الآية ١٩٠ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٩٠ من سورة آل عمران

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ١٩٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 123 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٠ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الطبراني : حدثنا الحسن بن إسحاق التستري ، حدثنا يحيى الحماني ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أتت قريش اليهود فقالوا : بم جاءكم موسى ؟

قالوا : عصاه ويده بيضاء للناظرين .

وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى ؟

قالوا : كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا .

فدعا ربه ، فنزلت هذه الآية : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) فليتفكروا فيها .

وهذا مشكل ، فإن هذه الآية مدنية .

وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة .

والله أعلم .

ومعنى الآية أنه يقول تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض ) أي : هذه في ارتفاعها واتساعها ، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات ، وثوابت وبحار ، وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار ، وحيوان ومعادن ومنافع ، مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص ( واختلاف الليل والنهار ) أي : تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر ، فتارة يطول هذا ويقصر هذا ، ثم يعتدلان ، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا ، ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم ، ولهذا قال : ( لأولي الألباب ) أي العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها ، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون الذين قال الله [ تعالى ] فيهم : ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) [ يوسف : 105 ، 106 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) قال أبو جعفر: وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره على قائل ذلك، وعلى سائر خلقه، بأنه المدبر المصرّف الأشياء والمسخِّر ما أحب، وأن الإغناء والإفقار إليه وبيده، فقال جل ثناؤه: تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من السموات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم، وفيما عقَّبت بينه من الليل والنهار فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم، (27) تتصرفون في هذا لمعاشكم، وتسكنون في هذا راحة لأجسادكم= معتبر ومدَّكر، وآيات وعظات.

فمن كان منكم ذا لُبٍّ وعقل، يعلم أن من نسبني إلى أنّي فقير وهو غني كاذب مفتر، (28) فإنّ ذلك كله بيدي أقلّبه وأصرّفه، ولو أبطلت ذلك لهلكتم، فكيف ينسب إلى فقر من كان كل ما به عيش ما في السموات والأرض بيده وإليه؟

(29) أم كيف يكون غنيًّا من كان رزقه بيد غيره، إذا شاء رزقه، وإذا شاء حَرَمه؟

فاعتبروا يا أولي الألباب.

---------------------- الهوامش : (27) عاقب بين الشيئين: راوح بينهما ، لهذا مرة ولذاك مرة.

واستعمل الطبري"عقب" مشددة القاف ، بنفس المعنى ، كما يقال: "ضاعف وضعف" ، و"عاقد وعقد".

و"اعتقب الليل والنهار" جاء هذا بعد هذا ، دواليك.

(28) في المخطوطة: "يعلم أنه أن من نسبي إلى أني فقير وهو غني ، دادب معى" ، وهو كلام مصحف مضطرب ، والذي في المطبوعة أشبه بالصواب إن شاء الله.

(29) في المطبوعة: "فكيف ينسب فقر إلى من كان..." ، أخر"إلى" ، والصواب الجيد تقديمها كما في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن في خلق السماوات والأرض تقدم معنى هذه الآية في " البقرة " في غير موضع .

فختم تعالى هذه السورة بالأمر بالنظر والاستدلال في آياته ; إذ لا تصدر إلا عن حي قيوم قدير وقدوس سلام غني عن العالمين ، حتى يكون إيمانهم مستندا إلى اليقين لا إلى التقليد .لآيات لأولي الألباب الذين يستعملون عقولهم في تأمل الدلائل .

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لما نزلت هذه الآية على النبي قام يصلي ، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، فرآه يبكي فقال : يا رسول الله ، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر !

فقال : يا بلال : أفلا أكون عبدا شكورا ، ولقد أنزل الله علي الليلة آية إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب - ثم قال : ( ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ) .قال العلماء : يستحب لمن انتبه من نومه أن يمسح على وجهه ، ويستفتح قيامه بقراءة هذه العشر الآيات اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما وسيأتي ، ثم [ ص: 291 ] يصلي ما كتب له ، فيجمع بين التفكر والعمل ، وهو أفضل العمل على ما يأتي بيانه في هذه الآية بعد هذا .

وروي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة " آل عمران " كل ليلة ، خرجه أبو نصر الوائلي السجستاني الحافظ في كتاب " الإبانة " من حديث سليمان بن موسى عن مظاهر بن أسلم المخزومي عن المقبري عن أبي هريرة .

وقد تقدم أول السورة عن عثمان قال : من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } وفي ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها، والتبصر بآياتها، وتدبر خلقها، وأبهم قوله: { آيات } ولم يقل: \"على المطلب الفلاني\" إشارة لكثرتها وعمومها، وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية، فأما تفصيل ما اشتملت عليه، فلا يمكن لمخلوق أن يحصره، ويحيط ببعضه، وفي الجملة فما فيها من العظمة والسعة، وانتظام السير والحركة، يدل على عظمة خالقها، وعظمة سلطانه وشمول قدرته.

وما فيها من الإحكام والإتقان، وبديع الصنع، ولطائف الفعل، يدل على حكمة الله ووضعه الأشياء مواضعها، وسعة علمه.

وما فيها من المنافع للخلق، يدل على سعة رحمة الله، وعموم فضله، وشمول بره، ووجوب شكره.

وكل ذلك يدل على تعلق القلب بخالقها ومبدعها، وبذل الجهد في مرضاته، وأن لا يشرك به سواه، ممن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

وخص الله بالآيات أولي الألباب، وهم أهل العقول؛ لأنهم هم المنتفعون بها، الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الاسفراييني ، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ ، أنا أحمد بن عبد الجبار ، أنا ابن فضيل ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه استيقظ فتسوك ثم توضأ وهو يقول : ( إن في خلق السماوات والأرض ) حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود ، ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات كل ذلك يستاك ثم يتوضأ ثم يقرأ هؤلاء الآيات ، ثم أوتر بثلاث ركعات ثم أتاه المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول : " اللهم اجعل في بصري نورا وفي سمعي نورا وفي لساني نورا واجعل خلفي نورا وأمامي نورا واجعل من فوقي نورا ومن تحتي نورا اللهم أعطني نورا " .

ورواه كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما وزاد : " اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن يساري نورا " .

قوله تعالى : ( لآيات لأولي الألباب ) ذوي العقول ثم وصفهم فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن في خلق السماوات والأرض» وما فيهما من العجائب «واختلاف الليل والنهار» بالمجيء والذهاب والزيادة والنقصان «لآيات» دلالات على قدرته تعالى «لأولي الألباب» لذوي العقول.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن في خلق السموات والأرض على غير مثال سابق، وفي تعاقُب الليل والنهار، واختلافهما طولا وقِصَرًا لدلائل وبراهين عظيمة على وحدانية الله لأصحاب العقول السليمة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - أن ملك السموات والأرض بقبضته ، أشار - سبحانه - إلى ما فيهما من عبر وعظات فقال : { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب } .أى : إن فى إيجاد السموات والأرض على هذا النحو البديع ، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب وبحار وزروع وأشجار .

.

.

وفى إيجاد الليل والنهار على تلك الحالة المتعاقبة ، وفى اختلافهما طولا وقصرا .

.

فى كل ذلك لأمارات واضحة ، وأدلة ساطعة ، لأصحاب العقول السليمة على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته ، وباهر حكمته .وصدرت الجملة الكريمة بحرف " إن " للاهتمام بالخبر ، وللاعتناء بتحقيق مضمون الجملة .أى إن فى إيجاد السموات والأرض وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب ، وما اشتملتا عليه من البدائع ، وفى اختلاف الليل والنهار .

.

.

إن فى كل ذلك من العبر والعظات ما يحمل كل عاقل على الاعتراف بوحدانية الله ، وكمال قدرته وحكمته .والمراد بأولى الألباب : أصحاب العقول السليمة ، والأفكار المستقيمة ، لأن لب الشىء هو خلاصته وصفوته .ولقد قال الزمخشرى فى صفة أولى الألباب : " هم الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار ، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطرة .

وفى الحكم : املأ عينيك من زينة هذه الكواكب ، وأجلهما فى جملة هذه العجائب متفكرا فى قدرة مقدرها ، متدبرا فى حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر ، ويحال بينك وبين النظر " .هذا ، وقد أورد المفسرون كثيرا من الآثار فى فضل هذه الآيات العشر التى اختتمت بها سورة آل عمران ، ومن ذلك قول ابن كثير - رحمه الله - :وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده فقد روى البخارى - رحمه الله - عنابن عباس - رضى الله عنهما - قال : بت عند خالتى ميمونة ، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد : فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال : { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض } .

.

.

الآيات .ثم قام فتوضأ واستن ، ثم صلى إحدى عشرة ركعة ، ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح .وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مضى شطر من الليل فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض } إلى آخر السورة .ثم قال : " اللهم اجعل فى قلبى نوراً ، وفى سمعى نوراً ، وفى بصرى نوراً ، وعن يمينى نوراً ، وعن شمالى نوراً ، ومن بين يدى نوراً ، ومن خلفى نوراً ، ومن فوقى نوراً ، ومن تحتى نوراً .

وأعظم لى نوراً يوم القيامة " .وروى ابن مردويه عن عطاء قال : " انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة - رضى الله عنها - فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب فقال لها ابن عمر : أخبرينا بأعجب ما رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فبكت وقالت : كل أمره كان عجبا!!

أتانى فى ليلتى حتى مسَّ جلده جلدى ثم قال : يا عائشة : ذرينى أتعبد لربى - عز وجل - قالت : فقلت والله أنى لأحب قربك وإنى أحب أن تعبد ربك .فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء ، ثم قام يصلى فبكى حتى بل لحيته ، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض ، ثم اضطجع على جنبه فبكى .

ثم إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت : فقال : يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال : ويحك يا بلال!!

وما يمنعنى أن أبكى وقد أنزل الله على هذه الليلة : { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض } إلخ الآيات .ثم قال : ويل لمن يقرأها ولم يتفكر فيها " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق الى الاستغراق في معرفة الحق، فلما طال الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد الى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال، فذكر هذه الآية.

قال ابن عمر: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال لي: يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي، فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب مرادك قد أذنت لك.

فقام الى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي، فقرأ من القرآن وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي، فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا، ثم قال: ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها وروي: ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل فيها.

وعن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوك ثم ينظر الى السماء ويقول: إن في خلق السموات والأرض.

وحكى أن الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة.

فعبدها فتى من فتيانهم فما أظلته السحابة، فقالت له أمه: لعل فرطة صدرت منك في مدتك، قال: ما أذكر، قالت: لعلك نظرة مرة الى السماء ولم تعتبر قال نعم، قالت: فما أتيت إلا من ذلك.

واعلم أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة البقرة، وذكرها هنا أيضا، وختم هذه الآية في سورة البقرة بقوله: ﴿ لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ﴾ وختمها هاهنا بقوله: ﴿ لأيات لأُوْلِى الألباب ﴾ وذكر في سورة البقرة مع هذه الدلائل الثلاثة خمسة أنواع أخرى، حتى كان المجموع ثمانية أنواع من الدلائل، وهاهنا اكتفى بذكر هذه الأنواع الثلاثة: وهي السموات والأرض، والليل والنهار، فهذه أسئلة ثلاثة: السؤال الأول: ما الفائدة في إعادة الآية الواحدة باللفظ الواحد في سورتين؟

والسؤال الثاني: لم اكتفى هاهنا باعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف الخمسة الباقية؟

والسؤال الثالث: لم قال هناك: ﴿ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ لأُوْلِى الألباب ﴾ .

فأقول والله أعلم بأسرار كتابه: إن سويداء البصيرة تجري مجرى سواد البصر فكما أن سواد البصر لا يقدر أن يستقصي في النظر إلى شيئين، بل إذا حدق بصره نحو شيء تعذر عليه في تلك الحالة تحديق البصر نحو شيء آخر، فكذلك هاهنا إذا حدق الإنسان حدقة عقله نحو ملاحظة معقول امتنع عليه في تلك الحالة تحديق حدقة العقل نحو معقول آخر، فعلى هذا كلما كان اشتغال العقل بالالتفات إلى المعقولات المختلفة أكثر، كان حرمانه عن الاستقصاء في تلك التعقلات والادراكات أكثر، فعلى هذا: السالك إلى الله لابد له في أول الأمر من تكثير الدلائل، فإذا استنار القلب بنور معرفة الله صار اشتغاله بتلك الدلائل كالحجاب له عن استغراق القلب في معرفة الله، فالسالك في أول أمره كان طالباً لتكثير الدلائل، فعند وقوع هذا النور في القلب يصير طالباً لتقليل الدلائل، حتى إذا زالت الظلمة المتولدة من اشتغال القلب بغير الله كمل فيه تجلى أنوار معرفة الله، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاخلع نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى  ﴾ والنعلان هما المقدمتان اللتان بهما يتوصل العقل إلى المعرفة فلما وصل إلى المعرفة أمر بخلعهما، وقيل له: إنك تريد أن تضع قدميك في وادي قدس الوحدانية فاترك الاشتغال بالدلائل.

إذا عرفت هذه القاعدة، فذكر في سورة البقرة ثمانية أنواع من الدلائل، ثم أعاد في هذه السورة ثلاثة أنواع منها، تنبيها على أن العارف بعد صيرورته عارفا لابد له من تقليل الالتفات الى الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فكان الغرض من إعادة ثلاثة أنواع من الدلائل وحذف البقية، التنبيه على ما ذكرناه، ثم إنه تعالى استقصى في هذه الآية الدلائل السماوية وحذف الدلائل الخمسة الباقية، التي هي الدلائل الأرضية، وذلك لأن الدلائل السماوية أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال القلب منها الى عظمة الله وكبريائه أشد، ثم ختم تلك الآية بقوله: ﴿ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وختم هذه الآية بقوله: ﴿ لأُوْلِى الألباب ﴾ لأن العقل له ظاهر وله لب، ففي أول الأمر يكون عقلا، وفي كمال الحال يكون لبا، وهذا أيضا يقوي ما ذكرناه، فهذا ما خطر بالبال، والله أعلم بأسرار كلامه العظيم الكريم الحكيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والارض ﴾ فهو يملك أمرهم.

وهو على كل شيء قدير، فهو يقدر على عقابهم ﴿ لآيات ﴾ لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته ﴿ لاِوْلِى الالباب ﴾ للذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار.

ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر.

وفي النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب، متفكراً في قدرة مقدّرها، متدبراً حكمة مدبرها، قيل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: قلت لعائشة رضي الله عنها: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وأطالت، ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟

فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك، قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت.

فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي، فقرأ من القرآن فجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً.

ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والارض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها وروي: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمّلها» وعن علي رضي الله عنه: «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض ﴾ » وحكي: أنّ الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، فقالت له أمّه: لعلّ فرطة فرطت منك في مدّتك؟

فقال: ما أذكر.

قالت: لعلك نظرت مرّة إلى السماء ولم تعتبر؟

قال: لعلّ.

قالت: فما أُتيت إلا من ذاك ﴿ الذين يَذْكُرُونَ الله ﴾ ذكراً دائباً على أي حال كانوا، من قيام وقعود واضطجاع لا يخلون بالذكر في أغلب أحوالهم.

وعن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة: أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله، فقال بعضهم: أما قال الله تعالى: ﴿ يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً ﴾ فقاموا يذكرون الله على أقدامهم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله» وقيل: معناه يصلون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين: «صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب، تومئ إيماء» وهذه حجة للشافعي رحمه الله في إضجاع المريض على جنبه كما في اللحد.

وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه يستلقي حتى إذا وجد خفة قعد.

ومحل ﴿ على جُنُوبُهُمْ ﴾ نصب على الحال عطفاً على ما قبله، كأنه قيل قياماً وقعوداً ومضطجعين ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والارض ﴾ وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها بما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه على عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه.

وعن سفيان الثوري أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما رأى الكواكب غشي عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته.

وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أنّ لك رباً وخالقاً، اللهمّ اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له» وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عبادة كالتفكر» وقيل: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشبية كما يحدث الماء للزرع النبات.

وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني عل يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض» قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب، لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض ﴿ مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا ﴾ على إرادة القول.

أي يقولون ذلك وهو في محل الحال، بمعنى يتفكرون قائلين.

والمعنى: ما خلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك؛ ولذلك وصل به قوله: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ لأنه جزاء من عصى ولم يطع.

فإن قلت: هذا إشارة إلى ماذا؟

قلت: إلى الخلق على أن المراد به المخلوق، كأنه قيل: ويتفكرون في مخلوق السموات والأرض، أي فيما خلق منها.

ويجوز أن يكون إشارة إلى السموات والأرض؛ لأنها في معنى المخلوق.

كأنه قيل: ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلاً.

وفي هذا ضرب من التعظيم كقوله: ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 90] ويجوز أن يكون (باطلاً) حالاً من هذا.

وسبحانك: اعتراض للتنزيه من العبث، وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فَهو يَمْلِكُ أمْرَهم.

﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى عِقابِهِمْ.

وَقِيلَ هو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ ﴾ لِدَلائِلَ واضِحَةٍ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ لِذَوِي العُقُولِ المَجْلُوَّةِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الحِسِّ والوَهْمِ كَما سَبَقَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ هو التَّغَيُّرُ، وهَذِهِ مُعْتَرِضَةٌ لِجُمْلَةِ أنْواعِهِ فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ في ذاتِ الشَّيْءِ كَتَغَيُّرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أوْ جُزْئِهِ كَتَغَيُّرِ العَناصِرِ بِتَبَدُّلِ صُوَرِها أوِ الخارِجِ عَنْهُ كَتَغَيُّرِ الأفْلاكِ بِتَبَدُّلِ أوْضاعِها.

وَعَنِ النَّبِيِّ  : «وَيْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها».» <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)

{إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لاَيَاتٍ} لأدلة واضحة على صانع قديم عليم حكيم قادر {لأُوْلِى الألباب} لمن خلص عقله عن الهوى خلوص اللب عن القشر فيرى أن العرض المحدث في الجواهر يدل على حدوث الجواهر لأن جوهراً ما لا ينفك عن عرض حادث وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث ثم حدوثها يدل على محدثها وذا قديم وإلا لاحتاج إلى محدث آخر إلى مالا يتناهى وحسن صنعه يدل على علمه وإتقانه يدل على

آل عمران (١٩١ _ ١٩٣)

حكمته وبقاؤه يجب على قدرته قال عليه السلام ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها وحكى فيها أن في بني إسرائيل من إذا عبد الله ثلانين سنة أظلته سحابة فعبدها فتى فلم تظله فقالت له أمه لعل فرطة فرطت منك في

مدتك قال ما أذكر قالت لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تعتبر قال لعل قالت فما أوتيت إلا من ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ وإقامَةُ دَلِيلٍ عَلَيْهِ ولِذا لَمْ يَعْطِفْ، وأتى بِكَلِمَةِ إنَّ اعْتِناءً بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ أيْ: إنَّ في إيجادِهِما وإنْشائِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ العَجائِبِ والبَدائِعِ ﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ تَعاقُبُها ومَجِيءُ كُلٍّ مِنهُما خَلْفَ الآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعِينَ لِسِباحَتِها في بَحْرِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ حَسَبَ إرادَتِهِ، وخَبَرُ الخَرَزَتَيْنِ خارِجٌ عَنْ سِلْكِ القَبُولِ وبِفَرْضِ نَظْمِهِ فِيهِ مُؤَوَّلٌ، وثُقْبُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وكَوْنُ ذَلِكَ تابِعًا لِحَرَكَةِ السَّمَواتِ وسُكُونِ الأرْضِ - كَما قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ - مُخالِفٌ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ مِنَ المُحَدِّثِينَ وغَيْرِهِمْ مِن سُكُونِ السَّمَواتِ وتَحَرُّكِ النُّجُومِ أنْفُسِها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى العَلِيمِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هو مَذْهَبُ الحُكَماءِ المَشْهُورُ بَيْنَ النّاسِ، وقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - ما يُخالِفُهُ أيْضًا حَيْثُ قالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ هَذِهِ السَّمَواتِ ساكِنَةً وخَلَقَ فِيها نُجُومًا تَسْبَحُ بِها وجَعَلَ لَها في سِباحَتِها حَرَكاتٍ مُقَدَّرَةً لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ، وجَعَلَها تَسِيرُ في جِرْمِ السَّماءِ الَّذِي هو مِساحَتُها فَتَخْرُقُ الهَواءَ المُماسَّ لَها فَيَحْدُثُ بِسَيْرِها أصْواتٌ ونَغَماتٌ مُطْرِبَةٌ لِكَوْنِ سَيْرِها عَلى وزْنٍ مَعْلُومٍ فَتِلْكَ نَغَماتُ الأفْلاكِ الحادِثَةِ مِن قَطْعِ الكَواكِبِ المَسافاتِ السَّماوِيَّةَ، وجَعَلَ أصْحابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ لِلْأفْلاكِ تَرْتِيبًا مُمْكِنًا في حُكْمِ العَقْلِ، وجَعَلُوا الكَواكِبَ في الأفْلاكِ كالشّاماتِ عَلى سَطْحِ الجِسْمِ، وكُلُّ ما قالُوهُ يُعْطِيهِ مِيزانَ حَرَكاتِها، وإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ كَما ذَكَرُوهُ لَكانَ السَّيْرُ السَّيْرَ بِعَيْنِهِ، ولِذَلِكَ يُصِيبُونَ في عِلْمِ الكُسُوفاتِ ونَحْوِهِ، وقالُوا: إنَّ السَّمَواتِ كالأُكُرِ وأنَّ الأرْضَ في جَوْفِها، وذَلِكَ كُلُّهُ تَرْتِيبٌ وضْعِيٌّ يَجُوزُ في الإمْكانِ غَيْرُهُ وهم مُصِيبُونَ في الأوْزانِ مُخْطِئُونَ في أنَّ الأمْرَ كَما رَتَّبُوهُ، فَلَيْسَ الأمْرُ إلّا عَلى ما ذَكَرْناهُ شُهُودًا انْتَهى.

ويُؤَيِّدُ دَعْوى أنَّهُ يَجُوزُ في الإمْكانِ غَيْرُهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ الزِّيجِ الجَدِيدِ مِن أنَّ الشَّمْسَ ساكِنَةٌ لا تَتَحَرَّكُ أصْلًا وأنَّها مَرْكَزُ العالَمِ، وأنَّ الأرْضَ وكَذا سائِرُ السَّيّاراتِ والثَّوابِتِ تَتَحَرَّكُ عَلَيْها، وأقامُوا عَلى ذَلِكَ الأدِلَّةَ والبَراهِينَ بِزَعْمِهِمْ، وبَنَوْا عَلَيْهِ الكُسُوفَ والخُسُوفَ ونَحْوَهُما، ولَمْ يَتَخَلَّفْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا قَطْعَ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ أصْحابُ الهَيْئَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَفاوُتُهُما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ وانْتِقاصِهِ بِازْدِيادِهِ بِاخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًا وبُعْدًا بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ، أوْ في اخْتِلافِهِما وتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ إمّا في الطُّولِ والقِصَرِ، فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِن قُطْبِ الشَّمالِ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلُ ولِيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها، وإمّا في أنْفُسِهِما فَإنَّ كُرَيَّةَ الأرْضِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بَعْضِ الأماكِنِ لَيْلًا وفي مُقابِلِهِ نَهارًا، وفي بَعْضِها صَباحًا، وفي بَعْضِها ظُهْرًا أوْ عَصْرًا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وهَذا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ أيْضًا - ولَيْسَ بِالبَعِيدِ - بَلِ اخْتِلافُ الأوْقاتِ في الأماكِنِ مُشاهَدٌ مَحْسُوسٌ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنانِ إلّا أنَّ في كُرَيَّةِ الأرْضَ اخْتِلافًا، فَقَدْ ذَكَرَ مَوْلانا الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ خَلَقَ الفَلَكَ المُكَوْكَبَ في جَوْفِ الفَلَكِ الأطْلَسِ خَلَقَ الأرْضَ سَبْعَ طَبَقاتٍ، وجَعَلَ كُلَّ أرْضٍ أصْغَرَ مِنَ الأُخْرى لِيَكُونَ عَلى كُلِّ أرْضٍ قُبَّةُ سَماءٍ، فَلَمّا تَمَّ خَلْقُها وقُدِّرَ فِيها أقْواتُها واكْتَسى الهَواءُ صُورَةَ البُخارِ الَّذِي هو الدُّخانُ فَتَقَ ذَلِكَ الدُّخانُ سَبْعَ سَمَواتٍ طِباقًا وأجْسامًا شَفّافَةً، وجَعَلَها عَلى الأرَضِينَ كالقِبابِ عَلى كُلِّ أرْضٍ سَماءٌ أطْرافُها عَلَيْها نِصْفُ كُرَةٍ، وكُرَةُ الأرْضِ لَها كالبِساطِ فَهي مَدْحِيَّةٌ دَحاها مِن أجْلِ السَّماءِ أنْ تَكُونَ عَلَيْها، وجَعَلَ في كُلِّ سَماءٍ مِن هَذِهِ واحِدَةً مِنَ الجَوارِي عَلى التَّرْتِيبِ المَعْرُوفِ انْتَهى، والقَلْبُ يَمِيلُ إلى الكُرَيَّةِ، واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أمْرٌ شُهُودِيٌّ وفِيهِ المُوافِقُ والمُخالِفُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ المُحَدِّثِينَ، وأكْثَرُ عُلَماءِ الدِّينِ.

والَّذِي قَطَعَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ المَرْفُوعَةِ ما يُفَصِّلُ أمْرَ السَّمَواتِ والأرْضِ أتَمَّ تَفْصِيلٍ، إذْ لَيْسَتِ المَسْألَةُ مِنَ المُهِمّاتِ في نَظَرِ الشّارِعِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والمُهِمُّ في نَظَرِهِ مِنها واضِحٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ، وسُبْحانَ مَن لا يَتَعاصى قُدْرَتَهُ شَيْءٌ، واللَّيْلُ واحِدٌ بِمَعْنى جَمْعٍ وواحِدُهُ لَيْلَةٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وقَدْ جُمِعَ عَلى لَيالٍ فَزادُوا فِيها الياءَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ونَظِيرُهُ أهْلٍ وأهالٍ، ويُقالُ: كانَ الأصْلُ فِيها لَيْلاةً فَحُذِفَتْ لِأنَّ تَصْغِيرَها لُيَيْلِيَةٌ كَذا في الصِّحاحِ، وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مُفْرَدٌ ولا يُحْفَظُ لَهُ جَمْعٌ، وأنَّ القَوْلَ بِأنَّهُ جَمْعٌ واللَّيالِي جَمْعُ جَمْعٍ غَيْرُ مَرْضِيٍّ فافْهَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى في اللَّيْلِ والنَّهارِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي.

﴿ لآياتٍ ﴾ أيْ دَلالاتٍ عَلى وحْدَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وهو اسْمُ إنَّ وقَدْ دَخَلَهُ اللّامُ لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا أيْ آياتٍ كَثِيرَةٍ عَظِيمَةٍ، وجَمْعُ القِلَّةِ هُنا قائِمٌ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، قِيلَ: وفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى أنَّ الآياتِ الظّاهِرَةَ وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً في نَفْسِها إلّا أنَّها قَلِيلَةٌ في جَنْبِ ما خَفِيَ مِنها في خَزائِنِ العِلْمِ ومَكامِنِ الغَيْبِ ولَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ ﴿ لأُولِي الألْبابِ ﴾ أيْ لِأصْحابِ العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الحِسِّ والوَهْمِ، ومِنهُ خَبَرُ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَ مِنِّي بَنِي مُدْلِجٍ لِصِلَتِهِمُ الرَّحِمَ وطَعْنِهِمْ في ألْبابِ الإبِلِ»“ أيْ خالِصِ إبِلِهِمْ وكَرائِمِها، ويُقالُ: لَبَّ يَلَبُّ كَعَضَّ يَعَضُّ إذا صارَ لَبِيبًا وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: لَبَّ يَلِبُّ كَفَرَّ يَفِرُّ، ويُقالُ: لَبِبَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ يَلَبُّ بِالفَتْحِ إذا صارَ ذا لُبٍّ، وحُكِيَ لَبُبَ بِالضَّمِّ وهو نادِرٌ لا نَظِيرَ لَهُ في المُضاعَفِ.

ووَجْهُ دَلالَةِ المَذْكُوراتِ عَلى وحْدَتِهِ تَعالى أنَّها تَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ لِتَغَيُّرِها المُسْتَلْزِمِ لِحُدُوثِها واسْتِنادِها إلى مُؤَثِّرٍ قَدِيمٍ، ومَتى دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ لَزِمَ مِنهُ الوَحْدَةُ، ووَجْهُ دَلالَتِها عَلى ما بَعْدُ أنَّها في غايَةِ الإتْقانِ ونِهايَةِ الإحْكامِ لِمَن تَأمَّلَ فِيها، وتَفَكَّرَ في ظاهِرِها وخافِيها، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَمالَ العِلْمِ والقُدْرَةِ كَما لا يَخْفى، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِمِثْلِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ طَرِيقانِ: أحَدُهُما طَرِيقُ التَّغَيُّرِ، والثّانِي طَرِيقُ الإمْكانِ، والأكْثَرُونَ عَلى تَرْجِيحٍ الثّانِي، والبَحْثُ مُفَصَّلٌ في مَوْضِعِهِ.

وإنَّما اقْتَصَرَ سُبْحانَهُ هُنا عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ بَعْدَ ما زادَهُ في البَقَرَةِ لِأنَّ الآياتِ عَلى كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ والمُرَكَّبَةِ مِنهُما، فَأشارَ إلى الأوَّلَيْنِ بِخَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وإلى الثّالِثَةِ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأنَّهُما مِن دَوَرانِ الشَّمْسِ عَلى الأرْضِ، أوْ لِأنَّهُما بِواسِطَةِ مُفِيضٍ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وهو الجِرْمُ العُلْوِيُّ، وقابِلٌ لِلْإفاضَةِ وهو الجِرْمُ السُّفْلِيُّ القابِلُ لِلظُّلْمَةِ والضِّياءِ قالَهُ بَعْضُهم، وقالَ ناصِرُ الدِّينِ: لَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ مَناطَ الِاسْتِدْلالِ هو التَّغَيُّرُ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَعَرِّضَةٌ لِجُمْلَةِ أنْواعِهِ فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ في ذاتِ الشَّيْءِ كَتَغَيُّرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أوْ جُزْئِهِ كَتَغَيُّرِ العَناصِرِ بِتَبَدُّلِ صُوَرِها، أوِ الخارِجِ عَنْهُ كَتَغَيُّرِ الأفْلاكِ بِتَبَدُّلِ أوْضاعِها، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الحُكَماءِ في إثْباتِ الهَيُولِيِّ والصُّورَةِ والأوْضاعِ الفَلَكِيَّةِ، فَلا يُناسِبُ تَخْرِيجَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ ولَعَلَّ الأوْلى مِن هَذا وذاكَ ما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ في عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِما ذُكِرَ في تِلْكَ السُّورَةِ مِن أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا بَيانُ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ المُلْكِ والقُدْرَةِ، والثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ مُعْظَمُ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ فاكْتَفى بِها، وأمّا هُناكَ فَقَدْ قَصَدَ في ضِمْنِ بَيانٍ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالأُلُوهِيَّةِ بَيانَ اتِّصافِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَنُظِّمَتْ دَلائِلُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ في سِلْكِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ ما فُصِّلَ هُناكَ مِن آياتِ رَحْمَتِهِ تَعالى كَما أنَّهُ مِن آياتِ أُلُوهِيَّتِهِ ووَحْدَتِهِ.

ومِمّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ المَذْكُوراتِ مُعْظَمَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «أتَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ فَقالُوا: ما جاءَكم بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ ؟

قالُوا: عَصاهُ ويَدُهُ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ، وأتَوُا النَّصارى فَقالُوا: كَيْفَ كانَ عِيسى فِيكم ؟

قالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ويُحْيِي المَوْتى، فَأتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلُ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، فَدَعا رَبَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ ﴾ » .

وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُما عَنْ عَطاءٍ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: أخْبِرِينِي بِأعْجَبِ ما رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قالَتْ: وأيُّ شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَجَبًا ؟!

إنَّهُ أتانِي لَيْلَةً فَدَخَلَ مَعِي في لِحافِي ثُمَّ قالَ ذَرِينِي أتَعَبَّدُ لِرَبِّي، فَقامَ فَتَوَضَّأ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي فَبَكى حَتّى سالَتْ دُمُوعُهُ عَلى صَدْرِهِ ثُمَّ رَكَعَ فَبَكى ثُمَّ سَجَدَ فَبَكى ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكى فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى جاءَ بِلالٌ فَأذَّنَهُ بِالصَّلاةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما يُبْكِيكَ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ؟

قالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ولِمَ لا أفْعَلُ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ ثُمَّ قالَ: ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها»، وكانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ تَسَوَّكَ ثُمَّ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ ﴾ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظُ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ الآياتِ الأواخِرَ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ حَتّى خَتَمَ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: أخذ عليهم الميثاق حين أخذ ذرية آدم من ظهورهم.

ويقال: أخذ عليهم الميثاق بالوحي في كتب الأنبياء لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ يعني: نعت محمد  وصفته وَلا تَكْتُمُونَهُ عنهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ليبيننه للناس ولا يكتمونه، كلاهما بالياء.

وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ بالياء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ومن قرأ بالتاء فمعناه أخذ عليهم الميثاق، وقال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي طرحوه خلف ظهورهم، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي بكتمان نعت محمد  وصفته ثَمَناً قَلِيلًا أي عَرضاً يسيراً من متاع الدنيا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ يعني: بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على الآخرة لاَ تَحْسَبَنَّ يقول: لا تظنن يا محمد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا يقول: يعجبون بما أوتوا، يعني بما غيرّوا من نعته وصفته، وهذا قول الكلبي.

وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك: إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبياً في آخر الزمان يختم به النبوة، فلما بعثه الله سألهم الملوك: أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟

فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك: هو غير هذا.

فأعطاهم الملوك مالاً فقال الله تعالى: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما أعطاهم الملوك وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا لأنهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه.

ويقال: كانوا يقولون نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب، ويريدون أن يحمدوا بذلك.

قال الله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ يقول فلا تظنهم بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ معناه لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي دائم لا يخرجون منه أبدا.

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.

ويقال: جميع من فى السموات والارض عبيده وفي ملكه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النبات وغيره.

ويقال: هذا معطوف على أول الكلام أنهم لا ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء لأنه على كل شىء قدير إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله  أن يأتيهم بآية لصحة دعواه، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فنزل إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خلقين عظيمين.

ويقال: فيما خلق في السموات من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار والأشجار وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يقول: وذهاب الليل ومجيء النهار، ويقال اختلاف لونيهما لَآياتٍ أي لعبرات لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لذوي العقول الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً أي يصلون لله قياماً إن استطاعوا على القيام، وقعوداً إن لم يستطيعوا القيام وَعَلى جُنُوبِهِمْ إن لم يستطيعوا القعود لزمانة.

ويقال: معناه الذين يذكرون الله في الأحوال كلها في حال القيام والقعود والاضطجاع، كما قال في آية أخرى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب: 41] ثم قال: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يعتبرون في خلقهما.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن زرارة الحلبي، عن أبي حباب، عن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، فسلمنا عليها فقالت: من هؤلاء؟

فقلت: عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير.

فقالت: مرحباً بك يا عبيد بن عمير، ما لك لا تزورنا؟

فقال عبيد: زر غبّاً تَزْدَدْ حُبّاً فقال ابن عمر: دعونا من هذا، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله  ، فبكت بكاء شديداً ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي، فقال: «يَا عَائِشَةُ أَتَأْذَنِينَ لِي أنْ أَعْبُدَ رَبِّي» فقلت: والله إني لأحب قربك، والله إني لأحب هواك.

فقام إلى قربة ماء فتوضأ، ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع حجره، ثم اتكأ على شقه الأيمن، ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، فبكى حتى روت الدموع الأرض.

ثم أتاه بلال بعد ما أذن للفجر، فلما رآه يبكي قال: أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تأخر؟

فقال: «يَا بِلالُ أفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً، وَمَا لِي لا أبْكِي وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

- إِلَى قَوْلُهُ- فَقِنا عَذابَ النَّارِ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» .

وروي عن رسول الله  أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الخالق» .

وقال  : «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» .

ثم قال تعالى عز وجل: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي يتفكرون ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلاً عبثاً بغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عذاب النار.

وقال الزجاج: معنى سُبْحانَكَ أي تنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلاً فَقِنا عَذابَ النَّارِ أي صدَّقْنا رسلك، وسلَّمنا أن لك جنة وناراً فَقِنا عَذابَ النَّارِ.

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وفضحته وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني: ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم، ويقولون أيضاً: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ يعني محمداً يدعو إلى التصديق أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي صدقوا بتوحيد ربكم، فآمنا أي صدقنا بتوحيد ربنا.

وقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس لقي رسول الله  ، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وقال الكلبي: الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك.

وقال الضحاك: ذنوبنا يعني ما عملوا في حال الجاهلية، وكفر عنا سيئاتنا، يعني: ما عملوا في حال الإسلام.

ويقال: الذنوب والسيئات بمعنى واحد.

ويقال: الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي مع المطيعين، ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين.

ويقولون أيضا: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك.

ويقال: هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم- عليهم السلام- للمؤمنين.

ثم قال تعالى: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني لا تعذبنا، ويقال: لا تخذلنا إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فأخبر الله عن فعلهم، وذكر ما أجابهم به وأنجز لهم موعده، وبيّن لهم ثوابه وهو قوله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ.

روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له، لأنه قال تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ يعني ثواب عمل عامل في طاعتي مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى يعني رجلاً أو امرأة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة يقال له سلمة بن الأكوع، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني أسمع الله ذكر الهجرة، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النَّسَاءِ فأنزل الله تعالى: أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى.

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال الكلبي: أي بعضكم أولياء بعض في الدين.

وقال الضحاك: يعني يشبه بعضكم بعضاً في الطاعة.

ويقال: بعضكم على إثر بعض، ويقال بعضكم على دين بعض.

فَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: إن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي عُذّبوا في طاعتي وَقاتَلُوا مع رسول الله  المشركين وَقُتِلُوا أي قتلهم المشركون.

قرأ حمزة والكسائي: وقتلوا وقاتلوا على معنى التقديم والتأخير كقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [آل عمران: 55] وقرأ الباقون: وقاتلوا وقتلوا، إلا ابن كثير وابن عامر قرءا وقتّلوا بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة، فذكر الله فعلهم، ثم ذكر ثوابهم فقال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لأمحون عنهم ذنوبهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله.

وقال الزجاج: إنما صار نصباً لأنه مصدر مؤكد، معناه: لأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، ولأثيبنهم ثواباً.

وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار نصباً على التفسير.

وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ أي حسن الجزاء وهو الجنة.

ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)

وقوله سبحانه: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ...

الآية: ذهبتْ جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة: إنما نزلَتْ في أهْل الكتاب أحبارِ/ اليهودِ، قال سعيدُ بن جُبَيْر «١» : الآية في اليهود، فَرِحُوا بما أعطَى اللَّه آل إبراهيم من النبوَّة والكتابِ، فهم يقولونَ: نحن على طريقهم، ويحبُّون أن يُحْمَدُوا بذلك، وهم ليسوا على طريقهم «٢» ، وقراءةُ سعيدِ «٣» بنِ جُبَيْر: «بما أُوتُوا» بمعنى «أُعْطُوا» (بضم الهمزة والطاء) وعلى قراءته يَستقيمُ المعنَى الذي قال، والمفازةُ مَفْعَلَةٌ من فَازَ يَفُوزُ، إذا نَجَا، وباقي الآية بيِّن.

ثم دلَّ سبحانه على مواضِع النظرِ والعبرةِ، فقالَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أي: تَعَاقُب الليل والنَّهار إذ جعلهما سبحانه خِلْفِةً، ويدخل تحت اختلافهما قِصَرُ أحدِهِمَا وطولُ الآخَرِ، وبالعكْسِ، واختلافُهُما بالنُّور والظَّلام، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وعظيمِ قُدْرته سُبْحانه.

قال الفَخْر «٤» : واعلم أنَّ المقصود من هذا الكتَابِ الكريمِ جَذْبُ القلوبِ والأرْوَاحِ عن الإشتغالِ بالخَلْقِ والإستغراقِ في معرفة الحقِّ، فلمَّا طال الكلامُ في تَقْرير الأحكامِ، والجوابِ عن شُبُهَاتِ المُبْطِلِين، عاد إلى إثارة القُلُوب بِذِكْرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والكِبْرِيَاءِ والجَلاَل، وذِكْرِ الأدعية، فختم بهذه الآياتِ بنَحْو ما في «سورة البقرة» .

انتهى.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً: الّذين: في موضع خفض صفة لِأُولِي الْأَلْبابِ، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ» .

قلت: خرَّجه أبو داود «١» ، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره.

وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي: لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعوداً، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف على هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالى ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ.

[المتقارب]

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ...

تَدُلُّ على أَنَّهُ وَاحِدُ «٢»

قال الغَزَّالِيُّ: ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالى، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ.

انتهى من «الإحياء» .

ومَرَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ» «٣» .

قال ع «٤» : وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.

وقال بعض العلماء: المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وانبساط الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ» «١» وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء: فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ «٢» ، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ «٣» : فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ «٤» ، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن: الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ/، ينظر فيها إلى حسنَاتهِ وسيِّئاته «٥» ، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ «٦» قَدَح الماء ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ أصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّراً حتى طلع الفَجْر، فقال له: ما هذا يَا أبا سليمان؟

فَقَالَ: إني لما طَرَحْتُ أصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غافر: ٧١] ،

فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ، إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ.

قال ع «١» : وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا.

قال ع «٢» : وحدثني أبي (رحمه اللَّه) ، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال: كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ ب «مَصْرَ» فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلاً قد اضطجع في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فاستقبل القبْلَةَ، وصلى مع النَّاس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو ينشد: [المنسوح]

مُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر ...

مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ

مُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض ...

كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفاً ناكِرْ

يَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر ...

فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْ

قال: فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فانصرفت «٣» عنه.

قال الفَخْر «٤» : ودلَّتِ الآية على أنَّ أعلى مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر.

انتهى.

وفي «العتبية» : قال مالكٌ: قيلَ لأمِّ الدَّرْداء: ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء؟

قَالَتْ:

كان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ.

قال مالكٌ: وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ قال اللَّه عزَّ وجلَّ:

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قال ابنُ رُشْدٍ: والتفكُّر مِنَ الأعمال كما قاله مالك (رحمه اللَّه) ، وهو مِنْ أشرف الأعمال لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه (عَزَّ وجَلَّ) في فعلها.

انتهى من «البيان والتحصيل» .

قال ابنُ بَطَّال «١» : إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف.

انتهى.

قال ابنُ عطاءِ اللَّهِ: الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له.

قُلْتُ: قال بعض المحقِّقين: وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر، عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ.

قال ابنُ عَبَّاد «٢» : قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ (رحمه اللَّه) : التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين: في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً، وفِكْرُ العابدين: في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين: في الآلاء والنعماء فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه.

انتهى.

وقوله تعالى: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذا باطِلًا، أي: يقولُونَ: يا ربَّنا على النداء، ما خلَقْتَ هذا باطلاً، يريد: لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر لينظروا فيه فيوحِّدوك، ويعبدوك فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك عَذَّبته، وقولهم:

سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك عمَّا/ يقول المُبْطِلُون، وقولهم: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أي: فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ: الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء.

قال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم: هذه إشارة إلى من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والأَمان، فليس بمُخْزًى، أي: وما أصابه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِلْيَهُودَ: ما الَّذِي جاءَكم بِهِ مُوسى ؟

قالُوا: عَصاهُ ويَدُهُ البَيْضاءُ.

وقالُوا لِلنَّصارى: ما الَّذِي جاءَكم بِهِ عِيسى؟

قالُوا كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى.

فَأتَوُا النَّبِيَّ  ، وقالُوا: ادْعُ رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوهُ أنْ يَأْتِيَهم بِآَيَةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ  ﴾ .

قالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ سَوّى بَيْنَ آَلِهَتِنا، ائْتِنا بِآَيَةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ أبُو الضُّحى، واسْمُهُ: مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ، فَأمّا تَفْسِيرُ الآَيَةِ فَقَدْ سَبَقَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ «بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ ﴾ فَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا خَرَجَ النَبِيُّ  لِلْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عنهُ، فَإذا جاءَ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وقالُوا: كانَتْ لَنا أشْغالٌ ونَحْوَ هَذا، فَيُظْهِرُ رَسُولُ اللهِ  القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، فَفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانُوا يَفْرَحُونَ بِما يَأْتُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ مِنَ التَخَلُّفِ والِاعْتِذارِ، ويُحِبُّونَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، لَكِنَّ العُذْرَ حَبَسَهم.» وقالَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ أحْبارِ اليَهُودِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما هو الَّذِي أتَوْهُ وكَيْفَ أحَبُّوا المَحْمَدَةَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أتَوْا إضْلالَ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ لِدَوامِ رِياسَتِهِمُ الدُنْيَوِيَّةِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم عُلَماءٌ بِكِتابِ اللهِ ومُتَقَدِّمِ رِسالاتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ والسُدِّيُّ: أتَوْا أنَّهم تَعاقَدُوا وتَكاتَبُوا مِن كُلِّ قُطْرٍ بِالِارْتِباطِ إلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ  والدَفْعِ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم أهْلُ صَلاةٍ وصِيامٍ وَعِبادَةٍ، وقالُوا هم ذَلِكَ عن أنْفُسِهِمْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: فَرِحُوا بِإعْجابِ أتْباعِهِمْ بِتَبْدِيلِهِمْ تَأْوِيلَ التَوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، وهم في الحَقِيقَةِ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا بَلِ الحَقُّ أبْلَجٌ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ، فَرِحُوا بِما أعْطى اللهُ آلَ إبْراهِيمَ مِنَ النُبُوءَةِ والكِتابِ، فَهم يَقُولُونَ: نَحْنُ عَلى طَرِيقِهِمْ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِذَلِكَ وهم لَيْسُوا عَلى طَرِيقَتِهِمْ.

وقِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أُوتُوا" بِمَعْنى أُعْطُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ والتاءِ، وعَلى قِراءَتِهِ يَسْتَقِيمُ المَعْنى الَّذِي قالَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ الحَقَّ وقالُوا لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَفَرِحُوا بِما فَعَلُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما أجابُوا، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ قَدْ قُنِعَ بِهِ واعْتُقِدَتْ صِحَّتُهُ.

وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الآيَةَ في يَهُودِ خَيْبَرَ، نافَقُوا عَلى النَبِيِّ  والمُؤْمِنِينَ مَرَّةً، وقالُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى رَأْيِكم ورِدْءٌ لَكُمْ، وهم يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ، فَأحَبُّوا الحَمْدَ عَلى ما أظْهَرُوا، وفَرِحُوا بِذَلِكَ.

وقالَ الزَجّاجُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، دَخَلُوا عَلى النَبِيِّ  وكَلَّمُوهُ في أشْياءَ ثُمَّ خَرَجُوا، فَقالُوا لِمَن لَقُوا مِنَ المُسْلِمِينَ: إنَّ النَبِيَّ أخْبَرَهم بِأشْياءَ قَدْ عَرَفُوها فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ وطَمِعُوا بِإسْلامِهِمْ، وكانُوا قَدْ أبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ وتَمادَوْا عَلى كُفْرِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أتَوْا" بِمَعْنى فَعَلُوا، كَما تَقُولُ أتَيْتُ أمْرَ كَذا، وقَرَأ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "آتَوْا" بِالمَدِّ، بِمَعْنى: أعْطَوْا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ.

قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وهِيَ قِراءَةٌ تَسْتَقِيمُ عَلى بَعْضِ المَعانِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ.

وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "أُوتُوا" بِمَعْنى أُعْطُوا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعَ مَعْناها.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ" "فَلا يَحْسِبُنَّهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ فِيهِما وبِكَسْرِ السِينِ وبِرَفْعِ الباءِ في "يَحْسِبُنَّهُمْ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الَّذِينَ" رُفِعَ بِأنَّهُ فاعِلُ "يَحْسَبُ"، ولَمْ تَقَعْ "يَحْسَبَنَّ" عَلى شَيْءٍ، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الأفْعالُ لَغْوًا لا في حُكْمِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: وما خِلْتُ أبْقى بَيْنَنا مِن مَوَدَّةٍ عِراضُ المَذاكِي المُسْنِفاتُ القَلائِصا وقالَ الخَلِيلُ: العَرَبُ تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ يَقُولُ ذاكَ إلّا زِيدَ، وما ظَنَنْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدَ، فَتَتَّجِهُ القِراءَةُ بِكَوْنِ قَوْلِهِ: "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ عُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْهِ وهُما: الضَمِيرُ وقَوْلُهُ: "بِمَفازَةٍ" فاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عن تَعْدِيَةِ الأوَّلِ إلَيْهِما كَما اسْتُغْنِيَ في قَوْلِ الشاعِرِ: بِأيِّ كِتابٍ أو بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ؟

فاسْتُغْنِيَ بِتَعْدِيَةِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ عن تَعْدِيَةِ الآخَرِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" زائِدَةٌ، ولِذَلِكَ حَسُنَ البَدَلُ، إذْ لا يَتَمَكَّنُ أنْ تَكُونَ فاءَ عَطْفٍ ولا فاءَ جَزاءٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ زائِدَةً لا يَقْبُحُ وُجُودُها بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، وقَوْلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: "فَلا يَحْسَبَنَّهُمْ" فِيهِ تَعَدِّي فِعْلِ الفاعِلِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ، نَحْوُ: ظَنَنْتُنِي أخاهُ، ورَأيْتُنِي اللَيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، ووَجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ وما كانَ في مَعْناها لَمّا كانَتْ تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أشْبَهَتْ إنَّ وأخَواتِها، فَكَما تَقُولُ: إنِّي ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ: ظَنَنْتُنِي ذاهِبًا، ولَوْ قُلْتَ: أظُنُّ نَفْسِي أفْعَلُ كَذا لَمْ يَحْسُنْ كَما يَحْسُنُ: أظُنُّنِي فاعِلًا.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الباءِ، وكَسَرَ نافِعٌ السِينَ وفَتَحَها ابْنُ عامِرٍ "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وفَتْحِ الباءِ، والمَفْعُولانِ اللَذانِ يَقْتَضِيهِما قَوْلُهُ: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ" مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ، والكَلامُ في ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، إلّا أنَّهُ لا يَجُوزُ في هَذا البَدَلُ الَّذِي ذُكِرَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ولِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ واخْتِلافِ فِعْلَيْهِما.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "لا تَحْسِبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ السِينِ، "فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ الباءِ، "فالَّذِينَ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ "تَحْسِبَنَّ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما يَجِيءُ بَعْدُ عَلَيْهِ، كَما قِيلَ آنِفًا في المَفْعُولَيْنِ.

وحَسُنَ تَكْرارُ الفِعْلِ في قَوْلِهِ: "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" لِطُولِ الكَلامِ، وهي عادَةُ العَرَبِ وذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِذِهْنِ المُخاطَبِ.

وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ "فَلا تَحْسَبُنَّهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وفَتْحِ السِينِ وضَمِّ الباءِ.

والمَفازَةُ: مَفْعَلَةٌ مِن فازَ يَفُوزُ إذا نَجا فَهي بِمَعْنى مَنجاةٍ، وسُمِّيَ مَوْضِعُ المُخافِ مَفازَةً عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ وقِيلَ: لِأنَّها مَوْضِعُ تَفْوِيزٍ ومَظِنَّةُ هَلاكٍ، تَقُولُ العَرَبُ: فَوَّزَ الرَجُلُ إذا ماتَ، قالَ ثَعْلَبٌ: حَكَيْتُ لِابْنِ الأعْرابِيِّ قَوْلَ الأصْمَعِيِّ فَقالَ: أخْطَأ، قالَ لِي أبُو المَكارِمِ: إنَّما سُمِّيَتْ مَفازَةً لِأنَّ مَن قَطَعَها فازَ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: سُمِّيَ اللَدِيغُ سَلِيمًا تَفاؤُلًا، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: بَلْ لِأنَّهُ مُسْتَسْلِمٌ لِما أصابَهُ.

وبَعْدَ أنْ نَهى أنْ يُحْسَبُوا ناجِينَ أخْبَرَ أنَّ لَهم عَذابًا، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ القَوْلَ بِذِكْرِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ومُلْكِهِ فَقالَ: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ...

الآيَةَ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿ إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، قالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ وغَيْرُهُ: ظاهِرُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ عَلى المُحالاتِ، و"شَيْءٍ" هو المَوْجُودُ في مُقْتَضى كَلامِ العَرَبِ.

ثُمَّ دَلَّ تَعالى عَلى مَواضِعِ النَظَرِ والعِبْرَةِ، حَيْثُ يَقَعُ الِاسْتِدْلالُ عَلى الصانِعِ بِوُجُودِ السَماواتِ والأرْضِينَ، والمَخْلُوقاتُ دالٌّ عَلى العِلْمِ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ مُوجِدُ عالَمٍ مُرِيدٍ غَيْرَ حَيٍّ، فَثَبَتَ بِالنَظَرِ في هَذِهِ الآيَةِ عِظَمُ الصِفاتِ.

﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ﴾ : هو تَعاقُبُهُما، إذْ جَعَلَهُما اللهُ خِلْفَةً، ويَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظَةِ الِاخْتِلافِ: كَوْنُهُما يَقْصُرُ هَذا ويَطُولُ الآخَرُ وبِالعَكْسِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ اخْتِلافُهُما بِالنُورِ والظَلامِ.

الآياتُ: العَلاماتُ.

و"الألْبابِ" في هَذِهِ الآيَةِ: هي ألْبابُ التَكْلِيفِ لا ألْبابُ التَجْرِبَةِ، لِأنَّ كُلَّ مَن لَهُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ يُدْرِكُها فَإنَّهُ يَعْلَمُ ضَرُورَةً ما قُلْناهُ مِن صِفاتِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا غرض أُنف بالنسبة لما تتابع من أغراض السورة، انتُقل به من المقدّمات والمقصد والمتخلِّلات بالمناسبات، إلى غرض جديد هو الاعتبار بخلق العوالم وأعراضها والتنويه بالذين يعتبرون بما فيها من آيات.

ومِثْل هذا الانتقال يكون إيذاناً بانتهاء الكلام على أغراض السورة، على تفنّنها، فقد كان التنقّل فيها من الغرض إلى مشاكله وقد وقع الانتقال الآن إلى غرض عامّ: وهو الاعتبار بخلق السماوات والأرض وحال المؤمنين في الاتّعاظ بذلك، وهذا النحو في الانتقال يعرض للخطيب ونحوه من أغراضه عقب إيفائها حقّها إلى غرض آخر إيذاناً بأنّه أشرف على الانتهاء، وشأن القرآن أن يختم بالموعظة لأنّها أهمّ أغراض الرسالة، كما وقع في ختام سورة البقرة.

وحرف (إنّ) للاهتمام بالخبر.

والمراد ب ﴿ خلْق السماوات والأرض ﴾ هنا: إمّا آثار خَلْقِها، وهو النظام الذي جعل فيها، وإمّا أن يراد بالخلق المخلوقات كقوله تعالى: ﴿ هذا خلق اللَّه ﴾ [لقمان: 11].

و ﴿ أولو الألباب ﴾ أهل العقول الكاملة لأنّ لبّ الشيء هو خلاصته.

وقد قدّمنا في سورة البقرة بيان ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من الآيات عند قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف اللَّيل والنهار والفلك ﴾ [البقرة: 164] إلخ.

و ﴿ يذكرون الله ﴾ إمّا من الذِّكر اللساني وإمّا من الذُّكر القلبي وهو التفكّر، وأراد بقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ عموم الأحوال كقولهم: ضَربه الظهرَ والبطْن، وقولهم: اشتهر كذا عند أهل الشرق والغرب، على أنّ هذه الأحوال هي متعارَف أحوال البشر في السلامة، أي أحوال الشغل والراحة وقصد النوم.

وقيل: أراد أحوال المصلّين: من قادر، وعاجز، وشديد العجز.

وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ عطف مرادف إن كان المراد بالذكر فيما سبق التفكّر، وإعادتُه لأجل اختلاف المتفكَّر فيه، أو هو عطف مغاير إذا كان المراد من قوله: ﴿ يذكرون ﴾ ذِكر اللسان.

والتفكّر عبادة عظيمة.

روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله في جامع العتبية قال: قيل لأمّ الدرداء: ما كان شأن أبي الدرداء؟

قالت: كان أكثر شأنه التفكّر، قيل له: أترى التفكّر عَمَلاً من الأعمال؟

قال: نعم، هو اليقين.

﴿ والخلق ﴾ بمعنى كيفية أثر الخلق، أو المخلوقات التي في السماء والأرض، فالإضافة إمّا على معنى اللام، وإمّا على معنى (في).

وقوله: ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ وما بعده جملة واقعة موقع الحال على تقدير قَوْلٍ: أي يتفكّرون قائلين: ربّنا إلخ لأنّ هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء.

فإن قلت: كيف تواطأ الجمع من أولي الألباب على قول هذا التنزيه والدعاء عند التفكّر مع اختلاف تفكيرهم وتأثّرهم ومقاصدهم.

قلت: يحتمل أنّهم تلقَّوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يلازمونه عند التفكّر وعقبَه، ويحتمل أنّ الله ألهمهم إيّاه فصار هجيراهم مثلَ قوله تعالى: ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ﴾ [البقرة: 285] الآيات.

ويدلّ لذلك حديث ابن عباس في «الصحيح» قال: " بتّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من سورة آل عمران " إلى آخر الحديث.

ويجوز عندي أن يكون قوله: ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ حكاية لتفكّرهم في نفوسهم، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكّرين لاستوائهم في صحّة التفكّر لأنّه تنقل من معنى إلى متفرّع عنه، وقد استوى أولو الألباب المتحدّث عنهم هنا في إدراك هذه المعاني، فأوّل التفكّر أنتج لهم أنّ المخلوقات لم تخلق باطلاً، ثم تفرّع عنه تنزيه الله وسؤاله أن يقيهم عذاب النار، لأنّهم رأوا في المخلوقات طائعاً وعاصياً، فعلموا أنّ وراء هذا العالم ثَواباً وعقاباً، فاستعاذوا أن يكونوا ممّن حقّت عليه كلمة العذاب.

وتوسّلوا إلى ذلك بأنّهم بذَلوا غاية مقدورهم في طلب النجاة إذ استجابوا لمنادي الإيمان وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وسألوا غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والموتَ على البر إلى آخره...

فلا يكاد أحد من أولي الألباب يخلو من هذه التفكّرات وربّما زاد عليها، ولمّا نزلت هذه الآية وشاعت بينهم، اهتدى لهذا التفكير من لم يكن انتبه له من قبل فصار شائعاً بين المسلمين بمعانيه وألفاظه.

ومعنى ﴿ ما خلقتَ هذا باطلاً ﴾ أي خلقاً باطلاً، أو ما خلقت هذا في حال أنّه باطل، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات، كقوله: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ [الدخان: 38] فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أنّ هذا الخلق باطل أو خلي عن الحكمة، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيراً.

وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ لأنّه ترتّبَ على العلم بأنّ هذا الخلق حقّ، ومن جملة الحقّ أن لا يستوي الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فعلموا أنّ لكلّ مستقرّاً مناسباً فسألوا أن يكونوا من أهل الخير المجنّبين عذاب النار.

وقولهم: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار، كما توذن به (إنّ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا.

والخزي مصدر خزِيَ يَخْزَى بمعنى ذلّ وهان بمرأى من الناس، وأخزاه أذلّه على رؤوس الأشهاد، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأنّ دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم: ﴿ عذاب النار ﴾ أنّ النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذَّب وإهانة علنية، وذلك معنى مستقرّ في نفوس الناس، ومنه قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ ولا تخزني يومَ يبعثون ﴾ [بالشعراء: 87] وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء، أي من يدخل النار فقد أخزيته.

والخزي لا تطيقه الأنفس، فلا حاجة إلى تأويل تأوّلوه على معنى فقَد أخزيته خزياً عظيماً.

ونظّره صاحب «الكشاف» بقول رُعاة العرب: «من أدْرَكَ مَرْعَى الصَّمَّان فقد أدرك» أي فقد أدرك مرعى مخصباً لئلاّ يكون معنى الجزاء ضروري الحصول من الشرط فلا تظهر فائدة للتعليق بالشرط، لأنّه يخلي الكلام عن الفائدة حينئذ.

وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ﴾ [آل عمران: 185].

ولأجل هذا أعقبوه بما في الطباع التفادي به عن الخزي والمذلّة بالهرع إلى أحلافهم وأنصارهم، فعلموا أن لا نصير في الآخرة للظالم فزادوا بذلك تأكيداً للحرص على الاستعاذة من عذاب النار إذ قالوا: ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ أي لأهل النار من أنصار تدفع عنهم الخزي.

وقوله تعالى: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ أرادوا به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم والمنادي، الذي يرفع صوته بالكلام.

والنداء: رفع الصوت بالكلام رفعاً قوياً لأجل الإسماع وهو مشتقّ من النداء بكسر النون وبضمّها وهو الصوت المرتفع.

يقال: هو أندى صوتاً أي أرفعُ، فأصل النداء الجهر بالصوت والصياح به، ومنه سمّي دعاء الشخص شخصاً ليقبل إليه نداء، لأنّ من شأنه أن يرفع الصوت به؛ ولذلك جعلوا له حروفاً ممدودة مثل (يا) و(آ) و(أيا) و(هيا).

ومنه سمّي الأذان نداء، وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت، ويطلق النداء على طلب الإقبال بالذات أو بالفَهم بحروف معلومة كقوله تعالى: ﴿ وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ [فصلت: 104، 105] ويجوز أن يكون هو المراد هنا لأنّ النبي يدعو الناس بنحو: يأيّها الناس ويا بَني فلان ويا أمّة محمد ونحو ذلك، وسيأتي تفسير معاني النداء عند قوله تعالى: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة ﴾ في سورة [الأعراف: 43].

واللام لام العلّة، أي لأجل الإيمان بالله.

و (أن) في أن آمنوا} تفسيرية لما في فعل (يُنادي) من معنى القول دون حروفه.

وجاءوا بفاء التعقيب في (فآمنّا): للدلالة على المبادرة والسبق إلى الإيمان، وذلك دليل سلامة فطرتهم من الخطأ والمكابرة، وقد توسّموا أن تكون مُبادرتهم لإجابة دعوة الإسلام مشكورة عند الله تعالى، فلذلك فرّعوا عليه قولهم: ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ لأنّهم لمّا بذلوا كلّ ما في وسعهم من اتّباع الدين كانوا حقيقين بترجّي المغفرة.

والغَفْر والتكفير متقاربان في المادة المشتقيْن منها إلاّ أنّه شاع الغفر والغفران في العفو عن الذنب والتكفير في تعويض الذنب بعوض، فكأنّ العوض كفّر الذنب أي ستره، ومنه سمّيت كفّارة الإفطار في رمضان.

وكفّارة الحنث في اليمين إلاّ أنهم أرادوا بالذنوب ما كان قاصراً على ذواتهم، ولذلك طلبوا مغفرته، وأرادوا من السيّئات ما كان فيه حقّ الناس، فلذلك سألوا تكفيرها عنهم.

وقيل هو مجرّد تأكيد، وهو حسن، وقيل أرادوا من الذنوب الكبائر ومن السيّئات الصغائر لأنّ اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر، بناء على أنّ الذنب أدلّ على الإثم من السيئة.

وسألوا الوفاة مع الأبرار، أي أن يموتوا على حالة البِرّ، بأن يلازمهم البرّ إلى الممات وأن لا يرتدّوا على أدبارهم، فإذا ماتوا كذلك ماتوا من جملة الأبرار.

فالمعية هنا معية اعتبارية، وهي المشاركة في الحالة الكاملة، والمعية مع الأبرار أبلغ في الاتّصاف بالدلالة، لأنّه برّ يرجى دوامه وتزايدُه لِكون صاحبه ضمن جمع يزيدونه إقبالاً على البرّ بلسان المقال ولسان الحال.

ولمّا سألوا أسباب المثوبة في الدنيا والآخرة ترقّوا في السؤال إلى طلب تحقيق المثوبة، فقالوا: ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ .

وتحتمل كلمة (على) أن تكون لتعدية فعل الوعد، ومعناها التعليل فيكون الرسل هم الموعود عليهم، ومعنى الوعد على الرسل أنّه وعد على تصديقهم فتعيّن تقدير مضاف، وتحتمل أن تكون (على) ظرفاً مستقرّاً، أي وعداً كائناً على رُسلك أي، منزلاً عليهم، ومتعلَّق الجار في مثله كونٌ غير عامّ بل هو كون خاصّ، ولا ضير في ذلك إذا قامت القرينة، ومعنى (على) حينئذ الاستعلاء المجازي، أو تجعل (على) ظرفاً مستقرّاً حالاً ﴿ ممّا وعدتنا ﴾ أيضاً، بتقدير كون عامّ لكن مع تقدير مضاف إلى رسلك، أي على ألْسِنَةِ رسلك.

والموعود على ألسنة الرسل أو على التصديق بهم الأظهر أنّه ثواب الآخرة وثواب الدنيا: لقوله تعالى: ﴿ فآتاهم اللَّه ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ [آل عمران: 148] وقوله: ﴿ وعد اللَّه الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ [النور: 55] الآية، وقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ [الأنبياء: 105].

والمراد بالرسل في قوله: ﴿ على رسلك ﴾ خصوص محمد صلى الله عليه وسلم أطلق عليه وصف «رسل» تعظيماً لقوله تعالى: ﴿ فلا تحسبن اللَّه مخلف وعده رسله ﴾ [إبراهيم: 47].

ومنه قوله تعالى: ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ﴾ [الفرقان: 37].

فإن قلتَ: إذا كانوا عالمين بأنّ الله وعدهم ذلك وبأنَّه لا يخلف الميعاد فما فائدة سُؤالهم ذلك في دعائهم؟

قلت: له وجوه: أحدها: أنّهم سألوا ذلك ليكون حصوله أمارة على حصول قُبول الأعمال التي وعد الله عليها بما سألوه فقد يظنّون أنفسهم آتين بما يبلّغهم تلك المرتبة ويخشون لعلّهم قد خلطوا أعمالهم الصالحة بما يبطلها، ولعلّ هذا هو السبب في مجيء الواو في قولهم: ﴿ وآتنا ما وعدتنا ﴾ دون الفاء إذ جعلوه دعوة مستقلّة لتتحقّق ويتحقّق سببها، ولم يجعلوها نتيجة فعل مقطوع بحصوله.

ويدلّ لصحّة هذا التأويل قوله بعدُ: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ [آل عمران: 195] مع أنّهم لم يطلبوا هنا عدم إضاعة أعمالهم.

الثاني: قال في «الكشّاف»: أرادوا طلب التوفيق إلى أسباب ما وعدهم الله على رسله.

فالكلام مستعمل كناية عن سبب ذلك من التوفيق للأعمال الموعود عليها.

الثالث: قال فيه ما حاصله: أن يكون هذا من باب الأدب مع الله حتّى لا يظهروا بمظهر المستحقّ لتحصيل الموعود به تذلّلاً، أي كسؤال الرسل عليهم السلام المغفرة وقد علموا أنّ الله غفر لهم.

الرابع: أجاب القرافي في الفرق (273) بأنّهم سألوا ذلك لأنّ حصوله مشروط بالوفاة على الإيمان، وقد يؤيّد هذا بأنّهم قدّموا قبله قولهم: ﴿ وتوقنا مع الأبرار ﴾ لكن هذا الجواب يقتضي قصر الموعود به على ثواب الآخرة، وأعادوا سؤال النجاة من خزي يوم القيامة لشدّته عليهم.

الخامس: أنّ الموعود الذي سألوه هو النصر على العدوّ خاصّة، فالدعاء بقولهم: ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ مقصود منه تعجيل ذلك لهم، يعني أنّ الوعد كان لمجموع الأمّة، فكلّ واحد إذا دعا بهذا فإنّما يعني أن يجعله الله ممَّن يرى مصداق وعد الله تعالى خشية أن يفوتهم.

وهذا كقول خبّاب بن الأرتّ: هاجرنا مع النبي نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمِنَّا مَن أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبُها، ومنَّا من مات لم يأكُل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحُد، فلم نجد له ما نكفّنه إلاّ بُردة» إلخ.

وقد ابتدأوا دعاءهم وخلّلوه بندائه تعالى: خمس مرات إظهار للحاجة إلى إقبال الله عليهم.

وعن جعفر بن محمد رضي الله عنه «مَن حَزبه أمر فقال: يا ربّ خمس مرات أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد»، واقرأوا: ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ﴾ إلى قوله: ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا ﴾ في المُنادِي قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: لَيْسَ كُلُّ النّاسِ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ.

﴿ يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ أيْ إلى الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا  ﴾ بِمَعْنى إلى هَذا.

وَمِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ يَعْنِي أوْحى إلَيْها كَما قالَ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها  ﴾ أيْ إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْجِزٌ وعْدَهُ فَما مَعْنى هَذا الدُّعاءِ والطَّلَبِ؟

فَفي ذَلِكَ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ بِهِ، مَعَ العِلْمِ بِإنْجازِ وعْدِهِ، الخُضُوعُ لَهُ بِالدُّعاءِ والطَّلَبِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّمَسُّكِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ اجْعَلْنا مِمَّنْ وعَدْتَهُ ثَوابَكَ.

والرّابِعُ: يَعْنِي عَجِّلْ إلَيْنا إنْجازَ وعْدِكَ وتَقْدِيمَ نَصْرِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم موسى من الآيات؟

قالوا: عصاه، ويده بيضاء للناظرين.

وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟

قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى.

فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً.

فدعا ربه فنزلت ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ﴾ فليتفكروا فيها.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده.

ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والطبراني والحاكم في الكنى والبغوي في معجم الصحابة عن صفوان بن المعطل السلمي قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرهقت صلاته ليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام، فلما كان نصف الليل استيقظ فتلا الآيات العشر.

آخر سورة آل عمران، ثم تسوّك، ثم توضأ فصلى إحدى عشرة ركعة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واختلاف اليل والنهار ﴾ ذكر في البقرة ﴿ قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ ﴾ أي يذكرون الله على كل حال؛ فكأن هذه الهيآت حصر لحال بني آدم، وقيل: إن ذلك في الصلاة: يصلون قياماً فإن لم يستطيعوا صلوا قعوداً، فإن لم يستطيعوا صلوا على جنوبهم ﴿ رَبَّنَآ ﴾ أي يقولون: ربنا ما خلقت هذا لغير فائدة بل خلقته وخلقت البشر، لينظروا فيه فيعرفونك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الأبرار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء.

والكسائي والنجاري عن ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وكذلك كل ما تكرر فيه الراء غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن.

﴿ وقتلوا وقاتلوا ﴾ حمزة وعلي وخلف، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ وقتلوا ﴾ مشدداً.

الباقون: ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ مخففاً.

﴿ لا يغرنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس.

الباقون بالتشديد ﴿ نزلاً ﴾ حيث كان بالاختلاس عباس.

الوقوف: ﴿ الألباب ﴾ ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفاً نصباً أو رفعاً على المدح بتقدير أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر.

﴿ والأرض ﴾ ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا.

﴿ باطلاً ﴾ ج للابتداء بسبحانك تعظيماًَ وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب.

﴿ النار ﴾ ه ﴿ أخزيته ﴾ ط ﴿ أنصار ﴾ ه ﴿ فآمنا ﴾ قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ معطوف على ﴿ آمنا ﴾ أي إذا آمنا فاغفر.

﴿ الأبرار ﴾ ه ج للآية وللعطف.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ج لاتحاد الكلام وإلا فبعضكم مبتدأ ﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ز لأن ﴿ ثواباً ﴾ مفعول له أو مصدر.

﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ للأبرار ﴾ ه ﴿ لله ﴾ لا لأن ما بعده حال آخر ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض / الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء، عن ابن عمر "قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله  .

فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب.

أتاني في ليلتي فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟

فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقوية، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه فقد بلت الأرض.

فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟

ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .

وعن علي "أن النبي  كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ " واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل، وههنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيهاً على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاخلع نعليك  ﴾ يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية.

وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر.

وإنما قال في تلك السورة ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ لآيات لأولي الألباب ﴾ لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلاً وفي كمال الحال يكون لباً.

وباقي التفسير قد مرهناك.

ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن.

فقوله: ﴿ الذين يذكرون الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان.

وقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان.

والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال  : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " وقيل: المراد بالذكر ههنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد.

وهذا موافق لمذهب الشافعي في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثاً طبياً، وهو أن الاستلقاء يمنع من استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب.

والصلاة إذا كانت عن فكر وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر فذاك وضع الغافلين.

وقال أبو حنيفة: بل يصلي مستلقياً إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ إشارة إلى عمل الجنان.

وقد عرفت معنى الفكر في البحث الخامس من تفسير قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وإنما لم يقل و "يتفكرون في الله" كما قال: ﴿ يذكرون الله ﴾ لقوله  : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" " والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه.

فالفكر في المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه متنج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره  محال لأن تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أوّلاً أن لها رباً وصانعاً فيقول: ﴿ ربنا ﴾ .

ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم إذا قاس أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته  منزه عن مشابهة شيء من هذه المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة فيقول: ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بلك من مناسبة الجواهر والأعراض.

ثم إذا بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ ، ثم ذكر سبب الاستعاذة من النار بقوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ أي أبلغت في إخزائه نظيره قوله: ﴿ فقد فاز  ﴾ وفي كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك.

ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد  وذلك قوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ الآية.

فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات والآيات على وجه / " "ألقى في روعي " والله أعلم بأسرار كلامه.

عن النبي  : " "بينما رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " وعنه  : " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض" قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض.

وعنه  : " "لا عبادة كالتفكر" وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض بتأويل المخلوق.

وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضراً في خزانة الخيال.

و ﴿ باطلاً ﴾ نصب على المصدر أي خلقاً باطلاً أو على الحال، وقيل.

بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل.

قالت المعتزلة: فيه دليل على أن كل ما يفعله الله  فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية.

وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ جملة معترضة تنزيهاً له من العبث وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

فوجه النظم في قوله: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار جزاء من عصى ولم يطع.

وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله  ، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.

والباطل في اللغة الذاهب الزائل.

الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال.

والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: ﴿ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً  ﴾ ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع بهما.

ثم لما وصف ذاته  بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه  خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي.

قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص.

وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى / العادة لا على سبيل الحقيقة.

والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله  مستتبعة لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره.

ثم إنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: ﴿ سبحانك ﴾ على الطلب ليكون أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله  عباده في حسن الطلب.

قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة.

عن الزجاج: أخزى الله العدوّ أي أبعده.

وقيل: أهانه.

وقيل: فضحه.

وقيل: أهلكه.

وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن وهو مع النبي  مخزي أن لا يكون غيره وهو مؤمن مخزي.

وأيضاً الآية ليست على عمومها لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا  ﴾ فثبت أن كل من دخل النار فإنه ليس بمخزي.

وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا النار للخلود.

وأيضاً إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج.

وقوله: ﴿ يوم لا يخزي  ﴾ نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهي نفي الخزي المخلد.

ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي.

واحتجت المرجئة بالآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ ولقوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي  ﴾ والمدخل في النار مخزي بهذه الآية.

والمقدمات بأسرها يدخلها المنع.

أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبله مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئيه الموضوع كما تقرر آنفاً.

وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني.

وقد يتمسك المعتزلة بقوله: ﴿ وما للظالمين ﴾ أي الداخلين في النار ﴿ من أنصار ﴾ أي في نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ في [البقرة:254] وأيضاً لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤول معنى الآية إلى أن الأمر يومئذٍ لله.

وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم هذه الحجة بخلاف الفساق.

وأيضاً أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية.

قالوا: الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصراً له.

وعورض بالآيات الدالة على العفو ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ﴾ تقول: سمعت رجلاً يتكلم بكذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالاً عنه.

والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله  ﴿ ادع إلى سبيل ربك  ﴾ ﴿ أدعوا إلى الله  ﴾ ﴿ وداعياً إلى الله  ﴾ وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: ﴿ إن هذا القرآن يهدي  ﴾ كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم ﴿ تدعو من أدبر وتولى  ﴾ والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة تصاريفه قال: يا واضع الميت في قبره *** خاطبك الدهر فلم تسمع ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل من اللام و"إلى" مقام الأخرى نظراً إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معاً.

وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا.

وقيل: معناه لأجل الإيمان.

ولهذا الغرض فسر بقوله: ﴿ أن آمنوا ﴾ و"أن" مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن آمنوا والفائدة في الجمع بين المنادي وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذٍ أوقع في النفس وأعز.

﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ أصل الغفر والتكفير كلاهما الستر والتعطية.

وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء.

وقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

وقيل: الأوّل أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف.

وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، والثاني ما أتى به مع الجهل بكونه ذنباً ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة أي مساوٍ له في ذلك الاعتقاد.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في ﴿ فاغفر ﴾ بعد قولهم: ﴿ آمنا ﴾ ثم إنه  أجابهم إلى ذلك بقوله: ﴿ فاستجاب لهم ﴾ ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي  لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى.

﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا / على رسلك ﴾ أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول، وعقيب قوله: ﴿ آمنا ﴾ وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد الله الجنة على الطاعة.

ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل.

وقيل: على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب.

وقيل: النصر على الأعداء.

وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سميا العبودية.

أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا عما بها نكون أهلاً لإخزانك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء.

أو المراد احفظ علينا أسباب إنجاز الميعاد.

وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق.

ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا الأدعية بقولهم ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ لأن التخجيل والتفضيح يكدّر صفو كل منٍّ وعطاء.

والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: ﴿ ربنا ﴾ ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم لا تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملاً بها فقالوا: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو النار فتضرعوا إلى معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء.

عن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد لأن الله  حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات "ربنا" ثم قال: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ أي أجابهم ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي "من" ذكر للتبيين لأن العامل إما ذكر وإما أنثى وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله.

أو المراد بعضكم كأنه من البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي.

قال  : " "من غشنا فليس منا " وقيل: المراد وصلة الإسلام.

وهذه جملة معترضة بيّن بها شركة النساء مع / الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل.

روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.

ثم فصل عمل العامل منهم تفخيماً لشأن العمل وتنويهاً بذكره فقال: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ أوطانهم مع الرسول  أو بعده باختيارهم ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ ألجأهم الكفار إلى الخروج ﴿ وأوذوا في سبيلي ﴾ يريد طريق الدين ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم.

وقيل: أي قطعوا.

ومن قرأ ﴿ قتلوا وقاتلوا ﴾ فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: قاتلوا حتى قتلوا.

وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل وإذا قتل قومه وعشيرته.

وإما بإضمار "قد" أي قتلوا وقد قاتلوا ﴿ لأكفرنّ ﴾ جواب للقسم المقدر ﴿ عنهم سيئاتهم ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ ﴿ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ ﴿ ثوباً من عند الله ﴾ وهو الذي طلبوه من الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ أي ثوباً يختص به وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه.يقول الرجل: عندي ما تريد أنا مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته.

و ﴿ ثواباً ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي إثابة أو تثويباً من عنده لأن قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ ﴿ ولأدخلنهم ﴾ في معنى لأثيبنهم.

وقال الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال.

وقال الفراء: نصب على التفسير كقولك: هو لك هبة أوبيعاً أو صدقة.

ثم ختم بقوله: ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات.

وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة تكاليفه دليل على أن حكمة الله  اقتصت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأساً.

عن الحسن: أخبر الله  أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ثم إنه  لما وعد المؤمنين الثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: ﴿ لا يغرنك ﴾ والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول والمراد الأمة.

قال قتادة: والله ما غرّوا نبي الله حتى قبضه الله وله.

والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه.

قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت.

وقيل: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت.

والمراد بتقلبهم / تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح ﴿ متاع قليل ﴾ في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين.

والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال ﴿ لكن الذين اتقوا ﴾ الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي.

والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاَ فلا بد من شيء آخر يكون اصلاً بالنسبة إليها، قلت: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وما عند الله باق  ﴾ إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة.

وقيل: المعنى وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وانتصاب ﴿ نزلاً ﴾ على الحال من ﴿ جنات ﴾ لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، أو نصب على التفسير كما قلنا في ﴿ ثواباً ﴾ .

ثم إنه  لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ وهذا قول مجاهد.

وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى  فأسلموا.

وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: "نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله  في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله  للأصحاب: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم.

قالوا: ومن هو؟

قال: النجاشي: فخرج رسول الله  إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: استغفروا له.

فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية" .

واللام في ﴿ لمن يؤمن ﴾ لام الابتداء الذي يدخل على خبر "إن" أو على اسمه عند الفصل كما في الآية.

والمراد ﴿ بما أنزل إليكم ﴾ القرآن ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ الكتابان و ﴿ خاشعين لله ﴾ حال من فاعل يؤمن لأن "من" في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ﴿ لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ﴾ كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله: ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات.

أو المراد سرعة موعد حسابه / فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر.

ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها.

الثاني ما يتعلق بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو بالسنان.

ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام بالصبر والمصابرة من قهر القوى النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من الربط الشدّ.

فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه.

ثم لا بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتداً بها، فلهذا أمر بتقوى الله.

ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على كنوز الحكم والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا.

ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما تقدم في هذه السورة من الأصول.

وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد.

ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد.

وعن الحسن ﴿ اصبروا ﴾ على دينكم فلا تتركوه بسبب الفقر والجوع ﴿ وصابروا ﴾ عدوّكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم أحد.وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا أصبر منكم.

وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله  في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها.

ولما كثر ترغيب الله  في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة مع الأعداء.

أما البرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في الثغور ويربط أولئك أيضاً خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر قال  : ﴿ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم  ﴾ وعن النبي  : " من رابط يوماَ وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "لم يكن في زمن رسول الله  غزو يرابط فيه، ولكن انظار الصلاة خلق الصلاة" .

وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم.

التأويل: / إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب.الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً.

وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلاً أي خلقته إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق.

سبحانك تنزيهاً للحق عن الشبه بالخلق، ﴿ فقنا ﴾ باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ففيها كل الخزى والندامة والغواية والضلالة.

ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا ﴾ من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا.

فاغفر لنا بفضلك ورحمتك.

﴿ لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ بالظاهر والباطن ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ على قدر همتكم ورجوليتكم ﴿ فالذين هاجروا ﴾ عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ من معاملات الطبيعة وديارها إلى عالم الحقيقة بسطوات تجلي صفات الربوبية ﴿ وأوذا في ﴾ طلبي بأنواع البلاء ﴿ وقاتلوا ﴾ مع النفس ﴿ وقتلوا ﴾ بسيف الصدق ﴿ لأكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم ﴿ ولأدخلنهم جنات ﴾ الوصول فيها أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوّة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أنهار العناية ﴿ ثواباً ﴾ من مقام العندية ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لايكون عند الجنة وغيرها ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، و ﴿ يؤمن بما أنزل إليكم ﴾ من الواردات والإلهامات والكشوف ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ من الخواطر الرحمانية ﴿ خاشعين لله ﴾ كما قال  : "إذا تجلى الله لشيء خضع له" ﴿ لا يشترون ﴾ بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم ﴿ اصبروا ﴾ على جهاد النفس بالرياضات ﴿ وصابروا ﴾ في مراقبة القلب عند الابتلاءات ﴿ ورابطوا ﴾ الأرواح للوصل بالله ﴿ واتقوا الله ﴾ في الالتفات إلى ما سواه ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ فتفوزوا بالبقاء بالله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ : في الآية وجوه.

أحدها: أنه خلق السماوات والأرض للبشر ولمنافعهم، لا أنه خلقهما لأنفسهما: لا منفعة لهما بخلقه إياهما؛ حتى يكون خلقه لأنفسهما؛ إذ خلق الشيء لا لمنفعة أحد أو للفناء خاصة - عَبَثٌ، فإذا كان ما ذكرنا أنه لا منفعة لهما في خلقهما - دل أنه إنما خلقهما لمنافع البشر، وسخرهما لهم، ثم جعل منافع السماء مع بُعْدِها من الأرض متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع هذا إلا بمنافع الآخر؛ فيصيرهما كالمتصلين؛ لاتصال المنافع مع بعد ما بينهما؛ فدل هذا أن الذي أنشأهما واحد.

وكذلك: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ : هما مختلفان: أحدهما ظلام والآخر نور، يُفْنِيان الأعمار ويقربان الآجال، وليس بينهما في رأي العين تشابُهٌ ولا تشاكل؛ إذ أحدهما نور والآخر ظلام، وهما متضادان، لكن خلقهما لمنافع البشر، والمقصود بخلقهم بنو آدم لا أنفسُهُم، على ما ذكرنا أنْ لا منفعة لهم في خلقهم، ثم صيَّرهما مع اختلافهما وتضادهما كالشكلين؛ لاتصال منافع بعضها ببعض؛ دل أن منشئهما واحد، وأنه عليم حكيم؛ حيث جمع من المتضادين المختلفين وصيَّرهما كالشكلين؛ وهما لعلم وحكمة وتدبير صارا كذلك.

وفهيما دلالة البعث؛ لأنهما يَفنيان حتى لا يبقى من الليل أثر حتى يجيء النهار، فيذهب النهار أيضا حتى لا يبقى من النهار أثر، فيجيء آخر، لا يزالان كذلك، فإذا كان قادراً على خلق الليل وإنشائه من غير أثر بقي من النهار؛ وكذلك قادر على إنشاء النهار من غير أن بقي من الليل أثر ظلام - لقادر على أن ينشئ الخلق ثانياً ويحييهم، وإن فَنُوا وهلكوا ولم يبق منهم أثر؛ فإذا كان ما ذكرنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما لمنافع البشر، وهو المقصود من خلقهما لا غيرهم من الخلائق؛ لما ركب فيهم من العقول والبصر الذي بهما يميزون بين المنافع والمضار، وبين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، ولم يركب ذلك في غيرهم من الخلائق - لابدَّ من أمر ونهي: يأمر بأشياء، وينهى عن أشياء؛ يمتحنهم على ذلك؛ إذ هم أهل التمييز والفهم والبصر؛ فإذا كان ما ذكرنا، لا بد - أيضاً - من دار أخرى للجزاء، يُكْرَمُ المطيع له فيها والولي، و يُعَاقَبُ العدو فيها والعاصي، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ﴾ : يحتمل هذا لما جعل الله -  - على العبد في كل حالٍ نعمةً ليست تلك في غيرها من الأحوال، نحو: أن جعل القيام نعمة في قضاء حوائجه وتقلبه في تلك الحال، وجعل القعود راحة له عند الإعياء، وكذلك الأضطجاع؛ فاستأداهم بالشكر له في كل نعمة على حال من تلك الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا.

ويحتمل: أن يكون -  - أمرهم أن يذكروه في كل حال: في حال الرخاء والشدة، وفي الضراء والسراء، لا في حال دون حال، على ما يفعله بعض خلقه: يذكرونه في حال الشدَّة والضراء، ولا يذكرونه في حال الرخاء واليسر، ويذكرونه في حال الرخاء واليسر، ولا يذكرونه في حال الشدة والبلاء، فمدح المؤمنين أنهم يذكرونه في كل حال، لا على ما يفعله أهل الشرك [على إرادة نفس القيام]، ونفس القعود والاضطجاع؛ ولكن على كل حال وفي كل وقت، والله أعلم.

وقيل: إنه جاء في رخصة صلاة المريض: يصلِّي قائماً إن استطاع، وإلا فقاعداً إن لم يستطع، وإلا فمضطجعاً، وكذلك روي عن ابن مسعود -  - أنه قال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ إذ في خلقهما دليل وحدانيته، وشهادة ربوبيته.

﴿ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴾ : أي: عبثاً، ولكنَّ خَلْقَهُمْ دَلِيلٌ على وحدانيتك، وشاهد على ربوبيتك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ : هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ : قيل: أَذْلَلْتَهُ وفضحتَهُ وأهنتَه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ : أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم أعوان يعينونهم في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على حقيقة السمع أن سمعنوا منادياً يدعوهم إلى الإيمان، وهو رسول الله  أو القرآن، كلاهما يدعوان الخلق إلى الإيمان بالله.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ، أي: عقلنا، وعَقْلُ كُلِّ أحد يدعو إلى التوحيد والإيمان به.

وقيل: سمعوا دعوة الله فأجابوها، وصبروا عليها.

وعن ابن عباس -  -: المنادى: محمد  ، ثم قرأ: ﴿ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ...

﴾ الآية [الأنعام: 19].

وعن غيره: المنادى هو القرآن، ويدعوهم ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ .

[وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ فيه دلالة أن الإيمان ليس هو جميع الطاعات، على ما يقول بعض الناس؛ ولكنه فرد تصديق؛ لأنه لما قال لهم: آمنوا بربكم لم يطلبوا التفسير، ولا قالوا: كم أشياء تكون؟!، ولكن أجابوه إجابة موجزة، فقالوا: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ ].

ثم فيه دلالة أن لا ثُنَيَّا في الإيمان؛ لأنهم أطلقوا القول في الإخبار عن إيمانهم من غير ذكر حرف الثنيا؛ دلَّ أن الإيمان مما لا يحتمل الثنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ : قيل: قولهم: ﴿ فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ : التي كانت فيما مضى من عمرنا، ﴿ وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ ، أي: اعصمنا فيما بقى من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبدَ التكفيرُ لما أساء.

وقيل: المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك التكفير؛ ولذلك سُمِّى الحراثون: كفاراً؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر سمى كافراً؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم الله عليه بتوجيه الشكر إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ ، أي: توفنا واجعلنا مع الأبرار.

ويحتمل: وتوفنا من الأبرار وفي الأبرار.

ثم اختلف في البَرِّ: قيل: هو الذي لا يؤذي أحداً، وقيل: الأبرار: الأخيار.

ويحتمل: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنَّا أبرارٌ.

والبر: الطاعة، والتقوى: ترك المعصية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ : قيل فيه وجهين: قيل: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، على إضمار "ألسن" كقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً  ﴾ وقيل: ﴿ مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، أي: ما جعلت عليهم من الاستغفار للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، وكقوله إبراهيم -  -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ  ﴾ ، وكقول نوح -  -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

ثم بيننا وبين المعتزلة كلام في الآية: قالت المعتزلة: يجوز الدعاء والسؤال عنه بما قد أعطى، وما عليه أن يعطي نحو ما ذكر من السؤال بما وعد، وما وعد لا شك أنه يعطي، وأنه لا يخلف المعياد، ونحو قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ وهو لا يحكم بالجور.

وأما عندنا: أن السؤال عما عليه أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا تَجُرْ ولا تَظْلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال، والله أعلم.

ثم تأويل الآية عندنا على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، يحتمل أن يكون الوعد منه لرسله باستغفار الرسل، إذا كان من المؤمنين استغفار وسؤال؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ...

﴾ الآية [النساء: 64]: وعد لهم المغفرة لهم باستغفار الرسول؛ إذا كان منهم استغفار وسؤال، يقول: اجعل دعائي دعاء من جاء إلى النبي  مستغفراً فاستغفر له، وكقوله - أيضاً -: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً  ﴾ .

والثاني: يحتمل أن يكون الوعد: لهم إذا ماتوا على ذلك، فالدعاء كان منهم، والسؤال: أنه إذا أماتهم يميتهم على الإيمان، على ما كانوا أحياء، والمغفرة والرحمة حينئذ تكون لهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ  ﴾ فله كذا، ولم يقل: من عمل بها فله كذا، ولكن ذكر مجيئه بها، فعلى ذلك الأوَّل، والله أعلم.

ثم يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم.

وفيما ذكر من تأويل الآية في الابتداء كفاية من ذلك، والله أعلم.

والثالث: يدعو؛ ليجعلهم من الجملة الذين كان لهم الوعد؛ إذ الوعد غير مُبَيَّنٍ لمن هو؛ فسألوا أن يجعلهم في تلك الجملة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن في إيجاد السماوات والأرض من عَدَم على غير مثال سابق، وفي تعاقب الليل والنَّهار، وتفاوتهما طولًا وقِصَرًا؛ لدلائلَ واضحة لأصحاب العقول السليمة، تدلهم على خالق الكون المستحق للعبادة وحده.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZRQLZ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنها جاءت بعد أفاعيل أهل الكتاب وغيرهم مع المؤمنين، فهي تدل على أن أولئك المجادلين لو كانوا يتفكرون في خلق السماوات والأرض لكفوا من غرورهم ولعلموا أنه يليق بحكمته تعالى أن يرسل إلى الناس رسولًا من أنفسهم، ولكنه جعل الآية مطلقة موجهة إلى أولي الألباب ليطلق النظر لكل عاقل.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ السماوات ما علاك مما تراه فوقك، والأرض ما تعيش عليه، والخلق التقدير والترتيب لا الإيجاد من العدم كما اصطلح عليه في علم الكلام فذلك لا يتضمن معنى النظام والإتقان وهو ما هي عليه الواقع ونفس الأمر، وبعد ما ذكر خلق السماوات والأرض لفت العقول إلى أمر مما يكون في الأرض وهو اختلاف الليل والنهار، فإن هذا الاختلاف قائم بنظام في طول الليل والنهار وقصرهما وتعاقبهما وهذا أمر عظيم سواء كان سببه ما كانوا يعتقدون من أنه حادث من حركة الشمس، أو ما يعتقدون الآن من أن سببه حركة الأرض تحت الشمس ومن الحكم في ذلك ما نراه في أجسامنا وعقولنا من تأثير حرارة الشمس ورطوبة الليل وكذا في تربية الحيوانات والنبات وغير ذلك، ولو كان الليل سرمدًا والنهار سرمدًا لفاتت.

وهذه الآيات تظهر لكل أحد على قدر علمه وفهمه وجودة فكره، فأما علماء الهيئة فإنهم يعرفون من نظامها ما يدهش العقل، وأما سائر الناس فحسبهم هذه المناظر البديعية والأجرام الرفيعة وما فيها من الحسن والروعة، وخص أولي الألباب بالذكر مع أن كل الناس أولي ألباب لأن من اللب ما لا فائدة فيه كلب الجوز ونحوه إذا كان عفنا، وكذا تفسد ألباب بعض الناس وتعفن فهي لا تهتدي إلى الاستفادة من آيات الله في خلق السماوات والأرض وغيرهما، وإنما سمي العقل لبًا لأن؛ اللب هو محل الحياة من الشيء وخاصته وفائدته، وإنما حياة الإنسان الخاصة به هي حياته العقلية، وكل عقل متمكن من الاستفادة من النظر في هذه الآيات والاستدلال بها على قدرة الله وحكمته ولكن بعضهم لا ينظر ولا يتفكر وإنما العقل الذي ينظر ويستفيد ويهتدي هو الذي وصف أصحابه بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ  ﴾ والذكر في الآية على عمومه لا يخص بالصلاة والمراد بالذكر ذكر القلوب وهو إحضار الله تعالى في النفس وتذكر حكمه وفضله ونعمه في حال القيام والقعود والاضطجاع، وهذه الحالات الثلاث التي لا يخلو العبد عنها تكون فيها السماوات والأرض معه لا يتفارقان.

والآيات الإلهية لا تظهر من السماوات والأرض إلا لأهل الذكر فكأين من عالم يقضي ليله في رصد الكواكب فيعرف منها ما لا يعرف الناس، ويعرف من نظامها وسننها وشرائعها ما لا يعرف الناس، وهو يتلذذ بذلك العلم ولكنه مع هذا لا تظهر له هذه الآيات لأنه منصرف عنها بالكلية.

ثم إن ذكر الله تعالى لا يكفي في الاهتداء إلى الآيات ولكن يشترط مع الذكر التفكير فيها فلابد من الجمع بين الذكر والفكر، فقد يذكر المؤمن بالله ربه ولا يتفكر في بديع صنعه وأسرار خليقته، وبذلك قال: ﴿ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار  ﴾ أي مع التفكير في خالقهما، أما الذين يشتغلون بعلم ما في السماوات والأرض وهم غافلون عن خالقهما، ذاهلون عن ذكره يمتعون عقولهم بلذة العلم ولكن أرواحهم تبقى محرومة من لذة الذكر ومعرفة الله  ، فمثلهم كمثل من يطبخ طعامًا شهيًا يغذي جسده ولكنه لا يرقى به عقله.

هذا حكاية لقول هؤلاء الذين يجمعون بين تفكرهم وذكر الله  ويستنبطون من اقترانهما الدلائل على حكمه الله وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان التي تربط الإنسان بربه حق الربط، وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم، فطي هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع وفيه تعلم المؤمنين كيف يخاطبون الله تعالى عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه، كأنه يقول هذا هو شأن المؤمن الذاكر المتفكر يتوجه إلى الله في هذه الأحوال، بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال، وكون هذا ضربًا من ضروب التعليم والارشاد، لا يمنع أن بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكروا ثم قالوا هذا أو ما يؤدي معناه فذكر الله حالهم وابتهالهم، ولم يذكر قصتهم وأسماءهم، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم، وأسوة في سيرتهم، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم، إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم.

أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلًا فمعناه أن هذا الإبداع في الخلق والاتقان للصنع لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفنانية فقط، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصنع، كلما ازداد تفكيرًا ازداد علمًا، حتى إنه لا حد يُعْرف لفهمه وعلمه ولا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلًا ثم يذهب سدى، ويتلاشى فيكون باطلًا، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله، ولهذا وصل الثناء بهذا الدعاء، ومعناه جنبنا السيئات، ووفقنا للأعمال الصالحات، حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن.

ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر مع الذكر إلى بقاء العالم واستمراره لأن نظامه البديع لا يمكن أن يجعله العليم الحكيم باطلًا، وبعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار في الحياة الثانية، يتوجهون إليه قائلين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ أي إنهم ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي العظيم الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالأسرار والحكم والدلائل على قدرته وعزته فيعلمون أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر عليه، وأن من عاداه فلا ملجأ ولا منجا له منه إلا إليه، فيقرون بأن من أدخله ناره فقد أخزاه أي أذله وأهانه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ  ﴾ وصف من يدخلون النار بالظالمين تشنيعًا لأعمالهم وبيانًا لعلة دخولهم وهو جورهم وميلهم عن طريق الحق، فالظالم هنا هو الذي يتنكب الطريق المستقيم لا الكافر خاصة كما قال المفسرين فإن هذا التخصيص لا حاجة إليه، ولا دليل عليه، وإنما سببه ولوع الماس بإخراج أنفسهم من كل وعيد يذكر في كتابهم، وحمله بالتأويل والتحريف على غيرهم، كذلك فعل السابقون، واتبع سننهم اللاحقون، فكل ظالم يؤخذ بظلمه، ويعاقب على قدره، ولا يجد له نصيرًا يحميه من أثر ذنبه.

ثم إنهم بعد التعبير عما أثمره الفكر والذكر من معرفة الله تعالى وخشيته ودعائه عبروا عما أفادهم السمع من وصول دعوة الرسول إليهم واستجابتهم له وما يترتب على ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا  ﴾ المنادي للإيمان هو الرسول، وذكره بوصف المنادي تفخيمًا لشأن هذا النداء، وذكر استجابتهم بالعطف بالفاء لبيان أنهم بعد الذكر والفكر والوصول منها إلى تلك النتيجة الحميدة لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الانبياء كما تلبث قوم واستكبر آخرون، بل بادروا وسارعوا إليه لأنهم إنما يدعونهم إلى ما اهتدوا إليه مع زيادة صالحة تزيدهم معرفة بالله تعالى وبصيرة في عالم الغيب والحياة الآخرة اللتين دلهم الدليل على ثبوتها دلالة مجملة مبهمة، والأنبياء يزيدونها ويوحيه الله إليهم بيانًا وتفصيلًا.

وعلى هذا التفسير يكون المراد بالآيات بيان أنه كان في كل أمة أولو ألباب هذا شأنهم مع أنبيائهم ويصح أن يكون المراد بالمنادي نبينا  خاصة.

وسماع النداء يشمل من سمع منه مباشرة في عصره ومن وصلت إليه دعوته بعده ويتحمل أن يكون قولهم فآمنا مرادًا به إيمان جديد غير الإيمان الذي استفادوه من التفكر والذكر وهو الإيمان التفصيلي الذي أشرنا إليه آنفًا، ويحتمل أن يكون سمعوا دعوة الرسول أولًا وآمنوا به ثم نظروا وذكروا وتفكروا فاهتدوا إلى ما اهتدوا إليه من الدلائل التي تدعم إيمانهم فذكروا النتيجة، ثم اعترفوا بالوسيلة، ولا ينافي ذلك تاخير هذه عن تلك في العبارة كما هو ظاهر.

﴿ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا  ﴾ تفيد الفاء في قوله ﴿ فَاغْفِرْ  ﴾ اتصال هذا الدعاء بما قبله وكون الإيمان سببًا له، والمراد بالإيمان الإذعان للرسل في النفس والعمل، لا دعوى الإيمان باللسان مع خلو القلب من الاذعان الباعث على العمل، ولأجل هذا اسشعروا الخوف من الهفوات والسيئات فطلبوا المغفرة والتفكير.

وقال بعض المفسرين إن المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر.

وعندي أن الذنوب هي التقصير في عبادة الله تعالى وكل معاملة بين العبد وربه، والسيئات هي التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم بعضًا، فالذنب معناه الخطيئة، وأما السيئة فهي ما يسوء فاشتقاقها من الإساءة يشعر بما قلناه، وغفر الذنوب عبارة عن سترها وعدم العقوبة عليها البتة، وتكفير السيئات عبارة عن حطها وإسقاطها فكل من الطلبين مناسب لما ذكرنا من المعنيين ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ  ﴾ أي أمتنا على حالتهم وطريقتهم، يقال: أنا مع فلان أي على رأيه وسيرته ومذهبه في عمله، والأبرار هم المحسنون في أعمالهم.

﴿ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ  ﴾ ، على رسلك معناه لأجل رسلك، أي لأجل اتباعهم والإيمان بهم.

فالكاف للتعليل، واستشكل البعض هذا السؤال منهم مع إيمانهم بأن الله لا يخلف الميعاد، والمختار عندي في الجواب عنه أن هؤلاء قوم هداهم النظر والفكر إلى معرفة الله تعالى واستشعار عظمته وسلطانه، وإلى ضعف أنفسهم عن القيام بما يجب من شكره، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه، فطلبوا المغفرة والتفكير والعناية الإلهية التي تبلغهم ما وعد الله من استجابوا للرسل ونصروهم وأحسنوا اتباعهم.

﴿ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ أي لا تذلنا.

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى  ﴾ استجاب دعاءهم لصدقهم في الإيمان والذكر والفكر والتقديس والتنزيه، والوصول إلى معرفة الحياة الآخرة، وصدق الرسل وإيمانهم بهم وشعورهم بعد ذلك كله بأنهم ضعفاء مقصرون في الشكر محتاجون مغفرته لهم وفضله عليهم وإحسانه بهم بإيتائهم ما وعدهم، ولكن هذه الاستجابة لم تكن بعين ما طلبوا كما طلبوا ولذلك صورها وبيّن كيفيتها، وهذا التصوير لحكمة عالية وهي أن الاستجابة ليست إلا توفية كل عامل جزاء عمله لينبههم بذكر العمل والعامل، إلى أن العبرة في الظن بالنجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب إنما هي بإحسان العمل والإخلاص فيه، فإن الإنسان قد تغشه نفسه فيظن أنه محسن وليس بمحسن وأنه مخلص وما هو بمخلص، وأن حوله وقوته قد فنيا في حول الله وقوته وأنه لا يريد إلا وجهه تعالى في كل حركة وسكون، ويكون في الواقع ونفس الأمر مغرورًا مرائيًا.

وذكر أن الذكر والأنثى متساويان عند الله تعالى في الجزاء متى تساويا في العمل حتى لا يغتر الرجل بقوته ورياسته على المرأة فيظن أنه أقرب إلى الله منها، ولا تسيء المرأة الظن بنفسها فتتوهم أن جعل الرجل رئيسًا عليها يقتضي أن يكون أرفع منزلة عند الله تعالى منها، وقد بيّن تعالى علة هذه المساواة بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ فالرجل مولود من المرأة والمرأة مولودة من الرجل فلا فرق بينهما في البشرية، ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال، أي وما تترتب عليه الأعمال ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق.

لم يكتف بربط الجزاء بالعمل حتى يبين أن العمل الذي يستحقون به ما طلبوا من تكفير السيئات ودخول الجنة فقال: ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ ذكر الإخراج من الديار بعد الهجرة من باب التفصيل بعد الإجمال، فالهجرة إنما كانت وتكون بالإخراج من الديار، وتستتبع ما ذكر في قوله: ﴿ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا  ﴾ من الإيذاء والقتال، وقرئ وقتلوا بتشديد التاء للمبالغة فمن لم يحتمل القتل بل والتقتيل في سبيل الله تعالى ويبذل محجته لله  فلا يطمعن بهذه المثوبة المؤكدة في قوله: ﴿ لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  ﴾ ومثل هذه الآية الآيات الكثيرة الواردة في صفحات المؤمنين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَالْعَصْرِ  ﴾ إلخ السورة وغير ذلك.

هكذا يذكر الله تعالى صفات المؤمنين لينبهنا إلى أن نرجع إلى أنفسنا ونمتحنها بهذه الأعمال والصفات، فإن رأيناها تحتمل الإيذاء في سبيل الله حتى القتل فلنبشرها بالصدق منها، والرضوان منه تعالى، وإلا فعلينا أن نسعى لتحصيل هذه المرتبة التي لا ينجي عنده غيرها.

وإنما كلف الله المؤمنين الصادقين الموقنين المخلصين هذا التكليف الشاق لأن قيام الحق مرتبط به وإنما سعادتهم -من حيث هم مؤمنون- بقيام الحق وتأييده، والحق في كل زمان ومكان محتاج إلى أهله لينصروه على أهل الباطل الذين يقاومونه.

والحق والباطل يتصارعان دائمًا ولكل منهما حزب ينصره فيجب على أنصار الحق أن لا يفشلوا ولا ينهزموا، بل عليهم أن يثبتوا ويصبروا، حتى تكون كلمته العليا، وكلمة الباطل هي السفلى.

وانظر إلى حال المؤمنين اليوم تجدهم يتعللون بأن هذه الآيات نزلت في أناس مخصوصين كأنهم يترقبون أن يستجيب الله لهم ويعطيهم ما وعد المؤمنين من غير أن يقوموا بعمل مما أمر به المؤمنين، ولا أن يتصفوا بوصف مما وصفهم به من حيث هم مؤمنون وما علق عليه وعده بمثوبتهم، بل وإن اتصفوا بضده وهو ما توعد عليه بالعذاب الشديد، وهذا منتهى الغرور.

﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ  ﴾ إن هذا تأكيد لما قبله من كون الثواب من عند الله ليبين أن هذا الجزاء بمحض الفضل والكرم الإلهي وأنه يقع بإرادته واختياره تعالى وإن كان جزاء على عمل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل