الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٤٢ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 133 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم ، عليها السلام ، عن أمر الله لهم بذلك : أن الله قد اصطفاها ، أي : اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهرها من الأكدار والوسواس واصطفاها ثانيا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين .
قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب في قوله : ( إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) قال : كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ، أحناه على ولد في صغره ، وأرعاه على زوج في ذات يده ، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط " .
لم يخرجوه من هذا الوجه ، سوى مسلم فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به .
وقال هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خير نسائها مريم بنت عمران ، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " .
أخرجاه في الصحيحين ، من حديث هشام ، به مثله .
وقال الترمذي : حدثنا أبو بكر بن زنجويه ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية امرأة فرعون .
" تفرد به الترمذي وصححه .
وقال عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، عن أبيه قال : كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خير نساء العالمين أربع ، مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] رواه ابن مردويه .
وروى ابن مردويه من طريق شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث : مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " .
وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا آدم العسقلاني ، حدثنا شعبة ، حدثنا عمرو بن مرة ، سمعت مرة الهمداني بحديث عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون " .
وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به ولفظ البخاري : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " .
وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم عليهما السلام ، في كتابنا " البداية والنهاية " ولله الحمد والمنة .
ثم أخبر تعالى عن الملائكة : أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والخضوع والسجود والركوع والدءوب في العمل لها ، لما يريد الله [ تعالى ] بها من الأمر الذي قدره وقضاه ، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين ، بما أظهر الله تعالى فيها من قدرته العظيمة ، حيث خلق منها ولدا من غير أب ، فقال تعالى :
القول في تأويل قوله : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ، " وإذ قالت الملائكة يا مريمُ إن الله اصطفاك .
* * * ومعنى قوله: " اصطفاك "، اختارك واجتباك لطاعته وما خصّك به من كرامته.
(73) * * * وقوله: " وطهَّرك "، يعني: طهَّر دينك من الرّيب والأدناس التي في أديان نساء بني آدم (74) * * * =" واصطفاك على نساء العالمين "، يعني: اختارك على نساء العالمين في زمانك، (75) بطاعتك إياه، ففضَّلك عليهم، كما روى عن رسول الله صلى الله &; 6-394 &; عليه وسلم أنه قال: " خيرُ نسائها مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة بنت خويلد " = يعني بقوله: " خير نسائها "، خير نساء أهل الجنة.
7026 - حدثني بذلك الحسين بن علي الصدائي قال، حدثنا محاضر بن المورّع قال، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال: سمعت عليًّا بالعراق يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خيرُ نسائها مريم بنت عمران، وخيرُ نسائها خديجة.
(76) 7027 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني المنذر بن عبد الله الحزامي، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير نساء الجنة مريم بنت عمران، وخير نساء الجنة خديجة بنت خويلد.
(77) &; 6-395 &; 7028 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين "، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: حسبك بمريم بنت عمران، وامرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد، من نساء العالمين = قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " خيرُ نساء ركبن الإبل صوالحُ نساء قريش، أحناهُ على ولد في صغره، وأرعاهُ على زوج في ذات يده " = (78) قال قتادة: وذكر لنا أنهُ كان يقول: " لو علمت أنّ مريم ركبت الإبل، ما فضّلت عليها أحدًا ".
(79) &; 6-396 &; 7029 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: " يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين "، قال: كان أبو هريرة يحدث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: خيرُ نساء ركبن الإبل صُلحُ نساء قُرْيش، أحناه على ولد، وأرعاه لزوج في ذات يده = قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بعيرًا قط.
(80) 7030 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله: " وإذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين "، قال: كان ثابت البناني يحدث، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد.
(81) 7031 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا عمرو بن مرة قال، سمعت مرة الهمداني يحدث، عن أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كمل من الرّجال كثيرٌ، &; 6-398 &; ولم يكمل من النساء إلا مريم، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد.
(82) 7032 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو الأسود المصري قال، حدثنا ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان: أن فاطمة بنت حسين بن علي حدثته: أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا وأنا عند عائشة، فناجاني، فبكيتُ، ثم ناجاني فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت: لقد عَجلْتِ!
أخبرُك بسرّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم!!
فتركتني.
فلما تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها عائشة فقالت: نعم، ناجاني فقال: جبريلُ كان يعارضُ القرآنَ كلّ عام مرة، وإنه قد عارضَ القرآنَ مرّتين؛ وإنه ليس من نبيّ إلا عُمِّر نصف عُمر الذي كان قبله، وإن عيسى أخي كان عُمْره عشرين ومئة سنة، وهذه لي ستون، وأحسبني ميتًا في عامي هذا، وإنه لم تُرْزأ امرأةٌ من نساء العالمين بمثل ما رُزئتِ، ولا تكوني دون امرأة صبرًا!
قالت: فبكيتُ، ثم قال: أنت سيدة &; 6-399 &; نساء أهل الجنة إلا مريم البتول.
فتوفي عامه ذلك.
(83) 7033 - حدثني المثنى قال حدثنا أبو الأسود قال، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن الحارث، أن أبا زياد الحميريّ حدثه، أنه سمع عمار بن سعد يقول: قال &; 6-400 &; رسول الله صلى الله عليه وسلم: فُضّلت خديجةُ على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين.
(84) * * * وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: " وطهرك "، أنه: وطهَّر دِينك من الدّنس والرّيب، قاله مجاهد.
(85) 7034 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إن الله اصطفاك وطهرك "، قال: جعلك طيبةً إيمانًا.
7035 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * * 7036 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريح: " واصطفاك على نساء العالمين "، قال: ذلك للعالمين يومئذ.
(86) * * * وكانت الملائكة - فيما ذكر ابن إسحاق - تقول ذلك لمريم شفاهًا.
7037 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال: &; 6-401 &; كانت مريم حبيسًا في الكنيسة، ومعها في الكنيسة غُلام اسمه يُوسف، وقد كانَ أمه وأبوه جعلاه نذيرًا حبيسًا، فكانا في الكنيسة جميعًا، وكانت مريم، إذا نَفِدَ ماؤها وماء يوسف، أخذا قُلَّتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء الذي يستعذِبان منه، (87) فيملآن قلتيهما، ثم يرجعان إلى الكنيسة، والملائكة في ذلك مقبلة على مريم: " يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين "، فإذا سمع ذلك زكريا قال: إنّ لابنة عمرانَ لشأنًا.
--------------------------- الهوامش : (73) انظر معنى"اصطفى" فيما سلف 3: 91 / ثم 5: 312 / 6: 326.
(74) انظر معنى"طهر" فيما سلف 3: 38-40 ، وفهارس اللغة.
(75) انظر تفسير"العالمين" فيما سلف 1: 143-146 / 2: 23-26 / ثم 5: 375.
(76) الحديث: 7026- محاضر بن المورع الهمداني الكوفي ، وكنيته"أبو المورع" أيضًا: ثقة ، لينة أحمد وأبو حاتم.
ورجحنا في المسند: 3823 توثيقه.
ووثقه ابن سعد 6: 278.
و"محاضر": بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الضاد المعجمة.
و"المورع": بضم الميم وفتح الواو وكسر الراء المشددة وآخره عين مهملة.
والحديث رواه أحمد في المسند ، عن عبد الله بن نمير: 640 ، وعن وكيع: 1109 ، وعن محمد ابن بشر: 1211- ثلاثتهم عن هشام بن عروة.
ورواه ابنه عبد الله ، في المسند: 938 ، عن طريق أبي خيثمة ، ووكيع ، وأبي معاوية - ثلاثتهم عن هشام بن عروة ، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري 6: 339 ، و 7: 100-110 ، ومسلم 2: 243 ، والترمذي 4: 365- كلهم من طريق هشام بن عروة ، به.
ورواه الحاكم في المستدرك 3: 184 ، عن طريق ابن نمير ، ثم من طرق المسند عن وكيع وابن نمير.
وذكره ابن كثير في التفسير 2: 138 ، وفي التاريخ 2: 59 ، عن رواية الصحيحين.
وذكره السيوطي 2: 23 ، ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة ، وابن مردويه.
(77) الحديث: 7027- المنذر بن عبد الله بن المنذر الحزامي: ثقة ، كان من سروات قريش وأهل الندى والفضل.
ترجمه البخاري في الكبير 4 / 1 / 359 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 243- فلم يذكرا فيه جرحًا.
والحديث هو الحديث السابق.
ولكنه هنا من حديث عبد الله بن جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهناك من حديثه عن عمه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فهو إما مرسل صحابي ، وإما قصر الراوي عن هشام ، فترك ذكر علي ، والأرجح أن يكون عبد الله بن جعفر سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمعه عنه بواسطة علي.
فرواه على الوجهين.
وهو صحيح بكل حال.
(78) من العربية العريقة إعادة الضمير المفرد بعد أفعل التفضيل ، على الجمع ، وقد جاء في الشعر ، وجاء في الآثار كقوله: "كان عمار بن ياسر من أطول الناس سكوتًا وأقله كلامًا".
وقد سلف بيان ذلك في رقم: 5968 ، 6129 ، (فانظره).
(79) الحديث: 7028 - هو حديث مرسل.
بل هو في حقيقته ثلاثة أحاديث ، يقول قتادة في أول كل منها: "ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول": فأولها -"حسبك بمريم..."-: ثبت موصولا.
فرواه أحمد في المسند: 12418 (ج 3 ص 135 حلبي) - عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن أنس - هو ابن مالك - مرفوعًا ، بنحوه.
وكذلك رواه الحاكم في المستدرك 3: 157-158 ، عن أبي بكر القطيعي - راوي المسند - عن عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، عن عبد الرزاق.
ولكنه ذكر أنه رواه عن القطيعي "في فضائل أهل البيت ، تصنيف أبي عبد الله أحمد بن حنبل".
فلم يروه من كتاب (المسند) ، إنما رواه من كتاب آخر لأحمد والإسناد واحد.
ورواه الترمذي 4: 366 ، وابن حبان في صحيحه (2: 375 من مخطوطة التقاسيم والأنواع) - كلاهما من طريق عبد الرزاق ، به.
وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ فإن قوله صلى الله عليه وسلم: حسبك من نساء العالمين - يسوي بين نساء الدنيا".
وقد يوهم كلام الحاكم أن الشيخين روياه من حديث أنس بغير هذا اللفظ.
والشيخان لم يروياه من حديث أنس أصلا.
ونقله ابن كثير في التاريخ 2: 59-60 ، من رواية المسند ، وفي التفسير 2: 138-139 ، من رواية الترمذي.
وأشار في الموضعين إلى رواية ابن مردويه إياه من طريق ثابت عن أنس.
وسيأتي من رواية ثابت: 7030.
وسنذكره هناك ، إن شاء الله.
وأشار الحافظ في الفتح 6: 340 ، إلى رواية الترمذي إياه ، وقال: "بإسناد صحيح".
وثانيها: "خير نساء ركبن الإبل..." - وسيأتي عقب هذا: 7029 ، من رواية قتادة ، عن أبي هريرة.
وسيأتي عقب هذا: ونذكر علته وتخريجه هناك ، إن شاء الله.
وثالثها: "لو علمت أن مريم ركبت الإبل ، ما فضلت عليها أحدًا".
وهو لفظ منكر ، ما علمته ثبت من طريق متصل.
والصحيح أنه من كلام أبي هريرة ، كما سيأتي في الحديث التالي.
(80) الحديث: 7029- وهذا إسناد منقطع ، لأن قتادة بن دعامة السدوسي لم يدرك أبا هريرة ، لأنه ولد سنة 61 ، بعد وفاة أبي هريرة.
ولذلك قال هنا: "كان أبو هريرة يحدث" ، فهو شبيه في عبارته بالبلاغ.
ومتن الحديث صحيح: فرواه أحمد في المسند: 7637 ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، بنحوه ، مطولا.
ورواه كذلك: 7695 ، بهذا الإسناد ، مختصرًا.
ورواه: 7638 ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، مختصرًا.
وذكره ابن كثير في التفسير 2: 138 ، عن الرواية الأولى من المسند ، ثم قال: "ولم يخرجه من هذا الوجه سوى مسلم ، فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد - كلاهما عن عبد الرزاق ، به".
وذكره أيضًا في التاريخ 2: 60 ، ثم أشار إلى رواية مسلم.
ورواية مسلم ، هي في صحيحه 2: 370.
ورواه أيضا البخاري 9: 107-108 ، و 448 ، ومسلم 2: 369-370 ، من طرق عن أبي هريرة.
والروايات الصحاح ، هي أن أبا هريرة قال من عند نفسه ، في آخر الحديث: "ولم تركب مريم بعيرًا قط".
وأما رفع هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، باللفظ الذي في الحديث السابق - فهو كما قلنا: "لفظ منكر".
قوله"صلح" - بضمتين: هكذا في المخطوطة.
وكان ناسخها كتب"صوالح" ، ثم ضرب عليها وكتب"صلح".
و"صلح": جمع"صليح".
يقال: صالح وصلح ، وهو جمع محمول على"فعيل" في الأسماء ، فقالوا في جمع الصفات: "نذير ونذر ، وجديد وجدد" ، كما قالوا في الأسماء"كثيب وكثب".
وهذا حرف لم ينص عليه في كتب اللغة.
(81) الحديث: 7030- هذا إسناد ضعيف ، لجهالة الشيخ الذي رواه عنه الطبري ، إذ قال"حدثت" بالبناء للمجهول.
وابن أبي جعفر: هو عبد الله الرازي.
وهو ثقة ، وثقه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغيرهما.
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 127.
أبوه "أبو جعفر الرازي": اختلف في اسمه ، والراجح أنه"عيسى بن ماهان".
وهو ثقة ، وثقه ابن المديني ، وابن سعد 7 / 2 / 109 ، وغيرهما.
ترجم في التهذيب في الكنى ، وترجمه ابن أبي حاتم في ترجمة"عيسى" 3 / 1 / 280.
وقد أشرنا إلى ترجمته في: 164.
ولم أستطع أن أجد ما يدل على أنه أدرك ثابتًا البناني.
ثم هذا الحديث ذكره ابن كثير في التفسير 2: 139 ، والتاريخ 2: 60 أنه رواه ابن مردويه ، من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي ، عن أبيه ، عن ثابت ، عن أنس.
وزاد في التاريخ أنه رواه ابن عساكر من طريق تميم بن زياد ، عن أبي جعفر الرازي ، ولكنه لم يكشف عن سنده في ابن مردويه إلى ابن أبي جعفر ، ولا عن سنده في ابن عساكر إلى تميم بن زياد ، فلا نستطيع أن نتبين صحة هذين الإسنادين أو أحدهما.
وقد مضى في شرح 7028 ، أنه رواه أحمد ، والترمذي ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم - من حديث معمر ، عن قتادة ، عن أنس.
فأغنى ثبوته من ذاك الوجه الصحيح عن هذا الوجه الضعيف ، أو المشكوك في صحته.
والحمد لله.
(82) الحديث: 7031- آدم العسقلاني: هو آدم بن أبي إياس ، شيخ البخاري.
مضى مرارًا.
عمرو بن مرة: هو الجملي المرادي.
مضى توثيقه: 175.
واسم جده"عبد الله بن طارق".
فمرة أبوه ، غير"مرة الهمداني" شيخه هنا.
فإنه"مرة بن شراحيل الهمداني" الثقة التابعي المخضرم.
وقد مضى مرارًا.
والحديث رواه البخاري 6: 340 ، عن آدم - وهو ابن أبي إياس العسقلاني ، بهذا الإسناد ، مطولاً.
ورواه أيضا 6: 320 ، من طريق وكيع ، عن شعبة ، ورواه أيضًا 7: 83 ، عن آدم ، وعن عمرو - وهو ابن مرزوق - كلاهما عن شعبة.
ونقله ابن كثير في التفسير 2: 139 ، عن هذا الموضع من الطبري ، ثم قال: "وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود ، من طرق عن شعبة ، به".
ثم ذكر أنه استقصى طرقه في التاريخ.
ولكنه لم يفعل ، فإنه ذكره فيه 2: 61 ، منسوبًا إلى"الجماعة إلا أبا داود ، من طرق عن شعبة".
وذكره السيوطي 2: 23 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة.
(83) الحديث: 7032- أبو الأسود المصري: هو النضر بن عبد الجبار بن نصير المرادي.
وهو ثقة.
روى عنه يحيى بن معين ، وأبو حاتم ، وغيرهما.
عمارة بن غزية - بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء التحتية - بن الحارث ، الأنصاري المازني المدني: ثقة ، وثقه ابن سعد ، والدارقطني ، وغيرهما ، وأخرج له مسلم في الصحيح.
محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: ثقة ، وثقه النسائي ، والعجلي ، وغيرهما.
وقال ابن سعد: "كان كثير الحديث عالمًا".
وكان جوادًا ممدحًا.
وهو المعروف بالديباج ، لحسنه.
وأبوه"عبد الله بن عمرو بن عثمان": هو المعروف بالمطرف ، لحسنه أيضًا.
ووقع في المخطوطة والمطبوعة"محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن عثمان".
وهو خطأ يقينًا في اسم والد"محمد".
فهو"عبد الله" ، لا"عبد الرحمن".
وفاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب: تابعية ثقة.
كانت تحت ابن عمها"الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب" ، وأعقبت منه ، فلما مات تزوجت"المطرف عبد الله بن عمرو بن عثمان".
زوجه إياها ابنها عبد الله بن حسن بن حسن ، بأمرها ، فأعقبت منه أولادًا ، منهم "محمد" الراوي عنها هنا.
وعمرت فاطمة حتى قاربت التسعين.
وروايتها عن جدتها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم - رواية منقطعة ، ظاهرة الإرسال ، لأن الزهراء ماتت بعد أبيها بستة أشهر ، وكان ولدها الحسن والحسين صغيرين.
فهذا الحديث ضعيف الإسناد ، لهذا الانقطاع.
ولم أجده في شيء من الدواوين غير هذا الموضع.
وقد أشار إليه الحافظ في الفتح مرتين ، لم ينسبه فيهما لغير الطبري: فأشار إليه 6: 104 ، وجعله"عند الطبري من وجه آخر عن عائشة" ، وهو وهم ، فإنه من حديث فاطمة ، كما ترى.
ثم أشار إليه 7: 82 على الصواب ، من حديث فاطمة.
ووقع فيه في الموضعين غلط من ناسخ أو طابع.
وأصل هذه القصة ثابت من حديث عائشة ، في الصحيحين وغيرهما.
ولكن ليس فيه ذكر عيسى وعمره ، ولا أنه"لم ترزأ امرأة...".
وعمر عيسى المذكور - في هذه الرواية- منكر جدًا ، لم نجد أحدًا قال مثل هذا ، فيما نعلم.
وهو من دلائل ضعف هذه الرواية.
وانظر حديث عائشة في البخاري 65: 462 ، و 7: 63-64 ، و 8: 103-104 (فتح) ، ومسلم 2: 248-249 ، وابن سعد 2 / 2 / 39-40 ، و 8: 17.
(84) الحديث: 7033- هذا إسناد ضعيف بكل حال.
أما أبو زياد الحميري: فلم نعرف من هو؟
ولم نجد له ترجمة ولا ذكرًا.
والغالب أنه محرف عن شيء لا ندريه.
وأما "عمار بن سعد بن عابد المؤذن": فإنه المعروف أبوه بلقب"سعد القرظ" المؤذن.
وعمار هذا تابعي ، نص في التهذيب على أن روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة.
وقد ترجمه الحافظ في الإصابة 5: 83 ، في القسم الثاني ، الذين ولدوا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(85) في المطبوعة والمخطوطة: "قال مجاهد" ، والصواب ما أثبت كما يدل عليه السياق.
(86) انظر ما سلف ص: 393 تعليق: 4 ، مراجع تفسير"العالمين".
(87) يستعذبان: يستقيان ، وأصله من قولهم: "استعذب": أي استقى أو طلب ماء عذبًا.
وفي الحديث: "أنه كان يستعذب له من بيوت السقيا" ، أي يحضر له منها الماء العذب.
قوله تعالى : وإذ قالت الملائكة يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمينقوله تعالى : إن الله اصطفاك أي اختارك ، وقد تقدم .وطهرك أي من الكفر ; عن مجاهد والحسن .
الزجاج : من سائر الأدناس من الحيض والنفاس وغيرهما ، واصطفاك لولادة عيسى .على نساء العالمين يعني عالمي زمانها ; عن الحسن وابن جريج وغيرهما .
وقيل : على نساء العالمين أجمع إلى يوم الصور ، وهو الصحيح على ما نبينه ، وهو قول الزجاج وغيره .
وكرر الاصطفاء لأن معنى الأول الاصطفاء لعبادته ، ومعنى الثاني لولادة عيسى .وروى مسلم عن أبي موسى قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام .
قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الكمال هو التناهي والتمام ; ويقال في ماضيه " كمل " بفتح الميم وضمها ، ويكمل في مضارعه بالضم ، وكمال كل شيء بحسبه .
[ ص: 78 ] والكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة .
ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين .
وإذا تقرر هذا فقد قيل : إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة فيلزم عليه أن تكون مريم عليها السلام وآسية نبيتين ، وقد قيل بذلك .
والصحيح أن مريم نبية ; لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم ويأتي بيانه أيضا في " مريم " .
وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها ، على ما يأتي بيانه في ( التحريم ) .
وروي من طرق صحيحة أنه عليه السلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة : خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد .
ومن حديث ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون .
وفي طريق آخر عنه : سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم فاطمة وخديجة .
فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة ; فإن الملائكة قد بلغتها الوحي عن الله عز وجل بالتكليف والإخبار والبشارة كما بلغت سائر الأنبياء ; فهي إذا نبية والنبي أفضل من الولي [ ص: 79 ] فهي أفضل من كل النساء : الأولين والآخرين مطلقا .
ثم بعدها في الفضيلة فاطمة ثم خديجة ثم آسية .
وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية .
وهذا حديث حسن يرفع الإشكال .
وقد خص الله مريم بما لم يؤته أحدا من النساء ; وذلك أن روح القدس كلمها وظهر لها ونفخ في درعها ودنا منها للنفخة ; فليس هذا لأحد من النساء .
وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية عندما بشرت كما سأل زكريا - صلى الله عليه وسلم - من الآية ; ولذلك سماها الله في تنزيله صديقة فقال : وأمه صديقة .
وقال : وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها بالقنوت .
وإنما بشر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم امرأته فقال : أنى يكون لي غلام وامرأتي عاقر ، فسأل آية .
وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بكر ولم يمسسها بشر فقيل لها : كذلك قال ربك فاقتصرت على ذلك ، وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كنه هذا الأمر ، ومن لامرأة في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب .
ولذلك روي أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة ; جاء في الخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - : لو أقسمت لبررت لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلا بضعة عشر رجلا منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ابنة عمران .
وقد كان يحق على من انتحل علم الظاهر واستدل بالأشياء الظاهرة على الأشياء الباطنة أن يعرف قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا سيد ولد آدم ولا فخر وقوله [ ص: 80 ] حيث يقول : لواء الحمد يوم القيامة بيدي ومفاتيح الكرم بيدي وأنا أول خطيب وأول شفيع وأول مبشر وأول ، وأول .
فلم ينل هذا السؤدد في الدنيا على الرسل إلا لأمر عظيم في الباطن .
وكذلك شأن مريم لم تنل شهادة الله في التنزيل بالصديقية والتصديق بالكلمات إلا لمرتبة قريبة دانية .
ومن قال لم تكن نبية قال : إن رؤيتها للملك كما رئي جبريل - عليه السلام - في صفة دحية الكلبي حين سؤاله عن الإسلام والإيمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء ، والأول أظهر ، وعليه الأكثر ، والله أعلم .
ينوه تعالى بفضيلة مريم وعلو قدرها، وأن الملائكة خاطبتها بذلك فقالت { يا مريم إن الله اصطفاك } أي: اختارك { وطهّرك } من الآفات المنقصة { واصطفاك على نساء العالمين } الاصطفاء الأول يرجع إلى الصفات الحميدة والأفعال السديدة، والاصطفاء الثاني يرجع إلى تفضيلها على سائر نساء العالمين، إما على عالمي زمانها، أو مطلقا، وإن شاركها أفراد من النساء في ذلك كخديجة وعائشة وفاطمة، لم يناف الاصطفاء المذكور، فلما أخبرتها الملائكة باصطفاء الله إياها وتطهيرها، كان في هذا من النعمة العظيمة والمنحة الجسيمة ما يوجب لها القيام بشكرها، فلهذا قالت لها الملائكة: { يا مريم اقنتي لربك }
قوله تعالى : ( وإذ قالت الملائكة ) يعني جبريل ( يا مريم إن الله اصطفاك ) اختارك ( وطهرك ) قيل من مسيس الرجال وقيل من الحيض والنفاس ، قال السدي : كانت مريم لا تحيض ، وقيل : من الذنوب ( واصطفاك على نساء العالمين ) قيل : على عالمي زمانها وقيل : على جميع نساء العالمين في أنها ولدت بلا أب ، ولم يكن ذلك لأحد من النساء ، وقيل : بالتحرير في المسجد ولم تحرر أنثى .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أحمد بن رجاء ، أخبرنا النضر عن هشام أخبرنا أبي قال : سمعت عبد الله بن جعفر قال : سمعت عليا رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة رضي الله عنهما " ورواه وكيع وأبو معاوية عن هشام بن عروة وأشار وكيع إلى السماء والأرض .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا آدم ، أنا شعبة ، عن عمرو بن مرة عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " .
أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا جدي عبد الرحمن بن عبد الصمد البزار ، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري ، أخبرنا إسحاق الديري ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وآسية امرأة فرعون " .
«و» اذكر «إذ قالت الملائكة» أي جبريل «يا مريم إن الله اصطفاك» اختارك «وطهرك» من مسيس الرجال «واصطفاك على نساء العالمين» أي أهل زمانك.
واذكر -أيها الرسول- حين قالت الملائكة: يا مريم إن الله اختاركِ لطاعته وطهَّركِ من الأخلاق الرذيلة، واختاركِ على نساء العالمين في زمانك.
قوله - تعالى - { وَإِذْ قَالَتِ الملائكة يامريم .
.
} إلخ معطوف على قوله : { إِذْ قَالَتِ امرأت عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي } الخ عطف القصة على القصة ، فإن الله - تعالى - بعد أن ذكر ما قالته امرأة عمران عندما أحست بالحمل .
وبعد ولادتها لمريم ، وما كان من شأنها وتربيتها وكفالتها بعد أن ذكر ذلك ، بين - سبحانه - ما كان من أمر مريم بعد أن بلغت رشدها واكتمل تكوينها ، وجاء بقصة زكريا بين قصة الأم وابنتها لما بينهما من مناسبة إذ أن دعاء زكريا ربه كان سببه ما رآه من إكرام الله - سبحانه - لمريم ولأن الكل لبيان اصطفاء آل عمران .والمعنى ، واذكر يا محمد للناس وقت أن قالت الملائكة لمريم - التي تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا - يا مريم { إِنَّ الله اصطفاك } أى اختارك واجتباك لطاعته ، وقبلك لخدمة بيته { وَطَهَّرَكِ } من الأدناس والأقذار ، ومن كل ما يتنافى مع الخلق الحميد ، والطبع السليم { واصطفاك على نِسَآءِ العالمين } بأن وهب لك عيسى من غير أب دون أن يمسسك بشر .
وجعلك أنت وهو آية للعالمين .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد مدح مريم مدحا عظيما بأن شهد لها بالاصطفاء والطهر والمحبة ، وأكد هذا الخبر للاعتناء بشأنه ، والتنويه بقدره .قال الفخر الرازي ما ملخصه :والاصطفاء الأول إشارة إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها بأن قبل الله - تعالى - تحريرها أى خدمتها لبيته ، مع أنها أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث ، وبأن فرغها لعبادته وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة ، وبأن كفاها أمر معيشتها فكان يأتيها رزقها من عند الله .
.وأما الاصطفاء الثاني فالمراد به أنه - تعالى - وهب لها عيسى - عليه السلام من غير أب ، وجعلها وابنها آية للعالمين " .ولا شك أن ولادتها لعيسى من غير أب ودون أن يمسها بشر ، هو أمر اختصت به مريم ولم تشاركها فيه امرأة قط فى أى زمان أو مكان ، فهى أفضل النساء في هذه الحيثية .أما من حيث قوة الإيمان ، وصلاح الأعمال فيجوز أن يحمل اصطفاؤها على نساء العالمين على معنى تفضيلها على عالمى زمانها من النساء وبعضهم يرى أفضليتها على جميع النساء في سائر الأعصار .هذا وقد أورد ابن كثير عدداً من الأحاديث التي وردت في فضل مريم وفي فضل غيرها من النساء ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن علي بن أبي طالب أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خير نسائها مريم بنت عمران ، وخير نسائها خديجة بنت خويلد "وروى الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران ، وخديجة بن خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون " وأخرج البخارى عن أبى موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون .
ومريم بنت عمران ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " .وقول الملائكة لمريم إن الله اصطفاك وطهرك .
.
.
إلخ الراجح أنهم قالوه لها مشافهة ، لأن هذا ما يدل عليه ظاهر الاية ، وإليه ذهب صاحب الكشاف فقد قال : روى أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا ، أو إرهاصا لنبوة عيسى - عليه السلام - .وقال الجمل قوله : { وَإِذْ قَالَتِ الملائكة } أى مشافهة لها بالكلام ، وهذا من باب التربية الروحية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها بعد التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها " .وقيل كأن خطابهم لها بالإلهام أو بالرؤيا الصادقة في النوم .والأول أولى لانه هو الظاهر من الآية ، ولأنه الموافق لأقوال جمهور المفسرين ، ولأنه جاء صريحا في آيات أخرى أن الملك قد تمثل لها بشراً سويا وكلمها ، وذلك في قوله - تعالى - في سورة مريم : { واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً } قال الآلوسي : " واستدل بهذه الآية من ذهب إلى نبوة مريم : لأن تكليم الملائكة يقتضيها ومنعها اللقانى وغيره من العلماء ، لأن الملائكة قد كلموا من ليس بنبى إجماعا ، فقد جاء في الحديث الشريف أنهم كلموا رجال خرج لزيارة أخ له في الله ، وأخبروه بأن الله يحبه كما أحب هو أخاه ، ولم يقل أحد بنبوته - فكلام الملائكة لمريم لا يقتضي نبوتها وهو الصحيح " .
القصة الثالثة: وصفه طهارة مريم صلوات الله عليها: وفيه مسائل: المسألة الأولى: عامل الإعراب هاهنا في ﴿ إِذْ ﴾ هو ما ذكرناه في قوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران ﴾ من قوله: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ثم عطف عليه ﴿ إِذْ قَالَتِ الملئكة ﴾ وقيل: تقديره واذكر إذ قالت الملائكة.
المسألة الثانية: قالوا المراد بالملائكة هاهنا جبريل وحده، وهذا كقوله: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ ﴾ يعني جبريل، وهذا وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه، لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليها السلام هو جبريل عليه السلام، وهو قوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾ .
المسألةالثالثة: اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ مّنْ أَهْلِ القرى ﴾ وإذا كان كذلك كان إرسال جبريل عليه السلام إليها إما أن يكون كرامة لها، وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء، أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام، وذلك جائز عندنا، وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكرياء عليه السلام، وهو قول جمهور المعتزلة، ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام والإلقاء في القلب، كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى ﴾ .
المسألة الرابعة: اعلم أن المذكور في هذه الآية أولاً: هو الاصطفاء، وثانياً: التطهير، وثالثاً: الاصطفاء على نساء العالمين، ولا يجوز أن يكون الاصطفاء أولاً من الاصطفاء الثاني، لما أن التصريح بالتكرير غير لائق، فلابد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها، والاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها.
النوع الأول من الاصطفاء: فهو أمور أحدها: أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث.
وثانيها: قال الحسن: إن أمها لما وضعتها ما غذتها طرفة عين، بل ألقتها إلى زكريا، وكان رزقها يأتيها من الجنة.
وثالثها: أنه تعالى فرغها لعبادته، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة.
ورابعها: أنه كفاها أمر معيشتها، فكان يأتيها رزقها من عند الله تعالى على ما قال الله تعالى: ﴿ أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ .
وخامسها: أنه تعالى أسمعها كلام الملائكة شفاها، ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها، فهذا هو المراد من الاصطفاء الأول، وأما التطهير ففيه وجوه: أحدها: أنه تعالى طهرها عن الكفر والمعصية، فهو كقوله تعالى في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾ .
وثانيها: أنه تعالى طهرها عن مسيس الرجال.
وثالثها: طهرها عن الحيض، قالوا: كانت مريم لا تحيض.
ورابعها: وطهرك من الأفعال الذميمة، والعادات القبيحة.
وخامسها: وطهرك عن مقالة اليهود وتهمتهم وكذبهم.
وأما الاصطفاء الثاني: فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب، وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة، وجعلها وابنها آية للعالمين، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة.
المسألة الخامسة: روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: حسبك من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون، وخديجة، وفاطمة عليهن السلام فقيل هذا الحديث دل على أن هؤلاء الأربع أفضل من النساء، وهذه الآي دلت على أن مريم عليها السلام أفضل من الكل، وقول من قال المراد إنها مصطفاة على عالمي زمانها، فهذا ترك الظاهر.
ثم قال تعالى: ﴿ يامريم اقنتى لِرَبّكِ واسجدى ﴾ وقد تقدم تفسير القنوت في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين ﴾ وبالجملة فلما بيّن تعالى أنها مخصوصة بمزيد المواهب والعطايا من الله أوجب عليها مزيد الطاعات، شكراً لتلك النعم السنية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قدم ذكر السجود على ذكر الركوع؟.
والجواب من وجوه: الأول: أن الواو تفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب الثاني: أن غاية قرب العبد من الله أن يكون ساجداً قال عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد».
فلما كان السجود مختصاً بهذا النوع من الرتبة والفضيلة لا جرم قدمه على سائر الطاعات.
ثم قال: ﴿ واركعى مَعَ الركعين ﴾ وهو إشارة إلى الأمر بالصلاة، فكأنه تعالى يأمرها بالمواظبة على السجود في أكثر الأوقات، وأما الصلاة فإنها تأتي بها في أوقاتها المعينة لها والثالث: قال ابن الأنباري: قوله تعالى: ﴿ اقنتى ﴾ أمر بالعبادة على العموم، ثم قال بعد ذلك ﴿ واسجدى واركعى ﴾ يعني استعملي السجود في وقته اللائق به، واستعملي الركوع في وقته اللائق به، وليس المراد أن يجمع بينهما، ثم يقدم السجود على الركوع والله أعلم الرابع: أن الصلاة تسمى سجوداً كما قيل في قوله: ﴿ وأدبار السجود ﴾ وفي الحديث إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين وأيضاً المسجد سمي باسم مشتق من السجود والمراد منه موضع الصلاة، وأيضاً أشرف أجزاء الصلاة السجود وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه نوع مشهور في المجاز.
إذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿ يامريم اقنتى ﴾ معناه: يا مريم قومي، وقوله: ﴿ واسجدى ﴾ أي صلي فكان المراد من هذا السجود الصلاة، ثم قال: ﴿ واركعى مَعَ الراكعين ﴾ إما أن يكون أمراً لها بالصلاة بالجماعة فيكون قوله: ﴿ واسجدى ﴾ أمراً بالصلاة حال الانفراد، وقوله: ﴿ واركعى مَعَ الراكعين ﴾ أمراً بالصلاة في الجماعة، أو يكون المراد من الركوع التواضع ويكون قوله: ﴿ واسجدى ﴾ أمراً ظاهراً بالصلاة، وقوله: ﴿ واركعى مَعَ الراكعين ﴾ أمراً بالخضوع والخشوع بالقلب.
الوجه الخامس في الجواب: لعلّه كان السجود في ذلك الدين متقدماً على الركوع.
السؤال الثاني: اما المراد من قوله: ﴿ واركعى مَعَ الركعين ﴾ .
والجواب: قيل معناه: افعلي كفعلهم، وقيل المراد به الصلاة في الجماعة كانت مأمورة بأن تصلي في بيت المقدس مع المجاورين فيه، وإن كانت لا تختلط بهم.
السؤال الثالث: لم لم يقل واركعي مع الراكعات؟
والجواب لأن الاقتداء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.
واعلم أن المفسرين قالوا: لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات مع مريم عليها السلام شفاها، قامت مريم في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح من قدميها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يامريم ﴾ روي أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا أو إرهاصا لنبوّة عيسى ﴿ اصطفاك ﴾ أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ مما يستقذر من الأفعال ومما قرفك به اليهود ﴿ واصطفاك ﴾ آخراً ﴿ على نِسَاء العالمين ﴾ بأن وهب لك عيسى من غير أب؛ ولم يكن ذلك لأحد من النساء.
أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود؛ لكونهما من هيآت الصلاة وأركانها؛ ثم قيل لها ﴿ واركعى مَعَ الركعين ﴾ بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة؛ أو انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني معهم في عدادهم ولا تكوني في عداد غيرهم.
ويحتمل أن يكون في زمانها من كان يقوم ويسجد في صلاته ولا يركع وفيه من يركع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين ولا تكون مع من لا يركع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ ﴾ كَلَّمُوها شَفاهًا كَرامَةً لَها، ومَن أنْكَرَ الكَرامَةَ زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا أوْ إرْهاصًا لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ الإجْماعَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَسْتَنْبِئِ امْرَأةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا ﴾ وقِيلَ أُلْهِمُوها، والِاصْطِفاءُ الأوَّلُ تَقَبُّلُها مِن أُمِّها ولَمْ يَقْبَلْ قَبْلَها أُنْثى وتَفْرِيغُها لِلْعِبادَةِ وإغْناؤُها بِرِزْقِ الجَنَّةِ عَنِ الكَسْبِ وتَطْهِيرُها عَمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ النِّساءِ.
والثّانِي هِدايَتُها وإرْسالُ المَلائِكَةِ إلَيْها، وتَخْصِيصُها بِالكَراماتِ السِّنِّيَّةِ كالوَلَدِ مِن غَيْرِ أبٍ وتَبْرِئَتُها مِمّا قَذَفَتْها بِهِ اليَهُودُ بِإنْطاقِ الطِّفْلِ وجَعْلِها وابْنِها آيَةً لِلْعالَمِينَ.
﴿ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ ﴾ أُمِرَتْ بِالصَّلاةِ في الجَماعَةِ بِذِكْرِ أرْكانِها مُبالَغَةً في المُحافَظَةِ عَلَيْها، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ إمّا لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ في شَرِيعَتِهِمْ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، أوْ لِيَقْتَرِنِ ارْكَعِي بِالرّاكِعِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَن لَيْسَ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ لَيْسُوا مُصَلِّينَ.
وقِيلَ المُرادُ بِالقُنُوتِ إدامَةُ الطّاعَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا ﴾ وبِالسُّجُودِ الصَّلاةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأدْبارَ السُّجُودِ ﴾ وبِالرُّكُوعِ الخُشُوعُ والإخْباتُ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢)
{وإذا} عطف على إذ قالت امرأة عمران أو التقدير واذكر إذ {قالت الملائكة يا مريم} روي أنهم كلموها شفاها {إِنَّ الله اصطفاك} أولاً حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية {وَطَهَّرَكِ} مما يستقذر من
الأفعال {واصطفاك} آخراً {على نِسَاء العالمين} بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء
﴿ وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ تَتِمَّةٌ لِشَرْحِ أحْكامِ اِصْطِفاءِ آلِ عِمْرانَ، ووَقَعَتْ قِصَّةُ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ في البَيْنِ لِما فِيها مِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ الِاصْطِفاءَ، و(إذْ) في المَشْهُورِ مَنصُوبٌ بِالذِّكْرِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وبَيْنَهُما كَمالُ المُناسَبَةِ لِأنَّ تِلْكَ مَسُوقَةٌ أوَّلًا وبِالذّاتِ لِشَرْحِ حالِ الأُمِّ وهَذِهِ لِشَرْحِ حالِ البِنْتِ، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ رَئِيسُهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والكَلامُ هُنا كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الظَّرْفِ مَعْطُوفًا عَلى الظَّرْفِ السّابِقِ وناصِبِهِ ناصِبَهُ، والأوَّلُ أوْلى، والمُرادُ: اُذْكُرْ أيْضًا مِن شَواهِدِ اِصْطِفاءِ أُولَئِكَ الكِرامِ وقْتَ قَوْلِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ ﴾ أيِ اِخْتارَكِ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَطَفَ بِكِ ومَيَّزَكِ عَلى كُلِّ مُحَرَّرٍ وخَصَّكِ بِالكَراماتِ السَّنِيَّةِ، والتَّأْكِيدُ اِعْتِناءٌ بِشَأْنِ الخَبَرِ، وقَوْلُ المَلائِكَةِ لَها ذَلِكَ كانَ شِفاهًا عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ ونَطَقَتْ بِهِ الظَّواهِرُ، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي تَكَرُّرَ هَذا القَوْلِ مِنَ المَلائِكَةِ لَها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ أنَّهُ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ حَبِيسًا في الكَنِيسَةِ ومَعَها فِيها غُلامٌ اِسْمُهُ يُوسُفُ وقَدْ كانَ أُمُّهُ وأبُوهُ جَعَلاهُ نَذِيرًا حَبِيسًا فَكانا في الكَنِيسَةِ جَمِيعًا وكانَتْ مَرْيَمُ إذا نَفِدَ ماؤُها وماءُ يُوسُفَ أخَذا قُلَّتَيْهِما فانْطَلَقا إلى المَغارَةِ الَّتِي فِيها الماءُ فَيَمْلَآنِ ثُمَّ يَرْجِعانِ، والمَلائِكَةُ في ذَلِكَ مُقْبِلَةٌ عَلى مَرْيَمَ بِالبِشارَةِ ﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ ﴾ الآيَةَ، فَإذا سَمِعَ ذَلِكَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: إنَّ لِابْنَةِ عِمْرانَ لَشَأْنًا، وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ألْهَمُوها ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ تَفْسِيرَ القَوْلِ بِالإلْهامِ وإسْنادَهُ لِلْمَلائِكَةِ خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَ لا مَنعَ مِن أنْ يَكُونَ بِواسِطَتِهِمْ أيْضًا عَلى أنَّهُ قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ خَبَرٌ أصْلًا، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ التَّكْلِيمُ مِن بابِ الكَرامَةِ الَّتِي يَمُنُّ بِها اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى خَواصِّ عِبادِهِ، ومَن أنْكَرَها زَعَمَ أنَّ ذَلِكَ إرْهاصٌ وتَأْسِيسٌ لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مُعْجِزَةٌ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُورِدُ عَلى الأوَّلِ أنَّ الإرْهاصَ في المَشْهُورِ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى دَعْوى النُّبُوَّةِ ما يُشْبِهُ المُعْجِزَةَ كَإظْلالِ الغَمامِ لِرَسُولِ اللَّهِ وتَكَلُّمِ الحَجَرِ مَعَهُ، وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي وُقُوعَ الخارِقِ عَلى يَدِ النَّبِيِّ لَكِنْ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ لا عَلى يَدِ غَيْرِهِ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُدْفَعَ بِالعِنايَةِ؛ وأُورِدُ عَلى الثّانِي بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لَمْ يَقَعِ الكَلامُ مَعَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَقْتَرِنْ ذَلِكَ بِالتَّحَدِّي أيْضًا فَكَيْفَ يَكُونُ مُعْجِزَةً لَهُ.
واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى نُبُوَّةِ مَرْيَمَ لِأنَّ تَكْلِيمَ المَلائِكَةِ يَقْتَضِيها، ومَنَعَهُ اللَّقانِيُّ بِأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ كَلَّمُوا مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ إجْماعًا فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم كَلَّمُوا رَجُلًا خَرَجَ لِزِيارَةِ أخٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى وأخْبَرُوهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُحِبُّهُ كَحُبِّهِ لِأخِيهِ فِيهِ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِنُبُوَّتِهِ، وادَّعى أنَّ مَن تَوَهَّمَ أنَّ النُّبُوَّةَ مُجَرَّدُ الوَحْيِ ومُكالَمَةِ المَلَكِ فَقَدْ حادَ عَنِ الصَّوابِ.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اِسْتَدَلَّ عَلى عَدَمِ اِسْتِنْباءِ النِّساءِ بِالإجْماعِ وبُقُولِهِ تَعالى: ﴿ وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ حِكايَةَ الإجْماعِ في غايَةِ الغَرابَةِ فَإنَّ الخِلافَ في نُبُوَّةِ نِسْوَةٍ كَحَوّاءَ وآسِيَةَ وأُمِّ مُوسى وسارَّةَ وهاجَرَ ومَرْيَمَ مَوْجُودٌ خُصُوصًا مَرْيَمَ فَإنَّ القَوْلَ بِنُبُوَّتِها شَهِيرٌ، بَلْ مالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في «اَلْحَلَبِيّاتِ»، وابْنُ السَّيِّدِ إلى تَرْجِيحِهِ، وذَكَرَ أنَّ ذِكْرَها مَعَ الأنْبِياءِ في سُورَتِهِمْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ لِذَلِكَ.
وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ لا يَصِحُّ لِأنَّ المَذْكُورَ فِيها الإرْسالُ وهو أخَصُّ مِنَ الِاسْتِنْباءِ عَلى الصَّحِيحِ المَشْهُورِ، ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأخَصِّ نَفْيُ الأعَمِّ، فافْهَمْ.
﴿ وطَهَّرَكِ ﴾ أيْ مِنَ الأدْناسِ والأقْذارِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنِّساءِ مِثْلَ الحَيْضِ والنِّفاسِ حَتّى صِرْتِ صالِحَةً لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ، قالَهُ الزَّجّاجُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ طَهَّرَكِ بِالإيمانِ عَنِ الكُفْرِ وبِالطّاعَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: نَزَّهَكِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ والطِّباعِ الرَّدِيئَةِ، والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ أيْ طَهَّرَكِ مِنَ الأقْذارِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ والقَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ.
﴿ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذا الِاصْطِفاءِ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ وهو ما كانَ آخِرًا مِن هِبَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَها مِن غَيْرِ أبٍ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ النِّساءِ، وجَعَلَها وإيّاهُ آيَةً لِلْعالِمِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الأوَّلُ وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ وتَبْيِينِ مَنِ اِصْطَفاها عَلَيْهِنَّ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ تَقْدِيمُ حِكايَةِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى حِكايَةِ بِشارَتِها بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَحِقٌّ لِلِاسْتِقْلالِ بِالتَّذَكُّرِ ولَهُ نَظائِرُ قَدْ مَرَّ بَعْضُها، وعَلى الثّانِي لا إشْكالَ في التَّرْتِيبِ وتَكُونُ حِكْمَةُ تَقَدُّمِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ عَلى البِشارَةِ الإشارَةَ إلى كَوْنِها عَلَيْها السَّلامُ قَبْلَ ذَلِكَ مُسْتَعِدَّةً لِفَيَضانِ الرُّوحِ عَلَيْها بِما هي عَلَيْهِ مِنَ التَّبَتُّلِ والِانْقِيادِ حَسَبَ الأمْرِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، كَما قالَ الإمامُ لِما أنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنَ التَّأْكِيدِ.
والمُرادُ مِن نِساءِ العالَمِينَ قِيلَ: جَمِيعُ النِّساءِ في سائِرِ الأعْصارِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أفْضَلِيَّتِها عَلى فاطِمَةَ وخَدِيجَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُنَّ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ في أحَدِ الطُّرُقِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، ثُمَّ فاطِمَةُ، ثُمَّ خَدِيجَةُ، ثُمَّ آسِيَةُ اِمْرَأةُ فِرْعَوْنَ ”،» وبِما أخْرَجَهُ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَكْحُولٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «“ خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ نِساءُ قُرَيْشٍ أحَناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ وأرْعاهُ عَلى بَعْلٍ في ذاتِ يَدِهِ ولَوْ عَلِمْتُ أنَّ مَرْيَمَ اِبْنَةَ عِمْرانَ رَكِبَتْ بَعِيرًا ما فَضَّلْتُ عَلَيْها أحَدًا»، وبِما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ فاطِمَةَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى أبِيها وعَلَيْها وسَلَّمَ أنَّها قالَتْ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ إلّا مَرْيَمَ البَتُولَ ”».
وقِيلَ: المُرادُ نِساءُ عالَمِها فَلا يَلْزَمُ مِنهُ أفْضَلِيَّتُها عَلى فاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: «“ أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتُ عالَمِهِنَّ، مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ ”،» وما رَواهُ الحَرْثُ بْنُ أُسامَةَ في «مُسْنَدِهِ» بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ «“مَرْيَمُ خَيْرُ نِساءِ عالَمِها» وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو المَشْهُورُ عَنْ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ.
واَلَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ فاطِمَةَ البَتُولَ أفْضَلُ النِّساءِ المُتَقَدِّماتِ والمُتَأخِّراتِ مِن حَيْثُ إنَّها بِضْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ بَلْ ومِن حَيْثِيّاتٍ أُخَرَ أيْضًا، ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ الأخْبارُ السّابِقَةُ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِها أفْضَلِيَّةُ غَيْرِها عَلَيْها مِن بَعْضِ الجِهاتِ وبِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ وبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الآثارِ وهَذا سائِغٌ عَلى القَوْلِ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ أيْضًا إذِ البِضْعِيَّةُ مِن رُوحِ الوُجُودِ وسَيِّدُ كُلِّ مَوْجُودٍ لا أراها تُقابَلُ بِشَيْءٍ.
وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوِلِ ومِن هُنا يُعْلَمُ أفْضَلِيَّتُها عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها الذّاهِبُ إلى خِلافِها الكَثِيرُ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ : «”خُذُوا ثُلْثَيْ دِينِكم عَنِ الحُمَيْراءِ“،» وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ: «”فَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ“،» وبِأنَّ عائِشَةَ يَوْمَ القِيامَةِ في الجَنَّةِ مَعَ زَوْجِها رَسُولِ اللَّهِ وفاطِمَةُ يَوْمَئِذٍ فِيها مَعَ زَوْجِها عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وفَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ مَقامِ النَّبِيِّ ومَقامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ ما في هَذا الِاسْتِدْلالِ وأنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أفْضَلِيَّةِ الحُمَيْراءِ عَلى الزَّهْراءِ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ قُصارى ما في الحَدِيثِ الأوَّلِ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إثْباتُ أنَّها عالِمَةٌ إلى حَيْثُ يُؤْخَذُ مِنها ثُلْثا الدِّينِ، وهَذا لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ العِلْمِ المُماثِلِ لِعِلْمِها عَنْ بِضْعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِعِلْمِهِ أنَّها لا تَبْقى بَعْدَهُ زَمَنًا مُعْتَدًّا بِهِ يُمْكِنُ أخْذُ الدِّينِ مِنها فِيهِ لَمْ يَقُلْ فِيها ذَلِكَ، ولَوْ عَلِمَ لَرُبَّما قالَ: خُذُوا كُلَّ دِينِكم عَنِ الزَّهْراءِ، وعَدَمُ هَذا القَوْلِ في حَقِّ مَن دَلَّ العَقْلُ والنَّقْلُ عَلى عِلْمِهِ لا يَدُلُّ عَلى مَفْضُولِيَّتِهِ وإلّا لَكانَتْ عائِشَةُ أفْضَلَ مِن أبِيها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ في الدِّينِ إلّا قَلِيلٌ لِقِلَّةِ لُبْثِهِ وكَثْرَةِ غائِلَتِهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”إنِّي تَرَكْتُ فِيكُمُ الثِّقْلَيْنِ كِتابَ اللَّهِ تَعالى وعِتْرَتِي لا يَفْتَرِقانِ حَتّى يَرِدا عَلى الحَوْضِ“،» يَقُومُ مَقامَ ذَلِكَ الخَبَرِ وزِيادَةً، كَما لا يَخْفى كَيْفَ لا وفاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها سَيِّدَةُ تِلْكَ العِتْرَةِ؟!.
وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ الحَدِيثَ الثّانِيَ مَعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّةِ غَيْرِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عَلَيْها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ سَعْدٍ أنَّهُ قالَ: «قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : ”فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ“،» بَلْ هَذا الحَدِيثُ أظْهَرُ في الأفْضَلِيَّةِ وأكْمَلُ في المَدْحِ عِنْدَ مَنِ اِنْجابَ عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ عَيْنُ التَّعَصُّبِ والتَّعَسُّفِ لِأنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ وإنْ كانَ ظاهِرًا في الأفْضَلِيَّةِ لَكِنَّهُ قِيلَ ولَوْ عَلى بُعْدٍ: إنَّ ألْ في النِّساءِ فِيهِ لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِها الأزْواجُ الطّاهِراتُ المَوْجُوداتُ حِينَ الإخْبارِ ولَمْ يَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ في هَذا الحَدِيثِ.
وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّ الدَّلِيلَ الثّالِثَ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ سائِرُ زَوْجاتِ النَّبِيِّ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ مَقامَهم بِلا رَيْبٍ لَيْسَ كَمَقامِ صاحِبِ المَقامِ المَحْمُودِ فَلَوْ كانَتِ الشَّرِكَةُ في المَنزِلِ مُسْتَدْعِيَةً لِلْأفْضَلِيَّةِ لَزِمَ ذَلِكَ قَطْعًا ولا قائِلَ بِهِ.
وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ الَّذِي يَدُورُ في خَلَدِي أنَّ أفْضَلَ النِّساءِ فاطِمَةُ ثُمَّ أُمُّها ثُمَّ عائِشَةُ، بَلْ لَوْ قالَ قائِلٌ إنَّ سائِرَ بَناتِ النَّبِيِّ أفْضَلُ مِن عائِشَةَ لا أرى عَلَيْهِ بَأْسًا؛ وعِنْدِي بَيْنَ مَرْيَمَ وفاطِمَةَ تَوَقُّفٌ نَظَرًا لِلْأفْضَلِيَّةِ المُطْلَقَةِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى الحَيْثِيَّةِ فَقَدْ عَلِمْتَ ما أمِيلُ إلَيْهِ، وقَدْ سُئِلَ الإمامُ السُّبْكِيُّ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ فَقالَ: الَّذِي نَخْتارُهُ ونَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ أنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أفْضَلُ ثُمَّ أُمَّها ثُمَّ عائِشَةَ، ووافَقَهُ في ذَلِكَ البُلْقَيْنِيُّ وقَدْ صَحَّحَ اِبْنُ العِمادِ أنَّ خَدِيجَةَ أيْضًا أفْضَلُ مِن عائِشَةَ لِما ثَبَتَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِعائِشَةَ حِينَ قالَتْ: «”قَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها، فَقالَ لَها: لا واَللَّهِ ما رَزَقَنِي اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها، آمَنَتْ بِي حِينَ كَذَّبَنِي النّاسُ وأعْطَتْنِي مالَها حِينَ حَرَمَنِي النّاسُ“،» وأُيِّدَ هَذا بِأنَّ عائِشَةَ أقْرَأها السَّلامَ النَّبِيُّ مِن جِبْرِيلَ، وخَدِيجَةَ أقْرَأها السَّلامَ جِبْرِيلُ مِن رَبِّها، وبَعْضُهم لَمّا رَأى تَعارُضَ الأدِلَّةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَوَقَّفَ فِيها وإلى التَّوَقُّفِ مالَ القاضِي أبُو جَعْفَرٍ الأسْتَرُوشَنِيُّ مِنّا، وذَهَبَ اِبْنُ جَماعَةَ إلى أنَّهُ المَذْهَبُ الأسْلَمُ.
وأشْكَلُ ما في هَذا البابِ حَدِيثُ الثَّرِيدِ ولَعَلَّ كَثْرَةَ الأخْبارِ النّاطِقَةِ بِخِلافِهِ تُهَوِّنُ تَأْوِيلَهُ، وتَأْوِيلُ واحِدٍ لِكَثِيرٍ أهْوَنُ مِن تَأْوِيلِ كَثِيرٍ لِواحِدٍ، واَللَّهُ تَعالى هو الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يعني جبريل يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ يعني اختارك بالإسلام وَطَهَّرَكِ من الذنوب والفواحش.
ويقال: من دم الحيض والنفاس وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ يعني بولادة عيسى بغير أب.
وقال بعضهم: اصطفاك أي فضلك على نساء العالمين يعني عالمي زمانها يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ يعني أطيعي.
ويقال: أطيلي القيام في الصلاة.
وقال مجاهد: قامت في الصلاة حتى تورَّمَتْ قدماها، ونحل جسمها.
ثم قال تعالى: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أي مع المسلمين، يعني مع قراء بيت المقدس.
<div class="verse-tafsir"
الذكْرِ والمعرفةِ، واستدامتها بالقَلْب.
اهـ.
وقوله تعالى: وَسَبِّحْ: معناه: قلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وقال قومٌ: معناه صَلِّ، والأول أصوبُ لأنه يناسب الذكْرَ، ويستغربُ مع امتناع الكلام مع النَّاسِ، والعَشِيُّ، في اللغة:
من زوالِ الشَّمْسِ إِلى مغيبها، والإِبْكَارُ: مصدرُ أَبْكَرَ الرَّجُلُ، إِذا بادر أمْرَهُ من لَدُنْ طلوع الفجر إِلى طلوع الشمْسِ، وتتمادَى البُكْرَة شَيْئاً بعد طلوع الشمس، يقال: أبكر الرجل وبكّر.
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)
وقوله تعالى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: العامل في «إِذْ» : «اذكر» لأن هذه الآياتِ كلَّها إِنما هي إِخبارات بغَيْبٍ تدلُّ على نبوَّة نبيِّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، مَقْصِدُ ذِكْرها هو الأظهر في حِفْظِ رَوْنَقِ الكلام.
واصْطَفاكِ: معناه: تخيّرك لطاعته، وطَهَّرَكِ: معناه: من كُلِّ ما يَصِمُ النساء في خَلْقٍ، أو خُلُقٍ، أو دِينٍ قاله مجاهد وغيره «١» ، وقولُ الزَّجَّاجِ: قد جاء في التفْسير أنَّ معناه: طَهَّرك من الحَيْض والنفاسِ- يحتاج إلى سند قويّ، وما أحفظه، والْعالَمِينَ يحتملُ عَالَمَ زَمانها.
قال ع «٢» : وسائغ أنْ يتأوَّل عموم الاِصطفاء على العَالَمِينَ، وقد قال بعضُ الناس: إِن مريم نَبِيَّةٌ من أَجْلِ مخاطَبَةِ الملائكةِ لها، وجمهورُ النَّاسِ على أنها لم تنبّإ امرأة، واقْنُتِي معناه: اعبدي، وأَطِيعِي قاله الحَسَن وغيره «٣» ، ويحتمل أنْ يكون معناه:
أطِيلِي القيامَ في الصَّلاة، وهذا هو قولُ الجمهورِ، وهو المناسبُ في المعنى لقوله:
وَاسْجُدِي، وروى مجاهدٌ أنها لما خوطِبَتْ بهذا، قامَتْ حتى وَرِمَتْ قَدَماها، وروى الأوزاعيُّ: حتى سَالَ الدَّمُ والقَيْحُ من قَدَمَيْهَا، وروي أنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ، تنزلُ على رَأْسِهَا تظُنُّها جَمَاداً.
واختلف المتأوِّلون، لِمَ قُدِّمَ السُّجودُ على الركوع.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالمَلائِكَةِ: جِبْرِيلُ وحْدَهُ.
وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الِاصْطِفاءِ.
وفي المُرادِ بِالتَّطْهِيرِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ التَّطْهِيرُ مِنَ الحَيْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ مَرْيَمُ لا تَحِيضُ.
وقالَ قَوْمٌ: مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ.
والثّانِي: مَن مَسِّ الرِّجالِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: مِنَ الكُفْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: مِنَ الفاحِشَةِ والإثْمِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وفي هَذا الاصْطِفاءِ الثّانِي أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ.
والثّانِي: أنَ الأوَّلَ لِلْعِبادَةِ، والثّانِي: لِوِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّالِثُ: أنَّ الِاصْطِفاءَ الأوَّلَ اخْتِيارٌ مُبْهَمٌ، وعُمُومٌ يَدْخُلُ فِيهِ صَوالِحٌ مِنَ النِّساءِ، فَأعادَ الِاصْطِفاءَ لِتَفْضِيلِها عَلى نِساءِ العالَمِينَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا أطْلَقَ الِاصْطِفاءَ الأوَّلَ، أبانَ بِالثّانِي: أنَّها مُصْطَفاةٌ عَلى النِّساءِ دُونَ الرِّجالِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: اصْطَفاها عَلى عالِمِي زَمانِها.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "سَمِيعٌ" فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ ﴾ ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ في "إذْ" في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ" وهَذا هو الراجِحُ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها إنَّما هي إخْباراتٌ بِغَيْبٍ تَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ، مَقْصِدُ ذِكْرِها هو الأظْهَرُ في حِفْظِ رَوْنَقِ الكَلامِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذْ قالَ المَلائِكَةُ".
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ - هَلِ المُرادُ هُنا بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، أو جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ؟
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مَعْنى مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ .
و"اصْطَفاكِ": مَأْخُوذٌ مِن صَفا يَصْفُو وزْنُهُ "افْتَعَلَ"، وبُدِّلَتْ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ.
فالمَعْنى: تَخَيَّرَكِ لِطاعَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَطَهَّرَكِ " مَعْناهُ: مِن كُلِّ ما يَصِمُ النِساءَ في خَلْقٍ أو خُلُقٍ أو دِينٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.
وقالَ الزَجّاجُ: قَدْ جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: مِنَ الحَيْضِ والنِفاسِ؛ وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ قَوِيٍّ وما أحْفَظُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ ﴾ إنْ جَعَلْنا "العالَمِينَ" عامًّا فِيمَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ مَخْصُوصًا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وأنَّها اصْطُفِيَتْ لِتَلِدَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وإنْ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ عامًّا جَعَلْنا قَوْلَهُ: "العالَمِينَ" مَخْصُوصًا في عالَمِ ذَلِكَ الزَمانِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ، وقَدْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"،» ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"» فَذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: « "خَيْرُ نِسائِها"» يُرادُ بِهِ الجَنَّةُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الدُنْيا، أيْ كُلُّ امْرَأةٍ في زَمانِها، وقالَ النَبِيُّ « "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صالِحُ نِساءِ قُرَيْشٍ، أحْناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ، وأرْعاهُ إلى زَوْجٍ في ذاتِ يَدِهِ"».قالَ أبُو هُرَيْرَةَ راوِي الحَدِيثِ: ولَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بَعِيرًا قَطُّ، وهَذِهِ الزِيادَةُ فِيها غَيْبٌ، فَلا يُتَأوَّلُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَها إلّا عن سَماعٍ مِنَ النَبِيِّ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ".» وقَدْ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِفاطِمَةَ بِنْتِهِ: "أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ، إلّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ البَتُولَ"،» وأنَّهُ قالَ: « "فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي، كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ".» وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأحادِيثَ وغَيْرَها مِمّا هو في مَعْناها، وجَدْتَ مَرْيَمَ فِيها مُتَقَدِّمَةً، فَسائِغٌ أنْ يُتَأوَّلَ عُمُومُ الِاصْطِفاءِ عَلى العالَمِينَ عُمُومًا أيْضًا.
وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُقْبِلُ عَلى مَرْيَمَ فَتَقُولُ: ﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ ﴾ الآيَةَ، فَيَسْمَعُ ذَلِكَ زَكَرِيّاءُ فَيَقُولُ: إنَّ لِمَرْيَمَ لَشَأْنًا، فَمِن مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ لَها، جَعَلَها هَذا القائِلُ نَبِيَّةً، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّهُ لَمْ تُنَبَّإ امْرَأةٌ.
و"اقْنُتِي" مَعْناهُ: اعْبُدِي وأطِيعِي، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فَهو بِمَعْنى طاعَةِ اللهِ"» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أطِيلِي القِيامَ في الصَلاةِ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو المُناسِبُ في المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿ واسْجُدِي وارْكَعِي ﴾ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ، ورَوى مُجاهِدٌ أنَّها لَمّا خُوطِبَتْ بِهَذا قامَتْ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها.
ورَوى الأوزاعِيُّ أنَّها قامَتْ حَتّى سالَ الدَمُ والقَيْحُ مِن قَدَمَيْها.
ورُوِيَ أنَّ الطَيْرَ كانَتْ تَنْزِلُ عَلى رَأْسِها، تَظُنُّها جَمادًا لِسُكُونِها في طُولِ قِيامِها.
وَقَدْ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "اقْنُتِي لِرَبِّكِ" مَعْناهُ: أخْلِصِي لِرَبِّكِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: لِمَ قَدَّمَ السُجُودَ عَلى الرُكُوعِ؟
فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ في شَرْعِ زَكَرِيّاءَ وغَيْرِهِ مِنهم وقالَ قَوْمٌ: الواوُ لا تُعْطِي رُتْبَةً، وإنَّما المَعْنى: افْعَلِي هَذا وهَذا، وقَدْ عُلِمَ تَقْدِيمُ الرُكُوعِ، وهَذِهِ الآيَةُ أكْثَرُ إشْكالًا مِن قَوْلِنا: "قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو" لِأنَّ قِيامَ زَيْدٍ وعَمْرٍو لَيْسَ لَهُ رُتْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ عُلِمَ أنَّ السُجُودَ بَعْدَ الرُكُوعِ، فَكَيْفَ جاءَتِ الواوُ بِعَكْسِ ذَلِكَ؟
فالقَوْلُ عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّ مَرْيَمَ أُمِرَتْ بِفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعالِمِ الصَلاةِ، وهُما طُولُ القِيامِ والسُجُودِ، وخُصّا بِالذِكْرِ لِشَرَفِهِما في أرْكانِ الصَلاةِ، إذِ العَبْدُ يَقْرُبُ في وقْتِ سُجُودِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، وهَذانِ يَخْتَصّانِ بِصَلاتِها مُفْرَدَةً، وإلّا فَمَن يُصَلِّي وراءَ إمامٍ فَلَيْسَ يُقالُ لَهُ: أطِلْ قِيامَكَ، ثُمَّ أُمِرَتْ - بَعْدُ- بِالصَلاةِ في الجَماعَةِ، فَقِيلَ لَها: ﴿ وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ ﴾ وقُصِدَ هُنا مَعْلَمٌ مِن مَعالِمِ الصَلاةِ، لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظٌ، ولَمْ يُرِدْ بِالآيَةِ السُجُودَ والرُكُوعَ الَّذِي هو مُنْتَظَمٌ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ إذْ قالت امرأةُ فرعون ﴾ .
انتقال من ذِكر أمّ مريم إلى ذكر مريم.
ومريم عَلَم عبراني، وهو في العبرانية بكسر الميم، وهو اسم قديم سميت به أخت موسى عليه السلام، وليس في كتب النصارى ذكر لاسم أبي مريم أمِّ عيسى ولا لمولدها ولكنها تبتدئ فجأة بأنّ عذراء في بلد الناصرة مخطوبة ليوسف النجار، قد حملت من غير زوج.
والعرب يطلقون اسم مريم على المرأة المترجّلة التي تكثر مجالسة الرجال كما قال رؤبة: قلت لزِير لَمْ تصله مريمهْ.
(والزير بكسر الزاي الذي يكثر زيارة النساء) وقال في «الكشاف»: مريم في لغتهم أي لغة العبرانيين بمعنى العابدة.
وتكرّر فعل ﴿ اصطفاك ﴾ لأنّ الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي، وهو جعلها منزّهة زكية، والثاني بمعنى التفضيل على الغير.
فلذلك لم يُعَدّ الأول إلى متعلّق.
وعدُيّ الثاني.
ونساء العالمين نساء زمانها، أو نساء سائر الأزمنة.
وتكليم الملائكة والاصطفاء يدلان على نبوءتها والنبوءة تكون للنساء دون الرسالة.
وإعادةُ النداء في قول الملائكة: ﴿ يا مريم اقنتي ﴾ لقصد الإعجاب بحالها، لأنّ النداء الأول كفى في تحصيل المقصود من إقبالها لسماع كلام الملائكة، فكان النداء الثاني مستعملاً في مجرّد التنبيه الذي ينتقل منه إلى لازمِه وهو التنويه بهذه الحالة والإعجاب بها، ونظيره قول امرئ القيس: تقول وقد مال الغَبيط بنامعَا *** عقرتَ بعيري يا امرأ القيس فانْزِل (فهو مستعمل في التنبيه المنتقل منه إلى التوبيخ).
والقنوت ملازمة العبادة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وقوموا للَّه قانتين ﴾ في سورة [البقرة: 238].
وقدم السجود، لأنّ أدخل في الشكر والمقَام هنا مقام شكر.
وقوله: مع الراكعين} إذن لها بالصلاة مع الجماعة، وهذه خصوصية لها من بين نساء إسرائيل إظهاراً لمعنى ارتفاعها عن بقية النساء، ولذلك جيء في الراكعين بعلامة جمع التذكير.
وهذا الخطاب مقدمة للخطاب الذي بعده وهو ﴿ يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ [آل عمران: 45] لقصد تأنيسها بالخبر الموالي لأنه لما كان حاصله يَجلب لها حَزناً وسوء قالة بين الناس، مهّد له بما يجلب إليها مَسرّة، ويوقنها بأنّها بمحل عناية الله، فلا جرم أن تعلم بأنّ الله جاعل لها مخرجاً وأنّه لا يخزيها.
وقوله: ﴿ وما كنت لديهم ﴾ إيماء إلى خلوّ كتبهم عن بعض ذلك، وإلاّ لقال: وما كنت تتلو كُتبهم مثل: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب» أي إنّك تخبرهم عن أحوالهم كأنّك كنت لديهم.
وقوله: ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ وهي الأقلام التي يكتبون بها التوراة كانوا يقترعون بها في المشكلات: بأن يكتبوا عليها أسماء المقترعين أو أسماء الأشياء المقترع عليها، والناس يصيرون إلى القرعة عند انعدام ما يرجّح الحق، فكان أهل الجاهلية يستقسمون بالأزلام وجعل اليهود الاقتراع بالأقلام التي يكتبون بها التوراة في المِدراس رجاء أن تكون بركتها مرشدة إلى ما هو الخيْر.
وليس هذا من شعار الإسلام وليس لإعمال القرعة في الإسلام إلاّ مواضع تمييز الحقوق المتساوية من كل الجهات وتفصيله في الفقه.
وأشارت الآية إلى أنّهم تنازعوا في كفالة مريم حين ولدتها أمها حنّة، إذ كانت يتيمة كما تقدم فحصل من هذا الامتنان إعلام بأنّ كفالة زكرياء مريم كانت بعد الاستقسام وفيه تنبيه على تنافسهم في كفالتها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اصْطَفاها عَلى عالِمِي زَمانِها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُ اصْطَفاها لِوِلادَةِ المَسِيحِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
( وطَهَّرَكِ ) فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: طَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: طَهَّرَكِ مِن أدْناسِ الحَيْضِ والنِّفاسِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
﴿ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ بِالتَّكْرارِ.
والثّانِي: أنَّ الِاصْطِفاءَ الأوَّلَ لِلْعِبادَةِ، والِاصْطِفاءَ الثّانِيَ لِوِلادَةِ المَسِيحِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي أخْلِصِي لِرَبِّكِ، وهو قَوْلُ سَعِيدٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ أدِيمِي الطّاعَةَ لِرَبِّكِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿ وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ ﴾ وفي تَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلى الرُّكُوعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مُقَدَّمًا في شَرِيعَتِهِمْ وإنْ كانَ مُؤَخَّرًا عِنْدَنا.
والثّانِي: أنَّ الواوَ لا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فاسْتَوى حُكْمُ التَّقْدِيمِ في اللَّفْظِ وتَأْخِيرُهُ، وأصْلُ السُّجُودِ الِانْخِفاضُ الشَّدِيدُ والخُضُوعُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ إلّا أنَّ السُّجُودَ أكْثَرُ انْخِفاضًا.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وافْعَلِي كَفِعْلِهِمْ.
والثّانِي: يَعْنِي مَعَ الرّاكِعِينَ في صَلاةِ الجَماعَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ ﴾ يَعْنِي ما كانَ مِنَ البُشْرى بِالمَسِيحِ.
﴿ نُوحِيهِ إلَيْكَ ﴾ وأصْلُ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى إلى صاحِبِهِ، والوَحْيُ إلى الرُّسُلِ الإلْقاءُ بِالإنْزالِ، وإلى النَّحْلِ بِالإلْهامِ، ومِن بَعْضٍ إلى بَعْضٍ بِالإشارَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قالَ العَجّاجُ: ...
...
...
∗∗∗ ∗∗∗ أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ ﴿ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم تَشاجَرُوا عَلَيْها وتَنازَعُوا فِيها طَلَبًا لِكَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: أنا أحَقُّ بِها لِأنَّ خالَتَها عِنْدِي، وقالَ القَوْمُ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِأنَّها بِنْتُ إمامِنا وعالِمِنا، فاقْتَرَعُوا عَلَيْها بِإلْقاءِ أقْلامِهِمْ وهي القِداحُ مُسْتَقْبِلَةً لِجِرْيَةِ الماءِ، فاسْتَقْبَلَتْ عَصا زَكَرِيّا لِجِرْيَةِ الماءِ مُصْعِدَةً، وانْحَدَرَتْ أقْلامُهم فَقَرَعَهم زَكَرِيّا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَفَّلَها ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، والحَسَنِ، والرَّبِيعِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهم تَدافَعُوا كَفالَتَها لِأنَّ زَكَرِيّا قَدْ كانَ كَفَلَ بِها مِن غَيْرِ اقْتِراعٍ، ثُمَّ لَحِقَهم أزْمَةُ ضَعْفٍ بِها عَنْ حَمْلِ مَؤُونَتِها، فَقالَ لِلْقَوْمِ: لِيَأْخُذْها أحَدُكم فَتَدافَعُوا كَفالَتَها وتَمانَعُوا مِنها، فَأقْرَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَفْسِهِ فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لَهُ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ﴾ قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش.
أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده» .
قال أبو هريرة: ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط.
أخرجه الشيخان بدون الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن علي «سمعت رسول الله يقول: خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل نساء العالمين خديجة، وفاطمة، ومريم، وآسية امرأة فرعون» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى على نساء العالمين أربعاً: آسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن حبان والحاكم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وآسية ارمأة فرعون» وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن.
مرسلاً.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير عن أبي موسى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء: إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن فاطمة رضي الله عنها قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول» .
وأخرج ابن جرير عن عمار بن سعد قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية امرأة فرعون» .
وأخرج ابن عساكر من طريق مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أربع نسوة سيدات عالمهن: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضلهن عالماً فاطمة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاطمة سيدة نساء العالمين بعد مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة ابنة خويلد» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير نساء ركبن الإبل نساء قريش.
أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده، ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت بعيراً ما فضلت عليها أحداً» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ قال: جعلك طيبة ايماناً.
وأخرج ابن حاتم عن السدي ﴿ وطهرك ﴾ قال: من الحيض ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ قال: على نساء ذلك الزمان الذي هم فيه.
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: كانت مريم حبيساً في الكنيسة ومعها في الكنيسة غلام اسمه يوسف، وقد كان أمه وأبوه جعلاه نذيراً حبيساً فكانا في الكنيسة جميعاً، وكانت مريم إذا نفذ ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما فانطلقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن ثم يرجعان والملائكة في ذلك مقبلة على مريم ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ﴾ فإذا سمع ذلك زكريا قال: إن لابنة عمران لشأنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ يا مريم اقنتي لربك ﴾ قال: اطيلي الركود يعني القيام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: لما قيل لها ﴿ اقنتي لربك ﴾ قامت حتى ورمت قدماها.
وأخرج ابن جرير عن الأوزاعي قال: كانت مريم تقوم حتى يسيل القيح من قدميها.
وأخرج ابن عساكر عن ابن سعيد قال: كانت مريم تصلي حتى ترم قدماها.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ اقنتي لربك ﴾ قال: اخلصي.
وأخرج عن قتادة قال: ﴿ اقنتي لربك ﴾ قال: أطيعي ربك.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿ واركعي واسجدي في الساجدين ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وما كنت لديهم ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ﴾ قال: إن مريم عليها السلام لما وضعت في المسجد اقترع عليها أهل المصلى وهم يكتبون الوحي، فاقترعوا بأقلامهم أيهم يكفلها فقال الله لمحمد: ﴿ وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ﴾ قال: ألقوا أقلامهم في الماء فذهبت مع الجرية، وصعد قلم زكريا فكفلها زكريا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال: ألقوا أقلامهم يقال: عصيهم تلقاء جرية الماء، فاستقبلت عصا زكريا عليه السلام جرية الماء فقرعهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: ﴿ أقلامهم ﴾ قال: التي يكتبون بها التوراة.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ أقلامهم ﴾ يعني قداحهم.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما وهب الله لزكريا يحيى، وبلغ ثلاث سنين بشر الله مريم بعيسى.
فبينما هي في المحراب إذ قالت الملائكة- وهو جبريل وحده- ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ من الفاحشة ﴿ واصطفاك ﴾ يعني اختارك ﴿ على نساء العالمين ﴾ عالم امتها ﴿ يا مريم اقنتي لربك ﴾ يعني صلي لربك يقول: اركدي لربك في الصلاة بطول القيام، فكانت تقوم حتى ورمت قدماها ﴿ واسجدي واركعي مع الراكعين ﴾ يعني مع المصلين مع قراء بيت المقدس.
يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ﴾ يعني بالخبر ﴿ الغيب ﴾ في قصة زكريا ويحيى ومريم ﴿ وما كنت لديهم ﴾ يعني عندهم ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ في كفالة مريم ثم قال يا محمد يخبر بقصة عيسى ﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا ﴾ يعني مكيناً عند الله في الدنيا من المقربين في الآخرة ﴿ ويكلم الناس في المهد ﴾ يعني في الخرق ﴿ وكهلاً ﴾ ويكلمهم كهلاً إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني من المرسلين.
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن وهب قال: لما استقر حمل مريم وبشرها جبريل.
وثقت بكرامة الله واطمأنت، فطابت نفساً واشتد ازرها، وكان معها في المحررين ابن خال لها يقال له يوسف، وكان يخدمها من وراء الحجاب، ويكلمها ويناولها الشيء من وراء الحجاب وكان أول من اطلع على حملها هو، واهتم لذلك واحزنه، وخاف منه البلية التي لا قبل بها، ولم يشعر من اين اتيت مريم، وشغله عن النظر في أمر نفسه وعمله لأنه كان رجلاً متعبداً حكيماً، وكان من قبل أن تضرب مريم الحجاب على نفسها تكون معه، ونشأ معها.
وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف أخذا قلتيهما ثم انطلقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيملآن قلتيهما ثم يرجعان إلى الكنيسة والملائكة مقبلة على مريم بالبشارة ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ فكان يعجب يوسف ما يسمع.
فلما استبان ليوسف حمل مريم وقع في نفسه من أمرها حتى كاد أن يفتتن، فلما أراد أن يتهمها في نفسه ذكر ما طهرها الله واصطفاها، وما وعد الله أمها أنه يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم، وما سمع من قول الملائكة ﴿ يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك ﴾ فذكر الفضائل التي فضلها الله تعالى بها وقال: إن زكريا قد أحرزها في المحراب قلا يدخل عليها أحد وليس للشيطان عليها سبيل فمن أين هذا؟
فلما رأى من تغير لونها، وظهور بطنها، عظم ذلك عليه، فعرض لها فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟
قالت: نعم.
قال: وكيف ذلك؟!
قالت: إن الله خلق البذر الأول من غير نبات، وأنبت الزرع الأول من غير بذر، ولعلك تقول: لولا أنه استعان عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أنه يخلقه ولا ينبته.
قال يوسف: أعوذ بالله أن أقول ذلك.
قد صدقت وقلت بالنور والحكمة، وكما قدر أن يخلق الزرع الأول وينتبه من غير بذر، يقدر على أن يجعل زرعاً من غير بذر، فاخبريني هل ينبت الشجر من غير ماء ولا مطر؟
قالت: ألم تعلم أن للبذور والزرع والماء والمطر والشجر خالقاً واحداً!
فلعلك تقول لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر.
قال: أعوذ بالله أن أقول ذلك!
قد صدقت.
فاخبريني هل يكون ولد أو رجل من غير ذكر؟
قالت: نعم.
قال: وكيف ذلك؟
قالت: ألم تعلم أن الله خلق آدم وحواء امرأته من غير حبل ولا أنثى ولا ذكر قال: بلى.
فاخبريني خبرك؟
قالت: بشرني الله ﴿ بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ فعلم يوسف أن ذلك أمر من الله لسبب خير أراده بمريم، فسكت عنها.
فلم تزل على ذلك حتى ضربها الطلق، فنوديت أن أخرجي من المحراب فخرجت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك ﴾ قال: شافهتها الملائكة بذلك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يبشرك بكلمة منه ﴾ قال: عيسى هو الكلمة من الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا عيسى ومحمد عليهما السلام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم قال: المسيح الصديق.
وأخرج ابن جرير عن سعيد قال: إنما سمي المسيح لأنه مسح بالبركة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن عبد الرحمن الثقفي.
أن عيسى كان سائحاً ولذلك سمي المسيح.
كان يمسي بأرض ويصبح بأخرى، وانه لم يتزّوج حتى رفع.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ومن المقربين ﴾ يقول: ومن المقربين عند الله يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ ﴾ .
هذا عطف على قوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ ﴾ (١) ﴿ إذْ ﴾ هناك.
وأراد بـ ﴿ الْمَلَائِكَةِ ﴾ : جبريل وحده كما ذكرنا (٢) ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ، يعني: جبريل وحده (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ ﴾ .
أي: بما لطف لكِ [حتى] (٤) (٥) ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ .
قال ابن عباس (٦) (٧) ﴿ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾ .
قال الأكثرون (٨) (٩) قال أبو إسحاق (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١) فيكون العامل في ﴿ إِذْ ﴾ ، هو: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ من آية 34، وإليه ذهب الطبري في "تفسيره" 3/ 263.
== وقيل العامل فيها: فعلٌ مُضْمَرٌ تقديره: (واذكر) ورجَّح هذا ابن عطية.
انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 112، "التبيان" للعكبري ص 188.
(٢) (ذكرنا): ساقط من (د)، وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ من آية 39 من سورة آل عمران.
(٣) وهذا قول ابن عباس - -، كما في "المحرر الوجيز" 8/ 367، "غرائب القرآن" 3/ 190، "تفسير أبي السعود" 5/ 95.
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(٥) في (ب): (متفرغة).
(٦) لم أهتد إلى مصدر قوله، وهو مذكور في "زاد المسير" 1/ 387.
(٧) هذا قول السدي، وعكرمة، وهو في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 647، "تفسير الثعلبي" 3/ 49ب.
وفي "زاد المسير" 1/ 387 أنه قولٌ لابن عباس.
وقال مجاهد: (جعلك طيبة إيمانًا)؛ أي: طهَّرَ دينك من الرّيَب والدَّنَسِ.
انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 127، "تفسير الطبري" 3/ 264، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 647، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 42 وعزا إخراجه كذلك لعبد بن حميد، وابن المنذر.
قال الآلوسي: (والأوْلى: الحمْلُ على العموم؛ أي: طهَّرك من الأقذار الحسِّيَّة والمعنوية والقَلْبِيَّة والقالبية).
"روح المعاني" 3/ 155.
(٨) ممن قال بذلك ابن عباس، والحسن، وابن جريج، والسدِّي، واختاره ابن جرير في "تفسيره" 3/ 262، وانظر: "تفسيره" كذلك 3/ 263، "زاد المسير" 1/ 387،== وقال: (قال ابن الأنباري: وهذا قول الأكثرين)، وقال الشوكاني عن هذا القول: (وهذا هو الحق).
"فتح القدير" 1/ 510.
(٩) في (ج): (عليهم).
(١٠) في "معاني القرآن" له 1/ 410.
(١١) في (د) شطب على كلمة (أب) وكتب عليها: (زوج).
وُيراد هنا: أنها ولدت عيسى من غير أبٍ.
(١٢) في (ج): (لأنها).
(١٣) في (ج)، (د): (في التحرير للمسجد).
(١٤) وقد رجَّح هذا الفخر الرازي في "تفسيره" 8/ 48، والقرطبي في "تفسيره" 4/ 82.
(١٥) في (د): (وذكر الاصطفاء عموم).
(١٦) في (أ)، (ب)، (د): (كلي)، والمثبت من: (ج) ومن "الدر المصون" 3/ 170 حيث نقل عبارة الواحدي.
(١٧) في (ج)، (د): (يختلف).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ قَالَتِ الملائكة ﴾ اختلف، هل المراد جبريل أو جمع من الملائكة؟
والعامل في إذ مضمر ﴿ اصطفاك ﴾ أولاً حين تقبلك من أمك ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ من كل عيب في خلق وخُلق ودين ﴿ واصطفاك على نِسَآءِ العالمين ﴾ يحتمل أن يكون هذا الاصطفاء مخصوصاً؛ بأن وهب لها عيسى من غير أب، فيكون على نساء العالمين عاماً، أو يكون الاصطفاء عاماً فيخص من نساء العالمين خديجة وفاطمة، أو يكون المعنى: على نساء زمانها؛ وقد قيل: بتفضيلها على الإطلاق، وقيل: إنها كانت نبية لتكليم الملائكة لها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.
الباقون بالنون.
﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.
وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.
الباقون بالياء والهمزة.
﴿ الطائر ﴾ يزيد.
الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.
المفضل.
الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.
الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.
الباقون بالنون.
الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.
﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.
فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.
﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.
﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.
﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.
﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.
﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.
﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.
التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.
والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ لمكان العطف.
والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ .
واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.
ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ .
ثم إنه مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.
وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً ﴾ .
وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.
وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.
قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.
فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله " "أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.
وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.
وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.
وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.
روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.
اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.
وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً ﴾ فلما كان الله ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.
وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.
ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.
وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.
وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.
وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.
فمن خرج له السهم سلم له الأمر.
قال : ﴿ فساهم فكان من المدحضين ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.
وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.
قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.
﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.
قيل: هم خزنة البيت.
وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.
ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.
ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.
وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.
القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.
ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .
قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.
فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.
ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.
واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.
ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.
ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.
كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.
وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.
فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.
قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.
وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.
وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.
وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".
أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.
عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.
وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.
وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.
وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.
وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.
وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.
قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.
وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.
وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.
وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.
قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.
وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.
/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.
وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.
وذلك من جملة ما اصطفيت به.
وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.
وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.
﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.
وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.
ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.
وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.
وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.
والمهد قيل: حجر أمه.
وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.
وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.
والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.
روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.
ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.
وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.
فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟
فالجواب من وجوه.
قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.
وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.
وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.
ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.
وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.
فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.
والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.
ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.
وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.
فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.
فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.
ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.
وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.
﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.
وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.
ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.
وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.
وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.
ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.
وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.
ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.
﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.
وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.
وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.
وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.
أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.
وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.
ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.
والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.
﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.
يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.
وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.
قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.
وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.
وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟
أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى فيه على سبيل إظهار المعجزات؟
وهذا هو الحق لقوله ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.
وقيل: هو الممسوح العين.
ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.
وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.
وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.
وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.
وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.
وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.
وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.
والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.
والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.
يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.
قال الكلبي: كان عيسى يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.
روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.
كان يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.
فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.
فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.
فقال : فمن في هذا البيت؟
فقالوا: خنازير.
فقال عيسى : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.
وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.
وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.
والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.
واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.
ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.
ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.
ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.
وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.
ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.
والثاني أن الله كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.
كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.
﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.
وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.
ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.
﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.
ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.
القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.
قال السدي: لما بعثه الله رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.
وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.
فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.
فقال : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.
فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.
فقال عيسى : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.
فلما فعل دعا الله فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.
فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟
فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى مشهوراً وقصد اليهود قتله وأظهروا الطعن فيه.
/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟
فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.
وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟
فأجابه إلى ذلك بعضهم.
ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.
والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه .
وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟
وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.
فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.
وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟
أو حال التجائي إليه؟
وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟
وفي الحديث أنه كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.
فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.
وقيل: "إلى" بمعنى اللام.
وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.
وهذا قول الحسن.
﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.
وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.
والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.
عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.
وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.
وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.
وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.
وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.
وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.
فطبخ عيسى حباً واحداً وجعل الجميع فيه.
وقال: كوني بإذن الله كما أريد.
فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.
فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.
فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.
وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟
فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.
قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.
وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى على قصعة.
فكانت القصعة لا تنقص.
فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟
قالوا: نعم.
فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟
قال: عيسى ابن مريم.
قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.
فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.
قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.
﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله فيه.
أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.
ثم تضرعوا إلى الله بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.
فقال ابن عباس: أي مع محمد وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.
قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.
وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.
فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.
أما مكرهم بعيسى فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.
فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.
وأخرى قالت: كان ابن الله.
وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.
وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى .
وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.
فسمع بذلك ملك الروم.
وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.
ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.
وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.
ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله على تكذيب المسيح والهم بقتله.
وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ أو بأنه عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.
وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.
﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.
وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.
ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.
وقال محمد بن إسحق.
توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.
وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.
أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ﴾ .
وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.
وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.
وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.
وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.
فإن الواو لا تقتضي الترتيب.
والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.
ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه يتوفاه بعد ذلك.
أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.
والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.
ولئن سلم أنه يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.
ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.
فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.
وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.
ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.
على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.
واعلم أن نص القرآن دل على أنه حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.
الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.
ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.
فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟
وأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟
الثالث أنه كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟
وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟
الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.
الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.
فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.
والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه قادر على خلق مثل زيد.
وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.
وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.
والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.
وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.
إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.
وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.
على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.
قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.
وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.
وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.
﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.
جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.
﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.
ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.
ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .
والذكر الحكيم القرآن.
وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.
وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه أنزل هذه القصص مما كتب هناك.
قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله : مالك تشتم صاحبنا؟
قال : وما أقول؟
قالوا: تقول إنه عبد.
قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟
فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.
ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.
لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.
ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.
قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.
وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".
والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.
وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.
ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".
وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.
والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.
قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.
وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.
ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون ﴾ .
عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى ؟
قالوا: / لأنه لا أب له.
قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.
قالوا: كان يحيي الموتى.
قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.
فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.
قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.
﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.
﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.
قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.
وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.
التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .
وقال : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.
﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله .
والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.
وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.
قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.
وسمي المسيح لأنه حين مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.
﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.
﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.
ولما كان روح عيسى وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.
ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.
﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله .
ثم قال له كن فيكون.
هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ ﴾ : قال أهل التفسير: هو جبريل - - لكن ذلك لا يعلم إلا بالخبر، فإن صحّ الخبر - فهو كذلك، وإلا لم يقل من كان مِنَ الملائكة قال ذلك.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ ﴾ : أن صفاها لعبادة نفسه، وخصّها له، ما لم يكن ذلك لأحد من النساء؛ فيكون ذاك صفوتها.
وقيل: اصطفاها بولادة عيسى - - إذ أخرج منها نبيّاً مباركاً تقيّاً، على خلاف ولادة البشر.
وقوله: ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾ : قيل: من الآثام والفواحش.
وقيل: وطهرك من مسّ الذكور، وما قذفت به.
﴿ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا من صفوتها؛ إذ جعلها لعبادة نفسه خالصاً، أو ما قد ولدت من ولد من غير أب، على خلاف سائر البشر.
وعن ابن عباس - - قال: "خَطَّ رَسُولُ الله أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ؟
قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ: خَدِيجَةُ، وَفَاطِمَةُ، وَمَرْيَمُ، وآسيَةُ امْرَأةُ فِرْعَونَ" .
وكذلك روى أنس - - عن النبي قال: "خَيْرُ نِسَاءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ " وقوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ ﴾ : يحتمل وجهين: الأمر بالقنوت: القيام، ثم الأمر بالسجود، أي: الصّلاة، ثم الأمر بالركوع مع الراكعين؛ وهو الصلاة بجماعة؛ ففيه الأمر بالصلاة بالجماعة، هل ما هو علينا؛ لأنه قال: ﴿ وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ ؛ وعلى ذلك روي في الخبر: "أنه سئل عن أفضل الصّلاة؟
فقال: طُولُ القُنُوتُ" ويحتمل أنه الأمر بالركوع، ثم بالسجود؛ فيدل أن السجود - وإن كان مقدماً ذكره على الركوع - فإنه ليس في تقديم ذكر شيء على شيء، ولا تأخير شيء عن شيء في الذكر دلالة وجوب الحكم كذلك.
وقيل: القنوت: هو الخضوع والطاعة؛ كقوله: ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾ أي: خاضعين مطيعين.
فإن قيل: كيف أُمِرَتْ بالركوع مع الراكعين؟!
قيل: كانوا - والله أعلم - ذوي قرابة منها ورحم؛ ألا ترى أنهم كيف اختصموا في ضمّها وإمساكها، حتى أراد كل واحد منهم ضمها إلى نفسه، وأنه الأحق بذلك؟!
دلَّ أن بينهم وبينها رحماً وقرابة.
وقيل في قوله: ﴿ ٱقْنُتِي ﴾ : أي: أطيلي الركوع في الصَّلاة والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: يحتمل: ﴿ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ ﴾ : أي: ممن يركع ويخضع له بالعبادة، لا على الاجتماع - والله أعلم - كيف كان الأمر في ذلك؟.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ ﴾ : أي: من أخبار الغيب لم تشهده أنت يا محمّد ولم تحضر، بل نحن أخبرناك وذكرناك عن ذلك.
ثم في ذلك وجوه الدلالة: أحدها: أراد أن يخبره عن صفوة هؤلاء وصنيعهم؛ ليكون على علم من ذلك.
والثاني: دلالة إثبات رسالته؛ لأنَّه أخبر على ما كان من غير أن اختلف إلى أحد، أو أعلمه أحد من البشر على علم منهم ذلك؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله عزّ وجل.
والثالث: أن يتأمل وجه الصفوة لهم؛ أنهم بما نالوه؛ فيجتهدوا في ذلك، والله أعلم.
وفي ذلك تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى أن ظهر ذلك بإلقاء الأقلام.
وقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ الآية.
قيل: إنهم ألقوا أقلامهم على جرية الماء، فذهبت الأقلام كلها مع الجرية؛ إلا قلم زكريا؛ فإنه وقف على وجه الماء.
وقيل: طرحوا أقلامهم في الماء، وكان من شرطهم أن من صعد قلمه عالياً مع الجرية، فهو أحق بها، ومن سفل قلمه مع الجرية فهو المقروع، فصعد قلم زكريا، وتسفلت أقلامهم؛ فعند ذلك ضمّها زكريا إلى نفسه.
ثم من الناس من احتج بجواز القرعة والعمل بها - بهذه الآية؛ حيث ضمّها زكريا - مريم - إلى نفسه، لما خرجت القرعة له؛ لكن القرعة في الأنبياء لتبيين الأحق من غيره؛ لوجهين: لحق الوحي.
والثاني: لظهور إعلام في نفس القرعة؛ ما يعلم أنه كان بالله ذلك لا بنفسه؛ كارتفاع القلم على الماء، ومثل ذلك لا يكون للقلم، والمحق من المبطل، وفيما بين سائر الخلق؛ لدفعهم التهم؛ فهي لا تدفع أبداً.
ويحتمل استعمال القرعة فيها لتطييب الأنفس بذلك، أو علموا ذلك بالوحي، فليس اليوم وحي؛ لذلك بطل الاستدلال لجواز العمل بالقرعة اليوم، والله أعلم.
أو كان ذلك آية، والآية لا يقاس عليها غيرها؛ نحو: قبول قول قتيل بني إسرائيل - آية، ليس به معتبر في جواز قول قتيل آخر قبل الموت.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ : يحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أن قال: "كن" - فكان من غير أب ولا سبب، وسائر البشر لم يكونوا إلا بالآباء والأسباب: من النطفة، ثم من العقلة، ثم من مضغة مخلقة على ما وصف - عز وجل - في كتابه، وكان أمر عيسى - - على خلاف ذلك.
ويحتمل: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ﴾ : ما ذكر أنه كلم الناس في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [مريم: 30].
وذلك مما خص به عيسى، وهو بكلمة من الله قال ذلك.
فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً ﴾ ؛ والكهل: مما يكلم الناس؟
قيل: لأن كلامه في المهد آية، والآية لا تدوم؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ ﴾ الآية [النور: 24]، وإنما يكون ذلك مرة لا أنها تشهد وتنطق أبداً، فأخبر أن تكليمه الناس في المهد - وإن كانت آية - فإنه ليس بالذي لا يدوم، ولا يكون إلا مرّة.
والثاني: أمن من الله لمريم، وبشارة لها عن وفاته إلى وقت كهولته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ ﴾ .
قال ابن عباس - -: "المسيح: المبارك"، أي: مسح بالبركة.
وقيل: سمي مسيحاً؛ لأنه كان يسمح عين الأعمى والأعور فيبصر.
وقيل: المسيح: العظيم؛ لكنّه - والله أعلم - بلسانهم؛ فيسأل: ما المسيح بلسانهم.
وقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ : بالمنزلة، ومكيناً في الآخرة، ﴿ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴾ في الدرجة والرفعة، ومن كان وجيهاً في الدينا والآخرة مقرب فيهما.
وقوله: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ : عرفت مريم أن الولد يكون بمسّ البشر، وعلمت - أيضاً - أنها لا تتزوج، ولا يمسّها بشر أبداً؛ لأنها قالت: ﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ فإن لم يكن مسها أحد قبل ذلك، فلعله يمسّها في حادث الوقت؛ فيكون لها منه الولد، فلما لم يقل لها يمسسك؛ ولكن قال: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ دل ذلك أنها علمت أنها لا تتزوج أبداً؛ لأنها كانت محررة لله، مخلصة له في العبادة، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ ﴾ .
أي: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة؛ لأنها بشرت أن يهب لها ولداً، فقالت: من أي وجه يكون لي ولد بالهبة، ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ ؟
ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ تأويله: ما ذكر في سورة مريم حيث قالت: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ الآية [مريم: 20] الآية، ثم قال: ﴿ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أي: خلق الخلق عليَّ هين: بأبٍ، وبغير أب، وبمسِّ بشر، وبغير مسّ، [وبسبب، وبغير سبب؛ على ما خلق آدم بغير أب ولا أم؛ فعلى ذلك يخلق بتوالد بعض من بعض، وبغير توالد بعض من بعض]؛ كخلق الليل والنهار، يخلق بلا توالد أحدهما من الآخر؛ فكذلك يخلق لك ولداً من غير أب ولا مسّ بشر، وبالله الحول والقوة.
وقوله: ﴿ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : أي: إذا قضى أمراً بتكوين أحد، أو بتكوين - فإنما يقول له: كن، لا يثقل عليه، ولا يصعب خلق الخلق وتكوينهم؛ كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ أي: خلق الخلق كلهم ابتداء، وبعثهم بعد الموت - كخلق نفس واحدة؛ أن يقول: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ؛ وإنما يثقل ذلك على الخلق ويصعب؛ لموانع تمنعهم وأشغال تشغلهم، فأمّا الله - وتعالى - عن أن يشغله شغل، أو يمنعه مانع، أو يحجب عليه حجاب.
وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ : ذكر - والله أعلم - هذا الحرف؛ لأنه ليس في كلام العرب حرف أو جزء منه يعبر فيفهم معناه، لا أن كان منه - عز وجل - كاف أو نون، أو حرف، أو هجاء، أو صفة يفهم ويعرف حقيقته، أو يوصف هو بمعنى من معاني [كلام] الخلق أو صفاتهم، أو يكون لتكوينه وقت أو مدة أو حال، أو يكون تكوين بعد تكوين، على ما يكون من الخلق، إنما هو أوجز حرف يفهم معناه، بالعبارة إخبار منه - عز جل - الخلق عن سرعة نفاذ أمره ومشيئته.
<div class="verse-tafsir"
واذكر -أيها الرسول- حين قالت الملائكة لمريم - عليها السلام -: إن الله اختارك لما تتصفين به من صفات حميدة، وطَهَّرك من النقائص، واختارك على نساء العالمين في زمانك.
<div class="verse-tafsir" id="91.00GM2"
قال الجلال إنه التطهير من مسيس الرجال.
والمختار عندي حمله على ما هو أعم من هذا وذاك.
أي طهَّرك مما يستقبح كسفساف الأخلاق وذميم الصفات وغير ذلك.
والاصطفاء الثاني ..
هو جعلها تلد نبيًا من غير أن يمسها رجل، فهو على هذا اصطفاء لم يكن قد تحقق بالفعل، بل بالإعداد والتهيئة.
<div class="verse-tafsir"