الآية ٤٩ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٤٩ من سورة آل عمران

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 207 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٩ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ورسولا إلى بني إسرائيل ) أي : [ و ] يجعله رسولا إلى بني إسرائيل ، قائلا لهم : ( أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ) وكذلك كان يفعل : يصور من الطين شكل طير ، ثم ينفخ فيه ، فيطير عيانا بإذن الله ، عز وجل ، الذي جعل هذا معجزة يدل على أن الله أرسله .

( وأبرئ الأكمه ) قيل : هو الذي يبصر نهارا ولا يبصر ليلا .

وقيل بالعكس .

وقيل : هو الأعشى .

وقيل : الأعمش .

وقيل : هو الذي يولد أعمى .

وهو أشبه ، لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي ) والأبرص ) معروف .

( وأحيي الموتى بإذن الله ) قال كثير من العلماء : بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه ، فكان الغالب على زمان موسى ، عليه السلام ، السحر وتعظيم السحرة .

فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام ، وصاروا من الأبرار .

وأما عيسى ، عليه السلام ، فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة ، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه ، إلا أن يكون مؤيدا من الذي شرع الشريعة .

فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد ، أو على مداواة الأكمه والأبرص ، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد ؟

وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعثه [ الله ] في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء ، فأتاهم بكتاب من الله ، عز وجل ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور من مثله ، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدا ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدا .

وقوله : ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) أي : أخبركم بما أكل أحدكم الآن ، وما هو مدخر [ له ] في بيته لغده ( إن في ذلك ) أي : في ذلك كله ( لآية لكم ) أي : على صدقي فيما جئتكم به .

( إن كنتم مؤمنين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ورسولا "، ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل، فترك ذكر " ونجعله " لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر: وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا (17) * * * وقوله: " أني قد جئتكم بآية من ربكم "، يعني: (18) ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل بأنه نبيّي وبشيري ونذيري (19) = وحجتي على صدقي على ذلك: " أني قد جئتكم بآية من ربكم "، يعني: بعلامة من ربكم تحقق قولي، وتصدق خبري أني رسول من ربكم إليكم، كما:- 7085 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم "، أي: يُحقق بها نبوّتي، أني رسولٌ منه إليكم.

(20) * * * القول في تأويل قوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم "، ثم بين عن الآية ما هي، فقال: " أني أخلق لكم ".

* * * فتأويل الكلام: ورسولا إلى بني إسرائيل بأني قد جئتكم بآية من ربكم، بأنْ أخلق لكم من الطين كهيئة الطير.

* * * &; 6-425 &; " والطير " جمع " طائر ".

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأه بعض أهل الحجاز: ( كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا )، على التوحيد.

* * * وقرأه آخرون: ( كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا )، على الجماع فيهما.

(21) * * * قال أبو جعفر: وأعجب القراءات إليّ في ذلك قراءة من قرأ: " كهيئة الطير فأنفخُ فيه فيكون طيرًا "، على الجماع فيهما جميعًا، لأن ذلك كان من صفة عيسى أنه يفعل ذلك بإذن الله، وأنه موافق لخطّ المصحف.

واتباعُ خطّ المصحف مع صحة المعنى واستفاضة القراءة به، أعجب إليّ من خلاف المصحف.

* * * وكان خلق عيسى ما كان يخلق من الطير، كما:- 7086 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق: أنّ عيسى صلوات الله عليه جلسَ يومًا مع غلمان من الكُتّاب، فأخذ طينًا، ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائرًا؟

قالوا: وتستطيع ذلك!

قال: نعم!

بإذن ربي.

ثم هيّأه، حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: " كن طائرًا بإذن الله "، فخرج يطيرُ بين كفيه.

فخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه لمعلّمهم، &; 6-426 &; فأفشوه في الناس.

وترعرع، فهمَّت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمَيرِّ لها، ثم خرجت به هاربة.

(22) * * * وذكر أنه لما أراد أن يخلق الطيرَ من الطين سألهم: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟

فقيل له: الخفاش، كما:- 7087 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قوله: " أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير "، قال: أيّ الطير أشدّ خلقًا؟

قالوا: الخفاش، إنما هو لحم.

قال ففعل.

* * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: " فأنفخ فيه "، وقد قيل: " أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير "؟

قيل: لأن معنى الكلام: فأنفخ في الطير.

ولو كان ذلك: " فأنفخ فيها ".

كان صحيحًا جائزًا، كما قال في المائدة، فَتَنْفُخُ فِيهَا [سورة المائدة: 110]: (23) يريد: فتنفخ في الهيئة.

(24) وقد ذكر أن ذلك في إحدى القراءتين: " فأنفخها "، بغير " في".

(25) وقد تفعل العرب مثل ذلك فتقول: " رب ليلة قد بتُّها، وبتُّ فيها "، قال الشاعر: (26) &; 6-427 &; مَـا شُـقَّ جَـيْبٌ وَلا قَـامَتْكَ نَائِحَـةٌ وَلا بَكَــتْكَ جِيَــادٌ عِنْـدَ أَسْـلابِ (27) بمعنى: ولا قامت عليك، وكما قال الآخر: (28) إحْـدَى بَنِـي عَيِّـذِ اللـهِ اسْـتَمَرَّ بِهَا حُـلْوُ العُصَـارَةِ حَـتَّى يُنْفَـخَ الصُّوَرُ (29) * * * &; 6-428 &; القول في تأويل قوله : وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ قال أبو جعفر: يعني بقوله: " وأبرئ"، وأشفي.

يقال منه: " أبرأ الله المريض "، إذا شفاه منه،" فهو يُبرئه إبراءً"، و " بَرَأ المريض فهو يَبرَأ بَرْأ "، وقد يقال أيضًا: " بَرئ المريض فهو يبرَأ "، لغتان معروفتان.

* * * واختلف أهل التأويل في معنى " الأكمه ".

فقال بعضهم: هو الذي لا يبصر بالليل، ويُبصر بالنهار.

ذكر من قال ذلك: 7088 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وأبرئ الأكمه "، قال: الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، فهو يتكمَّه.

(30) 7089 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

* * * وقال آخرون: هو الأعمى الذي ولدته أمه كذلك.

ذكر من قال ذلك: 7090 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كنا نحدَّثُ أن " الأكمه "، الذي ولد وهو أعمى مغموم العينين.

(31) 7091 - حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، في قوله: " وأبرئ الأكمه والأبرص "، قال: كنا نحدّث أن الأكمه الذي يولد وهو أعمى، مضموم العينين.

(32) * * * &; 6-429 &; 7092 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: الأكمه، الذي يولد وهو أعمى.

* * * وقال آخرون: بل هو الأعمى.

ذكر من قال ذلك: 7093 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وأبرئ الأكمه "، هو الأعمى.

7094 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: الأعمى.

7095 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وأبرئ الأكمه "، قال: الأكمه الأعمى.

7096 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور عن الحسن في قوله: " وأبرئ الأكمه "، قال: الأعمى.

* * * وقال آخرون: هو الأعمش.

ذكر من قال ذلك: 7097 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: " وأبرئ الأكمه "، قال: الأعمش.

* * * قال أبو جعفر: والمعروف عند العرب من معنى " الكمه "، العَمى، يقال منه: " كمِهَت عينه فهي تَكْمَه كمهًا، وأكمهتها أنا " إذا أعميتها، كما قال سويد بن أبي كاهل: &; 6-430 &; كَــمَّهَتْ عَيْنَيْــهِ حَــتَّى ابْيَضّتَـا فَهْــوَ يَلْحَــى نَفْسَــهُ لَمَّـا نـزعْ (33) ومنه قول رؤبة: هَرَّجْــتُ فَــارْتَدَّ ارْتِـدَادَ الأكْمَـهِ فِــي غَــائِلاتِ الحَــائِرِ المُتَهْتِـهِ (34) * * * وإنما أخبر الله عز وجل عن عيسى صلوات الله عليه أنه يقول ذلك لبني إسرائيل، احتجاجًا منه بهذه العِبر والآيات عليهم في نبوته، وذلك أن: الكَمَه والبرص لا علاج لهما، فيقدرَ على إبرائه ذو طِبّ بعلاج، فكان ذلك من أدلته على صدق قيله: إنه لله رسول، لأنه من المعجزات، مع سائر الآيات التي أعطاه الله إياها دلالةً على نبوته.

* * * فأما ما قال عكرمة من أن " الكمه "، العمش، وما قاله مجاهد: من أنه &; 6-431 &; سوء البصر بالليل، فلا معنى لهما.

لأن الله لا يحتج على خلقه بحجة تكون لهم السبيلُ إلى معارضته فيها، ولو كان مما احتجَّ به عيسى على بني إسرائيل في نبوته، أنه يبرئ الأعمش، أو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، لقدروا على معارضته بأن يقولوا: " وما في هذا لك من الحجة، وفينا خَلقٌ ممن يعالج ذلك، وليسوا لله أنبياءَ ولا رسلا " ففي ذلك دلالة بينة على صحة ما قلنا، من أنّ" الأكمه "، هو الأعمى الذي لا يبصر شيئًا لا ليلا ولا نهارًا.

وهو بما قال قتادة: - من أنه المولود كذلك - أشبهُ، لأن علاجَ مثل ذلك لا يدّعيه أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذي أعطى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرص.

* * * القول في تأويل قوله : وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ قال أبو جعفر: وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء الله، يدعو لهم، فيستجيب له، كما:- 7098 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معفل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما صار عيسى ابن اثنتي عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر: أنِ اطْلُعي به إلى الشام.

ففعلت الذي أمرت به.

فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه = قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى &; 6-432 &; في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله.

* * * وأما قوله: " وأنبئكم بما تأكلون "، فإنه يعني: وأخبرُكم بما تأكلون، مما لم أعاينه وأشاهده معكم في وقت أكلكموه =" وما تدّخرون "، يعني بذلك: وما ترفعونه فتخبئونه ولا تأكلونه.

= يعلمهم أنّ من حجته أيضًا على نبوّته = مع المعجزات التي أعلمهم أنه يأتي بها حجة على نبوّته وصدقه في خبره أنّ الله أرسله إليهم: من خلق الطير من الطين، وإبراءِ الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، التي لا يطيقها أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله ذلك عَلَمًا له على صدقه، وآيةً له على حقيقة قوله، من أنبيائه ورسله، وَمن أحبّ من خلقه = (35) إنباءَه عن الغيب الذي لا سبيل لأحد من البشر الذين سبيلُهم سبيلُه، عليه.

(36) * * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كان في قوله لهم: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " من الحجة له على صدقه، وقد رأينا المتنجِّمة والمتكهِّنة تخبرُ بذلك كثيرًا فتصيب؟

قيل: إن المتنجِّم والمتكهِّن معلوم منهما عند من يخبرانه بذلك، (37) أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه.

ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه ومن سائر أنبياء الله ورُسله، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج، ولا طلب لمعرفته باحتيال، ولكن ابتداءً بإعلام الله إياه، (38) &; 6-433 &; من غير أصل تقدّم ذلك احتذاه، أو بنى عليه، أو فزع إليه، كما يفزَع المتنجم إلى حسابه، والمتكهن إلى رئيِّه.

(39) فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها، وبين علم سائر المتكذِّبة على الله، أو المدَّعية علم ذلك، كما:- 7099 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: لما بلغ عيسى تسع سنين أو عشرًا أو نحو ذلك، أدخلته أمه الكتاب، فيما يزعمون.

فكان عند رجل من المكتِّبين يعلمه كما يعلّم الغلمان، (40) فلا يذهب يعلمه شيئًا مما يعلمه الغلمان إلا بدره إلى علمه قبل أن يعلمه إياه، فيقول: ألا تعجبون لابن هذه الأرْملة، ما أذهب أعلّمه شيئًا إلا وحدته أعلمَ به منى!

!

7100 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدّي: لما كبر عيسى أسلمته أمه يتعلم التوراة، فكان يلعب مع الغلمان غلمان القرية التي كان فيها، فيحدّث الغلمان بما يصنع آباؤهم.

7101 - حدثني يعقوب بن إبراهيم.

قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن سعيد بن جبير في قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم "، قال: كان عيسى ابن مريم، إذْ كان في الكتّاب، يخبرهم بما يأكلون في بيوتهم وما يدَّخرون.

7102 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم قال، سمعت سعيد بن جبير يقول: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، قال: إن عيسى ابن مريم كان يقول للغلام في الكتّاب: &; 6-434 &; " يا فلان، إن أهلكُ قد خبأوا لك كذا وكذا من الطعام، فتطعمني منه "؟

* * * قال أبو جعفر: فهكذا فعل الأنبياء وحججها، إنما تأتي بما أتت به من الحجج بما قد يوصل إليه ببعض الحيل، على غير الوجه الذي يأتي به غيرها، بل من الوجه الذي يعلم الخلق أنه لا يوصل إليه من ذلك الوجه بحيلة إلا من قِبَل الله.

* * * وبنحو ما قلناه في تأويل قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 7103 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، قال: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه = عيسى ابن مريم يقوله.

7104 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

7105 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء بن أبي رباح - يعني قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " - قال: الطعام والشيء يدخرونه في بيوتهم، غيبًا علمه الله إياه.

7106 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، قال: " ما تأكلون "، ما أكلتم البارحةَ من طعام، وما خبأتم منه.

7107 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدّي قال: كان - يعني عيسى ابن مريم - يحدّث الغلمان وهو معهم في الكتّاب بما يصنع آباؤهم، وبما يَرْفعون لهم، وبما يأكلون.

ويقول للغلام: &; 6-435 &; " انطلق، فقد رفع لك أهلك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا وكذا "، فينطلق الصبي فيبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء.

(41) فيقولون له: من أخبرك بهذا؟

فيقول: عيسى!

= فذلك قول الله عز وجل: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " = فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر!

فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، فقالوا: ليس هم هاهنا، فقال: ما في هذا البيت؟

فقالوا: خنازير.

قال عيسى: كذلك يكونون!

ففتحوا عنهم، فإذا هم خنازير.

فذلك قوله: عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [سورة المائدة: 78].

7108 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله: " وما تدخرون في بيوتكم "، قال: ما تخبأون مخافةَ الذي يمسك أن يخلفه.

(42) * * * وقال آخرون: إنما عنى بقوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، ما تأكلون من المائدة التي تنـزل عليكم، وما تدخرون منها.

ذكر من قال ذلك: 7109 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم "، فكان القومُ لما سألوا المائدةَ فكانت خِوانًا ينـزل عليه أينما كانوا ثمَرًا من ثمار الجنة، (43) فأمر القوم أن &; 6-436 &; لا يخونوا فيه ولا يخبئوا ولا يدخروا لغد، بلاءٌ ابتلاهم الله به.

فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئًا أنبأهم به عيسى ابن مريم، فقال: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ".

7110 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون "، قال: أنبئكم بما تأكلون من المائدة وما تدخرون منها.

قال: فكان أخذ عليهم في المائدة حين نـزلتْ: أن يأكلوا ولا يدّخروا، فادخروا وخانوا، فجعلوا خنازير حين ادّخروا وخانوا، فذلك قوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [سورة المائدة: 115].

= قال ابن يحيى قال، عبد الرزاق قال، معمر، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر، ذلك.

* * * وأصل " يدخرون " من " الفعل "،" يفتعلون " من قول القائل: " ذخرتُ الشيء " بالذّال،" فأنا أذخره ".

ثم قيل: " يدّخر "، كما قيل: " يدَّكِرُ" من: " ذكرت الشيء "، يراد به " يذتخر ".

فلما اجتمعت " الذال " و " التاء " وهما متقاربتا المخرج، ثقل إظهارهما على اللسان، فأدغمت إحداهما في الأخرى، وصيرتا " دالا " مشددة، صيروها عَدْلا بين " الذال " و " التاء ".

(44) ومن العرب من يغلب " الذال " على " التاء "، فيدغم " التاء " في" الذال "، فيقول: وما تَذَّخِرون "،" وهو مذّخَر لك "،" وهو مُذَّكِر ".

واللغة التي بها القراءةُ، الأولى، وذلك إدغام " الذال " في" التاء "، وإبدالهما &; 6-437 &; " دالا " مشددة.

لا يجوز القراءة بغيرها، لتظاهر النقل من القرأة بها، وهي اللغة الجُودَى، (45) كما قال زهير: إنّ الكَــرِيمَ الَّــذِي يُعْطِيـكَ نَائِلَـهُ عَفْــوًا, وَيُظْلَــمُ أَحْيَانًــا فَيَظَّلِـمُ (46) يروى " بالظاء "، يريد: " فيفتعل " من " الظلم "، ويروى " بالطاء " أيضًا.

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ في خلقي من الطين الطيرَ بإذن الله، وفي إبرائي الأكمهَ والأبرصَ، وإحيائي الموتى، وإنبائيَ إياكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، ابتداءً من غير حساب وتنجيم، ولا كهانة وعرافة = لعبرةً لكم ومتفكَّرًا، تتفكرون في ذلك فتعتبرون به أنيّ محق في قولي لكم: " إني رسولٌ من ربكم إليكم "، وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق =" إن كنتم مؤمنين "، يعني: إن كنتم مصدّقين حجج الله وآياته، مقرّين بتوحيده، وبنبيه موسى والتوراة التي جاءكم بها.

------------------------ الهوامش : (17) مضى البيت وتخريجه في 1: 140.

(18) في المطبوعة: "بمعنى" ، والصواب من المخطوطة.

(19) في المطبوعة: "نبي وبشير ونذير" ، والصواب من المخطوطة.

هذا ، وقوله: "ونجعله رسولا..." ، إلى قوله: "ونذيري" بيان عن قول الله تعالى لمريم: "رسولا إلى بني إسرائيل" - ثم ابتدأ في بيان قول عيسى عليه السلام: "أني قد جئتكم بآية" ، فقال عيسى عليه السلام: "وحجتي على صدقي في ذلك...".

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "على صدقي على ذلك" ، وهو لا يستقيم ، خطأ أو سهو من الناسخ ، والصواب ما أثبت.

(20) الأثر: 7085- سيرة ابن هشام 2: 230 ، تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7084 ، وكان في المطبوعة: تحقق بها نبوتي ، وأني رسول..." ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لرواية ابن هشام.

(21) في المطبوعة: "على الجماع كليهما" ، وفي المخطوطة"كلهما" أيضًا ، دون شرطة الكاف كأنه أراد أن يكتب"كليهما" ، ثم استدرك ، فترك عقدة الكاف على حالها ليعود فيجعلها"فيهما" وكذلك أثبتها.

(22) "حمير" (بضم الحاء وفتح الميم وتشديد الياء المكسورة) ، تصغير"حمار" ، وهو مضبوط هكذا في المخطوطة ، وهو الصواب.

(23) في المطبوعة والمخطوطة: "فأنفخ فيها" ، وهو مخالف للتلاوة في سورة المائدة ، وهو سهو من الناسخ لقرب عهده بآية آل عمران ، وتابعه الناشرون.

(24) في المخطوطة والمطبوعة: "فأنفخ" أيضًا ، وهو متابعة للسهو السالف.

(25) هذا نص مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 214 ، وهو: (وفي إحدى القراءتين: "فأنفخها" وفي قراءة عبد الله بغير"في" ، وهو مما تقوله العرب: رب ليلة قد بت فيها وبتها).

ولعله تصرف واختصار من الطبري نفسه كعادته في الذي ينقله عن الفراء ، وظني أن في نص الفراء خطأ ، وصوابه: "وهي قراءة عبد الله..".

(26) هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري.

(27) الأغاني 17: 68 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 215.

وهو من أبيات من خبرها أن عبيد الله بن زياد ، كان عدوًا لابن مفرغ ، فلما قتله أصحاب المختار بن أبي عبيد يوم الزاب ، قال ابن مفرغ فيه ، وفي طغيانه عليه ، وهو عظة لكل جبار طاغية: إِنَّ الَّــذِي عَــاشَ خَتَّــارًا بِذِمَّتِـه وعـاشَ عبـدًا, قَتِيـلُ اللـه بـالزَّابِ العَبْـدُ لِلْعَبْـدِ, لا أَصْـلٌ وَلاَ طــرَفٌ, أَلْــوَتْ بِـــهِ ذَاتُ أظْفَـارٍ وأنْيَـابِ إِنّ المَنَايَــا إِذَا مــا زُرْنَ طَاغِيَـةً هَتَكْــنَ عَنْـهُ سُـتُورًا بَيْـنَ أبْـوَابِ هَــلاَّ جُــمُوعَ نِــزَارٍ إذْ لَقِيتَهُـمُ كُـنْتَ امْـرَءًا مِــنْ نِزَارٍ غَيْرَ مُرْتَابِ لاَ أنْـتَ زَاحَـمْتَ عَـنْ مُلْـكٍ فَتَمنَعَهُ وَلاَ مَـــدَدْتَ إلَــى قَـوْمِ بأَسْـبَابِ مَـا شُـقَّ جَـيْبٌ وَلا نَـاحَتْكَ نَائِحَـةٌ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

ورواية الأغاني"ناحتك" ، جارية على القياس ، يقال: "ناحت المرأة" ، لازمًا ، و"ناحت المرأة زوجها" ، أما رواية الفراء وأبي جعفر ، فهي التي حذف من قوله: "قامتك" حرف الجر ، من"قامت عليك".

والأسلاب جمع سلب (بفتحتين): وهو ما على المحارب والرجل من ثيابه وثياب الحرب ، فإذا قتل أخذ قاتله سلبه ، أي ما عليه من ثياب وسلاح ، وما معه من دابة.

يقول: لست فارسًا من أهل الحرب والمعارك ، فيحبك فرسك ، فيبكيك عند مصرعك.

(28) لم أعرف قائله.

(29) "بنو عيذ الله" (بتشديد الياء المكسورة) ، وهم بنو عيذ الله بن سعد العشيرة بن مذحج."استمر بها": ذهب بها."حلو العصارة": حلو الأخلاق.

والعصارة والعصير: ما يتحلب من الشيء إذا عصر.

يقول: ذهب بها فلن تعود إلى يوم الدين.

(30) يقال: "خرج يتكمه في الأرض" ، إذا خرج متحيرًا مترددًا ، راكبًا رأسه ، لا يدري أين يتوجه.

(31) كان في المطبوعة: "مضموم العينين" ، وتوشك أن تكون في المخطوطة: " مغموم العينين" ، وأنا أرجح أنها الصواب ، فلذلك أثبتها على قرائى للخط.

والأكمه أعمى ، مضموم العينين كان أو غير مضموم ، ولكنه من غم الشيء: إذ ستره ، فهو مغموم: مستور.

ومنه الغمامة ، وهي غطاء يشد على عيني الناقة أو الثور أو غيرهما.

(32) كان في المطبوعة: "مضموم العينين" ، وتوشك أن تكون في المخطوطة: "مغموم العينين" ، وأنا أرجح أنها الصواب ، فلذلك أثبتها على قرائي للخط ، والأكمه أعمى ، مضموم العينين كان أو غير مضموم ، ولكنه من غم الشيء: إذا ستره ، فهو مغموم: مستور.

ومنه الغمامة ، وهي غطاء يشد على عيني الناقة أو الثور أو غيرهما.

(33) المفضليات: 405 ، اللسان (كمه) في المطبوعة: {كِمِهَتْ عَيْنَاهُ} ، وهي رواية المفضليات وفيها"كمهت عيناه لما ابيضتا".

والبيت من قصيدته الفذة.

يذكر في هذه الأبيات التي قبل البيت ، بعض عدوه ، كان يريد سقاطه بعد احتناكه وشدته ، وكيف تلقى العداوة عن آبائه ، فسعى كما سعى آباؤه فلم يظفر من سويد بشيء ، فضرب لنفسه مثلا بالصفاة التي لا ترام ، فقال أن عدوه ظل: مُقْعِيًــا يَــرْدِي صَفَـاةً لَـمْ تُـرَمْ فِــي ذُرَى أَعْيَــطَ وَعْـرِ المُطَّلَـعْ مَعْقِــلٌ يَــأْمَنُ مَــنْ كــانَ بِـهِ غَلَبَــتْ مَــنْ قَبْلَــهُ أنْ تُقْتَلَــعْ غَلَبَــتْ عَــادًا وَمَـــنْ بَعْــدَهُمْ فَــأَبَتْ بَعْــدُ, فَلَيْسَــتْ تُتَّضَــعْ لاَ يَرَاهـــا النَّـــاسُ إِلا فَــوْقَهُمْ فَهْــيَ تَـأْتِي كَـيْفَ شَـاءَتْ وَتَـدَعْ وَهْــوَ يَرْمِيهَــا, وَلَــنْ يَبْلُغَهــا, رِعَـةَ الجَـاهِلِ يَـرْضَى مــا صَنَـعْ كَــــمِهَتْ عَيْنَـــاهُ.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

يقول: عمي من شدة ما يلقى ، أو أعمته هي بشدتها.

فلما كف عنها ونزع ، ظل يلوم نفسه على تعرضه لها.

(34) ديوانه: 166 ، واللسان (كمه) (هرج) (تهته) وجاز القرآن 1: 93 ، وسيرة ابن هشام 2: 230 ، من قصيدة يذكر فيها نفسه وأيامه ، وقد سلفت منها أبيات كثيرة ، يذكر قبله خصما له قد بالغ في ضلاله ، فرده وزجره ، "هرج بالسبع": صاح به وزجره.

و"الغائلات": التي تغوله وتهلكه.

و"المتهته": الذي تهته في الأباطيل.

أي تردد فيها.

ورواية الديوان"في غائلات الخائب.." ، وهي قريب من قريب.

(35) قوله: "إنباءه" خبر"أن" في قوله آنفًا: "أن من حجته أيضًا على بنوته..

إنباءه".

(36) قوله"عليه" من تمام قوله: "الذي لا سبيل لأحد...".

(37) في المخطوطة والمطبوعة: "عند من يخبره بذلك" وسياق الضمائر يقتضي ما أثبت.

(38) في المطبوعة: "ولكن ابتدأ" ، والصواب ما أثبته ، ولم يحسن الناشر قراءة المخطوطة.

(39) الرئي: هو التابع من الجن ، يراه الإنسان أو الكاهن ، فيؤالفه ويعتاده ويحدثه بما يكذب به من النبأ عن المغيب.

(40) المكتب (بضم الميم وفتح الكاف وتشديد التاء المكسورة) على وزن"معلم": هو الذي يعلم الصغار الكتابة.

ويقال أيضًا"المكتب" (بضم الميم وسكون الكاف وكسر التاء) على وزن"مبصر" وهو المعلم أيضًا.

(41) "يبكي عليهم" ، يلح عليهم بالبكاء ، عدى"بكى" بعلى ، لتضمينه معنى"الإلحاح".

(42) في المطبوعة: "ما تخبأون مخافة الذي يمسك أن لا يخلفه شيء" ، زاد في نص المخطوطة"لا" ، و"شيء".

أما المخطوطة ففيها"...

الذي يمسك أن يخلفه".

وكلاهما لا معنى له.

والمخطوطة مضطربة الحروف في هذا الموضع ، وأخشى أن يكون صواب الجملة: "ما تخبأون مخافة عليه ، الذي تمسكون خيفة عليه".

وتركت نص المخطوطة ، على حاله في الأصل.

(43) في المطبوعة: "فكانت جرابًا ينزل عليه" ، وهو خطأ لا شك فيه ، وفي المخطوطة"حوابا" غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت.

والمائدة ، هي الخوان ، وقال أهل اللغة: "لا تسمى مائدة حتى يكون عليها طعام ، وإلا فهي خوان".

(44) قوله"عدلا" ، أي متوسطة بينهما ، وهذا نص عبارة الفراء في معاني القرآن 1: 215.

(45) "الجودى" ، "فعلى" من"الأجود" مثل"أفضل ، وفضلى" ، ولم أرها مستعملة إلا قليلا عند أهل طبقة أبي جعفر.

وانظر ما قاله الفراء في معاني القرآن 1: 215 ، 216.

(46) ديوانه: 152 وسيبويه 2: 421 ، والمخصص 2: 206 ، 207 ، واللسان (ظلم) وغيرها.

هكذا جاء به أبو جعفر ، وصواب روايته ما جاء في ديوانه ، لأن قبله: إنّ البَخِـيلَ مَلُـومٌ حَـيْثُ كَــانَ وَلـ ـكِـنَّ الجـوادَ عَـلَى عِلاتِـهِ هَـرِمُ هُــوَ الجَـوَادُ الَّـذِي يُعْطِيـكَ نائِلَـهُ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وانظر روايات مختلفة للبيت ، وبيان هذه الروايات في هذه الكتب وغيرها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ورسولا أي ونجعله رسولا .

أو يكلمهم رسولا .

وقيل : هو معطوف على قوله ( وجيها ) .

وقال الأخفش : وإن شئت جعلت الواو في قوله ورسولا مقحمة والرسول حالا للهاء ، تقديره ويعلمه الكتاب رسولا .

وفي حديثأبي ذر الطويل ( وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى عليه السلام ) .أني أخلق لكم أي أصور وأقدر لكم .

من الطين كهيئة الطير قرأ الأعرج وأبو جعفر ( كهية ) بالتشديد .

الباقون بالهمز .

والطير يذكر ويؤنث .فأنفخ فيه أي في الواحد منه أو منها أو في الطين فيكون طائرا .

وطائر وطير مثل تاجر وتجر .

قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز فعل الخلق من فعل الله تعالى .

وقيل : لم يخلق غير الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا ليكون أبلغ في القدرة لأن لها ثديا وأسنانا وأذنا ، وهي تحيض وتطهر وتلد .

ويقال : إنما طلبوا خلق خفاش لأنه أعجب من سائر الخلق ; ومن عجائبه أنه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور ، فيكون له الضرع يخرج منه اللبن ، ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين : بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جدا ، ويضحك كما يضحك الإنسان ، ويحيض كما تحيض المرأة .

ويقال : إن سؤالهم كان له على وجه التعنت فقالوا : اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا إن كنت صادقا في مقالتك ; فأخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض ; وكان تسوية الطين والنفخ من عيسى والخلق من الله ، كما أن النفخ من جبريل والخلق من الله .قوله تعالى : وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله الأكمه : الذي يولد أعمى ; عن ابن عباس .

وكذا قال أبو عبيدة قال : هو الذي يولد أعمى ; وأنشد لرؤبة :فارتد ارتداد الأكمهوقال ابن فارس : الكمه العمى يولد به الإنسان وقد يعرض .

قال سويد :كمهت عيناه حتى ابيضتامجاهد : هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل .

عكرمة : هو الأعمش ، ولكنه في اللغة العمى ; يقال كمه يكمه كمها وكمهتها أنا إذا أعميتها .

والبرص معروف وهو بياض يعتري الجلد ، والأبرص القمر ، وسام أبرص معروف ، ويجمع على الأبارص .

وخص هذان بالذكر لأنهما عياءان .

وكان الغالب على زمن عيسى عليه السلام الطب فأراهم الله المعجزة من جنس [ ص: 90 ] ذلك .

وأحيي الموتى بإذن الله قيل : أحيا أربعة أنفس : العاذر : وكان صديقا له ، وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح ; فالله أعلم .

فأما العاذر فإنه كان قد توفي قبل ذلك بأيام فدعا الله فقام بإذن الله وودكه يقطر فعاش وولد له ، وأما ابن العجوز فإنه مر به يحمل على سريره فدعا الله فقام ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله .

وأما بنت العاشر فكان أتى عليها ليلة فدعا الله فعاشت بعد ذلك وولد لها ; فلما رأوا ذلك قالوا : إنك تحيي من كان موته قريبا فلعلهم لم يموتوا فأصابتهم سكتة فأحيي لنا سام بن نوح .

فقال لهم : دلوني على قبره ، فخرج وخرج القوم معه ، حتى انتهى إلى قبره فدعا الله فخرج من قبره وقد شاب رأسه .

فقال له عيسى : كيف شاب رأسك ولم يكن في زمانكم شيب ؟

فقال : يا روح الله ، إنك دعوتني فسمعت صوتا يقول : أجب روح الله ، فظننت أن القيامة قد قامت ، فمن هول ذلك شاب رأسي .

فسأله عن النزع فقال : يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي ; وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة ، فقال للقوم : صدقوه فإنه نبي ; فآمن به بعضهم وكذبه بعضهم وقالوا : هذا سحر .

وروي من حديث إسماعيل بن عياش قال : حدثني محمد بن طلحة عن رجل أن عيسى ابن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الأولى : تبارك الذي بيده الملك .

وفي الثانية " تنزيل السجدة " فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء : يا قديم يا خفي يا دائم يا فرد يا وتر يا أحد يا صمد ; ذكره البيهقي وقال : ليس إسناده بالقوي .قوله تعالى : وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين أي بالذي تأكلونه وما تدخرون .

وذلك أنهم لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا : أخبرنا بما نأكل في بيوتنا وما ندخر للغد ; فأخبرهم فقال : يا فلان أنت أكلت كذا وكذا ، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا ; فذلك قوله وأنبئكم الآية .

وقرأ مجاهد والزهري والسختياني " وما تذخرون " بالذال المعجمة مخففا .

وقال سعيد بن جبير وغيره : وكان يخبر الصبيان في الكتاب بما يدخرون حتى منعهم آباؤهم من الجلوس معه .

قتادة : أخبرهم بما أكلوه من المائدة وما ادخروه منها خفية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر له كمالا آخر وفضلا زائدا على ما أعطاه الله من الفضائل، فقال { ورسولا إلى بني إسرائيل } فأرسله الله إلى هذا الشعب الفاضل الذين هم أفضل العالمين في زمانهم يدعوهم إلى الله، وأقام له من الآيات ما دلهم أنه رسول الله حقا ونبيه صدقا ولهذا قال { أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين } طيرا، أي: أصوره على شكل الطير { فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } أي: طيرا له روح تطير بإذن الله { وأبرى الأكمه } وهو الذي يولد أعمى { والأبرص } بإذن الله { وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } وأي: آية أعظم من جعل الجماد حيوانا، وإبراء ذوي العاهات التي لا قدرة للأطباء في معالجتها، وإحياء الموتى، والإخبار بالأمور الغيبية، فكل واحدة من هذه الأمور آية عظيمة بمفردها، فكيف بها إذا اجتمعت وصدق بعضها بعضها؟

فإنها موجبة للإيقان وداعية للإيمان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ورسولا ) أي ونجعله رسولا ( إلى بني إسرائيل ) قيل : كان رسولا في حال الصبا ، وقيل : إنما كان رسولا بعد البلوغ ، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى عليهما السلام فلما بعث قال : ( أني ) قال الكسائي : إنما فتح لأنه أوقع الرسالة عليه ، وقيل : معناه بأني ( قد جئتكم بآية ) علامة ( من ربكم ) تصدق قولي وإنما قال : بآية وقد أتى بآيات لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة ، فلما قال ذلك عيسى عليه السلام لبني إسرائيل قالوا : وما هي قال : ( أني ) قرأ نافع بكسر الألف على الاستئناف ، وقرأ الباقون بالفتح على معنى بإني ( أخلق ) أي أصور وأقدر ( لكم من الطين كهيئة الطير ) قرأ أبو جعفر كهيئة الطائر هاهنا وفي المائدة ، والهيئة : الصورة المهيأة من قولهم : هيأت الشيء إذا قدرته وأصلحته ( فأنفخ فيه ) أي في الطير ( فيكون طيرا بإذن الله ) قراءة الأكثرين بالجمع لأنه خلق طيرا كثيرا ، وقرأ أهل المدينة ويعقوب فيكون طائرا على الواحد هاهنا وفي سورة المائدة ذهبوا إلى نوع واحد من الطير لأنه لم يخلق غير الخفاش وإنما خص الخفاش ، لأنه أكمل الطير خلقا لأن لها ثديا وأسنانا وهي تحيض قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ، ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق ، وليعلم أن الكمال لله عز وجل ( وأبرئ الأكمه والأبرص ) أي أشفيهما وأصححهما ، واختلفوا في الأكمه ، قال ابن عباس وقتادة : هو الذي ولد أعمى ، وقال الحسن والسدي : هو الأعمى وقال عكرمة : هو الأعمش وقال مجاهد : هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ، ( والأبرص ) الذي به وضح ، وإنما خص هذين لأنهما داءان عياءان ، وكان الغالب في زمن عيسى عليه السلام الطب ، فأراهم المعجزة من جنس ذلك قال وهب : ربما اجتمع عند عيسى عليه السلام من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق مشى إليه عيسى عليه السلام وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان قوله تعالى : ( وأحيي الموتى بإذن الله ) قال ابن عباس رضي الله عنهما قد أحيا أربعة أنفس ، عازر وابن العجوز ، وابنة العاشر ، وسام بن نوح ، فأما عازر فكان صديقا له فأرسلت أخته إلى عيسى عليه السلام : أن أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام ، فقال لأخته : انطلقي بنا إلى قبره ، فانطلقت معهم إلى قبره ، فدعا الله تعالى فقام عازر وودكه يقطر فخرج من قبره وبقي وولد له .

وأما ابن العجوز مر به ميتا على عيسى عليه السلام على سرير يحمل فدعا الله عيسى فجلس على سريره ، ونزل عن أعناق الرجال ، ولبس ثيابه ، وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له .

وأما ابنة العاشر كان [ أبوها ] رجلا يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس ، فدعا الله عز وجل [ باسمه الأعظم ] فأحياها [ الله تعالى ] وبقيت [ بعد ذلك زمنا ] وولد لها .

وأما سام بن نوح عليه السلام فإن عيسى عليه السلام جاء إلى قبره فدعا باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة ، ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال : قد قامت القيامة؟

قال : لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم ، ثم قال له : مت قال : بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل .

قوله تعالى : ( وأنبئكم ) وأخبركم ( بما تأكلون ) مما لم أعاينه ( وما تدخرون ) ترفعونه ( في بيوتكم ) حتى تأكلوه وقيل : كان يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما يأكل اليوم وبما ادخره للعشاء وقال السدي : كان عيسى عليه السلام في الكتاب يحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم ويقول للغلام : انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ، ورفعوا لك كذا وكذا ، فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون : من أخبرك بهذا؟

.

فيقول : عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا : لا تلعبوا مع هذا الساحر فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا : ليسوا هاهنا ، فقال : فما في هذا البيت؟

قالوا خنازير ، قال عيسى كذلك يكونون ففتحوا عليهم فإذا هم خنازير ففشى ذلك في بني إسرائيل فهمت به بنو إسرائيل ، فلما خافت عليه أمه حملته على [ حمير ] لها وخرجت ( هاربة منهم ) إلى أهل مصر ، وقال قتادة : إنما هذا في المائدة وكان خوانا ينزل عليهم أينما كانوا كالمن والسلوى ، وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا لغد فخانوا وخبئوا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وبما ادخروا منها فمسخهم الله خنازير قوله تعالى ( إن في ذلك ) الذي ذكرت ( لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» يجعله «رسولا إلى بنى إسرائيل» في الصبا أو بعد البلوغ فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت، وكان من أمرها ما ذكر في سورة مريم فلما بعثه الله إلى بني إسرائيل قال لهم إني رسول الله إليكم «إني» أي بأني «قد جئتكم بآية» علامة على صدقي «من ربكم» هي «أنِّي» وفي قراءة بالكسر استئنافا «أخلق» أصوِّر «لكم من الطين كهيئة الطير» مثل صورته فالكاف اسم مفعول «فأنفخ فيه» الضمير للكاف «فيكون طيرا» وفي قراءة طائرا «بإذن الله» بإرادته فخلق لهم الخفاش لأنه أكمل الطير خلقا فكان يطير وهم ينظرونه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا «وأبرئ» أشفي «الأكمه» الذي وُلد أعمى «والأبرص» وخصا بالذكر لأنهما ذا إعياء وكان بعثه في زمن الطب فأبرأ في يوم خمسين ألفا بالدعاء بشرط الإيمان «وأحيي الموتى بإذن الله» كرره لنفي توهم الألوهية فيه فأحيا عازر صديقا له وابن العجوز وابنة العاشر فعاشوا وولد لهم، وسام بن نوح ومات في الحال «وأنبئكم بما تأكلون وما تدَّخرون» تخبئون «في بيوتكم» مما لم أعانيه فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل وبما يأكل بعد «إن في ذلك» المذكور «لآية لكم إن كنتم مؤمنين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل، ويقول لهم: إني قد جئتكم بعلامة من ربكم تدلُّ على أني مرسل من الله، وهي أني أصنع لكم من الطين مثل شكل الطير، فأنفخ فيه فيكون طيرًا حقيقيا بإذن الله، وأَشفي مَن وُلِد أعمى، ومَن به برص، وأُحيي من كان ميتًا بإذن الله، وأخبركم بما تأكلون وتدَّخرون في بيوتكم من طعامكم.

إن في هذه الأمور العظيمة التي ليست في قدرة البشر لدليلا على أني نبي الله ورسوله، إن كنتم مصدِّقين حجج الله وآياته، مقرِّين بتوحيده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أشار - سبحانه - إلى علم الرسالة التى هيأ لها عيسى - عليه السلام - عقب ذلك ببيان القوم الذين أرسل إليهم فقال - تعالى - { وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ } أى أن الله - تعالى - سيجعل عيسى - عليه السلام - رسولا إلى بنى إسرائيل لكى يهديهم إلى الصراط المستقيم ، ولكى يبشرهم برسول يأتى من بعده هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، ألا وهو محمد صلى الله عليه وسلم .وخص بنى إسرائيل بالذكر مع أن رسالة عيسى كانت إليهم وإلى من علمها من الرومان : لأن بنى إسرائيل خرج عيسى من بينهم فهو منهم ، ولأنهم هم الذين كانوا يدعون أنهم أولى الناس بعلم الرسائل الإلهية ، وكانت دعوته بينهم وانبعث منهم إلى غيرهم ، فكان تخصيصهم بالذكر فيه إشارة إلى حقيقة واقعة وفيه توبيخ لهم ، لأنهم أوتوا العلم برسالات الأنبياء ومع ذلك فقد كفر كثير منهم بعيسى وبغيره من رسل الله ، بل لم يكتفوا بالكفر وإنما آذوا أولئك الرسل الكرام وقتلوا فريقا منهم .وقوله { وَرَسُولاً } منصوب بمضمر يقود إليه المعنى ، معطوف على { وَيُعَلِّمُهُ } أى يعلمه ويجعله رسولا إلى بنى إسرائيل .وقوله { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } معمول لقوله { رَسُولاً } لما فيه من معنى النطق .

كأنه قيل : ورسولا ناطقا بأنى قد جئتكم يا بنى إسرائيل بآية من ربكم .والباء للملابسة وهيى مع مدخولها فى محل الحال وقوله { مِّن رَّبِّكُمْ } متعلق بمحذوف صفة لآية .

والمراد بالآية هنا المعجزات التى أكرمه الله بها .أى : أن الله - تعالى - قد علم عيسى - عليه السلام - الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعله رسولا إلى بنى إسرائيل مخبرا إياهم بأنى رسول الله إليكم حال كونى ملتبسا مجيئى بالمعجزات الدالة على صدقى ، وهذه المعجزات ليست من عندى وإنما هى من عند ربكم .ثم ذكر - سبحانه - خمسة أنواع من معجزات عيسى - عليه السلام - أما المعجزة الأولى فعبر عنها بقوله : { أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله } .قال الآلوسى : " وقوله { أني أَخْلُقُ لَكُمْ } .

.

الخ .

.

بدل من قوله { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ } أو من { آيَةٍ } أو منصوب على المفعولية لمحذوف أى أعنى أنى أخلق لكم .

.

.

أو مرفوع على أنه خبر لمقدر أى أنى قد جئتكم بآية من ربكم هى أنى أخلق لكم .

وقرأ نافع بكسر الهمزة على الاستئناف ، والمراد بالخلق التصوير والإبراز على مقدار معين لا الايجاد من العدم " .والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قد حكى الله - عنه أنه قال لبنى إسرائيل : لقد أرسلنى الله إليكم لابلغكم دعوته ، ولآمركم بإخلاص العبادة له ، وقد أعطانى - سبحانه - من المعجزات ما يقنعكم بصدقى فيما أبلغه عن ربى ، ومن بين هذه المعجزات أنى أقدر على أن أصور لكم من الطين شيئاً صورته مثل صورة الطير ، فأنفخ فى ذلك الشىء المماثل لهيئة الطير فيكون طيرا حقيقا ذا حياة بإذن الله أى بأمره وإرادته .فأنت ترى أن الجملة الكريمة قد اشتملت على ثلاثة أعمال : ثنتان منهما لعيسى وهما تصوير الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيه .أما الثالث فهو من صنع الله تعالى - وحده ألا وهو خلق الحياة فى هذه الصورة التى صورها عيسى ونفخ فيها .

وهذا يدل دلالة واضحة على أنه ليس فى عيسى ألوهية ولا أى معنى من معانيها .

ولا حكى الله - تعالى - عنه أنه قال : { بِإِذْنِ الله } .أي أنى ما فعلت الذى فعلته إلا بإذن الله وأمره وإرادته وتيسيره ، واللام في قوله { لَكُمْ } للتعليل أى أصور لأجل هدايتكم وتصديقكم بى .والكاف فى قوله { كَهَيْئَةِ الطير } بمعنى مثل وهى نعت لمفعول محذوف أى أخلق شيئاً مثل هيئة الطير ، والهيئة هى الصورة والكيفية .والضمير فى قوله { فَأَنفُخُ فِيهِ } يعود إلى هذا المفعول المحذوف .وقوله { بِإِذْنِ الله } متعلق بيكون ، وجئ به لإظهار العبودية ، ونفى توهم أن يكون عيسى أو غيره شريكا لله فى خلق الكائنات .وأما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات فقد حكاه القرآن فى قوله - تعالى - { وَأُبْرِىءُ } أى أشفى ، يقال : برأ المريض يبرأ أو يبرؤ برءا وبروءا إذا شفى من مرضه .والأكمه : هو الذى يولد أعمى .

يقال كمه كمها إذا ولد أعمى ، فهو أكمه وامرأة كمهاء .والأبرص : هو الذى يكون في جلده بياض مشوب بحمرة وهو مرض من الأمراض المنفرة التى عجز الأطباء عن شفائها .والمعنى : أن عيسى - عليه السلام - قال لقومه : والمعجزات التى تدل على صدقى أن أشفى وأعيد الإبصار إلى من ولد أعمى ، وأعيد الشفاء إلى من أصيب بمرض البرص ، وأعيد الحياة إلى من مات .

ولا أفعل كل ذلك بقدرتي وعلمى وإنما أفعله بإذن الله وبإرادته وأمره .وخص إبراء الأكمه والأبرص بالذكر لأنهما مرضان عضالان لم يصل الطب إلى الآن إلى طريق للشفاء منهما فإذا أجرى الله - تعالى - على يد عيسى الشفاء منهما كان ذلك دليلا على أن من وراء الأسباب والمسببات خالقا مختارا لا يعجزه شىء وعلى أن الأسباب ليست مؤثرة بذاتها فى الإيجاد أو الإعدام وإنما المؤثر هو الله - تعالى - .وقوله { وَأُحْيِ الموتى بِإِذْنِ الله } فيه تدرج من الصعب إلى الأصعب ، لأن مما لا شك فيه أن إحياء الموتى خارق عظيم ، يدل دلال قاطعة على أن الأسباب العادية ليست هى المؤثرة وإنما الخالق المكون هو المؤثر وأن الأشياء لم تخلق بالعلية - كما يقول الماديون - وإنما خلقت بالإرادة المختارة والقدرة المبدعة المنشئة المكونة ، وهى إرادة خالق الكون وقدرته سبحانه .وقيد ما يقوم به من إبراء وإحياء بأنه بإذن الله : للتنبيه على أن ما يفعله من خوراق وإنما هو بأمر الله وتيسيره وإرادته .وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياءه للموتى كان عن طريق الدعاء ، وكان دعاؤه يا حى يا قيوم ، وذكروا من بين من أحياهم سام ابن نوح .قال ابن كثير : بعث الله كل نبى بمعجزة تناسب أهل زمانه ، فكان الغالب على زمان موسى السحر وتعظيم السحرة ، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيرت كل سحّار ، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام .

وأما عيسى فعبث فى زمن الأطباء واصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيداً من الذى شرع الشريعة فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد ، أو على مداواة الأكمه والأبرص؟

وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاويد الشعراء فأتاهم بكتاب من الله لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله ما استطاعوا أبدا ، وماذاك إلى أن كلام الرب لا يشبه كلام الخلق " .وأما المجزة الخامسة فقد حكاها القرآن في قوله - تعالى - { وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } .وقوله - تعالى - { وَأُنَبِّئُكُمْ } من الإنباء وهو الإخبار بالخبر العظيم الشأن .وقوله { تَدَّخِرُونَ } من الإدخار وهو إعداد الشىء لوقت الحاجة إليه .

يقال : دخرته وادخرته ، إذ أعدته للعقبى .

واصله " تذتخرون " بالذال المعجمة - من اذتخر الشىء - بوزن افتعل - فأبدلت التاء دالا ثم أبدلت الذال دالا وأدغمت .والمعنى : أن عيسى - عليه السلام - قد قال لقومه بنى إسرائيل : وإن من معجزاتى التى تدل على صدقى فيما أبلغه عن ربى أنى أخبركم بالشىء الذى تأكلونه وبالشىء الذى تخبئونه فى بيوتكم لوقت حاجتكم إليه .قال القرطبى : وذلك أنه لما أحيا لهم الموتى طلبوا منه آية أخرى وقالوا : أخبرنا بما نأكل فى بيوتنا وما ندخر للغد ، فأخبرهم فقال : يا فلان أنت أكلت كذا وكذا ، وأنت أكلت كذا وكذا وادخرت كذا وكذا فذلك قوله { وَأُنَبِّئُكُمْ } .و " ما " في الوضعين موصولة ، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف أى بما تأكلونه وتدخرونه .ولا شك أن إخبار عيسى - عليه السلام - لقومه بالشىء الذى يأكلونه وبالشىء الذي يدخرونه يدل على صدقه ، لأن هذا الإخبار الغيبى بما لم يعاينه دليل على أن الله - تعالى - قد أعطاه علم ما أخبر به .ثم ختم الله - تعالى - هذه الآية بقوله : { إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } .أى إن فى ذلك المذكور من المعجزات التى أجراها الله - تعالى - على يد عيسى - عليه السلام - لدلالة واضحة وعلامة بينة تشهد بصدقه فيما يبلغه عن ربه ، إن كنتم يا بنى إسرائيل ممن يصدق بآيات الله ويذعن لها .فاسم الإشارة " ذلك " يعود إلى ما سبق ذكره من معجزات عيسى - عليه السلام - وجواب الشرط محذوف والتقدير : إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآيات وأذعنتم للحق الذى جئتكم به نم عند الله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية وجوه: الأول: تقدير الآية: ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ونبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، قائلاً ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ والحذف حسن إذا لم يفض إلى الاشتباه الثاني: قال الزجاج: الاختيار عندي أن تقديره: ويكلم الناس رسولاً، وإنما أضمرنا ذلك لقوله: ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ والمعنى: ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم.

الثالث: قال الأخفش: إن شئت جعلت الواو زائدة، والتقدير: ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة، والإنجيل رسولاً إلى بني إسرائيل، قائلاً: أني قد جئتكم بآية.

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان رسولاً إلى كل بني إسرائيل بخلاف قول بعض اليهود إنه كان مبعوثاً إلى قوم مخصوصين منهم.

المسألة الثالثة: المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد هاهنا أنواعاً من الآيات، وهي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله: ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ الجنس لا الفرد.

ثم قال: ﴿ أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله ﴾ .

اعلم أنه تعالى حكى هاهنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام: النوع الأول: ما ذكره هاهنا في هذه الآية وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة ﴿ أني ﴾ بفتح الهمزة، وقرأ نافع بكسر الهمزة فمن فتح ﴿ أني ﴾ فقد جعلها بدلاً من آية كأنه قال: وجئتكم بأنى أخلق لكم من الطين، ومن كسر فله وجهان: أحدهما: الاستئناف وقطع الكلام مما قبله والثاني: أنه فسّر الآية بقوله: ﴿ أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ ﴾ ويجوز أن يفسر الجملة المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال الله تعالى: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات  ﴾ ثم فسّر الموعود بقوله: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ  ﴾ ثم فسّر المثل بقوله.

﴿ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ  ﴾ وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كقراءة من فتح ﴿ أني ﴾ على جعله بدلاً من آية.

المسألة الثانية: ﴿ أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين ﴾ أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ  ﴾ إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره هاهنا أيضاً فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد، أما القرآن فآيات أحدها: قوله تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين  ﴾ أي المقدرين، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقاً بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقاً بالتقدير والتسوية.

وثانيها: أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الاولين  ﴾ وفي العنكبوت ﴿ وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً  ﴾ وفي سورة ص ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق  ﴾ والكاذب إنما سمي خالقاً لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره.

وثالثها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله: ﴿ أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين ﴾ أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير  ﴾ وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير.

ورابعها: قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً  ﴾ وقوله: ﴿ خلق ﴾ إشارة إلى الماضي، فلو حملنا قوله: ﴿ خلق ﴾ على الإيجاد والإبداع، لكان المعنى: أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي، وذلك باطل بالاتفاق، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض، وأما الشعر فقوله: ولأنت تفري ما خلقت وبع *** ض القوم يخلق ثم لا يفري وقوله: ولا يعطي بأيدي الخالق ولا *** أيدي الخوالق إلا جيد الأدم وأما الاستشهاد: فهو أنه يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير، وفلان خليق بكذا، أي له هذا المقدار من الاستحقاق، والصخرة الخلقاء الملساء، لأن الملاسة استواء، وفي الخشونة اختلاف، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية.

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في لفظ ﴿ الخالق ﴾ قال أبو عبد الله البصري: إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال، وقال أصحابنا: الخالق، ليس إلا الله، واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء  ﴾ ومنهم من احتج بقوله: ﴿ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ  ﴾ وهذا ضعيف، لأنه تعالى قال: ﴿ هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء  ﴾ فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقاً من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه، ليس إلا الله، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله.

وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالاً في حق الله تعالى فالعلم ثابت.

إذا عرفت هذا فنقول: ﴿ أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين ﴾ معناه: أصور وأقدر وقوله: ﴿ كَهَيْئَةِ الطير ﴾ فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وقوله: ﴿ فَأَنفُخُ فِيهِ ﴾ أي في ذلك الطين المصور وقوله: ﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع ﴿ فَيَكُونُ طائراً ﴾ بالألف على الواحد، والباقون ﴿ طَيْراً ﴾ على الجمع، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.

يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوره، ثم نفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً، ثم اختلف الناس فقال قوم: إنه لم يخلق غير الخفاش، وكانت قراءة نافع عليه.

وقال آخرون: إنه خلق أنواعاً من الطير وكانت قراءة الباقين عليه.

المسألة الثانية: قال بعض المتكلمين: الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح، ولذلك وصفها بالفتح، ثم هاهنا بحث، وهو أنه هل يجوز أن يقال: إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى: ﴿ الذى خَلَقَ الموت والحياة  ﴾ وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في مناظرته مع الملك ﴿ رَبّيَ الذي يُحْىِ وَيُمِيتُ  ﴾ فلو حصل لغيره، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال.

المسألة الثالثة: القرآن دلّ على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل صلى الله عليه وسلم روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى عليه السلام للحياة والروح.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله  ﴾ أي إلا بأن يوجد الله الموت، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة، وتنبيهاً على إني أعمل هذا التصوير، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل.

واما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات: فهو قوله: ﴿ وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ﴾ .

ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي ولد أعمى، وقال الخليل وغيره هو الذي عمي بعد أن كان بصيراً، وعن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل، ويقال: إنه لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير، وروي أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده، قال الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم وأحيا عاذر، وكان صديقاً له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حياً، ومرّ على ابن ميت لعجوز فدعا الله، فنزل عن سريره حياً، ورجع إلى أهله وولد له، وقوله: ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلهية.

وأما النوع الخامس: من المعجزات إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه ﴿ وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُون وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان أحدهما: أنه عليه الصلاة والسلام كان من أول مرة يخبر عن الغيوب، روى السدي: أنه كان يلعب مع الصبيان، ثم يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم، وكان يخبر الصبي بأن أمك قد خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء ثم قالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وجمعوهم في بيت، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم، فقالوا له، ليسوا في البيت، فقال: فمن في هذا البيت، قالوا: خنازير قال عيسى عليه السلام كذلك يكونون فإذا هم خنازير.

والقول الثاني: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة، وذلك لأن القوم نهوا عن الادخار، فكانوا يخزنون ويدخرون، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بذلك.

المسألة الثانية: الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيراً، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة، ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى.

ثم إنه عليه السلام ختم كلامه بقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

والمعنى إن في هذه الخمسة لمعجزة قاهرة قوية دالة على صدق المدعي لكل من آمن بدلائل المعجزة في الحمل على الصدق، بلى من أنكر دلالة أصل المعجز على صدق المدعي، وهم البراهمة، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات، أما من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ المسيح ﴾ لقب من اولقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحاً بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ ﴾ [مريم: 31] وكذلك ﴿ عِيسَى ﴾ معرب من أيشوع.

ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء.

فإن قلت: ﴿ إِذْ قَالَتِ ﴾ بم يتعلق؟

قلت: هو بدل من ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الملئكة ﴾ ويجوز أن يبدل من ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ على أن الاختصام والبشارة وقعاً في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا.

فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟

قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين.

فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟

قلت لأن المسمى بها مذكر.

فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟

قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة ﴿ وَجِيهاً ﴾ حال من ﴿ كلمة ﴾ وكذلك قوله: (ومن المقربين)، (ويكلم) (وَمِنَ الصالحين).

أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.

وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة.

والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس.

وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.

وكونه ﴿ مِنَ المقربين ﴾ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.

والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمي بالمصدر.

و ﴿ فِى المهد ﴾ في محل النصب على الحال، ﴿ وَكَهْلاً ﴾ عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلاً وكهلاً.

ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء.

ومن بدع التفاسير أن قولها: رب نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي ﴿ ونعلمه ﴾ عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ.

وقرأ عاصم ونافع: ﴿ ويعلمه ﴾ ، بالياء.

فإن قلت: علام تحمل: ورسولاً، ومصدّقاً من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ و ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يأبى حمله عليها؟

قلت: هو من المضائق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له ﴿ وأرسلت ﴾ على إرادة القول؛ تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم.

ومصدقاً لما بين يدي.

والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أصله أرسلت بأني قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، و ﴿ أَنِى أَخْلُقُ ﴾ نصب بدل من ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أني أخلق لكم، وقرئ: ﴿ إني ﴾ ، بالكسر على الاستئناف، أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير ﴿ فَأَنفُخُ فِيهِ ﴾ الضمير للكاف، أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾ فيصير طيراً كسائر الطيور حياً طياراً.

وقرأ عبد الله: ﴿ فأنفخها ﴾ قال: كالهَبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا وقيل: لم يخلق غير الخفاش ﴿ الاكمه ﴾ الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين.

ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.

وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده.

وكرر ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية.

وروي: أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية، فقال: يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا.

وقرئ ﴿ تذخرون ﴾ ، بالذال والتخفيف ﴿ وَلأُحِلَّ ﴾ ردّ على قوله: ﴿ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون ﴿ مُصَدّقاً ﴾ مردوداً عليه أيضاً، أي جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً.

وما حرم الله عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك.

قيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له.

واختلفوا في إحلاله لهم السبت.

وقرئ ﴿ حرم عليكم ﴾ على تسمية الفاعل، وهو ما بين يديّ من التوراة، أو الله عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام؛ لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوماً عندهم.

وقرئ: ﴿ حرم ﴾ ، بوزن كرم ﴿ وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه، وقرئ بالفتح على البدل من ﴿ ءايَةً ﴾ .

وقوله: ﴿ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ﴾ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟

قلت لأنّ الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال.

ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن سائر ذلك.

وقرأ عبد الله.

﴿ وجئتكم بآيات من ربكم ﴾ ، فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ ومعنى قراءة من فتح: ولأنّ الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله: ﴿ لإيلاف قُرَيْشٍ....

فَلْيَعْبُدُواْ ﴾ [قريش: 1 3] ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وما بينهما اعتراض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ذُكِرَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها وإزاحَةً لِما هَمَّها مِن خَوْفِ اللَّوْمِ لَمّا عَلِمَتْ أنَّها تَلِدُ مِن غَيْرِ زَوْجٍ، أوْ عَطْفٌ عَلى يُبَشِّرُكَ، أوْ وجِيهًا والكِتابُ الكَتَبَةُ أوْ جِنْسُ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ.

وخُصَّ الكِتابانِ لِفَضْلِهِما.

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ ويُعَلِّمُهُ بِالياءِ.

﴿ وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ عَلى إرادَةِ القَوْلِ تَقْدِيرُهُ: وَيَقُولُ أُرْسِلْتُ رَسُولًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ بِالعَطْفِ عَلى الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ مُضَمَّنًا مَعْنى النُّطْقِ فَكَأنَّهُ قالَ: وَناطِقًا بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، وتَخْصِيصِ بَنِي إسْرائِيلَ لِخُصُوصِ بِعْثَتِهِ إلَيْهِمْ أوْ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى غَيْرِهِمْ.

﴿ أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾ نُصِبَ بَدَلٌ مِن أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ جُرَّ بَدَلٌ مِن آيَةٍ، أوْ رُفِعَ عَلى هي أنِّي أخْلُقُ لَكم والمَعْنى: أُقَدِّرُ لَكم وأُصَوِّرُ شَيْئًا مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ، وقَرَأ نافِعٌ إنّى بِالكَسْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ الضَّمِيرُ لِلْكافِ أيْ في ذَلِكَ الشَّيْءِ المُماثِلِ.

﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فَيَصِيرُ حَيًّا طَيّارًا بِأمْرِ اللَّهِ، نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ إحْياءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا مِنهُ.

وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي المائِدَةِ «طائِرًا» بِالألِفِ والهَمْزَةِ.

﴿ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ ﴾ الأكْمَهُ الَّذِي وُلِدَ أعْمى أوِ المَمْسُوحُ العَيْنِ.

رُوِيَ: أنَّ رُبَّما كانَ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أُلُوفٌ مِنَ المَرْضى مَن أطاقَ مِنهم أتاهُ ومَن لَمْ يُطِقْ أتاهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما يُداوِي إلّا بِالدُّعاءِ.

﴿ وَأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ كَرَّرَ بِإذْنِ اللَّهِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الأُلُوهِيَّةِ، فَإنَّ الإحْياءَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأفْعالِ البَشَرِيَّةِ.

﴿ وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ ﴾ بِالمُغَيَّباتِ مِن أحْوالِكُمُ الَّتِي لا تَشُكُّونَ فِيها.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ مُوَفَّقِينَ لِلْإيمانِ فَإنَّ غَيْرَهم لا يَنْتَفِعُ بِالمُعْجِزاتِ، أوْ مُصَدِّقِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُعانِدِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَرَسُولاً} أي ونجعله رسولاً أو يكون في موضع الحال أي وجيهاً في الدنيا والآخرة ورسولا {إلى بني إسرائيل أَنّي} بأني {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن

رَّبّكُمْ} بدلالة تدل على صدقي فيما أدعيه من النبوة {أَنِي أَخْلُقُ لَكُمْ} نصب بدل من أني قد جئتكم أو جر بدل من آية أو رفع على هي أني أخلق لم ِإنِّيَ نافع على الاستئناف {مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير {فَأَنفُخُ فِيهِ} الضمير للكاف أي في ذلك الشئ المماثل لهيئة الطير {فَيَكُونُ طَيْرًا} فيصير طيراً كسائر الطيور طائراً مدني {بِإِذُنِ الله} بأمره قيل لم يخلق شيئا غير الخفاش {وأبرئ الأكمه} الذى ولد أعمى {والأبرص وأحيي الموتى بِإِذْنِ الله} كرر بإذن الله دفعاً لوهم من يتوهم فيه اللاهوتية روي أنه أحيا سام ابن نوح عليه السلام وهم ينظرون إليه فقالوا هذا سحر مبين فأرنا آية فقال يا فلان اكلت كذا ويا فلان خبئ لك كذا وهو قوله {وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وما تدخرون في بيوتكم} وما فيهما بمعنى الذي أو مصدرية {إِنَّ فِي ذلك} أى فيما سبق {لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَجُرُّ إلَيْهِ المَعْنى مَعْطُوفًا عَلى ”يُعَلِّمُهُ“ أيْ ونَجْعَلُهُ رَسُولًا وهو الَّذِي اِخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْمُولٍ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى يُعَلِّمُهُ، أيْ ويَقُولُ عِيسى أُرْسِلْتُ رَسُولًا، ولا يَخْفى أنَّ عَطْفَ هَذا القَوْلِ عَلى ”يُعَلِّمُهُ“ إذا كانَ مُسْتَأْنَفًا مِمّا لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ بَأْسٍ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِهِ عَلى ﴿ يُبَشِّرُكِ ﴾ أوْ ﴿ يَخْلُقُ ﴾ فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ بِأنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ أوْ إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَقُولُعِيسى كَذا، وفِيهِ العَطْفُ عَلى الخَبَرِ ولا رابِطَ بَيْنَهُما إلّا بِتَكَلُّفٍ عَظِيمٍ، وفي «اَلْبَحْرِ»: إنَّ هَذا الوَجْهَ مُطْلَقًا ضَعِيفٌ إذْ فِيهِ إضْمارُ شَيْئَيْنِ القَوْلُ ومَعْمُولُهُ، والِاسْتِغْناءُ عَنْهُما بِاسْمٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ؛ واخْتارَ بَعْضُهم عَطْفَهُ عَلى الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ مُضَمَّنًا مَعْنى النُّطْقِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُها في حُكْمِ الغَيْبَةِ مَعَ كَوْنِ هَذا في حُكْمِ التَّكَلُّمِ إذْ يَكُونُ المَعْنى حالَ كَوْنِهِ وجِيهًا ورَسُولًا ناطِقًا بِكَذا، والرَّسُولُ عَلى سائِرِ التَّقادِيرِ صِفَةٌ كَشَكُورٍ وصَبُورٍ، وفَعُولٌ هُنا بِمَعْنى مُفْعِلٌ، واحْتِمالٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَما قالَ أبُو البَقاءِ مِثْلَهُ في قَوْلِ الشّاعِرِ: أبْلِغْ أبا سَلْمى (رَسُولًا) تَرُوعُهُ ويُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى ”الكِتابَ“ أيْ، ويُعَلِّمُهُ رِسالَةً - بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ المُتَبادِرَ الوَصْفِيَّةُ لا المَصْدَرِيَّةُ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ تَعْلِيمَ الرِّسالَةِ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ في كَلامِهِمْ، والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ (رَسُولًا) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، أيْ رَسُولًا كائِنًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ كُلِّهِمْ، قِيلَ: وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِخُصُوصِ بَعْثَتِهِ، أوْ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمَ مِنَ اليَهُودِ أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى غَيْرِهِمْ.

ولِي في نِسْبَةِ هَذا الزَّعْمِ لِبَعْضِ اليَهُودِ تَرَدُّدٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الكُتُبِ المَشْهُورَةِ واَلَّذِي رَأيْناهُ فِيها أنَّهم في عِيسى الَّذِي قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا مِن أمْرِهِ ما قَصَّ فِرْقَتانِ: فِرْقَةٌ تَرْمِيهِ وحاشاهُ بِأفْظَعِ ما رَمَتْ بِهِ أُمَّةٌ نَبِيَّها وهم أكْثَرُ اليَهُودِ، وفِرْقَةٌ يُقالُ لَهُمُ (اَلْعَنانِيَّةُ أصْحابُ عَنانَ بْنِ داوُدَ رَأْسِ الجالُوتِ يُصَدِّقُونَهُ في مَواعِظِهِ وإشاراتِهِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ لَمْ يُخالِفِ التَّوْراةَ البَتَّةَ بَلْ قَرَّرَها ودَعا النّاسَ إلَيْها، وإنَّهُ مِنَ المُسْتَجِيبِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن بَنِي إسْرائِيلَ المُتَعَبِّدِينَ ولَيْسَ بِرَسُولٍ ولا نَبِيٍّ، ويَقُولُونَ: إنَّ سائِرَ اليَهُودِ ظَلَمُوهُ حَيْثُ كَذَّبُوهُ أوَّلًا ولَمْ يَعْرِفُوا مُدَّعاهُ وقَتَلُوهُ آخَرًا ولَمْ يَعْرِفُوا مَرامَهُ ومَغْزاهُ) نَعَمْ مِنَ اليَهُودِ فِرْقَةٌ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ أصْحابُ أبِي عِيسى إسْحَقَ بْنِ يَعْقُوبَ الأصْفَهانِيِّ الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُهم (بِعَرْقِيدَ الوَهِيمِ) يَزْعُمُونَ: أنَّ لِلَّهِ تَعالى رَسُولًا بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى المَسِيحُ إلّا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ ويَدَّعُونَ أنَّ لَهُ خَمْسَةً مِنَ الرُّسُلِ يَأْتُونَ قَبْلَهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ وأنَّ صاحِبَهم هَذا، أحَدُ رُسُلِهِ وكُلٌّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ بَعِيدٌ عَمّا اِدَّعاهُ صاحِبُ القِيلِ بِمَراحِلَ ولَعَلَّهُ وجَدَ ما يُوافِقُ دَعْواهُ، ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ.

هَذا واخْتُلِفَ في زَمَنِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقِيلَ: في الصِّبا وهو اِبْنُ ثَلاثِ سِنِينَ، وفي «اَلْبَحْرِ»: أنَّ الوَحْيَ أتاهُ بَعْدَ البُلُوغِ وهو اِبْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلاثَ سِنِينَ، قِيلَ: وثَلاثَةَ أشْهُرٍ وثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رُفِعَ إلى السَّماءِ وهو القَوْلُ المَشْهُورُ، وفِيهِ أنَّ أوَّلَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ يُوسُفُ، وقِيلَ: مُوسى وآخِرُهم عِيسى عَلى سائِرِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامِ، وقَرَأ اليَزِيدِيُّ (ورَسُولٍ) بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (كَلِمَةٍ) أيْ يُبَشِّرُكَ بِكَلِمَةٍ وبِرَسُولٍ.

﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ مَعْمُولٌ لِ (رَسُولًا) لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّطْقِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ (رَسُولًا) أيْ رَسُولًا ناطِقًا أوْ مُخْبِرًا بِأنِّي، وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن (رَسُولًا) إذا جَعَلْتَهُ مَصْدَرًا أيْ ونُعَلِّمُهُ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى تَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ أيْضًا، أيْ هو أنِّي، فالمُنْسَبِكُ إمّا في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ نَصْبٍ أوْ رَفْعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِآيَةٍ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُحْتَجًّا أوْ مُتَلَبِّسًا بِآيَةٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ (جِئْتُكُمْ) والباءُ لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلتَّعْدِيَةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ دُونَ الوَحْدَةِ لِظُهُورِ ما يُنافِيها، وقُرِئَ (بِآياتٍ).

﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِآيَةٍ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِ (جِئْتُ)، و(مِن) في التَّقْدِيرَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ لِما سَيَأْتِي مِنَ الأوامِرِ، أوْ لِأنَّ وصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يُناسِبُ حالَ الإرْسالِ إلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أوْ مِن (آيَةٍ) أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِمَحْذُوفٍ أيْ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ: هي أنِّي الخ؛ وقَرَأ نافِعٌ (إنِّي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمُرادُ بِالخَلْقِ التَّصْوِيرُ والإبْرازُ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ لا الإيجادُ مِنَ العَدَمِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ذِكْرُ المادَّةِ، والهَيْئَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُهَيَّأِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وقِيلَ: إنَّها اِسْمٌ لِحالِ الشَّيْءِ ولَيْسَتْ مَصْدَرًا وإنَّما المَصْدَرُ الهَيْءُ والتَّهَيُّؤُ فَهي عَلى الأوَّلِ: جَوْهَرٌ، وعَلى الثّانِي: عَرَضٌ، وفَسَّرُوها بِالكَيْفِيَّةِ الحاصِلَةِ مِن إحاطَةِ الحَدِّ الواحِدِ أوِ الحُدُودِ بِالجِسْمِ، والمَعْنى أنِّي أُقَدِّرُ لِأجْلِ تَحْصِيلِ إيمانِكم ودَفْعِ تَكْذِيبِكم إيّايَ مِنَ الطِّينِ شَيْئًا مِثْلَ الطَّيْرِ المُهَيَّأِ أوْ هَيْئَةً كائِنَةً كَهَيْئَتِهِ، والكافُ إمّا اِسْمٌ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو الحَسَنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ (أخْلُقُ) أوْ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ لَهُ، وإمّا حَرْفٌ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا أيْضًا لَمّا وقَعَ هو نَعْتًا لَهُ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْمِيَّةِ.

وقَرَأ يَزِيدٌ وحَمْزَةُ (كَهَيَّةِ) بِتَشْدِيدِ الياءِ، وكانَ اِبْنُ المُقْسِمِ يَقُولُ: بَلَغَنِي أنَّ خَلَفًا يَقُولُ: إنَّ حَمْزَةَ يَتْرُكُ الهَمْزَةَ ويُحَرِّكُ الياءَ بِحَرَكَتِها، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ ويَعْقُوبٌ (اَلطّائِرِ) ومِثْلُهُ في المائِدَةِ.

﴿ فَأنْفُخُ فِيهِ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْهَيْئَةِ المُقَدَّرَةِ في نَظْمِ الكَلامِ لَكِنْ بِمَعْنى الشَّيْءِ المُهَيَّأِ لا بِمَعْنى العَرَضِ القائِمِ بِهِ، إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحَلًّا لِلنَّفْخِ، وذُكِرَ الضَّمِيرُ هُنا مُراعاةً لِلْمَعْنى كَما أُنِّثَ في المائِدَةِ مُراعاةً لِلَّفْظِ، قِيلَ: وصَحَّ هَذا لِعَدَمِ الإلْباسِ، ووَقَعَ في كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْكافِ بِناءً عَلى أنَّها اِسْمٌ، ويَعُودُ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ إلى عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى المَوْصُوفِ بِها، واعْتَرَضَهُ اِبْنُ هِشامٍ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَما زَعَمُوا لِسُمِعَ في الكَلامِ مَرَرْتُ بِ كالأسَدِ وبَعْضُهم بِأنَّ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلَيْها غَيْرُ مَعْهُودٍ، وقُرِئَ فِيها.

﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾ حَيًّا طَيّارًا كَسائِرِ الطُّيُورِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ (فَتَكُونُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ، ويَعْقُوبٌ وأبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ (طائِرًا) .

﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (يَكُونُ) أوْ بِ (طِيرًا) والمُرادُ بِأمْرِ اللَّهِ، وأشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ إحْياءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَكِنْ بِسَبَبِ النَّفْخِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِخُصُوصِيَّةٍ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي تَكَوُّنُهُ مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو رُوحٌ مَحْضٌ كَما قِيلَ بَلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الإحْياءَ بِنَفْخِ أيِّ شَخْصٍ كانَ لَكانَ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ ولا اِسْتِعْصاءٍ، قِيلَ: وفي هَذِهِ المُعْجِزَةِ مُناسِبَةٌ لِخَلْقِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، واخْتُلِفَ هَلْ كانَ ذَلِكَ بِطَلَبٍ واقْتِراحٍ أمْ لا؟

فَذَهَبَ المُعْظَمُ إلى الأوَّلِ، قالُوا: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ طَلَبُوا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ مَعَ أنْبِيائِهِمْ أنْ يَخْلُقَ لَهم خُفّاشًا فَلَمّا فَعَلَ قالُوا: ساحِرٌ، وإنَّما طَلَبُوا هَذا النَّوْعَ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّهُ أكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًا وأبْلَغُ دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ لِأنَّ لَهُ نابًا وأسْنانًا، ويَحِيضُ ويَلِدُ ويَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ولَهُ آذانٌ وثَدْيٌ وضَرْعٌ ويَخْرُجُ مِنهُ اللَّبَنُ، ويَرى ضاحِكًا كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ، ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً قَبْلَ أنْ يُسْفِرَ جِدًّا، والمَشْهُورُ أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ، وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، قالَ وهْبٌ: كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِلا واسِطَةٍ، وقِيلَ: خَلَقَ أنْواعًا مِنَ الطَّيْرِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ إسْحَقَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ غِلْمانٍ مِنَ الكِتابِ فَأخَذَ طِينًا، ثُمَّ قالَ: أجْعَلُ لَكم مِن هَذا الطِّينِ طائِرًا؟

قالُوا: أوَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟

قالَ: نَعَمْ بِإذْنِ رَبِّي، ثُمَّ هَيَّأهُ حَتّى إذا جَعَلَهُ في هَيْئَةِ الطّائِرِ نَفَخَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: كُنْ طائِرًا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فَخَرَجَ يَطِيرُ مِن بَيْنِ كَفَّيْهِ، وخَرَجَ الغِلْمانُ بِذَلِكَ مِن أمْرِهِ فَذَكَرُوهُ لِمُعَلِّمِهِمْ وأفْشَوْهُ في النّاسِ.

﴿ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ أخْلُقُ ﴾ فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ (إنِّي) والأكْمَهُ هو الَّذِي وُلِدَ أعْمى، أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنْهُ أنَّهُ المَمْسُوحُ العَيْنِ الَّذِي لَمْ يُشَقُّ بَصَرُهُ ولَمْ يُخْلَقْ لَهُ حَدَقَةٌ، قِيلَ ولَمْ يَكُنْ في صَدْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ أكْمَهُ بِهَذا المَعْنى غَيْرَ قَتادَةَ بْنِ دِعامَةَ السُّدُوسِيِّ صاحِبِ «اَلتَّفْسِيرِ»، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ الأعْمَشُ، أيْ: أُخَلِّصُ الأكْمَهَ مِنَ الكَمَهِ.

﴿ والأبْرَصَ ﴾ وهو الَّذِي بِهِ الوَضَحُ المَعْرُوفُ، وتَخْصِيصُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لِأنَّهُما أمْرانِ مُعْضِلانِ أعْجَزا الأطِبّاءَ، وكانُوا في غايَةِ الحَذاقَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ في زَمَنِهِ، ولِهَذا أراهُمُ اللَّهُ تَعالى المُعْجِزَةَ مَن جِنْسِ الطِّبِّ كَما أرى قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُعْجِزَةَ بِالعَصا واليَدِ البَيْضاءِ حَيْثُ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمُ السِّحْرَ، والعَرَبُ المُعْجِزَةَ بِالقُرْآنِ حَيْثُ كانَ الغالِبُ عَلَيْهِمْ عَصْرَ رَسُولِ اللَّهِ  البَلاغَةَ، والِاقْتِصارُ عَلى هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ ما عَداهُما فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْرَأ أيْضًا غَيْرَهُما، ورُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ رُبَّما اِجْتَمَعَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَرْضى خَمْسُونَ ألْفًا مَن أطاقَ مِنهم أنْ يَبْلُغَهُ بَلَغَهُ، ومَن لَمْ يُطِقْ ذَلِكَ مِنهم أتاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَمَشى إلَيْهِ، وكانَ يُداوِيهِمْ بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى بِشَرْطِ الإيمانِ وكانَ دُعاؤُهُ الَّذِي يَدْعُو بِهِ لِلْمَرْضى والزَّمْنى والعُمْيانِ والمَجانِينِ وغَيْرِهِمْ: "اَللَّهُمَّ أنْتَ إلَهُ مَن في السَّماءِ وإلَهُ مَن في الأرْضِ لا إلَهَ فِيهِما غَيْرُكَ، وأنْتَ جَبّارُ مَن في السَّماءِ وجَبّارُ مَن في الأرْضِ لا جَبّارَ فِيهِما غَيْرُكَ، وأنْتَ مَلِكُ مَن في السَّماءِ ومَلِكُ مَن في الأرْضِ لا مَلِكَ فِيهِما غَيْرُكَ، قُدْرَتُكَ في الأرْضِ كَقُدْرَتِكَ في السَّماءِ وسُلْطانُكَ في الأرْضِ كَسُلْطانِكَ في السَّماءِ أسْألُكَ بِاسْمِكَ الكَرِيمِ ووَجْهِكَ المُنِيرِ ومُلْكِكَ القَدِيمِ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، ومِن خَواصِّ هَذا الدُّعاءِ كَما قالَ وهْبٌ أنَّهُ إذا قُرِئَ عَلى الفَزِعِ والمَجْنُونِ وكُتِبَ لَهُ وسُقِيَ مِنهُ نَفَعَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ (إنِّي)، وقُيِّدَ الإحْياءُ بِالإذْنِ كَما فُعِلَ في الأوَّلِ لِأنَّهُ خارِقٌ عَظِيمٌ يَكادُ يُتَوَهَّمُ مِنهُ أُلُوهِيَّةُ فاعِلِهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ مِن جِنْسِ أفْعالِ البَشَرِ وكانَ إحْياؤُهُ بِالدُّعاءِ وكانَ دُعاؤُهُ يا حَيُّ يا قَيُّومُ، وخَبَرُ ««إنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُحْيِي المَوْتى صَلّى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ في الأُولى: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ﴾ ، وفي الثّانِيَةِ: تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، فَإذا فَرَغَ مَدَحَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ دَعا بِسَبْعَةِ أسْماءٍ: يا قَدِيمُ، يا خَفِيُّ، يا دائِمُ، يا فَرْدُ، يا وِتْرُ، يا أحَدُ، يا صَمَدُ»» قالَ البَيْهَقِيُّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ إذا أرادَ أنْ يُحْيِي مَيِّتًا ضَرَبَ بِعَصاهُ المَيِّتَ أوِ القَبْرَ أوِ الجُمْجُمَةَ فَيَحْيا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ويُكَلِّمُهُ ويَمُوتُ سَرِيعًا.

وأخْرَجَ مُحْيِي السُّنَّةِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَدْ أحْيا عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعَةَ أنْفُسٍ: عازِرَ، وابْنَ العَجُوزِ، وابْنَةَ العاشِرِ، وِسامَ بْنَ نُوحٍ، فَأما عازِرٌ فَكانَ صَدِيقًا لَهُ فَأرْسَلَتْ أُخْتُهُ إلى عِيسى أنَّ أخاكَ عازِرَ ماتَ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عازِرَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَأتاهُ هو وأصْحابُهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ ماتَ مُنْذُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالَ لِأُخْتِهِ: اِنْطَلِقِي بِنا إلى قَبْرِهِ فانْطَلَقَتْ مَعَهم إلى قَبْرِهِ فَدَعا اللَّهَ تَعالى عِيسى فَقامَ عازِرُ ووَدَكُهُ يَقْطُرُ فَخَرَجَ مِن قَبْرِهِ، وبَقِيَ زَمانًا ووُلِدَ لَهُ، وأمّا اِبْنُ العَجُوزِ فَمَرَّ بِهِ مَيِّتًا عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى سَرِيرٍ يُحْمَلُ فَدَعا اللَّهَ تَعالى عِيسى فَجَلَسَ عَلى سَرِيرِهِ ونَزَلَ عَنْ أعْناقِ الرِّجالِ ولَبِسَ ثِيابَهُ وحَمَلَ السَّرِيرَ عَلى عُنُقِهِ ورَجَعَ إلى أهْلِهِ فَبَقِيَ زَمانًا ووُلِدَ لَهُ، وأمّا اِبْنَةُ العاشِرِ فَكانَ أبُوها رَجُلًا يَأْخُذُ العُشُورَ ماتَتْ لَهُ بِنْتُ الأمْسِ فَدَعا اللَّهَ تَعالى وأحْياها وبَقِيَتْ زَمانًا ووُلِدَ لَها، وأمّا سامُ بْنُ نُوحٍ فَإنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ إلى قَبْرِهِ فَدَعا بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمِ فَخَرَجَ مِن قَبْرِهِ وقَدْ شابَ نِصْفُ رَأْسِهِ خَوْفًا مِن قِيامِ السّاعَةِ ولَمْ يَكُونُوا يَشِيبُونَ في ذَلِكَ الزَّمانِ فَقالَ: أقَدْ قامَتِ السّاعَةُ؟

قالَ: لا، ولَكِنْ دَعَوْتُكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمِ ثُمَّ قالَ لَهُ: مُتْ، قالَ: بِشَرْطِ أنْ يُعِيذَنِي اللَّهُ تَعالى مِن سَكَراتِ المَوْتِ فَدَعا اللَّهَ تَعالى لَهُ فَفَعَلَ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّ إحْياءَهُ سامًا كانَ بَعْدَ قَوْلِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّكَ تُحْيِي مَن كانَ قَرِيبَ العَهْدِ مِنَ المَوْتِ ولَعَلَّهم لَمْ يَمُوتُوا بَلْ أصابَتْهم سَكْتَةٌ فَأحْيِ لَنا سامَ بْنِ نُوحٍ فَأحْياهُ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْتِهِ أكْثَرُ مِن أرْبَعَةِ آلافِ سَنَةٍ، فَقالَ لِلْقَوْمِ: صَدِّقُوهُ فَإنَّهُ نَبِيٌّ فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم وكَذَّبَهُ آخَرُونَ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ فَأرِنا آيَةً فَنَبَّأهم بِما يَأْكُلُونَ وما يَدَّخِرُونَ، وقَدْ ورَدَ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أحْيا اِبْنَ مَلِكٍ لِيَسْتَخْلِفَهُ في قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ، وأحْيا خَشْفًا وشاةً وبَقَرَةً، ولَفْظُ ﴿ المَوْتى ﴾ يَعُمُّ كُلَّ ذَلِكَ.

﴿ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ ﴾ (ما) في المَوْضِعَيْنِ مَوْصُولَةٌ، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ تَأْكُلُونَهُ وتَدَّخِرُونَهُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ولَيْسَ مِن بابِ التَّنازُعِ، والِادِّخارُ الخَبْءُ، وأصْلُ تَدَّخِرُونَ تَذْتَخِرُونَ بِذالٍ مُعْجَمَةٍ فَتاءٍ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ ذالًا ثُمَّ أُبْدِلَتِ الذّالُ دالًا وأُدْغِمَتْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقْلِبُ التّاءَ دالًا ويُدْغِمُ، وقَدْ كانَ هَذا الإخْبارُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وإحْيائِهِ المَوْتى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ، وقِيلَ: قَبْلُ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّهُ قالَ: كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو غُلامٌ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيانِ يَقُولُ لِأحَدِهِمْ: تُرِيدُ أنْ أُخْبِرَكَ ما خَبَّأتْ لَكَ أُمُّكَ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَقُولُ: خَبَّأتْ لَكَ كَذا وكَذا، فَيَذْهَبُ الغُلامُ مِنهم إلى أُمِّهِ، فَيَقُولُ لَها: أطْعِمِينِي ما خَبَّأْتِ لِي، فَتَقُولُ: وأيُّ شَيْءٍ خَبَّأْتُ لَكَ؟

فَيَقُولُ: كَذا وكَذا، فَتَقُولُ: مَن أخْبَرَكَ؟!

فَيَقُولُ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، فَقالُوا: واَللَّهِ لَإنْ تَرَكْتُمْ هَؤُلاءِ الصِّبْيانَ مَعَ عِيسى لَيُفْسِدَنَّهم فَجَمَعُوهم في بَيْتٍ وأغْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ فَخَرَجَ عِيسى يَلْتَمِسُهم فَلَمْ يَجِدْهم حَتّى سَمِعَ ضَوْضاهم في بَيْتٍ فَسَألَ عَنْهُمْ، فَقالَ: ما هَؤُلاءِ أكانَ هَؤُلاءِ الصِّبْيانَ؟

قالُوا: لا، إنَّما هي قِرَدَةٌ وخَنازِيرُ، قالَ: اللَّهُمَّ اِجْعَلْهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فَكانُوا كَذَلِكَ، وذَهَبَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ نُزُولِ المائِدَةِ وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ ﴾ مِنَ المائِدَةِ ﴿ وما تَدَّخِرُونَ ﴾ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا فادَّخَرُوا وخانُوا فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ وعَلى سائِرِ التَّقادِيرِ، فالمُرادُ الإخْبارُ بِخُصُوصِيَّةِ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الظّاهِرُ، وقِيلَ: المُرادُ الإخْبارُ بِالمَغِيباتِ إلّا أنَّهُ قَدِ اِقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ أمْرَيْنِ مِنها، ولَعَلَّ وجْهَ تَخْصِيصِ الإخْبارِ بِأحْوالِهِمْ لِتَيَقُّنِهِمْ بِها فَلا يَبْقى لَهم شُبْهَةٌ، والسِّرُّ في ذِكْرِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ بِخُصُوصِهِما أنَّ غالِبَ سَعْيِ الإنْسانِ وصَرْفِ ذِهْنِهِ لِتَحْصِيلِ الأكْلِ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ والِادِّخارِ الَّذِي يَطْمَئِنُّ بِهِ أكْثَرُ القُلُوبِ ويَسْكُنُ مِنهُ غالِبُ النُّفُوسِ، فَلْيُفْهَمْ.

وقُرِئَ (تَذْخَرُونَ) بِالذّالِ المُعْجَمَةِ والتَّخْفِيفِ.

﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورِ مِنَ الخَوارِقِ الأرْبَعَةِ العَظِيمَةِ، وهَذا مِن كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى سِيقَ لِلتَّوْبِيخِ ﴿ لآيَةً ﴾ أيْ جِنْسَها، وقُرِئَ لَآياتٍ، (لَكُمْ) دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ دَلالَةً واضِحَةً حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِتَخَلُّلِ آلاتٍ وتَوَسُّطِ أسْبابٍ عادِيَّةٍ كَما يَفْعَلُهُ الأطِبّاءُ والمُنَجِّمُونَ.

ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ عِلْمَ الجَفْرِ وعِلْمَ الفَلَكِ ونَحْوَهُما لَمّا كانَتْ مَقْرُونَةً بِأُصُولٍ وضَوابِطَ لا يُقالُ عَنْها إنَّها عِلْمُ غَيْبٍ أبَدًا، إذْ عِلْمُ الغَيْبِ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنِ المَوادِّ والوَسائِطِ الكَوْنِيَّةِ، وهَذِهِ العُلُومُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأنَّها مُرَتَّبَةٌ عَلى قَواعِدَ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ أهْلِها لَوْلاها ما عُلِمَتْ تِلْكَ العُلُومُ، ولَيْسَ ذَلِكَ كالعِلْمِ بِالوَحْيِ لِأنَّهُ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ بَلِ اللَّهُ تَعالى يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ، وكَذا العِلْمُ بِالإلْهامِ فَإنَّهُ لا مادَّةَ لَهُ إلّا المَوْهِبَةُ الإلَهِيَّةُ والمِنحَةُ الأزَلِيَّةُ، عَلى أنَّ بَعْضَهم ذَهَبَ إلى أنَّ تِلْكَ العُلُومَ لا يَحْصُلُ بِها العَلَمُ المُقابِلُ لِلظَّنِّ بَلْ نِهايَةُ ما يَحْصُلُ الظَّنُّ الغالِبُ وبَيْنَهُ وبَيْنَ عِلْمِ الغَيْبِ بَوْنٌ بَعِيدٌ، وسَيَأْتِي لِهَذا تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ فِيهِ مَجازُ المُشارَفَةِ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوَفَّقِينَ لِلْإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَحْذُوفٌ، أيِ اِنْتَفَعْتُمْ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يعني الذي ذكر في هذه الآية من قصة زكريا ومريم من أخبار الغيب، مما غاب عنك خبره، ولم تكن حاضراً، وفي الآية دليل نبوة محمد  ، حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم، ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر عن ذلك، وصدقه أهل الكتاب بذلك، فذلك قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يعني لم تكن عندهم، وإنما تخبر عن الوحي.

فقال: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ يعني يطرحون أقلامهم في النهر بالقرعة وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ في أمر مريم إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ يعني جبريل-  - وحده إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ قرأ نافع وعاصم وابن عامر يُبَشِّرُكِ بالتشديد في جميع القرآن.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتشديد في جميع القرآن إلا في حم، عسق ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ [الشورى: 23] بالتخفيف، وقرأ حمزة بالتخفيف إلا في قوله فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] ووافقه الكسائي في بعضها، فمن قرأ بالتشديد، فهو من المباشرة، ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يفرحك، وكانت قصة البشارة أن مريم لما طهرت من الحيض، ودخلت المغتسل كما قال في سورة مَرْيَمَ، إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [مريم: 16] ، يعني أرادت أن تغتسل في جنب المشرفة، فلما دخلت المغتسل، رأت بشراً كهيئة الإنسان كما قال فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم: 17] ، فخافت مريم، ثم قَالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [مريم: 18] ، لأن التقي يخاف الرحمن.

فقال لها جبريل: قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [مريم: 19] ، وذكرها هنا بلفظ آخر.

ومعناه واحد قال: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: 45] ، أي بولد بغير أب يصير مخلوقاً بكلمة من الله، وهو قوله كن فكان اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ويقال إنما سمي المسيح، لأنه يسيح في الأرض.

ويقال: المسيح بمعنى الماسح، كان يمسح وجه الأعمى فيبصر.

وقال الكلبي: المسيح الملك.

ثم قال وَجِيهاً أي ذا جاه فِي الدُّنْيا وَله منزلة فِى الْآخِرَةِ وقال مقاتل: فيها تقديم يعني وجيهاً في الدنيا وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في الآخرة عند ربه.

وقال الكلبي: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا يعني في أهل الدنيا بالمنزلة، وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في جنة عدن وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي في حال صغره، وهو طفل في حجر أمه طفلاً وكهلاً، يعني إذا اجتمع عقله وكبر، فإن قيل: ما معنى قوله كهلاً؟

والكلام من الكهل لا يكون عجباً.

قيل له: المراد منه كلام الحكمة والعبرة.

ويقال: كهلاً بعد نزوله من السماء، وهو قول الكلبي وَمِنَ الصَّالِحِينَ مع آبائه في الجنة قالَتْ مريم رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ يعني من أين يكون لي ولد وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وهو كناية عن الجماع ف قالَ جبريل كَذلِكِ يعني هكذا كما قلت إنه لم يمسسك بشر ولكن اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً يعني إذا أراد أن يخلق خلقا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فنفخ جبريل في جيبها، يعني في نفسها قال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها، فعلقت بذلك.

وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل، لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة، وبعضه من الإنس، ولكن سبب ذلك إن الله تعالى لما خلق آدم-  - وأخذ الميثاق من ذريته، فجعل بعضهم في أصلاب الآباء، وبعضهم في أرحام الأمهات، فإذا اجتمع الماءان صار ولداً، وإن الله تعالى جعل المَاءَيْن جميعاً في مريم، بعضه في رحمها، وبعضه في صلبها، فنفخ فيها جبريل لتهيج شهوتها، لأن المرأة ما لم تهج شهوتها، لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخة جبريل، وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها، فاختلط الماءان فعلقت بذلك، فذلك قوله: إِذا قَضى أَمْراً، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً سبحانه، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بغير أب، ثم قال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ قرأ نافع وعاصم وَيُعَلِّمُهُ بالياء يعني أن الله يعلمه، وقرأ الباقون بالنون، ومعناه أن الله يقول ونعلمه الْكِتابَ يعني كتب الأنبياء.

وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: يعني الخط والكتابة، فعلّمه الله بالوحي والإلهام وَالْحِكْمَةَ يعني الفقه وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني يحفظ التوراة عن ظهر قلبه.

وقال بعضهم: وهو عالم بالتوراة.

وقال بعضهم: ألهمه الله بعد ما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة.

ثم قال: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ نصب رسولاً لمعنيين: أحدهما يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، والثاني ويكلم الناس ورسولاً.

أي في حال رسالته إلى بني إسرائيل دليله أنه قال: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وذكر الزجاج- فالمعنى والله أعلم- ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.

ثم أخبر عن أداء رسالته بعد ما أوحى إليه في حال الكبر، حيث قال لقومه: أنى قد جئتكم بآية من ربكم، يعني علامة لنبوتي، ثم بيّن العلامة فقال: أَنِّي أَخْلُقُ أي أقدر لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ويقال: إن الناس سألوه عنه على وجه التعنت فقالوا له: اخلق لنا خفَّاشاً، واجعل فيه روحاً إن كنت صادقاً في مقالتك، فأخذ طيناً، وجعل منه خفاشاً، ونفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض، فكأن تسوية الطين، والنفخ من عيسى-  - والخلق من الله- عز وجل- كما أن النفخ من جبريل-  - والخلق من الله- عَزَّ وَجَلَّ- ويقال: إنما طلبوا منه خلق خفاش، لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ودم، يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان، ولا يبيض كما تبيض سائر الطيور، ويكون له ضرع يخرج منه لبن، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة، فلما أن رأوا ذلك منه ضحكوا.

وقالوا: هذا سِحْر.

ثم قال تعالى: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ الأكمه الذي ولد أعمى فقالوا: إن لنا أطباء يفعلون مثل هذا، فذهبوا إلى جالينوس، وأخبروه بذلك فقال جالينوس: إذا ولد أعمى، لا يبصر بالعلاج، والأبرص إذا كان بحال إذا غرزت الإبرة فيه لا يخرج الدم منه لا يبرأ بالعلاج، فرجعوا إلى عيسى-  - وجاءوا بالأكمه والأبرص، فمسح يده عليهما، فأبصر الأعمى، وبرأ الأبرص، فآمن به بعضهم، وجَحَد بعضهم.

وقالوا: هذا سِحْر.

ثم قال تعالى: وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فأَخْبَروا بذلك جالينوس.

فقال: الميت لا يعيش، ولا يحيى بالعلاج، فإن كان هو يحيي الموتى، فهو نبي، وليس بطبيب، فطلبوا منه أن يحيي الموتى، فأحيا أربعة نفر، أحدهم عازر، وكان صديقاً له، فبلغه أنه مات، فذهب مع أصحابه، وقد دفن، وأتى عليه أيام، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى وَوَدَكُه يقطر، فعاش وَوُلد له.

والثاني ابن العجوز، مَرّ به وهو يحمل على سرير، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله.

والثالث ابنة من بنات العاشر ماتت، وأتى عليها ليلة، فدعا الله تعالى، فعاشت بعد ذلك، وولد لها.

والرابع سام بن نوح، لأن القوم قالوا له: إنك تحيي من كان موته قريباً، فلعلهم لم يموتوا، وأصابتهم سكتة، فأحيي لنا سام بن نوح.

فقال: دلوني على قبره، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهوا إلى قبره، فدعا الله تعالى، فأحياه وخرج من قبره قد شابت رأسه.

فقال له عيسى: كيف شابت رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟

فقال: يا روح الله إنك لما دعوتني، سمعت صوتاً يقول أَجِبْ روحَ الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن ذلك الهول شابت رأسي، فسأله عن النَّزْع.

فقال له: يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، ثم قال للقوم: صدقوه فإنه نبي الله، فآمن به بعضهم، وكذب به بعضهم.

وقالوا: هذا ساحر، فأرنا آية نعلم أنك صادق، فأخبرنا بما نأكل في بيوتنا، وما نَدَّخر للغد، فأخبرهم.

فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا، وادّخرت كذا وكذا، فذلك قوله عز وجل: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر.

ويقال إن الله بعث كل نبي إلى قومه، وأظهر لهم نوع ما كانوا يعرفونه، فكان في زمن موسى-  - الغالب عليهم السحر، فبيَّن لهم من جنس ذلك، ليعرفوا أن ذلك ليس بِسِحْر، وأنه من الله تعالى، وكان الغالب في زمن عيسى-  - علم الطب، فجاءهم عيسى بما عجز الأطباء عنه، فعرف الأطباء أن ذلك ليس من الطب، وكان في زمن نبينا-  - الفصاحة والشعر، فجاءهم بقرآن عجز الفصحاء والشعراء عن إتيان مثله.

ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ يعني فيما صنع عيسى-  - علامة لنبوته إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين أنه نبي، قرأ نافع: فيكون طائراً، وكذلك في سورة المائدة.

وقرأ الباقون بغير ألف، ومعناهما واحد.

ويقال: الطائر واحد، والطير جماعة.

ثم قال: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومعناه جئتكم مصدقاً، يعني الكتاب الذي أنزل عليّ، وهو الإنجيل مُصَدِّقاً، أي موافقاً لما بين يدي من التوراة وَلِأُحِلَّ لَكُمْ يعني أرخص لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ مثل الشحوم، ولحوم الإبل، ولحم كل ذي ظفر، وأما الميت، ولحم الخنزير، فهو حرام أبداً.

قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني أني لم أحل لكم شيئاً بغير برهان، فحقيق عليكم اتباعي، لأني أتيتكم ببرهان، وأتيتكم بتحليل الطيبات فَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم ونهاكم وَأَطِيعُونِ فيما آمركم وأنهاكم، وأنصح لكم إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ هذا تكذيب لقول النصارى حيث قالوا: إن الله هو المسيح.

وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فاعترف عيسى أنه عبد الله، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أي خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم، فاعبدوه، أي وحدوه ولا تشركوا به شيئا هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم، لا عوج فيه، وهو طريق الجنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والكلامُ في قولِهِ: كَذلِكِ كالكلامِ في أمر زكريَّا، وجاءَتِ العبارةُ في أمر زكريَّا:

«يَفْعَلُ» ، وجاءت هنا: «يَخْلُقُ» من حيث إِنَّ أمر زكريَّا داخلٌ في الإِمكان الذي يتعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وقصَّة مريم لا تتعارَفُ البتَّة، فلفظ الخَلْق أقربُ إِلى الاِختراعِ، وأدَلُّ عليه.

وقوله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً: معناه: إِذا أراد إِيجاده، والأمر واحدُ الأمور، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ به، والضميرُ في «لَهُ» عائدٌ على الأمْر والقول على جهة المخاطبة.

وقوله: كُنْ: خطابٌ للمَقْضِيِّ.

وقوله: فَيَكُونُ بالرفع: خطابٌ للمُخْبَر.

وقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ ...

الآية: الكِتَابُ هنا: هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ قاله جمهور المفسّرين.

وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)

وقوله: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، أي: ويجعله رسولاً، وكانت رسالةُ عيسى- عليه السلام- إلى بني إِسرائيل مبيِّناً حُكْمَ التوراة، ونَادِباً إِلى العَمَل بها، ومُحَلِّلاً أشياءَ ممَّا حرم فيها كَالثُّرُوبِ ولُحُومِ الإِبل، وأشياء من الحِيتَانِ والطَّيْر/، ومن أول القول لِمَرْيم إِلى قوله: إِسْرائِيلَ: خطابٌ لمريم، ومن قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ إِلى قوله:

مُسْتَقِيمٌ: يحتملُ أنْ يكون خطاباً لمريم على معنى: يَكُونُ من قوله لِبَنِي إِسرائيل كَيْتَ وَكَيْتَ، ويكون في آخر الكلام محذوفٌ يدُلُّ عليه الظاهرُ، تقديره: فجاء عيسى بني إِسرائيل رسولاً، فقال لهم ما تقدَّم ذكْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكون المحذوفُ مقدَّراً في صَدْرِ الكلامِ بعد قوله: إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، فيكون تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّهُ رسولاً إلى بني إِسرائيل بأنِّي قد جئتكم، ويكون قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ليس بخِطَابٍ لِمَرْيَمَ، والأول أظهر.

وقوله: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ ...

الآية: قرأ نافعٌ: «إِنِّي أَخْلُقُ» بكسر الهمزة، وقرأ باقي السَّبْعة بفَتْحها، فوجه قراءةِ نافعٍ إِمَّا القَطْعُ والاستئناف، وإِما أنه فسَّر الآية بقوله:

إِنِّي، كما فسر المَثَلَ في قوله: كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ووجْه قراءة الباقين البَدَلُ

من «آية» كأنه قال: وجئْتكم بِأَنِّي أخلْقُ، وأَخْلُقُ: معناه: أقدّر وأهيئ بيَدِي.

ص: كَهَيْئَةِ: الهيئةُ: الشَّكْل والصُّورة، وهو مصدر: هَاءَ الشَّيْءُ يَهِيىءُ هَيْئَةً، وَهَيَّأَ، إِذا ترتَّب واستقر على حالٍ مَّا، وتعدِّيه بالتضْعيف، قال تعالى: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً [الكهف: ١٦] اهـ.

وقرأ نافعٌ وحْده: «فَيَكُونُ طَائِراً» بالإِفراد أي: يكون طائراً من الطيورِ، وقرأ الباقونَ: «فَيَكُونُ طَيْراً» بالجمع وكذلك في «سورة المائدة» والطير: اسمُ جمعٍ، وليس من أبنيةِ الجُمُوع، وإِنما البنَاءُ في جَمْعِ طائرٍ: أَطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ: طُيُورٌ.

وقوله: فَأَنْفُخُ فِيهِ، ذكَّر الضميرَ لأنه يحتملُ أنْ يعود على الطِّينِ المهيّأ، ويحتملُ أنْ يريد: فأنفُخُ في المذكور، وأنَّثَ الضميرَ في «سورة المائدة» لأنه يحتمل أنْ يعود على الهيئة، أوْ على تأنيثِ لَفْظ الجَمَاعة، وكَوْنُ عيسى يخلُقُ بيده، وينفُخُ بِفِيهِ، إِنما هو ليبيِّن تلبُّسه بالمعجزةِ، وأنها جاءَتْ من قِبَلِهِ، وأمَّا الإِيجاد من العَدَمِ، وخَلْقُ الحياةِ في ذلك الطِّينِ، فمِنَ اللَّهِ تعالى وحده، لا شريك له.

ورُوِيَ في قَصَصٍ هذه الآية، أنَّ عيسى- عليه السلام- كانَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خِلْقَةً، وَأَصْعَبُ أنْ يحكى؟

فيَقُولُونَ: الخُفَّاشُ لأَنَّهُ طَائِرٌ لاَ رِيشَ لَهُ، فَكَانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِّينِ خَفَافِيشَ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهَا فَتَطِيرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَمُعَايَنَتِهِمْ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: «هَذَا سَاحِرٌ» أُبْرِئُ معناه: أزيل المرض، والْأَكْمَهَ: هو الَّذِي يُولَدُ أعمى مضمومَ العَيْنَيْنِ قاله ابن عَبَّاسٍ وقتادة «١» ، قال ع «٢» : والأَكْمَهُ في اللغة: هو الأعمى، وقد كان عيسى- عليه السلام- يبرىءُ بدعائِهِ، ومَسْحِ يدِهِ على كل عاهة، ولكنَّ الاحتجاج على بني إِسرائيل في معنى النبوَّة لا يقومُ إِلاَّ بالإِبراء من العِلَلِ التي لا يُبْرِىءُ منها طبيبٌ بوجْهٍ، ورُوِيَ في إِحيائه الموتى أنه كان يَضْرِبُ بعَصَاهُ الميِّتَ، أو القَبْرَ، أو الجُمْجُمَةَ فَيَحْيَى الإِنسانُ، ويكلِّمه بإِذن اللَّه، وفي قصص الإِحياء أحاديثُ كثيرةٌ لا يوقَفُ على صحَّتها، وآياتُ عيسى- عليه السلام- إِنما تَجْرِي فيما يُعَارِضُ الطِّبَّ لأن علْمَ الطِّبِّ كان شَرَفَ النَّاس في ذلك/ الزّمان،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَسُولا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يَنْتَصِبُ عَلى وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: ونَجْعَلُهُ رَسُولًا، والِاخْتِيارُ عِنْدِي: ويُكَلِّمُ النّاسَ رَسُولًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِّي أخْلُقُ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ "أنِّي" بِالفَتْحِ، فَجَعَلُوها بَدَلًا مِن آَيَةٍ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدْ جِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ لَكم، وقَرَأ نافِعٌ بِالكَسْرِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

والثّانِي: أنَّهُ فَسَّرَ الآَيَةَ بِقَوْلِهِ: أنِّي أخْلُقُ، أيْ: أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخَذَ طِينًا، وصَنَعَ مِنهُ خُفّاشًا، ونَفَخَ فِيهِ، فَإذا هو يَطِيرُ، ويُقالُ: لَمْ يَصْنَعْ غَيْرَ الخُفّاشِ، ويُقال: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ نَعَتُوهُ بِذَلِكَ لِأنَّ الخُفّاشَ عَجِيبُ الخَلْقِ.

ورُوِيَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: ماذا تُرِيدُونَ؟

قالُوا: الخُفّاشُ.

فَسَألُوهُ أشَدَّ الطَّيْرِ خُلُقًا، لِأنَّهُ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ.

وقالَ وهْبٌ: كانَ الَّذِي صَنَعَهُ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَهُ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ، سَقَطَ مَيِّتًا، لِيُمَيِّزَ فِعْلَ الخَلْقِ مِن فِعْلِ الخالِقِ.

والأكْثَرُونَ قَرَؤُوا (فَيَكُونُ طَيْرًا) وقَرَأ نافِعٌ هاهُنا وفي (المائِدَةِ) طائِرًا.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّةُ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعالى: (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) ولَمْ يَقُلْ: كَهَيْئَةِ الطّائِرِ.

ووِجْهَةُ قِراءَةِ نافِعٍ: أنَّهُ أرادَ: يَكُونُ ما أنْفُخُ فِيهِ، أوْ ما أخْلُقُهُ، طائِرًا.

وفي "الأكْمَهِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يُولَدُ أعْمى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ عَنْ قَتادَةَ، وبِهِ قالَ اليَزِيدِيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ الأعْمى، ذَكَرَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ الأكْمَهَ: هو الَّذِي يُولَدُ أعْمى، وهو الَّذِي يَعْمى، وإنْ كانَ بَصِيرًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ الأعْمَشُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ، ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.

والأبْرَصُ: الَّذِي بِهِ وضَحٌ.

وكانَ الغالِبُ عَلى زَمانِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، عِلْمَ الطِّبِّ، فَأراهُمُ المُعْجِزَةَ مِن جِنْسِ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ في الطِّبِّ إبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ.

قالَ وهْبُ: رُبَّما اجْتَمَعَ عَلى عِيسى مِنَ المَرْضى في اليَوْمِ الواحِدِ خَمْسُونَ ألْفًا، وإنَّما كانَ يُداوِيهِمْ بِالدُّعاءِ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ أحْيا أرْبَعَةَ أنْفُسٍ مِنَ المَوْتِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الأرْبَعَةَ كُلَّهم بَقِيَ حَتّى وُلِدَ لَهُ، إلّا سامَ بْنَ نُوحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ عِيسى إذا كانَ في المَكْتَبِ يُخْبِرُهم بِما يَأْكُلُونَ، ويَقُولُ لِلْغُلامِ: يا غُلامُ إنَّ أهْلَكَ قَدْ هَيَّئُوا لَكَ كَذا وكَذا مِنَ الطَّعامِ فَتُطْعِمُنِي مِنهُ؟

وقالَ مُجاهِدٌ: بِما أكَلْتُمُ البارِحَةَ، وبِما خَبَّأْتُمْ مِنهُ.

وعَلى هَذا المُفَسِّرُونَ، إلّا أنَّ قَتادَةَ كانَ يَقُولُ: وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ مِنَ المائِدَةِ الَّتِي تُنَزَّلُ عَلَيْكم، وما تَدَّخِرُونَ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ أنْ يَأْكُلُوا مِنها، ولا يَدَّخِرُوا، فَلَمّا خانُوا، مُسِخُوا خَنازِيرَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ ﴿ وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِن الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ "وَيُعَلِّمُهُ" بِالياءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى: "يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ"، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى: "وَيُكَلِّمُ".

وقَرَأ الباقُونَ: و"نُعَلِّمُهُ" بِالنُونِ وهي مِثْلُ قِراءَةِ الياءِ في المَعْنى لَكِنْ جاءَتْ بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِراءَةُ الياءِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ"، وقِراءَةُ النُونِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "نُوحِيهِ إلَيْكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الَّذِي قالَهُ خَطَأٌ في الوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى.

و"الكِتابَ" هو الخَطُّ بِاليَدِ، فَهو مَصْدَرُ كَتَبَ يَكْتُبُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وجَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي إشارَةٌ إلى كِتابٍ مُنَزَّلٍ لَمْ يُعَيَّنْ، وهَذِهِ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها.

وأمّا "الحِكْمَةَ" فَهي السُنَّةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها الأنْبِياءُ في الشَرْعِيّاتِ والمَواعِظِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ ولا بِمَلَكٍ، لَكِنَّهم يُلْهَمُونَ إلَيْهِ وتَقْوى غَرائِزُهم عَلَيْهِ.

وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعَلِّمُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ الحِكْمَةَ، والتَعْلِيمُ مُتَمَكِّنٌ فِيما كانَ مِنَ الحِكْمَةِ بِوَحْيٍ أو مَأْثُورًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ عِيسى مِن نَبِيٍّ وعالِمٍ.

وأمّا ما كانَ مِن حِكْمَةِ عِيسى الخاصَّةِ بِهِ فَإنَّما يُقالُ فِيها نُعَلِّمُهُ عَلى مَعْنى نُهَيِّئُ غَرِيزَتَهُ لَها ونُقَدِّرُهُ ونَجْعَلُهُ يَتَمَرَّنُ في اسْتِخْراجِها ويَجْرِي ذِهْنُهُ إلى ذَلِكَ.

و"التَوْراةَ" هي المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْتَظْهِرُ التَوْراةَ، وكانَ أعْلَمَ الناسِ وأعْمَلَ بِما فِيها، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْها عن ظَهْرِ قَلْبٍ إلّا أرْبَعَةٌ: مُوسى ويُوشَعُ بْنُ نُونَ وعُزَيْزٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ.

وذَكَرَ: "الإنْجِيلَ" لِمَرْيَمَ وهو لَمْ يُنْزَلْ- بَعْدُ- لِأنَّهُ كانَ كِتابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ وأنَّهُ سَيَنْزِلُ.

وقَوْلُهُ: "وَرَسُولًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "وَيُعَلِّمُهُ" إذِ التَقْدِيرُ: ومُعَلَّمًا الكِتابَ، فَهَذا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا.

وكانَتْ رِسالَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، مُبَيِّنًا حُكْمَ التَوْراةِ، ونادِبًا إلى العَمَلِ بِها، ومُحَلِّلًا أشْياءَ مِمّا حُرِّمَ فِيها، كالشُحُومِ ولُحُومِ الإبِلِ وأشْياءَ مِنَ الحِيتانِ والطَيْرِ.

ومِن أوَّلِ القَوْلِ لِمَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ "إسْرائِيلَ" خِطابٌ لِمَرْيَمَ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: "مُسْتَقِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَرْيَمَ عَلى مَعْنى: يَكُونُ مِن قَوْلِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ: كَيْتَ وكَيْتَ، ويَكُونُ في آخِرِ الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى بَنِي إسْرائِيلَ رَسُولًا فَقالَ لَهم ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: "فَلَمّا أحَسَّ".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَتْرُوكُ مُقَدَّرًا في صَدْرِ الكَلامِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ لَيْسَ بِخِطابٍ لِمَرْيَمَ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: بِأنِّي، وقُرِئَ في الشاذِّ: "إنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ"، وجُمْهُورُ الناسِ قَرَؤُوا "بِآيَةٍ" عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِآياتٍ"، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ".

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الألِفِ وكَسْرِها مِن قَوْلِهِ: "أنِّي أخْلُقُ"، فَقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ.

فَوَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ: إمّا القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وإمّا أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: "إنِّي" كَما فَسَّرَ المَثَلَ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ آدَمَ" بِقَوْلِهِ: "خَلَقَهُ مِن تُرابٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ البَدَلُ مِن "آيَةٍ"، كَأنَّهُ قالَ: وجِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِن "أنِّي" الأُولى، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ في المَعْنى.

و"أخْلُقُ" مَعْناهُ: أقْدِرُ وأُهَيِّئُ بِيَدِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقَوْلُهُ "لَكُمْ" تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: "أخْلُقُ" لِأنَّهُ يَدُلُّ دَلالَةً ما عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإيجادَ مِنَ العَدَمِ.

ويُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ"، وحَقِيقَةُ الخَلْقِ في الأجْرامِ، ويُسْتَعْمَلُ في المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إفْكًا  ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقُو ∗∗∗ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةْ وجُمْهُورُ الناسِ قَرَأ "كَهَيْئَةِ" عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ - بِفَتْحِ الفاءِ- وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: هاءَ الشَيْءُ يَهاءُ هَيْئًا وهَيْئَةً، إذا تَرَتَّبَ واسْتَقَرَّ عَلى حالٍ ما، وهو الَّذِي تُعَدِّيهِ فَتَقُولُ: هَيَّأْتُ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "كَهِيَّئَةِ الطَيْرِ"، بِكَسْرِ الهاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "كَهَيْئَةِ الطائِرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" عَلى الإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، فالأوَّلُ اسْمُ الجِنْسِ والثانِي مُفْرَدٌ، أيْ يَكُونُ طائِرًا مِنَ الطُيُورِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" بِالإفْرادِ في الأخِيرِ، وهَكَذا قَرَأ في المائِدَةِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا" بِالجَمْعِ فِيهِما، وكَذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ، ومَعانِي هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ.

والطَيْرُ: اسْمُ جَمْعٍ ولَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، وإنَّما البِناءُ في جَمْعِ طائِرٍ أطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ طُيُورٌ، وحَكاهُ أبُو عَلِيٍّ عن أبِي الحَسَنِ.

وقَوْلُهُ "فَأنْفُخُ فِيهِ" ذَكَّرَ الضَمِيرَ هُنا لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الطِينِ المُهَيَّإ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَأنْفُخُ في المَذْكُورِ.

وأنَّثَ الضَمِيرَ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ: "فَتَنْفُخُ فِيها" لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الهَيْئَةِ أو عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: "الطَيْرِ".

وكَوْنُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ خالِقًا بِيَدِهِ ونافِخًا بِفِيهِ إنَّما هو لِيَبِينَ تَلَبُّسُهُ بِالمُعْجِزَةِ، وأنَّها جاءَتْ مِن قِبَلِهِ، وأمّا الإيجادُ مِنَ العَدَمِ وخَلْقُ الحَياةِ في ذَلِكَ الطِينِ فَمِنَ اللهِ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

وقَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِعِلْمٍ مِنهُ تَعالى أنِّي أفْعَلُ ذَلِكَ وتَمْكِينٍ مِنهُ لِي.

وحَقِيقَةُ الإذْنِ في الشَيْءِ، هي العِلْمُ بِأنَّهُ يُفْعَلُ والتَمْكِينُ مِن ذَلِكَ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ قَوْلٌ فَذَلِكَ أمْكَنُ في الإذْنِ وأبْلَغُ، ويَخْرُجُ مِن حَدِّ الإذْنِ إلى حَدِّ الأمْرِ، ولَكِنْ تَجِدُهُ أبَدًا في قِسْمِ الإباحَةِ.

وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللهِ  ﴾ وقَوْلَ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "وَإذْنُها صُماتُها".» ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أيُّ الطَيْرِ أشَدُّ خِلْقَةً وأصْعَبُ أنْ يُحْكى؟

فَيَقُولُونَ: الخُفّاشُ، لِأنَّهُ طائِرٌ لا رِيشَ لَهُ، فَكانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِينِ خَفافِيشَ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيها فَتَطِيرُ، وكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الناسِ ومُعايَنَتِهِمْ، فَكانُوا يَقُولُونَ: هَذا ساحِرٌ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنَّ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .

و"أُبْرِئُ" مَعْناهُ: أُزِيلُ المَرَضَ، يُقالُ: بَرَأ المَرِيضُ وأبْرَأهُ غَيْرُهُ، ويُقالُ: بَرِئَ المَرِيضُ أيْضًا كَما يُقالُ في الذَنْبِ والدَيْنِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي: "الأكْمَهَ" فَقالَ مُجاهِدٌ: الأكْمَهُ: هو الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَيْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُدِّيُّ: الأكْمَهُ: الأعْمى عَلى الإطْلاقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الأكْمَهُ الأعْمَشُ، وحَكى النَقّاشُ قَوْلًا: أنَّ الأكْمَهَ هو الأبْكَمُ الَّذِي لا يَفْهَمُ ولا يُفْهَمُ، المَيِّتُ الفُؤادِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ: الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى مَضْمُومَ العَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُبْرِئُ بِدُعائِهِ ومَسْحِ يَدِهِ كُلَّ عِلَّةٍ فَتُشْفى، ولَكِنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في مَعْنى النُبُوَّةِ لا يَقُومُ إلّا بِالإبْراءِ مِنَ العِلَلِ الَّتِي لا يُبْرِئُ مِنها طَبِيبٌ بِوَجْهٍ، فَلَيْسَ يَتَخَلَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في الأكْمَهِ إلّا القَوْلُ الأخِيرُ، إذِ الأكْمَهُ في اللُغَةِ هو الأعْمى، وكَمِهَتِ العَيْنُ عَمِيَتْ، ولَوْلا ضَبْطُ اللُغَةِ لَكانَ القَوْلُ الَّذِي حَكى النَقّاشُ حَسَنًا في مَعْنى قِيامِ الحُجَّةِ بِهِ، "والأبْرَصَ" مَعْرُوفٌ، وهو داءٌ لا يُبْرَأُ مِنهُ إذا تَمَكَّنَ.

ورُوِيَ في إحْيائِهِ المَوْتى، أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِعَصاهُ المَيِّتَ أوِ القَبْرَ أوِ الجُمْجُمَةَ، فَيُحْيِي الإنْسانَ ويُكَلِّمُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ أحْيا سامَ بْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّ الَّذِي كانَ يُحْيِيهِ كانَتْ تَدُومُ حَياتُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَعُودُ لِمَوْتِهِ سَرِيعًا، وفي قِصَصِ الإحْياءِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا يُوقَفُ عَلى صِحَّتِها.

وإحْياءُ المَوْتى هي آيَتُهُ المُعْجِزَةُ المُعَرَّضَةُ لِلتَّحَدِّي، وهي بِالمَعْنى مُتَحَدّىً بِها وإنْ كانَ لَمْ يُنَصَّ عَلى التَحَدِّي بِها.

وآياتُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَجْرِي فِيما يُعارِضُ الطِبَّ لِأنَّ عِلْمَ الطِبِّ كانَ شَرَفَ الناسِ في ذَلِكَ الزَمانِ وشُغْلَهُمْ، وحِينَئِذٍ أُثِيرَتْ فِيهِ العَجائِبُ، فَلَمّا جاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِغَرائِبَ لا تَقْتَضِيها الأمْزِجَةُ وأُصُولُ الطِبِّ، وذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطِبّاءُ أنَّ هَذِهِ القُوَّةَ مِن عِنْدِ اللهِ، وهَذا كَأمْرِ السَحَرَةِ مَعَ مُوسى والفُصَحاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ، ووَقَعَ في التَوارِيخِ المُتَرْجَمَةِ عَنِ الأطِبّاءِ أنَّ جالِينُوسَ كانَ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ رَحَلَ إلَيْهِ مِن رُومِيَّةَ إلى الشامِ لِيَلْقاهُ فَماتَ في طَرِيقِهِ ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَأُنَبِّئُكُمْ"...

الآيَةِ فَقالَ السُدِّيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ: كانَ عِيسى مِن لَدُنِ طُفُولَتِهِ وهو في الكُتّابِ يُخْبِرُ الصِبْيانَ بِما يَفْعَلُ آباؤُهم في مَنازِلِهِمْ، وبِما يُؤْكَلُ مِنَ الطَعامِ ويُدَّخَرُ حَتّى قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِأبْنائِهِمْ: لا تُخالِطُوا هَذا الساحِرَ، وكَذَلِكَ إلى أنْ نُبِّئَ، فَكانَ يَقُولُ لِكُلِّ مَن سَألَهُ عن هَذا المَعْنى: أكَلْتَ البارِحَةَ كَذا وادَّخَرْتَ كَذا.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مُعَلِّمُهُ يُرِيدُ أنْ يُعَلِّمَهُ الشَيْءَ فَيَسْبِقُهُ إلَيْهِ عِيسى، فَيَتَعَجَّبُ مُعَلِّمُهُ مِن ذَلِكَ ويَذْكُرُهُ لِلنّاسِ.

وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ إنَّما هو في نُزُولِ المائِدَةِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّها لَمّا أُنْزِلَتْ أخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدًا أنْ يَأْكُلُوا ولا يُخَبِّئَ أحَدٌ شَيْئًا ولا يَدَّخِرَهُ ويَحْمِلَهُ إلى بَيْتِهِ، فَخانُوا وجَعَلُوا يُخَبِّئُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ وطَعامِها الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلى المائِدَةِ، فَكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ كُلَّ أحَدٍ عَمّا أكَلَ وعَمّا ادَّخَرَ في بَيْتِهِ مِن ذَلِكَ، وعُوقِبُوا عَلى ذَلِكَ.

و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ بِما تَأْكُلُونَ ﴾ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" وتَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ، وكَذَلِكَ "وَما تَدَّخِرُونَ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدَّخِرُونَ" بِدالٍ مُشَدَّدَةٍ وخاءٍ مَكْسُورَةٍ، وهو تَفْتَعِلُونَ مِن ذَخَرْتَ، أصْلُهُ، "تَذْتَخِرُونَ" اسْتُثْقِلَ النُطْقُ بِالذالِ والتاءِ لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ فَأُبْدِلَتِ التاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذالُ في الدالِ، كَما صُنِعَ في مُدَّكِرٍ ومُطَّلِعٍ، بِمَعْنى مُضْطَلِعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: إنَّ الكَرِيمَ الَّذِي يُعْطِيكَ نائِلَهُ ∗∗∗ عَفْوًا ويُظْلَمُ أحْيانًا فَيَطَّلِمُ بِالطاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ ومُجاهِدٌ وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ وأبُو السَمّالِ: "تَدْخَرُونَ" بِدالٍ ساكِنَةٍ وخاءٍ مَفْتُوحَةٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الإحْياءِ والإبْراءِ والإنْباءِ.

وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَآياتٍ" عَلى الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ تَوْقِيفٌ، والمَعْنى: لَآياتٍ نافِعَةً هادِيَةً إنْ آمَنتُمْ وأبْصَرْتُمْ، وإلّا فَلَيْسَتْ بِنافِعَةٍ ولا هادِيَةٍ، فَأمّا كَوْنُها آياتٍ فَعَلى كُلِّ حالٍ آمَنُوا أو كَفَرُوا، هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المُخاطَبَةَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن- بَعْدُ- وهو ظاهِرُ حالِهِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ كانَ خِطابُهُ لِمُؤْمِنِينَ، أو لِمَن كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى، فَمَعْنى الآيَةِ: التَثْبِيتُ وهَزُّ النَفْسِ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تُقِيمُ نَفْسَهُ إلى شَيْءٍ: أمّا أنْتَ يا فُلانُ يَلْزَمُكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ ويعلّمه ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ويكلّم الناس في المهد ﴾ [آل عمران: 46] بعد انتهاء الاعتراض.

وقرأ نافع، وعاصم: ويُعلّمه بالتحتِية أي يعلّمه اللَّهُ.

وقرأه الباقون بنُون العظمة، على الالتفات.

والكتاب مراد به الكتاب المعهود.

وعطفُ التوراة تمهيد لعطف الإنجيل ويجوز أن يكون الكتاب بمعنى الكتابة وتقدم الكلام على التوراة والإنجيل في أول السورة.

﴿ ورسولاً ﴾ عطف على جملة (يُعلّمه) لأنّ جملة الحال، لكونها ذات محل من الإعراب، هي في قوة المفرد فنصب رسولاً على الحال، وصاحب الحال هو قوله بكلمة، فهو من بقية كلام الملائكة.

وفتح همزة أنّ في قوله: ﴿ أنى قد جئتكم ﴾ لتقدير باء الجر بعد رسولاً، أي رسولاً بهذا المقال لما تضمنه وصف رسولاً من كونه مبْعوثاً بكلام، فهذا مبدأ كلام بعد انتهاء كلام الملائكة.

ومعنى ﴿ جئتكم ﴾ أُرسلت إليكم من جانب الله ونظيرة قوله تعالى: ﴿ ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ﴾ [الزخرف: 63].

وقوله: ﴿ بآية ﴾ حال من ضمير ﴿ جئتكم ﴾ لأنّ المقصود الإخبار بأنه رسول لا بأنه جاء بآية.

شبه أمر الله إياه بأن يبلّغ رسالة بمجيء المرسَل من قوم إلى آخرين ولذلك سميّ النبي رسولاً.

والباء في قوله ﴿ بآية ﴾ للملابسة أى مقارناً للآيات الدالة على صدقي في هذه الرسالة المعبّر عنها بفعل المجيء.

والمجرور متعلق بجئتكم على أنه ظرف لغو، ويجوز أن يكون ظرفاً مستقراً في موضع الحال من ﴿ جئتكم ﴾ لأن معنى جئتكم: أرسلت إليكم، فلا يحتاج إلى ما يتعلق به.

وقوله: ﴿ إني أخلق بكسر الهمزة استئناف لبيان آية وهي قراءة نافع، وأبي جعفر.

وقرأه الباقون بفتح همزة أنّي ﴾ على أنه بدل من ﴿ أني قد جئتكم ﴾ .

والخلق: حقيقته تقدير شيء بقدْر، ومنه خلق الأديم تقديره بحسب ما يراد من قِطعَه قبل قطع القطعة منه قال زهير: ولأنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وبَعْض القَوْم يَخْلُق ثُم لا يَفْرِي يريد تقدير الأديم قبل قطعه والقطع هو الفري، ويُستعمل مجازاً مشهوراً أو مشتركاً في الإنشاء، والإبداع على غير مثال ولا احتذاءٍ، وفي الإنشاء على مثال يُبْدَع ويقدّر، قال تعالى: ﴿ ولقد خلقناكم ثم صَوّرناكم ﴾ [الأعراف: 11] فهو إبداع الشيء وإبرازه للوجود والخلق هنا مستعمل في حقيقته أيْ: أقدّر لكم من الطين كهيئة الطير، وليس المراد به خلق الحيوان، بدليل قوله فأنفُخ فيه.

وتقدم الكلام على لفظ الطّيْر في قوله تعالى: ﴿ فخذ أربعة من الطير ﴾ في سورة [البقرة: 360].

والكاف في قوله: ﴿ كهيئة الطير ﴾ بمعنى مثل، وهي صفة لِموصوف محذوف دل عليه أخلُق، أي شيئاً مقدّراً مثلَ هيئة الطير.

وقرأ الجمهور «الطَّير» وهو اسم يقع على الجمع غالباً وقد يقع على الواحد.

وقرأه أبو جعفر «الطائر».

والضمير المجرور بفي من قوله: ﴿ فأنفخ فيه ﴾ عائد إلى ذلك الموصوف المحذوف الذي دلت عليه الكاف.

وقرأ نافع وحده فيكون طائراً بالإفراد وقرأ الباقون فيكون طَيْراً بصيغة اسم الجمع فقراءة نافع على مراعاة انفراد الضمير، وقراءة الباقين على اعتبار المعنى.

جعل لنفسه التقدير، وأسند لله تكوين الحياة فيه.

والهيئة: الصورة والكيفية أي أصَوِّر من الطين صورةً كصورة الطير.

وقرأ الجميع كهيئة بتحتية ساكنة بعدها همزة مفتوحة.

وزاد قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ لإظهار العبودية، ونفي توهم المشاركة في خلق الكائنات.

والأكمه: الأعمى، أو الذي ولد أعمى.

والأبرص: المصاب بداء البرص وهو داء جلدي له مظاهر متنوّعة منها الخفيف ومنها القوي وأعراضه بقع بيضاء شديدة البياض تظهر على الجلد فإن كانت غائرة في الجلد فهو البرص وإن كانت مساوية لسطح الجلد فهو البَهق ثم تنتشر على الجلد فربما عمّت الجلد كله حتى يصير أبيض، وربما بقيت متميزة عن لون الجلد.

وأسبابه مجهولة، ويأتي بالوراثة، وهو غير مُعْد، وشوهد أنّ الإصابة به تكثر في الذين يقللون من النظافة أو يسكنون الأماكن القذرة.

والعرب والعبرانيون واليونان يطلقون البرص على مرض آخر هو من مبادئ الجذام فكانوا يتشاءمون بالبرص إذا بَدَتْ أعراضه على واحد منهم.

فأما العرب فكان ملوكهم لا يكلمون الأبرص إلاّ من وراءِ حجاب، كما وقع في قصّة الحارث بن حلزة الشاعر مع الملك عمرو بن هند.

وأما العبرانيون فهم أشدّ في ذلك.

وقد اهتمت التوراة بأحكام الأبرص، وأطالت في بيانها، وكرّرته مراراً، ويظهر منها أنه مرض ينزل في الهواء ويلتصق بجدران المنازل، وقد وصفه الوحي لِموسى ليعَلِّمه الكهنة من بني إسرائيل ويعلمهم طريقة علاجه، ومن أحكامهم أنّ المصاب يُعزل عن القوم ويجعل في محل خاص وأحكامه مفصّلة في سفر اللاويين.

ولهذا كان إعجاز المسيح بإبراء الأبرص أهمّ المعجزات فائدة عندهم ديناً ودنيا.

وقد ذكر فقهاء الإسلام البرص في عيوب الزوجين الموجبة للخيار وفصّلوا بين أنواعه التي توجب الخيار والتي لا توجبه ولم يضبطوا أوصافه واقتصروا على تحديد أجل برئه.

وإحياء الموتى معجزة للمسيح أيضاً، كنفخ الروح في الطير المصوّر من الطين، فكان إذا أحيا ميتاً كلّمةُ ثم رجع ميّتاً، وورد في الأناجيل أنّه أحيا بنتاً كانت ماتت فأحياها عقب موتها.

ووقع في إنجيل متَّى في الإصحاح 17 أنّ عيسى صعد الجبل ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا أخوه وأظهر لهم موسى وإيلياء يتكلمان معهم، وكلّ ذلك بإذن الله له أن يفعل ذلك.

ومعنى قوله: ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخون في بيوتكم ﴾ أنّه يخبرهم عن أحوالهم التي لا يطّلع عليها أحد فيخبرهم بما أكلوه في بيوتهم، وما عندهم مدّخر فيها، لتكون هاته المتعاطفات كلّها من قبيل المعجزات بقرينة قوله أنبّئكم لأنّ الإنباء يكون في الأمور الخفيةِ.

وقوله: ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ جعل هذه الأشياء كلّها آيات تدعو إلى الإيمان به، أي إن كنتم تريدون الإيمان، بخلاف ما إذا كان دأبكم المكابرة.

والخطاب موجّه منه إلى بني إسرائيل فإنهم بادروا دعوته بالتكذيب والشتم.

وتعرُّض القرآن لذكر هذه المعجزات تعريض بالنصارى الذين جعلوا منها دليلاً على ألوهية عيسى، بعلة أنّ هذه الأعمال لا تدخل تحت مقدرة البشر، فمن قدر عليها فهو الإله، وهذا دليل سفسطائي أشار الله إلى كشفه بقوله: ﴿ بآية من ربكم ﴾ وقوله: ﴿ بإذن الله ﴾ مرتين.

وقد روى أهل السِّير أنّ نصارى نجران استدلوا بهذه الأعمال لدى النبي صلى الله عليه وسلم <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مَن أنْصارِي مَعَ اللَّهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ مَن يَنْصُرُنِي إلى نَصْرِ اللَّهِ.

وَواحِدُ الأنْصارِ نَصِيرٌ.

﴿ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ﴾ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِمْ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم خاصَّةُ الأنْبِياءِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِنَقاءِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَّحّاكِ.

وَأصْلُ الحَوارِيِّ: الحَوَرُ وهو شِدَّةُ البَياضِ، ومِنهُ الحَوارِيُّ مِنَ الطَّعامِ لِشِدَّةِ بَياضِهِ، والحَوَرُ نَقاءُ بَياضِ العَيْنِ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اسْتِنْصارِ المَسِيحِ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ طَلَبًا لِلْحِمايَةِ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا قَتْلَهُ حِينَ أظْهَرَ دَعْوَتَهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ وإظْهارِ الحَقِّ.

والثّالِثُ: لِتَمْيِيزِ المُؤْمِنِ المُوافِقِ مِنَ الكافِرِ المُخالِفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي صِلْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم بِالإخْلاصِ عَلى التَّقْوى.

والثّانِي: أثْبِتْ أسْماءَنا مَعَ أسْمائِهِمْ لِنَنالَ ما نالُوا مِنَ الكَرامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مَكَرُوا بِالمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحِيلَةِ عَلَيْهِ في قَتْلِهِ، ومَكَرَ اللَّهُ في رَدِّهِمْ بِالخَيْبَةِ لِإلْقاءِ شَبَهِ المَسِيحِ عَلى غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: مَكَرُوا بِإضْمارِ الكُفْرِ، ومَكَرَ اللَّهُ بِمُجازاتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وإنَّما جازَ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ وإنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ  ﴾ ولَيْسَ الثّانِي اعْتِداءً، وأصْلُ المَكْرِ: الِالتِفافُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ مَكْرًا، والمَكْرُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الإنْسانِ لِالتِفافِ المَكْرُوهِ بِهِ.

والفَرْقُ بَيْنَ المَكْرِ والحِيلَةِ أنَّ الحِيلَةَ قَدْ تَكُونُ لِإظْهارِ ما يَعْسُرُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الإضْرارِ، والمَكْرُ: التَّوَصُّلُ إلى إيقاعِ المَكْرُوهِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن إسحاق أن عيسى جلس يوماً مع غلمان من الكتاب، فأخذ طيناً ثم قال: أجعل لكم من هذا الطين طائراً؟

قالوا: أو تستطيع ذلك؟

قال: نعم.

بإذن ربي.

ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه ثم قال: كن طائراً باذن الله فخرج يطير من بين كفيه، وخرج الغلمان بذلك من أمره، فذكروه فأفشوه في الناس.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج، أن عيسى قال: أي الطير أشد خلقاً؟

قال: الخفاش إنما هو لحم ففعل.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إنما خلق عيسى طيراً واحداً.

وهو الخفاش.

قوله تعالى: ﴿ وأبرئ الأكمه والأبرص ﴾ .

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ الأكمه ﴾ الذي يولد وهو أعمى.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس قال: ﴿ الأكمه ﴾ الأعمى الممسوح العين.

وأخرج أبو عبيد والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن مجاهد قال: ﴿ الأكمه ﴾ الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن عكرمة قال: ﴿ الأكمه ﴾ الأعمش.

وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه قال: كان دعاء عيسى الذي يدعو به للمرضى، والزمنى، والعميان، والمجانين، وغيرهم.

اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الأرض لا إله فيهما غيرك، وأنت جبار من في السماء وجبار من في الأرض لا جبار فيهما غيرك، أنت ملك من في السماء وملك من في الأرض لا ملك فيهما غيرك، قدرتك في السماء كقدرتك في الأرض، وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء، أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم، إنك على كل شيء قدير.

قال وهب: هذا للفزع والمجنون يقرأ عليه، ويكتب له، ويسقى ماؤه إن شاء الله تعالى.

وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن وهب قال: لما صار عيسى ابن اثنتي عشر سنة اوحى الله إلى أمه وهي بأرض مصر- وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر- أن اطلعي به إلى الشام ففعلت، فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة، وكانت نبوّته ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه.

وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفاً.

من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك منهم أتاه فمشى إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله تعالى.

قوله تعالى: ﴿ وأحيي الموتى بإذن الله ﴾ .

أخرج البيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق إسماعيل بن عياش عن محمد بن طلحة عن رجل، أن عيسى بن مريم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين يقرأ في الركعة الأولى ﴿ تبارك الذي بيده الملك ﴾ [ الملك: 1] وفي الثانية ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ [ السجدة: 2] فإذا فرغ مدح الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء.

يا قديم، يا حي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد.

قال البهقي: ليس هذا بالقوي.

وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن طلحة بن مصرف عن أبي بشر عن أبي الهذيل بلفظه، وزاد في آخره وكانت إذا أصابته شدة دعا بسبعة أسماء أخرى.

يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض وما بينهما ورب العرش العظيم، يا رب.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن معاوية بن قرة قال: سألت بنو إسرائيل عيسى فقالوا: إن سام بن نوح دفن هاهنا قريباً فادع الله أن يبعثه لنا.

فهتف فخرج أشمط.

قالوا: إنه قد مات وهو شاب فما هذا البياض؟

قال: ظننت أنها الصيحة ففزعت.

وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: كانت اليهود يجتمعون إلى عيسى ويستهزئون به ويقولون له: يا عيسى ما أكل فلان البارحة، وما ادخر في بيته لغد.

فيخبرهم فيسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم، وكان عيسى عليه السلام ليس له قرار ولا موضع يعرف إنما هو سائح في الأرض، فمر ذات يوم بامرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فسألها...؟

فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها.

فصلى عيسى ركعتين ثم نادى: يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي فتحرك القبر، ثم نادى الثانية فانصدع القبر، ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقالت أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين؟

يا أماه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روح الله سل ربي أن يردني إلى الآخرة، وأن يهوّن علي كرب الموت.

فدعا ربه، فقبضها إليه فاستوت عليها الأرض.

فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً، وكان ملك منهم في ناحية في مدينة لها نصيبين جباراً عاتياً، وأمر عيسى بالمسير إليه ليدعوه وأهل تلك المدينة إلى المراجعة، فمضى حتى شارف المدينة ومعه الحواريون فقال لأصحابه: ألا رجل منكم ينطلق إلى المدينة فينادي فيها فيقول: إن عيسى عبد الله ورسوله.

فقام رجل من الحواريين يقال له يعقوب فقال: أنا يا روح الله.

قال: فاذهب فأنت أول من يتبرأ مني، فقام آخر يقول له توصار وقال له: أنا معه قال: وأنت معه ومشيا، فقام شمعون فقال: يا روح الله أكون ثالثهم فائذن لي أن أنال منك أن اضطررت إلى ذلك؟

قال: نعم.

فانطلقوا حتى إذا كانوا قريباً من المدينة قال لهما شمعون: ادخلا المدينة فبَلَّغا ما أُمِرْتُمَا، وأنا مقيم مكاني، فإن ابتليتما أقبلت لكما.

فانطلقا حتى دخلا المدينة وقد تحدث الناس بأمر عيسى، وهم يقولون فيه أقبح القول وفي أمه.

فنادى أحدهما وهو الأول: ألا أن عيسى عبدالله ورسوله، فوثبوا إليهما من القائل أنْ عيسى عبدالله ورسوله؟

فتبرأ الذي نادى فقال: ما قلت شيئاً فقال الآخر: قد قلت وأنا أقول: إن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه فآمنوا به يا معشر بني إسرائيل خيراً لكم، فانطلقوا به إلى ملكهم وكان جباراً طاغياً فقال له: ويلك ما تقول؟!

قال: أقول: إن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه.

قال: كذبت.

فقذفوا عيسى وأمه بالبهتان ثم قال له: تبرأ ويلك من عيسى وقل فيه مقالتنا.

قال: لا أفعل.

قال: إن لم تفعل قطعت يديك ورجليك، وسمرت عينيك.

فقال: افعل بنا ما أنت فاعل.

ففعل به ذلك فألقاه على مزبلة في وسط مدينتهم.

ثم أن الملك هم أن يقطع لسانه إذ دخل شمعون وقد اجتمع الناس فقال لهم: ما بال هذا المسكين؟

قالوا: يزعم أن عيسى عبدالله ورسوله فقال شمعون: أيها الملك أتأذن لي فادنو منه فاسأله؟

قال: نعم.

قال له شمعون: أيها المبتلى ما تقول؟

قال: أقول ان عيسى عبدالله ورسوله.

قال: فما آية تعرفه؟

قال: ﴿ يبرئ الأكمه والأبرص ﴾ والسقيم.

قال: هذا يفعله الأطباء فهل غيره؟

قال: نعم ﴿ يخبركم بما تأكلون وما تدخرون ﴾ قال: هذا تفعله الكهنة فهل غير هذا؟

قال: نعم ﴿ يخلق من الطين كهيئة الطير ﴾ قال: هذا قد تفعله السحرة يكون أخذه منهم.

فجعل الملك يتعجب منه وسؤاله.

قال: هل غير هذا؟

قال: نعم.

﴿ يحيي الموتى ﴾ .

قال: أيها الملك إنه ذكر أمراً عظيماً وما أظن خلقاً يقدر على ذلك إلا بإذن الله، ولا يقضي الله ذلك على يد ساحر كذاب، فإن لم يكن عيسى رسولاً فلا يقدر على ذلك، وما فعل الله ذلك لأحد إلا لإبراهيم حين سأل ربه ﴿ أرني كيف تحيي الموتى ﴾ [ البقرة: 260] ومن مثل إبراهيم خليل الرحمن.

وأخرج ابن جرير عن السدي وابن عساكر من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس قال: لما بعث الله عيسى عليه السلام وأمره بالدعوة لقيه بنو إسرائيل فأخرجوه، فخرج هو وأمه يسيحون في الأرض، فنزلوا في قرية على رجل، فأضافهم وأحسن إليهم، وكان لتلك المدينة ملك جبار، فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً، فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها: ما شأن زوجك أراه حزيناً؟

قالت: إن لنا ملكاً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم الخمر، فإن لم تفعل عاقبه، وإنه قد بلغت نوبته اليوم وليس عندنا سعة قالت: قولي له فلا يهتم فإني آمر ابني فيدعو له فيكفي ذلك.

قالت مريم لعيسى في ذلك.

فقال عيسى: يا أماه إني إنْ فعلت كان في ذلك شر قالت: لا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا.

قال عيسى: قولي له املأ قدورك وخوابيك ماء.

فملأهن فدعا الله تعالى، فتحوّل ما في القدور لحماً، ومرقاً، وخبزاً، وما في الخوابي خمراً لم ير الناس مثله قط.

فلما جاءه الملك أكل منه، فلما شرب الخمر قال: من أين لك هذا الخمر؟!

قال: هو من أرض كذا وكذا...

قال الملك: فإن خمري أوتى به من تلك الأرض فليس هو مثل هذا!

قال: هو من أرض أخرى.

فلما خلط على الملك اشتد عليه فقال: إني أخبرك...

عندي غلام لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، وإنه دعا الله تعالى فجعل الماء خمراً فقال له الملك: وكان له ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل بأيام، وكان أحب الخلق إليه فقال: إن رجلا دعا الله تعالى فجعل الماء خمراً ليستجابن له يحيي ابني.

فدعا عيسى فكلمه وسأله ان يدعو الله أن يحيي ابنه فقال عيسى: لا تفعل فإنه ان عاش كان شراً قال الملك: لست أبالي أراه فلا أبالي ما كان قال عيسى عليه السلام: فإني حييته تتركوني أنا وأمي نذهب حيث نشاء؟

فقال الملك: نعم.

فدعا الله فعاش الغلام.

فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه.

فاقتتلوا وذهب عيسى وأمه وصحبهما يهودي، وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى رغيف.

فقال له عيسى: تشاركني؟

فقال اليهودي: نعم.

فلما رأى أنه ليس مع عيسى عليه السلام إلا رغيف ندم، فلما ناما جعل اليهودي يريد أن يأكل الرغيف.

فيأكل لقمة فيقول له عيسى: ما تصنع؟

فيقول له: لا شيء...

حتى فرغ من الرغيف.

فلما أصبحا قال له عيسى: هلم بطعامك، فجاء برغيف فقال له عيسى: أين الرغيف الآخر؟

قال: ما كان معي إلا واحد.

فسكت عنه وانطلقوا، فمروا براعي غنم فنادى عيسى: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك.

قال: نعم.

فأعطاه شاة فذبحها وشواها، ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً.

فأكلا فلما شبعوا قذف عيسى العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن الله.

فقامت الشاة تثغو فقال: يا صاحب الغنم خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟!

قال: أنا عيسى ابن مريم قال: أنت الساحر؟

وفر منه.

قال عيسى لليهودي: بالذي أحيا هذه الشاة بعدما أكلناها كم كان معك من الأرغفة أو- كم رغيف كان معك- فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد.

فمر بصاحب بقر فقال: يا صاحب البقر أجزرنا من بقرك هذه عجلاً.

فأعطاه فذبحه وشواه وصاحب البقر ينظر فقال له عيسى: كل ولا تكسر عظماً.

فلما فرغوا قذف العظام في الجلد، ثم ضربه بعصاه وقال: قم بإذن الله تعالى، فقام له خوار فقال: يا صاحب البقر خذ عجلك.

قال: من أنت؟

قال: أنا عيسى قال: أنت عيسى الساحر؟

ثم فر منه.

قال عيسى لليهودي: بالذي أحيا هذه الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه كم رغيفاً كان معك؟

فحلف بذلك ما كان معه إلا رغيف واحد.

فانطلقا حتى نزلا قرية، فنزل اليهودي في أعلاها، وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى وقال: أنا اليوم أحيي الموتى.

وكان ملك تلك القرية مريضاً شديد المرض.

فانطلق اليهودي ينادي: من يبغي طبيباً؟

فأُخْبِرَ بالملك وبوجعه فقال: ادخلوني عليه فأنا أبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه فقيل له: إن وجع الملك قد أعيا الأطباء قبلك!

قال: ادخلوني عليه، فأُدْخِلَ عليه، فأخذ برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات، فجعل يضربه وهو ميت ويقول: قم بإذن الله تعالى.

فأخذوه ليصلبوه، فبلغ عيسى فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة فقال: أرأيتم أن أحييت لكم صاحبكم أتتركون لي صاحبي؟

فقالوا: نعم.

فأحيا عيسى الملك فقام.

وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة والله لا أفارقك أبداً.

قال عيسى أنشدك بالذي أحيا الشاة والعجل بعدما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك من الجذع بعد رفعك عليه لتصلب.

كم رغيفاً كان معك؟

فحلف بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد.

فانطلقا فمرا بثلاث لبنات، فدعا الله عيسى فصيرهن من ذهب قال: يا يهودي لبنة لي، ولبنة لك، ولبنة لمن أكل الرغيف.

قال: أنا أكلت الرغيف.

وأخرج ابن عساكر عن ليث قال: صحب رجل عيسى ابن مريم، فانطلقا فانتهينا إلى شاطئ نهر، فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين وبقي رغيف.

فقام عيسى إلى النهر يشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف.

فقال للرجل: من أكل الرغيف؟

قال: لا أدري!

فانطلق معه فرأى ظبية معها خشفان، فدعا أحدهما، فأتاه فذبحه وشواه وأكلا ثم قال للخشف: ثم بإذن الله فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أكل الرغيف؟

قال: لا أدري!

ثم انتهيا إلى البحر، فأخذ عيسى بيد الرجل، فمشى على الماء ثم قال: أنشدك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟

فقال: لا أدري.

ثم انتهيا إلى مفازة وأخذ عيسى تراباً وطيناً فقال: كن ذهباً بإذن الله.

فصار ذهباً، فقسمه ثلاثة أثلاث فقال: ثلث لك، وثلث لي، وثلث لمن أخذ الرغيف.

قال: أنا أخذنه.

قال: فكله لك وفارقه عيسى، فانتهى إليه رجلان فأرادا أن يأخذاه ويقتلاه قال: هو بيننا أثلاثاً، فابعثوا أحدكم إلى القرية يشتري لنا طعاماً.

فبعثوا أحدهم فقال الذي بُعِثَ: لأي شيء أقاسم هؤلاء المال، ولكن أضع في الطعام سماً فاقتلهما.

وقال ذانك: لأي شيء نعطي هذا ثلث المال، ولَكِن إذا رجع قتلناه.

فلما رجع إليهم قتلوه وأكلا الطعام فماتا.

فبقي ذلك المال في المفازة، وأولئك الثلاثة قتلى عنده.

وأخرج أحمد في الزهد عن خالد الحذاء قال: كان عيسى ابن مريم إذا سرح رسله يحيون الموتى يقول لهم: قولوا كذا قولوا كذا، فإذا وجدتم قشعريرة ودمعة فادعوا عند ذلك.

وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت قال: انطلق عيسى عليه الصلاة والسلام يزور أخاً له، فاستقبله إنسان فقال: إن أخاك قد مات.

فرجع فسمع بنات أخيه برجوعه عنهن، فاتينه فقلن يا رسول الله رجوعك عنا أشد علينا من موت أبينا قال: فانطلقن فأرينني قبره، فانطلقن حتى أرينه قبره قال: فصوت به فخرج وهو أشيب فقال: ألست فلاناً...؟

قال: بلى.

قال: فما الذي أرى بك؟

قال: سمعت صوتك فحسبته الصيحة.

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون ﴾ قال: بما أكلتم الراحة من طعام، وما خبأتم منه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان عيسى يقول للغلام في الكتاب: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا...

فذلك قوله: ﴿ وما تدخرون ﴾ .

وأخرج ابن عساكر عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: كان عيسى ابن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان، فكان يقول لأحدهم: تريد أن أخبرك بما خبأت لك أمك؟

فيقول: نعم.

فيقول خبأت لك كذا وكذا...

فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها: اطعميني ما خبأت لي قالت: وأي شيء خبأت لك؟

فيقول: كذا وكذا...

فتقول: من أخبرك؟!

فيقول: عيسى ابن مريم فقالوا: والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع عيسى ليفسدنهم.

فجمعوهم في بيت واغلقوا عليهم، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم حتى سمع ضوضاءهم في بيت، فسأل عنهم فقال: يا هؤلاء كأن هؤلاء الصبيان!

قالوا: لا.

إنما هؤلاء قردة وخنازير قال: اللهم اجعلهم قردة وخنازير.

فكانوا كذلك.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر قال: ﴿ أنبئكم بما تأكلون ﴾ من المائدة ﴿ وما تدخرون ﴾ منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا، وخافوا فجعلوا قردة وخنازير.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود ﴿ وما تدخرون ﴾ مثقلة بالإدغام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

[و] (١) ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قال أبو إسحاق (٢) (٣) ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ ؛ والمعنى: يكلِّمُهم رسولاً بأني (٤) (٥) وقال الأخفش (٦) ﴿ وَرَسُولًا ﴾ مُقْحَمَةً (٧) (٨) (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ هو ذكر آية واحدة، وإنما جاءهم (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ ﴾ مَنْ (١٤) ﴿ أَنِّي ﴾ (١٥) ﴿ آيَةٍ ﴾ (١٦) ﴿ أَنِّي ﴾ خفضاً على البدل من ﴿ آيَةٍ ﴾ (١٧) (١٨) (١٩) والوجه الآخر: أنه (٢٠) (٢١) ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  ﴾ ، ثمَّ فسَّر الموعود بقوله: ﴿ لَهُم مَّغفِرَةٌ ﴾ (٢٢) ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ (٢٣) ﴿ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ﴾ .

وهذا الوجه أحسن؛ لأنه في المعنى كقراءة مَنْ فتح (أنِّي)، وأبدل من آية (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ ﴾ أي: أقَدِّر، وأصوِّر.

والخلْقُ، معناه: التقدير في اللغة (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾ الهيئةُ: الصورة المُهَيَّأة؛ من قولهم: (هيَّأتُ الشيءَ): إذا قدَّرُته (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ فَأَنْفُخُ فِيهِ ﴾ أي: في الطَّيْر.

و (الطَّيْر): يجوز تذكيره، على معنى الجمع، وتأنيثه، على معنى الجماعة.

ولا يجوز أن تعود (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ  ﴾ لأنه قال: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ ﴾ (٣٠) ﴿ مِنْهُ ﴾ يعود على القسمة.

ولمَّا كان الضمير مذَكَّرا، والقسمة مؤنثة، دلَّ على أن المراد بالقسمة هنا المقسوم == وهذا رأي في مرجع الضمير هنا.

وقيل: إنه يعود على المال؛ لأن القسمة تدلُّ عليه بطريق الالتزام.

وقيل: إنه يعود على (ما) في قوله: ﴿ مِّمَّا تَرَكَ ﴾ من آية 7 في سورة النساء.

انظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 190، "تفسير البيضاوي" 1/ 85، "البحر المحيط" 3/ 176، "الدر المصون" 3/ 589.]].

كذلك أراد بـ (الهيئة): المُهيَّأ، وذا (٣١) و (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ فَأَنْفُخُ فِيهِ ﴾ ؛ أي: في الخَلْقِ، ويكون الخلق بمنزلة المخلوق.

ويجوز أن تعود إلى ما دلَّ عليه الكافُ من معنى المِثْل؛ لأن المعنى: أخلق من الطين مِثْلَ هيئة الطير، ويكون الكافُ في موضع نصب على أنه صفة (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ وقرأ (٣٧) (٣٨) ﴿ طائراً ﴾ (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) ﴿ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً  ﴾ أي: كلَّ واحد منهم.

وقال بعضهم (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) قال وَهْبٌ: كان يطير ما دامَ الناسُ ينظرون، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا (٤٧) قوله تعالى: ﴿ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ﴾ .

قال الأصمعي (٤٨) (٤٩) وقال أبو زيد (٥٠) (٥١) والأكمَهُ (٥٢) (٥٣) (٥٤) يقال: كَمِهَ الرجلُ، يَكْمَهُ، كَمَهًا (٥٥) (٥٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ قال الكلبي (٥٧) (٥٨)  يحيي الأموات بـ (يا حيُّ يا قَيُّوم)، أحيا عازَرَ (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ .

(ما) بمعنى: الذي؛ أي: بالذي تأكلونه، والذي تدَّخِرونه (٦١) وجاء (٦٢) (٦٣) (٦٤) يقال: (ذَخَر، يَذْخَر، ذُخْراً)، و (اذَّخَرَ اذِّخِارا): وأصله: (اذْتَخَرَ) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) قال الخليل (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب.) (٢) في "معاني القرآن" له: 1/ 413، نقله عنه بتصرف واختصار.

(٣) في (د): (ونجعله).

(٤) في (د): (أني).

(٥) أي: أنَّ الوجه الأول، تقديره: (ويجعلهُ رسولًا) فـ ﴿ رَسُولًا ﴾ منصوب على المفعولية.

والتقدير الثاني وهو اختيار الزجاج: (ويكلمُ الناسَ رَسُولًا)، على أنَّ ﴿ رَسُولًا ﴾ حالٌ.

(٦) من قوله: (قال الأخفش ..) إلى (..

ونعلِّمه الكتاب رسولًا): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 51 ب.

والوارد في "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 205 في قوله تعالى: ﴿ ونعلَّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ ، كالتالي: (موضع نصب على ﴿ وَجِيهًا ﴾ .

و ﴿ رَسُولاً ﴾ معطوف على ﴿ وَجِيهًا ﴾ ؛ أي: أنها عنده حال منتصبة عن قوله تعالى: ﴿ بِكَلِمَةٍ ﴾ في آية: 45.

انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 204.

(٧) أي: (زائدة أو (لغو)، وهي عبارة البصريين، وتسمى (صلة) أو (حشو) عند الكوفيين.

انظر: "البرهان" 3/ 72.

(٨) في (ج): (ورسولًا).

(٩) في (ب): (لها).

وقوله: (للهاء)؛ أي: في ﴿ ونعلِّمُهُ ﴾ .

(١٠) وللآية توجيهات نحوية أخرى، انظرها: في "البحر المحيط" 2/ 464، "الدر المصون" 3/ 186 - 189.

(١١) في (د): (جاههم).

(١٢) في (ج)، (د): (والأنباء).

(١٣) في (ج): (وإبراء).

(١٤) من قوله: (من ..) إلى (أني أخلق لكم من الطين): نقله بتصرف يسير جدًّا عن "الحجة" للفارسي 3/ 43.

وقد قرأ الجميع بفتح الهمزة في ﴿ أَنِّي ﴾ ، إلَّا نافعًا وأبا جعفر، فقد كسرا ﴿ أَنِّي ﴾ .

انظر "النشر" 2/ 240، "إتحاف فضلاء البشر" 174 - 175.

(١٥) في (ج): (أنا).

(١٦) (من آية): ساقط من (د).

(١٧) في (ج): (أنه).

(١٨) أي هي خبر لمبتدأ مضمر، تقديره: (هي أنِّي أخلق)؛ أي: الآية التي جئت بها أني أخلق.

انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 334.

(١٩) من قوله: (ومن كسر ..) إلى (..

وأبدل من آية): نقله بتصرف عن "الحجة" للفارسي 3/ 4344.

(٢٠) (أنه): ساقط من: (ج).

(٢١) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) ومن "الحجة".

(٢٢) ومن قوله: (لهم مغفرة ..) إلى (..

فسَّر المثل بقوله): ساقط من: (ج).

(٢٣) (كمثل آدم): ساقط من: (ب).

(٢٤) وهناك وجه ثالث، وهو: كسْرُها على إضمار القول؛ أي: فقلت: إنِّي أخلق.

انظر هذه الوجوه في: "البحر المحيط" 2/ 465، "الدر المصون" 3/ 191.

(٢٥) وقد قال ابن قتيبة أنَّ الأصل في (الخَلْق)، هو: التقدير.

وفي "تهذيب اللغة" أنَّ (الخَلْقَ) في كلام العرب على ضربين: الأول: ابتداع الشيء على مثال لم يُسبَق إليه.

والآخر: التقدير.

وقد ذكر أصحاب الوجوه والنظائر أنَّ من وجوه (الخلق) في القرآن: الإيجاد، والبعث، والتصوير، وذكروا هذه الآية (49 من آل عمران) شاهدًا على هذا المعنى، والكذب، والجعل، والنطق، والدين، والموت، والبناء.

وهذان الوجهان الأخيران، ذكرهما الثعلبي، وابن الجوزي.

انظر "تأويل مشكل القرآن" 507، "تهذيب اللغة" 1/ 1093 (خلق)، "الوجوه والنظائر" لهارون بن موسى 281، "قاموس القرآن" للدامغاني 162، "الأشباه والنظائر" للثعلبي: 131.

(٢٦) قال الثعلبي: (هيأت الشيء: إذا قدَّرته، وأصلحته).

تفسيره: 3/ 52 أ، وانظر (هيأ) في "الصحاح" 1/ 85، "اللسان" 8/ 4730.

(٢٧) في (ج): (يعود).

(٢٨) يعني بـ (الكناية) هنا: الضمير؛ لأنه يُكْنى به أي: يرمز عن الظاهر، اختصارا، وتسميته بـ (الكناية) من إلطلاقات الكوفيين عليه.

انظر "النحو الوافي" 1/ 217، "معجم المصطلحات النحوية" د.

اللبدي: 74.

(٢٩) قال السمين الحلبي، بعد أن ذكر قول الواحدي هذا: (وفي هذا الردِّ نَظَرٌ؛ إذ لقائل أن يقول: لا نسلِّم عموم الطِّينِ المتقدِّم، بل المراد بعضه؛ ولذلك أدخل عليه (مِنْ) التي تقْتضي التبعيض.

وإذا صار المعنى: (أني أخلق بعض الطين) عاد الضمير عليه من غير إشكال، ولكن الواحدي جعل (مِن) في ﴿ مِنَ الطِّينِ ﴾ لابتداء الغاية، وهو الظاهر).

"الدر المصون" 3/ 194.

(٣٠) (منه): ساقط من: (ج).

(٣١) في (د): (وذو).

(٣٢) الواو زيادة من: (ج).

(٣٣) في (ب): (الكناية الدلالة).

(٣٤) من قوله: (هو ..) إلى (..

أي: في الخلق): ساقط من (د).

(٣٥) (صفة): ساقطة من (ج).

(٣٦) لم أقف على مصدر قوله.

(٣٧) في (ج): (وقرئ).

(٣٨) هو: أبو رُوَيم، نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم، تقدمت ترجمته.

(٣٩) وقرأ بها كذلك: أبو جعفر، ويعقوب.

وقرأ باقي القرَّاء العشرة: (طَيْرًا).

انظر "المبسوط في القراءات العشر" 143.

(٤٠) من قوله: (يكون ..) إلى (..

أي: كل واحد منهم): نقله بتصرف يسير عن "الحجة" للفارسي: 3/ 44.

(٤١) في (د): (و).

(٤٢) ساقطة من (د).

(٤٣) هو الثعلبي في "تفسيره" 3/ 52 أ.

(٤٤) عبارة الثعلبي: (وقرأ أهل المدينة (طائرا) بالألف على الواحدة ذهبوا إلى نوع ..)، وبقية العبارة كما هي عند الواحدي.

(٤٥) وإنما خص الخفاش: ساقط من: ج.

ورد خَلْقُه للخفاش، عن ابن جريج، كما في "تفسير الطبري" 3/ 276.

وعن ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، كما في "زاد المسير" 1/ 392.

وأورده السيوطي في الدر: 2/ 575 عن ابن عباس، ونسب إخراجه لأبي الشيخ.

(٤٦) قول المؤلف فيما سبق عن توجيه قراءة نافع: (أو أراد أن يكون ..)، وقوله: (ذهب نافع ..)، قد تشعر هذه العبارات أن قراءة نافع، وغيرها من القراءات الصحيحة، إنَّما هي مذهب اجتهادي في القراءة يذهبه القارئُ بناء على موازنات ذوقية، ومقاييس منهجية، لا علاقة لها بالتلقي عن طريق الرواية الصحيحة.

وليس الأمر كذلك؛ فالذي يعرفه الجميع أن القراءات القرآنية إنَّما هي متلقّاة عن النبي  عن طريق التواتر، فهي موقوفة لا مجال فيها للاجتهاد، وإنما للإمام القارئ فقط أن يختار مما رُوي، وعُلم وجهه من القراءات.

ولذا يقول ابن الجزري عن نسبة القراءة إلى القارئ، بأنها: (إضافة اختيار ودوام == ولزوم، لا إضافة اختراع ورأي واجتهاد).

أي: إنَّ إضافة القراءات إلى أئمة القراءة ورُواتِهم، يُرادُ بها فقط أن الإمام اختار القراءة بذلك الوجه من اللغة، حسبما قرأ به، فآثره على غيره ودوام عليه، ولزمه حتى اشتهر وعرف به.

فللإمام أن يختار من القراءات ما وافق العربية، سواء أكان ذلك الوجه فصيحًا أم أفْصَح، حسبما يترجح عنده، إذا تحققت بقية الشروط، وهي: صحة السند، وموافقة المصحف الإمام ولو احتمالًا.

وهذا المجال الاختياري فيما يبدو لي، والله أعلم، هو الذي يعنيه الواحدي، ومَنْ نقلَ عنهم عباراته السابقة.

انظر "النشر" 1/ 52، "القراءت القرآنية".

د.

عبد الهادي الفضلي: 105 - 106، "دفاع عن القراءات المتواترة".

د.

لبيب السعيد: 13 - 14.

(٤٧) ورد هذا الأثر في "تفسير الثعلبى" 3/ 52 أ، "زاد المسير" 1/ 392، "تفسير القرطبي" 4/ 94.

(٤٨) قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 324 (برأ).

(٤٩) في "تهذيب اللغة" (وقال الأصمعي: (بَرَأت من المرض بُروءًا)، لغة تميم، وأهل الحجاز يقولون: (بَرْأت من المرض بَرْءًا)، و (أبرأه الله من مرضه إبراءً).

ويبدو أن هذا النص من النسخة المطبوعة من "التهذيب" فيها خطأ مطبعي؛ لأنها لم تفرِّق بين برأ وبرئ.

وقد أورد السمين الحلبي نفس النص في "الدر المصون" 3/ 198 موافقًا لما أورده الواحدي.

(٥٠) قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 324 (برأ).

(٥١) قال في "اللسان" 1/ 240 (برأ): (وبَرِئت من المرض، وبَرَأ المريض، يَبْرأ، ويبرُؤ، بَرءًا، وبُروءًا ..

وأصبح بارئًا من مرضه، وبريئًا، من قومٍ بِراءٍ).

وانظر: "العين" 8/ 289 (برأ)، "المقاييس" 1/ 236 (برأ).

(٥٢) في (ج): الأكمه (بدون واو).

(٥٣) قولهما في "تفسير الطبري" 3/ 276، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 655، وأخرجه في 2/ 655 بلفظ: (الأعمى: الممسوح العين)، "تفسير الثعلبي" 3/ 52 أ.

وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 121 عن مقاتل قوله: (الأكمه: الأعمى).

وأورد السيوطي في "الدر" 2/ 57 قول ابن عباس، وعزاه كذلك لابن المنذر.

(٥٤) وفي معنى (الأكمه) أقوال أخرى، وهي: إن الأكمه هو: الأعمى، أو الأعمش، أو الأعش الذي يبصر بالنهار لا بالليل.

ولكن المعنى الذي ذكره الواحدي هو الأرجح، وقد قال به أبو عبيدة، والطبري، وغيرهم، وهو الذي عليه الجمهور، كما يقول ابن حجر في فتح الباري؛ لأن إبراء الذي يولد أعمى هو الذي فيه المعجزة، أما من يُصيب عينيه مرض عارض، فهذا قد يُعالجه الطب البشري.

انظر: "صحيح البخاري" 4/ 138 كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ﴾ "تفسير الطبري" 3/ 276 - 278، "فتح الباري" 6/ 472، "الدر المنثور" 2/ 57.

(٥٥) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 276، "الصحاح" 6/ 2247 (كمه).

(٥٦) الوَضَح، هو: البياض من كلِّ شيء، والضوء، ويكنى بالوضح عن البرص، وهو المرض الجلدي المعروف؛ لأنه يصيب الجلدَ ببياض.

انظر "اللسان" 8/ 4855.

(٥٧) ورد قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 53 أ، ونهاية قوله إلى: (بيا حي يا قيوم).

(٥٨) في (ب): (إن).

(٥٩) هكذا ضُبطت في "القاموس المحيط" 439 (عزر)، وورد في "تفسير الثعلبي" 3/ 52 ب (عازِر).

(٦٠) أورد هذا الثعلبيّ في "تفسيره" 3/ 52 أ، وذكره البغوي 2/ 40 عن ابن عباس.

وانظر روايات أخرى في هذا المعنى، في "الدر المنثور" 2/ 58.

وهذه الأخبار بصرف النظر عن إمكان وقوع ما ورد فيها، فإنها لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات، التي وإن لم يكن عندنا ما ينفيها، فليس عندنا ما يصدقها من خبر صحيح عن الصادق المعصوم  .

والاكتفاء بإجمال القرآن في مثل هذه المواطن، أولى من السير وراء تفصيلات أخبار، الله أعلم بصحتها ووقوعها.

(٦١) وقد استحسن هذا الوجه الزجَّاج، وقال: (ويجوز أن يكون (ما)، وما وقع بعدها، بمنزلة المصدر، المعنى: (أنبِّئكم بأكلِكم، وادِّخاركم).

"معاني القرآن" 1/ 414.

(٦٢) من قوله: (جاء) إلى (غدُوِّكم): نقله بنصه عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 414.

(٦٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).

وقوله: (في غُدُوِّكم)؛ أي: في وقت البكرة، أو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.

انظر: "القاموس" 1317 (غدا).

(٦٤) أي: أن أصل (تدَّخرونَ): تذْتَخرون.

(٦٥) في (ب): (اتدخر).

(٦٦) في (ب): فأبدلت.

(٦٧) في (أ)، (ب): (ذالا).

والمثبت من: (ج)، (د)، وهو الصواب.

انظر: "اللسان" 3/ 1490 (ذخر).

(٦٨) في (ج): (مجهورة).

(٦٩) الحروف المهموسة، عشرة أحرف، هي: الهاء، والحاء، والخاء، والكاف،== والشين، والصاد، والتاء، والسين، والثاء، والفاء.

ويجمعها قولك: (سَتَشْحثُك خصَفَه).

وباقي الحروف مجهورة.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 60، وقد ذكر كذلك سبب تسْمِيتها بذلك، "الممتع" لابن عصفور 2/ 671.

(٧٠) في (ج): (الدال).

وفي (د): (الجهر).

(٧١) في (أ)، (ب): (الدال).

والمثبت من: (ج)، (د).

وهو الصواب.

(٧٢) ويرى العكبري أن أصل الكلمة: (تذتَخرون)، إلا أن التاء أبدلت دالًا لتقارب مخرجها مع الذال، ثم أبدلت الذال دالًا، ثم أدْغِمت الدال في الدال.

انظر "التبيان في إعراب القرآن" 1/ 191.

(٧٣) في (ج) و (د): (تدغم).

(٧٤) في (د): (ومثال).

(٧٥) في (ج): (الحرفين).

وقوله: (التعديل بين الحروف)، يعني به: الإبدال الصرفي، وهو جعل حرف مكان حرف غيره؛ لتسهيل اللفظ، وتيسيره.

انظر "شرح الشافية" 3/ 197، "موسوعة النحو والصرف" د.

أميل يعقوب 17.

(٧٦) (ازدجر): ساقط من (د).

(٧٧) (ازدُجِر) وردت في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ  ﴾ ، وأصلها: (ازتجر)، فقلبت فيها التاءُ دالًا.

و (اضطُرَّ) وردت في قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ ، وانظر آية 3 من سورة المائدة وأصلها: (اضتُرَّ).

و (اصطَبِر) وردت في قوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا  ﴾ ، وأصلها: (اصتَبِر) فقلبت التاءُ طاءً في الكلمتين.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 215216، "سر صناعة الإعراب" 1/ 185، 217، و"الوجيز في علم التصريف" للأنباري 55، "الممتع في التصريف" 1/ 356، 360، و"شرح شافية ابن الحاجب" 3/ 226، 227.

(٧٨) قوله في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 414، وقد ورد: هذا النص في "كتاب سيبويه" 4/ 434، ولم يعزه للخليل، كما ورد في "سر صناعة الإعراب" 1/ 60 ولم يعزه كذلك للخيل.

(٧٩) في (ج): (والحرف).

(٨٠) في (ب): (اتسع).

(٨١) في (ب): (للإعتماد).

(٨٢) من قوله: (ومنع ..) إلى (..

في موضعه): ساقط من: (ج).

(٨٣) وقد شرح ذلك سيبويه، وابن جني، وبيَّنَا أن المهموس يعرف بترديد الحرف مع جَرْي النفس، ويصعب ذلك في المجهور، فيمكن تكرير المهموس مع جري الصوت، نحو: (سَسَسَسَ، كَكَكَكَ، هَهَهَهَ)، ولو تكلفت ذلك في المجهور لما أمكن.

انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 434، "سر صناعة الإعراب" 1/ 60.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَرَسُولاً ﴾ حال معطوف على ويعلمه إذ التقدير: ومعلماً الكتاب أو يضمر له فعل تقديره أرسل رسولاً أو جاء رسولاً ﴿ إلى بني إِسْرَائِيلَ ﴾ أي أرسل إليهم عيسى عليه السلام مبيناً لحكم التوراة ﴿ أَنِي ﴾ تقديره بأني ﴿ ا أَخْلُقُ ﴾ بفتح الهمزة بدل من أني الأولى، أو من آية وبكسرها ابتداء كلام ﴿ فَأَنفُخُ فِيهِ ﴾ ذكر هنا الضمير لأنه يعود على الطين، أو على الكاف من كهيئة، وأنث في المائدة لأنه يعود على الهيئة ﴿ فَيَكُونُ طَيْراً ﴾ قيل: إنه لم يخلق غير الخفاش، وقرئ طيراً بياء ساكنة على الجمع، وبالألف وهمزة طائراً على الإفراد، ذكر ﴿ بِإِذْنِ الله ﴾ : رفعاً لوهم من توهم في عيسى الربوبية ﴿ وَأُبْرِىءُ ﴾ روي أنه كان يجتمع إليه جماعة من العميان والبرصاء فيدعو لهم فيبرؤون ﴿ وَأُحْيِ الموتى ﴾ روي أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر فيقوم الميت ويكلمه، وروي أنه أحيا سام بن نوح ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ ﴾ كان يقول: يا فلان أكلت كذا وادخرت في بيتك كذا ﴿ وَمُصَدِّقاً ﴾ عطف على رسولاً أو على موضع بآية من ربكم، لأنه في موضع الحال، وهو أحسن لأنه من جملة كلام عيسى فالتقدير: جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدقاً ﴿ وَلأُحِلَّ لَكُم ﴾ عطف على بآية من ربكم، وكانوا قد حرم عليهم الشحم ولحم الإبل وأشياء من الحيتان والطير فأحل لهم عيسى بعض ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.

الباقون بالنون.

﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.

وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.

الباقون بالياء والهمزة.

﴿ الطائر ﴾ يزيد.

الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.

المفضل.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.

الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.

الباقون بالنون.

الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.

﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.

فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.

﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.

﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.

﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.

﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.

﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.

﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.

والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران  ﴾ لمكان العطف.

والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا  ﴾ .

واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله  : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم  ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.

ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ .

ثم إنه  مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.

وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي  وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً  ﴾ .

وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.

وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.

قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه  قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.

فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود  ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله  " "أقرب ما يكون العبد من الله  وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.

وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.

وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.

وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.

روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.

اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.

وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم  ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً  ﴾ فلما كان الله  ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه  فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي  ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور  ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.

وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.

ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.

وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.

وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.

وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.

فمن خرج له السهم سلم له الأمر.

قال  : ﴿ فساهم فكان من المدحضين  ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.

وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.

قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.

﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.

قيل: هم خزنة البيت.

وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.

ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.

ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.

وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.

القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.

ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .

قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.

فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.

ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.

واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.

ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.

ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.

كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.

وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.

فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.

قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه  غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.

وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.

وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.

وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".

أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.

عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.

وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.

وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.

وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.

وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.

وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.

قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.

وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.

وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.

وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.

قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.

وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.

/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.

وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.

وذلك من جملة ما اصطفيت به.

وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.

وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.

﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.

وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.

ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.

وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.

وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.

والمهد قيل: حجر أمه.

وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.

وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.

والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.

روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.

ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.

وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.

فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟

فالجواب من وجوه.

قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.

وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.

وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.

ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.

وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.

فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.

والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.

ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.

وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.

فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.

فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.

ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.

وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.

﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.

وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.

ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.

وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.

ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.

وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.

ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.

﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.

وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.

وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.

وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.

أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.

وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.

والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.

ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم  ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب  ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.

والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.

﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.

يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.

وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.

قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.

وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.

وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه  أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟

أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله  كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى  فيه على سبيل إظهار المعجزات؟

وهذا هو الحق لقوله  ﴿ الذي خلق الموت والحياة  ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت  ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.

وقيل: هو الممسوح العين.

ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.

وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.

وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.

وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.

وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.

وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.

وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.

والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.

والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.

يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.

قال الكلبي: كان عيسى  يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.

روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان  يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.

كان  يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.

فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.

فجاء عيسى  يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.

فقال  : فمن في هذا البيت؟

فقالوا: خنازير.

فقال عيسى  : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.

وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.

وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.

والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.

واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.

ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.

ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى  تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.

ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.

وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.

ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.

والثاني أن الله  كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.

كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.

﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.

وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله  جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.

ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.

﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.

ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.

القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.

قال السدي: لما بعثه الله  رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد  بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.

وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.

فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.

فقال  : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.

فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.

فقال عيسى  : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.

فلما فعل دعا الله  فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.

فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟

فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى  وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى  ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى  مشهوراً وقصد اليهود قتله  وأظهروا الطعن فيه.

/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا  بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا  فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى  : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟

فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى  بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.

وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟

فأجابه إلى ذلك بعضهم.

ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى  أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.

والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه  .

وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين  ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟

وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.

فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.

وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟

أو حال التجائي إليه؟

وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟

وفي الحديث أنه  كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.

فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.

وقيل: "إلى" بمعنى اللام.

وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.

وهذا قول الحسن.

﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.

وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.

والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.

عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.

وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.

وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.

وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.

وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.

وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.

فطبخ عيسى  حباً واحداً وجعل الجميع فيه.

وقال: كوني بإذن الله كما أريد.

فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.

فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.

فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.

وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟

فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.

قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.

وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى  على قصعة.

فكانت القصعة لا تنقص.

فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟

قالوا: نعم.

فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟

قال: عيسى ابن مريم.

قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.

فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.

قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.

﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله  فيه.

أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.

ثم تضرعوا إلى الله  بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.

فقال ابن عباس: أي مع محمد  وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين  ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.

قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.

وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.

فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.

أما مكرهم بعيسى  فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى  وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.

فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.

وأخرى قالت: كان ابن الله.

وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.

وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى  .

وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.

فسمع بذلك ملك الروم.

وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.

ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى  فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.

وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.

ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله  على تكذيب المسيح والهم بقتله.

وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.

واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله  محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ أو بأنه  عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.

وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.

﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.

وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.

وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.

ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.

وقال محمد بن إسحق.

توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.

وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.

أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها  ﴾ .

وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.

وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.

وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.

وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.

فإن الواو لا تقتضي الترتيب.

والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.

ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه  يتوفاه بعد ذلك.

أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله  وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.

والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.

ولئن سلم أنه  يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى  إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.

ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.

فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.

وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.

ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.

على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد  بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.

واعلم أن نص القرآن دل على أنه  حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم  ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.

الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.

ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.

فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟

وأنه  كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟

الثالث أنه  كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟

وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟

الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.

الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.

فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.

والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه  قادر على خلق مثل زيد.

وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.

وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.

والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.

وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.

إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.

وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.

على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد  في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.

قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.

وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.

وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.

﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى  وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.

جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.

﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.

ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.

ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .

والذكر الحكيم القرآن.

وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.

وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه  أنزل هذه القصص مما كتب هناك.

قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله  : مالك تشتم صاحبنا؟

قال  : وما أقول؟

قالوا: تقول إنه عبد.

قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟

فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.

ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.

لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.

ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.

قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.

وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".

والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.

وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.

ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".

وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه  بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.

والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.

قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه  هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.

وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً  ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.

ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب  ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون  ﴾ .

عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى  ؟

قالوا: / لأنه لا أب له.

قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.

قالوا: كان يحيي الموتى.

قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.

فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.

قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.

﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.

﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.

قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.

وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.

التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم  ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد  على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .

وقال  : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس  ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.

﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله  .

والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.

وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.

قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال  " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب  ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.

وسمي المسيح لأنه حين مسح الله  ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله  أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.

﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي  آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.

ولما كان روح عيسى  وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.

ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.

﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله  .

ثم قال له كن فيكون.

هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : بشارة منه لها - أيضاً -: أنه يعلمه الكتاب، ثم اختلف في ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ ؛ قيل: ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : الخط ههنا يخط بيده، ويحتمل ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : الكتاب نفسه: التوراة والإنجيل، ويحتمل ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : كتب النبيين.

﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ؛ قيل: الحكم بين الخلق، وقيل: الفقه، وقيل: الحلال والحرام، وقيل: السنة.

﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ : هي الإصابة، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ : أي: [جعله رسولاً إلى بني إسرائيل]، وهذا - أيضاً - بشارة لها منه، وكان عيسى  من أوَّل أمره إلى آخره آية؛ لأنه ولد من غير أب، على خلاف ما كان سائر البشر، يكلم الناس في المهد، وأقرَّ بالعبودية له، ولم يكن لأحد من البشر ذلك، وإبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الموتى، وأنباء ما كانوا يأكلون ويدَّخرون، وما كان له مأوى يأوي إليه، ولا عيش يتعيش هو به، والبشر لا يخلو عن ذلك، ثم ألقى شبهه على غيره؛ فقتل به، ورفع هو إلى السماء؛ وذلك كله آية، وكانت آياته كلها حسِّية يعلمها كل أحد، وآيات رسول الله - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - كانت حسِّية وعقلية: أمَّا الحسِّية: فهو انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وكلام الشاة المسمومة، وقطع مسيرة شهر في ليلة، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها؛ هذه كلها كانت حسِّية.

وَأمَّا العقلية: فهذا القرآن الذي نزل عليه، وهو بين أظهرهم، وهم فصحاء وبلغاء وحكماء، يتلى عليهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ...

﴾ الآية [البقرة: 23]، وقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً  ﴾ ، فلو كان بهم طاقة أو قدرة أن يأتوا بمثله، لجهدوا كل جهد، وتكلفوا كل تكلف؛ حتى يطفئوا هذا النور؛ ليتخلصوا عن قتلهم، وسبي ذراريهم، واستحياء نسائهم، فلمَّا لم يفعلوا ذلك - دَلَّ أنه كان آية معجزة، عجزوا جميعاً عن إتيان مثله، فأيّ آية تكون أعظم من هذا؟!

وبالله المعونة والنجاة.

وقوله: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : أي: بعلامة أني رسول منه إليكم، ثم فسَّر الآية، فقال: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ ﴾ .

هو على المجاز، لا على التخليق [والتكوين]؛ لأن الخلق ليس هو من فعل المخلوق، وإنما هو من فعل الله - عزَّ وجلَّ - لأن التخليق: هو الإخراج من العدم إلى الوجود، وذلك فعل الله -  - لا يقدر المخلوق على ذلك؛ فهو على المجاز؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وليس إلى الخلق تحليل شيء أو تحريمه، إنما ذلك إلى الله - عز وجل - فمعناه: أني أظهر لكم حل بعض ما حرم عليكم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ أي: أظهر لكم بيدي ما خلق الله من الطين طائراً؛ فيكون آية لرسالتي إليكم؛ وكذلك الآيات ليس مما ينشئ الأنبياء، ولكن تظهر على أيديهم.

وإنما لم يجز إضافة التخليق إلى الخلق؛ لما ذكرنا: أنه إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وذلك ليس إلى الخلق.

والثاني: أن التخليق هو إخراج الفعل على التقدير، وفعل العبد إنما يخرج على تقدير الله، لا يخرج على تقديره؛ لذلك لم يجز إضافة ذلك إلى الخلق، إلا على المجاز.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل حقيقة خاصَّة، وآيات الأنبياء - عليهم السلام - هي التي تخرج على خلاف الأمر المعتاد فيما بينهم، يجريها الله -  وتعالى - على أيديهم؛ ليعلموا أن ذلك لم يكن بهم، إنما كان ذلك بالمُرْسِل الذي أرسلهم؛ ليدل على صدقهم، ولا قوة إلا بالله.

"وإبراء الأكمه والأبرص" هو من آيات النبوة؛ لخروجها عن الأمر المعتاد فيما بينهم.

فإن قيل: إن إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص من آيات النبوة؛ [لعجزهم عن إتيان مثله، وخروجه عن المعتاد فيما بينهم، ولكن أنباء ما يأكلون وما يدَّخرون لِمَ كان من آيات النبوة]، ويجوز أن يكون ذلك من منجِّم؟

قيل: له جوابان - إن كان يكون مثل ذلك بالنجوم -: أحَدهما: أنه مضمون إلى الآيات؛ فصار آية بما ضم إليها.

والثاني: أن هذا - وإن كان يعلم بالنجوم - فعيسى -  - لما علم قومه أنه لم يختلف إلى أحد في تعلم علم النجوم، ثم عرف ذلك وأنبأهم بذلك - دل أنه إنما علم ذلك بالله؛ فكان آية، وبالله التوفيق.

مع ما كان في قومه أطباء وحكماء وبصراء - لم يَدَّعِ أحد شيئاً من هذه الآيات التي جاء بها عيسى -  - دل ترك اشتغالهم في ذلك على إقرارهم بأنها آية سماوية، لكنهم تعاندوا وكابروا فلم يؤمنوا به.

قال الشيخ - رحمه الله -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل حقيقة خاصَّة.

وقوله: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: بأمر الله.

وقيل: بمشيئة الله.

واختلف في "الأكمه": عن مجاهد، قال: "الأكمه: الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل".

وعن ابن عباس -  -: "الأكمه: الأعمى الممسوح العين"، وقيل: هو الذي ولد من أمِّه أعمى لا يتكلف أحد [من] الأطباء إبراء مثله، ولا اشتغل بدوائه، دل أنه عرف ذلك بالله  ، والأطباء يتكلفون في دفع العلل العارضة الحادثة، وأما ما كان خلقه من جِبِلَّة - فلا.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : قيل: قال: إن هذا آية لكم؛ إن كنتم صدقتم أني رسول الله إليكم.

وقيل: قال: إن في ذلك لآية لكم في رسالتي؛ إن كنتم مؤمنين بالمُرْسِل.

ويحتمل: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي: بالآيات أنها تُعَرِّفُ مَا جُعِلْنَ له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ...

﴾ الآية: ما ذكر.

وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : يحتمل: فاتقوا الله في تكذيبي في الآيات، و ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ في تصديقي.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ : ظاهر، قد ذكرنا فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويجعله -كذلك- رسولًا إلى بني إسرائيل، حيث يقول لهم: إني رسول الله إليكم قد جئتكم بعلامة دالة على صدق نبوتي هي: أني أُصوِّر لكم من مادة الطين مثل شكل الطير، فأنفخ فيه فيصير طيرًا حيًّا بإذن الله، وأشفي من وُلد أعمى فيبصر، ومن أصيب ببَرَصٍ فيعود جلده سليمًا، وأُحْيي من كان ميتًا، كل ذلك بإذن الله، وأخبركم بما تأكلون وبما تخبئون في بيوتكم من طعام وتخفونه، إن فيما ذكرته لكم من هذه الأمور العظيمة التي لا يقدر عليها البشر؛ لعلامة ظاهرة على أني رسول من الله إليكم، إن كنتم تريدون الإيمان، وتصدقون بالبراهين.

<div class="verse-tafsir" id="91.M8wqE"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قد عرف بكلمة الله أي بوحيه لأنبيائه.

والكلمة تطلق على الكلام كقوله: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ  ﴾ .

إن الناس إنما يولون الملك عليهم لأجل تقرير العدل فيهم ورفع أثقال الظلم عنهم، وقد فعل المسيح ذلك، فإن اليهود كانوا عند بعثته فيهم متمسكين بظواهر ألفاظ الكتاب، وخاضعين لأفهام الكتبة والفريسيين وأوهامهم، حتى أرهقهم ذلك عسرًا، وتركهم يئنون من الظلم وأثقال التكاليف، فرفع المسيح ذلك عنهم بإرجاعهم إلى مقاصد الدين وحملهم على الأخوة الرافعة للظلم.

﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ  ﴾ : إن كون المسيح ذا جاه ومكانة في الآخرة ظاهر، وجاهته في الدنيا فهي قد تكون موضع إشكال لما عرف من امتهان اليهود له ومطاردتهم إياه على فقره وضعف عصبيته...

والجواب عن ذلك سهل وهو أن الوجيه في الحقيقة من كانت له مكانة في القلوب واحترام ثابت في النفوس، ولا يكون أحد كذلك حتى يكون له أثر حقيقي ثابت من شأنه أن يدوم بعده زمنًا طويلًا أو غير طويل، ولا ينكر أحد أن منزلة المسيح في نفوس المؤمنين به كانت عظيمة جدًا، وأن ما جاء به من الإصلاح هو من الحق الثابت، وقد بقي أثره بعده، فهذه الوجاهة أعلى وأرفع من وجاهة الأمراء والملوك الذين يحترمون في الظاهر لظلمهم واتقاء شرهم ولدهائهم والتزلف إليهم رجاء الانتفاع بشيء مما في أيديهم من عرض الحياة الدنيا، لأن هذه وجاهة صورية لا أثر لها في النفوس إلا الكراهة والبغض والانتقاض، وتلك وجاهة حقيقية مستحوذة على القلوب.

وحقيقة الوجاهة في الآخرة هي أن يكون الوجيه في مكان عليّ ومنزلة رفيعة يراه الناس فيها فيجلّونه ويعلمون أنه مقرب من الله تعالى، ولا يمكننا أن نحددها ونعرف بماذا تكون.

فإن قال قائل: إن هذه الوجاهة تكون بالشفاعة.

فالجواب: إن الآية لم تبين ذلك.

على أنكم تقولون إن هذه الشفاعة عامة لكل نبي وعالم صالح فما هي مزية المسيح إذن؟.

﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا  ﴾ الجملة معطوفة على ما قبلها ولا يضر عطف الفعل على الاسم، والكهل الرجل التام السوي من غير تقييد بسن معينة، والكلام في المهد يصدق بما يكون في سن الكلام وهي سنة فأكثر وما يكون قبل ذلك وهو آية على كل تقدير، لأن تعديته إلى الناس تفيد أنه يكلمهم كلام التفاهم، وكلام الأطفال في المهد لا يكون كذلك عادة.

وفي قوله: ﴿ وَكَهْلًا  ﴾ بشارة بأنه يعيش على أن يكون رجلًا سويًا كاملًا ﴿ وَمِنْ الصَّالِحِينَ  ﴾ الذين أنعم الله عليهم وأصلح حالهم وهم الأنبياء الذين تعرف مريم سيرتهم.

﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ  ﴾ أي كيف يكون لي ولد والحال أنني لم أتزوج فألمس؟

كناية ظاهرة، والاستفهام على حقيقته في وجه، ومعناه هل يكون بزواج يطرأ أم بمحض القدرة؟

وفي وجه آخر للتعجب من قدرة الله والاستعظام لشأنه ﴿ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ  ﴾ أي كمثل هذا الخلق البديع يخلق الله ما يشاء فإن من شأنه الاختراع والإبداع.

﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ : إن الرسول هنا بمعنى الرسالة والتقدير ويعلمه الرسالة إلى بني إسرائيل، واستعمال لفظ الرسول بمعنى الرسالة شائع قال كُثَيّر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول وفي رواية "برسيل" وبعض المفسرين يجعل الرسول بمعنى الناطق، أي ناطقًا إلى بني إسرائيل ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ : الخلق والتقدير والترتيب لا الإنشاء والاختراع، ويقرب أن يكون هذا إجماعًا من المفسرين، وفسره (الجلال) هنا بالتصوير، لأنه من التقدير، ولقد ذكر -كغيره- أنه كان يتخذ من الطين صورة خفاش فينفخ فيها فتحلها الحياة وتتحرك في يده.

وقال بعضهم بل تطير قليلًا ثم تسقط.

ولا حاجة إلى هذه التفصيلات بل نقف عند لفظ الآية وغاية ما يفهم منها أن الله تعالى جعل فيه هذا السر ولكن لم يقل إنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئًا من ذلك وقع، وقد جرت سنة الله تعالى أن تجري الآيات على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها وجعل الإيمان موقوفًا عليها، فإن كانوا سألوه شيئًا من ذلك فقد جاء به، وكذلك يقال في قوله: ﴿ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ  ﴾ فإن قصارى ما تدل عليه العبارة أنه خص بذلك وأمر بأن يحتج به، والحكمة في إخبار النبي  بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم، وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك.

﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ أعاد ذكر الآية للتفرقة بين ما قبلها وما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله