الآية ١٩٨ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ١٩٨ من سورة آل عمران

لَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّـٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًۭا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ لِّلْأَبْرَارِ ١٩٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٨ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر مآلهم إلى النار قال بعده : " ( لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا ) أي : ضيافة من عند الله ( وما عند الله خير للأبرار ) وقال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن نصر أخبرنا أبو طاهر سهل بن عبد الله ، أنبأنا هشام بن عمار ، أنبأنا سعيد بن يحيى ، أنبأنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء ، كما أن لوالديك عليك حقا ، كذلك لولدك عليك حق " .

كذا رواه ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن جناب ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال : إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء ، كما أن لوالديك عليك حقا ، كذلك لولدك عليك حق ، وهذا أشبه والله أعلم .

ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام الدستوائي ، عن رجل ، عن الحسن قال : الأبرار الذين لا يؤذون الذر .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، عن الأسود قال : قال عبد الله - يعني ابن مسعود - : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا الموت خير لها ، لئن كان برا لقد قال الله : ( وما عند الله خير للأبرار ) وكذا رواه عبد الرزاق ، عن الأعمش ، عن الثوري ، به ، وقرأ : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) [ آل عمران : 178 ] .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن فرج بن فضالة ، عن لقمان ، عن أبي الدرداء أنه كان يقول : ما من مؤمن إلا والموت خير له ، وما من كافر إلا والموت خير له ، ومن لم يصدقني فإن الله يقول : ( وما عند الله خير للأبرار ) ويقول : ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ (198) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (23) " لكن الذين اتقوا ربهم "، لكن الذين اتقوا الله بطاعته واتّباع مرضاته، في العمل بما أمرهم به، واجتناب ما نهاهم عنه=" لهم جنات " يعني: بساتين، (24) =" تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها "، يقول: باقين فيها أبدًا.

(25) =" نـزلا من عند الله "، يعني: إنـزالا من الله إياهم فيها، أنـزلوها.

ونصب " نـزلا " على التفسير من قوله: " لهم جنات تجري من تحتها الأنهار "، كما يقال: " لك عند الله جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابًا "، وكما يقال: " هو لك صدقة ": و " هو لك هبة ".

(26) * * * = وقوله: " من عند الله " يعني: من قبل الله، (27) ومن كرامة الله إياهم، وعطاياه لهم.

* * * وقوله: " وما عند الله خير للأبرار "، يقول: وما عند الله من الحياة والكرامة، وحسن المآب، " خير للأبرار "، مما يتقلب فيه الذين كفروا، فإن الذي يتقلبون فيه زائل فانٍ، وهو قليلٌ من المتاع خسيس، وما عند الله من كرامته للأبرار - (28) وهم أهل طاعته (29) باقٍ، غيرُ فانٍ ولا زائل.

* * * 8373 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " وما عند الله خير للأبرار "، قال: لمن يطيع الله.

8374 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، عن عبد الله قال: ما من نَفْس بَرَّة ولا فاجرة إلا والموتُ خير لها.

ثم قرأ عبد الله: " وما عند الله خير للأبرار "، وقرأ هذه الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ .

(30) [سورة آل عمران: 178] 8375 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن فرج بن فضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: " وما عند الله خير للأبرار "، ويقول: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا .

(31) ----------------------- الهوامش : (23) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بذلك جل ثناؤه" ، والسياق يقتضي ما أثبت.

(24) انظر تفسير"الجنة" فيما سلف 1: 384 / 5: 535 ، 542 / 6: 261 ، 262 / 7: 227.

(25) انظر تفسير"الخلود" فيما سلف 6: 261: 262 تعليق: 1 ، والمراجع هناك ، وفهارس اللغة.

(26) "التفسير" ، عند الكوفيين ، هو التمييز عند البصريين ، وانظر ما سلف 2: 338 ، تعليق: 1 / 3: 90 ، تعليق: 2 / 5: 91 ، تعليق: 4 وانظر معاني القرآن للفراء 1: 251.

(27) انظر تفسير"عند" فيما سلف قريبًا ص: 490 ، تعليق 6 ، والمراجع هناك.

(28) في المطبوعة: "وما عند الله خير من كرامته للأبرار" ، وهو فاسد المعنى ، وكان مثله في المخطوطة ، إلا أنه ضرب على"خير" بإشارة الحذف ، ولكن الناشر لم يدرك معنى الإشارة فأبقاها.

فأفسدت الكلام.

(29) انظر تفسير"الأبرار" فيما سلف قريبًا ص: 482 ، تعليق: 6 ، والمراجع هناك.

(30) الحديث: 8374 - مضى برقم: 8267 ، عن محمد بن بشار ، عن عبد الرحمن -وهو ابن مهدي- عن سفيان.

ورواه ابن أبي حاتم ، من طريق أبي معاوية ، عن الأعمش كما نقله ابن كثير عنه 2: 328.

(31) الحديث-: 8375 - فرج بن فضالة: ضعيف ، كما بينا في: 1688.

لقمان: هو ابن عامر الوصابي الحمصي.

وهو ثقة ، ذكره ابن حبان في الثقات.

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 251 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 182- 183.

ولم يذكرا فيه جرحا.

و"الوصابي": بفتح الواو وتشديد الصاد المهملة ، كما ضبطه ابن الأثير في اللباب ، والذهبي في المشتبه ، ووهم الحافظ ابن حجر ، فضبطه في التقريب بتخفيفها.

والحديث ذكره ابن كثير 2: 328 - 329 ، عن هذا الموضع من الطبري.

ووقع في طبعته"نوح ابن فضالة" بدل"فرج بن فضالة" ، وهو خطأ مطبعي سخيف.

وذكره السيوطي 2: 104 ، عند الآية السابقة: 178 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا استدراك بعد كلام تقدم فيه معنى النفي ; لأن معنى ما تقدم ليس لهم في تقلبهم في البلاد كبير الانتفاع , لكن المتقون لهم الانتفاع الكبير والخلد الدائم .فموضع " لكن " رفع بالابتداء .وقرأ يزيد بن القعقاع " لكن " بتشديد النون .

نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نزلا مثل ثوابا عند البصريين , وعند الكسائي يكون مصدرا .الفراء : هو مفسر .وقرأ الحسن والنخعي " نزلا " بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين , وثقله الباقون .والنزل ما يهيأ للنزيل , والنزيل الضيف .قال الشاعر : نزيل القوم أعظمهم حقوقا وحق الله في حق النزيل والجمع الأنزال .وحظ نزيل : مجتمع .والنزل : أيضا الريع ; يقال ; طعام كثير النزل والنزل .قلت : ولعل النزل - والله أعلم - ما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الحبر الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هم في الظلمة دون الجسر ) قال : فمن أول الناس إجازة ؟

قال : ( فقراء المهاجرين ) قال اليهودي : فما تحفتهم حين يدخلون الجنة ؟

قال ( زيادة كبد النون ) قال : فما غذاؤهم على إثرها ؟

فقال : ( ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها ) قال : فما شرابهم عليه ؟

قال : ( من عين فيها تسمى سلسبيلا ) وذكر الحديث .قال أهل اللغة : والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه .والطرف محاسنه وملاطفه , وهذا مطابق لما ذكرناه في النزل , والله أعلم .وزيادة الكبد : قطعة منه كالأصبع .قال الهروي : " نزلا من عند الله " أي ثوابا .وقيل رزقا .

وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ أي مما يتقلب به الكفار في الدنيا .والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأما المتقون لربهم، المؤمنون به- فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها } فلو قدر أنهم في دار الدنيا، قد حصل لهم كل بؤس وشدة، وعناء ومشقة، لكان هذا بالنسبة إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، والسرور والحبور، والبهجة نزرا يسيرا، ومنحة في صورة محنة، ولهذا قال تعالى: { وما عند الله خير للأبرار } وهم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، فأثابهم البر الرحيم من بره أجرا عظيما، وعطاء جسيما، وفوزا دائما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا ) جزاء وثوابا ، ( من عند الله ) نصب على التفسير وقيل : جعل ذلك نزلا ( وما عند الله خير للأبرار ) من متاع الدنيا .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد العزيز بن عبد الله ، أنا سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبيد بن حنين أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وإن عند رجليه قرظا مصبورا ، وعند رأسه أهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه ، فبكيت فقال : ما يبكيك؟

فقلت : يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله؟

فقال : " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة " ؟

.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لكن الذين اتقوا ربَّهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين» أي مقدرين بالخلود «فيها نُزُلا» وهو ما يعد للضيف ونصبه على الحال من جَنَّاتٍ والعامل فيها معنى الظرف «من عند الله وما عند الله» من الثواب «خير للأبرار» من متاع الدنيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكن الذين خافوا ربهم، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، قد أعدَّ الله لهم جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، هي منزلهم الدائم لا يخرجون منه.

وما عد الله أعظم وأفضل لأهل الطاعة مما يتقلب فيه الذين كفروا من نعيم الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين إثر بيانه لسوء عاقبة الكافرين فقال : { لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا } .وافتتحت الآية الكريمة بحرف " لكن " الذى معناه الاستدراك ، لأن مضمونها ضد الكلام الذى قبلها .

ولكى تكون هناك مقابلة بين عاقبة المشركين الفجار وبين عاقبة المؤمنين الأخيار .والمعنى : هذا هو شأن الكافرين يتقلبون فى البلاد لفترة قصيرة من الزمان هيى مدة حياتهم فى هذه الدنيا الفانية ثم يتركون كل شىء عند موتهم ليلاقوا مصيرهم المحتوم وهو عذاب جهنم الذى لا ينقطع .

.

.

لكن الذين اتقوا ربهم وخافوا مقامه ونهوا أنفسهم عن الهوى ليسوا كذلك فقد أعد الله لهم جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهار المليئة بأنواع المشارب الطيبة اللذيذة ، وهم خالدون فى تلك الجنات خلودا أبديا لا انقطاع له ولا زوال ..

.

فأين مصير أولئك ، الأشرار من مصير هؤلاء الأخيار؟فالآية الكريمة بيان لكمال حسن حال المؤمنين ، إثر بيان سوء عاقبة الكافرين .ثم قال - تعالى - { نُزُلاً مِّنْ عِندِ الله وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } .والنزل : ما يعد للنزيل والضيف لإكرامه والحفاوة به من طعام وشراب وغيرهما .

وهو منصوب على أنه حال من " جنات " لتخصيصها بالوصف ، والعامل فيه ما فى الضرف من معنى الاستقرار .أى لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها حالة كون هذه الجنات منزلا مهيئاً لهم من عند الله - تعالى - على سبيل الإكرام لهم ، والتشريف لمنزلتهم .وقوله { وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } أى ما عند الله من نعيم مقيم لعباده المتقين خير مما يتقلب فيه الكافرون من المتاع القليل الزائل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد بالنزل، والنزل ما يهيأ للضيف وقوله: ﴿ لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ ﴾ يتناول جميع الطاعات، لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات، وعن ترك المأمورات.

واحتج بعض أصحابنا بهذه الآية على الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا، فلابد من الرؤية لتكون خلعة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً  ﴾ وقوله: ﴿ نُزُلاً ﴾ نصب على الحال من ﴿ جنات ﴾ لتخصيصها بالوصف، والعامل اللام، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها أو نزولهم، وقال الفراء: هو نصب على التفسير كما تقول: هو لك هبة وبيعا وصدقة ثم قال: ﴿ وَمَا عِندَ الله ﴾ من الكثير الدائم ﴿ خَيْرٌ لّلأَبْرَارِ ﴾ مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش ﴿ نُزُلاً ﴾ بسكون الزاي، وقرأ يزيد بن القعقاع ﴿ لَكِنِ الذين اتقوا ﴾ بالتشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

النزل والنزل: ما يقام للنازل.

(و) قال أبو الشعراء الضبي: وَكُنَّا إذَا الجَبَّارُ بِالجَيْشِ ضَافَنَا ** جَعَلْنَا الْقَنَا وَالْمُرْهِفَاتِ لَهُ نُزْلاَ وانتصابه إمّا على الحال من جنات لتخصصها بالوصف والعامل اللام، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد، كأنه قيل: زرقاء أو عطاء ﴿ مّنْ عِندِ الله وَمَا عِندَ الله ﴾ من الكثير الدائم ﴿ خَيْرٌ لّلابْرَارِ ﴾ مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش ﴿ نُزُلاً ﴾ بالسكون.

وقرأ يزيد بن القعقاع: (لكنّ الذين اتقوا)، بالتشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ النُّزُلُ والنَّزَلُ: ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وصِلَةٍ، قالَ أبُو الشِّعْرِ الضَّبِّيُّ: وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا ∗∗∗ جَعَلْنا القَنا والمُرْهِفاتِ لَهُ نَزَلا وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ مِن جَنّاتٍ والعامِلُ فِيها الظَّرْفُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، والتَّقْدِيرُ: أُنْزِلُوها نُزُلًا وما عِنْدَ اللَّهِ لِكَثْرَتِهِ ودَوامِهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ لِقِلَّتِهِ وسُرْعَةِ زَوالِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ} عن الشرك {لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نُزُلاٍ} النزل والنزل ما يقام للنازل وهو حال من جنات لتخصصها بالصفة والعامل اللام في لهم أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل رزقاً أو عطاء {مّن عند الله} صفة له {وَمَا عِندَ الله} من الكثير الدائم {خَيْرٌ لّلابْرَارِ} مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل لكن بالتشديد يزيد وهو للاستدراك أي لإبقاء لتمتعهم لكن ذلك للذين اتقوا ونزلت في ابن سلام وغيره من مسلمي أهل الكتاب أو في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم وكانوا على عيسى عليه السلام فأسلموا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ (لَكِنْ) لِلِاسْتِدْراكِ عِنْدَ النُّحاةِ وهو رَفْعُ تَوَهُّمٍ ناشِئٍ مِنَ السّابِقِ، وعِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي لِقَصْرِ القَلْبِ ورَدِّ اعْتِقادِ المُخاطَبِ، وتَوْجِيهُ الآيَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ لَمّا وصَفَ الكُفّارَ بِقِلَّةِ نَفْعِ تَقَلُّبِهِمْ في التِّجارَةِ وتَصَرُّفِهِمْ في البِلادِ لِأجْلِها جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ التِّجارَةَ مِن حَيْثُ هي مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ فاسْتُدْرِكَ أنَّ المُتَّقِينَ وإنْ أخَذُوا في التِّجارَةِ لا يَضُرُّهم ذَلِكَ وأنَّ لَهم ما وُعِدُوا بِهِ، أوْ يُقالُ إنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ تَمَتُّعَ المُتَقَلِّبِينَ قَلِيلًا مَعَ سِعَةِ حالِهِمْ أوْهَمَ ذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَزالُونَ في الجُهْدِ والجُوعِ في مَتاعٍ في كَمالِ القِلَّةِ فَدُفِعَ بِأنَّ تَمَتُّعَهم لِلِاتِّقاءِ ولِلِاجْتِنابِ عَنِ الدُّنْيا، ولا تَمَتُّعَ مِنَ الدُّنْيا فَوْقَهُ؛ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ أبَدِيَّةٍ هي الخُلُودُ في الجَنّاتِ، وعَلى الثّانِي رَدٌّ لِاعْتِقادِ الكَفَرَةِ أنَّهم مُتَمَتِّعُونَ مِنَ الحَياةِ والمُؤْمِنُونَ في خُسْرانٍ عَظِيمٍ، وعَلَّلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ جَعْلَ التَّقْوى في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِالإشْعارِ بِكَوْنِ الخِصالِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ التَّقْوى، والمُرادُ بِها الِاتِّقاءُ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، و(جَنّاتٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ أوْ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، والظَّرْفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، و(خالِدِينَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ) أوْ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِجُمْلَةِ الصِّفَةِ، والعامِلُ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (لَكِنَّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ.

﴿ نُزُلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ النُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ وكَذا النُّزْلُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ أوَّلَ نُزُولِهِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ وصِلَةٍ، قالَ الضَّبِّيُّ: وكُنّا إذا الجَبّارُ بِالجَيْشِ ضافَنا جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ لَهُ نُزْلا ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الزّادِ مُطْلَقًا، ويَكُونُ جَمْعًا بِمَعْنى النّازِلِينَ كَما في قَوْلِ الأعْشى.

أوْ يَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الآيَةِ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، قِيلَ: وأصْلُ مَعْنى النُّزُلِ مُفْرَدًا الفَضْلُ والرَّيْعُ في الطَّعامِ، ويُسْتَعارُ لِلْحاصِلِ عَنِ الشَّيْءِ، ونَصْبُهُ هُنا إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِن (جَنّاتٌ) لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ، والعامِلُ فِيهِ ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ إنْ كانَ بِمَعْنى ما يُعَدُّ إلَخْ، وجَعْلُ الجَنَّةِ حِينَئِذٍ نَفْسَها (نُزُلًا) مِن بابِ التَّجَوُّزِ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذاتِ نُزُلٍ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في (خالِدِينَ) إنْ كانَ جَمْعًا، وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ إنْ كانَ مَصْدَرًا وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى النُّزُولِ أيْ نَزَلُوها نُزُلًا، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ مَصْدَرِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فِيها) أيْ مَنزُولَةً، والظَّرْفُ صِفَةُ (نُزُلًا) إنْ لَمْ تَجْعَلْهُ جَمْعًا، وإنْ جَعَلْتَهُ جَمْعًا فَفِيهِ - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ (نُزُلًا) إيّاها، والثّانِي أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أيْ بِفَضْلِهِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ النُّزُلَ بِالمَعْنى الأوَّلِ، وعَلَيْهِ تَمَسَّكَ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الجَنَّةُ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا فَلا بُدَّ مِن شَيْءٍ آخَرَ يَكُونُ أصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وهو كَما تَرى، نَعَمْ فِيهِ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى أنَّ القَوْمَ ضُيُوفُ اللَّهِ تَعالى وفي ذَلِكَ كَمالُ اللُّطْفِ بِهِمْ.

﴿ وما عِنْدَ اللَّهِ ﴾ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الدّائِمَةِ لِكَثْرَتِهِ ودَوامِهِ ﴿ خَيْرٌ لِلأبْرارِ ﴾ (198) مِمّا يَتَقَلَّبُ فِيهِ الفُجّارُ مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ الزّائِلِ لِقِلَّتِهِ وزَوالِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالأبْرارِ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَما قِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ الصِّفاتِ المَعْدُودَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَما أنَّها مِن قَبِيلِ التَّقْوى، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِمّا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الرُّؤْيَةِ لِأنَّ فِيهِ إيذانًا بِمَقامِ العِنْدِيَّةِ والقُرْبِ الَّذِي لا يُوازِيهِ شَيْءٌ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ، والظَّرْفُ صِلَتُهُ، و(خَيْرٌ) خَبَرُهُ، و ﴿ لِلأبْرارِ ﴾ صِفَةُ (خَيْرٌ) .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (لِلْأبْرارِ) خَبَرًا، والنِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ أيْ والَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مُسْتَقِرٌّ لِلْأبْرارِ، و(خَيْرٌ) عَلى هَذا خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ (لِلْأبْرارِ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ، و(خَيْرٌ) خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ بِحالٍ لِغَيْرِهِ، والفَصْلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِ الحالِ غَيْرُ المُبْتَدَأِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ في الِاخْتِيارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ذكر مرجع المؤمنين ومصيرهم فقال: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ أي اتقوا الشرك والفواحش، ووحّدوا ربهم لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تحتها الانهار خالدين فيها أبداً لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها أبداً نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يقول: ثواباً من عند الله للمؤمنين الموحدين خاصة وَما عِنْدَ اللَّهِ الجنة خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ من الدنيا للمؤمنين المطيعين وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يعني مؤمني أهل الكتاب، معناه مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن آمن بالله فصدق بقوله وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القرآن وصدق وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التوراة والإنجيل، يعني على أنبيائهم، فذكر حالهم وبيّن ثوابهم لكي يرغب غيرهم من أهل الكتاب ليؤمنوا إذا علموا بثوابهم.

ثم نعتهم فقال تعالى: خاشِعِينَ لِلَّهِ أي متواضعين لله، والخشوع أصله التذلل وكذلك الخضوع، وقد فرّق بعض أهل اللغة بين الخشوع والخضوع، فقال الخضوع في البدن خاصة، والخشوع يكون في البدن والبصر والصوت والقلب.

كما قال الله تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [طه: 108] وقال: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ [القلم: 43 المعارج: 44] .

ثم قال تعالى: لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا يعني عرضاً يسيراً كفعل اليهود أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ أي ثوابهم عِنْدَ رَبِّهِمْ الجنة إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي شديد العقوبة، ويقال: سريع الحفظ والتعريف يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا أي اصبروا على البلاء والجهاد وأداء الفرائض، وعن المعاصي وَصابِرُوا مع نبيكم  على عدوكم حتى يدعوا دينهم إلى دينكم، يعني يتركوا الشرك ويدخلوا في الإيمان وَرابِطُوا مع عدوكم ما أقاموا، وهذا قول الكلبي.

وقال عكرمة: اصبروا على البلاء وعلى طاعة الله، وصابروا أهل الضلالة، ورابطوا الخيول.

وقال الزجاج: اصبروا على دينكم وصابروا على عدوكم، ورابطوا أي أقيموا على جهادكم بالحرب وَاتَّقُوا اللَّهَ في جميع ما أمركم ونهاكم.

وقال القتبي: أصل المرابطة أن يربطوا خيولهم في الثغر لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يقول: تفوزون وتأمنون النار وتنجون منها.

ويقال: أصل الفلاح البقاء بالنعمة، ويقال: الفلاح أن يبلغ الإنسان نهاية ما يؤمل، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين آمين.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: نُزُلًا: معناه تَكْرِمَةً.

وقوله تعالى: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ يحتملُ أن يريد: خَيْرٌ مِمَّا هؤلاءِ فيه، من التقلُّب والتنعُّم، ويحتمل أنْ يريد: خَيْرٌ ممَّا هم فيه في الدّنيا، وفي الحديث عنه صلّى الله عليه وسلّم:

«الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمِنِ/، وَجَنَّةُ الكَافِرِ» «١» قال القاضِي ابْنُ الطَّيِّب: هذا بالإضافة إلى ما يصير إلَيْه كلُّ واحد منْهما في الآخرةِ، وقيل: المعنى أنها سِجْنُ المؤمن لأنها موضعُ تَعَبِهِ في الطاعة.

وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ، قال جابر بن عبد اللَّه وغيره: هذه الآيةُ نَزَلَتْ بسبب أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ سُلْطَانِ الحبشة، آمن باللَّه، وبمحمَّد- عليه السلام-، وأصحمة «٢» : تفسيره بالعربيّة:

عَطِيَّة قاله سفيان وغيره، وقال قومٌ: نزلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ «١» ، وقال ابنُ زَيْدٍ ومجاهدٌ: نَزَلَتْ في جميعِ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب «٢» .

وقوله سبحانه: لاَ يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا: مدحٌ لهم، وذَمٌّ لسائر كفَّار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم مكاسبَ الدُّنْيا على آخرتهم، وعلى آياتِ اللَّهِ سُبْحانه، ثم خَتَمَ اللَّه سُبْحانه السُّورة بهذه الوَصَاةِ التي جَمَعَتِ الظُّهورَ في الدنيا علَى الأعداء، والفَوْزَ بنعيمِ الآخرةِ، فحضَّ سبحانه على الصبْرِ على الطاعات، وعنِ الشهواتِ، وأَمَرَ بالمصابرةِ، فقيل: معناه مصابرةُ الأعداء قاله زيدُ بْنُ أسلم «٣» ، وقيل: معناه مصابَرَةَ وعْدِ اللَّهِ فِي النَّصْر قاله محمدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ «٤» ، أي: لا تسأَمُوا وانتظروا الفرج، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:

«انتظار الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ» «٥» .

قال الفَخْر «٦» : والمصابرةُ عبارةٌ عن تحمُّل المكارِهِ الواقعة بَيْن الإنسان، وبَيْن الغَيْر.

انتهى.

وقوله: وَرابِطُوا: معناه عند الجُمْهُور: رَابِطُوا أعداءكم الخَيْلَ، أي: ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، قلْتُ: وروى مسلمٌ في «صحيحه» ، عن سلمان، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وإنْ مَاتَ جرى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّان» «٧» ، وخَرَّجَ الترمذيُّ، عن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ على عَمَلِهِ إلاَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فإنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ» ، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن

صحيحٌ «١» ، وخرَّجه أبو داود بمعناه، وقال: «ويُؤْمَنُ مِنْ فَتَّانِي القَبْرِ» «٢» ، وخرَّجه ابنُ ماجة بإسناد صحيح، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ: «مَنْ مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَجْرَى اللَّهُ عَلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، وأجرى عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ، وَيَبْعَثُهُ اللَّهُ آمناً مِنَ الفَزَعَ» «٣» ، وروى مسلم والبخاريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا» «٤» .

انتهى.

وجاء في فَضْل الرباطِ أحاديثُ كثيرةٌ يطُولُ ذكْرها.

قال صاحبُ «التَّذْكرة» : وروى أبيُّ بن كَعْب، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان- أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ عند الله وأعظم أجرا» ، أراه قال:

«من عِبَادَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ، صِيَامِهَا، وقِيَامِهَا ...

» «٥» الحديثَ ذكره القرطبيُّ مسنداً.

انتهى.

والرباط: هو الملازمةُ في سَبيلِ اللَّهِ أصلها مِنْ رَبَطَ الخَيْلَ، ثم سُمِّيَ كلُّ ملازمٍ لثَغْرٍ من ثُغُور الإسلام/ مرابطاً، فارساً كان أو راجلاً، واللفظةُ مأخوذةٌ من الرَّبْط، قلْتُ:

قال الشيخُ زيْنُ الدينِ العِرَاقِيُّ في «اختصاره لغريب القرآن» لأبي حَيَّان: معنى: رابطوا:

دُومُوا واثبتوا، ومتى ذكَرْتُ العِرَاقِيَّ، فمرادِي هذا الشيخُ.

انتهى.

وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» ، أنَّ هذه الآيةَ: اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا، إنما نزلَتْ في انتظار الصَّلاةِ خَلْفَ الصلاة قاله أبو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ولم يكُنْ يومئذٍ عَدُوٌّ يرابَطُ فيه «١» .

انتهى.

وقوله سبحانه: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: ترجٍّ في حقِّ البَشَر، والحمد لله حقّ حمده.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "لَكِنْ" بِالتَّشْدِيدِ هاهُنا، وفي (الزُّمَرِ) قالَ مُقاتِلٌ: وحَّدُوا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "النُّزُلُ" الثَّوابُ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ: "النُّزُلُ": ما يُهَيَّأُ لِلنَّزِيلِ، والنَّزِيلُ: الضَّيْفُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ ﴾ ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلا مِن عِنْدِ اللهِ وما عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ ﴾ نَزَلَتْ "يَغُرَّنَّكَ" في هَذِهِ الآيَةِ، مَنزِلَةَ: لا تَظُنَّ أنَّ حالَ الكُفّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ المُغْتَرَّ فارِحٌ بِالشَيْءِ الَّذِي يَغْتَرُّ بِهِ، فالكُفّارُ مُغْتَرُّونَ بِتَقَلُّبِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ مُهْتَمُّونَ بِهِ، لَكِنَّهُ رُبَّما يَقَعُ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لِلْكُفّارِ إنَّما هو لِخَيْرٍ لَهُمْ، فَيَجِيءُ هَذا جُنُوحًا إلى حالِهِمْ ونَوْعًا مِنَ الاغْتِرارِ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ "لا يَغُرَّنَّكَ".

ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ: "لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوضَأ مِنكِ وأحَبَّ إلى رَسُولِ اللهِ  .

المَعْنى، لا تَغْتَرِّي بِما يَتِمُّ لِتِلْكَ مِنَ الإدْلالِ فَتَقَعِي فِيهِ فَيُطَلِّقُكِ النَبِيُّ  .

والخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، والمُرادُ أُمَّتُهُ، ولِلْكُفّارِ في ذَلِكَ حَظٌّ، أيْ: لا يَغُرَّنَّهم تَقَلُّبُهم.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: "لا يَغُرَّنْكَ" بِسُكُونِ النُونِ خَفِيفَةً، وكَذَلِكَ "لا يَصُدَّنْكَ" و"لا يَصُدَّنْكُمْ" و"لا يَضُرَّنْكُمْ".

وشَبَهَهُ.

والتَقَلُّبُ: التَصَرُّفُ في التِجاراتِ والأرْباحِ والحُرُوبِ وسائِرِ الآمالِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قِلَّةِ ذَلِكَ المَتاعِ، لِأنَّهُ مُنْقَضٍ صائِرٌ إلى ذُلٍّ وقِلٍّ وعَذابٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "لَكِنَّ الَّذِينَ" بِشَدِّ النُونِ، وعَلى أنَّ "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ اسْمٌ لِـ "لَكِنَّ".

و"نُزُلًا": مَعْناهُ تَكْرِمَةً ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "نُزْلًا" ساكِنَةَ الزايِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَيْرٌ مِمّا هَؤُلاءِ فِيهِ مِنَ التَقَلُّبِ والتَنَعُّمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَيْرٌ مِمّا هم فِيهِ في الدُنْيا.

وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَإنَّهُ قالَ: ما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، أمّا الكافِرُ فَلِئَلّا يَزْدادَ إثْمًا، وأمّا المُؤْمِنُ فَلِأنَّ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "الدُنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ".» فَقالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ: هَذا إنَّما هو بِالإضافَةِ إلى ما يَصِيرُ إلَيْهِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في الآخِرَةِ، فالدُنْيا عَلى المُؤْمِنِ المُنَعَّمِ سِجْنٌ بِالإضافَةِ إلى الجَنَّةِ، والدُنْيا لِلْكافِرِ الفَقِيرِ المُضَيَّقِ عَلَيْهِ في حالِهِ وصِحَّتِهِ جَنَّةٌ بِالإضافَةِ إلى جَهَنَّمَ.

وقِيلَ: المَعْنى أنَّها سِجْنُ المُؤْمِنِ لِأنَّها مَوْضِعُ تَبِعَةٍ في الطاعاتِ وصَوْمِهِ وقِيامِهِ، فَهو فِيها كالمُعْنَتِ المُنَكَّلِ، ويَنْتَظِرُ الثَوابَ في الأُخْرى الَّتِي هي جَنَّتُهُ؛ والدُنْيا جَنَّةُ الكافِرِ لِأنَّها مَوْضِعُ ثَوابِهِ عَلى ما عَسى أنْ يَعْمَلَ مِن خَيْرٍ، ولَيْسَ يَنْتَظِرُ في الآخِرَةِ ثَوابًا، فَهَذِهِ جَنَّتُهُ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي كالتَفْسِيرِ والشَرْحِ لِلْأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض في أثناء هذه الخاتمة، نشأ عن قوله: ﴿ فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ [آل عمران: 195] باعتبار ما يتضمّنه عدَمُ إضاعة العمل من الجزاء عليه جزاء كاملاً في الدنيا والآخرة، وما يستلزمه ذلك من حرمان الذين لم يستجيبوا لداعي الإيمان وهم المشركون، وهم المراد بالذين كَفَروا كَمَا هو مصطلح القرّاء.

والخطاب لغير معيّن ممّن يُتوهّم أن يغرّه حسن حال المشركين في الدنيا.

والغَرّ والغرور: الإطماع في أمر محبوب على نيّة عدم وقوعه، أو إظهار الأمر المضرّ في صورة النافع، وهو مشتقّ من الغرّة بكسر الغين وهي الغفلة، ورجل غِرّ بكسر الغين إذا كان ينخدع لمن خادعه.

وفي الحديث: " المؤمن غرّ كريم " أي يظنّ الخير بأهل الشرّ إذا أظهروا له الخير.

وهو هنا مستعار لظهور الشيء في مظهر محبوب، وهو في العاقبة مكروه.

وأسند فعل الغرور إلى التقلّب لأنّ التقلّب سببه، فهو مجاز عقليّ، والمعنى لا ينبغي أن يغرّك.

ونظيره: «لا يفتننّكم الشيطان».

و(لا) ناهية لأنّ نون التوكيد لا تجيء مع النفي.

وقرأ الجمهور: لا يَغُرّنَّك بتشديد الراء وتشديد النون وهي نون التوكيد الثقيلة؛ وقرأها رويس عن يعقوب بنون ساكنة، وهي نون التوكيد الخفيفة.

والتقلّب: تصرّف على حسب المشيئة في الحروب والتجارات والغرس ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿ ما يجادل في آيات الله إلاّ الذين كفروا فلا يَغْرُرْك تَقَلُّبُهم في البلاد ﴾ [غافر: 4].

والبلاد: الأرض.

والمتاعُ: الشيء الذي يشتري للتمتّع به.

وجملة ﴿ متاع قليل ﴾ إلى آخرها بيان لجملة ﴿ لا يغرنك ﴾ .

والمتاع: المنفعة العاجلة، قال تعالى: ﴿ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ﴾ [آل عمران: 185].

وجملة ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم ﴾ إلى آخرها افتتحت بحرف الاستدراك لأنّ مضمونها ضدّ الكلام الذي قبلها لأنّ معنى ﴿ لا يغرنّك ﴾ إلخ وصف ما هم فيه بأنّه متاع قليل، أي غير دائم، وأنّ المؤمنين المتّقين لهم منافع دائمة.

وقرأ الجمهور: لكنْ بتخفيف النون ساكنة مخفَّفة من الثقيلة وهي مهملة، وقرأه أبو جعفر بتشديد النون مفتوحة وهي عاملة عمل إنَّ.

والنُزُل بضم النون والزاي وبضمّها مع سكون الزاي ما يعدّ للنزيل والضيف من الكرامة والقِرى، قال تعالى: ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون نزلاً من غفور رحيم ﴾ [فصلت: 31، 32].

و (الأبرار) جمع البَرّ وهو الموصوف بالمبرّة والبِرّ، وهو حسن العَمل ضدّ الفجور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَإنَّ النَّبِيَّ  لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِاغْتِرارُ فَكَيْفَ خُوطِبَ بِهَذا؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إنَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ تَأْدِيبًا وتَحْذِيرًا.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا يَغُرَّنَّكَ أيُّها السّامِعُ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ.

وَفي تَقَلُّبِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَقَلُّبَهم في نَعِيمِ البِلادِ.

والثّانِي: تَقَلُّبُهم غَيْرَ مَأْخُوذِينَ بِذُنُوبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا ﴾ تقلب ليلهم ونهارهم وما يجري عليهم من النعم ﴿ متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾ قال عكرمة: قال ابن عباس: أي بئس المنزل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد ﴾ يقول ضربهم في البلاد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: والله ما غروا نبي الله، ولا وكل إليهم شيئاً من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك.

قوله تعالى: ﴿ وما عند الله خير للأبرار ﴾ .

أخرج البخاري في الأدب المفرد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: إنما سماهم الله أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق.

وأخرجه ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعاً.

والأول أصح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: ﴿ الأبرار ﴾ الذين لا يؤذون الذر.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ وما عند الله خير للأبرار ﴾ قال: لمن يطيع الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ﴾ الآية.

قد ذكرنا التخفيفَ والتشديد في ﴿ لَكِنِ ﴾ (١) ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ (٢) (٣) (٤) ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ تَضَمَّنَ: ما لَهُم كثيرُ انتفاع؛ فجاء على ذلك: ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ﴾ لَهُمْ (٥) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ .

المعنى: مِنْ تحتِ أشجارِهَا وقصورها وأبْنِيَتِها.

وقوله تعالى: ﴿ نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ النُّزُلُ (٦) ويقال: (أقمت لهم نُزُلَهم) ، أي: أقمت لهم غذاءَهم (٧) (٨) (٩) وقال الكَلْبيُّ في تفسيره (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقال الفرّاء (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾ أي: مما يَتَقَلَّبُ (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (١) قرأ أبو جعفر بتشديد النون المفتوحة.

وقرأ الباقون بالتخفيف.

انظر: "المبسوط" لابن مهران 151، و "تفسير الثعلبي" 3/ 175ب، و"زاد المسير" 1/ 532، و"النشر" 2/ 247.

(٢) سورة البقرة:102.

وانظر: "الحجة" للفارسى 2/ 169 - 180.

(٣) في (ج): (معناه) بدون واو.

(٤) (أن): ساقطة من (ج).

(٥) (لهم): زيادة من (ب).

(٦) النُّزُل، والنُّزْل -بضم الزاي وتسكينها.

انظر: "القاموس المحيط" (1062) (نزل).

(٧) في (ج): (عداوهم).

(٨) من قوله: (أقمت ..) إلى (..

ينزلوا عليه): هو نص قول الزجاج في: "معاني القرآن" له 4/ 306 عند تفسير الآية 62 من سورة الصافات ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا ﴾ .

(٩) انظر هذا المعنى، وبقية المعاني و (نزل) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3555، و"المقاييس" 5/ 417، و"مفردات ألفاظ القرآن" 800، و"اللسان" 7/ 4400.

(١٠) في (أ)، (ب): (تفسير)، والمثبت من (ج).

وقد أورد قوله هذا: الثعلبي في: "تفسيره": 3/ 175 ب وورد في: "زاد المسير" 1/ 532، ونسبه إلى ابن عباس.

ويبدو أنه من رواية الكلبي عنه.

(١١) انظر: "بحر العلوم" 1/ 325، و"تفسير البغوي" 2/ 154.

(١٢) أي: المفعول المطلق.

(١٣) في "معاني القرآن" له 1/ 501.

نقله عنه بنصه.

(١٤) مؤكد: ليس في "معاني القرآن".

(١٥) (أو نزولهم): ليس في "معاني القرآن".

(١٦) في "معاني القرآن" له 1/ 251.

نقله عنه بتصرف.

(١٧) (التفسير) من مصطلحات الكوفيين.

وهو (التمييز) عند البصريين، ويقال له كذلك: التبيين.

وقد يُطلِقُ الفراءُ (التفسير) على المفعول لأجله، أو على بدل المطابقة.

ولكنهما ليسا مرادان في هذا الموضع.

انظر: "همع الهوامع" 3/ 62.

و"دراسة في النحو الكوفي" 266 - 228، و"النحو وكتب التفسير" 1/ 189، 190.

(١٨) في (أ): (ينقلب).

وفي (ج): غير معجمة.

والمثبت من (ب)؛ لأنها أولى وأليق بالمعنى.

وكذا وردت في: "الكشاف" 1/ 491، و"تفسير القرطبي" 4/ 322، و"تفسير البيضاوي" 1/ 83 (١٩) من قوله: (والأبرار ..) إلى (للتضعيف) نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 501.

(٢٠) (وأصله برر): ساقط من (ج).

(٢١) في (ج): (وأدغم).

(٢٢) في "الصحاح"، و"اللسان"، و"المصباح المنير"، و"التاج": أن (الأبرار) جمع (بَرٍّ).

و (بَرَرَة) جمع (بارٍّ).

انظر: (بر) في: "الصحاح" 2/ 588، و"اللسان" 1/ 253، و"المصباح" 17، و"التاج" 6/ 701.

وعند الراغب: أن (أبرار) جمع (بار).

و (بَرَرَة) جمع (بَرٍّ).

انظر: "مفردات ألفاظ القرآن": 115.

وتبعه الفيروزآبادى في "بصائر ذوي التمييز" 2/ 213.

وانظر: "البرهان" للزركشي 4/ 18، و"عمدة الحفاظ" 45.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ ﴾ الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي: لا تظنوا أن حال الكفار في الدنيا دائمة فتهتموا لذلك، وأنزل لا يغرنك منزلة لا يحزنك ﴿ متاع قَلِيلٌ ﴾ أي تقلبهم في الدنيا قليل؛ بالنظر إلى ما فاتهم في الآخرة ﴿ نُزُلاً ﴾ المنصوب على الحال من جنات أو على المصدرية ﴿ لِّلأَبْرَارِ ﴾ جمع بار وبر، ومعناه العاملون بالبر، وهي غاية التقوى والعمل الصالح، قال بعضهن: الأبرار؛ هم الذين لا يؤذون أحداً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الأبرار ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة غير خلاد ورجاء.

والكسائي والنجاري عن ورش، وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وكذلك كل ما تكرر فيه الراء غير ابن مجاهد والنقاش في جميع القرآن.

﴿ وقتلوا وقاتلوا ﴾ حمزة وعلي وخلف، وقرأ ابن كثير وابن عامر ﴿ وقتلوا ﴾ مشدداً.

الباقون: ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ مخففاً.

﴿ لا يغرنك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس.

الباقون بالتشديد ﴿ نزلاً ﴾ حيث كان بالاختلاس عباس.

الوقوف: ﴿ الألباب ﴾ ج لاحتمال الذين صفة أو مستأنفاً نصباً أو رفعاً على المدح بتقدير أعني الذين أو هم الذين والوصل أشهر.

﴿ والأرض ﴾ ج لحق المحذوف أي يقولون ربنا.

﴿ باطلاً ﴾ ج للابتداء بسبحانك تعظيماًَ وإلا فالقول متحد وفاء التعقيب متعقب.

﴿ النار ﴾ ه ﴿ أخزيته ﴾ ط ﴿ أنصار ﴾ ه ﴿ فآمنا ﴾ قف قتيل: والوصل أولى لأن كلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار لمزيد الابتهال، وقوله: ﴿ فاغفر لنا ﴾ معطوف على ﴿ آمنا ﴾ أي إذا آمنا فاغفر.

﴿ الأبرار ﴾ ه ج للآية وللعطف.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ الميعاد ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ج لاتحاد الكلام وإلا فبعضكم مبتدأ ﴿ من بعض ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ز لأن ﴿ ثواباً ﴾ مفعول له أو مصدر.

﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ الثواب ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ط لأن التقدير لهم متاع أو ذلك متاع.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ للأبرار ﴾ ه ﴿ لله ﴾ لا لأن ما بعده حال آخر ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه لما طال الكلام في تقرير القصص والأحكام عاد إلى ما هو الغرض / الأصلي من هذا الكتاب الكريم وهو جذب القلوب والإسرار بذكر ما يدل على التوحيد والكبرياء، عن ابن عمر "قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله  .

فبكت وأطالت ثم قالت: كل أمره عجب.

أتاني في ليلتي فدخل في لحافي، حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي؟

فقلت: يا رسول الله إني لأحب قربك وأحب هواك قد أذنت لك.

فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر من صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حقوية، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه وجعل يبكي ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه فقد بلت الأرض.

فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال له: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟

ثم قال: وما لي لا أبكي وقد أنزل الله عليّ في هذه الليلة ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها" .

وعن علي "أن النبي  كان إذا قام من الليل يتسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ " واعلم أنه ذكر في سورة البقرة أن في خلق السموات والأرض إلى أن عد ثمانية دلائل، وههنا اقتصر منها على الثلاثة الأول تنبيهاً على أن العارف بعد استكمال المعرفة لا بد له من تقليل الدلائل ليكمل له الاستغراق في معرفة المدلول، فإن البصيرة إذا التفتت إلى معقول عسر عليها الالتفات إلى آخر كالبصر إذا حدّق إلى مرئي امتنع تحديقه نحو آخر، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ فاخلع نعليك  ﴾ يعني المقدمتين اللتين وصلت بهما إلى النتيجة وهو وادي قدس الوحدانية.

وإنما وقع الاقتصار على الدلائل السماوية لأنها أقهر وأبهر، والعجائب فيها أكثر، وانتقال النفس منها إلى عظمة الله أيسر.

وإنما قال في تلك السورة ﴿ لآيات لقوم يعقلون  ﴾ وفي هذه السورة ﴿ لآيات لأولي الألباب ﴾ لأن العقل له ظاهر ولب، ففي أول الأمر يكون عقلاً وفي كمال الحال يكون لباً.

وباقي التفسير قد مرهناك.

ثم بعد دلائل الإلهية ذكر وظائف العبودية وهي أن يكون باللسان وسائر الأركان وبالجنان مع الرحمن.

فقوله: ﴿ الذين يذكرون الله ﴾ إشارة إلى عبودية اللسان.

وقوله: ﴿ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ وهو في موضع حال آخر أي معتمدين على الجنب إشارة إلى عبودية سائر الجوارح والأركان.

والمراد أنهم ذاكرون في أغلب أحوالهم كما قال  : " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله " وقيل: المراد بالذكر ههنا الصلاة أي يصلون في حال القيام فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاعتماد.

وهذا موافق لمذهب الشافعي في ترتيب صلاة المريض العاجز ويوافق بحثاً طبياً، وهو أن الاستلقاء يمنع من استكمال الفكر والتدبر بخلاف الاضطجاع على الجنب.

والصلاة إذا كانت عن فكر وتدبر كانت أولى، ولأن الاستغراق في النوم يكون في هيئة الاستلقاء أكثر فذاك وضع الغافلين.

وقال أبو حنيفة: بل يصلي مستلقياً إن عجز عن القعود حتى لو وجد خفة قعد.

وقوله: ﴿ ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ إشارة إلى عمل الجنان.

وقد عرفت معنى الفكر في البحث الخامس من تفسير قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وإنما لم يقل و "يتفكرون في الله" كما قال: ﴿ يذكرون الله ﴾ لقوله  : " تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" " والسبب فيه أن الاستدلال بالخلق على الخالق لا يمكن وقوعه على نعت المماثلة وإنما يمكن على نعت المخالفة، فإنا نستدل بحدوث هذه المحسوسات على قدم خالقها، وبإمكانها على وجوبه، وبافتقارها على غناه.

فالفكر في المخلوقات ممكن وفي الخالق غير ممكن، كيف وإن الفكر ترتيب المقدمات على وجه متنج، والمقدمة لها موضوع ومحمول لا بد من تصورهما، وتصوره  محال لأن تصور الشيء عبارة عن حصول صورته في النفس، فتكون الصورة محاطة والنفس محيطة بها، ولا يحيط بالواجب شيء ألا إنه بكل شيء محيط، لكنه إذا تفكر في مخلوقاته ولا سيما السموات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما عليها من البحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان، عرف أوّلاً أن لها رباً وصانعاً فيقول: ﴿ ربنا ﴾ .

ثم يعترف بأن في كل من ذلك حكماً ومقاصد وفوائد لا يحيط بتفاصيلها إلا موجدها فيقول: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم إذا قاس أحوال هذه المصنوعات إلى صانعها علم أن ذاته  منزه عن مشابهة شيء من هذه المصنوعات فيعلم أنه ليس بجوهر ولا عرض ولا مركب ولا مؤلف ولا في حيز وجهة فيقول: ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك عما لا يليق بلك من مناسبة الجواهر والأعراض.

ثم إذا بلغ من الاستغراق في بحار العظمة والجلال هذا المبلغ وجد نفسه ذرة من ذرات الكائنات واقعة في حضيض عالم البشرية محاطة بالطبائع والأركان، فيتضرع إلى خالق السموات والأرض أن يخلصه من قيد العناصر ويعرج به من الأرض ويقيه عذاب كرة النار ويوصله إلى معارج السموات وذلك قوله ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ ، ثم ذكر سبب الاستعاذة من النار بقوله: ﴿ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ أي أبلغت في إخزائه نظيره قوله: ﴿ فقد فاز  ﴾ وفي كلامهم: من أدرك مرعى الصمان فقد أدرك.

ثم توسل إلى ما سأل بالإيمان بمحمد  وذلك قوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ﴾ الآية.

فهذا بيان وجه النظم في هذه الكلمات والآيات على وجه / " "ألقى في روعي " والله أعلم بأسرار كلامه.

عن النبي  : " "بينما رجل مستلق على فراشه إذا رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له " وعنه  : " لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض" قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض.

وعنه  : " "لا عبادة كالتفكر" وهذا إشارة إلى لفظ الخلق على أنه بمعنى المخلوق أو إلى السموات والأرض بتأويل المخلوق.

وفي كلمة ﴿ هذا ﴾ ضرب من التعظيم كأنه لعظم شأنه معقود به الهمم حتى صار حاضراً في خزانة الخيال.

و ﴿ باطلاً ﴾ نصب على المصدر أي خلقاً باطلاً أو على الحال، وقيل.

بنزع الخافض أي بالباطل أو للباطل.

قالت المعتزلة: فيه دليل على أن كل ما يفعله الله  فهو إنما يفعله لغرض الإحسان إلى العبد ولأجل حكمة وغاية.

وقوله: ﴿ سبحانك ﴾ جملة معترضة تنزيهاً له من العبث وأن يخلق شيئاً بغير حكمة.

فوجه النظم في قوله: ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ أن الحكمة في خلق الأرض والسموات أن يجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفته ووجوب طاعته واجتناب معصيته، والنار جزاء من عصى ولم يطع.

وقالت الأشاعرة: الدليل الدال على أن أحد طرفي الممكن لا يترجح إلا بمرجح عام، وذلك المرجح لا بد أن ينتهي إلى الله  ، فإذن الخير والشر والأفعال كلها بقضاء الله وقدره، فلا يمكن أن تعلل أفعال الله بمصالح العباد بل له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء.

والباطل في اللغة الذاهب الزائل.

الذي لا يكون له قوّة ولا صلابة فيكون بصدد التلاشي والاضمحلال.

والمراد أن خلقهما خلق محكم متقن كقوله: ﴿ وبنينا فوقكم سبعاً شداداً  ﴾ ﴿ هل ترى من فطور  ﴾ ومعنى ﴿ سبحانك ﴾ أنك وإن خلقتهما في غاية شدة التركيب وبصدد البقاء إلا أنك غني عن الاحتياج إليهما، منزه عن الانتفاع بهما.

ثم لما وصف ذاته  بالغنى أقر لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدنيا والآخرة فقال ﴿ فقنا عذاب النار ﴾ واحتج حكماء الإسلام بالآية على أنه  خلق الأفلاك والكواكب وأودع في كل واحد منها قوى مخصوصة، وجعلها بحيث يحصل من حركتها واتصال بعضها ببعض مصالح هذا العالم ومنافع قطان العالم السفلي.

قالوا: لأنها لو لم تكن كذلك لكانت باطلة، ولا يمكن أن تقصر منافعها على الاستدلال بها على الصانع لأن كل ذرة من ذرات الهواء والماء يشاركها في ذلك، فلا تبقى لخصوصياتها فائدة وهو خلاف النص.

وناقشهم المتكلمون في ذلك وقالوا: إن الفلكيات أسباب للأرضيات على مجرى / العادة لا على سبيل الحقيقة.

والإنصاف في هذا المقام أن وجود الوسائط لا ينافي استناد الكل إلى مسبب الأسباب، وأن كون أفعال الله  مستتبعة لمصالح العباد لا ينافي جريان الأمور كلها بقضائه وقدره.

ثم إنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك ما يدل على عظم ذلك العقاب وهو الإخزاء ليدل على شدة إخلاصهم وجدهم في الهرب من ذلك فيكون أقرب إلى الاستجابة، كما أنهم قدموا الثناء على الله بقولهم: ﴿ سبحانك ﴾ على الطلب ليكون أقرب إلى الأدب وأحرى بالإجابة، وكل ذلك تعليم من الله  عباده في حسن الطلب.

قال الواحدي: الإخزاء جاء لمعان متقاربة.

عن الزجاج: أخزى الله العدوّ أي أبعده.

وقيل: أهانه.

وقيل: فضحه.

وقيل: أهلكه.

وقال ابن الأنباري: الخزي في اللغة الهلاك بتلف أو انقطاع حجة أو بوقوع في بلاء.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة ليس بمؤمن لأنه إذا دخل النار فقد أخزاه الله والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه  ﴾ وأجيب بأنه لا يلزم من أن لا يكون من آمن وهو مع النبي  مخزي أن لا يكون غيره وهو مؤمن مخزي.

وأيضاً الآية ليست على عمومها لقوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا  ﴾ فثبت أن كل من دخل النار فإنه ليس بمخزي.

وعن سعيد بن المسيب والثوري أن هذا في حق الكفار الذين أدخلوا النار للخلود.

وأيضاً إنه مخزي حال دخوله وإن كانت عاقبته الخروج.

وقوله: ﴿ يوم لا يخزي  ﴾ نفى الخزي على الإطلاق والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة وهي نفي الخزي المخلد.

ويحتمل أن يقال: الإخزاء مشترك بين التخجيل وبين الإهلاك، وإذا كان المثبت هو الأول والمنفي هو الثاني لم يلزم التنافي.

واحتجت المرجئة بالآية على أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار لأنه مؤمن لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ ولقوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ والمؤمن لا يخزى لقوله: ﴿ يوم لا يخزي الله النبي  ﴾ والمدخل في النار مخزي بهذه الآية.

والمقدمات بأسرها يدخلها المنع.

أما الأولى فباحتمال أن لا يسمى بعد القتل مؤمناً وإن كان قبله مؤمناً، وأما الأخريان فبخصوص المحمول وجزئيه الموضوع كما تقرر آنفاً.

وقد يتمسك حكماء الإسلام بهذا في أن العذاب الروحاني أشد لأنه بين سبب الاستعاذة بالإخزاء الذي هو التخجيل وهو أمر نفساني.

وقد يتمسك المعتزلة بقوله: ﴿ وما للظالمين ﴾ أي الداخلين في النار ﴿ من أنصار ﴾ أي في نفي الشفاعة للفساق لأنها نوع نصرة، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع.

والجواب أن الظالم على الإطلاق هو الكافر لقوله: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ في [البقرة:254] وأيضاً لا تأثير للشفاعة إلا بإذن الله فيؤول معنى الآية إلى أن الأمر يومئذٍ لله.

وعلى هذا ففائدة تخصيص الظالمين بهذا الحكم أنه وعد المتقين الفوز فلهم هذه الحجة بخلاف الفساق.

وأيضاً أدلة الشفاعة مخصصة لعموم الآية.

قالوا: الفاسق لا يخرج من النار وإلا كان مخرجه ناصراً له.

وعورض بالآيات الدالة على العفو ﴿ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي ﴾ تقول: سمعت رجلاً يتكلم بكذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع اكتفاء بما وصفته به، أو جعلته حالاً عنه.

والمنادي عند الأكثرين هو رسول الله  ﴿ ادع إلى سبيل ربك  ﴾ ﴿ أدعوا إلى الله  ﴾ ﴿ وداعياً إلى الله  ﴾ وقيل: القرآن كما نسب إليه الهداية في قوله: ﴿ إن هذا القرآن يهدي  ﴾ كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من الدلائل كما قيل في جهنم ﴿ تدعو من أدبر وتولى  ﴾ والفصحاء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ لدلالة تصاريفه قال: يا واضع الميت في قبره *** خاطبك الدهر فلم تسمع ويقال: ينادي إلى كذا ولكذا ودعاه إليه وله وهداه للطريق وإليه فيقام كل من اللام و"إلى" مقام الأخرى نظراً إلى وقوع معنى الانتهاء والاختصاص معاً.

وقال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي سمعنا منادياً للإيمان ينادي كما يقال: جاء مناد للأمير فنادى بكذا.

وقيل: معناه لأجل الإيمان.

ولهذا الغرض فسر بقوله: ﴿ أن آمنوا ﴾ و"أن" مفسرة أو مخففة معناه أي آمنوا أو بأن آمنوا والفائدة في الجمع بين المنادي وينادي للإيمان هي فائدة الإطلاق ثم التقييد والإجمال ثم التفصيل من رفع شأن المطلق والمجمل، وكونه حينئذٍ أوقع في النفس وأعز.

﴿ فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ أصل الغفر والتكفير كلاهما الستر والتعطية.

وأما الذنوب والسيئات فقيل: هما واحد والتكرار للتأكيد والإلحاح، إن الله يحب الملحين في الدعاء.

وقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

وقيل: الأوّل أريد به ما تقدم منهم، والثاني المستأنف.

وقيل: الأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، والثاني ما أتى به مع الجهل بكونه ذنباً ﴿ وتوفنا مع الأبرار ﴾ أي معدودين منهم ومن أتباعهم أو مشاركين لهم في الثواب أو على مثل أعمالهم ودرجاتهم كقول الرجل: أنا مع الشافعي في هذه المسألة أي مساوٍ له في ذلك الاعتقاد.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن العفو غير مشروط بالتوبة لأنهم طلبوا المغفرة بدون ذكر التوبة بل بدون التوبة بدلالة فاء التعقيب في ﴿ فاغفر ﴾ بعد قولهم: ﴿ آمنا ﴾ ثم إنه  أجابهم إلى ذلك بقوله: ﴿ فاستجاب لهم ﴾ ويعلم منه ثبوت شفاعة النبي  لأصحاب الكبائر بالطريق الأولى.

﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا / على رسلك ﴾ أي على تصديق رسلك لأنها مذكورة عقيب ذكر المنادي للإيمان وهو الرسول، وعقيب قوله: ﴿ آمنا ﴾ وهو التصديق، فتكون على صلة للوعد كقولك: وعد الله الجنة على الطاعة.

ويحتمل أن يتعلق بمحذوف أي ما وعدتنا منزلاً على رسلك أو محمولاً على رسلك لأن الرسل يحملون ذلك فإنما عليه ما حمل.

وقيل: على ألسنة رسلك والمتعلق كما ذكر والموعود هو الثواب.

وقيل: النصر على الأعداء.

وإنما دعوا الله بإنجاز ما وعد مع علمهم بأنه لا يخلف الميعاد كما صرحوا به في آخر الأدعية، لأن معظم الغرض من الدعاء إظهار سميا العبودية.

أو المراد وفقنا للأعمال التي بها نصير أهلاً لوعدك، واعصمنا عما بها نكون أهلاً لإخزانك، أو طلبوا تعجيل النصرة على الأعداء.

أو المراد احفظ علينا أسباب إنجاز الميعاد.

وقيل: فيه دليل على أنهم طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق.

ثم إن الثواب منفعة مقرونة بالتعظيم فلهذا ختموا الأدعية بقولهم ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ لأن التخجيل والتفضيح يكدّر صفو كل منٍّ وعطاء.

والحاصل من هذه الآيات أنهم نظروا في المصنوع فعرفوا منه الصانع فقالوا: ﴿ ربنا ﴾ ثم تفكروا في عجيب خلقه وبديع شكله فعرفوا أن صانعه حكيم لا تخلو أفعاله من الفوائد والغايات وإن لم يكن مستكملاً بها فقالوا: ﴿ ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ثم تأملوا في غاية الغايات ونهاية الحركات فوجدوها الإنسان المكلف على ألسنة الرسل، ووجدوا عاقبة التكليف الجنة أو النار فتضرعوا إلى معبودهم في توفيق الوصول إلى الجنة والخلاص من النار، ولأن دفع الضرر أهم من جلب المنفعة فجعلوا أول دعائهم وآخره الاستعاذة من العذاب، ولأن العذاب الروحاني عند العقلاء أشد من العذاب الجسماني فلا جرم وقع الختم على الاستعاذة من الإخزاء، اللهم شاركنا في هذا الدعاء واجعلنا من السعداء المتفكرين في ملكوت الأرض والسماء إنك واهب العطاء وكاشف الغطاء.

عن جعفر الصادق: من حزبه أمر فقال خمس مرات "ربنا" أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد لأن الله  حكى عنهم في هذه الآيات أنهم قالوا خمس مرات "ربنا" ثم قال: ﴿ فاستجاب لهم ربهم ﴾ أي أجابهم ﴿ أني ﴾ أي بأني ﴿ لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ﴾ "من" في ﴿ منكم ﴾ للتبعيض.

لأن كل عامل فرد من أفراد المخاطبين وفي "من" ذكر للتبيين لأن العامل إما ذكر وإما أنثى وإضاعة العمل عبارة عن إضاعة ثوابه ﴿ بعضكم من بعض ﴾ أي يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، فكل واحد منكم من الآخر أي من أصله.

أو المراد بعضكم كأنه من البعض الآخر لفرط اتصالكم واتحادكم كما يقال: فلان مني أي على خلقي وسيرتي.

قال  : " "من غشنا فليس منا " وقيل: المراد وصلة الإسلام.

وهذه جملة معترضة بيّن بها شركة النساء مع / الرجال فيما يرجع إلى استحقاق الثواب على العمل.

روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت.

ثم فصل عمل العامل منهم تفخيماً لشأن العمل وتنويهاً بذكره فقال: ﴿ فالذين هاجروا ﴾ أوطانهم مع الرسول  أو بعده باختيارهم ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ ألجأهم الكفار إلى الخروج ﴿ وأوذوا في سبيلي ﴾ يريد طريق الدين ﴿ وقاتلوا وقتلوا ﴾ من قرأ بالتشديد فللتكثير وتكرر القتل فيهم.

وقيل: أي قطعوا.

ومن قرأ ﴿ قتلوا وقاتلوا ﴾ فإما لأن الواو لا تفيد الترتيب والترتيب الطبيعي: قاتلوا حتى قتلوا.

وإما من قولهم: قتلنا ورب الكعبة إذا ظهرت أمارات القتل وإذا قتل قومه وعشيرته.

وإما بإضمار "قد" أي قتلوا وقد قاتلوا ﴿ لأكفرنّ ﴾ جواب للقسم المقدر ﴿ عنهم سيئاتهم ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم: ﴿ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ﴾ ﴿ ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وهو الذي طلبوه بقولهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ ﴿ ثوباً من عند الله ﴾ وهو الذي طلبوه من الثواب المقرون بالتعظيم بقولهم: ﴿ ولا تخزنا يوم القيامة ﴾ أي ثوباً يختص به وبقدرته وبفضله لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه.يقول الرجل: عندي ما تريد أنا مختص به وبملكه وإن لم يكن بحضرته.

و ﴿ ثواباً ﴾ نصب على المصدر المؤكد أي إثابة أو تثويباً من عنده لأن قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ ﴿ ولأدخلنهم ﴾ في معنى لأثيبنهم.

وقال الكسائي: هو منصوب على القطع أي على الحال.

وقال الفراء: نصب على التفسير كقولك: هو لك هبة أوبيعاً أو صدقة.

ثم ختم بقوله: ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لأنه القادر على كل المقدورات، العالم بكل المعلومات، القاضي جميع الحاجات.

وفي تعليقه حسن الإثابة على احتمال المشاق في دينه والصبر على صعوبة تكاليفه دليل على أن حكمة الله  اقتصت نوط الثواب والجنة بالعمل حتى لا يتكل الناس على فضله بالكلية، ولا يهملوا جانب العمل رأساً.

عن الحسن: أخبر الله  أنه استجاب لهم إلا أنه أتبع ذلك رافع الدعاء وما يستجاب به، فلا بد له من تقديمه بين يدي الدعاء يعني قوله: ﴿ والعمل الصالح يرفعه  ﴾ ثم إنه  لما وعد المؤمنين الثواب العظيم وكانوا في الدنيا في غاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في التنعم، أراد أن يسليهم ويصبرهم فقال: ﴿ لا يغرنك ﴾ والخطاب لكل مكلف يسمعه أي لا يغرنك أيها السامع أو للرسول والمراد الأمة.

قال قتادة: والله ما غرّوا نبي الله حتى قبضه الله وله.

والمراد هو فلعل السبب في عدم اغتراره هو تواتر أمثال هذه الآيات عليه.

قيل: إن مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت.

وقيل: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت.

والمراد بتقلبهم / تبسطهم وتصرفهم في المكاسب والمزارع والمتاجر ذلك التقلب أو الكسب والربح ﴿ متاع قليل ﴾ في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة، أو في جنب ما وعد الله المؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه إذ لا نسبة لمدته إلى ما بين أمدي الأزل والأبد، ومع قلته سبب للوقوع في نار جهنم أبد الآبدين.

والنعمة القليلة إذا كانت سبباً للمضرة العظيمة لم تكن في الحقيقة نعمة ولهذا استدرك وقال ﴿ لكن الذين اتقوا ﴾ الآية، ويدخل في التقوى الأوامر والنواهي.

والنزل ما يعدّ للضيف ويعجل، ومن هنا تمسك به بعض الأصحاب في الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلاَ فلا بد من شيء آخر يكون اصلاً بالنسبة إليها، قلت: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وما عند الله باق  ﴾ إشارة إليه وهو مقام العندية والقرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة.

وقيل: المعنى وما عند الله من الكثير الدائم خير للأبرار مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل، وانتصاب ﴿ نزلاً ﴾ على الحال من ﴿ جنات ﴾ لتخصيصها بالوصف، والعامل معنى الاستقرار في لهم، أو هو مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقاً أو عطاء، أو نصب على التفسير كما قلنا في ﴿ ثواباً ﴾ .

ثم إنه  لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار بين حال مؤمني أهل الكتاب كلهم فقال: ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ وهذا قول مجاهد.

وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقيل: في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى  فأسلموا.

وعن جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة: "نزلت في النجاشي لما مات نعاه جبريل إلى رسول الله  في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله  للأصحاب: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم.

قالوا: ومن هو؟

قال: النجاشي: فخرج رسول الله  إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: استغفروا له.

فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله هذه الآية" .

واللام في ﴿ لمن يؤمن ﴾ لام الابتداء الذي يدخل على خبر "إن" أو على اسمه عند الفصل كما في الآية.

والمراد ﴿ بما أنزل إليكم ﴾ القرآن ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ الكتابان و ﴿ خاشعين لله ﴾ حال من فاعل يؤمن لأن "من" في معنى الجمع فحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى ﴿ لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ﴾ كما يفعله من لم يسلم من أحبارهم ورؤسائهم ﴿ أولئك لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ولا يخفى فخامة شأن هذا الوعد حسبما أشار إليه بقوله: ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ لأنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل المقدورات فيعلم ويعطي ما لكل أحد من جزاء الحسنات والسيئات.

أو المراد سرعة موعد حسابه / فتكون فيه بشارة بسرعة حصول الأجر.

ثم ختم السورة بآية جامعة لأسباب سعادة الدارين، وذلك أن أحوال الإنسان قسمان: الأول ما يتعلق به وحده فأمر فيه بالصبر ويندرج فيه الصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، والصبر على أداء الواجبات والمندوبات والاحتراز عن المنهيات، والصبر على شدائد الدنيا وآفاتها ومخاوفها.

الثاني ما يتعلق بالمشاركة مع أهل المنزل أو المدينة فأمر فيه بالمصابرة، ويدخل فيه تحمل الأخلاق الرديئة من الأقارب والأجانب، وترك الانتقام منهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد مع أعداء الدين بالحجة وبالسيف وباللسان أو بالسنان.

ثم إنه لا بد للإنسان في تكلف أقسام بالصبر والمصابرة من قهر القوى النفسانية البهيمية والسبعية الباعثة على أضداد ذلك، فأمر بالمرابطة من الربط الشدّ.

فكل من صبر على أمر فقد ربط قلبه عليه وألزم نفسه إياه.

ثم لا بد في جميع الأعمال والأقوال من ملاحظة جانب الحق حتى يكون معتداً بها، فلهذا أمر بتقوى الله.

ثم لما تمت وظائف العبودية ختم الكلام على وظيفة الربوبية وهو رجاء الفلاح منه، فظهر أن هذه الآية مشتملة على كنوز الحكم والمعارف وجامعة لآداب الدين والدنيا.

ثم إنها على اختصارها كالإعادة لما تقدم في هذه السورة من الأصول.

وهي: تقرير التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد.

ومن الفروع كأحكام الحج والزكاة والجهاد.

وعن الحسن ﴿ اصبروا ﴾ على دينكم فلا تتركوه بسبب الفقر والجوع ﴿ وصابروا ﴾ عدوّكم فلا تفشلوا بسبب ما أصابكم يوم أحد.وقال الفراء: اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم، فلا ينبغي أن يكونوا أصبر منكم.

وقال الأصم: لما كثرت تكاليف الله  في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها.

ولما كثر ترغيب الله  في الجهاد فيها أمرهم بالمصابرة مع الأعداء.

أما البرابطة ففيها قولان: أحدهما أن يربط هؤلاء خيولهم في الثغور ويربط أولئك أيضاً خيولهم بحيث يكون كل واحد من الخصمين مستعداً لقتال الآخر قال  : ﴿ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم  ﴾ وعن النبي  : " من رابط يوماَ وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة " وثانيهما أنها انتظار الصلاة بعد الصلاة لما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: "لم يكن في زمن رسول الله  غزو يرابط فيه، ولكن انظار الصلاة خلق الصلاة" .

وفي حديث أبي هريرة ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة ثم قال: فذلك الرباط ثلاث مرات والله أعلم.

التأويل: / إن في خلق سموات القلوب وأطوارها، وخلق أرض النفوس وقرارها، واختلاف ليل البشرية وصفاتها، ونهار الروحانية وأنوارها، لآيات لأولي الألباب.الذين عبروا بقدمي الذكر والفكر عن قشر الوجود الجسماني، ووصلوا إلى لب الوجود الروحاني، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر أن لهم وللعالم إلهاً قادراً حياً عليماً سميعاً بصيراً متكلماً مريداً باقياً.

وإنما نالوا هذه المراتب لأنهم يذكرون الله في جميع الأحوال بالظاهر والباطن، ويتفكرون في خلق المصنوعات من البسائط والمركبات، ويقولون ما خلقت هذا باطلاً أي خلقته إظهاراً للحق على الخلق، ووسيلة للخلق إلى الحق.

سبحانك تنزيهاً للحق عن الشبه بالخلق، ﴿ فقنا ﴾ باعد عنا عذاب نار قهرك والبعد عنك، ففيها كل الخزى والندامة والغواية والضلالة.

ثم أخبر عن شرط العبودية في استجلاب فضل الربوبية بقوله: ﴿ ربنا إننا سمعنا ﴾ من هاتف الحق في الغيب بالسمع الحقيقي مناديا ﴿ فاغفر لنا ذنوبنا ﴾ أي كما أسمعتنا النداء بالإرادة القديمة لا بسعي منا قبل أن تخلقنا.

فاغفر لنا بفضلك ورحمتك.

﴿ لا أضيع عمل عامل منكم ﴾ بالظاهر والباطن ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ على قدر همتكم ورجوليتكم ﴿ فالذين هاجروا ﴾ عن الأوطان والأوطار والأعمال السيئة والأخلاق الذميمة ﴿ وأخرجوا من ديارهم ﴾ من معاملات الطبيعة وديارها إلى عالم الحقيقة بسطوات تجلي صفات الربوبية ﴿ وأوذا في ﴾ طلبي بأنواع البلاء ﴿ وقاتلوا ﴾ مع النفس ﴿ وقتلوا ﴾ بسيف الصدق ﴿ لأكفرن عنهم ﴾ سيئات وجودهم ﴿ ولأدخلنهم جنات ﴾ الوصول فيها أشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوّة والمجاهدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والوفاء والطلب والمحبة والحياء والكرم والشجاعة والعلم والحلم والعزة والقدرة والهمة وغيرها من المقامات والأخلاق ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أنهار العناية ﴿ ثواباً ﴾ من مقام العندية ﴿ والله عنده حسن الثواب ﴾ لايكون عند الجنة وغيرها ﴿ وإن من أهل الكتاب ﴾ من علماء الظاهر علماء متقين يكون إيمانه من نتيجة نور الله الذي دخل قلبه، و ﴿ يؤمن بما أنزل إليكم ﴾ من الواردات والإلهامات والكشوف ﴿ وما أنزل إليهم ﴾ من الخواطر الرحمانية ﴿ خاشعين لله ﴾ كما قال  : "إذا تجلى الله لشيء خضع له" ﴿ لا يشترون ﴾ بما أوتوا من العلم والحكمة عرض الدنيا ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ يوصلهم إلى مقام العندية قبل وفاتهم ﴿ اصبروا ﴾ على جهاد النفس بالرياضات ﴿ وصابروا ﴾ في مراقبة القلب عند الابتلاءات ﴿ ورابطوا ﴾ الأرواح للوصل بالله ﴿ واتقوا الله ﴾ في الالتفات إلى ما سواه ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ فتفوزوا بالبقاء بالله وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ : يحتمل تقلبهم وجوهاً.

وذلك نعمة من الله عليهم؛ لترْكِهِم يَتَّجِرون في البلدان مع كفرهم بربهم.

والثاني: أعطاهم أموالاً يتنعمون فيها ويتلذذون.

والثالث: ما أخر عنهم العذاب والهلاك إلى وقت.

يقول: لا يغرنك يا محمد ذلك؛ إنما هو متاع يسير، [و] مصيرهم إلى النار؛ كقوله -  -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 55]؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً...

﴾ الآية [آل عمران: 178].

قال: وليس الاغترار في نفس التقلب؛ لأنه جهد ومشقة؛ ولكن لما فيه من الأمن والسعة والقوة؛ دليله قوله -  -: ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ ، ثم قال: ﴿ لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾ ، وسعيهم للآخرة متاع لا ينقطع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ ﴾ يعني: الشرك.

﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ إلى آخر ما ذكر ﴿ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل أن يكون الأمر ما ذكر في بعض القصّة: أن بعض المؤمنين قالوا: إن الكفار في خصب ورخاء، ونحن في جهد وشدة؛ فنزل: لا يغرنك تقلبهم في ذلك؛ إنما هو متاع قليل، وذلك ثوابهم في الدنيا، وأما ثواب الذين اتقوا ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار ...

إلى آخر ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ يعني: القرآن.

﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ يعني: التوراة.

ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزل في شأن عبد الله بن سَلامٍ وأصحابه: أقرُّوا بأنه واحد لا شريك له، وصدقوا رسوله  وما أنزل عليه ...

الآية.

وقيل: نزل في شأن النجاشي، وروي عن جابر بن عبد الله -  - أن النبي  لما صلى على النجاشي قال أناس من المنافقين: يصلي على حبشي مات في أرض الحشبة؛!

فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية.

وعن الحسن قال: "لما مات النجاشي، قال رسول الله  : استغفروا لأخيكم قالو: يا رسول الله، لذلك العِلْج؟!

فأنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية، وقيل: لما صلّى عليه [رسول الله  ]؛ قال المنافقون: صلى على من ليس من أهل دينه؛ فأنزل الله الآية" .

وعن الزهري عن أصحاب رسول الله  - أن نبي الله  صلى على النجاشي، فكبَّر عليه أربع تكبيرات، وصففنا في المصلَّى خلفه، وكان مات بالحبشة.

قال: والنوازل على وجهين: من ترك بسببه خيراً وسعة فله فيه فضل؛ لأنه كان مفتاح الخير، ومن ترك بسببه ضيقاً فعليه فضل لوم؛ كأنه مفتاح الضيق.

وأمَّا ا لأحكام: فإنه ينظر إلى ما فيه نزل فيشترك فيه الخلق، ولا يجوز أن يقال: نزل في شأن فلان؛ إنما أنزل لما في شأن فلان، لا في شأنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ ﴾ قيل: على أداء الفرائض والعبادات، وقيل: اصبروا على البلايا والمصائب والشدائد: ﴿ وَصَابِرُواْ ﴾ في الجهاد لعدوكم.

وقيل: اصبروا على أمر الله وفرائضه، وصابروا مع النبي  وعلى آله وصحبه في المواطن.

وعن الحسن قال: أُمِروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضى الله لهم، وهو الإسلام، ولا يَدَعُوا دينهم؛ لشدة ولا لرخاء، ولا ضراء، ولا سراء، حتى يموتوا، ويكونوا يصابرون الكفار، حتى يكونوا هم يميلون عن دينهم، وأمروا أن يرابطوا المشركين.

وقيل: اصبروا على الجهاد، وصابروا لعدوكم.

﴿ وَرَابِطُواْ ﴾ أي: داوموا على دينكم.

﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ : قال: والصبر في نفسه خاصة في طاعة يصبر عليها، ومعصية يصبر عنها وفي بلوى، والمصابرة مع غيره، وقد يكون كل واحد على المعنيين؛ لأنه لا يخلو عن مصابرة عدوٍّ فيما يطيع ربه.

وقيل: رابطوا مع عدوكم ما أقاموا، واتقوا الله فيما أمركم به، فلا تدعوا ذلك مع نبيكم، وذروا ما نهاكم عنه، ولا قوة إلا بالله.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لكنِ الذين اتقوا ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه لهم جنات تجري الأنهار من تحت قصورها، ماكثين فيها أبدًا، جزاءً مُعَدًّا لهم من عند الله تعالى، وما أعده الله للصالحين من عباده خير وأفضل مما يتقلب فيه الكفار من ملذات الدنيا.

<div class="verse-tafsir" id="91.alwn8"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان الكلام في أولي الألباب المؤمنين وقد علمنا أن الله تعال يستجيب لهم بالأعمال، فالعبرة بالعمل ومنه المهاجرة وتحمل الإيذاء في سبيل الله، وبذل النفس في القتال حتى يقتلوا وبذلك يستحقون ثواب الله تعالى.

ثم ذكر حال الكافرين للمقابلة وربط الكلام بما قبله بالنهي عن الاغترار بما هم فيه من نعيم وتمتع، كأنه يقول على المؤمن أن يجعل مرمى طرفه ذلك الثواب الذي وعدته فهو النعيم الحقيقي الباقي وهذا الذي فيه الكافرون متاع قليل فلا تطلبوه ولا تحفلوا به، يسهل بهذا على المسلمين ما كلفوه من تحمل الإيذاء والعناء في إقامة الحق.

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ ، إنه بعد أن بيّن حال المؤمنين وما أعد لهم من الثواب، وذكر حال الكافرين وما أعد لهم من العقاب، ذكر فريقًا من أهل الكتاب يهتدون بهذا القرآن، وكانوا مهتدين من قبله بما عندهم من هدي الانبياء، وذكر من وصفهم الخشوع لله، وما كل من يدعي الإيمان بالكتاب خاشع لله، وهذا الخشوع هور روح الدين وهو السائق لهم إلى الإيمان بالنبي الجديد وهو الذي حال بينهم وبين أن يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، وهذا الثمن يعم المال والجاه فإن منه التمتع بما كانوا فيه من ذلك، وإن صعب على الإنسان أن يترك ما ألفه، وخص هؤلاء بالذكر على كونهم من المؤمنين الذين وعدوا بما تقدم ذكره في مقابلة الكافرين لأجل القدوة بهم في صبرهم على الحق في الدين السابق والدين اللاحق.

وذكر إيمانهم بصيغة التأكيد لأن أهل الكتاب كانوا بغرورهم بكتابهم وتوهمهم الاستغناء بما عندهم عن غيره كانوا أبعد الناس عن الإيمان، وكان من الغرابة بعد ذلك العناد ومكابرة النبي  وحسده على النبوة والتشدد في إيذائه أن يؤمن بعضهم إيمانًا صحيحًا كاملًا، ولهذا كان المؤمنون منهم قليلين وكانوا من خيارهم علمًا وفضلًا وبصيرة.

وإننا نرى علماءنا الأذكياء في هذا العصر قلما يرجعون عن عقيدة أو رأي في الدين جروا عليه وتلقوه عن مشايخهم، وقرأوه في كتبهم، وإن كان باطلًا وخطأ ظاهرًا.

وفي هذه الآية تأييد لكون حال المؤمنين على ما كانوا عليه من ضيق خيرًا من حال الكافرين على ما كانوا عليه من سعة، كأنه يقول انظروا إلى حال الأخيار من أهل الكتاب كيف لا يحفلون بذلك المتاع الدنيوي بل يؤثرون عليه ما عند الله تعالى، فهذا من باب المثل والأسوة للمسلمين.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ أي اصبروا على ما يلحقكم من الأذى، وصابروا الأعداء الذين يقاومونكم ليغلبوكم على أمركم ويخذلون الحق الذي في أيديكم، واربطوا الخيل كما يربطونها استعدادًا للجهاد.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ يكثر الله تعالى من هذه الوصية ومع ذلك نرى الناس قد انصرفوا عنها بتة، حتى صار التقي عند الناس هو الأهبل الذي لا يعقل مصلحته ولا مصلحة الناس، ولا شيء أشأم على التقوى من فهمها بهذا المعنى.

التقوى أن تقي نفسك من الله أي من غضبه وسخطه وعقوبته، ولا يمكن هذا إلا بعد معرفته ومعرفة ما يرضيه وما يسخطه، ولا يعرف هذا إلا من فهم كتاب الله تعالى وعرف سنة نبيه  وسيرة سلف الأمة الصالح مطالبًا نفسه بالاهتداء بذلك كله، فمن صبر وصابر ورابط لأجل حماية الحق وأهله، ونشر دعوته واتقى ربه في سائر شؤونه فقد أعد نفسه بذلك للفلاح والفوز بالسعادة عند الله تعالى.

- ٤ -

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله