الآية ١٩١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٩١ من سورة آل عمران

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًۭا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 170 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنبك أي : لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) أي : يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته ، وعلمه وحكمته ، واختياره ورحمته .

وقال الشيخ أبو سليمان الداراني : إني لأخرج من منزلي ، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ، أو لي فيه عبرة .

رواه ابن أبي الدنيا في كتاب " التفكر والاعتبار " .

وعن الحسن البصري أنه قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة .

وقال الفضيل : قال الحسن : الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك .

وقال سفيان بن عيينة : الفكرة نور يدخل قلبك .

وربما تمثل بهذا البيت : إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة وعن عيسى ، عليه السلام ، أنه قال : طوبى لمن كان قيله تذكرا ، وصمته تفكرا ، ونظره عبرا .

وقال لقمان الحكيم : إن طول الوحدة ألهم للفكرة ، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة .

وقال وهب بن منبه : ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم ، وما فهم امرؤ قط إلا علم ، وما علم امرؤ قط إلا عمل .

وقال عمر بن عبد العزيز : الكلام بذكر الله ، عز وجل ، حسن ، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة .

وقال مغيث الأسود : زوروا القبور كل يوم تفكركم ، وشاهدوا الموقف بقلوبكم ، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار ، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها ، وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعا من بين أصحابه ، قد ذهب عقله .

وقال عبد الله بن المبارك : مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة ، فناداه فقال : يا راهب ، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر ، كنز الرجال وكنز الأموال .

وعن ابن عمر : أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه ، يأتي الخربة فيقف على بابها ، فينادي بصوت حزين فيقول : أين أهلك ؟

ثم يرجع إلى نفسه فيقول : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) [ القصص : 88 ] .

وعن ابن عباس أنه قال : ركعتان مقتصدتان في تفكر ، خير من قيام ليلة والقلب ساه .

وقال الحسن : يا ابن آدم ، كل في ثلث بطنك ، واشرب في ثلثه ، ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة .

وقال بعض الحكماء : من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة .

وقال بشر بن الحارث الحافي : لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه .

وقال الحسن ، عن عامر بن عبد قيس قال : سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر .

وعن عيسى ، عليه السلام ، أنه قال : يا ابن آدم الضعيف ، اتق الله حيثما كنت ، وكن في الدنيا ضيفا ، واتخذ المساجد بيتا ، وعلم عينيك البكاء ، وجسدك الصبر ، وقلبك الفكر ، ولا تهتم برزق غد .

وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، أنه بكى يوما بين أصحابه ، فسئل عن ذلك ، فقال : فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها ، فاعتبرت منها بها ، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها ، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر ، إن فيها مواعظ لمن ادكر .

وقال ابن أبي الدنيا : أنشدني الحسين بن عبد الرحمن : نزهة المؤمن الفكر لذة المؤمن العبر نحمد الله وحده نحن كل على خطر رب لاه وعمره قد تقضى وما شعر رب عيش قد كان فو ق المنى مونق الزهر في خرير من العيو ن وظل من الشجر وسرور من النبا ت وطيب من الثمر غيرته وأهله سرعة الدهر بالغير نحمد الله وحده إن في ذا لمعتبر إن في ذا لعبرة للبيب إن اعتبر وقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته ، فقال : ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون .

وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) [ يوسف : 105 ، 106 ] ومدح عباده المؤمنين : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) قائلين ( ربنا ما خلقت هذا باطلا ) أي : ما خلقت هذا الخلق عبثا ، بل بالحق لتجزي الذين أساءوا بما عملوا ، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل فقالوا : ( سبحانك ) أي : عن أن تخلق شيئا باطلا ( فقنا عذاب النار ) أي : يا من خلق الخلق بالحق والعدل ، يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث ، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا ، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم ، وتجيرنا به من عذابك الأليم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قال أبو جعفر: وقوله: " الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا " من نعت " أولي الألباب "، و " الذين " في موضع خفض ردًّا على قوله: لأُولِي الأَلْبَابِ .

* * * ومعنى الآية: إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذاكرين الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم= يعني بذلك: قيامًا في صلاتهم، وقعودًا في تشهدهم وفي غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نيامًا.

كما:- 8354 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن &; 7-475 &; ابن جريج، قوله: " الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا " الآية، قال: هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن.

8355 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم "، وهذه حالاتك كلها يا ابن آدم، فاذكره وأنت على جنبك، يُسرًا من الله وتخفيفًا.

* * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: " وعلى جنوبهم ": فعطف بـ" على "، وهي صفة، (30) على " القيام والقعود " وهما اسمان؟

قيل: لأن قوله: " وعلى جنوبهم " في معنى الاسم، ومعناه: ونيامًا، أو: " مضطجعين على جنوبهم "، فحسن عطف ذلك على " القيام " و " القعود " لذلك المعنى، كما قيل: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا [سورة يونس: 12] فعطف بقوله: أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا على قوله: لِجَنْبِهِ ، لأن معنى قوله: لِجَنْبِهِ ، مضطجعا، (31) فعطف بـ" القاعد " و " القائم " على معناه، فكذلك ذلك في قوله: " وعلى جنوبهم ".

(32) * * * وأما قوله: " ويتفكرون في خلق السموات والأرض "، فإنه يعني بذلك أنهم يعتبرون بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا مَن ليس كمثله شيء، ومن هو مالك كل شيء ورازقه، وخالق كل شيء ومدبره، ومن هو على كل شيء قدير، وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة.

* * * القول في تأويل قوله : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قائلين: " ربنا ما خلقت هذا باطلا "، فترك ذكر " قائلين "، إذ كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه.

* * * وقوله: " ما خلقت هذا باطلا " يقول: لم تخلق هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، وإنما قال: " ما خلقت هذا باطلا " ولم يقل: " ما خلقت هذه، ولا هؤلاء "، لأنه أراد بـ" هذا "، الخلقَ الذي في السموات والأرض.

يدل على ذلك قوله: " سبحانك فقنا عذاب النار "، ورغبتهم إلى ربهم في أن يقيهم عذاب الجحيم.

ولو كان المعنيّ بقوله: " ما خلقت هذا باطلا "، السموات والأرض، لما كان لقوله عقيب ذلك: " فقنا عذاب النار "، معنى مفهوم.

لأن " السموات والأرض " أدلة على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب، الأمر والنهي.

وإنما وصف جل ثناؤه: " أولي الألباب " الذين ذكرهم في هذه الآية: أنهم إذا رأوا المأمورين المنهيّين قالوا: " يا ربنا لم تخلُق هؤلاء باطلا عبثًا سبحانك "، يعني: تنـزيهًا لك من أن تفعل شيئًا عبثًا، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر، لجنة أو نار.

ثم فَزِعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه وخالف أمره، فيكونوا من أهل جهنم.

------------------- الهوامش : (30) "الصفة": حرف الجر ، كما سلف في مواضع كثيرة ، وانظر 1: 299 ، تعليق: 1 ، وفهرس المصطلحات في الأجزاء السالفة.

(31) انظر ما سلف 3: 475.

(32) انظر معاني القرآن للفراء 1: 250.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلو ابن آدم منها في غالب أمره , فكأنها تحصر زمانه .ومن هذا المعنى قول عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه .أخرجه مسلم .فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك .وقد اختلف العلماء في هذا ; فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وابن سيرين والنخعي , وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبي .والأول أصح لعموم الآية والحديث .قال النخعي : لا بأس بذكر الله في الخلاء فإنه يصعد .المعنى : تصعد به الملائكة مكتوبا في صحفهم ; فحذف المضاف .دليله قوله تعالى : " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " [ ق : 18 ] .وقال : " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين " [ الانفطار : 10 - 11 ] .لأن الله عز وجل أمر عباده بالذكر على كل حال ولم يستثن فقال : " اذكروا الله ذكرا كثيرا " [ الأحزاب : 41 ] وقال : " فاذكروني أذكركم " [ البقرة : 152 ] وقال : " إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا " [ الكهف : 3 ] فعم .فذاكر الله تعالى على كل حالاته مثاب مأجور إن شاء الله تعالى .وذكر أبو نعيم قال : حدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب الأحبار قال قال موسى عليه السلام : ( يا رب أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك قال : يا موسى أنا جليس من ذكرني قال : يا رب فإنا نكون من الحال على حال نجلك ونعظمك أن نذكرك قال : وما هي ؟

قال : الجنابة والغائط قال : يا موسى اذكرني على كل حال ) .وكراهية من كره ذلك إما لتنزيه ذكر الله تعالى في المواضع المرغوب عن ذكره فيها ككراهية قراءة القرآن في الحمام , وإما إبقاء على الكرام الكاتبين على أن يحلهم موضع الأقذار والأنجاس لكتابة ما يلفظ به .والله أعلم .و " قياما وقعودا " نصب على الحال ." وعلى جنوبهم " في موضع الحال ; أي ومضطجعين ومثله قوله تعالى : " دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما " [ يونس : 12 ] على العكس ; أي دعانا مضطجعا على جنبه .وذهب , جماعة من المفسرين منهم الحسن وغيره إلى أن قوله " يذكرون الله " إلى آخره , إنما هو عبارة عن الصلاة ; أي لا يضيعونها , ففي حال العذر يصلونها قعودا أو على جنوبهم .وهي مثل قوله تعالى : " فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " [ النساء : 103 ] في قول ابن مسعود على , ما يأتي بيانه .وإذا كانت الآية في الصلاة ففقهها أن الإنسان يصلي قائما , فإن لم يستطع فقاعدا , فإن لم يستطع فعلى جنبه ; كما ثبت عن عمران بن حصين قال : كان بي البواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال : ( صل قائما , فإن لم تستطع فقاعدا , فإن لم تستطع فعلى جنب ) رواه الأئمة : وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا قبل موته بعام في النافلة ; على ما في صحيح مسلم .وروى النسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي متربعا .قال أبو عبد الرحمن : لا أعلم أحدا روى هذا الحديث غير أبي داود الحفري وهو ثقة , ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ .والله أعلم .واختلف العلماء في كيفية صلاة المريض والقاعد وهيئتها ; فذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه يتربع في قيامه , وقاله البويطي عن الشافعي فإذا أراد السجود تهيأ للسجود على قدر ما يطيق , قال : وكذلك المتنفل .ونحوه قول الثوري , وكذلك قال الليث وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد .وقال الشافعي في رواية المزني : يجلس في صلاته كلها كجلوس التشهد .وروي هذا عن مالك وأصحابه ; والأول المشهور وهو ظاهر المدونة .وقال أبو حنيفة وزفر : يجلس كجلوس التشهد , وكذلك يركع ويسجد .قال : فإن لم يستطع القعود صلى على جنبه أو ظهره على التخيير ; هذا مذهب المدونة وحكى ابن حبيب عن ابن القاسم يصلي على ظهره , فإن لم يستطع فعلى جنبه الأيمن ثم على جنبه الأيسر .وفي كتاب ابن المواز عكسه , يصلي على جنبه الأيمن , وإلا فعلى الأيسر , وإلا فعلى الظهر .وقال سحنون : يصلي على الأيمن كما يجعل في لحده , وإلا فعلى ظهره وإلا فعلى الأيسر .وقال مالك وأبو حنيفة : إذا صلى مضطجعا تكون رجلاه مما يلي القبلة .والشافعي والثوري : يصلي على جنبه ووجهه إلى القبلة .فإن قوي لخفة المرض وهو في الصلاة ; قال ابن القاسم : إنه يقوم فيما بقي من صلاته ويبني على ما مضى ; وهو قول الشافعي وزفر والطبري .وقال أبو حنيفة وصاحباه يعقوب ومحمد فيمن صلى مضطجعا ركعة ثم صح : أنه يستقبل الصلاة من أولها , ولو كان قاعدا يركع ويسجد ثم صح بنى في قول أبي حنيفة ولم يبن في قول محمد .وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا افتتح الصلاة قائما ثم صار إلى حد الإيماء فليبن ; وروي عن أبي يوسف .وقال مالك في المريض الذي لا يستطيع الركوع ولا السجود وهو يستطيع القيام والجلوس : إنه يصلي قائما ويومئ إلى الركوع , فإذا أراد السجود جلس وأومأ إلى السجود ; وهو قول أبي يوسف وقياس قول الشافعي وقال , أبو حنيفة وأصحابه : يصلي قاعدا .وأما صلاة الراقد الصحيح فروي عن حديث عمران بن حصين زيادة ليست موجودة في غيره , وهي " صلاة الراقد مثل نصف صلاة القاعد " .قال أبو عمر : وجمهور أهل العلم لا يجيزون النافل مضطجعا ; وهو حديث لم يروه إلا حسين المعلم وهو حسين بن ذكوان عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين , وقد اختلف على حسين في إسناده ومتنه اختلافا يوجب التوقف عنه , وإن صح فلا أدري ما وجهه ; فإن كان أحد من أهل العلم قد أجاز النافلة مضطجعا لمن قدر على القعود أو على القيام فوجهه هذه الزيادة في هذا الخبر , وهي حجة لمن ذهب إلى ذلك .وإن أجمعوا على كراهة النافلة راقدا لمن قدر على القعود أو القيام , فحديث حسين هذا إما غلط وإما منسوخ وقيل : المراد بالآية الذين يستدلون بخلق السموات والأرض على أن المتغير لا بد له من مغير , وذلك المغير يجب أن يكون قادرا على الكمال , وله أن يبعث الرسل , فإن بعث رسولا ودل على صدقه بمعجزة واحدة لم يبق لأحد عذر ; فهؤلاء الذين يذكرون الله على كل حال .والله أعلم .

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قد بينا معنى " ويذكرون " وهو إما ذكر باللسان وإما الصلاة فرضها ونفلها ; فعطف تعالى عبادة أخرى على إحداهما بعبادة أخرى , وهي التفكر في قدرة الله تعالى ومخلوقاته والعبر الذي بث ; ليكون ذلك أزيد بصائرهم : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد وقيل : " يتفكرون " عطف على الحال .وقيل : يكون منقطعا ; والأول أشبه .والفكرة : تردد القلب في الشيء ; يقال : تفكر , ورجل فكير كثير الفكر , ومر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون في الله فقال : ( تفكروا في الخلق , ولا تتفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره ) وإنما التفكر والاعتبار وانبساط الذهن في المخلوقات كما قال : " ويتفكرون في خلق السموات والأرض " .وحكي أن سفيان الثوري رضي الله عنه صلى خلف المقام ركعتين , ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غشي عليه , وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته .وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك , ربا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا عبادة كتفكر ) .وروي عنه عليه السلام قال : ( تفكر ساعة خير من عبادة سنة ) .وروى ابن القاسم عن مالك قال : قيل لأم الدرداء : ما كان أكثر شأن أبي الدرداء ؟

قالت : كان أكثر شأنه التفكر .قيل له : أفترى التفكر عمل من الأعمال ؟

قال : نعم , هو اليقين .وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر , قال : ليست هذه عبادة , إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله .وقال الحسن : تفكر ساعة خير من قيام ليلة ; وقال ابن العباس وأبو الدرداء .وقال الحسن : الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وسيئاته .ومما يتفكر فيه مخاوف الآخرة من الحشر والنشر والجنة ونعيمها والنار وعذابها .ويروى أن أبا سليمان الداراني رضي الله عنه أخذ قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف , فرآه لما أدخل أصبعه في أذن القدح أقام لذلك متفكرا حتى طلع الفجر ; فقال له : ما هذا يا أبا سليمان ؟

قال : إني لما طرحت أصبعي في أذن القدح تفكرت في قول الله تعالى " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون " [ المؤمن : 71 ] تفكرت , في حالي وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة , فما زلت في ذلك حتى أصبحت .قال ابن عطية : " وهذا نهاية الخوف , وخير الأمور أوساطها , وليس علماء الأمة الذين هم الحجة على هذا المنهاج , وقراءة علم كتاب الله تعالى ومعاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن يفهم ويرجى نفعه أفضل من هذا " .قال ابن العربي : اختلف الناس أي العملين أفضل : التفكر أم الصلاة ; فذهب الصوفية إلى أن التفكر أفضل ; فإنه يثمر المعرفة وهو أفضل , المقامات الشرعية .وذهب الفقهاء إلى أن الصلاة أفضل ; لما ورد في الحديث من الحث عليها والدعاء إليها والترغيب فيها .وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة , وفيه : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ الآيات العشر الخواتم من سورة آل عمران , وقام إلى شن معلق فتوضأ وضوءا خفيفا ثم صلى ثلاث عشرة ركعة ; الحديث .فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين التفكر في المخلوقات ثم إقباله على صلاته بعده ; وهذه السنة هي التي يعتمد عليها .فأما طريقة الصوفية أن يكون الشيخ منهم يوما وليلة وشهرا مفكرا لا يفتر ; فطريقة بعيدة عن الصواب غير لائقة بالبشر , ولا مستمرة على السنن .قال ابن عطية : وحدثني أبي عن بعض علماء المشرق قال : كنت بائتا في مسجد الأقدام بمصر فصليت العتمة فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له مسجى بكسائه حتى أصبح , وصلينا نحن تلك الليلة ; فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلى مع الناس , فاستعظمت جراءته في الصلاة بغير وضوء ; فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه , فلما دنوت منه سمعته ينشد شعرا : مسجى الجسم غائب حاضر منتبه القلب صامت ذاكر منقبض في الغيوب منبسط كذاك من كان عارفا ذاكر يبيت في ليله أخا فكر فهو مدى الليل نائم ساهر قال : فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة , فانصرفت عنه .

رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أي يقولون : ما خلقته عبثا وهزلا , بل خلقته دليلا على قدرتك وحكمتك .والباطل : الزائل الذاهب .ومنه قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطل أي زائل .و " باطلا " نصب لأنه نعت مصدر محذوف ; أي خلقا باطلا وقيل : انتصب على نزع الخافض , أي ما خلقتها للباطل .وقيل : على المفعول الثاني , ويكون خلق بمعنى جعل ." سبحانك " أسند النحاس عن موسى بن طلحة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى " سبحان الله " فقال : ( تنزيه الله عن السوء ) وقد تقدم في " البقرة " معناه مستوفى ." وقنا عذاب النار " أجرنا من عذابها , وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم وصف أولي الألباب بأنهم { يذكرون الله } في جميع أحوالهم: { قياما وقعودا وعلى جنوبهم } وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وأنهم { يتفكرون في خلق السماوات والأرض } أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا، فيقولون: { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق.

{ فقنا عذاب النار } بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار.

ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة، ولكن لما قام الخوف بقلوبهم، دعوا الله بأهم الأمور عندهم، { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } أي: لحصوله على السخط من الله، ومن ملائكته، وأوليائه، ووقوع الفضيحة التي لا نجاة منها، ولا منقذ منها، ولهذا قال: { وما للظالمين من أنصار } ينقذونهم من عذابه، وفيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم والنخعي وقتادة : هذا في الصلاة يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب .

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، أنا هناد أنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان ، عن حسين المعلم ، عن عبد الله بن بريدة ، عن عمران بن حصين قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض فقال : " صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب " .

.

وقال سائر المفسرين أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن الإنسان قل ما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث ، نظيره في سورة النساء " فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ( النساء - 103 ) ، ( ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) وما أبدع فيهما ليدلهم ذلك على قدرة الله ويعرفوا أن لها صانعا قادرا مدبرا حكيما قال ابن عون : الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات ، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة ، ( ربنا ) أي : ويقولون ربنا ( ما خلقت هذا ) رده إلى الخلق فلذلك لم يقل هذه ، ( باطلا ) أي : عبثا وهزلا بل خلقته لأمر عظيم وانتصب الباطل بنزع الخافض ، أي : بالباطل ، ( سبحانك فقنا عذاب النار )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين» نعت لما قبله أو بدل «يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم» مضطجعين أي في كل حال، وعن ابن عباس يصلون كذلك حسب الطاقة «ويتفكرون في خلق السماوات والأرض» ليستدلوا به على قدرة صانعهما يقولون «ربنا ما خلقت هذا» الخلق الذي نراه «باطلا» حال، عبثا بل دليلا على كمال قدرتك «سبحانك» تنزيها لك عن العبث «فقِنا عذاب النار».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين يذكرون الله في جميع أحوالهم: قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، وهم يتدبرون في خلق السموات والأرض، قائلين: يا ربنا ما أوجدت هذا الخلق عبثًا، فأنت منزَّه عن ذلك، فاصْرِف عنا عذاب النار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصف - سبحانه - أولى الألباب بصفات كريمة فقال : { الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } .فقوله { الذين يَذْكُرُونَ } إلخ .

فى موضع جر على أنه نعت لأولى الألباب .

ويجوز أن يكون فى موضع رفع أو نصب على المدح .أى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار } لآيات واضحات على وحدانية الله وقدرته ، لأصحاب العقول السليمة ، الذين من صفاتهم أنهم { يَذْكُرُونَ الله } أى يستحضرون عظمته فى قلوبهم ، ويكثرون من تسبيحه وتمجيده بألسنتهم ، ويداومون على ذلك فى جميع أحوالهم .

فهم يذكرونه قائمين ، ويذكرونه قاعدين .

ويذكرونه وهم على جنوبهم فالمراد بقوله { قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } أن ذكرهم الله - تعالى - بقلوبهم وألسنتهم يستغرق عامة أحوالهم " .وقوله { قِيَاماً وَقُعُوداً } منصوبان على الحالية من ضمير الفاعل فى قوله : { يَذْكُرُونَ } .وقوله { وعلى جُنُوبِهِمْ } متعلق بمحذوف معطوف على الحال أى : وكائنين على جنوبهم أيى مضطجعين .ثم وصفهم سبحانه وتعالى بوصف آخر فقال : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض } أى أن من صفات هؤلاء العباد أصحاب العقول السليمة أنهم يكثرون من ذكر الله - تعالى - ، ولا يكتفون بذلك ، بل يضيفون إلى هذا الذكر والتدبر والتفكر فى هذا الكون وما فيه من جمال الصنعة ، وبديع المخلوقات ، ليصلوا من رواء ذلك إلى الإيمان العميق ، والإذعان التام ، والاعتراف الكامل بواحدانية الله .وعظيم قدرته .

.

.فإن من شأن الأخيار من الناس أنهم يتفكرون فى مخلوقات الله وما فيها من عجائب المصنوعات ، وغرائب المبتدعات ، ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع - سبحانه - ، فيعلموا أن لهذا الكون قادراً مدبراً حكيما ، لأن عظم آثاره وأفعاله ، تدل على عظم خالقها .ولقد ذكر العلماء كثيرا من الأقوال التى تحض على التفكير السليم ، وعلى التدبر فى عجائب صنع الله ، ومن ذلك قول سليمان الدارانى : " إنى أخرج من بيتى فما يقع بصرى على شىء إلا رأيت لله على فيه نعمة ، ولى فيه عبرة " ، وقال الحسن البصرى : " تفكر ساعة خير من قيام ليلة " .وقال الفخر الرازى : دلائل التوحيد محصورة فى قسمين : دلائل الآفاق ، ودلائل الأنفس .

ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم ، كما قال - تعالى : { لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس } ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنه فى هذه الآية بالفكر فى خلق السموات والأرض ، لأن دلالتها أعجب .

وشواهدها أعظم " .وقد وبخ - سبحانه - الذين يرون العبر فلا يعتبرون ، وتمر أمامهم العظات فلا يتعظون ولا يتفكرون فقال - تعالى - : { وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } ثم حكى - سبحانه - ثمرات ذكرهم لله وتفكرهم فى خلقه فقال : { رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } .أى أنهم بعد أن أذعنت قلوبهم للحق ، ونطقت ألسنتهم بالقول الحسن ، وتفكرت عقولهم فى بدائع صنع الله تفكيرا سليما ، استشعروا عظمة الله استشعاراً ملك عليهم جوراحهم ، فرفعوا أكف الضراعة إلى الله بقولهم :يا ربنا إنك ما خلقت هذا الخلق البديع العظيم الشأن عبثاً ، أو عاريا من الحكمة .

أو خالياً من المصلحة ، { سُبْحَانَكَ } أى ننزهك تنزيها تاما عن كل ما لا يليق بك { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } أى فوفقنا للعمل بما يرضيك ، وأبعدنا عن عذاب النار .وقوله { رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً } إلخ جملة واقعة موقع الحال على تقدير قوله أى يتفكرون قائلين ربنا .

لأن هذا الكلام اريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء .وقوله : باطلا صفة لمصدر محذوف أى خلقاً باطلاً ، أو حال من المفعول والمعنى يا ربنا ما خلقت هذا المخلوق العظيم الشأن عاريا عن الحكمة ، خالياً من المصلحة ، بل خلقته مشتملا على حكم جليلة ، منتظما لمصالح عظيمة .وكان نداؤهم لخالقهم - عز وجل - بلفظ { رَبَّنَآ } اعترافا منهم بأنه هو مربيهم وخالقهم فمن حقه عليهم أن يفردوه بالعبادة والخضوع .وسبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه ، وهو مفعول بفعل مضمر لا يكاد يستعمل معه أى ، تنزهت ذاتك وتقدست عن كل ما لا يليق ، وجىء بفاء التعقيب فى حكاية قولهم { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } لأنه ترتب على اعتقادهم بأنه سبحانه - لم يخلق هذا عبثاً - أن هناك ثواباً وعقاباً ، فسألوا الله - تعالى - أن يجعلهم من أهل الجنة لا من أهل النار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية والقدرة والحكمة وهو ما يتصل بتقرير الربوبية ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية، وأصناف العبودية ثلاثة أقسام: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، فقوله تعالى: ﴿ يَذْكُرُونَ الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان، وقوله: ﴿ قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ ﴾ إشارة الى عبودية الجوارح والأعضاء، وقوله: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ إشارة الى عبودية القلب والفكر والروح، والانسان ليس إلى هذا المجموع، فإذا كان اللسان مستغرقا في الذكر، والأركان في الشكر، والجنان في الفكر، كان هذا العبد مستغرقا بجميع أجزائه في العبودية، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية، وهذه الآية دالة على كمال العبودية، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق الى الحق، وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور الى جناب الملك الغفور، ونقول في الآية مسائل: المسألة الأولى: للمفسرين في هذه الآية قولان: الأول: أن يكون المراد منه كون الإنسان دائم الذكر لربه، فإن الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة، ثم لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلا على كونهم مواظبين على الذكر غير فاترين عنه ألبتة.

والقول الثاني: أن المراد من الذكر الصلاة، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام، فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاضطجاع، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال، والحمل على الأول أولى لأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر، وقال عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله».

المسألة الثانية: يحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر هو الذكر باللسان، وأن يكون المراد منه الذكر بالقلب، والأكمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: إذا صلى المريض مضطجعاً وجب أن يصلي على جنبه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: بل يصلى مستلقياً حتى إذا وجد خفة قعد، وحجة الشافعي رضي الله عنه ظاهر هذه الآية، وهو أنه تعالى مدح من ذكره على حال الاضطجاع على الجنب، فكان هذا الوضع أولى.

واعلم أن فيه دقيقة طبية وهو أنه ثبت في المباحث الطبية أن كون الإنسان مستلقياً على قفاه يمنع من استكمال الفكر والتدبر، وأما كونه مضطجعاً على الجنب فإنه غير مانع منه، وهذا المقام يراد فيه التدبر والتفكر، ولأن الاضطجاع على الجنب يمنع من النوم المغرق، فكان هذا الوضع أولى، لكونه أقرب إلى اليقظة، وإلى الاشتغال بالذكر.

المسألة الرابعة: محل ﴿ على جُنُوبُهُمْ ﴾ نصب على الحال عطفاً على ما قبله، كأنه قيل: قياماً وقعوداً ومضطجعين.

واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالذكر وثبت أن الذكر لا يكمل إلا مع الفكر، لا جرم قال بعده: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى رغب في ذكر الله، ولما آل الأمر إلى الفكر لم يرغب في الفكر في الله، بل رغب في الفكر في أحوال السموات والأرض، وعلى وفق هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق».

والسبب في ذلك أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة، إنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة، فاذن نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل، وقوله عليه الصلاة والسلام: «من عرف نفسه عرف ربه».

معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم، ومن عرف نفسه بالامكان عرف ربه بالوجوب، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء، فكان التفكر في الخلق ممكنا من هذا الوجه، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن ألبتة، فإذن لا يتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول: إنه ليس بجوهر ولا عرض، ولا مركب ولا مؤلف، ولا في الجهة، ولا شك أن حقيقته المخصوصة مغايرة لهذه السلوب، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها فيصير العقل كالواله المدهوش المتحير في هذا الموقف فلهذا السبب نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في الله، وأمر بالتفكر في المخلوقات، فلهذه الدقيقة أمر الله في هذه الآيات بذكره، ولما ذكر الفكر لم يأمر بالتفكر فيه، بل أمر بالفكر في مخلوقاته.

المسألة الثانية: اعلم أن الشيء الذي لا يمكن معرفته بحقيقته المخصوصة إنما يمكن معرفته بآثاره وأفعاله، فكلما كانت أفعاله أشرف وأعلى كان وقوف العقل على كمال ذلك الفاعل أكمل، ولذلك ان العامي يعظم اعتقاده في القرآن ولكنه يكون اعتقادا تقليديا إجمالياً، أما المفسر المحقق الذي لا يزال يطلع في كل آية على أسرار عجيبة، ودقائق لطيفة، فإنه يكون اعتقاده في عظمة القرآن أكمل.

إذا عرفت هذا فنقول: دلائل التوحيد محصورة في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم كما قال تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس  ﴾ ولما كان الأمر كذلك لا جرم أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات والأرض لأن دلالتها أعجب وشواهدها أعظم، وكيف لا نقول ذلك ولو أن الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة، رأى في تلك الورقة عرقا واحداً ممتدا في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم يتشعب منها عروق دقيقة.

ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر، وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكما بالغة وأسراراً عجيبة، وأن الله تعالى أودع فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر الأرض ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة جزء من أجزاء ذلك الغذاء بتقدير العزيز العليم، ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة وكيفية التدبير في إيجادها وإيداع القوى الغاذية والنامية فيها لعجز عنه، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له ألبتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السموات والأرض، وإذا عرف بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن الإحاطة بهذا المقام لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين، بل يسلم أن كل ما خلقه ففيه حكم بالغة وأسرار عظيمة وإن كان لا سبيل له إلى معرفتها، فعند هذا يقول: سبحانك!

والمراد منه اشتغاله بالتسبيح والتهليل والتحميد والتعظيم، ثم عند ذلك يشتغل بالدعاء فيقول: فقنا عذاب النار.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء وقال: أشهد أن لك ربا وخالقا، اللهم اغفر لي فنظر الله اليه فغفر له» وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عبادة كالتفكر» وقيل: الفكرة تذهب الغفلة وتجذب للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض» قالوا: وكان ذلك العمل هو التفكر في معرفة الله، لأن أحدا لا يقدر أن يعمل بجوارحه مثل عمل أهل الأرض.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر في دلائل الذات والصفات وأن التقليد أمر باطل لا عبرة به ولا التفات إليه.

واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء العباد الصالحين المواظبين على الذكر والفكر أنهم ذكروا خمسة أنواع من الدعاء.

النوع الأول: قوله: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا سبحانك فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية إضمار وفيه وجهان، قال الواحدي رحمه الله: التقدير: يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا، وقال صاحب الكشاف: أنه في محال الحال بمعنى يتفكرون قائلين.

المسألة الثانية: هذا: في قوله: ﴿ مَا خَلَقْتَ هَذا ﴾ كناية عن المخلوق، يعني ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا، وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كقوله: ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ  ﴾ .

المسألة الثالثة: في نصب قوله: ﴿ باطلا ﴾ وجوه: الأول: أنه نعت لمصدر محذوف أي خلقا باطلا.

الثاني: أنه بنزع الخافض تقديره: بالباطل أو للباطل.

الثالث: قال صاحب الكشاف: يجوز أن يكون باطلا حالا من هذا.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد ولأجل الحكمة، والمراد منها رعاية مصالح العباد، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السموات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا، وذلك ضد هذه الآية قالوا: وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة: إن الله تعالى أراد بخلق السموات والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها، وذلك رد لهذه الآية، قالوا: وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه له عن خلقه لهما باطلا، وعن كل قبيح، وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال: الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء، وخلق السموات والأرض خلق متقن محكم، ألا ترى إلى قوله: ﴿ مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً  ﴾ فكان المراد من قوله: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا ﴾ هذا المعنى، لا ما ذكره المعتزلة.

فإن قيل: هذا الوجه مدفوع بوجوه: الأول: لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي لكان قوله: ﴿ سبحانك ﴾ تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق، ومعلوم أن ذلك باطل.

الثاني: أنه إنما يحسن وصل قوله: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن التقدير: ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك، فقنا عذاب النار، لأنه جزاء من عصى ولم يطع، فثبت أنا إذا فسرنا قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ هَذا باطلا ﴾ بما ذكرنا حسن هذا النظم، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم.

الثالث: أنه تعالى ذكر هذا في آية أخرى فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَٰعِبِينَ  مَا خَلَقْنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً  ﴾ إلى قوله: ﴿ فتعالى الله الملك الحق  ﴾ أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عبثا، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن يمتنع كونه باطلا أولى.

والجواب: اعلم أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، وشاهده أن كل ممكن لذاته فإنه لابد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته، وليس في هذه القضية تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله.

وإذا كان كذلك امتنع يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح، إذا عرفت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي: قوله: ولو كان كذلك لكان قوله: ﴿ سبحانك ﴾ تنزيها له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة وذلك باطل.

قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد: ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التركيب بل خلقته صلبا محكما، وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ معناه أنك وإن خلقت السموات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن الاحتياج إليه والانتفاع به فيكون قوله: ﴿ سبحانك ﴾ معناه هذا.

قوله ثانيا: إنما حسن وصل قوله: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ به إذا فسرناه بقولنا، قلنا لا نسلم بل وجه النظم أنه لما قال: ﴿ سبحانك ﴾ اعترف بكونه غنياً عن كل ما سواه، فعندما وصفه بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ وهذا الوجه في حسن النظم إن لم يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه، وأما سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا، ونحن نقول بموجبه، وإن أفعال الله كلها حكمة وصواب، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه وملكه، فكان حكمه صوابا على الاطلاق فهذا ما في هذه المناظرة والله أعلم.

المسألة الخامسة: احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أنه سبحانه خلق هذه الافلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكان هذه البقعة الارضية، قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، وذلك رد للآية.

قالوا: وليس لقائل أن يقول الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصانع المختار، وذلك لأن كل واحد من كرات الهواء والماء يشارك الافلاك والكواكب في هذا المعنى، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة، فيكون باطلا وهو خلاف هذا النص.

أجاب المتكلمون عنه: بأن قالوا: لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسباباً على مجرى العادة لا على سبيل الحقيقة.

أما قوله تعالى: ﴿ سبحانك ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا إقرار بعجز العقول عن الاحاطة بآثار حكمة الله في خلق السموات والأرض، يعني: أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر، وهو أن خالقها ما خلقها باطلا، بل خلقها لحكم عجيبة، وأسرار عظيمة، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها.

المسألة الثانية: المقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء، وذلك أن من أراد الدعاء فلابد وأن يقدم الثناء ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وأبدانهم في طاعة الله، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار، ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا لكان هذا الدعاء عبثاً، فإن كان المعتزلة ظنوا أن أول الآية حجة لهم، فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في أنه لا يقبح من الله شيء أصلا، ومثل هذا التضرع ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين  ﴾ .

النوع الثاني من دعواتهم: قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا للظالمين مِنْ أنصار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي، ليكون موقع السؤال أعظم، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئاً أو أن لا يفعله، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد، والدعاء لا يتصل بالاجابة إلا إذا كان مقروناً بالإخلاص، فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء.

المسألة الثانية: قال الواحدي: الاخزاء في اللغة يرد على معان يقرب بعضها من بعض.

قال الزجاج: أخزى الله العدو، أي أبعده وقال غيره: أخزاه الله أي أهانه، وقال شمر بن حمدويه أخزاه الله أي فضحه الله، وفي القرآن ﴿ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِى  ﴾ وقال المفضل: أخزاه الله أي أهلكه وقال ابن الانباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء، وكل هذه الوجوه متقاربة.

ثم قال صاحب الكشاف: ﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ أي قد أبلغت في إخزائه وهو نظير ما يقال: من سبق فلاناً فقد سبق، ومن تعلم من فلان فقد تعلم.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن، وذلك لأن صاحب الكبيرة اذا دخل النار فقد أخزاه الله لدلالة هذه الآية، والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ﴾ فوجب من مجموع هاتين الآيتين أن لا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا.

والجواب: أن قوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ لا يقتضي نفي الاخزاء مطلقا، وإنما يقتضي أن لا يحصل الاخزاء حال ما يكون مع النبي، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الاخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الاثبات في وقت آخر، هذا هو الذي صح عندي في الجواب، وذكر الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه: أحدها: أنه نقل عن سعيد بن المسيب والثوري وقتادة أن قوله: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ مخصوص بمن يدخل النار للخلود، وهذا الجواب عندي ضعيف، لأن مذهب المعتزلة أن كل فاسق دخل النار فإنما دخلها للخلود، فهذا لا يكون سؤالا عنهم.

ثانيها: قال: المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها، وهذا ضعيف أيضا لأن موضع الاستدلال أن قوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على الاطلاق، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار، فحصل بحكم هاتين الآيتين بين كونه مؤمنا وبين كونه كافرا ممن يدخل النار منافاة.

وثالثها: قال: الاخزاء يحتمل وجهين: أحدهما: الاهانة والاهلاك، والثاني: التخجيل، يقال: خزي خزاية اذا استحيا، وأخزاه غيره اذا عمل به عملا يخجله ويستحيى منه.

واعلم أن حاصل هذا الجواب: أن لفظ الاخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين الاهلاك، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والاثبات على معنييه جميعا، واذا كان كذلك جاز أن يكون المنفى بقوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ﴾ غير المثبت في قوله: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ وعلى هذا يسقط الاستدلال، إلا أن هذا الجواب إنما يتمشى اذا كان لفظ الاخزاء مشتركا بين هذين المفهومين، أما اذا كان لفظا متواطئا مفيدا لمعنى واحد، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد، سقط هذا الجواب لأن قوله: ﴿ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ﴾ لنفي الجنس وقوله: ﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ لاثبات النوع، وحينئذ يحصل بينهما منافاة.

المسألة الرابعة: احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع على أن صاحب الكبيرة لا يخزي وكل من دخل النار فإنه يخزى، فيلزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار، إنما قلنا صاحب الكبيرة لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن، والمؤمن لا يخزى.

إنما قلنا إنه مؤمن لقوله تعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِئ إلى أَمْرِ  ﴾ سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً، والبغي من الكبائر بالاجماع، وأيضا قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ سمي القاتل بالعمد العدوان مؤمناً، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ ولقوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ  ﴾ وهذه الاستجابة تدل على أنه تعالى لا يخزي المؤمنين، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يخزى بالنار، وإنما قلنا إن كل من دخل النار فإنه يخزى لقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار.

والجواب عنه ما تقدم: أن قوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ لا يدل على نفي الاخزاء مطلقاً، بل يدل على نفي الاخزاء حال كونهم مع النبي، وذلك لا ينافي حصول الاخزاء في وقت آخر.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ عام دخله الخصوص في مواضع منها: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا  ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا  ﴾ يدل على أن كل المؤمنين يدخلون النار، وأهل الثواب يصانون عن الخزي.

وثانيها: أن الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار، وهم أيضا يصانون عن الخزي.

قال تعالى: ﴿ عَلَيْهَا ملائكة غِلاَظٌ شِدَادٌ  ﴾ .

المسألة السادسة: احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أشد وأقوى من العذاب الجسماني، قالوا: لأن الآية دالة على التهديد بعد عذاب النار بالخزي، والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني، فلولا أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة.

المسألة السابعة: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا النار لا يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين، وقالوا: الخزي هو الهلاك، فقوله: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ معناه فقد أهلكته، ولو كانوا يخرجون من النار الى الجنة لما صح أن كل من دخل النار فقد هلك.

والجواب: أنا لا نفسر الخزي بالاهلاك بل نفسره بالاهانة والتخجيل، وعند هذا يزول كلامكم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق، وذلك لأن الشفاعة نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب من وجوه: الأول: أن القرآن دل على أن الظالم بالاطلاق هو الكافر، قال تعالى: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون  ﴾ ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم خصصوا أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار حيث قالوا: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ  ﴾ .

وثانيها: أن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن الله، قال تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ  ﴾ وإذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادراً على النصرة إلا بعد الإذن، وإذا حصل الإذن لم يكن في شفاعته فائدة في الحقيقة، وعند ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى، وتلك الشفاعة ما كان لها تأثير في نفس الأمر، وليس الحكم إلا لله، فقوله: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ يفيد أنه لا حكم إلا الله كما قال: ﴿ أَلاَ لَهُ الحكم  ﴾ وقال: ﴿ والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ لا يقال: فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين بهذا الحكم فائدة، لأنا نقول: بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب، فلهم يوم القيامة هذه الحجة.

اما الفساق فليس لهم ذلك، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على الإطلاق.

الثالث: أن هذه الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص مقدم على العام، والله أعلم.

المسألة الثانية: المعتزلة تمسكوا في أن الفاسق لا يخرج من النار، قالوا: لو خرج من النار لكان من أخرجه منها ناصرا له، والآية دالة على أنه لا ناصر له ألبتة.

والجواب: المعارضة بالآيات الدالة على العفو كما ذكرناه في سورة البقرة.

النوع الثالث: من دعواتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والارض ﴾ فهو يملك أمرهم.

وهو على كل شيء قدير، فهو يقدر على عقابهم ﴿ لآيات ﴾ لأدلة واضحة على الصانع وعظيم قدرته وباهر حكمته ﴿ لاِوْلِى الالباب ﴾ للذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار.

ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطر.

وفي النصائح الصغار: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما في جملة هذه العجائب، متفكراً في قدرة مقدّرها، متدبراً حكمة مدبرها، قيل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: قلت لعائشة رضي الله عنها: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وأطالت، ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟

فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك، قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت.

فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي، فقرأ من القرآن فجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقويه، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: يا بلال أفلا أكون عبداً شكوراً.

ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والارض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها وروي: «ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمّلها» وعن علي رضي الله عنه: «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض ﴾ » وحكي: أنّ الرجل من بني إسرائيل كان إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلته سحابة، فعبدها فتى من فتيانهم فلم تظله، فقالت له أمّه: لعلّ فرطة فرطت منك في مدّتك؟

فقال: ما أذكر.

قالت: لعلك نظرت مرّة إلى السماء ولم تعتبر؟

قال: لعلّ.

قالت: فما أُتيت إلا من ذاك ﴿ الذين يَذْكُرُونَ الله ﴾ ذكراً دائباً على أي حال كانوا، من قيام وقعود واضطجاع لا يخلون بالذكر في أغلب أحوالهم.

وعن ابن عمر وعروة بن الزبير وجماعة: أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى فجعلوا يذكرون الله، فقال بعضهم: أما قال الله تعالى: ﴿ يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً ﴾ فقاموا يذكرون الله على أقدامهم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله» وقيل: معناه يصلون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين: «صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب، تومئ إيماء» وهذه حجة للشافعي رحمه الله في إضجاع المريض على جنبه كما في اللحد.

وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه يستلقي حتى إذا وجد خفة قعد.

ومحل ﴿ على جُنُوبُهُمْ ﴾ نصب على الحال عطفاً على ما قبله، كأنه قيل قياماً وقعوداً ومضطجعين ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والارض ﴾ وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها بما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه على عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه.

وعن سفيان الثوري أنه صلى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء، فلما رأى الكواكب غشي عليه، وكان يبول الدم من طول حزنه وفكرته.

وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أنّ لك رباً وخالقاً، اللهمّ اغفر لي، فنظر الله إليه فغفر له» وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عبادة كالتفكر» وقيل: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشبية كما يحدث الماء للزرع النبات.

وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني عل يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض» قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب، لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض ﴿ مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا ﴾ على إرادة القول.

أي يقولون ذلك وهو في محل الحال، بمعنى يتفكرون قائلين.

والمعنى: ما خلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة، بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ووجوب طاعتك واجتناب معصيتك؛ ولذلك وصل به قوله: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ لأنه جزاء من عصى ولم يطع.

فإن قلت: هذا إشارة إلى ماذا؟

قلت: إلى الخلق على أن المراد به المخلوق، كأنه قيل: ويتفكرون في مخلوق السموات والأرض، أي فيما خلق منها.

ويجوز أن يكون إشارة إلى السموات والأرض؛ لأنها في معنى المخلوق.

كأنه قيل: ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلاً.

وفي هذا ضرب من التعظيم كقوله: ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 90] ويجوز أن يكون (باطلاً) حالاً من هذا.

وسبحانك: اعتراض للتنزيه من العبث، وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ يَذْكُرُونَهُ دائِمًا عَلى الحالاتِ كُلِّها قائِمِينَ وقاعِدِينَ ومُضْطَجِعِينَ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ».» وَقِيلَ مَعْناهُ يُصَلُّونَ عَلى الهَيْئاتِ الثَّلاثِ حَسَبَ طاقَتِهِمْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «صَلِّ قائِمًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ تُومِئُ إيماءً».» فَهُوَ حُجَّةٌ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أنَّ المَرِيضَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا بِمَقادِيمِ بَدَنِهِ.

ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ اسْتِدْلالًا واعْتِبارًا، وهو أفْضَلُ العِباداتِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لا عِبادَةَ كالتَّفَكُّرِ»،» لِأنَّهُ المَخْصُوصُ بِالقَلْبِ والمَقْصُودُ مِنَ الخَلْقِ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلى فِراشِهِ إذْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إلى السَّماءِ والنُّجُومِ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّ لَكَ رَبًّا وخالِقًا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَنَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ فَغَفَرَ لَهُ».» وَهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى شَرَفِ عِلْمِ الأُصُولِ وفَضْلِ أهْلِهِ.

﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ يَتَفَكَّرُونَ قائِلِينَ ذَلِكَ، وهَذا إشارَةٌ إلى المُتَفَكِّرِ فِيهِ، أيِ الخَلْقِ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المَخْلُوقُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ إلَيْهِما لِأنَّهُما في مَعْنى المَخْلُوقِ، والمَعْنى ما خَلَقْتُهُ عَبَثًا ضائِعًا مِن غَيْرِ حِكْمَةٍ بَلْ خَلَقْتُهُ لِحِكَمٍ عَظِيمَةٍ مِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ مَبْدَأً لِوُجُودِ الإنْسانِ وسَبَبًا لِمَعاشِهِ ودَلِيلًا يَدُلُّهُ عَلى مَعْرِفَتِكَ ويَحُثُّهُ عَلى طاعَتِكَ لِيَنالَ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ والسَّعادَةَ السَّرْمَدِيَّةَ في جِوارِكَ.

﴿ سُبْحانَكَ ﴾ تَنْزِيهًا لَكَ مِنَ العَبَثِ وخَلْقِ الباطِلِ وهو اعْتِراضٌ.

﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ لِلْإخْلالِ بِالنَّظَرِ فِيهِ، والقِيامِ بِما يَقْتَضِيهِ.

وفائِدَةُ الفاءِ هي الدَّلالَةُ عَلى أنَّ عِلْمَهم بِما لِأجْلِهِ خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ حَمَلَهم عَلى الِاسْتِعاذَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين} فى موضع جر نعت لأولى أو نصب بإضمار أعني أو رفع بإضمارهم {يَذْكُرُونَ الله} يصلون {قِيَاماً} قائمين عند القدرة {وَقُعُوداً} قاعدين {وعلى جُنُوبِهِمْ} أي مضطجعين عند العجز وقياماً وقعوداً حالان من ضمير الفاعل فى يذكرون وعلى جنوبهم حال أيضاً أو المراد الذكر على كل حال لأن الإنسان لا يخلو عن هذه الاحوال فى الحديث من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السماوات والأرض} وما يدل عليه اختراع هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها وما دبر فيها مما تكل الأفهام عن إدراك بعض عجائبه على عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه وعن النبي عليه السلام بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال أشهد أن لك ربا وخالقا اللهم اغفرلى فنظر الله إليه فغفر له وقال عليه السلام لا عبادة كالتفكر وقيل الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكر {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا} أي يقولون ذلك وهو في محل الحال أي يتفكرون قائلين والمعنى ماخلقته خلقاً باطلاً بغير حكمة بل خلقته لحكمة عظيمة وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك وهذا إشارة إلى الخلق عى أن المراد به المخلوق أو إلى السموات والأرض لأنها في معنى المخلوق كأنه قيل ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلاً {سبحانك} تنزيها لك عن الوصف يخلق الباطل وهو اعتراض {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} الفاء دخلت إمنى الجزاء تقديره إذا نزهناك فقنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ (لِأُولِي) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ أوْ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وجَعْلُهُ مُبْتَدَأً والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ يَقُولُونَ ( رَبَّنا آمِنًا ) بَعِيدٌ لِما فِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا ما أخْرَجَهُ الأصْبَهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ أيْنَ أُولُو الألْبابِ ؟

قالُوا: أيُّ أُولِي الألْبابِ تُرِيدُ ؟

قالَ: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا ﴾ إلَخْ.

عَقَدَ لَهم لِواءً فاتَّبَعَ القَوْمُ لِواءَهم وقالَ لَهُمُ ادْخُلُوها خالِدِينَ» .

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الذِّكْرِ الذِّكْرُ بِاللِّسانِ لَكِنْ مَعَ حُضُورِ القَلْبِ إذْ لا تُمْدَحُ بِالذِّكْرِ بِدُونِهِ، بَلْ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا ثَوابَ لِذاكِرٍ غافِلٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ، وعَدَّ ابْنُ جُرَيْجٍ قِراءَةَ القُرْآنِ ذِكْرًا فَلا تُكْرَهُ لِلْمُضْطَجِعِ القادِرِ، نَعَمْ نَصَّ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى كَراهَتِها لَهُ إذا غَطّى رَأسَهُ لِلنَّوْمِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِهِ ذِكْرَهُ تَعالى مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ الذّاتُ أوْ مِن حَيْثُ الصِّفاتِ والأفْعالِ، وسَواءٌ قارَنَهُ ذِكْرُ اللِّسانِ أوَّلًا، والمَعْنى عَلَيْهِ الَّذِينَ لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ تَعالى في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ بِاطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِذِكْرِهِ واسْتِغْراقِ سَرائِرِهِمْ في مُراقَبَتِهِ، وعَلَيْهِ فَيُحْمَلُ ما حُكِيَ عَنِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وجَماعَةٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن أنَّهم خَرَجُوا يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلّى فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَقالَ بَعْضُهم: أما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا ﴾ فَقامُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى عَلى أقْدامِهِمْ عَلى أنَّ مُرادَهم بِذَلِكَ التَّبَرُّكُ بِنَوْعِ مُوافَقَةٍ لِلْآيَةِ في ضِمْنِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ مَدْلُولِها ولَيْسَ مُرادُهم بِهِ تَفْسِيرَها وتَحْقِيقَ مِصْداقِها عَلى التَّعْيِينِ وإلّا لاضْطَجَعُوا وذَكَرُوا أيْضًا لِيَتِمَّ التَّفْسِيرُ وتَحْقِيقُ المِصْداقِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: إنَّما هَذا في الصَّلاةِ إذا لَمْ تَسْتَطِعْ قائِمًا فَقاعِدًا، وإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ قاعِدًا فَعَلى جَنْبٍ.

وكَذَلِكَ أمَرَ  عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ وكانَتْ بِهِ بَواسِيرُ - كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنْهُ - وبِهَذا الخَبَرِ احْتَجَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى أنَّ المَرِيضَ يُصَلِّي مُضْطَجِعًا عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا بِمَقادِمِ بَدَنِهِ، ولا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْتَلْقِيَ عَلى ظَهْرِهِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وجَعَلَ الآيَةَ حُجَّةً عَلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمّا حَصَرَ أمْرَ الذّاكِرِ في الهَيْئاتِ المَذْكُورَةِ دَلَّ عَلى أنَّ غَيْرَها لَيْسَ مِن هَيْئَتِهِ، والصَّلاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الذِّكْرِ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عَلى غَيْرِ هَيْئَتِهِ مَحَلَّ تَأمُّلٍ، وتَخْصِيصُ ابْنِ مَسْعُودٍ الذِّكْرَ بِالصَّلاةِ لا يَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلى أنَّهُ بَعِيدٌ مِن سِياقِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وسِباقِهِ.

والقِيامُ والقُعُودُ جَمْعُ قائِمٍ وقاعِدٍ - كَنِيامٍ ورُقُودٍ جَمْعُ نائِمٍ وراقِدٍ - وانْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ( يذَكرُونَ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ مُؤَوَّلَيْنِ بِقائِمِينَ وقاعِدِينَ لِتَتَأتّى الحالِيَّةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الحالِ أيْ وكائِنَيْنِ عَلى جُنُوبِهِمْ أيْ مُضْطَجِعِينَ، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ المُتَعَلِّقُ المَعْطُوفُ خاصًّا أيْ ومُضْطَجِعِينَ عَلى جُنُوبِهِمْ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأحْوالِ الإشارَةُ إلى الدَّوامِ وانْفِهامِهِ مِنها عُرْفًا مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ ولَيْسَ المُرادُ الدَّوامَ الحَقِيقِيَّ لِاسْتِحالَتِهِ، بَلْ في غالِبِ أحْوالِهِمْ، وبَعْضُهم يَأْخُذُ الدَّوامَ مِنَ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى كَثِيرًا.

﴿ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( يَذْكُرُونَ ) وعَطْفُهُ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وتَقْدِيمُ الذِّكْرِ في تِلْكَ الحالاتِ عَلى التَّفَكُّرِ لِما أنَّ فِيهِما الِاعْتِرافَ بِالعُبُودِيَّةِ، والعَبْدُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ الباطِنَةِ والبَدَنِ الظّاهِرِ، وفي الأوَّلِ إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ الثّانِي، وفي الثّانِي إشارَةٌ إلى عُبُودِيَّةِ الأوَّلِ لِأنَّ التَّفَكُّرَ إنَّما يَكُونُ بِالقَلْبِ والرُّوحِ، وفي بَيانِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ الفَراغِ مِن آياتِ الرُّبُوبِيَّةِ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وقِيلَ: قَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّظَرِ في الأنْفُسِ، وأخَّرَ الثّانِي لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّظَرِ في الآفاقِ ولا شُبْهَةَ في تَقَدُّمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي، وصَرَّحَ مَوْلاناشَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ هَذا بَيانٌ لِلتَّفَكُّرِ في أفْعالِهِ تَعالى، وما تَقَدَّمَ بَيانٌ لِلتَّفَكُّرِ في ذاتِهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ، والَّذِي عَلَيْهِ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ أنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خَصَّصَ التَّفَكُّرَ بِالخَلْقِ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّفَكُّرِ في الخالِقِ لِعَدَمِ الوُصُولِ إلى كُنْهِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَزَّ سُلْطانُهُ، وقَدْ ورَدَ هَذا النَّهْيُ في غَيْرِ ما حَدِيثٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والأصْبِهانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى أصْحابِهِ وهم يَتَفَكَّرُونَ فَقالَ: لا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ».

وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فَقالَ: ”تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ»“ .

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللَّهِ تَعالى ولا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ تَعالى» .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَفَكَّرُوا في كُلِّ شَيْءٍ ولا تَفَكَّرُوا في ذاتِ اللَّهِ تَعالى - إلى غَيْرِ ذَلِكَ - فَفي كَوْنِ الأوَّلِ بَيانًا لِلتَّفَكُّرِ في ذاتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الإطْلاقِ نَظَرٌ عَلى أنَّ بَعْضَ الفُضَلاءِ ذَكَرَ في تَفْسِيرِهِ أنَّ التَّفَكُّرَ في اللَّهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ لِما أنَّهُ يَسْتَدْعِي الإحاطَةَ بِمَن هو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فَتَدَبَّرْ.

وقِيلَ: قَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الدَّوامِ عَلى التَّفَكُّرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَقْلَ لا يَفِي بِالهِدايَةِ ما لَمْ يَتَنَوَّرْ بِنُورِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتِهِ، فَلا بُدَّ لِلْمُتَفَكِّرِ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى ورِعايَةِ ما شُرِعَ لَهُ، وأنَّ العَقْلَ المُخالِفَ لِلشَّرْعِ لَبِسَ الضَّلالَ ولا نَتِيجَةَ لِفِكْرِهِ إلّا الضَّلالُ، و(الخَلْقُ) إمّا بِمَعْنى المَخْلُوقِ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى في أيْ يَتَفَكَّرُونَ فِيما خَلَقَ في السَّمَواتِ والأرْضِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الجُزْئِيَّةِ مِنهُما أوْ بِطَرِيقِ الحُلُولِ فِيهِما، أوْ عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ أيْ في المَخْلُوقِ الَّذِي هو السَّمَواتُ والأرْضُ، وإمّا باقٍ عَلى مَصْدَرِيَّتِهِ أيْ يَتَفَكَّرُونَ في إنْشائِهِما وإبْداعِهِما بِما فِيهِما مِن عَجائِبِ المَصْنُوعاتِ ودَقائِقِ الأسْرارِ ولَطائِفِ الحِكَمِ، ويَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ الذّاتِيَّةِ وأنَّهُ المَلِكُ القاهِرُ والعالِمُ القادِرُ والحَكِيمُ المُتْقِنُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ويَجُرُّهم ذَلِكَ إلى مَعْرِفَةِ صَدْقِ الرُّسُلِ وحَقِيَةِ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِتَفاصِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وتَحْقِيقِ المَعادِ وثُبُوتِ الجَزاءِ، ولِشَرافَةِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ الحاصِلَةِ مِنَ التَّفَكُّرِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الأعْمالِ المَخْصُوصَةِ بِالقَلْبِ البَعِيدَةِ عَنْ مَظانِّ الرِّياءِ كانَ مِن أفْضَلِ العِباداتِ، وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن قِيامِ لَيْلَةٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.

وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً».

وعَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا: «بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ يَنْظُرُ إلى النُّجُومِ وإلى السَّماءِ فَقالَ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّ لَكِ رَبًّا وخالِقًا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَنَظَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَوْنٍ قالَ: سَألْتُ أُمَّ الدَّرْداءِ، ما كانَ أفْضَلُ عِبادَةِ أبِي الدَّرْداءِ ؟

قالَتِ: التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عامِرِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ واحِدٍ - لا اثْنَيْنِ ولا ثَلاثَةً - مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُونَ: إنَّ ضِياءَ الإيمانِ - أوْ نُورَ الإيمانِ - التَّفَكُّرُ، واقْتَصَرَ سُبْحانَهُ عَلى ذِكْرِ التَّفَكُّرِ ﴿ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضْ جَلَّ شَأْنُهُ لِإدْراجِ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ في ذَلِكَ السِّلْكِ مَعَ ذِكْرِهِ فِيما سَلَفَ - وشَرَفُ التَّفَكُّرِ فِيهِ أيْضًا كَما يَقْتَضِيهِ التَّعْلِيلُ، وظاهِرُ ما أخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «تَفَكُّرُ ساعَةٍ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ ثَمانِينَ سَنَةً» - إمّا لِلْإيذانِ بِظُهُورِ انْدِراجِ ذَلِكَ فِيما ذُكِرَ لِما أنَّ الِاخْتِلافَ مِنَ الأحْوالِ التّابِعَةِ لِأحْوالِ السَّمَواتِ والأرْضِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِمُسارَعَةِ المَذْكُورِينَ إلى الحُكْمِ بِالنَّتِيجَةِ لِمُجَرَّدِ تَفَكُّرِهِمْ في بَعْضِ الآياتِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها في إثْباتِ المَطْلُوبِ.

﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ الإشارَةُ إلى السَّمَواتِ والأرْضِ لِما أنَّهُما بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ الخَلْقِ بِهِما في مَعْنى المَخْلُوقِ، أوْ إلى الخَلْقِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وقِيلَ: إلَيْهِما بِاعْتِبارِ المُتَفَكَّرِ فِيهِ، وعَلى كُلٍّ فَأمْرُ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ واضِحٌ والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى اسْمِ الإشارَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها مَخْلُوقاتٌ عَجِيبَةٌ يَجِبُ أنْ يُعْتَنى بِكَمالِ تَمْيِيزِها اسْتِعْظامًا لَها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ﴾ والباطِلُ العَبَثُ وهو ما لا فائِدَةَ فِيهِ مُطْلَقًا أوْ ما لا فائِدَةَ فِيهِ يُعْتَدُّ بِها أوْ ما لا يُقْصَدُ بِهِ فائِدَةٌ، وقِيلَ: الذّاهِبُ الزّائِلُ الَّذِي لا يَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ وصَلابَةٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ قَوْلٌ لا قُوَّةَ لَهُ ولا صَلابَةَ، وهو إمّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ خَلْقًا باطِلًا أوْ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ.

والمَعْنى رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا المَخْلُوقَ أوِ المُتَفَكَّرَ فِيهِ العَظِيمَ الشَّأْنِ عارِيًا عَنِ الحِكْمَةِ خالِيًا عَنِ المَصْلَحَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ أوْضاعُ الغافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المُعْرِضِينَ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ العادِمِينَ مِن جَناحِ النَّظَرِ قُدّاماهُ وخَوافِيهِ، بَلْ خَلَقْتَهُ مُشْتَمِلًا عَلى حِكَمٍ جَلِيلَةٍ مُنْتَظِمًا لِمَصالِحَ عَظِيمَةٍ تَقِفُ الأفْكارُ حَسْرى دُونَ الإحاطَةِ بِها، وتَكِلُّ أقْدامُ الأذْهانِ دُونَ الوُقُوفِ عَلَيْها بِأسْرِها، ومِن جُمْلَتِها أنْ يَكُونَ مَدارًا لِمَعايِشِ العِبادِ ومَنارًا يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِ المَبْدَأِ والمَعادِ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ كُتُبُكَ وجاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ.

والجُمْلَةُ بِتَمامِها في حَيِّزِ النَّصْبِ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يَقُولُونَ ( رَبَّنا ) إلَخْ، وجُمْلَةُ القَوْلِ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ( يَتَفَكَّرُونَ ) أيْ يَتَفَكَّرُونَ في ذَلِكَ قائِلِينَ ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ لا يُساعِدُهُ لِما أنَّ (ما) في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما هو قَيْدٌ لَهُ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِن مَبادِئِ الحُكْمِ الَّذِي أُجْرِيَ عَلى المَوْصُولِ ودَواعِي ثُبُوتِهِ لَهُ كَذِكْرِهِمْ لِلَّهِ تَعالى في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ وتَفَكُّرِهِمْ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُما مِمّا يُؤَدِّي إلى اجْتِلاءِ تِلْكَ الآياتِ والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى المَطْلُوبِ، ولا رَيْبَ أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ لَيْسَ مِن مَبادِئِ الِاسْتِدْلالِ المَذْكُورِ بَلْ مِن نَتائِجِها المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، فاعْتِبارُهُ قَيْدًا لِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، فاللّائِقُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ القَوْلِ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِنَتِيجَةِ التَّفَكُّرِ، ومَدْلُولُ الآياتِ ناشِئًا مِمّا سَبَقَ، فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ سَماعِ تَخْصِيصِ الآياتِ المَنصُوبَةِ في خَلْقِ العالَمِ - بِأُولِي الألْبابِ - ثُمَّ وصْفُهم بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتَّفَكُّرِ في مَجالِ تِلْكَ الآياتِ تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لِما يَظْهَرُ مِنهم مِن آثارِها وأحْكامِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ تَفَكُّرِهِمْ في ذَلِكَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّتِيجَةِ ؟

فَقِيلَ: يَقُولُونَ كَيْتَ وكَيْتَ مِمّا يُنْبِئُ عَنْ وُقُوفِهِمْ عَلى سِرِّ الخَلْقِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ صِدْقِ الرُّسُلِ وحَقِّيَةِ الكُتُبِ النّاطِقَةِ بِتَفاصِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ مَوْصُولًا نَعْتًا (لِأُولِي)، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَفْصُولًا مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ مَثَلًا فَتَأْتِي الحالِيَّةُ مِن ذَلِكَ إذْ لا اشْتِباهَ في أنَّ قَوْلَهم هَذا مِن مَبادِئِ مَدْحِهِمْ ومَحاسِنِ مَناقِبِهِمْ، ويَكُونُ في إبْرازِ هَذا القَوْلِ في مَعْرِضِ الحالِ إشْعارٌ بِمُقارَنَتِهِ لِتَفَكُّرِهِمْ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ وتَلَعْثُمٍ في ذَلِكَ انْتَهى، وهو كَلامٌ تَلُوحُ عَلَيْهِ أماراتُ التَّحْقِيقِ ومَخايِلُ التَّدْقِيقِ.

والقَوْلُ بِأنَّ الحالِيَّةَ تَجْتَمِعُ مَعَ كَوْنِ القَوْلِ المَذْكُورِ مِنَ النَّتائِجِ لا يَخْفى ما فِيهِ، ثُمَّ كَوْنُ هَذا القَوْلِ مِن نَتائِجِ التَّفَكُّرِ مِمّا لا يَكادُ يُنْكِرُهُ ذُو فِكْرٍ، وتَوْضِيحُ ذَلِكَ - عَلى رَأْيٍ - أنَّ القَوْمَ لَمّا تَفَكَّرُوا في مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ ولا سِيَّما السَّمَواتِ مَعَ ما فِيها مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والأرْضِ، وما عَلَيْها مِنَ البِحارِ والجِبالِ والمَعادِنِ، عَرَفُوا أنَّ لَها رَبًّا وصانِعًا فَقالُوا: ﴿ رَبَّنا ﴾ ثُمَّ لَمّا اعْتَرَفُوا في أنَّ في كُلٍّ مِن ذَلِكَ حِكَمًا ومَقاصِدَ وفَوائِدَ لا تُحِيطُ بِتَفاصِيلِها الأفْكارُ قالُوا: ﴿ ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ ثُمَّ لَمّا تَأمَّلُوا وقاسُوا أحْوالَ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ إلى صانِعِها رَأوْا أنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ الصّانِعُ مُنَزَّهًا عَنْ مُشابَهَةِ شَيْءٍ مِنها، فَإذَنْ هو لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ ولا في حَيِّزٍ ولا بِمُفْتَقِرٍ (ولا ولا ...) فَقالُوا: ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِكَ، ثُمَّ لَمّا اسْتَغْرَقُوا في بِحارِ العَظَمَةِ والجَلالِ وبَلَغُوا هَذا المَبْلَغَ الأعْظَمَ وتَحَقَّقُوا أنَّ مِن قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإنْشاءِ بِلا مِثالٍ يَحْتَذِيهِ أوْ قانُونٍ يَنْتَحِيهِ واتُّصِفَ بِالقُدْرَةِ الشّامِلَةِ والحِكْمَةِ الكامِلَةِ كانَ عَلى إعادَةِ مَن نَطَقَتِ الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ بِإعادَتِهِ أقْدَرَ، وإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا لِحِكْمَةٍ باهِرَةٍ هي جَزاءُ المُكَلَّفِينَ بِحَسْبِ اسْتِحْقاقِهِمُ المَنُوطِ بِأعْمالِهِمُ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ طَلَبُوا النَّجاةَ مِمّا يَحِيقُ بِالمُقَصِّرِينَ ويَلِيقُ بِالمُخِلِّينَ فَقالُوا: ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ (191) أيْ فَوَفِّقْنا لِلْعَمَلِ بِما فَهِمْنا مِنَ الدَّلالَةِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرَتُّبِ الدُّعاءِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ النّارِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ مِن وُجُوبِ الطّاعَةِ واجْتِنابِ المَعْصِيَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَنَحْنُ نُطِيعُكَ ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ الَّتِي هي جَزاءُ مَن عَصاكَ و(سُبْحانَكَ) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ لِتَقْوِيَةِ الكَلامِ وتَأْكِيدِهِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ كَوْنُها مُؤَكِّدَةً لِنَفْيِ العَبَثِ عَنْ خَلْقِهِ.

وبَعْضُهم قالَ: بِهَذا التَّأْكِيدِ ولَمْ يَقُلْ بِالِاعْتِراضِ وجَعَلَ ما بَعْدَ الفاءِ مُتَرَتِّبًا عَلى التَّنْزِيهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِسُبْحانِكَ، وادَّعى أنَّهُ الأظْهَرُ لِانْدِراجِ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنْ رَدِّ سُؤالِ الخاضِعِينَ المُلْتَجِئِينَ إلَيْهِ فِيهِ، ولا يَخْفى تَفَرُّعُ المَسْألَةِ عَلى التَّنْزِيهِ عَنْ خَيْبَةِ رَجاءِ الرّاجِينَ وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ إذا نَزَّهْناكَ أوْ وحَّدْناكَ ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ الَّذِي هو جَزاءُ الَّذِينَ لَمْ يُنَزِّهُوا أوْ لَمْ يُوَحِّدُوا، واسْتَدَلَّ الطَّبَرْسِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والضَّلالَ والقَبائِحَ لَيْسَتْ خَلْقًا لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها باطِلَةٌ بِالإجْماعِ، وقَدْ نَفى اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ أُولِي الألْبابِ الَّذِينَ رُضِي قَوْلُهم بِأنَّهُ لا باطِلَ فِيما خَلَقَهُ سُبْحانَهُ، فَيَجِبُ بِذَلِكَ القَطْعُ بِأنَّ القَبائِحَ كُلَّها لَيْسَتْ مُضافَةً إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، ومَنفِيَّةٌ عَنْهُ خَلْقًا وإيجادًا، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ الأشْياءَ كُلَّها سَواءٌ مِن حَيْثُ أنَّها خَلْقُ اللَّهِ تَعالى ومُشْتَمِلَةٌ عَلى المَصالِحِ والحِكَمِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ﴾ وتَفاوُتِها إنَّما هو بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ وكَوْنِ بَعْضِها مُتَعَلِّقَ الأمْرِ والبَعْضِ الآخَرِ مُتَعَلِّقَ النَّهْيَ مَثَلًا لا بِاعْتِبارِ كَوْنِ البَعْضِ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكْمَةِ، والبَعْضِ الآخَرِ عارِيًا عَنْها، فالقَبائِحُ مِن حَيْثُ إنَّها خَلْقُ اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ باطِلَةً لِأنَّ الباطِلَ كَما عَلِمْتَ هو ما لا فائِدَةَ فِيهِ مُطْلَقًا أوْ ما لا فائِدَةَ فِيهِ يُعْتَدُّ بِها أوْ ما لا يُقْصَدُ بِهِ فائِدَةٌ، وهي لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِاشْتِمالِها في أنْفُسِها عَلى الحِكَمِ والفَوائِدِ الجَمَّةِ الَّتِي لا يَبْعُدُ قَصْدُ اللَّهِ تَعالى لَها مَعَ غِناهُ الذّاتِيِّ عَنْها، ولا يُشْتَرَطُ كَوْنُ تِلْكَ الفَوائِدِ لِمَن صَدَرَتْ عَلى يَدِهِ وإلّا لَزِمَ خُلُوُّ كَثِيرٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ تَعالى عَنِ الفَوائِدِ وتَسْمِيَتِها قَبائِحَ إنَّما هي بِاعْتِبارِ كَوْنِها مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ لِحِكْمَةٍ أيْضًا، وهو لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها خالِيَةً عَنِ الحِكْمَةِ بَلْ قُصارى ذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ رِضاهُ سُبْحانَهُ بِها شَرْعًا المُسْتَدْعِي ذَلِكَ لِلْعِقابِ عَلَيْها بِسَبَبِ أنَّ إفاضَتَها كانَتْ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ فَدَعْوى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها باطِلَةٌ - باطِلَةٌ كَدَعْوى الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ، وكَأنَّ القائِلَ لَمْ يَفْهَمْ مَعْنى الباطِلِ فَقالَ ما قالَ، واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم أيْضًا عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ وهو مَبْنِيٌّ ظاهِرًا عَلى أنَّ الباطِلَ العَبَثُ بِالمَعْنى الثّالِثِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مَعْنى العَبَثِ لَيْسَ مَحْصُورًا فِيهِ وبِفَرْضِ الحَصْرِ لا بَأْسَ بِهَذا القَوْلِ عَلى ما ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، لَكِنْ مَعَ القَوْلِ بِالغِنى الذّاتِيِّ وعَدَمِ الِاسْتِكْمالِ بِالغَيْرِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في البَقَرَةِ، واحْتَجَّ حُكَماءُ الإسْلامِ بِها عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ وأوْدَعَ فِيها قُوًى مَخْصُوصَةً وجَعَلَها بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِن حَرَكاتِها، واتِّصالِ بَعْضِها بِبَعْضٍ مَصالِحَ في هَذا العالَمِ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَتْ باطِلَةً، ولا يُمْكِنُ أنْ تُقْصَرَ مَنافِعُها عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ فَقَطْ لِأنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الماءِ والهَواءِ يُشارِكُها في ذَلِكَ فَلا تَبْقى لِخُصُوصِيّاتِها فائِدَةٌ وهو خِلافُ النَّصِّ، وناقَشَهُمُ المُتَكَلِّمُونَ في ذَلِكَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفَلَكِيّاتُ أسْبابًا عادِيَّةً لِلْأرْضِيّاتِ لا حَقِيقِيَّةً، وأنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها لا بِها ويَكْفِي ذَلِكَ فائِدَةً لِخَلْقِها.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِإيداعِ القُوى في الفَلَكِيّاتِ بَلْ وفي جَمِيعِ الأسْبابِ مَعَ القَوْلِ بِأنَّها مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، بَلْ هو المَذْهَبُ المَنصُورُ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وحَقَّقْناهُ فِيما قَبْلُ، وهو لا يُنافِي اسْتِنادَ الكُلِّ إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ ولا يُزاحِمُ جَرَيانَ الأُمُورِ كُلِّها بِقَضائِهِ وقَدَرَهِ تَعالى شَأْنُهُ، نَعَمِ القَوْلُ بِأنَّ الفَلَكِيّاتِ ونَحْوَها مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها ولَوْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ تَعالى ضَلالٌ واعْتِقادُهُ كُفْرٌ، وعَلى ذَلِكَ يَخْرُجُ ما وقَعَ في الخَبَرِ: «مَن قالَ: أُمْطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ تَعالى مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومَن قالَ: أُمْطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ تَعالى كافِرٌ بِالكَوْكَبِ».

فَلْيُحْفَظْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: أخذ عليهم الميثاق حين أخذ ذرية آدم من ظهورهم.

ويقال: أخذ عليهم الميثاق بالوحي في كتب الأنبياء لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ يعني: نعت محمد  وصفته وَلا تَكْتُمُونَهُ عنهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ليبيننه للناس ولا يكتمونه، كلاهما بالياء.

وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ بالياء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ومن قرأ بالتاء فمعناه أخذ عليهم الميثاق، وقال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي طرحوه خلف ظهورهم، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي بكتمان نعت محمد  وصفته ثَمَناً قَلِيلًا أي عَرضاً يسيراً من متاع الدنيا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ يعني: بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على الآخرة لاَ تَحْسَبَنَّ يقول: لا تظنن يا محمد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا يقول: يعجبون بما أوتوا، يعني بما غيرّوا من نعته وصفته، وهذا قول الكلبي.

وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك: إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبياً في آخر الزمان يختم به النبوة، فلما بعثه الله سألهم الملوك: أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟

فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك: هو غير هذا.

فأعطاهم الملوك مالاً فقال الله تعالى: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما أعطاهم الملوك وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا لأنهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه.

ويقال: كانوا يقولون نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب، ويريدون أن يحمدوا بذلك.

قال الله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ يقول فلا تظنهم بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ معناه لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي دائم لا يخرجون منه أبدا.

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.

ويقال: جميع من فى السموات والارض عبيده وفي ملكه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النبات وغيره.

ويقال: هذا معطوف على أول الكلام أنهم لا ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء لأنه على كل شىء قدير إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله  أن يأتيهم بآية لصحة دعواه، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فنزل إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خلقين عظيمين.

ويقال: فيما خلق في السموات من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار والأشجار وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يقول: وذهاب الليل ومجيء النهار، ويقال اختلاف لونيهما لَآياتٍ أي لعبرات لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لذوي العقول الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً أي يصلون لله قياماً إن استطاعوا على القيام، وقعوداً إن لم يستطيعوا القيام وَعَلى جُنُوبِهِمْ إن لم يستطيعوا القعود لزمانة.

ويقال: معناه الذين يذكرون الله في الأحوال كلها في حال القيام والقعود والاضطجاع، كما قال في آية أخرى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب: 41] ثم قال: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يعتبرون في خلقهما.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن زرارة الحلبي، عن أبي حباب، عن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، فسلمنا عليها فقالت: من هؤلاء؟

فقلت: عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير.

فقالت: مرحباً بك يا عبيد بن عمير، ما لك لا تزورنا؟

فقال عبيد: زر غبّاً تَزْدَدْ حُبّاً فقال ابن عمر: دعونا من هذا، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله  ، فبكت بكاء شديداً ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي، فقال: «يَا عَائِشَةُ أَتَأْذَنِينَ لِي أنْ أَعْبُدَ رَبِّي» فقلت: والله إني لأحب قربك، والله إني لأحب هواك.

فقام إلى قربة ماء فتوضأ، ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع حجره، ثم اتكأ على شقه الأيمن، ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، فبكى حتى روت الدموع الأرض.

ثم أتاه بلال بعد ما أذن للفجر، فلما رآه يبكي قال: أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تأخر؟

فقال: «يَا بِلالُ أفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً، وَمَا لِي لا أبْكِي وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

- إِلَى قَوْلُهُ- فَقِنا عَذابَ النَّارِ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» .

وروي عن رسول الله  أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الخالق» .

وقال  : «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» .

ثم قال تعالى عز وجل: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي يتفكرون ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلاً عبثاً بغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عذاب النار.

وقال الزجاج: معنى سُبْحانَكَ أي تنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلاً فَقِنا عَذابَ النَّارِ أي صدَّقْنا رسلك، وسلَّمنا أن لك جنة وناراً فَقِنا عَذابَ النَّارِ.

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وفضحته وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني: ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم، ويقولون أيضاً: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ يعني محمداً يدعو إلى التصديق أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي صدقوا بتوحيد ربكم، فآمنا أي صدقنا بتوحيد ربنا.

وقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس لقي رسول الله  ، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وقال الكلبي: الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك.

وقال الضحاك: ذنوبنا يعني ما عملوا في حال الجاهلية، وكفر عنا سيئاتنا، يعني: ما عملوا في حال الإسلام.

ويقال: الذنوب والسيئات بمعنى واحد.

ويقال: الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي مع المطيعين، ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين.

ويقولون أيضا: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك.

ويقال: هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم- عليهم السلام- للمؤمنين.

ثم قال تعالى: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني لا تعذبنا، ويقال: لا تخذلنا إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فأخبر الله عن فعلهم، وذكر ما أجابهم به وأنجز لهم موعده، وبيّن لهم ثوابه وهو قوله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ.

روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له، لأنه قال تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ يعني ثواب عمل عامل في طاعتي مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى يعني رجلاً أو امرأة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة يقال له سلمة بن الأكوع، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني أسمع الله ذكر الهجرة، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النَّسَاءِ فأنزل الله تعالى: أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى.

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال الكلبي: أي بعضكم أولياء بعض في الدين.

وقال الضحاك: يعني يشبه بعضكم بعضاً في الطاعة.

ويقال: بعضكم على إثر بعض، ويقال بعضكم على دين بعض.

فَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: إن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي عُذّبوا في طاعتي وَقاتَلُوا مع رسول الله  المشركين وَقُتِلُوا أي قتلهم المشركون.

قرأ حمزة والكسائي: وقتلوا وقاتلوا على معنى التقديم والتأخير كقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [آل عمران: 55] وقرأ الباقون: وقاتلوا وقتلوا، إلا ابن كثير وابن عامر قرءا وقتّلوا بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة، فذكر الله فعلهم، ثم ذكر ثوابهم فقال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لأمحون عنهم ذنوبهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله.

وقال الزجاج: إنما صار نصباً لأنه مصدر مؤكد، معناه: لأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، ولأثيبنهم ثواباً.

وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار نصباً على التفسير.

وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ أي حسن الجزاء وهو الجنة.

ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)

وقوله سبحانه: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ...

الآية: ذهبتْ جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة: إنما نزلَتْ في أهْل الكتاب أحبارِ/ اليهودِ، قال سعيدُ بن جُبَيْر «١» : الآية في اليهود، فَرِحُوا بما أعطَى اللَّه آل إبراهيم من النبوَّة والكتابِ، فهم يقولونَ: نحن على طريقهم، ويحبُّون أن يُحْمَدُوا بذلك، وهم ليسوا على طريقهم «٢» ، وقراءةُ سعيدِ «٣» بنِ جُبَيْر: «بما أُوتُوا» بمعنى «أُعْطُوا» (بضم الهمزة والطاء) وعلى قراءته يَستقيمُ المعنَى الذي قال، والمفازةُ مَفْعَلَةٌ من فَازَ يَفُوزُ، إذا نَجَا، وباقي الآية بيِّن.

ثم دلَّ سبحانه على مواضِع النظرِ والعبرةِ، فقالَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أي: تَعَاقُب الليل والنَّهار إذ جعلهما سبحانه خِلْفِةً، ويدخل تحت اختلافهما قِصَرُ أحدِهِمَا وطولُ الآخَرِ، وبالعكْسِ، واختلافُهُما بالنُّور والظَّلام، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وعظيمِ قُدْرته سُبْحانه.

قال الفَخْر «٤» : واعلم أنَّ المقصود من هذا الكتَابِ الكريمِ جَذْبُ القلوبِ والأرْوَاحِ عن الإشتغالِ بالخَلْقِ والإستغراقِ في معرفة الحقِّ، فلمَّا طال الكلامُ في تَقْرير الأحكامِ، والجوابِ عن شُبُهَاتِ المُبْطِلِين، عاد إلى إثارة القُلُوب بِذِكْرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والكِبْرِيَاءِ والجَلاَل، وذِكْرِ الأدعية، فختم بهذه الآياتِ بنَحْو ما في «سورة البقرة» .

انتهى.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً: الّذين: في موضع خفض صفة لِأُولِي الْأَلْبابِ، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ» .

قلت: خرَّجه أبو داود «١» ، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره.

وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي: لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعوداً، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف على هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالى ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ.

[المتقارب]

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ...

تَدُلُّ على أَنَّهُ وَاحِدُ «٢»

قال الغَزَّالِيُّ: ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالى، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ.

انتهى من «الإحياء» .

ومَرَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ» «٣» .

قال ع «٤» : وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.

وقال بعض العلماء: المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وانبساط الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ» «١» وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء: فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ «٢» ، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ «٣» : فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ «٤» ، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن: الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ/، ينظر فيها إلى حسنَاتهِ وسيِّئاته «٥» ، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ «٦» قَدَح الماء ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ أصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّراً حتى طلع الفَجْر، فقال له: ما هذا يَا أبا سليمان؟

فَقَالَ: إني لما طَرَحْتُ أصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غافر: ٧١] ،

فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ، إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ.

قال ع «١» : وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا.

قال ع «٢» : وحدثني أبي (رحمه اللَّه) ، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال: كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ ب «مَصْرَ» فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلاً قد اضطجع في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فاستقبل القبْلَةَ، وصلى مع النَّاس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو ينشد: [المنسوح]

مُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر ...

مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ

مُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض ...

كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفاً ناكِرْ

يَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر ...

فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْ

قال: فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فانصرفت «٣» عنه.

قال الفَخْر «٤» : ودلَّتِ الآية على أنَّ أعلى مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر.

انتهى.

وفي «العتبية» : قال مالكٌ: قيلَ لأمِّ الدَّرْداء: ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء؟

قَالَتْ:

كان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ.

قال مالكٌ: وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ قال اللَّه عزَّ وجلَّ:

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قال ابنُ رُشْدٍ: والتفكُّر مِنَ الأعمال كما قاله مالك (رحمه اللَّه) ، وهو مِنْ أشرف الأعمال لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه (عَزَّ وجَلَّ) في فعلها.

انتهى من «البيان والتحصيل» .

قال ابنُ بَطَّال «١» : إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف.

انتهى.

قال ابنُ عطاءِ اللَّهِ: الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له.

قُلْتُ: قال بعض المحقِّقين: وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر، عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ.

قال ابنُ عَبَّاد «٢» : قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ (رحمه اللَّه) : التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين: في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً، وفِكْرُ العابدين: في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين: في الآلاء والنعماء فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه.

انتهى.

وقوله تعالى: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذا باطِلًا، أي: يقولُونَ: يا ربَّنا على النداء، ما خلَقْتَ هذا باطلاً، يريد: لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر لينظروا فيه فيوحِّدوك، ويعبدوك فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك عَذَّبته، وقولهم:

سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك عمَّا/ يقول المُبْطِلُون، وقولهم: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أي: فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ: الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء.

قال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم: هذه إشارة إلى من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والأَمان، فليس بمُخْزًى، أي: وما أصابه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا ﴾ في هَذا الذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الذِّكْرُ في الصَّلاةِ، يُصَلِّي قائِمًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلى جَنْبٍ، هَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ الذِّكْرُ في الصَّلاةِ وغَيْرِها، وهو قَوْلُ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخَوْفُ، فالمَعْنى: يَخافُونَ اللَّهَ قِيامًا في تَصَرُّفِهِمْ، وقُعُودًا في دَعَتِهِمْ، وعَلى جُنُوبِهِمْ في مَنامِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: التَّفَكُّرُ: تَرَدُّدُ القَلْبِ في الشَّيْءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَكْعَتانِ مُقْتَصِدَتانِ في تَفَكُّرٍ، خَيْرٌ مِن قِيامِ لَيْلَةٍ، والقَلْبُ ساهٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: يَقُولُونَ: ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ ، أيْ: خَلَقْتَهُ دَلِيلًا عَلَيْكَ، وعَلى صِدْقِ ما أتَتْ بِهِ أنْبِياؤُكَ.

ومَعْنى ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ : بَراءَةٌ لَكَ مِنَ السُّوءِ، وتَنْزِيهًا لَكَ أنْ تَكُونَ خَلْقَتَهُما باطِلًا، ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ ، فَقَدْ صَدَّقْنا أنَّ لَكَ جَنَّةً ونارًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مَن أنْصارٍ ﴾ "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ صِفَةِ "لِأُولِي الألْبابِ"، وهَذا وصْفٌ ظاهِرُهُ اسْتِعْمالُ التَحْمِيدِ والتَهْلِيلِ والتَكْبِيرِ ونَحْوِهِ مِن ذِكْرِ اللهِ، وأنْ يَحْصُرَ القَلْبُ اللِسانَ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ وُجُوهِ العِباداتِ، والأحادِيثُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وابْنُ آدَمَ مُنْتَقِلٌ في هَذِهِ الثَلاثِ الهَيْئاتِ لا يَخْلُو في غالِبِ أمْرِهِ مِنها فَكَأنَّها تَحْصُرُ زَمَنَهُ، وكَذَلِكَ جَرَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها إلى حَصْرِ الزَمَنِ في قَوْلِها: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَذْكُرُ اللهَ عَلى كُلِّ أحْيانِهِ،» فَدَخَلَ في ذَلِكَ كَوْنُهُ عَلى الخَلاءِ وغَيْرُ ذَلِكَ.

وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ ﴾ إنَّما هو عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ، أيْ: لا يُضَيِّعُونَها، فَفي حالِ العُذْرِ يُصَلُّونَها قُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، قالَ بَعْضُهُمْ: وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمُ الصَلاةَ فاذْكُرُوا اللهَ  ﴾ ...

الآيَةِ، هَذا عَلى تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ هُنالِكَ: "قَضَيْتُمْ" بِمَعْنى: أدَّيْتُمْ، لِأنَّ بَعْضَ الناسِ يَقُولُ: "قَضَيْتُمْ" هُنالِكَ بِمَعْنى: فَرَغْتُمْ مِنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الصَلاةِ فَفِقْهُها أنَّ الإنْسانَ يُصَلِّي قائِمًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، ظاهِرُ المُدَوَّنَةِ مُتَرَبِّعًا، ورُوِيَ عن مالِكٍ وبَعْضِ أصْحابِهِ أنَّهُ يُصَلِّي كَما يَجْلِسُ بَيْنَ السَجْدَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعِ القُعُودَ صَلّى عَلى جَنْبِهِ أو ظَهْرِهِ عَلى التَخْيِيرِ، هَذا مَذْهَبُ المُدَوَّنَةِ.

وحَكى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ القاسِمِ: يُصَلِّي عَلى ظَهْرِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ، ثُمَّ عَلى الأيْسَرِ.

وفي كِتابِ ابْنِ المَوّازِ: يُصَلِّي عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ، وإلّا فَعَلى الأيْسَرِ، وإلّا فَعَلى الظَهْرِ.

وقالَ سَحْنُونٌ: يُصَلِّي عَلى الأيْمَنِ كَما يُجْعَلُ في لَحْدِهِ، وإلّا فَعَلى ظَهْرِهِ، وإلّا فَعَلى الأيْسَرِ.

وحَسُنَ عَطْفُ قَوْلِهِ: "وَعَلى جُنُوبِهِمْ" عَلى قَوْلِهِ: "قِيامًا وقُعُودًا" لِأنَّهُ في مَعْنى مُضْطَجِعِينَ.

ثُمَّ عَطَفَ عَلى هَذِهِ العِبادَةِ الَّتِي هي ذِكْرُ اللهِ بِاللِسانِ أوِ الصَلاةِ فَرْضِها ومَندُوبِها بِعِبادَةٍ أُخْرى عَظِيمَةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ومَخْلُوقاتِهِ، والعِبَرِ الَّتِي بَثَّ: وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ «وَمَرَّ النَبِيُّ  عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اللهِ فَقالَ: "تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تُفَكِّرُوا في الخالِقِ، فَإنَّكم لا تُقَدِّرُونَ قَدْرَهُ"» وهَذا هو قَصْدُ الآيَةِ ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ .

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُتَفَكِّرُ في ذاتِ اللهِ تَعالى كالناظِرِ في عَيْنِ الشَمْسِ، لِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وإنَّما التَفْكِيرُ وانْبِساطُ الذِهْنِ في المَخْلُوقاتِ، وفي مَخاوِفِ الآخِرَةِ.

قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لا عِبادَةَ كَتَفَكُّرٍ"» وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، الفِكْرَةُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ، يَنْظُرُ فِيها إلى حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الدَرْداءِ: "فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن قِيامِ لَيْلَةٍ".

وقالَ سَرِيٌّ السَقَطِيُّ.

"فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَنَةٍ"، ما هو إلّا أنْ تَحُلَّ أطْنابَ خَيْمَتِكَ فَتَجْعَلَها في الآخِرَةِ.

وأخَذَ أبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ قَدَحَ الماءِ لِيَتَوَضَّأ لِصَلاةِ اللَيْلِ وعِنْدَهُ ضَيْفٌ، فَرَآهُ لَمّا أدْخَلَ إصْبَعَهُ في أُذُنِ القَدَحِ أقامَ كَذَلِكَ مُفَكِّرًا حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَقالَ لَهُ: ما هَذا يا أبا سُلَيْمانَ؟

فَقالَ: إنِّي لَمّا طَرَحْتُ أُصْبُعِي في أُذُنِ القَدَحِ تَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وتَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ  ﴾ فَفَكَّرْتُ في حالِي، وكَيْفَ أتَلَقّى الغُلَّ إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَما زِلْتُ في ذَلِكَ حَتّى أصْبَحْتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ نِهايَةُ الخَوْفِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوسَطُها.

ولَيْسَ عُلَماءُ الأُمَّةِ الَّذِينَ هُمُ الحُجَّةُ عَلى هَذا المِنهاجِ، وقِراءَةُ عِلْمِ كِتابِ اللهِ ومَعانِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ  لِمَن يَفْهَمُ ويُرْجى نَفْعُهُ أفْضَلُ مِن هَذا، لَكِنَّهُ يَحْسُنُ ألّا تَخْلُوَ البِلادُ مِن مِثْلِ هَذا.

وَحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ عن بَعْضِ عُلَماءِ المَشْرِقِ قالَ: كُنْتُ بائِتًا في مَسْجِدِ الأقْدامِ بِمِصْرَ، فَصَلَّيْتُ العَتَمَةَ فَرَأيْتُ رَجُلًا قَدِ اضْطَجَعَ في كِساءٍ لَهُ مُسَجّىً بِكِسائِهِ حَتّى أصْبَحَ، وصَلَّيْنا نَحْنُ تِلْكَ اللَيْلَةَ وسَهِرْنا، فَلَمّا أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُبْحِ قامَ ذَلِكَ الرَجُلُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَصَلّى مَعَ الناسِ، فاسْتَعْظَمْتُ جُرْأتَهُ في الصَلاةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمّا فَرَغَتِ الصَلاةُ خَرَجَ فَتَبِعْتُهُ لِأعِظَهُ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ سَمِعْتُهُ يُنْشِدُ: مُنْسَحِقُ الجِسْمِ غائِبٌ حاضِرْ ∗∗∗ مُنْتَبِهُ القَلْبِ صامِتٌ ذاكِرْ مُنْقَبِضٌ في الغُيُوبِ مُنْبَسِطٌ ∗∗∗ كَذاكَ مَن كانَ عارِفًا ذاكِرْ يَبِيتُ في لَيْلِهِ أخا فِكْرٍ ∗∗∗ فَهْوَ مَدى اللَيْلِ قائِمٌ ساهِرْ قالَ فَعَلِمْتُ أنَّهُ مِمَّنْ يَعْبُدُ بِالفِكْرَةِ وانْصَرَفْتُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "رَبَّنا" مَعْناهُ: يَقُولُونَ: رَبَّنا عَلى النِداءِ، ﴿ ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ ، يُرِيدُ لِغَيْرِ غايَةٍ مَنصُوبَةٍ بَلْ خَلَقْتَهُ وخَلَقْتَ البَشَرَ لِيُنْظَرَ فِيهِ فَتُوَحَّدَ وتُعْبَدَ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ نَعَّمْتَهُ ومَن ضَلَّ عن ذَلِكَ عَذَّبْتَهُ لِكُفْرِهِ وقَوْلِهِ عَلَيْكَ ما لا يَلِيقُ بِكَ.

ولِهَذا المَعْنى الَّذِي تُعْطِيهِ قُوَّةُ اللَفْظِ حَسُنَ قَوْلُهُمْ: "سُبْحانَكَ"، أيْ تَنْزِيهًا لَكَ عَمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ.

وحَسُنَ قَوْلُهُمْ: "فَقِنا عَذابَ النارِ" إذْ نَحْنُ المُسَبِّحُونَ المُنَزِّهُونَ لَكَ المُوَحِّدُونَ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ ، اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ، أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَها.

والخِزْيُ: الفَضِيحَةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَةُ لِقَدْرِ المَرْءِ، خَزِيَ الرَجُلُ يَخْزى خِزْيًا إذا افْتُضِحَ، وخَزايَةً إذا اسْتَحْيى، الفِعْلُ واحِدٌ والمَصْدَرُ مُخْتَلِفٌ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النارِ، ومَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ.

وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أما إنَّهُ خِزْيٌ دُونَ خِزْيٍ، ولَيْسَ خِزْيَ مَن يَخْرُجُ مِنها بِفَضِيحَةٍ هادِمَةٍ لِقَدْرِهِ، وإنَّما الخِزْيُ التامُّ لِلْكُفّارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ هو مِن قَوْلِ الداعِينَ، وبِذَلِكَ يَتَّسِقُ وصْفُ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا غرض أُنف بالنسبة لما تتابع من أغراض السورة، انتُقل به من المقدّمات والمقصد والمتخلِّلات بالمناسبات، إلى غرض جديد هو الاعتبار بخلق العوالم وأعراضها والتنويه بالذين يعتبرون بما فيها من آيات.

ومِثْل هذا الانتقال يكون إيذاناً بانتهاء الكلام على أغراض السورة، على تفنّنها، فقد كان التنقّل فيها من الغرض إلى مشاكله وقد وقع الانتقال الآن إلى غرض عامّ: وهو الاعتبار بخلق السماوات والأرض وحال المؤمنين في الاتّعاظ بذلك، وهذا النحو في الانتقال يعرض للخطيب ونحوه من أغراضه عقب إيفائها حقّها إلى غرض آخر إيذاناً بأنّه أشرف على الانتهاء، وشأن القرآن أن يختم بالموعظة لأنّها أهمّ أغراض الرسالة، كما وقع في ختام سورة البقرة.

وحرف (إنّ) للاهتمام بالخبر.

والمراد ب ﴿ خلْق السماوات والأرض ﴾ هنا: إمّا آثار خَلْقِها، وهو النظام الذي جعل فيها، وإمّا أن يراد بالخلق المخلوقات كقوله تعالى: ﴿ هذا خلق اللَّه ﴾ [لقمان: 11].

و ﴿ أولو الألباب ﴾ أهل العقول الكاملة لأنّ لبّ الشيء هو خلاصته.

وقد قدّمنا في سورة البقرة بيان ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من الآيات عند قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف اللَّيل والنهار والفلك ﴾ [البقرة: 164] إلخ.

و ﴿ يذكرون الله ﴾ إمّا من الذِّكر اللساني وإمّا من الذُّكر القلبي وهو التفكّر، وأراد بقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ عموم الأحوال كقولهم: ضَربه الظهرَ والبطْن، وقولهم: اشتهر كذا عند أهل الشرق والغرب، على أنّ هذه الأحوال هي متعارَف أحوال البشر في السلامة، أي أحوال الشغل والراحة وقصد النوم.

وقيل: أراد أحوال المصلّين: من قادر، وعاجز، وشديد العجز.

وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ عطف مرادف إن كان المراد بالذكر فيما سبق التفكّر، وإعادتُه لأجل اختلاف المتفكَّر فيه، أو هو عطف مغاير إذا كان المراد من قوله: ﴿ يذكرون ﴾ ذِكر اللسان.

والتفكّر عبادة عظيمة.

روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله في جامع العتبية قال: قيل لأمّ الدرداء: ما كان شأن أبي الدرداء؟

قالت: كان أكثر شأنه التفكّر، قيل له: أترى التفكّر عَمَلاً من الأعمال؟

قال: نعم، هو اليقين.

﴿ والخلق ﴾ بمعنى كيفية أثر الخلق، أو المخلوقات التي في السماء والأرض، فالإضافة إمّا على معنى اللام، وإمّا على معنى (في).

وقوله: ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ وما بعده جملة واقعة موقع الحال على تقدير قَوْلٍ: أي يتفكّرون قائلين: ربّنا إلخ لأنّ هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء.

فإن قلت: كيف تواطأ الجمع من أولي الألباب على قول هذا التنزيه والدعاء عند التفكّر مع اختلاف تفكيرهم وتأثّرهم ومقاصدهم.

قلت: يحتمل أنّهم تلقَّوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يلازمونه عند التفكّر وعقبَه، ويحتمل أنّ الله ألهمهم إيّاه فصار هجيراهم مثلَ قوله تعالى: ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ﴾ [البقرة: 285] الآيات.

ويدلّ لذلك حديث ابن عباس في «الصحيح» قال: " بتّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من سورة آل عمران " إلى آخر الحديث.

ويجوز عندي أن يكون قوله: ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ حكاية لتفكّرهم في نفوسهم، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكّرين لاستوائهم في صحّة التفكّر لأنّه تنقل من معنى إلى متفرّع عنه، وقد استوى أولو الألباب المتحدّث عنهم هنا في إدراك هذه المعاني، فأوّل التفكّر أنتج لهم أنّ المخلوقات لم تخلق باطلاً، ثم تفرّع عنه تنزيه الله وسؤاله أن يقيهم عذاب النار، لأنّهم رأوا في المخلوقات طائعاً وعاصياً، فعلموا أنّ وراء هذا العالم ثَواباً وعقاباً، فاستعاذوا أن يكونوا ممّن حقّت عليه كلمة العذاب.

وتوسّلوا إلى ذلك بأنّهم بذَلوا غاية مقدورهم في طلب النجاة إذ استجابوا لمنادي الإيمان وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وسألوا غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والموتَ على البر إلى آخره...

فلا يكاد أحد من أولي الألباب يخلو من هذه التفكّرات وربّما زاد عليها، ولمّا نزلت هذه الآية وشاعت بينهم، اهتدى لهذا التفكير من لم يكن انتبه له من قبل فصار شائعاً بين المسلمين بمعانيه وألفاظه.

ومعنى ﴿ ما خلقتَ هذا باطلاً ﴾ أي خلقاً باطلاً، أو ما خلقت هذا في حال أنّه باطل، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات، كقوله: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ [الدخان: 38] فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أنّ هذا الخلق باطل أو خلي عن الحكمة، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيراً.

وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ لأنّه ترتّبَ على العلم بأنّ هذا الخلق حقّ، ومن جملة الحقّ أن لا يستوي الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فعلموا أنّ لكلّ مستقرّاً مناسباً فسألوا أن يكونوا من أهل الخير المجنّبين عذاب النار.

وقولهم: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار، كما توذن به (إنّ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا.

والخزي مصدر خزِيَ يَخْزَى بمعنى ذلّ وهان بمرأى من الناس، وأخزاه أذلّه على رؤوس الأشهاد، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأنّ دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم: ﴿ عذاب النار ﴾ أنّ النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذَّب وإهانة علنية، وذلك معنى مستقرّ في نفوس الناس، ومنه قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ ولا تخزني يومَ يبعثون ﴾ [بالشعراء: 87] وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء، أي من يدخل النار فقد أخزيته.

والخزي لا تطيقه الأنفس، فلا حاجة إلى تأويل تأوّلوه على معنى فقَد أخزيته خزياً عظيماً.

ونظّره صاحب «الكشاف» بقول رُعاة العرب: «من أدْرَكَ مَرْعَى الصَّمَّان فقد أدرك» أي فقد أدرك مرعى مخصباً لئلاّ يكون معنى الجزاء ضروري الحصول من الشرط فلا تظهر فائدة للتعليق بالشرط، لأنّه يخلي الكلام عن الفائدة حينئذ.

وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ﴾ [آل عمران: 185].

ولأجل هذا أعقبوه بما في الطباع التفادي به عن الخزي والمذلّة بالهرع إلى أحلافهم وأنصارهم، فعلموا أن لا نصير في الآخرة للظالم فزادوا بذلك تأكيداً للحرص على الاستعاذة من عذاب النار إذ قالوا: ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ أي لأهل النار من أنصار تدفع عنهم الخزي.

وقوله تعالى: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ أرادوا به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم والمنادي، الذي يرفع صوته بالكلام.

والنداء: رفع الصوت بالكلام رفعاً قوياً لأجل الإسماع وهو مشتقّ من النداء بكسر النون وبضمّها وهو الصوت المرتفع.

يقال: هو أندى صوتاً أي أرفعُ، فأصل النداء الجهر بالصوت والصياح به، ومنه سمّي دعاء الشخص شخصاً ليقبل إليه نداء، لأنّ من شأنه أن يرفع الصوت به؛ ولذلك جعلوا له حروفاً ممدودة مثل (يا) و(آ) و(أيا) و(هيا).

ومنه سمّي الأذان نداء، وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت، ويطلق النداء على طلب الإقبال بالذات أو بالفَهم بحروف معلومة كقوله تعالى: ﴿ وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ [فصلت: 104، 105] ويجوز أن يكون هو المراد هنا لأنّ النبي يدعو الناس بنحو: يأيّها الناس ويا بَني فلان ويا أمّة محمد ونحو ذلك، وسيأتي تفسير معاني النداء عند قوله تعالى: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة ﴾ في سورة [الأعراف: 43].

واللام لام العلّة، أي لأجل الإيمان بالله.

و (أن) في أن آمنوا} تفسيرية لما في فعل (يُنادي) من معنى القول دون حروفه.

وجاءوا بفاء التعقيب في (فآمنّا): للدلالة على المبادرة والسبق إلى الإيمان، وذلك دليل سلامة فطرتهم من الخطأ والمكابرة، وقد توسّموا أن تكون مُبادرتهم لإجابة دعوة الإسلام مشكورة عند الله تعالى، فلذلك فرّعوا عليه قولهم: ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ لأنّهم لمّا بذلوا كلّ ما في وسعهم من اتّباع الدين كانوا حقيقين بترجّي المغفرة.

والغَفْر والتكفير متقاربان في المادة المشتقيْن منها إلاّ أنّه شاع الغفر والغفران في العفو عن الذنب والتكفير في تعويض الذنب بعوض، فكأنّ العوض كفّر الذنب أي ستره، ومنه سمّيت كفّارة الإفطار في رمضان.

وكفّارة الحنث في اليمين إلاّ أنهم أرادوا بالذنوب ما كان قاصراً على ذواتهم، ولذلك طلبوا مغفرته، وأرادوا من السيّئات ما كان فيه حقّ الناس، فلذلك سألوا تكفيرها عنهم.

وقيل هو مجرّد تأكيد، وهو حسن، وقيل أرادوا من الذنوب الكبائر ومن السيّئات الصغائر لأنّ اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر، بناء على أنّ الذنب أدلّ على الإثم من السيئة.

وسألوا الوفاة مع الأبرار، أي أن يموتوا على حالة البِرّ، بأن يلازمهم البرّ إلى الممات وأن لا يرتدّوا على أدبارهم، فإذا ماتوا كذلك ماتوا من جملة الأبرار.

فالمعية هنا معية اعتبارية، وهي المشاركة في الحالة الكاملة، والمعية مع الأبرار أبلغ في الاتّصاف بالدلالة، لأنّه برّ يرجى دوامه وتزايدُه لِكون صاحبه ضمن جمع يزيدونه إقبالاً على البرّ بلسان المقال ولسان الحال.

ولمّا سألوا أسباب المثوبة في الدنيا والآخرة ترقّوا في السؤال إلى طلب تحقيق المثوبة، فقالوا: ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ .

وتحتمل كلمة (على) أن تكون لتعدية فعل الوعد، ومعناها التعليل فيكون الرسل هم الموعود عليهم، ومعنى الوعد على الرسل أنّه وعد على تصديقهم فتعيّن تقدير مضاف، وتحتمل أن تكون (على) ظرفاً مستقرّاً، أي وعداً كائناً على رُسلك أي، منزلاً عليهم، ومتعلَّق الجار في مثله كونٌ غير عامّ بل هو كون خاصّ، ولا ضير في ذلك إذا قامت القرينة، ومعنى (على) حينئذ الاستعلاء المجازي، أو تجعل (على) ظرفاً مستقرّاً حالاً ﴿ ممّا وعدتنا ﴾ أيضاً، بتقدير كون عامّ لكن مع تقدير مضاف إلى رسلك، أي على ألْسِنَةِ رسلك.

والموعود على ألسنة الرسل أو على التصديق بهم الأظهر أنّه ثواب الآخرة وثواب الدنيا: لقوله تعالى: ﴿ فآتاهم اللَّه ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ [آل عمران: 148] وقوله: ﴿ وعد اللَّه الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ [النور: 55] الآية، وقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ [الأنبياء: 105].

والمراد بالرسل في قوله: ﴿ على رسلك ﴾ خصوص محمد صلى الله عليه وسلم أطلق عليه وصف «رسل» تعظيماً لقوله تعالى: ﴿ فلا تحسبن اللَّه مخلف وعده رسله ﴾ [إبراهيم: 47].

ومنه قوله تعالى: ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ﴾ [الفرقان: 37].

فإن قلتَ: إذا كانوا عالمين بأنّ الله وعدهم ذلك وبأنَّه لا يخلف الميعاد فما فائدة سُؤالهم ذلك في دعائهم؟

قلت: له وجوه: أحدها: أنّهم سألوا ذلك ليكون حصوله أمارة على حصول قُبول الأعمال التي وعد الله عليها بما سألوه فقد يظنّون أنفسهم آتين بما يبلّغهم تلك المرتبة ويخشون لعلّهم قد خلطوا أعمالهم الصالحة بما يبطلها، ولعلّ هذا هو السبب في مجيء الواو في قولهم: ﴿ وآتنا ما وعدتنا ﴾ دون الفاء إذ جعلوه دعوة مستقلّة لتتحقّق ويتحقّق سببها، ولم يجعلوها نتيجة فعل مقطوع بحصوله.

ويدلّ لصحّة هذا التأويل قوله بعدُ: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ [آل عمران: 195] مع أنّهم لم يطلبوا هنا عدم إضاعة أعمالهم.

الثاني: قال في «الكشّاف»: أرادوا طلب التوفيق إلى أسباب ما وعدهم الله على رسله.

فالكلام مستعمل كناية عن سبب ذلك من التوفيق للأعمال الموعود عليها.

الثالث: قال فيه ما حاصله: أن يكون هذا من باب الأدب مع الله حتّى لا يظهروا بمظهر المستحقّ لتحصيل الموعود به تذلّلاً، أي كسؤال الرسل عليهم السلام المغفرة وقد علموا أنّ الله غفر لهم.

الرابع: أجاب القرافي في الفرق (273) بأنّهم سألوا ذلك لأنّ حصوله مشروط بالوفاة على الإيمان، وقد يؤيّد هذا بأنّهم قدّموا قبله قولهم: ﴿ وتوقنا مع الأبرار ﴾ لكن هذا الجواب يقتضي قصر الموعود به على ثواب الآخرة، وأعادوا سؤال النجاة من خزي يوم القيامة لشدّته عليهم.

الخامس: أنّ الموعود الذي سألوه هو النصر على العدوّ خاصّة، فالدعاء بقولهم: ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ مقصود منه تعجيل ذلك لهم، يعني أنّ الوعد كان لمجموع الأمّة، فكلّ واحد إذا دعا بهذا فإنّما يعني أن يجعله الله ممَّن يرى مصداق وعد الله تعالى خشية أن يفوتهم.

وهذا كقول خبّاب بن الأرتّ: هاجرنا مع النبي نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمِنَّا مَن أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبُها، ومنَّا من مات لم يأكُل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحُد، فلم نجد له ما نكفّنه إلاّ بُردة» إلخ.

وقد ابتدأوا دعاءهم وخلّلوه بندائه تعالى: خمس مرات إظهار للحاجة إلى إقبال الله عليهم.

وعن جعفر بن محمد رضي الله عنه «مَن حَزبه أمر فقال: يا ربّ خمس مرات أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد»، واقرأوا: ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ﴾ إلى قوله: ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا ﴾ في المُنادِي قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: لَيْسَ كُلُّ النّاسِ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ.

﴿ يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ أيْ إلى الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا  ﴾ بِمَعْنى إلى هَذا.

وَمِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ يَعْنِي أوْحى إلَيْها كَما قالَ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها  ﴾ أيْ إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْجِزٌ وعْدَهُ فَما مَعْنى هَذا الدُّعاءِ والطَّلَبِ؟

فَفي ذَلِكَ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ بِهِ، مَعَ العِلْمِ بِإنْجازِ وعْدِهِ، الخُضُوعُ لَهُ بِالدُّعاءِ والطَّلَبِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّمَسُّكِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ اجْعَلْنا مِمَّنْ وعَدْتَهُ ثَوابَكَ.

والرّابِعُ: يَعْنِي عَجِّلْ إلَيْنا إنْجازَ وعْدِكَ وتَقْدِيمَ نَصْرِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينادي مناد يوم القيامة أين أولوا الألباب؟

قالوا: أي أولي الألباب تريد؟!

قال: ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ﴾ عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم وقال لهم: ادخلوها خالدين» .

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم والطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في قوله: ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ قال: إنما هذا في الصلاة، إذا لم يستطع قائماً فقاعدا، وإن لم يستطع قاعداً فعلى جنبه.

وأخرج الحاكم عن عمران بن حصين.

أنه كان به البواسير فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على جنب.

وأخرج البخاري عن عمران بن حصين قال: كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؟

فقال «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» .

وأخرج البخاري عن عمران بن حصين قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: «من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة، وقراءة القرآن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ قال: هذه حالاتك كلها يا ابن آدم.

اذكر الله وأنت قائم، فإن لم تستطع فاذكره جالساً، فإن لم تستطع فاذكره وأنت على جنبك.

يسر من الله وتخفيف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لا يكون عبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً.

قوله تعالى ﴿ ويتفكرون...

﴾ الآية.

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والأصبهاني في الترغيب عن عبد الله بن سلام قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال: «لا تفكروا في الله ولكن تفكروا فيما خلق» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والأصبهاني في الترغيب عن عمرو بن مرة قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون فقال: تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عثمان بن أبي دهرين قال: «بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون فقال: ما لكم لا تتكلمون؟!

قالوا: نتفكر في خلق الله قال: كذلك فافعلوا، تفكروا في خلقه ولا تفكروا فيه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» .

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التفكر وابن المنذر وابن حبان في صحيحه وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب وابن عساكر عن عطاء قال: قلت لعائشة أخبرني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قالت: وأي شأنه لم يكن عجباً!

إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي.

فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى.

فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!

قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم لا أفعل وقد أنزل علي هذه الليلة ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ﴾ إلى قوله: ﴿ سبحانك فقنا عذاب النار ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في التفكر عن سفيان رفعة قال: «من قرأ سورة آل عمران فلم يتفكر فيها ويله.

فعد بأصابعه عشراً.

قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟

قال: يقرؤهن وهو يعقلهن» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عامر بن عبد قيس قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن ابن عون قال: سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟

قالت: التفكر والإعتبار.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.

وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء.

مثله.

وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً.

مثله.

وأخرج الديلمي من وجه آخر مرفوعاً عن أنس «تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فكرة ساعة خير من عبادة ستين» .

وأخرج أبو الشيخ والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً: «بينما رجل مستلق ينظر إلى السماء وإلى النجوم فقال: والله إني لأعلم أن لك خالقاً ورباً.

اللهم اغفر لي.

فنظر الله إليه فغفر له» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا ﴾ الآية.

رُوي عن علي، وابن عباس، وقتادة (١) (٢) (٣) وهذا اختيار الزجاج، قال (٤) (٥) وقال آخرون (٦) وجاز (٧) ﴿ قِيَامًا ﴾ و ﴿ وَقُعُودًا ﴾ ، لأن معناه يُنْبِئ عن حالٍ مِنْ أحوال تَصَرُّفِ الإنسان؛ كما تقول: (أنا أصِيرُ إلى زيدٍ ماشِيًا، وعلى الخيل).

المعنى: ماشِيًا ورَاكِبًا (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ .

ليَكُون (٩) وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ﴾ .

أي: و (١٠) (١١) ﴿ هَذَا ﴾ راجعةٌ إلى الخَلْقِ.

و ﴿ خَلَقْتَ ﴾ يدل على الخَلْقِ (١٢) وقوله تعالى: ﴿ بَاطِلًا ﴾ .

أي: خلقته دليلًا على حكمتك، وكَمَالِ قُدرتِك.

ومعنى الباطل: الزائِل الذاهب، الذي لا يَثْبُتُ (١٣) وكثير من المفسرين يذهبون إلى أن المعنى: (ما خلقتهما لغَيرِ شيءٍ) (١٤) (١٥) ﴿ بَاطِلًا ﴾ على أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: خَلْقًا باطلًا (١٦) وقوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ .

أي: تنزيهًا لك، ببراءتك عما لا يجوز في وصفك (١٧) ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ .

أي: قد اعترفنا بوحدانيَّتِك، وصدَّقنا أنَّ لك جَنّةً ونارًا، فقِنا عذابَ النار.

(١) ذكر قولهم الثعلبي في "تفسير" 3/ 170 ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 527.

(٢) في (ج): (معنى).

(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).

(٤) في "معاني القرآن"، له: 1/ 499.

نقله عنه بنصه.

ولكن ليس هذا اختيار الزجاج، وإنما أورده وعزاه لبعض المفسرين، فقال: (وقال بعضهم ..) ثم ذكره، وأعقبه بقوله: (وحقيقته عندي -والله أعلم-: أنهم موحدون الله على كل حال).

وقال قبلها: (..

وإنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم) 1/ 498.

وهذا هو اختياره.

(٥) في "معاني القرآن": على.

(٦) ممن قال به: قتادة، وابن جريج، ومجاهد.

انظر.

"تفسير الطبري" 4/ 210، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 842 (٧) من قوله: (وجاز ..) على (..

وراكبًا): نقله -بتصرف- عن: "معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 498.

(٨) أي أنَّ ﴿ وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ في معنى الاسم؛ أي: (ونيَامًا)، أو (مُضْطجِعين على جنوبهم).

فحسن حينها عطفها على ﴿ قِيَامًا وَقُعُودًا ﴾ ، كما قال في موضع آخر: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا  ﴾ فقوله: ﴿ لِجَنْبِهِ ﴾ ، أي: (مضطجعا)، فعطف على الأسماء بعدها.

انظر: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 250، و"تفسير الطبري" 4/ 210.

(٩) من قوله: (ليكون ..) إلى (..

آثار حكمته): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 499.

(١٠) (الواو): زيادة من (ج).

(١١) في (ج): (هذه).

(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 4/ 210.

وقال مُعلِّلًا ذلك: (يدل على ذلك قوله: ﴿ سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ورغبتهم إلى ربِّهم أنْ يُقِيهم عذابَ الجحيم.

ولو كان المعنِيَّ بقوله: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ ، معنًى مفهومٌ؛ لأن السمواتِ والأرضَ أدلةٌ على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب الأمر والنهي).

(١٣) قال ابن فارس (الباء والطاء واللام، أصلٌ واحدٌ، وهو: ذهاب الشيء، وقِلَّةُ مُكْثِهِ ولُبْثِه؛ يقال: (بَطَلَ الشيءُ، يَبْطُلُ بُطْلًا وبُطُولًا".

"مقاييس اللغة" 1/ 258 (بطل).

(١٤) وممن قال بهذا المعنى: مقاتل، والطبري، وأبو الليث السمرقندي، والثعلبي، والعز بن عبد السلام.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 321، و"تفسير الطبري" 4/ 210، و"بحر العلوم" 1/ 324، و"تفسير الثعلبي" 3/ 171 أ، و"فوائد في مشكل القرآن" لابن عبد السلام 109.

(١٥) قال تعالى: ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ .

(١٦) وهذا وجه واحد من وجوه نصبه، وفيه وجوه أخرى، ذكرها أبو حيان في "البحر == المحيط" 3/ 140، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 532 - 533 واستحسنا كونها حالًا من ﴿ هَذَا ﴾ .

(١٧) التسبيح: تنزيه الله -تعالى- من كلِّ سُوء والتنزيه: التبعيد.

فقولهم: (سبحانك)؛ أي: تنزيهًا لك يا ربنا ..

أي: نَزَّهناك.

انظر: "الزاهر" 1/ 144، و"مقاييس اللغة" 3/ 125 (سبح)، و"اللسان" 4/ 1914 (سبح).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واختلاف اليل والنهار ﴾ ذكر في البقرة ﴿ قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ ﴾ أي يذكرون الله على كل حال؛ فكأن هذه الهيآت حصر لحال بني آدم، وقيل: إن ذلك في الصلاة: يصلون قياماً فإن لم يستطيعوا صلوا قعوداً، فإن لم يستطيعوا صلوا على جنوبهم ﴿ رَبَّنَآ ﴾ أي يقولون: ربنا ما خلقت هذا لغير فائدة بل خلقته وخلقت البشر، لينظروا فيه فيعرفونك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الأبرار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء.

والكسائي والنجاري عن ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وكذلك كل ما تكرر فيه الراء غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن.

﴿ وقتلوا وقاتلوا ﴾ حمزة وعلي وخلف، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ وقتلوا ﴾ مشدداً.

الباقون: ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ مخففاً.

﴿ لا يغرنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس.

الباقون بالتشديد ﴿ نزلاً ﴾ حيث كان بالاختلاس عباس.

الوقوف: ﴿ الألباب ﴾ ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفاً نصباً أو رفعاً على المدح بتقدير أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر.

﴿ والأرض ﴾ ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا.

﴿ باطلاً ﴾ ج للابتداء بسبحانك تعظيماًَ وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب.

﴿ النار ﴾ ه ﴿ أخزيته ﴾ ط ﴿ أنصار ﴾ ه ﴿ فآمنا ﴾ قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ معطوف على ﴿ آمنا ﴾ أي إذا آمنا فاغفر.

﴿ الأبرار ﴾ ه ج للآية وللعطف.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ج لاتحاد الكلام وإلا فبعضكم مبتدأ ﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ز لأن ﴿ ثواباً ﴾ مفعول له أو مصدر.

﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ للأبرار ﴾ ه ﴿ لله ﴾ لا لأن ما بعده حال آخر ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض / الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء، عن ابن عمر "قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله  .

فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب.

أتاني في ليلتي فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟

فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقوية، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه فقد بلت الأرض.

فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟

ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .

وعن علي "أن النبي  كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ " واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل، وههنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيهاً على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاخلع نعليك  ﴾ يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية.

وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر.

وإنما قال في تلك السورة ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ لآيات لأولي الألباب ﴾ لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلاً وفي كمال الحال يكون لباً.

وباقي التفسير قد مرهناك.

ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن.

فقوله: ﴿ الذين يذكرون الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان.

وقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان.

والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال  : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " وقيل: المراد بالذكر ههنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد.

وهذا موافق لمذهب الشافعي في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثاً طبياً، وهو أن الاستلقاء يمنع من استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب.

والصلاة إذا كانت عن فكر وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر فذاك وضع الغافلين.

وقال أبو حنيفة: بل يصلي مستلقياً إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ إشارة إلى عمل الجنان.

وقد عرفت معنى الفكر في البحث الخامس من تفسير قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وإنما لم يقل و "يتفكرون في الله" كما قال: ﴿ يذكرون الله ﴾ لقوله  : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" " والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه.

فالفكر في المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه متنج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره  محال لأن تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أوّلاً أن لها رباً وصانعاً فيقول: ﴿ ربنا ﴾ .

ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم إذا قاس أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته  منزه عن مشابهة شيء من هذه المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة فيقول: ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بلك من مناسبة الجواهر والأعراض.

ثم إذا بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ ، ثم ذكر سبب الاستعاذة من النار بقوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ أي أبلغت في إخزائه نظيره قوله: ﴿ فقد فاز  ﴾ وفي كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك.

ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد  وذلك قوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ الآية.

فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات والآيات على وجه / " "ألقى في روعي " والله أعلم بأسرار كلامه.

عن النبي  : " "بينما رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " وعنه  : " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض" قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض.

وعنه  : " "لا عبادة كالتفكر" وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض بتأويل المخلوق.

وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضراً في خزانة الخيال.

و ﴿ باطلاً ﴾ نصب على المصدر أي خلقاً باطلاً أو على الحال، وقيل.

بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل.

قالت المعتزلة: فيه دليل على أن كل ما يفعله الله  فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية.

وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ جملة معترضة تنزيهاً له من العبث وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

فوجه النظم في قوله: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار جزاء من عصى ولم يطع.

وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله  ، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.

والباطل في اللغة الذاهب الزائل.

الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال.

والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: ﴿ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً  ﴾ ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع بهما.

ثم لما وصف ذاته  بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه  خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي.

قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص.

وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى / العادة لا على سبيل الحقيقة.

والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله  مستتبعة لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره.

ثم إنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: ﴿ سبحانك ﴾ على الطلب ليكون أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله  عباده في حسن الطلب.

قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة.

عن الزجاج: أخزى الله العدوّ أي أبعده.

وقيل: أهانه.

وقيل: فضحه.

وقيل: أهلكه.

وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن وهو مع النبي  مخزي أن لا يكون غيره وهو مؤمن مخزي.

وأيضاً الآية ليست على عمومها لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا  ﴾ فثبت أن كل من دخل النار فإنه ليس بمخزي.

وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا النار للخلود.

وأيضاً إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج.

وقوله: ﴿ يوم لا يخزي  ﴾ نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهي نفي الخزي المخلد.

ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي.

واحتجت المرجئة بالآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ ولقوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي  ﴾ والمدخل في النار مخزي بهذه الآية.

والمقدمات بأسرها يدخلها المنع.

أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبله مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئيه الموضوع كما تقرر آنفاً.

وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني.

وقد يتمسك المعتزلة بقوله: ﴿ وما للظالمين ﴾ أي الداخلين في النار ﴿ من أنصار ﴾ أي في نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ في [البقرة:254] وأيضاً لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤول معنى الآية إلى أن الأمر يومئذٍ لله.

وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم هذه الحجة بخلاف الفساق.

وأيضاً أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية.

قالوا: الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصراً له.

وعورض بالآيات الدالة على العفو ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ﴾ تقول: سمعت رجلاً يتكلم بكذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالاً عنه.

والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله  ﴿ ادع إلى سبيل ربك  ﴾ ﴿ أدعوا إلى الله  ﴾ ﴿ وداعياً إلى الله  ﴾ وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: ﴿ إن هذا القرآن يهدي  ﴾ كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم ﴿ تدعو من أدبر وتولى  ﴾ والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة تصاريفه قال: يا واضع الميت في قبره *** خاطبك الدهر فلم تسمع ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل من اللام و"إلى" مقام الأخرى نظراً إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معاً.

وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا.

وقيل: معناه لأجل الإيمان.

ولهذا الغرض فسر بقوله: ﴿ أن آمنوا ﴾ و"أن" مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن آمنوا والفائدة في الجمع بين المنادي وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذٍ أوقع في النفس وأعز.

﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ أصل الغفر والتكفير كلاهما الستر والتعطية.

وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء.

وقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

وقيل: الأوّل أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف.

وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، والثاني ما أتى به مع الجهل بكونه ذنباً ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة أي مساوٍ له في ذلك الاعتقاد.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في ﴿ فاغفر ﴾ بعد قولهم: ﴿ آمنا ﴾ ثم إنه  أجابهم إلى ذلك بقوله: ﴿ فاستجاب لهم ﴾ ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي  لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى.

﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا / على رسلك ﴾ أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول، وعقيب قوله: ﴿ آمنا ﴾ وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد الله الجنة على الطاعة.

ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل.

وقيل: على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب.

وقيل: النصر على الأعداء.

وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سميا العبودية.

أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا عما بها نكون أهلاً لإخزانك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء.

أو المراد احفظ علينا أسباب إنجاز الميعاد.

وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق.

ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا الأدعية بقولهم ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ لأن التخجيل والتفضيح يكدّر صفو كل منٍّ وعطاء.

والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: ﴿ ربنا ﴾ ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم لا تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملاً بها فقالوا: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو النار فتضرعوا إلى معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء.

عن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد لأن الله  حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات "ربنا" ثم قال: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ أي أجابهم ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي "من" ذكر للتبيين لأن العامل إما ذكر وإما أنثى وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله.

أو المراد بعضكم كأنه من البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي.

قال  : " "من غشنا فليس منا " وقيل: المراد وصلة الإسلام.

وهذه جملة معترضة بيّن بها شركة النساء مع / الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل.

روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.

ثم فصل عمل العامل منهم تفخيماً لشأن العمل وتنويهاً بذكره فقال: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ أوطانهم مع الرسول  أو بعده باختيارهم ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ ألجأهم الكفار إلى الخروج ﴿ وأوذوا في سبيلي ﴾ يريد طريق الدين ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم.

وقيل: أي قطعوا.

ومن قرأ ﴿ قتلوا وقاتلوا ﴾ فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: قاتلوا حتى قتلوا.

وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل وإذا قتل قومه وعشيرته.

وإما بإضمار "قد" أي قتلوا وقد قاتلوا ﴿ لأكفرنّ ﴾ جواب للقسم المقدر ﴿ عنهم سيئاتهم ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ ﴿ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ ﴿ ثوباً من عند الله ﴾ وهو الذي طلبوه من الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ أي ثوباً يختص به وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه.يقول الرجل: عندي ما تريد أنا مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته.

و ﴿ ثواباً ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي إثابة أو تثويباً من عنده لأن قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ ﴿ ولأدخلنهم ﴾ في معنى لأثيبنهم.

وقال الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال.

وقال الفراء: نصب على التفسير كقولك: هو لك هبة أوبيعاً أو صدقة.

ثم ختم بقوله: ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات.

وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة تكاليفه دليل على أن حكمة الله  اقتصت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأساً.

عن الحسن: أخبر الله  أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ثم إنه  لما وعد المؤمنين الثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: ﴿ لا يغرنك ﴾ والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول والمراد الأمة.

قال قتادة: والله ما غرّوا نبي الله حتى قبضه الله وله.

والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه.

قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت.

وقيل: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت.

والمراد بتقلبهم / تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح ﴿ متاع قليل ﴾ في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين.

والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال ﴿ لكن الذين اتقوا ﴾ الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي.

والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاَ فلا بد من شيء آخر يكون اصلاً بالنسبة إليها، قلت: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وما عند الله باق  ﴾ إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة.

وقيل: المعنى وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وانتصاب ﴿ نزلاً ﴾ على الحال من ﴿ جنات ﴾ لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، أو نصب على التفسير كما قلنا في ﴿ ثواباً ﴾ .

ثم إنه  لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ وهذا قول مجاهد.

وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى  فأسلموا.

وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: "نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله  في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله  للأصحاب: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم.

قالوا: ومن هو؟

قال: النجاشي: فخرج رسول الله  إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: استغفروا له.

فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية" .

واللام في ﴿ لمن يؤمن ﴾ لام الابتداء الذي يدخل على خبر "إن" أو على اسمه عند الفصل كما في الآية.

والمراد ﴿ بما أنزل إليكم ﴾ القرآن ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ الكتابان و ﴿ خاشعين لله ﴾ حال من فاعل يؤمن لأن "من" في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ﴿ لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ﴾ كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله: ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات.

أو المراد سرعة موعد حسابه / فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر.

ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها.

الثاني ما يتعلق بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو بالسنان.

ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام بالصبر والمصابرة من قهر القوى النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من الربط الشدّ.

فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه.

ثم لا بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتداً بها، فلهذا أمر بتقوى الله.

ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على كنوز الحكم والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا.

ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما تقدم في هذه السورة من الأصول.

وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد.

ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد.

وعن الحسن ﴿ اصبروا ﴾ على دينكم فلا تتركوه بسبب الفقر والجوع ﴿ وصابروا ﴾ عدوّكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم أحد.وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا أصبر منكم.

وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله  في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها.

ولما كثر ترغيب الله  في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة مع الأعداء.

أما البرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في الثغور ويربط أولئك أيضاً خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر قال  : ﴿ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم  ﴾ وعن النبي  : " من رابط يوماَ وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "لم يكن في زمن رسول الله  غزو يرابط فيه، ولكن انظار الصلاة خلق الصلاة" .

وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم.

التأويل: / إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب.الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً.

وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلاً أي خلقته إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق.

سبحانك تنزيهاً للحق عن الشبه بالخلق، ﴿ فقنا ﴾ باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ففيها كل الخزى والندامة والغواية والضلالة.

ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا ﴾ من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا.

فاغفر لنا بفضلك ورحمتك.

﴿ لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ بالظاهر والباطن ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ على قدر همتكم ورجوليتكم ﴿ فالذين هاجروا ﴾ عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ من معاملات الطبيعة وديارها إلى عالم الحقيقة بسطوات تجلي صفات الربوبية ﴿ وأوذا في ﴾ طلبي بأنواع البلاء ﴿ وقاتلوا ﴾ مع النفس ﴿ وقتلوا ﴾ بسيف الصدق ﴿ لأكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم ﴿ ولأدخلنهم جنات ﴾ الوصول فيها أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوّة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أنهار العناية ﴿ ثواباً ﴾ من مقام العندية ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لايكون عند الجنة وغيرها ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، و ﴿ يؤمن بما أنزل إليكم ﴾ من الواردات والإلهامات والكشوف ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ من الخواطر الرحمانية ﴿ خاشعين لله ﴾ كما قال  : "إذا تجلى الله لشيء خضع له" ﴿ لا يشترون ﴾ بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم ﴿ اصبروا ﴾ على جهاد النفس بالرياضات ﴿ وصابروا ﴾ في مراقبة القلب عند الابتلاءات ﴿ ورابطوا ﴾ الأرواح للوصل بالله ﴿ واتقوا الله ﴾ في الالتفات إلى ما سواه ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ فتفوزوا بالبقاء بالله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ : في الآية وجوه.

أحدها: أنه خلق السماوات والأرض للبشر ولمنافعهم، لا أنه خلقهما لأنفسهما: لا منفعة لهما بخلقه إياهما؛ حتى يكون خلقه لأنفسهما؛ إذ خلق الشيء لا لمنفعة أحد أو للفناء خاصة - عَبَثٌ، فإذا كان ما ذكرنا أنه لا منفعة لهما في خلقهما - دل أنه إنما خلقهما لمنافع البشر، وسخرهما لهم، ثم جعل منافع السماء مع بُعْدِها من الأرض متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع هذا إلا بمنافع الآخر؛ فيصيرهما كالمتصلين؛ لاتصال المنافع مع بعد ما بينهما؛ فدل هذا أن الذي أنشأهما واحد.

وكذلك: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ : هما مختلفان: أحدهما ظلام والآخر نور، يُفْنِيان الأعمار ويقربان الآجال، وليس بينهما في رأي العين تشابُهٌ ولا تشاكل؛ إذ أحدهما نور والآخر ظلام، وهما متضادان، لكن خلقهما لمنافع البشر، والمقصود بخلقهم بنو آدم لا أنفسُهُم، على ما ذكرنا أنْ لا منفعة لهم في خلقهم، ثم صيَّرهما مع اختلافهما وتضادهما كالشكلين؛ لاتصال منافع بعضها ببعض؛ دل أن منشئهما واحد، وأنه عليم حكيم؛ حيث جمع من المتضادين المختلفين وصيَّرهما كالشكلين؛ وهما لعلم وحكمة وتدبير صارا كذلك.

وفهيما دلالة البعث؛ لأنهما يَفنيان حتى لا يبقى من الليل أثر حتى يجيء النهار، فيذهب النهار أيضا حتى لا يبقى من النهار أثر، فيجيء آخر، لا يزالان كذلك، فإذا كان قادراً على خلق الليل وإنشائه من غير أثر بقي من النهار؛ وكذلك قادر على إنشاء النهار من غير أن بقي من الليل أثر ظلام - لقادر على أن ينشئ الخلق ثانياً ويحييهم، وإن فَنُوا وهلكوا ولم يبق منهم أثر؛ فإذا كان ما ذكرنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما لمنافع البشر، وهو المقصود من خلقهما لا غيرهم من الخلائق؛ لما ركب فيهم من العقول والبصر الذي بهما يميزون بين المنافع والمضار، وبين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، ولم يركب ذلك في غيرهم من الخلائق - لابدَّ من أمر ونهي: يأمر بأشياء، وينهى عن أشياء؛ يمتحنهم على ذلك؛ إذ هم أهل التمييز والفهم والبصر؛ فإذا كان ما ذكرنا، لا بد - أيضاً - من دار أخرى للجزاء، يُكْرَمُ المطيع له فيها والولي، و يُعَاقَبُ العدو فيها والعاصي، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ﴾ : يحتمل هذا لما جعل الله -  - على العبد في كل حالٍ نعمةً ليست تلك في غيرها من الأحوال، نحو: أن جعل القيام نعمة في قضاء حوائجه وتقلبه في تلك الحال، وجعل القعود راحة له عند الإعياء، وكذلك الأضطجاع؛ فاستأداهم بالشكر له في كل نعمة على حال من تلك الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا.

ويحتمل: أن يكون -  - أمرهم أن يذكروه في كل حال: في حال الرخاء والشدة، وفي الضراء والسراء، لا في حال دون حال، على ما يفعله بعض خلقه: يذكرونه في حال الشدَّة والضراء، ولا يذكرونه في حال الرخاء واليسر، ويذكرونه في حال الرخاء واليسر، ولا يذكرونه في حال الشدة والبلاء، فمدح المؤمنين أنهم يذكرونه في كل حال، لا على ما يفعله أهل الشرك [على إرادة نفس القيام]، ونفس القعود والاضطجاع؛ ولكن على كل حال وفي كل وقت، والله أعلم.

وقيل: إنه جاء في رخصة صلاة المريض: يصلِّي قائماً إن استطاع، وإلا فقاعداً إن لم يستطع، وإلا فمضطجعاً، وكذلك روي عن ابن مسعود -  - أنه قال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ إذ في خلقهما دليل وحدانيته، وشهادة ربوبيته.

﴿ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴾ : أي: عبثاً، ولكنَّ خَلْقَهُمْ دَلِيلٌ على وحدانيتك، وشاهد على ربوبيتك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ : هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ : قيل: أَذْلَلْتَهُ وفضحتَهُ وأهنتَه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ : أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم أعوان يعينونهم في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على حقيقة السمع أن سمعنوا منادياً يدعوهم إلى الإيمان، وهو رسول الله  أو القرآن، كلاهما يدعوان الخلق إلى الإيمان بالله.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ، أي: عقلنا، وعَقْلُ كُلِّ أحد يدعو إلى التوحيد والإيمان به.

وقيل: سمعوا دعوة الله فأجابوها، وصبروا عليها.

وعن ابن عباس -  -: المنادى: محمد  ، ثم قرأ: ﴿ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ...

﴾ الآية [الأنعام: 19].

وعن غيره: المنادى هو القرآن، ويدعوهم ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ .

[وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ فيه دلالة أن الإيمان ليس هو جميع الطاعات، على ما يقول بعض الناس؛ ولكنه فرد تصديق؛ لأنه لما قال لهم: آمنوا بربكم لم يطلبوا التفسير، ولا قالوا: كم أشياء تكون؟!، ولكن أجابوه إجابة موجزة، فقالوا: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ ].

ثم فيه دلالة أن لا ثُنَيَّا في الإيمان؛ لأنهم أطلقوا القول في الإخبار عن إيمانهم من غير ذكر حرف الثنيا؛ دلَّ أن الإيمان مما لا يحتمل الثنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ : قيل: قولهم: ﴿ فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ : التي كانت فيما مضى من عمرنا، ﴿ وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ ، أي: اعصمنا فيما بقى من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبدَ التكفيرُ لما أساء.

وقيل: المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك التكفير؛ ولذلك سُمِّى الحراثون: كفاراً؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر سمى كافراً؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم الله عليه بتوجيه الشكر إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ ، أي: توفنا واجعلنا مع الأبرار.

ويحتمل: وتوفنا من الأبرار وفي الأبرار.

ثم اختلف في البَرِّ: قيل: هو الذي لا يؤذي أحداً، وقيل: الأبرار: الأخيار.

ويحتمل: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنَّا أبرارٌ.

والبر: الطاعة، والتقوى: ترك المعصية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ : قيل فيه وجهين: قيل: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، على إضمار "ألسن" كقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً  ﴾ وقيل: ﴿ مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، أي: ما جعلت عليهم من الاستغفار للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، وكقوله إبراهيم -  -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ  ﴾ ، وكقول نوح -  -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

ثم بيننا وبين المعتزلة كلام في الآية: قالت المعتزلة: يجوز الدعاء والسؤال عنه بما قد أعطى، وما عليه أن يعطي نحو ما ذكر من السؤال بما وعد، وما وعد لا شك أنه يعطي، وأنه لا يخلف المعياد، ونحو قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ وهو لا يحكم بالجور.

وأما عندنا: أن السؤال عما عليه أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا تَجُرْ ولا تَظْلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال، والله أعلم.

ثم تأويل الآية عندنا على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، يحتمل أن يكون الوعد منه لرسله باستغفار الرسل، إذا كان من المؤمنين استغفار وسؤال؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ...

﴾ الآية [النساء: 64]: وعد لهم المغفرة لهم باستغفار الرسول؛ إذا كان منهم استغفار وسؤال، يقول: اجعل دعائي دعاء من جاء إلى النبي  مستغفراً فاستغفر له، وكقوله - أيضاً -: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً  ﴾ .

والثاني: يحتمل أن يكون الوعد: لهم إذا ماتوا على ذلك، فالدعاء كان منهم، والسؤال: أنه إذا أماتهم يميتهم على الإيمان، على ما كانوا أحياء، والمغفرة والرحمة حينئذ تكون لهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ  ﴾ فله كذا، ولم يقل: من عمل بها فله كذا، ولكن ذكر مجيئه بها، فعلى ذلك الأوَّل، والله أعلم.

ثم يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم.

وفيما ذكر من تأويل الآية في الابتداء كفاية من ذلك، والله أعلم.

والثالث: يدعو؛ ليجعلهم من الجملة الذين كان لهم الوعد؛ إذ الوعد غير مُبَيَّنٍ لمن هو؛ فسألوا أن يجعلهم في تلك الجملة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهم الذين يذكرون الله على كل <div class="verse-tafsir" id="91.rzNd6"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنها جاءت بعد أفاعيل أهل الكتاب وغيرهم مع المؤمنين، فهي تدل على أن أولئك المجادلين لو كانوا يتفكرون في خلق السماوات والأرض لكفوا من غرورهم ولعلموا أنه يليق بحكمته تعالى أن يرسل إلى الناس رسولًا من أنفسهم، ولكنه جعل الآية مطلقة موجهة إلى أولي الألباب ليطلق النظر لكل عاقل.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ السماوات ما علاك مما تراه فوقك، والأرض ما تعيش عليه، والخلق التقدير والترتيب لا الإيجاد من العدم كما اصطلح عليه في علم الكلام فذلك لا يتضمن معنى النظام والإتقان وهو ما هي عليه الواقع ونفس الأمر، وبعد ما ذكر خلق السماوات والأرض لفت العقول إلى أمر مما يكون في الأرض وهو اختلاف الليل والنهار، فإن هذا الاختلاف قائم بنظام في طول الليل والنهار وقصرهما وتعاقبهما وهذا أمر عظيم سواء كان سببه ما كانوا يعتقدون من أنه حادث من حركة الشمس، أو ما يعتقدون الآن من أن سببه حركة الأرض تحت الشمس ومن الحكم في ذلك ما نراه في أجسامنا وعقولنا من تأثير حرارة الشمس ورطوبة الليل وكذا في تربية الحيوانات والنبات وغير ذلك، ولو كان الليل سرمدًا والنهار سرمدًا لفاتت.

وهذه الآيات تظهر لكل أحد على قدر علمه وفهمه وجودة فكره، فأما علماء الهيئة فإنهم يعرفون من نظامها ما يدهش العقل، وأما سائر الناس فحسبهم هذه المناظر البديعية والأجرام الرفيعة وما فيها من الحسن والروعة، وخص أولي الألباب بالذكر مع أن كل الناس أولي ألباب لأن من اللب ما لا فائدة فيه كلب الجوز ونحوه إذا كان عفنا، وكذا تفسد ألباب بعض الناس وتعفن فهي لا تهتدي إلى الاستفادة من آيات الله في خلق السماوات والأرض وغيرهما، وإنما سمي العقل لبًا لأن؛ اللب هو محل الحياة من الشيء وخاصته وفائدته، وإنما حياة الإنسان الخاصة به هي حياته العقلية، وكل عقل متمكن من الاستفادة من النظر في هذه الآيات والاستدلال بها على قدرة الله وحكمته ولكن بعضهم لا ينظر ولا يتفكر وإنما العقل الذي ينظر ويستفيد ويهتدي هو الذي وصف أصحابه بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ  ﴾ والذكر في الآية على عمومه لا يخص بالصلاة والمراد بالذكر ذكر القلوب وهو إحضار الله تعالى في النفس وتذكر حكمه وفضله ونعمه في حال القيام والقعود والاضطجاع، وهذه الحالات الثلاث التي لا يخلو العبد عنها تكون فيها السماوات والأرض معه لا يتفارقان.

والآيات الإلهية لا تظهر من السماوات والأرض إلا لأهل الذكر فكأين من عالم يقضي ليله في رصد الكواكب فيعرف منها ما لا يعرف الناس، ويعرف من نظامها وسننها وشرائعها ما لا يعرف الناس، وهو يتلذذ بذلك العلم ولكنه مع هذا لا تظهر له هذه الآيات لأنه منصرف عنها بالكلية.

ثم إن ذكر الله تعالى لا يكفي في الاهتداء إلى الآيات ولكن يشترط مع الذكر التفكير فيها فلابد من الجمع بين الذكر والفكر، فقد يذكر المؤمن بالله ربه ولا يتفكر في بديع صنعه وأسرار خليقته، وبذلك قال: ﴿ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار  ﴾ أي مع التفكير في خالقهما، أما الذين يشتغلون بعلم ما في السماوات والأرض وهم غافلون عن خالقهما، ذاهلون عن ذكره يمتعون عقولهم بلذة العلم ولكن أرواحهم تبقى محرومة من لذة الذكر ومعرفة الله  ، فمثلهم كمثل من يطبخ طعامًا شهيًا يغذي جسده ولكنه لا يرقى به عقله.

هذا حكاية لقول هؤلاء الذين يجمعون بين تفكرهم وذكر الله  ويستنبطون من اقترانهما الدلائل على حكمه الله وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان التي تربط الإنسان بربه حق الربط، وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم، فطي هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع وفيه تعلم المؤمنين كيف يخاطبون الله تعالى عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه، كأنه يقول هذا هو شأن المؤمن الذاكر المتفكر يتوجه إلى الله في هذه الأحوال، بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال، وكون هذا ضربًا من ضروب التعليم والارشاد، لا يمنع أن بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكروا ثم قالوا هذا أو ما يؤدي معناه فذكر الله حالهم وابتهالهم، ولم يذكر قصتهم وأسماءهم، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم، وأسوة في سيرتهم، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم، إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم.

أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلًا فمعناه أن هذا الإبداع في الخلق والاتقان للصنع لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفنانية فقط، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصنع، كلما ازداد تفكيرًا ازداد علمًا، حتى إنه لا حد يُعْرف لفهمه وعلمه ولا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلًا ثم يذهب سدى، ويتلاشى فيكون باطلًا، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله، ولهذا وصل الثناء بهذا الدعاء، ومعناه جنبنا السيئات، ووفقنا للأعمال الصالحات، حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن.

ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر مع الذكر إلى بقاء العالم واستمراره لأن نظامه البديع لا يمكن أن يجعله العليم الحكيم باطلًا، وبعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار في الحياة الثانية، يتوجهون إليه قائلين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ أي إنهم ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي العظيم الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالأسرار والحكم والدلائل على قدرته وعزته فيعلمون أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر عليه، وأن من عاداه فلا ملجأ ولا منجا له منه إلا إليه، فيقرون بأن من أدخله ناره فقد أخزاه أي أذله وأهانه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ  ﴾ وصف من يدخلون النار بالظالمين تشنيعًا لأعمالهم وبيانًا لعلة دخولهم وهو جورهم وميلهم عن طريق الحق، فالظالم هنا هو الذي يتنكب الطريق المستقيم لا الكافر خاصة كما قال المفسرين فإن هذا التخصيص لا حاجة إليه، ولا دليل عليه، وإنما سببه ولوع الماس بإخراج أنفسهم من كل وعيد يذكر في كتابهم، وحمله بالتأويل والتحريف على غيرهم، كذلك فعل السابقون، واتبع سننهم اللاحقون، فكل ظالم يؤخذ بظلمه، ويعاقب على قدره، ولا يجد له نصيرًا يحميه من أثر ذنبه.

ثم إنهم بعد التعبير عما أثمره الفكر والذكر من معرفة الله تعالى وخشيته ودعائه عبروا عما أفادهم السمع من وصول دعوة الرسول إليهم واستجابتهم له وما يترتب على ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا  ﴾ المنادي للإيمان هو الرسول، وذكره بوصف المنادي تفخيمًا لشأن هذا النداء، وذكر استجابتهم بالعطف بالفاء لبيان أنهم بعد الذكر والفكر والوصول منها إلى تلك النتيجة الحميدة لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الانبياء كما تلبث قوم واستكبر آخرون، بل بادروا وسارعوا إليه لأنهم إنما يدعونهم إلى ما اهتدوا إليه مع زيادة صالحة تزيدهم معرفة بالله تعالى وبصيرة في عالم الغيب والحياة الآخرة اللتين دلهم الدليل على ثبوتها دلالة مجملة مبهمة، والأنبياء يزيدونها ويوحيه الله إليهم بيانًا وتفصيلًا.

وعلى هذا التفسير يكون المراد بالآيات بيان أنه كان في كل أمة أولو ألباب هذا شأنهم مع أنبيائهم ويصح أن يكون المراد بالمنادي نبينا  خاصة.

وسماع النداء يشمل من سمع منه مباشرة في عصره ومن وصلت إليه دعوته بعده ويتحمل أن يكون قولهم فآمنا مرادًا به إيمان جديد غير الإيمان الذي استفادوه من التفكر والذكر وهو الإيمان التفصيلي الذي أشرنا إليه آنفًا، ويحتمل أن يكون سمعوا دعوة الرسول أولًا وآمنوا به ثم نظروا وذكروا وتفكروا فاهتدوا إلى ما اهتدوا إليه من الدلائل التي تدعم إيمانهم فذكروا النتيجة، ثم اعترفوا بالوسيلة، ولا ينافي ذلك تاخير هذه عن تلك في العبارة كما هو ظاهر.

﴿ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا  ﴾ تفيد الفاء في قوله ﴿ فَاغْفِرْ  ﴾ اتصال هذا الدعاء بما قبله وكون الإيمان سببًا له، والمراد بالإيمان الإذعان للرسل في النفس والعمل، لا دعوى الإيمان باللسان مع خلو القلب من الاذعان الباعث على العمل، ولأجل هذا اسشعروا الخوف من الهفوات والسيئات فطلبوا المغفرة والتفكير.

وقال بعض المفسرين إن المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر.

وعندي أن الذنوب هي التقصير في عبادة الله تعالى وكل معاملة بين العبد وربه، والسيئات هي التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم بعضًا، فالذنب معناه الخطيئة، وأما السيئة فهي ما يسوء فاشتقاقها من الإساءة يشعر بما قلناه، وغفر الذنوب عبارة عن سترها وعدم العقوبة عليها البتة، وتكفير السيئات عبارة عن حطها وإسقاطها فكل من الطلبين مناسب لما ذكرنا من المعنيين ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ  ﴾ أي أمتنا على حالتهم وطريقتهم، يقال: أنا مع فلان أي على رأيه وسيرته ومذهبه في عمله، والأبرار هم المحسنون في أعمالهم.

﴿ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ  ﴾ ، على رسلك معناه لأجل رسلك، أي لأجل اتباعهم والإيمان بهم.

فالكاف للتعليل، واستشكل البعض هذا السؤال منهم مع إيمانهم بأن الله لا يخلف الميعاد، والمختار عندي في الجواب عنه أن هؤلاء قوم هداهم النظر والفكر إلى معرفة الله تعالى واستشعار عظمته وسلطانه، وإلى ضعف أنفسهم عن القيام بما يجب من شكره، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه، فطلبوا المغفرة والتفكير والعناية الإلهية التي تبلغهم ما وعد الله من استجابوا للرسل ونصروهم وأحسنوا اتباعهم.

﴿ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ أي لا تذلنا.

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى  ﴾ استجاب دعاءهم لصدقهم في الإيمان والذكر والفكر والتقديس والتنزيه، والوصول إلى معرفة الحياة الآخرة، وصدق الرسل وإيمانهم بهم وشعورهم بعد ذلك كله بأنهم ضعفاء مقصرون في الشكر محتاجون مغفرته لهم وفضله عليهم وإحسانه بهم بإيتائهم ما وعدهم، ولكن هذه الاستجابة لم تكن بعين ما طلبوا كما طلبوا ولذلك صورها وبيّن كيفيتها، وهذا التصوير لحكمة عالية وهي أن الاستجابة ليست إلا توفية كل عامل جزاء عمله لينبههم بذكر العمل والعامل، إلى أن العبرة في الظن بالنجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب إنما هي بإحسان العمل والإخلاص فيه، فإن الإنسان قد تغشه نفسه فيظن أنه محسن وليس بمحسن وأنه مخلص وما هو بمخلص، وأن حوله وقوته قد فنيا في حول الله وقوته وأنه لا يريد إلا وجهه تعالى في كل حركة وسكون، ويكون في الواقع ونفس الأمر مغرورًا مرائيًا.

وذكر أن الذكر والأنثى متساويان عند الله تعالى في الجزاء متى تساويا في العمل حتى لا يغتر الرجل بقوته ورياسته على المرأة فيظن أنه أقرب إلى الله منها، ولا تسيء المرأة الظن بنفسها فتتوهم أن جعل الرجل رئيسًا عليها يقتضي أن يكون أرفع منزلة عند الله تعالى منها، وقد بيّن تعالى علة هذه المساواة بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ فالرجل مولود من المرأة والمرأة مولودة من الرجل فلا فرق بينهما في البشرية، ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال، أي وما تترتب عليه الأعمال ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق.

لم يكتف بربط الجزاء بالعمل حتى يبين أن العمل الذي يستحقون به ما طلبوا من تكفير السيئات ودخول الجنة فقال: ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ ذكر الإخراج من الديار بعد الهجرة من باب التفصيل بعد الإجمال، فالهجرة إنما كانت وتكون بالإخراج من الديار، وتستتبع ما ذكر في قوله: ﴿ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا  ﴾ من الإيذاء والقتال، وقرئ وقتلوا بتشديد التاء للمبالغة فمن لم يحتمل القتل بل والتقتيل في سبيل الله تعالى ويبذل محجته لله  فلا يطمعن بهذه المثوبة المؤكدة في قوله: ﴿ لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  ﴾ ومثل هذه الآية الآيات الكثيرة الواردة في صفحات المؤمنين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَالْعَصْرِ  ﴾ إلخ السورة وغير ذلك.

هكذا يذكر الله تعالى صفات المؤمنين لينبهنا إلى أن نرجع إلى أنفسنا ونمتحنها بهذه الأعمال والصفات، فإن رأيناها تحتمل الإيذاء في سبيل الله حتى القتل فلنبشرها بالصدق منها، والرضوان منه تعالى، وإلا فعلينا أن نسعى لتحصيل هذه المرتبة التي لا ينجي عنده غيرها.

وإنما كلف الله المؤمنين الصادقين الموقنين المخلصين هذا التكليف الشاق لأن قيام الحق مرتبط به وإنما سعادتهم -من حيث هم مؤمنون- بقيام الحق وتأييده، والحق في كل زمان ومكان محتاج إلى أهله لينصروه على أهل الباطل الذين يقاومونه.

والحق والباطل يتصارعان دائمًا ولكل منهما حزب ينصره فيجب على أنصار الحق أن لا يفشلوا ولا ينهزموا، بل عليهم أن يثبتوا ويصبروا، حتى تكون كلمته العليا، وكلمة الباطل هي السفلى.

وانظر إلى حال المؤمنين اليوم تجدهم يتعللون بأن هذه الآيات نزلت في أناس مخصوصين كأنهم يترقبون أن يستجيب الله لهم ويعطيهم ما وعد المؤمنين من غير أن يقوموا بعمل مما أمر به المؤمنين، ولا أن يتصفوا بوصف مما وصفهم به من حيث هم مؤمنون وما علق عليه وعده بمثوبتهم، بل وإن اتصفوا بضده وهو ما توعد عليه بالعذاب الشديد، وهذا منتهى الغرور.

﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ  ﴾ إن هذا تأكيد لما قبله من كون الثواب من عند الله ليبين أن هذا الجزاء بمحض الفضل والكرم الإلهي وأنه يقع بإرادته واختياره تعالى وإن كان جزاء على عمل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد