الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٥٠ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 120 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( ومصدقا لما بين يدي من التوراة ) أي : مقرر لهم ومثبت ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) فيه دلالة على أن عيسى ، عليه السلام ، نسخ بعض شريعة التوراة ، وهو الصحيح من القولين ، ومن العلماء من قال : لم ينسخ منها شيئا ، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطئوا ، فكشف لهم عن المغطى في ذلك ، كما قال في الآية الأخرى : ( ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ) [ الزخرف : 63 ] والله أعلم .
ثم قال : ( وجئتكم بآية من ربكم ) أي : بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم .
( فاتقوا الله وأطيعون)
القول في تأويل قوله : وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وبأني قد جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدقًا لما بين يديّ من التوراة، ولذلك نصب " مصدّقًا " على الحال من جِئْتُكُمْ .
والذي يدل على أنه نصب على قوله : جِئْتُكُمْ ، دون العطف على قوله: وَجِيهًا ، قوله: " لما بين يديّ من التوراة ".
ولو كان عطفًا على قوله وَجِيهًا ، لكان الكلام: ومصدّقًا لما بين يديه من التوراة، وليحل لكم بعض الذي حرم عليكم.
(47) * * * وإنما قيل: " ومصدّقًا لما بين يديّ من التوراة "، (48) لأن عيسى صلوات الله عليه، كان مؤمنًا بالتوراة مقرًا بها، وأنها من عند الله.
وكذلك الأنبياء كلهم، يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعضُ شرائع أحكامهم، لمخالفة الله بينهم في ذلك.
مع أنّ عيسى كان - فيما بلغنا - عاملا بالتوراة لم يخالف شيئًا من أحكامها، إلا ما خفَّف الله عن أهلها في الإنجيل، مما كان مشددًا عليهم فيها، كما:- 7111 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن عيسى كان على شريعة موسى صلى الله عليه وسلم، وكانَ يسبِت، ويستقبل بيت المقدس، فقال لبني إسرائيل: إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة، إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وأضع عنكم من الآصار.
(49) 7112 - حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ومصدقًا لما بين يديّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حُرّم عليكم "، كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثُّروب، وأشياء من الطير والحيتان.
(50) 7113 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ومصدّقًا لما بين يديّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم "، قال: كان الذي جاء به عيسى ألينَ من الذي جاء به موسى.
قال: وكان حُرّم عليهم فيما جاء به موسى من التوراة، لحومُ الإبل والثُّروب، فأحلها لهم على لسان عيسى - وحرّمت عليهم الشحوم، وأحلت لهم فيما جاء به عيسى - وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير مما لا صِيصِيَةَ له، (51) وفي أشياء حرّمها عليهم، وشدّدها عليهم، فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل، فكان الذي جاء به عيسى ألينَ من الذي جاء به موسى صلوات الله عليه.
7114 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم "، قال: لحوم الإبل والشحوم.
لما بُعث عيسى أحلَّها لهم، وبُعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرّقوا.
7115 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن &; 6-440 &; جعفر بن الزبير: " ومصدقًا لما بين يدىّ من التوراة "، أي: لما سبقني منها -" ولأحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم "، أي: أخبركم أنه كان حرامًا عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تِباعَته.
(52) 7116 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن: " ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم "، قال: كان حرّم عليهم أشياء، فجاءهم عيسى ليحلّ لهم الذي حرّم عليهم، يبتغي بذلك شُكْرهم.
* * * القول في تأويل قوله : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك: وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم، تعلمون بها حقيقةَ ما أقول لكم.
كما:- 7117 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وجئتكم بآية من ربكم "، قال: ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه.
7118 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وجئتكم بآية من ربكم "، ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها.
* * * ويعني بقوله: " من ربكم "، من عند ربكم.
* * * القول في تأويل قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) قال أبو جعفر: يعني بذلك: وجئتكم بآية من ربكم تعلمون بها يقينًا صدقي فيما أقول =" فاتقوا الله "، يا معشرَ بني إسرائيل، فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه الذي أنـزله على موسى، فأوفوا بعهده الذي عاهدتموه فيه =" وأطيعون "، فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما أرسلني به إليكم ربي وربكم، فاعبدوه، فإنه بذلك أرسلني إليكم، وبإحلال بعض ما كان محرّمًا عليكم في كتابكم، وذلك هو الطريق القويمُ، والهدى المتينُ الذي لا اعوجاج فيه، (53) كما:- 7119 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم "، تبرِّيًا من الذي يقولون فيه - يعني: ما يقول فيه النصارى - واحتجاجًا لربه عليهم =" فاعبدوه هذا صراط مستقيم "، أي: هذا الذي قد حملتُكم عليه وجئتكم به.
(54) -------------------- الهوامش : (47) انظر معاني القرآن للفراء 1: 216.
(48) انظر تفسير"لما بين يدي" و"لما بين يديه" فيما سلف من هذا الجزء: 160 ، 161.
(49) الآصار جمع إصر (بكسر فسكون): وهو العهد ، أي ما عقد من عقد ثقيل عليهم ، مثل قتلهم أنفسهم ، وما أشبه ذلك من قرض الجلد إذا أصابته النجاسة ، وغير ذلك من الأحكام المشددة.
(50) الثروب جمع ثرب (بفتح فسكون): وهي الشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء والمصارين من الذبائح والأنعام.
(51) صيصية الديك (بكسر الصاد الأولى والثانية وفتح الياء الأخير) ، وجمعها الصياصي: هي الشوكة التي في رجل الديك.
وقرون البقر يقال لها"الصياصي" ، ومنه قيل للحصون"الصياصي" لأن المقاتلين يحتمون بها كما تحتمي البقر بقرونها.
(52) الأثر: 7115- سيرة ابن هشام 2: 231 ، وهو من تتمة الآثار التي كان آخرها رقم: 7085.
وقوله: "وتخرجون من تباعته" ، أي من إثمه الذي تبعكم إن اقترفتموه.
والتبعة والتباعة (بكسر التاء): ما كان فيه إثم يتبع به مقترفه ، يقال: "ما عليه من الله في هذا تبعة ، ولا تباعة".
(53) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 1: 170-177 / 3: 140 ، 141.
(54) الأثر: 7119- سيرة ابن هشام 2: 231 ، وهو من بقية الآثار التي آخرها رقم: 7115.
ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون[ ص: 91 ] ( ومصدقا ) عطف على قوله : ( ورسولا ) وقيل : المعنى وجئتكم مصدقا .
لما بين يدي لما قبلي .
ولأحل لكم فيه حذف ، أي ولأحل لكم جئتكم .
بعض الذي حرم عليكم يعني من الأطعمة .
قيل : إنما أحل لهم عيسى عليه السلام ما حرم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة ، نحو أكل الشحوم وكل ذي ظفر .
وقيل : إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرمة عليهم .
قال أبو عبيدة : يجوز أن يكون ( بعض ) بمعنى كل ; وأنشد لبيد :تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يرتبط بعض النفوس حمامهاوهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة ; لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل في هذا الموضع ، لأن عيسى - صلى الله عليه وسلم - إنما أحل لهم أشياء مما حرمها عليهم موسى من أكل الشحوم وغيرها ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا فاحشة .
والدليل على هذا أنه روي عن قتادة أنه قال : جاءهم عيسى بألين مما جاء به موسى ، صلى الله عليهما وعلى نبينا ; لأن موسى جاءهم بتحريم الإبل وأشياء من الشحوم فجاءهم عيسى بتحليل بعضها .
وقرأ النخعي " بعض الذي حرم عليكم " مثل كرم ، أي صار حراما .
وقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا انضمت إليه قرينة تدل عليه ; كما قال الشاعر :أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعضيريد بعض الشر أهون من كله .وجئتكم بآية من ربكم إنما وحد وهي آيات لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته .
{ ومصدقا لما بين يدي من التوراة } أي: أتيت بجنس ما جاءت به التوراة وما جاء به موسى عليه السلام، وعلامة الصادق أن يكون خبره من جنس خبر الصادقين، يخبر بالصدق، ويأمر بالعدل من غير تخالف ولا تناقض، بخلاف من ادعى دعوى كاذبة، خصوصا أعظم الدعاوى وهي دعوى النبوة، فالكاذب فيها لابد أن يظهر لكل أحد كذبُ صاحبها وتناقضه ومخالفته لأخبار الصادقين وموافقته لأخبار الكاذبين، هذا موجب السنن الماضية والحكمة الإلهية والرحمة الربانية بعباده، إذ لا يشتبه الصادق بالكاذب في دعوى النبوة أبدا، بخلاف بعض الأمور الجزئية، فإنه قد يشتبه فيها الصادق بالكاذب، وأما النبوة فإنه يترتب عليها هداية الخلق أو ضلالهم وسعادتهم وشقاؤهم، ومعلوم أن الصادق فيها من أكمل الخلق، والكاذب فيها من أخس الخلق وأكذبهم وأظلمهم، فحكمة الله ورحمته بعباده أن يكون بينهما من الفروق ما يتبين لكل من له عقل، ثم أخبر عيسى عليه السلام أن شريعة الإنجيل شريعة فيها سهولة ويسرة فقال { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل بل كان متمما لها ومقررا { وجئتكم بآية من ربكم } تدل على صدقي ووجوب اتباعي، وهي ما تقدم من الآيات، والمقصود من ذلك كله قوله { فاتقوا الله } بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه وأطيعوني فإن طاعة الرسول طاعة لله.
( ومصدقا ) عطف على قوله ورسولا ( لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ) من اللحوم والشحوم ، وقال أبو عبيدة : أراد بالبعض الكل يعني : كل الذي حرم عليكم ، وقد يذكر البعض ويراد به الكل كقول لبيد : تراك أمكنة إذا لم أرضها أو ترتبط بعض النفوس حمامها يعني : كل النفوس .
قوله تعالى : ( وجئتكم بآية من ربكم ) يعني ما ذكر من الآيات وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته ( فاتقوا الله وأطيعون )
«و» جئتكم «مصدقاً لما بين يدي» قبلي «من التوراة ولأحلَّ لكم بعض الذي حرم عليكم» فيها فأحل لهم من السمك والطير مالا صيصة له وقيل أحل الجميع فبعض بمعنى كل «وجئتكم بآية من ربكم» كرره تأكيدا وليبنى عليه «فاتقوا الله وأطيعون» فيما آمركم به توحيد الله وطاعته.
وجئتكم مصدقًا بما في التوراة، ولأحلَّ لكم بوحي من الله بعض ما حرَّمه الله عليكم تخفيفًا من الله ورحمة، وجئتكم بحجة من ربكم على صدق ما أقول لكم، فاتقوا الله ولا تخالفوا أمره، وأطيعوني فيما أبلغكم به عن الله.
وبعد أن حكى القرآن المعجزات الباهرة التى أيد الله بها عيسى - عليه السلام - عقب ذلك بالإشارة إلى طبيعة رسالته فقال - تعالى { وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } .وقوله - تعالى - { وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } عطف على المضمر الذى تعلق به قوله تعالى { بِآيَةٍ } أى قد جئتكم محتجا أو ملتبسا بآية من ربكم ، ومصدقا لما بين يدى .
.
وجوز أن يكون منصوبا بفعل دل عليه " قد جئتكم " .
.
أى جئتكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ، ومعنى تصديقه - عليه السلام - للتوراة والإيمان بأن جميع ما فيها حكمة وصواب ، وأن كتابه يدعو إلى الإيمان بها .والمعنى : أن عيسى - عليه السلام - قال لبنى إسرائيل : إن الله - تعالى - قد أرسلني إليكم لهدايتكم وقد جئتكم بالمعجزات التي تثبت صدقى .
وجئتكم مصدقا لما بين يدى من التوراة .
أي مقررا لها ومؤمناً بها .ومعنى ما بين يدى ما تقدم قبلى : لأن المتقدم السابق يمشي بين يدى الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق ، وإن كان عيسى - عليه السلام - وبين نزول التوراة أزمنة طويلة لأنها لما اتصل العمل بها إلى مجيئه فكأنها لم تسبقه بزمن طويل ويستعمل بين يدى كذا فى معنى الحاضر المشاهد كما فى قوله - تعالى - { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } وقوله { وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } معمول لمقدر بعد الواو ، أى : وجئتكم لأحل لكم بعض الأشياء التى كانت محرمة عليكم فى شريعة موسى - عليه السلام - فهو من عطف الجملة على الجملة .أى أن شريعة عيسى جاءت متممة لشريعة موسى وناسخة لبعض أحكامها ، فلقد حرم الله - تعالى - على بنى إسرائيل بعض الطيبات بسبب ظلمهم وبغيهم كما جاء فى قوله - تعالى - { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } فجاءت شريعة عيسى - عليه السلام - لتحل لهم بعض ما حرمه الله عليهم بسبب ظلمهم وفجورهم .قال ابن كثير : فيه دلالة على أن عيسى - عليه السلام - نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح من القولين : ومن العلماء من قال : لم ينسخ منها شيئا ، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطأوا فكشف لهم عن خطئهم كما قال فى الآية { وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ } قالوا .
ومن الأطعمة التي أحلها عيسى لبنى إسرائيل بعد أن كانت محرمة عليهم فى شريعة موسى : لحوم الإبل والشحوم وبعض الأسماك والطيور .وقوله { وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } تحريض لهم على الاستجابة لما يدعوهم إليه .قال الفخر الرازى " وإنما أعاد قوله - تعالى - { وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر ، فأعاد ذكر المعجزات ليكون كلامه ناجعا فى قلوبهم ومؤثرا في طباعهم .
ثم خوفهم فقال : { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله فبين أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعونى فيما آمركم عن ربى " .
اعلم أنه عليه السلام لما بيّن بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولاً من عند الله تعالى، بيّن بعد ذلك أنه بماذا أرسل وهو أمران أحدهما: قوله: ﴿ وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة ﴾ .
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قد ذكرنا في قوله: ﴿ وَرَسُولاً إلى بَنِى إسراءيل أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ ﴾ أن تقديره وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ ﴾ فقوله: ﴿ وَمُصَدّقًا ﴾ معطوف عليه والتقدير: وأبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل قائلاً ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ ﴾ ، وإني بعثت ﴿ مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة ﴾ وإنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام عليها.
المسألة الثانية: إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لجميع الأنبياء عليهم السلام، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة، فكل من حصل له المعجز، وجب الاعتراف بنبوته، فلهذا قلنا: بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقاً لموسى بالتوراة، ولعلّ من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين.
وأما المقصود الثاني: من بعثة عيسى عليه السلام قوله: ﴿ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ .
وفيه سؤال: وهو أنه يقال: هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعد الذي كان محرماً عليه في التوراة، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة، وهذا يناقض قوله: ﴿ وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة ﴾ .
والجواب: إنه لا تناقض بين الكلام، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب، وإذا لم يكن الثاني مذكوراً في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرماً فيها، مناقضاً لكونه مصدقاً بالتوراة، وأيضاً إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه مناقضاً للتوراة، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه عليه السلام ما غير شيئاً من أحكام التوراة، قال وهب بن منبه: إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس، ثم إنه فسّر قوله: ﴿ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ بأمرين أحدهما: إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى، فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام والثاني: أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما قال الله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ ثم بقي ذلك التحريم مستمراً على اليهود فجاء عيسى عليه السلام ورفع تلك التشديدات عنهم، وقال آخرون: إن عيسى عليه السلام رفع كثيراً من أحكام التوراة، ولم يكن ذلك قادحاً في كونه مصدقاً بالتوراة على ما بيناه ورفع السبت ووضع الأحد قائماً مقامه وكان محقاً في كل ما عمل لما بينا أن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق.
ثم قال: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ وإنما أعاده لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر فأعاد ذكر المعجزات ليصير كلامه ناجعاً في قلوبهم ومؤثراً في طباعهم، ثم خوفهم فقال: ﴿ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ﴾ لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله تعالى فبيّن أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم به عن ربي، ثم إنه ختم كلامه بقوله: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولون: إنه إله وابن إله لأن إقراره لله بالعبودية يمنع ما تدعيه جهال النصارى عليه، ثم قال: ﴿ فاعبدوه ﴾ والمعنى: أنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ المسيح ﴾ لقب من اولقاب المشرفة، كالصدّيق والفاروق، وأصله مشيحاً بالعبرانية، ومعناه المبارك، كقوله: ﴿ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ ﴾ [مريم: 31] وكذلك ﴿ عِيسَى ﴾ معرب من أيشوع.
ومشتقهما من المسح والعيس، كالراقم في الماء.
فإن قلت: ﴿ إِذْ قَالَتِ ﴾ بم يتعلق؟
قلت: هو بدل من ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الملئكة ﴾ ويجوز أن يبدل من ﴿ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ على أن الاختصام والبشارة وقعاً في زمان واسع، كما تقول: لقيته سنة كذا.
فإن قلت: لم قيل: عيسى ابن مريم والخطاب لمريم؟
قلت: لأنّ الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، فأعلمت بنسبته إليها أنه يولد من غير أب فلا ينسب إلا إلى أمه، وبذلك فضلت واصطفيت على نساء العالمين.
فإن قلت: لم ذكر ضمير الكلمة؟
قلت لأن المسمى بها مذكر.
فإن قلت: لم قيل اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، وأما المسيح والابن فلقب وصفة؟
قلت: الاسم للمسمى علامة يعرف بها ويتميز من غيره، فكأنه قيل: الذي يعرف به ويتميز ممن سواه مجموع هذه الثلاثة ﴿ وَجِيهاً ﴾ حال من ﴿ كلمة ﴾ وكذلك قوله: (ومن المقربين)، (ويكلم) (وَمِنَ الصالحين).
أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.
وصح انتصاب الحال من النكرة لكونها موصوفة.
والوجاهة في الدنيا: النبوّة والتقدم على الناس.
وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة.
وكونه ﴿ مِنَ المقربين ﴾ رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.
والمهد: ما يمهد للصبي من مضجعه، سمي بالمصدر.
و ﴿ فِى المهد ﴾ في محل النصب على الحال، ﴿ وَكَهْلاً ﴾ عطف عليه بمعنى: ويكلم الناس طفلاً وكهلاً.
ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل ويستنبأ فيها الأنبياء.
ومن بدع التفاسير أن قولها: رب نداء لجبريل عليه السلام بمعنى يا سيدي ﴿ ونعلمه ﴾ عطف على يبشرك، أو على وجيها أو على يخلق، أو هو كلام مبتدأ.
وقرأ عاصم ونافع: ﴿ ويعلمه ﴾ ، بالياء.
فإن قلت: علام تحمل: ورسولاً، ومصدّقاً من المنصوبات المتقدّمة، وقوله: ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ و ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يأبى حمله عليها؟
قلت: هو من المضائق، وفيه وجهان: أحدهما أن يضمر له ﴿ وأرسلت ﴾ على إرادة القول؛ تقديره: ونعلمه الكتاب والحكمة، ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم.
ومصدقاً لما بين يدي.
والثاني أن الرسول والمصدّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدق ما بين يدي وقرأ اليزيدي: ورسول: عطفاً على كلمة ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أصله أرسلت بأني قد جئتكم، فحذف الجار وانتصب بالفعل، و ﴿ أَنِى أَخْلُقُ ﴾ نصب بدل من ﴿ أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أو جرّ بدل من آية، أو رفع على: هي أني أخلق لكم، وقرئ: ﴿ إني ﴾ ، بالكسر على الاستئناف، أي أقدر لكم شيئاً مثل صورة الطير ﴿ فَأَنفُخُ فِيهِ ﴾ الضمير للكاف، أي في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فَيَكُونُ طَيْرًا ﴾ فيصير طيراً كسائر الطيور حياً طياراً.
وقرأ عبد الله: ﴿ فأنفخها ﴾ قال: كالهَبْرَقِيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الْفَحْمَا وقيل: لم يخلق غير الخفاش ﴿ الاكمه ﴾ الذي ولد أعمى، وقيل: هو الممسوح العين.
ويقال: لم يكن في هذه الأمّة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.
وروي أنه ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى، من أطاق منهم أتاه، ومن لم يطق أتاه عيسى، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده.
وكرر ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ دفعاً لوهم من توهم فيه اللاهوتية.
وروي: أنه أحيا سام بن نوح وهم ينظرون، فقالوا هذا سحر فأرنا آية، فقال: يا فلان أكلت كذا، ويا فلان خبئ لك كذا.
وقرئ ﴿ تذخرون ﴾ ، بالذال والتخفيف ﴿ وَلأُحِلَّ ﴾ ردّ على قوله: ﴿ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم ويجوز أن يكون ﴿ مُصَدّقاً ﴾ مردوداً عليه أيضاً، أي جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً.
وما حرم الله عليهم في شريعة موسى: الشحوم والثروب ولحوم الإبل، والسمك، وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى بعض ذلك.
قيل: أحل لهم من السمك والطير ما لا صيصية له.
واختلفوا في إحلاله لهم السبت.
وقرئ ﴿ حرم عليكم ﴾ على تسمية الفاعل، وهو ما بين يديّ من التوراة، أو الله عزّ وجلّ، أو موسى عليه السلام؛ لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلوماً عندهم.
وقرئ: ﴿ حرم ﴾ ، بوزن كرم ﴿ وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ لأنّ جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه، وقرئ بالفتح على البدل من ﴿ ءايَةً ﴾ .
وقوله: ﴿ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ﴾ اعتراض، فإن قلت: كيف جعل هذا القول آية من ربه؟
قلت لأنّ الله تعالى جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل، حيث هداه للنظر في أدلة العقل والاستدلال.
ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم، من خلق الطير، والإبراء، والإحياء، والإنباء بالخفايا، وبغيره من ولادتي بغير أب، ومن كلامي في المهد، ومن سائر ذلك.
وقرأ عبد الله.
﴿ وجئتكم بآيات من ربكم ﴾ ، فاتقوا الله لما جئتكم به من الآيات، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه.
ثم ابتدأ فقال: ﴿ إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ ﴾ ومعنى قراءة من فتح: ولأنّ الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله: ﴿ لإيلاف قُرَيْشٍ....
فَلْيَعْبُدُواْ ﴾ [قريش: 1 3] ويجوز أن يكون المعنى: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وما بينهما اعتراض.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ﴾ عُطِفَ عَلى رَسُولًا عَلى الوَجْهَيْنِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَدْ جِئْتُكم أيْ وجِئْتُكم مُصَدِّقًا.
﴿ وَلأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ مُقَدَّرٌ بِإضْمارِهِ، أوْ مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى مُصَدِّقًا كَقَوْلِهِمْ جِئْتُكَ مُعْتَذِرًا ولِأُطَيِّبَ قَلْبَكَ.
﴿ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالشُّحُومِ والثُّرُوبِ والسَّمَكِ ولُحُومِ الإبِلِ والعَمَلِ في السَّبْتِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ شَرْعَهُ كانَ ناسِخًا لِشَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يَخْلُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ، كَما لا يَعُودُ نَسْخُ القُرْآنِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ عَلَيْهِ بِتَناقُضٍ وتَكاذُبٍ، فَإنَّ النَّسْخَ في الحَقِيقَةِ بَيانٌ وتَخْصِيصٌ في الأزْمانِ ﴿ وَجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)
{وَمُصَدِّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة} أي قد جئتكم بآية وجئتكم مصدقاً {وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} رد على قوله بآية من ربكم أي جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم وما حرم الله عليهم في شريعة موسى عليه السلام الشحوم ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر فأحل لهم عيسى بعض ذلك {وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ} كرر للتأكيد {فاتقوا الله} في تكذيبي وخلافي {وَأَطِيعُونِ} في أمري
﴿ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ﴾ عَطْفُ إمّا عَلى المُضْمَرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِآيَةٍ ﴾ أيْ قَدْ جِئْتُكم مُحْتَجًّا أوْ مُتَلَبِّسًا بِآيَةٍ الخ ومُصَدِّقًا لِما الخ، وإمّا عَلى ”رَسُولًا“ وفِيهِ مَعْنى النُّطْقِ مِثْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ أيْ وجِئْتُكم مُصَدِّقًا الخ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مِنَ التَّوْراةِ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ، أوِ الظَّرْفُ نَفْسُهُ لِقِيامِهِ مَقامَ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (ما) فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ ”مُصَدِّقًا“ ومَعْنى تَصْدِيقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّوْراةِ الإيمانُ بِأنَّ جَمِيعَ ما فِيها حِكْمَةٌ وصَوابٌ، وقِيلَ: إنَّ تَصْدِيقَهُ لَها مَجِيئُهُ رَسُولًا طِبْقَ ما بَشَّرَتْ بِهِ ﴿ ولأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ مَعْمُولٌ لِمُقَدَّرٍ بَعْدَ الواوِ أيْ وجِئْتُكم لِأُحِلَّ، فَهو مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ بِآيَةٍ ﴾ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ جِئْتُكم بِآيَةٍ ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى لِأُظْهِرَ لَكم آيَةً ولِأُحِلَّ فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَطْفُ المَفْعُولِ لَهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ”مُصَدِّقًا“ ويُلْتَزَمُ التَّأْوِيلُ بِما يَجْعَلُهُما مِن بابٍ واحِدٍ، وإنْ كانَ الأوَّلُ حالًا، والثّانِي مَفْعُولًا لَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: جِئْتُكم لِأُصَدِّقَ ولِأُحِلَّ، وقِيلَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ جِئْتُكم فِيها كُلِّها إذْ لا يُعْطَفُ نَوْعٌ مِنَ المَعْمُولاتِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ.
﴿ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّهُ قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألِينَ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِما فِيما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُ الإبِلِ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ مِمّا لا صِيصِيَةَ لَهُ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَ عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في «اَلْإنْجِيلِ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ «اَلْإنْجِيلَ» مُشْتَمِلٌ عَلى أحْكامٍ تُغايِرُ ما في «اَلتَّوْراةِ» وأنَّ شَرِيعَةَ عِيسى نَسَخَتْ بَعْضَ شَرِيعَةِ مُوسى، ولا يَخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ فَإنَّ النَّسْخَ بَيانٌ لِانْتِهاءِ زَمانِ الحُكْمِ الأوَّلِ لا رَفْعَ وإبْطالَ كَما تَقَرَّرَ، وهَذا مِثْلُ نَسْخِ القُرْآنِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ «اَلْإنْجِيلَ» لَمْ يَخُصَّ أحْكامًا ولا حَوى حَلالًا وحَرامًا ولَكِنَّهُ رُمُوزٌ وأمْثالٌ ومَواعِظُ وزَواجِرُ، وما سِوى ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَمُحالَةٌ عَلى «اَلتَّوْراةِ»، وإلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَنْسَخْ شَيْئًا مِمّا في «اَلتَّوْراةِ»، وكانَ يَسْبِتُ ويُصَلِّي نَحْوَ البَيْتِ المُقَدَّسِ، ويُحَرِّمُ لَحْمَ الخِنْزِيرِ، ويَقُولُ بِالخِتانِ إلّا أنَّ النَّصارى غَيَّرُوا ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِهِ فاِتَّخَذُوا يَوْمَ الأحَدِ بَدَلَ يَوْمِ السَّبْتِ لِما أنَّهُ أوَّلُ يَوْمٍ في الأُسْبُوعِ ومَبْدَأُ الفَيْضِ، وصَلُّوا نَحْوَ المَشْرِقِ لِما تَقَدَّمَ، وحَمَلُوا الخِتانَ عَلى خِتانِ القَلْبِ وقَطْعِهِ عَنِ العَلائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ والعَوائِقِ عَنِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ وأحَلُّوا لَحْمَ الخِنْزِيرِ، مَعَ أنَّ مُرْقُسَ حَكى في «إنْجِيلِهِ» أنَّ المَسِيحَ أتْلَفَ الخِنْزِيرَ وغَرَّقَ مِنهُ في البَحْرِ قَطِيعًا كَبِيرًا وقالَ لِتَلامِذَتِهِ: لا تُعْطُوا القُدْسَ الكِلابَ ولا تُلْقُوا جَواهِرَكم قُدّامَ الخَنازِيرِ فَقَرَنَها بِالكِلابِ، وسَبَبُ ذَلِكَ زَعْمُهم أنَّ بُطْرُسَ رَأى في النَّوْمِ صَحِيفَةً نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، وفِيها صُوَرُ الحَيَواناتِ وصُورَةُ الخِنْزِيرِ، وقِيلَ لَهُ: يا بُطْرُسُ كُلْ مِنها ما أحْبَبْتَ ونُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والذّاهِبُونَ إلَيْهِ أوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ ما حَرَّمَهُ عُلَماؤُهم تَشَهِّيًا أوْ خَطَأً في الِاجْتِهادِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّ المَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ في «اَلْإنْجِيلِ»: ما جِئْتُ لِأُبْطِلَ التَّوْراةَ بَلْ جِئْتُ لِأُكْمِلَها.
ولا يَخْفى أنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ بِما أوَّلُوهُ بِهِ بِعِيدٌ في نَفْسِهِ، ويَزِيدُهُ بُعْدًا أنَّهُ قُرِئَ (حَرَّمَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ ما ﴿ بَيْنَ يَدَيَّ ﴾ أوِ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ أيْضًا (حَرُمَ) بِوَزْنِ كَرُمَ، وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِن كَلامِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُنافِي النَّسْخَ لِما عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ بِإبْطالٍ وإنَّما هو بَيانٌ لِانْتِهاءِ الحُكْمِ الأوَّلِ، ومَعْنى التَّكْمِيلِ ضَمُّ السِّياسَةِ الباطِنَةِ الَّتِي جاءَ بِها إلى السِّياسَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قِيلَ، أوْ نَسْخُ بَعْضِ أحْكامِ التَّوْراةِ بِأحْكامٍ هي أوْفَقُ بِالحِكْمَةِ وأوْلى بِالمَصْلَحَةِ وأنْسَبُ بِالزَّمانِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُ المَسِيحِ حُجَّةً لِلْأوَّلِينَ لا عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ هو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي العِرْفانِ.
﴿ وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في نَظِيرِهِ، وقُرِئَ (بِآياتٍ)، ﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في عَدَمِ قَبُولِ ما جِئْتُكم بِهِ ﴿ وأطِيعُونِ ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ وأنْهاكم [عَنْهُ] بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ يعني الذي ذكر في هذه الآية من قصة زكريا ومريم من أخبار الغيب، مما غاب عنك خبره، ولم تكن حاضراً، وفي الآية دليل نبوة محمد ، حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم، ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر عن ذلك، وصدقه أهل الكتاب بذلك، فذلك قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ يعني لم تكن عندهم، وإنما تخبر عن الوحي.
فقال: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ يعني يطرحون أقلامهم في النهر بالقرعة وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ في أمر مريم إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ يعني جبريل- - وحده إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ قرأ نافع وعاصم وابن عامر يُبَشِّرُكِ بالتشديد في جميع القرآن.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتشديد في جميع القرآن إلا في حم، عسق ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ [الشورى: 23] بالتخفيف، وقرأ حمزة بالتخفيف إلا في قوله فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الحجر: 54] ووافقه الكسائي في بعضها، فمن قرأ بالتشديد، فهو من المباشرة، ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يفرحك، وكانت قصة البشارة أن مريم لما طهرت من الحيض، ودخلت المغتسل كما قال في سورة مَرْيَمَ، إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [مريم: 16] ، يعني أرادت أن تغتسل في جنب المشرفة، فلما دخلت المغتسل، رأت بشراً كهيئة الإنسان كما قال فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [مريم: 17] ، فخافت مريم، ثم قَالَتْ: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا [مريم: 18] ، لأن التقي يخاف الرحمن.
فقال لها جبريل: قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا [مريم: 19] ، وذكرها هنا بلفظ آخر.
ومعناه واحد قال: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ [آل عمران: 45] ، أي بولد بغير أب يصير مخلوقاً بكلمة من الله، وهو قوله كن فكان اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ويقال إنما سمي المسيح، لأنه يسيح في الأرض.
ويقال: المسيح بمعنى الماسح، كان يمسح وجه الأعمى فيبصر.
وقال الكلبي: المسيح الملك.
ثم قال وَجِيهاً أي ذا جاه فِي الدُّنْيا وَله منزلة فِى الْآخِرَةِ وقال مقاتل: فيها تقديم يعني وجيهاً في الدنيا وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في الآخرة عند ربه.
وقال الكلبي: وَجِيهاً فِي الدُّنْيا يعني في أهل الدنيا بالمنزلة، وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في جنة عدن وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي في حال صغره، وهو طفل في حجر أمه طفلاً وكهلاً، يعني إذا اجتمع عقله وكبر، فإن قيل: ما معنى قوله كهلاً؟
والكلام من الكهل لا يكون عجباً.
قيل له: المراد منه كلام الحكمة والعبرة.
ويقال: كهلاً بعد نزوله من السماء، وهو قول الكلبي وَمِنَ الصَّالِحِينَ مع آبائه في الجنة قالَتْ مريم رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ يعني من أين يكون لي ولد وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وهو كناية عن الجماع ف قالَ جبريل كَذلِكِ يعني هكذا كما قلت إنه لم يمسسك بشر ولكن اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً يعني إذا أراد أن يخلق خلقا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فنفخ جبريل في جيبها، يعني في نفسها قال بعضهم: وقع نفخ جبريل في رحمها، فعلقت بذلك.
وقال بعضهم: لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل، لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة، وبعضه من الإنس، ولكن سبب ذلك إن الله تعالى لما خلق آدم- - وأخذ الميثاق من ذريته، فجعل بعضهم في أصلاب الآباء، وبعضهم في أرحام الأمهات، فإذا اجتمع الماءان صار ولداً، وإن الله تعالى جعل المَاءَيْن جميعاً في مريم، بعضه في رحمها، وبعضه في صلبها، فنفخ فيها جبريل لتهيج شهوتها، لأن المرأة ما لم تهج شهوتها، لا تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخة جبريل، وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها، فاختلط الماءان فعلقت بذلك، فذلك قوله: إِذا قَضى أَمْراً، يعني إذا أراد أن يخلق خلقاً سبحانه، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بغير أب، ثم قال تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ قرأ نافع وعاصم وَيُعَلِّمُهُ بالياء يعني أن الله يعلمه، وقرأ الباقون بالنون، ومعناه أن الله يقول ونعلمه الْكِتابَ يعني كتب الأنبياء.
وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: يعني الخط والكتابة، فعلّمه الله بالوحي والإلهام وَالْحِكْمَةَ يعني الفقه وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني يحفظ التوراة عن ظهر قلبه.
وقال بعضهم: وهو عالم بالتوراة.
وقال بعضهم: ألهمه الله بعد ما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة.
ثم قال: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ نصب رسولاً لمعنيين: أحدهما يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، والثاني ويكلم الناس ورسولاً.
أي في حال رسالته إلى بني إسرائيل دليله أنه قال: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وذكر الزجاج- فالمعنى والله أعلم- ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
ثم أخبر عن أداء رسالته بعد ما أوحى إليه في حال الكبر، حيث قال لقومه: أنى قد جئتكم بآية من ربكم، يعني علامة لنبوتي، ثم بيّن العلامة فقال: أَنِّي أَخْلُقُ أي أقدر لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ويقال: إن الناس سألوه عنه على وجه التعنت فقالوا له: اخلق لنا خفَّاشاً، واجعل فيه روحاً إن كنت صادقاً في مقالتك، فأخذ طيناً، وجعل منه خفاشاً، ونفخ فيه، فإذا هو يطير بين السماء والأرض، فكأن تسوية الطين، والنفخ من عيسى- - والخلق من الله- عز وجل- كما أن النفخ من جبريل- - والخلق من الله- عَزَّ وَجَلَّ- ويقال: إنما طلبوا منه خلق خفاش، لأنه أعجب من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه لحم ودم، يطير بغير ريش، ويلد كما يلد الحيوان، ولا يبيض كما تبيض سائر الطيور، ويكون له ضرع يخرج منه لبن، ولا يبصر في ضوء النهار، ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة، فلما أن رأوا ذلك منه ضحكوا.
وقالوا: هذا سِحْر.
ثم قال تعالى: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ الأكمه الذي ولد أعمى فقالوا: إن لنا أطباء يفعلون مثل هذا، فذهبوا إلى جالينوس، وأخبروه بذلك فقال جالينوس: إذا ولد أعمى، لا يبصر بالعلاج، والأبرص إذا كان بحال إذا غرزت الإبرة فيه لا يخرج الدم منه لا يبرأ بالعلاج، فرجعوا إلى عيسى- - وجاءوا بالأكمه والأبرص، فمسح يده عليهما، فأبصر الأعمى، وبرأ الأبرص، فآمن به بعضهم، وجَحَد بعضهم.
وقالوا: هذا سِحْر.
ثم قال تعالى: وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ فأَخْبَروا بذلك جالينوس.
فقال: الميت لا يعيش، ولا يحيى بالعلاج، فإن كان هو يحيي الموتى، فهو نبي، وليس بطبيب، فطلبوا منه أن يحيي الموتى، فأحيا أربعة نفر، أحدهم عازر، وكان صديقاً له، فبلغه أنه مات، فذهب مع أصحابه، وقد دفن، وأتى عليه أيام، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى وَوَدَكُه يقطر، فعاش وَوُلد له.
والثاني ابن العجوز، مَرّ به وهو يحمل على سرير، فدعا الله، فقام بإذن الله تعالى، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله.
والثالث ابنة من بنات العاشر ماتت، وأتى عليها ليلة، فدعا الله تعالى، فعاشت بعد ذلك، وولد لها.
والرابع سام بن نوح، لأن القوم قالوا له: إنك تحيي من كان موته قريباً، فلعلهم لم يموتوا، وأصابتهم سكتة، فأحيي لنا سام بن نوح.
فقال: دلوني على قبره، فخرج وخرج القوم معه حتى انتهوا إلى قبره، فدعا الله تعالى، فأحياه وخرج من قبره قد شابت رأسه.
فقال له عيسى: كيف شابت رأسك ولم يكن في زمانكم شيب؟
فقال: يا روح الله إنك لما دعوتني، سمعت صوتاً يقول أَجِبْ روحَ الله، فظننت أن القيامة قد قامت، فمن ذلك الهول شابت رأسي، فسأله عن النَّزْع.
فقال له: يا روح الله إن مرارة النزع لم تذهب عن حنجرتي، وقد كان من وقت موته أكثر من أربعة آلاف سنة، ثم قال للقوم: صدقوه فإنه نبي الله، فآمن به بعضهم، وكذب به بعضهم.
وقالوا: هذا ساحر، فأرنا آية نعلم أنك صادق، فأخبرنا بما نأكل في بيوتنا، وما نَدَّخر للغد، فأخبرهم.
فقال: يا فلان أنت أكلت كذا وكذا، وأنت أكلت كذا وكذا، وادّخرت كذا وكذا، فذلك قوله عز وجل: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر.
ويقال إن الله بعث كل نبي إلى قومه، وأظهر لهم نوع ما كانوا يعرفونه، فكان في زمن موسى- - الغالب عليهم السحر، فبيَّن لهم من جنس ذلك، ليعرفوا أن ذلك ليس بِسِحْر، وأنه من الله تعالى، وكان الغالب في زمن عيسى- - علم الطب، فجاءهم عيسى بما عجز الأطباء عنه، فعرف الأطباء أن ذلك ليس من الطب، وكان في زمن نبينا- - الفصاحة والشعر، فجاءهم بقرآن عجز الفصحاء والشعراء عن إتيان مثله.
ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ يعني فيما صنع عيسى- - علامة لنبوته إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين أنه نبي، قرأ نافع: فيكون طائراً، وكذلك في سورة المائدة.
وقرأ الباقون بغير ألف، ومعناهما واحد.
ويقال: الطائر واحد، والطير جماعة.
ثم قال: وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومعناه جئتكم مصدقاً، يعني الكتاب الذي أنزل عليّ، وهو الإنجيل مُصَدِّقاً، أي موافقاً لما بين يدي من التوراة وَلِأُحِلَّ لَكُمْ يعني أرخص لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ مثل الشحوم، ولحوم الإبل، ولحم كل ذي ظفر، وأما الميت، ولحم الخنزير، فهو حرام أبداً.
قوله: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني أني لم أحل لكم شيئاً بغير برهان، فحقيق عليكم اتباعي، لأني أتيتكم ببرهان، وأتيتكم بتحليل الطيبات فَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم ونهاكم وَأَطِيعُونِ فيما آمركم وأنهاكم، وأنصح لكم إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ هذا تكذيب لقول النصارى حيث قالوا: إن الله هو المسيح.
وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فاعترف عيسى أنه عبد الله، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أي خالقي وخالقكم، ورازقي ورازقكم، فاعبدوه، أي وحدوه ولا تشركوا به شيئا هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم، لا عوج فيه، وهو طريق الجنة.
<div class="verse-tafsir"
والكلامُ في قولِهِ: كَذلِكِ كالكلامِ في أمر زكريَّا، وجاءَتِ العبارةُ في أمر زكريَّا:
«يَفْعَلُ» ، وجاءت هنا: «يَخْلُقُ» من حيث إِنَّ أمر زكريَّا داخلٌ في الإِمكان الذي يتعارَفُ، وإنْ قَلَّ، وقصَّة مريم لا تتعارَفُ البتَّة، فلفظ الخَلْق أقربُ إِلى الاِختراعِ، وأدَلُّ عليه.
وقوله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً: معناه: إِذا أراد إِيجاده، والأمر واحدُ الأمور، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ به، والضميرُ في «لَهُ» عائدٌ على الأمْر والقول على جهة المخاطبة.
وقوله: كُنْ: خطابٌ للمَقْضِيِّ.
وقوله: فَيَكُونُ بالرفع: خطابٌ للمُخْبَر.
وقوله تعالى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ ...
الآية: الكِتَابُ هنا: هو الخَطُّ باليد، وهو مصدر: كَتَبَ يَكْتُبُ قاله جمهور المفسّرين.
وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
وقوله: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، أي: ويجعله رسولاً، وكانت رسالةُ عيسى- عليه السلام- إلى بني إِسرائيل مبيِّناً حُكْمَ التوراة، ونَادِباً إِلى العَمَل بها، ومُحَلِّلاً أشياءَ ممَّا حرم فيها كَالثُّرُوبِ ولُحُومِ الإِبل، وأشياء من الحِيتَانِ والطَّيْر/، ومن أول القول لِمَرْيم إِلى قوله: إِسْرائِيلَ: خطابٌ لمريم، ومن قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ إِلى قوله:
مُسْتَقِيمٌ: يحتملُ أنْ يكون خطاباً لمريم على معنى: يَكُونُ من قوله لِبَنِي إِسرائيل كَيْتَ وَكَيْتَ، ويكون في آخر الكلام محذوفٌ يدُلُّ عليه الظاهرُ، تقديره: فجاء عيسى بني إِسرائيل رسولاً، فقال لهم ما تقدَّم ذكْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكون المحذوفُ مقدَّراً في صَدْرِ الكلامِ بعد قوله: إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، فيكون تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّهُ رسولاً إلى بني إِسرائيل بأنِّي قد جئتكم، ويكون قوله: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ليس بخِطَابٍ لِمَرْيَمَ، والأول أظهر.
وقوله: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ ...
الآية: قرأ نافعٌ: «إِنِّي أَخْلُقُ» بكسر الهمزة، وقرأ باقي السَّبْعة بفَتْحها، فوجه قراءةِ نافعٍ إِمَّا القَطْعُ والاستئناف، وإِما أنه فسَّر الآية بقوله:
إِنِّي، كما فسر المَثَلَ في قوله: كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ووجْه قراءة الباقين البَدَلُ
من «آية» كأنه قال: وجئْتكم بِأَنِّي أخلْقُ، وأَخْلُقُ: معناه: أقدّر وأهيئ بيَدِي.
ص: كَهَيْئَةِ: الهيئةُ: الشَّكْل والصُّورة، وهو مصدر: هَاءَ الشَّيْءُ يَهِيىءُ هَيْئَةً، وَهَيَّأَ، إِذا ترتَّب واستقر على حالٍ مَّا، وتعدِّيه بالتضْعيف، قال تعالى: وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً [الكهف: ١٦] اهـ.
وقرأ نافعٌ وحْده: «فَيَكُونُ طَائِراً» بالإِفراد أي: يكون طائراً من الطيورِ، وقرأ الباقونَ: «فَيَكُونُ طَيْراً» بالجمع وكذلك في «سورة المائدة» والطير: اسمُ جمعٍ، وليس من أبنيةِ الجُمُوع، وإِنما البنَاءُ في جَمْعِ طائرٍ: أَطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ: طُيُورٌ.
وقوله: فَأَنْفُخُ فِيهِ، ذكَّر الضميرَ لأنه يحتملُ أنْ يعود على الطِّينِ المهيّأ، ويحتملُ أنْ يريد: فأنفُخُ في المذكور، وأنَّثَ الضميرَ في «سورة المائدة» لأنه يحتمل أنْ يعود على الهيئة، أوْ على تأنيثِ لَفْظ الجَمَاعة، وكَوْنُ عيسى يخلُقُ بيده، وينفُخُ بِفِيهِ، إِنما هو ليبيِّن تلبُّسه بالمعجزةِ، وأنها جاءَتْ من قِبَلِهِ، وأمَّا الإِيجاد من العَدَمِ، وخَلْقُ الحياةِ في ذلك الطِّينِ، فمِنَ اللَّهِ تعالى وحده، لا شريك له.
ورُوِيَ في قَصَصٍ هذه الآية، أنَّ عيسى- عليه السلام- كانَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خِلْقَةً، وَأَصْعَبُ أنْ يحكى؟
فيَقُولُونَ: الخُفَّاشُ لأَنَّهُ طَائِرٌ لاَ رِيشَ لَهُ، فَكَانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِّينِ خَفَافِيشَ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهَا فَتَطِيرُ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَمُعَايَنَتِهِمْ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: «هَذَا سَاحِرٌ» أُبْرِئُ معناه: أزيل المرض، والْأَكْمَهَ: هو الَّذِي يُولَدُ أعمى مضمومَ العَيْنَيْنِ قاله ابن عَبَّاسٍ وقتادة «١» ، قال ع «٢» : والأَكْمَهُ في اللغة: هو الأعمى، وقد كان عيسى- عليه السلام- يبرىءُ بدعائِهِ، ومَسْحِ يدِهِ على كل عاهة، ولكنَّ الاحتجاج على بني إِسرائيل في معنى النبوَّة لا يقومُ إِلاَّ بالإِبراء من العِلَلِ التي لا يُبْرِىءُ منها طبيبٌ بوجْهٍ، ورُوِيَ في إِحيائه الموتى أنه كان يَضْرِبُ بعَصَاهُ الميِّتَ، أو القَبْرَ، أو الجُمْجُمَةَ فَيَحْيَى الإِنسانُ، ويكلِّمه بإِذن اللَّه، وفي قصص الإِحياء أحاديثُ كثيرةٌ لا يوقَفُ على صحَّتها، وآياتُ عيسى- عليه السلام- إِنما تَجْرِي فيما يُعَارِضُ الطِّبَّ لأن علْمَ الطِّبِّ كان شَرَفَ النَّاس في ذلك/ الزّمان،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصَبَ "مُصَدِّقًا" عَلى الحالِ، أيْ: وجِئْتُكم مُصَدِّقًا ﴿ وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانَ قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مُوسى الإبِلَ والثُّرُوبَ وأشْياءً مِنَ الطَّيْرِ، فَأحَلَّها عِيسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجِئْتُكم بِآيَةٍ ﴾ أيْ: بِآَياتٍ تَعْلَمُونَ بِها صِدْقِي، وإنَّما وحَّدَ، لِأنَّ الكُلَّ مِن جِنْسٍ واحِدٍ ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ رَبِّكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِنَ رَبِّكم فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ: "مُصَدِّقًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ ﴾ .
لِأنَّ قَوْلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ مُتَّبِعًا عامِلًا بِما فِيها.
قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألْيَنَ مِنَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ والشُحُومَ، قالَ الرَبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَمَكِ، وما لا صِئْصِئَةَ لَهُ مِنَ الطَيْرِ.
وكانَ في التَوْراةِ مُحَرَّماتٌ تَرَكَها شَرْعُ عِيسى عَلى حالِها، فَلَفْظَةُ البَعْضِ عَلى هَذا مُتَمَكِّنَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَعْضُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الكُلِّ، وخَطَّأهُ الناسُ في هَذِهِ المَقالَةِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ شاهِدًا عَلى قَوْلِهِ بَيْتَ لَبِيدٍ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ يَرْضَها أو يَخْتَرِمْ بَعْضَ النُفُوسِ حِمامُها وَلَيْسَتْ في البَيْتِ لَهُ حُجَّةٌ، لِأنَّ لَبِيدًا أرادَ نَفْسَهُ فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى وشَرَعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" بِفَتْحِ الحاءِ والراءِ المُشَدَّدَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى أو إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجِئْتُكم بِآيَةٍ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ تَحْذِيرٌ ودُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ الخَبَرِ، وقَرَأهُ قَوْمٌ "أنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ.
قالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّ" بَدَلٌ مِن "آيَةٍ"، في قَوْلِهِ: ﴿ جِئْتُكم بِآيَةٍ ﴾ ، وفي هَذا ضَعْفٌ، وإنَّما التَقْدِيرُ: أطِيعُونِي، لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى: لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ ﴾ ، لِأنَّ ألْفاظَهُ جَمَعَتِ الإيمانَ والطاعاتِ.
والصِراطُ: الطَرِيقُ، والمُسْتَقِيمُ: الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على بآية بناء على أنّ قوله: بآية ظرف مستقرّ في موضع الحال كما تقدم أو عطف على جملة جئتكموَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَلاُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } فيقدّر فعل جئتكم بعد واو العطف، ﴿ ومصدّقاً ﴾ حال من ضمير المقدّر معه، وليس عطفاً على قوله: ﴿ ورسولا ﴾ [آل عمران: 49] لأنّ رسولاً من كلام الملائكة، ﴿ ومصدقاً ﴾ من كلام عيسى بدليل قوله: ﴿ لما بين يدي ﴾ .
والمصدّق: المخبر بصِدق غيره، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية، للدلالة على تصديققٍ مُثبت محقّق، أي مصدّقاً تصديقاً لا يشوبُه شك ولا نِسبةٌ إلى خطأ.
وجَعْل التصديق متعدياً إلى التوراة تَوْطئة لقوله: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ .
ومعنى ما بين يديّ ما تقدم قبلي، لأنّ المتقدّم السابق يمشي بين يدي الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة، لأنّها لما اتّصل العمل بها إلى مَجيئه، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل.
ويستعمل بين يديْ كذا فِي معنى المشاهَد الحاضر، كما تقدم في قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم في سورة البقرة.
وعَطْف قوله ولأحِلّ } على ﴿ رسولاً ﴾ وما بعده من الأحوال: لأنّ الحال تشبه العلة؛ إذ هي قيد لعاملها، فإذا كان التقييد على معنى التعليل شابَه المفعولَ لأجله، وشابَه الجرور بلام التعليل، فصح أن يُعطف عليها مجرورٌ بلام التعليل.
ويجوز أن يكون عطفاً على قوله: ﴿ بآية من ربكم ﴾ فيتعلّق بفعللِ جئتكم.
وعقب به قوله: ﴿ مصدّقاً لما بين يديّ ﴾ تنبيهاً على أنّ النسخ لا ينافي التصديق؛ لأنّ النسخ إعلام بتغيُّر الحكم.
وانحصرت شريعة عيسى في إحياء أحكام التوراة وما تركوه فيها وهو في هذا كغيره من أنبياء بني إسرائيل، وفي تحليل بعض ما حرمه الله عليهم رعياً لحالهم في أزمنة مختلفة، وبهذا كان رسولاً.
قيل أحلّ لهم الشحوم، ولحوم الإبل، وبعض السمك، وبعض الطير: الذي كان محرّماً من قبل، وأحلّ لهم السبت، ولم أقف على شيء من ذلك في الإنجيل.
وظاهر هذا أنّه لم يحرّم عليهم ما حلّل لهم، فما قيل: إنّه حرّم عليهم الطلاق فهو تقوُّل عليه وإنّما حذّرهم منه وبَيّن لهم سوء عواقبه، وحرّم تزوج المرأة المطلّقة وينضم إلى ذلك ما لا تخلو منه دعوة: من تذكير، ومواعظ، وترغيبات.
﴿ وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ﴾ ﴿ إِنَّ الله رَبِّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ تأكيد لقوله الأولِ: ﴿ أنى قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ [آل عمران: 49].
وإنما عطف بالواو لأنه أريد أن يكون من جملة الأخبار المتقدّمة ويحصل التأكيد بمجرّد تقدم مضمونه، فتكون لهذه الجملة اعتباران يجعلانها بمنزلة جملتين، وليبنى عليه التفريع بقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ .
وقرأ الجمهور قوله: ﴿ وأطيعون ﴾ بحذف ياء المتكلم في الوصل والوقف، وقرأه يعقوب: بإثبات الياء فيهما.
وقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم فاعبدوه ﴾ إنّ مكسورة الهمزة لا محالة، وهي واقعة موقع التعليل للأمر بالتقوى والطاعة كشأنها إذا وقعت لِمجرّد الاهتمام كقول بشار *** بَكِّرا صَاحِبَيّ قَبْلَ الهَجير إنّ ذَاكَ النجَاحَ في التبْكِيرِ *** ولذلك قال: ﴿ ربي وربكم ﴾ فهو لكونه ربّهم حقيق بالتقوى، ولكونه ربّ عيسى وأرسله تقتضي تقواه طاعةَ رسوله.
وقوله: فاعبدوه تفريع على الرُّبوبية، فقد جعل قولَه إنّ الله ربي تعليلاً ثم أصلا للتفريع.
وقوله: ﴿ هذا صراط مستقيم ﴾ الإشارة إلى ما قاله كلِّه أي أنّه الحق الواضح فشبهه بصراط مستقيم لا يضلّ سالكه ولا يتحير.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مَن أنْصارِي مَعَ اللَّهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ مَن يَنْصُرُنِي إلى نَصْرِ اللَّهِ.
وَواحِدُ الأنْصارِ نَصِيرٌ.
﴿ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ﴾ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِمْ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم خاصَّةُ الأنْبِياءِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِنَقاءِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَّحّاكِ.
وَأصْلُ الحَوارِيِّ: الحَوَرُ وهو شِدَّةُ البَياضِ، ومِنهُ الحَوارِيُّ مِنَ الطَّعامِ لِشِدَّةِ بَياضِهِ، والحَوَرُ نَقاءُ بَياضِ العَيْنِ.
واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اسْتِنْصارِ المَسِيحِ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ طَلَبًا لِلْحِمايَةِ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا قَتْلَهُ حِينَ أظْهَرَ دَعْوَتَهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ وإظْهارِ الحَقِّ.
والثّالِثُ: لِتَمْيِيزِ المُؤْمِنِ المُوافِقِ مِنَ الكافِرِ المُخالِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي صِلْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم بِالإخْلاصِ عَلى التَّقْوى.
والثّانِي: أثْبِتْ أسْماءَنا مَعَ أسْمائِهِمْ لِنَنالَ ما نالُوا مِنَ الكَرامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مَكَرُوا بِالمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحِيلَةِ عَلَيْهِ في قَتْلِهِ، ومَكَرَ اللَّهُ في رَدِّهِمْ بِالخَيْبَةِ لِإلْقاءِ شَبَهِ المَسِيحِ عَلى غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: مَكَرُوا بِإضْمارِ الكُفْرِ، ومَكَرَ اللَّهُ بِمُجازاتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وإنَّما جازَ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ وإنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ ولَيْسَ الثّانِي اعْتِداءً، وأصْلُ المَكْرِ: الِالتِفافُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ مَكْرًا، والمَكْرُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الإنْسانِ لِالتِفافِ المَكْرُوهِ بِهِ.
والفَرْقُ بَيْنَ المَكْرِ والحِيلَةِ أنَّ الحِيلَةَ قَدْ تَكُونُ لِإظْهارِ ما يَعْسُرُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الإضْرارِ، والمَكْرُ: التَّوَصُّلُ إلى إيقاعِ المَكْرُوهِ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن وهب.
أن عيسى كان على شريعة موسى عليهما السلام، وكان يسبت، ويستقبل بيت المقدس، وقال لبني إسرائيل: أني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة الا ﴿ ولأُحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وأضع عنكم من الآصار.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ ولأحلّ لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ قال: كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل، والثروب، فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرمت عليهم الشحوم، فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير ما لا صيصية له، وفي أشياء أخر رحمها عليهم وشدد عليهم فيها.
فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ قال: ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها وما أعطاه ربه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ ﴾ .
[قال الفرَّاءُ (١) (٢) ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ على الحال، المعنى: (وجئتكم مصدِّقاً لِما بين يَدَيَّ)] (٣) ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ .
ومثله في الكلام: (جئتُه بما يُحِب، ومُكْرِماً لهُ) (٤) قال الفرَّاء (٥) ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ عطفاً على ﴿ وَجِيهًا ﴾ ؛ لأنه لو كان كذلك، لقال: (ومُصدِّقاً لِمَا بين يَدَيْهِ) (٦) ﴿ وَرَسُولًا ﴾ (٧) (٨) ومعنى ﴿ لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ ﴾ : أي: للكتاب (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلِأحِلَّ لَكُمْ ﴾ قال الفرَّاء (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وأهل التحقيق من النحويين قالوا: الواو لا تُقْحَمُ إلا معَ (حتى إذا)، ومع (لَمَّا) (١٥) قالوا: أو، والواو ههنا للعطف على معنى الكلام الأول (١٦) (١٧) وقال ابن الأنباري (١٨) ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ (١٩) ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ ، تقديره: ولِيكون من الموقنين نُرِيهِ (٢٠) (٢١) - قوله تعالى: ﴿ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قال المفسرون (٢٢) (٢٣) .
قال الله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ (٢٤) (٢٥) ﴿ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ لأن عيسى لم يأتهم بتحليل الفواحش من: القتل، والسَّرِقِ، والزِّنا.
وذهب أبو عبيدة (٢٦) أو يعتَلِقْ (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) وسنستقصي الكلام في (بعض) عند قوله: ﴿ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ ، وأنه هل يجوز أن يكون بمعنى الكلِّ، أم لا؟.
إنْ شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قال أبو إسحاق (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) وإنَّما وحَّد (٣٥) (١) في "معاني القرآن" له 1/ 216.
ونسب النحاسُ كذلك القول بهذا لأحمد بن يحيى (ثعلب).
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 335.
(٢) في "معاني القرآن" له 1/ 415.
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج)، (د).
(٤) في (ب): (ومكر حاله).
(٥) في "معاني القرآن" له 1/ 216، نقله عنه بتصرف.
(٦) (أي): إنه لو كان معطوفًا على ﴿ وَجِيهًا ﴾ لجاء بضمير الغيبة، لا بضمير المتكلِّم.
(٧) (أي): يمتنع أن يتبع ﴿ وَرَسُولًا ﴾ في الإعراب.
(٨) قال أبو حيان في "البحر" 1/ 468: (وقد ذكرنا أنه يجوز في قوله ﴿ وَرَسُولًا ﴾ ، أن يكون منصوبًا بإضمار فعل؛ أي: (وأرسلت رسولا)، فعلى هذا التقدير، يكون ﴿ وَمُصَدِّقًا ﴾ معطوفًا على ﴿ وَرَسُولًا ﴾ ).
(٩) في (ج): الكتاب.
(١٠) في (ب): قيل.
في (ج): قيل.
(د) من قبلي.
(١١) في "معاني القرآن" له: 1/ 216.
نقله عنه بالمعنى.
(١٢) سورة الأنعام: 75.
وما بين المعقوفين زيادة من: (ب)، وكذا وردت في "معاني القرآن".
وانظر مذهب الفراء في زيادة الواو، في "معاني القرآن" 1/ 107، 238، 2/ 50، 211، 390، 3/ 249.
(١٣) في (ج): نريد.
ب، (د) نريه.
(١٤) قيل في قوله تعالى: ﴿ وَلِيَكُونَ ﴾ ثلاثة أقوال: الأول: إن الواو زائدة.
الثاني: إنها عِلَّةٌ لمحذوف؛ أي: ولِيكون ..
أريناه ذلك.
الثالث: إنها عطف على عِلَّةٍ محذوفة؛ أي: ليستدل وليكون، أو ليقيم الحجة على قومه.
وقال صلاح الدين العلائي: (تقديره: لِنبصِّره أو لِنُرْشده.
ونحو ذلك.
ثم عطف عليه ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ .
الفصول المفيدة في الواو المزيدة، للعلائي: 147.
وانظر: "التبيان" للعكبري 1/ 342، "الفريد" للهمداني 2/ 177، "الدر المصون" 5/ 7.
(١٥) قال الفراء في "معاني القرآن" 1/ 238 عن الواو في قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ...
﴾ آل عمران: 152: (وهو في (حتى إذا) و (فَلَمَّا أن) مقول، لم يأتِ في غير هذين).
وقال في 2/ 390: (والعرب تدخل الواو في جواب (فلما) و (حتى إذا)، وتلقيها).
وفي 3/ 249 بَيَّنَ أن العرب لم تجاوز هذين الموضعين.
وانظر: "تفسير الطبري" 3/ 282.
وبيان هذا الأمر: إن مذهب الكوفيِّيِنَ هو: جواز وقوع الواوِ زائدةً لغير معنى.
وشاركهم من البصريين في هذا المذهب: الأخفشُ، وأبو القاسم بن بَرهان، وتبعهم ابنُ مالك.
ونَسَب الرمَّانيُّ في كتابه "معاني الحروف" 63، وأبو البركات الأنباري في كتابه "الإنصاف" ص 366 القولَ بهذا الرأي للمبرد وهو من البصريين.
ولكن المبرد في كتابه "المقتضب" 2/ 80 قال عن مذهب القائلين بزيادة الواو لغير معنى: (وهو أبدع الأقاويل؛ أعني زيادة الواو) مما يؤكد أنه لم يشذ عن مذهب البصريين.
واستدل الكوفيُّون على مذهبهم هذا بأدلة من القرآن ولغة العرب، منها: زيادة الواو في ﴿ وَفُتِحَتْ ﴾ في قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ وزيادتها في ﴿ وَاقْتَرَبَ ﴾ في قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ﴾ الأنبياء: 97.
وزيادته في ﴿ وَنَادَيْنَاهُ ﴾ في قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ سورة الصافات: 103، وغيرها من الآيات.
ومن شعر العرب، قول امريء القيس: فلَمَّا أجَزنا ساحةَ الحيِّ وانْتَحى ...
بنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي قِفافٍ عَقَنْقَل وغيرها من الأدلة.
أمَّا البصريون فلا يُجيزون وقوع الواو مزيدةً، لأن الحروف عندهم (وضعت للمعاني، فذكرها بدون معنى يقتضي مخالفة الوضع، ويورثُ اللَّبْسَ.
وأيضًا فإن الحروف وضعت للاختصار نائبة عن الجمل، كالهمزة فإنها نائبة عن (أستَفْهِم)، وزيادتها يُنقِصُ المعنى).
الفصول المفيدة، للعلائي: 147.
وتأول البصريون أدلة الكوفيين، وقالوا بأن الواو فيها عاطفة، وأن الجواب محذوفٌ مقدَّرٌ.
يقول ابن جني: (فأما أصحابنا فيدفعون هذا التأويل البتَّة، ولا يجِيزون زيادةَ هذه الواو، ويرون أن أجوبة هذه الأشياء محذوفة للعلم بها == والاعتياد في مثلها).
"سر صناعة الإعراب" 2/ 646.
فمثلًا قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ قال البصريون: إن الواو فيها عاطفة، وجواب (إذا) محذوف، والتقدير فيه: حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها، فازوا ونَعِموا.
وهكذا ردُّوا على بقية الأدلة.
انظر هذه المسألة، إضافة إلى المراجع التي ذكرت في "معاني القرآن" للأخفش: 1/ 124 - 125، "تأويل مشكل القرآن" 252254، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: 55، "الإنصاف" للأنباري ص 366، "شرح المفصل" 8/ 93، "رصف المباني" 487، و"الجني الداني" 164، "المغني" 473، "الحروف" لأبي الحسين المزني 110.
(١٦) أي: للعطف على معنى ﴿ مُصَدِّقًا ﴾ .
(١٧) في (ج): لاجتلب (بدون واو).
(١٨) لم أقف على مصدر قوله.
(١٩) (لكم): ساقطة من (د).
(٢٠) في (ج): (بربه).
(٢١) وفي التوجيه الإعرابي لقوله ﴿ وَلِأُحِلَّ ﴾ أقوال أخرى، هي: إنها مردودة على قوله: ﴿ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ من آية 49؛ أي: جئتكم بآية من ربكم، ولأحل لكم.
أو معطوفة على عِلَّةٍ مقدَّرةٍ؛ أي: جئتكم بآية لأوسِّعَ عليكم ولأحل لكم، أو نحوها.
أو إنها متعلقة بقوله: ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ في آخر آية 50؛ أي.
اتَّبِعوني لأحلَّ لكم.
وقد استبعد هذا الوجهَ السمينُ الحلبيُّ وجعله ممتنعًا.
أو إنها معمولة لفعل مضمر بعد الواو؛ أي: وجئتكم لأحل ..
انظر هذه الوجوه، في "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 335، "الكشاف" 1/ 431، "التبيان" للعكبري: 1/ 191، "البحر المحيط" 2/ 268 - 269، "الدر المصون" 3/ 202 - 203، "روح المعاني" 3/ 171.
(٢٢) ممن قال بذلك: قتادة، والربيع، وابن جريج.
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 282، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 657، "زاد المسير" 1/ 393، " الدر المنثور" 2/ 62.
(٢٣) في (ب): الشروب.
و (الثُّروب): شحم رقيق يُغَشِّي الكرشَ والأمعاء، والمفرد: ثَرْب.
انظر: "القاموس المحيط" ص 62 (ثرب).
(٢٤) سورة النساء:160.
وبقيتها: ﴿ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ .
(٢٥) في (ج): (قيل).
(٢٦) في "مجاز القرآن" 1/ 94.
(٢٧) في (د): (وتعليق).
(٢٨) عجز بيت، وأوله: تَرَّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لم أرضها وهو من معلقته، وقد ورد في "ديوانه" 313.
كما ورد في "مجاز القرآن" 1/ 94، "معاني القرآن" للزجاج: 1/ 415، "الزاهر" 2/ 237، ولم ينسبه، "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري: 573، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 403، "تهذيب اللغة" 1/ 360، "الخصائص" 1/ 74، "المحتسب" 1/ 111، "تفسير الثعلبي" 3/ 52 ب، "شرح المعلقات السبع" للزوزني: ص 109، "شرح القصائد العشر" للتبريزي: 160، "تفسير البغوي" 2/ 41، "اللسان" 1/ 312 (بعض).
== وورد غير منسوب في "الموضح في التفسير" للحدادي: 37، "المخصص" 17/ 131.
ويروي (منزلةٍ) بدلًا من: (أمكنةٍ)، و (أو يَرْتَبِط)، و (أو يَعْتَقِي) بدلًا من: (أو يعتلق).
و (يرتبط)، و (يعتقي)، معناهما: يَحتَبِس.
و (يعتلق): من (اعتلقه)؛ أي: أحبَّهُ، ويقال: (عَلِقَ بقلبه): أي: تشبَّث به.
وعليه يكون معناها هنا معنى: يرتبط، ويعتقي.
و (والحِمَام): الموت.
انظر: "شرح القصائد السبع" 573، "اللسان" 5/ 3053 (عقا).
ومعنى البيت: إني أترك الأماكن التي أجتويها، إذا رأيت فيها ما أكره إلا أن يربط الموتُ نفسي فلا يمكنها البراح.
وتحرير المعنى: إني لا أترك الأماكن التي أجتويها إلا أن أموت.
انظر: "شرح المعلقات السبع" 242، "شرح القصائد العشر" 160.
والشاهد فيه عند أبي عبيدة: أنَّ (بعض) هنا تعني (كلَّ).
وقد خالفه آخرون كما ذكر المؤلف، حيث إنَّه في هذا البيت لا داعي لإخراج لفظ (بعض) عن مدلوله مع إمكان صحةِ معناه؛ لأن لبيد يريد بـ (بعض) هنا نفسَهُ هُوَ، من بين نفوس الناس.
(٢٩) في (ج): (ابتدا).
(٣٠) وممن أنكر عليه ذلك الزجاجُ، حيث قال: (وأنشد أبو عبيدة في ذلك بيتًا غلط في معناه) ثم قال: (وهذا كلام تستعمله الناس، يقول القائل: (بعضنا يعرفك)؛ يريد: أنا أعرفك، فهذا إنما هو تبعيض صحيح) "معاني القرآن" 1/ 415.
أي: إن (بعض) هنا مستعملة في موضعها.
لأن المتكلم بعض الناس.
وقال ثعلب: (أجمع أهل النحو على أنَّ البعض شيء من أشياء، أو شيء من شيء) ثم ردَّ على من زعم أن المراد بـ (بعض) في بيت لبيد تعني: (كل) فقال عنه: (فادَّعى وأخطأ أنَّ (البعض) ههنا جمعٌ ..
وانما أراد لبيد بـ (بعض النفوس): نفسَه).
"تهذيب اللغة" 1/ 360.
وكذا ردَّه النحاس، في "معاني القرآن" 1/ 403، وابن سيده، كما في "اللسان" 1/ 312، والزوزني في "شرح المعلقات السبع" ص 109.
(٣١) في "معاني القرآن" له: 1/ 415، نقله عنه بنصه.
(٣٢) في "معاني القرآن" (حق).
(٣٣) في "معاني القرآن" (أنبئكم).
(٣٤) (كانت): ساقطة من (د).
(٣٥) من قوله: (وحد ..) إلى (..
رسالة): نقله بتصرف عن "تفسير الثعلبي" 3/ 54 أ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَسُولاً ﴾ حال معطوف على ويعلمه إذ التقدير: ومعلماً الكتاب أو يضمر له فعل تقديره أرسل رسولاً أو جاء رسولاً ﴿ إلى بني إِسْرَائِيلَ ﴾ أي أرسل إليهم عيسى عليه السلام مبيناً لحكم التوراة ﴿ أَنِي ﴾ تقديره بأني ﴿ ا أَخْلُقُ ﴾ بفتح الهمزة بدل من أني الأولى، أو من آية وبكسرها ابتداء كلام ﴿ فَأَنفُخُ فِيهِ ﴾ ذكر هنا الضمير لأنه يعود على الطين، أو على الكاف من كهيئة، وأنث في المائدة لأنه يعود على الهيئة ﴿ فَيَكُونُ طَيْراً ﴾ قيل: إنه لم يخلق غير الخفاش، وقرئ طيراً بياء ساكنة على الجمع، وبالألف وهمزة طائراً على الإفراد، ذكر ﴿ بِإِذْنِ الله ﴾ : رفعاً لوهم من توهم في عيسى الربوبية ﴿ وَأُبْرِىءُ ﴾ روي أنه كان يجتمع إليه جماعة من العميان والبرصاء فيدعو لهم فيبرؤون ﴿ وَأُحْيِ الموتى ﴾ روي أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر فيقوم الميت ويكلمه، وروي أنه أحيا سام بن نوح ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ ﴾ كان يقول: يا فلان أكلت كذا وادخرت في بيتك كذا ﴿ وَمُصَدِّقاً ﴾ عطف على رسولاً أو على موضع بآية من ربكم، لأنه في موضع الحال، وهو أحسن لأنه من جملة كلام عيسى فالتقدير: جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدقاً ﴿ وَلأُحِلَّ لَكُم ﴾ عطف على بآية من ربكم، وكانوا قد حرم عليهم الشحم ولحم الإبل وأشياء من الحيتان والطير فأحل لهم عيسى بعض ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.
الباقون بالنون.
﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.
وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.
الباقون بالياء والهمزة.
﴿ الطائر ﴾ يزيد.
الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.
المفضل.
الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.
الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.
الباقون بالنون.
الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.
﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.
فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.
﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.
﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.
﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.
﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.
﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.
﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.
التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.
والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ لمكان العطف.
والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ .
واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.
ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ .
ثم إنه مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.
وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً ﴾ .
وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.
وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.
قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.
فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله " "أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.
وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.
وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.
وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.
روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.
اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.
وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً ﴾ فلما كان الله ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.
وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.
ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.
وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.
وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.
وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.
فمن خرج له السهم سلم له الأمر.
قال : ﴿ فساهم فكان من المدحضين ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.
وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.
قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.
﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.
قيل: هم خزنة البيت.
وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.
ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.
ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.
وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.
القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.
ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .
قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.
فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.
ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.
واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.
ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.
ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.
كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.
وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.
فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.
قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.
وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.
وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.
وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".
أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.
عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.
وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.
وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.
وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.
وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.
وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.
قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.
وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.
وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.
وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.
قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.
وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.
/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.
وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.
وذلك من جملة ما اصطفيت به.
وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.
وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.
﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.
وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.
ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.
وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.
وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.
والمهد قيل: حجر أمه.
وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.
وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.
والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.
روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.
ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.
وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.
فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟
فالجواب من وجوه.
قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.
وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.
وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.
ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.
وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.
فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.
والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.
ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.
وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.
فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.
فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.
ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.
وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.
﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.
وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.
ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.
وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.
وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.
ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.
وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.
ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.
﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.
وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.
وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.
وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.
أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.
وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.
ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.
والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.
﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.
يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.
وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.
قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.
وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.
وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟
أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى فيه على سبيل إظهار المعجزات؟
وهذا هو الحق لقوله ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.
وقيل: هو الممسوح العين.
ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.
وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.
وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.
وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.
وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.
وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.
وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.
والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.
والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.
يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.
قال الكلبي: كان عيسى يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.
روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.
كان يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.
فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.
فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.
فقال : فمن في هذا البيت؟
فقالوا: خنازير.
فقال عيسى : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.
وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.
وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.
والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.
واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.
ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.
ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.
ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.
وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.
ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.
والثاني أن الله كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.
كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.
﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.
وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.
ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.
﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.
ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.
القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.
قال السدي: لما بعثه الله رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.
وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.
فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.
فقال : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.
فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.
فقال عيسى : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.
فلما فعل دعا الله فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.
فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟
فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى مشهوراً وقصد اليهود قتله وأظهروا الطعن فيه.
/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟
فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.
وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟
فأجابه إلى ذلك بعضهم.
ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.
والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه .
وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟
وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.
فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.
وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟
أو حال التجائي إليه؟
وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟
وفي الحديث أنه كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.
فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.
وقيل: "إلى" بمعنى اللام.
وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.
وهذا قول الحسن.
﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.
وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.
والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.
عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.
وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.
وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.
وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.
وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.
وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.
فطبخ عيسى حباً واحداً وجعل الجميع فيه.
وقال: كوني بإذن الله كما أريد.
فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.
فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.
فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.
وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟
فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.
قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.
وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى على قصعة.
فكانت القصعة لا تنقص.
فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟
قالوا: نعم.
فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟
قال: عيسى ابن مريم.
قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.
فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.
قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.
﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله فيه.
أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.
ثم تضرعوا إلى الله بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.
فقال ابن عباس: أي مع محمد وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.
قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.
وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.
فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.
أما مكرهم بعيسى فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.
فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.
وأخرى قالت: كان ابن الله.
وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.
وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى .
وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.
فسمع بذلك ملك الروم.
وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.
ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.
وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.
ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله على تكذيب المسيح والهم بقتله.
وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ أو بأنه عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.
وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.
﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.
وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.
ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.
وقال محمد بن إسحق.
توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.
وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.
أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ﴾ .
وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.
وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.
وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.
وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.
فإن الواو لا تقتضي الترتيب.
والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.
ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه يتوفاه بعد ذلك.
أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.
والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.
ولئن سلم أنه يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.
ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.
فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.
وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.
ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.
على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.
واعلم أن نص القرآن دل على أنه حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.
الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.
ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.
فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟
وأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟
الثالث أنه كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟
وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟
الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.
الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.
فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.
والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه قادر على خلق مثل زيد.
وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.
وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.
والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.
وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.
إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.
وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.
على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.
قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.
وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.
وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.
﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.
جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.
﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.
ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.
ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .
والذكر الحكيم القرآن.
وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.
وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه أنزل هذه القصص مما كتب هناك.
قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله : مالك تشتم صاحبنا؟
قال : وما أقول؟
قالوا: تقول إنه عبد.
قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟
فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.
ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.
لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.
ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.
قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.
وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".
والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.
وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.
ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".
وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.
والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.
قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.
وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.
ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون ﴾ .
عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى ؟
قالوا: / لأنه لا أب له.
قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.
قالوا: كان يحيي الموتى.
قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.
فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.
قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.
﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.
﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.
قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.
وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.
التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .
وقال : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.
﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله .
والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.
وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.
قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.
وسمي المسيح لأنه حين مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.
﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.
﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.
ولما كان روح عيسى وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.
ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.
﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله .
ثم قال له كن فيكون.
هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : بشارة منه لها - أيضاً -: أنه يعلمه الكتاب، ثم اختلف في ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ ؛ قيل: ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : الخط ههنا يخط بيده، ويحتمل ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : الكتاب نفسه: التوراة والإنجيل، ويحتمل ﴿ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ : كتب النبيين.
﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ؛ قيل: الحكم بين الخلق، وقيل: الفقه، وقيل: الحلال والحرام، وقيل: السنة.
﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ : هي الإصابة، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ : أي: [جعله رسولاً إلى بني إسرائيل]، وهذا - أيضاً - بشارة لها منه، وكان عيسى من أوَّل أمره إلى آخره آية؛ لأنه ولد من غير أب، على خلاف ما كان سائر البشر، يكلم الناس في المهد، وأقرَّ بالعبودية له، ولم يكن لأحد من البشر ذلك، وإبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الموتى، وأنباء ما كانوا يأكلون ويدَّخرون، وما كان له مأوى يأوي إليه، ولا عيش يتعيش هو به، والبشر لا يخلو عن ذلك، ثم ألقى شبهه على غيره؛ فقتل به، ورفع هو إلى السماء؛ وذلك كله آية، وكانت آياته كلها حسِّية يعلمها كل أحد، وآيات رسول الله - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - كانت حسِّية وعقلية: أمَّا الحسِّية: فهو انشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه، وكلام الشاة المسمومة، وقطع مسيرة شهر في ليلة، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها؛ هذه كلها كانت حسِّية.
وَأمَّا العقلية: فهذا القرآن الذي نزل عليه، وهو بين أظهرهم، وهم فصحاء وبلغاء وحكماء، يتلى عليهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ...
﴾ الآية [البقرة: 23]، وقوله: ﴿ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ ، فلو كان بهم طاقة أو قدرة أن يأتوا بمثله، لجهدوا كل جهد، وتكلفوا كل تكلف؛ حتى يطفئوا هذا النور؛ ليتخلصوا عن قتلهم، وسبي ذراريهم، واستحياء نسائهم، فلمَّا لم يفعلوا ذلك - دَلَّ أنه كان آية معجزة، عجزوا جميعاً عن إتيان مثله، فأيّ آية تكون أعظم من هذا؟!
وبالله المعونة والنجاة.
وقوله: ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : أي: بعلامة أني رسول منه إليكم، ثم فسَّر الآية، فقال: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
قوله: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ ﴾ .
هو على المجاز، لا على التخليق [والتكوين]؛ لأن الخلق ليس هو من فعل المخلوق، وإنما هو من فعل الله - عزَّ وجلَّ - لأن التخليق: هو الإخراج من العدم إلى الوجود، وذلك فعل الله - - لا يقدر المخلوق على ذلك؛ فهو على المجاز؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وليس إلى الخلق تحليل شيء أو تحريمه، إنما ذلك إلى الله - عز وجل - فمعناه: أني أظهر لكم حل بعض ما حرم عليكم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ أي: أظهر لكم بيدي ما خلق الله من الطين طائراً؛ فيكون آية لرسالتي إليكم؛ وكذلك الآيات ليس مما ينشئ الأنبياء، ولكن تظهر على أيديهم.
وإنما لم يجز إضافة التخليق إلى الخلق؛ لما ذكرنا: أنه إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وذلك ليس إلى الخلق.
والثاني: أن التخليق هو إخراج الفعل على التقدير، وفعل العبد إنما يخرج على تقدير الله، لا يخرج على تقديره؛ لذلك لم يجز إضافة ذلك إلى الخلق، إلا على المجاز.
والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل حقيقة خاصَّة، وآيات الأنبياء - عليهم السلام - هي التي تخرج على خلاف الأمر المعتاد فيما بينهم، يجريها الله - وتعالى - على أيديهم؛ ليعلموا أن ذلك لم يكن بهم، إنما كان ذلك بالمُرْسِل الذي أرسلهم؛ ليدل على صدقهم، ولا قوة إلا بالله.
"وإبراء الأكمه والأبرص" هو من آيات النبوة؛ لخروجها عن الأمر المعتاد فيما بينهم.
فإن قيل: إن إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص من آيات النبوة؛ [لعجزهم عن إتيان مثله، وخروجه عن المعتاد فيما بينهم، ولكن أنباء ما يأكلون وما يدَّخرون لِمَ كان من آيات النبوة]، ويجوز أن يكون ذلك من منجِّم؟
قيل: له جوابان - إن كان يكون مثل ذلك بالنجوم -: أحَدهما: أنه مضمون إلى الآيات؛ فصار آية بما ضم إليها.
والثاني: أن هذا - وإن كان يعلم بالنجوم - فعيسى - - لما علم قومه أنه لم يختلف إلى أحد في تعلم علم النجوم، ثم عرف ذلك وأنبأهم بذلك - دل أنه إنما علم ذلك بالله؛ فكان آية، وبالله التوفيق.
مع ما كان في قومه أطباء وحكماء وبصراء - لم يَدَّعِ أحد شيئاً من هذه الآيات التي جاء بها عيسى - - دل ترك اشتغالهم في ذلك على إقرارهم بأنها آية سماوية، لكنهم تعاندوا وكابروا فلم يؤمنوا به.
قال الشيخ - رحمه الله -: الخلق: اسم المجاز والحقيقة، والتخليق: فعل حقيقة خاصَّة.
وقوله: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: بأمر الله.
وقيل: بمشيئة الله.
واختلف في "الأكمه": عن مجاهد، قال: "الأكمه: الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل".
وعن ابن عباس - -: "الأكمه: الأعمى الممسوح العين"، وقيل: هو الذي ولد من أمِّه أعمى لا يتكلف أحد [من] الأطباء إبراء مثله، ولا اشتغل بدوائه، دل أنه عرف ذلك بالله ، والأطباء يتكلفون في دفع العلل العارضة الحادثة، وأما ما كان خلقه من جِبِلَّة - فلا.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ : قيل: قال: إن هذا آية لكم؛ إن كنتم صدقتم أني رسول الله إليكم.
وقيل: قال: إن في ذلك لآية لكم في رسالتي؛ إن كنتم مؤمنين بالمُرْسِل.
ويحتمل: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ أي: بالآيات أنها تُعَرِّفُ مَا جُعِلْنَ له، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ...
﴾ الآية: ما ذكر.
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : يحتمل: فاتقوا الله في تكذيبي في الآيات، و ﴿ وَأَطِيعُونِ ﴾ في تصديقي.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ : ظاهر، قد ذكرنا فيما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
وجئتكم -كذلك- مصدقًا لما نزل قبلي من التوراة، وجئتكم لأحل لكم بعض ما حُرِّم عليكم من قبلُ، تيسيرًا وتخفيفًا عليكم، وجئتكم بحجة واضحة على صحة ما قلت لكم، فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.Bor6K"
قد عرف بكلمة الله أي بوحيه لأنبيائه.
والكلمة تطلق على الكلام كقوله: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴾ .
إن الناس إنما يولون الملك عليهم لأجل تقرير العدل فيهم ورفع أثقال الظلم عنهم، وقد فعل المسيح ذلك، فإن اليهود كانوا عند بعثته فيهم متمسكين بظواهر ألفاظ الكتاب، وخاضعين لأفهام الكتبة والفريسيين وأوهامهم، حتى أرهقهم ذلك عسرًا، وتركهم يئنون من الظلم وأثقال التكاليف، فرفع المسيح ذلك عنهم بإرجاعهم إلى مقاصد الدين وحملهم على الأخوة الرافعة للظلم.
﴿ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾ : إن كون المسيح ذا جاه ومكانة في الآخرة ظاهر، وجاهته في الدنيا فهي قد تكون موضع إشكال لما عرف من امتهان اليهود له ومطاردتهم إياه على فقره وضعف عصبيته...
والجواب عن ذلك سهل وهو أن الوجيه في الحقيقة من كانت له مكانة في القلوب واحترام ثابت في النفوس، ولا يكون أحد كذلك حتى يكون له أثر حقيقي ثابت من شأنه أن يدوم بعده زمنًا طويلًا أو غير طويل، ولا ينكر أحد أن منزلة المسيح في نفوس المؤمنين به كانت عظيمة جدًا، وأن ما جاء به من الإصلاح هو من الحق الثابت، وقد بقي أثره بعده، فهذه الوجاهة أعلى وأرفع من وجاهة الأمراء والملوك الذين يحترمون في الظاهر لظلمهم واتقاء شرهم ولدهائهم والتزلف إليهم رجاء الانتفاع بشيء مما في أيديهم من عرض الحياة الدنيا، لأن هذه وجاهة صورية لا أثر لها في النفوس إلا الكراهة والبغض والانتقاض، وتلك وجاهة حقيقية مستحوذة على القلوب.
وحقيقة الوجاهة في الآخرة هي أن يكون الوجيه في مكان عليّ ومنزلة رفيعة يراه الناس فيها فيجلّونه ويعلمون أنه مقرب من الله تعالى، ولا يمكننا أن نحددها ونعرف بماذا تكون.
فإن قال قائل: إن هذه الوجاهة تكون بالشفاعة.
فالجواب: إن الآية لم تبين ذلك.
على أنكم تقولون إن هذه الشفاعة عامة لكل نبي وعالم صالح فما هي مزية المسيح إذن؟.
﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ﴾ الجملة معطوفة على ما قبلها ولا يضر عطف الفعل على الاسم، والكهل الرجل التام السوي من غير تقييد بسن معينة، والكلام في المهد يصدق بما يكون في سن الكلام وهي سنة فأكثر وما يكون قبل ذلك وهو آية على كل تقدير، لأن تعديته إلى الناس تفيد أنه يكلمهم كلام التفاهم، وكلام الأطفال في المهد لا يكون كذلك عادة.
وفي قوله: ﴿ وَكَهْلًا ﴾ بشارة بأنه يعيش على أن يكون رجلًا سويًا كاملًا ﴿ وَمِنْ الصَّالِحِينَ ﴾ الذين أنعم الله عليهم وأصلح حالهم وهم الأنبياء الذين تعرف مريم سيرتهم.
﴿ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ أي كيف يكون لي ولد والحال أنني لم أتزوج فألمس؟
كناية ظاهرة، والاستفهام على حقيقته في وجه، ومعناه هل يكون بزواج يطرأ أم بمحض القدرة؟
وفي وجه آخر للتعجب من قدرة الله والاستعظام لشأنه ﴿ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ أي كمثل هذا الخلق البديع يخلق الله ما يشاء فإن من شأنه الاختراع والإبداع.
﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ : إن الرسول هنا بمعنى الرسالة والتقدير ويعلمه الرسالة إلى بني إسرائيل، واستعمال لفظ الرسول بمعنى الرسالة شائع قال كُثَيّر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول وفي رواية "برسيل" وبعض المفسرين يجعل الرسول بمعنى الناطق، أي ناطقًا إلى بني إسرائيل ﴿ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ : الخلق والتقدير والترتيب لا الإنشاء والاختراع، ويقرب أن يكون هذا إجماعًا من المفسرين، وفسره (الجلال) هنا بالتصوير، لأنه من التقدير، ولقد ذكر -كغيره- أنه كان يتخذ من الطين صورة خفاش فينفخ فيها فتحلها الحياة وتتحرك في يده.
وقال بعضهم بل تطير قليلًا ثم تسقط.
ولا حاجة إلى هذه التفصيلات بل نقف عند لفظ الآية وغاية ما يفهم منها أن الله تعالى جعل فيه هذا السر ولكن لم يقل إنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئًا من ذلك وقع، وقد جرت سنة الله تعالى أن تجري الآيات على أيدي الأنبياء عند طلب قومهم لها وجعل الإيمان موقوفًا عليها، فإن كانوا سألوه شيئًا من ذلك فقد جاء به، وكذلك يقال في قوله: ﴿ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ﴾ فإن قصارى ما تدل عليه العبارة أنه خص بذلك وأمر بأن يحتج به، والحكمة في إخبار النبي بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم، وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك.
﴿ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ أعاد ذكر الآية للتفرقة بين ما قبلها وما بعدها.
<div class="verse-tafsir"