الآية ٤١ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٤١ من سورة آل عمران

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 129 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( قال رب اجعل لي آية ) أي : علامة أستدل بها على وجود الولد مني ( قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ) أي : إشارة لا تستطيع النطق ، مع أنك سوي صحيح ، كما في قوله : ( ثلاث ليال سويا ) [ مريم : 10 ] ثم أمر بكثرة الذكر والشكر والتسبيح في هذه الحال ، فقال : ( واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم ، إن شاء الله تعالى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه، خبرًا عن زكريا، قال زكريا: ربّ إن كان هذا النداء الذي نُوديتُه، والصوتُ الذي سمعته، صوتَ ملائكتك وبشارةً منك لي، فاجعل لي آية = يقول: علامةً = أن ذلك كذلك، ليزول عنِّي ما قد وسوس إليّ الشيطان فألقاه في قلبي، من أنّ ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ من عند غيرك، كما:- 7004 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: " رب اجعل لي آية "، قال: قال - يعني زكريا -: يا ربّ، فإن كان هذا الصوت منكَ، فاجعل لي آيةً.

* * * وقد دللنا فيما مضى على معنى " الآية "، وأنها العلامة، بما أغنى عن إعادته.

(54) * * * وقد اختلف أهل العربية في سبب ترك العرب همْزها، ومن شأنها همزُ كل " ياء " جاءت بعد " ألف " ساكنة.

فقال بعضهم: ترك همزها، لأنها كانت " أيَّة "، فثقُل عليهم التشديد، فأبدلوه " ألفًا " لانفتاح ما قبل التشديد كما قالوا: " أيْما فلانٌ فأخزاه الله ".

(55) * * * وقال آخرون منهم: بل هي" فاعلة " منقوصة.

&; 6-385 &; فسئلوا فقيل لهم: فما بال العرب تصغرها " أيَيَّة "، ولم يقولوا " أوَيَّة ".

(56) فقالوا: قيل ذلك، كما قيل في" فاطمة "،" هذه فُطيمة ".

فقيل لهم: فإنهم إنما يصغرون " فاعلة "، على " فعيلة "، إذا كان اسمًا في معنى فلان وفلانة، فأما في غير ذلك فليس من تصغيرهم " فاعلة " على " فعيلة ".

(57) * * * وقال آخرون: إنه " فَعْلة " صيرت ياؤها الأولى " ألفا "، كما فعل بـ" حاجة، وقامة ".

فقيل لهم: إنما تفعل العرب ذلك في أولاد الثلاثة.

(58) وقال من أنكر ذلك من قِيلهم: لو كان كما قالوا: لقيل في" نواة " ناية، وفي" حَياة " حَاية.

(59) * * * القول في تأويل قوله : قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا قال أبو جعفر: فعاقبه الله - فيما ذكر لنا - بمسألته الآية، بعد مشافهة الملائكة إياه بالبشارة، فجعل آيته = على تحقيق ما سمع من البشارة من الملائكة &; 6-386 &; بيحيى أنه من عند الله = (60) آية من نفسه، جمعَ تعالى ذكره بها العلامة التي سألها ربَّه على ما يبيِّن له حقيقة البشارة أنها من عند الله، وتمحيصًا له من هفوته، وخطإ قِيله ومسألته.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 7005 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزًا "، إنما عوقب بذلك، لأن الملائكة شافهته مشافهة بذلك، فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه.

فأخِذَ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا ما أومأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره، كما تسمعون: "آيتك ألا تكلم الناس ثلاثةَ أيام إلا رمزًا ".

7006 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا ، قال: شافهته الملائكة، فقال: " رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا "، يقول: إلا إيماءً، وكانت عقوبةً عُوقب بها، إذ سأل الآيةَ مع مشافهة الملائكة إياه بما بشرته به.

7007 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع في قوله: " رب اجعل لي آية، قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة &; 6-387 &; أيام إلا رمزًا "، قال: ذكر لنا، والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته مشافهة، فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعدُ، فأخِذَ بلسانه.

7008 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: ذكر لنا، والله أعلم، أنه عوقب، لأن الملائكة شافهته فبشرته بيحيى، قالت: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ، فسأل بعد كلام الملائكة إياه الآية، فأخِذ عليه لسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلا رمزًا - يقول: يومئ إيماءً.

7009 - حدثني أبو عبيد الوَصّابي قال، حدثنا محمد بن حمير قال، حدثنا صفوان بن عمرو، عن جُبير بن نُفير في قوله: " قال رب اجعل لي آيةً قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا "، قال: ربَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاثٍ.

(61) * * * قال أبو جعفر: وإنما اختارت القرأةُ النصبَ في قوله: " ألا تكلم الناس "، لأن معنى الكلام: قال آيتك أن لا تكلمَ الناسَ فيما يستقبلُ ثَلاثة أيام = فكانت " أن " هي التي تصحب الاستقبال، دون التي تصحب الأسماء فتنصبها.

ولو كان المعنى فيه: آيتك أنك لا تكلم الناس ثلاثة أيام = أي: أنك على هذه الحال ثلاثة أيام = كان وجه الكلام الرفع.

لأن " أن " كانت تكون حينئذ بمعنى &; 6-388 &; الثقيلة خففت.

ولكن لم يكن ذلك جائزًا، لما وصفت من أن ذلك بالمعنى الآخر.

* * * وأما " الرّمز "، فإنّ الأغلب من معانيه عند العرب: الإيماءُ بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غير كثير فيهم.

وقد يقال للخفي من الكلام الذي هو مثلُ الهمس بخفض الصّوت: " الرمز "، ومنه قول جُؤيّة بن عائذ: (62) وَكَــانَ تَكَــلُّمُ الأبْطَــالِ رَمْــزًا وَهَمْهَمَــةً لَهُــمْ مِثْــلَ الهَدِيــرِ (63) يقال منه: " رَمز فلان فهو يَرْمِزُ ويرمُز رَمزًا = ويترمَّزُ ترمُّزًا "، ويقال: " ضربه ضربةً فارتمز منها "، أي اضطرب للموت، قال الشاعر: (64) خَرَرْتُ مِنْهَا لِقِفَايَ أَرْتَمِزْ (65) * * * وقد اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عنى الله عز وجل به في إخباره عن زكريا من قوله: "آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا "، وأيّ معاني" الرمز " عني بذلك؟

فقال بعضهم: عني بذلك: آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا تحريكًا بالشفتين، من غير أن ترمز بلسانك الكلام.

ذكر من قال ذلك: &; 6-389 &; 7010 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن النضر بن عربي، عن مجاهد في قوله: " إلا رمزًا "، قال: تحريك الشفتين.

7011 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ثلاثة أيام إلا رمزًا "، قال: إيماؤه بشفتيه.

7012 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * * وقال آخرون: بل عنى الله بذلك: الإيماء والإشارة.

ذكر من قال ذلك: 7013 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: " إلا رمزًا "، قال: الإشارة.

7014 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " إلا رمزًا "، قال: الرمز أن يشير بيده أو رأسه، ولا يتكلم.

7015 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " إلا رمزًا "، قال: الرمزُ: أنْ أخِذ بلسانه، فجعل يكلم الناس بيده.

7016 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: " إلا رمزًا "، قال: والرمز الإشارة.

7017- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا "، الآية، قال: &; 6-390 &; جعل آيته أن لا يكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا، إلا أنه يذكر الله.

والرّمز: الإشارة، يشير إليهم.

7018 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " إلا رمزًا "، إلا إيماءً.

7019 - حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.

7020 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إلا رمزًا "، يقول: إشارة.

7021 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: " إلا رمزًا "، إلا إشارة.

7022 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا "، قال: أمسكَ بلسانه، فجعل يومئ بيده إلى قومه: أنْ سبِّحوا بُكرة وعشيًّا.

* * * القول في تأويل قوله : وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (41) قال أبو جعفر: يعني بذلك: قال الله جل ثناؤه لزكريا: يا زكريا، آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا ، بغير خرس ولا عاهة ولا مرض، =" واذكر ربك كثيرًا "، فإنك لا تمنع ذكرَه، ولا يحالُ بينك وبين تسبيحه وغير ذلك من ذكره، (66) وقد:- &; 6-391 &; 7023 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب قال: لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر، لرخَّص لزكريا حيث قال: "آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا "، أيضًا.

* * * وأما قوله: " وسبح بالعشي"، فإنه يعني: عَظِّم ربك بعبادته بالعشي.

* * * و " العَشيّ" من حين تزُول الشمس إلى أن تغيب، كما قال الشاعر: (67) فَـلا الظِّـلَّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعَهُ, وَ لا الفَـيْءَ مِـنْ بَـرْدِ العَشِـيِّ تَذُوقُ (68) فالفيء، إنما تبتدئ أوْبته عند زوال الشمس، وَيتناهى بمغيبها.

* * * &; 6-392 &; وأما " الإبكار " فإنه مصدر من قول القائل: " أبكر فلان في حاجة فهو يُبْكِر إبكارًا "، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضُّحى، فذلك " إبكار ".

يقال فيه: " أبكر فلان " و " بكر يَبكُر بُكورًا ".

فمن " الإبكار "، قول عمر بن أبي ربيعة: أَمِنْ آلِ نُعَمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ (69) ومن " البكور " قول جرير: أَلا بَكَــرَتْ سَـلْمَى فَجَـدَّ بُكُورُهَـا وَشَـقَّ العَصَـا بَعْـدَ اجْتِمَـاعٍ أَمِيرُهَا (70) ويقال من ذلك: " بكر النخلُ يَبْكُر بُكورًا = وأبكر يُبكر إبكارًا "، (71) و " الباكور " من الفواكه: أوّلها إدراكًا.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 7024 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وسبِّح بالعشيّ والإبكار "، قال: &; 6-393 &; الإبكار أوّل الفجر، والعشيّ مَيْل الشمس حتى تغيب.

(72) 7025 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

--------------------- الهوامش : (54) انظر ما سلف 1: 106 ، ثم انظر فهرس اللغة مادة (أيى) في الأجزاء السالفة.

(55) "أيما" ، بمعنى "أما" مشددة الميم.

(56) في المطبوعة والمخطوطة: "أويية" ، والصواب ما أثبت بتشديد الياء.

(57) قائل ذلك ، هو الكسائي وأصحابه.

وسائلوه: هم الفراء وأصحابه.

انظر لسان العرب مادة (أيا).

(58) أولاد الثلاثة: يعني الاسم الثلاثي.

(59) انظر تفصيل ما سلف ، وبعضه بنصه في لسان العرب 18: 66 ، وهذه الردود كلها للفراء ، كما يظهر من نص اللسان ، وكأن في نص الطبري بعض الاضطراب ، فإن قوله: "فقيل لهم: إنما يفعل العرب ذلك في أولاد الثلاثة" ، إنما هو رد على قول من زعم إنها"فاعلة" منقوصة ، مثل حاجة وقامة ، وأن أصلها حائجة وقائمة.

وأخشى أن يكون الناسخ قد أسقط ، أو قدم شيئًا ، فاضطرب الكلام.

(60) في المطبوعة: "على تخصيص ما سمع..." ، وهو فاسد لا معنى له ، وأوقعه في ذلك أن كاتب المخطوطة كتب أولا تخصيص" ثم عاد فطمس الصاد الأولى ، ووضع عليها نقطتي القاف ، ثم ركب على حوض الصاد (ص) دائرة القاف ، فلم يستطع الناشر الأول أن يقرأ ذلك إلا على الوجه الذي هرب منه الناسخ!!

وسياق هذه العبارة"فجعل آيته.

.

.

آية من نفسه" وتلك الآية: أنه حبس لسانه فلم يكلم الناس إلا كما أمر ، رمزًا.

(61) الأثر: 7009-"أبو عبيد الوصابي" هو: "محمد بن حفص" ، مضى في التعليق على رقم: 129 ، 6780 ، وكان في المطبوعة: "الرصافي" ، وفي المخطوطة"الوصافي" ، وكلاهما خطأ.

و"محمد بن حمير" مضى أيضًا في: 129: 6870.

و"صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي الحمصي" روى عن عبد الله بن بسر المازني الصحابي وجبير بن نفير ، وجماعة.

كان ثقة مأمونًا ، مترجم في التهذيب.

و"جبير بن نفير" ، أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم وكان جاهليًا ، أسلم زمن أبي بكر وروى عن رسول الله وعن أبي بكر مرسلا ، وروى عن أبي ذر وأبي الدرداء وغيرهما من الصحابة.

قال أبو حاتم: "ثقة من كبار تابعي أهل الشام".

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "جويبر بن نصير"!!

وهو خطأ لا شك فيه ، والصواب في المخطوطة.

(62) في المطبوعة: "حوبة بن عابد" ، وهو لا معنى له في الصواب ولا في الخطأ.

وهو في المخطوطة بهذا الرسم غير منقوط.

والصواب ما أثبت.

وهو جؤبة بن عائذ النصري ، فيما روى ابن السكيت في تهذيب الألفاظ: 125.

أما الآمدي في المؤتلف والمختلف: 83 ، فقد سماه: "عائذ بن جؤية بن أسيد بن جرار بن عبد بن عاثرة بن يربوع بن واثلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن" ، وذكره أيضًا البغدادي في الخزانة 1: 476.

والعجب لبعض من يعلق على تفسير الطبري أن يزعم كالقاطع الجازم أنه"جؤية بن عائذ الكوفي النحوي"!!

(63) لم أجد البيت فيما بين يدي من الكتب ، ولكني أذكره.

وكان في المطبوعة: "وكان يكلم" والصواب ما أثبت.

(64) لم أعرف هذا الراجز.

(65) اللسان (رمز).

(66) انظر تفسير"سبح" فيما سلف 1: 472-474 ، وفهارس اللغة.

(67) هو حميد بن ثور الهلالي.

(68) ديوانه: 40 ، وهو من قصيدته الجيدة التي قالها ، لما تقدم عمر بن الخطاب إلى الشعراء ، أن لا يشبب أحد بامرأة إلا جلده ، فخرج من عقوبة عمر بأن ذكر"سرحة" وسماها"سرحة مالك" فشكا أهلها إلى عمر ، فقال لهم: تجــرَّمَ أهْلُوهَـا, لأَنْ كُـنْتُ مُشْـعَرًا جُنُونًـا بهــا!!

يـا طُولَ هذَا التَجَرُّمِ!

وَمَـا لِـيَ مـن ذَنْـبٍ إِلَيْهِـمْ عَلِمْتُـهُ سِـوَى أنّني قَدْ قُلْتُ: "يَا سَرْحَةُ اسْلَمِى" بَـلَى, فاسلِمي, ثُمَّ اسْلَمِي, ثُمَّتَ اسلمي, ثَــلاَثَ تَحِيَّــاتٍ, وإن لـم تَكَـلَّمي فكان رحمه الله خفيف الدم (كما يقول المصريون).

أما الأبيات التي منها البيت المستشهد به ، فإنه ذكر السرحة واستسقى لها ، ووصفها واستجاد لصفتها مكارم الصفات ، ثم قال: فَيَـا طِيـبَ رَيَّاهَـا, وَيَـا بَــرْدَ ظِلِّهَا إذَا حَـانَ مـن حَـامي النّهـارِ وُدُوقُ وهَـلْ أنـا إنْ عَلَّلْـتُ نَفْسِــي بِسَرْحةٍ مـن السَّـرْحِ, مَسـدُودٌ عَـلَيَّ طريقُ حَـمَى ظِلَّهَـا شَـكْسُ الخَلِيقَـةِ, خَائِفٌ عَلَيْهَــا غَــرَامَ الطَّـائِفينَ, شَـفِيقُ فَـلاَ الظِـلَّ مِنْهَـا بالضُّحَـى تَسْتَطِيعُه وَلاَ الفَــيْءَ مِنْهَـا بالعَشِـيّ تَـذُوقُ مع اختلاف الروايتين كما ترى.

(69) ديوانه: 1 ، من قصيدته النفيسة ، يقولها في"نعم" ، وهي امرأة من قريش ، من بني جمح ، كان عمر كثير الذكر لها في شعره.

وكأن شعره فيها من أصدق ما قال في امرأة ، وهذا الشطر أول القصيدة وتمامه: غَــدَاةَ غَــدٍ? أمْ رَائـحٌ فَمُهَجِّـر?" (70) ديوانه: 293 ، والنقائض: 7 ، يجيب حكيم بن معية الربعي ، وكان هجا جريرًا.

قال أبو عبيدة: "شق العصا: التفرق ، ومن هذا يقال للرجل المخالف للجماعة: قد شق العصا.

وأميرها: الذي تؤامره ، زوجها أو أبوها".

(71) هذا نص خلت منه كتب اللغة ، وحفظه أبو جعفر.

وهو صواب ، فإنهم قالوا: "البكيرة والباكورة والبكور" من النخل: التي تدرك في أول النخل ، فذكروا الصفات ، وتركوا الفعل.

فهي زيادة ينبغي تقييدها.

(72) في المخطوطة: "مثل الشمس حيا يعيب" ، !!!

هكذا كتب وأعجم!!

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكارفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : قال رب اجعل لي آية " جعل " هنا بمعنى صير لتعديه إلى مفعولين .

و " لي " في موضع المفعول الثاني .

ولما بشر بالولد ولم يبعد عنده هذا في قدرة الله تعالى طلب آية - أي علامة - يعرف بها صحة هذا الأمر وكونه من عند الله تعالى ; فعاقبه الله تعالى بأن أصابه السكوت عن كلام الناس لسؤال الآية بعد مشافهة الملائكة إياه ; قال أكثر المفسرين .

قالوا : وكذلك إن لم يكن من مرض خرس أو نحوه ففيه على كل حال عقاب ما .

قال ابن زيد : إن زكريا عليه السلام لما حملت زوجه منه بيحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحدا ، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله تعالى ; فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه .الثانية : قوله تعالى : إلا رمزا الرمز في اللغة الإيماء بالشفتين ، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين ; وأصله الحركة .

وقيل : طلب ، تلك الآية زيادة طمأنينة .

المعنى : تمم النعمة بأن تجعل لي آية ، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة ; فقيل له : آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام أي تمنع من الكلام ثلاث ليال ; دليل هذا القول قوله تعالى بعد بشرى الملائكة له .

وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ; أي أوجدتك بقدرتي فكذلك [ ص: 76 ] أوجد لك الولد .

واختار هذا القول النحاس وقال : قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه ; لأن الله عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا ; والقول فيه أن المعنى اجعل لي علامة تدل على كون الولد ، إذ كان ذلك مغيبا عني .

و رمزا نصب على الاستثناء المنقطع ; قاله الأخفش .

وقال الكسائي : رمز يرمز ويرمز .

وقرئ " إلا رمزا " بفتح الميم و ( رمزا ) بضمها وضم الراء ، الواحدة رمزة .الثالثة : في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام وذلك موجود في كثير من السنة ، وآكد الإشارات ما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر السوداء حين قال لها : ( أين الله ؟

) فأشارت برأسها إلى السماء فقال : ( أعتقها فإنها مؤمنة ) .

فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز الدم والمال وتستحق به الجنة وينجى به من النار ، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك ; فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة ، وهو قول عامة الفقهاء .

وروى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه .

وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق .

وقال أبو حنيفة : ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف ، وإن شك فيها فهي باطل ، وليس ذلك بقياس وإنما هو استحسان .

والقياس في هذا كله أنه باطل ; لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته .

قال أبو الحسن بن بطال : وإنما حمل أبا حنيفة .

على قوله هذا أنه لم يعلم السنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة في الديانة .

ولعل البخاري حاول بترجمته " باب الإشارة في الطلاق والأمور " الرد عليه .

وقال عطاء : أراد بقوله ألا تكلم الناس صوم ثلاثة أيام .

وكانوا إذا صاموا لا يتكلمون إلا رمزا .

وهذا فيه بعد ، والله أعلم .الرابعة : قال بعض من يجيز نسخ القرآن بالسنة : إن زكريا عليه السلام منع الكلام وهو قادر عليه ، وإنه منسوخ بقوله عليه السلام : لا صمت يوما إلى الليل .

وأكثر العلماء على أنه ليس بمنسوخ ، وأن زكريا إنما منع الكلام بآفة دخلت عليه منعته إياه ، وتلك الآفة عدم القدرة على الكلام مع الصحة ; كذلك قال المفسرون .

وذهب كثير من العلماء إلى أنه ( لا [ ص: 77 ] صمت يوما إلى الليل ) إنما معناه عن ذكر الله ، وأما عن الهذر وما لا فائدة فيه ، فالصمت عن ذلك حسن .قوله تعالى : واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار أمره بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه ; على القول الأول .

وقد مضى في البقرة معنى الذكر .

وقال محمد بن كعب القرظي : لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله عز وجل : ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا .

وذكره الطبري .

وسبح أي صل ; سميت الصلاة سبحة لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء .

و ( العشي ) جمع عشية .

وقيل : هو واحد .

وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ; عن مجاهد .

وفي الموطأ عن القاسم بن محمد قال : ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي .

والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ رب اجعل لي آية } أي: علامة على وجود الولد قال { آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا } أي: ينحبس لسانك عن كلامهم من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا على الإشارة والرمز، وهذا آية عظيمة أن لا تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره، فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله أن يشكره ويكثر من ذكره بالعشي والإبكار، حتى إذا خرج على قومه من المحراب { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا } أي: أول النهار وآخره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( قال رب اجعل لي آية ) أي علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكرا لك ( قال آيتك ألا تكلم الناس ) تكف عن الكلام ( ثلاثة أيام ) وتقبل بكليتك على عبادتي ، لا أنه حبس لسانه عن الكلام ، ولكنه نهي عن الكلام وهو صحيح سوي ، كما قال في سورة مريم الآية ( 10 ( ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا ) يدل عليه قوله تعالى : ( وسبح بالعشي والإبكار ) فأمره بالذكر ونهاه عن كلام الناس .

وقال أكثر المفسرين : عقل لسانه عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام ، وقال قتادة : أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام ، وقوله ( إلا رمزا ) أي إشارة ، والإشارة قد تكون باللسان وبالعين وباليد ، وكانت إشارته بالإصبع المسبحة ، وقال الفراء : قد يكون الرمز باللسان من غير أن يبين ، وهو الصوت الخفي أشبه الهمس ، وقال عطاء : أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا ( واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ) قيل : المراد بالتسبيح الصلاة ، والعشي ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس ومنه سمي صلاة الظهر والعصر صلاتي العشي ، والإبكار ما بين صلاة الفجر إلى الضحى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال رب اجعل لي آية» أي علامة على حمل امرأتي «قال آيتك» علية «أ» ن «لا تكلم الناس» أي تمتنع من كلامهم بخلاف ذكر الله تعالى «ثلاثة أيام» أي بلياليها «إلا رمزا» إشارة «واذكر ربَّك كثيرا وسبِّح» صلِّ «بالعشي والإبكار» أواخر النهار وأوائله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال زكريَّا: رب اجعل لي علامةً أستدلُّ بها على وجود الولد مني؛ ليحصل لي السرور والاستبشار، قال: علامتك التي طلبتها: ألا تستطيع التحدث إلى الناس ثلاثة أيام إلا بإشارة إليهم، مع أنك سويٌّ صحيح، وفي هذه المدة أكثِرْ من ذكر ربك، وصلِّ له أواخر النهار وأوائله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن أن زكريا - لشدة لهفته على تحقق البشارة - سأل ربه أن يجعل له علامة تكون دليلا على تحقيق الحمل عند زوجته فقال - تعالى : { قَالَ رَبِّ اجعل لي آيَةً } .أى قال زكريا مناجيا ربه : يا رب إنى أسألك أن تجعل لي { آيَةً } آي : علامة تدلنى على حصول الحمل عند زوجتي : لأبادر إلى القيام بشكر هذه النعمة شكراً جزيلا ولأقوم بحقها حق القيام .وقد أجابه - سبحانه - إلى طلبه فقال : { قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً } .

أي قال الله - تعالى - لعبده زكريا : آيتك أى علامتك ألا تقدر على كلام الناس من غير آفة في لسانك لمدة ثلاثة أيام إلا { رَمْزاً } أى إلا عن طريق الإيحاء والإشارة .وأصل الرمز الحركة .

يقال ارتمز أى تحرك ، ومنه قيل للبحر الراموز وفعله من باب نصر وضرب .

ثم أطلق الرمز على الإيماء بالشفتين أو بالحاجبين وعلى الإشارة باليدين وهو المراد هنا .قال صاحب الكشاف : قال الله - تعالى - لزكريا آيتك ألا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام : وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله .

ولذلك قال : { واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بالعشي والإبكار } يعنى فى أيام عجزك عن تكليم الناس وهى من الآيات الباهرة ، فإن قلت : لم حبس لسانه عن كلام الناس؟

قلت : ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره ، توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة وشكرها الذي طلب الآية من أجله ، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له : آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر .

وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه { إِلاَّ رَمْزاً } أى : إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما .وعلى رأى صاحب الكشاف يكون احتباس لسان زكريا عن كلام الناس اضطراريا وليس عن اختيار منه .ويمكن أن يقال .

إن المراد بقوله - تعالى - { قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً } .

.

.

أن زكريا - عليه السلام - عندما طلب آية يعرف بها أن زوجته قد حملت بهذا الغلام الذى بشره الله به ، أخبره - سبحانه - أن العلامة على ذلك أن يوفق إلى خلوص نفسه من شواغل الدنيا حتى أنه ليجد نفسه متجها اتجاها كليا إلى ذكر الله وتمجيده وتسبيحه ، دون أن يكون عنده أى دافع إلى كلام الناس أو مخالطتهم مع قدرته على ذلك ، وعلى هذا يكون انصراف زكريا - عليه السلام - عن كلام الناس اختيارا وليس اضطراريا كما يرى صاحب الكشاف .ثم أمره الله - تعالى - بالإكثار وتسبيحه فقال : { واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بالعشي والإبكار } .و { العشي } جمع عشية وقيل : هو واحد وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ، وأما { الإبكار } فمصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر في أول النهار ..

.

ومنه الباكورة لأول الثمرة .

والمراد به هنا الوقت الذى يكون من طلوع الفجر إلى الضحى .أى عليك أن تكثر من ذكر الله - تعالى - ومن تسبيحه فىأول النهار وفى آخره وفى كل وقت لا سيما فى تلك الأيام الثلاثة شكراً لله - تعالى - على ما أعطاك من نعم جليلة لا تحصى ، فقد وهبك الذرية بعد أن بلغت من الكبر عتيا ، وجعل هذا المولود من أنبياء الله الذين اصطفاهم لتبليغ رسالته .وفي هذا الأمر الإلهي لزكريا حصن لكل عاقل على الإكثار من ذكر الله من تسبيحه وتمجيده لن ذكر الله به تطمئن القلوب .

وتسكن النفوس وتغسل الخطايا والذنوب ويكفى للدلالة على فضل الذكر أن الله - تعالى - أمر به حتى في حالة الحرب فقال : { ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصد زكريا - عليه السلام - فيه الكثير من العبر والعظات لقوم يعقلون .وبعد أن بين - سبحانه - ما يدل على مظاهر قدرته فى ولادة يحيى - عليه السلام - حيث وهبه لوالديه بعد أن بلغا مبلغاً كبيراً من العمر يستبعد معه في العادة الإنجاب .

.

.

بعد أن بين كل ذلك ساق قصة أخرى أدل على قدرة الله ونفاذ إرادته من قصة ولادة يحيى ، وهذه القصة هي قصة ولادة عيسى - عليه السلام - من غير أب .

وقد مهد القرآن لولادة عيسى ببيان أن الله - تعالى - قد اصطفى أمه مريم وطهرها من كل فاحشة ، وفضلها على نساء زمانها ، وصانها من كل ما يخدش المروءة والشرف .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول : { وَإِذْ قَالَتِ .

.

.

.

} .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن زكريا عليه السلام لفرط سروره بما بشّر به وثقته بكرم ربه، وإنعامه عليه أحب أن يجعل له علامة تدل على حصول العلوق، وذلك لأن العلوق لا يظهر في أول الأمر فقال: ﴿ رَبّ اجعل لِّى ءَايَةً ﴾ فقال الله تعالى: ﴿ ءَايتك أَلاَّ تُكَلّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكره هاهنا ثلاثة أيام، وذكر في سورة مريم ثلاثة ليالي فدل مجموع الآيتين على أن تلك الآية كانت حاصلة في الأيام الثلاثة مع لياليها.

المسألة الثانية: ذكروا في تفسير هذه الآية وجوهاً أحدها: أنه تعالى حبس لسانه ثلاثة أيام فلم يقدر أن يكلم الناس إلا رمزاً، وفيه فائدتان إحداهما: أن يكون ذلك آية على علوق الولد والثانية: أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره على الذكر والتسبيح والتهليل، ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله تعالى، وبالطاعة والشكر على تلك النعمة الجسيمة وعلى هذا التقدير يصير الشيء الواحد علامة على المقصود، وأداء لشكر تلك النعمة، فيكون جامعاً لكل المقاصد.

ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه: أحدها: أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات.

وثانيها: أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات.

وثالثها: أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضاً من المعجزات.

القول الثاني في تفسير هذه الآية: وهو قول أبي مسلم: أن المعنى أن زكريا عليه السلام لما طلب من الله تعالى آية تدله على حصول العلوق، قال آيتك أن لا تكلم، أي تصير مأموراً بأن لا تتكلم ثلاثة أيام بلياليها مع الخلق، أي تكون مشتغلاً بالذكر والتسبيح والتهليل معرضاً عن الخلق والدنيا شاكراً لله تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة، فإن كانت لك حاجة دل عليها بالرمز فإذا أمرت بهذه الطاعة فاعلم أنه قد حصل المطلوب، وهذا القول عندي حسن معقول، وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير كثير الغوص على الدقائق واللطائف.

القول الثالث: روي عن قتادة أنه عليه الصلاة والسلام عوقب بذلك من حيث سأل الآية بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصير بحيث لا يقدر على الكلام.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أصل الرمز الحركة، يقال: ارتمز إذا تحرك، ومنه قيل للبحر: الراموز، ثم اختلفوا في المراد بالرمز هاهنا على أقوال أحدها: أنه عبارة عن الإشارة كيف كانت باليد، أو الرأس، أو الحاجب، أو العين، أو الشفة والثاني: أنه عبارة عن تحريك الشفتين باللفظ من غير نطق وصوت قالوا: وحمل الرمز على هذا المعنى أولى، لأن الإشارة بالشفتين يمكن وقوعها بحيث تكون حركات الشفتين وقت الرمز مطابقة لحركاتهما عند النطق فيكون الاستدلال بتلك الحركات على المعاني الذهنية أسهل والثالث: وهو أنه كان يمكنه أن يتكلم بالكلام الخفي، وأما رفع الصوت بالكلام فكان ممنوعاً منه.

فإن قيل: الرمز ليس من جنس الكلام فكيف استثنى منه؟.

قلنا: لما أدى ما هو المقصود من الكلام سمي كلاماً، ويجوز أيضاً أن يكون استثناءً منقطعاً فأما إن حملنا الرمز على الكلام الخفي فإن الإشكال زائل.

المسألة الثانية: قرأ يحيى بن وثاب ﴿ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ بضمتين جمع رموز، كرسول ورسل، وقرئ ﴿ رَمْزًا ﴾ بفتح الراء والميم جمع رامز، كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس، ومعنى ﴿ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ إلا مترامزين، كما يتكلم الناس مع الأخرس بالإشارة ويكلمهم.

ثم قال الله تعالى: ﴿ واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا ﴾ وفيه قولان أحدهما: أنه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا ﴿ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ فأما في الذكر والتسبيح، فقد كان لسانه جيداً، وكان ذلك من المعجزات الباهرة والثاني: إن المراد منه الذكر بالقلب وذلك لأن المستغرقين في بحار معرفة الله تعالى عادتهم في الأول أن يواظبوا على الذكر اللساني مدة فإذا امتلأ القلب من نور ذكر الله سكت اللسان وبقي الذكر في القلب، ولذلك قالوا: من عرف الله كل لسانه، فكأن زكريا عليه السلام أمر بالسكوت واستحضار معاني الذكر والمعرفة واستدامتها.

﴿ وَسَبّحْ بالعشى والإبكار ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ﴿ العشي ﴾ من حين نزول الشمس إلى أن تغيب، قال الشاعر: فلا الظل من برد الضحى تستطيعه *** ولا الفيء من برد العشى تذوق والفيء إنما يكون من حين زوال الشمس إلى أن يتناهى غروبها، وأما الإبكار فهو مصدر بكر يبكر إذا خرج للأمر في أول النهار، ومثله بكر وابتكر وبكر، ومنه الباكورة لأول الثمرة، هذا هو أصل اللغة، ثم سمي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى: إبكاراً، كما سمي إصباحاً، وقرأ بعضهم ﴿ والأبكار ﴾ بفتح الهمزة، جمع بكر كسحر وأسحار، ويقال: أتيته بكراً بفتحتين.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ وَسَبّحْ ﴾ قولان أحدهما: المراد منه: وصل لأن الصلاة تسمى تسبيحاً قال الله تعالى: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ ﴾ وأيضاً الصلاة مشتملة على التسبيح، فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح، وهاهنا الدليل دل على وقوع هذا المحتمل وهو من وجهين: الأول: أنا لو حملناه على التسبيح والتهليل لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ ﴾ فرق، وحينئذ يبطل لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز والثاني: وهو أنه شديد الموافقة لقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار ﴾ وثانيهما: أن قوله: ﴿ واذكر رَّبَّكَ ﴾ محمول على الذكر باللسان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هُنَالِكَ ﴾ في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب أو في ذلك الوقت.

فقد يستعار هنا وثم وحيث للزمان.

لما رأى حال مريم في كرامتها على الله ومنزلتها، رغب في أن يكون له من ايشاع ولد مثل ولد أختها حنة في النجابة والكرامة على الله، وإن كانت عاقراً عجوزاً فقد كانت أختها كذلك.

وقيل: لما رأى الفاكهة في غير وقتها انتبه على جواز ولادة العاقر ﴿ ذُرِّيَّةَ ﴾ ولداً.

والذرية يقع على الواحد والجمع ﴿ سَمِيعُ الدعاء ﴾ مجيبه.

قرئ: ﴿ فناداه الملائكة ﴾ .

وقيل: ناداه جبريل عليه السلام، وإنما قيل الملائكة على قولهم: فلان يركب الخيل ﴿ أَنَّ الله يُبَشّركَ ﴾ بالفتح على بأن الله، وبالكسر على إرادة القول.

أو لأن النداء نوع من القول.

وقرئ: ﴿ يبشرك ﴾ ، ﴿ ويبشرك ﴾ ، من بشره وأبشره.

﴿ ويَبْشُرك ﴾ بفتح الياء من بشره.

ويحيى إن كان أعجمياً وهو الظاهر فمنع صرفه للتعريف والعجمة كموسى وعيسى، وإن كان عربياً فللتعريف ووزن الفعل كيعمر ﴿ مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله ﴾ مصدّقاً بعيسى مؤمناً به.

قيل هو أول من آمن به، وسمي عيسى ﴿ كلمة ﴾ لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: (كن) من غير سبب آخر.

وقيل: مصدّقاً بكلمة من الله، مؤمناً بكتاب منه.

وسمي الكتاب كلمة، كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته.

والسيد: الذي يسود قومه، أي يفوقهم في الشرف.

وكان يحيى فائقاً لقومه وفائقاً للناس كلهم في أنه لم يركب سيئة قط، ويالها من سيادة.

والحصور: الذي لا يقرب النساء حصراً لنفسه أي منعاً لها من الشهوات.

وقيل هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر.

قال الأخطل: وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكأْسِ نَادَمَني ** لاَ بِالْحَصُورِ وَلاَ فِيهَا بِسَئَّارِ فاستعير لمن لا يدخل في اللعب واللهو.

وقد روي أنه مرّ وهو طفل بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت ﴿ مّنَ الصالحين ﴾ ناشئاً من الصالحين، لأنه كان من أصلاب الأنبياء، أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي الاخرة لَمِنَ الصالحين ﴾ [البقرة: 130] .

﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ استبعاد من حيث العادة كما قالت مريم.

﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر ﴾ كقولهم: أدركته السنّ العالية.

والمعنى أثر فيّ الكبر فأضعفني، وكانت له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون ﴿ كذلك ﴾ أي يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو كذلك الله مبتدأ وخبر، أي على نحو هذه الصفة الله، ويفعل ما يشاء بيان له، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات ﴿ ءَايَةً ﴾ علامة أعرف بها الحبل لأتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر ﴿ قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ ﴾ تقدر على تكليم الناس ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ وإنما خص تكليم الناس ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة، مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله، ولذلك قال: ﴿ واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشى والإبكار ﴾ يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة.

فإن قلت: لم حبس لسانه عن كلام الناس؟

قلت: ليخلص المدّة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره، توفراً منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر.

وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال.

ومنتزعاً منه ﴿ إِلاَّ رَمْزًا ﴾ إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما وأصله التحرّك.

يقال ارتمز: إذا تحرّك.

ومنه قيل للبحر الراموز.

وقرأ يحيى ابن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين، جمع رموز كرسول ورسل.

وقرئ: ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم، وهو حال منه ومن الناس دفعة كقوله: مَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجُفْ ** رَوَانِفُ إلْيَتَيْكَ وَتُسْتَطَارَ بمعنى إلا مترامزين، كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم.

والعشيّ: من حين تزول الشمس إلى أن تغيب.

و ﴿ والإبكار ﴾ من طلوع الفجر إلى وقت الضحى.

وقرئ ﴿ والأبكار ﴾ ، بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.

يقال: أتيته بكراً بفتحتين.

فإن قلت: الرمز ليس من جنس الكلام؛ فكيف استثنى منه؟

قلت: لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً.

ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ عَلامَةً أعْرِفُ بِها الحَبَلَ لِأسْتَقْبِلَهُ بِالبَشاشَةِ والشُّكْرِ وتُزِيحُ مَشَقَّةَ الِانْتِظارِ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ أيْ لا تَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثًا، وإنَّما حَبْسُ لِسانِهِ عَنْ مُكالَمَتِهِمْ خاصَّةً لِيُخْلِصَ المُدَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِهِ، قَضاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ وكَأنَّهُ قالَ آيَتُكَ أنْ يُحْبَسَ لِسانُكَ إلّا عَنِ الشُّكْرِ وأحْسَنُ الجَوابِ ما اشْتُقَّ مِنَ السُّؤالِ.

﴿ إلا رَمْزًا ﴾ إشارَةٌ بِنَحْوِ يَدٍ أوْ رَأْسٍ، وأصْلُهُ التَّحَرُّكُ ومِنهُ الرّامُوزُ لِلْبَحْرِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وقِيلَ مُتَّصِلٌ والمُرادُ بِالكَلامِ ما دَلَّ عَلى الضَّمِيرِ.

وقُرِئَ «رَمَزًا» بِفَتْحَتَيْنِ كَخَدَمِ جَمْعُ رامِزٍ ورُمُزًا كَرُسُلٍ جَمْعُ رَمُوزٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ ومِنَ النّاسِ بِمَعْنى مُتَرامِزِينَ كَقَوْلِهِ: مَتى ما تَلْقَنِي فَرْدَيْنِ تَرْجِفُ ∗∗∗ رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارا ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ في أيّامِ الحَبْسَةِ، وهو مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مُبَيِّنٌ لِلْغَرَضِ مِنهُ، وتَقْيِيدُ الأمْرِ بِالكَثْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ.

﴿ وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ ﴾ مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ.

وقِيلَ مِنَ العَصْرِ أوِ الغُرُوبِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ.

﴿ والإبْكارِ ﴾ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى الضُّحى.

وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ بَكَرٍ كَسَحَرٍ وأسْحارٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال رب اجعل لي} مدنى وأبو عمرو {آية} علامة أعرف بها الحبل لألتقى النعمة بالشكر إذا جاءت {قَالَ آيتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ الناس} أي لا تقدر على تكليم الناس {ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} إلا إشارة بيد أو رأس أو عين أو حاجب وأصله التحرك يقال ارتمز إذا تحرك واستثنى الرمز وهو ليس من جنس الكلام لأنه لما أدّى مؤدّى الكلام وفهم منه ما يفهم منه سمي كلاماً أو هو استثناء منقطع وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله ولذا قال {واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبّحْ بالعشي والإبكار} أي في أيام عجزك عن تكليم الناس وهي من الآيات الباهرة والأدلة الظاهرة وإنما حبس لسانه عن كلام الناس ليخلص المدة لذكر الله لا يشغل لسانه بغيره كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر قيل له آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر وأحسن الجواب ما كان منتزعاً من السؤال والعشي من حين الزوال إلى الغروب والإبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضحى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ أيْ عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى العُلُوقِ وإنَّما سَألَها اِسْتِعْجالًا لِلسُّرُورِ قالَهُ الحَسَنُ، وقِيلَ لِيَتَلَقّى تِلْكَ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ حِينَ حُصُولِها ولا يُؤَخِّرُ حَتّى تَظْهَرَ ظُهُورًا مُعْتادًا، ولَعَلَّ هَذا هو الأنْسَبُ بِحالِ أمْثالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُ السُّدِّيِّ: إنَّهُ سَألَ الآيَةَ لِيَتَحَقَّقَ أنَّ تِلْكَ البِشارَةَ مِنهُ تَعالى لا مِنَ الشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، والجَعْلُ إمّا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما: (آيَةً)، وثانِيهُما: (لِي)، والتَّقْدِيمُ لِأنَّهُ المُسَوِّغُ لِكَوْنِ (آيَةً) مُبْتَدَأً عِنْدَ الِانْحِلالِ، وإمّا بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو (آيَةً) و(لِي) حِينَئِذٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن (آيَةً) لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ عَنْها كانَ صِفَةً لَها، وصِفَةُ النَّكِرَةِ إذا تَقَدَّمَتْ عَلَيْها أُعْرِبَتْ حالًا مِنها كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والتَّشْوِيقِ لِما بَعْدَهُ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ﴾ أيْ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى تَكْلِيمِهِمْ مِن غَيْرِ آفَةٍ وهو الأنْسَبُ بِكَوْنِهِ آيَةً والأوْفَقُ لِما في سُورَةِ مَرْيَمَ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُعْتَمِرٍ قالَ: ”رَبا لِسانُهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ فَمَنَعَهُ الكَلامُ“، والآيَةُ فِيهِ عَدَمُ مَنعِهِ مِنَ الذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ عَدَمُ التَّكْلِيمِ اِضْطِرارِيٌّ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّهُ اِخْتِيارِيٌّ، والمَعْنى آيَتُكَ أنْ تَصِيرَ مَأْمُورًا بِعَدَمِ التَّكَلُّمِ إلّا بِالذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ هُنا، وعَلَيْهِ وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِن عَدَمِ التَّكْلِيمِ ظاهِرُهُ فَقَطْ وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الصِّيامِ لِأنَّهم كانُوا إذْ ذاكَ إذا صامُوا لَمْ يُكَلِّمُوا أحَدًا وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ عَطاءٌ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ومَعَ هَذا يَتَوَقَّفُ قَبُولُهُ عَلى تَوْقِيفٍ، وإنَّما خَصَّ تَكْلِيمَ النّاسِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنَ التَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ أيْ مُتَوالِيَةٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ المُرادُ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيها، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ لَيالِي ثَلاثَةِ أيّامٍ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿ ثَلاثَ لَيالٍ ﴾ والحَقُّ أنَّ الآيَةَ كانَتْ عَدَمَ التَّكْلِيمِ سِتَّةَ أفْرادٍ إلّا أنَّهُ اِقْتَصَرَ تارَةً عَلى ذِكْرِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِنها وأُخْرى عَلى ثَلاثِ لَيالٍ، وجَعَلَ ما لَمْ يَذْكُرْ في كُلٍّ تَبَعًا لِما ذَكَرَ، قِيلَ: وإنَّما قَدَّمَ التَّعْبِيرَ بِالأيّامِ لِأنَّ يَوْمَ كُلِّ لَيْلَةٍ قَبْلَها في حِسابِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، وكَوْنَهُ بَعْدَها إنَّما هو عِنْدَ العَرَبِ خاصَّةً كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ آيَةَ اللَّيالِي مُتَقَدِّمَةٌ نُزُولًا لِأنَّ السُّورَةَ الَّتِي هي فِيها مَكِّيَّةٌ والسُّورَةَ الَّتِي فِيها آيَةُ الأيّامِ مَدَنِيَّةٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ أوَّلُ ظُهُورِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْلًا ويَكُونُ اليَوْمُ تَبَعًا لِلَّيْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَلى ما يَقْتَضِيهِ حِسابُ العَرَبِ، فَتَدَبَّرْ.

فالبَحْثُ مُحْتاجٌ إلى تَحْرِيرٍ بَعْدُ، وإنَّما جُعِلَ عَقْلُ اللِّسانِ آيَةَ العُلُوقِ لِتَخْلُصَ المُدَّةُ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وشُكِرِهِ قَضاءً لِحَقِّ النِّعْمَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: آيَةُ حُصُولِ النِّعْمَةِ أنْ تُمْنَعَ عَنِ الكَلامِ إلّا بِشُكْرِها، وأحْسَنُ الجَوابِ عَلى ما قِيلَ ما أُخِذَ مِنَ السُّؤالِ كَما قِيلَ لِأبِي تَمّامٍ لِمَ تَقُولُ ما لا نَفْهَمُ؟

فَقالَ: لِمَ لا نَفْهَمُ ما يُقالُ؟

وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ سُؤالَ الآيَةِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَ لِتَلَقِّي النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ، ولَعَلَّ دَلالَةَ كَلامِهِ عَلى ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَقامِ وإلّا فَفي ذَلِكَ خَفاءٌ كَما لا يَخْفى.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّ حَبْسَ لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن بابِ العُقُوبَةِ حَيْثُ طَلَبَ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ ولَعَلَّ الجِنايَةَ حِينَئِذٍ مِن بابِ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتِ المُقَرَّبِينَ ومَعَ هَذا حُسْنُ الظَّنِّ يَمِيلُ إلى الأوَّلِ، ومَذْهَبُ قَتادَةَ لا آمَنُ عَلى الأقْدامِ الضَّعِيفَةِ.

﴿ إلا رَمْزًا ﴾ أيْ إيماءً، وأصْلُهُ التَّحَرُّكُ، يُقالُ: اِرْتَمَزَ أيْ تَحَرَّكَ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَحْرِ الرّامُوزُ، وأخْرَجَ الطِّيبِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنِ الرَّمْزِ فَقالَ: الإشارَةُ بِاليَدِ والوَحْيُ بِالرَّأْسِ، فَقالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟

قالَ: نَعَمْ أما، سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ما في السَّماءِ مِنَ الرَّحْمَنِ (مُرْتَمَزُ) إلّا إلَيْهِ وما في الأرْضِ مِن وزَرُ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الرَّمْزَ هُنا كانَ تَحْرِيكَ الشَّفَتَيْنِ، وقِيلَ: الكِتابَةُ عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِالمِسْبَحَةِ، وقِيلَ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، وقِيلَ: كُلُّ ما أوْجَبَ اِضْطِرابًا في الفَهْمِ كانَ رَمْزًا، وهو اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى أنَّ الرَّمْزَ الإشارَةُ والإفْهامُ مِن دُونِ كَلامٍ وهو حِينَئِذٍ لَيْسَ مِن قَبِيلِ المُسْتَثْنى مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَلامِ ما فُهِمَ مِنهُ المُرادُ، ولا رَيْبَ في كَوْنِ الرَّمْزِ مِن ذاكَ القَبِيلِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ خِلافُ الظّاهِرِ ويَلْزَمُ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ اِسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا في الدُّنْيا أصْلًا إذْ ما مِنَ اِسْتِثْناءٍ إلّا ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُهُ مُتَّصِلًا ولا قائِلَ بِهِ، وتَعَقَّبَ اِبْنُ الشَّجَرِيِّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ هُنا مُطْلَقًا، وادَّعى أنَّ ﴿ رَمْزًا ﴾ مَفْعُولٌ بِهِ مُنْتَصِبٌ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الخافِضِ، والأصْلُ أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ إلّا بِرَمْزٍ، فالعامِلُ الَّذِي قَبْلَ (إلّا) مُفَرَّغٌ في هَذا النَّحْوِ لِلْعَمَلِ فِيما بَعْدَها بِدَلِيلِ أنَّكَ لَوْ حَذَفْتَ (إلّا) وحَرْفَ النَّفْيِ اِسْتَقامَ الكَلامُ، تَقُولُ في نَحْوِ ما لَقِيتُ إلّا زَيْدًا لَقِيتُ زَيْدًا، وفي ما خَرَجَ إلّا زَيْدٌ خَرَجَ زَيْدٌ، وكَذا لَوْ قُلْتَ: آيَتُكُ أنْ تُكَلِّمَ النّاسِ رَمْزًا، اِسْتَقامَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ، فَلَوْ قُلْتَ: لَيْسَ القَوْمُ في الدّارِ إلّا زَيْدًا أوْ إلّا زِيدٌ ثُمَّ حَذَفْتَ النَّفْيَ، وإلّا فَقُلْتَ: القَوْمُ في الدّارِ زَيْدًا أوْ زَيْدٌ، لَمْ يَسْتَقِمْ، فَكَذا المُنْقَطِعُ نَحْوُ: ما خَرَجَ القَوْمُ إلّا حِمارًا، لَوْ قُلْتَ: خَرَجَ القَوْمُ حِمارًا لَمْ يَسْتَقِمْ، قالَهُ السَّفاقِسِيُّ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (إلّا رُمُزًا) بِضَمَّتَيْنِ، جَمْعُ رُمُوزٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، وقُرِئَ (رَمَزًا) بِفُتْحَتَيْنِ جَمْعُ رامِزٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ وهو مِن نادِرِ الجَمْعِ وعَلى القِراءَتَيْنِ يَكُونُ حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا أيْ مُتَرامِزَيْنِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: مَتى ما تَلْقَنِي (فَرْدَيْنِ) تَرْجُفُ ∗∗∗ رَوانِفُ ألْيَتَيْكَ وتُسْتَطارا وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (إلّا رُمُزًا) عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ مَصْدَرًا، وجَعَلَهُ مُسَكَّنَ المِيمِ في الأصْلِ والضَّمُّ عارِضٌ لِلِاتِّباعِ كاليُسْرِ واليُسُرِ، وعَلَيْهِ لا يَخْتَلِفُ إعْرابُهُ، فافْهَمْ.

﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ ﴾ أيْ في أيّامِ الحَبْسَةِ شُكْرًا لِتِلْكَ النِّعْمَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ مُطْلَقًا لا في خُصُوصِ تِلْكَ الأيّامِ، وأنْ يَكُونَ في جَمِيعِ أيّامِ الحَمْلِ لِتَعُودَ بَرَكاتُهُ إلَيْهِ، والمُنْساقُ إلى الذِّهْنِ هو الأوَّلُ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها مُبَيِّنَةٌ لِلْغَرَضِ مِنها، واسْتُشْكِلَ العَطْفُ مِن وجْهَيْنِ؛ الأوَّلُ: عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ، والثّانِي: عَطْفُ المُؤَكِّدِ عَلى المُؤَكَّدِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيِ اُشْكُرْ واذْكُرْ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُجْعَلَ الأمْرُ بِمَعْنى الخَبَرِ عَطْفًا عَلى (لا تُكَلِّمَ) فَيَكُونُ في تَقْدِيرِ: أنْ لا تُكَلِّمَ وتَذْكُرَ رَبَّكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ﴿ كَثِيرًا ﴾ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ زَمانٍ كَذَلِكَ أيْ ذِكْرًا كَثِيرًا وزَمانًا كَثِيرًا.

﴿ وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ ﴾ وهو مِنَ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ، ﴿ والإبْكارِ  ﴾ أيْ وقْتِهِ وهو مِنَ الفَجْرِ إلى الضُّحى، وإنَّما قُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ الإبْكارَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرٌ لا وقْتٌ فَلا تَحْسُنُ المُقابَلَةُ كَذا قِيلَ؛ وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العَشِيَّ جَمْعُ عَشِيَّةٍ الوَقْتِ المَخْصُوصِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو البَقاءِ، واَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُعْظَمُ أنَّهُ مَصْدَرٌ أيْضًا عَلى فَعِيلٍ لا جَمْعٌ‘ وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الجَوْهَرِيِّ فافْهَمْ؛ وقُرِئَ (والأبْكارِ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَهو حِينَئِذٍ جَمْعُ بَكَرٍ كَسَحَرٍ لَفْظًا ومَعْنًى وهو نادِرُ الِاسْتِعْمالِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ بِدَلِيلِ تَقْيِيدِهِ بِالوَقْتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ وقِيلَ: الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ كَما أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ الذِّكْرُ القَلْبِيُّ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لا تَكْرارَ في ذِكْرِ التَّسْبِيحِ مَعَ الذِّكْرِ، وألْ في الوَقْتَيْنِ لِلْعُمُومِ، وأبْعَدُ مِن جَعْلِها لِلْعَهْدِ أيْ عَشِيِّ تِلْكَ الأيّامِ الثَّلاثَةِ وأبْكارِها، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، ولَيْسَ مِن بابِ التَّنازُعِ في المَشْهُورِ، وجَوَّزَهُ بَعْضُهم فَيَكُونُ الأمْرُ بِالذِّكْرِ مُقَيَّدًا بِهَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ أيْضًا، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ تَقْيِيدَهُ بِالكَثْرَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ، وفِيهِ بُعْدٌ تَسْلِيمُ أنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهِ فَقَطْ أنَّ الكَثْرَةَ أخَصُّ مِنَ التَّكْرارِ.

هَذا ومِن بابِ البُطُونِ في الآياتِ أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شَيْخًا مُرْشِدًا لِلنّاسِ فَلَمّا رَأى ما رَأى أيْ تَحَرَّكَتْ غَيْرَةُ النُّبُوَّةِ فَطَلَبَ مِن رَبِّهِ ولَدًا حَقِيقِيًّا يَقُومُ مَقامَهُ في تَرْبِيَةِ النّاسِ وهِدايَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ أيْ مُطَهَّرَةً مِن لَوَثِ الِاشْتِغالِ بِالسِّوى مُنْفَرِدَةً عَنْ إراداتِها مُقَدَّسَةً مِن شَهَواتِها ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ ﴾ عَلى ساقِ الخِدْمَةِ ﴿ يُصَلِّي في المِحْرابِ ﴾ وهو مَحِلُّ المُراقَبَةِ ومُحارِبَةِ النَّفْسِ ﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ مَن شاهَدَ الحَقَّ في جَمالِ نُبُوَّتِهِ يَحْيا قَلْبُهُ مِن مَوْتِ الفَتْرَةِ، أوْ لِأنَّهُ هو يَحْيا بِالنُّبُوَّةِ والشَّهادَةِ ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ وهو ما يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ عَلى القُلُوبِ المُقَدَّسَةِ ﴿ وسَيِّدًا ﴾ وهو الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ نُورُ هَيْبَةِ عِزَّةِ الحَقِّ، وقالَ الصّادِقُ: هو المُبايِنُ لِلْخَلْقِ وصْفًا وحالًا وخَلْقًا؛ وقالَ الجُنَيْدُ: هو الَّذِي جادَ بِالكَوْنَيْنِ طَلَبًا لِرَبِّهِ، وقالَ اِبْنُ عَطاءٍ: هو المُتَحَقِّقُ بِحَقِيقَةِ الحَقِّ، وقالَ اِبْنُ مَنصُورٍ: هو مَن خَلا عَنْ أوْصافِ البَشَرِيَّةِ وحَلى بِنُعُوتِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: هو مَنِ اِسْتَوَتْ أحْوالُهُ عِنْدَ المَنعِ والإعْطاءِ والرَّدِّ والقَبُولِ ﴿ وحَصُورًا ﴾ وهو الَّذِي حُصِرَ ومُنِعَ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَواتِ وعُصِمَ بِالعِصْمَةِ الأزَلِيَّةِ، وقالَ الإسْكَنْدَرانِيُّ: هو المُنَزَّهُ عَنِ الأكْوانِ وما فِيها ﴿ ونَبِيًّا ﴾ أيْ مُرْتَفَعُ القَدْرِ بِهُبُوطِ الوَحْيِ عَلَيْهِ ومَعْدُودًا ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ وهم أهْلُ الصَّفِّ الأوَّلِ مِن صُفُوفِ الأرْواحِ المُجَنَّدَةِ المُشاهِدَةِ لِلْحَقِّ في مَرايا الخَلْقِ.

﴿ قالَ ﴾ اِسْتِعْظامًا لِلنِّعْمَةِ: ﴿ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ والحالُ ”قَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ“ وهو أحَدُ المَوانِعِ العادِيَّةِ ﴿ وامْرَأتِي عاقِرٌ ﴾ وهو مانِعٌ آخَرُ ﴿ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ عَلى العُلُوقِ لِأشْكُرَكَ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ إذْ شُكْرُ المُنْعِمِ واجِبٌ وبِهِ تَدُومُ المَواهِبُ الإلَهِيَّةُ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ﴾ بِأنْ يُحْصَرَ لِسانُكَ عَنْ مُحادَثَتِهِمْ لِيَتَجَرَّدَ سِرُّكَ لِرَبِّكَ ويَكُونُ ظاهِرُكَ وباطِنُكَ مَشْغُولًا بِهِ ﴿ إلا رَمْزًا ﴾ تَدْفَعُ بِهِ ضِيقَ القَلْبِ عِنْدَ الحاجَةِ، وحَقِيقَةُ الرَّمْزِ عِنْدَ العارِفِينَ تَعْرِيضُ السِّرِّ إلى السِّرِّ وإعْلامُ الخاطِرِ لِلْخاطِرِ بِنَعْتِ تَحَرِّيكِ سِلْسِلَةِ المُواصَلَةِ بَيْنَ المُخاطِبِ والمُخاطَبِ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ بِتَخْلِيصِ النِّيَّةِ عَنِ الخَطِراتِ وجَمْعِ الهُمُومِ بِنَعْتِ تَصْفِيَةِ السِّرِّ في المُناجاةِ وتَحَيُّرِ الرُّوحِ في المُشاهَداتِ ﴿ وسَبِّحْ ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَنِ الشَّرِكَةِ في الوُجُودِ ﴿ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ بِالفَناءِ والبَقاءِ.

وإنْ أرَدْتَ تَطْبِيقَ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ، فَتَقُولُ: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا ﴾ الِاسْتِعْدادَ ﴿ رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ وهي النَّفْسُ الطّاهِرَةُ المُقَدَّسَةُ عَنِ النَّقائِصِ ﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ مِمَّنْ صَدَقَ في الطَّلَبِ ﴿ فَنادَتْهُ ﴾ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ وهُوَ قائِمٌ ﴾ مُنْتَهِضٌ لِتَكْمِيلِ النَّشْأةِ ﴿ يُصَلِّي ﴾ ويَدْعُو في مِحْرابِ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى المُفِيضِ عَلى القَوابِلِ بِحَسَبِ القابِلِيّاتِ ﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ وهو الرُّوحُ الحَيُّ بِرُوحِ الحَقِّ والصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ وهي ما تُلْقِيها مَلائِكَةُ الإلْهامِ مِن قِبَلِ الفَيّاضِ المُطْلَقِ ﴿ وسَيِّدًا ﴾ لَمْ تَمْلِكْهُ الشَّهَواتُ النَّفْسانِيَّةُ ﴿ وحَصُورًا ﴾ أيْ مُبالِغًا في الِامْتِناعِ عَنِ اللَّذائِذِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ ونَبِيًّا ﴾ بِما يَتَلَقّاهُ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ ومَعْدُودًا ﴿ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ لَهاتِيكَ الحَضْرَةِ القائِمِينَ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ لِاتِّصافِهِ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ.

﴿ قالَ رَبِّ أنّى ﴾ أيْ كَيْفَ ﴿ يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ وضَعْفُ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ ﴿ وامْرَأتِي ﴾ وهي النَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ ﴿ عاقِرٌ ﴾ عَقِيمٌ عَنْ وِلادَةِ مِثْلِ هَذا الغُلامِ إذْ لا تَلِدُ الحَيَّةُ إلّا حَيِيَّةً ﴿ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ ﴾ في غَرابَةِ الشَّأْنِ ﴿ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي يَسْتَبْعِدُها مَن قَيَّدَهُ النَّظَرُ إلى المَأْلُوفاتِ، وبَقِيَ أسِيرًا في سَجْنِ العاداتِ ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ عَلى ذَلِكَ لِأشْكُرَكَ مُسْتَمْطِرًا زِيادَةَ نِعَمِكَ الَّتِي لا مُنْتَهى لَها ﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ﴾ وهم ما يَأْنَسُ بِهِ مِنَ اللَّذائِذِ المُباحَةِ ﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ وهي يَوْمُ الفَناءِ بِالأفْعالِ ويَوْمُ الفَناءِ بِالصِّفاتِ ويَوْمُ الفَناءِ بِالذّاتِ ﴿ إلا رَمْزًا ﴾ أيْ قَدْرًا يَسِيرًا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ ﴾ الَّذِي رَبّاكَ حَتّى أوْصَلَكَ إلى هَذِهِ الغايَةِ ﴿ كَثِيرًا ﴾ حَيْثُ مَنَّ عَلَيْكَ بِخَيْرٍ كَثِيرٍ ﴿ وسَبِّحْ ﴾ أيْ نَزِّهْ رَبَّكَ عَنْ نَقائِصِ التَّقَيُّدِ بِالمَظاهِرِ ﴿ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ أيْ وقْتَيِ الصَّحْوِ والمَحْوِ.

وبَعْضُ المُلْتَزِمِينَ لِذِكْرِ البُطُونِ ذَكَرَ في تَطْبِيقِ ما في الآفاقِ عَلى ما في الأنْفُسِ أنَّ القُوى البَدَنِيَّةَ اِمْرَأةَ عِمْرانَ الرُّوحَ نَذَرَتْ ما في قُوَّتِها مِنَ النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ فَوَضَعَتْ أُنْثى النَّفْسِ فَكَفَّلَها زَكَرِيّا الفِكْرُ فَدَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا مِحْرابَ الدِّماغِ فَوَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا مِنَ المَعانِي الحَدْسِيَّةِ الَّتِي اِنْكَشَفَتْ لَها بِصَفائِها فَهُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا الفِكْرُ بِتَرْكِيبِ تِلْكَ المَعانِي واسْتَوْهَبَ ولَدًا مُقَدَّسًا مِن لَوَثِ الطَّبِيعَةِ فَسَمِعَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ فَنادَتْهُ مَلائِكَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ وهو قائِمٌ في أمْرِهِ بِتَرْكِيبِ المَعْلُوماتِ يُناجِي رَبَّهُ بِاسْتِنْزالِ الأنْوارِ في مِحْرابِ الدِّماغِ ﴿ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ العَقْلِ مُصَدِّقًا بِعِيسى القَلْبِ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِتَقَدُّسِهِ عَنْ عالَمِ الأجْرامِ ﴿ وسَيِّدًا ﴾ لِجَمِيعِ أصْنافِ القُوى ﴿ وحَصُورًا ﴾ عَنْ مُباشَرَةِ الطَّبِيعَةِ ﴿ ونَبِيًّا ﴾ بِالإخْبارِ عَنِ المَعارِفِ والحَقائِقِ وتَعْلِيمِ الأخْلاقِ ومُنْتَظِمًا في سِلْكِ الصّالِحِينَ وهُمُ المُجَرَّداتُ ومُقَرَّبُو الحَضْرَةِ ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ ﴾ ذَلِكَ ﴿ وقَدْ بَلَغَنِيَ ﴾ كِبَرُ مُنْتَهى الطَّوْرِ ﴿ وامْرَأتِي ﴾ وهي طَبِيعَةُ الرُّوحِ النَّفْسانِيَّةِ ﴿ عاقِرٌ ﴾ بِالنُّورِ المُجَرَّدِ فَطَلَبَ لِذَلِكَ عَلامَةً فَقِيلَ لَهُ: عَلامَةُ ذَلِكَ الإمْساكُ عَنْ مُكالَمَةِ القُوى البَدَنِيَّةِ في تَحْصِيلِ مَآرِبِهِمْ مَنِ اللَّذائِذِ ﴿ ثَلاثَةَ أيّامٍ ﴾ كُلَّ يَوْمٍ عَقْدٌ تامٌّ مِن أطْوارِ العُمْرِ وهو عَشْرُ سِنِينَ (إلّا) بِالإشارَةِ الخَفِيَّةِ، وأُمِرَ بِالذِّكْرِ في هَذِهِ الأيّامِ الَّتِي هي مَعَ العَشْرِ الأُوَلِ الَّتِي هي سِنُّ التَّمَيُّزِ أرْبَعُونَ سَنَةً اِنْتَهى، وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْتُهُ عَلى ضَعْفِي أوْلى مِنهُ، وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ وبُطُونُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا تُحْصى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً يعني اجعل لي علامة حين حملت امرأتي أعرف قالَ آيَتُكَ يعني علامة الحبل أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ يعني أنك تصبح، فلا تطيق الكلام ثلاثة أيام إِلَّا رَمْزاً أي كلاماً خَفِيّاً.

ويقال: الرمز بالشفتين والحاجبين، والإيماء باليد والرأس.

قال بعضهم: كان منع الكلام عقوبة له، لأنه بُشِّر بالولد، فسأل آية فحبس الله لسانه عن الناس ثلاثة أيام، ولم يحسبه عن ذكر الله، وعن الصلاة.

وقال بعضهم: لم يكن عقوبة، ولكن كانت كرامة له، حين جعلت له علامة لظهور الحبل، ومعجزة له.

وروى أسباط عن السدي أنه قال: لما بُشِّر بيحيى قال له الشيطان: إن النداء الذي سمعت بالبشارة من الشيطان، ولو كان من الله، لأوحى إليك، كما أوحى إلى سائر الأنبياء.

فقال عند ذلك: اجْعَل لي آية، حتى أعلم أن هذه البشارة منك.

قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ.

وقال في آية أخرى: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا [مريم: 10] ، يعني أنك مستوي الخَلْق، ولا علة بك، ثم أمره بذكر ربه، لأن لسانه لم يمنع عن ذكر الله تعالى فقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ يعني بالغداة والعَشِيِّ ويقال بالليل والنهار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

دَلَّ علَيْه ما ذُكِرَ، تقديره: فَقَبِلَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، وبَعَثَ المَلَكَ، أو الملائكة، فنادتْهُ، وذكر جمهورُ المفسِّرين أنَّ المنادِي إِنما هو جبريلُ، وقال قومٌ: بل نادته ملائكةٌ كثيرةٌ حسْبما تقتضيه ألفاظ الآيةِ، قلت: وهذا هو الظاهرُ، ولا يعدل عنه إِلا أن يصحَّ في ذلك حديث عنه صلّى الله عليه وسلّم، فيتّبع.

وقوله تعالى: فَنادَتْهُ عبارةٌ تستعملُ في التبشيرِ، وفي ما ينبغي أنْ يسرع/ به، وينهى إِلى نفس السامعِ ليسرَّ به، فلم يكُنْ هذا من الملائكةِ إِخباراً على عرف الوحْيِ، بل نداء كما نادَى الرَّجُلُ الأنصاريُّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ مِنْ أعلى الجَبَلِ.

وقوله تعالى: وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ، يعني: ب «المِحْرَابِ» في هذا الموضعِ: موقفَ الإِمامِ من المسجدِ، ويَحْيَى: اسم سمَّاه اللَّه به قَبْلَ أنْ يولَدَ، ومُصَدِّقاً نصْبٌ على الحال، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الكلمةُ هنا يرادُ بها عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.

قال ع «١» : وسَمَّى اللَّه تعالى عيسى كلمةً، إِذْ صدر عن كَلِمةٍ منه تعالى، وهي «كُنْ» ، لا بسبب إِنسان.

وقوله تعالى: وَسَيِّداً: قال قتادة: أيْ: واللَّهِ سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعبادةِ والوَرَعِ «٢» .

قال ع «٣» : مَنْ فَسَّر السؤدد بالحِلْمِ، فقَدْ أحرز أكْثَر معنى السؤددِ، ومَنْ جَرَّد تفسيره بالعِلْمِ والتقى ونحوه، فلم يفسِّره بحَسَب كلامِ العربِ، وقد تحصَّل العلْم ليحيى- عليه السلام- بقوله: مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، وتحصَّل التقى بباقِي الآية، وخصَّه اللَّه بذكْرِ السؤددِ الذي هو الاعتمال في رِضَا النَّاس على أشْرَفِ الوجوهِ، دون أنْ يوقعِ في باطِل هذا اللفظ يعمُّ السؤددَ، وتفصيلُهُ أن يقالَ: بذل الندى، وهذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى، وهنا

هي العفةُ بالفَرْج، واليَدِ، وَاللِّسان، واحتمال العظائم، وهنا هو الحِلْمُ وغيرُهُ مِنْ تحمُّلِ الغراماتِ والإِنقاذِ من الهَلَكَاتِ، وجَبْرِ الكَسِيرِ، والإفضالِ على المسترفد، وانظر قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، وَلاَ فَخْرَ» «١» ، وذكر حديثَ الشفاعةِ في إِطلاق الموقِفِ، وذلك منه اعتمال في رِضَا ولد آدم، ثم:

قال ع «٢» : أما أنه يحسن بالتقيِّ العَالِمِ أنْ يأخُذَ من السؤدد بكلِّ ما لا يخلُّ بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى- عليه السلام-.

وقوله تعالى: وَحَصُوراً أصل هذه اللفظة: الحَبْسُ والمَنْعُ، ومنه: حصر العدو.

قال ع «٣» : وأجمعَ مَنْ يعتدُّ بقوله من المفسِّرين على أنَّ هذه الصفة ليحيى- عليه السلام- إِنما هي الاِمتناعُ من وطْءِ النِّسَاءِ إِلاَّ ما حكى مكِّيٌّ من قول من قَالَ: إِنه الحُصُور عن الذنوب، وذهب بَعْضُ العلماءِ إلى أنَّ حَصْرَهُ كان بأنه يُمْسِكُ نفسه تُقًى وجَلَداً في طاعة اللَّه سبحانه، وكانتْ به القُدْرة على جِمَاعِ النساءِ، قالوا: وهذه أمْدَحُ له، قال الإِمام الفَخْر «٤» : وهذا القولُ هو اختيار المحقِّقين أنه لا يأتِي النِّساء، لا للعَجْز، بل للعِصْمَةِ والزُّهْد.

قلْتُ: قال عِيَاضٌ: اعلم أنَّ ثناء اللَّه تعالى على يحيى- عليه السلام- بأنه حَصُورٌ، ليس كما قال بعضْهم: إِنه كان هَيُوباً «٥» أو لا ذَكَرَ لَهُ، بل قد أنكر هذا حُذَّاق المفسِّرِين، ونُقَّادُ العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعَيْب، ولا تليقُ بالأنبياء- عليهم السلام-، وإِنما معناه: معصومٌ من الذُّنُوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِرَ عنها «٦» ، وقيل: مانعاً نفسه من الشهوات، وقيل: ليستْ له شهوةٌ في النساءِ كفَايَةً من اللَّه له لكونها مشغلة في كثير من

الأوقات، حاطَّة إِلى الدنيا، ثم هي في حَقِّ مَنْ أُقْدِرَ عَلَيْها، وقام بالواجب فيها، ولم تَشْغَلْهُ عن ربِّهِ- درجةٌ عُلْيَا، وهي درجة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، أيْ: وسائرِ النبيِّين.

اهـ من «الشِّفَا» «١» .

وباقي الآية بيِّن.

ورُوِيَ مِنْ صلاحه/- عليه السلام- أنَّهُ كان يعيشُ من العُشْب، وأنه كان كثير البُكَاء من خَشْية اللَّه حتى اتخذ الدمع في وجهه أخدودا.

ص: ومِنَ الصَّالِحِينَ، أي: من أصلاب الأنبياء، أو صالحاً من الصَّالحين، فيكون صفةً لموصوفٍ محذوفٍ.

اهـ.

قلت: والثاني أحْسَنُ، والأولُ تحصيلُ الحاصلِ، فتأمَّله.

وقوله تعالى: قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ...

الآية: ذهب الطَّبَرِيُّ «٢» وغيره إِلي أنَّ زكريَّا لَمَّا رأى حال نَفْسه، وحال امرأته، وأنها ليستْ بحالِ نسلٍ، سأل عن الوَجْه الذي به يكونُ الغلامُ، أتبدلُ المرأةُ خِلْقَتَهَا أمْ كيْفَ يكُون؟

قال ع «٣» : وهذا تأويلٌ حسن لائقٌ بزكريَّا- عليه السلام-.

وأَنَّى: معناها: كَيْفَ، ومِنْ أَيْنَ، وحسن في الآية بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ من حيثُ هي عبارةُ وَاهِنٍ منفعلٍ.

وقوله: كَذلِكَ، أي: كهذه القُدْرةِ المستغْرَبَةِ قُدْرَةُ اللَّهِ، ويحتمل أن تكون الإِشارة بذلك إلى حال زكريَّا، وحالِ امرأتِهِ كأنه قال: رَبِّ، على أيِّ وجه يكونُ لنا غلامٌ، ونحن بحالِ كذا، فقال له: كما أَنْتُمَا يكونُ لكُمَا الغلامُ، والكلامُ تامٌّ على هذا التأويل في قوله:

كَذلِكَ.

وقوله: اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ: جملةٌ مبيّنة مقرِّرة في النفْسِ وقوعَ هذا الأمْر المستغْرَبِ.

وقوله: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، أي: علامة، قالَتْ فرقة من المفسِّرين لم يكن

هذا من زكريَّا على جهة الشكِّ، وإِنما سأل علامةً على وَقْت الحَمْلِ.

وقوله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ...

الآية: قال الطبريُّ وغيره: لم يكُنْ منعه الكلامَ لآفة، ولكنه مُنِعَ محاورةَ النَّاس، وكان يَقْدِرُ على ذكر اللَّه، ثم استثنى الرَّمْز، وهو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والكلام المرادُ في الآية: إِنما هو النطْقُ باللِّسَان، لا الإِعلام بما في النَّفْس، والرَّمْزُ في اللغة: حركةٌ تُعْلِمُ بما في نَفْسِ الرَّامِزِ كانت الحركةُ من عَيْنٍ، أو حاجبٍ، أو شَفَةٍ، أو يدٍ، أو عُودٍ، أو غيرِ ذلك، وقد قيل للكَلاَمِ المحرَّف عن ظاهره: رُمُوز.

وأَمَرَهُ تعالى بالذِّكْر لربه كثيراً لأنه لم يَحُلْ بينه وبين ذكْر اللَّه، وهذا قاضٍ بأنه لم تدركْهُ آفَةٌ ولا علَّة في لسانِهِ، قال محمَّد بن كَعْبٍ القُرَظِيّ: لو كان اللَّه رخَّصَ لأحدٍ في ترك الذِّكْر، لرخَّص لزكريَّاء- عليه السلام- حيث قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً، لكنه قال له: اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً «١» قال الإِمام الفَخْر «٢» : وفي الآية تأويلان:

أحدهما: أنَّ اللَّه تعالى حبس لسانه عن أمور الدنيا، وأقدره علَى الذِّكْر والتَّسْبيحِ والتهليلِ ليكون في تلك المدَّة مشتغلاً بذكْرِ اللَّه وطاعته شُكْراً للَّه على هذه النِّعْمة، ثم أعلم أنَّ هذه الواقعة كانَتْ مشتملةً علَى المُعْجِزِ من وجوه:

أحدها: أنَّ قدرته على الذكْرِ والتَّسبيحِ، وعَجْزَه عن التكلُّم بأمور الدنْيَا من المُعْجِزَات.

وثانيها: أنَّ حصولَ ذلك العَجْز مع صحّة البنية من المعجزاتِ.

وثالثها: أن إِخباره بأنه متى حصلَتْ تلْكَ الحالةُ، فقَدْ حصل الولد، ثم إِنَّ الأمر خرج على وفَقْ هذا الخبرِ يكون أيضاً من المعجزات.

والتأويل الثَّاني: أن المراد منه الذكْر بالقَلْب وذلك لأن المستغْرِقِينَ في بِحَارِ معرفة اللَّه تعالى عادتهم في أوَّل الأمر أنْ يواظِبُوا على الذكْرِ اللِّسَانِيِّ مدةً، فإِذا امتلأ القَلْبُ من نُور ذِكْرِ اللَّه تعالى/، سكَتُوا باللِّسَان، وبقي الذِّكْرُ في القَلْب ولذلك قالوا: «مَنْ عَرَفَ اللَّه، كَلَّ لِسَانُهُ» ، فكان زكريَّاء- عليه السلام- أمر بالسُّكُوت باللّسان واستحضار معاني

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَبِّحْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: صِلْ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: فَرَغْتُ مِن سُبْحَتِي، أيْ: مِن صَلاتِي.

وسُمِّيَتِ الصَّلاةُ تَسْبِيحًا، لِأنَّ التَّسْبِيحَ تَعْظِيمُ اللَّهِ، وتَبْرِئَتُهُ مِنَ السُّوءِ، فالصَّلاةُ يُوصَفُ فِيها بِكُلِّ ما يُبَرِّئُهُ مِنَ السُّوءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِالعَشِيِّ ﴾ العَشِيُّ: مِن حِينِ نُزُولِ الشَّمْسِ إلى آَخِرِ النَّهارِ ﴿ والإبْكارِ ﴾ : ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى: قالَ الشّاعِرُ: فَلا الظِّلُّ في بَرْدِ الضُّحى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ يَذُوقُ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أبْكَرَ الرَّجُلُ يُبْكِرُ إبْكارًا، وبَكَرَ يَبْكُرُ تَبْكِيرًا، وبَكَّرَ يُبَكِّرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ تَقَدَّمَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ الآيَةُ: العَلامَةُ.

وقالَ الرَبِيعُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُما: إنَّ زَكَرِيّاءَ قالَ: يا رَبِّ إنْ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ مِن قِبَلِكَ والبِشارَةُ حَقٌّ، فاجْعَلْ لِي عَلامَةً أعْرِفُ صِحَّةَ ذَلِكَ بِها، فَعُوقِبَ عَلى هَذا الشَكِّ في أمْرِ اللهِ بِأنْ مُنِعَ الكَلامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مَعَ الناسِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ يَشُكَّ قَطُّ زَكَرِيّاءُ، وإنَّما سَألَ عَنِ الجِهَةِ الَّتِي بِها يَكُونُ الوَلَدُ وتَتِمُّ البِشارَةُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ  ﴾ سَألَ عَلامَةً عَلى وقْتِ الحَمْلِ لِيَعْرِفَ مَتى يُحْمَلُ بِيَحْيى.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ كانَ مَنعُهُ الكَلامَ لِآفَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أمْ كانَ ذَلِكَ لِغَيْرِ آفَةٍ؟

فَقالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: رَبّا لِسانَهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ ثُمَّ أطْلَقَهُ اللهُ بَعْدَ ثَلاثٍ.

وقالَ الرَبِيعُ وغَيْرُهُ: عُوقِبَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِالبِشارَةِ فَسَألَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلامَةً فَأخَذَ اللهُ عَلَيْهِ لِسانَهُ، فَجَعَلَ لا يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ.

وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ تَكُنْ آفَةً، ولَكِنَّهُ مُنِعَ مُحاوَرَةَ الناسِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها، وكانَ يَقْدِرُ عَلى ذِكْرِ اللهِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وذُكِرَ نَحْوُهُ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.

ثُمَّ اسْتَثْنى الرَمْزَ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.

وذَهَبَ الفُقَهاءُ في الإشارَةِ ونَحْوِها إلى أنَّها في حُكْمِ الكَلامِ في الأيْمانِ ونَحْوِها، فَعَلى هَذا يَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والكَلامُ المُرادُ بِالآيَةِ إنَّما هو النُطْقُ بِاللِسانِ لا الإعْلامُ بِما في النَفْسِ، فَحَقِيقَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "رَمْزًا" - بِفَتْحِ الراءِ وسُكُونِ المِيمِ - وقَرَأ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ: "رُمُزًا" بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ: "رَمَزًا" بِفَتْحِهِما.

والرَمْزُ في اللُغَةِ: حَرَكَةٌ تُعْلِمُ بِما في نَفْسِ الرامِزِ بِأيِّ شَيْءٍ كانَتِ الحَرَكَةُ؛ مِن عَيْنٍ أو حاجِبٍ أو شَفَةٍ أو يَدٍ أو عُودٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَدْ قِيلَ لِلْكَلامِ المُحَرَّفِ عن ظاهِرِهِ: رُمُوزٌ، لِأنَّها عَلاماتٌ بِغَيْرِ اللَفْظِ المَوْضُوعِ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ الإعْلامُ بِهِ.

وقَدْ يُقالُ لِلتَّصْوِيتِ الدالِّ عَلى مَعْنىً: رَمْزٌ، ومِنهُ قَوْلُ جُؤَيَّةَ بْنِ عائِدٍ: وكانَ تَكَلُّمُ الأبْطالِ رَمْزًا ∗∗∗ وغَمْغَمَةً لَهم مِثْلَ الهَدِيرِ وأمّا المُفَسِّرُونَ فَخَصَّصَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم نَوْعًا مِنَ الرَمْزِ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: "إلّا رَمْزًا" مَعْناهُ: إلّا تَحْرِيكًا بِالشَفَتَيْنِ، وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ إلّا إشارَةً بِاليَدِ والرَأْسِ، وبِهِ قالَ السُدِّيُّ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وقالَ الحَسَنُ: أُمْسِكَ لِسانُهُ فَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إلى قَوْمِهِ، وقالَ قَتادَةُ: "إلّا رَمْزًا" مَعْناهُ: إلّا إيماءً.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألّا تُكَلِّمَ الناسَ" بِنَصْبِ الفِعْلِ بِأنْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ألّا تُكَلِّمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ ويَكُونَ فِيها ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، والتَقْدِيرُ: آيَتُكَ أنَّهُ لا تُكَلِّمُ الناسَ.

والقَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا صُمْتُ يَوْمًا إلى اللَيْلِ"» قَوْلٌ ظاهِرُ الفَسادِ مِن جِهاتٍ.

وأمَرَهُ تَعالى بِالذِكْرِ لِرَبِّهِ كَثِيرًا لِأنَّهُ لَمْ يَحِلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذِكْرِ اللهِ، وهَذا قاضٍ بِأنَّهُ لَمْ تُدْرِكْهُ آفَةٌ ولا عِلَّةٌ في لِسانِهِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَوْ كانَ اللهُ رَخَّصَ لِأحَدٍ في تَرْكِ الذِكْرِ؛ لَرَخَّصَ لِزَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا ﴾ لَكِنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَسَبِّحْ" مَعْناهُ: قُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: صَلِّ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّهُ يُناسِبُ الذِكْرَ ويُسْتَغْرَبُ مَعَ امْتِناعِ الكَلامِ مَعَ الناسِ.

والعَشِيُّ في اللُغَةِ: مِن زَوالِ الشَمْسِ إلى مَغِيبِها، ومِنهُ قَوْلُ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: ما أدْرَكْتُ الناسَ إلّا وهم يُصَلُّونَ الظُهْرَ بِعَشِيٍّ، والعَشِيُّ مِن حِينِ يَفِيءُ الفَيْءُ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: فَلا الظِلَّ مِن بَرْدِ الضُحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ و العَشِيُّ: اسْمٌ مُفْرَدٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وجَمْعُ عَشِيَّةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَسَفِينَةٍ وسَفِينٍ، و"الإبْكارِ" مَصْدَرُ أبْكَرَ الرَجُلُ، إذا بادَرَ أمْرَهُ مِن لَدُنِ طُلُوعِ الشَمْسِ، وتَتَمادى البُكْرَةُ شَيْئًا بَعْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، يُقالُ: أبْكَرَ الرَجُلُ وبَكَّرَ فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ: أمِن آلِ نُعْمى أنْتَ غادٍ فَمُبْكِرُ...

∗∗∗..............

ومِنَ الثانِي قَوْلُ جَرِيرٍ: ألا بَكَّرَتْ سَلْمى فَجَدَّ بُكُورُها ∗∗∗ ∗∗∗ وشَقَّ العَصا بَعْدَ اجْتِماعٍ أمِيرُها وقالَ مُجاهِدٌ في تَفْسِيرِ الإبْكارِ: أوَّلُ الفَجْرِ، والعَشِيِّ: مَيْلُ الشَمْسِ حَتّى تَغِيبَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء في قوله: ﴿ فنادته الملائكة ﴾ للتعقيب أي استجيبت دعوته للوقت.

وقوله: ﴿ وهو قائم ﴾ جملة حالية والمقصود من ذكرها بيان سرعة إجابته؛ لأنّ دعاءه كان في صلاته.

ومقتضى قوله تعالى: ﴿ هنالك ﴾ والتفريع عليه بقوله: فنادته أنّ المحراب محراب مريم.

وقرأ الجمهور: فنادته بتاء تأنيث لِكون الملائكة جمعاً، وإسناد الفعل للجمع يجوز فيه التأنيث على تأويله بالجماعة أي نادته جماعة من الملائكة.

ويجوز أن يكون الذي ناداه ملكاً واحداً وهو جبريل وَقد ثبت التصريح بهذا في إنجيل لوقا، فيكون إسناد النداء إلى الملائكة من قبيل إسناد فعل الواحد إلى قبيلته كقولهم: قتلت بَكرٌ كُلَيباً.

وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: فناداه الملائكة على اعتبار المنادي واحداً من الملائكة وهو جبريل.

وقرأ الجمهور: أنّ الله بفتح همزة أن على أنه في محل جر بباء محذوفة أي نادته الملائكة بأنّ الله يبشرك بيحيى.

وقرأ ابن عامر وحمزة: إنّ بكسر الهمزة على الحكاية.

وعلى كلتا القراءتين فتأكيد الكلام بإنّ المفتوحة الهمزةِ والمكسورتِها لتحقيق الخبر؛ لأنّه لغرابته يُنزّل المخبَر به منزلة المتردّد الطالب.

ومعنى «يبشرك بيحيى» يبشرك بمولود يسمّى يحيى فعلم أن يحيى اسم لا فعل بقرينة دخول الباء عليه وذُكر في سورة مريم (7): ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ ويحيى معرّب يوحنا بالعبرانية فهو عجمي لا محالة نطق به العرب على زنة المضارع من حَيي وهو غير منصرف للعُجمة أو لوزن الفعل.

وقتل يحيى في كهولته عليه السلام بأمر (هيرودس) قبل رفع المسيح بمدة قليلة.

وقد ضمت إلى بشارته بالابن بشارة بطيبه كما رجَا زكرياء، فقيل له مصدّقاً بكلمةٍ من الله، فمصدّقاً حال من يحيى أي كاملَ التوفيق لا يتردّد في كلمة تأتي من عند الله.

وقد أجمل هذا الخبر لزكرياء ليَعلم أنّ حادثاً عظيماً سيقع يكون ابنه فيه مصدّقاً برسول يجيء وهو عيسى عليهما السلام.

ووُصِفَ عيسى كلمةً من الله لأنّ خُلق بمجرد أمر التكوين الإلهي المعبر عنه بكلمة كُنْ أي كان تكوينه غير معتادو سيجيء عند قوله تعالى: ﴿ إن اللَّه يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ [آل عمران: 45].

والكلمة على هذا إشارة إلى مجيء عيسى عليه السلام.

ولا شكّ أنّ تصديق الرسول، ومعرفة كونه صادقاً بدون تردّد، هدى عظيم من الله لدلالته على صدق التأمل السريع لمعرفة الحق، وقد فاز بهذا الوصف يحيى في الأولين، وخديجة وأبو بكر في الآخرين، قال تعالى: ﴿ والذي جاء بالصدق وصدّق به ﴾ [الزمر: 33]، وقيل: الكلمة هنا التوراة، وأطلق عليها الكلمة لأنّ الكلمة تطلق على الكلام، وأنّ الكلمة هي التوراة.

والسيد فَيْعِل من سَاد يسود إذا فاق قومه في محامد الخصال حتى قدموه على أنفسهم، واعترفوا له بالفضل.

فالسؤدد عند العرب في الجاهلية يعتمد كفاية مهمّات القبيلة والبذل لها وإتعاب النفس لراحة الناس قال الهذلي: وإنّ سيادةَ الأقوام فاعلَمْ *** لها صُعَدَاءُ مطلبها طويل أترجو أن تَسُودَ ولن تُعَنّى *** وكيف يسودُ ذو الدعةَ البَخيل وكان السؤدد عندهم يعتمد خلال مرجعها إلى إرضاء الناس على أشرف الوجوه، وملاكه بذل الندى، وكفّ الأذى، واحتمال العظائم، وأصالة الرأي، وفصاحة اللسان.

والسيّد في اصطلاح الشرع من يقوم بإصلاح حال الناس في دنياهم وأخراهم معاً وفي الحديث " أَنا سيّد ولد آدم ولا فخر " وفيه «إنّ ابني هذا سيّد» يعني الحسنَ بن علي فقد كان الحسنُ جامعاً خصال السؤدد الشرعي، وحسبك من ذلك أنّه تنازل عن حق الخلافة لجمع كلمة الأمة، ولإصلاح ذات البين، وفي تفسير ابن عطية عن عبد الله بن عمر: أنه قال: «ما رأيتُ أحداً أسود من معاوية ابن أبي سفيان فقيل له وأبو بكر وعمر قال: هما خير من معاوية ومعاوية أسودُ منهما» قال ابن عطية: «أشار إلى أنّ أبا بكر وعمر كانا من الاستصلاح وإقامة الحقوق بمنزلة هما فيها خير من معاوية، ولكن مع تتبع الجَادّة، وقلّةِ المبالاة برضا الناس ينخرم فيه كثير من خصال السؤدد ومعاوية قد برّز في خصال السؤدد التي هي الاعتمال في إرضاء الناس على أشرف الوجوه ولم يواقع محذوراً».

ووصف الله يحيى بالسيّد لتحصيلة الرئاسة الدينية فيه من صباه، فنشأ محترماً من جميع قومه قال تعالى: ﴿ وآياتيه الحكم صبياً وحناناً من لدنا وزكاة ﴾ [مريم: 12، 13]، وقد قيل السيّد هنا الحليم التقيّ معاً: قاله قتادة، والضحاك، وابن عباس، وعكرمة.

وقيل الحليم فقط: قاله ابن جبير.

وقيل السيّد هنا الشريف: قاله جابر بن زيد، وقيل السيّد هنا العالم: قاله ابن المسيّب، وقتادة أيضاً.

وعُطف سيّداً على مصدّقاً، وعطفُ حَصُوراً وما بعده عليه، يؤذن بأنّ المراد به غير العليم، ولا التقي، وغيرُ ذلك محتمل.

والحصور فعول بمعنى مفعول مثل رسول أي حصور عن قربان النساء.

وذكر هذه الصفة في أثناء صفات المدح إمّا أن يكون مدحاً له، لما تستلزمه هذه الصفة من البعد عن الشهوات المحرّمة، بأصل الخلقة، ولعلّ ذلك لمراعاة براءته ممّا يلصقه أهل البهتان ببعض أهل الزهد من التهم، وقد كان اليهود في عصره في أشدّ البهتان والاختلاق، وإمّا ألاّ يكون المقصود بذكر هذه الصفة مدحاً له لأنّ من هو أفضل من يحيى من الأنبياء والرسل كانوا مستكملين المقدرة على قربان النّساء فتعيّن أن يكون ذكر هذه الصفة ليحيى إعلاماً لزكرياء بأنّ الله وهبه ولداً إجابة لدعوته، إذ قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً يرثني ﴾ [مريم: 5، 6] وأنّه قد أتمّ مراده تعالى من انقطاع عقب زكرياء لحكمة علمها، وذلك إظهار لكرامة زكرياء عند الله تعالى.

ووسطت هذه الصفة بين صفات الكمال تأنيساً لزكرياء وتخفيفاً من وحشته لانقطاع نسله بعد يحيى.

وقوله: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ استفهام مراد منه التعجّب، قَصَد منه تعرُّف إمكان الولد، لأنّه لما سأل الولد فقد تهيّأ لحصول ذلك فلا يكون قوله أنّى يكون لي غلام إلاّ تطلباً لمعرفة كيفية ذلك على وجه يحقّق له البشارة، وليس من الشك في صدق الوعد، وهو كقول إبراهيم: ﴿ ليطمئنّ قلبي ﴾ [البقرة: 260]، فأجيب بأنّ الممكنات داخلة تحت قدرة الله تعالى وإنْ عز وقوعها في العادة.

و (أنّى) فيه بمعنى كيف، أو بمعنى المكان، لتعذّر عمل المكانين اللذين هما سبب التناسل وهما الكِبَر والعَقْرَة.

وهذا التعجّب يستلزم الشكر على هذه المنّة فهو كناية عن الشكر.

وفيه تعريض بأن يكون الولد من زوجه العاقر دون أن يؤمر بتزوّج امرأة أخرى وهذه كرامة لامرأة زكرياء.

وقوله: ﴿ وقد بلغني الكبر ﴾ جاء على طريق القلب، وأصله وقد بلغتُ الكبرَ، وفائدته إظهار تمكّن الكبر منه كأنَه يتطلبه حتى بلغه كقوله تعالى: ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ (النساء: 78 (والعاقر المرأة التي لا تلد عَقَرَت رحمَها أي قطعته.

ولأنه وصف خاص بالأنثى لم يؤنّث كقولهم حائض ونافس ومُرضع، ولكنه يؤنث في غير صيغة الفاعل فمنه قولهم عَقْرى دُعاء على المرأة، وفي الحديث: «عَقْرَى حَلْقَى» وكذلك نُفَساء.

وقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ أي كهذا الفعل العجيب وهو تقدير الحمل من شيخ هرِم لم يسبق له ولد وامرأةٍ عاقر كذلك، ولعلّ هذا التكوين حصل بكون زكرياء كان قبل هرمه ذا قوة زائدة لا تستقرّ بسببها النطفة في الرحم فلما هرم اعتدلت تلك القوة فصارت كالمتعارف، أو كان ذلك من أحوال في رحم امرأته ولذلك عبر عن هذا التكوين بجملة ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ أي هو تكوين قدّره الله وأوجد أسبابه ومن أجل ذلك لم يقل هنا يخلق ما يشاء كما قاله في جانب تكوين عيسى.

وقوله: ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ أراد آية على وقت حصول ما بُشِّر به، وهل هو قريب أو بعيد، فالآية هي العلامة الدالة على ابتداء حمل زوجه.

وعن السدي والربيع: آيةَ تحقق كون الخطاب الوارد عليه وارداً من قبل الله تعالى، وهو ما في إنجيل لوقا.

وعندي في هذا نظر، لأنّ الأنبياء لا يلتبس عليهم الخطاب الوارد عليهم من الله ويعلمونه بعلم ضروري.

وقوله: ﴿ آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ﴾ جعل الله حُبْسة لسانه عن الكلام آية على الوقت الذي تحمل فيه زوجته، لأنّ الله صرف ما لَه من القوة في أعصاب الكلام المتصلة بالدمَاغ إلى أعصاب التناسل بحكمة عجيبة يقرب منها ما يذكر من سقوط بعض الإحساس لمن يأكل البَلاذر لقوة الفكر.

أوْ أمرِه بالامتناع من الكلام مع الناس إعانة على انصراف القوة من المنطق إلى التناسل، أي متى تمت ثلاثة الأيام كان ذلك أمارة ابتداء الحمل.

قال الربيع جعل الله ذلك له عقوبة لتردّده في صحة ما أخبره به الملَك، وبذلك صرح في إنجيل لوقا، فيكون الجواب على هذا الوجه من قبيل أسلوب الحكيم لأنه سأل آيةً فأعطي غيرها.

وقوله: ﴿ واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار ﴾ أمر بالشكر.

والذِّكر المراد به: الذِّكر بالقلب والصلاةِ إن كان قد سلب قوة النطق، أو الذكر اللساني إن كان قد نهي عنها فقط.

والاستثناء في قوله إلاّ رمزاً استثناء منقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ دُعائِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ لَهُ في المَسْألَةِ لِأنَّ سُؤالَ ما خالَفَ العادَةَ يُمْنَعُ مِنهُ إلّا عَنْ إذْنٍ لِتَكُونَ الإجابَةُ إعْجازًا.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ طَمِعَ في رِزْقِ الوَلَدِ مِن عاقِرٍ.

﴿ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ يَعْنِي هَبْ لِي مِن عِنْدِكَ ولَدًا مُبارَكًا، وقَصَدَ بِالذُّرِّيَّةِ الواحِدَ.

﴿ إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ﴾ أيْ تُجِيبُ الدُّعاءَ، لِأنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ بَعْدَ سَماعِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: فَناداهُ المَلائِكَةُ، وفي مُناداتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ.

﴿ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ﴾ قِيلَ: إنَّما سَمّاهُ يَحْيى لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهُ بِالإيمانِ، وسَمّاهُ بِهَذا الِاسْمِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ.

﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وأهْلِ البَصْرَةِ.

والثّانِي: يَعْنِي المَسِيحَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خَلَقَهُ بِكَلِمَتِهِ مِن غَيْرِ أبٍ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ في دِينِهِمْ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿ وَسَيِّدًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الخَلِيفَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّقِيُّ، وهو قَوْلُ سالِمٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّرِيفُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الفَقِيهُ العالِمُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

والخامِسُ: سَيِّدُ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي بِالرِّياسَةِ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.

﴿ وَحَصُورًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا ماءَ لَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ لا يَأْتِي النِّساءَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما يَأْتِي بِهِ النِّساءَ، لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ وإنَّما جازَ لَهُ أنْ يَقُولَ: (وَقَدْ بَلَغَنِي الكِبَرُ) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الطّالِبِ لَهُ.

﴿ وامْرَأتِي عاقِرٌ ﴾ أيْ لا تَلِدُ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ راجَعَ بِهَذا القَوْلِ بَعْدَ أنْ بُشِّرَ بِالوَلَدِ، فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ راجَعَ لِيَعْلَمَ عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ، بِأنْ يُرَّدَّ هو وامْرَأتُهُ إلى حالِ الشَّبابِ، أمْ عَلى حالِ الكِبَرِ، فَقِيلَ لَهُ: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، أيْ عَلى هَذِهِ الحالِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِعْظامًا لِمَقْدُورِ اللَّهِ وتَعَجُّبًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ أيْ عَلامَةً لِوَقْتِ الحَمْلِ لِيَتَعَجَّلَ السُّرُورَ بِهِ.

﴿ قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَحْرِيكُ الشَّفَتَيْنِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: الإشارَةُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: الإيماءُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ لَمْ يُمْنَعْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هي الآيَةُ.

﴿ وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ والعَشِيُّ: مِن حِينِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، وأصْلُ العَشِيِّ الظُّلْمَةُ، ولِذَلِكَ كانَ العَشى ضَعْفَ البَصَرِ، فَسُمِّيَ ما بَعْدَ الزَّوالِ عِشاءً لِاتِّصالِهِ بِالظُّلْمَةِ.

وَأمّا الإبْكارُ فَمِن حِينِ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وأصْلُهُ التَّعْجِيلُ، لِأنَّهُ تَعْجِيلُ الضِّياءِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما سمع زكريا النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان ليسخر بك، ولو كان من الله أوحى إليك كما يوحي إليك في غيره من الأمر.

فشك مكانه وقال: ﴿ أَنى يكون لي غلام ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: أتاه الشيطان فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه قال: هل تدري من ناداك؟

قال: نعم.

ناداني ملائكة ربي قال: بل ذلك الشيطان لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك فقال: ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وامرأتي عاقر ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن حاتم عن شعيب الجبائي قال اسم أم يحيى أشيع.

قوله تعالى: ﴿ قال كذلك يفعل الله ما يشاء ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ كذلك ﴾ يعني هكذا.

وفي قوله: ﴿ ربي اجعل لي آية ﴾ قال: قال زكريا: رب فإن كان هذا الصوت منك فاجعل لي آية.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ قال بالحمل له.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ﴾ قال: إنما عوقب بذلك لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه فأخذ عليه بلسانه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الرحمن السلمي قال: اعتقل لسانه من غير مرض.

وأخرج عن السدي قال: اعتقل لسانه ثلاثة أيام، وثلاث ليال.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن نفير قال: رب لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام، ثم أطلقه الله بعد ثلاث.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلاَّ رمزاً ﴾ قال: (الرمز) بالشفتين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ إلاَّ رمزاً ﴾ قال: إيماؤه بشفتيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ إلاَّ رمزاً ﴾ قال: الاشارة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: (الرمز) أن يشير بيده أو رأسه ولا يتلكم.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: الرمز أن أخذ بلسانه فجعل يكلم الناس بيده.

وأخرج الطستي في مسائله وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ إلاَّ رمزاً ﴾ قال: الاشارة باليد، والوحي بالرأس قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: ما في السماء من الرحمن مرتمز ** إلا إليه وما في الأرض من وزر وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال: لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام حيث قال: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً ﴾ ولو رخص في ترك الذكر لرخص للذين يقاتلون في سبيل الله قال الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً ﴾ [ الأنفال: 45] .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وسبِّح بالعشي والإِبكار ﴾ قال: ﴿ العشي ﴾ ميل الشمس إلى أن تغيب ﴿ والإبكار ﴾ أول الفجر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ قال المفسرون: إنَّ زكريا  لمَّا بُشِّر بالولد، سأل الله تعالى علامةً يعرف بها وقت حمل امرأته؛ ليزيد في العبادة؛ شكراً (١) (٢) ﴿ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ﴾ .

أي (٣) (٤) ﴿ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا  ﴾ ؛ أي: وأنت سَوِي.

قال الحسنُ (٥) (٦) (٧) و (الرَّمْزُ): الإيماء بالشَّفَتين، والحاجِبَيْن، والعينين؛ يقال: (رَمَزَ، يَرمُزُ، وَيرْمِزُ)، ومنه قيل للفاجرة: (رامِزَةٌ)، و (رمَّازَةٌ) (٨) (٩) (١٠) قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ .

إن (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ أي: صَلِّ لله تعالى.

والصلاة تُسَمَّى تسبيحا (١٧) (١٨) و (العَشيُّ): آخر النهار، جمع (عَشِيَّة) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) أمِنْ آل نُعْمٍ أنت غادٍ (٢٤) (٢٥) وقال أيضًا: أيُّها الرائِحُ المُجِدُّ ابتكارا (٢٦) بَكَرَنَ بُكوراً واسْتحَرْنَ بِسُحْرةٍ (٢٧) و (باكرت الشيء): إذا بكَّرت له، قال لَبيد: [باكرْتُ حاجَتَها الدجاجَ بسُحرةٍ (٢٨) هذا معنى (الإبكار)، ثمَّ يُسَمَّى ما بين طُلوعِ] (٢٩) إبكاراً، كما يُسَمَّى: إصباحاً (٣٠) (١) في (ب): (ذكرا).

(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 49 أ، "تفسير البغوي" 2/ 36، "زاد المسير" 1/ 386.

(٣) من قوله: (أي ..) إلى: (أي: وأنت سوي): نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 409.

(٤) في "معاني القرآن" للزجاج: (يُمْسَك لسانُك)، وهي الأصوب؛ لأن قوله بعدها: (وأنت صحيح سوي) لا تتناسب مع فعل (تمسك)، المبني للمعلوم، كما أن الآثار بعدها تدل على ذلك، وكذلك ما رواه الحاكم عن ابن عباس قال: (يُعتقَلُ لسانُك من غير مرض وأنت سوي) "المستدرك" 2/ 291 كتاب التفسير.

وصححه، ووافقه الذهبي.

وروى عن نوف البكالي: (فختم على لسانه ثلاثة أيام ولياليهن، وهو صحيح لا يتكلم).

المرجع السابق: 2/ 591 كتاب التاريخ، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 388.

(٥) لم أقف على مصدر قوله.

(٦) قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 12، "تفسير الطبري" 3/ 259، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 646، "تفسير البغوي" 2/ 34، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 40، ونسب إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(٧) قوله، في "تفسير الطبري" 3/ 259، "المحرر الوجيز" 3/ 108.

(٨) (ورمازة): ساقطة من (د).

(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء: 1/ 213، "تأويل مشكل القرآن" 489، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 409، "تفسير الطبري" 3/ 260، "تهذيب اللغة" 2/ 1467 (رمز)، "الصحاح" 3/ 880 (رمز).

(١٠) الحديث ورد بلفظ آخر، أخرجه البيهقي في "السنن" 6/ 126.

ولفظه عنده: (عن أبي هريرة  قال: نهى رسول الله  عن ثمن الكلب، ومهر الزَّمّارة).

وأخرجه البغوي في "شرح السنة" 8/ 22 - 23 رقم (2038)، عن أبي هريرة بنحوه إلا أنه فيه (..

وكسب الزمّارة).

وأخرجه أبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 204 بنحوه وذكر محقِّقُ الكتاب في الهامش سندَ الحديث، من نسخة أخرى لكتاب "الغريب".

وأورده اليزيدي في "ما اتفق لفظه واختلف معناه": 155، والأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1468 (زمر)، وابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 20/ 312.

وفي كل المصادر السابقة ورد (الزَّمّارة) بدلا من: الرَّمّازة).

وأشار البغوي، وأبو عبيد، وابن الأثير، والأزهري إلى أن الحديث رواه البعض بلفظ: (الرمّازة).

وقال أبو عبيد: (قال الحجاج: (الزمّارة): الزانية ..

وقال بعضهم: (الرمّازة).

وهو عندي خطأ في هذا الموضع.

== أما (الرَّمَازة) في حديث آخر؛ وذلك أن معناها مأخوذ من (الرَّمْز)، وهي التي تومئ بشفتيها أو عينيها، فأي كسب لها ههنا ينهى عنه؟

ولا وجه للحديث إلا ما قال الحجاج: (الزمارة).

وعقب ابنُ قتيبة على هذا الكلام بقوله: (الصواب (الرَّمازة)؛ لأن من شأن البَغِيَّ أن ترمز بعينها أو حاجبها).

"تهذيب اللغة" 13/ 207.

وصوب الأزهريُّ قول أبي عبيد، وكذا قال البغوي: (والأصح تقديم الزاي).

"شرح السنة": 8/ 23.

ومن الناحية اللغوية، فإن (الزمارة) و (الرمازة) كلامها هنا بمعنى الفاجرة، إلا أن (الزَّمّارة) يُحتمل أن تكون كذلك بمعنى المرأة المُغَنِّيَة.

انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1467، 1555 (رمز، زمر)، وانظر قول ابن قتيبة في هامش "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 342 نقله المحقق عن كتابه "إصلاح الغلط" مخطوط: ص 3، فقد أسهب في بيان هذا المعنى.

وورد الحديث بلفظ: (الزمارة) في كتاب "أحاديث ذم الغناء في الميزان" لعبد الله الجديع: 50 - 51 وعزا تخريجه للمحاملي في "الأمالي" وابن عدي، وابن طاهر في: كتاب السماع.

وأورده في ص: 155 بلفظ: (أخبث الكسب كسب الزمارة)، وعزا إخراجه لابن أبي الدنيا في: "ذم الملاهي".

وذكر الجديعُ إسنادَه، وحكم عليه بأنه ضعيف جدًّا.

(١١) في (ج): (أي).

(١٢) (من): ساقطة من: (ب).

(١٣) في (ج)، (د) (فيقال).

(١٤) في (ب): (بكلام).

(١٥) في (د): (عن).

(١٦) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 8/ 44، 21/ 191، "غرائب القرآن" 3/ 185، "أضواء البيان" 1/ 341.

(١٧) في (ج)، (د): (سبحة).

(١٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 409، فقد نقل عنه المؤلفُ بعض العبارات في تفسيرالتسبيح.

قال الراغبُ: (والتسبيح تنزيه الله تعالى.

وأصله: المرُّ السريع في عبادة الله تعالى ..

وجُعِل التسبيح عامًّا في العبادات، قولًا كان، أو فعلًا، أو نِيَّة).

"مفردات ألفاظ القرآن" 392 (سبح).

وتفسير التسبيح هنا بالصلاة، قال به مجاهد، ومقاتل.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 646، "زاد المسير" 1/ 386.

(١٩) قال الخليل: (العَشيُّ: آخر النهار.

فإذا قلت: (عَشيَّة) فهي ليوم واحد، تقول: (لقيته عَشِيَّة يوم كذا)، و (عشِيَّة من العشيَّات".

كتاب "العين": 2/ 188 (عشى).

وفي "القاموس" (والعشيُّ، والعَشيَّة: آخر النهار، والجمع: عَشايا، وعَشِيَّات) ص 1311 (عشا).

وعند الراغب: أنَّ العشي من زوال الشمس إلى الصباح.

وعند الطبري: أن العشي من زوال الشمس إلى المغيب.

وقال السمين الحلبي عن هذا القول: (هو المعروف).

وعند الجوهري: أن العشي (من صلاة المغرب إلى العتمة، تقول: أتيته عشيَّ أمس، وعشيَّة أمس).

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 262، "الصحاح" للجوهري 6/ 2426 (عشا)، "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب 567 (عشا)، "الدر المصون" 3/ 167، "تاج العروس" 19/ 677 (عشا).

(٢٠) البكرة: هي أول النهار.

انظر: "عمدة الحفاظ" للحلبي 59 (بكر) وقال: (وقد اشتُق منها لفظ الفعل، فقيل: (بكر فلان في حاجته)؛ أي: خرج بُكرَة والبُكور: الخروج بُكرة، والبَكور بالفتح: المبالغ في البكور.

ولتَقَدُّمِها على سائر أوقات النهار؛ استعمل منها كلّ متعجل، وإن لم يكن في ذلك الوقت، فقيل: بَكر فلان في حاجته، وابتكر، وباكر مُباكرةً).

(٢١) في (ب): (صار).

(٢٢) في (د): (فابتكر).

(٢٣) في (د): (عمرو ابن).

(٢٤) في (أ)، (ب): (حا)، في (د): (عاد).

والمثبت من: (ج) لموافقته للديوان، وبقية المصادر.

(٢٥) في (ج): (فمنكر)، وفي (د): (فمسكر).

البيت في: "ديوانه" 92.

وورد في "تفسير الطبري" 3/ 262، "المحرر الوجيز" 3/ 111.

وتمامه: غَداةَ غدٍ أمْ رائحٌ فَمُهَجِّرُ و (نُعْم): امرأة من قريش من بني جمَح.

و (غادٍ)؛ أي: سائر في وقت الغَداة، وهو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وأراد أول النهار.

و (مُبْكِر)، من (التبكير)، وهو: الخروج بُكرةً، وهو: أول النهار.

و (مُهَجِّرُ)، من التهجيِر؛ أي: السير في وقت الهاجرة، وهو: نصف النهار، عند زوال الشمس، حال اشتداد الحرِّ.

انظر: "القاموس" ص 352 (بكر)، ص 1317 (غدو)، ص 495 (هجر).

(٢٦) من الشعر المنسوب لعمر بن أبي ربيعة.

انظر: "ديوانه" 493 وتمامه: قَدْ قَضى مِن تِهامة الأوطارا (٢٧) في (أ): حرة (بدلا من بسحرة)، والمثبت من بقية النسخ، ومن "ديوانه": ص 10، وقد سبق ورود البيت عند قوله تعالى: ﴿ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ  ﴾ .

(٢٨) (باكرت حاجتها الدجاج بسحرة): ساقط من (د).

وهذا شطر بيت، وتمامه: لأُعِلَّ منها حين هبَّ نيامُها وهو في: "ديوانه": 315.

وقد ورد البيت منسوبا له، في "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 577، "تهذيب اللغة" 1/ 376 (بكر)، "شرح القصائد العشر" للتبريزي 163، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: 244، "اللسان" 3/ 1328 (دجج)، 1/ 332 (بكر)، 3/ 1879 (زهف).

وروايته في "الديوان": (بادرت حاجتها)، ويروى: (بادرت لذتها)، و (أن يهب نيامها).

قال الأزهري في معناه: (أي: بادرت صقيع الديك سحرًا إلى حاجتي)، أي: حاجتي في الخمر، وأضاف الحاجة إلى الخمر اتِّساعًا؛ أي: بادرت بشربها صياح الدَّيَكة.

و (لأعِلَّ منها)؛ أي: أشرب مرَّة بعد مرَّة، من (العَلَل)، وهو: الشرب مرَّة ثانية.

و (حين هبَّ نيامها)؛ أي: وقت استيقاظ النيام بالسَّحَرِ، يعني: أنه ذهب بليل.

(٢٩) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).

(٣٠) انظر المعاني السابقة، في "تفسير الطبري" 3/ 262، "اللسان" 1/ 332.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُنَالِكَ ﴾ إشارة إلى مكان، وقد يستعمل في الزمان، وهو الأظهر هنا أي: لما رأى زكريا كرامة الله تعالى لمريم سأل مِنَ اللِه الولد ﴿ فَنَادَتْهُ الملائكة ﴾ أنث رعاية للجماعة، وقرئ فناداه بالألف على التذكير، وقيل: الذي ناداه جبريل وحده وإنما قيل الملائكة: لقولهم: فلان يركب الخيل، أي جنس الخيل وإن كان فرساً واحداً ﴿ بيحيى ﴾ اسم سماه الله تعالى به قبل أن يولد، وهو اسم بالعبرانية صادف اشتقاقاً وبناءً في العربية، وهو لا ينصرف، فإن كان في الإعراب أعجمياً ففيه التعريف والعجمة، وإن كان عربياً فالتعريف ووزن الفعل ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله ﴾ أي مصدقاً بعيسى عليه السلام مؤمناً به، وسمي عيسى كلمة الله، لأنه لم يوجد إلاّ بكلمة الله وحدها وهي قوله: كن، لا بسبب آخر وهو الوالد كسائر بني آدم ﴿ وَسَيِّداً ﴾ السيد، الذي يسود قومه؛ أي يفوقهم في الشرف والفضل ﴿ وَحَصُوراً ﴾ أي لا يأتي النساء فقيل: خلقه الله كذلك، وقيل: كان يمسك نفسه، وقيل: الحصور الذي لا يأتي الذنوب ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ تعجُّب استبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته، وعقم امرأته، ويقال: كان له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون سنة، فاستبعد ذلك في العادة، مع علمه بقدرة الله تعالى على ذلك، فسأله مع علمه بقدرة الله، واستبعده لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو شاب، وأجيب وهو شيخ، ولذلك استبعده ﴿ كَذَلِكَ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ أي مثل هذه الفعلة العجيبة، يفعل الله ما يشاء؛ فالكاف لتشبيه أفعال الله العجيبة بهذه الفعلية العجيبة، والإشارة بذلك إلى هبة الولد لزكريا، واسم الله مرفوع بالابتداء، أو كذلك خبره فيجب وصله معه، وقيل: الخبر: يفعل الله ما يشاء، ويحتمل كذلك على هذا وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع الحال من فاعل يفعل، والآخر: أن يكون في موضع خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك، أو أنتما كذلك، وعلى هذا يوقف على كذلك والأول أرجح لاتصال الكلام، وارتباط قوله: ﴿ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ مع ما قبله، ولأن له نظائر كثيرة في القرآن منها قوله: ﴿ وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ ﴾ [هود: 102] ﴿ اجعل لي آيَةً ﴾ أي علامة على حمل المرأة ﴿ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ﴾ أي علامتك أن لا تقدر على كلام الناس ﴿ ثلاثة أَيَّامٍ ﴾ بمنع لسانه عن ذلك مع إبقاء الكلام بذكر الله، ولذلك قال: ﴿ واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً ﴾ وإنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة ليخلص فيها لذكر الله شكراً على استجابة دعائه ولا يشغل لسانه بغير الشكر والذكر ﴿ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ إشارة باليد أو بالرأس أو غيرهما، فهو استثناء منقطع ﴿ بالعشي ﴾ من زوال الشمس إلى غروبها، والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مني إنك ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

﴿ بما وضعت ﴾ على الحكاية: ابن عامر ويعقوب وأبو بكر وحماد.

الباقون ﴿ وضعت ﴾ على الغيبة.

﴿ وإني أعيذها ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

﴿ وكفلها ﴾ مشددة: عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون خفيفاً ﴿ زكريا ﴾ مقصوراً كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

وقرأ أبو بكر وحماد بالمد والنصب ههنا.

الباقون بالمد والرفع.

﴿ فناديه ﴾ بالياء والإمالة: علي وحمزة وخلف.

الباقون ﴿ فنادته ﴾ بتاء التأنيث ﴿ في المحراب ﴾ بالإمالة حيث كان مخفوضاً.

قتيبة وابن ذكوان ﴿ إن الله ﴾ بكسر "إن": ابن عامر وحمزة.

الباقون بالفتح.

﴿ يبشرك ﴾ وما بعده من البشارة خفيفاً: حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد ﴿ لي آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن ابن كثير.

الوقوف: ﴿ مني ﴾ ج للابتداء ولاحتمال لأنك ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ أنثى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بتاء التأنيث الساكنة، ومن قرأ على الحكاية لم يقف لأنه يجعلها من كلامها.

﴿ بما وضعت ﴾ ط ﴿ كالأنثى ﴾ ج للابتداء بأن، ولاحتمال أن المجموع كلام واحد من قولها على قراءة من قرأ ﴿ وضعت ﴾ بالضم ﴿ الرجيم ﴾ ه ﴿ حسناً ﴾ ص لمن قرأ ﴿ وكفلها ﴾ مخففاً لتبدل فاعله، فإن فاعل المخفف ﴿ زكريا ﴾ وفاعل المشدد الرب.

وقد يعدى إلى مفعولين كقوله: ﴿ أكفلنيها  ﴾ ﴿ المحراب ﴾ (لا) لأن ﴿ وجد ﴾ جواب ﴿ كلما ﴾ ﴿ رزقاً ﴾ ج لاتحاد فاعل الفعلين مع عدم العاطف ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ من عند الله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ ج لما قلنا في ﴿ رزقاً ﴾ ﴿ طيبة ﴾ ج للابتداء ولجواز لأنك ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ في المحراب ﴾ (لا) وإن كسر "إن" لأن من كسر جعل النداء في معنى القول ﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ عاقر ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ والإبكار ﴾ ه.

التفسير: إنه  ذكر في هذا المقام قصصاً.

القصة الأولى حنة أم مريم البتول زوجة ابن عمران بن ماثان بنت فاقوذ أخت إيشاع التي كانت تحت زكريا بن أذن.

روي أن حنة كانت عاقراً لم تلد إلى أن كبرت وعجزت.

فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً له، فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك عليّ نذراً شكراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته.

فحملت بمريم / وهلك عمران وهي حامل.

قال الحسن: إنما فعلت ذلك بإلهام الله  كما ألهم أم موسى فقذفته في أليم.

عن الشعبي: محرراً مخلصاً للعبادة.

وتحرير العبد تخليصه من الرق، وحررت الكتاب إذا أصلحته وخلص من الغلط، ورجل حر إذا كان خالصاً لنفسه ليس لأحد عليه يد وتصرف.

قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي، وكان في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين.

فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع عن الانتفاع ويجعلون الأولاد محررين لخدمة المسجد وطاعة الله  ، حتى إذا بلغ الحلم كان مخيراً.

فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فلا خيار له بعد ذلك.

ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس، وما كان هذا التحرير إلا في الغلمان.

لأن الجارية يصيبها الحيض والقذر، ثم إنها نذرت مطلقاً إما لبناء الأمر على الفرض والتقدير، وإما لأنها جعلت النذر وسيلة إلى طلب الولد الذكر.

﴿ محرراً ﴾ حال من "ما".

وعن ابن قتيبة: المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محرراً.

فلما وضعتها يعني ما في بطنها لأنها كانت أنثى في علم الله، أو على تأويل النفس أو النسمة أو الحبلة.

والحبل بفتح الباء مصدر بمعنى المحبول، كما سمي بالحمل، ثم أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، ومنه الحديث " نهى عن حبل الحبلة " ومعناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أنه يكون أنثى.

﴿ قالت رب إني وضعتها ﴾ حال كونها ﴿ أنثى ﴾ ثم من قرأ ﴿ والله أعلم بما وضعت ﴾ على الحكاية فمجموع الكلام إلى آخر الآية من قولها، ويكون فائدة قولها ﴿ إني وضعتها أنثى ﴾ الاعتذار عن إطلاق النذر الذي تقدم منها، والخوف من أنها لا تقع الموقع الذي يعتد به والتحزن إلى ربها والتحسر على ما رأت من خيبة رجائها وعكس تقديرها.

ثم خافت أن يظن بها أنها قالت ذلك لإعلام الله  فقالت: ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ ليس جنس الذكور كجنس الإناث لا سيما في باب السدانة، فإن تحرير غير الذكور لم يكن جائزاً في شرعهم، والذكر يمكن له الاستمرار على الخدمة دون الأنثى لعوارض النسوان، ولأن الأنثى لا تقوى على الخدمة لأنها محل التهمة عند الاختلاط، ويحتمل أن تكون عارفة بالله واثقة بأن كل ما صدر عنه فإنه يكون خيراً وصواباً فقالت: ﴿ رب إني وضعتها أنثى ﴾ ولكنك أعرف وأعلم بحال ما وضعت فلعل لك فيه سراً ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لي لأنك لا تفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فعلى هذا اللام في الذكر وفي الأنثى لمعهود حاضر ذهني لكنها في الذكر لحاضر ذهني تقديراً لدلالة ما في بطني عليه ضمناً، وفي الأنثى لحاضر ذهني حقيقة لتقدم لفظة أنثى.

ومن قرأ ﴿ بما وضعت ﴾ بسكون التاء للتأنيث فالجملتان أعني / قوله ﴿ والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى ﴾ معترضتان.

ومعناه والله أعلم بالشيء الذي وضعت لما علق به من عظائم الأمور وجعلها وولدها آية للعالمين وهي جاهلة بذلك.

ثم زاده بياناً وإيضاحاً فقال: ﴿ وليس الذكر ﴾ الذي طلبت ﴿ كالأنثى ﴾ التي وهبت لها.

﴿ وإني سميتها مريم ﴾ وذلك أن أباها قد مات عند وضعها فلهذا تولت الأم تسميتها.

ومريم في لغتهم العابدة.

فأرادت بقولها ذلك التقرب والطلب إلى الله أن يعصمها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها، ولهذا أردف ذلك بطلب الإعاذة لها ولولدها من الشيطان ﴿ فتقبلها ربها ﴾ الضمير يعود إلى امرأة عمران ظاهراً بدليل أنها التي خاطبت ونادت بقولها ﴿ رب إني وضعتها ﴾ ويحتمل أن يعود إلى مريم فيكون فيه إشارة إلى أنه كما رباها في بطن أمها فسيربيها بعد ذلك ﴿ بقبول حسن ﴾ تقبلت الشيء وقبلته إذا رضيته لنفسك.

قبولاً بفتح القاف وهو مصدر شاذ حتى حكي أنه لم يسمع غيره.

وأجاز الفراء والزجاج قبولاً بالضم.

والباء في قوله ﴿ بقبول ﴾ بمنزلة الباء في قولك "كتب بالقلم وضربته بالسوط".

وفي التقبل نوع تكلف فكأنه إنما حكم بالتقبل بواسطة القبول الحسن.

قال في الكشاف: معناه فتقبلها بذي قبول حسن أي بأمر ذي قبول وهو اختصاصها بإقامتها مقام الذكر في النذر ولم يقبل قبلها أنثى في النذر، أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة.

قال: ويجوز أن يكون القبول اسم ما يقبل به الشيء كالسعوط واللدود لما يسعط به ويلدّ وهو الاختصاص، ويجوز أن يكون معناه فاستقبلها مثل تعجل بمعنى استعجل وذلك من قولهم "استقبل الأمر" إذا أخذه بأوله أي فأخذها من أول أمرها حين ولدت بقبول حسن.

﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ قيل: كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام.

وقيل: المراد نماؤها في الطاعة والعفة والصلاح والسداد ﴿ وكفلها زكريا ﴾ روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة.

فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.

فقال لهم زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها، فقالوا: لا حتى نقترع عليها.

فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة والوحي، على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح.

فألقوا ثلاث مرات وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا وترسب أقلامهم، فأخذها زكريا.

فعلى هذه الرواية تكون كفالة زكريا إياها من أول أمرها وهو قول الأكثرين.

وزعم بعضهم أنه كفلها بعد أن فطمت ونبتت النبات الحسن على ترتيب الذكور.

والأرجح أنها لم ترضع ثدياً قط، وكانت تتكلم في الصغر، وكان رزقها من الجنة، وأن / زكريا بنى لها محراباً وهي غرفة يصعد إليها بسلم.

وقيل: هو أشرف المجالس ومقدّمها كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس.

وقيل: كانت مساجدهم تسمى المحاريب.

والتركيب يدل على الطلب فكان صدر المجلس يسمى محراباً لطلب الناس إياه.

وكان إذا خرج غلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عز من قائل ﴿ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا ﴾ من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آتٍ في غير حينه والأبواب مغلقة؟

قالت ﴿ هو من عند الله ﴾ فلا تستبعد ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام مريم، وأن يكون معترضاً من كلام الله  .

واعلم أن الأمور الخارقة للعادة في حق مريم كثيرة فمنها: أنه روى أبو هريرة عن النبي  " "ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها " قلت: وذلك لدعاء حنة ﴿ وإني أعيذها ﴾ ومنه تكلمها في الصغر.

ومنها حصول الرزق لها من عند الله كما "روي عن النبي  أنه  جاع في زمن قحط فأهدت له  فاطمة  ا رغيفين وبضعة لحم آثرته بها فرجع  بها إليها وقال: هلمي يا بنية.

فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله.

فقال النبي  لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله.

إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

فقال  : الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل.

ثم جمع رسول الله  علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته  حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة  ا على جيرانها" .

وفي أمثال هذه الخوارق من غير الأنبياء دليل على صحة الكرامات من الأولياء.

والفرق بين المعجزة والكرامة أن صاحب الفعل الخارق في الأول يدعي النبوة، وفي الثاني يدعي الولاية، والنبي  يدعي المعجز ويقطع به، والولي لا يمكنه أن يقطع به، والمعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة بخلافها.

وقال بعضهم: الأنبياء مأمورون بإظهار المعجزة، والأولياء مأمورون بإخفاء الكرامات أما المعتزلة فقد احتجوا على امتناع الكرامات.

بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النبوة لا يوجد مع غير النبي كما أن الفعل المحكم لما كان دليلاً على أن فاعله عالم فلا جرم لا يوجد في غير العالم.

وأجابوا عن حديث أبي هريرة بعد تسليم صحته أن استهلال المولود صارخاً من مس الشيطان تخييل وتصوير لطمعه فيه، كأنه يمسه ويضرب بيده عليه ويقول: / هذا ممن أغويه.

فمعنى الحديث أن كل مولود فإنه يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها.

وهذا المعنى يعم جميع من كان في صفتهما من عباد الله المخلصين.

قال في الكشاف: وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلون به من نخسه.

قلت: وعجيب من مثله مثل هذا هذا الكلام فإنه لا يلزم من الإحساس بمس الشيطان والصراخ منه في وقت الولادة وإنه قريب العهد بعالم الأرواح وبزمان المكاشفة بعيد العهد من عالم الغفلة والإلف بالمحسوسات أن يحس به في وقت آخر ويصرخ على أن أثر مس الشيطان ونخسه يظهر في هيئات النفس وأحوالها، وأنها أمور لا يحس بها إلا بعد المفارقة أو قطع العلائق البدنية، والكلام فيه يستدعي فهمه استعداداً آخر غير العلوم الظاهرية.

قال الجبائي: لم لا يجوز أن تكون تلك الخوارق من معجزات زكريا؟

وبيانه أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وربما كان غافلاً عن تفاصيل ما يأتيها من الأرزاق من عند الله.

فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معين قال لها: أنى لك هذا؟

قالت: هو من عند الله لا من عند غيره.

فعند ذلك يعلم أن الله  أظهر بدعائه تلك المعجزة.

ويحتمل أن يكون زكريا يشاهد عند مريم رزقاً معتاداً لأنه كان يأتيها من السماء وكان زكريا يسألها عن ذلك حذراً من أن يكون من عند إنسان يبعثه إليها فقالت: هو من عند الله، لا من عند غيره.

على أنا لا نسلم أنه قد ظهر لها شيء من الخوارق، بل كانوا يرغبون في الإنفاق على الزاهدات العابدات.

فكان زكريا إذا رأى شيئاً من ذلك خاف أن ذلك الرزق أتاها من حيث لا ينبغي، وكان يسألها عن كيفية الحال.

قلت: أمثال هذه الشبهات يوجبها الشك في القرآن وفي الحديث أو العصبية المحضة.

على أنا نقول: لو كان معجزاً لزكريا لكان مأذوناً من عند الله في طلبه فكان عالماً بحصوله، وإذا علم امتنع أن يطلب كيفية الحال.

وأيضاً كيف قنع بمجرد إخبارها في زوال الشبهة؟

وكيف مدح الله  مريم بحصول هذا الرزق عندها؟

وكيف يستبعد هذا القدر ممن أخبر الله  بأنه اصطفاها على نساء العالمين وقال: ﴿ وجعلناها وابنها آية للعالمين ﴾ ؟} [الأنبياء: 91].

القصة الثانية: واقعة زكريا  وذلك قوله  ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المكان الذي كانا فيه في المحراب، أو في ذلك الوقت ذلك الوقت الذي شاهد تلك الكرامات فقد يستعار "هنا" و "ثمة" و "حيث" للزمان ﴿ دعا زكريا ربه ﴾ وهذا يقتضي أن يكون قد عرف في ذلك الزمان أو المكان أمراً له تعلق بهذا الدعاء، فالجمهور من العلماء المحققين على أن زكريا رأى عند مريم من فاكهة الصيف في الشتاء وبالعكس وأن ذلك خارق للعادة، فطمع / هو أيضاً في أمر خارق هو حصول الولد من شيخ كبير ومن امرأة عاقر.

وهذا لا يقتضي أن يكون زكريا قبل ذلك شاكاً في قدرة الله  غير مجوّز وقوع الخوارق، فإن من حسن الأدب رعاية الوقت الأنسب في الطلب.

وأما المعتزلة فحين أنكروا كرامات الأولياء وإرهاص الأنبياء قالوا: إن زكريا لما رأى آثار الصلاح والعفاف والتقوى مجتمعة في حق مريم تمنى أن يكون له ولد مثلها.

قال المتكلمون: إن دعاء النبي  لا يكون إلا بعد الإذن لاحتمال أن لا تكون الإجابة مصلحة فحينئذٍ تصير دعوته مردودة وذلك نقص في منصبه.

وقول إن دعاء النبي  لا يكون بمجرد التشهي فلا حاجة له في كل دعاء إلى إذن مخصوص، بل يكفي له الإذن في الدعاء على الاطلاق والغالب في دعوته الإجابة، ثم إن وقع الأمر بالندرة على خلاف دعوته فذلك بالحقيقة مطلوبه لأنه يريد الأصلح، ويضمر في دعائه أنه لو لم يكن أصلح لم يبعثه الله عليه ويصرفه عنه.

ومعنى قوله: ﴿ من لدنك ﴾ أن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة وكانت مفقودة في حقه.

فكأنه قال: أريد منك يا رب أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة وتخلق هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسيط الأسباب.

والذرية النسل يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى والمراد ههنا ولد واحد كما قال: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً  ﴾ قال الفراء: وأنث الطيبة لتأنيث لفظ الذرية في الظاهر.

فالتذكير والتأنيث تارة يجيء على اللفظ وأخرى على المعنى، وهذا في أسماء الأجناس بخلاف الأسماء الأعلام فإنه لا يجوز أن يقال: جاءت طلحة، لأن اسم العلم لا يفيد إلا ذلك الشخص، فإذا كان مذكراً لم يجز فيه إلا التذكير.

﴿ إنك سميع الدعاء ﴾ يعني سماع إجابة.

وذلك لما عهد من الإجابة في غير هذه الواقعة كما قال في سورة مريم ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً  ﴾ .

﴿ فنادته الملائكة ﴾ ظاهر اللفظ للجمع وهذا في باب التشريف أعظم.

ثم ما روي أن المنادي كان جبريل فالوجه فيه أنه كقولهم "فلان يركب الخيل ويأكل الأطعمة النفيسة" أي يركب من هذا الجنس ويأكل منه.

أو لأن جبريل كان رئيس الملائكة وقلما يبعث إلا ومعه آخرون.

﴿ يبشرك بيحيى ﴾ يحتمل أن يكون زكريا قد عرف أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله درجة عالية.

فإذا قيل له: إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان بشارة له، ويحتمل أن يكون المعنى يبشرك بولد اسمه يحيى كما يجيء في سورة مريم ﴿ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى  ﴾ وإنه اسم أعجمي كموسى وعيسى، ومن جوز أن يكون عربياً فمنع صرفه للعلمية ووزن الفعل كيعمر.

ثم إنه  وصف يحيى بصفات منها: قوله ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهو نصب على الحال لأنه نكرة و"يحيى" معرفة.

قال أبو عبيدة: أي مؤمناً بكتاب الله.

وسمي الكتاب / كلمة كما قيل: "كلمة الحويدرة" لقصيدته.

والجمهور على أن المراد بكلمة من الله هو عيسى.

قال السدي: لقيت أم يحيى أم عيسى وهما حاملان بهما.

فقالت: يا مريم أشعرت أني حبلى؟

فقالت مريم: وأنا أيضاً حبلى.

قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذاك قوله: ﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وقال ابن عباس: إن يحيى أكبر سناً من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أول من آمن به وصدّق بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى.

وسمي عيسى كلمة الله لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وهي "كن" من غير واسطة أب وزرع كما يسمى المخلوق خلقاً والمرجو رجاء، أو لكونه متكلماً في أوان الطفولية، أو لأنه منشأ الحقائق والأسرار كالكلمة، ولهذا سمي روحاً أيضاً لأنه سبب حياة الأرواح.

وقد يقال للسلطان العادل ظل الله ونور الله لأنه سبب ظهور ظل العدل ونور الإحسان، أو لأنه وردت البشارة به في كلمات الأنبياء وكتبهم كما لو أخبرت عن حدوث أمر، ثم إذا حدث قلت قد جاء قولي أو كلامي أي ما كنت أقول أو أتكلم به.

ومنها قوله: ﴿ وسيداً ﴾ والسيد الذي يفوق قومه في الشرف.

وكان يحيى فائقاً لقومه بل للناس كلهم في الخصال الحميدة.

وقال ابن عباس: السيد الحليم.

وقال ابن المسيب: الفقيه العالم.

وقال عكرمة: الذي لا يغلبه الغضب.

ومنها قوله: ﴿ وحصوراً ﴾ قيل: أي محصوراً عن النساء لضعف في الآلة، وزيف بأنه من صفات النقص فلا يليق في معرض المدح.

والمحققون على أنه فعول بمعنى فاعل وهو الذي لا يأتي النسوان لا للعجز بل للعفة والزهد وحبس النفس عنهن، وفيه دليل على أن ترك النكاح كان أفضل من تلك الشريعة، فلولا أن الأمر بالنكاح والحث عليه وارد في شرعنا كان الأصل بقاء الأمر على ما كان.

ومنها قوله: ﴿ ونبياً ﴾ واعلم أن السيادة لا تتم إلا بالقدرة على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى الدين والدنيا.

والحصور إشارة إلى الزهد التام وهو منع النفس عما لا يعنيه.

روي أنه مر وهو طفل بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: ما للعب خلقت.

فقوله: ﴿ ونبياً ﴾ أشار به إلى ما عدا مجموع الأمرين فإنه ليس بعدهما إلا النبوة.

ثم قال: ﴿ ومن الصالحين ﴾ أي من أولادهم لأنه كان من أصلاب الأنبياء أو كائناً من جملة الصالحين كقوله: ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين  ﴾ أو لأن صلاحه كان أتم بدليل قوله  : " "ما من نبي إلا وقد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا فإنه لم يعص ولم يهم " وفيه أن الختم على الصلاح هو الغرض الأعظم والغاية القصوى وإن كان نبياً، ولهذا قال سليمان بعد حصول النبوة ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين  ﴾ وقال يوسف: ﴿ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين  ﴾ .

ثم إن الملائكة لما نادوه بما نادوه قال زكريا / مخاطباً لله  ومناجياً إياه ﴿ رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ﴾ أدركتني السنون العالية وأثر فيّ طول العمر وأضعفني.

قال أهل اللغة: كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك وذلك إذا أمكن تصور الطلب من الجانبين.

فيجوز بلغت الكبر وبلغني الكبر لأن الكبر كالشيء الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه.

والإنسان أيضاً يأتيه بمرور العمر عليه.

ولا يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد لأن البلد ليس كالطالب للإنسان الذاهب.

﴿ وامرأتي عاقر ﴾ هي من الصفات الخاصة بالنساء.

ويقال: رمل عاقر لا ينبت شيئاً.

فإن قيل: لما كان زكريا هو الذي سأل الولد ثم أجابه الله  إلى ذلك فما وجه تعجبه واستبعاده بقوله: ﴿ أنى يكون ﴾ من أين يحصل لي غلام؟

فالجواب على ما في الكشاف أن الاستبعاد إنما جاء من حيث العادة.

وقيل: إنه دهش من شدة الفرح فسبق لسانه.

ونقل عن سفيان بن عيينة أن دعاءه كان قبل البشارة بستين سنة، فكان قد نسي ذلك السؤال وقت البشارة، فلما سمع البشارة في زمان الشيخوخة استغرب وكان له يؤمئذٍ مائة وعشرون سنة أو تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون، وعن السدي أن الشيطان جاءه عند سماع البشارة قال: إن هذا النداء من الشيطان وقد سخر منك فاشتبه عليه الأمر ولا سيما أنه كان من مصالح الدنيا ولم يتأكد بالمعجزة فرجع إلى إزالة ذلك الخاطر فسأل ما سأل.

والجواب المعتمد أن زكريا لم يسأل عما سأل استبعاداً وتشككاً في قدرة الله  ، وإنما أراد تعيين الجهة التي بها يحصل الولد، فإن الجهة المعتادة كانت متعذرة عادة لكبره وعقارتها فأجيب بقوله: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشاء ﴾ وهو إما جملة واحدة أي الله يفعل ما يشاء من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو جملتان فيكون ﴿ كذلك الله ﴾ مبتدأ وخبراً أي على نحو هذه الصفة الله و ﴿ يفعل ما يشاء ﴾ بياناً له أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادات.

ثم إنه  لفرط سروره وثقته بكرم ربه وإنعامه سأل عن تعيين الوقت فقال: ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ علامة أعرف بها العلوق فإن ذلك لا يظهر من أوّل الأمر فقال  : ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ﴾ أي بلياليها ولهذا ذكر في سورة مريم ﴿ ثلاث ليال  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ﴾ قال المفسرون: أي لا تقدر على التكلم.

حبس لسانه عن أمور الدنيا وأقدره على الذكر والتسبيح ليكون في تلك المدة مشتغلاً بذكر الله وبالطاعة وبالشكر على تلك النعمة الجسمية، فيصير الشيء الواحد علامة على المقصود وأداء لشكر النعمة فيكون جامعاً للمقاصد.

وفي هذه الآية إعجاز من وجوه منها: القدر على التكلم بالتسبيح والذكر مع العجز عن التكلم بكلام البشر.

ومنها العجز مع سلامة البنية واعتدال المزاج.

ومنها الإخبار بأنه متى حصلت هذه / الحالة فقد حصل الولد.

ثم إن الأمر وقع على وفق هذا الخبر.

وعن قتادة أنه  عوتب بذلك حيث سأل بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصبر بحيث لا يقدر على الكلام.

قلت: وأحسن العتاب ما كانت منتزعاً من نفس الواقعة ومناسباً لها.

وفيه لطيفة أخرى وهي أنه طلب الآية على الإطلاق فاحتمل أن يكون قد طلب علامة للعلوق، واحتمل أن يكون قد طلب دلالة على إحداث الخوارق ليصير علم اليقين عين اليقين، فصار حبس لسانه آية العلوق ودلالة على الفعل الخارق جميعاً مع مناسبته للواقعة حيث سأل ما كان من حقه أن لا يسأل.

وزعم أبو مسلم أن المعنى: آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم ولكن بالاشتغال بالذكر والتسبيح ﴿ إلا رمزاً ﴾ إشارة بيد أو رأس أو بالشفتين ونحوها.

وأصل التركيب للتحرك يقال: ارتمز إذا تحرك ومنه الراموز للبحر، وهو استثناء من قوله: ﴿ ألا تكلم ﴾ وجاز وإن لم يكن الرمز من جنس الكلام لأن مؤدّاه مؤدى الكلام، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً.

وقيل: الرمز الكلام الخفي.

وعلى هذا فالاستثناء متصل من غير تكلف.

وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ إلا رمزاً ﴾ بضمتين جميع رموز كرسول ورسل وقرىء ﴿ رمزاً ﴾ بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم وهو حال منه ومن الناس دفعة بمعنى إلا مترامزين كما يكلم الناس الأخرس بالإشارة ويكلمهم ﴿ واذكر ربك كثيراً ﴾ قيل: إنه لم يكن عاجزاً إلا عن تكليم البشر.

وقيل: المراد الذكر بالقلب وإنه كان عاجزاً عن التكلم مطلقاً ﴿ وسبح ﴾ حمله بعضهم على صلّ كيلا يكون تكراراً للذكر.

وقد تسمى الصلاة تسبيحاً ﴿ فسبحان الله حين تمسون  ﴾ لاشتمالها عليه.

والعشيّ مصدر على "فعيل" وهو من وقت زوال الشمس إلى غروبها.

والإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى وهو مصدر أبكر يبكر إذا خرج للأمر من أول النهار، ومنه الباكورة لأول الثمار.

وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار.

التأويل: إن لله  في كل ذرة من ذرات الموجودات وحركة من حركاتها أسراراً لا يعلمها إلا الله.

فانظر ماذا أخرج الله من الأسرار عن إطعام طائر فرخه، وماذا أظهر من الآيات والمعجزات من تلك الساعة إلى يوم القيامة بواسطة مريم وعيسى ﴿ فتقبل مني ﴾ راجع إلى المحرر لا إلى التحرير أي تقبلها مني أن تتكفلها وتربيها تربية المحررين ﴿ فتقبلها ربها ﴾ أي تقبلها ربها أن يربيها ﴿ بقبول حسن ﴾ كقبول ذكر أو قبولاً أخرج منها مثل عيسى ﴿ وكفلها زكريا ﴾ من كمال رأفته أنه جعل كفالتها إلى زكريا حيث أراد أن يخرج عيسى منها بلا أب لئلا يدخل عليها غيره فتكون أبعد من التهمة.

﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ أي من فتوحات الغيب الذي يطعم الله به خواص عباده الذين يبيتون عنده لا عند أنفسهم ولا عند الخلق / كقوله  : " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿ إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ ما لم يكن في حسابها من الولد بلا أب، ومن الفاكهة بلا شجرة، ومن المعجزات بلا نبوة، ومن العلوم اللدنية بلا واسطة ﴿ هنالك دعا زكريا ربه ﴾ كما أنه  جعل إطعام الطائر فرخه سبب تحريك قلب حنة لطلب الولد، فكذلك جعل حالة مريم وما كان يأتيها من الرزق خارقاً للعادة سبب تحريك قلب زكريا ﴿ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ أي ولداً يكون روحه من الصف الأول من صفوف الأرواح المجندة، وهو المطهر من لوث الحجاب والوسط الصالح للنبوة والولاية بخلاف الصف الثاني الذي هو لأرواح الأولياء وبينه وبين الله تعالى حجاب الصف الأول، وبخلاف الصف الثالث الذي هو لأرواح المؤمنين، وبخلاف الصف الرابع الذي هو لأرواح المنافقين والمشركين ﴿ فنادته الملائكة وهو قائم ﴾ بالله ﴿ يصلي ﴾ بسائر سره في الملكوت يحارب نفسه وهواه ﴿ في المحراب إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ لأنه منذ خلق ما ابتلى بالموت لا بموت القلب بالمعاصي ولا بموت الصورة لأنه استشهد والشهداء لا يموتون بل أحياء عند ربهم يرزقون.

﴿ مصدقاً بكلمة من الله ﴾ وهي قوله: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب بقوة  ﴾ ﴿ وسيداً ﴾ أي حراً من رق الكونين بل سيداً لرقيقي الكونين ﴿ وحصوراً ﴾ نفسه عن التعليق بالكونين ﴿ ونبياً من الصالحين ﴾ من أهل الصف الأول ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ لم يكن استبعاده من قبل القدرة الإلهية ولكن من جهة استحقاقه لهذه الكرامة ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ﴾ لغلبات الصفات الروحانية عليك واستيلاء سلطان الحقيقة على قلبك، فإن النفس الناطقة تكون مغلوبة في تلك الحالة بشواهد الحق في الغيب، فلا تفرغ لإجراء عادتها في الشهادة بالكلام ﴿ إلا رمزاً ﴾ ولهذا يقوى الروح الحيواني وتستمد منه القوة البشرية فيحيى الله  به الشهوة الميتة فسمى ما تولد من الشهوة الميتة التي أحياها الله يحيى.

ولاستمرار هذه الحالة في الأيام الثلاثة أمر بالمراقبة ليلاً ونهاراً وعشياً وإبكاراً حسبي الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ .

قيل: فعند ذلك دعا زكريا ربه لما كانت نفسه الخاشية تحدث بالولدان تهب له، لكنه لم يدعو لما رأى نفسه متغيرة عن الحال التي يطمع منها الولد، فرأى أن السؤال في مثل ذلك لا يصلح؛ فلما رأى عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف غير متغيرة عن حالها - علم عند ذلك أن السؤال يصلح، وأنه يجاب للدعاء في غير حينه، فذلك معنى قوله: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ﴾ ، والله أعلم.

ويحتمل أنه لما رأى ما أكرمت امرأة عمران في قبول دعوتها وتبليغ ابنتها في الكرامة المبلغ الذي رأى فيها مما لعل أطماع الأنفس لا تبلغ ذلك - دعا الله  - أن يكرمه ممن يبقى له الأثر فيه والذكر، وإن كانت تلك الحال حال لا تطمع الأنفس فيما رغب -  - مع ما كان يعلم قدرة الله -  - على ما يشاء من غير أن كان يحس على طلب الإكرام بكل ما يبلغه قدره، حتى رأى ما هو في الأعجوبة قريب مما كانت نفسه تتمنى، والله أعلم بالمعنى الذي سأل.

وقوله: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ﴾ .

أي: مجيب الدعاء.

وقوله: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ ﴾ .

دل هذا أن المحراب هو موضع الصلاة.

﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ ﴾ .

فيه دلالة لقول أصحابنا - رحمهم الله - أن الرجل إذا حلف ألا يبشر فلاناً فأرسل إليه غيره يبشره - حنث في يمينه؛ لأنه هو البشير، وإن كان المؤدي غيره؛ ألا ترى أن البشارة - ههنا - أضيفت إلى الله -  - فكان هو البشير؛ فكذلك هذا.

وقوله: ﴿ مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

﴿ بِكَلِمَةٍ ﴾ قيل: عيسى -  - كان بكلمة من الله، فيحيى صدّقه برسالته.

وقيل: أول من صدق عيسى - يحيى بن زكريا، ولهذا وقع على النصارى شبهه؛ حيث قالوا: عيسى ابن الله، بقوله: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ وَرُوحٌ مِّنْهُ  ﴾ ظنوا أنه في معنى "فيه"؛ لكن ذلك إنما يذكر إكراماً لهم وإجلالاً، ولا يوجب ذلك ما قالوا؛ ألا ترى أن الله - عز وجل - قال: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحو ذلك، لم يكن فيه أن النعمة منه في شيء؛ فعلت ذلك الأول.

وقوله: ﴿ وَسَيِّداً ﴾ : قيل: سيّداً في العلم والعبادة.

وقيل: السيّد: الحكيم ههنا.

وقيل: السيد: الذي يطيع ربه ولا يعصيه، فكذلك كان صلوات الله عليه.

وقيل: السيد: الحسن الخلق.

وقيل: السيّد: التقي.

وقيل: اشتق يحيى من أسماء لله -  - من: "حي"، والله - عز وجل - هو الذي سمّاه يحيى؛ وكذلك عيسى - روح الله - هو الذي سمّاه مسيحاً؛ بقوله: ﴿ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ  ﴾ وذلك إكراماً لهم وإجلالاً، على ما سمى إبراهيم: خليل الله، ومحمد: حبيب الله، وموسى: كليم الله؛ إكراماً لهم وإجلالاً؛ فكذلك الأوّل.

وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الدّين.

قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ بِيَحْيَـىٰ ﴾ : قيل: سمّاه به؛ لما حيي به الدّين والمروءة، أو حيي به العلم والحكمة، أو حيي به الأخلاق الفاضلة، والأفعال المرضية؛ ولهذا - والله أعلم - سمي سيّداً؛ لأن السؤدد في الخلق يكتسب بهذا النوع من الأحوال.

وسمي مسيحاً بما مسح بالبركة، أو يبارك في كل شيء يمسحه بيده؛ نحو أن يبرأ به ويحيى، والله أعلم.

وحقيقة السؤدد أنه يكتسب بالأخلاق الحسنة، والأفعال المرضية، وجائز أن يكون -  - جمعهما فيه؛ فسمّي به، والله أعلم.

والأصل في هذا ونحوه: أن الأسماء إن جعلت للمعارف، ليعلم بها المقصود - فالكف عن التكلف في المعنى الذي له سموا له أسلم، وإن كان في الجملة يختار ما يحسن منه في الأسماع، دون ما يقبح على المقال، أو على الرغبة في ذكره على ما يختار من كل شيء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَحَصُوراً ﴾ : قيل: الحصور: الذي لا ماء له ولا شهوة.

وقيل: هو المأخوذ عن النساء، والممنوع منهن.

وقيل: هو الذي لا يشتهي النساء.

وكله واحد، والله أعلم.

﴿ وَنَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : ذكر أنه من الصالحين، وإن كان كل نبي لا يكون إلاّ صالحاً؛ على ما سمي كل نبي صدّيقاً، وإن كان لا يكون إلا صدّيقاً، ووجه ذكره صالحاً: أنه كان يتحقق فيه ذلك؛ لأن غيره من الخلق، وإن كان يستحق ذلك الاسم - إنما يستحق بجهة، والأنبياء - عليهم السلام - يتحقق ذلك فيهم من الوجوه كلها.

والثاني: دعاء أن يلحق بالصالحين في الآخرة، والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله -: ما ذكر في كل نبي أنه كان من الصالحين - يخرج على أوجه: على جميع الصلاح، وعلى البشارة لهم في الآخرة أنهم يلحقون بأهل الصلاح، وعلى أنهم منهم؛ لولا النبوة؛ ليعلم أن النبوة إنما تختار في الدين لم تم لهم وصف الصلاح، وعلى الوصف به أنهم كذلك على السن الناس، وأن الذين ردّوا عليهم - ردّوا بعد علمهم بصلاحهم، أو على الوصف به كالوصف بالصدِّيق، وإن كان كل نبي كذلك؛ مع ما لعل لذلك حد عند الله؛ لذلك أراد لم يكن أطلع غيره عليه، والله أعلم.

وجائز أن يكون "يحيى" بما حيي به الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية؛ ولذلك سمي سيداً؛ وجملته أن لله أن يسمي من شاء بما شاء، وليس لنا تكلف طلب المعنى، فيما سمى الله الجواهر به؛ إذ الأسماء للتعريف، لكن يختار الأسماء الحسنة في السمع على التفاؤل، والله أعلم.

وقوله: وروح الله وكلمته - كقوله: خليل الله وحبيبه، وذبيح الله، وكليم الله، ليس على توهم معنى يزيل معنى الخلقة، ويوجب معنى الربوبية أو النبوة، وذلك على ما قيل: من بيوت الله، وعلى ما قيل لدينه: نور الله، وقيل لفرائضه: حدود الله، لا على معنى يخرج عن جملة خلقه؛ بل على تخصيص لذلك في الفضل على أشكاله، وذلك كما قال لمحمّد  : ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ  ﴾ ، وقال في الجملة: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ  ﴾ لا على ما توهمته النصارى في المسيح، فمثله الأول، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ : بشارة ببقائه إلى أن يصير كهلاً.

وفيه وجه آخر: وهو أن في ذلك بيان أن كلامه في المهد كلام مختار؛ إذ ذلك وصف كلام الكهل؛ ليعلم أن قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ  ﴾ إلى آخره: إنما هو حقيقة الخضوع لله، والإنباء عنه، لا على خلقه؛ كنطق الجوارح في الآخرة، والله أعلم.

أو لتكون آية له دائمة؛ إذ لم يكن على ما عليه أمر البشر: من التغيير، على أن آيات الجوهرية تزول عند الفناء، نحو العصا فيما تعود إلى حالها، واليد، ونحو ذلك؛ ليخص هو بنوع من الآيات الحسية بالدوام، ولا قوة إلا بالله.

﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ الآية.

يحتمل هذا الكلام وجوهاً: أحَدها: على الإنكار، أي: لا يكون، لكن ههنا لا يحتمل؛ لأنه كان أعلم بالله وقدرته أن ينطق به، أو يخطر بباله.

والثاني: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: كيف وجهه وسببه، وكذلك قوله: ﴿ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ﴾ ، وقوله: ﴿ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا  ﴾ ، ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا  ﴾ أي: كيف وجهه وما سببه.

والثالث: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ في الحال التي أنا عليها، أو أرادّ إلى الشباب؛ فيكون لي الولد.

هذان الوجهان يحتملان، وأمّا الأول: فإنه لا يحتمل.

وقوله: ﴿ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ .

وذكر في سورة مريم: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً  ﴾ : ذكر على التقديم والتأخير.

[وكذلك قوله: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ أو ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ  ﴾ والقصّة واحدة؛ ذكر على التقديم والتأخير]، وعلى اختلاف الألفاظ واللّسان؛ دل على أنه ليس على الخلق حفظ اللفظ واللسان؛ وإنما عليهم حفظ المعاني المدرجة المودعة فيها، وبالله التوفيق، ويعلم أنه لم يكن على كلا القولين، ولم يكن بهذا اللّسان.

وقوله: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ  ﴾ وإن اختلف في اللّسان.

وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : طلب من ربّه آية؛ لما لعله لم يعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة، أو وساوس؛ فطلب آية ليعرف أن تلك البشارة بشارة الملائكة من الله - عز وجل - لا بشارة إبليس؛ لأنه لا يقدر أن يفتعل في الآية؛ لأن فيها تغير الخلقة والجوهر، وهم لا يقدرون [على] ذلك، ولعلهم يقدرون على الافتعال في البشارة؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله على نبيّنا وعليه - لما نزل به الملائكة لم يعرفهم بالكلام وهابوه، حتى قال: ﴿ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ  ﴾ ، حتى قالوا: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ  ﴾ ، فذهب ذلك الروع منه بعد ما أخبروه أنهم ملائكة، رسل الله، أرسلهم إليه.

وقوله: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ .

قال بعض أهل التفسير: حبس لسانه عقوبة له بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ ﴾ ؛ لكن ذلك خطأ، والوجه فيه: منعه من تكليم الناس، ولم يمنعه عن الكلام في نفسه؛ ألا ترى أنه أمره أن يذكر ربّه، ويسبّح بالعشي والإبكار؛ كقوله: ﴿ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ ﴾ ؟!.

ويحتمل أن يكون أراه آية في نفسه من نوع ما كان سؤاله؛ إذ كان عن العلم بالولد في غير حينه، فأراه بمنع اللسان عن النطق، وأعلى أحوال الاحتمال؛ ليكون آية للأوّل.

وقيل في قوله: ﴿ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً ﴾ : أنه طلب آية؛ لجهله بعلوق الولد، وجعلها ليعرف متى يأتيها؟.

وقوله: ﴿ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ : قيل: الرّمز: هو تحريك الشفتين.

وقيل: هو الإيماء بشفتيه.

وقيل: هو الإشارة بالرأس.

وقيل: هو الإشارة باليد، والله أعلم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال زكريا: يا رب، اجعل لي علامة على حمل امرأتي مني، قال الله: علامتك التي طلبتَ هي: ألا تستطيع كلام الناس ثلاثة أيام بلياليهن إلا بالإشارة ونحوها، من غير خلل يصيبك، فأكثِرْ مِن ذكر الله وتسبيحه في آخر النهار وأوله.

<div class="verse-tafsir" id="91.jqO43"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

فسر بعضهم "هنالك" بالزمان وهو ضعيف والاستعمال الفصيح فيها أنها للمكان أي في ذلك المكان الذي خاطبته فيه مريم بما ذكر دعا ربه ورؤية الأولاد النجباء تشوق نفس القارئ وتهيج تمنيه لو يكون له مثلهم.

وذهب المفسر (الجلال) إلى أن الذي بعث زكريا إلى الدعاء هو رؤيته فاكهة الصيف في الشتاء وعكسه فإن ذلك من قبيل مجيء الولد من الشيخ الكبير والمرأة العاقر وليس في الآية ما يدل عليه، وقد يعترض عليه بأن فيه إشعارًا بأن زكريا لم يكن قبل ذلك عالمًا بإمكان الخوارق، ولا يقول بهذا مؤمن بنبوته.

فإن قيل: إن تعجبه بعد قوله ﴿ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ  ﴾ قد يشعر بشيء من ذلك، فالجواب: إن هذا يؤيد امتناع أن تكون رواية الخوارق هي التي أثارت في نفسه هذا الدعاء.

إن زكريا لما رأى ما رآه من نعمة الله على مريم في كمال إيمانها وحسن حالها ولا سيما اختراق شعاع بصيرتها لحجب الأسباب، ورؤيتها أن المسخر لها هو الذي يرزق من يشاء بغير حساب، أُخذ عن نفسه، وغاب عن حسه، وانصرف عن العالم وما فيه، واستغرق قلبه في ملاحظة فضل الله ورحمته، فنطق بهذا الدعاء في حال غيبته، وإنما يكون الدعاء جديرًا بأن يستجاب إذ جرى به اللسان بتلقين القلب في حال استغراقه في الشعور بكمال الرب، ولما عاد من سفره في عالم الوحدة، إلى عالم الأسباب ومقام التفرقة، وقد أوذن بسماع ندائه، واستجابة دعائه سأل ربه عن كيفية تلك الاستجابة، وهي على غير السنة الكونية فأجابه بما أجابه، وذلك قوله  ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ  ﴾ ..

إن زكريا أحب بمقتضى الطبيعة البشرية أن يتعين لديه الزمن الذي ينال به تلك المنحة الإلهية ليطمئن قلبه، ويبشر أهله، فسأل عن الكيفية، ولما أجيب بما أُجيب به سأل ربه أن يخصه بعبادة يتعجل بها شكره ويكون إتمامه إياها آية وعلامة على حصول المقصود، فأمره بأن لا يكلم الناس ثلاثة أيام بل ينقطع للذكر والتسبيح مساء صباح مدة ثلاثة أيام فإذا احتيج إلى خطاب الناس أومأ إليهم إيماء، وعلى هذا تكون بشارته لأهله بعد مضي الثلاث ليال.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده