الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٨١ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 165 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨١ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ، عليه السلام ، إلى عيسى ، عليه السلام ، لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة ، وبلغ أي مبلغ ، ثم جاءه رسول من بعده ، ليؤمنن به ولينصرنه ، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته ، ولهذا قال تعالى وتقدس : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ) أي : لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ) وقال ابن عباس ، ومجاهد ، والربيع ، وقتادة ، والسدي : يعني عهدي .
وقال محمد بن إسحاق : ( إصري ) أي : ثقل ما حملتم من عهدي ، أي ميثاقي الشديد المؤكد .
( قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين)
القول في تأويل قوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واذكروا، يا أهل الكتاب،" إذ أخذ الله ميثاق النبيين "، يعني: حين أخذ الله ميثاق النبيين =" وميثاقهم "، ما وثقوا به على أنفسهم طاعةَ الله فيما أمرهم ونهاهم.
* * * وقد بينا أصل " الميثاق " باختلاف أهل التأويل فيه، بما فيه الكفاية.
(28) * * * =: " لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، (29) فاختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق ( لَمَا آتَيْتُكُمْ ) بفتح " اللام " من " لما "، إلا أنهم اختلفوا في قراءة: "آتيتكم ".
فقرأه بعضهم: "آتيتكم " على التوحيد.
وقرأه آخرون: (آتينَاكم) على الجمع.
* * * ثم اختلف أهل العربية إذا قرئ ذلك كذلك.
فقال بعض نحويي البصرة: " اللام " التي مع " ما " في أول الكلام " لام الابتداء "، نحو قول القائل: " لزيدٌ أفضل منك "، لأن " ما " اسم، والذي بعدها صلة لها، (30) " واللام " التي في: " لتؤمنن به ولتنصرنه "، لام القسم، كأنه قال: والله لتؤمنن به = يؤكد في أول الكلام وفي آخره، كما يقال: " أما والله أن لو جئتني &; 6-551 &; لكان كذا وكذا "، وقد يستغنى عنها.
فوكَّد في: " لتؤمنن به "، باللام في آخر الكلام.
(31) وقد يستغنى عنها، ويجعل خبر " ما آتيتكم من كتاب وحكمة "" لتؤمنن به ".
مثل: " لعبد الله والله لتأتينَّه ".
(32) قال: وإن شئت جعلت خبر " ما "" من كتاب "، يريد: لما آتيتكم، كتابٌ وحكمة = وتكون " من " زائدة.
* * * وخطّأ بعضُ نحويي الكوفيين ذلك كله وقال: " اللام " التي تدخل في أوائل الجزاء، تجابُ بجوابات الأيمان، يقال: " لَمَن قام لآتينّه "،" ولَمَن قام ما أحسن "، (33) فإذا وقع في جوابها " ما " و " لا "، علم أن اللام ليست بتوكيد للأولى، لأنه يوضع موضعها " ما " و " لا "، فتكون كالأولى، (34) وهي جواب للأولى.
قال: وأما قوله: " لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، بمعنى إسقاط" من "، غلطٌ.
لأن " منْ" التي تدخل وتخرج، لا تقع مواقع الأسماء، قال: ولا تقع في الخبر أيضًا، إنما تقع في الجحد والاستفهام والجزاء.
(35) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل هذه الآية - على قراءة من قرأ ذلك بفتح " اللام " - بالصواب: أن يكون قوله: " لما " بمعنى " لمهما "، وأن تكون " ما " حرف جزاء أدخلت عليها " اللام "، وصيِّر الفعل معها على " فَعَل "، (36) ثم &; 6-552 &; أجيبت بما تجاب به الأيمان، فصارت " اللام " الأولى يمينًا، إذ تُلقِّيت بجواب اليمين.
* * * وقرأ ذلك آخرون: ( لِمَا آتَيْتكُمْ )" بكسر " اللام " من " لما "، وذلك قراءة جماعة من أهل الكوفة.
* * * ثم اختلف قارئو ذلك كذلك في تأويله.
فقال بعضهم: معناه إذا قرئ كذلك: وإذ أخذَ الله ميثاق النبيين للذي آتيتكم = فـ" ما " على هذه القراءة.
بمعنى " الذي" عندهم.
وكان تأويل الكلام: وإذ أخذَ الله ميثاق النبيين من أجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة = ثم " جاءكم رسول "، يعني: ثم إنْ جاءكم رسول، يعني: ذكر محمد في التوراة =" لتؤمنن به "، أي: ليكونن إيمانكم به، للذي عندكم في التوراة من ذكره.
* * * وقال آخرون منهم: تأويل ذلك إذا قرئ بكسر " اللام " من " لما ": وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين، للذي آتاهم من الحكمة.
ثم جعل قوله: " لتؤمنن به " من الأخذِ أخذِ الميثاق.
كما يقال في الكلام: " أخذتُ ميثاقك لتفعلن ".
لأن أخذ الميثاق بمنـزلة الاستحلاف.
فكان تأويل الكلام عند قائل هذا القول: وإذ استحلف الله النبيين للذي آتاهم من كتاب وحكمة، متى جاءهم رسولٌ مصدق لما معهم، ليؤمننّ به ولينصرنه.
* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءةُ من قرأ: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم "، بفتح " اللام ".
لأن الله عز وجل أخذ ميثاقَ جميع الأنبياء بتصديق كل رسول له ابتعثه إلى خلقه فيما ابتعثه به إليهم، كان ممن آتاه كتابًا أو ممن لم يؤته كتابًا.
وذلك أنه غير جائز وصف أحد من أنبياء الله عز وجل ورسله، بأنه كان ممن أبيح له التكذيب بأحد من رسله.
فإذْ كان ذلك &; 6-553 &; كذلك، وكان معلومًا أن منهم من أنـزل عليه الكتابَ، وأنّ منهم من لم ينـزل عليه الكتاب = كان بينًا أن قراءة من قرأ ذلك: " لمِا آتيتكم "، بكسر " اللام "، بمعنى: من أجل الذي آتيتكم من كتاب، لا وجه له مفهومٌ إلا على تأويل بعيد، وانتزاع عميق.
* * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن أخذ ميثاقه بالإيمان بمن جاءه من رُسل الله مصدّقًا لما معه.
فقال بعضهم: إنما أخذ الله بذلك ميثاقَ أهل الكتاب دون أنبيائهم.
واستشهدوا لصحة قولهم بذلك بقوله: " لتؤمنن به ولتنصرنه ".
قالوا: فإنما أمر الذين أرسلت إليهم الرّسل من الأمم بالإيمان برسل الله ونُصْرتها على من خالفها.
وأما الرسل، فإنه لا وجه لأمرها بنصرة أحد، لأنها المحتاجةُ إلى المعونة على من خالفها من كفَرة بني آدم.
فأما هي، فإنها لا تعين الكفرة على كفرها ولا تنصرها.
قالوا: وإذا لم يكن غيرُها وغيرُ الأمم الكافرة، فمن الذي ينصر النبي، فيؤخذ ميثاقه بنصرته؟
ذكر من قال ذلك: 7323 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإذ أخذَ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، قال: هي خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود: " وإذ أخذَ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ".
(37) &; 6-554 &; 7324 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7325 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين "، يقول: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، وكذلك كان يقرؤها الربيع: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب "، إنما هي أهل الكتاب.
(38) قال: وكذلك كان يقرأها أبي بن كعب.
قال الربيع: ألا ترى أنه يقول: " ثم جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه؟
يقول: لتؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولتنصرنه.
قال: هم أهل الكتاب.
* * * وقال آخرون: بل الذين أخذ ميثاقهم بذلك، الأنبياءُ دون أممها.
ذكر من قال ذلك: &; 6-555 &; 7326 - حدثني المثنى وأحمد بن حازم قالا حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
7327 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين "، أن يصدّق بعضُهم بعضًا.
7328 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم " الآية، قال: أخذ الله ميثاق الأوَل من الأنبياء، ليصدقن وليؤمنن بما جَاء به الآخِرُ منهم.
7329 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف بن عُمر، (39) عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي بن أبي طالب قال: لم يبعث الله عز وجل نبيًّا، آدمَ فمن بعدَه - إلا أخذ عليه العهدَ في محمد: لئن بعث وهو حيّ ليؤمنن به ولينصرَنّه = ويأمرُه فيأخذ العهدَ على قومه، فقال: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، الآية.
7330 - حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب "، الآية: هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضُهم بعضًا، وأن يبلِّغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم - فيما بلَّغتهم رُسلهم - أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدّقوه وينصروه.
&; 6-556 &; 7331 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، الآية.
قال: لم يبعث الله عز وجل نبيًّا قطُّ من لدُنْ نوح، إلا أخذ ميثاقه ليؤمننّ بمحمد ولينصرنَّه إن خَرَج وهو حيّ، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به ولينصرُنَّه إن خَرَج وهم أحياء.
7332 - حدثني محمد بن سنان قال، حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد بن منصور قال، سألت الحسن عن قوله: " وإذ أخذ الله ميثاقَ النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، الآية كلها، قال: أخذ الله ميثاق النبيين: ليبلِّغن آخرُكم أولكم، ولا تختلفوا.
وقال آخرون: معنى ذلك: أنه أخذ ميثاق النبيين وأممهم = فاجتزأ بذكر الأنبياء عن ذكر أممها، لأن في ذكر أخذ الميثاق على المتبوع، دلالةٌ على أخذه على التبَّاع، لأن الأمم هم تُبَّاعُ الأنبياء.
(40) ذكر من قال ذلك: 7333 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ثم ذكر ما أخذ عليهم - يعني على أهل الكتاب - وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه - يعني بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم - إذا جاءَهم، وإقرارهم به على أنفسهم.
فقال: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة " إلى آخر الآية.
(41) 7334 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد &; 6-557 &; بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس مثله.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: الخبرُ عن أخذ الله الميثاقَ من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضًا، وأخذ الأنبياء على أممها وتُبَّاعها الميثاقَ بنحو الذي أخذَ عليها ربُّها من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به لأن الأنبياء عليهم السلام بذلك أرسلت إلى أممها.
ولم يدَّع أحدٌ ممن صدَّق المرسلين، أن نبيًّا أرسِل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله عز وجل وحُجَجه في عباده بل كلها = وإن كذب بعض الأمم بعض أنبياء الله، بجحودها نبوّته = مقرّةٌ بأنّ من ثبتت صحّة نبوته، فعليها الدينونة بتصديقه.
فذلك ميثاق مقرٌّ به جميعهم.
* * * ولا معنى لقول من زعم أن الميثاق إنما أخذ على الأمم دون الأنبياء.
لأن الله عز وجل قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبيين، فسواءٌ قال قائل: " لم يأخذ ذلك منها ربها " أو قال: " لم يأمرها ببلاغ ما أرسلت "، وقد نصّ الله عز وجل أنه أمرها بتبليغه، لأنهما جميعًا خبرَان من الله عنها: أحدهما أنه أخذ منها، والآخر منهما أنه أمرَها.
فإن جاز الشك في أحدهما، جازَ في الآخر.
* * * وأما ما استشهد به الربيع بن أنس، على أن المعنيَّ بذلك أهلُ الكتاب من قوله: " لتؤمنن به ولتنصرنه "، فإن ذلك غير شاهد على صحة ما قال.
لأن الأنبياء قد أمر بعضُها بتصديق بعض، وتصديقُ بعضها بعضًا، نُصرةٌ من بعضها بعضًا.
* * * تم اختلفوا في الذين عُنوا بقوله: " ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ".
فقال بعضهم: الذين عنوا بذلك، هم الأنبياء، أخذت مواثيقهم أن يصدّق &; 6-558 &; بعضهم بعضًا وأن ينصروه، وقد ذكرنا الرواية بذلك عمن قاله.
(42) * * * وقال آخرون: هم أهل الكتاب، أمروا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه الله وبنصرته، وأخذ ميثاقهم في كتبهم بذلك.
وقد ذكرنا الرواية بذلك أيضًا عمن قاله.
(43) * * * وقال آخرون = ممن قال: الذين عُنوا بأخذ الله ميثاقهم منهم في هذه الآية هم الأنبياء = قوله: " ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم "، معنيٌّ به أهل الكتاب.
ذكر من قال ذلك: 7335 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرنا ابن طاوس، عن أبيه في قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة "، قال أخذَ الله ميثاق النبيين أن يصدّق بعضهم بعضًا، ثم قال: " ثم جاءكم رسولٌ مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه "، قال: فهذه الآية لأهل الكتاب، أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا بمحمد ويصدِّقوه.
7336 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر، عن أبيه قال، قال قتادة: أخذ الله على النبيين ميثاقهم: أن يصدق بعضهم بعضًا، وأن يبلغوا كتابَ الله ورسالتَه إلى عباده، فبلَّغت الأنبياء كتابَ الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذوا مواثيقَ أهل الكتاب - في كتابهم، فيما بلَّغتهم رسلهم -: أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدّقوه وينصروه.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب عندنا في تأويل هذه الآية: أنّ جميع ذلك خبرٌ من الله عز وجل عن أنبيائه أنه أخذ ميثاقهم به، وألزمهم دعاء أممها &; 6-559 &; إليه، (44) والإقرار به.
لأن ابتداء الآية خبرٌ من الله عز وجل عن أنبيائه أنه أخذ ميثاقهم، ثم وصف الذي أخذ به ميثاقهم فقال: هو كذا وهو كذا.
وإنما قلنا إنّ ما أخبر الله أنه أخذ به مواثيق أنبيائه من ذلك، قد أخذت الأنبياءُ مواثيق أممها به، لأنها أرسلت لتدعو عبادَ الله إلى الدينونة بما أمرت بالدينونة به في أنفسها، من تصديق رسل الله، على ما قدمنا البيانَ قبل.
* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية: واذكرُوا يا معشرَ أهل الكتاب، إذ أخذَ الله ميثاق النبيين لَمَهْما آتيتكم، أيها النبيون، من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي مصدق لما معكم، لتؤمنن به = يقول: لتصدقنه = ولتنصرنه.
* * * وقد قال السديّ في ذلك بما:- 7337 - حدثنا به محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " لما آتيتكم "، يقول لليهود: أخذت ميثاقَ النبيين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ذكر في الكتاب عندكم.
* * * فتأويل ذلك على قول السدّي الذي ذكرناه: واذكروا، يا معشر أهل الكتاب، إذ أخذ الله ميثاق النبيين بما آتيتكم، أيها اليهود، من كتاب وحكمة.
(45) وهذا الذي قاله السدي كان تأويلا له وجهٌ، (46) لو كان التنـزيل: " بما آتيتكم "، ولكن التنـزيل باللام " لما آتيتكم ".
وغير جائز في لغة أحد من العرب أن يقال: " أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم "، بمعنى: بما آتيتكم.
* * * &; 6-560 &; القول في تأويل قوله : قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بما ذكر، فقال لهم تعالى ذكره: أأقررتم بالميثاق الذي واثقتموني عليه: (47) من أنكم مهما أتاكم رسولٌ من عندي مصدق لما معكم =" لتؤمنن به ولتنصرنه " =" وأخذتم على ذلك إصري"؟
يقول: وأخذتم = على ما واثقتموني عليه من الإيمان بالرسل التي تأتيكم بتصديق ما معكم من عندي والقيام بنصرتهم =" إصري".
يعني عهدي ووصيتي، وقبلتم في ذلك منّي ورضيتموه.
* * * و " الأخذ ": هو القبول - في هذا الموضع - والرّضى، من قولهم: " أخذ الوالي عليه البيعة "، بمعنى: بايعه وقبل ولايته ورَضي بها.
* * * وقد بينا معنى " الإصر " باختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول في ذلك فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(48) * * * وحذفت " الفاء " من قوله: " قال أأقررتم "، لأنه ابتداء كلام، على نحو ما قد بينا في نظائره فيما مضى.
(49) * * * &; 6-561 &; وأما قوله: " قالوا أقررنا "، فإنه يعني به: قال النبيون الذين أخذ الله ميثاقهم بما ذكر في هذه الآية: أقرَرْنا بما ألزمتنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدّقين لما معنا من كتبك، وبنصرتهم.
* * * القول في تأويل قوله : قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قال الله: فاشهدوا، أيها النبيون، بما أخذتُ به ميثاقكم من الإيمان بتصديق رسلي التي تأتيكم بتصديق ما معكم من الكتاب والحكمة، ونُصرتهم على أنفسكم وعلى أتباعكم من الأمم إذ أنتم أخذتم ميثاقهم على ذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم بذلك، كما:- 7338 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، قال، أخبرنا سيف بن عمر، (50) عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي بن أبي طالب في قوله: " قال فاشهدوا "، يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك =" وأنا معكم من الشاهدين "، عليكم وعليهم.
----------------- الهوامش : (28) انظر ما سلف 1: 414 / 2: 156 ، 157 ، 288.
(29) في المطبوعة: "اختلفت" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(30) في المخطوطة: "لأن لما اسم..." ، وهو جيدًا أيضًا وتركت ما في المطبوعة على حاله.
(31) في المطبوعة: "فيؤكد في لتومنن به" ، والصواب ما في المخطوطة.
و"وكد" و"أكد" واحد.
(32) في المطبوعة: "لا يأتينه" ، والصواب ما في المخطوطة.
(33) في المطبوعة: "اللام التي تدخل في أوائل الجزاء لا تجاب بما ولا لا" ، فلا يقال: لمن قام لا تتبعه ، ولا: لمن قام ما أحسن" ، أحدثوا في نص المخطوطة تغييرًا تامًا.
فاضطرب الكلام اضطرابًا شديدًا ، واختلفت معانيه.
(34) يعني"ما" و"لا" التي يتلقى بها القسم.
(35) انظر ذلك فيما سلف 2: 126 ، 127 ، 442 ، 470.
(36) قوله: "على فعل" ، يعني على الفعل الماضي ، لا المضارع.
(37) بمثل هذا الأثر ، يستدل من يستدل من جهله المستشرقين وأشياعهم ، على الخطأ والتحريف في كتاب الله المحفوظ.
وهم لم يكونوا أول من قال به ، بل سبقهم إليه أسلافهم من غلاة الرافضة وأشباههم من الملحدة.
ولم يقصر علماء أهل الإسلام في بيان ما قالوه ، وفي تعقب آرائهم وبيان فسادها ، ووهن حجتها.
ومن أعظم ما قرأت في ذلك ، كتاب"الانتصار لنقل القرآن" ، للقاضي الباقلاني ، وهو كتاب مخطوط لا يزال ، وهي في ملك أخي السيد أحمد صقر ، وهو أمين على نشره.
وقد عقد القاضي بابًا ، بل أبوابًا ، في تعلق القائلين بذلك ، بالشواذ من القراءات ، والزيادات المروية عن السلف رواية الآحاد ، وكشف عن فساد تعلقهم بذلك فيما راموه من الطعن في نقل المصحف.
وقد أطال في ذلك واستوعب ، وذكرها مفصلة ، وذكر الروايات التي رويت في ذلك.
ومما قال في باب منه: "وأما نحن ، وإن كنا نوثق جميع من ذكرنا من السلف وأتباعهم ، فإنا لا نعتقد تصديق جميع ما يروى عنهم ، بل نعتقد أن فيه كذبًا كثيرًا قد قامت الدلالة على أنه موضوع عليهم ، وأن فيه ما يمكن أن يكون حقًا عنهم ، وما يمكن أن يكون باطلا ، ولا يثبت عليهم من طريق العلم البتات ، بأخبار الآحاد.
وإذا كان ذلك كذلك ، وكانت هذه القراءات والكلمات المروية عن جماعة منهم ، المخالفة لما في مصحفنا ، مما لا نعلم صحتها وثبوتها ، وكنا مع ذلك نعلم اجتماعهم على تسليم مصحف عثمان ، وقراءتهم وإقراءهم ما فيه ، والعمل به دون غيره = لم يجب أن نحفل بشيء من هذه الروايات عنهم ، لأجل ما ذكرنا".
قلت: والقول الذي ذكره مجاهد ، أنه: "خطأ من الكاتب" ، إنما عنى به أن قراءة ابن مسعود هي القراءة التي كانت في العرضة الأخيرة ، وأن الكاتب كتب القراءة التي كانت قبل العرضة الأخيرة ، وأنه كان عليه أن يكتب ما كان في العرضة الأخيرة ، فأخطأ وكتب القراءة الأولى.
ولم يرد بقوله: "خطأ من الكاتب" ، أنه وضع ذلك من عند نفسه.
كيف؟
والقرآن متلقى بالرواية والوراثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا بما هو مكتوب في الصحف!!
هذا بيان قد تعجلته ، ولتفصيل هذا موضع غير الذي نحن فيه.
(38) في المخطوطة والمطبوعة: "إنما هي أهل الكتاب" ، ولها وجه ضعيف ، والصواب ما أثبت.
(39) في المطبوعة: "سيف بن عمرو" ، والصواب ما أثبت من المخطوطة: "سيف بن عمر التميمي" صاحب كتاب الردة والفتوح.
أكثر الطبري الرواية عنه في تاريخه ، قال ابن عدي: "بعض أحاديثه مشهورة ، وعامتها منكرة لم يتابع عليها".
وقال ابن حبان: "يروى الموضوعات عن الأثبات ، وقالوا: إنه كان يضع الحديث.
اتهم بالزندقة".
وقال الحاكم: "اتهم بالزندقة ، وهو في الرواية ساقط".
(40) في المطبوعة: "هم تباع الأنبياء" ، زاد"هم" بلا ضرورة.
والصواب ما في المخطوطة.
(41) الأثران: 7333 ، 7334- سيرة ابن هشام 2: 203 ، وهما تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7296 ، 7297.
(42) انظر ما سلف من رقم: 7326-7332.
(43) انظر ما سلف من رقم: 7323-7325.
(44) في المطبوعة: "دعاء أممهم" ، وفي المخطوطة"أممها" كما أثبته ، والمخالفة بين الضمائر في هذا الموضع سياق صحيح ، فرددتها إلى أصل المخطوطة.
(45) في المخطوطة والمطبوعة: "لما آتيتكم" باللام ، والسياق دال على خلافه ، وعلى صواب ما أثبت.
(46) في المطبوعة: "كان تأويلا لا وجه غيره" ، وهو تصويب لما جاء في المخطوطة: "كان تأويلا لا وجه له" ، وهي عبارة لا تستقيم.
ورأيت أن الناسخ عجل فكتب"لا وجه له" مكان"له وجه" ، فرددتها إلى هذا ، وخالفت المطبوعة.
(47) في المخطوطة والمطبوعة: "أقررتم..." بحذف ألف الاستفهام ، وهو فساد.
(48) انظر ما سلف في هذا الجزء: 6: 135-138.
(49) انظر ما سلف 2: 183.
(50) في المطبوعة هنا أيضًا"سيف بن عمرو" ، مخالفًا لما في المخطوطة وهو الصواب.
وقد سلف تصويب ذلك في الأثر رقم: 7329.
وسيأتي خطأ فيما يلي ، في مواضع كثيرة ، سوف أصححه دون إشارة إليه.
قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدينقيل : أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا ويأمر بعضهم بالإيمان بعضا ; فذلك معنى النصرة بالتصديق .
وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة وطاوس والسدي والحسن ، وهو ظاهر الآية .
قال طاوس : أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر .
وقرأ ابن مسعود " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب " .
قال الكسائي : يجوز أن يكون وإذ أخذ الله ميثاق النبيين بمعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين .
وقال البصريون : إذا أخذ الله ميثاق النبيين فقد أخذ ميثاق الذين معهم ; لأنهم قد اتبعوهم وصدقوهم .
و " ما " في قوله لما بمعنى الذي .
قال سيبويه : سألت الخليل بن أحمد عن قوله عز وجل : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة فقال : لما بمعنى الذي قال النحاس : التقدير على قول الخليل للذي آتيتكموه ، ثم حذف الهاء لطول الاسم .
و " الذي " رفع بالابتداء وخبره من كتاب وحكمة .
و ( من ) لبيان الجنس .
وهذا كقول القائل : لزيد أفضل منك ; وهو قول الأخفش أنها لام الابتداء .
قال المهدوي : وقوله ثم جاءكم وما بعده جملة معطوفة على الصلة ، والعائد منها على الموصول محذوف ; والتقدير ثم جاءكم رسول مصدق به .[ ص: 118 ] قوله تعالى : ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه الرسول هنا محمد - صلى الله عليه وسلم - في قول علي وابن عباس رضي الله عنهما .
واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين ; كقوله تعالى : وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة إلى قوله : ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوهفأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام وينصروه إن أدركوه ، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم .
واللام من قوله لتؤمنن به جواب القسم الذي هو أخذ الميثاق ، إذ هو بمنزلة الاستحلاف .
وهو كما تقول في الكلام : أخذت ميثاقك لتفعلن كذا ، كأنك قلت أستحلفك ، وفصل بين القسم وجوابه بحرف الجر الذي هو " لما " في قراءة ابن كثير على ما يأتي .
ومن فتحها جعلها متلقية للقسم الذي هو أخذ الميثاق .
واللام في لتؤمنن به جواب قسم محذوف ، أي والله لتؤمنن به .
وقال المبرد والكسائي والزجاج : " ما " شرط دخلت عليها لام التحقيق كما تدخل على إن ، ومعناه لمهما آتيتكم ; فموضع " ما " نصب ، وموضع " آتيتكم " جزم ، و " ثم جاءكم " معطوف عليه ، " لتؤمنن به " اللام في قوله " لتؤمنن به " جواب الجزاء ; كقوله تعالى : ولئن شئنا لنذهبن ونحوه .
وقال الكسائي : لتؤمنن به معتمد القسم فهو متصل بالكلام الأول ، وجواب الجزاء قوله فمن تولى بعد ذلك .
ولا يحتاج على هذا الوجه إلى تقدير عائد .
وقرأ أهل الكوفة " لما آتيتكم " بكسر اللام ، وهي أيضا بمعنى الذي وهي متعلقة بأخذ ، أي أخذ الله ميثاقهم لأجل الذي آتاهم من كتاب وحكمة ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به من بعد الميثاق ; لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف كما تقدم .
قال النحاس : ولأبي عبيدة في هذا قول حسن .
قال : المعنى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتؤمنن به لما آتيتكم من ذكر التوراة .
وقيل : في الكلام حذف ، والمعنى إذ أخذ الله ميثاق النبيين لتعلمن الناس لما جاءكم من كتاب وحكمة ، ولتأخذن على الناس أن يؤمنوا .
ودل على هذا الحذف وأخذتم على ذلكم إصري .
وقيل : إن اللام في قوله " لما " في قراءة من كسرها بمعنى بعد ، يعني بعدما آتيتكم من كتاب وحكمة ; كما قال النابغة :توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابعأي بعد ستة أعوام .
وقرأ سعيد بن جبير " لما " بالتشديد ، ومعناه حين آتيتكم .
واحتمل أن يكون أصلها التخفيف فزيدت " من " على مذهب من يرى زيادتها في الواجب فصارت لمن ما ، وقلبت النون ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الأولى منهن استخفافا .
[ ص: 119 ] وقرأ أهل المدينة " آتيناكم " على التعظيم .
والباقون آتيتكم على لفظ الواحد .
ثم كل الأنبياء لم يؤتوا الكتاب وإنما أوتي البعض ، ولكن الغلبة للذين أوتوا الكتاب .
والمراد أخذ ميثاق جميع الأنبياء فمن لم يؤت الكتاب فهو في حكم من أوتي الكتاب لأنه أوتي الحكم والنبوة .
وأيضا من لم يؤت الكتاب أمر بأن يأخذ بكتاب من قبله فدخل تحت صفة من أوتي الكتاب .قوله تعالى : أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين " أقررتم " من الإقرار ، والإصر والأصر لغتان ، وهو العهد .
والإصر في اللغة الثقل ; فسمي العهد إصرا لأنه منع وتشديد .
قال فاشهدوا أي اعلموا ; عن ابن عباس .
الزجاج : بينوا لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي .
وقيل : المعنى اشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم .
وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم .
وقال سعيد بن المسيب : قال الله عز وجل للملائكة فاشهدوا عليهم ، فتكون كناية عن غير مذكور .
يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب الله المنزل، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه إن بعث الله رسولا مصدقا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان، فهم كالشيء الواحد، فعلى هذا قد علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتمهم، فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الإيمان به واتباعه ونصرته، وكان هو إمامهم ومقدمهم ومتبوعهم، فهذه الآية الكريمة من أعظم الدلائل على علو مرتبته وجلالة قدره، وأنه أفضل الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وسلم لما قررهم تعالى { قالوا أقررنا } أي: قبلنا ما أمرتنا به على الرأس والعين { قال } الله لهم: { فاشهدوا } على أنفسكم وعلى أممكم بذلك، قال { وأنا معكم من الشاهدين
قوله عز وجل : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ) قرأ حمزة " لما " بكسر اللام وقرأ الآخرون بفتحها ، فمن كسر اللام فهي لام الإضافة دخلت على ما ، ومعناه الذي يريد للذي آتيتكم أي : أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي آتاهم من الكتاب والحكمة يعني أنهم أصحاب الشرائع ومن فتح اللام فمعناه : للذي آتيتكم بمعنى الخبر وقيل : بمعنى الجزاء أي : لئن آتيتكم ومهما آتيتكم وجواب الجزاء قوله ( لتؤمنن ) قوله : ( لما آتيتكم ) قرأ نافع وأهل المدينة " آتيناكم " على التعظيم كما قال : " وآتينا داود زبورا " ( النساء - 163 ) " وآتيناه الحكم صبيا " ( سورة مريم 12 ) وقرأ الآخرون بالتاء لموافقة الخط ولقوله : ( وأنا معكم ) واختلفوا في المعني بهذه الآية : فذهب قوم إلى أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين خاصة أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده ، وأن يصدق بعضهم بعضا وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه ، وإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه ، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى ، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم .
( وقال الآخرون : بما أخذ الله الميثاق منهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ) فعلى هذا اختلفوا : منهم من قال : إنما أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيين ، وهذا قول مجاهد والربيع ، ألا ترى إلى قوله ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ) وإنما كان محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين يدل عليه أن في قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) وأما القراءة المعروفة ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ) فأراد : أن الله أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه وينصروه إن أدركوه .
وقال بعضهم : أراد أخذ الله الميثاق على النبيين ، وأممهم جميعا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع عهد على الأتباع ، وهذا معنى قول ابن عباس ، وقال علي بن أبي طالب : لم يبعث الله نبيا ، آدم ومن بعده إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد ، وأخذ العهد على قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه .
قوله : ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ، ( لتؤمنن به ولتنصرنه ) يقول الله تعالى للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم عليه السلام ، والأنبياء فيهم كالمصابيح والسرج ، وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ( قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري ) أي : قبلتم على ذلكم عهدي ، والإصر : العهد الثقيل ، ( قالوا أقررنا قال ) الله تعالى : ( فاشهدوا ) أي : فاشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم ، ( وأنا معكم من الشاهدين ) عليكم وعليهم ، وقال ابن عباس : فاشهدوا ، أي : فاعلموا ، وقال سعيد بن المسيب قال الله تعالى للملائكة فاشهدوا عليهم كناية عن غير مذكور .
«و» اذكر «إذا» حين «أخذ الله ميثاق النبيين» عهدهم «لما» بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وكسرها متعلقة بأخذ وما موصولة على الوجهين أي للذي «آتيتكم» إياه، وفي قراءة آتيناكم «من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم» من الكتاب والحكمة وهو محمد صلى الله عليه وسلم «لتؤمنن به ولتنصرنه» جواب القسم إن أدركتموه وأممهم تبع لهم في ذلك «قال» تعالى لهم «أأقررتم» بذلك «وأخذتم» قبلتم «على ذلكم إصري» عهدي «قالوا أقررنا قال فاشهدوا» على أنفسكم وأتباعكم بذلك «وأنا معكم من الشاهدين» عليكم وعليهم.
واذكر -أيها الرسول- إذ أخذ الله سبحانه العهد المؤكد على جميع الأنبياء: لَئِنْ آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول من عندي، مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنَّه.
فهل أقررتم واعترفتم بذلك وأخذتم على ذلك عهدي الموثق؟
قالوا: أقررنا بذلك، قال: فليشهدْ بعضكم على بعض، واشهدوا على أممكم بذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم.
وفي هذا أن الله أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ الميثاق على أمم الأنبياء بذلك.
قوله - تعالى - { وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين } الظرف " إذ " منصوب بفعل مقدر تقديره اذكر ، والخطاب فيه للنبى صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب .والميثاق : هو العقد المؤكد بيمين .اى : اذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الله الميثاق من النبيين .وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال أشهرها قولان :أولهما : وهو رأى جمهور العلماء - أن المراد أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين .وثانيهما : وهو رأى بعض العلماء - أن المراد أن الأنبياء هم الذين أخذوا الميثاق من غيرهم .والمعنى على رأى فريق من أصحاب القول الول - منهم الحسن والسدى وسعيد بن جبير - :أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً ، وأخذ العهد على كل نبى ان يؤمن بمن يأتى بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه؛ فغن لم يدركه يأمر قومه بنصرته إن أدركوه .
فأخذ - سبحانه - الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى ، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد - صلوات الله وسلامه عليهم جميعا - وإذا كان حكم الأنبياء ، كانت الأمم بذلك أولى وأحرى .والمعنى على رأى فريق من أصحاب هذا القول منهم على وابن عباس وقتادة : أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا أدركوه ، وأن يأمروا أقوامهم بالإيمان به .قالوا : يؤيد هذا ما أخرجه ابن جرير عن على بن أبى طالب قال : لم يبعث الله بنياً : آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه ، ويأمره فيأخذ العهد على قومه .
ثم تلا الآية " .فكأن اصحاب هذا القول الأول متفقون فيما بينهم عن أن الميثاق إنما أخذه الله من النبيين إلا أن بعضهم يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم لكى يصدق بعضهم بعضا والبعض الآخر يرى أن هذا الميثاق أخذه الله منهم فى شأن محمد صلى الله عليه وسلم خاصة .قال ابن كثير ما ملخصه .
وما قاله الحسن ومن معه لا يضاد ما قاله على وابن عباس ولا ينفيه ، بل يستلزمه ويقتضيه .
.
.
.
وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن ثابت قال : " جاء عمر إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله : إنى مررت بأخ لى من بنى قريظة ، فكتب لى جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟
قال : فتغير وجه النبى صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن ثابت : فقلت له : ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقال عمر : رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا .
قال : فسرى عن النبى صلى الله عليه وسلم وقال : " والذى نفسى بيده لو أصبح فيكم موسى - عليه السلام - ثم اتبعتموه وتركتمونى لضللتم ، إنكم حظى من الأمم وأنا حظكم من النبيين " " .وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تسألوا أهل الكتاب عن شىء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا .
وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق ، وإنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعنى " وفى بعض الأحاديث : " لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعى " .فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم " هو الإمام الاعظم الذى لو وجد فى أى عصر وجد - كان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم " .هذا هو معنى الجملة الكريمة عند أصحاب الرأى الأول الذين يرون أن الله - تعالى - أخذ الميثاق من النبيين .
وأصحاب هذا الرأى كما سبق أن بيناهم جمهور العلماء .أما أصحاب الرأى الثانى الذين يرون أن المراد من الآية أن الأنبياء هم الذين أخذوا الميثاق من غيرهم ، فالمعنى عليه .واذكر يا محمد أو ايها المخاطب وقت أن أخذ الأنبياء العهد على أقوامهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأدركوه فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه فكأن معنى الآية : واذكر وقت أن أخذ الله الميثاق الذى وثق الأنبياء على أقوامهم .هذا ، وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الرأيين وغيرهما فقال :" ميثاق النبيين " فيه غير وجه :أحدهما : أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك .والثانى : أن يضيف الميثاق إلى النبيين إلى الموثق لا إلى الموثق عليه ، كما تقول : ميثاق الله وعهد الله كأنه قيل : وإذ أخذ الله الميثاق الذى وثقه النبيون على أممهم .والثالث : أن يراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف .والرابع : أن يراد أهل الكتاب وأن يرد زعمهم تهكما بهم؛ لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ، ومنا كان النبيون " .والذى تسكن إليه النفس فى معنى الآية .
هو الرأى الأول الذى قال به جمهور العلماء ، وذلك لأن الآيات الكريمة مسوقة - كما يقول الفخر الرازى لتعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب ، مما يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قطعاً لعذرهم ، وإظهاراص لعنادهم ، ومن جملة هذه الأشياء ما ذكره - سبحانه - فى هذه الآية .
وهو أنه - تعالى - أخذ الميثاق من الأنبياء بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه ، وأخبر أنهم قبلوا ذلك ، وحكم - سبحانه - بأنه من رجع عن ذلك كان من الفاسقين ..
فحاصل الكلام أنه - تعالى - أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقا لما معهم ، ولا شك أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد جاء مصدقا لما معهم فوجب على الجميع أن يؤمنوا به " .ولأن هذا المعنى هو الظاهر من الآية الكريمة .
ولا تحتاج إلى تقدير مضاف أو غيره ، والأخذ بالمعنى الظاهر الذى لا يحتاج إلى تقدير أولى من الأخذ بغيره .ولأن أخذ العهد على الأنبياء بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم أعلى وأشرف لقدره صلى الله عليه وسلم من أخذه على أممهم وأقوامهم .ولأن أخذ العهد على الأنبياء أخذ له على الأمم ، إذ كل أمة يجب أن تصدق بما جاءها به نبيها .واللام فى قوله - تعالى - { لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } قرأها الجمهور بالفتح .
وقرأها حمزة بالكسر .أما قراءة الفتح فلها وجهان :أولهما : أن تجعل " ما " اسم موصول مبتدأ ، وما بعده صلة له ، وخبر قوله { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } .والتقدير : واذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين قائلا لهم : الذى آتيتكم إياه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما أوتيتموه لتؤمنن بهذا الرسول ولتنصرنه .
وعلى هذا الوجه تكون اللام فى قوله " لما " للابتداء وحسن دخولها هنا لأن قوله { لَمَآ آتَيْتُكُم } فى مقام المقسم عليه ، وقوله { وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين } فى مقام القسم ، إذ هو بمنزلة الاستحلاف تقول : أخذت ميثاقك لتفعلن كذا فكأنك قلت : استحلفتك لتفعلن كذا .
.وثانيهما : أن تجعل " ما " ههنا ، اسم شرط جازم في موضع نصب بآتيتكم .والتقدير : ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ، لتؤمنن به ولتنصرنه .وعلى هذا الوجه يكون فعل الشرط مكونا من جملتين :الأولى : { آتَيْتُكُم } .والثانية : { ثُمَّ جَآءَكُمْ } وهما معا فى محل جزم بما الشرطية .
وقوله { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ } جواب القسم الذى تضمنه قوله : { وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين } وجواب الشرط محذوف ، لأن القاعدة النحوية أنه إذا اجتمع شرط .
وقسم فالجواب المذكور للسابق منهما وجواب اللاحق محذوف وهنا السابق هو القسم .
قال ابن مالك :واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ...
جواب ما أخرت فهو ملتزموأما على قراءة الكسر التى قرأها حمزة فتكون اللام للتعليل كأنه قيل : اذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين ، لأن إيتاءهم الكتاب والحكمة ، ثم مجىء من يصدقهم يوجب عليهم الإيمان بهذا الرسول المصدق لما معهم ويوجب عليهم نصرته .والمراد بالكتاب : ما أنزله الله - تعالى - على هؤلاء النبيين من كتب تنطق بالحق .والمراد بالحكمة : الوحى الوارد بالتكاليف المفصلة التى لم يشتمل عليها الكتاب .أو المراد بها العلم النافع الذى أعطاه - سبحانه - لهم ، ووفقهم للعمل به .و { مِّن } فى قوله { مِّن كِتَابٍ } للبيان .قال القرطبى : والمراد بالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين ، كقوله - تعالى - { وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً } إلى قوله - تعالى - { وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ } فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصروه إن أدركوه ، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم " .ثم حكى - سبحانه - ما قاله لهم بعد أن أمرهم بالإيمان بهذا الرسول وبنصرته فقال : { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي } ؟
.والإصر : العهد .
وأصله من الإصار - أى الحبال التى يعقد بها الشىء ويشد - وسمى العهد إصرا لأنه تقوى به الأقوال والعقود .أى - قال الله - تعالى - لنبيين : أأقررتم بهذا الذى أمرتكم به وقبلتم عهدى؟
والاستفهام للتقرير والتوكيد عليهم لاستحالة معناه الحقيقي فى حقه - سبحانه - .ثم حكى - سبحانه - ما أجاب به الرسل وما ورد به عليهم فقال : { قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين } .أى : قال الرسل مجيبين لخالقهم - عز وجل - أقررنا يا ربنا وقبلنا عهدك وأطعناه .فرد عليهم - سبحانه - بقوله : { فاشهدوا } أى فليشهد بعضكم على بعض بهذا الإقرار ، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم على بعض من الشاهدين .وهذا توكيد عليهم ، وتحذير من الرجوع .
اعلم أن المقصود من هذه الآيات تعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم قطعاً لعذرهم وإظهاراً لعنادهم ومن جملتها ما ذكره الله تعالى في هذه الآية وهو أنه تعالى أخذ الميثاق من الأنبياء الذين آتاهم الكتاب والحكمة بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه، وأخبر أنهم قبلوا ذلك وحكم تعالى بأن من رجع عن ذلك كان من الفاسقين، فهذا هو المقصود من الآية فحصل الكلام أنه تعالى أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقاً لما معهم إلا أن هذه المقدمة الواحدة لا تكفي في إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ما لم يضم إليها مقدمة أخرى، وهي أن محمداً رسول الله جاء مصدقاً لما معهم، وعند هذا لقائل أن يقول: هذا إثبات للشيء بنفسه، لأنه إثبات لكونه رسولاً بكونه رسولاً.
والجواب: أن المراد من كونه رسولاً ظهور المعجز عليه، وحينئذ يسقط هذا السؤال والله أعلم، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ: أما قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ﴾ فقال ابن جرير الطبري: معناه واذكروا يا أهل الكتاب إذ أخذ الله ميثاق النبيّين، وقال الزجاج: واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله ميثاق النبيّين.
أما قوله: ﴿ ميثاق النبيين ﴾ فاعلم أن المصدر يجوز إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول، فيحتمل أن يكون الميثاق مأخوذاً منهم، ويحتمل أن يكون مأخوذاً لهم من غيرهم، فلهذا السبب اختلفوا في تفسير هذه الآية على هذين الوجهين.
أما الاحتمال الأول: وهو أنه تعالى أخذ الميثاق منهم في أن يصدق بعضهم بعضاً، وهذا قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس رحمهم الله، وقيل: إن الميثاق هذا مختص بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو مروي عن علي وابن عباس وقتادة والسدي رضوان الله عليهم، واحتج أصحاب هذا القول على صحته من وجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ يشعر بأن آخذ الميثاق هو الله تعالى، والمأخوذ منهم هم النبيون، فليس في الآية ذكر الأمة، فلم يحسن صرف الميثاق إلى الأمة، ويمكن أن يجاب عنه من وجوه: الأول: أن على الوجوه الذي قلتم يكون الميثاق مضافاً إلى الموثق عليه، وعلى الوجه الذي قلنا يكون إضافته إليهم إضافة الفعل إلى الفاعل، وهو الموثق له، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل أقوى من إضافته إلى المفعول، فإن لم يكن فلا أقل من المساواة، وهو كما يقال ميثاق الله وعهده، فيكون التقدير: وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الله للأنبياء على أممهم الثاني: أن يراد ميثاق أولاد النبيّين، وهو بنو إسرائيل على حذف المضاف وهو كما يقال: فعل بكر بن وائل كذا، وفعل معد بن عدنان كذا، والمراد أولادهم وقومهم، فكذا هاهنا الثالث: أن يكون المراد من لفظ ﴿ النبيين ﴾ أهل الكتاب وأطلق هذا اللفظ عليهم تهكماً بهم على زعمهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوّة من محمد عليه الصلاة والسلام لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون الرابع: أنه كثيراً ورد في القرآن لفظ النبي والمراد منه أمته قال تعالى: ﴿ يا أيها النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ .
الحجة الثانية: لأصحاب هذا القول: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي.
الحجة الثالثة: ما نقل عن علي رضي الله عنه أنه قال: إن الله تعالى ما بعث آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد عليه الصلاة والسلام وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، فهذا يمكن نصرة هذا القول به والله أعلم.
الاحتمال الثاني: إن المراد من الآية أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه، وهذا قول كثير من العلماء، وقد بينا أن اللفظ محتمل له وقد احتجوا على صحته بوجوه: الأول: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني فقال: ظاهر الآية يدل على أن الذين أخذ الله الميثاق منهم يجب عليهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكونون عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم من زمرة الأموات، والميت لا يكون مكلفاً فلما كان الذين أخذ الميثاق عليهم يجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام عند مبعثه ولا يمكن إيجاب الإيمان على الأنبياء عند مبعث محمد عليه السلام، علمنا أن الذين أخذ الميثاق عليهم ليسوا هم النبيّين بل هم أمم النبيّين قال: ومما يؤكد هذا أنه تعالى حكم على الذين أخذ عليهم الميثاق أنهم لو تولوا لكانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما يليق بالأمم، أجاب القفال رحمه الله فقال لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية أن الأنبياء لو كانوا في الحياة لوجب عليهم الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ وقد علم الله تعالى أنه لا يشرك قط ولكن خرج هذا الكلام على سبيل التقدير والفرض فكذا هاهنا، وقال: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ وقال في صفة الملائكة ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظالمين ﴾ مع أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يسبقونه بالقول وبأنهم يخافون ربهم من فوقهم، فكل ذلك خرج على سبيل الفرض والتقدير فكذا هاهنا، ونقول إنه سماهم فاسقين على تقدير التولي فإن اسم الفسق ليس أقبح من اسم الشرك، وقد ذكر تعالى ذلك على سبيل الفرض والتقدير في قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ فكذا هاهنا.
الحجة الثانية: أن المقصود من هذه الآية أن يؤمن الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الميثاق مأخوذاً عليهم كان ذلك أبلغ في تحصيل هذا المقصود من أن يكون مأخوذاً على الأنبياء عليهم السلام، وقد أجيب عن ذلك بأن درجات الأنبياء عليهم السلام، أعلى وأشرف من درجات الأمم، فإذا دلت هذه الآية على أن الله تعالى أوجب على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد عليه السلام لو كانوا في الأحياء، وأنهم لو تركوا ذلك لصاروا من زمرة الفاسقين فلأن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واجباً على أممهم لو كان ذلك أولى، فكان صرف هذا الميثاق إلى الأنبياء أقوى في تحصيل المطلوب من هذا الوجه.
الحجة الثالثة: ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد الله يقرؤن ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ ونحن نقرأ ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما أخذ الله ميثاق النبيّين على قومهم.
الحجة الرابعة: أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع، والله أعلم بمراده.
وأما قوله تعالى: ﴿ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الجمهور ﴿ لَّمّاً ﴾ بفتح اللام وقرأ حمزة بكسر اللام وقرأ سعيد بن جبير ﴿ لَّمّاً ﴾ مشددة، أما القراءة بالفتح فلها وجهان الأول: أن ﴿ مَا ﴾ اسم موصول والذي بعده صلة له وخبره قوله: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ والتقدير: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، وعلى هذا التقدير (مَا) رفع بالابتداء والراجع إلى لفظة (مَا) وموصولتها محذوف والتقدير: لما آتيتكموه فحذف الراجع كما حذف من قوله: ﴿ أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً ﴾ وعليه سؤالان: السؤال الأول: إذا كانت (مَا) موصولة لزم أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول وإلا لم يجز، ألا ترى أنك لو قلت: الذي قام أبوه ثم انطلق زيد لم يجز.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ ليس فيه راجع إلى الموصول، قلنا: يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين ﴾ ولم يقل: فإن الله لا يضيع أجره، وقال: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴾ ولم يقل: إنا لا نضيع أجرهم وذلك لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا هاهنا.
السؤال الثاني: ما فائدة اللام في قوله: ﴿ لَّمّاً ﴾ قلنا: هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة قولك: لزيد أفضل من عمرو، ويحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله: ﴿ إِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ بمنزلة القسم والمعنى استحلفهم، وهذه اللام المتلقية للقسم، فهذا تقرير هذا الكلام.
الوجه الثاني: وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن (مَا) هاهنا هي المتضمنة لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، فاللام في قوله: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ هي المتلقية للقسم، أما اللام في ﴿ لَّمّاً ﴾ هي لام تحذف تارة، وتذكر أخرى، ولا يتفاوت المعنى ونظيره قولك: والله لو أن فعلت، فعلت فلفظة (أن) لا يتفاوت الحال بين ذكرها وحذفها فكذا هاهنا، وعلى هذا التقدير كانت (ما) في موضع نصب بآتيتكم ﴿ وَجَاءكُمُ ﴾ جزم بالعطف على ﴿ ءاتَيْتُكُم ﴾ و ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ هو الجزاء، وإنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر، وأما الوجه في قراءة ﴿ لَّمّاً ﴾ بكسر اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل: أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل (وَمَا) على هذه القراءة تكون موصولة، وتمام البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول، وأما قراءة ﴿ لَّمّاً ﴾ بالتشديد فذكر صاحب الكشاف فيه وجهين: الأول: أن المعنى: حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق له، وجب عليكم الإيمان به ونصرته والثاني: أن أصل ﴿ لَّمّاً ﴾ لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات، وهي الميمان والنون المنقلبة ميماً بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت ﴿ لَّمّاً ﴾ ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا قريب من قراءة حمزة في المعنى.
المسألة الثانية: قرأ نافع ﴿ ءاتيناكم ﴾ بالنون على التفخيم، والباقون بالتاء على التوحيد، حجة نافع قوله: ﴿ وَءَاتَيْنَا دَاوُود زَبُوراً ﴾ ﴿ وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً ﴾ ﴿ وءاتيناهما الكتاب المستبين ﴾ ولأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في قلب السامع، وهذا الموضع يليق به هذا المعنى، وحجة الجمهور قوله: ﴿ هُوَ الذي يُنَزّلُ على عَبْدِهِ ءايات بينات ﴾ و ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ وأيضاً هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية وبما بعدها لأنه تعالى قال قبل هذه الآية ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ﴾ وقال بعدها ﴿ إِصْرِى ﴾ وأجاب نافع عنه بأن أحد أبواب الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى الجمع ومن الجمع إلى الواحد قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِى ﴾ ولم يقل من دوننا كما قال: ﴿ وجعلناه ﴾ ، والله أعلم.
المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر النبيّين على سبيل المغايبة ثم قال: ﴿ ءَاتَيْتُكُم ﴾ وهو مخاطبة إضمار والتقدير: وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة، والإضمار باب واسع في القرآن، ومن العلماء من التزم في هذه الآية إضماراً آخر وأراح نفسه عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية: وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصاراً ثم قال تعالى بعده ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾ وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات، وإذا كان لابد من التزام الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظماً بيناً جلياً أولى من تلك التكلفات.
المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كتاب ﴾ إشكال، وهو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم، فالإشكال أظهر، والجواب عنه من وجهين: الأول: أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب، بمعنى كونه مهتدياً به داعياً إلى العمل به، وإن لم ينزل عليه والثاني: أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع.
المسألة الخامسة: الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل الكتاب عليها.
المسألة السادسة: كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِن كتاب ﴾ دخلت تبييناً لما كقولك: ما عندي من الورق دانقان.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: ما وجه قوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ ﴾ والرسول لا يجيء إلى النبيّين وإنما يجيء إلى الأمم؟.
والجواب: إن حملنا قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ على أخذ ميثاق أممهم فقد زال السؤال وإن حملناه على أخذ ميثاق النبيّين أنفسهم كان قوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ ﴾ أي جاء في زمانكم.
السؤال الثاني: كيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما معهم مع مخالفة شرعه لشرعهم، قلنا: المراد به حصول الموافقة في التوحيد، والنبوات، وأصول الشرائع، فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها؛ فذلك في الحقيقة ليس بخلاف، لأن جميع الأنبياء عليهم السلام متفقون على أن الحق في زمان موسى عليه السلام ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا شرعه، فهذا وإن كان يوهم الخلاف، إلا أنه في الحقيقة وفاق، وأيضاً فالمراد من قوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بكونه مصدقاً لما معهم هو أن وصفه وكيفية أحواله مذكورة في التوراة والإنجيل، فلما ظهر على أحوال مطابقة لما كان مذكوراً في تلك الكتب، كان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم، فهذا هو المراد بكونه مصدقاً لما معهم.
السؤال الثالث: حاصل الكلام أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم فما معنى ذلك الميثاق.
والجواب: يحتمل أن يكون هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه، فتقدير هذا الدليل في عقولهم هو المراد من أخذ الميثاق، ويحتمل أن يكون المراد من أخذ الميثاق أنه تعالى شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية المتقدمة وجب الانقياد له، فقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ يدل على هذين الوجهين، أما على الوجه الأول، فقوله: ﴿ رَّسُول ﴾ وأما على الوجه الثاني، فقوله: ﴿ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ ﴾ .
أما قوله: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾ فالمعنى ظاهر، وذلك لأنه تعالى أوجب الإيمان به أولاً، ثم الاشتغال بنصرته ثانياً، واللام في ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ لام القسم، كأنه قيل: والله لتؤمنن به.
ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن فسرنا قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين ﴾ بأنه تعالى أخذ المواثيق على الأنبياء كان قوله تعالى: ﴿ أأقررتم ﴾ معناه: قال الله تعالى للنبيّين أأقرتم بالإيمان به والنصرة له وإن فسرنا أخذ الميثاق بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخذوا المواثيق على الأمم كان معنى قوله: ﴿ قَالَ أأقررتم ﴾ أي قال كل نبي لأمته أأقررتم، وذلك لأنه تعالى أضاف أخذ الميثاق إلى نفسه، وإن كانت النبيون أخذوه على الأمم، فكذلك طلب هذا الإقرار أضافه إلى نفسه وإن وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمقصود أن الأنبياء بالغوا في إثبات هذا المعنى وتأكيده، فلم يقتصروا على أخذ الميثاق على الأمم، بل طالبوهم بالإقرار بالقول، وأكدوا ذلك بالإشهاد.
المسألة الثانية: الإقرار في اللغة منقول بالألف من قر الشيء يقر، إذا ثبت ولزم مكانه وأقره غيره والمقر بالشيء يقره على نفسه أي يثبته.
أما قوله تعالى: ﴿ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى ﴾ أي قبلتم عهدي، والأخذ بمعنى القبول كثير في الكلام قال تعالى: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ أي يقبل منها فدية وقال: ﴿ وَيَأْخُذُ الصدقات ﴾ أي يقبلها والإصر هو الذي يلحق الإنسان لأجل ما يلزمه من عمل قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ فسمى العهد إصراً لهذا المعنى، قال صاحب الكشاف: سمى العهد إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد، ومنه الإصار الذي يعقد به وقرئ ﴿ إِصْرِى ﴾ ويجوز أن يكون لغة في إصر.
ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين ﴾ وفي تفسير قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ وجوه: الأول: فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، وأنا على إقراركم وإشهاد بعضكم بعضاً ﴿ مّنَ الشاهدين ﴾ وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض الثاني: أن قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ خطاب للملائكة الثالث: أن قوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ أي ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه ونظيره قوله: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا ﴾ على أنفسنا وهذا من باب المبالغة الرابع: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ أي بينوا هذا الميثاق للخاص والعام، لكي لا يبقى لأحد عذر في الجهل به، وأصله أن الشاهد هو الذي يبين صدق الدعوى الخامس: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ أي فاستيقنوا ما قررته عليكم من هذا الميثاق، وكونوا فيه كالمشاهد للشيء المعاين له السادس: إذا قلنا إن أخذ الميثاق كان من الأمم فقوله: ﴿ فَأَشْهِدُواْ ﴾ خطاب للأنبياء عليهم السلام بأن يكونوا شاهدين عليهم.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين ﴾ فهو للتأكيد وتقوية الإلزام، وفيه فائدة أخرى وهي أنه تعالى وإن أشهد غيره، فليس محتاجاً إلى ذلك الإشهاد، لأنه تعالى لا يخفى عليه خافية لكن لضرب من المصلحة لأنه سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، ثم إنه تعالى ضم إليه تأكيداً آخر فقال: ﴿ فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ يعني من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول وبنصرته بعد ما تقدم من هذه الدلائل كان من الفاسقين ووعيد الفاسق معلوم، وقوله: ﴿ فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك ﴾ هذا شرط، والفعل الماضي ينقلب مستقبلاً في الشرط والجزاء، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ميثاق النبيين ﴾ فيه غير وجه: أحدها أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك.
والثاني أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه، كما تقول ميثاق الله وعهد الله، كأنه قيل: وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم، والثالث: أن يراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف.
والرابع: أن يراد أهل الكتاب وأن يرد على زعمهم تهكماً بهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون.
وتدل عليه قراءة أبيّ وابن مسعود: ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ واللام في ﴿ لَمَا ءاتَيْتُكُم ﴾ لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف وفي لتؤمنن لام جواب القسم، و (ما) يحتمل أن تكون المتضمنة لمعنى الشرط، ولتؤمنن سادّ مسدّجواب القسم والشرط جميعاً وأن تكون موصولة بمعنى: للذي آتيتكموه لتؤمنن به.
وقريء: ﴿ لما آتيناكم ﴾ وقرأ حمزة: ﴿ لما آتيتكم ﴾ .
بكسر اللام ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة؛ ثم لمجيء رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به.
على أن (ما) مصدرية، والفعلان معها أعني ﴿ آتيتكم ﴾ و ﴿ جاءكم ﴾ في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل على معنى: أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه، لأجل أني آتيتكم الحكمة، وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف.
ويجوز أن تكون (ما) موصولة.
فإن قلت: كيف يجوز ذلك والعطف على آتيتكم وهو قوله: ﴿ ثُمَّ جَاءكُمْ ﴾ لا يجوز أن يدخل تحت حكم الصفة، لأنك لا تقول: للذي جاءكم رسول مصدق لما معكم؟
قلت: بلى لأنّ ما معكم في معنى ما آتيتكم، فكأنه قيل: للذي آتيكموه وجاءكم رسول مصدق له.
وقرأ سعيد بن جبير ﴿ لما ﴾ بالتشديد، بمعنى حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة.
ثم جاءكم رسول مصدق له وجب عليكم الإيمان به ونصرته.
وقيل: أصله لمن ما، قاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات وهي الميمان والنون المنقلبة ميما بإدغامها في الميم، فحذفوا إحداها فصارت لما.
ومعناه: لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا نحو من قراءة حمزة في المعنى ﴿ إِصْرِى ﴾ عهدي.
وقرئ: ﴿ أصرى ﴾ بالضم.
وسمي إصراً، لأنه مما يؤصر، أي يشدّ ويعقد.
ومنه الإصار، الذي يعقد به.
ويجوز أن يكون المضموم لغة في أصر، كعبر وعبر، وأن يكون جمع إصار ﴿ فاشهدوا ﴾ فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار ﴿ وَأَنَاْ على ذلكم ﴾ من إقراركم وتشاهدكم ﴿ مّنَ الشاهدين ﴾ وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرُّجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
وقيل: الخطاب للملائكة ﴿ فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك ﴾ الميثاق والتوكيد ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون ﴾ أي المتمردون من الكفار دخلت همزة الإنكار على الفاء العاطفة جملة على جملة.
والمعنى: فأولئك هم الفاسقون فغير دين الله يبغون، ثم توسطت الهمزة بينهما.
ويجوز أن يعطف على محذوف تقديره ﴿ أ ﴾ يتولون ﴿ فَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ ﴾ وقدم المفعول الذي هو غير دين الله على فعله لأنه أهم من حيث أنّ الإنكار الذي هو معنى الهمزة متوجه إلى المعبود بالباطل.
وروي: أن أهل الكتاب اختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم عليه السلام؛ وكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به، فقال صلى الله عليه وسلم: «كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم» فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك.
فنزلت: وقرئ: ﴿ يبغون ﴾ ، بالياء: ﴿ وترجعون ﴾ بالتاء وهي قراءة أبي عمرو، لأنّ الباغين هم المتولون، والراجعون جميع الناس.
وقرئا بالياء معاً، وبالتاء معاً ﴿ طَوْعاً ﴾ بالنظر في الأدلة والإنصاف من نفسه ﴿ وَكَرْهًا ﴾ بالسَّيف، أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل على بني إسرائيل، وإدراك الغرق فرعون، والإشفاء على الموت ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بالله وَحْدَهُ ﴾ [غافر: 84] وانتصب طوعاً وكرها على الحال، بمعنى طائعين ومكرهين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ قِيلَ إنَّهُ عَلى ظاهِرِهِ، وإذا كانَ هَذا حُكْمَ الأنْبِياءِ كانَ الأُمَمُ بِهِ أوْلى.
وقِيلَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِنَ النَّبِيِّينَ وأُمَمِهِمْ واسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الأُمَمِ.
وقِيلَ إضافَةُ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ الأنْبِياءُ عَلى أُمَمِهِمْ.
وقِيلَ المُرادُ أوْلادُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، أوْ سَمّاهم نَبِيِّينَ تَهَكُّمًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ لِأنّا أهْلُ الكِتابِ والنَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، واللّامُ في لَما مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ، وما تَحْتَمِلُ الشَّرْطِيَّةَ ولَتُؤْمِنُنَّ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ والشَّرْطِ وتَحْتَمِلُ الخَبَرِيَّةَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ «لِما» بِالكَسْرِ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ، ثُمَّ مَجِيءُ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَهُ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ، أوْ مَوْصُولَةٌ والمَعْنى أخَذَهُ لِلَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ وجاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَهُ.
وقُرِئَ «لَمّا» بِمَعْنى حِينَ آتَيْتُكُمْ، أوْ لَمِن أجْلِ ما آتَيْتُكم عَلى أنَّ أصْلَهُ لَمِن ما بِالإدْغامِ فَحَذَفَ إحْدى المِيماتِ الثَّلاثِ اسْتِثْقالًا.
وقَرَأ نافِعٌ «آتَيْناكُمْ» بِالنُّونِ والألِفِ جَمِيعًا.
﴿ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي ﴾ أيْ عَهْدِي، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يُؤْصَرُ أيْ يُشَدُّ.
وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ كَعِبَرٍ وعَبْرٍ أوْ جَمْعُ إصارٍ وهو ما يُشَدُّ بِهِ.
﴿ قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا ﴾ أيْ فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِالإقْرارِ.
وقِيلَ الخِطابُ فِيهِ لِلْمَلائِكَةِ.
﴿ وَأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ وأنا أيْضًا عَلى إقْرارِكم وتَشاهُدِكم شاهِدٌ، وهو تَوْكِيدٌ وتَحْذِيرٌ عَظِيمٌ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)
{وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين} هو على ظاهره من أخد الميثاق على النبيين بذلك أو المراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف واللام فى {لما آتيتكم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ} لام التوطئة لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف وفي لتؤمنن لام جواب القسم وما يجوز أن تكون متضمنة لمعنى الشرط ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط جميعاً وأن تكون موصولة بمعنى الذى آتيتكموه لتؤمنن به {ثُمَّ جَاءكُمْ} معطوف على الصلة والعائد منه إلى ما محذوف والتقدير ثم جاءكم به {رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لّمَا مَعَكُمْ} لكتاب الذي معكم {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} بالرسول {وَلَتَنصُرُنَّهُ} أي الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم لما آتيتكم حمزة وما بمعنى الذي أو مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب
والحكمة ثم لمجئ رسول مصدق لما معكم واللام للتعليل أي أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول ولتنصرنه لأجل أني آتيتكم الحكمة وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف آتيناكم مدني {قَالَ} أي الله {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِى} أي قبلتم عهدي وسمي إصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد
آل عمران (٨١ _ ٨٤)
{قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا} فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار {وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين} وأنا معكم على ذلك من إقراركم وتشاهدكم من الشاهدين وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض وقيل قال الله للملائكة اشهدوا
﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُخاطَبٍ بِهِ النَّبِيُّ ، أيِ اُذْكُرْ وقْتَ ذَلِكَ، واخْتارَ السَّمِينُ كَوْنَهُ مَعْمُولًا لِ (أقْرَرْتُمْ) الآتِي، وضَعَّفَهُ عَبْدُ الباقِي بِأنَّ خِطابَ ﴿ أقْرَرْتُمْ ﴾ بَعْدَ تَحَقُّقِ أخْذِ المِيثاقِ، وفِيهِ تَرَدُّدٌ، وعَطْفُهُ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ كَما نَقَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ بَعِيدٌ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنَ الآيَةِ، فَقِيلَ: إنَّها عَلى ظاهِرِها ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، قالَ: ”لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ في مُحَمَّدٍ ، لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، ويَأْمُرُهُ فَيَأْخُذُ العَهْدَ عَلى قَوْمِهِ“ ثُمَّ تَلا الآيَةَ، وعَدَمُ ذِكْرِ الأُمَمِ فِيها حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّهم مَعْلُومُونَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى أوْ لِأنَّهُ اِسْتَغْنى بِذِكْرِ النَّبِيِّينَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَفي الآيَةِ اِكْتِفاءٌ ولَيْسَ فِيها الجَمْعُ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ.
وقِيلَ: إنَّ إضافَةَ المِيثاقِ إلى النَّبِيِّينَ إضافَةٌ إلى الفاعِلِ، والمَعْنى وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ الَّذِي وثَّقَهُ النَّبِيُّونَ عَلى أُمَمِهِمْ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَ (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَما آتَيْتُكُمْ) الخ، ونَحْنُ نَقْرَأُ ﴿ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ تَعالى مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، وأشارَ بِذَلِكَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى أنَّهُ لا تَناقُضَ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ كَما تُوُهِّمَ حَتّى ظُنَّ أنَّ ذَلِكَ مَنشَأُ قَوْلِ مُجاهِدٍ فِيما رَواهُ عَنْهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ أنَّ ﴿ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ خَطَأٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّ الآيَةَ كَما قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ وحْدَهُ مَنشَأٌ وإلّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلا مُرَجِّحٍ بَلِ المَنشَأُ لِذَلِكَ إنْ صَحَّ، ولا أظُنُّ ما يُعْلَمُ بَعْدَ التَّأمُّلِ فِيما أسْلَفْناهُ في المُقَدِّماتِ وبَسَطْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في «اَلْأجْوِبَةُ العِراقِيَّةُ عَنِ الأسْئِلَةِ الإيرانِيَّةِ».
وقِيلَ: المُرادُ أُمَمُ النَّبِيِّينَ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ وقِيلَ: المُضافُ المَحْذُوفُ أوْلادٌ، والمُرادُ بِهِمْ عَلى الصَّحِيحِ بَنُو إسْرائِيلَ لِكَثْرَةِ أوْلادِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، وأنَّ السِّياقَ في شَأْنِهِمْ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ المُشارِ إلَيْها، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، وقِيلَ: المُرادُ وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقًا مِثْلَ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ أيْ مِيثاقًا غَلِيظًا عَلى الأُمَمِ، ثُمَّ جَعَلَ مِيثاقَهم نَفْسَ مِيثاقِهِمْ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ مُبالَغَةً، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ النَّبِيِّينَ بَنُو إسْرائِيلَ وسَمّاهم بِذَلِكَ تَهَكُّمًا لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِن مُحَمَّدٍ لِأنّا أهْلَ الكِتابِ والنَّبِيُّونَ كانُوا مِنّا، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَنِ اِئْتَمَنتَهُ عَلى شَيْءٍ فَخانَ فِيهِ ثُمَّ زَعَمَ الأمانَةَ: يا أمِينُ ماذا صَنَعْتَ بِأمانَتِي؟!
وتَعَقَّبَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ لا قَرِينَةَ تُبَيِّنُ ذَلِكَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِهِ لَعَلَّهُ اَتَّخَذَ مَقالَهُمُ المَذْكُورَ قَرِينَةً حالِيَّةً، وقِيلَ: إنَّ الإضافَةَ لِلتَّعْلِيلِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى النّاسِ لِأجْلِ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَما آتَيْتُكُمْ ﴾ الخ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا أيْضًا مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، وقالَ الشِّهابُ: لَمْ نَرَ مَن ذَكَرَ أنَّ الإضافَةَ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ في غَيْرِ كَلامِ هَذا القائِلِ.
واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ القَوْلَ الأوَّلَ، وأخْذُ المِيثاقِ مِنَ النَّبِيِّينَ لَهُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ وقْتَهُ لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ لِما فِيهِ مَعَ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ والتَّفْخِيمِ ورِفْعَةِ الشَّأْنِ والتَّنْوِيهِ بِالذِّكْرِ ما لا يَنْبَغِي إلّا لِذَلِكَ الجَنابِ، وتَعْظُمُ الفائِدَةُ إذا كانَ ذَلِكَ الأخْذُ عَلَيْهِمْ في كُتُبِهِمْ لا في عالَمِ الذَّرِّ فَإنَّهُ بَعِيدٌ كَبُعْدِ ذَلِكَ الزَّمانِ كَما عَلَيْهِ البَعْضُ، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأخْذِ المِيثاقِ مِنَ الأنْبِياءِ المُوجِبِ لِإيمانِ مَن أدْرَكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنهم بِهِ ما أخْرَجَهُ أبُو يَعْلى عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «”لا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا فَإمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ، وإمّا أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وإنَّهُ واَللَّهِ لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا بَيْنَ أظْهُرِكم ما حَلَّ لَهُ إلّا أنْ يَتْبَعَنِي“،» وفي مَعْناهُ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ وهي تُؤَيِّدُ بِظاهِرِها ما قُلْنا، ومِن هُنا ذَهَبَ العارِفُونَ إلى أنَّهُ هو النَّبِيُّ المُطْلَقُ والرَّسُولُ الحَقِيقِيُّ والمُشَرِّعُ الِاسْتِقْلالِيُّ، وأنَّ مَن سِواهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ .
وهَذا وقَدْ عَدُّوا هَذِهِ الآيَةَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ إعْرابًا وقَدْ غاصَ النَّحْوِيُّونَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ وشَقُّوا الشِّعْرَ فِيهِ، ولْنَذْكُرْ بَعْضَ الكَلامِ في ذَلِكَ، فَنَقُولُ: قالَ غَيْرُ واحِدٍ: اللّامُ في ﴿ لَما آتَيْتُكُمْ ﴾ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والتَّخْفِيفِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأخْذِ المِيثاقِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِحْلافِ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تُسَهِّلُ تَفَهُّمَ الجَوابِ عَلى السّامِعِ، وعَرَّفَها النُّحاةُ كَما قالَ الشِّهابُ: بِأنَّها اللّامُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الشَّرْطِ سَواءٌ إنَّ وغَيْرُها لَكِنَّها غَلَبَتْ في إنَّ بَعْدَ تَقَدُّمِ القَسَمِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا لِتُؤْذِنَ أنَّ الجَوابَ لَهُ لا لِلشَّرْطِ كَقَوْلِكَ: لَئِنْ أكْرَمْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، ولَوْ قُلْتَ: أُكْرِمُكَ، أوْ فَإنِّي أُكْرِمُكَ، أوْ ما أشْبَهَهُ مِمّا يُجابُ بِهِ الشَّرْطُ، لَمْ يَجُزْ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ اِبْنُ الحاجِبِ وخالَفَهُ الفَرّاءُ فِيهِ فَجَوَّزَ أنْ يُجابَ الشَّرْطُ مَعَ تَقَدُّمِ القَسَمِ عَلَيْهِ لَكِنَّ الأوَّلَ هو المُصَحَّحُ، وكَوْنُها يَجِبُ دُخُولُها عَلى الشَّرْطِ هو المَشْهُورُ وخالَفَ فِيهِ بَعْضُ النُّحاةِ، قالَ: يَجُوزُ دُخُولُها عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ إمّا مُطْلَقًا أوْ بِشَرْطِ مُشابَهَتِهِ لِلشَّرْطِ كَما المَوْصُولَةُ دُونَ الزّائِدَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ هُودٍ: إنَّهُ لا يَجِبُ دُخُولُها عَلى كَلِمِ المُجازاةِ، ونَقَلَهُ الأزْهَرِيُّ عَنِ الأخْفَشِ، وذَكَرَ أنَّ ثَعْلَبًا غَلَّطَهُ فِيهِ فالمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ.
وما شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ (آتَيْتُ) والمَفْعُولُ الثّانِي ضَمِيرُ المُخاطَبِ، و(مِن) بَيانٌ لِما واعْتُرِضَ بِأنَّ حَمْلَ (مِن) عَلى البَيانِ شائِعٌ بَعْدَ المَوْصُولَةِ، وأمّا بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ فَيَحْتاجُ إلى النَّقْلِ، ومِثْلُ ذَلِكَ القَوْلِ بِزِيادَتِها لِأنَّ زِيادَتَها بَعْدَ المَوْصُولَةِ أيْضًا كَزِيادَتِها بَعْدَ الشَّرْطِيَّةِ مُحْتاجٌ لِما ذُكِرَ، وأُجِيبَ بِأنَّ السَّمِينَ نَقَلَ ما يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ عِنْدَ الأئِمَّةِ، وفي «جَنْيِ الدّانِي»: ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ (مِن) تُزادُ بِالشُّرُوطِ في غَيْرِ بابِ التَّمْيِيزِ، وأمّا فِيهِ فَتُزادُ وإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ نَحْوَ لِلَّهِ دَرُّكَ مِن رَجُلٍ، ومِن هُنا قالَ مَوْلانا عَبْدُ الباقِي: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ ذُكِرَتْ لِبَيانِ (ما) الشَّرْطِيَّةِ، أوْ زائِدَةٌ داخِلَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ، و ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ ﴾ جَوابُ القَسَمِ وحْدَهُ عَلى الصَّحِيحِ، ولِدَلالَتِهِ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ واتِّحادِ مَعْناهُما تَسامَحَ بَعْضُهم فَجَعَلَهُ سادًّا مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّهُ جَوابُ القِسْمِ وجَوابُ الشَّرْطِ لِتَنافِيهِما مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ: لا مَحَلَّ لَهُ، والثّانِي: لَهُ مَحَلٌّ، والقَوْلُ بِأنَّ الجُمْلَةَ الواحِدَةَ قَدْ يُحْكَمُ عَلَيْها بِالأمْرَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ اِلْتِزامٌ لِما لا يَلْزَمُ، وجَوَّزُوا كَوْنَ (ما) مَوْصُولَةً واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلَيْها حِينَئِذٍ لامُ الِابْتِداءِ، ويُشْعِرُ كَلامُ البَعْضِ أنَّ اللّامَ بَعْدُ مُوَطِّئَةٌ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ مَن جَوَّزَ دُخُولَ المُوَطِّئَةِ عَلى غَيْرِ الشَّرْطِ مِنَ النُّحاةِ كَما مَرَّ وهي عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ إمّا مُقَدَّرٌ أوْ جُمْلَةُ ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ ﴾ مَعَ القَسَمِ المُقَدَّرِ، والكَلامُ في مِثْلِهِ شَهِيرٌ.
وأُورِدُ عَلَيْهِ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) إنْ عادَ عَلى المُبْتَدَأِ عَلى ما هو الظّاهِرُ كانَ المِيثاقُ هو إيمانَهم بِما آتاهُمْ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ ونَصَّرَتْهُ، وإنْ عادَ عَلى الرَّسُولِ كالضَّمِيرِ الثّانِي المَنصُوبِ العائِدِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا دَفْعًا لِلُزُومِ التَّفْكِيكِ خَلَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي هي خَبَرٌ عَنِ العائِدِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ لَمّا كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى ما هو بِمَعْنى المُبْتَدَأِ المَوْصُولِ، ولِذَلِكَ اِسْتَغْنى عَنْ ضَمِيرِهِ فِيها مَعَ لُزُومِهِ في الصِّلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ في المَشْهُورِ وكانَ ضَمِيرُ (بِهِ) راجِعًا لِلرَّسُولِ مَعَ مُلاحَظَةِ ﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ ﴾ القائِمُ مَقامَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى (ما) اِكْتَفى بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ عَنْ ضَمِيرٍ في خَبَرِها لِارْتِباطِ الكَلامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ الإمامِ السُّهَيْلِيِّ في «اَلرَّوْضِ الأُنُفِ»، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَبْنِيٌّ عَلى اِتِّحادِ ما أُوتُوهُ، وما هو مَعَهُمْ، وفي ذَلِكَ إشْكالٌ لِأنَّ آتَيْناكم وجاءَكم إنْ كانَ كِلاهُما مُسْتَقْبَلَيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِما آتَيْناكُمُ القُرْآنُ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤْتُوهُ في المُسْتَقْبَلِ بِاعْتِبارِ إيتائِهِ لِلرَّسُولِ الَّذِي كُلِّفُوا بِاتِّباعِهِ وبِما مَعَهُمُ الكُتُبِ الَّتِي أُوتُوها، وحَمْلُهُ عَلى القُرْآنِ يَأْباهُ الذَّوْقُ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا يَظْهَرُ حُسْنٌ لِكَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِلْقُرْآنِ وهو لازِمٌ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وإنَّ كانا ماضِيَيْنِ ظَهَرَ الفَسادُ مِن جِهَةِ أنَّ هَذا الرَّسُولَ الَّذِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الإيمانَ بِهِ ونُصْرَتَهُ لَمْ يَجِئْ إذْ ذاكَ، وإنْ كانَ الفِعْلُ الأوَّلُ ماضِيًا، والثّانِي مُسْتَقْبَلًا جاءَ عَدَمُ التَّناسُبِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ وهُما ماضِيانِ لَفْظًا، وفِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ، ولَعَلَّ المُجِيبَ يَخْتارُ هَذا الشَّقَّ ويَتَحَمَّلُ هَذا البُعْدَ لِما أنَّ ثُمَّ مَعَ كَوْنِهِ لا يُعْبَأُ بِمِثْلِهِ لِضَعْفِهِ تُهَوِّنُ أمْرَهُ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ كَوْنَ الخَبَرِ ﴿ مِن كِتابٍ ﴾ أيِ الَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ مِنَ الكِتابِ، وجَعَلَ النَّكِرَةَ هُنا كالمَعْرِفَةِ وسَوَّغَ كَوْنَ العائِدِ عَلى المَوْصُولِ مِنَ المَعْطُوفِ مَحْذُوفًا أيْ جاءَكم بِهِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ شُرُوطِ حَذْفِ مِثْلَ هَذا الضَّمِيرِ عِنْدَ الجُمْهُورِ بَلْ مَعَ خَلَلٍ في المَعْنى لِأنَّ المُؤْتى كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمانِ بَعْثَتِهِ وشَرِيعَتِهِ؛ والجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو القُرْآنُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لا كِتابُ كُلِّ نَبِيٍّ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ المُقَدَّرِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ المُؤْتى القُرْآنَ أيْضًا كَما يَقْتَضِيهِ حَمْلُ الفِعْلَيْنِ عَلى الِاسْتِقْبالِ يُرَدُّ أنَّهُ لا مَعْنى لِمَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ بَعْدَ إيتائِهِمُ القُرْآنَ بِمُهْلَةٍ، والعَطْفُ بِ ثُمَّ كالنَّصِّ بِهَذا المَعْنى، وعَلى تَقْدِيرِ اِلْتِزامِ كَوْنِ الجائِي بِهِ الرَّسُولُ هو كِتابَ كُلِّ نَبِيٍّ بِنَوْعٍ مِنَ التَّكَلُّفِ يَكُونُ وصْفُ الرَّسُولِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم كالمُسْتَغْنِي عَنْهُ، فَتَدَبَّرْ.
وقَرَأ حَمْزَةُ (لِما آتَيْتُكُمْ) بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنْ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ واللّامُ جارَّةٌ أجَلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِ لَتُؤْمِنُنَّ، أيْ لِأجْلِ إيتائِي إيّاكم بَعْضَ الكِتابِ ثُمَّ مَجِيءِ رَسُولٍ مُصَدِّقٍ لَهُ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ إعْمالُ (ما) بَعْدَ لامِ القَسَمِ فِيما قَبْلَها وهو لا يَجُوزُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإنَّ ظاهِرَ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ يُشْعِرُ بِجَوازِهِ ولَعَلَّ مَن يَمْنَعُهُ يَخُصُّهُ بِما إذا لَمْ يَكُنِ المَعْمُولُ المُتَقَدِّمُ ظَرْفًا لِأنَّ ذاكَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، نَعَمِ الأوْلى حَسْمًا لِلنِّزاعِ تَعَلُّقُهُ بِ أُقْسِمُ المَحْذُوفِ، وجُوِّزَ أنَّ تَكُونَ (ما) في هَذِهِ القِراءَةِ مَوْصُولَةً أيْضًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِ أخَذَ.
ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ (لَمّا آتَيْتُكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ، وفِيها اِحْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى حِينَ كَما قالَهُ الجُمْهُورُ خِلافًا لِسِيبَوَيْهِ، وجَوابُها مُقَدَّرٌ مِن جِنْسِ جَوابِ القَسَمِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ لَمّا آتَيْتُكم بَعْضَ الكِتابِ والحِكْمَةِ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ وجَبَ عَلَيْكُمُ الإيمانُ بِهِ ونُصْرَتُهُ، وقَدَّرَهُ اِبْنُ عَطِيَّةَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَها أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ النّاسِ وأماثِلِهِمْ أُخِذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقُ، وكَذا وقَعَ في «تَفْسِيرِ الزَّجّاجِ»، ومَآلُ مَعْناها التَّعْلِيلُ، الثّانِي: أنَّ أصْلَها مِن (ما) فَأُبْدِلَتِ النُّونُ مِيمًا لِمُشابَهَتِها إيّاها فَتَوالَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ الثّانِيَةُ لِضَعْفِها بِكَوْنِها بَدَلًا وحُصُولِ التَّكْرِيرِ بِها، ورَجَّحَهُ أبُو حَيّانَ في «اَلْبَحْرِ».
وزَعَمَ اِبْنُ جِنِّيٍّ أنَّها الأوْلى، ونَظَرَ فِيهِ الحَلَبِيُّ، و(مِن) إمّا مَزِيدَةٌ في الإيجابِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وإمّا تَعْلِيلِيَّةٌ عَلى ما اِخْتارَهُ اِبْنُ جِنِّيٍّ، قِيلَ: وهو الأصَحُّ لِاتِّضاحِ المَعْنى عَلَيْهِ ومُوافَقَتِهِ لِقِراءَةِ التَّخْفِيفِ، واللّامُ إمّا زائِدَةٌ أوْ مُوَطِّئَةٌ بِناءً عَلى عَدَمِ اِشْتِراطِ دُخُولِها عَلى أداةِ الشَّرْطِ.
وقَرَأ نافِعٌ (آتَيْناكُمْ) عَلى لَفْظِ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ، والباقُونَ (آتَيْتُكُمْ) عَلى التَّوْحِيدِ، ولِكُلٍّ مِنَ القِراءَتَيْنِ حُسْنٌ مِن جِهَةٍ، فافْهَمْ ذاكَ، فَبَعِيدٌ أنْ تَظْفَرَ بِمِثْلِهِ يَداكَ.
(قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّينَ وهو بَيانٌ لَأخْذِ المِيثاقِ، أوْ مَقُولٌ بَعْدَهُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿ أقْرَرْتُمْ ﴾ بِذَلِكَ المَذْكُورِ ﴿ وأخَذْتُمْ ﴾ أيْ قَبِلْتُمْ عَلى حَدِّ ﴿ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ ﴾ ، وقِيلَ: مَعْناهُ هَلْ أخَذْتُمْ ﴿ عَلى ذَلِكم إصْرِي ﴾ عَلى الأُمَمِ، والإصْرُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ العَهْدُ، كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ، وأصْلُهُ مِنَ الإصارِ وهو ما يُعْقَدُ بِهِ ويُشَدُّ، وكَأنَّهُ إنَّما سُمِّي العَهْدُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهو إمّا لُغَةٌ فِيهِ كَ عُبْرٍ وعُبَّرٍ في قَوْلِهِمْ ناقَةٌ عُبْرُ أسْفارٍ أوْ هو بِالضَّمِّ جَمْعُ إصارٍ اُسْتُعِيرَ لِلْعَهْدِ، وجُمِعَ إمّا لِتَعَدُّدِ المُعاهِدِينَ وهو الظّاهِرُ أوْ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿ قالُوا ﴾ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: قالُوا: ﴿ أقْرَرْنا ﴾ ، وكانَ الظّاهِرُ في الجَوابِ أقْرَرْنا عَلى ذَلِكَ إصْرَكَ لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الثّانِيَ اِكْتِفاءً بِالأوَّلِ، (قالَ) أيِ اللَّهُ تَعالى لَهم ﴿ فاشْهَدُوا ﴾ أيْ فَلْيَشْهَدْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ الإقْرارِ، فاعْتَبَرَ المُقِرَّ بَعْضًا والشّاهِدَ بَعْضًا آخَرَ، لِئَلّا يَتَّحِدُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ والشّاهِدُ، وقِيلَ: الخِطابُ فِيهِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَطْ أُمِرُوا بِالشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقِيلَ: لِلْمَلائِكَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ ونُسِبَ إلى سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ﴿ وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ أيْ عَلى إقْرارِكم وتَشاهُدِكم عَلى ما يَقْتَضِيهِ المَعْنى لِأنَّهُ لا بُدَّ في الشَّهادَةِ مِن مَشْهُودٍ عَلَيْهِ.
وهُنا ما ذَكَرْناهُ لِلْمَقامِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ اِعْلَمُوا وأنا مَعَكم أعْلَمُ.
وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فِيهِ تَوْكِيدٌ وتَحْذِيرٌ عَظِيمٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ أنا و ﴿ مَعَكُمْ ﴾ حالٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ فاشْهَدُوا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ يعني الميثاق حيث أخرجهم من صلب آدم- - وَأَخَذَ عليهم الميثاق العهد أن يبلغ الأول الآخر، وأن يصدق الآخر الأول، فذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ يعني إقرار النَّبِيِّين لَما آتَيْتُكُمْ قرأ حمزة لِمَا آتيتكم بكسر اللام والتخفيف، يعني بما آتيتكم، والباقون بنصب اللام، ومعناه فما آتيتكم يعني، أي كتاب آتيتكم لتؤمنوا به.
وقرأ بعضهم بنصب اللام والتشديد، أي حين آتيتكم مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ يعني بيان الحلال والحرام.
وقرأ نافع آتيناكم بلفظ الجماعة، وهو لفظ الملوك، والباقون آتيتكم بلفظ الوحدان.
ويقال: أخذ الميثاق بالوحي، فلم يبعث نبيّاً، إلا ذكر له محمداً ونعته، وأخذ عليه ميثاقه أن يبينه لقومه، وأن يأخذ منهم ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم، ولا يكتمونه ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ يعني به أهل الكتاب، الذين كانوا في زمن النبيّ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ في التوحيد وبعض الشرائع، وذلك أن الله تعالى لما أخذ ميثاق الأنبياء، وأخذ الأنبياء الميثاق من قومهم بأن يبينوه، فلما قدم النبيّ المدينة، فكذبوه فذكرهم الله تعالى ما أتاهم به أنبياؤهم فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ يعني محمد مصدق لما معكم من التوراة لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ يعني قال لهم في الميثاق: لتؤمنن به أي لتصدقنه إذا بُعث وَلَتَنْصُرُنَّهُ إذا خرج قالَ لهم أَأَقْرَرْتُمْ بتصديقه، يعني: هل أقررتم بما أخذ عليكم من الميثاق بتصديقه ونصره؟
وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي يعني: هل قبلتم على ذلك عهدي الذي أخذت عليكم على إيمانكم بمحمد ؟
قالُوا أَقْرَرْنا قالَ الله تعالى فَاشْهَدُوا بعضكم على بعض بأني قد أخذت عليكم العهد وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ على إقراركم.
قال الزجاج: قوله فاشهدوا، أي فاثبتوا، لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي، وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، وشهادة الله للنبيين تبيينه أمر نبوتهم بالآيات المعجزات.
وقال القتبي: أصل الإصر الثقل، فسمي العهد إصراً، لأنه يمنع صاحبه عن مخالفة الأمر الذي أخذ عليه فثقل.
<div class="verse-tafsir"
وقرأ جمهورُ النَّاس: «تَدْرُسُونَ» بضم الرَّاء: من دَرَسَ، إذا أَدْمَنَ قراءةَ الكِتَابِ، وكرَّره.
وقرأ نافع وغيره: «وَلاَ يَأْمُرُكُمْ» برفع الراء: على القَطْع «١» قال سِيبَوَيْهِ: المعنى لا يأمركم اللَّه، وقال ابْنُ جُرَيْجٍ وغيره: المعنى: ولا يأمركم هذا البَشَر الذي أُوتِيَ هذه النعَمَ، وهو محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٢» ، وأما قراءةُ مَنْ نَصَب الراء، وهو حمزةُ وغيره، فهي عَطْفٌ على قوله:
أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ، المعنى: ولا له أنْ يأمركم قاله أبُو عَلِيٍّ وغيره «٣» ، وهو الصوابُ، لا ما قاله الطَّبَرِيُّ «٤» من أنَّها عطْفٌ على قوله: ثُمَّ/ يَقُولَ، والأربابُ في هذه الآية:
بمعنى الآلهة.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)
وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ: المعنى: واذكر يا محمَّد إذْ، فيحتملُ أن يكون أخذ هذا الميثاق حين أَخرج بني آدم مِنْ ظَهْر آدم نَسَماً، ويحتملُ أنْ يكون هذا الأخْذُ على كلِّ نبيٍّ في زمنه، ووقت بعثه، والمعنى: إنَّ اللَّه تعالى أخذ ميثاقَ كُلِّ نبيٍّ بأنه ملتزمٌ هو ومن آمَنَ به الإيمانَ بمَنْ أتى بعده من الرُّسُل، والنّصر له، وقال ابن عبّاس: إنما
أخذ اللَّه ميثاقَ النَّبيِّين على قومهم، فهو أخذ لميثاقِ الجميع «١» ، وقال عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ (رضي اللَّه عنه) : لَمْ يبعثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ فَمَنْ بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمّد صلّى الله عليه وسلّم: لَئِنْ بُعثَ، وهو حيٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به، ولينصُرَنَّه «٢» ، وأمره بأخذه على قومه، ثم تلا هذه الآيةَ، وقاله السُّدِّيُّ «٣» .
وقرأ حمزةُ: «لِمَا» بكسر اللام «٤» ، وهي لامُ الجَرِّ، والتقديرُ لأجْلِ ما آتيناكم إذْ أنتم القادَةُ والرءوس، ومَنْ كان بهذه الحال، فهو الذي يُؤْخَذُ ميثاقُهُ، و «ما» في هذه القراءةِ بمعنَى «الَّذِي» ، والعائدُ إلَيْها من الصِّلَة، تقديره: آتيناكموه، و «مِنْ» : لبيان الجنس، وثُمَّ جاءَكُمْ ...
الآية: جملةٌ معطوفةٌ على الصِّلة، ولا بُدَّ في هذه الجملة مِنْ ضميرٍ يعودُ على الموصُول، وإنما حذف تخفيفاً لطول الكلام، وتقديره عند سيبويه: رَسُولٌ بِهِ مصَدِّقٌ لِمَا معَكُمْ، واللامُ فِي: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ هي اللامُ المتلقِّية للقَسَمِ الذي تضمَّنه أخْذُ الميثاقِ، وفصل بَيْن القَسَم والمُقْسَم عليه بالجارِّ والمجرورِ، وذلك جائِزٌ، وقرأ سائِرُ السَّبْعة «لَمَا» بفتح اللام، وذلك يتخرَّج على وجهين:
أَحدهما: أنْ تكون «مَا» موصولةً في مَوْضع رفع بالابتداء، واللاَّمُ لامُ الابتداء، وهي متلقِّية لما أُجْرِيَ مُجْرَى القَسَم من قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وخَبَرُ الابتداءِ قولُهُ: لَتُؤْمِنُنَّ، ولَتُؤْمِنُنَّ: متعلِّق بقَسَمٍ محذوفٍ، فالمعنى: واللَّهِ، لَتُؤْمِنُنَّ، قاله أبو عَلِيٍّ «٥» وهو متَّجِه بأنَّ الحَلِفَ يقع مرَّتين.
والوجْهُ الثاني: أنْ تكونَ «ما» للجزاءِ شرْطاً، فتكون في موضع نصبٍ بالفعلِ الذي
بعْدَهَا، وهو مجزومٌ، و «جَاءَكُمْ» : معطوفٌ في موضع جزمٍ، واللام الداخلَةُ على «مَا» ليسَتِ المتلقِّية للقَسَمِ، ولكنها الموطِّئةُ المُؤْذِنَةُ بمجيءِ لامِ القَسَم، فهي بمَنْزِلَة اللاَّم في قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ [الأحزاب: ٦٠] لأنها مؤذِنَةٌ بمجيء المتلقِّية للقسم في قوله: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب: ٦٠] وكذلك هذه مؤذنةٌ بمجيء المتلقِّية للقَسَمِ في قوله:
«لَتُؤْمِنُنَّ» .
وقرأ نافعٌ وحْده: «آتَيْنَاكُمْ» ، بالنُّون، وقرأ الباقون: «آتَيْتُكُمْ» بالتاء «١» ، ورَسُول في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وقال كثيرٌ من المفسرين هو نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله تعالى: قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ...
هذه الآية: هي وصْفُ توقيفِ الأنبياء- عليهم السلام- على إِقرارهم بهذا الميثاق، والتزامهم له، وَأَخَذْتُمْ في هذه الآية: عبارةٌ عمَّا تحصَّل لهم من إيتاء الكُتُبِ والحِكْمة، فَمِنْ حيْثُ أخذ عليهم، أخذوا هم أيضًا، وقال الطَّبَرِيُّ «٢» : أَخَذْتُمْ في هذه الآية: معناه: قَبِلْتُمْ، والإصْر: العَهْد لا تَفْسِير له في هذا الموضع إلا ذَلِكَ «٣» .
وقوله تعالى: فَاشْهَدُوا يحتملُ معنَيَيْنِ:
أحدهما: فاشهدوا/ على أممكم المؤمنينِ بكُمْ، وعلى أنْفُسِكُمْ بالتزام هذا العَهْد، قاله الطَّبَرِيُّ، وجماعة «٤» .
والمعنى الثاني: بُثوا الأمْرَ عنْد أممكم، واشهدوا به، وشهادةُ اللَّهِ على هذا التأويل هي إعطاء المُعْجَزَاتِ، وإقرارُ نبوّاتهم، هذا قول الزّجّاج وغيره «٥» .
وقال ع «١» : فتأمَّل أنَّ القول الأول هو إيداعُ الشهادةِ واستحفاظها، والقولُ الثَّانِي هو الأمر بأدائها، وحَكَمَ تعالى بالفِسْقِ على مَنْ تولى مِنَ الأمم بَعْدَ هذا الميثاق، قاله عليُّ بْنُ أبي طَالِبٍ، وغيره «٢» ، وقرأ أبو عَمرٍو: «يَبْغُونَ» بالياء مِنْ أَسْفَلُ مفْتُوحَة «٣» ، و «تَرْجِعُونَ» بالتَّاء من فوقُ مضمومةً، وقرأ عاصمٌ بالياءِ من أسفَلُ فيهما، وقرأ الباقُون بالتَّاء فيهما، ووجوه هذه القراءاتِ لا تخفى بأدنى تأمُّل.
وتبغون: معناه: تَطْلُبُونَ.
قال النوويِّ: ورُوِّينَا في كتاب ابن السُّنِّيِّ، عن السَّيِّدِ الجليلِ المُجْمَعِ على جلالته وحِفْظِهِ ودِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ دِينَارٍ البَصْرِيِّ الشَّافِعِيِّ المشهور «٤» أنه قَالَ: لَيس رجُلٌ يكونُ على دابَّة صَعْبَةٍ، فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، إلا وقَفَتْ بإذن اللَّه تعالى.
وروِّينَا في كتاب ابن السّنّيّ، عن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّهُ قَالَ: «إذَا انفلتت دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضٍ فلاة، فليناد: يا عباد الله، احبسوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، احبسوا، فَإنَّ للَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِي الأَرْضِ حَاضِراً سَيَحْبِسُهَا «٥» .
قال النَّوويُّ «٦» : حكى لِي بعُضْ شُيُوخِنا أَنَّهُ انفلتت لَهُ دابّة أظنّها بغلة، وكان يعرف
هذا الحديثَ، فقالَهُ، فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ في الحَالِ، وكنْتُ أَنَا مرَّةً مع جماعةٍ، فانفلتت منَّا بهيمةٌ، فَعَجَزُوا عَنْها، فَقُلْتُهُ، فوقَفَتْ في الحال بغَيْر سَبَبٍ سوى هذا الكلامِ.
اهـ.
وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، عند الجمهور.
واختلفوا في معنى قوله: طَوْعاً وَكَرْهاً، فقال مجاهد: هذه الآيةُ كقوله تعالى:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: ٢٥] فالمعنى: أنَّ إقرار كلِّ كافرٍ بالصانعِ هو إسلامٌ كرهاً «١» ، ونحوه لأبي العالية، وعبارته: كُلُّ آدمِيِّ، فقد أقرَّ على نفسه بأنَّ اللَّه رَبِّي، وأنا عبده، فمَنْ أشرك في عبادته، فهو الذي أسلم كرهاً، ومن أخلَص، فهو الذي أسلم طَوْعاً «٢» .
قال ع «٣» : والمعنى في هذه الآية يفهم كلُّ ناظر أنَّ الكره خاصٌّ بأهل الأرض.
وقوله سبحانه: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ: توقيفٌ لمعاصرِي نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من الأحبار والكفّار.
قوله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية: المعنى قل يا محمّد، أنت وأمّتك: آمَنَّا بِاللَّهِ ...
الآية، وقد تقدَّم بيانها في «البقرة» ، ثم حكم تعالى في قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ...
الآيةَ بأنه لا يقبل من آدمي دِيناً غير دين الإسلام، وهو الَّذي وافَقَ في معتقداته دِينَ كُلِّ مَنْ سمي من الأنبياء- عليهم السلام-، وهو الحنيفيَّة السَّمْحة، وقال بعض المفسِّرين: إن مَنْ يَبْتَغِ ...
الآيةَ، نزلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ «٤» ، قُلْتُ: وعلى تقدير صحَّة هذا القول، فهي تتناولُ بعمومها من سواه إلى يوم القيامة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُ "إذْ" نَصْبٌ، المَعْنى: واذْكُرْ في أقاصِيصِكَ إذْ أخَذَ اللَّهُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمِيثاقُ: العَهْدُ.
وفي الَّذِي أخَذَ مِيثاقَهم عَلَيْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ تَصْدِيقُ مُحَمَّدٍ ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ أخَذَ مِيثاقَ الأوَّلِ مِنَ الأنْبِياءِ لَيُؤْمِنَنَّ بِما جاءَ بِهِ الآَخَرُ مِنهم، قالَهُ طاوُوسٌ.
قالَ مُجاهِدٌ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هَذِهِ الآَيَةُ خَطَأٌ مِنَ الكِتابِ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ) واحْتَجَّ الرَّبِيعُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما أخَذَ المِيثاقَ عَلى النَّبِيِّينَ، وأُمَمِهِمْ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الأنْبِياءِ عَنْ ذِكْرِ الأُمَمِ، لِأنَّ في أخْذِ المِيثاقِ عَلى المَتْبُوعِ دَلالَةٌ عَلى أخْذِهِ عَلى التّابِعِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، والزَّجّاجِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في لامِ "لِما" فَقَرَأ الأكْثَرُونَ "لِما" بِفَتْحِ اللّامِ والتَّخْفِيفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ مِثْلَها، إلّا أنَّهُ كَسَرَ اللّامَ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ "لَمّا" مُشَدَّدَةَ المِيمِ، فَقِراءَةُ ابْنِ جُبَيْرٍ، مَعْناها: حِينَ آَتَيْتُكم.
وقالَ الفَرّاءُ في قِراءَةِ حَمْزَةَ: يُرِيدُ أخْذَ المِيثاقِ لِلَّذِي آَتاهم، ثُمَّ جُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ مِنَ الأخْذِ.
قالَ الفَرّاءُ: ومَن نَصَبَ اللّامَ جَعَلَها زائِدَةً.
و"ما" هاهُنا بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فالمَعْنى: لَئِنْ آَتَيْتُكم ومَهْما آَتَيْتُكم شَيْئًا مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: (لِما آَتَيْتُكُمْ) عَلى قِراءَةِ مَن شَدَّدَ أوْ كَسَرَ: جَوابٌ لِأخْذِ المِيثاقِ قالَ: لِأنَّ أخَذَ المِيثاقِ يَمِينٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن خَفَّفَها، مَعْناها: القَسَمُ، وجَوابُ القَسَمِ اللّامُ في قَوْلِهِ ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ وإنَّما خاطَبَ، فَقالَ: آَتَيْتُكم.
بَعْدَ أنْ ذَكَرَ النَّبِيِّينَ وهم غَيْبٌ، لِأنَّ في الكَلامِ مَعْنى قَوْلٍ وحِكايَةٍ، فَقالَ مُخاطِبًا لَهُمْ: لِما آتَيْتُكم وقَرَأ نافِعٌ "آتَيْناكُمْ" بِالنُّونِ والألِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ، إنَّ بَعْثَ مُحَمَّدٍ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرْنَّهُ.
وقالَ غَيْرُهُ: أخْذُ مِيثاقِ الأنْبِياءِ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا.
والإصْرُ هاهُنا: العَهْدُ في قَوْلِ الجَماعَةِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ الإصْرِ: الثِّقَلُ، فَسُمِّيَ العَهْدُ إصْرًا، لِأنَّهُ مَنعٌ مِنَ الأمْرِ الَّذِي أُخِذَ لَهُ، وثِقَلٌ وتَشْدِيدٌ.
وكُلُّهم كَسَرَ ألِفَ "إصْرِي" .
ورَوى أبُو بَكْرٍ، عَنْ عِصامٍ ضَمَّهُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الضَّمُّ لُغَةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ فاشْهَدُوا ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: الشَّهادَةُ: الإخْبارُ بِما شُوهِدَ.
وفِيمَن خُوطِبَ بِهَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّينَ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مَعْناهُ: فاشْهَدُوا عَلى أُمَمِكم، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.
والثّانِي: فاشْهَدُوا عَلى أنْفُسِكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ كِنايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ ﴿ وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ .
المَعْنى: ولَكِنْ يَقُولُ: "كُونُوا رَبّانِيِّينَ" وهو جَمْعُ رَبّانِيٍّ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في هَذِهِ النِسْبَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هو عالِمُ عِلْمِهِ، العامِلُ بِطاعَتِهِ، المُعَلِّمُ لِلنّاسِ ما أمَرَ بِهِ؛ وزِيدَتِ الألِفُ والنُونُ مُبالَغَةً كَما قالُوا: لِحْيانِيٌّ وشَعْرانِيٌّ في النِسْبَةِ إلى اللِحْيَةِ والشَعْرِ.
وقالَ قَوْمٌ: الرَبّانِيُّ مَنسُوبٌ إلى الرُبّانِ وهو مُعَلِّمُ الناسِ وعالِمُهُمُ السائِسُ لِأمْرِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن رَبَّ يَرُبُّ إذا أصْلَحَ ورَبّى، وزِيدَتْ فِيهِ هَذِهِ النُونُ كَما زِيدَتْ في غَضْبانَ وعَطْشانَ، ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِ رَبّانِيٌّ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِفَةِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: رَبّانِيٌّ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ الرَبّانِيُّ: الحَكِيمُ العالِمُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: الفَقِيهُ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَبّانِيُّ: العالِمُ الحَلِيمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الحَكِيمُ الفَقِيهُ، وقالَ الضَحّاكُ: هو الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَبّانِيُّ: والِي الأمْرِ، يَرُبُّ الناسَ أيْ يُصْلِحُهُمْ، فالرَبّانِيُّونَ: الوُلاةُ والأحْبارُ والعُلَماءُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: فَوْقَ الحَبْرِ لِأنَّ الحَبْرَ هو العالِمُ، والرَبّانِيُّ هو الَّذِي جَمَعَ إلى العِلْمِ والفِقْهِ البَصَرَ بِالسِياسَةِ والتَدْبِيرَ والقِيامَ بِأُمُورِ الرَعِيَّةِ وما يُصْلِحُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، وفي البُخارِيِّ: الرَبّانِيُّ: الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ.
فَجُمْلَةُ ما يُقالُ في الرَبّانِيِّ إنَّهُ العالِمُ بِالرَبِّ والشَرْعِ، المُصِيبُ في التَقْدِيرِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي يُحاوِلُها في الناسِ.
وقَوْلُهُ: "بِما كُنْتُمْ" مَعْناهُ: بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ دارِسِينَ، فَـ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، لِأنَّ العائِدَ الَّذِي كانَ يَلْزَمُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ أنْ يَتَضَمَّنَهُ "كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ"، ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّ كانَ قَدِ اسْتَوْفَتْ خَبَرَها ظاهِرًا وهُوَ: "تُعَلِّمُونَ"، وكَذَلِكَ "تُعَلِّمُونَ" قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَهُ وهو "الكِتابَ" ظاهِرًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، إذْ لا يُمْكِنُ عائِدٌ، و:"تُعَلِّمُونَ" بِمَعْنى تُعَرِّفُونَ، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "تَعْلَمُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ اللامِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُعَلِّمُونَ" مُثْقَلًا، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، والمَفْعُولُ الثانِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ الناسَ الكِتابَ.
والقِراءَتانِ مُتَقارِبَتا المَعْنى، وقَدْ رَجَّحْتُ قِراءَةَ التَخْفِيفِ بِتَخْفِيفِهِمْ "تَدْرُسُونَ"، وبِأنَّ العِلْمَ هو العِلَّةُ الَّتِي تُوجِبُ لِلْمُوَفَّقِ مِنَ الناسِ أنْ يَكُونَ رَبّانِيًّا، ولَيْسَ التَعْلِيمُ شَرْطًا في ذَلِكَ، ورَجَّحْتُ الأُخْرى بِأنَّ التَعْلِيمَ يَتَضَمَّنُ العِلْمَ، والعِلْمَ لا يَتَضَمَّنُ التَعْلِيمَ، فَتَجِيءُ قِراءَةُ التَثْقِيلِ أبْلَغَ في المَدْحِ.
ومِن حَيْثُ العالِمُ بِحالِ مَن يَعْلَمُ، فالتَعْلِيمُ كَأنَّهُ في ضِمْنِ العِلْمِ.
وقِراءَةُ التَخْفِيفِ عِنْدِي أرْجَحُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: "تَعَلَّمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَدْرُسُونَ" بِضَمِّ الراءِ، مِن دَرَسَ إذا أدْمَنَ قِراءَةَ الكِتابِ وكَرَّرَهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَدْرِسُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، وهَذا عَلى أنَّهُ يُقالُ في مُضارِعِ دَرَسَ، يَدْرُسُ ويَدْرِسُ ورُوِيَ عن أبِي حَيْوَةَ، أنَّهُ قَرَأ: "تُدَرِّسُونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، بِمَعْنى: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: "وَلا يَأْمُرُكُمْ" بِرَفْعِ الراءِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَخْتَلِسُ حَرَكَةَ الراءِ تَخْفِيفًا، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "وَلا يَأْمُرَكُمْ" نَصْبًا، ولا خِلافَ في الراءِ مِن قَوْلِهِ: "أيَأْمُرُكُمْ" إلّا اخْتِلاسُ أبِي عَمْرٍو، فَمَن رَفَعَ قَوْلَهُ: "لا يَأْمُرُكُمْ"، فَهو عَلى القَطْعِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكُمُ اللهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكم هَذا البَشَرُ الَّذِي أُوتِيَ هَذِهِ النِعَمَ، وهو مُحَمَّدٌ ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ"، فَهَذِهِ قِراءَةٌ تَدُلُّ عَلى القَطْعِ.
وأمّا قِراءَةُ مَن نَصَبَ الراءَ فَهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتِيَهُ" والمَعْنى: ولا لَهُ أنْ يَأْمُرَكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ "وَلا يَأْمُرَكُمْ" بِالنَصْبِ - مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "ثُمَّ يَقُولَ"؛ وهَذا خَطَأٌ لا يَلْتَئِمُ بِهِ المَعْنى، والأرْبابُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الآلِهَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ" تَقْرِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى الظاهِرِ فَسادُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ ﴾ ...
الآيَةُ، المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أخْذُ هَذا المِيثاقِ حِينَ أخْرَجَ بَنِي آدَمَ مِن ظَهْرِ آدَمَ نَسَمًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الأخْذُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ ووَقْتِ بَعْثِهِ، ثُمَّ جَمَعَ اللَفْظَ في حِكايَةِ الحالِ في هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى أخَذَ مِيثاقَ كُلِّ نَبِيٍّ بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ هو ومَن آمَنَ بِهِ، الإيمانَ بِمَن أُوتِيَ بَعْدَهُ مِنَ الرُسُلِ الظاهِرَةِ بَراهِينُهُمْ، والنُصْرَةَ لَهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في العِبارَةِ عن مُقْتَضى ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ: إنَّما أخَذَ مِيثاقَ أهْلِ الكِتابِ لا مِيثاقَ النَبِيِّينَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هَكَذا هو القُرْآنُ، وإثْباتُ "النَبِيِّينَ" خَطَأٌ مِنَ الكُتّابِ.
وهَذا لَفْظٌ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ الصَحابَةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، فَهُوَ أخْذٌ لِمِيثاقِ الجَمِيعِ.
وقالَ طاوُسُ: أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا - آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ - إلّا أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في مُحَمَّدٍ؛ لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ بِأخْذِهِ عَلى قَوْمِهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَهُ السُدِّيُّ، ورُوِيَ عن طاوُسَ أنَّهُ قالَ: صَدْرُ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ عَلى النَبِيِّينَ وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ - حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلٌ يُفْسِدُهُ إعْرابُ الآيَةِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الأخْذَ عَلى الأنْبِياءِ أخْذٌ عَلى الأُمَمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وغَيْرُهُ سِوى السَبْعَةِ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ، وهي لامُ الجَرِّ، والتَقْدِيرُ: لِأجْلِ ما آتَيْناكُمْ، إذْ أنْتُمُ القادَةُ والرُؤُوسُ، ومَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ فَهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِيثاقُهُ.
و"ما" في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الَّذِي المَوْصُولَةُ، والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِلَةِ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكُمُوهُ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ"...
الآيَةُ، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِلَةِ، ولا بُدَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: رَسُولٌ بِهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، وحُذِفَ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَ الَّذِي في الصِلَةِ بِعَيْنِها لِطُولِ الكَلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ؛ والحَذْفُ مِنَ الصِلاتِ كَثِيرٌ جَمِيلٌ، وأمّا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ فَقالَ قَوْلُهُ تَعالى: "لِما مَعَكُمْ".
هو العائِدُ عِنْدَهُ عَلى المَوْصُولِ، إذْ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الضَمِيرِ الَّذِي قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ، وكَذَلِكَ قالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ لِأنَّ المَعْنى: لا يَضِيعُ أجْرُهُمْ، إذِ المُحْسِنُونَ هم مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ وكَذَلِكَ ما ضارَعَ هَذِهِ الآياتِ.
وسِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى أنْ يَضَعَ المُظْهَرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، كَما يَراهُ أبُو الحَسَنِ.
واللامُ فِي: "لَتُؤْمِنُنَّ" هي اللامُ المُتَعَلِّقَةُ لِلْقَسَمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أخْذُ المِيثاقِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ جائِزٌ.
وَقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ: "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، وذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، واللامُ لامٌ بِالِابْتِداءِ، وهي مُتَلَقِّيَةٌ لِما أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ ﴾ وخَبَرُ الِابْتِداءِ قَوْلُهُ: "لَتُؤْمِنُنَّ" و"لَتُؤْمِنُنَّ" مُتَعَلِّقٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: واللهِ لَتُؤْمِنُنَّ؛ هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وفِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى نَظَرٌ إذا تَأمَّلْتَ عَلى أيِّ شَيْءٍ وقَعَ التَحْلِيفُ، لَكِنَّهُ مُتَوَجِّهٌ بِأنَّ الحَلِفَ يَقَعُ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا، فَتَأمَّلْ.
والعائِدُ الَّذِي في الصِلَةِ، والعائِدُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الصِلَةِ هُنا في هَذِهِ القِراءَةِ هُما عَلى حَدِّ ما ذَكَرْناهُما في قِراءَةِ حَمْزَةَ، أمّا أنَّ هَذا التَأْوِيلَ يَقْتَضِي عائِدًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو "لَتُؤْمِنُنَّ" فَهو قَوْلُهُ تَعالى: "بِهِ" فالهاءُ مِن "بِهِ" عائِدَةٌ عَلى "ما" ولا يَجُوزُ أنْ تَعُودَ عَلى "رَسُولٌ" فَيَبْقى المَوْصُولُ حِينَئِذٍ غَيْرَ عائِدٍ عَلَيْهِ مِن خَبَرِهِ ذِكْرٌ.
والوَجْهُ الثانِي الَّذِي تَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قِراءَةُ القُرّاءِ "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، هو أنْ تَكُونَ "ما" لِلْجَزاءِ شَرْطًا، فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها وهو مَجْزُومٌ، و"جاءَكُمْ" مَعْطُوفٌ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "ما" لَيْسَتِ المُتَلَقِّيَةَ لِلْقَسَمِ، ولَكِنَّها المُوَطِّئَةُ المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ لامِ القَسَمِ، فَهي بِمَنزِلَةِ اللامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ لِأنَّها مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ﴾ ، وكَذَلِكَ هَذِهِ مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ ، وهَذِهِ اللامُ الداخِلَةُ عَلى "إنَّ" لا يَعْتَمِدُ القَسَمُ عَلَيْها، فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُها تارَةً وإثْباتُها تارَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ .
قالَ الزَجّاجُ: لِأنَّ قَوْلَكَ، واللهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، إنَّما هو حَلِفٌ عَلى فِعْلِكَ، لا أنَّ الشَرْطَ مُعَلَّقٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللامُ عَلى الشَرْطِ، وما في هَذا الوَجْهِ مِن كَوْنِها جَزاءً لا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ لِأنَّها مَفْعُولَةٌ والمَفْعُولُ لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ عائِدٍ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ عائِدٌ عَلى "رَسُولٌ"، وكَذَلِكَ هو عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ اللامَ، وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلَتَنْصُرُنَّهُ" فَلا يَحْتَمِلُ بِوَجْهٍ إلّا العَوْدَ عَلى "رَسُولٌ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ في الإغْفالِ: وجَزاءُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" عَلَيْهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُهُ -يَعْنِي الخَلِيلَ- عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ ﴾ فَقالَ: ما هُنا بِمَنزِلَةِ الَّذِي ودَخَلَتْها اللامُ كَما دَخَلَتْ عَلى "إنَّ" حِينَ قُلْتَ: لَئِنْ فَعَلْتَ لَأفْعَلَنَّ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ يُفَسِّرُ وجْهَ الجَزاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: أرادَ الخَلِيلُ بِقَوْلِهِ: هي بِمَنزِلَةِ الَّذِي، أنَّها اسْمٌ كَما أنَّ الَّذِي اسْمٌ، ولَمْ يُرِدْ أنَّها مَوْصُولَةٌ كالَّذِي، وإنَّما فَرَّ مِن أنْ تَكُونَ "ما" حَرْفًا كَما جاءَتْ حَرْفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ .
واللهُ المُسْتَعانُ.
وحَكى المَهْدَوِيُّ ومَكِّيٌّ عن سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ: أنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ فِيمَن جَعَلَ ما ابْتِداءً عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللامَ هو في قَوْلِهِ: ﴿ مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ﴾ ولا أعْرِفُ مِن أيْنَ حَكَياهُ، لِأنَّهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنى الآيَةِ، لا يَلِيقُ بِسِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ؛ وإنَّما الخَبَرُ في قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ومَن جَرى مَجْراهُ كالزَجّاجِ وغَيْرِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمّا آتَيْناكُمْ" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: أيْ لَمّا آتاكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ أخَذَ المِيثاقَ، وتَكُونُ اللامُ تَؤُولُ إلى الجَزاءِ، كَما تَقُولُ لَمّا جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنَّ "لَمّا" هَذِهِ هي الظَرْفِيَّةُ، أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ الناسِ وأماثِلَهُمْ، أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ، إذْ عَلى القادَةِ يُؤْخَذُ، فَيَجِيءُ هَذا المَعْنى كالمَعْنى في قِراءَةِ حَمْزَةَ.
وذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في "لَمّا" في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أصْلَها "لِمَن ما"، وزِيدَتْ "مِن" في الواجِبِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، كَما يَجِبُ في مِثْلِ هَذا، فَجاءَ "لَمِّما"، فَثَقُلَ اجْتِماعُ ثَلاثِ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى فَبَقِيَ "لَمّا".
وتَتَفَسَّرُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى هَذا التَوْجِيهِ المُحَلِّقِ تَفَسُّرَ "لَما" بِفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "آتَيْناكُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الباقُونَ: "آتَيْتُكُمْ" بِالتاءِ، و"رَسُولٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى مُحَمَّدٍ ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف ﴿ وإذْ أخذ الله ﴾ على ﴿ ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة ﴾ [آل عمران: 80] أي ما أمركم الأنبياء بشيء مما تقوّلتم عليهم وقد أمروكم بغير ذلك فأضعتموه حين أخذ الله ميثاقهم لِيُبَلِّغوه إليكم، فالمعطوف هو ظرف (إذْ) وما تعلق به.
ويجوز أن يتعلق (إذ) بقوله: ﴿ أأقررتم ﴾ مقدماً عليه.
ويصح أن تجعل (إذ) بمعنى زمان غير ظرف والتقدير: واذْكر إذْ أخذ الله ميثاق النبيين، فالمقصود الحكاية عن ذلك الزمان وما معه فيكون ﴿ قال أقررتم ﴾ معطوفاً بحذف العاطف.
كما هو الشأن في جمل المحاورة وكذلك قوله: ﴿ قالوا أقررنا ﴾ .
ويصح أن تكون جملة ﴿ قال أأقررتم ﴾ وما بعدها بياناً لجملة ﴿ أخذ اللَّه ميثاق النبيين ﴾ باعتبار ما يقتضيه فعل أخذ الله ميثاقَ النبيين: من أنّ النبيين أعْطَوْا ميثاقاً لله فقال: أأقررتم قالوا: أقررنا إلخ.
ويكون قوله: ﴿ لما آتينااكم ﴾ إلى قوله ﴿ ولتنصرنه ﴾ هو صيغة الميثاق.
وهذا الميثاق أخذه الله على جميع الأنبياء، يؤذنهم فيه بأنّ رسولاً يجيء مصدّقاً لما معهم، ويأمُرُهم بالإيمان به وبنصره، والمقصود من ذلك إعلام أممهم بذلك ليَكون هذا الميثاق محفوظاً لدى سائر الأجيال، بدليل قوله: ﴿ فمن تولّى بعد ذلك ﴾ إلخ إذ لا يجوز على الأنبياء التولّي والفسق ولكنّ المقصود أممهم كقوله: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ .
وبدليل قوله قال: ﴿ فاشهدوا ﴾ أي على أممكم.
وإلى هذا يرجع ما ورد في القرآن من دعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ [البقرة: 129]، وقد جاء في سفر التثنية قول موسى عليه السلام: «قال لي الربّ أقيم لهم نبيئاً من وسط إخوتهم مثلَك وأجْعَلُ كلامي في فمه فيكلمهم بكلّ ما أوصيه به».
وإخوَةُ بني إسرائيل هم بنو إسماعيل، ولو كان المراد نبيئاً إسرائيلياً لقال أقيم لهم نبيئاً منهم على ما في ترجمة التوراة من غموض ولعلّ النص الأصلي أصرح من هذا المترجم.
والبشارات في كتب أنبياء بني إسرائيل وفي الأناجيل كثيرة ففي متى قول المسيح «وتقوم أنبياء كذَبة كثيرون ويضلون كثيرين ولكنّ الذي يصبر أي يبقى أخيراً إلى المنتهى فهذا يخلص ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يَأتي المنتهَى» وفي إنجيل يوحنا قول المسيح «وأنا أطلب من الأب فيعطيكم مُعَزِّياً آخر ليَمكث معكم إلى الأبد وأما المُعَزِّي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكّركم بكل ما قلتُه لكم ومتى جاء المعزِّي روحُ الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي» إلى غير ذلك.
وفي أخذ العهد على الأنبياء زيادة تنويه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى هو ظاهر الآية، وبه فسر محققو المفسرين من السلف والخلف منهم علي بن أبي طالب، وابن عباس، وطاووس، والسدي.
ومن العلماء من استبعد أن يكون أخذ العهد على الأنبياء حقيقة نظراً إلى قوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ﴾ (توهموه متعيناً لأن يكون المراد بمن تولّى من النبيين المخاطبين، وستعلم أنه ليس كذلك) فتأوّلوا الآية بأنّ المراد أخذ العهد على أممهم، وسلكوا مسالك مختلفة من التأويل فمنهم من جعل إضافة الميثاق للنبيين إضافة تشبه إضافة المصدر إلى فاعله أي أخذ الله على الأمم ميثاق أنبيائهم منهم.
ومنهم من قدَّر حذف المضاف أي أمم النبيئين أو أولاد النبيئين وإليه مال قول مجاهد والربيع، واحتجوا بقراءة أبي، وابن مسعود، هذه الآية: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيناكم من كتاب، ولم يقرأ ميثاق النبيئين، وزاد مجاهد فقال: إن قراءة أبي هي القرآن، وإنّ لفظ النبيئين غلط من الكتَّاب، وردّه ابن عطية وغيره بإجماع الصحابة والأمة على مصحف عثمان.
وقوله: ﴿ لما آتيناكم ﴾ قرأ الجمهور «لَمَا» بفتح اللام وتخفيف الميم فاللام موطئة للقسم، لأنّ أخذ الميثاق في معنى اليمين وما موصوله مبتدأ ﴿ وآتيناكم ﴾ صلته وحذف العائد المنصوب جرى على الغالب في مثله ومِن كتاب بيان للموصول وصلتِه، وعُطف ﴿ ثم جاءكم ﴾ على ﴿ آتيْناكم ﴾ أي الذي آتيناكموه وجاءكم بعده رسول.
ولتؤمننّ اللام فيه لام جواب القسم والجواب سدّ مسد خبر المبتدأ كما هو المعروف وضمير به عائد على المذكور أي لتؤمنّن بما آتيناكم وبالرسول، أو هو عائد على الرسول وحذف ما يعود على ما آتيناكم لظهوره.
وقرأه حمزة: بكسر لام لما فتكون اللام للتعليل متعلق بقوله: ﴿ لتؤمننّ به ﴾ أي شكراً على ما آتيتُكم وعلى أن بعثت إليكم رسولاً مصدّقاً لما كنتم عليه من الدين ولا يضرّ عمل مَا بعد لام القسم فيما قبلها فأخْذ الميثاق عليهم مطلقاً ثم علّل جواب القسم بأنه من شكر نعمة الإيتاء والتصديق، ولا يصح من جهة المعنى تعليق ﴿ لما آتيتكم ﴾ بفعل القسم المحذوف، لأنّ الشكر علة للجواب، لا لأخْذ العهد.
ولام ﴿ لتؤمِننّ ﴾ لام جواب القسم، على الوجه الأول، وموطئة للقسم على الوجه الثاني.
وقرأ نافع، وأبو جعفر: آتيناكم بنون العظمة وقرأه الباقون ﴿ آتيتكم ﴾ بتاء المتكلم.
وجملة قال: ﴿ أأقررتم ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ .
والإقرار هنا مستعمل في معنى التحقيق بالوفاء مما أخذ من الميثاق.
والإصر: بكسر الهمزة، العهد المؤكد الموثق واشتقاقه من الإصار بكسر الهمزة وهو ما يعقد ويسدّ به، وقد تقدم الكلام على حقيقته ومجازه في قوله تعالى: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً ﴾ في سورة [البقرة: 286].
(وقوله: ﴿ فاشهدوا ﴾ إن كان شهادة على أنفسهم فهي بمعنى التوثق والتحقيق وكذلك قوله: ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ كقوله: ﴿ شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 18] وإن كانت شهادة على أممهم بتبليغ ذلك الميثاق فالمعنى فاشهدوا على أممكم بذلك، والله شاهد على الجميع كما شهد النبيئون على الأمم.
وقوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك ﴾ أي من تولّى مِمن شهدتم عليهم، وهم الأمم، ولذلك لم يقل فمن تولّى بعد ذلك منكم كما قال في الآية التي خوطب فيها بنو إسرائيل في سورة [المائدة: 12]: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضلّ سواء السبيل ﴾ ووجه الحَصر في قوله: فأولئك هم الفاسقون} أنه للمبالغة لأنّ فسقهم في هذه الحالة أشد فسق فجعل غيره من الفسق كالعدَم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ﴾ في المِيثاقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أنْ يَأْخُذُوا عَلى قَوْمِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ أخَذَ مِيثاقَهم لَيُؤْمِنُنَّ بِالآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ.
﴿ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا .
﴿ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ.
﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي ﴾ والإصْرُ: العَهْدُ، وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: قَبِلْتُمْ عَلى ذَلِكَ عَهْدِي.
والثّانِي: أخَذْتُمْ عَلى المُتَّبِعِينَ لَكم عَهْدِي.
﴿ قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا ﴾ يَعْنِي عَلى أُمَمِكم بِذَلِكَ.
﴿ وَأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ عَلَيْكم، وعَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ﴾ قال: هي خطأ من الكتاب.
وهي قراءة ابن مسعود ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ .
وأخرج ابن جرير عي الربيع أنه قرأ ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: وكذلك كان يقرؤها أبي بن كعب.
قال الربيع: ألا ترى أنه يقول ﴿ ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ﴾ يقول: لتؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولتنصرنه.
قال: هم أهل الكتاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن أصحاب عبد الله يقرؤون ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيتكم من كتاب وحكمة ﴾ ونحن نقرأ ﴿ ميثاق النبيين ﴾ فقال ابن عباس: إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس في الآية قال: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن طاوس في الآية قال: أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء ليصدقن، وليؤمنن بما جاء به الآخر منهم.
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لم يبعث الله نبياً؛ آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد، لئن بعث وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه.
ويأمره فيأخذ العهد على قومه.
ثم تلا ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابي جرير عن قتادة في الآية قال: هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وأن يبلِّغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويصدقوه، وينصروه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: لم يبعث الله نبياً قط من لدن نوح إلا أخذ الله ميثاقه؛ ليؤمنن بمحمد، ولينصرنه إن خرج وهو حي، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن خرج وهم أحياء.
وأخرج ابن جريج عن الحسن في الآية قال: أخذ الله ميثاق النبيين ليبلغن آخركم أوّلكم، ولا تختلفوا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: ثم ذكر ما أخذ عليهم يعني على أهل الكتاب وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه يعني بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم، وإقرارهم به على أنفسهم.
وأخرج أحمد عن عبد الله بن ثابت قال: «جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟
فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً.
فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم.
إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين» .
وأخرج أبو يعلى عن جابر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا.
إنكم أما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وأنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني» .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ ﴿ لما آتيتكم ﴾ ثقل لما.
وأخرج عن عاصم أنه قرأ ﴿ لما ﴾ مخففة ﴿ آتيتكم ﴾ بالتاء على واحدة يعني أعطيتكم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إصري ﴾ قال: عهدي.
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ قال فاشهدوا ﴾ يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ عليكم وعليهم ﴿ فمن تولى ﴾ عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ هم العاصون في الكفر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ قال أبو إسحاق (١) وقوله تعالى: ﴿ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ قرأ (٢) ﴿ لِمَا ﴾ بكسر اللاَّم (٣) (٤) ﴿ لِمَا ﴾ متعلق بالأخذ؛ كأنَّ (٥) (٦) (٧) ﴿ أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾ .
ونحو ذلك.
فإن قيل] (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ [لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ] (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ لِمَا مَعَكُمْ ﴾ ، هو في المعنى: ما أُوتوهُ (١٦) (١٧) (١٨) والصلة المُظهَرَة تقوم مقام المُضمَرَة (١٩) ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ، المعنى: كأنه قال: لا يضيع أجرهم؛ لأن الذي يتقي (٢٠) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ (٢١) (٢٢) ووجه آخر، وهو: أنَّ الراجعَ ههنا محذوفٌ، وحَسُن الحذف للطول، كما حكاه الخليل (٢٣) كذلك ههنا يكون التقدير: ثم جاءكم رسولٌ به؛ أي: بتصديقه، أي: بتصديق ما أتيتكم.
وأما من قرأ ﴿ لَمَا ﴾ بفتح اللام (٢٤) (٢٥) (٢٦) أحدهما: أن تكون موصولة.
والآخر: أن تكون للجزاء (٢٧) واللاّم في (لَمَا)، لام الابتداء، وهي المتلقية (٢٨) ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ ، بمنزلة القَسَم، كأنَّ المعنى: استحلفهم.
وموضع (ما) رفع بالابتداء.
والخَبَرُ: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ .
و ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ ﴾ (٢٩) ﴿ آتَيْتُكُمْ ﴾ .
و ﴿ جَاءَكُمْ ﴾ في موضع جزمٍ بالعطف على ﴿ آتَيْتُكُمْ ﴾ ، واللاّم الداخلةُ على (ما) لا تكون المتلقية (٣٠) ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ ﴾ [والمتلقية للقسم؛ قوله (٣١) ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ ، كما أنها في قوله ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ ﴾ ] (٣٢) (٣٣) ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ ﴾ .
وهذه اللاّم الداخلة على (إنْ) في ﴿ لَئِنْ ﴾ ، لا يعتمد القَسَمُ عليها؛ فلذلك جاء حذفها تارةً، وإثباتها تارة؛ كما قال (٣٤) ﴿ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ﴾ ، فَتَلْحَقُ هذه اللاّم مرة [(إنْ)] (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ .
فقال: (ما) ههنا بمنزلة (الذي)، ودخلتها اللام؛ كما دخلت على (إنْ) حين قلت: (واللهِ لئن فعلتَ لأفعلن)، واللام التي في (ما) كهذه التي في (إنْ)، واللام التي في الفعل، كهذه التي في الفعل هنا ..).
وذكر الفارسي في "الحجة" 3/ 66 أنَّ المازني قال: (زعم سيبويه أن (ما) بمنزلة (الذي)، ثم فسّر تفسير الجزاء).
ثم بيَّن الفارسي وجه قول سيبويه، فقال: (والقول فيما قاله من أن (لَما) بمنزلة (الذي): أنه أراد أنه اسم، كما أن (الذي) اسم، وليس بحرف، كما كان حرفًا في قوله: ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ ، ﴿ وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ، فهذا المعنى أراد بقوله: أنه بمنزلة الذي، ولم == يرد أنها موصولة كـ (الذي).
وبهذا يتضح كلامَ المؤلف الذي اختصره من "الحجة" للفارسي.
انظر في هذا كذلك "الإغفال" لفارسي: 1/ 579 - 586 فقد نقل هنا قول سيبويه والمازني، وناقش هذه المسألة.]]، وانما لم يحمله على أن (ما) موصولة، بمنزلة الذي؛ لأنه لو حمله على ذلك، للزم أن يكون في الجملة المعطوفة على الصلة، ذِكرٌ يعود على الموصول، فلما لم ير (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) وأبو عثمان المازني أيضًا اختار هذا الوجه، فقال (٤٤) (٤٥) والدليل على أن ﴿ آتَيْتُكُمْ ﴾ ، ﴿ ثُمَّ جَاءَكُمْ ﴾ ، معناه مستقبل: قوله: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ ، وإذا كان جزاءً كانت اللاّمُ توكيدا.
وقد قال سيبويه (٤٦) ﴿ لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ، فهذا جزاء، والفعل (٤٧) ﴿ لَأَمْلَأَنَّ ﴾ وهي وإن كانت مؤخرة فمعناها التقديم.
وقوله تعالى: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ تقديره (٤٨) (٤٩) فإن قيل: ميثاق الإيمان بمحمد ، وسائر الرسل، مأخوذ على جميع النبيين ما (٥٠) (٥١) قيل: هذا على التغليب؛ فالذكر ذكر الأنبياء الذين أوتوا الكتاب، والمراد: هم، وغيرهم ممن لم يُؤتَ الكتاب، ودخلوا في جملتهم؛ لأنهم بمنزلة من أوتى الكتاب بما أوتوا من الحُكْم والنبوة، وأيضًا فإن الذين لم ينزل عليهم الكتاب أمروا بأن يأخذوا بكتاب نَبِيٍّ (٥٢) وقرأ (٥٣) ﴿ آتَيْنَاكُم ﴾ (٥٤) ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ ، ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ ، ﴿ وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ﴾ .
ومن قرأ: ﴿ آتَيْتُكُم ﴾ ، فحجته قوله: ﴿ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ ، و ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ ، و ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾ .
والقراءة الأولى: أشبه بكلام البلغاء والملوك، ومن الفصاحة تغيير العبارة عن الواحد إلى الجمع، وعن الجمع إلى الواحد، كقوله: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} (٥٥) ﴿ وَجَعَلْنَاهُ ﴾ .
والقراءة الثانية: أشبه بما قبله مِنْ قولِهِ: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ ﴾ ، وبما بعده من قوله: ﴿ إِصْرِى ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ قال ابن الأنباري (٥٦) ﴿ آتَيْتُكُمْ ﴾ بعد أن ذكر النبيين وهم غيب؛ لأن في الكلام معنى قول وحكاية، يراد: واذ أخذ الله ميثاق النبيين، فقال مخاطبًا لهم: ﴿ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ .
قال (٥٧) (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ .
دخلت ﴿ مِنْ ﴾ تبيينًا لـ (ما)؛ كقولك: (ما عندي من الوَرِقِ (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ ﴾ .
يقال: ما وَجْه (٦١) ﴿ ثُمَّ جَاءَكُمْ ﴾ ، والنَّبِيُّون لم يأتهم الرسولُ، وإنما يُبْعَثُ الرُّسُلُ إلى الأمم، لا إلى الرُّسُلِ؟.
قيل: يجوز أن يُعْنى بذلك أهل الكتاب في المعنى (٦٢) (٦٣) وعامَّة ما يُشْرع للأنبياء (٦٤) (٦٥) (٦٦) ؛ وإذا كان كذلك؛ فأخذ (٦٧) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ ، فجُمع النبي ومن تبعه في الخطاب الواحد، وهذا من جهة المعنى.
قال ابن الأنباري (٦٨) (٦٩) وجواب آخر من طريق اللفظ (٧٠) ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ ، وهو يريد: ميثاقَ تُبّاع النَّبيين، فحَذَف المضاف.
وقال صاحب النظم: معنى النَّبِيِّين ههنا: معنى أُمَمِهم، وصار ذكرهم كالقبيلة للأمم، كما يقال: قَيْس، وتَمِيم، وبَكْر، وهي أسماء رجال بأعيانهم، نُسِب أولادهم إليهم، فصاروا قبائل.
ومنه قول الشاعر: أتَسأَلُني السويَّةَ وَسْطَ زَيْدٍ ...
ألا إنَّ السَّوِيَّةَ أنْ تُضامُوا (٧١) فـ (زيد) ههنا قبيلة لأصحابه؛ لذلك قال: (وَسْطَ زيد).
وقوله تعالى: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ .
إن قيل: ما معنى: أخْذَ ميثاق النبيين بِنُصْرَةِ مَن لم يَلْقَوْهُ، ولم يدركوا زمانَه؟.
قلنا: قد بَيَّنّا (٧٢) ﴿ النَّبِيِّينَ ﴾ : أتباعهم وأممهم.
فعلى هذا؛ لا كلام.
وإن (٧٣) (٧٤) قال المفسرون في هذه الآية: إن الله تعالى أخذ الميثاق على الأنبياء بتصديق بعضهم بعضًا.
وهذا قول: سعيد بن جبير (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) وقال علي بن أبي طالب (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) وقال ابن عباس: يريد بـ ﴿ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ﴾ : عَهْدَهُم؛ ليشهدوا بمحمد ، بأنه رسول الله.
وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ ﴾ .
يريد: محمدًا .
﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ ، يريد: إن أدركتموه.
فالآية (٨٤) ، على قول: عَلِيٍّ، وابن عباس ما.
وهذا هو الأصح؛ لأن المراد بالآية: التَنْوِيه بذكر محمد بما أُخِذ على النبيين مِن التصديق به، واعتماد النصرة له، مع الاحتجاج على أهل الكتاب باتِّبَاع سبيلِ النبيبن فيه (٨٥) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ ﴾ أي: قال الله تعالى للنبيين: أأقررتم بالإيمان به والنصرة له.
و (الإقرار) في اللغة منقول بالألف (٨٦) (٨٧) (٨٨) وقوله تعالى: ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ﴾ أي: قبلتم عهدي (٨٩) (٩٠) ﴿ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ ؛ أي: لا يُقبل فِدْيَةٌ (٩١) ﴿ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾ ، أي: يقبلها.
ومضى الكلام في معنى (الإصْر) (٩٢) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ فَاشْهَدُوا ﴾ أي (٩٣) (٩٤) (٩٥) وقال الزجاج (٩٦) ﴿ فَاَشْهَدُوا ﴾ أي: فبينوا (٩٧) (٩٨) (٩٩) وحكي عن سعيد بن المُسَيّب أنه قال (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١) في "معاني القرآن" لم: 1/ 436.
نقله عنه بنصه.
(٢) في (ج): (وقرأ).
(٣) انظر: "السبعة" 213، "حجة القراءات" 3/ 62، "المبسوط" لابن مهران: 146.
(٤) من قوله: (ووجه ..) إلى (..
والمفعول لا يحتاج إلى عائد ذكر): نقله باختصار وتصرف عن "الحجة" للفارسي: 3/ 62.
(٥) (أ)، (ب)، (ج): (كان).
والمثبت من "الحجة".
(٦) (أ)، (ب)، (ج): (أتوه).
والمثبت من "الحجة".
(٧) في (ب): (وأفاضل).
(٨) ما بين المعقوفين مطموس في (أ).
والمثبت من: (ب)، (ج).
(٩) في (ب): (الموصولة).
(١٠) في (ب): (أثره بدلًا من أبوه).
(١١) (إليك) بدلًا من (ذاهب).
(١٢) ما بين المعقوفين: مطموس في (أ).
والمثبت من: (ب)، (ج) "الحجة".
(١٣) ما بين المعقوفين زيادة من: (ب).
(١٤) ليس فيه: ساقط من: (ب).
(١٥) في (ب): ورجوعه بدلا من: (قيل يجوز).
(١٦) (أ)، (ب): (أتوه).
والمثبت من: (ج)، و"الحجة".
(١٧) في (ج): (وكأنه).
(١٨) له أي: ساقط من: (ج).
(١٩) في (ج): (المضمر).
(٢٠) في (ب): (يتق).
(٢١) من (إنا لا نضيع ..) إلى (الذين آمنوا وعملوا الصالحات): ساقط من: (ج).
(٢٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 396.
(٢٣) انظر قوله في "كتاب سيبويه" 2/ 404.
(٢٤) هم باقي القراء، ما عدا حمزة الذي قرأ بكسرها كما سبق.
انظر: "السبعة" 213، "المبسوط" لابن مهران: 146، "الكشف" 1/ 351.
(٢٥) في (أ)، (ب): (فيما).
والمثبت من: (ج).
وفي "الحجة": فإن ما.
(٢٦) في (ب)، (ج)، "الحجة": (تحتمل).
(٢٧) الجزاء: هو الجواب في أسلوب الشرط؛ لأنه جزاء مترتب على حصول الشرط.
(٢٨) في (ب)، (ج): (المنقلبة).
(٢٩) ولتؤمنن: ساقط من: (ج).
(٣٠) في (ج): (المنقلبة).
(٣١) (قوله): ساقط من: (أ)، (ب).
وفي (ج): (وقوله).
والمثبت من "الحجة" للفارسي.
(٣٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج) ومن "الحجة" للفارسي.
(٣٣) في (ب): (وقوله).
(٣٤) قال: ساقطة من (ج).
(٣٥) ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة" للفارسي؛ ليتضح بها المعنى.
(٣٦) ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة".
(٣٧) (والله لو فعلت لفعلت): ساقطة من: (ج).
(٣٨) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 107.
(٣٩) في (ج): (نر).
(٤٠) في (ب): (موضع)، (ج): (لموضع).
(٤١) في "معاني القرآن" له: 1/ 436.
نقله عنه بتصرف.
(٤٢) في (ب)، (ج): (تكون).
(٤٣) في (ج): "معاني القرآن" الرسل.
أما (الرسول) فقد وردت في كتاب "الإغفال" للفارسي: 1/ 579 حيث نقل قول الزجاج هذا.
ويبدو أن المؤلف نقل العبارة عن "الإغفال" أو عن نسخة أخرى لـ "معاني القرآن" ورد فيها لفظ (الرسول).
(٤٤) قوله في "الإغفال" 1/ 585.
وقد نقله المؤلف بنصه.
(٤٥) في (ب)، (ج): "الإغفال" تكون.
(٤٦) في "الكتاب" له: 3/ 108.
ونص قوله: (ومثل ذلك: ﴿ لَّمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ لَأَمْلَأَنَّ ﴾ ، إنما دخلت اللام على نِيَّة اليمين).
وقول سيبويه هنا من تتمة نقل المؤلف لكلام المازني من "الإغفال".
(٤٧) من قوله (والفعل ..) إلى (..
فمعناها التقديم): نقل المؤلف هذه العبارات بالمعنى، وهي من تتمة كلامِ المازني في "الإغفال".
(٤٨) من قوله: (وتقديره ..) إلى (..
لآتينك إن أتيتني كذلك): نقله بتصرف عن "الإغفال" للفارسي: 1/ 587.
(٤٩) في (ب): (كما) بدلًا من: (على ما).
(٥٠) في (ج): (مما).
(٥١) في (ج): (أولى).
(٥٢) (بأن يأخذوا بكتاب نبي): مطموس في (أ).
والمثبت من (ب)، (ج).
(٥٣) من قوله: (وقرأ ..) إلى نهاية قوله: ﴿ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾ : نقله بتصرف عن "الحجة" للفارسي: 3/ 69.
(٥٤) في (ب): (أتيتكم).
وهذه القراءة لجعفر -كذلك-، وقرأ الباقون ﴿ آتَيْتُكُم ﴾ .
انظر: "المبسوط" لابن مهران: 146، "الكشف" لمكي 1/ 351.
(٥٥) كُتِبت ﴿ ألّا يَتّخذوا ﴾ -بضمير الغائب- وهي قراءة أبي عمرو.
وقرأ الباقون: ﴿ الَّا تَتَّخِذُوا ﴾ -بضمير الخطاب- على الالتفات.
انظر: "إتحاف فضلاء البشر": (281).
(٥٦) لم أقف على مصدر قوله.
(٥٧) في (ج): (وقال).
(٥٨) في (ج): (وتظاهر هذا كثرة).
(٥٩) الوَرِق، والوِرْق، والوَرْق، والرِّقَة: الدراهم المضروبة وقيل: الفضة، أكانت مضروبة أم لا.
وقيل: المال بعمومه.
وجمع الورق: أوراق.
وجمع الرِّقَة: رِقُون.
انظر (ورق)، في "الصحاح" 4/ 1564، "اللسان" 8/ 4816، "التاج" 13/ 476.
(٦٠) في (ج): (والحبر).
و (العين): من معانيها في اللغة -مما يصلح في هذا الموضع-: المال العتيد: الحاضر، والنّقد، والدينار، والذهب عامّة.
انظر (عين)، في "اللسان" 6/ 3198، "القاموس" (1218).
(٦١) من قوله: (ما وجه ..) إلى (وهذا من جهة المعنى): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي: 3/ 67 - 68.
(٦٢) ممن قال بذلك: طاوس، وقتادة.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 124، "تفسير الطبري" 3/ 333، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 694.
(٦٣) في (ب): أتوا.
والمثبت من: (ج)، "الحجة".
(٦٤) في (أ)، (ب): الأنبياء.
والمثبت من: (ج)، "الحجة".
(٦٥) في (ب)، (ج): (فقد).
(٦٦) في (ج): (نبيهم).
(٦٧) في (أ)، (ب)، (ج): (وأخذ).
والمثبت من "الحجة" للفارسي؛ لأنه الأليق بالعبارة، ودخول الواو يخل بالمعنى.
(٦٨) لم أقف على مصدر قوله.
(٦٩) في (ج): (الميثاق على النبيين).
(٧٠) وهذا الجواب قد ذكره الفارسي في "الحجة" 3/ 68، وإنما ذكر المؤلف معناه هنا.
(٧١) البيت ورد في "اللسان" 4/ 2162 (سوا)، ونسبه إلى البراء بن عازب الضَّبِّي.
و (السَّويِّة، والسواء): العدل، والنَّصفَة.
وقوله: (تُضامُوا) من: (ضامَهُ حقَّهُ)، (يَضيمُه، ضَيْما)؛ أي: انتقصه حقه، وظلمه.
انظر: "اللسان" 4/ 2162 (سوا)، 5/ 2629 (ضيم).
(٧٢) (قد بينا): ساقط من: (ج).
(٧٣) في (ج): (فإن).
(٧٤) (ثم): ساقط من: (ج).
(٧٥) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 331 - يرويه عن ابن عباس- وفي "الثعلبي" 3/ 67 أ.
(٧٦) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 332، "تفسير الثعلبى" 3/ 67 أ، "الدر المنثور" 2/ 84، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد.
(٧٧) قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 124، "تفسير الطبري" 3/ 331، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ.
(٧٨) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 331، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ، "تفسير ابن كثير" 1/ 405، وانظر: "تفسيره" 1/ 219.
(٧٩) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 332، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 694، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ.
(٨٠) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 332، "تفسير الثعلبى" 3/ 67 أ.
(٨١) : ساقطة من: (ج).
(٨٢) في (أ): (خذ).
والمثبت من: (ب)، (ج)، و"تفسير الطبري" و"الثعلبي".
(٨٣) في (ب): وإمره.
وهكذا جاءت العبارة: (...
وأمره، وأخذ العهد ...) عند المؤلف، والثعلبي، الذي نقل قول الإمام علي، ومن سبق من التابعين، عن كتاب "نظم القرآن" - كما أشار هو إلى ذلك.
ولكن عبارة الطبري أصح في المعنى وهي: (ويأمره فيأخذ العهد على قومه).
(٨٤) في (أ)، (ب): بالآية.
والمثبت من: (ج).
(٨٥) وقد رجح الطبري القول الآخر؛ أن الآية عامَّة في جميع النبيين بأن يصدِّق بعضهم بعضًا، وأخذ على الأنبياء الميثاق على أممهم وأتباعهم بنحو الذي أخذ عليهم ربهم بتصديق أنبيائه ورسله.
انظر: "تفسيره" 3/ 333.
(٨٦) أي: منقول بالهمزة؛ للتعدية.
(٨٧) في (أ)، (ب): (يقرو).
في (ج): (يفرا).
وما أثبته هو ما رجحت صوابه.
يقال: (قَرَّ بالمكان، يَقَرُّ، ويَقِرُّ) -بالكسر والفتح- وبالكسر أكثر.
انظر المصادر التالية.
(٨٨) انظر (مادة: قرر) في "اللسان" 6/ 3579، و"التاج" 7/ 380.
(٨٩) تفسير (الإصر) بـ (العهد)، قال به ابن عباس، ومحمد بن إسحاق، ومجاهد، والربيع، والسدي، وابن جريج، وقتادة.
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 334، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 695.
(٩٠) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 334.
(٩١) انظر: "تفسير البسيط" 863، "تفسير الثعلبي" 3/ 67 أ.
انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 192، 83، "تفسير الثعلبي" 3/ 76 ب.
(٩٢) انظر: "تفسير البسيط" للمؤلف: عند تفسير آية: 286 من سورة البقرة (٩٣) من قوله: (أي: ..) إلى (عليكم وعليهم): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 76 ب.
(٩٤) (أي قال الله عز وجل للنبيين فاشهدوا): ساقط من: (ج).
(٩٥) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 334، "زاد المسير" 1/ 416.
(٩٦) في "معاني القرآن" له، 437.
نقله عنه بتصرف يسير.
(٩٧) في "معاني القرآن" فتبينوا.
وما كتبه المؤلف أصح من ناحية المعنى، وأنسب لما بعده من كلام.
(٩٨) في (ب)، (ج): (تبينه).
(٩٩) في (ب): (والمعجزات).
(١٠٠) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 76ب، "تفسير البغوي" 3/ 62، "زاد المسير" 1/ 416، "تفسير القرطبي" 4/ 126.
(١٠١) (قال الله -تعالى- للملائكة): ساقط من: (ج).
(١٠٢) في (ج): (لم يتقدم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين ﴾ معنى الآية؛ أن الله أخذ العهد والميثاق، على كل نبيّ أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وينصره إن أدركه، وتضمن ذلك أخذ الميثاق على أمم الأنبياء، واللام في قوله: ﴿ لَمَآ آتَيْتُكُم ﴾ لام التوطئة، لأنّ أخذ الميثاق في معنى الاستخلاف، واللام في لتؤمنن جواب القسم، وما يحتمل أن تكون شرطية، ولتؤمنن سدّ مسدَّ جواب القسم والشرط.
وأن تكون موصولة بمعنى الذي آتيناكموه ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ والضمير في به ﴿ وَلَتَنصُرُنَّهُ ﴾ عائد على الرسول ﴿ أَأَقْرَرْتُمْ ﴾ أي اعترفتم ﴿ إِصْرِي ﴾ عهدي ﴿ فاشهدوا ﴾ أي على أنفسكم وعلى أممكم بالتزام هذا العهد ﴿ وَأَنَاْ مَعَكُمْ ﴾ تأكيد للعهد بشهادة رب العزة جلّ جلاله ﴿ بَعْدَ ذلك ﴾ أي من تولى عن الإيمان بهذا النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الميثاق؛ فهو فاسق مرتد متمرد في كفره.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لما ﴾ بكسر اللام حمزة الخزا.
الباقون بفتحها.
﴿ آتيناكم ﴾ على صيغة جمع المتكلم: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ آتيتكم ﴾ على الوحدة ﴿ يبغون ﴾ بياء الغيبة و ﴿ ترجعون ﴾ بتاء الخطاب مبنياً للمفعول: أبو عمرو غير عباس.
وقرأ عباس وسهل وحفص بالياء التحتانية فيهما وقرأ يعقوب ﴿ يبغون ﴾ بالياء التحتانية ﴿ يرجعون ﴾ بالتحتانية مبنياً للفاعل.
الباقون بتاء الخطاب فيهما ﴿ ملء ﴾ بالهمزة ﴿ الأرض ﴾ بغير الهمز.
روى النجاري عن ورش وروى الأصفهاني عنه بغير همز فيهما.
الباقون بالهمز فيهما.
الوقوف: ﴿ ولتنصرنه ﴾ ط ﴿ إصري ﴾ ط ﴿ أقررنا ﴾ ط ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ص ﴿ منهم ﴾ ج ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ البينات ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ اجمعين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج (لا) ﴿ ينظرون ﴾ ه (لا) للاستثناء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ توبتهم ﴾ ج ﴿ الضالون ﴾ ه، ﴿ افتدى به ﴾ ط ﴿ ناصرين ﴾ ه.
التفسير: الغرض من هذه الآيات تعديد الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب مما يدل على نبوة محمد قطعاً لأعذارهم وإظهاراً لعنادهم من جملتها أخذ ميثاق النبيين.
قال الزجاج: تقديره واذكر يا محمد في القرآن إذ أخذ الله.
وقيل: واذكروا يا أهل الكتاب.
وإضافة الميثاق إلى النبيين إما أن تكون من إضافة العهد إلى المعاهد منه، أو من إضافة / العهد إلى المعاهد كما تقول: ميثاق الله وعهد الله.
أما الاحتمال الأول فيؤيده ما يشعر به ظاهر اللفظ من أن آخذ الميثاق هو الله والمأخوذ منهم النبيون وهو قول سعيد بن جبير والحسن وطاوس.
ثم على هذا القول ما نقل عن علي أنه ما بعث آدم ومن بعده من الأنبياء إلا أخذ عليهم العهد لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه , والذي يدل على صحته ما روي أنه قال: " لقد جئتكم بها بيضاء نقية أما والله لو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعي" فهذا على سبيل الفرض والتقدير، وهو أنهم لو كانوا أحياء لوجب عليهم الإيمان بمحمد وإلا فالميت لا يكون مكلفاً.
وقيل: المراد أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف، أو أمة النبيين فقد ورد كثيراً في القرآن لفظ النبي ويراد به الأمة كقوله ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ وقيل: النبيون أهل الكتاب وقد ورد على زعمهم تهكماً بهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون.
ويؤكده قراءة أبي وابن مسعود ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ وأما الاحتمال الثاني فالمعنى أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنه إذا بعث محمد فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به، ويؤكده أنه حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين وهذا الوصف لا يليق بالأنبياء وإنما يليق بالأمم.
وروي عن ابن عباس أنه قيل له: إن أصحاب عبد الله يقرأون ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ﴾ ونحن نقرأ ﴿ وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فقال: إنما أخذ الله ميثاق النيبين على قومهم ﴿ لما آتيتكم ﴾ من قرأ بفتح اللام ففيه وجهان: أحدهما: أن " ما " تكون موصولة واللام للابتداء وخبره ﴿ لتؤمنن ﴾ واللام فيه جواب القسم المقدر.
والعائد على الموصول في ﴿ آتيتكم ﴾ محذوف وفي ﴿ جاءكم ﴾ ما يدل عليه ﴿ لما معكم ﴾ لأنه في معنى "ما آتيتكم" والتقدير للذي آتيتكموه من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق له والله لتؤمنن به - وثانيهما - واختاره سيبويه وغيره - كيلا يفتقر إلى تكلف الرابط أن يقال: أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف.
و " ما " هي المتضمنة لمعنى الشرط وحينئذٍ يحتاج القسم إلى الجواب والشرط إلى الجزاء، وليس ههنا ما يصلح لكل منهما إلا الإيمان والنصرة.
فالأصح في هذا المقام أن يجعل المذكور جواباً للقسم ظاهراً، ولهذا أدخل اللام والنون المؤكدة في " لتؤمنن " و " لتنصرن " وأدخل اللام في الشرط وتسمى موطئة لأنها تعين من أول الأمر وتمهد أن المذكور هو جواب القسم لا الشرط.
ثم إن جواب الشرط يكون مستغنى عنه لأن جواب القسم يسد مسدّه.
ومن قرأ بكسر اللام للتعليل ففيه أيضاً وجهان: أحدهما أن تكون " ما " / مصدرية أي أخذ الله ميثاقهم لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة، ثم لمجيء رسول الله موافقاً لكم في الأصول لتؤمنن به، لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء، والثاني أن تكون " ما " موصولة وبيان الرابط كما مر.
وعن سعيد بن جبير ﴿ لما ﴾ بالتشديد بمعنى " حين ".
وقيل: أصله " لمن ما" أي لمن أجل ما آتيتكم.
أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفوا إحداها للتخفيف فيؤل المعنى إلى قراءة حمزة.
وفي جميع القراآت قيل: لا بد من إضمار بأن يقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم.
قلت: هذا من باب الالتفات فلا حاجة إلى الإضمار فكأنه قيل: وإذ أخذت أو أخذنا.
ولما في أخذ الميثاق من معنى القول.
ومن العلماء من قدر الإضمار بنوع آخر واستحسنه في التفسير الكبير مع أنه متكلف فقال: وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.
والنبيون عام وليس كلهم أصحاب كتاب ولكنه وصف الكل بوصف أشرفهم، أو الكتاب لذوي الكتب والحكمة لغيرهم، أو جعل الداعي إلى الكتاب وإلى العمل به كالذي أنزل عليه.
و "من " للبيان أو للتبعيض.
وقوله: ﴿ ثم جاءكم ﴾ والرسول لا يجيء إلى النبيين وإنما يجيء إلى الأمم معناه أي في زمانكم وإن كان المراد من النبيين أولادهم أو أممهم فلا إشكال.
والمراد بتصديقه لما معهم موافقته في التوحيد والنبوات وأصول الشرائع.
فأما تفاصيلها وإن وقع الخلاف فيها فذاك في الحقيقة ليس بخلاف لأن جميع الأنبياء متفقون على أن الحق في زمان موسى ليس إلا شرعه وأن الحق في زمان محمد ليس الاشرعه .
ولو قلنا: إن المراد بالرسول هو محمد فالمراد إما ما ذكرنا أو أن نعته وصفته وأحواله مذكورة في الكتب المتقدمة، فكان نفس مجيئه تصديقاً لما كان معهم.
الظاهر أن المراد بهذا الميثاق هو التوصية بأن يؤمنوا بكل رسول يجيء مصدقاً لما معهم.وقيل: يحتمل أن يكون الميثاق إشارة إلى ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لأمر الله واجب، فإذا جاء الرسول فهو إنما يكون رسولاً عند ظهور المعجزات الدالة على صدقه، فإذا أخبرهم بعد ذلك أن الله أمر الخلق بالإيمان به عرفوا عند ذلك وجوبه.
وقيل: المراد بأخذ الميثاق أنه شرح صفاته في كتب الأنبياء المتقدمين، فإذا صارت أحواله مطابقة لما جاء في الكتب الإلهية وجب الانقياد له ، وهذا إنما يصح لو كان المراد بالنيين أولادهم أو أممهم أو ميثاق النبيين من الأمم أو ميثاق الله من النبيين على تقدير كونهم أحياء.
أقول والله أعلم: يحتمل أن يراد بقوله ﴿ ثم جاءكم ﴾ / المجيء في الزمان الماضي، فيكون معنى الآية أن الله أخذ ميثاقه من كل نبي أوتي كتاباً وحكمة أن يؤمن بكل رسول كان قد جاء قبله موافقاً لما معه وينصر دينه بأن يظهر حقيته في وقته وأنه من عند الله وأنه موافق له في أصول العقائد وفي قواعد مكارم الأخلاق، فتكون هذه الآية تمهيداً لما يجيء بعد من قوله: ﴿ قل آمنا بالله ﴾ الآية.
﴿ قال ﴾ الله أو كل نبي لأمته مستفهماً بمعنى الأمر ﴿ أأقررتم ﴾ بالإيمان به والنصرة؟
والإقرار في الشرع إخبار عن ثبوت حق سابق.
وفي اللغة منقول بهمزة التعدية من قر الشيء يقر إذا ثبت ولزم مكانه ﴿ وأخذتم ﴾ أي قبلتم ﴿ على ذلكم أصري ﴾ عهدي.والأخذ بمعنى القبول كثير قال : ﴿ لا يؤخذ منها عدل ﴾ أي لا يقبل.
ويأخذ الصدقات أي يقبلها.
سمي العهد أصراً لأنه مما يؤصر أي يشد ويعقد.
ثم بعد المطالبة بالإقرار أكد ذلك بالإشهاد وقال: ﴿ فاشهدوا ﴾ أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار.
وفي قوله: ﴿ وأنا معكم من الشاهدين ﴾ وأنه لا يخفى عليه خافية، تذكير لهم وتوكيد عليهم وتحذير من الرجوع إذا علموا شهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
وقيل: فاشهدوا خطاب للملائكة.
وقيل: معناه ليجعل كل أحد نفسه شاهداً على نفسه كقوله: ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ﴾ وقيل: بينوا هذا الميثاق للخاص والعام حتى لا يبقى لأحد عذر في الجهل به.
وأصله أن الشاهد هو الذي يبين تصديق الدعوى.
وقيل: استيقنوا وكونوا كالمشاهد للشيء المعاين له، أو يكون خطاباً للأنبياء بأن يكونوا شاهدين على الأمم.
ثم ضم إلى توكيد الوعيد بقوله: ﴿ فمن تولى بعد ذلك ﴾ الميثاق وصنوف التوكيد فلم يؤمن ولم ينصر ﴿ فأولئك هم الفاسقون ﴾ الخارجون عن دين الله وطاعته، ووعيد الفساق المردة معلوم.
ثم وبخ من خرج من دين الله إلى غيره بإدخال همزة الاستفهام على الفاء العاطفة فقال: ﴿ أفغير دين الله يبغون ﴾ ويحتمل أن يراد أيتولون فغير دين الله يبغون ﴿ وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه ترجعون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب فيهما فلأن ما قبله خطاب في " أقررتم " و " أخذتم " أو للالتفات بعد قوله ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ ومن قرأ بياء الغيبة فلرجوع الضمير في الأول إلى الفاسقين، وفي الثاني إلى جميع المكلفين.
والأصل أفتبتغون غير دين الله؟
لأن الاستفهام إنما يكون عن الحوادث إلا أنه قدم المفعول لأنه أهم من حيث إن الإنكار الذي هو فائدة الهمزة ههنا متوجه إلى الدين الباطل.
وعن ابن عباس "أن أهل الكتابين اختصموا إلى رسول الله فيما اختلفوا فيه من دين إبراهيم، فكل واحد من الفريقين ادعى أنه أولى به فقال : كل الفريقين بريء من دين إبراهيم.
فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فنزلت" .
وعلى هذا تكون الآية كالمنقطعة عما قبلها، ولكن / الاستفهام على سبيل الإإنكار يقتضي تعلقها بما قبلها، فالوجه أن هذا الميثاق لما كان مذكوراً في كتبهم ولم يكن لكفرهم سبب إلا مجرد البغي والعناد، كانوا طالبين ديناً غير دين الله، فاستنكر أن يفعلوا ذلك أو قرر أنهم يفعلون.
ثم بيّن أن الإعراض عن دين الله خارج عن قضية العقل، وكيف لا وقد أخلص له الانقياد وخصص له الخضوع كل من سواه، لأن ما عداه كل ممكن وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده ولا يعدم إلا بإعدامه، فهو ذليل بين يدي قدرته، خاضع لجلال قدره في طرفي وجوده وعدمه عقلاً كان أو نفساً أو روحاً أو جسماً أو جوهراً أو عرضاً أو فاعلاً أو فعلاً.
ونظير الآية ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض ﴾ فلا سبيل لأحد إلى الامتناع عن مراده ﴿ طوعاً وكرهاً ﴾ وهما مصدران وقعا موقع الحال لأنهما من جنس الفعل أي طائعين وكارهين كقولك: أتاني راكضاً.
ولو قلت أتاني كلاماً أي متكلماً لم يجز لأن الكلام ليس من جنس الإتيات.
فالمسلمون الصالحون ينقادون لله طوعاً فيما يتعلق بالدين وكرهاً في غيره من الآلام والمكاره التي تخالف طباعهم، لأنهم لا يمكنهم دفع قضائه وقدره.
وأما الكافرون فينقادون في الدين كرهاً أي خوفاً من السيف أو عند الموت أو نزول العذاب.
وعن الحسن: الطوع لأهل السموات، والكره لأهل الأرض.
أقول: وذلك لأن السفلي ينجذب بالطبع إلى السفل فحمله نفسه على ما يخالف طبعه هو الكره.
وبلسان الصوفية من شاهد الجمال أسلم طوعاً، ومن شاهد الجلال أسلم كرهاً.
فليس الاعتبار بذلك الإسلام الفطري بل الاعتبار بهذا الإسلام الكسبي ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي إلى حيث لا مالك سواه ظاهراً وباطناً، وفيه وعيد شديد لمن خالف الدين الحق إلى غيره.
ثم إنه لما بين أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق كل رسول كان قبله، أمر النبي بذلك ليعرف منه غاية إذعانه ونهاية استسلامه.
أما وجه التوحيد في ﴿ قل ﴾ فظاهر، بناء على ما قلنا، وأما وجه الجمع في ﴿ آمنا ﴾ فلتشريف أمته بانضمامهم معه في سلك الإخبار عن الإيمان، أو ليعلم أن هذا التكليف ليس من خواصه وإنما هو لازم لجميع المؤمنين كقوله: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته ﴾ أو لإجلال قدر نبيه حيث أمر أن يتكلم عن نفسه كما يتكلم العظماء والملوك.
وقدم الإيمان بالله لأنه أصل جميع العقائد، ثم ذكر الإيمان بما أنزل الله إلأيه لأن كتب سائر الأنبياء محرفة لا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بالفرقان المنزل على محمد ، ثم ذكر الإيمان بما أنزل على مشاهير الأنبياء إذ لا سبيل إلى حصر الكل، وفي ذلك تنبيه على سوء عقيدة أهل الكتاب حيث فرقوا بين الأنبياء فصدقوا بعضاً وكذبوا بعضاً، ورمز إلى أنهم ليسوا من الدين في شيء حيث خالفوا مقتضى الميثاق.
ثم إن قلنا إنه تعالى أخذ الميثاق على كل نبي أن يؤمن بكل رسول جاء بعده كما ذهب إليه الجمهور في / تفسير قوله: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ فههنا قد أخذ الميثاق على محمد بأن يؤمن بكل رسول كان قبله ولم يؤخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده فيكون في الآية دليل على أنه لا نبي بعده.
واعلم أن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل فيجوز أن يعدّى أنزل بـ " على " تارة كما في هذه الآية، وبحرف الانتهاء أخرى كما في البقرة.
فنطق القرآن بالاعتبارين جميعاً.
وقيل: عُدي هناك بـ "إلى" لمكان ﴿ قولوا ﴾ فإن الوحي يأتي الأمة بطريق الانتهاء، وعدي ههنا بـ "على" لمكان ﴿ قل ﴾ فإن الرسول يأتيه الوحي بطريق الاستقلال وزيفه في الكشاف بقوله : ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب ﴾ وبقوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ والإنصاف أن هذا القائل لم يدع أن هذه المناسبة يجب اعتبارها في كل موضع وإنما ادعى اعتبارها في الموضعين فيصلح حجة للتخصيص والله أعلم.
﴿ ونحن له مسلمون ﴾ فائدة تقديم الجار أن يعلم أن هذا الإذعان والإيمان والاستسلام لا غرض فيه إلا وجه الله دون شيء آخر من طلب المال والجاه، بخلاف أحبار اليهود الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً فليسوا من الإسلام في شيء ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ﴾ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟
﴿ وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ حيث فاته الثواب وحصل مكانه العقاب.
والخاسرون ههنا هم الكافرون فقط عند أهل السنة، ومع أصحاب الكبائر عند المعتزلة.
وقد يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد إذ لو كان الإيمان غير الإسلام كان غير مقبول، لأن كل ما هو غير الإسلام ليس بمقبول عند الله للآية.
وقد ذكرنا مراراً أن النزاع لفظي لأن الإسلام إن أريد به الانقياد الكلي فلا فرق بينه وبين الإيمان كما في هذه الآية، وإن أريد به الإقرار باللسان فالفرق بناء على أن الاعتقاد القلبي داخل في مفهوم الإيمان، وعلى الفرق ورد قوله : ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ ثم بيّن وعيد من ترك الإسلام فقال: ﴿ كيف يهدي الله ﴾ واختلف في سبب النزول، ففي رواية عن ابن عباس نزلت في يهود قريضة والنضير ومن دان بدينهم، كفروا بالنبي بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه وكانوا يشهدون له بالنبوة فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا به بغياً وحسداً وعناداً ولدداً.
وفي رواية أخرى عنه: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة، ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب بقوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ وعن مجاهد قال: كان الحرث بن سويد قد أسلم وكان مع رسول الله ثم لحق بقومه وكفر فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ فحملهن إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فقال الحرث: والله إنك لصدوق وإن رسول الله / لأصدق منك وإن الله أصدق الثلاثة، ثم رجع فأسلم إسلاماً حسناً.
قالت المعتزلة في الآية: إن أصولنا تشهد بأنه هدى جميع الخلق إلى الدين بمعنى التعريف ووضع الدلائل وإلا كان الكافر معذوراً ولا يحسن ذمه على الكفر.
ثم إنه حكم بأنه لم يهد هؤلاء الكفار فلا بد من تفسير الآية بشيء أخر سوى نصب الدلائل.قالوا: فالمراد بهذه الهداية منع الألطاف التي يؤتيها المؤمنين ثواباً لهم على إيمانهم كما قال: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ وقال: ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى ﴾ أو المعنى لا يهديهم إلى الجنة كقوله: ﴿ ولا يهديهم طريقاً إلا طريق جهنم ﴾ وقوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار ﴾ وقال أهل السنة: المراد بالهداية خلق المعرفة.
وقد جرت سنة الله في باب التكليف وفي دار العمل أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فإنه الله يخلقه عقيب قصد العبد فكأنه قال: كيف يخلق الله فيهم المعرفة والهداية وهم قصدوا تحصيل الكفر وأرادوه.؟
وقال أهل التحقيق: كيف يهدي الله إليه قوماً احتجبوا بالصفات الإنسانية والطبائع الحيوانية عن الأخلاق الربانية.
وقوله: ﴿ وشهدوا ﴾ عطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل إذ هو في تقدير أن آمنوا كقوله : ﴿ فأصدق وأكن ﴾ ويجوز أن يكون الواو للحال بإضمار "قد" أي كفروا وقد شهدوا أن الرسول حق.
وكيفما كان فمعنى الآية يؤل إلى أنه لا يهدي قوماً كفروا بعد الإيمان وبعد الشهادة بأن الرسول حق في نفسه غير باطل ولا مما يسوغ إنكاره بعد أن جاءتهم الشواهد الدالة على صدقه من القرآن وغيره، لكن الشهادة هي الإقرار باللسان، فيكون المراد من الإيمان هو التصديق بالقلب ليكون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه.
﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الواضعين للشيء في غير موضعه وذلك أن الخصال الثلاث - أعني الإيمان والشهادة ومشاهدة المعجزات - توجب مزيد الإيمان بالنبي المبعوث في آخر الزمان لا الكفر والعناد.
وفيه دليل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل ولهذا صرح في آخر الآية بأنه لا يهديهم بعد أن عرض بذلك في أول الآية، ثم أردفه بغاية الوعيد قائلاً ﴿ أولئك جزاؤهم ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ وقد مر مثله في البقرة.
وهذا تحقيق قول المتكلمين بأن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة.
﴿ إلا الذين تابوا من بعد ذلك ﴾ الكفر العظيم.
ولا يكفي التوبة وحدها حتى يضاف إليها العمل الصالح فلهذا قال: ﴿ وأصلحوا ﴾ أي باطنهم مع الحق بالمراجعات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وأظهروا إنا كنا على الباطل حتى لو اغتر بطريقتهم المنحرفة مغتر رجع عنها.
﴿ فإن الله غفور ﴾ في الدنيا بالستر ﴿ رحيم ﴾ في الآخرة بالعفو.
أو غفور بإزالة العقاب، / رحيم بإعطاء الثواب.
قوله ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً ﴾ ازدياد الكفر قد يراد به الإصرار على الكفر، وقد يراد به ضم كفر إلى كفره وهو المراد في الآية باتفاق عامة المفسرين.
ثم اختلفوا فقيل: إنهم أهل الكتاب آمنوا بمحمد قبل مبعثه ثم كفروا به عند المبعث ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه كل وقت، وإنكارهم لكل معجز يظهر عليه إلى غير ذلك من تخليطاتهم وتغليطاتهم.
وقيل: إن اليهود كانوا مؤمنين بموسى ثم كفروا بعيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن.
وهذا قول الحسن وقتادة وعطاء، وقيل: نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، وازديادهم الكفر أنهم قالوا: نقيم بمكة نتربص بمحمد ريب المنون.
وقيل: عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق فسمى الله ذلك النفاق زيادة في الكفر, ثم إنه حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، وحكم تعالى في هذه الآية بعدم قبولها، وهذا يوهم التناقض.
وأيضاً ثبت بالدليل أن التوبة بشروطها مقبولة فما معنى قوله ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ قال الحسن وقتادة وعطاء: المراد بازدياد الكفر إصرارهم عليه فلا يتوبون إلا عند حضور الموت، والتوبة حينئذٍ لا تقبل لقوله : ﴿ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ وقيل: هي محمولة على ما إذا تابوا باللسان لا عن الإخلاص.
وقال القاضي والقفال وابن الأنباري: هي من تتمة قوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ يريد أنه لو كفر بعد التوبة الأولى فإن التوبة الأولى لا تكون مقبولة.
وقيل: لعل المراد أن التوبة من تلك الزيادة لا تكون مقبولة ما لم يتب عن الأصل المزيد عليه.
أقول: ويحتمل أن يكون لن تقبل توبتهم جعل كناية الموت على الكفر كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين المصرين على الكفر ما يتوبون عن الكفر لما في فعلهم من قساوة القلوب والإفضاء إلى الرين وانجراره إلى الموت على حالة الكفر.
وفائدة هذه الكناية تصير كونهم آيسين من الرحمة، هذا إذا خصصنا اليهود والمرتدين بالمصرين، أما على تقدير التعميم فنقول: إنما يجعل الموت على الكفر لازماً لازدياد كفرهم لأن القضية حينئذٍ لا تكون كلية، فكم من مرتد أو يهودي مزداد للكفر لا بمعنى الإصرار يرجع إلى الإسلام ولا يموت على الكفر.
فاكتفى بذكر لازم الموت على الكفر وهو عدم قبول التوبة حتى برز الكلام في معرض الكناية.
ومن المعلوم أنها ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وأنه لا بد للعدول من فائدة، فصح أن نبين فائدة العدول على وجه يصير القضية كلية وهي التغليظ في شأن أولئك الفريق من الكفار وإبراز حالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة التي هي أغلظ الأحوال وأشدها، ألا ترى أن الموت على الكفر إنما يخاف لأجل اليأس من الرحمة، وهذا هو الذي عول عليه في الكشاف.
والحاصل أنه / كأنه قيل: إن اليهود والمرتدين الذين فعلوا ما فعلوا من حقهم أن لا تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون الكاملون في الضلال، ضلوا في تيه الأوصاف البهيمة والأخلاق السبعية فلم يكادوا يخرجون منها بقدم الإنابة.
واعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام: أحدها الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي سيق لأجله الآية التي ردفها الاستثناء، وثانيها الذي يتوب توبة فاسدة وهو المذكور في قوله: ﴿ لن تقبل توبتهم ﴾ على وجه.
وثالثها الذي يموت على الكفر من غير توبة فذكره في الآية الأخيرة.
وملْ الشيء قدر ما يملؤه و ﴿ ذهباً ﴾ نصب على التمييز.
وربما يقال على التفسير، ومعناه أن يكون الكلام تاماً إلا أنه يكون مبهماً كقولك "عندي عشرون" فالعدد معلوم والمعدود مبهم.
فإذا قلت "درهماً" فسرت العدد.
ومعنى الفاء في ﴿ فلن يقبل ﴾ أن يعلم أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وإذا ترك كما في الآية الأولى فلعدم قصد التسبيب والاكتفاء بمجرد الحمل والوضع.
هذا ما قاله النحويون ومنهم صاحب الكشاف.
وليت شعري أنهم لو سئلوا عن تخصيص كل موضع بما خصص به فبماذا يجيبون؟
ولعل عقيدتهم في أمثال هذه المواضع أنها من الأسئلة المتقلبة وهو وهم.
والسر في التخصيص هو أنه لما قيد في الجملة الثانية أنهم قد ماتوا على الكفر زيدت فاء السببية الجزائية تأكيداً للزوم وتغليظاً في الوعيد والله أعلم.
أما الواو في قوله ﴿ ولو افتدى به ﴾ فإنها تشبه عطف الشيء على نفسه لأنه كالمكرر، فلهذا كثر أقاويل العلماء فيه فقال الزجاج وابن الأنباري: إنها للعطف والتقدير: لو تقرب إلى الله بملء الأرض ذهباً لم يمنعه ذلك مع كفره ولو افتدى به أيضاً لم يقبل منه.
وقيل: إنها لبيان التفصيل بعد الإجمال فإن إعطاء ملء الأرض ذهباً يحتمل الوجوه الكثيرة، فنص على نفي القبول بجهة الفدية.
وقيل: إن الملوك قد لا يقبلون الهدية ويقبلون الفدية، فإذا لم يقبلوا الفدية كان ذلك غاية الغضب ونهاية السخط، فعبر بنفي قبول الفداء عن شدة الغضب.
وقيل: إنه محمول على المعنى كأنه قيل: فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً.
وقيل: يجوز أن يراد ولو افتدى بمثله كقوله: ﴿ ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به ﴾ والمثل يحذف كثيراً في كلامهم مثل: ضربت ضرب زيد.
أي مثل ضربه.
و" أبو يوسف وأبو حنيفة " تريد مثله.
كما أنه يراد به في نحو قولهم "مثلك لا يفعل" كذا أي أنت.
وذلك أن المثلين يقوم أحدهما مقام الآخر في أغلب الأمور فكانا في حكم شيء واحد، فإن قيل: من المعلوم أن الكافر لا يملك يوم القيامة شيئا، وبتقدير أن يملك فلا نفع في الذهب هناك، فما فائدة هذا الكلام؟
فالجواب أنه على سبيل الفرض والتقدير، والذهب / كناية عن أعزالأشياء.
والمراد أنه لو قدر على أعز الأشياء وفرض أن في بذله نفعاً للآخذ وأن المبذول في غاية الكثرة لعجز أن يتوصل بذلك إلى تخليص نفسه من عذاب ربه.
ثم صرح بعقابهم ونفى من يشفع لهم فقال: ﴿ أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ﴾ قال أهل التحقيق: وماتوا أي ماتت قلوبهم ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ بموت القلب وفقد المعرفة ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ على إحياء القلب بنور المعرفة حسبي الله ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ الآية.
قال مجاهد: هذا خطأ من الكاتب، وهي في قراءة ابن مسعود - - "ميثاق الذين أوتوا الكتاب"؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ لأن الميثاق لا يؤخذ على النبيين أن يصدّقوا، لكنه يجوز هذا.
ثم اختلف فيه، قيل: ميثاق الأوّل من الأنبياء - ليصدّقنّ بما جاء به الآخر منهم، لو أدرك.
وقيل: أخذ الله ميثاقاً على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى قومهم؛ ففعلوا، ثم أخذوا مواثيق قومهم أن يؤمنوا بمحمّد ويصدقوه وينصروه.
وقيل: أخذ الله على النبيين ميثاقاً على أن يبلغوا الرسالة إلى قومهم، ويدعوا الناس إلى دين الله.
قال الكسائي فيه بوجهين: أحدهما: يقول: ميثاق الذين منهم النبيّون وهم بنو إسرائيل، وكل ميثاق ذكره الله - - في القرآن في أهل الكتاب، فإنما يراد به بنو إسرائيل.
والثاني: ذكره كما ذكرنا من تصديق بعضهم بعضاً، وتبليغ كتب الله إلى قومهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .
أخذ عليهم الميثاق؛ ليأخذوا على قومهم المواثيق أن يؤمنوا بمحمّد إذا خرج وينصروه.
وقوله: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ ﴾ : قال الله - - للأنبياء: ﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي ﴾ ، قيل: هو عهدي.
والإصر: قيل: هو العهد.
﴿ قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا ﴾ .
بالعهد لنؤمنن به ولننصرنه، وأخذنا على قومنا ليؤمنن به ولينصرنه، وقال الله - -: ﴿ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .
يقول الله - -: وأنا على إقراركم بمحمّد من الشاهدين.
وقيل: قال الله: فاشهدوا أني قد أخذت عليكم بالعهد، وأنا معكم من الشاهدين أنكم قد أقررتم بالعهد.
يقول الله - -: ﴿ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ .
العهد بالإقرار بنقض العهد، والرجوع عن الإقرار.
﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ : الدين كأنه يتوجه إلى وجوه يرجع إلى اعتقاد المذهب في الأصل، ويرجع إلى الحكم والخضوع، كقوله - -: ﴿ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ ، ويرجع إلى الجزاء.
ثم قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ : كأن كلا منهم يبغي ديناً هو دين الله، ويدعي أن الدين الذي هو عليه دين الله، لكن هذا - والله أعلم - كل منهم في الابتداء يبغي دين الله في نفسه، لكن بَانَ له من بعد وظهر بالآيات والحجج أنه ليس على دين الله، وأن دين الله هو الإسلام، فلم يرجع إليه ولا اعتقده، ولزم غيره بالاعتناد والمكابرة؛ فهو باغٍ غيرَ دين الله، والله أعلم.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ ، أي: أفغير ما في دين الله من الأحكام والتوحيد.
ويحتمل: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ ﴾ : يدينون، وليس على الاستفهام؛ ولكن على الإيجاب أنهم في صنيعهم يبغون غير الذي هو دين الله، كقوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ : يحتمل: وجوهاً: يحتمل: أسلم، أي: استسلم، وخضع له بالخلقة؛ إذ في خلقة كُلٍّ دلالاتُ وَحدانيته.
ويحتمل: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ ، يعني: الملائكة، ﴿ وَٱلأَرْضِ ﴾ المؤمنين الذين أسلموا طوعاً وكرهاً، يعني: أهل الأديان يقرون أن الله ربهم وهو خلقهم؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ فذلك إسلامهم، وهم في ذلك مشركون.
عن ابن عباس - - قال]: "مَنْ فِى السَّمَوَاتِ أَسْلَمُوا طَوْعاً، ,َأَمَّا أهْلُ الأرْضِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ طَوْعاً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ كَرْهاً؛ مَخَافَةَ السَّيْفِ".
وعن ابن عباس - أيضاً - قال: "طَوْعاً مَنْ وُلِدَ فِى الإِسْلاَمِ، وَكُلُّ مَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُولَدْ فِى الإسْلاَم فَهُوَ كُرْهٌ".
وقيل: منهم من أسلم طوعاً، ومنهم من جبروا عليه، والإسلام: هو تسليم النفس لله خالصاً لا يشرك فيها غيره؛ كقوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ الآية [الزمر: 29].
دلّت الآية أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
والإسلام: هو اسم الخضوع، وكل منهم قد خضعوا، ولم يجترئ أحد أن يخرج عليه.
<div class="verse-tafsir"
واذكر -أيها الرسول- حين أخذ الله العهد المؤكد على النبيين قائلًا لهم: مهما أعطيتكم من كتاب أنزله عليكم، وحكمة أعلمكم إياه وبلغ أحدكم ما بلغ من المكانة والمنزلة، ثم جاءكم رسول من عندي - وهو محمد مصدق لما معكم من الكتاب والحكمة؛ لتؤمنن بما جاء به، ولتنصرنه متبعين له، فهل أقررتم - أيها الأنبياء - بذلك، وأخذتم على ذلك عهدى الشديد؟
فأجابوا قائلين: أقررنا به، قال الله: اشهدوا على أنفسكم وعلى أممكم، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.28GxO"
هذا رجوع إلى أصل الموضوع الذي افتتحت السورة بتقريره وهو التنزيل وكون الدين عند الله واحدًا وهو ما كان عليه إبراهيم وسائر النبيين وكون الله تعالى مختارًا فيما يختص به بعض خلقه من مزية أو نبوة.
وقد سيقت تلك المسائل لإثبات نبوة محمد وإزالة شبهات من أنكر من أهل الكتاب بعثة نبي من العرب واستتبع ذلك محاجتهم وبيان خطئهم في ذلك وفي غيره من أمر دينهم.
وهذه المسألة التي تقررها هذه الآية من الحجج الموجهة إليهم لدحض مزاعمهم وهي أن الله تعالى أخذ الميثاق على جميع النبيين وعلى أتباعهم بالتبع لهم بأن ما يعطونه من كتاب وحكمة وإن عظم أمره فالواجب عليهم أن يؤمنوا بمن يرسل من بعدهم مصدقًا لما معهم منه وأن ينصروه.
أما أخذ الميثاق من المرء وهو العهد الموثق المؤكد فهو عبارة عن كون المأخوذ منه وهو المعاهد (بكسر الهاء) يلتزم للآخذ وهو المعاهد (بفتح الهاء) أن يفعل كذا مؤكدًا ذلك باليمين أو بلفظ من المعاهدة أو المواثقة.
وفي قوله "ميثاق النبيين" وجهان: أحدهما: أن معناه الميثاق من النبيين فالنبيون هم المأخوذ عليهم.
وعلى هذا يكون حكمه ساريًا على أتباعهم بالأولى.
وثانيهما: أن إضافة ميثاق إلى النبيين على أنهم أصحابه فهو مضاف إلى الموثق لا إلى الموثق عليه كما تقول عهد الله وميثاق الله.
وحينئذ يكون المأخوذ عليه مسكوتًا عنه للعلم به وتقديره: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على أممهم أو الخطاب لأهل الكتاب والمعنى وإذ أخذ الله عليكم ميثاق النبيين الذين أرسلوا إلى قومكم، أو التقدير ميثاق أمم النبيين.
وكل من القولين مروي عن السلف وممن قال بالثاني من آل البيت جعفر الصادق وهو على حد: ﴿ يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ﴾ فالخطاب فيه للنبي والمراد أمته عامة.
فإذا سأل سائل عن إيمان نبي بنبي آخر يبعث في عصره هل يستلزم ذلك نسخ الثاني لشريعة الأول؟
فالجواب لا يستلزم ذلك ولا ينافيه، وإنما المقصود تصديق دعوته ونصره على من يؤذيه ويناوئه، فإن تضمنت شريعة الثاني نسخ شيء مما جاء به الأول وجب التسليم له وإلا صدقه بالأصول التي هي واحدة في كل دين ويؤدي كل واحد مع أمته أعمال عبادتها التفصيلية، ولا يعد ذلك اختلافًا وتفرقًا في الدين فإن مثله يأتي في الشريعة الواحدة كأن يؤدي شخصان كفارة اليمين أو غيرها بغير ما يكفر به الآخر هذا بالصيام وذلك بإطعام المساكين، وسبب ذلك اختلاف حال الشخصين فأدى كل واحد ما سهل عليه.
﴿ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ ﴾ إن هذا الأمر بالشهادة دليل على ترجيح قول جعفر الصادق أن العهد مأخوذ من الأنبياء على أممهم، والمعنى أن الله تعالى أمر الأنبياء بأن يشهدوا على أممهم بذلك وهو سبحانه معهم شهيد.
والعبارة ليست نصًا في أن هذه المحاورة وقعت وهذه الأقوال قيلت، والمختار أن المراد بها تقرير المعنى وتوكيده على طريق التمثيل.
﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ أي أن مقتضى ذلك الميثاق أن دين الله واحد، وأن دعاته متفقون متحدون، فمن تولى بعد الميثاق على ذلك عن هذه الوحدة واتخذ الدين آلة للتفريق والعدوان ولم يؤمن بالنبي المتأخر المصدق لمن تقدمه، ولم ينصره، كأولئك الذين يجحدون نبوة محمد ويؤذونه فأولئك هم الفاسقون أي الخارجون من ميثاق الله الناقضون لعهده، وليسوا من دين الحق في شيء.
﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهًا ﴾ : إن الذين أسلموا طوعًا هم الذين لهم اختيار في الإسلام وأما الذين أسلموا كرهًا فهم الذين فطروا على معرفة الله كالأنبياء والملائكة وإن كان لفظ الكره يطلق في الغالب على ما يخالف الاختيار ويقهره فإن الله تعالى قد استعمله في غير ذلك كقوله بعد ذكر خلق السماء في الكلام على التكوين ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ فأطلق الكره وأراد به لازمه وهو عدم الاختيار.
<div class="verse-tafsir"