الآية ١٩٢ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٩٢ من سورة آل عمران

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ ١٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 135 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٢ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قالوا : ( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) أي : أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع ( وما للظالمين من أنصار ) أي : يوم القيامة لا مجير لهم منك ، ولا محيد لهم عما أردت بهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار من عبادك فتخلده فيها، فقد أخزيته.

قال: ولا يخزي مؤمن مصيرُه إلى الجنة، وإن عذِّب بالنار بعض العذاب.

* ذكر من قال ذلك: 8356 - حدثني أبو حفص الجبيري ومحمد بن بشار قالا أخبرنا المؤمل، أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس في قوله: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته "، قال: من تُخلد.

(33) 8357 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته "، قال: هي خاصة لمن لا يخرج منها.

8358 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو النعمان عارم قال، حدثنا حماد بن زيد قال، حدثنا قبيصة بن مروان، عن الأشعث الحمْليّ قال، قلت للحسن: يا أبا سعيد، أرأيت ما تذكر من الشفاعة، حق هو؟

قال: نعم حق.

قال، قلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله تعالى: " ربنا إنك من تدخل النار فقد &; 7-478 &; أخزيته " و يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا (34) [سورة المائدة: 37]؟

قال فقال لي: إنك والله لا تسطو على بشيء، (35) إنّ للنار أهلا لا يخرجون منها، كما قال الله.

قال قلت: يا أبا سعيد، فيمن دخلوا ثم خرجوا؟

قال: كانوا أصابوا ذنوبًا في الدنيا فأخذهم الله بها، فأدخلهم بها ثم أخرجهم، بما يعلم في قلوبهم من الإيمان والتصديق به.

(36) 8359 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إنك من تدخل النار فقد أخزيته "، قال: هو من يخلد فيها.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ربنا إنك من تدخل النار، من مخلد فيها وغير مخلد فيها، فقد أخزي بالعذاب.

* ذكر من قال ذلك: 8360 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا الحارث بن مسلم، عن بحر، عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا جابر بن عبدالله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت: " ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته "؟

قال: وما أخزاه حين أحرقه بالنار!

وإن دون ذلك لخزيًا.

(37) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب عندي، قول جابر: " إن من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها، وإن أخرج منها ".

وذلك أن " الخزي" إنما هو هتك ستر المخزيّ وفضيحته، (38) ومن عاقبه ربه في الآخرة على ذنوبه، فقد فضحه بعقابه إياه، وذلك هو " الخزي".

* * * وأما قوله: " وما للظالمين من أنصار "، يقول: وما لمن خالف أمر الله فعصاه، من ذي نُصرة له ينصره من الله، فيدفع عنه عقابه، أو ينقذه من عذابه.

------------------------- الهوامش: (33) الأثر: 8356 -"أبو حفص الجبيري" ، لم أجده ، والذي يروى عنه أبو جعفر هو عمرو بن علي الفلاس ، "أبو حفص الصيرفي" ، وهو في المخطوطة"الحبرى" غير منقوطة ، ولا أدري أيقرأ"الجبيري" أو "الخيبري" ، ولم أجد هذه النسبة في ترجمة"عمرو بن علي الفلاس" ، .

وعمرو بن علي الفلاس يروي عن مؤمل بن إسماعيل كما مضى في مواضع كثيرة منها رقم: 1885 ، 1891 ، 1898 ، وغيرها كثير.

(34) في المطبوعة والمخطوطة ، أسقط"الواو" بين الآيتين ، والصواب إثباتها كما يدل عليه سياق سؤاله ، وجواب الحسن له.

(35) في المطبوعة: "إنك والله لا تستطيع على شيء" ، وهو كلام لا خير فيه ، والصواب ما أثبته من المخطوطة ، غيره الناشرون إذ لم يفهموه.

وقوله: "لا تسطو علي بشيء" ، أي: إنك لا تحتج علي بحجة تقهرني بها وتغلبني.

وأصله من"السطو" ، وهو البطش والقهر.

و"فلان يسطو على فلان" ، أي يتطاول عليه.

(36) الأثر: 8358 -"قبيصة بن مروان بن المهلب" روى عن والان ، وروى عنه حماد بن زيد.

مترجم في الكبير 4 / 1 / 177 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 125.

والأشعث الحملي" منسوب إلى جده ، وهو: "الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني الأعمى" ويقال: "الأزدي" ، و"حدان" بطن من الأزد.

روى عن أنس ، والحسن ، وابن سيرين.

وروى عنه شعبة ، وحماد بن سلمة ، ويحيى بن سعيد القطان ، مترجم في التهذيب.

(37) الأثر: 8360 -"الحارث بن مسلم الرازي" مضى برقم: 8097 ، و"بحر السقاء" ، هو"بحر بن كنيز الباهلي السقاء" مضى أيضًا برقم: 8097 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "الحارث بن مسلم ، عن يحيى بن عمرو بن دينار" ، وهو خطأ صرف.

وهذا الأثر قد أخرجه الحاكم في المستدرك 2: 300 ، ولم يقل فيه شيئًا ، وقال الذهبي في تعليقه: "قلت: بحر هالك" ، ورواه بأتم مما هنا ، بيد أن السيوطي في الدر المنثور 2: 111 ، خرجه ، ونسبه للحاكم وابن جرير ، وساق لفظ الأثر بأتم من لفظ أبي جعفر ، ومخالفًا لفظ الحاكم ، ولفظه: "قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة ، فانتهت إليه أنا وعطاء ، فقلت: "وما هم بخارجين من النار"؟

قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار.

قلت لجابر: فقوله: إنك من تدخل النار فقد أخزيته..." ، وسائر لفظه مطابق لما في الطبري.

وفي المخطوطة: "حين أحروه بالنار" ، والصواب ما في المطبوعة ، موافقًا لفظ الحاكم والسيوطي.

وفي المخطوطة والمطبوعة: "وما إخزاؤه" وهو لا يستقيم ، والصواب ما في الدر المنثور.

وقوله: "ما أخزاه" تعجب.

والذي في الحاكم"قد أخزاه حين أحرقه بالنار".

فهما روايتان تصحح إحداهما معنى الأخرى.

ويدل على صواب ذلك ترجيح الطبري لقول جابر في الفقرة التالية.

(38) انظر تفسير"الخزي" فيما سلف 2: 314 ، 525.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أذللته وأهنته .وقال المفضل أي أهلكته ; وأنشد : أخزى الإله من الصليب عبيده واللابسين قلانس الرهبان وقيل : فضحته وأبعدته ; يقال : أخزاه الله : أبعده ومقته .والاسم الخزي .قال ابن السكيت : خزي يخزى خزيا إذا وقع في بلية .وقد تمسك بهذه الآية أصحاب الوعيد وقالوا : من أدخل النار ينبغي ألا يكون مؤمنا ; لقوله تعالى : " فقد أخزيته " فإن الله يقول : " يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه " [ التحريم : 8 ] .وما قالوه مردود ; لقيام الأدلة على أن من ارتكب كبيرة لا يزول عنه اسم الإيمان , كما تقدم ويأتي .والمراد من قوله : " من تدخل النار " من تخلد في النار ; قاله أنس بن مالك .وقال قتادة : تدخل مقلوب تخلد , ولا نقول كما قال أهل حروراء .وقال سعيد بن المسيب : الآية خاصة في قوم لا يخرجون من النار ; ولهذا قال وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ أي الكفار .وقال أهل المعاني , : الخزي يحتمل أن يكون بمعنى الحياء ; يقال : خزي يخزى خزاية إذا استحيا , فهو خزيان .قال ذو الرمة : خزاية أدركته عند جولته من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب فخزي المؤمنين يومئذ استحياؤهم في دخول النار من سائر أهل الأديان إلى أن يخرجوا منها .والخزي للكافرين هو إهلاكهم فيها من غير موت ; والمؤمنون يموتون , فافترقوا .كذا ثبت في صحيح السنة من حديث أبي سعيد الخدري , أخرجه مسلم , وقد تقدم ويأتي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم وصف أولي الألباب بأنهم { يذكرون الله } في جميع أحوالهم: { قياما وقعودا وعلى جنوبهم } وهذا يشمل جميع أنواع الذكر بالقول والقلب، ويدخل في ذلك الصلاة قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب، وأنهم { يتفكرون في خلق السماوات والأرض } أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودل هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء الله العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن الله لم يخلقها عبثا، فيقولون: { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق.

{ فقنا عذاب النار } بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار.

ويتضمن ذلك سؤال الجنة، لأنهم إذا وقاهم الله عذاب النار حصلت لهم الجنة، ولكن لما قام الخوف بقلوبهم، دعوا الله بأهم الأمور عندهم، { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } أي: لحصوله على السخط من الله، ومن ملائكته، وأوليائه، ووقوع الفضيحة التي لا نجاة منها، ولا منقذ منها، ولهذا قال: { وما للظالمين من أنصار } ينقذونهم من عذابه، وفيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) أي : أهنته ، وقيل : أهلكته ، وقيل : فضحته ، لقوله تعالى : ( ولا تخزون في ضيفي ) ( هود - 78 ) فإن قيل : قد قال الله تعالى : " يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه " ( التحريم - 8 ) ومن أهل الإيمان من يدخل النار وقد قال : ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) قيل : قال أنس وقتادة معناه : إنك من تخلد في النار فقد أخزيته وقال سعيد بن المسيب هذه خاصة لمن لا يخرج منها فقد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله يدخل قوما النار ثم يخرجون منها " .

( وما للظالمين من أنصار ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ربَّنا إنك من تدخل النار» للخلود فيها «فقد أخزيته» أهنته «وما للظالمين» الكافرين، فيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بتخصيص الخزي بهم «من» زائدة «أنصار» يمنعونهم من عذاب الله تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا ربنا نجِّنا من النار، فإنك -يا ألله- مَن تُدخِلْه النار بذنوبه فقد فضحته وأهنته، وما للمذنبين الظالمين لأنفسهم من أحد يدفع عنهم عقاب الله يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - حكاية عنهم { رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } فى مقام التعليل لضراعتهم بأن يبعدهم عن النار .أى : أبعدنا يا ربنا عن عذاب النار ، فإن من تدخله النار تكون قد أخزيته أى أهنته وفضحته على رءوس الأشهاد .والخزى : مصدر خزى يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس .

وفى هذا التعليل مبالغة فى تعظيم أمر العقاب بالنار ، وإلحاح فى طلب النجاة منها ، لأن من سأل ربه حاجة ، إذا شرح عظمها وقوتها ، كان رجاؤه فى القبول أشد ، وإخلاصه أتم ، وعوده بالعطاء أقوى .وقوله { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } أى ليس لهم ناصر ينصرهم من عقاب الله - تعالى - أو يخلصهم مما وقعوا فيه من بلاء .و " من " للدلالة على استغراق النفى ، أى لا ناصر لهم ايا كان هذا الناصر ، وفى ذلك إشارة إلى انفراد الله - تعالى - بالسلطان ونفاذ الإرادة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الإلهية والقدرة والحكمة وهو ما يتصل بتقرير الربوبية ذكر بعدها ما يتصل بالعبودية، وأصناف العبودية ثلاثة أقسام: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، فقوله تعالى: ﴿ يَذْكُرُونَ الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان، وقوله: ﴿ قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ ﴾ إشارة الى عبودية الجوارح والأعضاء، وقوله: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ إشارة الى عبودية القلب والفكر والروح، والانسان ليس إلى هذا المجموع، فإذا كان اللسان مستغرقا في الذكر، والأركان في الشكر، والجنان في الفكر، كان هذا العبد مستغرقا بجميع أجزائه في العبودية، فالآية الأولى دالة على كمال الربوبية، وهذه الآية دالة على كمال العبودية، فما أحسن هذا الترتيب في جذب الأرواح من الخلق الى الحق، وفي نقل الأسرار من جانب عالم الغرور الى جناب الملك الغفور، ونقول في الآية مسائل: المسألة الأولى: للمفسرين في هذه الآية قولان: الأول: أن يكون المراد منه كون الإنسان دائم الذكر لربه، فإن الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة، ثم لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلا على كونهم مواظبين على الذكر غير فاترين عنه ألبتة.

والقول الثاني: أن المراد من الذكر الصلاة، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام، فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاضطجاع، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال، والحمل على الأول أولى لأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر، وقال عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله».

المسألة الثانية: يحتمل أن يكون المراد بهذا الذكر هو الذكر باللسان، وأن يكون المراد منه الذكر بالقلب، والأكمل أن يكون المراد الجمع بين الأمرين.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: إذا صلى المريض مضطجعاً وجب أن يصلي على جنبه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: بل يصلى مستلقياً حتى إذا وجد خفة قعد، وحجة الشافعي رضي الله عنه ظاهر هذه الآية، وهو أنه تعالى مدح من ذكره على حال الاضطجاع على الجنب، فكان هذا الوضع أولى.

واعلم أن فيه دقيقة طبية وهو أنه ثبت في المباحث الطبية أن كون الإنسان مستلقياً على قفاه يمنع من استكمال الفكر والتدبر، وأما كونه مضطجعاً على الجنب فإنه غير مانع منه، وهذا المقام يراد فيه التدبر والتفكر، ولأن الاضطجاع على الجنب يمنع من النوم المغرق، فكان هذا الوضع أولى، لكونه أقرب إلى اليقظة، وإلى الاشتغال بالذكر.

المسألة الرابعة: محل ﴿ على جُنُوبُهُمْ ﴾ نصب على الحال عطفاً على ما قبله، كأنه قيل: قياماً وقعوداً ومضطجعين.

واعلم أنه تعالى لما وصفهم بالذكر وثبت أن الذكر لا يكمل إلا مع الفكر، لا جرم قال بعده: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى رغب في ذكر الله، ولما آل الأمر إلى الفكر لم يرغب في الفكر في الله، بل رغب في الفكر في أحوال السموات والأرض، وعلى وفق هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام: «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق».

والسبب في ذلك أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة، إنما يمكن وقوعه على نعت المخالفة، فاذن نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبكميتها وكيفيتها وشكلها على براءة خالقها عن الكمية والكيفية والشكل، وقوله عليه الصلاة والسلام: «من عرف نفسه عرف ربه».

معناه من عرف نفسه بالحدوث عرف ربه بالقدم، ومن عرف نفسه بالامكان عرف ربه بالوجوب، ومن عرف نفسه بالحاجة عرف ربه بالاستغناء، فكان التفكر في الخلق ممكنا من هذا الوجه، أما التفكر في الخالق فهو غير ممكن ألبتة، فإذن لا يتصور حقيقته إلا بالسلوب فنقول: إنه ليس بجوهر ولا عرض، ولا مركب ولا مؤلف، ولا في الجهة، ولا شك أن حقيقته المخصوصة مغايرة لهذه السلوب، وتلك الحقيقة المخصوصة لا سبيل للعقل إلى معرفتها فيصير العقل كالواله المدهوش المتحير في هذا الموقف فلهذا السبب نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في الله، وأمر بالتفكر في المخلوقات، فلهذه الدقيقة أمر الله في هذه الآيات بذكره، ولما ذكر الفكر لم يأمر بالتفكر فيه، بل أمر بالفكر في مخلوقاته.

المسألة الثانية: اعلم أن الشيء الذي لا يمكن معرفته بحقيقته المخصوصة إنما يمكن معرفته بآثاره وأفعاله، فكلما كانت أفعاله أشرف وأعلى كان وقوف العقل على كمال ذلك الفاعل أكمل، ولذلك ان العامي يعظم اعتقاده في القرآن ولكنه يكون اعتقادا تقليديا إجمالياً، أما المفسر المحقق الذي لا يزال يطلع في كل آية على أسرار عجيبة، ودقائق لطيفة، فإنه يكون اعتقاده في عظمة القرآن أكمل.

إذا عرفت هذا فنقول: دلائل التوحيد محصورة في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم كما قال تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس  ﴾ ولما كان الأمر كذلك لا جرم أمر في هذه الآية بالفكر في خلق السموات والأرض لأن دلالتها أعجب وشواهدها أعظم، وكيف لا نقول ذلك ولو أن الإنسان نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة، رأى في تلك الورقة عرقا واحداً ممتدا في وسطها، ثم يتشعب من ذلك العرق عروق كثيرة إلى الجانبين، ثم يتشعب منها عروق دقيقة.

ولا يزال يتشعب من كل عرق عروق أخر حتى تصير في الدقة بحيث لا يراها البصر، وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخلقة حكما بالغة وأسراراً عجيبة، وأن الله تعالى أودع فيها قوى جاذبة لغذائها من قعر الأرض ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العروق حتى يتوزع على كل جزء من أجزاء تلك الورقة جزء من أجزاء ذلك الغذاء بتقدير العزيز العليم، ولو أراد الإنسان أن يعرف كيفية خلقة تلك الورقة وكيفية التدبير في إيجادها وإيداع القوى الغاذية والنامية فيها لعجز عنه، فإذا عرف أن عقله قاصر عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة، فحينئذ يقيس تلك الورقة إلى السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما فيها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أن تلك الورقة بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعدم، فإذا عرف قصور عقله عن معرفة ذلك الشيء الحقير عرف أنه لا سبيل له ألبتة إلى الاطلاع على عجائب حكمة الله في خلق السموات والأرض، وإذا عرف بهذا البرهان النير قصور عقله وفهمه عن الإحاطة بهذا المقام لم يبق معه إلا الاعتراف بأن الخالق أجل وأعظم من أن يحيط به وصف الواصفين ومعارف العارفين، بل يسلم أن كل ما خلقه ففيه حكم بالغة وأسرار عظيمة وإن كان لا سبيل له إلى معرفتها، فعند هذا يقول: سبحانك!

والمراد منه اشتغاله بالتسبيح والتهليل والتحميد والتعظيم، ثم عند ذلك يشتغل بالدعاء فيقول: فقنا عذاب النار.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء وقال: أشهد أن لك ربا وخالقا، اللهم اغفر لي فنظر الله اليه فغفر له» وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عبادة كالتفكر» وقيل: الفكرة تذهب الغفلة وتجذب للقلب الخشية كما ينبت الماء الزرع.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له كل يوم مثل عمل أهل الأرض» قالوا: وكان ذلك العمل هو التفكر في معرفة الله، لأن أحدا لا يقدر أن يعمل بجوارحه مثل عمل أهل الأرض.

المسألة الثالثة: دلت الآية على أن أعلى مراتب الصديقين التفكر في دلائل الذات والصفات وأن التقليد أمر باطل لا عبرة به ولا التفات إليه.

واعلم أنه تعالى حكى عن هؤلاء العباد الصالحين المواظبين على الذكر والفكر أنهم ذكروا خمسة أنواع من الدعاء.

النوع الأول: قوله: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا سبحانك فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية إضمار وفيه وجهان، قال الواحدي رحمه الله: التقدير: يقولون ربنا ما خلقت هذا باطلا، وقال صاحب الكشاف: أنه في محال الحال بمعنى يتفكرون قائلين.

المسألة الثانية: هذا: في قوله: ﴿ مَا خَلَقْتَ هَذا ﴾ كناية عن المخلوق، يعني ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا، وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كقوله: ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ  ﴾ .

المسألة الثالثة: في نصب قوله: ﴿ باطلا ﴾ وجوه: الأول: أنه نعت لمصدر محذوف أي خلقا باطلا.

الثاني: أنه بنزع الخافض تقديره: بالباطل أو للباطل.

الثالث: قال صاحب الكشاف: يجوز أن يكون باطلا حالا من هذا.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن كل ما يفعله الله تعالى فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبيد ولأجل الحكمة، والمراد منها رعاية مصالح العباد، واحتجوا عليه بهذه الآية لأنه تعالى لو لم يخلق السموات والأرض لغرض لكان قد خلقها باطلا، وذلك ضد هذه الآية قالوا: وظهر بهذه الآية أن الذي تقوله المجبرة: إن الله تعالى أراد بخلق السموات والأرض صدور الظلم والباطل من أكثر عباده وليكفروا بخالقها، وذلك رد لهذه الآية، قالوا: وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه له عن خلقه لهما باطلا، وعن كل قبيح، وذكر الواحدي كلاما يصلح أن يكون جوابا عن هذه الشبهة فقال: الباطل عبارة عن الزائل الذاهب الذي لا يكون له قوة ولا صلابة ولا بقاء، وخلق السموات والأرض خلق متقن محكم، ألا ترى إلى قوله: ﴿ مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً  ﴾ فكان المراد من قوله: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا ﴾ هذا المعنى، لا ما ذكره المعتزلة.

فإن قيل: هذا الوجه مدفوع بوجوه: الأول: لو كان المراد بالباطل الرخو المتلاشي لكان قوله: ﴿ سبحانك ﴾ تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق، ومعلوم أن ذلك باطل.

الثاني: أنه إنما يحسن وصل قوله: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ به إذا حملناه على المعنى الذي ذكرناه لأن التقدير: ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة، وهي أن تجعلها مساكن للمكلفين الذين اشتغلوا بطاعتك وتحرزوا عن معصيتك، فقنا عذاب النار، لأنه جزاء من عصى ولم يطع، فثبت أنا إذا فسرنا قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ هَذا باطلا ﴾ بما ذكرنا حسن هذا النظم، أما إذا فسرناه بأنك خلقته محكما شديد التركيب لم يحسن هذا النظم.

الثالث: أنه تعالى ذكر هذا في آية أخرى فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَٰعِبِينَ  مَا خَلَقْنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً  ﴾ إلى قوله: ﴿ فتعالى الله الملك الحق  ﴾ أي فتعالى الملك الحق عن أن يكون فعله عبثا، وإذا امتنع أن يكون عبثا فبأن يمتنع كونه باطلا أولى.

والجواب: اعلم أن بديهة العقل شاهدة بأن الموجود إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، وشاهده أن كل ممكن لذاته فإنه لابد وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته، وليس في هذه القضية تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد، بل هذه القضية على عمومها قضية يشهد العقل بصحتها، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشر بقضاء الله.

وإذا كان كذلك امتنع يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال الله تعالى بالمصالح، إذا عرفت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحدي: قوله: ولو كان كذلك لكان قوله: ﴿ سبحانك ﴾ تنزيها له عن فعل ما لا شدة فيه ولا صلابة وذلك باطل.

قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد: ربنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التركيب بل خلقته صلبا محكما، وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ معناه أنك وإن خلقت السموات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزه عن الاحتياج إليه والانتفاع به فيكون قوله: ﴿ سبحانك ﴾ معناه هذا.

قوله ثانيا: إنما حسن وصل قوله: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ به إذا فسرناه بقولنا، قلنا لا نسلم بل وجه النظم أنه لما قال: ﴿ سبحانك ﴾ اعترف بكونه غنياً عن كل ما سواه، فعندما وصفه بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ وهذا الوجه في حسن النظم إن لم يكن أحسن مما ذكرتم لم يكن أقل منه، وأما سائر الآيات التي ذكرتموها فهي دالة على أن أفعاله منزهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا، ونحن نقول بموجبه، وإن أفعال الله كلها حكمة وصواب، لأنه تعالى لا يتصرف إلا في ملكه وملكه، فكان حكمه صوابا على الاطلاق فهذا ما في هذه المناظرة والله أعلم.

المسألة الخامسة: احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أنه سبحانه خلق هذه الافلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركاتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع سكان هذه البقعة الارضية، قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، وذلك رد للآية.

قالوا: وليس لقائل أن يقول الفائدة فيها الاستدلال بها على وجود الصانع المختار، وذلك لأن كل واحد من كرات الهواء والماء يشارك الافلاك والكواكب في هذا المعنى، فحينئذ لا يبقى لخصوص كونه فلكا وشمسا وقمرا فائدة، فيكون باطلا وهو خلاف هذا النص.

أجاب المتكلمون عنه: بأن قالوا: لم لا يكفي في هذا المعنى كونها أسباباً على مجرى العادة لا على سبيل الحقيقة.

أما قوله تعالى: ﴿ سبحانك ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا إقرار بعجز العقول عن الاحاطة بآثار حكمة الله في خلق السموات والأرض، يعني: أن الخلق إذا تفكروا في هذه الأجسام العظيمة لم يعرفوا منها إلا هذا القدر، وهو أن خالقها ما خلقها باطلا، بل خلقها لحكم عجيبة، وأسرار عظيمة، وإن كانت العقول قاصرة عن معرفتها.

المسألة الثانية: المقصود منه تعليم الله عباده كيفية الدعاء، وذلك أن من أراد الدعاء فلابد وأن يقدم الثناء ثم يذكر بعده الدعاء كما في هذه الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما حكى عن هؤلاء العباد المخلصين أن ألسنتهم مستغرقة بذكر الله تعالى، وأبدانهم في طاعة الله، وقلوبهم في التفكر في دلائل عظمة الله، ذكر أنهم مع هذه الطاعات يطلبون من الله أن يقيهم عذاب النار، ولولا أنه يحسن من الله تعذيبهم وإلا لكان هذا الدعاء عبثاً، فإن كان المعتزلة ظنوا أن أول الآية حجة لهم، فليعلموا أن آخر هذه الآية حجة لنا في أنه لا يقبح من الله شيء أصلا، ومثل هذا التضرع ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم في قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين  ﴾ .

النوع الثاني من دعواتهم: قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا للظالمين مِنْ أنصار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي، ليكون موقع السؤال أعظم، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئاً أو أن لا يفعله، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد، والدعاء لا يتصل بالاجابة إلا إذا كان مقروناً بالإخلاص، فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء.

المسألة الثانية: قال الواحدي: الاخزاء في اللغة يرد على معان يقرب بعضها من بعض.

قال الزجاج: أخزى الله العدو، أي أبعده وقال غيره: أخزاه الله أي أهانه، وقال شمر بن حمدويه أخزاه الله أي فضحه الله، وفي القرآن ﴿ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِى  ﴾ وقال المفضل: أخزاه الله أي أهلكه وقال ابن الانباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء، وكل هذه الوجوه متقاربة.

ثم قال صاحب الكشاف: ﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ أي قد أبلغت في إخزائه وهو نظير ما يقال: من سبق فلاناً فقد سبق، ومن تعلم من فلان فقد تعلم.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة هذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن، وذلك لأن صاحب الكبيرة اذا دخل النار فقد أخزاه الله لدلالة هذه الآية، والمؤمن لا يخزى لقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ﴾ فوجب من مجموع هاتين الآيتين أن لا يكون صاحب الكبيرة مؤمنا.

والجواب: أن قوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ لا يقتضي نفي الاخزاء مطلقا، وإنما يقتضي أن لا يحصل الاخزاء حال ما يكون مع النبي، وهذا النفي لا يناقضه إثبات الاخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الاثبات في وقت آخر، هذا هو الذي صح عندي في الجواب، وذكر الواحدي في البسيط أجوبة ثلاثة سوى ما ذكرناه: أحدها: أنه نقل عن سعيد بن المسيب والثوري وقتادة أن قوله: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ مخصوص بمن يدخل النار للخلود، وهذا الجواب عندي ضعيف، لأن مذهب المعتزلة أن كل فاسق دخل النار فإنما دخلها للخلود، فهذا لا يكون سؤالا عنهم.

ثانيها: قال: المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها، وهذا ضعيف أيضا لأن موضع الاستدلال أن قوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ يدل على نفي الخزي عن المؤمنين على الاطلاق، وهذه الآية دلت على حصول الخزي لكل من دخل النار، فحصل بحكم هاتين الآيتين بين كونه مؤمنا وبين كونه كافرا ممن يدخل النار منافاة.

وثالثها: قال: الاخزاء يحتمل وجهين: أحدهما: الاهانة والاهلاك، والثاني: التخجيل، يقال: خزي خزاية اذا استحيا، وأخزاه غيره اذا عمل به عملا يخجله ويستحيى منه.

واعلم أن حاصل هذا الجواب: أن لفظ الاخزاء لفظ مشترك بين التخجيل وبين الاهلاك، واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي والاثبات على معنييه جميعا، واذا كان كذلك جاز أن يكون المنفى بقوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ﴾ غير المثبت في قوله: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ وعلى هذا يسقط الاستدلال، إلا أن هذا الجواب إنما يتمشى اذا كان لفظ الاخزاء مشتركا بين هذين المفهومين، أما اذا كان لفظا متواطئا مفيدا لمعنى واحد، وكان المعنيان اللذان ذكرهما الواحدي نوعين تحت جنس واحد، سقط هذا الجواب لأن قوله: ﴿ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ﴾ لنفي الجنس وقوله: ﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ لاثبات النوع، وحينئذ يحصل بينهما منافاة.

المسألة الرابعة: احتجت المرجئة بهذه الآية في القطع على أن صاحب الكبيرة لا يخزي وكل من دخل النار فإنه يخزى، فيلزم القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار، إنما قلنا صاحب الكبيرة لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن، والمؤمن لا يخزى.

إنما قلنا إنه مؤمن لقوله تعالى: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِئ إلى أَمْرِ  ﴾ سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً، والبغي من الكبائر بالاجماع، وأيضا قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ سمي القاتل بالعمد العدوان مؤمناً، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ ولقوله: ﴿ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ  ﴾ وهذه الاستجابة تدل على أنه تعالى لا يخزي المؤمنين، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يخزى بالنار، وإنما قلنا إن كل من دخل النار فإنه يخزى لقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار.

والجواب عنه ما تقدم: أن قوله: ﴿ يَوْم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ لا يدل على نفي الاخزاء مطلقاً، بل يدل على نفي الاخزاء حال كونهم مع النبي، وذلك لا ينافي حصول الاخزاء في وقت آخر.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ عام دخله الخصوص في مواضع منها: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا  ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا  ﴾ يدل على أن كل المؤمنين يدخلون النار، وأهل الثواب يصانون عن الخزي.

وثانيها: أن الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار، وهم أيضا يصانون عن الخزي.

قال تعالى: ﴿ عَلَيْهَا ملائكة غِلاَظٌ شِدَادٌ  ﴾ .

المسألة السادسة: احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أشد وأقوى من العذاب الجسماني، قالوا: لأن الآية دالة على التهديد بعد عذاب النار بالخزي، والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني، فلولا أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة.

المسألة السابعة: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا النار لا يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين، وقالوا: الخزي هو الهلاك، فقوله: ﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ معناه فقد أهلكته، ولو كانوا يخرجون من النار الى الجنة لما صح أن كل من دخل النار فقد هلك.

والجواب: أنا لا نفسر الخزي بالاهلاك بل نفسره بالاهانة والتخجيل، وعند هذا يزول كلامكم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق، وذلك لأن الشفاعة نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب من وجوه: الأول: أن القرآن دل على أن الظالم بالاطلاق هو الكافر، قال تعالى: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون  ﴾ ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم خصصوا أنفسهم بنفي الشفعاء والأنصار حيث قالوا: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ  ﴾ .

وثانيها: أن الشفيع لا يمكنه أن يشفع إلا بإذن الله، قال تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ  ﴾ وإذا كان كذلك لم يكن الشفيع قادراً على النصرة إلا بعد الإذن، وإذا حصل الإذن لم يكن في شفاعته فائدة في الحقيقة، وعند ذلك يظهر أن العفو إنما حصل من الله تعالى، وتلك الشفاعة ما كان لها تأثير في نفس الأمر، وليس الحكم إلا لله، فقوله: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ يفيد أنه لا حكم إلا الله كما قال: ﴿ أَلاَ لَهُ الحكم  ﴾ وقال: ﴿ والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ لا يقال: فعلى هذا التقدير لا يبقى لتخصيص الظالمين بهذا الحكم فائدة، لأنا نقول: بل فيه فائدة لأنه وعد المؤمنين المتقين في الدنيا بالفوز بالثواب والنجاة من العقاب، فلهم يوم القيامة هذه الحجة.

اما الفساق فليس لهم ذلك، فصح تخصيصهم بنفي الأنصار على الإطلاق.

الثالث: أن هذه الآية عامة وواردة بثبوت الشفاعة خاصة والخاص مقدم على العام، والله أعلم.

المسألة الثانية: المعتزلة تمسكوا في أن الفاسق لا يخرج من النار، قالوا: لو خرج من النار لكان من أخرجه منها ناصرا له، والآية دالة على أنه لا ناصر له ألبتة.

والجواب: المعارضة بالآيات الدالة على العفو كما ذكرناه في سورة البقرة.

النوع الثالث: من دعواتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ فقد أبلغت في إخزائه.

وهو نظير قوله (فقد فاز).

ونحوه في كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك، ومن سبق فلاناً فقد سبق ﴿ وَمَا للظالمين ﴾ اللام إشارة إلى من يدخل النار وإعلام بأنّ من يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة ولا غيرها.

تقول: سمعت رجلاً يقول كذا، وسمعت زيداً يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع، لأنك وصفته بما يسمع أو جعلته حالاً عنه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد، وأن يقال سمعت كلام فلان أو قوله.

فإن قلت: فأيّ فائدة في الجمع بين المنادي وينادي؟

قلت: ذكر النداء مطلقاً ثم مقيداً بالإيمان تفخيما لشأن المنادي؛ لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان.

ونحوه قولك: مررت بهاد يهدي للإسلام.

وذلك أنّ المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب، أو لإطفاء النائرة، أو لإغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع، وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ويهدي لسداد الرأي وغير ذلك؛ فإذا قلت: ينادي للإيمان ويهدي للإسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته.

ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وندبه له وإليه، وناداه له وإليه.

ونحوه: هداه للطريق وإليه، وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً، والمنادي هو الرسول ﴿ ادعوا إِلَى الله ﴾ [يوسف: 108] ، و ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ ﴾ [النحل: 125] .

وعن محمد بن كعب: القرآن.

﴿ أَنْ ءَامِنُواْ ﴾ أي آمنوا، أو بأن آمنوا ﴿ ذُنُوبَنَا ﴾ كبائرنا ﴿ سيئاتنا ﴾ صغائرنا ﴿ مَعَ الابرار ﴾ مخصوصين بصحبتهم، معدودين في جملتهم.

والأبرار: جمع برّ أو بارّ، كرب وأرباب، وصاحب وأصحاب ﴿ على رُسُلِكَ ﴾ على هذه صلة للوعد، كما في قولك: وعد الله الجنة على الطاعة.

والمعنى: ما وعدتنا على تصديق رسلك.

ألا تراه كيف أتبع ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول وقوله آمنا وهو التصديق ويجوزأن يكون متعلقاً بمحذوف، أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك، لأن الرسل محملون ذلك ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ ﴾ [النور: 54] وقيل: على ألسنة رسلك.

والموعود هو الثواب.

وقيل: النصرة على الأعداء.

فإن قلت: كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد الله لا يخلف الميعاد؟

قلت: معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد أو هو باب من اللجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يستغفرون مع علمهم أنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم والتضرع إليه، واللجأ الذي هو سيما العبودية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ غايَةَ الإخْزاءِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ مَرْعى الضَّمانِ فَقَدْ أدْرَكَ، والمُرادُ بِهِ تَهْوِيلُ المُسْتَعاذِ مِنهُ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وطَلَبِهِمُ الوِقايَةَ مِنهُ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أفْظَعُ.

﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ أرادَ بِهِمُ المُدْخَلِينَ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ظُلْمَهم سَبَبٌ لِإدْخالِهِمُ النّارَ وانْقِطاعِ النُّصْرَةِ عَنْهم في الخَلاصِ مِنها، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ النُّصْرَةِ نَفْيُ الشَّفاعَةِ لِأنَّ النَّصْرَ دَفْعٌ بِقَهْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أهنته أو أهلكته أو فضحته واحتج أهل الوعيد بالآية مع قوله يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبى والذين آمنوا معه في أن من يدخل النار لا يكون مؤمناً ويخلد قلنا قال جابر إخزاء المؤمن تأديبه وإن فوق ذلك لخزياً {وَمَا للظالمين} اللام إشارة إلى من يدخل النار والمراد الكفار {مِنْ أَنصَارٍ} من أعوان وشفعاء يشفعون لهم كما للمؤمنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ مُبالَغَةٌ في اسْتِدْعاءِ الوِقايَةِ مِنَ النّارِ، وبَيانٌ لِسَبَبِهِ، وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِالنِّداءِ مُبالَغَةً في التَّضَرُّعِ إلى مُعَوِّدِ الإحْسانِ كَما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الرَّبِّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأكْبَرُ رَبِّ رَبِّ، والتَّأْكِيدُ بِأنَّ الإظْهارَ كَمالُ اليَقِينِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ والإيذانِ بِشِدَّةِ الخَوْفِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّهْوِيلِ، وذُكِرَ الإدْخالُ في مَوارِدِ العَذابِ لِتَعْيِينِ كَيْفِيَّتِهِ وتَبْيِينِ غايَةِ فَظاعَتِهِ والإخْزاءِ - كَما قالَ الواحِدِيُّ - جاءَ لِمَعانٍ مُتَقارِبَةٍ، فَعَنِ الزَّجّاجِ يُقالُ: أخْزى اللَّهُ تَعالى العَدُوَّ أيْ أبْعَدَهُ، وقِيلَ: أهانَهُ وقِيلَ: فَضَحَهُ وقِيلَ: أهْلَكَهُ، ونُقِلَ هَذا عَنِ المُفَضَّلِ، وقِيلَ: أحَلَّهُ مَحَلًّا وأوْقَفَهُ مَوْقِفًا يَسْتَحِي مِنهُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الخِزْيُ في اللُّغَةِ الهَلاكُ بِتَلَفٍ أوْ بِانْقِطاعِ حُجَّةٍ أوْ بِوُقُوعٍ في بَلاءٍ، والمُرادُ فَقَدْ أخْزَيْتُهُ خِزْيًا لا غايَةَ وراءَهُ، ومِنَ القَواعِدِ المُقَرِّرَةِ أنَّهُ إذا جُعِلَ الجَزاءُ أمْرًا ظاهِرَ اللُّزُومِ لِلشَّرْطِ سَواءٌ كانَ اللُّزُومُ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ كَما في قَوْلِهِمْ: مَن أدْرَكَ مَرْعى الصُّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ، أوْ بِالِاسْتِلْزامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ يُحْمَلُ عَلى أعْظَمِ أفْرادِهِ وأخَصِّها لِتَرْبِيَةِ الفائِدَةِ، ولِهَذا قُيِّدَ الخِزْيُ بِما قُيِّدَ، واحْتَجَّ حُكَماءُ الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أقْوى مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ وذَلِكَ لِأنَّهُ رُتِّبَ فِيها العَذابُ الرُّوحانِيُّ وهو الإخْزاءُ بِناءً عَلى أنَّهُ الإهانَةُ والتَّخْجِيلُ عَلى الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو إدْخالُ النّارِ وجُعِلَ الثّانِي شَرْطًا والأوَّلُ جَزاءً، والمُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ الجَزاءُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَهُ، فَيُشْعِرُ بِأنَّهُ أقْوى وأفْظَعُ وإلّا لَعُكِسَ، كَما قالَ الإمامُ الرّازِيُّ - وأيْضًا المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وقِنا عَذاب النّارِ ) طَلَبُ الوِقايَةِ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: رَبَّنا إلَخْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ طَلَبَ الوِقايَةَ مِنَ المَذْكُورِ لِتَرَتُّبِ الخِزْيِ عَلَيْهِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ غايَةٌ يُخافُ مِنهُ - كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - واحْتَجَّ بِها المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ لِأنَّهُ إذا أدْخَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ أخْزاهُ، والمُؤْمِنُ لا يُخْزى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن أنْ لا يَكُونَ مَن آمَنَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُخْزِيًا أنْ لا يَكُونَ غَيْرُهُ وهو مُؤْمِنٌ كَذَلِكَ، وأيْضًا الآيَةُ لَيْسَتْ عامَّةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾ ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ فَتُحْمَلُ عَلى مَن أُدْخِلَ النّارَ لِلْخُلُودِ وهُمُ الكُفّارُ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

وأيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ مَن يَدْخُلُها مُخْزًى حالَ دُخُولِهِ وإنْ كانَتْ عاقِبَةُ أهْلِ الكَبائِرِ مِنهُمُ الخُرُوجَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي ﴾ إلَخْ، نَفْيُ الخِزْيِ فِيهِ عَلى الإطْلاقِ، والمُطْلَقُ يَكْفِي في صِدْقِهِ صُورَةٌ واحِدَةٌ وهو نَفْيُ الخِزْيِ المُخَلَّدِ، وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الإخْزاءُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّخْجِيلِ والإهْلاكِ، والمُثْبَتُ هو الأوَّلُ والمَنفِيُّ هو الثّانِي، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ التَّنافِي، واحْتَجَّتِ المُرْجِئَةُ بِها عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَدْخُلُ النّارَ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:: ﴿ وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ والمُؤْمِنُ لا يُخْزى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ ﴾ إلَخْ، والمُدْخَلُ في النّارِ مُخْزًى لِهَذِهِ الآيَةِ، وأُجِيبَ بِمَنعِ المُقَدِّماتِ بِأسْرِها، أمّا الأُولى فَبِاحْتِمالِ أنْ لا يُسَمّى بَعْدَ القَتْلِ مُؤْمِنًا، وإنْ كانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا، وأمّا الأُخْرَيانِ فَبِخُصُوصِ المَحْمُولِ وجُزْئِيَّةِ المَوْضُوعِ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا.

﴿ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ (192) أيْ لَيْسَ لِكُلٍّ مِنهم ناصِرٌ يَنْصُرُهُ ويُخَلِّصُهُ مِمّا هو فِيهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلُ لِإظْهارِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِدْعاءِ، ووَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُدْخَلِينَ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِتَعْلِيلِ دُخُولِهِمُ النّارَ بِظُلْمِهِمْ، وتَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِنَفْيِ الأنْصارِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِسائِرِ المُدْخَلِينَ، وأُجِيبَ بِأنَّ الظّالِمَ عَلى الإطْلاقِ هو الكافِرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ وقِيلَ: نَفِيُ النّاصِرِ لا يَمْنَعُ نَفْيَ الشَّفِيعِ لِأنَّ النَّصْرَ دَفْعٌ بِقُوَّةٍ، والشَّفاعَةُ تَخْلِيصٌ بِخُضُوعٍ وتَضَرُّعٍ ولَهُ وجْهٌ، والقَوْلُ: بِأنَّ العُرْفَ لا يُساعِدُهُ غَيْرُ مُتَّجِهٍ.

وقالَ في الكَشْفِ: الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَن دَخَلَ النّارَ لا ناصِرَ لَهُ مِن دُخُولِها، أمّا إنَّهُ لا ناصِرَ لَهُ مِنَ الخُرُوجِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلا، وذَلِكَ لِأنَّهُ عامٌّ في نَفْيِ الإفْرادِ مُهْمَلٌ بِحَسَبِ الأوْقاتِ، والظّاهِرُ التَّقْيِيدُ بِما يَطْلُبُ النَّصْرَ أوَّلًا لِأجْلِهِ كَمَن أُخِذَ يُعاقَبُ فَقُلْتَ: ما لُهُ مَن ناصِرٍ، لَمْ يُفْهَمْ مِنهُ أنَّ العِقابَ لا يَنْتَهِي بِنَفْسِهِ، وأنَّهُ بَعْدَ العِقابِ لَمْ يُشَفَّعْ، بَلْ فُهِمَ مِنهُ لَمْ يَمْنَعْهُ أحَدٌ مِمّا حَلَّ بِهِ، ثُمَّ إنْ سَلِمَ التَّساوِي لَمْ يَدُلَّ عَلى النَّفْيِ، وأجابَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى تَقْدِيرِ عُمُومِ الظّالِمِ وعَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ النَّصْرِ والشَّفاعَةِ بِأنَّ الأدِلَّةَ الدّالَّةَ عَلى الشَّفاعَةِ وهي أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى مُخَصَّصَةٌ لِلْعُمُومِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: أخذ عليهم الميثاق حين أخذ ذرية آدم من ظهورهم.

ويقال: أخذ عليهم الميثاق بالوحي في كتب الأنبياء لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ يعني: نعت محمد  وصفته وَلا تَكْتُمُونَهُ عنهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر: ليبيننه للناس ولا يكتمونه، كلاهما بالياء.

وقرأ الباقون بالتاء، فمن قرأ بالياء فمعناه أخذ عليهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، ومن قرأ بالتاء فمعناه أخذ عليهم الميثاق، وقال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

ثم أخبر عن سوء معاملتهم ونقضهم الميثاق فقال تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ أي طرحوه خلف ظهورهم، يعني أنهم تركوا الميثاق ولم يعملوا به وَاشْتَرَوْا بِهِ أي بكتمان نعت محمد  وصفته ثَمَناً قَلِيلًا أي عَرضاً يسيراً من متاع الدنيا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ يعني: بئس ما يختارون لأنفسهم الدنيا على الآخرة لاَ تَحْسَبَنَّ يقول: لا تظنن يا محمد الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا يقول: يعجبون بما أوتوا، يعني بما غيرّوا من نعته وصفته، وهذا قول الكلبي.

وقال الضحاك: إن اليهود كانوا يقولون للملوك: إنا نجد في كتابنا أن الله يبعث نبياً في آخر الزمان يختم به النبوة، فلما بعثه الله سألهم الملوك: أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟

فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك: هو غير هذا.

فأعطاهم الملوك مالاً فقال الله تعالى: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا أي بما أعطاهم الملوك وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا لأنهم كانوا يقولون: نحن على دين إبراهيم ولم يكونوا على دينه.

ويقال: كانوا يقولون نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب، ويريدون أن يحمدوا بذلك.

قال الله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ يقول فلا تظنهم بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ معناه لا تظنن أنهم ينجون من العذاب بذلك وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي دائم لا يخرجون منه أبدا.

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.

ويقال: جميع من فى السموات والارض عبيده وفي ملكه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النبات وغيره.

ويقال: هذا معطوف على أول الكلام أنهم لا ينجون من عذابه، يأخذهم متى شاء لأنه على كل شىء قدير إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وذلك أن أهل مكة سألوا رسول الله  أن يأتيهم بآية لصحة دعواه، لأنه كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده، فنزل إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خلقين عظيمين.

ويقال: فيما خلق في السموات من الشمس والقمر والنجوم، وما خلق في الأرض من الجبال والبحار والأشجار وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ يقول: وذهاب الليل ومجيء النهار، ويقال اختلاف لونيهما لَآياتٍ أي لعبرات لِأُولِي الْأَلْبابِ أي لذوي العقول الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً أي يصلون لله قياماً إن استطاعوا على القيام، وقعوداً إن لم يستطيعوا القيام وَعَلى جُنُوبِهِمْ إن لم يستطيعوا القعود لزمانة.

ويقال: معناه الذين يذكرون الله في الأحوال كلها في حال القيام والقعود والاضطجاع، كما قال في آية أخرى: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب: 41] ثم قال: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يعتبرون في خلقهما.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن زرارة الحلبي، عن أبي حباب، عن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت مع ابن عمر وعبيد بن عمير على عائشة، فسلمنا عليها فقالت: من هؤلاء؟

فقلت: عبد الله بن عمر، وعبيد بن عمير.

فقالت: مرحباً بك يا عبيد بن عمير، ما لك لا تزورنا؟

فقال عبيد: زر غبّاً تَزْدَدْ حُبّاً فقال ابن عمر: دعونا من هذا، حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله  ، فبكت بكاء شديداً ثم قالت: كل أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في فراشي حتى ألصق جلده بجلدي، فقال: «يَا عَائِشَةُ أَتَأْذَنِينَ لِي أنْ أَعْبُدَ رَبِّي» فقلت: والله إني لأحب قربك، والله إني لأحب هواك.

فقام إلى قربة ماء فتوضأ، ثم قام فبكى وهو قائم حتى روت الدموع حجره، ثم اتكأ على شقه الأيمن، ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، فبكى حتى روت الدموع الأرض.

ثم أتاه بلال بعد ما أذن للفجر، فلما رآه يبكي قال: أتبكي يا رسول الله وقد غفر الله لك مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تأخر؟

فقال: «يَا بِلالُ أفَلا أَكُونُ عَبْداً شَكُوراً، وَمَا لِي لا أبْكِي وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

- إِلَى قَوْلُهُ- فَقِنا عَذابَ النَّارِ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» .

وروي عن رسول الله  أنه قال: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ وَلا تَتَفَكَّرُوا فِي الخالق» .

وقال  : «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» .

ثم قال تعالى عز وجل: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي يتفكرون ويقولون: ربنا ما خلقت هذا باطلاً عبثاً بغير شيء، ولكن خلقتهما لأمر هو كائن سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ يعني ادفع عذاب النار.

وقال الزجاج: معنى سُبْحانَكَ أي تنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلاً فَقِنا عَذابَ النَّارِ أي صدَّقْنا رسلك، وسلَّمنا أن لك جنة وناراً فَقِنا عَذابَ النَّارِ.

رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي أهنته وفضحته وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني: ما للمشركين من مانع من العذاب إذ نزل بهم، ويقولون أيضاً: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ يعني محمداً يدعو إلى التصديق أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ أي صدقوا بتوحيد ربكم، فآمنا أي صدقنا بتوحيد ربنا.

وقال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس لقي رسول الله  ، ولكن المنادي هو كتاب الله يدعو إلى الإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن آمنوا بربكم فآمنا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وقال الكلبي: الذنوب الكبائر ودون الكبائر، والسيئات الشرك.

وقال الضحاك: ذنوبنا يعني ما عملوا في حال الجاهلية، وكفر عنا سيئاتنا، يعني: ما عملوا في حال الإسلام.

ويقال: الذنوب والسيئات بمعنى واحد.

ويقال: الذنوب هي الكبائر، والسيئات ما دون الكبائر التي تكفر من الصلاة إلى الصلاة وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي مع المطيعين، ويقال: اجعل أرواحنا مع أرواح المطيعين والصالحين.

ويقولون أيضا: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ يعني أعطنا ما وعدتنا من الخير والجنة على لسان رسلك.

ويقال: هو ما ذكر من استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين، وهو قوله: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: 5] وما ذكر من دعاء نوح وإبراهيم- عليهم السلام- للمؤمنين.

ثم قال تعالى: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني لا تعذبنا، ويقال: لا تخذلنا إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعادَ يعني ما وعدت من الخير والثواب للمؤمنين فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ فأخبر الله عن فعلهم، وذكر ما أجابهم به وأنجز لهم موعده، وبيّن لهم ثوابه وهو قوله: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ.

روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال من دعا بهذه الدعوات فإنه يستجاب له، لأنه قال تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ يعني ثواب عمل عامل في طاعتي مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى يعني رجلاً أو امرأة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة يقال له سلمة بن الأكوع، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله إني أسمع الله ذكر الهجرة، فذكر فيها الرجال ولم يذكر فيها النَّسَاءِ فأنزل الله تعالى: أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى.

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال الكلبي: أي بعضكم أولياء بعض في الدين.

وقال الضحاك: يعني يشبه بعضكم بعضاً في الطاعة.

ويقال: بعضكم على إثر بعض، ويقال بعضكم على دين بعض.

فَالَّذِينَ هاجَرُوا من مكة إلى المدينة وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: إن أهل مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي عُذّبوا في طاعتي وَقاتَلُوا مع رسول الله  المشركين وَقُتِلُوا أي قتلهم المشركون.

قرأ حمزة والكسائي: وقتلوا وقاتلوا على معنى التقديم والتأخير كقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ [آل عمران: 55] وقرأ الباقون: وقاتلوا وقتلوا، إلا ابن كثير وابن عامر قرءا وقتّلوا بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة، فذكر الله فعلهم، ثم ذكر ثوابهم فقال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي لأمحون عنهم ذنوبهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار أي تجري يعني من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني أن الجنات جزاء لأعمالهم من عند الله.

وقال الزجاج: إنما صار نصباً لأنه مصدر مؤكد، معناه: لأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، ولأثيبنهم ثواباً.

وروي عن الفراء أنه قال: إنما صار نصباً على التفسير.

وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ أي حسن الجزاء وهو الجنة.

ويقال: حسن المرجع في الآخرة خير من الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠)

وقوله سبحانه: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ...

الآية: ذهبتْ جماعة إلى أن الآية في المنافقين، وقالت جماعة كبيرة: إنما نزلَتْ في أهْل الكتاب أحبارِ/ اليهودِ، قال سعيدُ بن جُبَيْر «١» : الآية في اليهود، فَرِحُوا بما أعطَى اللَّه آل إبراهيم من النبوَّة والكتابِ، فهم يقولونَ: نحن على طريقهم، ويحبُّون أن يُحْمَدُوا بذلك، وهم ليسوا على طريقهم «٢» ، وقراءةُ سعيدِ «٣» بنِ جُبَيْر: «بما أُوتُوا» بمعنى «أُعْطُوا» (بضم الهمزة والطاء) وعلى قراءته يَستقيمُ المعنَى الذي قال، والمفازةُ مَفْعَلَةٌ من فَازَ يَفُوزُ، إذا نَجَا، وباقي الآية بيِّن.

ثم دلَّ سبحانه على مواضِع النظرِ والعبرةِ، فقالَ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أي: تَعَاقُب الليل والنَّهار إذ جعلهما سبحانه خِلْفِةً، ويدخل تحت اختلافهما قِصَرُ أحدِهِمَا وطولُ الآخَرِ، وبالعكْسِ، واختلافُهُما بالنُّور والظَّلام، والآياتُ: العلاماتُ الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وعظيمِ قُدْرته سُبْحانه.

قال الفَخْر «٤» : واعلم أنَّ المقصود من هذا الكتَابِ الكريمِ جَذْبُ القلوبِ والأرْوَاحِ عن الإشتغالِ بالخَلْقِ والإستغراقِ في معرفة الحقِّ، فلمَّا طال الكلامُ في تَقْرير الأحكامِ، والجوابِ عن شُبُهَاتِ المُبْطِلِين، عاد إلى إثارة القُلُوب بِذِكْرِ ما يدلُّ على التوحيدِ والكِبْرِيَاءِ والجَلاَل، وذِكْرِ الأدعية، فختم بهذه الآياتِ بنَحْو ما في «سورة البقرة» .

انتهى.

وقوله سبحانه: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً: الّذين: في موضع خفض صفة لِأُولِي الْأَلْبابِ، وهذا وصف ظاهره استعمالُ التحميدِ والتَّهْليلِ والتَّكْبير ونَحْوه مِنْ ذكر اللَّه، وأنْ يحضر القلب اللسان وذلك من أعْظَمِ وجوه العبادَاتِ، والأحاديثُ الصحيحةُ في ذلك كثيرةٌ، وابنُ آدم متنقِّلٌ في هذه الثلاثِ الهيئاتِ، لا يَخْلُو في غالب أمْرِه مِنْها فكأنها تحصرُ زمنه، وكذلك جَرَّتْ عائشةُ (رضي اللَّه عنها) إلى حصر الزَّمَن في قَوْلها:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ» .

قلت: خرَّجه أبو داود «١» ، فدخَلَ في ذلك كونه على الخَلاَءِ وغيره.

وذهَبَ جماعةٌ إلى أنَّ قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إنما هو عبارةٌ عن الصَّلاة، أي: لا يضيِّعونها، ففي حال العُذْر يصلُّونها قعوداً، وعلى جُنُوبهم، ثم عَطَف على هذه العبادةِ التي هِيَ ذكُرْ اللَّه باللسان، أو الصَّلاة فرضها وندبها بعبادة أخرى عظيمةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرة اللَّه تعالى ومخلوقاتِهِ، والعِبَرُ التي بَثَّ.

[المتقارب]

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ...

تَدُلُّ على أَنَّهُ وَاحِدُ «٢»

قال الغَزَّالِيُّ: ونهايةُ ثمرة الدِّين في الدُّنيا تَحْصيلُ معرفة اللَّه، وتحصيلُ الأُنُس بذكْرِ اللَّهِ تعالى، والأنسُ يَحْصُلُ بدوامِ الذِّكْر، والمعرفَةُ تحصُلُ بدوامِ الفِكْرِ.

انتهى من «الإحياء» .

ومَرَّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على قومٍ يتفكَّرون في اللَّه، فَقَالَ: «تَفَكَّرُوا فِي الخَلْقِ، وَلاَ تَتَفَكَّرُوا فِي الخَالِقِ فَإنَّكُمْ لاَ تَقْدُرُونَ قَدْرَهُ» «٣» .

قال ع «٤» : وهذا هو قَصْدُ الآية في قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.

وقال بعض العلماء: المتفكِّر في ذاتِ اللَّهِ كَالنَّاظر في عَيْنِ الشمْسِ لأنه سبحانه لَيْسَ كمثله شيء، وإنما التفكُّر وانبساط الذِّهْن في المخلوقاتِ، وفي أحوالِ الآخِرَةِ، قال رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ عِبَادَةَ كَتَفَكُّرٍ» «١» وقال ابن عبَّاس، وأبو الدَّرْدَاء: فكْرَةُ ساعَةٍ خيُرٌ من قيامِ لَيْلَةٍ «٢» ، وقال سَرِيٌّ السَّقطِيُّ «٣» : فكرةُ ساعةٍ خَيْرٌ من عبادة سَنَةٍ، ما هو إلاَّ أنْ تحلَّ أطناب خَيْمَتِكَ، فَتَجْعَلها في الآخِرَةِ «٤» ، وقال الحَسَنُ بْنُ أَبي الحَسَن: الفكْرةُ مِرآةُ المُؤْمنِ/، ينظر فيها إلى حسنَاتهِ وسيِّئاته «٥» ، وأخذ أبو سليمان الدَّارانِيُّ «٦» قَدَح الماء ليتوضَّأ لصلاة الليلِ، وعنده ضيْفٌ، فرآه لما أدخَلَ أصبعه في أُذُنِ القَدَح، أقام كذلك مفكِّراً حتى طلع الفَجْر، فقال له: ما هذا يَا أبا سليمان؟

فَقَالَ: إني لما طَرَحْتُ أصبعي في أُذُنِ القَدَحِ، تذكَّرت قول اللَّه سُبْحَانه: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غافر: ٧١] ،

فتفكَّرت في حالِي، وكيف أتلَقَّى الغُلَّ، إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يوم القيامة، فما زلْتُ في ذلك حتى أُصْبِحَ.

قال ع «١» : وهذه نهايةُ الخَوْف، وخَيْرُ الأمور أوساطها، وليس علماء الأمَّة الذين هم الحُجَّة على هذا المنهاج، وقراءةُ علْمِ كتابِ اللَّه ومَعَانِي سُنَّة رسُوله لِمَنْ يفهم ويرجى نَفْعُه أفضَلُ من هذا، لكنْ يَحْسُنُ ألاَّ تخلُوَ البلاد مِنْ مثل هذا.

قال ع «٢» : وحدثني أبي (رحمه اللَّه) ، عَنْ بعضِ علماءِ المَشْرق، قال: كنتُ بائتًا في مسجد الإقدامُ ب «مَصْرَ» فصلَّيْتُ العَتَمَةَ، فرأَيْتُ رجلاً قد اضطجع في كساءٍ له، حتى أصبح، وصلَّينا نَحْنُ تلك اللَّيْلَة، وسَهِرْنَا، فلَمَّا أُقِيمَتْ صلاةُ الصُّبْح، قام ذلك الرجُلُ، فاستقبل القبْلَةَ، وصلى مع النَّاس، فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلَمَّا فرغَتِ الصلاةُ، خرَجَ، فتبعْتُهُ لأعظَهُ، فلَمَّا دنوْتُ منه، سَمِعْتُهُ، وهو ينشد: [المنسوح]

مُنْسَجِنُ الْجِسْمِ غَائِبٌ حَاضِر ...

مُنْتَبِهُ القَلْبِ صَامِتٌ ذَاكِرْ

مُنْبَسِطٌ فِي الغُيُوبِ مُنْقَبُض ...

كَذَاكَ مَنْ كَانَ عَارِفاً ناكِرْ

يَبِيتُ فِي لَيْلِهِ أَخَا فِكَر ...

فَهْوَ مَدَى اللَّيْلِ نَائِمٌ سَاهِرْ

قال: فعلمتُ أنه مِمَّن يعبدُ اللَّهَ بالفِكْرة، فانصرفت «٣» عنه.

قال الفَخْر «٤» : ودلَّتِ الآية على أنَّ أعلى مراتب الصِّدِّيقين التفكُّر.

انتهى.

وفي «العتبية» : قال مالكٌ: قيلَ لأمِّ الدَّرْداء: ما كان أَكْثَر شأن أبي الدَّرْداء؟

قَالَتْ:

كان أَكْثَرُ شَأْنِهِ التفكُّرَ.

قال مالكٌ: وهو مِنَ الأعمال، وهو اليَقِينُ قال اللَّه عزَّ وجلَّ:

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، قال ابنُ رُشْدٍ: والتفكُّر مِنَ الأعمال كما قاله مالك (رحمه اللَّه) ، وهو مِنْ أشرف الأعمال لأنه مِنْ أعمال القُلُوب التي هي أشْرَفُ الجوارحِ أَلاَ ترى أنه لا يُثَابُ أحدٌ على عملٍ مِنْ أعمال الجَوَارح مِنْ سائر الطَّاعات، إلاَّ مع مشارَكَةِ القُلُوبِ لها بإخلاص النِّيَّة للَّه (عَزَّ وجَلَّ) في فعلها.

انتهى من «البيان والتحصيل» .

قال ابنُ بَطَّال «١» : إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف.

انتهى.

قال ابنُ عطاءِ اللَّهِ: الفِكْرَةُ سَيْر القَلْب في ميادين الاعتبار، والفَكْرَةِ سِرَاجُ القَلْب، فإذا ذَهَبَتْ، فلا إضاءة له.

قُلْتُ: قال بعض المحقِّقين: وذلك أن الإنسان إذا تفكَّر، عَلِم، وإذا عَلِمَ، عَمِلَ.

قال ابنُ عَبَّاد «٢» : قال الإمام أبو القاسم القُشَيْريُّ (رحمه اللَّه) : التفكُّر نعتُ كلِّ طالب، وثمرتُهُ الوصولُ بشرط العِلْمِ، ثم فِكْرُ الزاهدين: في فناءِ الدنيا، وقلَّةِ وفائها لطلاَّبها فيزدادُونَ بالفِكْرِ زهْداً، وفِكْرُ العابدين: في جَميلِ الثوابِ، فيزدادُونَ نَشَاطاً ورغبةً فيه، وفِكْرُ العارفين: في الآلاء والنعماء فيزدادُونَ محبَّةً للحَقِّ سبحانه.

انتهى.

وقوله تعالى: رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذا باطِلًا، أي: يقولُونَ: يا ربَّنا على النداء، ما خلَقْتَ هذا باطلاً، يريد: لغير غايةٍ منصوبةٍ، بل خلقْتَهُ، وخلَقْتَ البشر لينظروا فيه فيوحِّدوك، ويعبدوك فَمَنْ فعل ذلك نَعَّمْتَهُ، ومَنْ ضَلَّ عن ذلك عَذَّبته، وقولهم:

سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك عمَّا/ يقول المُبْطِلُون، وقولهم: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أي: فلا تفعلْ ذلك بِنَا، والخِزْيُ: الفضيحةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَة لقَدْرِ المرء.

قال أنَسُ بنُ مالكٍ، والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، وابنُ جُرَيْج، وغيرهم: هذه إشارة إلى من يَخْلُدُ في النَّار، وأمَّا مَنْ يخرج منها بالشفاعةِ والأَمان، فليس بمُخْزًى، أي: وما أصابه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُخْزى في اللُّغَةِ: المُذَلُّ المَحْقُورُ بِأمْرٍ قَدْ لَزِمَهُ وبِحُجَّةٍ.

يُقالُ: أخْزَيْتُهُ: أيْ: ألْزَمْتُهُ حُجَّةً أذْلَلْتُهُ مَعَها.

وفِيمَن يَتَعَلَّقُ بِهِ هَذا الخِزْيُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَن يَدْخُلُها مُخَلَّدًا، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ داخِلٍ إلَيْها، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما لِلْمُشْرِكِينَ مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم عَذابَ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مَن أنْصارٍ ﴾ "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ صِفَةِ "لِأُولِي الألْبابِ"، وهَذا وصْفٌ ظاهِرُهُ اسْتِعْمالُ التَحْمِيدِ والتَهْلِيلِ والتَكْبِيرِ ونَحْوِهِ مِن ذِكْرِ اللهِ، وأنْ يَحْصُرَ القَلْبُ اللِسانَ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ وُجُوهِ العِباداتِ، والأحادِيثُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وابْنُ آدَمَ مُنْتَقِلٌ في هَذِهِ الثَلاثِ الهَيْئاتِ لا يَخْلُو في غالِبِ أمْرِهِ مِنها فَكَأنَّها تَحْصُرُ زَمَنَهُ، وكَذَلِكَ جَرَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها إلى حَصْرِ الزَمَنِ في قَوْلِها: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَذْكُرُ اللهَ عَلى كُلِّ أحْيانِهِ،» فَدَخَلَ في ذَلِكَ كَوْنُهُ عَلى الخَلاءِ وغَيْرُ ذَلِكَ.

وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ ﴾ إنَّما هو عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ، أيْ: لا يُضَيِّعُونَها، فَفي حالِ العُذْرِ يُصَلُّونَها قُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، قالَ بَعْضُهُمْ: وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمُ الصَلاةَ فاذْكُرُوا اللهَ  ﴾ ...

الآيَةِ، هَذا عَلى تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ هُنالِكَ: "قَضَيْتُمْ" بِمَعْنى: أدَّيْتُمْ، لِأنَّ بَعْضَ الناسِ يَقُولُ: "قَضَيْتُمْ" هُنالِكَ بِمَعْنى: فَرَغْتُمْ مِنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الصَلاةِ فَفِقْهُها أنَّ الإنْسانَ يُصَلِّي قائِمًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، ظاهِرُ المُدَوَّنَةِ مُتَرَبِّعًا، ورُوِيَ عن مالِكٍ وبَعْضِ أصْحابِهِ أنَّهُ يُصَلِّي كَما يَجْلِسُ بَيْنَ السَجْدَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعِ القُعُودَ صَلّى عَلى جَنْبِهِ أو ظَهْرِهِ عَلى التَخْيِيرِ، هَذا مَذْهَبُ المُدَوَّنَةِ.

وحَكى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ القاسِمِ: يُصَلِّي عَلى ظَهْرِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ، ثُمَّ عَلى الأيْسَرِ.

وفي كِتابِ ابْنِ المَوّازِ: يُصَلِّي عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ، وإلّا فَعَلى الأيْسَرِ، وإلّا فَعَلى الظَهْرِ.

وقالَ سَحْنُونٌ: يُصَلِّي عَلى الأيْمَنِ كَما يُجْعَلُ في لَحْدِهِ، وإلّا فَعَلى ظَهْرِهِ، وإلّا فَعَلى الأيْسَرِ.

وحَسُنَ عَطْفُ قَوْلِهِ: "وَعَلى جُنُوبِهِمْ" عَلى قَوْلِهِ: "قِيامًا وقُعُودًا" لِأنَّهُ في مَعْنى مُضْطَجِعِينَ.

ثُمَّ عَطَفَ عَلى هَذِهِ العِبادَةِ الَّتِي هي ذِكْرُ اللهِ بِاللِسانِ أوِ الصَلاةِ فَرْضِها ومَندُوبِها بِعِبادَةٍ أُخْرى عَظِيمَةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ومَخْلُوقاتِهِ، والعِبَرِ الَّتِي بَثَّ: وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ «وَمَرَّ النَبِيُّ  عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اللهِ فَقالَ: "تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تُفَكِّرُوا في الخالِقِ، فَإنَّكم لا تُقَدِّرُونَ قَدْرَهُ"» وهَذا هو قَصْدُ الآيَةِ ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ .

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُتَفَكِّرُ في ذاتِ اللهِ تَعالى كالناظِرِ في عَيْنِ الشَمْسِ، لِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وإنَّما التَفْكِيرُ وانْبِساطُ الذِهْنِ في المَخْلُوقاتِ، وفي مَخاوِفِ الآخِرَةِ.

قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "لا عِبادَةَ كَتَفَكُّرٍ"» وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، الفِكْرَةُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ، يَنْظُرُ فِيها إلى حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الدَرْداءِ: "فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن قِيامِ لَيْلَةٍ".

وقالَ سَرِيٌّ السَقَطِيُّ.

"فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَنَةٍ"، ما هو إلّا أنْ تَحُلَّ أطْنابَ خَيْمَتِكَ فَتَجْعَلَها في الآخِرَةِ.

وأخَذَ أبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ قَدَحَ الماءِ لِيَتَوَضَّأ لِصَلاةِ اللَيْلِ وعِنْدَهُ ضَيْفٌ، فَرَآهُ لَمّا أدْخَلَ إصْبَعَهُ في أُذُنِ القَدَحِ أقامَ كَذَلِكَ مُفَكِّرًا حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَقالَ لَهُ: ما هَذا يا أبا سُلَيْمانَ؟

فَقالَ: إنِّي لَمّا طَرَحْتُ أُصْبُعِي في أُذُنِ القَدَحِ تَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وتَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ  ﴾ فَفَكَّرْتُ في حالِي، وكَيْفَ أتَلَقّى الغُلَّ إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَما زِلْتُ في ذَلِكَ حَتّى أصْبَحْتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ نِهايَةُ الخَوْفِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوسَطُها.

ولَيْسَ عُلَماءُ الأُمَّةِ الَّذِينَ هُمُ الحُجَّةُ عَلى هَذا المِنهاجِ، وقِراءَةُ عِلْمِ كِتابِ اللهِ ومَعانِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ  لِمَن يَفْهَمُ ويُرْجى نَفْعُهُ أفْضَلُ مِن هَذا، لَكِنَّهُ يَحْسُنُ ألّا تَخْلُوَ البِلادُ مِن مِثْلِ هَذا.

وَحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ عن بَعْضِ عُلَماءِ المَشْرِقِ قالَ: كُنْتُ بائِتًا في مَسْجِدِ الأقْدامِ بِمِصْرَ، فَصَلَّيْتُ العَتَمَةَ فَرَأيْتُ رَجُلًا قَدِ اضْطَجَعَ في كِساءٍ لَهُ مُسَجّىً بِكِسائِهِ حَتّى أصْبَحَ، وصَلَّيْنا نَحْنُ تِلْكَ اللَيْلَةَ وسَهِرْنا، فَلَمّا أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُبْحِ قامَ ذَلِكَ الرَجُلُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَصَلّى مَعَ الناسِ، فاسْتَعْظَمْتُ جُرْأتَهُ في الصَلاةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمّا فَرَغَتِ الصَلاةُ خَرَجَ فَتَبِعْتُهُ لِأعِظَهُ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ سَمِعْتُهُ يُنْشِدُ: مُنْسَحِقُ الجِسْمِ غائِبٌ حاضِرْ ∗∗∗ مُنْتَبِهُ القَلْبِ صامِتٌ ذاكِرْ مُنْقَبِضٌ في الغُيُوبِ مُنْبَسِطٌ ∗∗∗ كَذاكَ مَن كانَ عارِفًا ذاكِرْ يَبِيتُ في لَيْلِهِ أخا فِكْرٍ ∗∗∗ فَهْوَ مَدى اللَيْلِ قائِمٌ ساهِرْ قالَ فَعَلِمْتُ أنَّهُ مِمَّنْ يَعْبُدُ بِالفِكْرَةِ وانْصَرَفْتُ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "رَبَّنا" مَعْناهُ: يَقُولُونَ: رَبَّنا عَلى النِداءِ، ﴿ ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ ، يُرِيدُ لِغَيْرِ غايَةٍ مَنصُوبَةٍ بَلْ خَلَقْتَهُ وخَلَقْتَ البَشَرَ لِيُنْظَرَ فِيهِ فَتُوَحَّدَ وتُعْبَدَ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ نَعَّمْتَهُ ومَن ضَلَّ عن ذَلِكَ عَذَّبْتَهُ لِكُفْرِهِ وقَوْلِهِ عَلَيْكَ ما لا يَلِيقُ بِكَ.

ولِهَذا المَعْنى الَّذِي تُعْطِيهِ قُوَّةُ اللَفْظِ حَسُنَ قَوْلُهُمْ: "سُبْحانَكَ"، أيْ تَنْزِيهًا لَكَ عَمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ.

وحَسُنَ قَوْلُهُمْ: "فَقِنا عَذابَ النارِ" إذْ نَحْنُ المُسَبِّحُونَ المُنَزِّهُونَ لَكَ المُوَحِّدُونَ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ ، اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ، أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَها.

والخِزْيُ: الفَضِيحَةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَةُ لِقَدْرِ المَرْءِ، خَزِيَ الرَجُلُ يَخْزى خِزْيًا إذا افْتُضِحَ، وخَزايَةً إذا اسْتَحْيى، الفِعْلُ واحِدٌ والمَصْدَرُ مُخْتَلِفٌ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النارِ، ومَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ.

وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أما إنَّهُ خِزْيٌ دُونَ خِزْيٍ، ولَيْسَ خِزْيَ مَن يَخْرُجُ مِنها بِفَضِيحَةٍ هادِمَةٍ لِقَدْرِهِ، وإنَّما الخِزْيُ التامُّ لِلْكُفّارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ هو مِن قَوْلِ الداعِينَ، وبِذَلِكَ يَتَّسِقُ وصْفُ الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا غرض أُنف بالنسبة لما تتابع من أغراض السورة، انتُقل به من المقدّمات والمقصد والمتخلِّلات بالمناسبات، إلى غرض جديد هو الاعتبار بخلق العوالم وأعراضها والتنويه بالذين يعتبرون بما فيها من آيات.

ومِثْل هذا الانتقال يكون إيذاناً بانتهاء الكلام على أغراض السورة، على تفنّنها، فقد كان التنقّل فيها من الغرض إلى مشاكله وقد وقع الانتقال الآن إلى غرض عامّ: وهو الاعتبار بخلق السماوات والأرض وحال المؤمنين في الاتّعاظ بذلك، وهذا النحو في الانتقال يعرض للخطيب ونحوه من أغراضه عقب إيفائها حقّها إلى غرض آخر إيذاناً بأنّه أشرف على الانتهاء، وشأن القرآن أن يختم بالموعظة لأنّها أهمّ أغراض الرسالة، كما وقع في ختام سورة البقرة.

وحرف (إنّ) للاهتمام بالخبر.

والمراد ب ﴿ خلْق السماوات والأرض ﴾ هنا: إمّا آثار خَلْقِها، وهو النظام الذي جعل فيها، وإمّا أن يراد بالخلق المخلوقات كقوله تعالى: ﴿ هذا خلق اللَّه ﴾ [لقمان: 11].

و ﴿ أولو الألباب ﴾ أهل العقول الكاملة لأنّ لبّ الشيء هو خلاصته.

وقد قدّمنا في سورة البقرة بيان ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من الآيات عند قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف اللَّيل والنهار والفلك ﴾ [البقرة: 164] إلخ.

و ﴿ يذكرون الله ﴾ إمّا من الذِّكر اللساني وإمّا من الذُّكر القلبي وهو التفكّر، وأراد بقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ عموم الأحوال كقولهم: ضَربه الظهرَ والبطْن، وقولهم: اشتهر كذا عند أهل الشرق والغرب، على أنّ هذه الأحوال هي متعارَف أحوال البشر في السلامة، أي أحوال الشغل والراحة وقصد النوم.

وقيل: أراد أحوال المصلّين: من قادر، وعاجز، وشديد العجز.

وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ عطف مرادف إن كان المراد بالذكر فيما سبق التفكّر، وإعادتُه لأجل اختلاف المتفكَّر فيه، أو هو عطف مغاير إذا كان المراد من قوله: ﴿ يذكرون ﴾ ذِكر اللسان.

والتفكّر عبادة عظيمة.

روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله في جامع العتبية قال: قيل لأمّ الدرداء: ما كان شأن أبي الدرداء؟

قالت: كان أكثر شأنه التفكّر، قيل له: أترى التفكّر عَمَلاً من الأعمال؟

قال: نعم، هو اليقين.

﴿ والخلق ﴾ بمعنى كيفية أثر الخلق، أو المخلوقات التي في السماء والأرض، فالإضافة إمّا على معنى اللام، وإمّا على معنى (في).

وقوله: ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ وما بعده جملة واقعة موقع الحال على تقدير قَوْلٍ: أي يتفكّرون قائلين: ربّنا إلخ لأنّ هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء.

فإن قلت: كيف تواطأ الجمع من أولي الألباب على قول هذا التنزيه والدعاء عند التفكّر مع اختلاف تفكيرهم وتأثّرهم ومقاصدهم.

قلت: يحتمل أنّهم تلقَّوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يلازمونه عند التفكّر وعقبَه، ويحتمل أنّ الله ألهمهم إيّاه فصار هجيراهم مثلَ قوله تعالى: ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا ﴾ [البقرة: 285] الآيات.

ويدلّ لذلك حديث ابن عباس في «الصحيح» قال: " بتّ عند خالتي ميمونة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من سورة آل عمران " إلى آخر الحديث.

ويجوز عندي أن يكون قوله: ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ حكاية لتفكّرهم في نفوسهم، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكّرين لاستوائهم في صحّة التفكّر لأنّه تنقل من معنى إلى متفرّع عنه، وقد استوى أولو الألباب المتحدّث عنهم هنا في إدراك هذه المعاني، فأوّل التفكّر أنتج لهم أنّ المخلوقات لم تخلق باطلاً، ثم تفرّع عنه تنزيه الله وسؤاله أن يقيهم عذاب النار، لأنّهم رأوا في المخلوقات طائعاً وعاصياً، فعلموا أنّ وراء هذا العالم ثَواباً وعقاباً، فاستعاذوا أن يكونوا ممّن حقّت عليه كلمة العذاب.

وتوسّلوا إلى ذلك بأنّهم بذَلوا غاية مقدورهم في طلب النجاة إذ استجابوا لمنادي الإيمان وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، وسألوا غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والموتَ على البر إلى آخره...

فلا يكاد أحد من أولي الألباب يخلو من هذه التفكّرات وربّما زاد عليها، ولمّا نزلت هذه الآية وشاعت بينهم، اهتدى لهذا التفكير من لم يكن انتبه له من قبل فصار شائعاً بين المسلمين بمعانيه وألفاظه.

ومعنى ﴿ ما خلقتَ هذا باطلاً ﴾ أي خلقاً باطلاً، أو ما خلقت هذا في حال أنّه باطل، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات، كقوله: ﴿ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ﴾ [الدخان: 38] فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أنّ هذا الخلق باطل أو خلي عن الحكمة، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيراً.

وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ لأنّه ترتّبَ على العلم بأنّ هذا الخلق حقّ، ومن جملة الحقّ أن لا يستوي الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فعلموا أنّ لكلّ مستقرّاً مناسباً فسألوا أن يكونوا من أهل الخير المجنّبين عذاب النار.

وقولهم: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار، كما توذن به (إنّ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا.

والخزي مصدر خزِيَ يَخْزَى بمعنى ذلّ وهان بمرأى من الناس، وأخزاه أذلّه على رؤوس الأشهاد، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأنّ دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم: ﴿ عذاب النار ﴾ أنّ النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذَّب وإهانة علنية، وذلك معنى مستقرّ في نفوس الناس، ومنه قول إبراهيم عليه السلام: ﴿ ولا تخزني يومَ يبعثون ﴾ [بالشعراء: 87] وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء، أي من يدخل النار فقد أخزيته.

والخزي لا تطيقه الأنفس، فلا حاجة إلى تأويل تأوّلوه على معنى فقَد أخزيته خزياً عظيماً.

ونظّره صاحب «الكشاف» بقول رُعاة العرب: «من أدْرَكَ مَرْعَى الصَّمَّان فقد أدرك» أي فقد أدرك مرعى مخصباً لئلاّ يكون معنى الجزاء ضروري الحصول من الشرط فلا تظهر فائدة للتعليق بالشرط، لأنّه يخلي الكلام عن الفائدة حينئذ.

وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: ﴿ فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ﴾ [آل عمران: 185].

ولأجل هذا أعقبوه بما في الطباع التفادي به عن الخزي والمذلّة بالهرع إلى أحلافهم وأنصارهم، فعلموا أن لا نصير في الآخرة للظالم فزادوا بذلك تأكيداً للحرص على الاستعاذة من عذاب النار إذ قالوا: ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ أي لأهل النار من أنصار تدفع عنهم الخزي.

وقوله تعالى: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ أرادوا به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم والمنادي، الذي يرفع صوته بالكلام.

والنداء: رفع الصوت بالكلام رفعاً قوياً لأجل الإسماع وهو مشتقّ من النداء بكسر النون وبضمّها وهو الصوت المرتفع.

يقال: هو أندى صوتاً أي أرفعُ، فأصل النداء الجهر بالصوت والصياح به، ومنه سمّي دعاء الشخص شخصاً ليقبل إليه نداء، لأنّ من شأنه أن يرفع الصوت به؛ ولذلك جعلوا له حروفاً ممدودة مثل (يا) و(آ) و(أيا) و(هيا).

ومنه سمّي الأذان نداء، وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت، ويطلق النداء على طلب الإقبال بالذات أو بالفَهم بحروف معلومة كقوله تعالى: ﴿ وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ﴾ [فصلت: 104، 105] ويجوز أن يكون هو المراد هنا لأنّ النبي يدعو الناس بنحو: يأيّها الناس ويا بَني فلان ويا أمّة محمد ونحو ذلك، وسيأتي تفسير معاني النداء عند قوله تعالى: ﴿ ونودوا أن تلكم الجنة ﴾ في سورة [الأعراف: 43].

واللام لام العلّة، أي لأجل الإيمان بالله.

و (أن) في أن آمنوا} تفسيرية لما في فعل (يُنادي) من معنى القول دون حروفه.

وجاءوا بفاء التعقيب في (فآمنّا): للدلالة على المبادرة والسبق إلى الإيمان، وذلك دليل سلامة فطرتهم من الخطأ والمكابرة، وقد توسّموا أن تكون مُبادرتهم لإجابة دعوة الإسلام مشكورة عند الله تعالى، فلذلك فرّعوا عليه قولهم: ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ لأنّهم لمّا بذلوا كلّ ما في وسعهم من اتّباع الدين كانوا حقيقين بترجّي المغفرة.

والغَفْر والتكفير متقاربان في المادة المشتقيْن منها إلاّ أنّه شاع الغفر والغفران في العفو عن الذنب والتكفير في تعويض الذنب بعوض، فكأنّ العوض كفّر الذنب أي ستره، ومنه سمّيت كفّارة الإفطار في رمضان.

وكفّارة الحنث في اليمين إلاّ أنهم أرادوا بالذنوب ما كان قاصراً على ذواتهم، ولذلك طلبوا مغفرته، وأرادوا من السيّئات ما كان فيه حقّ الناس، فلذلك سألوا تكفيرها عنهم.

وقيل هو مجرّد تأكيد، وهو حسن، وقيل أرادوا من الذنوب الكبائر ومن السيّئات الصغائر لأنّ اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر، بناء على أنّ الذنب أدلّ على الإثم من السيئة.

وسألوا الوفاة مع الأبرار، أي أن يموتوا على حالة البِرّ، بأن يلازمهم البرّ إلى الممات وأن لا يرتدّوا على أدبارهم، فإذا ماتوا كذلك ماتوا من جملة الأبرار.

فالمعية هنا معية اعتبارية، وهي المشاركة في الحالة الكاملة، والمعية مع الأبرار أبلغ في الاتّصاف بالدلالة، لأنّه برّ يرجى دوامه وتزايدُه لِكون صاحبه ضمن جمع يزيدونه إقبالاً على البرّ بلسان المقال ولسان الحال.

ولمّا سألوا أسباب المثوبة في الدنيا والآخرة ترقّوا في السؤال إلى طلب تحقيق المثوبة، فقالوا: ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ .

وتحتمل كلمة (على) أن تكون لتعدية فعل الوعد، ومعناها التعليل فيكون الرسل هم الموعود عليهم، ومعنى الوعد على الرسل أنّه وعد على تصديقهم فتعيّن تقدير مضاف، وتحتمل أن تكون (على) ظرفاً مستقرّاً، أي وعداً كائناً على رُسلك أي، منزلاً عليهم، ومتعلَّق الجار في مثله كونٌ غير عامّ بل هو كون خاصّ، ولا ضير في ذلك إذا قامت القرينة، ومعنى (على) حينئذ الاستعلاء المجازي، أو تجعل (على) ظرفاً مستقرّاً حالاً ﴿ ممّا وعدتنا ﴾ أيضاً، بتقدير كون عامّ لكن مع تقدير مضاف إلى رسلك، أي على ألْسِنَةِ رسلك.

والموعود على ألسنة الرسل أو على التصديق بهم الأظهر أنّه ثواب الآخرة وثواب الدنيا: لقوله تعالى: ﴿ فآتاهم اللَّه ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ﴾ [آل عمران: 148] وقوله: ﴿ وعد اللَّه الذين ءامنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ﴾ [النور: 55] الآية، وقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ [الأنبياء: 105].

والمراد بالرسل في قوله: ﴿ على رسلك ﴾ خصوص محمد صلى الله عليه وسلم أطلق عليه وصف «رسل» تعظيماً لقوله تعالى: ﴿ فلا تحسبن اللَّه مخلف وعده رسله ﴾ [إبراهيم: 47].

ومنه قوله تعالى: ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم ﴾ [الفرقان: 37].

فإن قلتَ: إذا كانوا عالمين بأنّ الله وعدهم ذلك وبأنَّه لا يخلف الميعاد فما فائدة سُؤالهم ذلك في دعائهم؟

قلت: له وجوه: أحدها: أنّهم سألوا ذلك ليكون حصوله أمارة على حصول قُبول الأعمال التي وعد الله عليها بما سألوه فقد يظنّون أنفسهم آتين بما يبلّغهم تلك المرتبة ويخشون لعلّهم قد خلطوا أعمالهم الصالحة بما يبطلها، ولعلّ هذا هو السبب في مجيء الواو في قولهم: ﴿ وآتنا ما وعدتنا ﴾ دون الفاء إذ جعلوه دعوة مستقلّة لتتحقّق ويتحقّق سببها، ولم يجعلوها نتيجة فعل مقطوع بحصوله.

ويدلّ لصحّة هذا التأويل قوله بعدُ: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ [آل عمران: 195] مع أنّهم لم يطلبوا هنا عدم إضاعة أعمالهم.

الثاني: قال في «الكشّاف»: أرادوا طلب التوفيق إلى أسباب ما وعدهم الله على رسله.

فالكلام مستعمل كناية عن سبب ذلك من التوفيق للأعمال الموعود عليها.

الثالث: قال فيه ما حاصله: أن يكون هذا من باب الأدب مع الله حتّى لا يظهروا بمظهر المستحقّ لتحصيل الموعود به تذلّلاً، أي كسؤال الرسل عليهم السلام المغفرة وقد علموا أنّ الله غفر لهم.

الرابع: أجاب القرافي في الفرق (273) بأنّهم سألوا ذلك لأنّ حصوله مشروط بالوفاة على الإيمان، وقد يؤيّد هذا بأنّهم قدّموا قبله قولهم: ﴿ وتوقنا مع الأبرار ﴾ لكن هذا الجواب يقتضي قصر الموعود به على ثواب الآخرة، وأعادوا سؤال النجاة من خزي يوم القيامة لشدّته عليهم.

الخامس: أنّ الموعود الذي سألوه هو النصر على العدوّ خاصّة، فالدعاء بقولهم: ﴿ وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ مقصود منه تعجيل ذلك لهم، يعني أنّ الوعد كان لمجموع الأمّة، فكلّ واحد إذا دعا بهذا فإنّما يعني أن يجعله الله ممَّن يرى مصداق وعد الله تعالى خشية أن يفوتهم.

وهذا كقول خبّاب بن الأرتّ: هاجرنا مع النبي نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمِنَّا مَن أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبُها، ومنَّا من مات لم يأكُل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحُد، فلم نجد له ما نكفّنه إلاّ بُردة» إلخ.

وقد ابتدأوا دعاءهم وخلّلوه بندائه تعالى: خمس مرات إظهار للحاجة إلى إقبال الله عليهم.

وعن جعفر بن محمد رضي الله عنه «مَن حَزبه أمر فقال: يا ربّ خمس مرات أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد»، واقرأوا: ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً ﴾ إلى قوله: ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا ﴾ في المُنادِي قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: لَيْسَ كُلُّ النّاسِ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ  .

والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ  ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ.

﴿ يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ أيْ إلى الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا  ﴾ بِمَعْنى إلى هَذا.

وَمِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ يَعْنِي أوْحى إلَيْها كَما قالَ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها  ﴾ أيْ إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْجِزٌ وعْدَهُ فَما مَعْنى هَذا الدُّعاءِ والطَّلَبِ؟

فَفي ذَلِكَ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ بِهِ، مَعَ العِلْمِ بِإنْجازِ وعْدِهِ، الخُضُوعُ لَهُ بِالدُّعاءِ والطَّلَبِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلى التَّمَسُّكِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ اجْعَلْنا مِمَّنْ وعَدْتَهُ ثَوابَكَ.

والرّابِعُ: يَعْنِي عَجِّلْ إلَيْنا إنْجازَ وعْدِكَ وتَقْدِيمَ نَصْرِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء وابن عباس أنهما كانا يقولان: اسم الله الأكبر رب رب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس في قوله: ﴿ من تُدخل النار فقد أخزيته ﴾ قال: من تخلد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ قال: هذه خاصة لمن لا يخرج منها.

وأخرج ابن جرير والحاكم عن عمرو بن دينار قال: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ [ البقرة: 167] قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار.

قلت لجابر: فقوله: ﴿ إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ قال: وما أخزاه حين أحرقه بالنار، وإن دون ذلك خزياً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ منادياً ينادي للإيمان ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق عن محمد بن كعب القرظي ﴿ سمعنا منادياً ينادي للإيمان ﴾ قال: هو القرآن ليس كل الناس يسمع النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: سمعوا دعوة من الله فأجابوها، وأحسنوا فيها: وصبروا عليها.

ينبئكم الله عن مؤمن الأنس كيف قال، وعن مؤمن الجن كيف قال.

فأما مؤمن الجن فقال: ﴿ إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً ﴾ [ الجن: 1] .

وأما مؤمن الأنس فقال: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ قال: ستنجزون موعد الله على رسله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ قال: لا تفضحنا ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ قال: ميعاد من قال لا إله إلا الله ﴿ فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ قال: أهل لا إله إلا الله أهل التوحيد والإخلاص لا أخزيهم يوم القيامة.

وأخرج أبو يعلى عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العار والتخزية يبلغ من ابن آدم يوم القيامة في المقام بين يدي الله ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار» .

وأخرج أبو بكر الشافعي في رباعياته عن أبي قرصافة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم لا تخزنا يوم القيامة، ولا تفضحنا يوم اللقاء» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه قال: إذا فرغ أحدكم من التشهد في الصلاة فليقل: اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ﴾ [ البقرة: 201] ربنا إننا آمنا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ﴾ إلى قوله: ﴿ إنك لا تخلف الميعاد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: كان يستحب أن يدعو في المكتوبة بدعاء القرآن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه سئل عن الدعاء في الصلاة فقال: كان أحب دعائهم ما وافق القرآن.

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عسقلان أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفاً لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسون ألفاً شهداء وفوداً إلى الله وبها صفوف الشهداء، رؤوسهم تقطر في أيديهم تثج أوداجهم دماً يقولون ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك..

إنك لا تخلف الميعاد ﴾ فيقول: صدق عبيدي.

اغسلوهم بنهر البيضة فيخرجون منه بيضاً، فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ .

الإخزاء -في اللغة- يَرِدُ على معانٍ، يَقْرُبُ بعضُها مِنْ بَعْضٍ.

قال الزجاج (١) (٢) وقال شَمِر (٣) ﴿ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي  ﴾ .

وقال (٤) (٥) ﴿ أَخْزَيْتَهُ ﴾ -: أي: أهْلَكته.

وقال ابن الأنباري (٦) (٧) تَمَّتْ تَمِيمٌ يا أُخَيْطِلُ فانْجَحِرْ ...

خَزِيَ الأُخَيْطِلُ حين قُلتُ وقالا (٨) أي: هَلَكَ بانقطاع حُجّتِهِ.

ويحتمل: استحيا بانقطاعه.

يقال (٩) (١٠) (١١) وتعلقت الوَعِيدِيَّةُ بهذه الآية، وقالوا: قد أخبر الله -تعالى-: أنه لا يُخزي النبيَّ والذين آمنوا معه، فوجب أن كلّ مَنْ يدخل النارَ لا يكون مؤمنًا؛ لِقَولِه: ﴿ أَخْزَيْتَهُ ﴾ .

والجواب عن هذا، من وجوه: أحدها: ما رَوَى قتادة، عن أنسٍ (١٢) ﴿ إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ -، قال: إنك مَنْ تُخَلِّدْ في النار.

وقال الثَوْريُّ: بَلَغَنِي عن سعيد بن المسيب (١٣) ورُوي هذا المعنى -أيضًا- عن قتادة (١٤) ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ يريد: الكفار.

والثاني: أن المُدخَل في النار مَخْزِيٌّ في حال دُخُولِهِ، وإن كانت عاقبتُهُ أن يخرج منها، فإن الدخول لا يقع إلّا بخزيٍ في ذلك الوقت.

وهذا مذهب جابر بن عبد الله، واختيار ابن الأنباري.

يَدُلُّ عليه ما روي عن عَمْرُو بن دينار، أنه قال: قَدِم علينا جابر -في عُمْرةٍ -، فسألته عن هذه الآية، فقال: وما أخزاهُ (١٥) (١٦) (١٧) قال ابن الأنباري (١٨) والجواب الثالث: ما قال أهلُ المعاني، وهو: أنّ الإخزاءَ يحتمل معنيين: أحدهما: الإهانة والإهلاك والإبعاد، كما ذكرنا.

وهذا للكفّار والثاني: الإخجال؛ يقال: (خَزِيَ خَزَايَةً): إذا استحيا، و (أخزاه غَيْرُهْ): إذا عَمِلَ بِهِ عَمَلًا يُخْجِلُه، ويستحيي منه.

ومنه حديث يزيد بن شَجَرَة (١٩) (٢٠) فعلى هذا، خِزْيُ المؤمنين: الحياءُ مِنْ سائِرِ أهلِ الإيمان، بدخول النار إلى أن يخرجوا منها، وخِزْيُ الكافرين: الهلاكُ بالخلود (٢١) (١) لم أقف على مصدر قوله.

وورد عنه في: "معاني القرآن" -عند هذه الآية-: (والمَخْزِيُّ -في اللغة-: المُذَلُّ المَحقور بأمرٍ قد لَزمَهُ بِحُجَّة، وكذلك (أخزيته)؛ أي: ألزمته حجة أذْلَلْتهُ معها).

(٢) أورد هذا القول الأزهري في: "التهذيب" 1/ 1027 (خزى) ولم ينسبه لقائل؛ حيث أورد قولَ الليث بن المظفر أولًا، ثم قال: (وقال غيره ..) وذكر القول.

(٣) قوله في: "تهذيب اللغة" 1/ 1027 (خزى).

ونصه في "التهذيب": (قال شمر: قال بعضهم ..) ثم ذكره.

(٤) في (ج): (قال) بدون واو.

(٥) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ.

(٦) لم أقف على مصدر قوله.

(٧) تعرض ابن الأنباري لهذه الكلمة في "الزاهر" 1/ 374 فقال عن قولهم (أخزى الله فلانًا): (معناه: أذله الله وكسَره وأهلكه.

قال أبو العباس: الأصل فيه: أن يفعل الرجل فَعْلَةً، يستحي منها وينكسر لها، ويذل من أجلها ..).

(٨) البيت في: ديوانه: 362.

وهو من قصيدة يهجو فيها الأخطل، الشاعر النصراني.

وروايته في الديوان: (تمت تميمي يا أخيطل فاحتجز ..).

ومعنى (فانْجَحِرْ): ادخل جُحرك.

من: (جَحَرَ الضبُّ): دخل جُحره و (جَحَرَ فلانٌ الضَبَّ): أدخله في جحره.

انظر: "القاموس" ص 362 (جحر).

(٩) من قوله: (يقال ..) إلى (..

إذا استحيا): موجود في: "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 374.

(١٠) قوله: (خزيًا: إذا هلك وخزي يخزى) ساقط من (ج).

(١١) ونصه عند ابن الأنباري: (يقال: (خَزِي يخزَى خزايَةً): إذا استحيا.

و (خزِي يخزَى خِزْيا): إذا انكسر وهلك وذل).

(١٢) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 211، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 842، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 526، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ.

(١٣) قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 142، و"تفسير الطبري" 4/ 211، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ، وفيها: (أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب ..).

وأورده ابن أبي حاتم في "تفسيره" 964 بدون إسناد.

(١٤) قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 4/ 842، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ.

وهو قول: سعيد بن جبير، وابن جريج، ومقاتل.

انظر: "زاد المسير" 1/ 528.

(١٥) (أ) ، (ب): (اخزاؤه).

ولا وجه لها -هنا-.

والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر التالية.

وقوله: (وما أخزاه) أي: ما أشد وأكثر خزيه!

أو: يا لخزيه!.

(١٦) في (ب): (ذلك) وكذا وردت في مصادر الخبر.

(١٧) أخرج الخبر: الحاكم في "المستدرك" 2/ 300، والطبرى في "تفسيره" 4/ 211،== وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 196.

وقد رجح الطبريُّ هذا القول.

انظر: "تفسيره" 4/ 211.

(١٨) لم أقف على مصدر قوله.

(١٩) هو: يزيد بن شَجَرة بن أبي شجرة الرُّهاوي.

شامي من مذحج، مُخْتَلَفٌ في صُحبته، وكان معاوية (يستعمله على الجيوش، وكان أميرًا حازمًا، قتل في إحدى الغزوات سنة (55 هـ)، وقيل: (58 هـ).

انظر: "الاستيعاب" 4/ 138، و"الكامل" 3/ 190، 227، و"أسد الغابة" 5/ 495، و"الإصابة" 3/ 658.

(٢٠) الأثر، مِنْ خُطبة ليَزيد بن شجرة، أخرجه ابن المبارك في "الزهد" 43 رقم (133)، موقوفًا على يزيد، قال: (أخبرنا زائدة عن منصور عن مجاهد، قال: كان يزيد بن شجرة مما يُذَاكرنا فيبكي ..) وذكره.

وأخرجه أبو عبيد بن سلام في "غريب الحديث" 4/ 358 - 359، موقوفًا.

وأورده الأزهريُّ في "تهذيب اللغة" 1/ 1027 نقلًا عن أبي عبيد، وأورده الزمخشري في "الفائق" 1/ 317، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 277.

وقد أورده -كذلك-: ابنُ الأثير في "أسد الغابة" 5/ 495، بنحوه، مرفوعًا عن يزيد، وكذا أورده ابن حجر في "الإصابة": 3/ 658، مرفوعًا عن يزيد.

وعزاه، ابن حجر للخرائطي في: مكارم الأخلاق، وابن أبي شيبة، وعزاه للبغوي من طريق خالد الواسطي، ولأبي نعيم من طريق مسعود بن سعد، عن يزيد، ونسب ابن == حجر إخراجه لآخرين غيرهم من طرق مختلفة، ونقل عن البغوي أنه موقوف، وقال ابن حجر: (وهو الصواب).

(٢١) في (ب): (في الخلود).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واختلاف اليل والنهار ﴾ ذكر في البقرة ﴿ قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ ﴾ أي يذكرون الله على كل حال؛ فكأن هذه الهيآت حصر لحال بني آدم، وقيل: إن ذلك في الصلاة: يصلون قياماً فإن لم يستطيعوا صلوا قعوداً، فإن لم يستطيعوا صلوا على جنوبهم ﴿ رَبَّنَآ ﴾ أي يقولون: ربنا ما خلقت هذا لغير فائدة بل خلقته وخلقت البشر، لينظروا فيه فيعرفونك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الأبرار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء.

والكسائي والنجاري عن ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وكذلك كل ما تكرر فيه الراء غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن.

﴿ وقتلوا وقاتلوا ﴾ حمزة وعلي وخلف، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ وقتلوا ﴾ مشدداً.

الباقون: ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ مخففاً.

﴿ لا يغرنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس.

الباقون بالتشديد ﴿ نزلاً ﴾ حيث كان بالاختلاس عباس.

الوقوف: ﴿ الألباب ﴾ ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفاً نصباً أو رفعاً على المدح بتقدير أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر.

﴿ والأرض ﴾ ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا.

﴿ باطلاً ﴾ ج للابتداء بسبحانك تعظيماًَ وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب.

﴿ النار ﴾ ه ﴿ أخزيته ﴾ ط ﴿ أنصار ﴾ ه ﴿ فآمنا ﴾ قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ معطوف على ﴿ آمنا ﴾ أي إذا آمنا فاغفر.

﴿ الأبرار ﴾ ه ج للآية وللعطف.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ج لاتحاد الكلام وإلا فبعضكم مبتدأ ﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ز لأن ﴿ ثواباً ﴾ مفعول له أو مصدر.

﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ للأبرار ﴾ ه ﴿ لله ﴾ لا لأن ما بعده حال آخر ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض / الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء، عن ابن عمر "قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله  .

فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب.

أتاني في ليلتي فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟

فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقوية، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه فقد بلت الأرض.

فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟

ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .

وعن علي "أن النبي  كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ " واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل، وههنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيهاً على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاخلع نعليك  ﴾ يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية.

وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر.

وإنما قال في تلك السورة ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ لآيات لأولي الألباب ﴾ لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلاً وفي كمال الحال يكون لباً.

وباقي التفسير قد مرهناك.

ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن.

فقوله: ﴿ الذين يذكرون الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان.

وقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان.

والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال  : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " وقيل: المراد بالذكر ههنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد.

وهذا موافق لمذهب الشافعي في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثاً طبياً، وهو أن الاستلقاء يمنع من استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب.

والصلاة إذا كانت عن فكر وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر فذاك وضع الغافلين.

وقال أبو حنيفة: بل يصلي مستلقياً إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ إشارة إلى عمل الجنان.

وقد عرفت معنى الفكر في البحث الخامس من تفسير قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وإنما لم يقل و "يتفكرون في الله" كما قال: ﴿ يذكرون الله ﴾ لقوله  : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" " والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه.

فالفكر في المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه متنج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره  محال لأن تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أوّلاً أن لها رباً وصانعاً فيقول: ﴿ ربنا ﴾ .

ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم إذا قاس أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته  منزه عن مشابهة شيء من هذه المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة فيقول: ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بلك من مناسبة الجواهر والأعراض.

ثم إذا بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ ، ثم ذكر سبب الاستعاذة من النار بقوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ أي أبلغت في إخزائه نظيره قوله: ﴿ فقد فاز  ﴾ وفي كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك.

ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد  وذلك قوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ الآية.

فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات والآيات على وجه / " "ألقى في روعي " والله أعلم بأسرار كلامه.

عن النبي  : " "بينما رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " وعنه  : " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض" قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض.

وعنه  : " "لا عبادة كالتفكر" وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض بتأويل المخلوق.

وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضراً في خزانة الخيال.

و ﴿ باطلاً ﴾ نصب على المصدر أي خلقاً باطلاً أو على الحال، وقيل.

بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل.

قالت المعتزلة: فيه دليل على أن كل ما يفعله الله  فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية.

وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ جملة معترضة تنزيهاً له من العبث وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

فوجه النظم في قوله: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار جزاء من عصى ولم يطع.

وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله  ، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.

والباطل في اللغة الذاهب الزائل.

الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال.

والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: ﴿ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً  ﴾ ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع بهما.

ثم لما وصف ذاته  بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه  خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي.

قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص.

وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى / العادة لا على سبيل الحقيقة.

والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله  مستتبعة لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره.

ثم إنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: ﴿ سبحانك ﴾ على الطلب ليكون أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله  عباده في حسن الطلب.

قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة.

عن الزجاج: أخزى الله العدوّ أي أبعده.

وقيل: أهانه.

وقيل: فضحه.

وقيل: أهلكه.

وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن وهو مع النبي  مخزي أن لا يكون غيره وهو مؤمن مخزي.

وأيضاً الآية ليست على عمومها لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا  ﴾ فثبت أن كل من دخل النار فإنه ليس بمخزي.

وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا النار للخلود.

وأيضاً إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج.

وقوله: ﴿ يوم لا يخزي  ﴾ نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهي نفي الخزي المخلد.

ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي.

واحتجت المرجئة بالآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ ولقوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي  ﴾ والمدخل في النار مخزي بهذه الآية.

والمقدمات بأسرها يدخلها المنع.

أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبله مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئيه الموضوع كما تقرر آنفاً.

وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني.

وقد يتمسك المعتزلة بقوله: ﴿ وما للظالمين ﴾ أي الداخلين في النار ﴿ من أنصار ﴾ أي في نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ في [البقرة:254] وأيضاً لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤول معنى الآية إلى أن الأمر يومئذٍ لله.

وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم هذه الحجة بخلاف الفساق.

وأيضاً أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية.

قالوا: الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصراً له.

وعورض بالآيات الدالة على العفو ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ﴾ تقول: سمعت رجلاً يتكلم بكذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالاً عنه.

والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله  ﴿ ادع إلى سبيل ربك  ﴾ ﴿ أدعوا إلى الله  ﴾ ﴿ وداعياً إلى الله  ﴾ وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: ﴿ إن هذا القرآن يهدي  ﴾ كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم ﴿ تدعو من أدبر وتولى  ﴾ والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة تصاريفه قال: يا واضع الميت في قبره *** خاطبك الدهر فلم تسمع ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل من اللام و"إلى" مقام الأخرى نظراً إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معاً.

وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا.

وقيل: معناه لأجل الإيمان.

ولهذا الغرض فسر بقوله: ﴿ أن آمنوا ﴾ و"أن" مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن آمنوا والفائدة في الجمع بين المنادي وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذٍ أوقع في النفس وأعز.

﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ أصل الغفر والتكفير كلاهما الستر والتعطية.

وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء.

وقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

وقيل: الأوّل أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف.

وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، والثاني ما أتى به مع الجهل بكونه ذنباً ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة أي مساوٍ له في ذلك الاعتقاد.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في ﴿ فاغفر ﴾ بعد قولهم: ﴿ آمنا ﴾ ثم إنه  أجابهم إلى ذلك بقوله: ﴿ فاستجاب لهم ﴾ ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي  لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى.

﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا / على رسلك ﴾ أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول، وعقيب قوله: ﴿ آمنا ﴾ وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد الله الجنة على الطاعة.

ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل.

وقيل: على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب.

وقيل: النصر على الأعداء.

وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سميا العبودية.

أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا عما بها نكون أهلاً لإخزانك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء.

أو المراد احفظ علينا أسباب إنجاز الميعاد.

وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق.

ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا الأدعية بقولهم ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ لأن التخجيل والتفضيح يكدّر صفو كل منٍّ وعطاء.

والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: ﴿ ربنا ﴾ ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم لا تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملاً بها فقالوا: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو النار فتضرعوا إلى معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء.

عن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد لأن الله  حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات "ربنا" ثم قال: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ أي أجابهم ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي "من" ذكر للتبيين لأن العامل إما ذكر وإما أنثى وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله.

أو المراد بعضكم كأنه من البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي.

قال  : " "من غشنا فليس منا " وقيل: المراد وصلة الإسلام.

وهذه جملة معترضة بيّن بها شركة النساء مع / الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل.

روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.

ثم فصل عمل العامل منهم تفخيماً لشأن العمل وتنويهاً بذكره فقال: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ أوطانهم مع الرسول  أو بعده باختيارهم ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ ألجأهم الكفار إلى الخروج ﴿ وأوذوا في سبيلي ﴾ يريد طريق الدين ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم.

وقيل: أي قطعوا.

ومن قرأ ﴿ قتلوا وقاتلوا ﴾ فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: قاتلوا حتى قتلوا.

وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل وإذا قتل قومه وعشيرته.

وإما بإضمار "قد" أي قتلوا وقد قاتلوا ﴿ لأكفرنّ ﴾ جواب للقسم المقدر ﴿ عنهم سيئاتهم ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ ﴿ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ ﴿ ثوباً من عند الله ﴾ وهو الذي طلبوه من الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ أي ثوباً يختص به وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه.يقول الرجل: عندي ما تريد أنا مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته.

و ﴿ ثواباً ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي إثابة أو تثويباً من عنده لأن قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ ﴿ ولأدخلنهم ﴾ في معنى لأثيبنهم.

وقال الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال.

وقال الفراء: نصب على التفسير كقولك: هو لك هبة أوبيعاً أو صدقة.

ثم ختم بقوله: ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات.

وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة تكاليفه دليل على أن حكمة الله  اقتصت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأساً.

عن الحسن: أخبر الله  أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ثم إنه  لما وعد المؤمنين الثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: ﴿ لا يغرنك ﴾ والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول والمراد الأمة.

قال قتادة: والله ما غرّوا نبي الله حتى قبضه الله وله.

والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه.

قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت.

وقيل: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت.

والمراد بتقلبهم / تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح ﴿ متاع قليل ﴾ في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين.

والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال ﴿ لكن الذين اتقوا ﴾ الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي.

والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاَ فلا بد من شيء آخر يكون اصلاً بالنسبة إليها، قلت: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وما عند الله باق  ﴾ إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة.

وقيل: المعنى وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وانتصاب ﴿ نزلاً ﴾ على الحال من ﴿ جنات ﴾ لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، أو نصب على التفسير كما قلنا في ﴿ ثواباً ﴾ .

ثم إنه  لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ وهذا قول مجاهد.

وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى  فأسلموا.

وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: "نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله  في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله  للأصحاب: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم.

قالوا: ومن هو؟

قال: النجاشي: فخرج رسول الله  إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: استغفروا له.

فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية" .

واللام في ﴿ لمن يؤمن ﴾ لام الابتداء الذي يدخل على خبر "إن" أو على اسمه عند الفصل كما في الآية.

والمراد ﴿ بما أنزل إليكم ﴾ القرآن ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ الكتابان و ﴿ خاشعين لله ﴾ حال من فاعل يؤمن لأن "من" في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ﴿ لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ﴾ كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله: ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات.

أو المراد سرعة موعد حسابه / فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر.

ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها.

الثاني ما يتعلق بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو بالسنان.

ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام بالصبر والمصابرة من قهر القوى النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من الربط الشدّ.

فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه.

ثم لا بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتداً بها، فلهذا أمر بتقوى الله.

ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على كنوز الحكم والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا.

ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما تقدم في هذه السورة من الأصول.

وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد.

ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد.

وعن الحسن ﴿ اصبروا ﴾ على دينكم فلا تتركوه بسبب الفقر والجوع ﴿ وصابروا ﴾ عدوّكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم أحد.وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا أصبر منكم.

وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله  في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها.

ولما كثر ترغيب الله  في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة مع الأعداء.

أما البرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في الثغور ويربط أولئك أيضاً خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر قال  : ﴿ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم  ﴾ وعن النبي  : " من رابط يوماَ وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "لم يكن في زمن رسول الله  غزو يرابط فيه، ولكن انظار الصلاة خلق الصلاة" .

وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم.

التأويل: / إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب.الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً.

وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلاً أي خلقته إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق.

سبحانك تنزيهاً للحق عن الشبه بالخلق، ﴿ فقنا ﴾ باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ففيها كل الخزى والندامة والغواية والضلالة.

ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا ﴾ من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا.

فاغفر لنا بفضلك ورحمتك.

﴿ لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ بالظاهر والباطن ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ على قدر همتكم ورجوليتكم ﴿ فالذين هاجروا ﴾ عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ من معاملات الطبيعة وديارها إلى عالم الحقيقة بسطوات تجلي صفات الربوبية ﴿ وأوذا في ﴾ طلبي بأنواع البلاء ﴿ وقاتلوا ﴾ مع النفس ﴿ وقتلوا ﴾ بسيف الصدق ﴿ لأكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم ﴿ ولأدخلنهم جنات ﴾ الوصول فيها أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوّة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أنهار العناية ﴿ ثواباً ﴾ من مقام العندية ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لايكون عند الجنة وغيرها ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، و ﴿ يؤمن بما أنزل إليكم ﴾ من الواردات والإلهامات والكشوف ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ من الخواطر الرحمانية ﴿ خاشعين لله ﴾ كما قال  : "إذا تجلى الله لشيء خضع له" ﴿ لا يشترون ﴾ بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم ﴿ اصبروا ﴾ على جهاد النفس بالرياضات ﴿ وصابروا ﴾ في مراقبة القلب عند الابتلاءات ﴿ ورابطوا ﴾ الأرواح للوصل بالله ﴿ واتقوا الله ﴾ في الالتفات إلى ما سواه ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ فتفوزوا بالبقاء بالله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ : في الآية وجوه.

أحدها: أنه خلق السماوات والأرض للبشر ولمنافعهم، لا أنه خلقهما لأنفسهما: لا منفعة لهما بخلقه إياهما؛ حتى يكون خلقه لأنفسهما؛ إذ خلق الشيء لا لمنفعة أحد أو للفناء خاصة - عَبَثٌ، فإذا كان ما ذكرنا أنه لا منفعة لهما في خلقهما - دل أنه إنما خلقهما لمنافع البشر، وسخرهما لهم، ثم جعل منافع السماء مع بُعْدِها من الأرض متصلة بمنافع الأرض؛ حتى لا تقوم منافع هذا إلا بمنافع الآخر؛ فيصيرهما كالمتصلين؛ لاتصال المنافع مع بعد ما بينهما؛ فدل هذا أن الذي أنشأهما واحد.

وكذلك: ﴿ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ : هما مختلفان: أحدهما ظلام والآخر نور، يُفْنِيان الأعمار ويقربان الآجال، وليس بينهما في رأي العين تشابُهٌ ولا تشاكل؛ إذ أحدهما نور والآخر ظلام، وهما متضادان، لكن خلقهما لمنافع البشر، والمقصود بخلقهم بنو آدم لا أنفسُهُم، على ما ذكرنا أنْ لا منفعة لهم في خلقهم، ثم صيَّرهما مع اختلافهما وتضادهما كالشكلين؛ لاتصال منافع بعضها ببعض؛ دل أن منشئهما واحد، وأنه عليم حكيم؛ حيث جمع من المتضادين المختلفين وصيَّرهما كالشكلين؛ وهما لعلم وحكمة وتدبير صارا كذلك.

وفهيما دلالة البعث؛ لأنهما يَفنيان حتى لا يبقى من الليل أثر حتى يجيء النهار، فيذهب النهار أيضا حتى لا يبقى من النهار أثر، فيجيء آخر، لا يزالان كذلك، فإذا كان قادراً على خلق الليل وإنشائه من غير أثر بقي من النهار؛ وكذلك قادر على إنشاء النهار من غير أن بقي من الليل أثر ظلام - لقادر على أن ينشئ الخلق ثانياً ويحييهم، وإن فَنُوا وهلكوا ولم يبق منهم أثر؛ فإذا كان ما ذكرنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما لمنافع البشر، وهو المقصود من خلقهما لا غيرهم من الخلائق؛ لما ركب فيهم من العقول والبصر الذي بهما يميزون بين المنافع والمضار، وبين الخبيث والطيب، وبين الحسن والقبيح، ولم يركب ذلك في غيرهم من الخلائق - لابدَّ من أمر ونهي: يأمر بأشياء، وينهى عن أشياء؛ يمتحنهم على ذلك؛ إذ هم أهل التمييز والفهم والبصر؛ فإذا كان ما ذكرنا، لا بد - أيضاً - من دار أخرى للجزاء، يُكْرَمُ المطيع له فيها والولي، و يُعَاقَبُ العدو فيها والعاصي، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ ﴾ : يحتمل هذا لما جعل الله -  - على العبد في كل حالٍ نعمةً ليست تلك في غيرها من الأحوال، نحو: أن جعل القيام نعمة في قضاء حوائجه وتقلبه في تلك الحال، وجعل القعود راحة له عند الإعياء، وكذلك الأضطجاع؛ فاستأداهم بالشكر له في كل نعمة على حال من تلك الأحوال، ومدحهم على ذلك إذا فعلوا.

ويحتمل: أن يكون -  - أمرهم أن يذكروه في كل حال: في حال الرخاء والشدة، وفي الضراء والسراء، لا في حال دون حال، على ما يفعله بعض خلقه: يذكرونه في حال الشدَّة والضراء، ولا يذكرونه في حال الرخاء واليسر، ويذكرونه في حال الرخاء واليسر، ولا يذكرونه في حال الشدة والبلاء، فمدح المؤمنين أنهم يذكرونه في كل حال، لا على ما يفعله أهل الشرك [على إرادة نفس القيام]، ونفس القعود والاضطجاع؛ ولكن على كل حال وفي كل وقت، والله أعلم.

وقيل: إنه جاء في رخصة صلاة المريض: يصلِّي قائماً إن استطاع، وإلا فقاعداً إن لم يستطع، وإلا فمضطجعاً، وكذلك روي عن ابن مسعود -  - أنه قال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ إذ في خلقهما دليل وحدانيته، وشهادة ربوبيته.

﴿ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ﴾ : أي: عبثاً، ولكنَّ خَلْقَهُمْ دَلِيلٌ على وحدانيتك، وشاهد على ربوبيتك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ : هو للتبرئة، والتنزيه: هو إبعاده عن العيب، وتبريئه منه، وتطهيره عما يقول الكفار، وهو حرف يقدم عند حاجات ترفع إليه، ودعوات يدعى بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴾ : قيل: أَذْلَلْتَهُ وفضحتَهُ وأهنتَه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ : أي: مانع يمنع عنهم العذاب ويدفع، ويحتمل الأنصار: الأعوان، أي: ليس لهم أعوان يعينونهم في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: أحدهما: على حقيقة السمع أن سمعنوا منادياً يدعوهم إلى الإيمان، وهو رسول الله  أو القرآن، كلاهما يدعوان الخلق إلى الإيمان بالله.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ، أي: عقلنا، وعَقْلُ كُلِّ أحد يدعو إلى التوحيد والإيمان به.

وقيل: سمعوا دعوة الله فأجابوها، وصبروا عليها.

وعن ابن عباس -  -: المنادى: محمد  ، ثم قرأ: ﴿ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ...

﴾ الآية [الأنعام: 19].

وعن غيره: المنادى هو القرآن، ويدعوهم ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ ﴾ .

[وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ فيه دلالة أن الإيمان ليس هو جميع الطاعات، على ما يقول بعض الناس؛ ولكنه فرد تصديق؛ لأنه لما قال لهم: آمنوا بربكم لم يطلبوا التفسير، ولا قالوا: كم أشياء تكون؟!، ولكن أجابوه إجابة موجزة، فقالوا: ﴿ فَآمَنَّا رَبَّنَا ﴾ ].

ثم فيه دلالة أن لا ثُنَيَّا في الإيمان؛ لأنهم أطلقوا القول في الإخبار عن إيمانهم من غير ذكر حرف الثنيا؛ دلَّ أن الإيمان مما لا يحتمل الثنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ : قيل: قولهم: ﴿ فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ : التي كانت فيما مضى من عمرنا، ﴿ وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا ﴾ ، أي: اعصمنا فيما بقى من عمرنا، أو: وفقنا للحسنات التي تكفر سيئاتنا؛ لما قد يلزم العبدَ التكفيرُ لما أساء.

وقيل: المغفرة والتكفير كلاهما سواء؛ لأن المغفرة هي الستر، وكذلك التكفير؛ ولذلك سُمِّى الحراثون: كفاراً؛ لسترهم البذر في الأرض؛ وكذلك الكافر سمى كافراً؛ لستره الحق بالباطل، ولستره جميع ما أنعم الله عليه بتوجيه الشكر إلى غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ ﴾ ، أي: توفنا واجعلنا مع الأبرار.

ويحتمل: وتوفنا من الأبرار وفي الأبرار.

ثم اختلف في البَرِّ: قيل: هو الذي لا يؤذي أحداً، وقيل: الأبرار: الأخيار.

ويحتمل: توفنا على ما عليه توفيت الأبرار، وتوفنا وإنَّا أبرارٌ.

والبر: الطاعة، والتقوى: ترك المعصية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ : قيل فيه وجهين: قيل: وآتنا ما وعدتنا على ألسن رسلك، على إضمار "ألسن" كقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً  ﴾ وقيل: ﴿ مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، أي: ما جعلت عليهم من الاستغفار للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ ، وكقوله إبراهيم -  -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ  ﴾ ، وكقول نوح -  -: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

ثم بيننا وبين المعتزلة كلام في الآية: قالت المعتزلة: يجوز الدعاء والسؤال عنه بما قد أعطى، وما عليه أن يعطي نحو ما ذكر من السؤال بما وعد، وما وعد لا شك أنه يعطي، وأنه لا يخلف المعياد، ونحو قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ  ﴾ وهو لا يحكم بالجور.

وأما عندنا: أن السؤال عما عليه أن يعطي - يخرج مخرج الدعاء له ربنا لا تَجُرْ ولا تَظْلم، إن هذا لا يقال إلا لمن يخاف الجور منه والظلم؛ إذ يعلم أن ذلك عليه، والسؤال عما قد أعطى محال؛ لأنه يخرج مخرج كتمان ما أعطى، أو ليس عنده ما يعطيهم؛ فيخرج مخرج السخرية به؛ لذلك بطل السؤال، والله أعلم.

ثم تأويل الآية عندنا على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، يحتمل أن يكون الوعد منه لرسله باستغفار الرسل، إذا كان من المؤمنين استغفار وسؤال؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ...

﴾ الآية [النساء: 64]: وعد لهم المغفرة لهم باستغفار الرسول؛ إذا كان منهم استغفار وسؤال، يقول: اجعل دعائي دعاء من جاء إلى النبي  مستغفراً فاستغفر له، وكقوله - أيضاً -: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً  ﴾ .

والثاني: يحتمل أن يكون الوعد: لهم إذا ماتوا على ذلك، فالدعاء كان منهم، والسؤال: أنه إذا أماتهم يميتهم على الإيمان، على ما كانوا أحياء، والمغفرة والرحمة حينئذ تكون لهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ  ﴾ فله كذا، ولم يقل: من عمل بها فله كذا، ولكن ذكر مجيئه بها، فعلى ذلك الأوَّل، والله أعلم.

ثم يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم.

وفيما ذكر من تأويل الآية في الابتداء كفاية من ذلك، والله أعلم.

والثالث: يدعو؛ ليجعلهم من الجملة الذين كان لهم الوعد؛ إذ الوعد غير مُبَيَّنٍ لمن هو؛ فسألوا أن يجعلهم في تلك الجملة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإنك -يا ربنا- من تدخل النار من خلقك فقد أهنته وفضحته، وليس للظالمين يوم القيامة من أعوان يمنعون عنهم عذاب الله وعقابه.

<div class="verse-tafsir" id="91.gbXLo"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه اتصال الآية الأولى بما قبلها أنها جاءت بعد أفاعيل أهل الكتاب وغيرهم مع المؤمنين، فهي تدل على أن أولئك المجادلين لو كانوا يتفكرون في خلق السماوات والأرض لكفوا من غرورهم ولعلموا أنه يليق بحكمته تعالى أن يرسل إلى الناس رسولًا من أنفسهم، ولكنه جعل الآية مطلقة موجهة إلى أولي الألباب ليطلق النظر لكل عاقل.

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ السماوات ما علاك مما تراه فوقك، والأرض ما تعيش عليه، والخلق التقدير والترتيب لا الإيجاد من العدم كما اصطلح عليه في علم الكلام فذلك لا يتضمن معنى النظام والإتقان وهو ما هي عليه الواقع ونفس الأمر، وبعد ما ذكر خلق السماوات والأرض لفت العقول إلى أمر مما يكون في الأرض وهو اختلاف الليل والنهار، فإن هذا الاختلاف قائم بنظام في طول الليل والنهار وقصرهما وتعاقبهما وهذا أمر عظيم سواء كان سببه ما كانوا يعتقدون من أنه حادث من حركة الشمس، أو ما يعتقدون الآن من أن سببه حركة الأرض تحت الشمس ومن الحكم في ذلك ما نراه في أجسامنا وعقولنا من تأثير حرارة الشمس ورطوبة الليل وكذا في تربية الحيوانات والنبات وغير ذلك، ولو كان الليل سرمدًا والنهار سرمدًا لفاتت.

وهذه الآيات تظهر لكل أحد على قدر علمه وفهمه وجودة فكره، فأما علماء الهيئة فإنهم يعرفون من نظامها ما يدهش العقل، وأما سائر الناس فحسبهم هذه المناظر البديعية والأجرام الرفيعة وما فيها من الحسن والروعة، وخص أولي الألباب بالذكر مع أن كل الناس أولي ألباب لأن من اللب ما لا فائدة فيه كلب الجوز ونحوه إذا كان عفنا، وكذا تفسد ألباب بعض الناس وتعفن فهي لا تهتدي إلى الاستفادة من آيات الله في خلق السماوات والأرض وغيرهما، وإنما سمي العقل لبًا لأن؛ اللب هو محل الحياة من الشيء وخاصته وفائدته، وإنما حياة الإنسان الخاصة به هي حياته العقلية، وكل عقل متمكن من الاستفادة من النظر في هذه الآيات والاستدلال بها على قدرة الله وحكمته ولكن بعضهم لا ينظر ولا يتفكر وإنما العقل الذي ينظر ويستفيد ويهتدي هو الذي وصف أصحابه بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ  ﴾ والذكر في الآية على عمومه لا يخص بالصلاة والمراد بالذكر ذكر القلوب وهو إحضار الله تعالى في النفس وتذكر حكمه وفضله ونعمه في حال القيام والقعود والاضطجاع، وهذه الحالات الثلاث التي لا يخلو العبد عنها تكون فيها السماوات والأرض معه لا يتفارقان.

والآيات الإلهية لا تظهر من السماوات والأرض إلا لأهل الذكر فكأين من عالم يقضي ليله في رصد الكواكب فيعرف منها ما لا يعرف الناس، ويعرف من نظامها وسننها وشرائعها ما لا يعرف الناس، وهو يتلذذ بذلك العلم ولكنه مع هذا لا تظهر له هذه الآيات لأنه منصرف عنها بالكلية.

ثم إن ذكر الله تعالى لا يكفي في الاهتداء إلى الآيات ولكن يشترط مع الذكر التفكير فيها فلابد من الجمع بين الذكر والفكر، فقد يذكر المؤمن بالله ربه ولا يتفكر في بديع صنعه وأسرار خليقته، وبذلك قال: ﴿ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار  ﴾ أي مع التفكير في خالقهما، أما الذين يشتغلون بعلم ما في السماوات والأرض وهم غافلون عن خالقهما، ذاهلون عن ذكره يمتعون عقولهم بلذة العلم ولكن أرواحهم تبقى محرومة من لذة الذكر ومعرفة الله  ، فمثلهم كمثل من يطبخ طعامًا شهيًا يغذي جسده ولكنه لا يرقى به عقله.

هذا حكاية لقول هؤلاء الذين يجمعون بين تفكرهم وذكر الله  ويستنبطون من اقترانهما الدلائل على حكمه الله وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان التي تربط الإنسان بربه حق الربط، وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم، فطي هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع وفيه تعلم المؤمنين كيف يخاطبون الله تعالى عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه، كأنه يقول هذا هو شأن المؤمن الذاكر المتفكر يتوجه إلى الله في هذه الأحوال، بمثل هذا الثناء والدعاء والابتهال، وكون هذا ضربًا من ضروب التعليم والارشاد، لا يمنع أن بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكروا ثم قالوا هذا أو ما يؤدي معناه فذكر الله حالهم وابتهالهم، ولم يذكر قصتهم وأسماءهم، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم، وأسوة في سيرتهم، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم، إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم.

أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلًا فمعناه أن هذا الإبداع في الخلق والاتقان للصنع لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفنانية فقط، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصنع، كلما ازداد تفكيرًا ازداد علمًا، حتى إنه لا حد يُعْرف لفهمه وعلمه ولا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلًا ثم يذهب سدى، ويتلاشى فيكون باطلًا، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله، ولهذا وصل الثناء بهذا الدعاء، ومعناه جنبنا السيئات، ووفقنا للأعمال الصالحات، حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن.

ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر مع الذكر إلى بقاء العالم واستمراره لأن نظامه البديع لا يمكن أن يجعله العليم الحكيم باطلًا، وبعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار في الحياة الثانية، يتوجهون إليه قائلين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ  ﴾ أي إنهم ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي العظيم الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالأسرار والحكم والدلائل على قدرته وعزته فيعلمون أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر عليه، وأن من عاداه فلا ملجأ ولا منجا له منه إلا إليه، فيقرون بأن من أدخله ناره فقد أخزاه أي أذله وأهانه.

﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ  ﴾ وصف من يدخلون النار بالظالمين تشنيعًا لأعمالهم وبيانًا لعلة دخولهم وهو جورهم وميلهم عن طريق الحق، فالظالم هنا هو الذي يتنكب الطريق المستقيم لا الكافر خاصة كما قال المفسرين فإن هذا التخصيص لا حاجة إليه، ولا دليل عليه، وإنما سببه ولوع الماس بإخراج أنفسهم من كل وعيد يذكر في كتابهم، وحمله بالتأويل والتحريف على غيرهم، كذلك فعل السابقون، واتبع سننهم اللاحقون، فكل ظالم يؤخذ بظلمه، ويعاقب على قدره، ولا يجد له نصيرًا يحميه من أثر ذنبه.

ثم إنهم بعد التعبير عما أثمره الفكر والذكر من معرفة الله تعالى وخشيته ودعائه عبروا عما أفادهم السمع من وصول دعوة الرسول إليهم واستجابتهم له وما يترتب على ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا  ﴾ المنادي للإيمان هو الرسول، وذكره بوصف المنادي تفخيمًا لشأن هذا النداء، وذكر استجابتهم بالعطف بالفاء لبيان أنهم بعد الذكر والفكر والوصول منها إلى تلك النتيجة الحميدة لم يتلبثوا بالإيمان الذي يدعوهم إليه الانبياء كما تلبث قوم واستكبر آخرون، بل بادروا وسارعوا إليه لأنهم إنما يدعونهم إلى ما اهتدوا إليه مع زيادة صالحة تزيدهم معرفة بالله تعالى وبصيرة في عالم الغيب والحياة الآخرة اللتين دلهم الدليل على ثبوتها دلالة مجملة مبهمة، والأنبياء يزيدونها ويوحيه الله إليهم بيانًا وتفصيلًا.

وعلى هذا التفسير يكون المراد بالآيات بيان أنه كان في كل أمة أولو ألباب هذا شأنهم مع أنبيائهم ويصح أن يكون المراد بالمنادي نبينا  خاصة.

وسماع النداء يشمل من سمع منه مباشرة في عصره ومن وصلت إليه دعوته بعده ويتحمل أن يكون قولهم فآمنا مرادًا به إيمان جديد غير الإيمان الذي استفادوه من التفكر والذكر وهو الإيمان التفصيلي الذي أشرنا إليه آنفًا، ويحتمل أن يكون سمعوا دعوة الرسول أولًا وآمنوا به ثم نظروا وذكروا وتفكروا فاهتدوا إلى ما اهتدوا إليه من الدلائل التي تدعم إيمانهم فذكروا النتيجة، ثم اعترفوا بالوسيلة، ولا ينافي ذلك تاخير هذه عن تلك في العبارة كما هو ظاهر.

﴿ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا  ﴾ تفيد الفاء في قوله ﴿ فَاغْفِرْ  ﴾ اتصال هذا الدعاء بما قبله وكون الإيمان سببًا له، والمراد بالإيمان الإذعان للرسل في النفس والعمل، لا دعوى الإيمان باللسان مع خلو القلب من الاذعان الباعث على العمل، ولأجل هذا اسشعروا الخوف من الهفوات والسيئات فطلبوا المغفرة والتفكير.

وقال بعض المفسرين إن المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر.

وعندي أن الذنوب هي التقصير في عبادة الله تعالى وكل معاملة بين العبد وربه، والسيئات هي التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم بعضًا، فالذنب معناه الخطيئة، وأما السيئة فهي ما يسوء فاشتقاقها من الإساءة يشعر بما قلناه، وغفر الذنوب عبارة عن سترها وعدم العقوبة عليها البتة، وتكفير السيئات عبارة عن حطها وإسقاطها فكل من الطلبين مناسب لما ذكرنا من المعنيين ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ  ﴾ أي أمتنا على حالتهم وطريقتهم، يقال: أنا مع فلان أي على رأيه وسيرته ومذهبه في عمله، والأبرار هم المحسنون في أعمالهم.

﴿ رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ  ﴾ ، على رسلك معناه لأجل رسلك، أي لأجل اتباعهم والإيمان بهم.

فالكاف للتعليل، واستشكل البعض هذا السؤال منهم مع إيمانهم بأن الله لا يخلف الميعاد، والمختار عندي في الجواب عنه أن هؤلاء قوم هداهم النظر والفكر إلى معرفة الله تعالى واستشعار عظمته وسلطانه، وإلى ضعف أنفسهم عن القيام بما يجب من شكره، والقيام بحقوقه وحقوق خلقه، فطلبوا المغفرة والتفكير والعناية الإلهية التي تبلغهم ما وعد الله من استجابوا للرسل ونصروهم وأحسنوا اتباعهم.

﴿ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ أي لا تذلنا.

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى  ﴾ استجاب دعاءهم لصدقهم في الإيمان والذكر والفكر والتقديس والتنزيه، والوصول إلى معرفة الحياة الآخرة، وصدق الرسل وإيمانهم بهم وشعورهم بعد ذلك كله بأنهم ضعفاء مقصرون في الشكر محتاجون مغفرته لهم وفضله عليهم وإحسانه بهم بإيتائهم ما وعدهم، ولكن هذه الاستجابة لم تكن بعين ما طلبوا كما طلبوا ولذلك صورها وبيّن كيفيتها، وهذا التصوير لحكمة عالية وهي أن الاستجابة ليست إلا توفية كل عامل جزاء عمله لينبههم بذكر العمل والعامل، إلى أن العبرة في الظن بالنجاة من العذاب والفوز بحسن الثواب إنما هي بإحسان العمل والإخلاص فيه، فإن الإنسان قد تغشه نفسه فيظن أنه محسن وليس بمحسن وأنه مخلص وما هو بمخلص، وأن حوله وقوته قد فنيا في حول الله وقوته وأنه لا يريد إلا وجهه تعالى في كل حركة وسكون، ويكون في الواقع ونفس الأمر مغرورًا مرائيًا.

وذكر أن الذكر والأنثى متساويان عند الله تعالى في الجزاء متى تساويا في العمل حتى لا يغتر الرجل بقوته ورياسته على المرأة فيظن أنه أقرب إلى الله منها، ولا تسيء المرأة الظن بنفسها فتتوهم أن جعل الرجل رئيسًا عليها يقتضي أن يكون أرفع منزلة عند الله تعالى منها، وقد بيّن تعالى علة هذه المساواة بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ  ﴾ فالرجل مولود من المرأة والمرأة مولودة من الرجل فلا فرق بينهما في البشرية، ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال، أي وما تترتب عليه الأعمال ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق.

لم يكتف بربط الجزاء بالعمل حتى يبين أن العمل الذي يستحقون به ما طلبوا من تكفير السيئات ودخول الجنة فقال: ﴿ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ ذكر الإخراج من الديار بعد الهجرة من باب التفصيل بعد الإجمال، فالهجرة إنما كانت وتكون بالإخراج من الديار، وتستتبع ما ذكر في قوله: ﴿ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا  ﴾ من الإيذاء والقتال، وقرئ وقتلوا بتشديد التاء للمبالغة فمن لم يحتمل القتل بل والتقتيل في سبيل الله تعالى ويبذل محجته لله  فلا يطمعن بهذه المثوبة المؤكدة في قوله: ﴿ لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ  ﴾ ومثل هذه الآية الآيات الكثيرة الواردة في صفحات المؤمنين كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ إلخ، وقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ الآيات، وقوله: ﴿ وَالْعَصْرِ  ﴾ إلخ السورة وغير ذلك.

هكذا يذكر الله تعالى صفات المؤمنين لينبهنا إلى أن نرجع إلى أنفسنا ونمتحنها بهذه الأعمال والصفات، فإن رأيناها تحتمل الإيذاء في سبيل الله حتى القتل فلنبشرها بالصدق منها، والرضوان منه تعالى، وإلا فعلينا أن نسعى لتحصيل هذه المرتبة التي لا ينجي عنده غيرها.

وإنما كلف الله المؤمنين الصادقين الموقنين المخلصين هذا التكليف الشاق لأن قيام الحق مرتبط به وإنما سعادتهم -من حيث هم مؤمنون- بقيام الحق وتأييده، والحق في كل زمان ومكان محتاج إلى أهله لينصروه على أهل الباطل الذين يقاومونه.

والحق والباطل يتصارعان دائمًا ولكل منهما حزب ينصره فيجب على أنصار الحق أن لا يفشلوا ولا ينهزموا، بل عليهم أن يثبتوا ويصبروا، حتى تكون كلمته العليا، وكلمة الباطل هي السفلى.

وانظر إلى حال المؤمنين اليوم تجدهم يتعللون بأن هذه الآيات نزلت في أناس مخصوصين كأنهم يترقبون أن يستجيب الله لهم ويعطيهم ما وعد المؤمنين من غير أن يقوموا بعمل مما أمر به المؤمنين، ولا أن يتصفوا بوصف مما وصفهم به من حيث هم مؤمنون وما علق عليه وعده بمثوبتهم، بل وإن اتصفوا بضده وهو ما توعد عليه بالعذاب الشديد، وهذا منتهى الغرور.

﴿ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ  ﴾ إن هذا تأكيد لما قبله من كون الثواب من عند الله ليبين أن هذا الجزاء بمحض الفضل والكرم الإلهي وأنه يقع بإرادته واختياره تعالى وإن كان جزاء على عمل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل