الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢٠٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 146 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠٠ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ) قال الحسن البصري ، رحمه الله : أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم ، وهو الإسلام ، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء ، حتى يموتوا مسلمين ، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم .

وكذلك قال غير واحد من علماء السلف .

وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات .

وقيل : انتظار الصلاة بعد الصلاة ، قاله ابن عباس وسهل بن حنيف ، ومحمد بن كعب القرظي ، وغيرهم .

وروى ابن أبي حاتم هاهنا الحديث الذي رواه مسلم والنسائي ، من حديث مالك بن أنس ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب ، مولى الحرقة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ، ويرفع به الدرجات ؟

إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط " .

وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد ، حدثنا موسى بن إسحاق حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي ، أنبأنا ابن أبي كريمة ، عن محمد بن يزيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : أقبل علي أبو هريرة يوما فقال : أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ) ؟

قلت : لا .

قال : أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه ، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ، يصلون الصلاة في مواقيتها ، ثم يذكرون الله فيها ، فعليهم أنزلت : ( اصبروا ) أي : على الصلوات الخمس ( وصابروا ) [ على ] أنفسكم وهواكم ( ورابطوا ) في مساجدكم ( واتقوا الله ) فيما عليكم ( لعلكم تفلحون ) .

وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن منصور بن المبارك عن مصعب بن ثابت ، عن داود بن صالح ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - بنحوه .

وقال ابن جرير : حدثني أبو السائب ، حدثني ابن فضيل عن عبد الله بن سعيد المقبري ، عن جده ، عن شرحبيل ، عن علي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أدلكم على ما يكفر الذنوب والخطايا ؟

إسباغ الوضوء على المكاره ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط " .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا موسى بن سهل الرملي ، حدثنا يحيى بن واضح ، حدثنا محمد بن مهاجر ، حدثني يحيى بن يزيد ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن شرحبيل ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب ؟

" قلنا : بلى يا رسول الله .

قال : " إسباغ الوضوء في أماكنها ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط " .

وقال ابن مردويه : حدثني محمد بن علي ، أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي ، أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي ، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن ، أنبأنا الوازع بن نافع ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي أيوب ، رضي الله عنه ، قال : وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هل لكم إلى ما يمحو الله به الذنوب ويعظم به الأجر ؟

" قلنا : نعم ، يا رسول الله ، وما هو ؟

قال : " إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة " .

قال : " وهو قول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فذلك هو الرباط في المساجد " وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدا .

وقال عبد الله بن المبارك ، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ، حدثني داود بن صالح قال : قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن : يا ابن أخي ، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ( اصبروا وصابروا ورابطوا ) ؟

قال : قلت : لا .

قال : إنه - يا ابن أخي - لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة .

رواه ابن جرير ، وقد تقدم سياق ابن مردويه ، وأنه من كلام أبي هريرة ، فالله أعلم .

وقيل : المراد بالمرابطة هاهنا مرابطة الغزو في نحور العدو ، وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين ، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك ، وذكر كثرة الثواب فيه ، فروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي ، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها " .

حديث آخر : روى مسلم ، عن سلمان الفارسي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله ، وأجري عليه رزقه ، وأمن الفتان " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا ابن المبارك ، عن حيوة بن شريح ، أخبرني أبو هانئ الخولاني ، أن عمرو بن مالك الجنبي أخبره : أنه سمع فضالة بن عبيد يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل ميت يختم على عمله ، إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله ، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ، ويأمن فتنة القبر " .

وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي من حديث أبي هانئ الخولاني .

وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضا .

حديث آخر : وروى الإمام أحمد أيضا عن يحيى بن إسحاق وحسن بن موسى وأبي سعيد [ وعبد الله بن يزيد ] قالوا : حدثنا ابن لهيعة حدثنا مشرح بن هاعان ، سمعت عقبة بن عامر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل ميت يختم له على عمله ، إلا المرابط في سبيل الله ، فإنه يجري عليه عمله حتى يبعث ويأمن من الفتان " .

وروى الحارث بن محمد بن أبي أسامة في مسنده ، عن المقبري وهو عبد الله بن يزيد ، به إلى قوله : " حتى يبعث " دون ذكر " الفتان " .

وابن لهيعة إذا صرح بالتحديث فهو حسن ، ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد .

حديث آخر : قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني الليث ، عن زهرة بن معبد عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من مات مرابطا في سبيل الله ، أجري عليه عمله الصالح الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه ، وأمن من الفتان ، وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع " .

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا موسى ، أنبأنا ابن لهيعة ، عن موسى بن وردان ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مات مرابطا وقي فتنة القبر ، وأمن من الفزع الأكبر ، وغدا عليه وريح برزقه من الجنة ، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أم الدرداء ترفع الحديث قالت من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام ، أجزأت عنه رباط سنة " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا كهمس ، حدثنا مصعب بن ثابت ، عن عبد الله بن الزبير قال : قال عثمان ، رضي الله عنه - وهو يخطب على منبره - : إني محدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الضن بكم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها " .

وهكذا رواه أحمد أيضا عن روح عن كهمس عن مصعب بن ثابت ، عن عثمان .

وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن مصعب بن ثابت ، عن عبد الله بن الزبير قال : خطب عثمان بن عفان الناس فقال : يا أيها الناس ، إني سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الضن بكم وبصحابتكم ، فليختر مختار لنفسه أو ليدع .

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها " .

طريق أخرى عن عثمان [ رضي الله عنه ] قال الترمذي : حدثنا الحسن بن علي الخلال ، حدثنا هشام بن عبد الملك ، حدثنا الليث بن سعد ، حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد ، عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان قال : سمعت عثمان - وهو على المنبر - يقول : إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني ، ثم بدا لي أن أحدثكموه ، ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل " .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ، قال محمد - يعني البخاري - : أبو صالح مولى عثمان اسمه بركان وذكر غير الترمذي أن اسمه الحارث ، فالله أعلم وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة وعنده زيادة في آخره فقال - يعني عثمان - : فليرابط امرؤ كيف شاء ، هل بلغت ؟

قالوا : نعم .

قال : اللهم اشهد .

حديث آخر : قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، حدثنا محمد بن المنكدر قال : مر سلمان الفارسي بشرحبيل بن السمط ، وهو في مرابط له ، وقد شق عليه وعلى أصحابه فقال : أفلا أحدثك - يا ابن السمط - بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال : بلى .

قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " رباط يوم في سبيل الله أفضل - أو قال : خير - من صيام شهر وقيامه ، ومن مات فيه وقي فتنة القبر ، ونما له عمله إلى يوم القيامة " .

تفرد به الترمذي من هذا الوجه ، وقال : هذا حديث حسن .

وفي بعض النسخ زيادة : وليس إسناده بمتصل ، وابن المنكدر لم يدرك سلمان .

قلت : الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السمط وقد رواه مسلم والنسائي من حديث مكحول وأبي عبيدة بن عقبة ، كلاهما عن شرحبيل بن السمط - وله صحبة - عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله ، وأجري عليه رزقه ، وأمن الفتان " وقد تقدم سياق مسلم بمفرده .

حديث آخر : قال ابن ماجه : حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة ، حدثنا محمد بن يعلى السلمي ، حدثنا عمر بن صبيح ، عن عبد الرحمن بن عمرو ، عن مكحول ، عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لرباط يوم في سبيل الله ، من وراء عورة المسلمين محتسبا ، من غير شهر رمضان ، أعظم أجرا من عبادة مائة سنة ، صيامها وقيامها .

ورباط يوم في سبيل الله ، من وراء عورة المسلمين محتسبا ، من شهر رمضان ، أفضل عند الله وأعظم أجرا - أراه قال - : من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها ، فإن رده الله تعالى إلى أهله سالما ، لم تكتب عليه سيئة ألف سنة ، وتكتب له الحسنات ، ويجرى له أجر الرباط إلى يوم القيامة " .

هذا حديث غريب ، بل منكر من هذا الوجه ، وعمر بن صبيح متهم .

حديث آخر : قال ابن ماجه : حدثنا عيسى بن يونس الرملي ، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور ، عن سعيد بن خالد بن أبي طويل ، سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة : السنة ثلاثمائة وستون يوما ، واليوم كألف سنة " .

وهذا حديث غريب أيضا وسعيد بن خالد هذا ضعفه أبو زرعة وغير واحد من الأئمة ، وقال العقيلي : لا يتابع على حديثه .

وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج به .

وقال الحاكم : روى عن أنس أحاديث موضوعة .

حديث آخر : قال ابن ماجه : حدثنا محمد بن الصباح ، أنبأنا عبد العزيز بن محمد ، عن صالح بن محمد بن زائدة ، عن عمر بن عبد العزيز ، عن عقبة بن عامر الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " رحم الله حارس الحرس " .

فيه انقطاع بين عمر بن عبد العزيز وعقبة بن عامر ، فإنه لم يدركه ، والله أعلم .

حديث آخر : قال أبو داود : حدثنا أبو توبة ، حدثنا معاوية - يعني ابن سلام عن زيد - يعني ابن سلام - أنه سمع أبا سلام قال : حدثني السلولي : أنه حدثه سهل ابن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ، فأطنبوا السير حتى كانت عشية ، فحضرت الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء رجل فارس فقال : يا رسول الله ، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا ، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم اجتمعوا إلى حنين ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : " تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله [ تعالى ] " .

ثم قال : " من يحرسنا الليلة ؟

" قال أنس بن أبي مرثد : أنا يا رسول الله .

فقال " فاركب " فركب فرسا له ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا يغرن من قبلك الليلة " فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصلاه فركع ركعتين ثم قال : " هل أحسستم فارسكم ؟

" قال رجل : يا رسول الله ، ما أحسسناه ، فثوب بالصلاة ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يصلي يلتفت إلى الشعب ، حتى إذا قضى صلاته قال : " أبشروا فقد جاءكم فارسكم " فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب ، فإذا هو قد جاء ، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما ، فنظرت فلم أر أحدا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل نزلت الليلة ؟

" قال : لا إلا مصليا أو قاضيا حاجة ، فقال له : " أوجبت ، فلا عليك ألا تعمل بعدها " .

ورواه النسائي عن محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني ، عن أبي توبة وهو الربيع بن نافع به .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب : حدثنا عبد الرحمن بن شريح ، سمعت محمد بن شمير الرعيني يقول : سمعت أبا عامر التجيبي .

قال الإمام أحمد : وقال غير زيد : أبا علي الجنبي يقول : سمعت أبا ريحانة يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فأتينا ذات ليلة إلى شرف فبتنا عليه ، فأصابنا برد شديد ، حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة ، يدخل فيها ويلقي عليه الجحفة - يعني الترس - فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس نادى : " من يحرسنا في هذه الليلة فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل ؟

" فقال رجل من الأنصار : أنا يا رسول الله .

فقال : " ادن " فدنا ، فقال : " من أنت ؟

" فتسمى له الأنصاري ، ففتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء ، فأكثر منه .

فقال أبو ريحانة : فلما سمعت ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت أنا رجل آخر .

فقال : " ادن " .

فدنوت .

فقال : من أنت ؟

قال : فقلت : أنا أبو ريحانة .

فدعا بدعاء هو دون ما دعا للأنصاري ، ثم قال : " حرمت النار على عين دمعت - أو بكت - من خشية الله ، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله " .

وروى النسائي منه : " حرمت النار .

.

.

" إلى آخره عن عصمة بن الفضل ، عن زيد بن الحباب به ، وعن الحارث بن مسكين ، عن ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن شريح ، به ، وأتم ، وقال في الروايتين : عن أبي علي الجنبي .

حديث آخر : قال الترمذي : حدثنا نصر بن علي الجهضمي ، حدثنا بشر بن عمر ، حدثنا شعيب بن رزيق أبو شيبة ، حدثنا عطاء الخراساني ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله " .

ثم قال : حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رزيق قال : وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة قلت : وقد تقدما ، ولله الحمد .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن غيلان ، حدثنا رشدين ، عن زبان عن سهل بن معاذ عن أبيه معاذ بن أنس ، رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا بأجرة سلطان ، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم ، فإن الله يقول : ( وإن منكم إلا واردها ) [ مريم : 71 ] .

تفرد به أحمد رحمه الله [ تعالى ] .

حديث آخر : روى البخاري في صحيحه ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ، إن أعطي رضي ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه ، مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة ، إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع " .

فهذا ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام ، ولله الحمد على جزيل الإنعام ، على تعاقب الأعوام والأيام .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا مطرف بن عبد الله المدني حدثنا مالك ، عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة ، رضي الله عنه ، إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم ، فكتب إليه عمر : أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة يجعل الله بعدها فرجا ، وإنه لن يغلب عسر يسرين ، وإن الله تعالى يقول في كتابه : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) .

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال : أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس ، وودعته للخروج ، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة ، وفي رواية : سنة سبع وسبعين ومائة : يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا وهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب قال : فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام ، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال : صدق أبو عبد الرحمن ، ونصحني ، ثم قال : أنت ممن يكتب الحديث ؟

قال : قلت : نعم قال : فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا .

وأملى علي الفضيل بن عياض : حدثنا منصور بن المعتمر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رجلا قال : يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله فقال : " هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر وتصوم فلا تفطر ؟

" فقال : يا رسول الله ، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله أوما علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات " .

وقوله : ( واتقوا الله ) أي : في جميع أموركم وأحوالكم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ [ بن جبل ] [ رضي الله عنه ] حين بعثه إلى اليمن : " اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن " .

( لعلكم تفلحون ) أي : في الدنيا والآخرة .

وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب أنبأنا أبو صخر ، عن محمد بن كعب القرظي : أنه كان يقول في قول الله عز وجل : ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) واتقوا الله فيما بيني وبينكم ، لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني .

آخر تفسير سورة آل عمران ، ولله الحمد والمنة ، نسأله الموت على الكتاب والسنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: " اصبروا على دينكم وصابروا الكفار ورَابطوهم ".

ذكر من قال ذلك: 8386 - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، &; 7-502 &; عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: أنه سمعه يقول في قول الله: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا "، قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم، ولا يدعوه لشدة ولا رخاء ولا سَرَّاء ولا ضراء، وأمرهم أن يُصابروا الكفار، وأن يُرابطوا المشركين.

8387 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا "، أي: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله=" واتقوا الله لعلكم تفلحون ".

8388 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " اصبروا وصابروا ورابطوا "، يقول: صابروا المشركين، ورابطوا في سبيل الله.

8389 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: اصبروا على الطاعة، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله.

8390 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " اصبروا وصابروا ورابطوا "، قال: اصبروا على ما أمرتم به، وصابروا العدو ورابطوهم.

* * * &; 7-503 &; وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على دينكم، وصابروا وَعدي إياكم على طاعتكم لي، ورَابطوا أعداءكم.

* ذكر من قال ذلك: 8391 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أنه كان يقول في هذه الآية: " اصبروا وصابروا ورابطوا "، يقول: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوِّي وعدوَّكم، حتى يترك دينه لدينكم.

(41) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوكم ورابطوهم.

* ذكر من قال ذلك: 8392 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا جعفر بن عون قال، أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في قوله: " اصبروا وصابروا ورابطوا "، قال: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوَّكم، ورابطوا على عدوكم.

8393 - حدثني المثنى قال، حدثنا مطرف بن عبد الله المدنّي قال، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب، فذكر له جموعًا من الروم وما يتخوَّف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما نـزل بعبد مؤمن من منـزلة شدة، يجعل الله بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عُسر يسرين، وإن الله يقول في كتابه: " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورَابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ".

(42) * * * وقال آخرون: معنى: " ورابطوا "، أي: رابطوا على الصلوات، أي: انتظروها واحدة بعد واحدة.

ذكر من قال ذلك: 8394 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير قال، حدثني داود بن صالح قال، قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نـزلت هذه الآية: " اصبروا وصابروا ورابطوا "؟

قال قلت: لا!

قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يُرَابَطُ فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة.

(43) 8395 - حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أدلكم على ما يكفر الله به الذنوب والخطايا؟

إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط".

(44) 8396 - حدثنا موسى بن سهل الرملي قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا محمد بن مهاجر قال، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، &; 7-506 &; عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفِّر به الذنوب؟" قال: قلنا: بلى يا رسول الله!

قال: " إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطَا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط ".

(45) 8397 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثنا محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أدلكم على ما يحطُّ الله به الخطايا ويَرفع به &; 7-507 &; الدرجات؟" قالوا: بلى يا رسول الله!

قال: " إسباغ الوضوء عند المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط".

(46) 8398 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

(47) * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بتأويل الآية، قول من قال في ذلك: " يا أيها الذين آمنوا "، يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله،=" اصبروا " على دينكم وطاعة ربكم.

وذلك أنّ الله لم يخصص من معاني" الصبر " على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنـزيل.

فلذلك قلنا إنه عني بقوله: " اصبروا "، الأمرَ بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها.

(48) =" وصابروا "، يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين.

* * * وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المعروف من كلام العرب في" المفاعلة " أن تكون من فريقين، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكون من واحد إلا قليلا في أحرف معدودة.

فإذْ كان ذلك كذلك، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم.

(49) * * * وكذلك قوله: " ورابطوا "، معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك، في سبيل الله.

* * * قال أبو جعفر: ورأى أن أصل " الرباط"، ارتباط الخيل للعدوّ، كما &; 7-509 &; ارتبط عدوهم لهم خيلهم، (50) ثم استعمل ذلك في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رَجْلة لا مركب له.

(51) * * * وإنما قلنا معنى: " ورابطوا "، ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم، لأن ذلك هو المعنى المعروف من معاني" الرباط".

وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه= حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إجماع من أهل التأويل.

(52) * * * القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: " واتقوا الله "، أيها المؤمنون، واحذروه أن تخالفوا أمره أو تتقدموا نهيه (53) =" لعلكم تفلحون "، يقول: لتفلحوا فتبقوا في نعيم الأبد، وتنجحوا في طلباتكم عنده، (54) كما:- &; 7-510 &; 8399 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي: أنه كان يقول في قوله: " واتقوا الله لعلكم تفلحون "، واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتموني.

* * * آخر تفسير سورة آل عمران.

(55) * * * --------------- الهوامش: (41) الأثر: 8391 -"أبو صخر" هو: حميد بن زياد بن أبي المخارق ، أبو صخر الخراط ، صاحب العباء ، سكن مصر.

ذكره ابن حبان في الثقات.

مترجم في التهذيب.

(42) الأثر: 8393 -"مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان الهلالي ، المدني ، مولى ميمونة أم المؤمنين ، وأمه أخت مالك بن أنس ، روى عن خاله مالك بن أنس ، وابن أبي ذئب ، وعبد الله بن عمر العمري ، وغيرهم.

روى عنه البخاري والترمذي ، عن محمد بن أبي الحسن عنه وابن ماجه ، عن الذهلي عنه ، والربيع المرادي ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة وآخرون.

قال أبو حاتم: "مضطرب الحديث صدوق".

وقال= ابن سعد"كان ثقة ، وبه صمم".

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 397 ، والجرح 4 / 1 / 315.

وكان في المطبوعة: "المرى" ، وفي المخطوطة مثلها ، وتقرأ"المزني" والصواب"المدني" أو "المديني" في نسبه كما جاء في المراجع ، وابن كثير 2: 337.

وفي ابن كثير 2: 337: "مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة" ، وفي الدر المنثور 2: 114"مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة" ، وفي المطبوعة والمخطوطة: "مهما نزل بعبد مؤمن منزلة شدة" ، بحذف"من" والصواب إثباتها.

ومن الأخطاء الشائعة أن يقال إن"مهما" لا تدخل على الماضي ، وقد وردت في الآثار والأخبار والأشعار ، من ذلك قول أبي هريرة للفرزدق: "مهما فعلت فقنطك الناس فلا تقنط من رحمة الله" (الكامل 1: 70) وقول الأسود بن يعفر (نوادر أبي زيد: 159): أَلا هَــلْ لِهَـذَا الدَّهْـرِ مِـنْ مُتَعَلَّـلِ سِـوَى النَّـاسِ، مَهْمَا شَاءَ بِالنَّاسِ يَفْعَلِ وهذا الأثر رواه الحاكم مطولا في المستدرك 2: 300 بإسناده قال: "أخبرنا أبو العباس السباريّ ، حدثنا عبد الله بن علي ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أنبأنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه بلغه أن أبا عبيدة حُصِر بالشأم ، وقد تألّبَ عليه القوم ، فكتب إليه عمر: "سلام الله عليك ، أمّا بعد ، فإنه ما ينزلْ بعبد مؤمن من منزلة شدة ، إلا يجعل الله له بعدها فرجًا ، ولن يغلب عُسْرٌ يُسْرين ، (يَأَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصَابِرُوا ورَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

فكتب إليه أبو عبيدة: "سلامٌ عليك ، أما بعد ، فإن الله يقول في كتابه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ والأوْلادِ) - إلى آخرها".

قال: فخرج عمر بكتابه ، فقعد على المنبر ، فقرأ على أهل المدينة ثم قال: يا أهْل المدينة ، إِنما يعرّضُ بكم أبو عبيدة: أَنِ ارغبوا في الجهادِ".

قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه".

ووافقه الذهبي.

(43) الأثر: 8394 -"مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير" ، مضت ترجمته برقم: 6456.

و"داود بن صالح التمار المدني" ، .

روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، والقاسم ، وسالم ، وأبي سلمة.

قال أحمد: "لا أعلم به بأسًا" ، وذكره ابن حبان في الثقات ، مترجم في التهذيب.

و"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" من التابعين ، روى عن خلق من الصحابة والتابعين.

كان ثقة فقيها كثير الحديث.

والأثر خرجه ابن كثير في تفسيره 2: 332 ، وذكر سياق ابن مردويه له (2: 331) من طريق"محمد بن أحمد ، حدثنا موسى بن إسحاق ، حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي ، أنبأنا ابن أبي كريمة ، عن محمد بن يزيد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل على أبو هريرة يومًا فقال: أتدري يا ابن أخي فيم نزلت هذه الآية" ، وساق الخبر بغير هذا اللفظ.

ورواه الحاكم في المستدرك 2: 301 من طريق سعيد بن منصور ، عن ابن المبارك ، بمثل رواية الطبري ، إلا أنه قال في جواب السؤال: "قال: قلت: لا.

قال: يا ابن أخي إني سمعت أبا هريرة يقول: لم يكن في زمان النبي..." بلفظه.

وكذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 113 ، ونسبه لابن المبارك وابن المنذر ، والحاكم ، وصححه ، والبيهقي في شعب الإيمان.

وفي جميع هذه المواضع: "انتظار الصلاة بعد الصلاة" ، والثابت في المخطوطة"خلف الصلاة" ، وكان الكاتب قد كتب فيها"بعد" ثم جعل الباء والعين خاء ، ومد الدال وعقد عليها فاء ، فالظاهر أنه كتبها كما كان يحفظها ، ثم استدرك ، لأنه رأى في النسخة التي كتب عنها"خلف".

(44) الحديث: 8395 - أبو السائب: هو سلم بن جنادة.

وابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان.

عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري: ضعيف جدا ، رمي بالكذب.

وقد مضى في: 7855.

شرحبيل: لست أدري من هو؟

والإسناد ضعيف من أجل عبد الله بن سعيد ، كما ترى.

ولو صح هذا الإسناد لظننت أنه"شرحبيل بن السمط الكندى" ، من كبار التابعين ، مختلف في صحبته.

وهو معاصر لعلي.

ومن المحتمل أن يروي عنه أبو سعيد المقبري ، الذي يروي عن علي مباشرة.

والحديث نقله ابن كثير 2: 332 ، عن هذا الموضع.

ولم ينسبه لغير الطبري.

وأشار إليه السيوطي 2: 114 ، بعد حديث جابر ، الآتي بعد هذا ، فقال: "وأخرج ابن جرير عن علي مثله".

ومعنى الحديث ثابت عن علي ، من وجه آخر صحيح.

ولكن ليس فيه قوله: "فذلك الرباط" - ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 36 ، وقال: "رواه أبو يعلى ، والبزار ، ورجاله رجال الصحيح".

وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1: 97 ، وقال: "رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح.

والحاكم ، وقال: صحيح على شرط مسلم".

(45) الحديث: 8396 - محمد بن مهاجر بن أبي مسلم ، الأنصاري الشامي: ثقة ، وثقه أحمد ، وابن معين ، وغيرهما.

مترجم في التهذيب.

والكبير للبخاري 1 / 1 / 229 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 91.

يحيى بن يزيد الجزري ، أبو شيبة الرهاوي: قال البخاري في الكبير 4 / 2 / 310: "لم يصح حديثه" وذكره في الضعفاء أيضا ، ص: 37 ، وقال مثل ذلك.

وقال ابن أبي حاتم 4 / 2 / 198 ، عن أبيه: "ليس به بأس ، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء ، يحول من هناك".

فمثل هذا حديثه حسن.

ثم هو لم ينفرد براوية هذا الحديث ، كما سنذكر في التخريج ، إن شاء الله.

زيد بن أبي أنيسة الجزري الرهاوي: ثقة ، وثقه ابن معين وغيره.

قال ابن سعد 7 / 2 / 180: "كان ثقة كثير الحديث ، فقيها راوية للعلم".

أخرج له الجماعة كلهم.

شرحبيل -هنا-: هو ابن سعد الخطمي المدني مولى الأنصار.

مختلف فيه ، والحق أنه ثقة.

إلا أنه اختلط في آخر عمره ، إذ جاوز المئة.

وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند: 2104 ، وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 252 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن سعد 5: 228 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 338- 339.

وقد بين ابن حبان في صحيحه ، في رواية هذا الحديث ، أنه شرحبيل بن سعد.

والحديث رواه ابن حبان في صحيحه (2: 330 من مخطوطة الإحسان) ، من طريق أبي عبد الرحيم ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، به.

وأبو عبد الرحيم: هو خالد بن أبي يزيد الحراني ، وهو ثقة ، وثقه ابن معين وغيره.

فروايته متابعة صحيحة ، توثق رواية يحيى بن يزيد ، التي هنا ، وتؤيدها.

والحديث نقله ابن كثير 2: 332 ، عن رواية الطبري هذه.

وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1: 160- 161 ، عن رواية ابن حبان في صحيحه ، وأشار إليه أيضا قبل ذلك ، ص: 128.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2: 37 ، ونسبه للبزار ، وذكر أن"في إسناده شرحبيل بن سعد ، وهو ضعيف عند الجمهور ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وأخرج له في صحيحه هذا الحديث".

وذكره السيوطي 2: 114 ، ونسبه لابن جرير ، وابن حبان.

(46) الحديث: 8397 - خالد بن مخلد: هو القطواني.

ومحمد بن جعفر: هو ابن أبي كثير.

وقد مضى مثل هذا الإسناد في حديث آخر: 2206.

والحديث رواه أحمد في المسند: 7208 ، من طريق شعبة ، عن العلاء ، عن أبيه ، دون كلمة"فذلك" الرباط".

ورواه أحمد أيضا: 7751 ، مع هذه الكلمة - من طريق مالك عن العلاء.

ثم رواه ثالثًا: 8008 ، (ج2 ص303 حلبي) ، من طريق مالك أيضًا.

وفي آخره: "فذلكم الرباط" - ثلاث مرات.

وهو بهذا اللفظ ، في الموطأ ، ص: 161.

وكذلك رواه النسائي 1: 34 ، من طريق مالك.

وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه (2: 329- 330 من مخطوطة الإحسان) ، من طريق مالك.

ونقله ابن كثير 2: 331 ، من رواية ابن أبي حاتم ، من حديث مالك ، كرواية الموطأ.

ورواه مسلم 1: 86 ، من طريق مالك ، ومن طريق شعبة.

وذكر أن رواية مالك -عنده-"فذلكم الرباط" مرتين.

وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1: 97 ، 128 ، ونسبه لمالك ، ومسلم ، والترمذي ، والنسائي.

وذكره السيوطي 2: 114 ، وزاد نسبته للشافعي ، وعبد الرزاق.

وانظر الإسناد التالي لهذا.

(47) الحديث: 8398 - القاسم: هو ابن الحسن ، والحسين: هو ابن داود المصيصي ، ولقبه"سنيد".

وهذا الإسناد"القاسم ، عن الحسين" يدور عند الطبري كثيرًا ، في التفسير والتاريخ ، فما مضى منه في التفسير: 144 ، 165 ، 1688.

وفي التاريخ -مثلا- 1: 21 ، 41.

أما "سنيد" فقد ترجمنا له في: 144 ، 1688.

وأما "القاسم بن الحسن" - شيخ الطبري: فلم أجد له ترجمة.

ولكن في تاريخ بغداد 12: 432- 433 ترجمة"القاسم بن الحسن بن يزيد ، أبو محمد الهمذاني الصائغ" ، المتوفى سنة 272.

فهذا يصلح أن يكون هو المراد ، ولكن لا أطمئن إلى ذلك ، ولا أستطيع الجزم به ، بل لا أستطيع ترجيحه.

وعسى أن نجد ما يدل على حقيقة هذا الشيخ ، في فرصة أخرى ، إن شاء الله.

إسماعيل: هو ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري القارئ ، وهو ثقة مأمون.

مضت الإشارة إليه في شرح: 6884.

وهذا الحديث تكرار لما قبله.

وكذلك رواه مسلم 1: 86 ، والترمذي.

(رقم: 51 بشرحنا) = كلاهما من طريق إسماعيل بن جعفر.

ورواه الترمذي أيضا: 52 ، من طريق الدراوردي ، عن العلاء.

وقال: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح".

(48) انظر تفسير"الصبر" فيما سلف 2: 11 ، 124 / 3: 214 ، 349 / 5: 352 / 6: 264 / 7: 181.

(49) في المطبوعة: "وإلا يكن عددهم" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.

(50) في المخطوطة: "كما ارتبط عددهم لهم حملهم" ، ولعل صواب قراءتها"جيادهم" ، ولكني تركت ما في المطبوعة على حاله ، فهو صواب حسن.

(51) "الرجلة" (بضم الراء وسكون الجيم): المشي راجلا غير راكب.

(52) قوله: "حجة" ، فاعل قوله: "حتى تأتي بخلاف ذلك..".

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "حتى يأتي بخلاف ذلك ما يوجب صرفه..." ، والصواب"مما يوجب" كما أثبتها ، وفي المطبوعة أيضا: "إلى الخفي من معاينة" ، وهو خطأ ظاهر.

(53) في المطبوعة: "وتتقدموا" بالواو ، والصواب من المخطوطة.

وقوله: "تتقدموا نهيه" هكذا جاء متعديا ، وكأنه أراد: أو تسبقوا نهيه ، وسبقهم نهيه.

أن يخاطروا بالإسراع إلى المحارم بشهواتهم ، قبل أن يردهم نهي الله عن إتيانها.

(54) انظر تفسير"لعل" فيما سلف 1: 364 ، 365 ، ومواضع أخرى كثيرة.

وانظر تفسير"الفلاح" فيما سلف 1: 249 ، 250 / 3: 561 / 7: 91.

(55) عند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه: "يتلوه القول في تفسير السورة التي يذكر فيها النساء.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرا" ثم يتلوه ما أثبتناه في أول تفسير سورة النساء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ختم تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء والفوز بنعيم الآخرة ; فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات , والصبر الحبس , وقد تقدم في " البقرة " بيانه .وأمر بالمصابرة فقيل : معناه مصابرة الأعداء ; قاله زيد بن أسلم .وقال الحسن : على الصلوات الخمس .وقيل : إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي تدعو وهو ينزع .وقال عطاء والقرظي : صابروا الوعد الذي وعدتم .أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج ; قال صلى الله عليه وسلم : ( انتظار الفرج بالصبر عبادة ) .واختار هذا القول أبو عمر رحمه الله .والأول قول الجمهور ; ومنه قول عنترة : فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا ولا كافحوا مثل الذين نكافح فقوله " صابروا مثل صبرنا " أي صابروا العدو في الحرب ولم يبد منهم جبن ولا خور .والمكافحة : المواجهة والمقابلة في الحرب ; ولذلك اختلفوا في معنى قوله وَصَابِرُوا فقال جمهور الأمة : رابطوا أعداءكم بالخيل , أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم ; ومنه قوله تعالى : " ومن رباط الخيل " [ الأنفال : 60 ] وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم ; فكتب إليه عمر : أما بعد , فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجا , وإنه لن يغلب عسر يسرين , وإن الله تعالى يقول في كتابه " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة , ولم يكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ; رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه .واحتج أبو سلمة بقوله عليه السلام : ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط ) ثلاثا ; رواه مالك .قال ابن عطية : والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة في سبيل الله .أصلها من ربط الخيل , ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطا , فارسا كان أو راجلا .واللفظ مأخوذ من الربط .وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( فذلكم الرباط ) إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله .والرباط اللغوي هو الأول ; وهذا كقوله : ( ليس الشديد بالصرعة ) وقوله ( ليس المسكين بهذا الطواف ) إلى غير ذلك .قلت : قوله " والرباط اللغوي هو الأول " ليس بمسلم , فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال : الرباط ملازمة الثغور , ومواظبة الصلاة أيضا , فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة ; كما قال صلى الله عليه وسلم .وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يقال : ماء مترابط أي دائم لا ينزح ; حكاه ابن فارس وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه .فإن المرابطة عند العرب : العقد على الشيء حتى لا ينحل , فيعود إلى ما كان صبر عنه , فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة .ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله : " ومن رباط الخيل " [ الأنفال : 60 ] على ما يأتي .وارتباط النفس على الصلوات كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ; رواه أبو هريرة وجابر وعلي ولا عطر بعد عروس .المرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما ; قاله محمد بن المواز ورواه .وأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك , فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين .قاله ابن عطية .وقال ابن خويز منداد : وللرباط حالتان : حالة يكون الثغر مأمونا منيعا يجوز سكناه بالأهل والولد .وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال , ولا ينقل إليه الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق .والله أعلم .جاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة , منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها ) .وفي صحيح مسلم عن سلمان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان ) .وروى أبو داود في سننه عن فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر ) .وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت ; كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم ; فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم وموت الولد .والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة ; لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة , وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه , بل هي فضل دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة .وهذا لأن أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام .وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة ; خرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات مرابطا في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع ) .وفي هذا الحديث قيد ثان وهو الموت حالة الرباط .والله أعلم .وروي عن عثمان بن عفان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها ) .وروي عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا - أراه قال : من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها فإن رده الله إلى أهله سالما لم تكتب عليه سيئة ألف سنة وتكتب له الحسنات ويجرى له أجر الرباط إلى يوم القيامة ) .ودل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل له من الثواب الدائم وإن لم يمت مرابطا .والله أعلم .وعن أنس بن مالك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة السنة ثلاثمائة يوم وستون يوما واليوم كألف سنة ) .قلت : وجاء في انتظار الصلاة بعد الصلاة أنه رباط ; فقد يحصل لمنتظر الصلوات ذلك الفضل إن شاء الله تعالى .وقد روى أبو نعيم الحافظ قال حدثنا سليمان بن أحمد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج بن المنهال ح وحدثنا أبو بكر بن مالك قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثني الحسن بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي أيوب الأزدي عن نوف البكالي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة المغرب فصلينا معه فعقب من عقب ورجع من رجع , فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يثوب الناس لصلاة العشاء , فجاء وقد حضره الناس رافعا أصبعه وقد عقد تسعا وعشرين يشير بالسبابة إلى السماء فحسر ثوبه عن ركبتيه وهو يقول : ( أبشروا معشر المسلمين هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي هؤلاء قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى ) .ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرف بن عبد الله : أن نوفا وعبد الله بن عمرو اجتمعا فحدث نوف عن التوراة وحدث عبد الله بن عمرو بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا أي لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى .

اللَّهَ لَعَلَّكُمْ لتكونوا على رجاء من الفلاح .وقيل : لعل بمعنى لكي .والفلاح البقاء , وقد مضى هذا كله في " البقرة " مستوفى , والحمد لله .نجز تفسير سورة آل عمران من ( جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان ) بحمد الله وعونه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح - وهو: الفوز والسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك.

والمصابرة أي الملازمة والاستمرار على ذلك، على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال.

والمرابطة: وهي لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن يراقبوا أعداءهم، ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم، لعلهم يفلحون: يفوزون بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي، وينجون من المكروه كذلك.

فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات، فلم يفلح من أفلح إلا بها، ولم يفت أحدا الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها.

والله الموفق ولا حول ولا قوة إلا به.

تم تفسير "سورة آل عمران" والحمد لله على نعمته، ونسأله تمام النعمة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ) قال الحسن : اصبروا على دينكم ولا تدعوه لشدة ولا رخاء ، وقال قتادة : اصبروا على طاعة الله .

وقال الضحاك ومقاتل بن سليمان : على أمر الله .

وقال مقاتل بن حيان : على أداء فرائض الله تعالى ، وقال زيد بن أسلم : على الجهاد .

وقال الكلبي : على البلاء ، وصابروا يعني : الكفار ، ورابطوا يعني : المشركين ، قال أبو عبيدة ، أي داوموا واثبتوا ، والربط الشد ، وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم ، وهؤلاء خيولهم ، ثم قيل : لكل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه ، وإن لم يكن له مركب .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الله بن منير ، سمع أبا النضر ، أنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها ، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها ، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها " .

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني ، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي ، أنا يونس بن عبد الأعلى ، أنا ابن وهب ، أخبرني عبد الرحمن بن شريح ، عن عبد الكريم بن الحارث ، عن أبي عبيدة بن عقبة ، عن شرحبيل بن السمط عن سلمان الخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان له أجر صيام شهر مقيم ، ومن مات مرابطا جرى له مثل ذلك الأجر ، وأجري عليه من الرزق ، وأمن من الفتان " .

وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة ، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد الفقيه ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟

إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط فذلكم الرباط " .

( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) قال بعض أرباب اللسان : اصبروا على النعماء وصابروا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا اصبروا» على الطاعات والمصائب وعن المعاصي «وصابروا» الكُفَّار فلا يكونوا أشد صبرا منكم «ورابطوا» أقيموا على الجهاد «واتقوا الله» في جميع أحوالكم «لعلَّكم تفلحون» تفوزون بالجنة وتنجون من النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اصبروا على طاعة ربكم، وعلى ما ينزل بكم من ضر وبلاء، وصابروا أعداءكم حتى لا يكونوا أشد صبرًا منكم، وأقيموا على جهاد عدوي وعدوكم، وخافوا الله في جميع أحوالكم؛ رجاء أن تفوزوا برضاه في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الاكريمة بنداء جامع للمؤمنين ، دعاهم فيه إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى فقال : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .والصبر معناه : حبس النفس عن أهوائها وشهواتها وترويضها على تحمل المكره وتعويدها على أداء الطاعات .والمصابرة : هى المغالبة بالصبر : بأن يكون المؤمن أشد صبراً من عدوه .ورابطوا : من المرابطة وهى القيام على الثغور الإسلامية لحمياتها من الأعداء ، فهى استعداد ودفاع وحماية لديار الإسلام من مهاجمة الأعداء .والمعنى : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اصبروا } على طاعة الله وعلى تحمل المكاره والآلام برضا لا سخط معه؛ فإن الصبر جماع الفضائل وأساس النجاح والظفر .و { وَصَابِرُواْ } أى قابلوا صبر أعدائكم بصبر أشد منه وأقوى في كل موطن من المواطن التى تستلزم الصبر وتقتضيه .قال صاحب الكشاف : { وَصَابِرُواْ } أعداء الله فى الجهاد ، أى غالبوهم فى الصبر على شدائد الحرب ، ولا تكونوا أقل منهم صبراً وثباتاً فالمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصاً لشدته وصعبوته " .و { وَرَابِطُواْ } أى أقيموا على مرابطة الغزو فى نحر العدو بالترصد له ، والاستعداد لمحاربته وكونوا دائما على حذر منه حتى لا يفاجئكم بما تكرهون .ولقد كان كثير من السلف الصالح يرابطون فى سبيل الله نصف العام ، ويطلبون قوتهم بالعمل فى النصف الآخر .ولقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل المرابطة من أجل حماية ديار الإسلام ، ومن ذلك ما رواه البخاري فى صحيحه عن سهل ابن سعد الساعدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها " .وروى مسلم فى صحيحه عن سلمان الفارسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه عمله الذى كان يعمله ، وأجرى عليه رزقه ، وأمن الفتان " .وبعضهم جعل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة مستدلا بالحديث الذى رواه مسلم والنسائي عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة .

فذلكم الرباط " .قال القرطبى : بعد أن ساق هذا الحديث - : " والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة فى سبيل الله - وأصلها من ربط الخيل ، ثم سمى كل ملازم لثغر من ثغور المسلمين مرابطا فارسا كان أو راجلا .

واللفظ مأخوذ من الرب .

وقول النبى صلى الله عليه وسلم " فذلكم الرباط " إنما هو تشبيه بالرباط فى سبيل الله " .ومما يدل على أن المرابطة فى سبيل الله م أجل الديار الإسلامية من أفضل الأعمال وأن الصالحين الأخيار من المسلمين كانوا لا ينقطعون عنها ، مما يدل على ذلك ما كتبه عبد الله بن المبارك - وهو يرابط بطرسوس - إلى صديقه الفضيل بن عياض - وكان الفضيل معتكفا بالمسجد الحرام - كتب إليه عبد الله يقول :يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ...

لعلمت أنك فى العبادة تلعبمن كان يخضب خده بدموعه ...

فنحورنا بدمائنا تتخضبأو كان يتعب خيله فى باطل ...

فخيولنا يوم الصبيحة تتعبريح العبير لكم ونحن عبيرنا ...

رهج السنابك والغبار الأطيبولقد أتانا من مقال نبينا ...

قول صحيح صادق لا يكذبلا يستوى غبار خيل الله فى ...

أنف امرىء ودخان نار تلهبهذا كتاب الله ينطق بيننا ...

ليس الشهيد بميت لا يكذبفلما قرأ الفضيل هذه الأبيات بكى وقال : صدق عبد الله .وقوله { واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أى اتقوا الله بأن تصونوا أنفسكم عن محارمه وعن مخالفة أمره ، ورجاء أن يكتب لكم الفوز بالنصر فى الدنيا ، والثواب الحسن فى الآخرة .وبعد : فهذه سورة آل عمران ، وهذا تفسير مفصل لما اشتملت عليه من توجيهات نافعة وعظات بليغة ، وآداب عالية وتشريعات سامية و تربية رشيدة وعبادات قويمة وحجج تثبت الحق وتدحض الباطل .والله نسأل أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه ونافعا لعباده .والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار من قبل، بأن مصيرهم إلى النار بين في هذه الآية أن من آمن منهم كان داخلا في صفة الذين اتقوا فقال: ﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ واختلفوا في نزولها، فقال ابن عباس وجابر وقتادة: نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال المنافقون: إنه يصلي على نصراني لم يره قط، وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبدالله بن سلام وأصحابه، وقيل: نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا.

وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب.

واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات: أولها: الايمان بالله.

وثانيها: الايمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم.

وثالثها: الايمان بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد عليه الصلاة والسلام.

ورابعها: كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل يُؤْمِنُ لأن مَن يُؤْمِنُ في معنى الجمع.

وخامسها: أنهم لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلا كما يفعله أهل الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول وصحة نبوته.

ثم قال تعالى في صفتهم: ﴿ أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ والفائدة في كونه سريع الحساب كونه عالما بجميع المعلومات، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب.

قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كثيرة من علوم الأصول والفروع، أما الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما، ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب، وذلك لأن أحوال الإنسان قسمان: منها ما يتعلق به وحده، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره، أما القسم الأول فلابد فيه من الصبر، وأما القسم الثاني فلابد فيه من المصابرة.

أما الصبر فيندرج تحته أنواع: أولها: أن يصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين.

وثانيها: أن يصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات.

وثالثها: أن يصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات.

ورابعها: الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف، فقوله: ﴿ اصبروا ﴾ يدخل تحته هذه الأقسام، وتحت كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أنواع لا نهاية لها، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء اليك كما قال: ﴿ وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  ﴾ ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ  ﴾ ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى  ﴾ ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فان المقدم عليه ربما وصل اليه بسببه ضرر، ويدخل فيه الجهاد فانه تعريض النفس للهلاك، ويدخل فيه المصابرة مع المبطلين، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم، والاحتيال في إزالة تلك الاباطيل عن قلوبهم، فثبت ان قوله: ﴿ اصبروا ﴾ تناول كل ما تعلق به وحده ﴿ وَصَابِرُواْ ﴾ تناول كل ما كان مشتركا بينه وبين غيره.

واعلم أن الإنسان وان تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقا ذميمة تحمل على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص، والانسان ما لم يكن مشتغلا طول عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الاتيان بالصبر والمصابرة، فلهذا قال: ﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ ولما كانت هذه المجاهدة فعلا من الأفعال ولا بد للانسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض، وجب أن يكون للانسان في هذه المجاهدة غرض وباعث، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح، فلهذا قال: ﴿ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوى، فهو تعالى أمر بالصبر والمصابرة، وذلك عبارة عن الاتيان بالافعال الحسنة، والاحتراز عن الافعال الذميمة، ولما كانت الافعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك بمجاهدة القوى التي هي مصادر الافعال الذميمة، وذلك هو المراد بالمرابطة، ثم ذكر ما به يحصل دفع هذه القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات، وذلك هو تقوى الله، ثم ذكر ما لأجله وجب ترجيح تقوى الله على سائر القوى والاخلاق، وهو الفلاح، فظهر أن هذه الآية التي هي خاتمة لهذه السورة مشتملة على كنوز الحكم والاسرار الروحانية، وانها على اختصارها كالمتمم لكل ما تقدم ذكره في هذه السورة من علوم الأصول والفروع فهذا ما عندي فيه.

ولنذكر ما قاله المفسرون: قال الحسن: اصبروا على دينكم ولا تتركوه بسبب الفقر والجوع، وصابروا على عدوكم ولا تفشلوا بسبب وقوع الهزيمة يوم أحد، وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم فلا ينبغي أن يكون أصبر منكم، وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها، ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد في هذه السورة أمرهم بمصابرة الأعداء.

وأما قوله: ﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ ففيه قولان: الأول: أنه عبارة عن أن يربط هؤلاء خيلهم في الثغور ويربط أولئك خيلهم أيضاً، بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر، قال تعالى: ﴿ وَمِن رّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ  ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان مثل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينتقل عن صلاته إلا لحاجة الثاني: أن معنى المرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة ويدل عليه وجهان: الأول: ما روي عن أبي سلمة عبد الرحمن أنه قال: لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، وإنما نزلت هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة.

الثاني: ما روي من حديث أبي هريرة حين ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلكم الرباط ثلاث مرات.

واعلم أنه يمكن حمل اللفظ على الكل، وأصل الرباط من الربط وهو الشد، يقال: لكل من صبر على أمر ربط قلبه عليه، وقال آخرون: الرباط هو اللزوم والثبات، وهذا المعنى أيضاً راجع إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس، ثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على الجهاد، ويجوز أن يكون على الصلاة والله أعلم.

قال الامام رضي الله تعالى عنه: تم تفسير هذه السورة بفضل الله وإحسانه يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

اصبروا على الدين وتكاليفه ﴿ وَصَابِرُواْ ﴾ أعداء الله في الجهاد، أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً والمصابرة: باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه، تخصيصاً لشدته وصعوبته ﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها، مترصدين مستعدين للغزو.

قال الله عز وجل: ﴿ وَمِن رّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفال: 60] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من رابط يوماً وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه، لا يفطر، ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة» وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة آل عمران أعطى بكل آية منها أماناً على جسر جهنم» وعنه عليه الصلاة والسلام: «من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تحجب الشمس» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ عَلى مَشاقِّ الطّاعاتِ وما يُصِيبُكم مِنَ الشَّدائِدِ.

﴿ وَصابِرُوا ﴾ وغالِبُوا أعْداءَ اللَّهِ بِالصَّبْرِ عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ وأعْدى عَدُوِّكم في الصَّبْرِ عَلى مُخالَفَةِ الهَوى، وتَخْصِيصُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ مُطْلَقًا لِشِدَّتِهِ.

﴿ وَرابِطُوا ﴾ أبْدانَكم وخُيُولَكم في الثُّغُورِ مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ، وأنْفُسَكم عَلى الطّاعَةِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مِنَ الرِّباطِ انْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ»،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن رابَطَ يَوْمًا ولَيْلَةً في سَبِيلِ اللَّهِ كانَ كَعَدْلِ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ وقِيامِهِ، لا يُفْطِرُ ولا يَنْفَتِلُ عَنْ صَلاتِهِ إلّا لِحاجَةٍ».» ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ فاتَّقُوهُ بِالتَّبَرِّي عَمّا سِواهُ لِكَيْ تُفْلِحُوا غايَةَ الفَلاحِ، أوْ واتَّقُوا القَبائِحَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ بِنَيْلِ المَقاماتِ الثَّلاثَةِ المُرَتَّبَةِ الَّتِي هي الصَّبْرُ عَلى مَضَضِ الطّاعاتِ ومُصابَرَةُ النَّفْسِ في رَفْضِ العاداتِ ومُرابَطَةُ السِّرِّ عَلى جَنابِ الحَقِّ لِتَرْصُدَ الوارِداتِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالشَّرِيعَةِ، والطَّرِيقَةِ، والحَقِيقَةِ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ مِنها أمانًا عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» .

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تُحْجَبَ الشَّمْسُ».» .

واللَّهُ أعْلَمُ.

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا اصبروا} على الدين وتكاليفه قال الجنيد رضى الله عنه الصبر حبس النفس على المكروه بنفي الجزع {وَصَابِرُواْ} أعداء الله في الجهاد أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقل صبراً منهم وثباتاً {وَرَابِطُواْ} وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصدين مستعدين للغزو {واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الفلاح البقاء مع المحبوب بعد الخلاص عن المكروه ولعل لتغيب المآل لئلا يتكلوا على الآمال عن تقديم الأعمال وقيل اصبروا في محبتي وصابروا في نعمتي ورابطوا أنفسكم في خدمتي لعلكم تفلحون تظفرون بقربتى قال النبى صلى الله عليه وسلم اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب

سورة النساء نزلت بالمدينة آياتها مائة وست وسبعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

النساء (١)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ما بَيَّنَ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ وشَرَحَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وما قاساهُ المُؤْمِنُونَ الكِرامُ مِن أُولَئِكَ اللِّئامِ مِنَ الآلامِ - خَتَمَ السُّورَةَ بِما يَضُوعُ مِنهُ مِسْكُ التَّمَسُّكِ بِما مَضى، ويَضِيعُ بِامْتِثالِ ما فِيهِ مَكايِدُ الأعْداءِ ولَوْ ضاقَ لَها الفَضا، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ أيِ احْبِسُوا نُفُوسَكم عَنِ الجَزَعِ مِمّا يَنالُها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الأمْرُ بِما يَعُمُّ أقْسامَ الصَّبْرِ الثَّلاثَةَ المُتَفاوِتَةَ في الدَّرَجَةِ الوارِدَةَ في الخَبَرِ، وهو الصَّبْرُ عَلى المُصِيبَةِ، والصَّبْرُ عَلى الطّاعَةِ، والصَّبْرُ عَنِ المَعْصِيَةِ، ﴿ وصابِرُوا ﴾ أيِ اصْبِرُوا عَلى شَدائِدِ الحَرْبِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى صَبْرًا أكْثَرَ مِن صَبْرِهِمْ، وذِكْرُهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ العامِّ لِأنَّهُ أشَدُّ فَيَكُونُ أفْضَلَ فالعَطْفُ كَعَطْفِ جِبْرِيلَ عَلى المَلائِكَةِ، (والصَّلاةِ الوُسْطى) (عَلى الصَّلَواتِ) وهَذا وإنْ آلَ إلى الأمْرِ بِالجِهادِ إلّا أنَّهُ أبْلَغُ مِنهُ ﴿ ورابِطُوا ﴾ أيْ أقِيمُوا في الثُّغُورِ رابِطِينَ خُيُولَكم فِيها حابِسِينَ لَها مُتَرَصِّدِينَ لِلْغَزْوِ مُسْتَعِدِّينَ لَهُ بِالِغِينَ في ذَلِكَ المَبْلَغِ الأوْفى أكْثَرَ مِن أعْدائِكم، والمُرابَطَةُ أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الصَّبْرِ فالعَطْفُ هُنا كالعَطْفِ السّابِقِ.

وقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما عَلَيْها» .

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن ماتَ مُرابِطًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أُجْرِيَ عَلَيْهِ أجْرُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأمِنَ مِنَ الفَتّانِ، وبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى آمِنًا مِنَ الفَزَعِ ”» .

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ:“ «مَن رابَطَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَعَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ سَبْعَ خَنادِقَ كُلُّ خَنْدَقٍ كَسَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ» .

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: «الصَّلاةُ بِأرْضِ الرِّباطِ بِألْفِ ألْفَيْ صَلاةٍ» .

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الرِّباطَ أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ لِأنَّهُ حَقْنُ دِماءِ المُسْلِمِينَ، والجِهادُ سَفْكُ دِماءِ المُشْرِكِينَ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ جَمِيعُ ما مَرَّ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ (200) أيْ لِكَيْ تَظْفَرُوا وتَفُوزُوا بِنِيلِ المُنْيَةِ ودَرْكِ البُغْيَةِ والوُصُولِ إلى النُّجْحِ في الطِّلْبَةِ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ الفَلاحِ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما يُرْشِدُ المُؤْمِنَ إلى ما فِيهِ مَصْلَحَةُ الدِّينِ والدُّنْيا ويَرْقى بِهِ إلى الذُّرْوَةِ العُلْيا، وقَرَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ أحْوالَ الإنْسانِ قِسْمانِ: الأوَّلُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وحْدَهُ، والثّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن حَيْثُ المُشارَكَةُ مَعَ أهْلِ المَنزِلِ والمَدِينَةِ، وقَدْ أمَرَ سُبْحانَهُ - نَظَرًا إلى الأوَّلِ - بِالصَّبْرِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلى مَشَقَّةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ، والصَّبْرُ عَلى أداءِ الواجِباتِ والمَندُوباتِ والِاحْتِرازِ عَنِ المَنهِيّاتِ، والصَّبْرُ عَلى شَدائِدِ الدُّنْيا وآفاتِها ومَخاوِفِها، وأمَرَ - نَظَرًا إلى الثّانِي- بِالمُصابَرَةِ ويَدْخُلُ فِيها تَحَمُّلُ الأخْلاقِ الرَّدِيَةِ مِنَ الأقارِبِ والأجانِبِ، وتَرْكُ الِانْتِقامِ مِنهم، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، والجِهادُ مَعَ أعْداءِ الدِّينِ بِاللِّسانِ والسِّنانِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ تَكْلِيفُ الإنْسانِ بِما ذُكِرَ لا بُدَّ لَهُ مِن إصْلاحِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الباعِثَةِ عَلى أضْدادِ ذَلِكَ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالمُرابِطَةِ أعَمَّ مِن أنْ تَكُونَ مُرابَطَةَ ثَغْرٍ أوْ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمّا كانَتْ مُلاحَظَةُ الحَقِّ جَلَّ وعَلا لا بُدَّ مِنها في جَمِيعِ الأعْمالِ والأقْوالِ حَتّى يَكُونَ مُعْتَدًّا بِها أمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى، ثُمَّ لَمّا تَمَّتْ وظائِفُ العُبُودِيَّةِ خَتَمَ الكَلامَ بِوَظِيفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وهو رَجاءُ الفَلاحِ مِنهُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ تَمَحُّلٌ ظاهِرٌ وتَعَسُّفٌ لا يُنْكِرُهُ إلّا مُكابِرٌ، وأوْلى مِنهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالصَّبْرِ العامِّ أوَّلًا لِأنَّهُ كَما في الخَبَرِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ وهو مِفْتاحُ الفَرَجِ.

وقالَ بَعْضُهم: لِكُلِّ شَيْءٍ جَوْهَرٌ، وجَوْهَرُ الإنْسانِ العَقْلُ، وجَوْهَرُ العَقْلِ الصَّبْرُ، وادَّعى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَمِيعَ المَراتِبِ العَلِيَّةِ والمَراقِي السَّنِيَّةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ لا تُنالُ إلّا بِالصَّبْرِ، ومِن هُنا قالَ الشّاعِرُ: لَأسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أوْ أُدْرِكَ المُنى فَما انْقادَتِ الآمالُ إلّا لِصابِرِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ ثانِيًا بِنَوْعٍ خاصٍّ مِنَ الصَّبْرِ وهي المُجاهِدَةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِها النَّفْعُ العامُّ والعِزُّ التّامُّ، وقَدْ جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا تَرَكْتُمُ الجِهادَ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتّى تَرْجِعُوا إلى دِينِكم» .

ثُمَّ تَرَقّى إلى نَوْعٍ آخَرَ مِن ذَلِكَ هو أعْلى وأغْلى وهو المُرابَطَةُ الَّتِي هي الإقامَةُ في ثَغْرٍ لِدَفْعِ سُوءٍ مُتَرَقَّبٍ مِمَّنْ وراءَهُ، ثُمَّ أمَرَ سُبْحانَهُ آخِرَ الأمْرِ بِالتَّقْوى العامَّةِ إذْ لَوْلاها لَأوْشَكَ أنْ يُخالِطَ تِلْكَ الأشْياءَ شَيْءٌ مِنَ الرِّياءِ والعُجْبِ ورُؤْيَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَيُفْسِدُها، وبِهَذا تَمَّ المَعْجُونُ الَّذِي يُبْرِئُ العِلَّةَ ورُوِّقَ الشَّرابُ الَّذِي يَرْوِي الغُلَّةَ.

ومِن هُنا عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما هو المَشْهُورُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ غَيْرُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: أقَبْلَ عَلَيَّ أبُو هُرَيْرَةَ يَوْمًا فَقالَ: أتَدْرِي يا ابْنَ أخِي فِيمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ إلَخْ ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: أمّا إنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ ولَكِنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَعْمُرُونَ المَساجِدَ، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ في مَواقِيتِها ثُمَّ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيها، فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ أيِ ﴿ اصْبِرُوا ﴾ عَلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ ﴿ وصابِرُوا ﴾ أنْفُسَكم وهَواكم ﴿ ورابِطُوا ﴾ في مَساجِدِكم ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ فِيما عَلَّمَكم ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ .

وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ ؟

إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» .

ولَعَلَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أصَحُّ مِنَ الرِّوايَةِ الأُولى مَعَ ما في الحُكْمِ فِيها بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ غَزْوٌ يُرابِطُونَ فِيهِ مِنَ البُعْدِ بَلْ لا يَكادُ يَسْلَمُ ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ وإنْ كانَتْ صَحِيحَةً لا تُنافِي التَّفْسِيرَ المَشْهُورَ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ اللّامُ في الرِّباطِ فِيها لِلْعَهْدِ، ويُرادُ بِهِ الرِّباطُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» مِن قَبِيلِ زَيْدٌ أسَدٌ، والمُرادُ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِالرِّباطِ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ المُرادَ اصْبِرُوا عَلى الجِهادِ، وصابِرُوا عَدُوَّكم، ورابِطُوا عَلى دِينِكم.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اصْبِرُوا عَلى المُصِيبَةِ، وصابِرُوا عَلى الصَّلَواتِ، ورابِطُوا في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وصابِرُوا أهْلَ الضَّلالِ، ورابِطُوا في سَبِيلِ اللَّهِ.

وهو قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، والأوَّلُ أوْلى.

* * * هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيِ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ ﴿ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ الظُّلْمَةِ والنُّورِ ﴿ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ ﴾ وهُمُ النّاظِرُونَ إلى الخَلْقِ بِعَيْنِ الحَقِّ ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا ﴾ في مَقامِ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ ﴿ وقُعُودًا ﴾ في مَحَلِّ القَلْبِ بِالمُكاشَفَةِ ﴿ وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ تَقَلُّباتِهِمْ في مَكامِنِ النَّفْسِ بِالمُجاهَدَةِ، وقالَ بَعْضُهم: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا ﴾ أيْ قائِمِينَ بِاتِّباعِ أوامِرِهِ ﴿ وقُعُودًا ﴾ أيْ قاعِدِينَ عَنْ زَواجِرِهِ ونَواهِيهِ ﴿ وعَلى جُنُوبِهِمْ ﴾ أيْ ومُجْتَنِبِينَ مُطالَعاتِ المُخالَفاتِ بِحالٍ ﴿ ويَتَفَكَّرُونَ ﴾ بِألْبابِهِمُ الخالِصَةِ عَنْ شَوائِبِ الوَهْمِ ﴿ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وذَلِكَ التَّفَكُّرُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ الأوَّلُ طَلَبُ غَيْبَةِ القُلُوبِ في الغُيُوبِ الَّتِي هي كُنُوزُ أنْوارِ الصِّفاتِ لِإدْراكِ أنْوارِ القُدْرَةِ الَّتِي تُبَلِّغُ الشّاهِدَ إلى المَشْهُودِ، والثّانِي جَوَلانُ القُلُوبِ بِنَعْتِ التَّفَكُّرِ فِي إبْداعِ المُلْكِ طَلَبًا لِمُشاهَدَةِ المَلِكِ في المُلْكِ فَإذا شاهَدُوا قالُوا ﴿ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ بَلْ هو مَرايا لِأسْمائِكَ ومَظاهِرٌ لِصِفاتِكَ، ويُفْصِحُ بِالمَقْصُودِ قَوْلُ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ وكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ ﴿ سُبْحانَكَ ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ مِن أنْ يَكُونَ في الوُجُودِ سِواكَ ﴿ فَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ وهي نارُ الِاحْتِجابِ بِالأكْوانِ عَنْ رُؤْيَةِ المُكَوِّنِ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ ﴾ وتَحْجُبُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ ﴿ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ وأذْلَلْتَهُ بِالبُعْدِ عَنْكَ ﴿ وما لِلظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ أشْرَكُوا ما لا وُجُودَ لَهُ في العِيرِ ولا النَّفِيرِ ﴿ مِن أنْصارٍ ﴾ لِاسْتِيلاءِ التَّجَلِّي القَهْرِيِّ عَلَيْهِمْ.

﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا ﴾ بِأسْماعِ قُلُوبِنا ﴿ مُنادِيًا ﴾ مِن أسْرارِنا الَّتِي هي شاطِئُ وادِي الرُّوحِ الأيْمَنِ ﴿ يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ العِيانِيِّ ﴿ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا ﴾ أيْ شاهِدُوا رَبَّكم فَشاهَدْنا، أوْ ﴿ إنَّنا سَمِعْنا ﴾ في المَقامِ الأوَّلِ ﴿ مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ ﴾ والمُرادُ بِهِ هو اللَّهُ تَعالى حِينَ خاطَبَ الأرْواحَ في عالَمِ الذَّرِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ لَهم إلى الإيمانِ ﴿ فَآمَنّا ﴾ يَعْنُونَ قَوْلَهم: (بَلى) حِينَ شاهَدُوهُ هُناكَ سُبْحانَهُ ﴿ رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ﴾ أيْ ذُنُوبَ صِفاتِنا بِصِفاتِكَ ﴿ وكَفِّرْ عَنّا ﴾ سَيِّئاتِ أفْعالِنا بِرُؤْيَةِ أفْعالِكَ ﴿ وتَوَفَّنا ﴾ عَنْ ذَواتِنا بِالمَوْتِ الِاخْتِيارِيِّ ﴿ مَعَ الأبْرارِ ﴾ وهُمُ القائِمُونَ عَلى حَدِّ التَّفْرِيدِ والتَّوْحِيدِ ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى ﴾ ألْسِنَةِ ﴿ رُسُلِكَ ﴾ بِقَوْلِكَ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ ، ﴿ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ بِأنْ تَحْجُبَنا بِنِعْمَتِكَ عَنْكَ ﴿ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ ﴾ لِكَمالِ رَحْمَتِهِ ﴿ أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ ﴾ القَلْبُ وعَمَلُهُ مِثْلُ الإخْلاصِ واليَقِينِ ﴿ أوْ أُنْثى ﴾ النَّفْسُ وعَمَلُها إذا تَرَكَتِ المُجاهَداتِ والطّاعاتِ القالَبِيَّةِ ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ إذْ يَجْمَعُكم أصْلٌ واحِدٌ وهو الرُّوحُ الإنْسانِيَّةُ ﴿ فالَّذِينَ هاجَرُوا ﴾ مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ وهي مَأْلُوفاتُ أنْفُسِهِمْ ﴿ وأُوذُوا في سَبِيلِي ﴾ بِما قاسَوْا مِنَ المُنْكِرِينَ، وعَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّ القَوْمَ إذا لَمْ يَذُوقُوا مَرارَةَ إيذاءِ المُنْكِرِينَ لَمْ يَفُوزُوا بِحَلاوَةِ كَأْسِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولِهَذا قالَ الجُنَيْدُ - قُدِّسَ سِرُّهُ -: جَزى اللَّهُ تَعالى إخْوانَنا عَنّا خَيْرًا رَدُّونا بِجَفائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، وقاتَلُوا أنْفُسَهم فِيَّ وهي أعْدى أعْدائِهِمْ، وقُتِلُوا بِسَيْفِ الفَناءِ ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ الصَّغائِرَ والكَبائِرَ مِن بَقايا صِفاتِهِمْ وذَواتِهِمْ ﴿ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ ﴾ ثَلاثٌ وهي جَنَّةُ الأفْعالِ، وجَنَّةُ الصِّفاتِ، وجَنَّةُ الذّاتِ ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أنْهارُ العُلُومِ والتَّجَلِّياتِ ﴿ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ ﴿ واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ﴾ فَلا يَكُونُ بِيَدِ غَيْرِهِ ثَوابٌ أصْلًا.

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ حُجِبُوا عَنِ التَّوْحِيدِ ﴿ فِي البِلادِ ﴾ في المَقاماتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأحْوالِ ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ﴾ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ وعَدَمِ نَفْعِهِ ﴿ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ الحِرْمانُ ﴿ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ الَّذِي اخْتارُوهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِمْ.

﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ﴾ بِأنْ تَجَرَّدُوا كَمالَ التَّجَرُّدِ ﴿ لَهم جَنّاتٌ ﴾ ثَلاثٌ عِوَضُ ذَلِكَ ﴿ نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ مُعَدًّا لَهم ﴿ وما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِن نِعَمِ المُشاهِدَةِ ولِطائِفِ القُرْبَةِ وحَلاوَةِ الوُصْلَةِ ﴿ خَيْرٌ لِلأبْرارِ ﴾ ﴿ وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ ويُحَقِّقُ التَّوْحِيدَ الذّاتِيَّ ﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ مِن عِلَمِ التَّوْحِيدِ والِاسْتِقامَةِ ﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ﴾ مِن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ ونَيْلِ الدَّرَجاتِ ﴿ خاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾ لِلتَّجَلِّي الذّاتِيِّ، وما تَجَلّى اللَّهُ تَعالى لِشَيْءٍ إلّا خَضَعَ لَهُ ﴿ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ تَعالى وهي تَجَلِّياتُ صِفاتِهِ ﴿ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ وهي تِلْكَ الجَنّاتُ ﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ فَيُوصِلُ إلَيْهِمْ أجْرَهم بِلا إبْطاءٍ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ عَنِ المَعاصِي ﴿ وصابِرُوا ﴾ عَلى الطّاعاتِ ﴿ ورابِطُوا ﴾ الأرْواحَ بِالمُشاهَدَةِ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ مِن مُشاهَدَةِ الأغْيارِ ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ بِالتَّجَرُّدِ عَنْ هُمُومِكم وخَطَراتِكم، أوْ ﴿ اصْبِرُوا ﴾ في مَقامِ النَّفْسِ بِالمُجاهَدَةِ ﴿ وصابِرُوا ﴾ في مَقامِ القَلْبِ مَعَ التَّجَلِّياتِ ﴿ ورابِطُوا ﴾ فِي مَقامِ الرُّوحِ ذَواتِكم حَتّى لا تَعْتَرِيَكم فَتْرَةٌ أوْ غَفْلَةٌ واتَّقُوا اللَّهَ عَنِ المُخالَفَةِ والإعْراضِ والجَفاءِ لَعَلَّكم تَفُوزُونَ بِالفَلاحِ الحَقِيقِيِّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ لَنا الحَظَّ الأوْفى مِنِ امْتِثالِ هَذِهِ الأوامِرِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

وهَذِهِ الآياتُ العَشْرُ كانَ يَقْرَؤُها صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُلَّ لَيْلَةٍ، كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ السُّنِّيِّ وأبُو نُعَيْمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ عَنْ عُثْمانَ قالَ: مَن قَرَأ آخِرَ آلِ عِمْرانَ في لَيْلَةٍ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ قِيامَ لَيْلَةٍ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا: «مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تَجِبَ الشَّمْسُ» .

وخَبَرُ - «مَن قَرَأ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ أُعْطِيَ بِكُلِّ آيَةٍ أمانًا عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ» - مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقَدْ عابُوا عَلى مَن أوْرَدَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْصِمَنا عَنِ الزَّلَلِ ويَحْفَظَنا مِنَ الخَطَأِ والخَطَلِ، إنَّهُ جَوادٌ كَرِيمٌ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، ولْيَكُنْ هَذا خاتِمَةَ ما أمْلَيْتُهُ مِن تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ والزَّهْراوَيْنِ، وأنا أرْغَبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ أنْ يُوصِلَنِي إلى تَفْسِيرِ المُعَوِّذَتَيْنِ، وهو الجِلْدُ الأوَّلُ مِن رُوحِ المَعانِي ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجِلْدُ الثّانِي وكانَ الفَراغُ مِنهُ في غُرَّةِ مُحَرَّمِ الحَرامِ سَنَةَ 1254 ألْفٍ ومِائَتَيْنِ وأرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ، وصَلّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

آمِينَ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ذكر مرجع المؤمنين ومصيرهم فقال: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ أي اتقوا الشرك والفواحش، ووحّدوا ربهم لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تحتها الانهار خالدين فيها أبداً لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها أبداً نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يقول: ثواباً من عند الله للمؤمنين الموحدين خاصة وَما عِنْدَ اللَّهِ الجنة خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ من الدنيا للمؤمنين المطيعين وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يعني مؤمني أهل الكتاب، معناه مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن آمن بالله فصدق بقوله وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن وصدق وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التوراة والإنجيل، يعني على أنبيائهم، فذكر حالهم وبيّن ثوابهم لكي يرغب غيرهم من أهل الكتاب ليؤمنوا إذا علموا بثوابهم.

ثم نعتهم فقال تعالى: خاشِعِينَ لِلَّهِ أي متواضعين لله، والخشوع أصله التذلل وكذلك الخضوع، وقد فرّق بعض أهل اللغة بين الخشوع والخضوع، فقال الخضوع في البدن خاصة، والخشوع يكون في البدن والبصر والصوت والقلب.

كما قال الله تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [طه: 108] وقال: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ [القلم: 43 المعارج: 44] .

ثم قال تعالى: لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يعني عرضاً يسيراً كفعل اليهود أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ أي ثوابهم عِنْدَ رَبِّهِمْ الجنة إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي شديد العقوبة، ويقال: سريع الحفظ والتعريف يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا أي اصبروا على البلاء والجهاد وأداء الفرائض، وعن المعاصي وَصابِرُوا مع نبيكم  على عدوكم حتى يدعوا دينهم إلى دينكم، يعني يتركوا الشرك ويدخلوا في الإيمان وَرابِطُوا مع عدوكم ما أقاموا، وهذا قول الكلبي.

وقال عكرمة: اصبروا على البلاء وعلى طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا الخيول.

وقال الزجاج: اصبروا على دينكم وصابروا على عدوكم، ورابطوا أي أقيموا على جهادكم بالحرب وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع ما أمركم ونهاكم.

وقال القتبي: أصل المرابطة أن يربطوا خيولهم في الثغر لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يقول: تفوزون وتأمنون النار وتنجون منها.

ويقال: أصل الفلاح البقاء بالنعمة، ويقال: الفلاح أن يبلغ الإنسان نهاية ما يؤمل، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين آمين.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: نُزُلًا: معناه تَكْرِمَةً.

وقوله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ يحتملُ أن يريد: خَيْرٌ مِمَّا هؤلاءِ فيه، من التقلُّب والتنعُّم، ويحتمل أنْ يريد: خَيْرٌ ممَّا هم فيه في الدّنيا، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم:

«الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ/، وَجَنَّةُ الكَافِرِ» «١» قال القاضِي ابْنُ الطَّيِّب: هذا بالإضافة إلى ما يصير إلَيْه كلُّ واحد منْهما في الآخرةِ، وقيل: المعنى أنها سِجْنُ المؤمن لأنها موضعُ تَعَبِهِ في الطاعة.

وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ، قال جابر بن عبد اللَّه وغيره: هذه الآيةُ نَزَلَتْ بسبب أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ سُلْطَانِ الحبشة، آمن باللَّه، وبمحمَّد- عليه السلام-، وأصحمة «٢» : تفسيره بالعربيّة:

عَطِيَّة قاله سفيان وغيره، وقال قومٌ: نزلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١» ، وقال ابنُ زَيْدٍ ومجاهدٌ: نَزَلَتْ في جميعِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب «٢» .

وقوله سبحانه: لاَ يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا: مدحٌ لهم، وذَمٌّ لسائر كفَّار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم مكاسبَ الدُّنْيا على آخرتهم، وعلى آياتِ اللَّهِ سُبْحانه، ثم خَتَمَ اللَّه سُبْحانه السُّورة بهذه الوَصَاةِ التي جَمَعَتِ الظُّهورَ في الدنيا علَى الأعداء، والفَوْزَ بنعيمِ الآخرةِ، فحضَّ سبحانه على الصبْرِ على الطاعات، وعنِ الشهواتِ، وأَمَرَ بالمصابرةِ، فقيل: معناه مصابرةُ الأعداء قاله زيدُ بْنُ أسلم «٣» ، وقيل: معناه مصابَرَةَ وعْدِ اللَّهِ فِي النَّصْر قاله محمدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ «٤» ، أي: لا تسأَمُوا وانتظروا الفرج، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:

«انتظار الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ» «٥» .

قال الفَخْر «٦» : والمصابرةُ عبارةٌ عن تحمُّل المكارِهِ الواقعة بَيْن الإنسان، وبَيْن الغَيْر.

انتهى.

وقوله: وَرابِطُوا: معناه عند الجُمْهُور: رَابِطُوا أعداءكم الخَيْلَ، أي: ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، قلْتُ: وروى مسلمٌ في «صحيحه» ، عن سلمان، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وإنْ مَاتَ جرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّان» «٧» ، وخَرَّجَ الترمذيُّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن

صحيحٌ «١» ، وخرَّجه أبو داود بمعناه، وقال: «ويُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِي القَبْرِ» «٢» ، وخرَّجه ابنُ ماجة بإسناد صحيح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وأجرى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ آمناً مِنَ الفَزَعَ» «٣» ، وروى مسلم والبخاريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا» «٤» .

انتهى.

وجاء في فَضْل الرباطِ أحاديثُ كثيرةٌ يطُولُ ذكْرها.

قال صاحبُ «التَّذْكرة» : وروى أبيُّ بن كَعْب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان- أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ عند الله وأعظم أجرا» ، أراه قال:

«من عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا ...

» «٥» الحديثَ ذكره القرطبيُّ مسنداً.

انتهى.

والرباط: هو الملازمةُ في سَبيلِ اللَّهِ أصلها مِنْ رَبَطَ الخَيْلَ، ثم سُمِّيَ كلُّ ملازمٍ لثَغْرٍ من ثُغُور الإسلام/ مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظةُ مأخوذةٌ من الرَّبْط، قلْتُ:

قال الشيخُ زيْنُ الدينِ العِرَاقِيُّ في «اختصاره لغريب القرآن» لأبي حَيَّان: معنى: رابطوا:

دُومُوا واثبتوا، ومتى ذكَرْتُ العِرَاقِيَّ، فمرادِي هذا الشيخُ.

انتهى.

وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» ، أنَّ هذه الآيةَ: اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا، إنما نزلَتْ في انتظار الصَّلاةِ خَلْفَ الصلاة قاله أبو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ولم يكُنْ يومئذٍ عَدُوٌّ يرابَطُ فيه «١» .

انتهى.

وقوله سبحانه: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: ترجٍّ في حقِّ البَشَر، والحمد لله حقّ حمده.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ قالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: نَزَلَتْ في انْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ولَيْسَ يَوْمَئِذٍ غَزْوٌ يُرابِطُ.

وفي الَّذِي أمَرُوا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: البَلاءُ والجِهادُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: الدِّينُ، قالَهُ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: المَصائِبُ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.

والرّابِعُ: الفَرائِضُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: طاعَةُ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وفي الَّذِي أمَرُوا بِمُصابَرَتِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: العَدُوُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: الوَعْدُ الَّذِي وعَدَهُمُ اللَّهُ: قالَهُ عَطاءٌ، والقُرَظِيُّ.

وفِيما أُمِرُوا بِالمُرابَطَةِ عَلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الجِهادُ لِلْأعْداءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ المُرابِطَةِ والرِّباطِ: أنْ يَرْبِطَ هَؤُلاءِ خُيُولُهم، وهَؤُلاءِ خُيُولُهم في الثَّغْرِ، كُلُّ يَعِدُ لِصاحِبِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ، أُمِرُوا بِالمُرابِطَةِ عَلَيْها، قالَهُ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَدْ ذَكَرْنا في (البَقَرَةِ) مَعْنى "لَعَلَّ" ومَعْنى "الفَلاحِ" .

تَمَّ - بِعَوْنِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى - الجُزْءُ الأوَّلُ مِن كِتابِ "زادَ المَسِيرِ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ" ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّانِي، وأوَّلُهُ: تَفْسِيرُ سُورَةِ (النِّساءِ)

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللهِ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن عَنى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُمْ: «نَزَلَتْ بِسَبَبِ أصْحَمَةَ النَجاشِيِّ سُلْطانِ الحَبَشَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وبِمُحَمَّدٍ  ، فَلَمّا ماتَ عَرَفَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  لِأصْحابِهِ: "اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلى أخٍ لَكُمْ" فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ  بِالناسِ، فَكَبَّرَ أرْبَعًا.

وفي بَعْضِ الحَدِيثِ: أنَّهُ كُشِفَ لِرَسُولِ اللهِ  عن نَعْشِهِ في الساعَةِ الَّتِي قَرُبَ مِنها لِلدَّفْنِ، فَكانَ يَراهُ مِن مَوْضِعِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا صَلّى عَلَيْهِ النَبِيُّ  قالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وكانَ أصْحَمَةُ النَجاشِيُّ نَصْرانِيًّا، وأصْحَمَةُ تَفْسِيرُهُ بِالعَرَبِيَّةِ: عَطِيَّةٌ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُهُ.

ورُوِيَ أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: فَإنَّهُ لَمْ يُصَلِّ لِلْقِبْلَةِ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ  ﴾ .

وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في جَمِيعِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ.

وَ"خاشِعِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُؤْمِنُ"، ورَدَّ "خاشِعِينَ" عَلى المَعْنى في "مَن" لِأنَّهُ جَمْعٌ، لا عَلى لَفْظِ "مَن" لِأنَّهُ إفْرادٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ مَدْحٌ لَهم وذَمٌّ لِسائِرِ كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِتَبْدِيلِهِمْ وإيثارِهِمْ كَسْبَ الدُنْيا الَّذِي هو ثَمَنٌ قَلِيلٌ عَلى آخِرَتِهِمْ وعَلى آياتِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: سَرِيعُ إتْيانٍ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الحِسابِ، فالحِسابُ إذًا سَرِيعٌ، إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.

وقالَ قَوْمٌ: سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ وأُجُورِهِمْ وآثامِهِمْ، إذْ ذَلِكَ كُلُّهُ في عَمَلِهِ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى عَدٍّ ورَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، كَما يَحْتاجُ البَشَرُ.

ثُمَّ خَتَمَ اللهُ تَعالى السُورَةَ بِهَذِهِ الوَصاةِ الَّتِي جَمَعَتِ الظُهُورَ في الدُنْيا عَلى الأعْداءِ، والفَوْزَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، فَحَضَّ عَلى الصَبْرِ عَلى الطاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، وأمَرَ بِالمُصابَرَةِ فَقِيلَ: مَعْناهُ: مُصابَرَةُ الأعْداءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وقِيلَ: مَعْناهُ: مُصابَرَةُ وعْدِ اللهِ في النَصْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أيْ: لا تَسْأمُوا وانْتَظِرُوا الفَرَجَ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "انْتِظارُ الفَرَجِ بِالصَبْرِ عِبادَةٌ".» وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَرابِطُوا"؛ فَقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: مَعْناهُ: رابِطُوا أعْداءَكُمُ الخَيْلَ، أيِ: ارْتَبِطُوها كَما يَرْتَبِطُها أعْداؤُكُمْ، ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ  ﴾ ...الآيَةُ.

وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ، وقَدْ كَتَبَ إلَيْهِ يَذْكُرُ جُمُوعَ الرُومِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ مَهْما نَزَلَ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ شِدَّةٌ، جَعَلَ اللهُ بَعْدَها فَرَجًا، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ، ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا ﴾ ...

الآيَةَ.

وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ: هَذِهِ الآيَةُ هي في انْتِظارِ الصَلاةِ بَعْدَ الصَلاةِ، ولَمْ يَكُنْ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ  غَزْوٌ يُرابِطُ فِيهِ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وأبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "ألا أدُلُّكم عَلى ما يَحُطُّ اللهُ بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَرَجاتِ؟

إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَلاةِ بَعْدَ الصَلاةِ فَذَلِكُمُ الرِباطُ فَذَلِكُمُ الرِباطُ فَذَلِكُمُ الرِباطُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الصَحِيحُ هو أنَّ الرِباطَ هو المُلازَمَةُ في سَبِيلِ اللهِ، أصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مُلازِمٍ لِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ الإسْلامِ مُرابِطًا، فارِسًا كانَ أو راجِلًا، واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَبْطِ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "فَذَلِكُمُ الرِباطُ"» إنَّما هو تَشْبِيهٌ بِالرِباطِ في سَبِيلِ اللهِ، إذِ انْتِظارُ الصَلاةِ إنَّما هو سَبِيلٌ مِنَ السُبُلِ المُنْجِيَةِ، والرِباطُ اللُغَوِيُّ هو الأوَّلُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: « "لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرَعَةِ"» وكَقَوْلِهِ: « "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ"» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُرابِطُ في سَبِيلِ اللهِ عِنْدَ الفُقَهاءِ هو الَّذِي يَشْخَصُ إلى ثَغْرٍ مِنَ الثُغُورِ لِيُرابِطَ فِيهِ مُدَّةً ما، قالَهُ ابْنُ المَوّازِ ورَواهُ.

فَأمّا سُكّانُ الثُغُورِ دائِمًا بِأهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ ويَكْتَسِبُونَ هُنالِكَ، فَهم وإنْ كانُوا حُماةً فَلَيْسُوا بِمُرابِطِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ كَثِيرًا.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ختمت السورة بوصاية جامعة للمؤمنين تجدّد عزيمتهم وتبعث الهمم إلى دوام الاستعداد للعدوّ كي لا يثبّطهم ما حصل من الهزيمة، فأمَرَهم بالصبر الذي هو جماع الفضائل وخصال الكمال، ثم بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر، وهذا أشدّ الصبر ثباتاً في النفس وأقربه إلى التزلزل، ذلك أنّ الصبر في وجه صابرٍ آخر شديد على نفس الصابر لما يلاقيه من مقاومة قِرن له في الصبر قد يساويه أو يفوقه، ثم إنّ هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتّى يملّ قرنه فإنّه لا يجتني من صبره شيئاً، لأنّ نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبراً، كما قال زُفر بن الحارث في اعتذاره عن الانهزام: سَقَيْنَاهُم كَأساً سقَوْنا بِمِثْلِها *** ولكنَّهم كانوا على الموت أَصْبَرا فالمصابرة هي سبب نجاح الحرب كما قال شاعر العرب الذي لم يعرف اسمه: لا أنت معتادُ في الهيجا مُصابَرةٍ يَصْلى بها كلّ من عاداك نيراناً وقوله: ﴿ ورابطوا ﴾ أمر لهم بالمرابطة، وهي مفاعلة من الرّبْط، وهو ربط الخيل للحراسة في غير الجهاد خشية أن يفجأهم العدوّ، أمر الله به المسلمين ليكونوا دائماً على حذر من عدوّهم تنبيهاً لهم على ما يكيد به المشركون من مفاجأتهم على غِرّة بعد وقعة أُحُد كما قدّمناه آنفاً، وقد وقع ذلك منهم في وقعة الأحزاب فلمّا أمرهم الله بالجهاد أمرهم بأن يكونوا بعد ذلك أيقاظاً من عدوّهم.

وفي كتاب الجهاد من «البخاري»: بابُ فضل رباط يوم في سبيل الله وقول الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ﴾ إلخ.

وكانت المرابطة معروفة في الجاهلية وهي ربط الفرس للحراسة في الثغور أي الجهات التي يستطيع العدوّ الوصول منها إلى الحيّ مثل الشعاب بين الجبال.

وما رأيت مَن وصف ذلك مثل لبيد في معلّقته إذ قال: ولَقد حَمَيْتُ الحَيّ تَحْمِل شِكَّتي *** فُرُط وِشَاحِي إذْ غَدَوْتُ لجامُها فَعَلَوْتُ مُرْتَقَبَا على ذي هَبْوَةٍ *** حَرِج إلى إعلامهن قَتَامُها حَتَّى إذا ألْقَتْ يداً في كافر *** وأجَنّ عَوْرَاتتِ الثُّغورِ ظلامُها فذكر أنّه حرس الحيّ على مكان مرتقَب، أي عال بربط فرسه في الثغر.

وكان المسلمون يرابطون في ثغور بلاد فارس والشام والأندلس في البَرّ، ثم لمّا اتّسع سلطان الإسلام وامتلكوا البحار صار الرباط في ثغور البخار وهي الشطوط التي يخشى نزول العدوّ منها: مثل رباط المنستير بتونس بإفريقية، ورباط سلا بالمغرب، ورُبط تونس ومحارسها: مثل مَحْرس علي بن سالم قرب صفاقس.

فأمر الله بالرباط كما أمر بالجهاد بهذا المعنى وقد خفي على بعض المفسّرين فقال بعضهم: أراد بقوله: ﴿ ورابطوا ﴾ إعداد الخيل مربوطة للجهاد، قال: ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو في الثغور.

وقال بعضهم: أراد بقوله: ﴿ ورابطوا ﴾ انتظار الصلاة بعد الفراغ من التي قبلها، لما روى مالك في «الموطأ»، عن أبي هريرة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة، وقال: " فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط " ونُسب هذا لأبي سلمة بن عبد الرحمن.

قال ابن عطية: والحقّ أن معنى هذا الحديث على التشبيه، كقوله: " ليس الشديد بالصرعة " وقوله: " ليس المسكين بهذا الطّواف الذي تردّه اللقمة واللقمتان "، أي وكقوله صلى الله عليه وسلم " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ".

وأعقب هذا الأمر بالأمر بالتقوى لأنّها جماع الخيرات وبها يرجى الفلاح.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلى أخٍ لَكم فَصَلّى بِنا أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، فَقالَ: هَذا النَّجاشِيُّ أصْحَمَةُ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِن مُسْلِمَةِ أهْلِ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وصابِرُوا أعْداءَ اللَّهِ، ورابِطُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: اصْبِرُوا عَلى دِينِكم، وصابِرُوا الوَعْدَ الَّذِي وعَدَكم، ورابِطُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: اصْبِرُوا عَلى الجِهادِ، وصابِرُوا العَدُوَّ، ورابِطُوا بِمُلازَمَةِ الثَّغْرِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن رَبْطِ النَّفْسِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَبَطَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ بِالصَّبْرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

والرّابِعُ: رابِطُوا عَلى الصَّلَواتِ بِانْتِظارِها واحِدَةً بَعْدَ واحِدَةٍ: رَوى العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (ألا أدُلُّكم عَلى ما يَحُطُّ بِهِ اللَّهُ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟

قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ)» .

انْتَهَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المبارك وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق داود بن صالح قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿ اصبروا وصابروا ورابطوا ﴾ ؟

قلت: لا.

قال: سمعت أبا هريرة يقول: لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة.

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل عليَّ أبو هريرة يوماً فقال: أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ﴾ ؟

قلت: لا.

قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها فعليهم أنزلت ﴿ اصبروا ﴾ أي على الصلوات الخمس ﴿ وصابروا ﴾ أنفسكم وهواكم ﴿ ورابطوا ﴾ في مساجدكم ﴿ واتقوا الله ﴾ فيما علمكم ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب قال: وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر؟

فقلنا: نعم يا رسول الله قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة.

قال: وهو قول الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ﴾ فذلكم هو الرباط في المساجد» .

وأخرج ابن جرير وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟

قلنا: بلى يا رسول الله.

قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» .

وأخرج ابن جرير من حديث علي.

مثله.

وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟

إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط.

فذلكم الرباط.

فذلكم الرباط» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غسان قال: إن هذه الآية إنما أنزلت في لزوم المساجد ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في الآية قال: أمرهم أن يصبروا على دينهم ولا يدعوه لشدة، ولا رخاء، ولا سراء، ولا ضراء.

وأمرهم أن يصابروا الكفار، وأن يرابطوا المشركين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال: اصبروا على دينكم، وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوّي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم، واتقوا الله فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون غداً إذا لقيتموني.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا في سبيل الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن زيد بن أسلم في الآية قال: اصبروا على الجهاد، وصابروا عدوكم، ورابطوا على دينكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: اصبروا عند المصيبة، وصابروا على الصلوات، ورابطوا: جاهدوا في سبيل الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: اصبروا على الفرائض، وصابروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الموطن، ورابطوا فيما أمركم ونهاكم.

وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في الآية قال: اصبروا على طاعة الله، وصابروا أعداء الله، ورابطوا في سبيل الله.

وأخرج أبو نعيم عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا..

﴾ على الصلوات الخمس، وصابروا على قتال عدوّكم بالسيف، ورابطوا في سبيل الله لعلكم تفلحون» .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم وما يتخوّف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة يجعل الله بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله يقول في كتابه ﴿ يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ﴾ .

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والبيهقي في الشعب عن سهل بن سعد.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» .

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن فضالة بن عبيد: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر» .

وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي والطبراني والبيهقي عن سلمان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجرى عليه رزقه فأمن الفتان.

زاد الطبراني: وبعث يوم القيامة شهيداً» .

وأخرج الطبراني بسند جيد عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: «رباط شهر خير من صيام دهر، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمنه من الفزع الأكبر، وغدى عليه برزقه وريح من الجنة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله عز وجل» .

وأخرج الطبراني بسند جيد عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله، فإنه ينمي له عمله، ويجري عليه رزقه إلى يوم القيامة» .

وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي الدرداء يرفع الحديث قال: من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة.

وأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات مرابطاً في سبيل الله أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجرى عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعاً مثله.

وزاد: والمرابط إذا مات في رباطه كتب له أجر عمله إلى يوم القيامة، وغدى عليه وريح برزقه، ويزوّج سبعين حوراء، وقيل له قف اشفع إلى أن يفرغ من الحساب.

وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك، ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك، ومن مات مرابطاً في سبيل الله جرى عليه عمل المرابط حتى يبعث يوم القيامة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند جيد عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر المرابط فقال: «من رابط ليلة حارساً من وراء المسلمين كان له أجر من خلفه ممن صام وصلى» .

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند لا بأس به عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رابط يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق، كل خندق كسبع سموات وسبع أرضين» .

وأخرج ابن ماجة بسندٍ واهٍ عن أبي بن كعب قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من غير شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها، فإن رده الله الى أهله سالماً لم تكتب له سيئة وتكتب له الحسنات، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن حبان والبيهقي عن مجاهد عن أبي هريرة.

أنه كان في المرابطة ففزعوا وخرجوا إلى الساحل ثم قيل لا بأس فانصرف الناس وأبو هريرة واقف فمر به إنسان فقال: ما يوقفك يا أبا هريرة؟

فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود» .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن عثمان بن عفان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل» ولفظ ابن ماجة: «من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها» .

وأخرج البيهقي عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن صلاة المرابط تعدل خمسمائة صلاة، ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره» .

وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن أنس مرفوعاً: «الصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة» .

وأخرج ابن حبان عن عتبة بن المنذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا انتاط غزوكم، وكثرت الغرائم، واستحلت الغنائم، فخير جهادكم الرباط» .

وأخرج البخاري والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، وعبد القطيفة.

إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة.

إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع» .

وأخرج مسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو قزعة طار على متنه، يبتغي القتل والموت من مظانه.

ورجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير» .

وأخرج البيهقي عن أم مبشر تبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس منزلة رجل على متن فرسه يخيف العدو ويخيفونه» .

وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن أحرس ثلاث ليال مرابطاً من وراء بيضة المسلمين أحب إليّ من أن تصيبني ليلة القدر في أحد المسجدين.

المدينة أو بيت المقدس» .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات مرابطاً في سبيل الله آمنه الله من فتنة القبر» .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المرابط في سبيل الله أعظم أجراً من رجل جمع كعبيه رياد شهر صيامه وقيامه» .

وأخرج البيهقي عن ابن عابد قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل، فلما وضع قال عمر بن الخطاب: لا تصلِّ عليه يا رسول الله فإنه رجل فاجر.

فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس قال: هل رآه أحد منكم على الإسلام؟

فقال رجل: نعم يا رسول الله، حرس ليلة في سبيل الله.

فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحثى عليه التراب وقال: أصحابك يظنون أنك من أهل النار، وأنا أشهد أنك من أهل الجنة.

وقال: يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ولكن تسأل عن الفطرة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر.

أن عمر كان يقول: إن الله بدأ هذا الأمر حين بدأ بنبوّة ورحمة، ثم يعود إلى ملك ورحمة، ثم يعود جبرية يتكادمون تكادم الحمير.

أيها الناس عليكم بالغزو والجهاد ما كان حلواً خضراً قبل أن يكون مراً عسراً، ويكون عاماً قبل أن يكون حطاماً، فإذا انتاطت المغازي، وأكلت الغنائم، واستحل الحرام، فعليكم بالرباط فإنه خير جهادكم.

وأخرج أحمد عن أبي أمامة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت.

رجل مات مرابطاً في سبيل الله، ورجل علم علماً فأجره يجري عليه ما عمل به، ورجل أجرى صدقة فأجرها يجري عليه ما جرت عليهم، ورجل ترك ولداً صالحاً يدعو له» .

وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة.

وأخرج الدرامي عن عثمان بن عفان قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله (١) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ قال الحسن (٢) (٣) وقال زيد بن أسلم (٤) (٥) وقال الفرّاء (٦) ﴿ اصْبِرُوا ﴾ مع نَبِيِّكم (٧) ﴿ وَصَابِرُوا ﴾ عدُوَّكم، فلا يكونن (٨) ﴿ وَرَابِطُوا ﴾ ، أي: أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب والحُجَّةِ.

قاله الزجّاج (٩) (١٠) قال ابن قتيبة (١١) (١٢) وكلام ابن عباس -في رواية عطاء- يَدُلُّ على هذه الجملة، فإنه قال في قوله: ﴿ وَرَابِطُوا ﴾ يريد: عَدُوِّي وعدوَّكم.

حتى يرجع عن دينه إلى دينكم (١٣) وهذا اللفظ يتضمن معنى (١٤) (١٥) وقال أبو سَلَمَة بن عبد الرحمن (١٦) ﴿ وَرَابِطُوا ﴾ : انتظروا الصلاة بعد الصلاة.

واحتج (١٧)  في حديث أبي هريرة، حيث ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة- قال: (فَذلِكُمُ الرِّبَاط)، ثلاث مرّات (١٨) وأصل هذا من الرَّبْط، وهو: الشَّدُّ (١٩) (٢٠) قال لَبِيد: رابطُ الجَأْشِ على كُلِّ وَجَلْ (٢١) أي: صابرٌ ثابت.

فقيل للصبر على الصلاة وربط النفس عليها: (رِبَاط).

وقال أبو عبيدة (٢٢) (٢٣) ﴿ وَرَابِطُوا ﴾ ؛ أي: اثْبُتُوا، وداوموا (٢٤) وأنشد ابنُ الأنباري قولَ الأخْطَل (٢٥) (٢٦) قال: إنما (٢٧) ثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على جهاد العدو، ويجوز أن يكون على الصلاة (٢٨) (١) في (ج): (قوله) بدون واو.

(٢) قوله في: "تفسيرالطبري" 4/ 221، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 849، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176 ب، و"زاد المسير" 1/ 534.

(٣) في "معانى القرآن" له 1/ 501.

وهو قول محمد بن كعب القرظي.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 221، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 847.

وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 4/ 222 وعلله بقوله: (وذلك أن الله لم يخصص من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل، فلذلك قلنا: إنه عنى بقوله: ﴿ اصْبِرُوا ﴾ : الأمر بالصبر على جميع معاني طاعة الله، فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها).

(٤) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 222، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 848، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 201، 202.

وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، والبيهقي في "الشعب".

وأخرجه الحاكم بنفس سند الطبري وابن أبي حاتم، إلا أنه زاد فقال: (..

عن زيد ابن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب  ) وفيه أن عمر بلغه أن أبا عبيدة حضر بالشام، وتألب عليه الأعداء، فكتب إليه يُصبِّره، وأنهى كتابه لهذه الآية.

انظر: "المستدرك" 2/ 300.

وصححه، ووافقه الذهبي.

(٥) لم أقف على مصدر قوله.

(٦) في "معاني القرآن" له 1/ 251.

نقله عنه بنصه.

(٧) في المعاني: (مع نبيكم على الجهاد).

(٨) في (ج): (فلا يكون).

(٩) في: "معاني القرآن"، له: 1/ 501 - 502.

نقله عنه بنصه.

(١٠) هذا نص قول الأزهري في: "تهذيب اللغة": 2/ 1346 (ربط).

(١١) في: "تفسير غريب القرآن"، له: 1/ 109.

نقله عنه بتصرف.

(١٢) قال ابن فارس عن الرباط: هو (ملازمة ثَغْرِ العدو، كأنهم رُبطوا هناك، فثبتوا به، ولازموه).

"المقاييس" 2/ 478 (ربط).

وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 222، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 530، و"مفردات ألفاظ القرآن" 338 - 339 (ربط)، و"أساس البلاغة" (316) (ربط).

(١٣) ورد معنى قول ابن عباس في: "زاد المسير" 1/ 534، وأورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 177 أقول عطاء، دون أن يرفعه لابن عباس، وفيه: ( ﴿ وَرَابِطُوا ﴾ : يعني.

المشركين).

(١٤) (معنى): ساقط من (ج).

(١٥) هو قول: قتادة، وابن جريج، والضحاك، ومحمد بن كعب القُرَظي، ومقاتل.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 221، 222، و"تفسير مقاتل" 1/ 324.

وهو الذي رجحه الطبري في "تفسيره" 4/ 223؛ مُعَلِّلًا بأنه: (هو المعنى المعروف من معاني (الرباط)، وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى يأتي بخلاف ذلك -مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه- حُجةٌ يجب التسليم لها، مِن كتاب، أو خبر من الرسول  ، أو إجماع من أهل التأويل) 4/ 223.

(١٦) قوله في: "المستدرك" للحاكم 2/ 301، و"تفسير الطبري" 4/ 222، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 481.

(١٧) من قوله: (واحتج ..) إلى (..

الصلاة بعد الصلاة): ساقط من (ج).

(١٨) الحديث من رواية أبي هريرة.

أخرجه مسلم في "الصحيح" رقم (251).

كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء، والترمذي رقم (51، 52) أبواب الطهارة.

باب ما جاء في إسباغ الوضوء، وقال: (حسن صحيح)، ومالك في "الموطأ" ص 118 (58) كتاب قصر الصلاة في السفر، باب انتظار الصلاة والمشي إليها.

(١٩) في (ج): (الشدة).

(٢٠) انظر: (ربط): "تهذيب اللغة" 2/ 1346، و"مقاييس اللغة" 2/ 78، و"تفسير الثعلبي" 3/ 177 أ.

(٢١) في (ب): (رجل).

وهذا عجز بيت، وصدره: يُسْئِدُ السَّيْرَ عليها راكبٌ البيت في: "ديوانه" 176.

وورد منسوبًا له في: "تهذيب اللغة" 2/ 1591 (سأد)، و"الصحاح" 2/ 482 (سأد)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 177 أ، و"اللسان" 3/ 1905.

ومعنى (يُسْئِد): يُغذُّ ويسرع السَّيْرَ.

يقال: (أسْأدَ الرجلُ السَّيْرَ): أدْأبَهُ.

و (الإسآد): الإسراع والإغذاذُ في السير، وأكثر ما يستعمل ذلك في سير الليل.

وعن أبي عمرو: الإسآد: أن تسير الإبلُ الليل مع النهار.

و (الوَجَلُ): الخوف.

انظر (سأد) في: "الصحاح" 2/ 482، و"اللسان" 3/ 1905، و"القاموس" (1067) (وجل).

(٢٢) في: "مجاز القرآن" 1/ 112.

(٢٣) لم أقف على مصدر قوله.

(٢٤) في "مجاز القرآن": ودوموا.

وورد قول أبي عبيدة في: "تفسير الثعلبي" 3/ 177 أ، وفيه: (داوموا)، كما هي عند المؤلف.

(٢٥) هو: غياث بن غوث بن الصلت، أبو مالك التغلبي.

شاعر نَصْراني، ومات على نَصْرانِيَّتِه، كان مُقَدَّمًا عند خلفاء بني أمية، لكثرة مدحه لهم وانقطاعه إليهم.

توفي سنة (90 هـ).

انظر.

"شرح شواهد المغني" 1/ 123، "الأعلام" 5/ 123.

(٢٦) البيت في "شعره" 635.

وورد منسوبًا له في: "الصحاح" 5/ 1990 (علم)، و"اللسان" 5/ 3084 (علم).

وورد غير منسوب في: "أساس البلاغة" 1/ 316.

قوله: (مُعْلِمة) -بكسر اللام، وهكذا ضبطت في شعره، والصحاح، و"اللسان"-: هي من قولهم: (أعْلَمَ الفارِسُ): جعل لنفسه علامة الشجعان.

فهو مُعْلِم.

والخيل المُعلِمة: المشهورة التي لها علامة في الحرب.

وفي "مجاز القرآن": (مُعْلَمَة) -بفتح اللام-: وهي للبناء للمجهول، من قولهم: (أعْلَمَ الفَرَسَ): عَلَّق عليه صوفًا أحمر أو أبيض في العرب.

انظر: "اللسان" 5/ 3084 (علم).

وكُلَيب: هم رهط جرير، الذي يهجوه الأخطلُ في هذا البيت.

(٢٧) (إنما): ساقط من (ج).

(٢٨) والراجح أن (الرباط) -المذكور في الآية- معنيٌّ به المرابطة في الجهاد.

وهو ما رجحه ابن جرير، وأكثر المفسرين.

وقول رسول الله  : (فذلكم الرباط ..) إنما هو تشبيه المحافظة على الصلاة؛ بملازمتها والدوام عليها، والرباط في سبيل الله؛ بجامع ما في الأمرين من دوام ولزوم وانتظار.

انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 477.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، فإنه كان نصرانياً فأسلم، وقيل: في عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم من اليهود ﴿ لاَ يَشْتَرُونَ ﴾ مدح لهم، وفيه تعريض لذم غيرهم ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً وصابروا أي صابروا عدوكم في القتال ﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ أقيموا في الثغور مرابطين خيلكم مستعدين للجهاد، وقيل: هو مرابطة العبد فيما بينه وبين الله، أي معاهدته على فعل الطاعة وترك المعصية والأول أظهر، قال صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه» وأما قوله في انتظار الصلاة فذلكم الرباط فهو تشبيه بالرباط في سبيل الله لعظم أجره، والمرابط عند الفقهاء هو الذي يسكن الثغور فيرابط فيها وهي غير موطنه، فأما سكانها دائماً بأهلهم ومعايشهم فليسوا مرابطين، ولكنهم حماة، حكاه ابن عطية.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الأبرار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء.

والكسائي والنجاري عن ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وكذلك كل ما تكرر فيه الراء غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن.

﴿ وقتلوا وقاتلوا ﴾ حمزة وعلي وخلف، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ وقتلوا ﴾ مشدداً.

الباقون: ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ مخففاً.

﴿ لا يغرنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس.

الباقون بالتشديد ﴿ نزلاً ﴾ حيث كان بالاختلاس عباس.

الوقوف: ﴿ الألباب ﴾ ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفاً نصباً أو رفعاً على المدح بتقدير أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر.

﴿ والأرض ﴾ ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا.

﴿ باطلاً ﴾ ج للابتداء بسبحانك تعظيماًَ وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب.

﴿ النار ﴾ ه ﴿ أخزيته ﴾ ط ﴿ أنصار ﴾ ه ﴿ فآمنا ﴾ قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ معطوف على ﴿ آمنا ﴾ أي إذا آمنا فاغفر.

﴿ الأبرار ﴾ ه ج للآية وللعطف.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ج لاتحاد الكلام وإلا فبعضكم مبتدأ ﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ز لأن ﴿ ثواباً ﴾ مفعول له أو مصدر.

﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ للأبرار ﴾ ه ﴿ لله ﴾ لا لأن ما بعده حال آخر ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض / الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء، عن ابن عمر "قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله  .

فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب.

أتاني في ليلتي فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟

فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقوية، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه فقد بلت الأرض.

فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟

ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .

وعن علي "أن النبي  كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ " واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل، وههنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيهاً على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاخلع نعليك  ﴾ يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية.

وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر.

وإنما قال في تلك السورة ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ لآيات لأولي الألباب ﴾ لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلاً وفي كمال الحال يكون لباً.

وباقي التفسير قد مرهناك.

ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن.

فقوله: ﴿ الذين يذكرون الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان.

وقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان.

والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال  : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " وقيل: المراد بالذكر ههنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد.

وهذا موافق لمذهب الشافعي في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثاً طبياً، وهو أن الاستلقاء يمنع من استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب.

والصلاة إذا كانت عن فكر وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر فذاك وضع الغافلين.

وقال أبو حنيفة: بل يصلي مستلقياً إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ إشارة إلى عمل الجنان.

وقد عرفت معنى الفكر في البحث الخامس من تفسير قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وإنما لم يقل و "يتفكرون في الله" كما قال: ﴿ يذكرون الله ﴾ لقوله  : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" " والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه.

فالفكر في المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه متنج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره  محال لأن تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أوّلاً أن لها رباً وصانعاً فيقول: ﴿ ربنا ﴾ .

ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم إذا قاس أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته  منزه عن مشابهة شيء من هذه المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة فيقول: ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بلك من مناسبة الجواهر والأعراض.

ثم إذا بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ ، ثم ذكر سبب الاستعاذة من النار بقوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ أي أبلغت في إخزائه نظيره قوله: ﴿ فقد فاز  ﴾ وفي كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك.

ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد  وذلك قوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ الآية.

فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات والآيات على وجه / " "ألقى في روعي " والله أعلم بأسرار كلامه.

عن النبي  : " "بينما رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " وعنه  : " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض" قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض.

وعنه  : " "لا عبادة كالتفكر" وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض بتأويل المخلوق.

وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضراً في خزانة الخيال.

و ﴿ باطلاً ﴾ نصب على المصدر أي خلقاً باطلاً أو على الحال، وقيل.

بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل.

قالت المعتزلة: فيه دليل على أن كل ما يفعله الله  فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية.

وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ جملة معترضة تنزيهاً له من العبث وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

فوجه النظم في قوله: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار جزاء من عصى ولم يطع.

وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله  ، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.

والباطل في اللغة الذاهب الزائل.

الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال.

والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: ﴿ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً  ﴾ ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع بهما.

ثم لما وصف ذاته  بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه  خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي.

قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص.

وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى / العادة لا على سبيل الحقيقة.

والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله  مستتبعة لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره.

ثم إنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: ﴿ سبحانك ﴾ على الطلب ليكون أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله  عباده في حسن الطلب.

قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة.

عن الزجاج: أخزى الله العدوّ أي أبعده.

وقيل: أهانه.

وقيل: فضحه.

وقيل: أهلكه.

وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن وهو مع النبي  مخزي أن لا يكون غيره وهو مؤمن مخزي.

وأيضاً الآية ليست على عمومها لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا  ﴾ فثبت أن كل من دخل النار فإنه ليس بمخزي.

وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا النار للخلود.

وأيضاً إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج.

وقوله: ﴿ يوم لا يخزي  ﴾ نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهي نفي الخزي المخلد.

ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي.

واحتجت المرجئة بالآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ ولقوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي  ﴾ والمدخل في النار مخزي بهذه الآية.

والمقدمات بأسرها يدخلها المنع.

أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبله مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئيه الموضوع كما تقرر آنفاً.

وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني.

وقد يتمسك المعتزلة بقوله: ﴿ وما للظالمين ﴾ أي الداخلين في النار ﴿ من أنصار ﴾ أي في نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ في [البقرة:254] وأيضاً لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤول معنى الآية إلى أن الأمر يومئذٍ لله.

وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم هذه الحجة بخلاف الفساق.

وأيضاً أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية.

قالوا: الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصراً له.

وعورض بالآيات الدالة على العفو ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ﴾ تقول: سمعت رجلاً يتكلم بكذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالاً عنه.

والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله  ﴿ ادع إلى سبيل ربك  ﴾ ﴿ أدعوا إلى الله  ﴾ ﴿ وداعياً إلى الله  ﴾ وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: ﴿ إن هذا القرآن يهدي  ﴾ كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم ﴿ تدعو من أدبر وتولى  ﴾ والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة تصاريفه قال: يا واضع الميت في قبره *** خاطبك الدهر فلم تسمع ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل من اللام و"إلى" مقام الأخرى نظراً إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معاً.

وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا.

وقيل: معناه لأجل الإيمان.

ولهذا الغرض فسر بقوله: ﴿ أن آمنوا ﴾ و"أن" مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن آمنوا والفائدة في الجمع بين المنادي وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذٍ أوقع في النفس وأعز.

﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ أصل الغفر والتكفير كلاهما الستر والتعطية.

وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء.

وقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

وقيل: الأوّل أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف.

وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، والثاني ما أتى به مع الجهل بكونه ذنباً ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة أي مساوٍ له في ذلك الاعتقاد.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في ﴿ فاغفر ﴾ بعد قولهم: ﴿ آمنا ﴾ ثم إنه  أجابهم إلى ذلك بقوله: ﴿ فاستجاب لهم ﴾ ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي  لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى.

﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا / على رسلك ﴾ أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول، وعقيب قوله: ﴿ آمنا ﴾ وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد الله الجنة على الطاعة.

ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل.

وقيل: على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب.

وقيل: النصر على الأعداء.

وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سميا العبودية.

أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا عما بها نكون أهلاً لإخزانك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء.

أو المراد احفظ علينا أسباب إنجاز الميعاد.

وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق.

ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا الأدعية بقولهم ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ لأن التخجيل والتفضيح يكدّر صفو كل منٍّ وعطاء.

والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: ﴿ ربنا ﴾ ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم لا تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملاً بها فقالوا: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو النار فتضرعوا إلى معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء.

عن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد لأن الله  حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات "ربنا" ثم قال: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ أي أجابهم ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي "من" ذكر للتبيين لأن العامل إما ذكر وإما أنثى وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله.

أو المراد بعضكم كأنه من البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي.

قال  : " "من غشنا فليس منا " وقيل: المراد وصلة الإسلام.

وهذه جملة معترضة بيّن بها شركة النساء مع / الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل.

روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.

ثم فصل عمل العامل منهم تفخيماً لشأن العمل وتنويهاً بذكره فقال: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ أوطانهم مع الرسول  أو بعده باختيارهم ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ ألجأهم الكفار إلى الخروج ﴿ وأوذوا في سبيلي ﴾ يريد طريق الدين ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم.

وقيل: أي قطعوا.

ومن قرأ ﴿ قتلوا وقاتلوا ﴾ فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: قاتلوا حتى قتلوا.

وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل وإذا قتل قومه وعشيرته.

وإما بإضمار "قد" أي قتلوا وقد قاتلوا ﴿ لأكفرنّ ﴾ جواب للقسم المقدر ﴿ عنهم سيئاتهم ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ ﴿ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ ﴿ ثوباً من عند الله ﴾ وهو الذي طلبوه من الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ أي ثوباً يختص به وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه.يقول الرجل: عندي ما تريد أنا مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته.

و ﴿ ثواباً ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي إثابة أو تثويباً من عنده لأن قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ ﴿ ولأدخلنهم ﴾ في معنى لأثيبنهم.

وقال الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال.

وقال الفراء: نصب على التفسير كقولك: هو لك هبة أوبيعاً أو صدقة.

ثم ختم بقوله: ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات.

وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة تكاليفه دليل على أن حكمة الله  اقتصت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأساً.

عن الحسن: أخبر الله  أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ثم إنه  لما وعد المؤمنين الثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: ﴿ لا يغرنك ﴾ والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول والمراد الأمة.

قال قتادة: والله ما غرّوا نبي الله حتى قبضه الله وله.

والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه.

قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت.

وقيل: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت.

والمراد بتقلبهم / تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح ﴿ متاع قليل ﴾ في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين.

والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال ﴿ لكن الذين اتقوا ﴾ الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي.

والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاَ فلا بد من شيء آخر يكون اصلاً بالنسبة إليها، قلت: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وما عند الله باق  ﴾ إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة.

وقيل: المعنى وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وانتصاب ﴿ نزلاً ﴾ على الحال من ﴿ جنات ﴾ لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، أو نصب على التفسير كما قلنا في ﴿ ثواباً ﴾ .

ثم إنه  لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ وهذا قول مجاهد.

وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى  فأسلموا.

وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: "نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله  في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله  للأصحاب: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم.

قالوا: ومن هو؟

قال: النجاشي: فخرج رسول الله  إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: استغفروا له.

فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية" .

واللام في ﴿ لمن يؤمن ﴾ لام الابتداء الذي يدخل على خبر "إن" أو على اسمه عند الفصل كما في الآية.

والمراد ﴿ بما أنزل إليكم ﴾ القرآن ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ الكتابان و ﴿ خاشعين لله ﴾ حال من فاعل يؤمن لأن "من" في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ﴿ لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ﴾ كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله: ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات.

أو المراد سرعة موعد حسابه / فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر.

ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها.

الثاني ما يتعلق بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو بالسنان.

ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام بالصبر والمصابرة من قهر القوى النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من الربط الشدّ.

فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه.

ثم لا بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتداً بها، فلهذا أمر بتقوى الله.

ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على كنوز الحكم والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا.

ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما تقدم في هذه السورة من الأصول.

وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد.

ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد.

وعن الحسن ﴿ اصبروا ﴾ على دينكم فلا تتركوه بسبب الفقر والجوع ﴿ وصابروا ﴾ عدوّكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم أحد.وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا أصبر منكم.

وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله  في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها.

ولما كثر ترغيب الله  في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة مع الأعداء.

أما البرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في الثغور ويربط أولئك أيضاً خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر قال  : ﴿ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم  ﴾ وعن النبي  : " من رابط يوماَ وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "لم يكن في زمن رسول الله  غزو يرابط فيه، ولكن انظار الصلاة خلق الصلاة" .

وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم.

التأويل: / إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب.الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً.

وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلاً أي خلقته إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق.

سبحانك تنزيهاً للحق عن الشبه بالخلق، ﴿ فقنا ﴾ باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ففيها كل الخزى والندامة والغواية والضلالة.

ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا ﴾ من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا.

فاغفر لنا بفضلك ورحمتك.

﴿ لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ بالظاهر والباطن ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ على قدر همتكم ورجوليتكم ﴿ فالذين هاجروا ﴾ عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ من معاملات الطبيعة وديارها إلى عالم الحقيقة بسطوات تجلي صفات الربوبية ﴿ وأوذا في ﴾ طلبي بأنواع البلاء ﴿ وقاتلوا ﴾ مع النفس ﴿ وقتلوا ﴾ بسيف الصدق ﴿ لأكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم ﴿ ولأدخلنهم جنات ﴾ الوصول فيها أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوّة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أنهار العناية ﴿ ثواباً ﴾ من مقام العندية ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لايكون عند الجنة وغيرها ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، و ﴿ يؤمن بما أنزل إليكم ﴾ من الواردات والإلهامات والكشوف ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ من الخواطر الرحمانية ﴿ خاشعين لله ﴾ كما قال  : "إذا تجلى الله لشيء خضع له" ﴿ لا يشترون ﴾ بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم ﴿ اصبروا ﴾ على جهاد النفس بالرياضات ﴿ وصابروا ﴾ في مراقبة القلب عند الابتلاءات ﴿ ورابطوا ﴾ الأرواح للوصل بالله ﴿ واتقوا الله ﴾ في الالتفات إلى ما سواه ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ فتفوزوا بالبقاء بالله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ : يحتمل تقلبهم وجوهاً.

وذلك نعمة من الله عليهم؛ لترْكِهِم يَتَّجِرون في البلدان مع كفرهم بربهم.

والثاني: أعطاهم أموالاً يتنعمون فيها ويتلذذون.

والثالث: ما أخر عنهم العذاب والهلاك إلى وقت.

يقول: لا يغرنك يا محمد ذلك؛ إنما هو متاع يسير، [و] مصيرهم إلى النار؛ كقوله -  -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 55]؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً...

﴾ الآية [آل عمران: 178].

قال: وليس الاغترار في نفس التقلب؛ لأنه جهد ومشقة؛ ولكن لما فيه من الأمن والسعة والقوة؛ دليله قوله -  -: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ ، ثم قال: ﴿ لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾ ، وسعيهم للآخرة متاع لا ينقطع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾ يعني: الشرك.

﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ إلى آخر ما ذكر ﴿ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون الأمر ما ذكر في بعض القصّة: أن بعض المؤمنين قالوا: إن الكفار في خصب ورخاء، ونحن في جهد وشدة؛ فنزل: لا يغرنك تقلبهم في ذلك؛ إنما هو متاع قليل، وذلك ثوابهم في الدنيا، وأما ثواب الذين اتقوا ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ...

إلى آخر ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ يعني: القرآن.

﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ يعني: التوراة.

ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزل في شأن عبد الله بن سَلامٍ وأصحابه: أقرُّوا بأنه واحد لا شريك له، وصدقوا رسوله  وما أنزل عليه ...

الآية.

وقيل: نزل في شأن النجاشي، وروي عن جابر بن عبد الله -  - أن النبي  لما صلى على النجاشي قال أناس من المنافقين: يصلي على حبشي مات في أرض الحشبة؛!

فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية.

وعن الحسن قال: "لما مات النجاشي، قال رسول الله  : استغفروا لأخيكم قالو: يا رسول الله، لذلك العِلْج؟!

فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية، وقيل: لما صلّى عليه [رسول الله  ]؛ قال المنافقون: صلى على من ليس من أهل دينه؛ فأنزل الله الآية" .

وعن الزهري عن أصحاب رسول الله  - أن نبي الله  صلى على النجاشي، فكبَّر عليه أربع تكبيرات، وصففنا في المصلَّى خلفه، وكان مات بالحبشة.

قال: والنوازل على وجهين: من ترك بسببه خيراً وسعة فله فيه فضل؛ لأنه كان مفتاح الخير، ومن ترك بسببه ضيقاً فعليه فضل لوم؛ كأنه مفتاح الضيق.

وأمَّا ا لأحكام: فإنه ينظر إلى ما فيه نزل فيشترك فيه الخلق، ولا يجوز أن يقال: نزل في شأن فلان؛ إنما أنزل لما في شأن فلان، لا في شأنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ ﴾ قيل: على أداء الفرائض والعبادات، وقيل: اصبروا على البلايا والمصائب والشدائد: ﴿ وَصَابِرُواْ ﴾ في الجهاد لعدوكم.

وقيل: اصبروا على أمر الله وفرائضه، وصابروا مع النبي  وعلى آله وصحبه في المواطن.

وعن الحسن قال: أُمِروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضى الله لهم، وهو الإسلام، ولا يَدَعُوا دينهم؛ لشدة ولا لرخاء، ولا ضراء، ولا سراء، حتى يموتوا، ويكونوا يصابرون الكفار، حتى يكونوا هم يميلون عن دينهم، وأمروا أن يرابطوا المشركين.

وقيل: اصبروا على الجهاد، وصابروا لعدوكم.

﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ أي: داوموا على دينكم.

﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ : قال: والصبر في نفسه خاصة في طاعة يصبر عليها، ومعصية يصبر عنها وفي بلوى، والمصابرة مع غيره، وقد يكون كل واحد على المعنيين؛ لأنه لا يخلو عن مصابرة عدوٍّ فيما يطيع ربه.

وقيل: رابطوا مع عدوكم ما أقاموا، واتقوا الله فيما أمركم به، فلا تدعوا ذلك مع نبيكم، وذروا ما نهاكم عنه، ولا قوة إلا بالله.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، اصبروا على تكاليف الشريعة، وعلى ما يعرض لكم من مصائب الدنيا، وغالبوا الكفار في الصبر فلا يكونوا أشد صبرًا منكم، وأقيموا على الجهاد في سبيل الله، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لعلكم تنالون مطلوبكم بالسلامة من النار ودخول الجنة.

من فوائد الآيات الأذى الذي ينال المؤمن في سبيل الله فيضطره إلى الهجرة والخروج والجهاد من أعظم أسباب تكفير الذنوب ومضاعفة الأجور.

ليستِ العبرة بما قد يُنَعَّم به الكافر في الدنيا من المال والمتاع وإن عَظُم؛ لأن الدنيا زائلة، وإنما العبرة بحقيقة مصيره في الآخرة في دار الخلود.

من أهل الكتاب من يشهدون بالحق الذي في كتبهم، فيؤمنون بما أنزل إليهم وبما أنزل على المؤمنين، فهؤلاء لهم أجرهم مرتين.

الصبر على الحق، ومغالبة المكذبين به، والجهاد في سبيله، هو سبيل الفلاح في الآخرة.

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان الكلام في أولي الألباب المؤمنين وقد علمنا أن الله تعال يستجيب لهم بالأعمال، فالعبرة بالعمل ومنه المهاجرة وتحمل الإيذاء في سبيل الله، وبذل النفس في القتال حتى يقتلوا وبذلك يستحقون ثواب الله تعالى.

ثم ذكر حال الكافرين للمقابلة وربط الكلام بما قبله بالنهي عن الاغترار بما هم فيه من نعيم وتمتع، كأنه يقول على المؤمن أن يجعل مرمى طرفه ذلك الثواب الذي وعدته فهو النعيم الحقيقي الباقي وهذا الذي فيه الكافرون متاع قليل فلا تطلبوه ولا تحفلوا به، يسهل بهذا على المسلمين ما كلفوه من تحمل الإيذاء والعناء في إقامة الحق.

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ ، إنه بعد أن بيّن حال المؤمنين وما أعد لهم من الثواب، وذكر حال الكافرين وما أعد لهم من العقاب، ذكر فريقًا من أهل الكتاب يهتدون بهذا القرآن، وكانوا مهتدين من قبله بما عندهم من هدي الانبياء، وذكر من وصفهم الخشوع لله، وما كل من يدعي الإيمان بالكتاب خاشع لله، وهذا الخشوع هور روح الدين وهو السائق لهم إلى الإيمان بالنبي الجديد وهو الذي حال بينهم وبين أن يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، وهذا الثمن يعم المال والجاه فإن منه التمتع بما كانوا فيه من ذلك، وإن صعب على الإنسان أن يترك ما ألفه، وخص هؤلاء بالذكر على كونهم من المؤمنين الذين وعدوا بما تقدم ذكره في مقابلة الكافرين لأجل القدوة بهم في صبرهم على الحق في الدين السابق والدين اللاحق.

وذكر إيمانهم بصيغة التأكيد لأن أهل الكتاب كانوا بغرورهم بكتابهم وتوهمهم الاستغناء بما عندهم عن غيره كانوا أبعد الناس عن الإيمان، وكان من الغرابة بعد ذلك العناد ومكابرة النبي  وحسده على النبوة والتشدد في إيذائه أن يؤمن بعضهم إيمانًا صحيحًا كاملًا، ولهذا كان المؤمنون منهم قليلين وكانوا من خيارهم علمًا وفضلًا وبصيرة.

وإننا نرى علماءنا الأذكياء في هذا العصر قلما يرجعون عن عقيدة أو رأي في الدين جروا عليه وتلقوه عن مشايخهم، وقرأوه في كتبهم، وإن كان باطلًا وخطأ ظاهرًا.

وفي هذه الآية تأييد لكون حال المؤمنين على ما كانوا عليه من ضيق خيرًا من حال الكافرين على ما كانوا عليه من سعة، كأنه يقول انظروا إلى حال الأخيار من أهل الكتاب كيف لا يحفلون بذلك المتاع الدنيوي بل يؤثرون عليه ما عند الله تعالى، فهذا من باب المثل والأسوة للمسلمين.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ أي اصبروا على ما يلحقكم من الأذى، وصابروا الأعداء الذين يقاومونكم ليغلبوكم على أمركم ويخذلون الحق الذي في أيديكم، واربطوا الخيل كما يربطونها استعدادًا للجهاد.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ يكثر الله تعالى من هذه الوصية ومع ذلك نرى الناس قد انصرفوا عنها بتة، حتى صار التقي عند الناس هو الأهبل الذي لا يعقل مصلحته ولا مصلحة الناس، ولا شيء أشأم على التقوى من فهمها بهذا المعنى.

التقوى أن تقي نفسك من الله أي من غضبه وسخطه وعقوبته، ولا يمكن هذا إلا بعد معرفته ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه، ولا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله تعالى وعرف سنة نبيه  وسيرة سلف الأمة الصالح مطالبًا نفسه بالاهتداء بذلك كله، فمن صبر وصابر ورابط لأجل حماية الحق وأهله، ونشر دعوته واتقى ربه في سائر شؤونه فقد أعد نفسه بذلك للفلاح والفوز بالسعادة عند الله تعالى.

- ٤ -

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله