الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٨٠ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 107 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٠ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) أي : ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله ، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ( أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) أي : لا يفعل ذلك ، لأن من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر ، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) الآية ، [ النحل : 36 ] وقال تعالى ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) [ الزخرف : 45 ] وقال [ تعالى ] إخبارا عن الملائكة : ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ) [ الأنبياء : 29 ] .
القول في تأويل قوله : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة قوله: " ولا يأمركم ".
فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة: ( وَلا يَأْمُرُكُمْ )، على وجه الابتداء من الله بالخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأمركم، أيها الناس، أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا.
واستشهد قارئو ذلك كذلك بقراءة ذكروها عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها، وهي: ( " وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ " )، فاستدلوا بدخول " لن "، على انقطاع الكلام عما قبله، وابتداء خبر مستأنف.
قالوا: فلما صير مكان " لن " في قراءتنا " لا "، وجبت قراءَته بالرفع.
(20) * * * وقرأه بعض الكوفيين والبصريين: ( وَلا يَأْمُرَكُمْ )، بنصب " الراء " ، عطفًا على قوله: ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ .
وكان تأويله عندهم: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب، ثم يقولَ للناس، ولا أن يأمرَكم = بمعنى: ولا كان له أن يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا.
* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك: " ولا يأمرَكم "، بالنصب على الاتصال بالذي قبله، بتأويل: (21) ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتابَ والحكمَ والنبوةَ، ثم يقولَ للناس كونوا عبادًا لي من دون الله = ولا أنْ يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا.
لأن الآية نـزلت في سبب القوم الذين قالوا لرسول &; 6-548 &; الله صلى الله عليه وسلم: (22) " أتريد أن نعبدك "؟
فأخبرهم الله جل ثناؤه أنه ليس لنبيّه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناسَ إلى عبادة نفسه، ولا إلى اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا.
ولكن الذي له: أنْ يدعوهم إلى أن يكونوا ربانيين.
* * * فأما الذي ادَّعى من قرأ ذلك رفعًا، (23) أنه في قراءة عبد الله: " ولن يأمركم " استشهادًا لصحة قراءته بالرفع، فذلك خبر غيرُ صحيح سَنَده، وإنما هو خبر رواه حجاج، عن هارون الأعور (24) أنّ ذلك في قراءة عبد الله كذلك.
ولو كان ذلك خبرًا صحيحًا سنده، لم يكن فيه لمحتجٍّ حجة.
لأن ما كان على صحته من القراءة من الكتاب الذي جاءَ به المسلمون وراثةً عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، لا يجوز تركه لتأويلٍ على قراءة أضيفت إلى بعض الصحابة، (25) بنقل من يجوز في نقله الخطأ والسهو.
* * * &; 6-549 &; قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذًا: وما كان للنبي أن يأمركم، أيها الناس، (26) " أن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا " = يعني بذلك آلهة يعبدون من دون الله =، كما ليس له أن يقول لهم: كونوا عبادًا لي من دون الله.
* * * ثم قال جل ثناؤه = نافيًا عن نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأمرَ عباده بذلك =: " أيأمُركم بالكفر "، أيها الناس، نبيُّكم، بجحود وحدانية الله =" بعد إذ أنتم مسلمون "، يعني: بعد إذ أنتم له منقادون بالطاعة، متذللون له بالعبودة = (27) أي أن ذلك غير كائن منه أبدًا.
وقد:- 7322 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: " ولا يأمركم " النبيُّ صلى الله عليه وسلم =" أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربايًا ".
---------------------- الهوامش : (20) هذا وجه ذكره الفراء في معاني القرآن 1: 224 ، 225.
(21) في المطبوعة والمخطوطة: "بتأول" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(22) في المطبوعة: "في سب القوم.." ، وهو باطل المعنى ، ولم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة ، يعني بقوله: "في سب القوم..." ، من جراء القوم وبسبب قولهم ما قالوا.
(23) يعني الفراء كما أسلفنا في التعليق رقم: 1 ، ص: 547.
(24) في المطبوعة والمخطوطة: ".
.
.
عن هارون لا يجوز أن ذلك..." ، وهو كلام بلا معنى ، جعل الناشرين الأولين للتفسير يكتبون في وجوه تأويلها وتصويبها خلطًا لا معنى له أيضًا ، والصواب ما أثبت.
وهذا من التصحيف الغريب في نسخ النساخ.
وحجاج ، هو: "حجاج بن محمد المصيصي الأعور" سكن بغداد ، ثم تحول إلى المصيصة قال أحمد: "ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف" ورفع أمره جدًا.
كان ثقة صدوقًا ، ثم تحول من المصيصة فعاد إلى بغداد في حاجة له ، فمات بها سنة 206 ، وعند مرجعه هذا إلى بغداد كان قد تغير وخلط ، فرآه يحيى بن معين ، فقال لابنه: "لا تدخل عليه أحدًا" ، ولكن روى الحافظ في ترجمة سنيد ابن داود ما يدل على أن حجاجًا قد حدث في حال اختلاطه ، حتى ذكره أبو العرب القيرواني في الضعفاء ، لسبب الاختلاط.
وأخشى أن يكون الطبري ، إنما أشار إلى هذا ، وإلى رواية سنيد عنه في حال اختلاطه ، فقال إن إسناده غير صحيح ، لأنه من رواية سنيد عنه.
وأما "هارون الأعور" فهو: "هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور العتكي" علامة صدوق نبيل ، له قراءة معروفة.
وهو من الثقات.
وكلاهما مترجم في التهذيب ، وفي الطبقات القراء لابن الجزري.
(25) في المطبوعة: "لتأويل نحو قراءة..." ، وهي عبارة مريضة ، وسبب ذلك أنه لم يحسن قراءة"على" لسوء حظ الناسخ ، فكتبها"نحو" ، فمرضت العبارة.
(26) في المخطوطة: "وما كان للنبي أن يأمر الناس أن يتخذوا..." ، وهي عبارة مستقيمة المعنى ، أما المخطوطة فقد كانت فيها عجيبة من عجائب التصحيف - وقد كثر تصحيف الناسخ في هذا الموضع كما ترى وذلك أنه كتب: "وما كان للنبي أن يأمر كما نهى الناس" ، وصل ألف"أيها" بالميم في"يأمركم" ، ثم قرأ"يها" من"أيها" ، "نهى" ، وكتبها كذلك.
وكأن الناسخ كان قد تعب وكل ، فكل مع كلالة ذهنه.
وجاء الناشر ، فلم يجد لذلك معنى فحذفه.
كل هو أيضًا من كثرة تصحيف الناسخ!!
(27) في المطبوعة: "بالعبودية" ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولم يدع الناشر كلمة"العبودة" إلا جعلها"العبودية" في كل ما سلف.
انظر آخر تعليق على ذلك ص: 404 ، تعليق: 2.
قوله تعالى : ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمونقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بالنصب عطفا على أن يؤتيه .
ويقويه أن اليهود قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أتريد أن نتخذك يا محمد ربا ؟
فقال الله تعالى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة - إلى قوله : ولا يأمركم .
وفيه ضمير البشر ، أي ولا يأمركم البشر يعني عيسى وعزيرا .
وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف والقطع من الكلام الأول ، وفيه ضمير اسم الله عز وجل ، أي ولا يأمركم الله أن تتخذوا .
ويقوي هذه القراءة أن في مصحف عبد الله ( ولن يأمركم ) فهذا يدل على الاستئناف ، والضمير أيضا لله عز وجل ; ذكره مكي ، وقال سيبويه والزجاج .
وقال ابن جريج وجماعة : ولا يأمركم محمد عليه السلام .
وهذه قراءة أبي عمرو والكسائي وأهل الحرمين .
أن تتخذوا أي بأن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا .
وهذا موجود [ ص: 117 ] في النصارى يعظمون الأنبياء والملائكة حتى يجعلوهم لهم أربابا .أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون على طريق الإنكار والتعجب ; فحرم الله تعالى على الأنبياء أن يتخذوا الناس عبادا يتألهون لهم ولكن ألزم الخلق حرمتهم .
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي .
وفي التنزيل اذكرني عند ربك .
وهناك يأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى .
{ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا } وهذا تعميم بعد تخصيص، أي: لا يأمركم بعبادة نفسه ولا بعبادة أحد من الخلق من الملائكة والنبيين وغيرهم { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } هذا ما لا يكون ولا يتصور أن يصدر من أحد مَنَّ الله عليه بالنبوة، فمن قدح في أحد منهم بشيء من ذلك فقد ارتكب إثما عظيما وكفرا وخيما.
قوله ( ولا يأمركم ) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب بنصب الراء عطفا على قوله : ثم يقول ، فيكون مردودا على البشر ، أي : ولا يأمر ذلك البشر ، وقيل : على إضمار " أن " أي : ولا أن يأمركم ذلك البشر ، وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف ، معناه : ولا يأمركم الله ، وقال ابن جريج وجماعة : ولا يأمركم محمد ، ( أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا ) كفعل قريش والصابئين حيث قالوا : الملائكة بنات الله واليهود والنصارى حيث قالوا في المسيح وعزير ما قالوا ، ( أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ) قاله على طريق التعجب والإنكار ، يعني : لا يقول هذا .
«وَلا يأمُرُكُمْ» بالرفع استئنافا أي الله والنصب عطفا على يقول أي البشر «أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا» كما اتخذت الصابئة الملائكة واليهود عُزيرا والنصارى عيسى «أيأمُرُكم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون» لا ينبغي له هذا.
وما كان لأحد منهم أن يأمركم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا تعبدونهم من دون الله.
أَيُعْقَلُ -أيها الناس- أن يأمركم بالكفر بالله بعد انقيادكم لأمره؟
وقوله - تعالى - { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَاباً } تأكيد لنفى أن يقول أحد من البشر الذين آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة للناس اعبدونى من دون الله ، وتنزيه لساحتهم عن أن يأمروهم بعبادة غير الله .وقوله { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ } وردت فيه قراءتان مشهورتان .أما القراءة الأولى فبفتح الراء عطفا على { يَقُولَ } فى قوله { ثُمَّ يَقُولَ } وتكون " لا " مزيدة لتأكيد معنى النفى فى قوله { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } ويكون فى الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب .والمعنى على هذه القراءة : ما كان لبشر أن يؤتية الله ما ذكر ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ، أو يأمرهم باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا ، وذلك كقولك ما كان لزيد أن أكره ثم يهيننى ويستخف بى .
وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم .وعلى هذه القراءة يكون توسيط الاستدراك بين المعطوف والمعطوف عليه ، للمسارعة إلى تحقيق الحق ، ولبيان ما يليق بشأنه ويحق صدوره عنه .وأما القراءة الثانية فقد قرأها الباقون برفع الراء فى { يَأْمُرَكُمْ } فتكون الجملة مستأنفة ، والمعنى : ولا يأمركم هذا البشر الذى أعطاه الله ما أعطاه من نعمة أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا .وخصص الملائكة والنبيين بالذكر لأن عبادتهما قد شاعت عند كثير من الناس ، فقد وقع فى عبادة الملائكة " الصابئة " الذين كانوا يقيمون فى بلاد الكلدان ، وتبعهم بعض المشركين من العرب .
ووقع فى عبادة بعض النبيين كثير من النصارى فقد اتخذوا المسيح إلها يعبد وزعموه ابن الله وكثير من اليهود عبدوا عزيزاً وزعموه ابن الله .والاستفهام فى قوله { أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ } للإنكار الذى بمعنى النفى .أى : أن الرسل الكرام لا يمكن أن يأمروا الناس بالكفر بالله بعد أن هداهم الله - تعالى - عن طريق هؤلاء الرسل إلى أن يكونوا مسلمين .فالجملة الكريمة تأكيد بأبلغ وجه لنفى أن يأمر الرسل الناس بعبادة غير الله ، وتنزيه لساحتهم عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر يخالف ما تلقوه عن له - تعالى - من إفراده بالعبادة والطاعة والخضوع .قال بعضهم : وإذا كان ما ذكر في الآيتين لا يصلح لنبى ولا لمرسل ، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى ، ولهذا قال الحسن البصرى : لا ينبغى هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته .
ثم قال : وذلك أن القوم - يعنى أهل الكتاب - كان يعبد بعضهم بعضا كما قال - تعالى - { اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله } .فالجهلة من الأحبار والرهبان يدخلون فى هذا الذم ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين ، فإنهم إنما يأمرون بما أمر الله به ، وينهون عما نهى الله - تعالى - عنه ولذلك سعدوا وفازوا " .وبعد أن نزه - سبحانه - الأنبياء عن أن يقولوا قولا أو يأمروا بأمر لم يأذن به الله ، أتبع ذلك ببيان الميثاق الذى أخذه الله - تعالى - عليهم ، فقال - سبحانه - : { وَإِذْ أَخَذَ .
.
.
.
} .
اعلم أنه تعالى لما بيّن أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرّفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الإلهية، وأنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ الآية، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية وجوه: الأول: قال ابن عباس: لما قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله نزلت هذه الآية.
الثاني: قيل إن أبا رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً، فقال عليه الصلاة والسلام: «معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني؛ ولا بذلك أمرني» فنزلت هذه الآية.
الثالث: قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟
فقال عليه الصلاة والسلام: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله».
الرابع: أن اليهود لما ادعوا أن أحداً لا ينال من درجات الفضل والمنزلة ما نالوه، فالله تعالى قال لهم: إن كان الأمر كما قلتم، وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم ولكن يجب أن تأمروا الناس بالطاعة لله والانقياد لتكاليفه وحينئذ يلزمكم أن تحثوا الناس على الإقرار بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن ظهور المعجزات عليه يوجب ذلك، وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لي مِن دُونِ الله ﴾ مثل قوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله ﴾ .
المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ﴾ على وجوه: الأول: قال الأصم: معناه، أنهم لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ قال: ﴿ وَلَوْلَآ أَن ثَبَّتْنَٰكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا إِذًا لَّأَذَقْنَٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ الثاني: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موصوفون بصفات لا يحسن مع تلك الصفات ادعاء الإلهية والربوبية منها أن الله تعالى آتاهم الكتاب والوحي وهذا لا يكون إلا في النفوس الطاهرة والأرواح الطيبة، كما قال الله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ﴾ وقال الله تعالى: ﴿ الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس ﴾ والنفس الطاهرة يمتنع أن يصدر عنها هذه الدعوى، ومنها أن إيتاء النبوّة لا يكون إلا بعد كمال العلم وذلك لا يمنع من هذه الدعوى، وبالجملة فللإنسان قوتان: نظرية وعملية، وما لم تكن القوة النظرية كاملة بالعلوم والمعارف الحقيقية ولم تكن القوة العملية مطهرة عن الأخلاق الذميمة لا تكون النفس مستعدة لقبول الوحي والنبوّة، وحصول الكمالات في القوة النظرية والعملية يمنع من مثل هذا القول والاعتقاد.
الثالث: أن الله تعالى لا يشرف عبده بالنبوّة والرسالة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل هذا الكلام الرابع: أن الرسول ادعى أنه يبلغ الأحكام عن الله تعالى، واحتج على صدقه في هذه الدعوى فلو أمرهم بعبادة نفسه فحينئذ تبطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً، وذلك غير جائز، واعلم أنه ليس المراد من قوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ ذلك أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق، وظاهر الآية يدل على أنه إنما لم يكن له ذلك لأجل أن الله آتاه الكتاب والحكم والنبوّة، وأيضاً لو كان المراد منه التحريم لما كان ذلك تكذيباً للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح عليه السلام لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلان لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن تكذيباً له فيما ادعى عليه وإنما أراد في ادعائهم أن عيسى عليه السلام قال لهم: اتخذوني إلها من دون الله فالمراد إذن ما قدمناه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ مَّا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه، لا على وجه التحريم والحظر، وكذا قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ ﴾ والمراد النفي لا النهي والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة ﴾ إشارة إلى ثلاثة أشياء ذكرها على ترتب في غاية الحسن، وذلك لأن الكتاب السماوي ينزل أولاً ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب وإليه الإشارة بالحكم، فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم، قال تعالى: ﴿ وآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً ﴾ يعني العلم والفهم، ثم إذا حصل فهم الكتاب، فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق وهو النبوّة فما أحسن هذا الترتيب.
ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: القراءة الظاهرة، ثم يقول بنصب اللام، وروي عن أبي عمرو برفعها، أما النصب فعلى تقدير: لا تجتمع النبوّة وهذا القول، والعامل فيه (أن) وهو معطوف عليه بمعنى ثم أن يقول وأما الرفع فعلى الاستئناف.
المسألة الثانية: حكى الواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: ﴿ كُونُواْ عِبَادًا لّى ﴾ إنه لغة مزينة يقولون للعبيد عباداً.
ثم قال: ﴿ ولكن كُونُواْ ربانيين ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية إضمار، والتقدير: ولكن يقول لهم كونوا ربانيين فأضمر القول على حسب مذهب العرب في جواز الاضمار إذا كان في الكلام ما يدل عليه، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ أي فيقال لهم ذلك.
المسألة الثانية: ذكروا في تفسير (الرباني) أقوالاً الأول: قال سيبويه: الرباني المنسوب إلى الرب، بمعنى كونه عالماً به، ومواظباً على طاعته، كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته وزيادة الألف والنون فيه للدلالة على كمال هذه الصفة، كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني إذا وصف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة، فإذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شعري وإلى الرقبة رقبي وإلى اللحية لحيي والثاني: قال المبرّد ﴿ الربانيون ﴾ أرباب العلم وأحدهم رباني، وهو الذي يرب العلم ويرب الناس أي: يعلمهم ويصلحهم ويقوم بأمرهم، فالألف والنون للمبالغة كما قالوا: ربان وعطشان وشبعان وعريان، ثم ضمت إليه ياء النسبة كما قيل: لحياني ورقباني قال الواحدي: فعلى قول سيبويه الرباني: منسوب إلى الرب على معنى التخصيص بمعرفة الرب وبطاعته، وعلى قول المبرد ﴿ الرباني ﴾ مأخوذ من التربية الثالث: قال ابن زيد: الرباني.
هو الذي يرب الناس، فالربانيون هم ولاة الأمة والعلماء، وذكر هذا أيضاً في قوله تعالى: ﴿ لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والأحبار ﴾ أي الولاة والعلماء وهما الفريقان اللذان يطاعان ومعنى الآية على هذا التقدير: لا أدعوكم إلى أن تكونوا عباداً لي، ولكن أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله تعالى ومواظبتكم على طاعته، قال القفال رحمه الله: ويحتمل أن يكون الوالي سمي ربانياً، لأنه يطاع كالرب تعالى، فنسب إليه الرابع: قال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية، أو سريانية، وسواء كانت عربية أو عبرانية، فهي تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم، واشتغل بتعليم طرق الخير.
ثم قال تعالى: ﴿ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الكتاب ﴾ قراءتان إحداهما: ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ من العلم، وهي قراءة عبد الله بن كثير، وأبي عمرو، ونافع والثانية: ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ من التعليم وهي قراءة الباقين من السبعة وكلاهما صواب، لأنهم كانوا يعلمونه في أنفسهم ويعلمونه غيرهم، واحتج أبو عمرو على أن قراءته أرجح بوجهين: الأول: أنه قال: ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ ولم يقل ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ بالتشديد الثاني: أن التشديد يقتضي مفعولين والمفعول هاهنا واحد، وأما الذين قرؤا بالتشديد فزعموا أن المفعول الثاني محذوف تقديره: بما كنتم تعلمون الناس الكتاب، أو غيركم الكتاب وحذف، لأن المفعول به قد يحذف من الكلام كثيراً، ثم احتجوا على أن التشديد أولى بوجهين: الأول: أن التعليم يشتمل على العلم ولا ينعكس فكان التعليم أولى الثاني: أن الربانيين لا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم لله تعالى ألا ترى أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة ﴾ ويدل عليه قول مرة بن شراحيل: كان علقمة من الربانيين الذين يعلمون الناس القرآن.
المسألة الثانية: نقل ابن جِنيّ في المحتسب، عن أبي حيوة أنه قرأ ﴿ تدرسون ﴾ بضم التاء ساكنة الدال مكسورة الراء، قال ابن جني: ينبغي أن يكون هذا منقولاً من درس هو، أو درس غيره، وكذلك قرأ وأقرأ غيره، وأكثر العرب على درس ودرس، وعليه جاء المصدر على التدريس.
المسألة الثالثة: (ما) في القراءتين، هي التي بمعنى المصدر مع الفعل، والتقدير: كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب، ومثل هذا من كون (ما) مع الفعل بمعنى المصدر قوله تعالى: ﴿ فاليوم ننساهم كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا ﴾ وحاصل الكلام أن العلم والتعليم والدراسة توجب على صاحبها كونه ربانياً والسبب لا محالة مغاير للمسبب، فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً، أمراً مغايراً لكونه عالماً، ومعلماً، ومواظباً على الدراسة، وما ذاك إلا أن يكون بحيث يكون تعلمه لله، وتعليمه ودراسته لله، وبالجملة أن يكون الداعي له إلى جميع الأفعال طلب مرضاة الله، والصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب الله، وإذا ثبت أن الرسول يأمر جميع الخلق بهذا المعنى ثبت أنه يمتنع منه أن يأمر الخلق بعبادته، وحاصل الحرف شيء واحد، وهو أن الرسول هو الذي يكون منتهى جهده وجده صرف الأرواح والقلوب عن الخلق إلى الحق، فمثل هذا الإنسان كيف يمكن أن يصرف عقول الخلق عن طاعة الحق إلى طاعة نفسه.
وعند هذا يظهر أنه يمتنع في أحد من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يأمر غيره بعبادته.
المسألة الرابعة: دلّت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع».
ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة وابن عامر ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ ﴾ بنصب الراء، والباقون بالرفع أما النصب فوجهه أن يكون عطفاً على ﴿ ثُمَّ يَقُولُ ﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أن تجعل ﴿ لا ﴾ مزيدة والمعنى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ويأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيّين أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي والثاني: أن تجعل ﴿ لا ﴾ غير مزيدة، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا: أتريد أن نتخذك رباً؟
قيل لهم: ما كان لبشر أن يجعله الله نبياً ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء، وأما القراءة بالرفع على سبيل الاستئناف فظاهر لأنه بعد انقضاء الآية وتمام الكلام، ومما يدل على الانقطاع عن الأول ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وَلَنْ يَأْمُرُكُمْ ﴾ .
المسألة الثانية: قال الزجاج: ولا يأمركم الله، وقال ابن جُرَيْج: لا يأمركم محمد، وقيل: لا يأمركم الأنبياء بأن تتخذوا الملائكة أرباباً كما فعلته قريش.
المسألة الثالثة: إنما خص الملائكة والنبيّين بالذكر لأن الذين وصفوا من أهل الكتاب بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح وعزير، فلهذا المعنى خصهما بالذكر.
ثم قال تعالى: ﴿ أَيَأْمُرُكُم بالكفر بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ وفيه ومسائل: المسألة الأولى: الهمزة في ﴿ أَيَأْمُرُكُم ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، أي لا يفعل ذلك.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يسجدوا له.
المسألة الثالثة: قال الجبائي: الآية دالة على فساد قول من يقول: الكفر بالله هو الجهل به والإيمان بالله هو المعرفة به، وذلك لأن الله تعالى حكم بكفر هؤلاء، وهو قوله تعالى: ﴿ أَيَأْمُرُكُم بالكفر ﴾ ثم إن هؤلاء كانوا عارفين بالله تعالى بدليل قوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ الله ﴾ وظاهر هذا يدل على معرفته بالله فلما حصل الكفر هاهنا مع المعرفة بالله دل ذلك على أن الإيمان به ليس هو المعرفة والكفر به تعالى ليس هو الجهل به.
والجواب: أن قولنا الكفر بالله هو الجهل به لا نعني به مجرد الجهل بكونه موجوداً بل نعني به الجهل بذاته وبصفاته السلبية وصفاته الإضافية أنه لا شريك له في المعبودية، فلما جهل هذا فقد جهل بعض صفاته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ تكذيب لمن اعتقد عبادة عيسى.
وقيل: «إنّ أبا رافع القرظي والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟
فقال معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله فما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني فنزلت» وقيل: «قال رجل: يا رسول الله، نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟
قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله» ﴿ والحكم ﴾ والحكمة وهي السنة ﴿ ولكن كُونُواْ ربانيين ﴾ ولكن يقول كونوا.
والربانيّ: منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون؛ كما يقال: رقباني ولحياني، وهو الشديد التمسك بدين الله وطاعته.
وعن محمد ابن الحنفية: أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة.
وعن الحسن: ربانيين علماء فقهاء.
وقيل: علماء معلمين.
وكانوا يقولون: الشارع الرباني: العالم العامل المعلم ﴿ بِمَا كُنتُمْ ﴾ بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم دارسين للعلم أوجب أن تكون الربانية التي هي قوّة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلاً على خيبة سعي من جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها: وقرئ ﴿ تعلمون ﴾ ، من التعليم.
﴿ وتعلمون ﴾ من التعلم ﴿ تَدْرُسُونَ ﴾ تقرؤن.
وقرئ ﴿ تدرسون ﴾ ، من التدريس.
وتدرسون على أن أدرس بمعنى درّس كأكرم وكرّم وأنزل ونزَّل.
﴿ وتدرّسون ﴾ ، من التدرّس.
ويجوز أن يكون معناه ومعنى تدرسون بالتخفيف: تدرسونه على الناس كقوله: ﴿ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس ﴾ [الإسراء: 106] فيكون معناهما معنى تدرسون من التدريس.
وفيه أن من علم ودرس العلم ولم يعمل به فليس من الله في شيء، وأن السبب بينه وبين ربه منقطع، حيث لم يثبت النسبة إليه إلا للمتمسكين بطاعته.
وقرئ ﴿ ولا يأمرَكم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ ثُمَّ يَقُولَ ﴾ وفيه وجهان أحدهما أن تجعل (لا) مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم ﴿ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا ﴾ كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي.
والثاني أن تجعل (لا) غير مزيدة.
والمعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح.
فلما قالوا له: أنتخذك رباً؟
قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله، ثم يأمر الناس بعبادته وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء.
والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر، وتنصرها قراءة عبد الله ﴿ ولن يأمركم ﴾ .
والضمير في ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ ﴾ و ﴿ أَيَأْمُرُكُم ﴾ لبشر.
وقيل الله، والهمزة في أيأمركم للإنكار ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين، وهم الذين أستأذنوه أن يسجدوا له.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا ﴾ نَصَبَهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ عَطْفًا عَلى ثُمَّ يَقُولَ، وتَكُونُ لا مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ في قَوْلِهِ ما كانَ، أيْ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللَّهُ ثُمَّ يَأْمُرُ النّاسَ بِعِبادَةِ نَفْسِهِ ويَأْمُرُ بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، أوْ غَيْرَ مَزِيدَةٍ عَلى مَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَأْمُرَ بِعِبادَتِهِ ولا يَأْمُرَ بِاتِّخاذِ أكْفائِهِ أرْبابًا، بَلْ يَنْهى عَنْهُ وهو أدْنى مِنَ العِبادَةِ.
ورَفَعَهُ الباقُونَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويَحْتَمِلُ الحالَ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو عَلى أصْلِهِ بِرِوايَةِ الدُّورِيِّ بِاخْتِلاسِ الضَّمِّ.
﴿ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ ﴾ إنْكارٌ، والضَّمِيرُ فِيهِ لِلْبَشَرِ وقِيلَ لِلَّهِ.
﴿ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ وهُمُ المُسْتَأْذِنُونَ لِأنْ يَسْجُدُوا لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
{وَلاَ يَأْمُرَكُمْ} بالنصب عطفاً على ثم يقول ووجهه أن تجعل لا مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله ما كان لبشر والمعنى ما كان لبشر أن يستنبئه الله وينصبه للدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم {أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا} كما تقول ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بي وبالرفع حجازي وأبو عمروا وعليّ على ابتداء الكلام والهمزة في {أَيَأْمُرُكُم بالكفر} للانكار والضمير فى لا يأمركم وأيأمركم للبشر أو لله وقوله {بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ} يدل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوه أن يسجدوا له
﴿ ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا ﴾ قَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿ ولا يَأْمُرَكُمْ ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (يَقُولَ)، (ولا) إمّا مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ الشّائِعِ في الِاسْتِعْمالِ سِيَّما عِنْدَ طُولِ العَهْدِ وتَخَلُّلِ الفَصْلِ، والمَعْنى ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ويُرْسِلَهُ لِلدَّعْوَةِ إلى اِخْتِصاصِهِ بِالعِبادَةِ وتَرْكِ الأنْدادِ ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ ويَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، فَهو كَقَوْلِكَ: ما كانَ لِزَيْدٍ أنْ أُكْرِمَهُ ثُمَّ يُهِينَنِي ولا يَسْتَخِفَّ بِي، وإمّا غَيْرُ زائِدَةٍ بِناءً عَلى أنَّهُ كانَ يَنْهى عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: أنَتَّخِذُكَ رَبًّا؟
قِيلَ لَهُمْ: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَتَّخِذَهُ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ ويَنْهاهم عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، مَعَ أنَّ مَن يُرِيدُ أنْ يَسْتَعْبِدَ شَخْصًا يَقُولُ لَهُ: يَنْبَغِي أنْ تَعْبُدَ أمْثالِي وأكْفائِي، وعَلى هَذا يَكُونُ المَقْصُودُ مِن عَدَمِ الأمْرِ النَّهْيَ، وإنْ كانَ أعَمَّ مِنهُ لِكَوْنِهِ أمَسَّ بِالمَقْصُودِ وأوْفَقَ لِلْواقِعِ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (ولا يَأْمُرُكُمْ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ويُحْتَمَلُ الحالِيَّةُ، وقِيلَ: والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ أظْهَرُ، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ (ولَنْ يَأْمُرَكُمْ) ووَجَهَّتِ الأظْهَرِيَّةُ بِالخُلُوِّ عَنْ تَكَلُّفِ جَعْلِ عَدَمِ الأمْرِ بِمَعْنى النَّهْيِ، وبِأنَّ العَطْفَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَهُ عَلى (لَكِنْ) وكَذا الحالِيَّةُ أيْضًا.
وقُرِئَ بِإسْكانِ الرّاءِ فِرارًا مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، وعَلى سائِرِ القِراءاتِ ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى بَشَرٍ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ في بَعْضِها عَلى اللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ الأمْرانِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ ﴾ والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، وكَوْنُ مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ نَكِرَةً يَجْعَلُهُ عامًّا ﴿ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ اِسْتَدَلَّ بِهِ الخَطِيبُ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ القائِلِينَ «أفَلا نَسْجُدُ لَكَ؟» بِناءً عَلى الظّاهِرِ، ووَجْهُ كَوْنِ الخِطابِ لِلْكَفّارِ وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِأهْلِ الكِتابِ: ﴿ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ أيْ مُنْقادُونَ مُسْتَعِدُّونَ لِلدِّينِ الحَقِّ إرْخاءً لِلْعِنانِ واسْتِدْراجًا، والقَوْلُ بِأنَّ كُلَّ مُصَدِّقٍ بِنَبِيِّهِ مُسْلِمٌ، ودَعْواهُ أنَّهُ أمَرَهُ نَبِيُّهُ بِما يُوجِبُ كُفْرَهُ دَعْوى أنَّهُ أمَرَهُ بِالكُفْرِ بَعْدَ إسْلامِهِ فَدَلالَةُ هَذا عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُسْلِمِينَ ضَعِيفَةٌ في غايَةِ السُّقُوطِ، كَما لا يَخْفى.
<div class="verse-tafsir"
مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ أي التوراة والإنجيل وَالْحُكْمَ يعني الفهم وَالنُّبُوَّةَ وهو عيسى ابن مريم- عليهما السلام- ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ما جاز له أن يقول للناس: كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ويقال: إن اليهودَ والنصارى اختلفوا فيما بينهم، فجاء الفريقان جميعاً إلى رسول الله .
وقال كل فريق: نحن أولى بإبراهيم- - فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله : «كُلُّكُمْ عَلَى الخَطَأ» فغضبوا.
وقالوا: والله ما تريد إِلاَّ أَن نتخذك حَنَّاناً، أي معبوداً، فأنزل الله تعالى مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ، يعني القرآن والحكم، يعني الحلال والحرام والنبوة، ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله وَلكِنْ يقول لهم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي متعبدين ويقال كونوا علماء فقهاء.
قال الزجاج: الربانيون أرباب العلم، والبيان، أي كانوا علماء بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ أي كونوا عاملين بما كنتم تعلمون، لأن العالم إنما يقال له عالم إذا عمل بما علم، وإن لم يعمل بعلمه، فليس بعالم، لأن من ليس له من علمه منفعة، فهو والجاهل سواء ثم قال: وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ يقول بما كنتم تقرؤون يعني كونوا علماء بذلك عاملين به.
قرأ ابن كثير ونافع، وأبو عمرو «بما كنتم تَعْلَمُون» بنصب التاء والتخفيف، يعني يُعَلِّمكم الكتاب ودراستكم والباقون بضم التاء والتشديد يعني تُعَلِّمُون غيركم فإنما يأمركم بذلك وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً يعني عيسى وعُزَيراً والملائكة- صلوات الله عليهم-، ولو أمركم بذلك لَكَفَر، وتنزع النبوة منه أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ يعني بعبادة الملائكة بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي مخلصون بالتوحيد لله.
قرأ عاصم وحمزة وابن عامر: ولا يَأْمُرَ بنصب الراء ينصرف إلى قوله مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، فيصير نصباً بأن، والباقون ولا يأمرُكم بضم الراء على معنى الابتداء.
<div class="verse-tafsir"
التأويلات كقولهم: راعِنا [البقرة: ١٠٤] ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ [النساء: ٤٦] ونحو ذلك، وليس التبديلُ المحْضُ بِلَيٍّ، وحقيقةُ اللَّيِّ في الثِّيَابِ والحِبَالِ ونحوها، وهو فَتْلُها وإراغتها ومنه: لَيُّ العُنُق، ثم استعمل ذلك في الحُجَج، والخُصُوماتِ والمُجَادلاتِ، والكِتَابُ في هذا الموضع: التوراةُ، والضميرُ في «تَحْسَبُوهُ» للمسلمين.
وقوله: وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: نفْيٌ أنْ يكون منزَّلاً من عند اللَّه كما ادعوا، وهو من عند اللَّه، بالخَلْق، والاختراع، والإيجاد، ومنهم بالتكسّب.
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
وقوله تعالى: مَا كانَ لِبَشَرٍ ...
الآية: معناه: النفْيُ التامُّ لأنا نقطع أنَّ اللَّه لا يؤتي النبوّة للكذبة والمدّعين، والْكِتابَ هنا اسم جنس، والْحُكْمَ: بمعنى الحكمة ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْماً» «١» وقال الفَخْر «٢» : هنا اتفق أهْلُ اللغة والتفْسير على أنَّ هذا الحكم هو العلْم، قال تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: ١٢] يعني: العلم والفهم.
اهـ.
«وثُمَّ» : في قوله: ثُمَّ يَقُولَ: معطيةٌ تعظيمِ الذنْبِ في القولِ بعد مُهْلة من هذا الإنعام، وقوله: عِباداً: جمع «عَبْدٍ» ، ومن جموعه عَبِيد، وعِبِدَّى.
قال ع «٣» : والذي أستقْرَيْتُ/ في لفظة العِبَادِ، أنه جَمْعُ عَبْدٍ، متى سيقَتِ اللفظةُ في مضمارِ الترفيعِ، والدلالةِ على الطاعة، دون أنْ يقترن بها معنى التَّحْقير، وتصغير الشأن، وأما العبيد، فيستعمل في التحقير.
قال ص: ونوقش ابْنُ عطيَّة بأنَّ «عِبِدَّى» : اسْمُ جمعٍ، وتفريقه بيْن عِبَادٍ وعَبِيدٍ لا يصحُّ.
اهـ.
قلتُ: وقوله تعالى: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ [الفرقان: ١٧] ونحوه يوضِّحه.
اهـ.
ومعنى الآيةِ: ما كان لأحَدٍ من النَّاسِ أنْ يَقُولَ: اعبدوني، واجعلوني إلَهاً، قال النَّقَّاشُ وغيره: وهذه الإِشارة إلى عيسى- عليه السلام-، والآية رادَّة على النصارى، وقال ابنُ عَبَّاس وجماعةٌ من المفسّرين: بل الإشارة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وسببُ نزولِ الآيةِ أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم حِينَ اجتمعت الأحبارُ من يهودَ، والوَفْدُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّمَا تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ إلَهاً، كَمَا عَبَدَتِ النصارى عيسى، فَقَالَ الرَّئِيسُ مِنْ نصارى نَجْرَانَ: أَوَ ذَاكَ تُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ، وَإلَيْهِ تَدْعُونَا؟
فَقَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَعَاذَ اللَّهِ!
مَا بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَلاَ إلَيْهِ دَعَوْتُ» ، فنزلَتِ الآية، قال بعْضُ العلماءِ: أرادَتِ الأحبار أن تلزم هذا القول محمّدا صلّى الله عليه وسلّم، لَمَّا تلا علَيْهِمْ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: ٣١] وإنَّما معنى الآيةِ: فاتبعوني فيما أدْعُوكُمْ إليه مِنْ طاعة اللَّهِ، فحرَّفوها بتأوُّلهم، وهذا مِنْ نوع لَيِّهِمُ الكتابَ بألسنتهم، قال الفَخْر «١» وقال ابنُ عبَّاس: إن الآية نزَلَتْ بسبب قولِ النَّصَارَى:
المَسِيحُ ابن اللَّهِ، وقولِ اليهود: عُزَيْرٌ ابن اللَّه «٢» وقيل: إن رجلاً من المسلِمِينَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نَسْجُدُ لَكَ؟
فَقَالَ- عليه السلام-: «مَا يَنْبَغِي السُّجُودُ إلاَّ لِلَّهِ» «٣» .
قيلَ:
وقوله تعالى: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ يقوِّي هذا التأويل.
اهـ.
وقوله تعالى: وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ...
الآيةَ: المعنى: ولكنْ يقول: كونُوا ربانيِّين، وهو جَمْعُ رَبَّانِيٍّ، قال قومٌ: منْسُوبٌ إلَى الرَّبِّ من حيثُ هو عَالِمٌ ما علمه، عَامِلٌ بطاعته، معلِّم للناس ما أُمِرَ به، وزِيدَتْ فيه النُّونُ مبالغةً، وقال قومٌ: منسوبٌ إلى الرّبَّان، وهو معلِّم الناس، مأخوذ من: رَبِّ يَرُبُّ، إِذا أصلح، وربى، والنُّون أيضا زائدة
كما زيدَتْ في غَضْبَان، وعَطْشَان «١» ، وفي البخاريِّ: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّى النَاس بصغارِ العِلْمِ قبل كِبارِهِ.
قال ع «٢» : فجملةُ ما يُقَالُ في الرَّبَّانِيِّ: أنه العالمُ بالرَّبِّ والشرعِ، المصيبُ في التقديرِ من الأقوال والأفعال الَّتي يحاولُها في النَّاس، وقوله: بِما كُنْتُمْ: معناه: بسَبَبِ كونكُمْ عالمينَ دارِسِينَ، ف «مَا» : مصدريةٌ، وأسند أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: العِلْمُ عِلْمَانِ، علْمٌ فِي القَلْب، فَذَلِكَ العِلْمُ النَّافِعُ، وعِلْمٌ في اللسان، فذلك حُجَّة اللَّه (عزَّ وجَلَّ) على ابن آدَمَ «٣» ، ومِنْ حديثِ ابن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «هَلاَكُ أُمَّتِي عَالِمٌ فَاجِرٌ، وعَابِدٌ جَاهِلٌ، وَشَرُّ الشِّرَارِ جَبَّارُ العُلَمَاءِ، وَخَيْرُ الخِيَارِ خِيَارُ العُلَمَاءِ» «٤» .
اهـ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْمُرَكم أنْ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ، وعاصِمٌ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ، وعَبْدُ الوارِثِ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، واليَزِيدِيِّ في اخْتِيارِهِ، بِنَصْبِ الرّاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِرَفْعِ الرّاءِ، فَمَن نَصَبَ كانَ المَعْنى: وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَأْمُرَكم، ومَن رَفَعَ قَطَعَهُ مِمّا قَبْلَهُ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ولا يَأْمُرُكم مُحَمَّدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ ﴿ وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ .
المَعْنى: ولَكِنْ يَقُولُ: "كُونُوا رَبّانِيِّينَ" وهو جَمْعُ رَبّانِيٍّ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في هَذِهِ النِسْبَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هو عالِمُ عِلْمِهِ، العامِلُ بِطاعَتِهِ، المُعَلِّمُ لِلنّاسِ ما أمَرَ بِهِ؛ وزِيدَتِ الألِفُ والنُونُ مُبالَغَةً كَما قالُوا: لِحْيانِيٌّ وشَعْرانِيٌّ في النِسْبَةِ إلى اللِحْيَةِ والشَعْرِ.
وقالَ قَوْمٌ: الرَبّانِيُّ مَنسُوبٌ إلى الرُبّانِ وهو مُعَلِّمُ الناسِ وعالِمُهُمُ السائِسُ لِأمْرِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن رَبَّ يَرُبُّ إذا أصْلَحَ ورَبّى، وزِيدَتْ فِيهِ هَذِهِ النُونُ كَما زِيدَتْ في غَضْبانَ وعَطْشانَ، ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِ رَبّانِيٌّ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِفَةِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: رَبّانِيٌّ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ الرَبّانِيُّ: الحَكِيمُ العالِمُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: الفَقِيهُ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَبّانِيُّ: العالِمُ الحَلِيمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الحَكِيمُ الفَقِيهُ، وقالَ الضَحّاكُ: هو الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَبّانِيُّ: والِي الأمْرِ، يَرُبُّ الناسَ أيْ يُصْلِحُهُمْ، فالرَبّانِيُّونَ: الوُلاةُ والأحْبارُ والعُلَماءُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: فَوْقَ الحَبْرِ لِأنَّ الحَبْرَ هو العالِمُ، والرَبّانِيُّ هو الَّذِي جَمَعَ إلى العِلْمِ والفِقْهِ البَصَرَ بِالسِياسَةِ والتَدْبِيرَ والقِيامَ بِأُمُورِ الرَعِيَّةِ وما يُصْلِحُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، وفي البُخارِيِّ: الرَبّانِيُّ: الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ.
فَجُمْلَةُ ما يُقالُ في الرَبّانِيِّ إنَّهُ العالِمُ بِالرَبِّ والشَرْعِ، المُصِيبُ في التَقْدِيرِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي يُحاوِلُها في الناسِ.
وقَوْلُهُ: "بِما كُنْتُمْ" مَعْناهُ: بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ دارِسِينَ، فَـ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، لِأنَّ العائِدَ الَّذِي كانَ يَلْزَمُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ أنْ يَتَضَمَّنَهُ "كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ"، ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّ كانَ قَدِ اسْتَوْفَتْ خَبَرَها ظاهِرًا وهُوَ: "تُعَلِّمُونَ"، وكَذَلِكَ "تُعَلِّمُونَ" قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَهُ وهو "الكِتابَ" ظاهِرًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، إذْ لا يُمْكِنُ عائِدٌ، و:"تُعَلِّمُونَ" بِمَعْنى تُعَرِّفُونَ، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "تَعْلَمُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ اللامِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُعَلِّمُونَ" مُثْقَلًا، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، والمَفْعُولُ الثانِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ الناسَ الكِتابَ.
والقِراءَتانِ مُتَقارِبَتا المَعْنى، وقَدْ رَجَّحْتُ قِراءَةَ التَخْفِيفِ بِتَخْفِيفِهِمْ "تَدْرُسُونَ"، وبِأنَّ العِلْمَ هو العِلَّةُ الَّتِي تُوجِبُ لِلْمُوَفَّقِ مِنَ الناسِ أنْ يَكُونَ رَبّانِيًّا، ولَيْسَ التَعْلِيمُ شَرْطًا في ذَلِكَ، ورَجَّحْتُ الأُخْرى بِأنَّ التَعْلِيمَ يَتَضَمَّنُ العِلْمَ، والعِلْمَ لا يَتَضَمَّنُ التَعْلِيمَ، فَتَجِيءُ قِراءَةُ التَثْقِيلِ أبْلَغَ في المَدْحِ.
ومِن حَيْثُ العالِمُ بِحالِ مَن يَعْلَمُ، فالتَعْلِيمُ كَأنَّهُ في ضِمْنِ العِلْمِ.
وقِراءَةُ التَخْفِيفِ عِنْدِي أرْجَحُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: "تَعَلَّمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَدْرُسُونَ" بِضَمِّ الراءِ، مِن دَرَسَ إذا أدْمَنَ قِراءَةَ الكِتابِ وكَرَّرَهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَدْرِسُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، وهَذا عَلى أنَّهُ يُقالُ في مُضارِعِ دَرَسَ، يَدْرُسُ ويَدْرِسُ ورُوِيَ عن أبِي حَيْوَةَ، أنَّهُ قَرَأ: "تُدَرِّسُونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، بِمَعْنى: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: "وَلا يَأْمُرُكُمْ" بِرَفْعِ الراءِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَخْتَلِسُ حَرَكَةَ الراءِ تَخْفِيفًا، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "وَلا يَأْمُرَكُمْ" نَصْبًا، ولا خِلافَ في الراءِ مِن قَوْلِهِ: "أيَأْمُرُكُمْ" إلّا اخْتِلاسُ أبِي عَمْرٍو، فَمَن رَفَعَ قَوْلَهُ: "لا يَأْمُرُكُمْ"، فَهو عَلى القَطْعِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكُمُ اللهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكم هَذا البَشَرُ الَّذِي أُوتِيَ هَذِهِ النِعَمَ، وهو مُحَمَّدٌ ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ"، فَهَذِهِ قِراءَةٌ تَدُلُّ عَلى القَطْعِ.
وأمّا قِراءَةُ مَن نَصَبَ الراءَ فَهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتِيَهُ" والمَعْنى: ولا لَهُ أنْ يَأْمُرَكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ "وَلا يَأْمُرَكُمْ" بِالنَصْبِ - مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "ثُمَّ يَقُولَ"؛ وهَذا خَطَأٌ لا يَلْتَئِمُ بِهِ المَعْنى، والأرْبابُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الآلِهَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ" تَقْرِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى الظاهِرِ فَسادُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ ﴾ ...
الآيَةُ، المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أخْذُ هَذا المِيثاقِ حِينَ أخْرَجَ بَنِي آدَمَ مِن ظَهْرِ آدَمَ نَسَمًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الأخْذُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ ووَقْتِ بَعْثِهِ، ثُمَّ جَمَعَ اللَفْظَ في حِكايَةِ الحالِ في هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى أخَذَ مِيثاقَ كُلِّ نَبِيٍّ بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ هو ومَن آمَنَ بِهِ، الإيمانَ بِمَن أُوتِيَ بَعْدَهُ مِنَ الرُسُلِ الظاهِرَةِ بَراهِينُهُمْ، والنُصْرَةَ لَهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في العِبارَةِ عن مُقْتَضى ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ: إنَّما أخَذَ مِيثاقَ أهْلِ الكِتابِ لا مِيثاقَ النَبِيِّينَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هَكَذا هو القُرْآنُ، وإثْباتُ "النَبِيِّينَ" خَطَأٌ مِنَ الكُتّابِ.
وهَذا لَفْظٌ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ الصَحابَةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، فَهُوَ أخْذٌ لِمِيثاقِ الجَمِيعِ.
وقالَ طاوُسُ: أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا - آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ - إلّا أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في مُحَمَّدٍ؛ لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ بِأخْذِهِ عَلى قَوْمِهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَهُ السُدِّيُّ، ورُوِيَ عن طاوُسَ أنَّهُ قالَ: صَدْرُ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ عَلى النَبِيِّينَ وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ - حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلٌ يُفْسِدُهُ إعْرابُ الآيَةِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الأخْذَ عَلى الأنْبِياءِ أخْذٌ عَلى الأُمَمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وغَيْرُهُ سِوى السَبْعَةِ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ، وهي لامُ الجَرِّ، والتَقْدِيرُ: لِأجْلِ ما آتَيْناكُمْ، إذْ أنْتُمُ القادَةُ والرُؤُوسُ، ومَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ فَهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِيثاقُهُ.
و"ما" في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الَّذِي المَوْصُولَةُ، والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِلَةِ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكُمُوهُ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ"...
الآيَةُ، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِلَةِ، ولا بُدَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: رَسُولٌ بِهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، وحُذِفَ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَ الَّذِي في الصِلَةِ بِعَيْنِها لِطُولِ الكَلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ؛ والحَذْفُ مِنَ الصِلاتِ كَثِيرٌ جَمِيلٌ، وأمّا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ فَقالَ قَوْلُهُ تَعالى: "لِما مَعَكُمْ".
هو العائِدُ عِنْدَهُ عَلى المَوْصُولِ، إذْ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الضَمِيرِ الَّذِي قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ، وكَذَلِكَ قالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ لِأنَّ المَعْنى: لا يَضِيعُ أجْرُهُمْ، إذِ المُحْسِنُونَ هم مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ وكَذَلِكَ ما ضارَعَ هَذِهِ الآياتِ.
وسِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى أنْ يَضَعَ المُظْهَرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، كَما يَراهُ أبُو الحَسَنِ.
واللامُ فِي: "لَتُؤْمِنُنَّ" هي اللامُ المُتَعَلِّقَةُ لِلْقَسَمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أخْذُ المِيثاقِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ جائِزٌ.
وَقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ: "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، وذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، واللامُ لامٌ بِالِابْتِداءِ، وهي مُتَلَقِّيَةٌ لِما أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ ﴾ وخَبَرُ الِابْتِداءِ قَوْلُهُ: "لَتُؤْمِنُنَّ" و"لَتُؤْمِنُنَّ" مُتَعَلِّقٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: واللهِ لَتُؤْمِنُنَّ؛ هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وفِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى نَظَرٌ إذا تَأمَّلْتَ عَلى أيِّ شَيْءٍ وقَعَ التَحْلِيفُ، لَكِنَّهُ مُتَوَجِّهٌ بِأنَّ الحَلِفَ يَقَعُ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا، فَتَأمَّلْ.
والعائِدُ الَّذِي في الصِلَةِ، والعائِدُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الصِلَةِ هُنا في هَذِهِ القِراءَةِ هُما عَلى حَدِّ ما ذَكَرْناهُما في قِراءَةِ حَمْزَةَ، أمّا أنَّ هَذا التَأْوِيلَ يَقْتَضِي عائِدًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو "لَتُؤْمِنُنَّ" فَهو قَوْلُهُ تَعالى: "بِهِ" فالهاءُ مِن "بِهِ" عائِدَةٌ عَلى "ما" ولا يَجُوزُ أنْ تَعُودَ عَلى "رَسُولٌ" فَيَبْقى المَوْصُولُ حِينَئِذٍ غَيْرَ عائِدٍ عَلَيْهِ مِن خَبَرِهِ ذِكْرٌ.
والوَجْهُ الثانِي الَّذِي تَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قِراءَةُ القُرّاءِ "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، هو أنْ تَكُونَ "ما" لِلْجَزاءِ شَرْطًا، فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها وهو مَجْزُومٌ، و"جاءَكُمْ" مَعْطُوفٌ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "ما" لَيْسَتِ المُتَلَقِّيَةَ لِلْقَسَمِ، ولَكِنَّها المُوَطِّئَةُ المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ لامِ القَسَمِ، فَهي بِمَنزِلَةِ اللامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ لِأنَّها مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ﴾ ، وكَذَلِكَ هَذِهِ مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ ، وهَذِهِ اللامُ الداخِلَةُ عَلى "إنَّ" لا يَعْتَمِدُ القَسَمُ عَلَيْها، فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُها تارَةً وإثْباتُها تارَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ .
قالَ الزَجّاجُ: لِأنَّ قَوْلَكَ، واللهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، إنَّما هو حَلِفٌ عَلى فِعْلِكَ، لا أنَّ الشَرْطَ مُعَلَّقٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللامُ عَلى الشَرْطِ، وما في هَذا الوَجْهِ مِن كَوْنِها جَزاءً لا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ لِأنَّها مَفْعُولَةٌ والمَفْعُولُ لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ عائِدٍ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ عائِدٌ عَلى "رَسُولٌ"، وكَذَلِكَ هو عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ اللامَ، وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلَتَنْصُرُنَّهُ" فَلا يَحْتَمِلُ بِوَجْهٍ إلّا العَوْدَ عَلى "رَسُولٌ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ في الإغْفالِ: وجَزاءُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" عَلَيْهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُهُ -يَعْنِي الخَلِيلَ- عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ ﴾ فَقالَ: ما هُنا بِمَنزِلَةِ الَّذِي ودَخَلَتْها اللامُ كَما دَخَلَتْ عَلى "إنَّ" حِينَ قُلْتَ: لَئِنْ فَعَلْتَ لَأفْعَلَنَّ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ يُفَسِّرُ وجْهَ الجَزاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: أرادَ الخَلِيلُ بِقَوْلِهِ: هي بِمَنزِلَةِ الَّذِي، أنَّها اسْمٌ كَما أنَّ الَّذِي اسْمٌ، ولَمْ يُرِدْ أنَّها مَوْصُولَةٌ كالَّذِي، وإنَّما فَرَّ مِن أنْ تَكُونَ "ما" حَرْفًا كَما جاءَتْ حَرْفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ .
واللهُ المُسْتَعانُ.
وحَكى المَهْدَوِيُّ ومَكِّيٌّ عن سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ: أنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ فِيمَن جَعَلَ ما ابْتِداءً عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللامَ هو في قَوْلِهِ: ﴿ مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ﴾ ولا أعْرِفُ مِن أيْنَ حَكَياهُ، لِأنَّهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنى الآيَةِ، لا يَلِيقُ بِسِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ؛ وإنَّما الخَبَرُ في قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ومَن جَرى مَجْراهُ كالزَجّاجِ وغَيْرِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمّا آتَيْناكُمْ" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: أيْ لَمّا آتاكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ أخَذَ المِيثاقَ، وتَكُونُ اللامُ تَؤُولُ إلى الجَزاءِ، كَما تَقُولُ لَمّا جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنَّ "لَمّا" هَذِهِ هي الظَرْفِيَّةُ، أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ الناسِ وأماثِلَهُمْ، أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ، إذْ عَلى القادَةِ يُؤْخَذُ، فَيَجِيءُ هَذا المَعْنى كالمَعْنى في قِراءَةِ حَمْزَةَ.
وذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في "لَمّا" في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أصْلَها "لِمَن ما"، وزِيدَتْ "مِن" في الواجِبِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، كَما يَجِبُ في مِثْلِ هَذا، فَجاءَ "لَمِّما"، فَثَقُلَ اجْتِماعُ ثَلاثِ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى فَبَقِيَ "لَمّا".
وتَتَفَسَّرُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى هَذا التَوْجِيهِ المُحَلِّقِ تَفَسُّرَ "لَما" بِفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "آتَيْناكُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الباقُونَ: "آتَيْتُكُمْ" بِالتاءِ، و"رَسُولٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى مُحَمَّدٍ ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
اعتراض واستطراد: فإنه لما ذكر لَيّ اليهودِ ألسنتَهم بالتوراة، وهو ضرب من التحريف، استطرد بذكر التحريف الذي عند النصارى لمناسبة التشابه في التحريف إذ تقَوّل النصارى على المسيح أنه أمرهم بعبادته فالمراد بالبشر عيسى عليه السلام، والمقصود تنزيه عيسى عن أن يكون قال ذلك، ردّاً على النصارى، فيكون رجوعاً إلى الغرض الذي في قوله: ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء إلى قوله بأنا مسلمون ﴾ [آل عمران: 64].
وفي «الكشاف» قيل نزلت لأنّ رجلاً قال: يا رسول الله نُسلمُ عليك كما يُسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك.
قال: " لا ينبغي أن يُسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيئكم واعرِفوا الحق لأهله " قلت: أخرجه عبد بن حميد عن الحسن، فعلى تقدير كونه حديثاً مقبولاً فمناسبة ذكر هذه الآية أنها قص منها الردّ على جميع هذه المعتقدات.
ووقع في أسباب النزول للواحدي مِن رواية الكلبي، عن ابن عباس: أنّ أبا رافع اليهودي والسيدَ مِن نصارى نجران قالا يا محمد: «أتريد أن نعبدك» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " معاذ الله أن يُعبد غير الله " ونزلت هذه الآية.
وقوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ نفي لاستحقاق أحد لذلك القول واللام فيه للاستحقاق.
وأصل هذا التركيب في الكلام ما كان فُلان فاعلاً كذا، فلما أريدت المبالغة في النفي عدل عن نفي الفعل إلى نفي المصدر الدال على الجنس، وجعل نفي الجنس عن الشخص بواسطة نفي الاستحقاق إذ لا طريقة لِحمل اسم ذات على اسم ذات إلاّ بواسطة بعض الحروف، فصار التركيب: ما كان له أن يفعل، ويقال أيضاً: ليس له أن يفعل، ومثل ذلك في الإثبات كقوله تعالى: ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ﴾ [طه: 118].
فمعنى الآية: ليس قولُ ﴿ كونوا عباداً لي ﴾ حقاً لبشر أيِّ بشر كان.
وهذه اللام هي أصل لام الجحود التي في نحو ﴿ وما كان الله ليعذّبهم ﴾ [الأنفال: 33]، فتراكيب لام الجحود كلّها من قبيل قلب مثل هذا التركيب لقصد المبالغة في النفي، بحيث ينفى أن يكون وجود المسند إليه مجعولاً لأجل فِعْل كذا، أي فهو بريء منه بأصل الخلقة ولذلك سميت جحوداً.
والمنفي في ظاهر هذه الآية إيتاء الحكم والنبوءة، ولكن قد علم أنّ مصبّ النفي هو المعطوف من قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي ﴾ أي ما كان له أن يقول كونوا عباداً لي إذا آتاه الله الكتاب إلخ.
والعباد جمع عبد كالعبيد، وقال ابن عطية: «الذي استقريت في لفظ العباد أنه جمع عبد لا يقصد معه التحقير، والعبيد يقصد منه، ولذلك قال تعالى: «يا عبادي» وسمّت العرب طوائف من العرب سكنوا الحِيرة ودخلوا تحت حكم كِسرى بالعباد، وقيل لأنهم تنصّروا فسموْهم بالعباد، بخلاف جمعه على عَبيد كقولهم: هم عبيد العَصا، وقال حمزةُ بنُ المطلب هل أنتم إلاّ عبيدٌ لأبي ومنه قول الله تعالى: ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ [فصلت: 46]؛ لأنّه مكان تشفيق وإعْلام بقلة مقدرتهم وأنه تعالى ليس بظلاّم لهم مع ذلك، ولما كان لفظة العباد تقتضي الطاعة لم تقع هنا، ولذلك آنس بها في قوله تعالى: ﴿ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ [الزمر: 53] فهذا النوع من النظر يُسلك به سُبل العجائب في ميزة فصاحة القرآن على الطريقة العربية السلبية».
اه.
وقوله: ﴿ من دون الله ﴾ قيد قصد منه تشنيع القول بأن يكونوا عباداً للقائل بأنّ ذلك يقتضي أنهم انسلخوا عن العبودية لله تعالى إلى عبودية البشر، لأنّ حقيقة العبودية لا تقبل التجزئة لمعبودين، فإنّ النصارى لما جعلوا عيسى ربّاً لهم، وجعلوه ابناً للَّه، قد لزمهم أنهم انخلعوا عن عبودية الله فلا جدوى لقولهم: نحن عبد الله وعبيدُ عيسى، فلذلك جعلت مقالتُهم مقتضية أنّ عيسى أمرهم بأن يكونوا عباداً له دون الله، والمعنى أنّ لآمِر بأن يكون الناس عباداً له هو آمر بانصرافهم عن عبادة الله.
﴿ ولكن كونوا ربانيين ﴾ أي ولكن يقول كونوا ربانيين أي كونوا منسوبين للربّ، وهو الله تعالى، لأنّ النسب إلى الشيء إنما يَكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه.
ومعنى ذلك أن يَكونوا مخلصين لله دون غيره.
والربّاني نسبة إلى الرب على غير قياس كما يقال اللِّحياني لعظيم اللحية، والشَّعراني لكثير الشعرَ.
وقوله: ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ أي لأنّ علمكم الكتاب من شأنه أن يصدّكم عن إشراك العبادة، فإنّ فائدة العلم العمل.
وقرأ الجمهور: بما كنتم تعلمون بفتح المثناة الفوقية وسكون العين وفتح اللام مضارع عَلِم.
وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وخلف: بضم ففتح فلاممٍ مشدّدة مكسورة مضارع عَلَّم المضاعف.
﴿ وتدرسون ﴾ معناه تقرؤون أي قراءة بإعادة وتكرير: لأنّ مادّة درس في كلام العرب تحوم حول معاني التأثر من تكرّر عمل يُعمل في أمثاله، فمنه قولهم: دَرَسَت الريحُ رسمَ الدار إذا عفته وأبلته، فهو دارس، يقال منزل دارس، والطريق الدارس العافي الذي لا يتبين.
وثوْب دارس خَلَقٌ، وقالوا: دَرَس الكتاب إذا قرأه بتمهّل لحفظه، أو للتدبّر، وفي الحديث: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلاّ نزلت عليهم السكينة إلخ " رواه الترمذي فعطَفَ التدارس على القراءة فعُلم أنّ الدراسة أخصّ من القراءة.
وسموا بيت قراءة اليهود مِدْرَاساً كما في الحديث: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج في طائفة من أصحابه حتى أتى مدراس اليهود فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلخ.
ومادة درس تستلزم التمكن من المفعول فلذلك صار درس الكتاب مجازاً في فهمه وإتقانه ولذلك عطف في هذه الآية ﴿ وبما كنتم تدرسون ﴾ على ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ .
وفعله من باب نصر، ومصدره في غالب معانيه الدرس، ومصدر درس بمعنى قرأ يجيء على الأصل دَرْساً ومنه سمي تعليم العِلم درساً.
ويجيء على وزن الفِعالة دِراسة وهي زنة تدل على معالجة الفعل، مثل الكتابة والقراءة، إلحاقاً لذلك بمصادر الصناعات كالتجارة والخياطة.
وفي قوله: ﴿ ولا يأمركم ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب.
وقرأ الجمهور «يأمُرُكم» بالرفع على ابتداء الكلام، وهذا الأصل فيما إذا أعيد حرف النفي، فإنه لما وقع بعد فعل منفي، ثم انتقض نفيه بلكن، احتيج إلى إعادة حرف النفي، والمعنى على هذه القراءة واضح: أي ما كان لبشر أن يقول للناس كونوا إلخ ولا هو يأمُرهم أن يتخذوا الملائكة أرباباً.
وقرأه ابن عامر، وحمزة ويعقوب، وخلف: بالنصب عطفاً على أن يقولَ ولا زائدة لتأكيد النفي الذي في قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ ، وليست معمولة لأنْ: لاقتضاء ذلك أن يصير المعنى: لا ينبغي لبشر أوتي الكتاب ألاّ يأمركم أن تتخذوا، والمقصود عكس هذا المعنى، إذ المقصود أنه لا ينبغي له أن يأمر، فلذلك اضطرّ في تخريج هذه القراءة إلى جعل لا زائدة لتأكيد النفي وليست لنفي جديد.
وقرأه الدُّوري عن أبي عمرو باختلاس الضمة إلى السكون.
ولعلّ المقصود من قوله: ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ : أنهم لما بالغوا في تعظيم بعض الأنبياء والملائكة، فصوّروا صور النبيئين، مثل يحيى ومريم، وعبدوهما، وصوّروا صور الملائكة، واقتران التصوير مع الغلوّ في تعظيم الصورة والتعبد عندها ضربٌ من الوثنية.
قال ابن عرفة: «إن قيل نفي الأمر أعم من النهي فهلا قيل ويَنهاكم.
والجواب أنّ ذلك باعتبار دعواهم وتقوّلهم على الرسل».
وأقول: لعلّ التعبير بلا يأمركم مشاكلة لقوله: ﴿ ثم يقول للناس ﴾ لأنهم زعموا أنّ المسيح قال: إنه ابنُ الله فلما نفي أنه يقول ذلك نفي ما هو مثله وهو أن يأمرُهم باتخاذ الملائكة أرباباً، أو لأنهم لما كانوا يدّعون التمسك بالدين كان سائر أحوالهم محمولة على أنهم تلقوها منه، أو لأنّ المسيح لم ينههم عن ذلك في نفس الأمر، إذ هذا مما لا يخطر بالبال أن تتلبس به أمة متدينة فاقتصر، في الردّ على الأمة، على أنّ أنبياءهم لم يَأمروهم به ولذلك عقب بالاستفهام الإنكاري، وبالظرف المفيد مزيد الإنكار على ارتكابهم هذه الحالة، وهي قوله: ﴿ أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ .
فهناك سببان لإنكار أن يكونَ ما هم عليه مُرضياً أنبياءهم؛ فإنه كفر، وهم لا يرضون بالكفر.
فما كان من حقّ من يتبعونهم التلبُّس بالكفر بعد أن خرجوا منه.
والخطاب في قوله: ﴿ ولا يأمركم ﴾ التفات من طريقة الغيبة في قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ فالمواجَه بالخطاب هم الذين زعموا أنّ عيسى قال لهم: كونوا عباداً لي من دون الله.
فمعنى ﴿ أنتم مسلمون ﴾ يقتضي أنّهم كانوا مسلمين والخطاب للنصارى وليس دينهم يطلق عليه أنه إسلام.
فقيل: أريد بالإسلام الإيمان أي غير مشركين بقرينة قوله ﴿ بالكفر ﴾ .
وقيل الخطاب للمسلمين بناء على ظاهر قوله: ﴿ إذ أنتم مسلمون ﴾ لأنّ اليهود والنصارى لم يوصفوا بأنهم مسلمون في القرآن، فهذا الذي جرّأ من قالوا: إنّ الآية نزلت لقول رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم «ألاَ نسجد لك»، ولا أراه لو كان صحيحاً أن تكون الآية قاصدة إياه؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: ثم يأمر الناس بالسجود إليه، ولما عرّج على الأمر بأن يكونوا عباداً له من دون الله ولا بأن يتّخذوا الملائكة والنبيين أرباباً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِلنَّبِيِّ : أتَدْعُونا إلى عِبادَتِكَ كَما دَعا المَسِيحُ النَّصارى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
» ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فُقَهاءُ عُلَماءُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: حُكَماءُ أتْقِياءُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الوُلاةُ الَّذِينَ يَرُبُّونَ أُمُورَ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
وَفي أصْلِ الرَّبّانِيِّ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَرُبُّ أُمُورَ النّاسِ بِتَدْبِيرِهِ، وهو قَوْلُ الشّاعِرِ: وكُنْتُ امْرَأً أفْضْتُ إلَيْكَ رَبابَتِي وقَبْلَكَ رَبَّتْنِي - فَضِعْتُ - رُبُوبُ فَسُمِّيَ العالِمُ رَبّانِيًّا لِأنَّهُ بِالعِلْمِ يُدَبِّرُ الأُمُورَ.
والثّانِي: أنَّهُ مُضافٌ إلى عالِمِ الرَّبِّ، وهو عِلْمُ الدِّينِ، فَقِيلَ لِصاحِبِ العِلْمِ الَّذِي أمَرَ بِهِ الرَّبُّ رَبّانِيٌّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟
فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله...
!
أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره.
ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني.
فأنزل الله في ذلك من قولهما ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله عن موضعه.
فقال الله: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «بلغني أن رجلاً قال: يا رسول الله نسلِّم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟
قال: لا.
ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله، فانه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله.
فأنزل الله: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربانيين ﴾ قال: فقهاء معلمين.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ ربانيين ﴾ قال: حلماء علماء حكماء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طريق الضحاك عن ابن عباس ﴿ ربانيين ﴾ قال: علماء فقهاء.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ ربانيين ﴾ قال: حكماء فقهاء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود ﴿ ربانيين ﴾ قال: حكماء علماء.
وأخرج ابي جرير عن مجاهد قال: ﴿ الربانيون ﴾ الفقهاء العلماء.
وهم فوق الأحبار.
وأخرج عن سعيد بن جبير ﴿ ربانيين ﴾ قال: حكماء أتقياء.
وأخرج ابن جرير عن ابي زيد قال: ﴿ الربانيون ﴾ الذين يربون الناس ولاة هذا الأمر.
يلونهم، وقرأ ﴿ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ﴾ [ المائدة: 63] قال الربانيون الولاة ﴿ والأحبار ﴾ العلماء.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ قال: حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً.
وأخرج ابن المنذر عن ابق عباس أنه كان يقرأ ﴿ بما كنتم تعلمون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ ﴿ بما كنتم تعلمون ﴾ مثقلة برفع التاء وكسر اللام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، أنه قرأ ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ خفيفة بيصب التاء قال ابن عيينة: ما علموه حتى علموه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي بكر قال: كان عاصم يقرؤها ﴿ بما كنتم تعلمون الكتاب ﴾ مثقلة برفع التاء وكسر اللام.
قال: القرآن ﴿ وبما كنتم تدرسون ﴾ قال: الفقه.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: لا يعذر أحد حر، ولا عبد، ولا رجل، ولا امرأة؛ لا يتعلم من القرآن جهده ما بلغ منه فإن الله يقول: ﴿ كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ﴾ يقول: كونوا فقهاء، كونوا علماء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين في قوله: ﴿ وبما كنتم تدرسون ﴾ قال: مذاكرة الفقه، كانوا يتذاكرون الفقه كما نتذاكره نحن.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا ﴾ قال: ولا يأمركم النبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ ﴾ .
الآية.
أكثر القراء على رفع ﴿ ولا يأمُرُكُم ﴾ (١) قال سيبويه (٢) ﴿ وَلَا يَأَمُرُكم ﴾ : منقطعة مما قبلها؛ لأن المعنى: ولا (٣) وقال ابن جريج (٤) (٥) (٦) قال الفراء (٧) (٨) ومَن نَصَبَ ﴿ وَلَا يَأْمُرَكُمْ ﴾ كان (٩) ﴿ أَنْ يُؤْتِيَهُ ﴾ .
ويقوي هذا الوجه ما ذكرنا: أن اليهود قالت للنبي : أتريد يا محمدُ أن نتخذك ربًّا؟!
فقال الله سبحانه: ما كان لِبَشَرٍ أن يأمر بذلك (١٠) قال الزجاج (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ ﴾ .
استفهام معناه: الإنكار؛ أي: لا يفعل (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ .
أي: بعد إسلامكم.
(١) القراءة برفع الراء، هي لابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، والكسائي، وأبي جعفر، وعاصم برواية الأعشى والبرجمي عن أبي بكر.
وكان أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفًا.
والقراءة بالفتح، لعاصم برواية حفص وحماد ويحيى عن أبي بكر، وهي كذلك قراءة ابن عامر، وحمزة، ويعقوب، وخلف.
انظر: "السبعة" 213، "المبسوط" لابن مهران: 145 - 146، "حجة القراءات" 168، "الإقناع" 621، "إتحاف فضلاء البشر" (177).
(٢) في "الكتاب" 3/ 52.
(٣) من قوله: (ولا ..) إلى (..
ابن جريج وجماعة): ساقط من: (ج).
(٤) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 329.
(٥) لم أقف على المراد بهم.
وقد وردت هذه العبارة بنصها في "تفسير الثعلبي" 3/ 66 أ.
قال: (وقال ابن جريج وجماعة).
(٦) ذكر هذه القراءة: الطبري في "تفسيره" 3/ 329، والفارسي في "الحجة" 3/ 58، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 66 أ.
وقال الطبري: عن سند هذه القراءة: (فذلك خبر غير صحيح سنده).
"تفسيره" 3/ 329.
(٧) في "معاني القرآن" له: 1/ 225.
نقله عنه بنصه.
(٨) انظر هذه القراءة في "تفسير الطبري" 1/ 516، "المحرر الوجيز" 1/ 469.
(٩) من قوله: (كان ..) على (..
لبشر أن يأمركم): ساقط من: (ج).
(١٠) سبق تخريج هذا الأثر في التعليق على تفسير آية 79 من هذه السورة.
(١١) في "معاني القرآن" له: 1/ 436، نقل عنه بنصه.
(١٢) في "معاني القرآن": أي.
(١٣) في (ج): (أربابا).
(١٤) في "المعاني": (ويقال).
(١٥) (الصابئ) هو الذي خرج من دينه ودخل في دين آخر.
ولذا سَمَّ كفارُ قريش النبيَ وصحابته بذلك -بزعمهم- لأنهم تركوا دينهم ودخلوا في دين آخر.
و (الصابئة) هنا لفظة قديمة من لغة عرب ما بين النهرين من العراق، وهو دين قديم ظهر في بلاد الكلدانيين في العراق، واشتهر في (حرّان) من بلاد الجزيرة الفراتية، ويُسَمَّون لذلك بـ (الحرْنانِيّة) على غير قياس.
ودينهم من أقدم الأديان، ولما بعث الله إبراهيم كان الناس على دين الصابئة.
وقد ترك هؤلاء دين التوحيد وعبدوا النجوم والكواكب وعظموها، مدعين أن البشر عاجزون عن الوصول إلى جلال الخالق == فلزم التقرب إليه بواسطة مخلوقات مقربة لديه، وهي الأرواح الطاهرة المقدسة، وزعموا أن هذه الأرواح تسكن الكواكب، وأنها تنزل إلى النفوس الإنسانية بمقدار تقرب النفوس إليها، فعبدوا الكواكب بقصد الاتجاه إلى رُوحانياتها.
وبنوا للكواكب هياكل وجعلوا لها تماثيل.
انظر حول تفصيل معتقدهم "الملل والنحل" للشهرستاني: 2/ 5 وما بعدها، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين، للفخر الرازي:143، "لسان العرب" 4/ 2398 (صبأ)، "المختصر في أخبار البشر" 1/ 81، "التحرير والتنوير" لابن عاشور: 1/ 533.
(١٦) في (ج): (نفعل).
(١٧) الواو: زيادة لازمة ليستقيم بها المعنى.
(١٨) في (ج): (فكذلك).
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ ﴾ الآية: هذا النفي متسلط على ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ ﴾ والمعنى: لا يدعي الربوبية من آتاه الله النبوّة، والإشارة إلى عيسى عليه السلام، ردٌّ على النصارى الذي قالو: إنه الله، وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأن اليهود قالوا: يا محمد تريد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى؟
فقال: معاذ الله ما بذلك أمرت، ولا إليه دعوت ﴿ ربانيين ﴾ جمع رباني، وهو العالم، وقيل الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره ﴿ بِمَا كُنتُمْ ﴾ الباء سببية وما مصدرية ﴿ تُعَلِّمُونَ ﴾ بالتخفيف تعرفون.
وهي قراءة نافع وغيره وقرئ بالتشديد من التعليم ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ ﴾ بالرفع: استئناف، والفاعل الله أو البشر المذكور، وقرئ بالنصب عطف على أن يؤتيه أو على ثم يقول، والفاعل على هذا البشر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ آن يؤتى ﴾ بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير.
الباقون بهمزة واحدة ﴿ يؤدهى ولا يؤدهى ﴾ ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون يعقوب غير زيد وأبو عمرو في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس.
الباقون ساكنة الهاء.
﴿ تعلمون ﴾ بالتشديد.
عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.
فحذف المفعول الأول للعلم به وهو الناس.
الباقون ﴿ تعلمون ﴾ بالتخفيف من العلم.
﴿ ولا يأمركم ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس.
الباقون بالنصب.
/ الوقوف: ﴿ يرجعون ﴾ ج للعطف ﴿ دينكم ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ (لا) لأن التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أويتم إلا لمن تبع دينكم.
وقوله: "قل" مع مقوله معترض.
ومن قرأ ﴿ آن يؤتى ﴾ مستفهماً وقف عليها.
﴿ عند ربكم ﴾ ط ﴿ بيد الله ﴾ ج ط لأن ﴿ يؤتيه ﴾ لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله.
﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط ج لاحتمال الاستئناف والصفة.
﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ الأولى ج لتضاد الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظاً.
﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ج لأن الواو للاستئناف مع اتساق معنى الكلام ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ يزكيهم ﴾ ص ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وما هو من الكتاب ﴾ ج لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ وما هو عند الله ﴾ ج ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ تدرسون ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويأمركم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يؤتيه ﴾ ﴿ أرباباً ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه.
التفسير: هذا نوع آخر من تلبيساتهم.
وقوله ﴿ بالذي أنزل ﴾ يحتمل أن يراد كل ما أنزل الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل.
أما الاحتمال الأول فقول الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد ﴿ وجه النهار ﴾ أي أوله.
والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه.
روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار.
وأنشد الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه *** قد قمن قبل تبلج الأسحار وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا الثأر.
فمعنى البيت من كان مسروراً فليرَ أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي على المقتول تمام يوم وليلة.
واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإنما ذلك الأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد تفكروا في أمره وفي دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم.
وقال أبو مسلم: معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم / فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴾ .
وقال الأصمْ: معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيراً مما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه.
وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا.
فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، وآخره صلاة الظهر.
وتقريره "أنه كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك، فلما حوّله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق" .
وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين.
ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعاً لهم.
وفيه أيضاً أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.
ثم قال : ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب.
واتفقوا على أن قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وكذا قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ من جملة كلام الله، أو من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة.
أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر.
وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر.
والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه؟
فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير.
ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟
والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟
ونظيره قوله: ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ﴾ ومعنى قول حكاية عنهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبياً / يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم.
واللام زائدة مثل ﴿ ردف لكم ﴾ فإنه يقال: صدقت فلاناً ولا يقال صدقت لفلان.
فأمر الله نبيه أن يقول لهم في الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه ديناً فهو الدين الذي يجب متابعته كقوله في جواب قولهم: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب ﴾ ثم وبخهم بالاستفهام المذكور.
ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.
فقيل للنبي ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف.
ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟
يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم؟
ثم قال: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم.
وأما إن لم تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق.
أو يقال: ﴿ الهدى ﴾ اسم "إن" و ﴿ هدى الله ﴾ بدل منه.
والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.
ويكون "أو" بمعنى "حتى" ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: ﴿ أن يؤتى ﴾ مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما أوتيتموه أو يحاجوكم - يعني هؤلاء المسلمين - بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم.
أو يقال ﴿ الهدى ﴾ اسم للبيان و ﴿ هدى الله ﴾ بدل ويضمر لا بعد "إن" مثل ﴿ أن تضلوا ﴾ أي لا تضلوا.
والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، وأن لا يحاجوكم - يعني هؤلاء اليهود - عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون.
وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ من تتمة كلام اليهود، وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ جملة معترضة.
فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم.
فحذف حرف الجر من "أن" على القياس.
قال في الكشاف: أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا / تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام.
وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عطف على ﴿ أن يؤتى ﴾ والضمير في ﴿ يحاجوكم ﴾ لـ ﴿ أحد ﴾ لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة.
قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين.
وكذلك قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله: ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ بعد قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار؟
ربما يدل على صحة دين محمد عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب.
فالجواب: ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم.
على أنه يحتمل أن يكون شائعاً ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم.
فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد؟
وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟
قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاماً أمر الله نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد.
كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو الله، ثم يعود إلى تلك الحكاية.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيده.
واعلم أنه حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .
وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر.
وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان.
والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير.
ومعنى قوله ﴿ بيد الله ﴾ أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله ﴿ يؤتيه من يشاء ﴾ .
وفيه دليل / على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة ﴿ عليم ﴾ بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والحاصل أنه بين بقوله: ﴿ إن الفضل بيد الله ﴾ أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.
ثم قال: ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والرحمة المضافة إليه أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم.
﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة وعلى أشخاص معينين كان جاهلاً بكمال الله في قدرته وحكمته.
ثم إنه كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من القبائح فقال: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ الآية.
فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: أهل للأمانة وأهل للخيانة.
فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذي بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم.
وقيل: إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود لكثرة ذلك فيهم.
وقال ابن عباس: ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤده ﴾ هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه و ﴿ من إن تأمنه بدينار لا يؤده ﴾ هو فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.
وقال أهل الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيراً من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلاً عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا فيكون همه مقصوراً عليها معرضاً عما سواها غير مؤد حقوقها.
ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ومعنى "على" استعلاؤها والاستيلاء عليها.
والمراد بالقنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه.
وأما الأقوال فيه فقد مرت في أوائل السورة.
وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا أوقية.
ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك.
ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة.
وأما قوله ﴿ إلا ما دامت عليه قائماً ﴾ فمنهم من حمله على حقيقته.
قال السدي: يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه مجتمعاً معه ملازماً إياه، فإن / أنظرت وأخرت أنكر.
ومنهم من يحمله على الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة.
قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد عنه ومنه قوله : ﴿ أمة قائمة ﴾ أي عاملة بأمر الله غير تاركة له.
وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: ﴿ ديناً قيماً ﴾ أي ثابتاً لا ينسخ.
فمعنى الآية إلا دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.
﴿ ذلك ﴾ الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا في ما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب والعتاب.
إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ماله بأي طريق كان، وإما لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم وأموالهم.
روي أن اليهود عاملوا رجالاً في الجاهلية من قريش.
فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فلا جرم قال : ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة.
أو يعلمون حرمة الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم.
عن النبي أنه قال عند نزولها: " "كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" .
وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.
قال: فتقولون ماذا؟
قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.
قال: هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل.
إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، ﴿ بلى ﴾ قال الزجاج: عندي وقف التمام ههنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جواباً عن المنفي قبله.
فقولهم: ﴿ ليس علينا جناح ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ نحن أحباء الله ﴾ فقيل لهم: إن أهل الوفاء بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله.
وعلى هذا فلا وقف على "بلى".
وفيه أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله في كتابهم من الإيمان بنبي آخر الزمان وهو محمد .
ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ولم يحرفوا كتابه.
وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ والضمير في ﴿ بعهده ﴾ يجوز أن يرجع إلى ﴿ من ﴾ ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في الآية التالية ﴿ بعهد الله ﴾ .
واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم الأخلاق.
فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله بالتزام التكاليف الخاصة / والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال.
فكل متقٍ موفٍ بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: ﴿ يحب المتقين ﴾ دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم.
ثم إنه لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس - والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة غالباً - لا جرم أردفها بالوعيد عليها.
وأيضاً الخيانة في العهود وفي تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: ﴿ إن الذين يشترون ﴾ الآية.
واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه.
قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود.
كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم.
وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟
قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟
قال: لا.
قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله.
قال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً.
لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أميركم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله وحرم عيالكم.
فقالوا: فإنه شبه لنا فرويداً حتى نلقاه.
فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفاً للذي عندنا.
وأخرجوا الذين كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت.
وعن الأشعث بن قيس: "خاصمت رجلاً في بئر فاختصمنا إلى رسول الله فقال: شاهداك أو يمينه.
فقلت: إذاً يحلف ولا يبالي.
فقال : من حلف عليّ يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت الآية على وفقه.
وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه.
ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله أو صفة من صفاته أو ما يجري مجراه.
والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ونحوهما.
ثم إنه رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلاً خمسة أنواع من الجزاء فقوله: ﴿ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴾ إشارة إلى أنه لا نصيب لهم في منافعها ونعيمها.
وقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ﴾ إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب.
وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب / الأهوال.
قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك.
وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل.
قال في الكشاف: لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم.
تقول: فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به.
وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر.
ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.
قلت: لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة.
وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية لأنه يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام وهو منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف "إلى" ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا يكون الله رائياً وذلك باطل.
قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود وهو الذي سيخص الله به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ وعلى هذا جاز أن يكون النظر بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضاً وقتئذٍ نفي رؤية لا يرونه حينئذٍ ﴿ وإن منهم لفريقاً ﴾ عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفوها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى.
فإن الليَّ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية.
وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة.
وفي الكشاف: أي يقتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف.
أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بليّ اللسان ذماً لهم وتقريعاً، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ﴿ لتحسبوه ﴾ أي المحرف الذي دل عليه ﴿ يلوون ﴾ ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب ﴿ وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ نفى أوّلاً كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام / ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس.
فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكماً من أحكامه المستنبطة من الأصول.
ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: ﴿ هو من عند الله ﴾ أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء.
وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله كانوا متحيرين خابطين.
فإن وجدوا قوماً من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: إنه من التوراة.
وإن وجدوا قوماً عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء.
واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه.
احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند الله، لكن الله كذبهم.
والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، فلم يبق لهما في الآية استدلال.
ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: ﴿ ما كان لبشر ﴾ الآية.
وقيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله : أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟
فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت.
وقيل: "إن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟
قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" .
وقيل: زعمت اليهود أن أحداً لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله منه نظيره ﴿ ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ ﴿ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ وقيل: معناه أنه لا يشرف عبداً بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام.
وقيل: إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن الله ويحتج / على صدقه بالمعجزة.
فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً.
والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه.
وقد يعبر عنه بالسنة والنبوة وهو كونه مأموراً بتبليغ ما فهم إلى الخلق، وما أحسن هذا الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل هذا القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟
فتبين أنه ليس المراد من قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ إلى قوله: ﴿ كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق.
ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلاناً لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذباً له فيما ادعاه عليه.
ومثله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه التحريم والحظر.
وكذا قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يغل ﴾ ومعناه النفي لا النهي.
ومعنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم يقول ﴾ تبعيد هذا القول عن مثل ذلك البشر ﴿ ولكن كونوا ﴾ ولكن يقول كونوا ﴿ ربانيين ﴾ قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته.
وزيادة الألف والنون في النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة.
وقال المبرد: والربانيون أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم والقيام بأمرهم.
والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة.
والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضاً.
قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي يسمى ربانياً لأن يطاع كالرب فينسب إليه.
فمعنى الآية: ولكن يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله ومواظبتكم على طاعته.
وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية.
وسواء كانت عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق الخير.
عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة.
والباء في قوله: ﴿ بما كنتم ﴾ للسببية و"ما" مصدرية و ﴿ تعلمون ﴾ من التعليم أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي القراءة توجب على صاحبها كونه ربانياً، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً أمراً مغايراً لكونه عالماً ومعلماً ومواظباً على / قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله.
فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعاً وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال : " نعوذ بالله من قلب لا يشخع ومن علم لا ينفع " وفي الآية دليل على صحة قوله : " "العلماء ورثة الأنبياء " تأمل تفهم بإذن الله.
﴿ ولا يأمركم ﴾ من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم ﴿ أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي.
والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك رباً؟
قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي.
ويراد بالنبيين غيره كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء.
ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ولن يأمركم ﴾ والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - لله.
وقال ابن جريج لمحمد ، وقيل: لعيسى.
وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح.
﴿ أيأمركم ﴾ أي البشر وقيل: الله ﴿ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك.
قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول الله أن يسجدوا له.
قلت: وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان بالله؟
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: عهد الله: أمره ونهيه.
يحتمل هذا العهد فيما عهدوا في التوراة ألا يكتموا نعته وصفته؛ ولكن يظهرون ذلك للناس ويقرون به.
﴿ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : أيمانهم التي حلفوا كذباً أن ليس نعته وصفته فيه؛ مخافة ذهاب منافعهم.
ويحتمل: أن حلفوا كذباً، فأخذوا أموال الناس بالباطل والظلم؛ وعلى ذلك روي عن رسول الله قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ؛ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِم لَقِيَ الله - - وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" وتلا هذه الآية: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً...
﴾ الآية.
والعهد والإيمان سواء؛ ألا ترى [إلى قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ...
﴾ الآية.
ويحتمل عهد الله: ما قبلوا عن الله]، وما ألزمهم الله، والأيمان: ما حلفوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : أي: لا نصيب لهم في الآخرة مما ذكروا أن لهم عند الله من الخيرات والحسنات؛ كقوله: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بذلك كلام الملائكة الذين يأتون المؤمنين بالتحية والسلام من ربهم؛ كقوله: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .
وقوله: (لا تكلمهم) الملائكة؛ على ما تكلم المؤمنين، أضاف ذلك إلى نفسه، على ما ذكرنا فيما تقدم من إضافة النصر إليه على إرادة أوليائه؛ فكذلك هذا، أو أن يكون الله - عز وجل - كان قد كلمهم بتكليم الملائكة إياهم؛ لأنهم رسله؛ فكان كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ : صيّره ببعث الرسل كأنْ قد كلمهم هو؛ فكذلك الأوّل.
ويحتمل: أن يكون الله - عز وجل - يكرم المؤمنين في الجنة بكلامه عال ما كلم موسى في الدنيا؛ فلا يكلمهم كما يكلم المؤمنين.
ويحتمل: لا يكلمهم بالرحمة سوى أن يقول لهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ : نظر رحمة، كما ينظر إلى المؤمنين بالرحمة.
وقوله: ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِم ﴾ : أي: لا يجعل لخيراتهم ثواباً.
ويحتمل: أن يكون هذا في قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون أبداً؛ فقال: لا يزكيهم، أي: لا تزكو أعمالهم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ ﴾ : أي: كانوا يحرفون ألسنتهم بالكتاب على التعظيم والتبجيل: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ أي: كانوا يحرفون نعته - عليه أفضل الصلوات - وصفتَهُ، ثم يتلونه على التعظيم والتبجيل؛ ليحسبوه من الكتاب المنزل من السماء، وما هو من الكتاب الذي أنزل من السماء.
﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .
﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم يكذبون على الله، وأن ذلك ليس هو من عند الله.
وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ : أي: ما كان لبشر اختاره الله للذي قال؛ وتبين أنهم إنما أضافوا دينهم الذي فيه عبادة غير الله إلى أنبيائهم كِذْبةً، وأن الله يجعل رسالته عند من يعصمه عن مثله بقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ ، لا يجعلها حيث يخان ويكتم، والله الموفق.
وهذه الآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يؤتي النفس البشرية الكتاب ولا النبوة؛ إنما يؤتي النفس البسيطة، وهي الروحانية، ليأتي تخيل في قلوب الأنبياء، ويؤيدهم حتى يؤلفوا؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ .
فإذا ثبت ذلك في قلوب الرسل ألفوا هم الكتب والصحف، لا يقدر غير الرسل على ذلك، ثم الناس يأخذون ذلك منهم؛ فالآية تكذبهم وترد عليهم قولهم؛ حيث أخبر أنه يؤتي البشر الكتاب والحكم والنبوة بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ وكذلك قال عيسى - - في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ .
وفي الآية دليل عصمة الرسل والأنبياء - عليهم السلام - عن الكفر بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وخاصّة في عصمة رسولنا - محمد - قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ : شرَطَ في المؤمنين اكتسابَ ما يستوجبون به الأذى، ولم يشترط في النبي ؛ دل أنه لا يكون منه اكتسابُ ما يستوجب به الأذى، ويكون من المؤمنين بشرطه فيهم ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ ﴾ : معناه: أي: ولكن يقول لهم: كونوا ربّانيين؛ وكأنه على الابتداء والاستئناف ويقول لهم: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ .
ثم اختلف في ﴿ رَبَّـٰنِيِّينَ ﴾ ؛ قيل: متعبدين لله بالذي يُعلِّمون الكتاب، وبالذي يدرسونه.
وقيل: الربانيون: العلماء الحكماء.
وقيل: حكماء علماء.
وقيل: علماء فقهاء.
وهو واحد.
ثم فيه دلالة أن الرجل قد يدرس ويعلّم آخر بما لا يفقه ولا يعلم، معناه: إلا كل من يدرس شيئاً أو يعلّم آخر يكون فقيهاً فيه، ويعرف ما أودع فيه من المعنى.
وفيه دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه إنما يوصل إلى ما فيه من المعنى والفقه بالاجتهاد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً ﴾ .
اختلف فيه؛ قيل: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة أرباباً؛ لأنهم يقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله - -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقيل: إن عيسى وعزيراً ومن ذكر لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً من دون الله، وقد عصمهم الله بالنبوة.
وقوله: ﴿ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أيأمركم الله بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون له بالخلقة؛ لما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ ، أي: أسلموا له، وأقروا به مرة، ثم كفروا بعد ما كانوا مخلصين له بالتوحيد.
ويحتمل قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : بعد إذ دعاكم إلى الإسلام فأجاب بعضكم.
<div class="verse-tafsir"
ولا ينبغي له - كذلك - أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا تعبدونهم من دون الله، أيجوز منه أن يأمركم بالكفر بالله بعد انقيادكم إليه واستسلامكم له؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.0PW8z"
إن ما روي من أن بعض الصحابة طلب أن يسجدوا للرسول هو من الروايات التي لم يق الله المسلمين شرها، ولا حاجة إليها في القرآن، فإن الآية متصلة بما قبلها فهي في سياق الرد على أهل الكتاب إبطال لما ادعاه بعضهم من أن لله تعالى ابنًا أو أبناء حقيقة وأن بعض الأنبياء أثبت ذلك لنفسه.
وصرح بأن هذه الدعوى مما يدخل في ليِّ اللسان بالكتاب وتحريفه بالتأويل.
ويصح أن تكون ردًا على أصحاب هذه الدعوى ابتداء مستأنفًا استئنافًا بيانيًا كأن النفس تتشوف بعد بيان حال فرق اليهود إلى بيان حال النصارى وما يدعون في المسيح فجاءت الآيتان في ذلك.
إن عبارات الكتاب ربما تذهب النفس فيها مذاهب التأويل، فالعمل هو الذي يقرر الحق فيها.
وقد تقدم تفسير الحكمة بفقه الكتاب ومعرفة أسراره وأن ذلك يستلزم العمل به.
﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ : أفادت الآية أن الإنسان يكون ربانيًا بعلم الكتاب ودرسه وبتعليمه للناس ونشره، ومن المقرر أن التقرب إلى الله تعالى لا يكون إلا بالعمل بالعلم والعلم الذي لا يبعث إلى العمل لا يعد علمًا صحيحًا لأن العلم الصحيح ما كان صفة للعالم وملكة راسخة في نفسه وإنما الأعمال آثار الصفات والملكات، والمعلم يعبر عما رسخ في نفسه ومن لم يحصل من علم الكتاب إلا صورًا وتخيلات تلوح في الذهن ولا تستقر في النفس لا يمكنه أن يكون معلمًا له يفيض على غيره كما أنه لا يكون عاملًا به على وجهه كما ثبت بالمشاهدة والاختبار.
﴿ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ : معناه أنه ما كان للمسيح أن يأمر أهل الكتاب الذين بعث فيهم بعبادته بعد إذ كانوا موحدين بمقتضى ما جاءهم به موسى.
<div class="verse-tafsir"