الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٩٩ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
خبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان ، وبما أنزل على محمد ، مع ما هم يؤمنون به من الكتب المتقدمة ، وأنهم خاشعون لله ، أي : مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه ، ( لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ) أي : لا يكتمون بأيديهم من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته ، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم ، سواء كانوا هودا أو نصارى .
وقد قال تعالى في سورة القصص : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون .
وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين .
أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) الآية [ القصص : 52 - 54 ] ، وقال تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) الآية [ البقرة : 121 ] ، وقال : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) [ الأعراف : 159 ] ، وقال تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) [ آل عمران : 113 ] ، وقال تعالى : ( قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا .
ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا .
ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ) [ الإسراء : 107 - 109 ] ، وهذه الصفات توجد في اليهود ، ولكن قليلا كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عشرة أنفس ، وأما النصارى فكثير منهم مهتدون وينقادون للحق ، كما قال تعالى : ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى [ ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون .
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين .
وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين .
] فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) الآية [ المائدة : 82 - 85 ] ، وهكذا قال هاهنا : ( أولئك لهم أجرهم عند ربهم [ إن الله سريع الحساب ] ) الآية .
وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، لما قرأ سورة ( كهيعص ) بحضرة النجاشي ملك الحبشة ، وعنده البطاركة والقساوسة بكى وبكوا معه ، حتى أخضبوا لحاهم .
وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ، وقال : " إن أخا لكم بالحبشة قد مات فصلوا عليه " .
فخرج [ بهم ] إلى الصحراء ، فصفهم ، وصلى عليه .
وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس بن مالك قال : لما توفي النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استغفروا لأخيكم .
فقال بعض الناس : يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة .
فنزلت : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) الآية .
ورواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم رواه ابن مردويه [ أيضا ] من طرق عن حميد ، عن أنس بن مالك نحو ما تقدم .
ورواه أيضا ابن جرير من حديث أبي بكر الهذلي ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن جابر قال : قال [ لنا ] رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي : " إن أخاكم أصحمة قد مات " .
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر عليه أربعا ، فقال المنافقون : يصلي على علج مات بأرض الحبشة : فأنزل الله [ عز وجل ] ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله [ وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ] ) .
وقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه أنبأنا أبو العباس السياري بمرو ، حدثنا عبد الله بن علي الغزال ، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، حدثنا ابن المبارك ، أنبأنا مصعب بن ثابت ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه قال : نزل بالنجاشي عدو من أرضهم ، فجاءه المهاجرون فقالوا : نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك ، وترى جرأتنا ، ونجزيك بما صنعت بنا .
فقال : لا دواء بنصرة الله عز وجل خير من دواء بنصرة الناس .
قال : وفيه نزلت : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) الآية ، ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
وقال أبو داود : حدثنا محمد بن عمرو الرازي ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : لما مات النجاشي كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور .
وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وإن من أهل الكتاب ) يعني مسلمة أهل الكتاب .
وقال عباد بن منصور : سألت الحسن البصري عن قوله تعالى : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) الآية .
قال : هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، فاتبعوه وعرفوا الإسلام ، فأعطاهم الله تعالى أجر اثنين للذي كانوا عليه من الإيمان قبل محمد صلى الله عليه وسلم وبالذي اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم .
رواهما ابن أبي حاتم .
وقد ثبت في الصحيحين ، عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين " فذكر منهم : " ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي " .
وقوله : ( لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ) أي : لا يكتمون ما بأيديهم من العلم ، كما فعله الطائفة المرذولة منهم بل يبذلون ذلك مجانا ، ولهذا قال : ( أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ) قال مجاهد : ( سريع الحساب ) يعني : سريع الإحصاء .
رواه ابن أبي حاتم وغيره .
القول في تأويل قوله : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية.
فقال بعضهم: عنى بها أصحمة النجاشي، وفيه أنـزلت.
* ذكر من قال ذلك: 8376 - حدثنا عصَام بن رواد بن الجراح قال، حدثنا أبي قال، حدثنا أبو بكر الهذليّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله: أن &; 7-497 &; النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اخرجوا فصلوا على أخ لكم ".
فصلى بنا، فكبر أربع تكبيرات، فقال: " هذا النجاشي أصحمة "، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ نصرَاني لم يره قط!
(32) فأنـزل الله: " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ".
(33) 8377 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي عن قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه.
قالوا: يصلَّى على رجل ليس بمسلم!
قال: فنـزلت: " وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم خاشعين لله ".
قال قتادة: فقالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة!
فأنـزل الله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [سورة البقرة: 115] 8378 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم "، ذكر &; 7-498 &; لنا أن هذه الآية نـزلت في النَّجاشي، وفي ناس من أصحابه آمنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم وصدَّقوا به.
قال: وذكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم استغفر للنجاشي وصلى عليه حين بلغه موته، قال لأصحابه: " صلّوا على أخ لكم قد مات بغير بلادكم "!
فقال أناس من أهل النفاق: " يصلي على رجل مات ليس من أهل دينه "؟
فأنـزل الله هذه الآية: " وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ".
8379 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم "، قال: نـزلت في النجاشي وأصحابه ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم = واسم النجاشي، أصحْمة.
8380 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، قال عبد الرزاق، وقال ابن عيينة: اسم النجاشي بالعربية: عطية.
8381 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، طعن في ذلك المنافقون، فنـزلت هذه الآية: " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله "، إلى آخر الآية.
* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك عبد الله بن سَلامٍ ومن معه.
* ذكر من قال ذلك: 8382 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: نـزلت -يعني هذه الآية- في عبد الله بن سلام ومن معه.
8383 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن زيد في &; 7-499 &; قوله: " وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم "، الآية كلها= قال: هؤلاء يهود.
* * * وقال آخرون: بل عنى بذلك مُسْلِمة أهل الكتاب.
* ذكر من قال ذلك: 8384 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم "، من اليهود والنصارى، وهم مسلمة أهل الكتاب.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله مجاهد.
وذلك أنّ الله جل ثناؤه عَمّ بقوله: " وإنّ من أهل الكتاب " أهلَ الكتاب جميعًا، فلم يخصص منهم النصارى دون اليهود، ولا اليهود دون النصارى.
وإنما أخبر أن من " أهل الكتاب " من يؤمن بالله.
وكلا الفريقين =أعني اليهود والنصارى= من أهل الكتاب.
* * * فإن قال قائل: فما أنت قائلٌ في الخبر الذي رويتَ عن جابر وغيره: أنها نـزلت في النجاشي وأصحابه؟
قيل: ذلك خبر في إسناده نظر.
ولو كان صحيحًا لا شك فيه، لم يكن لما قلنا في معنى الآية بخلاف.
(34) وذلك أنّ جابرًا ومن قال بقوله، إنما قالوا: " نـزلت في النجاشيّ"، وقد تنـزل الآية في الشيء، ثم يعم بها كل من كان في معناه.
فالآية وإن كانت نـزلت في النجاشيّ، فإن الله تبارك وتعالى قد جعل الحكم الذي حكم به للنجاشيّ، حكمًا لجميع عباده الذين هم بصفة النجاشيّ في اتباعهم &; 7-500 &; رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتصديق بما جاءهم به من عند الله، بعد الذي كانوا عليه قبل ذلك من اتباع أمر الله فيما أمر به عباده في الكتابين، التوراة والإنجيل.
* * * فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: " وإن من أهل الكتاب " التوراة والإنجيل=" لمن يؤمن بالله " فيقرّ بوحدانيته=" وما أنـزل إليكم "، أيها المؤمنون، يقول: وما أنـزل إليكم من كتابه ووحيه على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم=" وما أنـزل إليهم "، يعني: وما أنـزل على أهل الكتاب من الكتب، وذلك التوراة والإنجيل والزبور=" خاشعين لله "، يعني: خاضعين لله بالطاعة، مستكينين له بها متذلِّلين، (35) كما:- 8385 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني ابن زيد في قوله: " خاشعين لله "، قال: الخاشع، المتذلل لله الخائف.
* * * ونصب قوله: " خاشعين لله "، على الحال من قوله: " لمن يؤمن بالله "، وهو حال مما في" يؤمن " من ذكر " من ".
(36) * * * =" لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا "، يقول: لا يحرِّفون ما أنـزل إليهم في كتبه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فيبدِّلونه، ولا غير ذلك من أحكامه وحججه فيه، لعَرَضٍ من الدنيا خسيس يُعطوْنه على ذلك التبديل، وابتغاء الرياسة على الجهال، (37) ولكن ينقادون للحق، فيعملون بما أمرهم الله به فيما أنـزل إليهم من كتبه، وينتهون عما نهاهم عنه فيها، ويؤثرون أمرَ الله تعالى على هَوَى أنفسهم.
* * * القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه (38) " أولئك لهم أجرهم "، هؤلاء الذين يؤمنون بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم=" لهم أجرهم عند ربهم "، يعني: لهم عوض أعمالهم التي عملوها، وثواب طاعتهم ربَّهم فيما أطاعوه فيه (39) =" عند ربهم " يعني: مذخور ذلك لهم لديه، حتى يصيروا إليه في القيامة، فيوفِّيهم ذلك =" إنّ الله سريع الحساب "، وسرعة حسابه تعالى ذكره: أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم قبل أن يعملوها، وبعد ما عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد ذلك، فيقع في الإحصاء إبطاء، فلذلك قال: " إن الله سريع الحساب ".
(40) --------------------- الهوامش : (32) "العلج": الرجل من كفار العجم ، غير العرب ، والجمع"علوج" و"أعلاج".
(33) الحديث: 8376 - عصام بن رواد بن الجراح: مضت ترجمته وتوثيقه: 2183.
وقع هنا في المطبوعة"عصام بن زياد بن رواد بن الجراح"؛ فزيادة اسم"زياد" في نسبه لا أصل لها.
وثبت في المخطوطة بحذفها ، على الصواب.
أبوه"رواد بن الجراح": مضت ترجمته وتضعيفه: 126 ، 2183.
أبو بكر الهذلي: سبق بيان ضعفه جدًا ، في: 597 ، وشرح: 2526.
وهذا الحديث ذكره السيوطي 2: 113 ، ولم ينسبه لغير الطبري.
وذكره ابن كثير 2: 330 ، عن الطبري ، ولكن في روايته خلاف في بعض لفظه لما هنا ، ولم يذكر أول إسناده.
فلعله نقله عن موضع آخر من الطبري.
وهذا الحديث ضعيف كما ترى ، وسيأتي قول الطبري ، ص: 499 س: 15"قيل: ذلك خبر في إسناده نظر".
والضعف إنما هو في هذا الإسناد لحديث جابر ، أما أصل المعنى ، في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي صلاة الجنازة الغائبة ، فإنه ثابت صحيح لا شك في صحته.
رواه الشيخان وغيرهما من حديث جابر ، ومن حديث أبي هريرة.
انظر المنتقى: 1821 - 1824.
(34) في المطبوعة: "خلاف" ، والصواب ما في المخطوطة.
وقوله: "بخلاف" ، أي بمخالف.
(35) انظر تفسير"الخشوع" فيما سلف 2: 16 ، 17.
(36) انظر معاني القرآن للفراء 1: 251.
(37) انظر تفسير"الاشتراء" وتفسير"الثمن" فيما سلف قريبًا: 459 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(38) في المطبوعة: "يعني بذلك جل ثناؤه" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(39) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف 2: 148 ، 512 / 5: 519.
(40) انظر تفسير"سريع الحساب" فيما سلف 4: 207 / 6: 279.
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ قال جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة والحسن : نزلت في النجاشي , وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي ) ; فقال بعضهم لبعض : يأمرنا أن نصلي على علج من علوج الحبشة ; فأنزل الله تعالى " وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم " .قال الضحاك : " وما أنزل أليكم " القرآن ." وما أنزل إليهم " التوراة والإنجيل .وفي التنزيل : " أولئك يؤتون أجرهم مرتين " [ القصص : 54 ] .وفي صحيح مسلم : " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين - فذكر - رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران ) وذكر الحديث .وقد تقدم في " البقرة " الصلاة عليه وما للعلماء في الصلاة على الميت الغائب , فلا معنى للإعادة .وقال مجاهد وابن جريج وابن زيد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب , وهذا عام والنجاشي واحد منهم .واسمه أصحمة , وهو بالعربية عطية .
خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ أذلة , ونصب على الحال من المضمر الذي في " يؤمن " .وقيل : من الضمير في " إليهم " أو في " إليكم " .وما في الآية بين , وقد تقدم .
أي: وإن من أهل الكتاب طائفة موفقة للخير، يؤمنون بالله، ويؤمنون بما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وهذا الإيمان النافع لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب، ويكفر ببعض.
ولهذا -لما كان إيمانهم عاما حقيقيا- صار نافعا، فأحدث لهم خشية الله، وخضوعهم لجلاله الموجب للانقياد لأوامره ونواهيه، والوقوف عند حدوده.
وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ومن تمام خشيتهم لله، أنهم { لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا } فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنا قليلا، وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا أن من أعظم الخسران، الرضا بالدون عن الدين، والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية، وترك الحق الذي هو: أكبر حظ وفوز في الدنيا والآخرة، فآثروا الحق وبينوه، ودعوا إليه، وحذروا عن الباطل، فأثابهم الله على ذلك بأن وعدهم الأجر الجزيل، والثواب الجميل، وأخبرهم بقربه، وأنه سريع الحساب، فلا يستبطؤون ما وعدهم الله، لأن ما هو آت محقق حصوله، فهو قريب.
قوله عز وجل : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ) الآية قال ابن عباس وجابر وأنس وقتادة : نزلت في النجاشي ملك الحبشة ، واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي ، فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات ، واستغفر له فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقال عطاء : نزلت في أهل نجران أربعين رجلا [ من بني حارث بن كعب ] اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج : نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه .
وقال مجاهد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ) ( وما أنزل إليكم ) يعني : القرآن ، ( وما أنزل إليهم ) يعني : التوراة والإنجيل ، ( خاشعين لله ) خاضعين متواضعين لله ، ( لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ) يعني : لا يحرفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة والمأكلة كفعل غيرهم من رؤساء اليهود ، ( أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ) .
«وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله» كعبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي «وما أنزل إليكم» أي القرآن «وما أنزل إليهم» أي التوراة والإنجيل «خاشعين» حال من ضمير يؤمن مراعى فيه معنى من أي: متواضعين «لله لا يشترون بآيات الله» التي عندهم في التوراة والإنجيل من بعث النبي صلى الله عليه وسلم «ثمنا قليلا» من الدنيا بأن يكتموها خوفا على الرياسة كفعل غيرهم من اليهود «أولئك لهم أجرهم» ثواب أعمالهم «عند ربهم» يُؤْتَوْنَهُ مرتين كما في القصص «إن الله سريع الحساب» يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا.
وإن بعضًا من أهل الكتاب لَيصدِّق بالله ربًّا واحدًا وإلهًا معبودًا، وبما أُنزِل إليكم من هذا القرآن، وبما أُنزِل إليهم من التوراة والإنجيل متذللين لله، خاضعين له، لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلا من حطام الدنيا، ولا يكتمون ما أنزل الله، ولا يحرفونه كغيرهم من أهل الكتاب.
أولئك لهم ثواب عظيم عنده يوم يلقونه، فيوفيهم إياه غير منقوص.
إنَّ الله سريع الحساب، لا يعجزه إحصاء أعمالهم، ومحاسبتهم عليها.
ثم بين - سبحانه - أن أهل الكتاب ليسوا سواء .
بل منهم الأشرار ومنهم الأخيار ، وقد بين - سبحانه - هنا صفات الأخيرا منهم فقال : { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً } .أى : { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب } وهم اليهود والنصارى لفريقاً { يُؤْمِنُ بالله } إيمانا حقا منزها عن الإشراك بكل مظاهره ويؤمن بما { أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن الكريم على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمن بحقيقة " ما أنزل إليهم " من التوراة والإنجيل ولا يزالون مع هذا الإيمان العميق { خَاشِعِينَ للَّهِ } أى خاضعين له - سبحانه - خائفين من عقابه ، طالبين لرضاه { لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ الله ثَمَناً قَلِيلاً } أى لا يبيعون آيات الله أو حقيقة من حقائق دينهم فى نظير ثمن هو عرض من أعراض الدنيا الفانية ، لأن هذا الثمن المأخوذ قليل حتى ولو بلغ القناطير المقنطرة من الذهب والفضة .فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصفهم بخمس صفات كريمة تدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم ، وفى هذا إنصاف من القرآن الكريم للمهتدين من أهل الكتاب .وقد ذكر القرآن ما يشبه هذه الآية فى كثير من سوره ومن ذلك قوله - تعالى - { لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ الله آنَآءَ الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وقوله - تعالى - { مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ } وقدم - سبحانه - إيمانهم بالقرآن على إيمانهم بما أنزل عليهم لأن القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية والأمين عليها ، فما وافقه منها فهو حق وما خالفه فهو باطل وقوله { خَاشِعِينَ للَّهِ } حال من فاعل { يُؤْمِنُ } وجمع حملا على المعنى :ثم بين - سبحانه - جزاءهم الطيب بعد بيان صفاتهم الكريمة فقال : { أولائك لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } .أى أولئك الموصفون بتلك الصفات الكريمة لهم أجرهم الجزيل فى مقابل أعمالهم الصالحة وأفعالهم الحميدة .وقوله { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } كناية عن كمال علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها لكل عامل على ما ينبغى وقدر ما ينبغى .ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر؛ فإن سرعة الحساب تستدعى سرعة الجزاء فكأنه قيل : لهم أجرهم عند ربهم عن قريب ، لأن الله - تعالى - سريع الحساب والجزاء .
اعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار من قبل، بأن مصيرهم إلى النار بين في هذه الآية أن من آمن منهم كان داخلا في صفة الذين اتقوا فقال: ﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ واختلفوا في نزولها، فقال ابن عباس وجابر وقتادة: نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال المنافقون: إنه يصلي على نصراني لم يره قط، وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبدالله بن سلام وأصحابه، وقيل: نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا.
وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب.
واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات: أولها: الايمان بالله.
وثانيها: الايمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم.
وثالثها: الايمان بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد عليه الصلاة والسلام.
ورابعها: كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل يُؤْمِنُ لأن مَن يُؤْمِنُ في معنى الجمع.
وخامسها: أنهم لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلا كما يفعله أهل الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول وصحة نبوته.
ثم قال تعالى في صفتهم: ﴿ أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ والفائدة في كونه سريع الحساب كونه عالما بجميع المعلومات، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كثيرة من علوم الأصول والفروع، أما الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما، ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب، وذلك لأن أحوال الإنسان قسمان: منها ما يتعلق به وحده، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره، أما القسم الأول فلابد فيه من الصبر، وأما القسم الثاني فلابد فيه من المصابرة.
أما الصبر فيندرج تحته أنواع: أولها: أن يصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين.
وثانيها: أن يصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات.
وثالثها: أن يصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات.
ورابعها: الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف، فقوله: ﴿ اصبروا ﴾ يدخل تحته هذه الأقسام، وتحت كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أنواع لا نهاية لها، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء اليك كما قال: ﴿ وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً ﴾ ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فان المقدم عليه ربما وصل اليه بسببه ضرر، ويدخل فيه الجهاد فانه تعريض النفس للهلاك، ويدخل فيه المصابرة مع المبطلين، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم، والاحتيال في إزالة تلك الاباطيل عن قلوبهم، فثبت ان قوله: ﴿ اصبروا ﴾ تناول كل ما تعلق به وحده ﴿ وَصَابِرُواْ ﴾ تناول كل ما كان مشتركا بينه وبين غيره.
واعلم أن الإنسان وان تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقا ذميمة تحمل على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص، والانسان ما لم يكن مشتغلا طول عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الاتيان بالصبر والمصابرة، فلهذا قال: ﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ ولما كانت هذه المجاهدة فعلا من الأفعال ولا بد للانسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض، وجب أن يكون للانسان في هذه المجاهدة غرض وباعث، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح، فلهذا قال: ﴿ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوى، فهو تعالى أمر بالصبر والمصابرة، وذلك عبارة عن الاتيان بالافعال الحسنة، والاحتراز عن الافعال الذميمة، ولما كانت الافعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك بمجاهدة القوى التي هي مصادر الافعال الذميمة، وذلك هو المراد بالمرابطة، ثم ذكر ما به يحصل دفع هذه القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات، وذلك هو تقوى الله، ثم ذكر ما لأجله وجب ترجيح تقوى الله على سائر القوى والاخلاق، وهو الفلاح، فظهر أن هذه الآية التي هي خاتمة لهذه السورة مشتملة على كنوز الحكم والاسرار الروحانية، وانها على اختصارها كالمتمم لكل ما تقدم ذكره في هذه السورة من علوم الأصول والفروع فهذا ما عندي فيه.
ولنذكر ما قاله المفسرون: قال الحسن: اصبروا على دينكم ولا تتركوه بسبب الفقر والجوع، وصابروا على عدوكم ولا تفشلوا بسبب وقوع الهزيمة يوم أحد، وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم فلا ينبغي أن يكون أصبر منكم، وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها، ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد في هذه السورة أمرهم بمصابرة الأعداء.
وأما قوله: ﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ ففيه قولان: الأول: أنه عبارة عن أن يربط هؤلاء خيلهم في الثغور ويربط أولئك خيلهم أيضاً، بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر، قال تعالى: ﴿ وَمِن رّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم من رابط يوما وليلة في سبيل الله كان مثل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينتقل عن صلاته إلا لحاجة الثاني: أن معنى المرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة ويدل عليه وجهان: الأول: ما روي عن أبي سلمة عبد الرحمن أنه قال: لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، وإنما نزلت هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة.
الثاني: ما روي من حديث أبي هريرة حين ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلكم الرباط ثلاث مرات.
واعلم أنه يمكن حمل اللفظ على الكل، وأصل الرباط من الربط وهو الشد، يقال: لكل من صبر على أمر ربط قلبه عليه، وقال آخرون: الرباط هو اللزوم والثبات، وهذا المعنى أيضاً راجع إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس، ثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على الجهاد، ويجوز أن يكون على الصلاة والله أعلم.
قال الامام رضي الله تعالى عنه: تم تفسير هذه السورة بفضل الله وإحسانه يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن سلام وغيره من مسلمة أهل الكتاب.
وقيل في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا.
وقيل: في أصحمة النجاشي ملك الحبشة، ومعنى أصحمة (عطية) بالعربية.
وذلك أنه لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم، فخرج إلى البقيع ونظر إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه واستغفر له» فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط وليس على دينه، فنزلت ودخلت لام الابتداء على اسم (إن) لفصل الظرف بينهما؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ ﴾ [النساء: 72] .
﴿ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ من القرآن ﴿ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ من الكتابين ﴿ خاشعين للَّهِ ﴾ حال من فاعل يؤمن، لأن من يؤمن في معنى الجمع ﴿ لاَ يَشْتَرُونَ بئايات الله ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم ﴿ أولئك لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ أي ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في قوله: ﴿ أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ ﴾ [القصص: 54] ، ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ [القصص: 54] .
﴿ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ لنفوذ علمه في كل شيء، فهو عالم بما يستوجبه كل عامل من الأجر.
ويجوز أن يراد: إنما توعدون لآت قريب بعد ذكر الموعد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ.
وقِيلَ في أرْبَعِينَ مِن نَجْرانَ واثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا نَصارى فَأسْلَمُوا.
وقِيلَ في أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ لَمّا نَعاهُ جِبْرِيلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَخَرَجَ فَصَلّى عَلَيْهِ فَقالَ المُنافِقُونَ انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ.
وإنَّما دَخَلَتِ اللّامُ عَلى الِاسْمِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إنَّ بِالظَّرْفِ.
﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ مِنَ القُرْآنِ.
﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ﴾ مِنَ الكِتابَيْنِ.
﴿ خاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُؤْمِنُ وجَمَعَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لا ﴿ يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ كَما يَفْعَلُهُ المُحَرِّفُونَ مِن أحْبارِهِمْ.
﴿ أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ ما خُصَّ بِهِمْ مِنَ الأجْرِ ووَعْدِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ ﴾ ﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ لِعِلْمِهِ بِالأعْمالِ وما يَسْتَوْجِبُهُ مِنَ الجَزاءِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّأمُّلِ والِاحْتِياطِ، والمُرادُ أنَّ الأجْرَ المَوْعُودَ سَرِيعُ الوُصُولِ فَإنَّ سُرْعَةَ الحِسابِ تَسْتَدْعِي سُرْعَةَ الجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله} دخلت لام الابتداء على اسم إن لفصل الظرف بينهما {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} من القرآن
{وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} من الكتابين {خاشعين للَّهِ} حال من فاعل يؤمن لأن من يؤمن فى معنى الجمع {لا يشترون بآيات الله ثَمَناً قَلِيلاً} كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم وكبارهم وهو حال بعد حال أي غير مشترين {أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عند ربهم} أى ما يختص بهم الأجر وهو ماوعده
آل عمران (١٩٩ _ ٢٠٠)
فى قوله أولئك يؤتون اجرهم مرتين {إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} لنفوذ علمه في كل شيء
﴿ وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَمّا ماتَ النَّجاشِيُّ: ”اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَنْ أخٍ لَكم، فَخَرَجَ فَصَلّى بِنا فَكَبَّرَ أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ“ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .
ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وقَتادَةَ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها نَزَلَتْ في أرْبَعِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ نَجْرانَ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ وثَمانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كانُوا جَمِيعًا عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَآمِنُوا بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقَ أنَّها نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ أسْلَمُوا، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن مَعَهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ، وأشْهَرُ الرِّواياتِ أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ - وهو بِفَتْحِ النُّونِ عَلى المَشْهُورِ - كَما قالَ الزَّرْكَشِيُّ.
ونَقَلَ ابْنُ السَّيِّدِ كَسْرَها - وعَلَيْهِ ابْنُ دِحْيَةَ - وفَتْحُ الجِيمِ مُخَفَّفَةً - وتَشْدِيدُها غَلَطٌ - وآخِرُهُ ياءٌ ساكِنَةٌ وهو الأكْثَرُ رِوايَةً لِأنَّها لَيْسَتْ لِلنِّسْبَةِ، ونَقَلَ ابْنُ الأثِيرِ تَشْدِيدَها، ومِنهم مَن جَعَلَهُ غَلَطًا - وهو لَقَبُ كُلِّ مَن مَلَكَ الحَبَشَةَ - واسْمُهُ أصْحَمَةُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الصّادِ المُهْمَلَةِ وحاءٍ مُهْمَلَةٍ - والحَبَشَةُ يَقُولُونَهُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ عِنْدَهم عَطِيَّةُ الصَّنَمِ، وذَكَرَ مُقاتِلٌ في نَوادِرِ التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَهُ مَكْحُولُ بْنُ صَعْصَعَةَ، والأوَّلُ هو المَشْهُورُ، وقَدْ تُوُفِّيَ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسَ كُلُّهم كَمَن حُكِيَتْ صِفاتُهم مِن نَبْذِ المِيثاقِ وتَحْرِيفِ الكِتابِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ مِنهم مَن لَهُ مَناقِبُ جَلِيلَةٌ، وفِيها أيْضًا تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ هم أقْبَحُ أصْنافِ الكُفّارِ، وبِهَذا يَحْصُلُ رَبْطٌ بَيْنَ الآيَةِ وما قَبْلَها مِنَ الآياتِ، وإذا لاحَظْتَ اشْتِراكَ هَؤُلاءِ مَعَ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ فِيما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الثَّوابِ قَوِيَتِ المُناسِبَةُ، وإذا لاحَظَ أنَّ فِيما تَقَدَّمَ مَدْحَ المُهاجِرِينَ وفي هَذا مَدْحًا لِلْمُهاجِرِ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ الهِجْرَةَ الأُولى كانَتْ إلَيْهِمْ كانَ أمْرُ المُناسَبَةِ أقْوى، وإذا اعْتُبِرَ تَفْسِيرُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَغُرَّنَّكَ ﴾ بِاليَهُودِ زادَتْ قُوَّةُ بَعْدَ ولامُ الِابْتِداءِ داخِلَةٌ عَلى اسْمِ إنَّ وجازَ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِ الخَبَرِ.
﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ﴾ مِنَ الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ أوْ مِنهُما، وتَأْخِيرُ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ عَنْ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ في الذِّكْرِ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ في الوُجُودِ لِما أنَّ القُرْآنَ عِيارٌ ومُهَيْمِنٌ عَلَيْهِ، فَإنَّ إيمانَهم بِذَلِكَ إنَّما يُعْتَبَرُ بِتَبَعِيَّةِ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ إذْ لا عِبْرَةَ بِما في الكِتابَيْنِ مِنَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ وما لَمْ يُنْسَخْ إنَّما يُعْتَبَرُ مِن حَيْثُ ثُبُوتُهُ بِالقُرْآنِ ولِتَعَلُّقِ ما بَعْدُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: قُدِّمَ الإيمانُ بِما أُنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ تَعْجِيلًا لِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ مِنَ الإيمانِ بِالثّانِي الإيمانُ بِهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا كَتْمٍ كَما هو شَأْنُ المُحَرِّفِينَ والكاتِمِينَ واتِّباعِ كُلٍّ مِنَ العامَّةِ.
﴿ خاشِعِينَ لِلَّهِ ﴾ أيْ خاضِعِينَ لَهُ سُبْحانَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خائِفِينَ مُتَذَلِّلِينَ، وقالَ الحَسَنُ: الخُشُوعُ الخَوْفُ اللّازِمُ لِلْقَلْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو حالٌ مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُ) وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى بَعْدَ ما حَمَلَ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ إلَيْهِمْ وهو أقْرَبُ لَفْظًا فَقَطْ، وجِيءَ بِالحالِ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ، و(لِلَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِخاشِعِينَ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المَنفِيِّ بَعْدَهُ وهو في نِيَّةِ التَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ أوْلى، وفي هَذا النَّفْيِ تَصْرِيحٌ بِمُخالَفَتِهِمْ لِلْمُحَرِّفِينَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، والمَعْنى لا يَأْخُذُونَ عِوَضًا يَسِيرًا عَلى تَحْرِيفِ الكِتابِ وكِتْمانِ الحَقِّ مِنَ الرِّشا والمَآكِلِ كَما فَعَلَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ وصَفَهُ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ، ووَصْفُ الثَّمَنِ بِالقَلِيلِ إمّا لِأنَّ كُلَّ ما يُؤْخَذُ عَلى التَّحْرِيفِ كَذَلِكَ ولَوْ كانَ مِلْءِ الخافِقَيْنِ، وإمّا لِمُجَرَّدِ التَّعْرِيضِ بِالآخِذِينَ ومَدْحِهِمْ بِما ذُكِرَ لَيْسَ مِن حَيْثُ عَدَمُ الأخْذِ فَقَطْ بَلْ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ إظْهارَ ما في الآياتِ مِنَ الهُدى وشَواهِدِ نُبُوَّتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.
﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، واخْتِيارُ صِيغَةِ البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ والفَضِيلَةِ ﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ ثَوابُ أعْمالِهِمْ وأجْرُ طاعَتِهِمْ، والإضافَةُ لِلْعَهْدِ أيِ الأجْرُ المُخْتَصُّ بِهِمُ المَوْعُودُ لَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ﴾ وفي التَّعْبِيرِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ، وفي الكَلامِ أوْجُهٌ مِنَ الإعْرابِ فَقَدْ قالُوا: إنَّ (أُولَئِكَ) مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، وأجْرُهم مُرْتَفِعٌ بِالظَّرْفِ، أوِ الظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وأجْرُهم مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ﴿ أجْرُهُمْ ﴾ .
وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِناءً عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ لَهم أنْ يُؤْجَرُوا عِنْدَ رَبِّهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أجْرُهم مُبْتَدَأً، و(عِنْدَ رَبِّهِمْ) خَبَرَهُ، ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ والثُّبُوتِ لِأنَّهُ في حُكْمِ الظَّرْفِ، والأوْجَهُ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ هو الشّائِعُ عَلى ألْسِنَةِ المُعْرِبِينَ.
﴿ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ (199) إمّا كِنايَةٌ عَنْ كَمالِ عِلْمِهِ تَعالى بِمَقادِيرِ الأُجُورِ ومَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ، وأنَّهُ يُوَفِّيها كُلَّ عامِلٍ عَلى ما يَنْبَغِي وقَدْرِ ما يَنْبَغِي وحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا وارِدًا عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أوْ تَذْيِيلًا لِبَيانِ عِلَّةِ الحُكْمِ المُفادِ بِما ذُكِرَ، وإمّا كِنايَةٌ عَنْ قُرْبِ الأجْرِ المَوْعُودِ فَإنَّ سُرْعَةَ الحِسابِ تَسْتَدْعِي سُرْعَةَ الجَزاءِ وحِينَئِذٍ تَكُونُ الجُمْلَةُ تَكْمِيلًا لِما قَبْلَها فَإنَّهُ في مَعْنى الوَعْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: (لَهم أجْرٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) عَنْ قَرِيبٍ، وفُصِلَتْ لِأنَّ الحُكْمَ بِقُرْبِ الأجْرِ مِمّا يُؤَكِّدُ ثُبُوتَهُ ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في تَضاعِيفِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر مرجع المؤمنين ومصيرهم فقال: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ أي اتقوا الشرك والفواحش، ووحّدوا ربهم لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تحتها الانهار خالدين فيها أبداً لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها أبداً نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يقول: ثواباً من عند الله للمؤمنين الموحدين خاصة وَما عِنْدَ اللَّهِ الجنة خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ من الدنيا للمؤمنين المطيعين وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يعني مؤمني أهل الكتاب، معناه مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن آمن بالله فصدق بقوله وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن وصدق وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التوراة والإنجيل، يعني على أنبيائهم، فذكر حالهم وبيّن ثوابهم لكي يرغب غيرهم من أهل الكتاب ليؤمنوا إذا علموا بثوابهم.
ثم نعتهم فقال تعالى: خاشِعِينَ لِلَّهِ أي متواضعين لله، والخشوع أصله التذلل وكذلك الخضوع، وقد فرّق بعض أهل اللغة بين الخشوع والخضوع، فقال الخضوع في البدن خاصة، والخشوع يكون في البدن والبصر والصوت والقلب.
كما قال الله تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [طه: 108] وقال: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ [القلم: 43 المعارج: 44] .
ثم قال تعالى: لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يعني عرضاً يسيراً كفعل اليهود أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ أي ثوابهم عِنْدَ رَبِّهِمْ الجنة إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي شديد العقوبة، ويقال: سريع الحفظ والتعريف يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا أي اصبروا على البلاء والجهاد وأداء الفرائض، وعن المعاصي وَصابِرُوا مع نبيكم على عدوكم حتى يدعوا دينهم إلى دينكم، يعني يتركوا الشرك ويدخلوا في الإيمان وَرابِطُوا مع عدوكم ما أقاموا، وهذا قول الكلبي.
وقال عكرمة: اصبروا على البلاء وعلى طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا الخيول.
وقال الزجاج: اصبروا على دينكم وصابروا على عدوكم، ورابطوا أي أقيموا على جهادكم بالحرب وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع ما أمركم ونهاكم.
وقال القتبي: أصل المرابطة أن يربطوا خيولهم في الثغر لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يقول: تفوزون وتأمنون النار وتنجون منها.
ويقال: أصل الفلاح البقاء بالنعمة، ويقال: الفلاح أن يبلغ الإنسان نهاية ما يؤمل، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين آمين.
وقوله: نُزُلًا: معناه تَكْرِمَةً.
وقوله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ يحتملُ أن يريد: خَيْرٌ مِمَّا هؤلاءِ فيه، من التقلُّب والتنعُّم، ويحتمل أنْ يريد: خَيْرٌ ممَّا هم فيه في الدّنيا، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم:
«الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ/، وَجَنَّةُ الكَافِرِ» «١» قال القاضِي ابْنُ الطَّيِّب: هذا بالإضافة إلى ما يصير إلَيْه كلُّ واحد منْهما في الآخرةِ، وقيل: المعنى أنها سِجْنُ المؤمن لأنها موضعُ تَعَبِهِ في الطاعة.
وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ، قال جابر بن عبد اللَّه وغيره: هذه الآيةُ نَزَلَتْ بسبب أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ سُلْطَانِ الحبشة، آمن باللَّه، وبمحمَّد- عليه السلام-، وأصحمة «٢» : تفسيره بالعربيّة:
عَطِيَّة قاله سفيان وغيره، وقال قومٌ: نزلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١» ، وقال ابنُ زَيْدٍ ومجاهدٌ: نَزَلَتْ في جميعِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب «٢» .
وقوله سبحانه: لاَ يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا: مدحٌ لهم، وذَمٌّ لسائر كفَّار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم مكاسبَ الدُّنْيا على آخرتهم، وعلى آياتِ اللَّهِ سُبْحانه، ثم خَتَمَ اللَّه سُبْحانه السُّورة بهذه الوَصَاةِ التي جَمَعَتِ الظُّهورَ في الدنيا علَى الأعداء، والفَوْزَ بنعيمِ الآخرةِ، فحضَّ سبحانه على الصبْرِ على الطاعات، وعنِ الشهواتِ، وأَمَرَ بالمصابرةِ، فقيل: معناه مصابرةُ الأعداء قاله زيدُ بْنُ أسلم «٣» ، وقيل: معناه مصابَرَةَ وعْدِ اللَّهِ فِي النَّصْر قاله محمدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ «٤» ، أي: لا تسأَمُوا وانتظروا الفرج، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:
«انتظار الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ» «٥» .
قال الفَخْر «٦» : والمصابرةُ عبارةٌ عن تحمُّل المكارِهِ الواقعة بَيْن الإنسان، وبَيْن الغَيْر.
انتهى.
وقوله: وَرابِطُوا: معناه عند الجُمْهُور: رَابِطُوا أعداءكم الخَيْلَ، أي: ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، قلْتُ: وروى مسلمٌ في «صحيحه» ، عن سلمان، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وإنْ مَاتَ جرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّان» «٧» ، وخَرَّجَ الترمذيُّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن
صحيحٌ «١» ، وخرَّجه أبو داود بمعناه، وقال: «ويُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِي القَبْرِ» «٢» ، وخرَّجه ابنُ ماجة بإسناد صحيح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وأجرى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ آمناً مِنَ الفَزَعَ» «٣» ، وروى مسلم والبخاريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا» «٤» .
انتهى.
وجاء في فَضْل الرباطِ أحاديثُ كثيرةٌ يطُولُ ذكْرها.
قال صاحبُ «التَّذْكرة» : وروى أبيُّ بن كَعْب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان- أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ عند الله وأعظم أجرا» ، أراه قال:
«من عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا ...
» «٥» الحديثَ ذكره القرطبيُّ مسنداً.
انتهى.
والرباط: هو الملازمةُ في سَبيلِ اللَّهِ أصلها مِنْ رَبَطَ الخَيْلَ، ثم سُمِّيَ كلُّ ملازمٍ لثَغْرٍ من ثُغُور الإسلام/ مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظةُ مأخوذةٌ من الرَّبْط، قلْتُ:
قال الشيخُ زيْنُ الدينِ العِرَاقِيُّ في «اختصاره لغريب القرآن» لأبي حَيَّان: معنى: رابطوا:
دُومُوا واثبتوا، ومتى ذكَرْتُ العِرَاقِيَّ، فمرادِي هذا الشيخُ.
انتهى.
وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» ، أنَّ هذه الآيةَ: اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا، إنما نزلَتْ في انتظار الصَّلاةِ خَلْفَ الصلاة قاله أبو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ولم يكُنْ يومئذٍ عَدُوٌّ يرابَطُ فيه «١» .
انتهى.
وقوله سبحانه: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: ترجٍّ في حقِّ البَشَر، والحمد لله حقّ حمده.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ، لِأنَّهُ لَمّا ماتَ صَلّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ، فَقالَ قائِلٌ: يُصَلِّي عَلى هَذا العِلْجِ النَّصْرانِيِّ، وهو في أرْضِهِ؟!
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: فِيهِ وفي أصْحابِهِ.
.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: في أرْبَعِينَ مِن أهْلِ نَجْرانَ، وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وثَمانِيَةً مِنَ الرُّومِ كانُوا عَلى دِينِ عِيسى، فَآَمَنُوا بِالنَّبِيِّ ، قالَهُ عَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي: القُرْآَنَ، ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي: كِتابُهم.
والخاشِعُ: الذَّلِيلُ.
﴿ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ أيْ: عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا كَما فَعَلَ رُؤَساءُ اليَهُودِ، وقَدْ سَلَفَ بَيانُ سُرْعَةِ الحِسابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللهِ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن عَنى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُمْ: «نَزَلَتْ بِسَبَبِ أصْحَمَةَ النَجاشِيِّ سُلْطانِ الحَبَشَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وبِمُحَمَّدٍ ، فَلَمّا ماتَ عَرَفَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ لِأصْحابِهِ: "اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلى أخٍ لَكُمْ" فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ بِالناسِ، فَكَبَّرَ أرْبَعًا.
وفي بَعْضِ الحَدِيثِ: أنَّهُ كُشِفَ لِرَسُولِ اللهِ عن نَعْشِهِ في الساعَةِ الَّتِي قَرُبَ مِنها لِلدَّفْنِ، فَكانَ يَراهُ مِن مَوْضِعِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا صَلّى عَلَيْهِ النَبِيُّ قالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وكانَ أصْحَمَةُ النَجاشِيُّ نَصْرانِيًّا، وأصْحَمَةُ تَفْسِيرُهُ بِالعَرَبِيَّةِ: عَطِيَّةٌ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُهُ.
ورُوِيَ أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: فَإنَّهُ لَمْ يُصَلِّ لِلْقِبْلَةِ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ .
وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في جَمِيعِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وَ"خاشِعِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُؤْمِنُ"، ورَدَّ "خاشِعِينَ" عَلى المَعْنى في "مَن" لِأنَّهُ جَمْعٌ، لا عَلى لَفْظِ "مَن" لِأنَّهُ إفْرادٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ مَدْحٌ لَهم وذَمٌّ لِسائِرِ كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِتَبْدِيلِهِمْ وإيثارِهِمْ كَسْبَ الدُنْيا الَّذِي هو ثَمَنٌ قَلِيلٌ عَلى آخِرَتِهِمْ وعَلى آياتِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: سَرِيعُ إتْيانٍ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الحِسابِ، فالحِسابُ إذًا سَرِيعٌ، إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.
وقالَ قَوْمٌ: سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ وأُجُورِهِمْ وآثامِهِمْ، إذْ ذَلِكَ كُلُّهُ في عَمَلِهِ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى عَدٍّ ورَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، كَما يَحْتاجُ البَشَرُ.
ثُمَّ خَتَمَ اللهُ تَعالى السُورَةَ بِهَذِهِ الوَصاةِ الَّتِي جَمَعَتِ الظُهُورَ في الدُنْيا عَلى الأعْداءِ، والفَوْزَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، فَحَضَّ عَلى الصَبْرِ عَلى الطاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، وأمَرَ بِالمُصابَرَةِ فَقِيلَ: مَعْناهُ: مُصابَرَةُ الأعْداءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: مُصابَرَةُ وعْدِ اللهِ في النَصْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أيْ: لا تَسْأمُوا وانْتَظِرُوا الفَرَجَ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "انْتِظارُ الفَرَجِ بِالصَبْرِ عِبادَةٌ".» وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَرابِطُوا"؛ فَقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: مَعْناهُ: رابِطُوا أعْداءَكُمُ الخَيْلَ، أيِ: ارْتَبِطُوها كَما يَرْتَبِطُها أعْداؤُكُمْ، ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ ...الآيَةُ.
وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ، وقَدْ كَتَبَ إلَيْهِ يَذْكُرُ جُمُوعَ الرُومِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ مَهْما نَزَلَ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ شِدَّةٌ، جَعَلَ اللهُ بَعْدَها فَرَجًا، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ، ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا ﴾ ...
الآيَةَ.
وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ: هَذِهِ الآيَةُ هي في انْتِظارِ الصَلاةِ بَعْدَ الصَلاةِ، ولَمْ يَكُنْ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ غَزْوٌ يُرابِطُ فِيهِ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وأبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "ألا أدُلُّكم عَلى ما يَحُطُّ اللهُ بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَرَجاتِ؟
إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَلاةِ بَعْدَ الصَلاةِ فَذَلِكُمُ الرِباطُ فَذَلِكُمُ الرِباطُ فَذَلِكُمُ الرِباطُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الصَحِيحُ هو أنَّ الرِباطَ هو المُلازَمَةُ في سَبِيلِ اللهِ، أصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مُلازِمٍ لِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ الإسْلامِ مُرابِطًا، فارِسًا كانَ أو راجِلًا، واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَبْطِ، وقَوْلُ النَبِيِّ : « "فَذَلِكُمُ الرِباطُ"» إنَّما هو تَشْبِيهٌ بِالرِباطِ في سَبِيلِ اللهِ، إذِ انْتِظارُ الصَلاةِ إنَّما هو سَبِيلٌ مِنَ السُبُلِ المُنْجِيَةِ، والرِباطُ اللُغَوِيُّ هو الأوَّلُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: « "لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرَعَةِ"» وكَقَوْلِهِ: « "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ"» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُرابِطُ في سَبِيلِ اللهِ عِنْدَ الفُقَهاءِ هو الَّذِي يَشْخَصُ إلى ثَغْرٍ مِنَ الثُغُورِ لِيُرابِطَ فِيهِ مُدَّةً ما، قالَهُ ابْنُ المَوّازِ ورَواهُ.
فَأمّا سُكّانُ الثُغُورِ دائِمًا بِأهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ ويَكْتَسِبُونَ هُنالِكَ، فَهم وإنْ كانُوا حُماةً فَلَيْسُوا بِمُرابِطِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ كَثِيرًا.
عطف على جملة ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم ﴾ [آل عمران: 198] استكمالاً لذكر الفِرَق في تلقّي الإسلام: فهؤلاء فريق الذين آمنوا من أهل الكتاب ولم يظهروا إيمانهم لخوف قومهم مثل النجاشي أصحمة، وأثنى الله عليهم بأنّهم لا يحرّفون الدين، والآية مؤذنة بأنّهم لم يكونوا معروفين بذلك لأنّهم لو عرفوا بالإيمان لما كان من فائدة في وصفهم بأنّهم من أهل الكتاب، وهذا الصنف بعكس حال المنافين.
وأكّد الخبر بأنّ وبلام الابتداء للردّ على المنافقين الذين قالوا لرسول الله لمّا صلّى على النجاشي: انظروا إليه يصلّي على نصراني ليس على دينه ولم يره قط.
على ما روي عن ابن عباس وبعض أصحابه أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية.
ولعلّ وفاة النجاشي حصلت قبل غزوة أُحُد.
وقيل: أريد بهم هنا من أظهر إيمانه وتصديقه من اليهود مثل عبد الله بن سلام ومخيريق، وكذا من آمن من نصارى نجران أي الذين أسلموا ورسول الله بمكّة إن صحّ خبر إسلامهم.
وجيء باسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ للتنبيه على أنّ المشار إليهم به أحرياء بما سيرد من الإخبار عنهم لأجل ما تقدّم اسمَ الإشارة.
وأشار بقوله: ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ إلى أنّه يبادر لهم بأجرهم في الدنيا ويجعله لهم يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: « (اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلى أخٍ لَكم فَصَلّى بِنا أرْبَعَ تَكْبِيراتٍ، فَقالَ: هَذا النَّجاشِيُّ أصْحَمَةُ فَقالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِن مُسْلِمَةِ أهْلِ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: اصْبِرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وصابِرُوا أعْداءَ اللَّهِ، ورابِطُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ، والضَّحّاكِ.
والثّانِي: اصْبِرُوا عَلى دِينِكم، وصابِرُوا الوَعْدَ الَّذِي وعَدَكم، ورابِطُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: اصْبِرُوا عَلى الجِهادِ، وصابِرُوا العَدُوَّ، ورابِطُوا بِمُلازَمَةِ الثَّغْرِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن رَبْطِ النَّفْسِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: رَبَطَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ بِالصَّبْرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
والرّابِعُ: رابِطُوا عَلى الصَّلَواتِ بِانْتِظارِها واحِدَةً بَعْدَ واحِدَةٍ: رَوى العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (ألا أدُلُّكم عَلى ما يَحُطُّ بِهِ اللَّهُ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟
قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطا إلى المَساجِدِ وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ)» .
انْتَهَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ
أخرج النسائي والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس قال: لما مات النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلوا عليه قالوا يا رسول الله نصلي على عبد حبشي.
فأنزل الله: ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اخرجوا فصلوا على أخ لكم، فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات فقال: هذا النجاشي أصحمة فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم نره قط.
فأنزل الله: ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: «ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في النجاشي، وفي ناس من أصحابه آمنوا بنبي الله وصدقوا به.
وذكر لنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر للنجاشي وصلى عليه حين بلغه موته، قال لأصحابه: صلوا على أخ لكم قد مات بغير بلادكم.
فقال أناس من أهل النفاق: يصلي على رجل مات ليس من أهل دينه!
فأنزل الله: ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لما مات النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استغفروا لأخيكم فقالوا: يا رسول الله أنستغفر لذلك العلج؟
فأنزل الله: ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: «لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي طعن في ذلك المنافقون فقالوا: صلى عليه وما كان على دينه!
فنزلت هذه الآية ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله..
﴾ الآية.
قالوا: ما كان يستقبل قبلته وإن بينهما البحار.
فنزلت ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ [ البقرة: 115] قال ابن جريج: وقال آخرون: نزلت في النفر الذين كانوا من يهود فأسلموا: عبد الله بن سلام ومن معه» .
وأخرج الطبراني عن وحشي بن حرب قال: لما مات النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه «إن أخاكم النجاشي قد مات، قوموا فصلوا عليه.
فقال رجل: يا رسول الله كيف نصلي عليه وقد مات في كفره؟
قال: ألا تسمعون قول الله: ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله...
﴾ الآية.
قال: هم مسلمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء يهود.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ الآية.
اختلفوا في نزولها؛ فقال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) بالمدينة.
فقال المنافقون: إنه يُصَلِّي على نصرانِيٍّ لم يَرَهُ قَطُّ (٥) وقال ابن جُرَيْج (٦) (٧) وقال مجاهد (٨) و (٩) (١٠) ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ ذكر حال مَنْ آمَنَ مِنْ أهلِ الكتاب، وأخبر أنهم صَدَقُوا في حال خُشُوعٍ.
وقوله تعالى: ﴿ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ أي: عَرَضًا مِنَ الدُّنياَ، كفعل اليهود الذين غَيَّروا التوراة بِثَمَن.
ومعنى: ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ -ههنا-: أنه لا يُؤخِّرُ الجزاءَ عَمَّن استحقه؛ لِطُول الحِسَابِ والاشتغال به؛ كما يتأخر (١١) (١٢) (١) قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 1176، و"أسباب النزول" للمؤلف 143.
(٢) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 218، و"تفسير الثعلبي" 176 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف 143، 144.
(٣) قوله، في: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 144، و"تفسير الطبري" 4/ 218 - 219، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف 143، 144.
(٤) هو: أصحمة بن أبحر، والنجاشي، لقبه.
قال ابن عيينة عن (أصحمة)، (هو بالعربية: عطية).
وهو ملك الحبشة، وقد أكرم المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده من مكة المكرمة، وأحسن استقبالهم، وأسلم ولم يهاجر.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 144، و"الإصابة" 1/ 109.
(٥) وبه قال ابن جريج في رواية عنه أخرجها الطبري في "تفسيره" 4/ 2191.
وقال به أنس بن مالك، أخرجه عنه النسائي في "تفسيره" 356 رقم (108)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 846، والمؤلف في: "أسباب النزول" 144، والبزار (انظر: "كشف الأستار عن زوائد البزار" 1/ 392 رقم: 832).
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 38وزاد نسبة إخراجه للطبراني في "الأوسط"، وقال: (ورجال الطبراني ثقات)، وذكره ابن حجر في "الإصابة" 1/ 109، وزاد نسبة إخراجه لابن شاهين والدارقطني في: الأفراد.
وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 481، و"الدر المنثور" 2/ 200.
وبه قال الحسن البصري.
ذكر ذلك ابن كثير في "تفسيره" 1/ 481، ونسب إخراج الأثر عنه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
وصلاة الرسول على النجاشي، أخرجها الشيخان، ولكن ليس فيها اعتراض المنافقين، ولا أنه سبب نزول الآية.
انظر: "صحيح البخاري" (3877) كتاب: مناقب الأنصار.
باب: موت النجاشي، و"صحيح مسلم" رقم (951 - 953) كتاب الجنائز.
باب: في التكبير على الجنارة.
وانظر: "جمع الزوائد" 3/ 38 - 39.
(٦) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 219، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176 ب، و"أسباب النزول" للمؤلف 144.
(٧) قوله في: المصادر السابقة وبه قال مقاتل في "تفسيره" 1/ 323.
(٨) قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 219، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 846، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176ب، و"أسباب النزول" للمؤلف173، وهو قول ابن عباس من رواية أبي صالح عنه.
انظر:"زاد المسير" 1/ 533.
وإلى هذا القول، ذهب الطبري في تفسيره، في الموضع السابق.
(٩) (الواو): زيادة من (ج).
(١٠) في "معاني القرآن" له 1/ 501.
نقله عنه بالمعنى.
(١١) في (أ)، (ب)، (ج): (يتأخر).
والأصل أن يقول: تتأخر.
إلا أن المُثبَتَ على معنى: يتأخر قضاء الحقوق.
(١٢) انظر: تفسير الآية: 202 من سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ الآية؛ قيل: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، فإنه كان نصرانياً فأسلم، وقيل: في عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم من اليهود ﴿ لاَ يَشْتَرُونَ ﴾ مدح لهم، وفيه تعريض لذم غيرهم ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً وصابروا أي صابروا عدوكم في القتال ﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ أقيموا في الثغور مرابطين خيلكم مستعدين للجهاد، وقيل: هو مرابطة العبد فيما بينه وبين الله، أي معاهدته على فعل الطاعة وترك المعصية والأول أظهر، قال صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه» وأما قوله في انتظار الصلاة فذلكم الرباط فهو تشبيه بالرباط في سبيل الله لعظم أجره، والمرابط عند الفقهاء هو الذي يسكن الثغور فيرابط فيها وهي غير موطنه، فأما سكانها دائماً بأهلهم ومعايشهم فليسوا مرابطين، ولكنهم حماة، حكاه ابن عطية.
القراءات: ﴿ الأبرار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء.
والكسائي والنجاري عن ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
وكذلك كل ما تكرر فيه الراء غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن.
﴿ وقتلوا وقاتلوا ﴾ حمزة وعلي وخلف، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ وقتلوا ﴾ مشدداً.
الباقون: ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ مخففاً.
﴿ لا يغرنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس.
الباقون بالتشديد ﴿ نزلاً ﴾ حيث كان بالاختلاس عباس.
الوقوف: ﴿ الألباب ﴾ ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفاً نصباً أو رفعاً على المدح بتقدير أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر.
﴿ والأرض ﴾ ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا.
﴿ باطلاً ﴾ ج للابتداء بسبحانك تعظيماًَ وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب.
﴿ النار ﴾ ه ﴿ أخزيته ﴾ ط ﴿ أنصار ﴾ ه ﴿ فآمنا ﴾ قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ معطوف على ﴿ آمنا ﴾ أي إذا آمنا فاغفر.
﴿ الأبرار ﴾ ه ج للآية وللعطف.
﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ج لاتحاد الكلام وإلا فبعضكم مبتدأ ﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ز لأن ﴿ ثواباً ﴾ مفعول له أو مصدر.
﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع.
﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ للأبرار ﴾ ه ﴿ لله ﴾ لا لأن ما بعده حال آخر ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض / الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء، عن ابن عمر "قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله .
فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب.
أتاني في ليلتي فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟
فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك.
فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقوية، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه فقد بلت الأرض.
فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟
ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .
وعن علي "أن النبي كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ " واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل، وههنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيهاً على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاخلع نعليك ﴾ يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية.
وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر.
وإنما قال في تلك السورة ﴿ لآيات لقوم يعقلون ﴾ وفي هذه السورة ﴿ لآيات لأولي الألباب ﴾ لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلاً وفي كمال الحال يكون لباً.
وباقي التفسير قد مرهناك.
ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن.
فقوله: ﴿ الذين يذكرون الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان.
وقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان.
والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " وقيل: المراد بالذكر ههنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد.
وهذا موافق لمذهب الشافعي في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثاً طبياً، وهو أن الاستلقاء يمنع من استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب.
والصلاة إذا كانت عن فكر وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر فذاك وضع الغافلين.
وقال أبو حنيفة: بل يصلي مستلقياً إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد.
وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ إشارة إلى عمل الجنان.
وقد عرفت معنى الفكر في البحث الخامس من تفسير قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ وإنما لم يقل و "يتفكرون في الله" كما قال: ﴿ يذكرون الله ﴾ لقوله : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" " والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه.
فالفكر في المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه متنج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره محال لأن تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أوّلاً أن لها رباً وصانعاً فيقول: ﴿ ربنا ﴾ .
ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم إذا قاس أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته منزه عن مشابهة شيء من هذه المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة فيقول: ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بلك من مناسبة الجواهر والأعراض.
ثم إذا بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ ، ثم ذكر سبب الاستعاذة من النار بقوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ أي أبلغت في إخزائه نظيره قوله: ﴿ فقد فاز ﴾ وفي كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك.
ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد وذلك قوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ الآية.
فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات والآيات على وجه / " "ألقى في روعي " والله أعلم بأسرار كلامه.
عن النبي : " "بينما رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " وعنه : " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض" قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض.
وعنه : " "لا عبادة كالتفكر" وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض بتأويل المخلوق.
وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضراً في خزانة الخيال.
و ﴿ باطلاً ﴾ نصب على المصدر أي خلقاً باطلاً أو على الحال، وقيل.
بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل.
قالت المعتزلة: فيه دليل على أن كل ما يفعله الله فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية.
وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ جملة معترضة تنزيهاً له من العبث وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.
فوجه النظم في قوله: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار جزاء من عصى ولم يطع.
وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله ، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.
والباطل في اللغة الذاهب الزائل.
الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال.
والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: ﴿ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً ﴾ ﴿ هل ترى من فطور ﴾ ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع بهما.
ثم لما وصف ذاته بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي.
قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص.
وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى / العادة لا على سبيل الحقيقة.
والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله مستتبعة لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره.
ثم إنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: ﴿ سبحانك ﴾ على الطلب ليكون أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله عباده في حسن الطلب.
قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة.
عن الزجاج: أخزى الله العدوّ أي أبعده.
وقيل: أهانه.
وقيل: فضحه.
وقيل: أهلكه.
وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ﴾ وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن وهو مع النبي مخزي أن لا يكون غيره وهو مؤمن مخزي.
وأيضاً الآية ليست على عمومها لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ فثبت أن كل من دخل النار فإنه ليس بمخزي.
وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا النار للخلود.
وأيضاً إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج.
وقوله: ﴿ يوم لا يخزي ﴾ نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهي نفي الخزي المخلد.
ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي.
واحتجت المرجئة بالآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص ﴾ ولقوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي ﴾ والمدخل في النار مخزي بهذه الآية.
والمقدمات بأسرها يدخلها المنع.
أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبله مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئيه الموضوع كما تقرر آنفاً.
وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني.
وقد يتمسك المعتزلة بقوله: ﴿ وما للظالمين ﴾ أي الداخلين في النار ﴿ من أنصار ﴾ أي في نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.
والجواب أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ في [البقرة:254] وأيضاً لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤول معنى الآية إلى أن الأمر يومئذٍ لله.
وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم هذه الحجة بخلاف الفساق.
وأيضاً أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية.
قالوا: الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصراً له.
وعورض بالآيات الدالة على العفو ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ﴾ تقول: سمعت رجلاً يتكلم بكذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالاً عنه.
والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله ﴿ ادع إلى سبيل ربك ﴾ ﴿ أدعوا إلى الله ﴾ ﴿ وداعياً إلى الله ﴾ وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: ﴿ إن هذا القرآن يهدي ﴾ كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم ﴿ تدعو من أدبر وتولى ﴾ والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة تصاريفه قال: يا واضع الميت في قبره *** خاطبك الدهر فلم تسمع ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل من اللام و"إلى" مقام الأخرى نظراً إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معاً.
وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا.
وقيل: معناه لأجل الإيمان.
ولهذا الغرض فسر بقوله: ﴿ أن آمنوا ﴾ و"أن" مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن آمنوا والفائدة في الجمع بين المنادي وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذٍ أوقع في النفس وأعز.
﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ أصل الغفر والتكفير كلاهما الستر والتعطية.
وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء.
وقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.
وقيل: الأوّل أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف.
وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، والثاني ما أتى به مع الجهل بكونه ذنباً ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة أي مساوٍ له في ذلك الاعتقاد.
احتجت الأشاعرة بالآية على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في ﴿ فاغفر ﴾ بعد قولهم: ﴿ آمنا ﴾ ثم إنه أجابهم إلى ذلك بقوله: ﴿ فاستجاب لهم ﴾ ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى.
﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا / على رسلك ﴾ أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول، وعقيب قوله: ﴿ آمنا ﴾ وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد الله الجنة على الطاعة.
ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل.
وقيل: على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب.
وقيل: النصر على الأعداء.
وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سميا العبودية.
أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا عما بها نكون أهلاً لإخزانك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء.
أو المراد احفظ علينا أسباب إنجاز الميعاد.
وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق.
ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا الأدعية بقولهم ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ لأن التخجيل والتفضيح يكدّر صفو كل منٍّ وعطاء.
والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: ﴿ ربنا ﴾ ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم لا تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملاً بها فقالوا: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو النار فتضرعوا إلى معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء.
عن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد لأن الله حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات "ربنا" ثم قال: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ أي أجابهم ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.
لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي "من" ذكر للتبيين لأن العامل إما ذكر وإما أنثى وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله.
أو المراد بعضكم كأنه من البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي.
قال : " "من غشنا فليس منا " وقيل: المراد وصلة الإسلام.
وهذه جملة معترضة بيّن بها شركة النساء مع / الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل.
روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.
ثم فصل عمل العامل منهم تفخيماً لشأن العمل وتنويهاً بذكره فقال: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ أوطانهم مع الرسول أو بعده باختيارهم ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ ألجأهم الكفار إلى الخروج ﴿ وأوذوا في سبيلي ﴾ يريد طريق الدين ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم.
وقيل: أي قطعوا.
ومن قرأ ﴿ قتلوا وقاتلوا ﴾ فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: قاتلوا حتى قتلوا.
وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل وإذا قتل قومه وعشيرته.
وإما بإضمار "قد" أي قتلوا وقد قاتلوا ﴿ لأكفرنّ ﴾ جواب للقسم المقدر ﴿ عنهم سيئاتهم ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ ﴿ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ ﴿ ثوباً من عند الله ﴾ وهو الذي طلبوه من الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ أي ثوباً يختص به وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه.يقول الرجل: عندي ما تريد أنا مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته.
و ﴿ ثواباً ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي إثابة أو تثويباً من عنده لأن قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ ﴿ ولأدخلنهم ﴾ في معنى لأثيبنهم.
وقال الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال.
وقال الفراء: نصب على التفسير كقولك: هو لك هبة أوبيعاً أو صدقة.
ثم ختم بقوله: ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات.
وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة تكاليفه دليل على أن حكمة الله اقتصت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأساً.
عن الحسن: أخبر الله أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه ﴾ ثم إنه لما وعد المؤمنين الثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: ﴿ لا يغرنك ﴾ والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول والمراد الأمة.
قال قتادة: والله ما غرّوا نبي الله حتى قبضه الله وله.
والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه.
قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت.
وقيل: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت.
والمراد بتقلبهم / تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح ﴿ متاع قليل ﴾ في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين.
والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال ﴿ لكن الذين اتقوا ﴾ الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي.
والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاَ فلا بد من شيء آخر يكون اصلاً بالنسبة إليها، قلت: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وما عند الله باق ﴾ إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة.
وقيل: المعنى وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وانتصاب ﴿ نزلاً ﴾ على الحال من ﴿ جنات ﴾ لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، أو نصب على التفسير كما قلنا في ﴿ ثواباً ﴾ .
ثم إنه لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ وهذا قول مجاهد.
وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.
وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فأسلموا.
وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: "نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله للأصحاب: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم.
قالوا: ومن هو؟
قال: النجاشي: فخرج رسول الله إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: استغفروا له.
فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية" .
واللام في ﴿ لمن يؤمن ﴾ لام الابتداء الذي يدخل على خبر "إن" أو على اسمه عند الفصل كما في الآية.
والمراد ﴿ بما أنزل إليكم ﴾ القرآن ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ الكتابان و ﴿ خاشعين لله ﴾ حال من فاعل يؤمن لأن "من" في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ﴿ لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ﴾ كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله: ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات.
أو المراد سرعة موعد حسابه / فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر.
ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها.
الثاني ما يتعلق بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو بالسنان.
ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام بالصبر والمصابرة من قهر القوى النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من الربط الشدّ.
فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه.
ثم لا بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتداً بها، فلهذا أمر بتقوى الله.
ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على كنوز الحكم والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا.
ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما تقدم في هذه السورة من الأصول.
وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد.
ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد.
وعن الحسن ﴿ اصبروا ﴾ على دينكم فلا تتركوه بسبب الفقر والجوع ﴿ وصابروا ﴾ عدوّكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم أحد.وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا أصبر منكم.
وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها.
ولما كثر ترغيب الله في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة مع الأعداء.
أما البرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في الثغور ويربط أولئك أيضاً خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر قال : ﴿ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم ﴾ وعن النبي : " من رابط يوماَ وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "لم يكن في زمن رسول الله غزو يرابط فيه، ولكن انظار الصلاة خلق الصلاة" .
وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم.
التأويل: / إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب.الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً.
وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلاً أي خلقته إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق.
سبحانك تنزيهاً للحق عن الشبه بالخلق، ﴿ فقنا ﴾ باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ففيها كل الخزى والندامة والغواية والضلالة.
ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا ﴾ من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا.
فاغفر لنا بفضلك ورحمتك.
﴿ لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ بالظاهر والباطن ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ على قدر همتكم ورجوليتكم ﴿ فالذين هاجروا ﴾ عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ من معاملات الطبيعة وديارها إلى عالم الحقيقة بسطوات تجلي صفات الربوبية ﴿ وأوذا في ﴾ طلبي بأنواع البلاء ﴿ وقاتلوا ﴾ مع النفس ﴿ وقتلوا ﴾ بسيف الصدق ﴿ لأكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم ﴿ ولأدخلنهم جنات ﴾ الوصول فيها أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوّة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أنهار العناية ﴿ ثواباً ﴾ من مقام العندية ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لايكون عند الجنة وغيرها ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، و ﴿ يؤمن بما أنزل إليكم ﴾ من الواردات والإلهامات والكشوف ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ من الخواطر الرحمانية ﴿ خاشعين لله ﴾ كما قال : "إذا تجلى الله لشيء خضع له" ﴿ لا يشترون ﴾ بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم ﴿ اصبروا ﴾ على جهاد النفس بالرياضات ﴿ وصابروا ﴾ في مراقبة القلب عند الابتلاءات ﴿ ورابطوا ﴾ الأرواح للوصل بالله ﴿ واتقوا الله ﴾ في الالتفات إلى ما سواه ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ فتفوزوا بالبقاء بالله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ : يحتمل تقلبهم وجوهاً.
وذلك نعمة من الله عليهم؛ لترْكِهِم يَتَّجِرون في البلدان مع كفرهم بربهم.
والثاني: أعطاهم أموالاً يتنعمون فيها ويتلذذون.
والثالث: ما أخر عنهم العذاب والهلاك إلى وقت.
يقول: لا يغرنك يا محمد ذلك؛ إنما هو متاع يسير، [و] مصيرهم إلى النار؛ كقوله - -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 55]؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً...
﴾ الآية [آل عمران: 178].
قال: وليس الاغترار في نفس التقلب؛ لأنه جهد ومشقة؛ ولكن لما فيه من الأمن والسعة والقوة؛ دليله قوله - -: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ ، ثم قال: ﴿ لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾ ، وسعيهم للآخرة متاع لا ينقطع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾ يعني: الشرك.
﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...
﴾ إلى آخر ما ذكر ﴿ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل أن يكون الأمر ما ذكر في بعض القصّة: أن بعض المؤمنين قالوا: إن الكفار في خصب ورخاء، ونحن في جهد وشدة؛ فنزل: لا يغرنك تقلبهم في ذلك؛ إنما هو متاع قليل، وذلك ثوابهم في الدنيا، وأما ثواب الذين اتقوا ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ...
إلى آخر ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ يعني: القرآن.
﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ يعني: التوراة.
ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزل في شأن عبد الله بن سَلامٍ وأصحابه: أقرُّوا بأنه واحد لا شريك له، وصدقوا رسوله وما أنزل عليه ...
الآية.
وقيل: نزل في شأن النجاشي، وروي عن جابر بن عبد الله - - أن النبي لما صلى على النجاشي قال أناس من المنافقين: يصلي على حبشي مات في أرض الحشبة؛!
فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية.
وعن الحسن قال: "لما مات النجاشي، قال رسول الله : استغفروا لأخيكم قالو: يا رسول الله، لذلك العِلْج؟!
فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية، وقيل: لما صلّى عليه [رسول الله ]؛ قال المنافقون: صلى على من ليس من أهل دينه؛ فأنزل الله الآية" .
وعن الزهري عن أصحاب رسول الله - أن نبي الله صلى على النجاشي، فكبَّر عليه أربع تكبيرات، وصففنا في المصلَّى خلفه، وكان مات بالحبشة.
قال: والنوازل على وجهين: من ترك بسببه خيراً وسعة فله فيه فضل؛ لأنه كان مفتاح الخير، ومن ترك بسببه ضيقاً فعليه فضل لوم؛ كأنه مفتاح الضيق.
وأمَّا ا لأحكام: فإنه ينظر إلى ما فيه نزل فيشترك فيه الخلق، ولا يجوز أن يقال: نزل في شأن فلان؛ إنما أنزل لما في شأن فلان، لا في شأنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ ﴾ قيل: على أداء الفرائض والعبادات، وقيل: اصبروا على البلايا والمصائب والشدائد: ﴿ وَصَابِرُواْ ﴾ في الجهاد لعدوكم.
وقيل: اصبروا على أمر الله وفرائضه، وصابروا مع النبي وعلى آله وصحبه في المواطن.
وعن الحسن قال: أُمِروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضى الله لهم، وهو الإسلام، ولا يَدَعُوا دينهم؛ لشدة ولا لرخاء، ولا ضراء، ولا سراء، حتى يموتوا، ويكونوا يصابرون الكفار، حتى يكونوا هم يميلون عن دينهم، وأمروا أن يرابطوا المشركين.
وقيل: اصبروا على الجهاد، وصابروا لعدوكم.
﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ أي: داوموا على دينكم.
﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ : قال: والصبر في نفسه خاصة في طاعة يصبر عليها، ومعصية يصبر عنها وفي بلوى، والمصابرة مع غيره، وقد يكون كل واحد على المعنيين؛ لأنه لا يخلو عن مصابرة عدوٍّ فيما يطيع ربه.
وقيل: رابطوا مع عدوكم ما أقاموا، واتقوا الله فيما أمركم به، فلا تدعوا ذلك مع نبيكم، وذروا ما نهاكم عنه، ولا قوة إلا بالله.
ليس أهل الكتاب سواء، فإن منهم طائفة يؤمنون بالله وبما أنزل إليكم من الحق والهدى، ويؤمنون بما أنزل إليهم في كتبهم، لا يفرقون بين رسل الله، خاضعين متذللين لله، رغبة فيما عنده، لا يستبدلون بآيات الله ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا، أولئك الموصوفون بهذه الصفات لهم ثوابهم العظيم عند ربهم، إن الله سريع الحساب على الأعمال سريع الجزاء عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.Epyvg"
كان الكلام في أولي الألباب المؤمنين وقد علمنا أن الله تعال يستجيب لهم بالأعمال، فالعبرة بالعمل ومنه المهاجرة وتحمل الإيذاء في سبيل الله، وبذل النفس في القتال حتى يقتلوا وبذلك يستحقون ثواب الله تعالى.
ثم ذكر حال الكافرين للمقابلة وربط الكلام بما قبله بالنهي عن الاغترار بما هم فيه من نعيم وتمتع، كأنه يقول على المؤمن أن يجعل مرمى طرفه ذلك الثواب الذي وعدته فهو النعيم الحقيقي الباقي وهذا الذي فيه الكافرون متاع قليل فلا تطلبوه ولا تحفلوا به، يسهل بهذا على المسلمين ما كلفوه من تحمل الإيذاء والعناء في إقامة الحق.
﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ ، إنه بعد أن بيّن حال المؤمنين وما أعد لهم من الثواب، وذكر حال الكافرين وما أعد لهم من العقاب، ذكر فريقًا من أهل الكتاب يهتدون بهذا القرآن، وكانوا مهتدين من قبله بما عندهم من هدي الانبياء، وذكر من وصفهم الخشوع لله، وما كل من يدعي الإيمان بالكتاب خاشع لله، وهذا الخشوع هور روح الدين وهو السائق لهم إلى الإيمان بالنبي الجديد وهو الذي حال بينهم وبين أن يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، وهذا الثمن يعم المال والجاه فإن منه التمتع بما كانوا فيه من ذلك، وإن صعب على الإنسان أن يترك ما ألفه، وخص هؤلاء بالذكر على كونهم من المؤمنين الذين وعدوا بما تقدم ذكره في مقابلة الكافرين لأجل القدوة بهم في صبرهم على الحق في الدين السابق والدين اللاحق.
وذكر إيمانهم بصيغة التأكيد لأن أهل الكتاب كانوا بغرورهم بكتابهم وتوهمهم الاستغناء بما عندهم عن غيره كانوا أبعد الناس عن الإيمان، وكان من الغرابة بعد ذلك العناد ومكابرة النبي وحسده على النبوة والتشدد في إيذائه أن يؤمن بعضهم إيمانًا صحيحًا كاملًا، ولهذا كان المؤمنون منهم قليلين وكانوا من خيارهم علمًا وفضلًا وبصيرة.
وإننا نرى علماءنا الأذكياء في هذا العصر قلما يرجعون عن عقيدة أو رأي في الدين جروا عليه وتلقوه عن مشايخهم، وقرأوه في كتبهم، وإن كان باطلًا وخطأ ظاهرًا.
وفي هذه الآية تأييد لكون حال المؤمنين على ما كانوا عليه من ضيق خيرًا من حال الكافرين على ما كانوا عليه من سعة، كأنه يقول انظروا إلى حال الأخيار من أهل الكتاب كيف لا يحفلون بذلك المتاع الدنيوي بل يؤثرون عليه ما عند الله تعالى، فهذا من باب المثل والأسوة للمسلمين.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ أي اصبروا على ما يلحقكم من الأذى، وصابروا الأعداء الذين يقاومونكم ليغلبوكم على أمركم ويخذلون الحق الذي في أيديكم، واربطوا الخيل كما يربطونها استعدادًا للجهاد.
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ يكثر الله تعالى من هذه الوصية ومع ذلك نرى الناس قد انصرفوا عنها بتة، حتى صار التقي عند الناس هو الأهبل الذي لا يعقل مصلحته ولا مصلحة الناس، ولا شيء أشأم على التقوى من فهمها بهذا المعنى.
التقوى أن تقي نفسك من الله أي من غضبه وسخطه وعقوبته، ولا يمكن هذا إلا بعد معرفته ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه، ولا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله تعالى وعرف سنة نبيه وسيرة سلف الأمة الصالح مطالبًا نفسه بالاهتداء بذلك كله، فمن صبر وصابر ورابط لأجل حماية الحق وأهله، ونشر دعوته واتقى ربه في سائر شؤونه فقد أعد نفسه بذلك للفلاح والفوز بالسعادة عند الله تعالى.
- ٤ -