيُصِيبُونَ مِن كَرامَةِ اللَّهِ ما أصَبْنا، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ يُؤْتى الشَّهِيدُ بِكِتابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ فَيُبَشَّرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَبْشِرُ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ في الدُّنْيا بِقُدُومِهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ ﴾ أمّا النّاسُ في المَوْضِعَيْنِ وإنْ كانَ بِلَفْظِ الجَمْعِ فَهو واحِدٌ لِأنَّهُ تَقْدِيرُ الكَلامِ جاءَ القَوْلُ مِن قِبَلِ النّاسِ، والَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ هُمُ المُسْلِمُونَ وفي النّاسِ القائِلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو أعْرابِيٌّ جُعِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ جُعْلٌ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: هو نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وهَذا قَوْلُ الواقِدِيِّ.

والنّاسُ الثّانِي أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ.

واخْتَلَفُوا في الوَقْتِ الَّذِي أرادَ أبُو سُفْيانَ أنْ يَجْمَعَ لَهم هَذا الجَمْعَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بَعْدَ رُجُوعِهِ عَلى أُحُدٍ سَنَةَ ثَلاثٍ حَتّى أوْقَعَ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ الرُّعْبَ كَفُّوا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ إسْحاقَ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ في بَدْرٍ الصُّغْرى سَنَةَ أرْبَعٍ بَعْدَ أُحُدٍ بِسَنَةٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ ﴾ التَّخْوِيفُ مِنَ الشَّيْطانِ والقَوْلُ مِنَ النّاسِ، وفي تَخْوِيفِ أوْلِيائِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ مِن أوْلِيائِهِ المُشْرِكِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ المُنافِقِينَ لِيَقْعُدُوا عَنْ قِتالِ المُشْرِكِينَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمراء الأسد، وقد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: رجعنا قبل أن نستأصلهم، لَنَكُرَّنَّ على بقيتهم.

فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أصحابه يطلبهم، فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه ومر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان: بلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الرجعة الى أصحابه لنستأصلهم.

فلما مر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد أخبروه بالذي قال أبو سفيان؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله في ذلك ﴿ الذين استجابوا لله والرسول....

﴾ الآيات.

وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدراً، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم وقالوا: قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل، يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم، فالحذر الحذر....

فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان، فاستجابوا لله ورسوله وخرجوا ببضائع لهم وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا بضائعنا.

فكان بدر متجراً يوافي كل عام، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو ولا أصحابه، ومر عليهم ابن حمام فقال: من هؤلاء؟

قالوا: رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش.

فقدم على قريش فأخبرهم، فأرعب أبو سفيان ورجع إلى مكة، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السويق، وكانت في شعبان سنة ثلاث.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب» ، وكانت وقعة أحد في شوّال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وأنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واشتد عليهم الذي أصابهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه وقال: إنما ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا تقدرون على مثلها حتى عام مقبل.

فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ فأبى الناس أن يتبعوه فقال: إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد.

فانتدب معه أبو بكر، وعمر، وعلي، وعثمان، والزبير، وسعد، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح؛ في سبعين رجلاً، فساروا في طلب أبي سفيان، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ الآية.

وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم.

بئسما صنعتم ارجعوا.

فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد؛ أو بئر أبي عنبة، شك سفيان فقال المشركون: نرجع قابل.

فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تعد غزوة.

فأنزل الله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ الآية.

وقد كان أبو سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم: موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة.

فأتوه فلم يجدوا به أحد وتسوقوا.

فأنزل الله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر الصغرى وبهم الكلوم، خرجوا لموعد أبي سفيان فمر بهم أعرابي، ثم مر بأبي سفيان وأصحابه وهو يقول: ونفرت من رفقتي محمد ** وعجوة منثورة كالعنجد فتلقاه أبو سفيان فقال: ويلك ما تقول....؟!

فقال: محمد وأصحابه تركتهم ببدر الصغرى فقال أبو سفيان: يقولون ويصدقون، ونقول ولا نصدق وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الأعراب وانقلبوا؟!

قال عكرمة: ففيهم أنزلت هذه الآية ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ إلى قوله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب فمن ينتدب في طلبه؟

فقام النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه، فلقي عيراً من التجار فقال: ردوا محمداً ولكم من الجعل كذا وكذا...

وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعاً، وإني راجع إليهم.

فجاء التجار فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حسبنا الله.

فأنزل الله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول....

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: «أخبرت أن أبا سفيان لما راح هو وأصحابه يوم أحد منقلبين قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم عامدون إلى المدينة يا رسول الله.

فقال: إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال فهم عامدوها، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل فقد أرعبهم الله فليسوا بعامديها.

فركبوا الأثقال.

ثم ندب أناساً يتبعوهم ليروا أن بهم قوّة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثاً، فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ الآية» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله: ﴿ الذين استجابوا لله والرسول....

﴾ الآية.

قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد انصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا فقال: من يرجع في أثرهم؟

فانتدب منهم سبعون رجلاً.

فيهم أبو بكر والزبير، فخرجوا في آثار القوم فسمعوا بهم، فانصرفوا بنعمة من الله وفضل.

قال: لم يلقوا عدوّاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: نزلت هذه الآية فينا ثمانية عشر رجلاً ﴿ الذين استجابوا لله والرسول...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: «كان يوم أحد السبت للنصف من شوّال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوّال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر عن عبد الله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال: يا بني أنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن.

فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه.

وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعيباً للعدوّ ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوّة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم من عدوهم» .

وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً.

أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي، أو قال لي: تفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل.

فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحاً منه، فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد.

وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثاً.

الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.

فنزل ﴿ الذين استجابوا لله والرسول..

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: كان عبد الله من ﴿ الذين استجابوا لله والرسول ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ من بعد ما أصابهم القرح ﴾ قال: الجراحات.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ من بعد ما أصابهم القرح ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: افصلوا بينهما قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما ندم أبو سفيان وأصحابه على الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: ارجعوا فاستأصلوهم.

فقذف الله في قلوبهم الرعب فهزموا، فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً، فقالوا له: إن لقيت محمداً وأصحابه فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم.

فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابي في الطريق فأخبرهم الخبر فقالوا: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ ثم رجعوا من حمراء الأسد.

فأنزل الله فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن سعد عن ابن أبزى ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ قال: أبو سفيان.

قال لقوم: إن لقيتم أصحاب محمد فأخبروهم أنا قد جمعنا لهم جموعاً.

فأخبروهم فقالوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عيراً واردة المدينة ببضاعة لهم، وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم جبال فقال: إن لكم عليّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمداً ومن معه، إن أنتم وجدتموه في طلبي أخبرتموه أني قد جمعت له جموعاً كثيرة، فاستقبلت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد إنا نخبرك أن أبا سفيان قد جمع لك جموعاً كثيرة، وأنه مقبل إلى المدينة، وإن شئت أن ترجع فافعل.

فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقيناً ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله: ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابة من أصحابه بعدما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد خلفهم حتى إذا كانوا بذي الحليفة، فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم فيقولون لهم: هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس فقالوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله: ﴿ الذين قال لهم الناس...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس...

﴾ الآية.

قال: إن أبا سفيان كان أرسل يوم أحد أو يوم الأحزاب إلى قريش، وغطفان، وهوازن، يستجيشهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه فقيل: لو ذهب نفر من المسلمين فأتوكم بالخبر، فذهب نفر حتى إذا كانوا بالمكان الذي ذكر لهم أنهم فيه لم يروا أحداً فرجعوا.

وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى يوم أحد فقيل له: يا رسول الله ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ﴾ فقال: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فأنزل الله: ﴿ الذين قال لهم الناس...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع «أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه علياً في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال: إن القوم قد جمعوا لكم ﴿ قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ فنزلت فيهم هذه الآية....» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد «في قوله: ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ قال: هذا أبو سفيان قال لمحمد يوم أحد: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا.

فقال محمد صلى الله عليه وسلم: عسى.

فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدراً فوافوا السوق فابتاعوا، فذلك قوله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ وهي غزوة بدر الصغرى» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كانت بدر متجراً في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان أن يلقاه بها، فلقيهم رجل فقال له: إن بها جمعاً عظيماً من المشركين.

فأما الجبان فرجع.

وأما الشجاع فأخذ أهبة التجارة وأهبة القتال.

﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ ثم خرجوا حتى جاؤوها فتسوّقوا بها ولم يلقوا أحداً فنزلت ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ إلى قوله: ﴿ بنعمة من الله وفضل ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فزادهم إيماناً ﴾ قال: الإيمان يزيد وينقص.

وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ .

وأخرج البخاري وابن المنذر والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: قال آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ وقال نبيكم مثلها ﴿ الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمرو قال: هي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ وهي الكلمة التي قالها نبيكم وأصحابه إذ قيل لهم ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا ﴿ حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ » .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتدّ غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء وقال: حسبي الله ونعم الوكيل» .

وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن بريدة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال عشر كلمات عند كل صلاة غداة وجد الله عندهن مكفياً مجزياً: خمس للدنيا، وخمس للآخرة: حسبي الله لديني، حسبي الله لما أهمني، حسبي الله لمن بغى عليّ، حسبي الله لمن حسدني، حسبي الله لمن كادني بسوء، حسبي الله عند الموت، حسبي الله عند المسألة في القبر، حسبي الله عند الميزان، حسبي الله عند الصراط، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴾ قال: ﴿ النعمة ﴾ أنهم سلموا و ﴿ الفضل ﴾ إن عيراً مرَّت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح مالاً فقسمه بين أصحابه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: ﴿ الفضل ﴾ ما أصابوا من التجارة والأجر.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى ببدر دراهم ابتاعوا بها من موسم بدر، فأصابوا تجارة فذلك قول الله: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ﴾ قال: أما النعمة فهي العافية، وأما الفضل فالتجارة، والسوء القتل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ قال: لم يؤذهم أحد ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ قال: أطاعوا الله ورسوله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف من طريق عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوّفكم أولياءه ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه ﴾ يقول: الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه ﴾ قال: يخوّف المؤمنين بالكفار.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ قال: يعظم أولياءه في أعينكم.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: تفسيرها يخوّفكم بأوليائه.

وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم في الآية قال: يخوّف الناس أولياءه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا ولي الشيطان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ﴾ الآية.

قال المفسِّرُون: إنَّ أبا سفيان يوم أحد، حين أراد أن ينصرف، قال: يا محمد!

موعِدُ ما بيننا وبينك موسمُ بَدْرٍ الصُّغْرَى (١) فقال (٢)  (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وهذا قول: مجاهد (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) فـ ﴿ النَّاسُ ﴾ على قول هؤلاء، في قوله: ﴿ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ﴾ : هو نُعَيم ابن مسعود.

وهو من العَامِّ الذي أريد به الخاصُّ.

وهذا (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ النَّاسُ ﴾ -في هذا الموضع (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ ، ثم انتشر هذا القولُ؛ وخاضَ فيه الناسُ، وتكلم به كلُّ (٢٢) وقال ابن عباس (٢٣) (٢٤) ﴿ قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ ﴾ -: هم (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال السُّدِّي (٢٩) ﴿ النَّاسُ ﴾ ههنا هم: المنافقون، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بدر، لميعاد أبي سفيان: قد أتوكم في دياركم، فقاتلوكم (٣٠) (٣١) ومحل ﴿ الَّذِينَ ﴾ : رَفْعٌ أو خفْضٌ، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا  ﴾ لأن هذا بدل منه.

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابَه.

وقوله (٣٢) ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ﴾ أي: زادهم قولُ الناس لهم إيمانًا.

أضمر المصدر، وأسند الفعل إليه.

ومثله: قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا  ﴾ ؛ أي: ما زادهم (٣٣) ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا  ﴾ ؛ أي: ما زادهم رؤيتُهم لهم.

ومثله مِنْ إضمار المصدر لِدِلالَةِ الفعلِ عليه كثيرٌ.

ومعنى قوله: ﴿ إِيمَانًا ﴾ : قال ابن عباس (٣٤) وقال أبو إسحاق (٣٥) ﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ ﴾ [أي: الذي (٣٦) قال ابن الأنباري (٣٧) ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ ﴾ ] (٣٨) إذا كانت الهيجاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا ...

فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ (٣٩) قال: معناه: يكفيك ويكفي الضحاكَ (٤٠) ومثله (٤١) وحَسْبُكَ مِنْ غِنًى شِبَعٌ ورِيُّ (٤٢) أي: يكفيك الشِبَعُ والرِيُّ.

ويقال: (أَحْسَبَني الشيءُ، إحْسابًا): إذا كفاني (٤٣) ﴿ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ أي: الموكول إليه الأمور.

(فَعِيل) بمعنى: (مَفْعُول) (٤٤) قال ابن الأنباري (٤٥) ذَكَرْتُ أبا أرْوَى فَبِتُّ كَأنَنِي ...

بِرَدِّ (٤٦) (٤٧) أراد: كأنني برد الأمور كفيلُ.

وقال الفرّاء (٤٨) ﴿ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا  ﴾ ، أي: كافيا.

قال أبو بكر (٤٩) (٥٠) وأصلُه في اللغة: ما ذكرنا؛ أنه الموكول إليه، ثم الكافي (٥١) والكفيل؛ يجوز أنْ يُسَمَّى: وكَيلاً؛ لأن الوكيل يكفي الأمور والكفيلُ -أيضًا- موكولٌ إليها الأمر.

(١) وتسمى هذه الغزوة -كذلك- بغزوة بدر الثانية، والآخرة، والموعد.

و (بدر) هو نفسه المكان الذي وقعت فيه معركة بدر الكبرى، أو الأولى.

وقد حدد المشركون هذا المكان للقاء رسول الله  ؛ انتقامًا لقتلاهم الذين قتلهم المسلمون في هذا الموضع في معركة بدر الأولى.

انظر أخبار هذه الغزوة في: "سيرة ابن هشام" 3/ 221 - 222، و"المغازي" 1/ 384.

(٢) في (ج): (وقال).

(٣) (رسول الله  ): ليس في: (ج).

(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).

وفي (ب): (جنة).

والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر.

ومَجَنَّة: موضعٌ، كان سوقًا للجاهلية، يقع بناحية مرِّ الظهران، قرب جبل يقال له الأصفر، على بعد مسافة من مكة.

وقيل في تحديد موقع مجنة غير ذلك.

انظر: "معجم ما استعجم" 4/ 1187، و"معحم البلدان" 5/ 58.

(٦) تقدمت ترجمته.

(٧) في (ج): (نسط).

(٨) (لا): ساقطة من (ج).

(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(١٠) قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 181، و"تفسير الثعلبي" 3/ 153 أ، و"الدر المنثور" 2/ 181 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.

(١١) قوله في "تفسيره" 1/ 315.

(١٢) قوله في: "تفسير سفيان بن عيينة" 230، و"تفسير عبد الرزاق" 1/ 140، و"سنن سعيد بن منصور" 2/ 327 رقم (2914)، و"تفسير الطبري" 4/ 181، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 816، و"تفسير الثعلبي" 3/ 153 أ، و"الدر المنثور" 2/ 181 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(١٣) قوله في "المغازي" 1/ 327.

(١٤) لم أقف على مصدر قوله.

وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 4/ 279.

(١٥) من قوله: (وهذا ..) إلى (..

وجاز ذلك): ساقط من (ب).

(١٦) في "معاني القرآن" له 1/ 247.

(١٧) في "معاني القرآن" له 1/ 489.

وبه قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 282.

(١٨) في (ج): (القول).

(١٩) (واحد وجاز ذلك لأن هذا القول): ساقط من (ج).

(٢٠) في (أ)، (ب)، (ج): الإيجاز.

والمثبت هو ما استصوبته.

(٢١) في (ب): (فيهما).

(٢٢) كل: ساقطة من (ج).

(٢٣) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 180.

(٢٤) قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 75، و"تفسير الطبري" 4/ 180، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 818.

(٢٥) هم: ساقطة من (ج).

(٢٦) هكذا في (أ)، (ب)، (ج).

وقد تكون (فندبهم)، وهي أولى وأنسب للمعنى.

(٢٧) في (ب): (ليجيبوهم).

(٢٨) الجُعْل، والجِعال، والجُعالة، والجَعالة، والجعيلة: هو ما جُعل من عطاءٍ على عملٍ، وهو أعم من الأجرة والثواب والجمع: جُعُل، وجعائل.

انظر: (جعل) في: "اللسان" 2/ 637، و"التاج" 14/ 109.

وما ذكره ابن عباس، وابن إسحاق -هنا- يعنيان به ما حدث عند خروج النبي  وأصحابه في طلب أبي سفيان والمشركين، بعد انصرافهم من أحد إلى حمراء الأسد، وكان المشركون قد عزموا على الكَرَّة على المسلمين لاستئصالهم، فلما أن علموا بخروج رسول الله  ، في إثرهم، فَتَّ ذلك في عَضُدِهم، وحينها == طلبوا من الركب من (عبد القيس) الذين مروا بهم مبتغين المدينة للمِيرَة أن يهوِّلوا من أمر جيش المشركين، ويثَبِّطوا المسلمين عن لقائهم.

وهذا ما رجحه الطبري في "تفسيره" 4/ 182، وقال ابن عطية: (وهذا هو تفسير الجمهور لهذه الآية، وأنها في غزوة أحد في الخرجة إلى حمراء الأسد)، واستصوبه "المحرر الوجيز" 3/ 426.

ورجحه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 463.

وانظر: "أسباب النزول" للواحدي 134 - 135.

(٢٩) قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 154 ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 279، و"زاد المسير" 1/ 505.

(٣٠) (فقاتلواكم): ساقطة من (ج).

(٣١) في (ج): (فطفروا).

(٣٢) (أ)، (ب): (وقولهم)، والمثبت من (ج).

(٣٣) في (ج).

(ما جاهم).

(٣٤) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٥) في "معاني القرآن" له 1/ 490، نقله عنه بنصِّه.

(٣٦) (الذي): ساقطة من (أ)، (ب).

وفي (ج): الذي.

والمثبت هو ما استصوبته.

(٣٧) في "الزاهر" 1/ 96.

نقله عنه باختصار.

(٣٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٣٩) البيت، نُسِب لجرير في "ذيل الأمالي" 140.

ولم أقف عليه في ديوانه.

ونُسِب لِلَبِيد في: "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج 3/ 870، ولم أقف عليه في ديوانه.

وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 417، و"الأصول في النحو" 2/ 37 و"جمهرة اللغة" 2/ 1047، و"الزاهر" 1/ 96، و"التهذيب" 1/ 810، و"التكملة" للفارسي 324، و"الصحاح" 6/ 2429 (عصا)، و"المخصص" 16/ 14، و"سمط الآلىء" 899، و"شرح المفصل" 2/ 51، و"اللسان" 2/ 865 (حسب)، 8/ 4732 (هيج)، 5/ 2981 (عصا)، و"مغني اللبيب" 731، و"المقاصد النحوية" 3/ 84، 2/ 136.

الهَيْجاء، والهَيْجا، والهَيْج، والهِياج: الحرب.

انظر: "اللسان" 8/ 4732 (هيج).

(انشقت العصا): أي: وقع الخلاف.

انظر: "الصحاح" 6/ 2428 (عصا).

(٤٠) ناقل في "لسان العرب" عن ابن بَرْي معنًى آخر، فقال: (الواو في قوله: == (والضحاك) بمعنى الباءَ، وإن كانت معطوفة على المفعول، كما تقول: (بعت الشاءَ شاةً ودرهمًا)؛ لأن المعنى: أن الضحاك نفسه هو السيف المُهنَّد، وليس المعنى: يكفيك ويكفي الضحاك سيفٌ مهنَّدٌ كما ذكر).

"اللسان" 5/ 2981 (عصا).

ولكن المعنى الأوَّل الذي ذكره المؤلفُ هو الأوضح والأشهر.

(٤١) في (ج): ومنه.

وفي "الزاهر": (ومن ذلك).

(٤٢) عجز بيت، وصدره: فَتُوسِعُ أهلَها أقِطًا وَسَمْنًا وهو في "ديوانه" ص 171.

وقد نسب له -كذلك- في: "الزاهر" 1/ 96، و"الأمالي" للقالي 2/ 262، و"اللسان" 8/ 4835 (وسع)، 4/ 2104 (سمن).

وورد غير منسوب في: "تفسير الثعلبي" 3/ 157أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 282.

وقد ورد في بعض المصادر: (فتملأ بيتنا أقطًا ..).

والأقِط: شيء يصنع من اللبَن المخيض، على هيئة الجبن.

والشاعر -هنا- يتحدث عن (مِعْزى)، تَدُرُّ الحليب، وتوسع أهلها بالأقط، والسَّمِن.

(٤٣) يقال: (أحسبني الشيءُ إحسابًا)، وهو (مُحسِبٌ): إذا كفاني.

انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج 49، و"الزاهر" 1/ 96، و"الأمالي" للقالي 2/ 262.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 417.

(٤٤) انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج 54.

(٤٥) في "الزاهر" 1/ 100، نقله عنه بتصرف.

(٤٦) في (أ)، (ب): (بود).

والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.

(٤٧) البيت، ورد منسوبًا لشقران السلامي، في "بهجة المجالس" 3/ 112.

وورد غير منسوب في: "البيان والتبيين" 3/ 164، و"الزاهر" 1/ 100.

وقد ورد في المصادر السابقة: (..

برد أمورِ الماضيات).

(٤٨) في "معاني القرآن" له 2/ 116.

وقول الفراء -هنا-، هو من تتمة نقل المؤلف عن "الزاهر" 1/ 99 - 100.

(٤٩) هو ابن الأنباري، في "الزاهر" 1/ 100.

نقله عنه بالمعنى.

(٥٠) في (ج): (ويكفينا).

(٥١) أنكر الزجاج أن يكون (الوكيل) بمعنى (الكافي)؛ فقال -بعد أن ذكر رأي == الفراء-: (ونحن لا نعرف في الكلام: (وَكَلْتُ) ولا (وكَلْتُ إليه): إذا كَفَيْت.

فلا ندري من أين له هذا القول).

"تفسير أسماء الله الحسنى" 54.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين استجابوا ﴾ صفة للمؤمنين أو مبتدأ وخبره ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ الآية، ونزلت في الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلف المشركين بعد غزوة أحد، فبلغ بهم إلى حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وكانوا قد أصابتهم جراحات وشدائد، فتجلدوا وخرجوا فمدحهم الله بذلك ﴿ الذين قَالَ لَهُمُ الناس ﴾ الآية: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد بعد أحد: بلغ ذلك أبا سفيان فمر عليه ركب من عبد القيس يريدون المدينة بالميرة؛ فجعل لهم حمل بعير من زبيب على أن يثبطوا المسلمين عن إتباع المشركين، فخوفوهم بهم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل فخرجوا، فالناس الأول ركْب عبد القيس، والناس الثاني مشركو قريش وقيل: نادى أبو سفيان يوم أحد: موعدنا ببدر في القابل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله فلما كان العام القابل؛ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر للميعاد، فأرسل أبو سفيان نُعيم بن مسعود الأشجعي ليثبط المسلمين، فعلى هذا الناس الأول نعيم، وإنما قيل له: الناس وهو واحد: لأنه من جنس الناس: كقولك ركبت الخيل إذا ركبت فرساً ﴿ فَزَادَهُمْ ﴾ الفاعل ضمير المفعول، وهو إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، والصحيح أن الإيمان يزيد وينقص، فمعناه هنا قوة يقينهم وثقتهم بالله ﴿ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل ﴾ كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره؛ وهي التي قالها إبراهيم عليه اسلام حين ألقي في النار، ومعنى ﴿ حَسْبُنَا الله ﴾ : كافينا وحده فلا نخاف غيره، ومعنى: ﴿ وَنِعْمَ الوكيل ﴾ : ثناء على الله وأنه خير من يتوكل العبد عليه ويلجأ إليه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يغل ﴾ بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس.

الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول.

﴿ ولا يحسبن ﴾ بياء الغيبة: الحلواني عن هشام.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ قتلوا ﴾ بالتشديد: ابن عامر.

الباقون: بالتخفيف.

﴿ وإن الله ﴾ بالكسر على الابتداء: عليّ.

الباقون: بالفتح.

﴿ وخافوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل.

الباقون بالحذف.

الوقوف: ﴿ إن يغل ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ يوم القيامة ﴾ ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف ﴿ لايظلمون ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ والحكمة ﴾ ج لمكان العطف ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ مثليها ﴾ (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على ﴿ قلتم ﴾ ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ أنفسكم ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وليعلم المؤمنين ﴾ ه لا ﴿ نافقوا ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم.

﴿ أو ادفعوا ﴾ ط ﴿ لاتبعناكم ﴾ ط ﴿ للإيمان ﴾ ج لاحتمال الحال والاستئناف.

﴿ في قلوبهم ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ج لاحتمال كون "الذين" بدلاً عن ضمير ﴿ يكتمون ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.

﴿ ما قتلوا ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ أمواتاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ص ﴿ يرزقون ﴾ ه لا لأن ﴿ فرحين ﴾ حالهم.

﴿ من فضله ﴾ (لا) للعطف.

﴿ من خلفهم ﴾ (لا) لتعلق "أن".

﴿ يحزنون ﴾ ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون.

﴿ وفضل ﴾ (لا) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ج لأن "الذين" يصلح صفة اللمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة.

﴿ القرح ﴾ ط لمن لم يقف على ﴿ المؤمنين ﴾ .

﴿ عظيم ﴾ ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف.

﴿ إيماناً ﴾ ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب.

﴿ الوكيل ﴾ ه ﴿ سوء ﴾ لا للعطف ﴿ رضوان الله ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ أولياءه ﴾ ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف ﴿ مؤمنين ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم من أحكام الجهاد.

وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية.

يقال: أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه.

والغل الحقد الكامن في الصدر.

والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في / أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار.

وقال  : " "من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" وقال أيضاً: " هدايا الولاة غلول" " وقال الجوهري: غل يغل غلولاً أي خان.

وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي  من الكبائر.

عن ثوبان عن رسول الله  : " "من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله  ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: " لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك.

لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك " ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أميناً في الأرض؟

هيهات.

وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد  ﴾ أي ما كان الله ليتخذ ولداً.

ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته.

وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش.

ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا.

ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح.

وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من / الإغلال.

قال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة.

قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد لقيل "يغلل" كما يقال: "يفسق ويكفر" والأولى أن يقال: هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك.

ومن هنا قال في الكشاف: معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً.

وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل؟

وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل.

فقال: بل يغل ويقتل.

ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله  أخذها.

وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل ﴿ ما كان لنا أن نشرك  ﴾ ﴿ ما كان ليأخذ أخاه  ﴾ ﴿ ما كان لنفس أن تموت  ﴾ ﴿ ما كان الله ليضل قوماً  ﴾ ﴿ وما كان الله ليطلعكم  ﴾ وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام "ما كان لك أن تضرب" بضم التاء.

والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس.

ويوافق هذه القراءة ما روي "أنه  لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلت" .

وعلى هذا يغل بمعنى يخان.

وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي "أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟

فقال  : لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم؟

فنزلت" .

وعن ابن عباس "أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي  من الغنائم بشيء زائد فنزلت" .

وقال الكلبي ومقاتل: "نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر.

فقال لهم  : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟

فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال  : بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم" .

وروي "أنه  بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع" فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية.

وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر.

وقيل: نزلت في أداء الوحي.

كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل: / ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم ﴿ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ﴾ أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة ﴿ يوم يحمى عليها في نار جهنم  ﴾ ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه.

وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل.

قلت: ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده.

قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادات فضيحته.

ومثله قوله  : " لكل غادر لواء يوم القيامة " وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته.

والمراد أنه  يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية.

وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة.

﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل: ثم يوفى ما كسب.

ثم فصل ما أجمل فقال: ﴿ أفمن اتبع ﴾ والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره "أمن اتقى فاتبع" قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول ﴿ كمن باء بسخط من الله ﴾ رجع منه بشدّة إرادة انتقام لأجل الغلول؟

وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال امر النبي  حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم يمتثلوا؟

وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون.

وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟

وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على العموم وإن كان سبب النزول خاصاً.

وقوله: ﴿ ومأواه جهنم ﴾ من تمام صلة من "باء".

وقوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ اعتراض.

قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يُسوى بين المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لهما وإهمالاً للطاعات وتنفيراً عنها.

﴿ هم درجات ﴾ قيل: أي لهم / درجات.

وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها.

وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا قال  : "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات.

وقيل: المراد ذوو درجات.

ثم الضمير إلى أي شيء يعود؟

قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب.

ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفاً لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله: ﴿ عند الله ﴾ وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا" ولا يراد به عندية المكان لتنزهه  عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفاً وأنه يليق بأهل الثواب.

وقال الحسن: يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب.

عن رسول الله  : "إن منها ضحضاحاً وغمراً " وقال: " إن أهون أهل النار عذاباً رجل يحذى له نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي " والأوجه أن يكون عائداً إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق.

وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: ﴿ ولكل درجات مما عملوا  ﴾ ﴿ والله بصير بما يعملون ﴾ فيجازيهم بمقدارها.

قوله عز من قائل: ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين ﴾ في النظم وجوه منها: أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة؟

ومنها كأنه  قال: لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم.

ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، فالطعن فيه طعن فيكم.

ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد.

ومعنى المنّ ههنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه.

والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول.

فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة، والنبي يورد عليهم / وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال.

وأيضاً إنهم وإن شهدت فطرتهم بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي  لهم.

وأيضاً أنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم.

وبالجملة فعقول البشر يمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس.

فكما لا يتم الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي  .

ومن الثاني أن هذا الرسول بعث ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنسهم عربياً مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده.

فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه.

وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به.

وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ وذلك أن الافتخار بإبراهيم  كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب.

ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان للعرب ما يقابل ذلك.

فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم.

وقيل: ﴿ من أنفسهم ﴾ أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل.

ويروى عن النبي  وعن فاطمة أنهما قرآ ﴿ من أنفسهم ﴾ بفتح الفاء أي أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً.

ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد  .

وأما سائر أوصافه من قوله: ﴿ يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وإعراب قوله: ﴿ وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ﴾ كما سلف في قوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة  ﴾ ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم.

فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً.

ثم لما أجاب عن نسبة النبي  إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: ﴿ أنى هذا ﴾ وأجاب عنها بقوله: ﴿ قل هو من عند انفسكم ﴾ والواو في قوله ﴿ أو لما أصابتكم ﴾ لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و ﴿ لما ﴾ ظرف ﴿ قلتم ﴾ ومقول القول ﴿ أنى هذا ﴾ و ﴿ وأصابتكم ﴾ في محل / الجر بإضافة ﴿ لما ﴾ إليه.

والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟

ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم؟

والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر.

وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى.

فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: ﴿ قد أصبتم مثليها ﴾ جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد؟

لكنه صرح بجواب آخر فقال: ﴿ قل هو من عند أنفسكم ﴾ وفي تقريره وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم.

وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مقارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة.

الثاني ما روي عن علي  أنه قال: جاء جبريل  إلى النبي  يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.

فذكر رسول الله  ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم.

فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر.

فمعنى ﴿ هو من عند أنفسكم ﴾ هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل.

وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه.

وعارضهم الأشاعرة بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه.

فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: ﴿ وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله ﴾ قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم.

وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، فاستعير الإذن للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع ﴿ ليعلم المؤمنين ﴾ أي ليتميزوا عن أهل النفاق.

وإنما لم يقل "وليعلم المنافقين" ليناسب المؤمنين لفظاً لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة.

﴿ وقيل لهم ﴾ قال الأصم: هذا القائل رسول الله  ، كان يدعوهم إلى / القتال.

وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم ﴿ تعالوا قاتلوا في سبيل الله ﴾ إن كان في قلبكم حب هذا الدين ﴿ أو ادفعوا ﴾ عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا.

وقال السدي وابن جريج: ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والرعب.

ثم إنه كأن سائلاً سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين إياهم إلى القتال؟

فقيل: ﴿ قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ﴾ كأنهم جحدوا أن يكون بين الفريقين قتالألبتة.

أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لوافقناكم عليه, ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في الجواب فاسد.

أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كافٍ في وجوب القتال والدفع عن النفس والمال.

والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد.

وأما الثاني فلأنه  لما وعدهم بالنصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس إلى التهليكة.

ولركاكة جوابهم قال: ﴿ هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان ﴾ لأنهم تباعدوا بهذا الجواب المنبىء عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل اليوم.

والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر العلماء: إنه تنصيص من الله  على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول الكفر.

قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ فهذه الزيادة لا شك فيها.

وقال الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه  لم يظهر القول بتكفيرهم ﴿ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ﴾ أي لا يتجاوز الإيمان حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا به من التوحيد ﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري أحوالهم فيما بينهم.

وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن والأمارات، وهو  عالم بتفاصيل ذلك ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض  ﴾ .

﴿ الذين قالوا ﴾ منصوب على الذم أو على البدل من ﴿ الذين نافقوا ﴾ أو مرفوع على الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير ﴿ يكتمون ﴾ وقيل: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في ﴿ أفواههم ﴾ أو ﴿ قلوبهم ﴾ ﴿ لإخوانهم ﴾ لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد / إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق.

والقائلون - عند جمهور المفسرين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه.

واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: ﴿ وقعدوا ﴾ أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال.

والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج.

﴿ لو أطاعونا ﴾ في أمرنا إياهم بالقعود ﴿ ما قتلوا ﴾ كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت.

"ومن يسمع يخل" فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن الجهاد فأجابهم الله  بقوله: ﴿ قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ﴾ في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره من أسباب النجاة, وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا.

وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.

جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: ﴿ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ﴾ والخطاب للرسول أو لكل أحد.

ومن قرأ على الغيبة فالضمير للرسول.

أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتاً.

وضمير المفعول للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً.

فحذف المفعول الأوّل لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكرو كما حذف المبتدأ في قوله: ﴿ بل أحياء ﴾ أي هم أحياء للدلالة.

عن ابن عباس قال: قال رسول الله  " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهارالجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآية " وعن جابر بن عبد الله قال: "نظر إليّ رسول الله  فقال: ما لي أراك مهتماً؟

قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك ديناً وعيالاً.

فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً.

فقال: يا عبدي سلني أعطك.

فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.

فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.

فقال: يا رب فأبلغ من روائي " فنزلت.

وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت / الآية في شهداء بئر معونة.

وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون.

واختلف العلماء في معنى هذه الحياة.

فعن طائفة أنها على سبيل المجاز.

وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبة.

وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك.

ومن هذه الطائفة من قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ألبتة.

روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع.

قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دماً.

ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت.

فالثواب أولى.

وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتاً والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في قوم القيامة، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه.

وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير.

وبقوله: ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة.

وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة.

وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل.

ولأن الإنسان يكون عالماً بنفسه حالماً يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم.

ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسماً مخصوصاً سارياً أو جوهراً مجرداً لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حياً أو أماته الله فيعيده حياً, وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات.

ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح، وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سروراً وابتهاجاً وفرحاً وارتياحاً، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها المعارف الإلهية، وأكثر أرباب / الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية.

ثم منهم من قال: إنه  يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها.

ومن الناس من طعن في هذه القول وقال: إن تجويز كون البدن الميت الملقى في التراب حياً متنعماً عاقلاً عارفاً نوع من السفسطة.

والحق في هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأوّل بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقاً وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة.

والذي أقوله: إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها.

وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير الأطوار كما كان يتغير في مدّة العمر بحسب الأسنان والأمزجة.

والتحقيق فيه أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر؟

فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى.

وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهداً في القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما روي "أنه  وقف على قليب بدر وقال: يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟

فإني وجدت ما وعدني الله حقاً.

فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟

فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئاً" .

وفي حديث عذاب القبر " إنه ليسمع قرع نعالهم " ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء وهو السر في آخر حديث عذاب القبر " فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين" وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله  بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة كما قتلوا تعجيلاً للثواب.

وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم.

فافهم / هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله أعلم.

ومعنى ﴿ عند ربهم ﴾ أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: ﴿ فالذين عند ربك  ﴾ أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا".

يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها التنعم برزق الله كما ورد في الحديث.

﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها.

وقال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم.

فقوله: ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى المنفعة وقوله: ﴿ فرحين ﴾ إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم.

بلسان الحكماء ﴿ يرزقون ﴾ إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و ﴿ فرحين ﴾ رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، و ﴿ يستبشرون بالذين ﴾ بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم.

والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة.

ومعنى ﴿ من خلفهم ﴾ أنهم بقوا بعدهم.

وقيل لم يحلقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم ﴿ ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ بدل الاشتمال من "الذين".

وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم, وإنما بشرهم الله بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله  بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله: ﴿ فرحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله ﴿ ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ﴾ ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكد فقال: ﴿ يستبشرون بنعمة من الله ﴾ وهي الثواب.

وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم.

﴿ وأن الله ﴾ أي وبأن الله ﴿ لا يضيع أجر المؤمنين ﴾ وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين.

ثم إنه  مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى.

أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبقَ منهم إلاّ القليل.

فلم تركناهم؟

فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس.

فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى الله الرعب في قلوب / المشركين وانهزموا.

فنزلت ﴿ الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا ﴾ بإتيان جميع المأمورات ﴿ واتقوا ﴾ بالانتهاء عن المحظورات ﴿ وأحسنوا ﴾ في طاعة الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات.

روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة.

ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة.

و "من" في قوله: ﴿ للذين أحسنوا منهم ﴾ للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم.

وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي  بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي  ودفنهم بدمائهم.

وذكروا "أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال  للزبير: ردّها لئلا تجزع من مثلة أخيها.

فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله  .

فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيراً واستغفرت له.

وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول  وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر" .

وأما الثانية فروى ابن عباس "أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت.

فقال  لعمر: قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله.

فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع.

ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل.

فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم.

فقال  : والذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وحدي.

فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام.

فلم يلق رسول الله  وأصحابه أحداً من المشركين.

وكانت معهم تجارت ونفقات فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين.

ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل الله في المؤمنين ﴿ الذي قال لهم الناس ﴾ " يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه.

وإنما عبر / عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد.

ولأن الواحد إذا قال قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله  : ﴿ وإذا قتلتم نفساً  ﴾ وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: "مر ركب من عبد القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلاً - حمل بعير من زبيب -" .

وقال السدي: هم منافقو المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه.

والمفعول محذوف أي جمعوا لكم الجموع.

والعرب تسمي الجيش جمعاً.

﴿ فاخشوهم فزادهم ﴾ قول نعيم أو قول المثبطين ﴿ إيماناً ﴾ لأنهم لم يسمعوا قولهم وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى بحسب زيادتها ونقصانها.

وأما من قال: الإيمان عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها جعلت في الإيمان مجازاً.

وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل الكتاب.

وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل  حين ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله.

وقد مر إعراب مثله في البقرة في قوله: ﴿ فحسبه جهنم  ﴾ ﴿ ونعم الوكيل ﴾ الكافي أو الكافل أو الموكول إليه هو.

ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوا فخرجوا ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله ﴾ وهي العافية ﴿ وفضل ﴾ وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة ﴿ لم يمسسهم سوء ﴾ لم يصبهم قتل ولا جراح وصفهم بأنه حصل لهم الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، وإن ذلك ثمرة الإخلاص والتوكل على الله  وتعالى .

ثم روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟

فقال  : ﴿ واتبعوا رضوان الله ﴾ ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين حيث قضوا ما عليهم.

ثم قال: ﴿ والله ذو فضل عظيم ﴾ تنبيهاً على أن السبب الكلي في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحداً إلا إياه وذلك قوله: ﴿ إنما ذلكم ﴾ المثبط هو ﴿ الشيطان ﴾ لعتوّه وتمرده وإعوائه، ثم بين شيطنته بقوله: ﴿ يخوّف أولياءه ﴾ أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر والمعفول الأوّل محذوف أي يخوّفكم أولياءه ﴿ فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ﴾ فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء المثبطين.

والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه.

وقيل: الشيطان هو إبليس.

وقيل: المضاف محذوف والتقدير إنما / ذلكم قول الشيطان.

وقيل: يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله  .

وعلى هذا فالضمير في ﴿ فلا تخافوهم ﴾ للناس في قوله: ﴿ إن الناس قد جمعوا لكم ﴾ وقيل: التقدير يخوّفكم بأوليائه كقوله: ﴿ ويخوّفونك بالذين من دونه  ﴾ فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر.

الله حسبي.

التأويل: قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها.

فالآن نقول: إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين و الصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة.

وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج ﴿ يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين  ﴾ وكما ورد في حديث الشهداء " "من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة" والذي جاء فيه " "إن أرواحهم في أجواف طير خضر" فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً.

فمن الممكن أن يخلق الله  من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله  .

وأما كون الطيرخضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة ﴿ تعرف في وجوههم نضرة النعيم  ﴾ وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: ﴿ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه  ﴾ وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله  ورسوله أعلم بمرادهما.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ : قيل: أجابوا الله - عز وجل - والرسول  إلى ما دعاهم إليه، وأطاعوا فيما أمرهم به من بعد ما أصابهم القرح،، أي: الجراحة.

قيل: دعاهم إلى بدر الصغرى بعد ما أصابهم بأحد القروح والجراحات؛ فأجابوه، فذلك قوله -  -: ﴿ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ...

﴾ الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ ﴾ : في الإجابة له بعدما أصابتهم الجراحة، وشهدوا القتال معه.

﴿ وَٱتَّقَواْ ﴾ : الخلاف له، وترك الإجابة، ويحتمل: اتقوا النار وعقوبته.

﴿ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ : في الحنة وثواب جزيل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ...

﴾ الآية: قيل: إن المنافقين قالوا لأصحاب رسول الله  بعد ما انهزم كفار مكة وولوا أدبرهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، يخوفونهم؛ حتى لا يتبعوهم على أثرهم، فذلك عادتهم لم تزل؛ كقوله -  -: ﴿ مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً  ﴾ أي: فساداً.

وقيل: إنه إنما قال ذلك لهم رجل يقال لهم: نعيم بن مسعود، ولا ندري كيف كانت القصة؟.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ : لما وجدوا الأمر على ما قال لهم رسول الله  ووعد لهم، لا على ما قال أولئك؛ فزادهم ذلك إيماناً، أي: تصديقاً.

زادهم: قيل: جراءة وقوة وصلابة على ما كانوا من قبل في الحرب والقتال، ويحتمل: زادهم ذلك في أيمانهم قوة وصلابة وتصديقاً.

وقيل: قوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، أي: تصديقاً ويقيناً بجرأتهم على عدوهم، ويقينهم بربهم، واستجابتهم لنبيهم  .

فإن قال قائل: ما معنى قوله -  وتعالى -: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ على أثر قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ﴾ ، وقول ذلك قول لا يحتمل أن يزيد الإيمان، وليس كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً  ﴾ ؛ لأنها حجج، والحجج تزيد التصديق، أو تحدث، أو تدعوا إلى الثبات على ذلك؛ فيزيد الإيمان؛ فقولهم: اخشوهم، كيف يزيد؟

قيل: يخرج ذلك - والله أعلم - على وجوه: أحدها: أنهم إذا علموا أنهم أهل النفاق، وأنهم يخوفون بذلك، وقد كان وعدهم رسول الله  بصنيعهم، فكذبوهم بذلك، وأقبلوا نحو أمر رسول الله صلى الله عليه سلم إجابة لأمره؛ وتصديقاً بوعده، ومجانبة لاغترارهم بأخبار أعدائه والنزول على قولهم؛ فكان ذلك منهم - عند ذلك - زائداً في إيمانهم مع ما في تكذيبهم؛ ذلك نحو قوله - عز وجل: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...

 ﴾ الآية: إنه إذا زاد بتكذيب آيات الله رجساً؛ فمثله تكذيب المكذب بالآيات؛ لذلك يزيد إيماناً، والله أعلم.

والثاني: أن يكون رسول الله  أخبرهم بتفرق أعداء الله، وتشتت أمرهم، وأخبرهم المنافقون بالاجتماع؛ فصاروا إلى ما نعتهم به رسول الله  ؛ فوجدوا الأمر على ما قال [رسول الله  ]، وذلك من أنباء الغيب، [والإنباء عن الغيب] من أعظم آيات النبوة؛ فزادهم ذلك إيماناً، والله أعلم، وذلك، قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

والثالث: لم لما يغتروا بقول المنافقين، ولا قصدوا لذلك، ولا ضعفوا؛ فأنزل الله -  - سكينته على قلوبهم؛ ليزيد لهم بذلك إيماناً؛ كقوله -  -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ...

﴾ الآية [الفتح: 4]، وبالله التوفيق.

ثم معنى زيادة الإيمان بتخرج على وجوه: أحدها: بحق الابتداء في حادث الوقت؛ إذ له حكم التجدد في حق الأفعال بما هو للكفر به تارك؛ وعلى ذلك قوله -  -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [النساء: 136]، فيكون ذلك بحق الزيادة على ما مضى، وإن كان بحق التجدد في حق الحادث والفرد.

والثاني: أن يكون له الثبات عليه؛ إذ حجج الشيء توجب لزومه، والدوام عليه؛ فسمى ذلك زيادة.

ويحتمل: أن يكون يزداد له في أمره بصيرة، وعلى ما رغب فيه إقبالاً، ولحوقه مراعاة؛ فيكون في ذلك زيادة في قوته أو في نوره، أو بزينته وتمامه، وذلك أمر معروف.

ويحتمل: أن يكون ذلك داع إلى محافظة حقوق، والتمسك بأدلته، والوفاء بشرائطه؛ فيزيد ذلك فضله؛ كما عدت صلاة واحدة في التحقيق ألفاً؛ بما في ذلك من حفظ الحقوق ومراعاتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ﴾ : فزعوا إلى الله -  - بما رأوا من صدق وعد رسول الله  لهم وظهور كذب قول المنافقين: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ...

﴾ الآية، أو قالوا ذلك عند قول المنافقين إياهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ؛ فوضوا أمرهم [إلى الله  ]، وسلموا لما رأوا النصر منه؛ رضاء منهم بكل ما يصيبهم، كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ﴾ : مدحهم الله - عز وجل - بما رأوا أنفسهم لله؛ فكذلك هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ .

أي: ذو منّ عظيم، يدفع المشركين عن المؤمنين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ .

يحتمل النعمة: [نعمة الدين]، على ما ذكرنا.

وقيل: انقبلوا بنصر من الله والغنيمة، ويحتمل: النعمة من الله: الأمن من العدو؛ لأن المنافقين كانوا يخوفونهم بقولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ ، ويحتمل: النعمة: الجنة، وفضلَ الزيادة على ذلك.

وقيل: انصرفوا بأجر من الله وفضل، وهو ما تشوقوا به من الشوق: ﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ﴾ ولا قتل، ولا هزيمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ ﴾ أي: اتبعوا العمل الذي به رضوان الله، ورضاء رسوله  .

وقيلأ: اتبعوا طاعته ورضاه.

ويحتمل قوله: ﴿ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ : الزيادة في الإيمان، وهو الصلابة والقوة فيه.

وقوله: ﴿ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ ﴾ : مما كانوا يخوفونهم بقوله: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ ﴾ .

ويحتمل قوله -  -: ﴿ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: رجعوا بمحمد،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ﴾ يخوف أولياءه وأعداءه، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياؤه يخافونه؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ : ومن لم يتبع، لكن من اتبع الذكر كان يقبل إنذاره، ومن لم يتبع الذكر لا؛ وإلا [فإنه] كان ينذر الفريقين جميعاً؛ فعلى ذلك الشيطان كان يخوف أولياءه وأعداءه جميعاً، لكن أعداءه لا يخافونه، وأولياءه يخافونه.

ويحتمل قوله: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ ، أي: بأوليائه، وجائز هذا في الكلام؛ كقوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ  ﴾ ، أي: بيوم الجمع؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ ، أي: بأوليائه، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  -: يخفوكم أولياءه، وهذا يؤيد تأويل من يتأول: يخوف بأوليائه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي: لا تخافوه لمخالفتكم إياه، ﴿ وَخَافُونِ ﴾ ، أي: خافوا مخالفتكم أمري؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ  ﴾ أخبر أنْ ليس له سلطان على الذين آمنوا؛ إنما سلطانه على الذين يتولونه؛ لذلك قال: لا تخافوه؛ لما ليس له عليكم سلطان، وخافون؛ لما [لي] عليكم سلطان، وبالله العصمة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين قال لهم بعض المشركين: إن قريشًا بقيادة أبي سفيان قد جمعوا لكم جموعًا كثيرة لقتالكم والقضاء عليكم فاحذروهم واتقوا لقاءهم، فزادهم هذا الكلام والتخويف تصديقًا بالله وثقة بوعده، فخرجوا إلى لقائهم وهم يقولون: يكفينا الله تعالى، وهو نِعْمَ من نفوِّض إليه أمرنا.

من فوائد الآيات من سنن الله تعالى أن يبتلي عباده؛ ليتميز المؤمن الحق من المنافق، وليُعلم الصادق من الكاذب.

عِظَم منزلة الجهاد والشهادة في سبيل الله وثواب أهله عند الله تعالى حيث ينزلهم الله تعالى بأعلى المنازل.

فضل الصحابة وبيان علو منزلتهم في الدنيا والآخرة؛ لما بذلوه من أنفسهم وأموالهم في سبيل الله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.wrgNq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تطرف جماعة فزعموا أن حياة الشهداء كحياتنا هذه في الدنيا يأكلون أكلنا، ويشربون شربنا ويتمعتون تمتعنا، وهو قول لا يصدر عن عاقل لأن من الشهداء من يحرق بالنار، ومن تأكله السباع أو الأسماك، وقال بعضهم المراد أن أجسادهم لا تبلى، ولم يزد على ذلك، ولكن هذا لم يثبت، على أن الجسد لا ثمرة له إذا خرجت منه الروح.

﴿ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ .

إنما قال: ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ  ﴾ للدلالة على أنهم وراءهم يقتفون أثرهم ويحذون حذوهم قدمًا بقدم، فهو قيد فيه الخبر والحث والترغيب والمدح والبشارة، وهو من البلاغة بالمكان الذي لا يطاول.

﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ  الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ  ﴾ ذُكر في الآية السابقة استبشارهم بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله ثم ذكر هنا أنه يستبشرون بنعمة من الله وفضل، فالذي آتاهم من فضله مجمل تفصيله ما بعده وهو قسمان: فضل عليهم في إخوانهم الذين وراءهم، وفضل عليهم في أنفسهم وهو نعمة الله عليهم وفضله الخاص بهم في دار الكرامة، وقد أبهمه فلم يعينه للدلالة على عظمه وعلى كونه غيبًا لا يكتنه كنهه في هذه الدار.

ثم اختتم الكلام بفضله على إخوانهم كما افتتحه به وترك العطف لتنزيل الاستبشار الثاني منزلة الاستبشار الأول حتى كأنه هو.

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ  ﴾ : "من" للتبعيض وهي في محلها لأن من المؤمنين الصادقين من لم يخرج معه  إلى "حمراء الأسد" أي وهم من الذين لا يضيع الله أجرهم ولكنهم لا يستحقون الأجر العظيم الذي استحقه الذين خرجوا معه وهم مثقلون بالجراح ومرهقون من الإعياء إلى استئناف قتال أضعافهم من الأقوياء.

وثم وجه آخر وهو أنه وجد في نفوس بعض المؤمنين بعد أُحد شيء من الضعف فهذه الآيات كلها تأديب لهم، ولما دعاهم  للخروج لبوا واستجابوا له ظاهرًا وباطنًا، ولكن عرض لبعضهم عند الخروج بالفعل موانع في أنفسهم، أو أهليهم، فلم يخرجوا فأراد من الذين أحسنوا واتقوا الذين خرجوا بالفعل وهم بعض الذين استجابوا، والإحسان أن يعمل الإنسان العمل على أكمل وجوهه الممكنة والتقوى أن يتقي الإساءة والتقصير فيه.

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ  ﴾ الذين قال لهم الناس هم الذين استجابوا لله وللرسول فخرجوا إلى حمراء الأسد للقاء المشركين إذ عاد بهم أبو سفيان لاستئصالهم وكانوا سبعين رجلًا.

ولكن روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعكرمة أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى وذلك أن أبا سفيان قال حين أراد أن ينصرف من أُحد: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر القابل إن شئت، فقال رسول الله  "ذلك بيننا وبينك إن شاء الله"، فلما كان العام القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل "مجنة" من ناحية "مر الظهران" وقيل بلغ "عسفان" فألقى الله تعالى الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمرًا فقال له أبو سفيان: إني وعدت محمدًا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام ترعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي أن أرجع وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها في يدي سهيل بن عمرو.

فأتى نعيم المدينة فوجد المسلمين يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال لهم: ما هذا بالرأي، أتوكم في دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون أن تخرجوا إليهم وقد جمعوا لكم عند الموسم!

فوالله لا يفلت منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم فقال رسول الله  : "والذي نفسي بيده لأخرجن ولو وحدي"، فخرج ومعه سبعون راكبًا يقولون "حسبنا الله ونعم الوكيل" حتى وافى بدرًا فأقام بها ثمانية أيام ينتظر أبا سفيان فلم يلقوا أحدًا لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة، فسماه أهل مكة جيش السويق، وقالوا لهم إنما خرجتم لتشربوا السويق.

قال بعضهم ووافى المسلمون سوق بدر وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوا واشتروا أدمًا وزبيبًا، وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، وقال في ذلك عبد الله بن رواحة أو كعب بن مالك: وعدنا أبا سفيان وعدًا فلم نجد لميعاده صدقًا وما كان وافيًا فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميمًا وافتقدت المواليا تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمرًا أبا جهل تركناه ثاويًا عصيتم رسول الله أف لدينكم وأمركم الشيء الذي كان غاويًا وإني وإن عنفتموني لقائل فدى لرسول الله أهلي وماليا أطعناه لم نعد له فينا بغيره شهابًا لنا في ظلمة الليل هاديًا فعلى هذه الرواية يكون المراد بالناس الذين قالوا للمؤمنين إن الناس قد جمعوا لكم نعيم بن مسعود ومن وافقه فأذاع قوله، وعن الشافعي أنهم أربعة.

وروي أن ركبًا من عبد القيس مروا بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلًا.

وعزاه الرازي إلى ابن عباس ومحمد بن اسحق، وذكر قولًا ثالثًا عن السدي أن الناس الذين قالوا هم المنافقون، وأما الناس الذين جمعوا الجموع لقتال المسلمين فهم أبو سفيان وأعوانه قولًا واحدًا، وعندي أنه يجوز أن يكون نعيم بن مسعود قال ذلك، وأن يكون قاله ركب عبد القيس، وتحدث به المنافقون، فإن الأمر الكبير من شأنه أن يتحدث به الناس ويذهبون فيه مع أهوائهم، كما أن السبعين الذين خرجوا مع النبي  إلى بدر الصغرى يجوز أن يكونوا هم الذين خرجوا معه إلى حمراء الأسد، فتصدق الآية على القصتين، وتكون الآيات متأخرة النزول عما قبلها.

وذكر ابن القيم في زاد المعاد والحلبي أن النبي  خرج إلى بدر الموعد في ألف وخمسمائة، ويجمع بينه وبين القول الأول بأن يكون خرج أولًا بالسبعين ثم تبعه الباقون.

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، في الآية التنبيه في الموازنة بين أولياء الشيطان من مشركي مكة وغيرهم، وبين ولي المؤمنين القادر على كل شيء كأنه يقول: عليكم أن توازنوا بين قوتي وقوتهم، ونصرتي ونصرتهم فأنا الذي وعدتكم النصر، وأنا وليكم ونصيركم ما أطعتموني أطعتم رسولي، وفي هذا المقام شبهة تعرض لبعضهم، يقولون إن تكليف عدم الخوف من تكليف ما لا يستطاع، ولا يدخل في الوسع، فإن الإنسان إذا علم أن العَدد الكثير ذا العُدَد العظيمة يريد أن يواثبه وينزل به العذاب بأن رآه أو سمع باستعداده من الثقات فإنه لا يستطيع أن لا يخافه، فكان الظاهر أن يؤمروا بإكراه النفس على المقاومة والمدافعة مع الخوف لا أن ينهوا عن الخوف، والجواب: إن هذه الشبهة حجة الجبناء، فهي لا تطوف إلا في خيال الجبان، فإن أعمال النفس من الخوف والحزن والفرح يتراءى للإنسان انها اضطرارية وأن آثارها كائنة لا محالة مهما حدث سببها، والحقيقة أن ذلك اختيري من وجهين: أحدهما: إن هذه الأمور تأتي بالعادة والمزاولة ولذلك تختلف باختلاف الشعوب والأجيال، فمن اعتاد الإحجام عند الحاجة إلى الدفاع يصير جبانًا، والعادات خاضعة للاختيار بالتربية والتمرين، ففي استطاعة الإنسان أن يقاوم أسباب الخوف ويعوّد نفسه الاستهانة بها.

وثانيهما: أن هذه الأمور إذا حدثت بأسبابها فالإنسان مختار في الإسلاس لها، والاسترسال معها حتى يتمكن أثرها في النفس وتتجسم صورتها في الخيال، ومختار في ضد ذلك وهو مغالبتها والتعمل في صرفها وشغل النفس بما يضادها ويذهب بأثرها أو يتبدل به أثرًا آخر مناقضًا له، فهذا الأمر الاختياري هو مناط التكليف، كأنه يقول: إذا عرضت لكم أسباب الخوف فاستحضروا في نفوسكم قدرة الله على كل شيء، وكونه بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه، وتذكروا وعده بنصركم وإظهار دينكم على الدين كله، وأن الحق يدمغ الباطل فإذا هو زاهق، وتذكروا قوله: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ ثم خذوا أهبتكم وتوكلوا على ربكم فإنه لا يدع لخوف غيره مكانًا في قلوبكم.

إن الوجه الأول إنما يتعلق به الاختيار في التربية التدريجية، والثاني يتعلق به الاختيار فورًا في كل وقت.

وإن قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ يفيد وجوب توثيق الإيمان بالله في القلب قبل كل شيء لأن تلك الخواطر والهواجس التي تحدث الخوف من أولياء الشيطان لا يمحوها من لوح القلب إلا الإيمان الصحيح لثابت، وفي قوله ﴿ إِنْ كُنْتُمْ  ﴾ إشارة إلى أن إيمان من يرجح الخوف من أولياء الشيطان على الخوف من الله تعالى مشكوك فيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله