الآية ٢٥ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٢٥ من سورة الروم

وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ بِأَمْرِهِۦ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) كقوله : ( ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ) [ الحج : 65 ] ، وقوله : ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) [ فاطر : 41 ] .

وكان عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، إذا اجتهد في اليمين يقول : لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره ، أي : هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها ، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسماوات ، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم; ولهذا قال : ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ) كما قال تعالى : ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) [ الإسراء : 52 ] .

وقال تعالى : ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) [ النازعات : 13 ، 14 ] ، وقال : ( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) [ يس : 53 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) يقول تعالى ذكره: ومن حججه أيها القوم على قُدرته على ما يشاء، قيام السماء والأرض بأمره خضوعا له بالطاعة بغير عمد ترى ( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) يقول: إذا أنتم تخرجون من الأرض، إذا دعاكم دعوة مستجيبين لدعوته إياكم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ) قامتا بأمره بغير عمد ( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ) قال: دعاهم فخرجوا من الأرض.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (إِذَا أنتُمْ تَخْرُجُونَ) يقول: من الأرض.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره إن في محل رفع كما تقدم ; أي قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد .

وقيل : بتدبيره وحكمته ; أي يمسكها بغير عمد لمنافع الخلق .

[ ص: 19 ] وقيل : بأمره بإذنه ; والمعنى واحد .

ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم ; والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث ; كما يجيب الداعي المطاع مدعوه ; كما قال القائل :دعوت كليبا باسمه فكأنما دعوت برأس الطود أو هو أسرعيريد برأس الطود : الصدى أو الحجر إذا تدهده .

وإنما عطف هذا على قيام السماوات والأرض بثم لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله ، وهو أن يقول : يا أهل القبور قوموا ; فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر ; كما قال تعالى : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون .

وإذا الأولى في قوله تعالى : إذا دعاكم للشرط ، والثانية في قوله تعالى : إذا أنتم للمفاجأة ، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط .

وأجمع القراء على فتح التاء هنا في تخرجون .واختلفوا في التي في ( الأعراف ) فقرأ أهل المدينة : ومنها تخرجون بضم التاء ، وقرأ أهل العراق : بالفتح ، وإليه يميل أبو عبيد .

والمعنيان متقاربان ، إلا أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق الكلام ، فنسق الكلام في التي في ( الأعراف ) بالضم أشبه ; إذ كان الموت ليس من فعلهم ، وكذا الإخراج .

والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام ; أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم ; فالفعل بهم أشبه .

وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل النفخة الآخرة ; على ما تقدم ويأتي .

وقرئ ( تخرجون ) بضم التاء وفتحها ، ذكره الزمخشري ولم يزد على هذا شيئا ، ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ومن آياته العظيمة أن قامت السماوات والأرض واستقرتا وثبتتا بأمره فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة التي بها أمسك السماوات والأرض أن تزولا، يقدر بها أنه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض إذا هم يخرجون { لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ) قال ابن مسعود : قامتا على غير عمد بأمره .

وقيل : يدوم قيامها بأمره ( ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض ) قال ابن عباس : من القبور ( إذا أنتم تخرجون ) منها ، وأكثر العلماء على أن معنى الآية : ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره» بإرادته من غير عمد «ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض» بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور «إذا أنتم تخرجون» منها أحياء فخروجكم منها بدعوة من آياته تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن آياته الدالة على قدرته قيام السماء والأرض واستقرارهما وثباتهما بأمره، فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، ثم إذا دعاكم الله إلى البعث يوم القيامة، إذا أنتم تخرجون من القبور مسرعين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - آية سادسة فقال : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السمآء والأرض بِأَمْرِهِ ) والمراد بقيامه : ثباتهما وبقاؤهما بتلك الصورة العجيبة البديعة .أى : ومن آياته - سبحانه - الدالة على كمال قدرته ، خلقه للسموات وللأرض ، وإبقاؤه لهما على هذها لصورة البديعة ، وقيامها وثباتهما واستمساكهما على تلك الهيئة العجيبة ، وذلك كله بإرادته وأمره ومشيئته .قال ابن كثير : وشبيه بذلك قوله - تعالى - : ( وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) وقوله : ( إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ ) وكان عمر بن الخطاب .

رضى الله عنه - إذا اجتهد فى اليمين قال : لا ، والله الذى تقوم السماء والأرض بأمره ، أى : هى قائمة ثابتة بأمره وتسخيره إياها .وقوله - تعالى - : ( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ) بيان لامتثالهم لأمهر بدون تقاعس ، عندما يدعوهم الداعى للخروج من قبورهم للبعث والحساب .و " ثم " بعدها كلام محذوف ، و " وإذا " الأولى شرطيه ، والثانية فجائية ، والداعى هو إسرافيل بأمر الله - تعالى - : وقوله : ( مِّنَ الأرض ) متعلق بقوله ( دَعَاكُمْ ) .أى : ثم بعد موتكم ووضعكم فى قبوركم ، إذا دعاكم الداعى دعوة واحدة من الأرض التى أنتم مستقرون فيها ، إذا أنتم تخرجون من قبوركم مسرعين بدون تلبث أو توقف ، كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعى المطاع .قال صاحب الكشاف : وإنما عطف هذه الجملة على قيام السماوات والأرض بثم ، بيانا لعظم ما يكون من ذلك الأمر ، واقتداره - سبحانه - على مثله وهو أن يقول : يا أهل القبول قوموا ، فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر ، كما قال - تعالى - : ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ) وكما فى قوله - سبحانه - : ( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بالساهرة ) وكما فى قوله - عز وجل - : ( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما ذكر من العوارض التي للسماء والأرض بعضها، ذكر من لوازمها البعض وهي قيامها، فإن الأرض لثقلها يتعجب الإنسان من وقوفها وعدم نزولها وكون السماء يتعجب من علوها وثباتها من غير عمد، وهذا من اللوازم، فإن الأرض لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه والسماء كذلك لا تخرج عن مكانها الذي هي فيه فإن قيل إنها تتحرك في مكانها كالرحى ولكن اتفق العقلاء على أنها في مكانها لا تخرج عنه، وهذه آية ظاهرة لأن كونهما في الموضع الذي هما فيه وعلى الموضع الذي هما عليه من الأمور الممكنة، وكونهما في غير ذلك الموضع جائز، فكان يمكن أن يخرجا منه فلما لم يخرجا كان ذلك ترجيحاً للجائز على غيره، وذلك لا يكون إلا بفاعل مختار، والفلاسفة قالوا كون الأرض في المكان الذي هي فيه طبيعي لها لأنها أثقل الأشياء والثقيل يطلب المركز والخفيف يطلب المحيط والسماء كونها في مكانها إن كانت ذات مكان فلذاتها فقيامهما فيهما بطبعهما، فنقول قد تقدم مراراً أن القول بالطبيعة باطل، والذي نزيده هاهنا أنكم وافقتمونا بأن ما جاز على أحد المثلين جاز على المثل الآخر، لكن مقعر الفلك لا يخالف محدبه في الطبع فيجوز حصول مقعره في موضع محدبة، وذلك بالخروج والزوال فإذن الزوال عن المكان ممكن لا سيما على السماء الدنيا فإنها محددة الجهات على مذهبكم أيضاً والأرض كانت تجوز عليها الحركة الدورية، كما تقولون على السماء فعدمها وسكونها ليس إلا بفاعل مختار وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر الله من كل باب أمرين، أما من الأنفس فقوله: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ ﴾ استدل بخلق الزوجين ومن الآفاق السماء والأرض في قوله: ﴿ خُلِقَ السموات والأرض ﴾ ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان واختلاف الألوان ومن عوارضه المنام والابتغاء ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار ومن لوازمها قيام السماء وقيام الأرض، لأن الواحد يكفي للإقرار بالحق والثاني: يفيد الاستقرار بالحق، ومن هذا اعتبر شهادة شاهدين فإن قول أحدهما يفيد الظن وقول الآخر يفيد تأكيده ولهذا قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى  ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي بقوله: قوما أو بإرادته قيامهما، وذلك لأن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعندنا ليس كذلك ولكن النزاع في الأمر الذي للتكليف لا في الأمر الذي للتكوين، فإنا لا ننازعهم في أن قوله: ﴿ كُنَّ ﴾ و ﴿ كُونُواْ ﴾ ﴿ قُلْنَا يانار كُونِى ﴾ موافق للإرادة.

المسألة الثالثة: قال هاهنا: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَن تَقُومَ ﴾ وقال قبله: ﴿ وَمِنْ ءاياته يُرِيكُمُ ﴾ ولم يقل أن يريكم، وإن قال بعض المفسرين إن أن مضمرة هناك معناه من آياته أن يريكم ليصير كالمصدر بأن، وذلك لأن القيام لما كان غير متغير أخرج الفعل بأن عن الفعل المستقبل وجعله مصدراً، لأن المستقبل ينبئ عن التجدد، وفي البرق لما كان ذلك من الأمور التي تتجدد في زمان دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه شيئاً من الحروف المصدرية.

المسألة الرابعة: ذكر ستة دلائل، وذكر في أربعة منها إن في ذلك لآيات، ولم يذكر في الأول وهو قوله: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ  ﴾ ولا في الآخر وهو قوله: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَن تَقُومَ السماء والأرض ﴾ أما في الأول فلأن قوله بعده: ﴿ وَمِنْ ءاياته أَنْ خَلَقَ لَكُم  ﴾ أيضاً دليل الأنفس، فخلق الأنفس وخلق الأزواج من باب واحد، على ما بينا، غير أنه تعالى ذكر من كل باب أمرين للتقرير بالتكرير، فإذا قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ ﴾ كان عائداً إليهما، وأما في قيام السماء والأرض فنقول في الآيات السماوية ذكر أنها آيات للعالمين ولقوم يعقلون لظهورها فلما كان في أول الأمر ظاهراً ففي آخر الأمر بعد سرد الدلائل يكون أظهر، فلم يميز أحداً عن أحد في ذلك، وذكر ما هو مدلوله وهو قدرته على الإعادة، وقال: ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ الأرض إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ وفيها مسائل: المسألة الأولى: ما وجه العطف يتم، وبم تعلق ثم؟

فنقول معناه، والله أعلم إنه تعالى إذا بين لكم كمال قدرته بهذه الآيات بعد ذلك يخبركم ويعلمكم أنه إذا قال للعظام الرميمة اخرجوا من الأجداث يخرجون أحياء.

المسألة الثانية: قول القائل دعا فلان فلاناً من الجبل يحتمل أن يكون الدعاء من الجبل كما يقول القائل يا فلان اصعد إلى الجبل، فيقال دعاه من الجبل ويحتمل أن يكون المدعو يدعى من الجبل كما يقول القائل يا فلان انزل من الجبل، فيقال دعاه من الجبل، ولا يخفى على العاقل أن الدعاء لا يكون من الأرض إذا كان الداعي هو الله، فالمدعو يدعى من الأرض يعني أنتم تكونون في الأرض فيدعوكم منها فتخرجون.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ إِذَا أَنتُمْ ﴾ قد بينا أنه للمفاجأة يعني يكون ذلك بكن فيكون.

المسألة الرابعة: قال هاهنا ﴿ إذا أنتم تخرجون ﴾ ، وقال في خلق الإنسان أولاً: ﴿ ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ  ﴾ فنقول هناك يكون خلق وتقدير وتدريج وتراخ حتى يصير التراب قابلاً للحياة فينفخ فيه روحه، فإذا هو بشر، وأما في الإعادة لا يكون تدريج وتراخ بل يكون نداء وخروج، فلم يقل هاهنا ثم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِنْ ءاياته ﴾ قيام السموات والأرض واستمساكهما بغير عمد ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي بقوله: كونا قائمتين.

والمراد بإقامته لهما: إرادته لكونهما على صفة القيام دون الزوال.

وقوله: ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ ﴾ بمنزلة قوله: يريكم، في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى، كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة: يا أهل القبور اخرجوا.

والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث، كما يجيب الداعي المطاع مدعوّه، كما قال القائل: دَعَوْتُ كلَيْباً دَعْوَةً فَكَأَنَّمَا ** دَعَوْتُ بِهِ ابْنَ الطَّوْدِ أَوْ هُوَ أَسْرَعُ يريد بابن الطود: الصدى، أو الحجر إذا تدهدى، وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بثم، بياناً لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور، قوموا؛ فلا تبقى نسمة من الأوّلين والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ [الزمر: 68] .

قولك: دعوته من مكان كذا، كما يجوز أن يكون مكانك يجوز أن يكون مكان صاحبك، تقول: دعوت زيداً من أعلى الجبل فنزل عليّ: ودعوته من أسفل الوادي فطلع إليّ.

فإن قلت: بم تعلق ﴿ مِّنَ الأرض ﴾ أبالفعل أم بالمصدر؟

قلت: هيهات، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.

فإن قلت: ما الفرق بين إذا وإذا؟

قلت: الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط.

وقرئ ﴿ تخرجون ﴾ بضم التاء وفتحها ﴿ قانتون ﴾ أي منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ﴾ قِيامُهُما بِإقامَتِهِ لَهُما وإرادَتِهِ لِقِيامِهِما في حَيِّزَيْهِما المُعَيَّنَيْنِ مِن غَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، والتَّعْبِيرُ بِالأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في كَمالِ القُدْرَةِ والغِنى عَنِ الآلَةِ.

﴿ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى ( أنْ تَقُومَ ) عَلى تَأْوِيلِ مُفْرَدٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّمَواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ ثُمَّ خُرُوجُكم مِنَ القُبُورِ ﴿ إذا دَعاكم دَعْوَةً ﴾ واحِدَةً فَيَقُولُ أيُّها المَوْتى اخْرُجُوا، والمُرادُ تَشْبِيهُ سُرْعَةِ تَرَتُّبِ حُصُولِ ذَلِكَ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ بِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، وثُمَّ إمّا لِتَراخِي زَمانِهِ أوْ لِعَظَمِ ما فِيهِ ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا كَقَوْلِكَ: دَعْوَتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ لا بِتَخْرُجُونَ لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، و ( إذا ) الثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ ولِذَلِكَ نابَتْ مَنابَ الفاءِ في جَوابِ الأُولى.

﴿ وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ مُنْقادُونَ لِفِعْلِهِ فِيهِمْ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ومن آياته أَن تَقُومَ} تثبت بلا عمد {السماء والأرض بِأَمْرِهِ} أي بإقامته وتدبيره وحكمته {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ} للبعث {دَعْوَةً مّنَ الأرض إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} من قبوركم هذا كقوله يريكم في ايقاع الجملة موقع المفرد على

الروم (٢٨ - ٢٦)

المعنى كأنه قال ومن آياته قيام السموات والأرض واستمسا كها بغير عمد ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة يا أهل القبور أخرجوا والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بثم بياناً لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله وهو أن يقول يا أهل القبور قوموا فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر كما قال ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ينظنرون وإذا الأولى للشرط والثانية للمفاجأة وهي تنوب مناب الفساء في جواب الشرط ومن الأرض متعلق بالفعل لا بالمصدر وقولك دعوته من مكان كذا يجوز أن يكون مكانك ويجوز أن يكون مكان صاحبك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ﴾ ، أيْ بِقَوْلِهِ تَعالى: قُوما، أوْ بِإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالأمْرِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والغِنى عَنِ المَبادِئِ والأسْبابِ، ولَيْسَ المُرادُ بِإقامَتِهِما إنْشاءَهُما، لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حالَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ولا إقامَتَهُما بِغَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، كَما قِيلَ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن تَتِمّاتِ إنْشائِهِما، وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها  ﴾ الآيَةَ، بَلْ قِيامُهُما وبَقاؤُهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ إلى أجَلِهِما الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى فِيما قَبْلُ: ما ﴿ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى  ﴾ .

ولَمّا كانَ البَقاءُ مُسْتَقْبَلًا بِاعْتِبارِ أواخِرِهِ وما بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، أُظْهِرَتْ هُنا كَلِمَةُ ( أنِ ) الَّتِي هي عَلَمٌ في الِاسْتِقْبالِ.

والإمامُ ذَهَبَ إلى أنَّ القِيامَ بِمَعْنى الوُقُوفِ، وعَدَمِ النُّزُولِ، ثُمَّ قالَ عَلى ما لَخَّصَهُ بَعْضُهُمْ: ذُكِرَتْ ( أنْ ) ها هُنا دُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ لِأنَّ القِيامَ لَمّا كانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ أُخْرِجَ الفِعْلُ - بِأنَّ - العِلْمَ في الِاسْتِقْبالِ، وجُعِلَ مَصْدَرًا لِيَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ، وإراءَةُ البَرْقِ لَمّا كانَتْ مِنَ الأُمُورِ المُتَجَدِّدَةِ جِيءَ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ ولَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ، اهـ، ﴿ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ (إذا) الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ نائِبَةٌ مَنابَ الفاءِ في الجَزاءِ لِاشْتِراكِهِما في التَّعْقِيبِ.

والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ( أنْ تَقُومَ ) عَلى تَأْوِيلِ مُفْرَدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِهِ، ثُمَّ خُرُوجُكم مِن قُبُورِكم بِسُرْعَةٍ إذا دَعاكُمْ، وصاحِبُ الكَشْفِ يَقُولُ: إنَّها أُقِيمَتْ مَقامَ المُفْرَدِ مِن حَيْثُ المَعْنى، وأمّا مِن حَيْثُ الصُّورَةُ فَهي جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ ﴾ وذَلِكَ عَلى أُسْلُوبِ ﴿ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا  ﴾ ، وفائِدَتُهُ ما سَمِعْتَهُ قَرِيبًا، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ الأفاضِلِ أنَّ العَطْفَ عَلَيْهِ ظاهِرٌ في عَدَمِ قَصْدِ عَدِّ ما ذُكِرَ آيَةً.

واخْتارَ أبُو السُّعُودِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ كَوْنَ العَطْفِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، وأنَّ المَذْكُورَ لَيْسَ مِنَ الآياتِ، قالَ: حَيْثُ كانَتْ آيَةُ قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ بِأمْرِهِ تَعالى مُتَأخِّرَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ المَعْدُودَةِ مُتَّصِلَةً بِالبَعْثِ في الوُجُودِ أُخِّرَتْ عَنْهُنَّ، وجُعِلَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ في الذِّكْرِ أيْضًا فَقِيلَ: ﴿ ثُمَّ إذا دَعاكُمْ ﴾ الآيَةَ، والكَلامُ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، ووُجُودُهُ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِ قِيامِهِما مُتَرَتِّبٌ عَلى تَعَدُّدِ آياتِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلَيْهِ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ في سِلْكِها كَما قِيلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّماءِ والأرْضِ عَلى هَيْئَتِهِما بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِقِيامِهِما، ثُمَّ إذا دَعاكم أيْ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ في الأرْضِ، وأنْتُمْ في قُبُورِكم دَعْوَةً واحِدَةً بِأنْ قالَ سُبْحانَهُ: أيُّها المَوْتى اخْرُجُوا فَجَأْتُمُ الخُرُوجَ مِنها، ولَعَلَّ ما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشْفِ أدَقُّ وأبْعَدُ مَغْزًى فَتَأمَّلْ، ( ومِنَ الأرْضِ ) مُتَعَلِّقٌ بِدَعا، ( ومِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَكْفِي في ذَلِكَ إذا كانَ الدّاعِي هو اللَّهُ تَعالى نَفْسُهُ، لا المَلَكُ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ كَوْنُ المَدْعُوِّ فِيها، يُقالُ دَعَوْتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي، فَطَلَعَ إلَيَّ لا بِدَعْوَةٍ فَإنَّهُ إذا جاءَ نَهَرُ اللَّهِ جَلَّ وعَلا بَطَلَ نَهَرُ مَعْقِلِ.

نَعَمْ جُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ صِفَةً لَها وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ ولا يَتَخَرَّجُونَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ( مِن ) عِنْدِي لِانْتِهاءِ الغايَةِ، وأثْبَتَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ عِنْدَ أصْحابِنا، وظَواهِرُ الأخْبارِ أنَّ المَوْتى يُدْعَوْنَ حَقِيقَةً لِلْخُرُوجِ مِنَ القُبُورِ، وقِيلَ: المُرادُ تَشْبِيهُ تَرَتُّبِ حُصُولِ الخُرُوجِ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ بِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ تَخْيِيلِيَّةٌ ومَكْنِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ المَوْتى بِقَوْمٍ يُرِيدُونَ الذَّهابَ إلى مَحَلِّ مَلِكٍ عَظِيمٍ مُتَهَيِّئِينَ لِذَلِكَ، وإثْباتُ الدَّعْوَةِ لَهم قَرِينَتُها أوْ هي تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ( دَعاكم ) إلى آخِرِها، وثُمَّ إمّا لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، أوْ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، والمُرادُ عِظَمُ ما في المَعْطُوفِ مِن إحْياءِ المَوْتى في نَفْسِهِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَلا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى الآتِيَ: ﴿ وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ وكَوْنُهُ أعْظَمَ مِن قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الإيجادِ والإنْشاءِ، وبِهِ اسْتِقْرارُ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ في الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ، وهو المَقْصُودُ مِن خَلْقِ الأرْضِ والسَّماواتِ، فانْدَفَعَ ما قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ مِن أنَّ مَرْتَبَةَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ هُنا هي العُلْيا، مَعَ أنَّ كَوْنَ المَعْطُوفِ في مِثْلِهِ أرْفَعَ دَرَجَةً أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ، كَما صَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ، فَلا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ لَوْ لَمْ يَكُنِ المَعْطُوفُ أرْفَعَ دَرَجَةً، ويَجُوزُ حَمْلُ التَّراخِي عَلى مُطْلَقِ البُعْدِ الشّامِلِ لِلزَّمانِيِّ والرُّتَبِيِّ.

وقَرَأ السَّبْعَةُ ما عَدا حَمْزَةَ والكِسائِيَّ «تُخْرَجُونَ» بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ، وهَذِهِ الآيَةُ ذُكِرَ أنَّها مِمّا تُقْرَأُ عَلى المُصابِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأزْهَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الجَرازِيِّ قالَ: يُقْرَأُ عَلى المُصابِ إذا أُخِذَ: ﴿ ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ وذَكَرَ الإمامُ وأبُو حَيّانَ في وجْهِ تَرْتِيبِ الآياتِ وتَذْيِيلِ كُلٍّ مِنهُما بِما ذُيِّلَ كَلامًا طَوِيلًا إنِ احْتَجْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَسُبْحانَ اللَّهِ يعني: صلوا لله حِينَ تُمْسُونَ يعني: صلاة المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ يعني: صلاة الفجر وعشياً.

يعني: صلاة العصر وحين تظهرون.

على معنى التقديم والتأخير أي: صلاة الظهر وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ يعني: يحمده أهل السموات، وأهل الأرض.

ويقال: له الألوهية في السموات والأرض، كقوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: 84] يقال: وَلَهُ الْحَمْدُ يعني: الحمد على أهل السموات وأهل الأرض، لأنهم في نعمته، فالحمد واجب علينا.

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يعني: الدجاجة من البيضة، والإنسان من النطفة، والمؤمن من الكافر.

وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يعني: البيضة من الدجاجة، والكافر من المؤمن.

وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يعني: ينبت النبات من الأرض بعد يبسها، وقحطها بالمطر.

وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ يعني: يحييكم بالمطر الذي يمطر من البحر المسجور كالمني فتحيون به.

وقال مقاتل: يرسل الله عز وجل يوم القيامة ماء الحيوان من السماء السابعة من البحر المسجور على الأرض، بين النفختين، فينتشر عظام الموتى فذلك قوله: وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ: قرأ حمزة والكسائي: تُخْرَجُونَ بفتح التاء.

والباقون برفع التاء.

يعني: تخرجون من قبوركم يوم القيامة.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ قال مقاتل: يعني ومن علامات الرب، أنه واحد وإن لم يروه، وعرفوا توحيده بصنعه، أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: خلق آدم من تراب وأنتم ولده ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ ذريته من بعده بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ يعني: تبسطون.

كقوله: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: 28] يعني: ويبسط.

ويقال: وَمِنْ آياتِهِ يعني: من العلامات التي تدل على أن الله عز وجل واحد لا مثل له، ظهور القدرة التي يعجز عنها المخلوقون أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: آدم  ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ منتشرون على وجه الأرض.

ثم قال عزّ وجلّ: وَمِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: من جنسكم أَزْواجاً لأنه لو كان من غير جنسه، لكان لا يستأنس بها.

ويقال: مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: خلقها من آدم.

ويقال: من بعضكم بعضاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها يعني: لتستقر قلوبكم عندها.

لأن الرجل إذا طاف البلدان، لا يستقر قلبه، فإذا رجع إلى أهله، اطمأن واستقر.

ويقال: لِتَسْكُنُوا إِلَيْها يعني: لتوافقوها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً يعني: الحب بين الزوج والمرأة، ولم يكن بينهما قرابة.

ويحب كل واحد منهما صاحبه، ويقال: وجعل منكم مودة للصغير على الكبير، ورحمة للكبير على الصغير.

ويقال: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً يعني: الولدان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: فيما ذكر لعلامات لوحدانيته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أني خالق.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وأنتم تعلمون ذلك، لأنهم مقرون أن الله عز وجل خالقهم، وهو خالق الأشياء وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أي: عربي، وعجمي، ونبطي، وَأَلْوانِكُمْ أي: أحمر، وأبيض، وأسود، وأسمر.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: لعلامات في خلق السموات والأرض، واختلاف الألسن، والألوان لعلامات.

لِلْعالِمِينَ فيعتبرون.

قرأ عاصم في روية حفص: لِلْعالِمِينَ بكسر اللام.

يعني: جميع العلماء، يعني: إن في ذلك علامة للعقلاء.

وقرأ الباقون: بنصب اللام يعني: علامة لجميع خلق الإنس والجن.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ منامكم نومكم، فهو مصدر.

يقال: نام نوماً، ومناماً بالليل والنهار، على معنى التقديم يعني: منامكم بالليل وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ بالنهار يعني: طلبكم الرزق بالنهار والمعيشة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: لعلامات على وحدانيتي لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ المواعظ ويعتبرون.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً من الصواعق إذا كنتم بأرض قفر، وَطَمَعاً للمطر.

خَوْفاً وَطَمَعاً منصوبان على المفعول له المعنى يريكم للخوف والطمع، خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم.

وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماء يعني: المطر فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ أي: بالنبات بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعلامات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عن الله عز وجل فيوحدونه.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ يعني: فوق رؤوسكم بغير عمد لا يناله شيء، وتقوم الأرض على الماء تحت أقدامكم وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ أي: بقدرته ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ يعني: إسرافيل-  - يدعوكم على صخرة بيت المقدس في الصور دعوة من الأرض إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وقال بعضهم: في الآية تقديم.

ومعناه: ثم إذا دعاكم دعوة من الارض يعني: من قبوركم فإذا أنتم تخرجون: قرأ حمزة والكسائي: تَخْرُجُونَ بنصب التاء وضم الراء.

وقرأ الباقون: بضم التاء ونصب الراء.

ثم قال عز وجل: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يعني: مقرّين بالعبودية.

يعلمون أن الله عز وجل ربهم.

ويقال: قانِتُونَ أي: خاضعون له، لا يقدرون أن يغيروا أنفسهم عما خلقهم.

ويقال: معناه في كل شيء دليل ربوبيّته.

وهذا أيضاً من آياته.

ولكنه لم يذكر لأنه قد سبق ذكره مرات، فكأنه يقول ومن آياته أن له من في السموات والأرض له قانتون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بمعنى الخضوعِ، والانقيادِ في طاعتهِ سبحانه.

وإعادة الخلق: هو بعثُهم من القبور.

وقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال ابن عباس وغيره: المعنى: وهو هين «١» عليه، وفي مصحف ابن مسعود «٢» «وهو هين عليه» ، وفي بعض المصاحف «وكل هين عليه» .

وقال ابن عباس أيضاً وغيره: المعنى: وهو أيسر «٣» عليه، قال: ولكن هذا التفضيل إنَّما هو بحسْب معتقدِ البَشَرِ وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعَادَةِ في كثير من الأشياء أهون علينا من البدأة.

ولما جاء بلفظٍ فيه استعارة، وتشبيه «٤» بما يعهده الناس من أنفسهم خَلُصَ جانبُ العظمة بأن جعل له المثلَ الأعْلَى الذي لا يلحقه تكييف ولا تماثل مع شيء.

ثم بين تعالى أمر الأصنام وفسادَ معتقدِ مَن يُشْرِكُها بالله- بضربه هذا المثلَ- وهو قوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...

الآية، ومعناه:

أَنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيدٌ تَمْلِكُونَهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومُهِمِّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواءَ المنزلة.

وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم، أو يقاسموكم إياها في حياتكم، كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم، فكيف تقولون: أن من عبيده وملكه شركاءُ في سلطانِه وألوهيته هذا تفسير ابن عباس «٥» والجماعة.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)

وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً....

الآية، إقامة الوجه: هي تقويم المقصد والقوةِ على الجِدِّ في أعمال الدين.

وخص الوجه لأنه جامع حواس الإنسان ولشرفه.

وفِطْرَتَ اللَّهِ نَصْبٌ على المصدر.

وقيل: بفعل مضمر تقديره: اتبع أو التزم فطرة الله، واختُلِفَ في الفطرة هاهنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظةِ أَنها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ التي في نفسِ الطفلِ التي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّئَةٌ لأَنْ يَمِيزَ بها مصنوعات الله، ويستدلَّ بها على ربِّهِ، ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وَجْهَك للدِّينِ الذي هو الحنيفُ، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فُطِرَ البشرِ لكن تعرضهم العوارض ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ...

» الحديث «١» -، ثم يقول

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ ﴾ أيْ: مِن دَلائِلِ قُدْرَتِهِ ﴿ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ، لِأنَّهُ أصْلُ البَشَرِ ﴿ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ ﴾ مِن لَحْمٍ ودَمٍ، يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ ﴿ تَنْتَشِرُونَ ﴾ أيْ: تَنْبَسِطُونَ في الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ، خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: جَعَلَ لَكم آدَمِيّاتٍ مِثْلَكُمْ، ولَمْ يَجْعَلْهُنَّ مِن غَيْرِ جِنْسِكُمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَسْكُنُوا إلَيْها ﴾ أيْ: لِتَأْوُوا إلى الأزْواجِ ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً ﴾ وذَلِكَ أنَّ الزَّوْجَيْنِ يَتَوادّانِ ويَتَراحَمانِ مِن غَيْرِ رَحِمٍ بَيْنَهُما ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذَكَرَهُ مِن صُنْعِهِ ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ ﴾ يَعْنِي اللُّغاتِ مِنَ العَرَبِيَّةِ والعَجَمِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ وَألْوانِكُمْ ﴾ لِأنَّ الخَلْقَ بَيْنَ أسْوَدَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، وهم ولَدُ رَجُلٍ واحِدٍ وامْرَأةٍ واحِدَةٍ.

وقِيلَ: المُرادُ بِاخْتِلافِ الألْسِنَةِ: اخْتِلافُ النَّغْماتِ والأصْواتِ، حَتّى إنَّهُ لا يَشْتَبِهُ صَوْتُ أخَوَيْنِ مِن أبٍ وأُمٍّ والمُرادُ بِاخْتِلافِ الألْوانِ: اخْتِلافُ الصُّورِ، فَلا تَشْتَبِهُ صُورَتانِ مَعَ التَّشاكُلِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، [والكِسائِيُّ]، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالَمِينَ " بِفَتْحِ اللّامِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالِمِينَ " بِكَسْرِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ: نَوْمُكم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَنامُ مِن مَصادِرِ النَّوْمِ، بِمَنزِلَةِ قامَ يَقُومُ قِيامًا ومَقامًا، وقالَ يَقُولُ مَقالًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: مَنامُكم بِاللَّيْلِ ﴿ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ ﴾ وهو طَلَبُ الرِّزْقِ بِالنَّهارِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سَماعَ اعْتِبارٍ [وَتَذَكُّرٍ] وتَدَبُّرٍ.

﴿ وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: إنَّما حَذَفَ " أنْ " لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأنْشَدُوا: [وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَتارَةً أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وَمَعْناهُ: فَتارَةً أمُوتُ فِيها]، وقالَ طَرَفَةُ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغْى ∗∗∗ [وَأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي] أرادَ: أنْ أحْضُرَ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الخَوْفِ والطَّمَعِ في رُؤْيَةِ البَرْقِ في سُورَةِ (الرَّعْدِ: ١٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ ﴾ أيْ: تَدُوما قائِمَتَيْنِ ﴿ بِأمْرِهِ ﴾ ﴿ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً ﴾ وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الأخِيرَةُ في الصُّورِ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ مِنها.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ١١٦، العَنْكَبُوتِ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ البِدايَةِ، وكُلٌّ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّ ﴿ أهْوَنُ ﴾ بِمَعْنى " هَيِّنٍ "، فالمَعْنى: وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ، وقَدْ يُوضَعُ " أفْعَلُ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهم في الأذانِ اللَّهُ أكْبَرُ، أيِ: اللَّهُ كَبِيرٌ قالَ الفَرَزْدَقُ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى ∗∗∗ لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ وَقالَ مَعْنُ بْنُ أوْسٍ المُزَنِيُّ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ ∗∗∗ عَلى أيِّنا تَغْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ أيْ: وإنِّي لَوَجِلٌ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْبَحْتُ أمْنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّنِي ∗∗∗ قَسَمًا إلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأمْيَلُ وَأنْشَدُوا أيْضًا: تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ أيْ: بِواحِدٍ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

و[قَدْ] قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ " .

والثّالِثُ: أنَّهُ خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُمُ البَعْثُ أسْهَلَ مِنَ الِابْتِداءِ في تَقْدِيرُهم وحُكْمِهِمْ، فَمَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ كانَ البَعْثُ أهْوَنَ عَلَيْهِ، هَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، والمُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ الهاءُ في " عَلَيْهِ " عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى.

والرّابِعُ أنَّ الهاءَ تَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ خَلَقَهُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو اخْتِيارُ قُطْرُبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: لَهُ الصِّفَةُ العُلْيا ﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وهي أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُلَبُّونَ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

ومَعْنى الآيَةِ: بَيَّنَ لَكم أيُّها المُشْرِكُونَ شَبَهًا، وذَلِكَ الشَّبَهُ ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿ هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ أيْ: مِن عَبِيدِكم ﴿ مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ ﴾ مِنَ المالِ والأهْلِ والعَبِيدِ، أيْ: هَلْ يُشارِكُكم عَبِيدُكم في أمْوالِكم ﴿ فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ﴾ أيْ: أنْتُمْ وَشُرَكاؤُكم مِن عَبِيدِكم سَواءٌ ﴿ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: كَما تَخافُونَ أمْثالَكم مِنَ الأحْرارِ، وأقْرِباءَكم كالآباءِ والأبْناءِ؟

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَخافُونَهم أنْ يَرِثُوكم كَما يَرِثُ بَعْضُكم بَعْضًا؟

وقالَ غَيْرُهُ: تَخافُونَهم أنْ يُقاسِمُوكم أمْوالَكم كَما يَفْعَلُ الشُّرَكاءُ؟

والمَعْنى: هَلْ يَرْضى أحَدُكم أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ في مالِهِ وأهْلِهِ حَتّى يُساوِيَهُ في التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، فَهو يَخافُ أنْ يَنْفَرِدَ في مالِهِ بِأمْرٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما يَخافُ غَيْرَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ الأحْرارِ؟!

فَإذا لَمْ تَرْضَوْا ذَلِكَ لِأنْفُسِكُمْ، فَلِمَ عَدَلْتُمْ بِي مِن خَلْقِي مَن هو مَمْلُوكٌ لِي؟!

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما بَيَّنّا هَذا المَثَلَ ﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ عَنِ اللَّهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما اتَّبَعُوا الهَوى في إشْراكِهِمْ، فَقالَ: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴿ أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أشْرَكُوا بِإضْلالِ اللَّهِ إيّاهم ﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ أيْ: مانِعِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَيْلِ والنَهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ ذَكَرَ تَعالى النَوْمَ بِاللَيْلِ والنَهارِ وعُرْفُ النُوَّمِ إنَّما هو بِاللَيْلِ وحْدَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الِابْتِغاءَ مِن فَضْلِهِ كَأنَّهُ فِيهِما، وإنَّما مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ عَمَّ بِاللَيْلِ والنَهارِ فَسَمّى الزَمانَ، وقَصَدَ مِن ذَلِكَ تَعْدِيدَ آيَةِ النَوْمِ وتَعْدِيدَ آيَةِ ابْتِغاءِ الفَضْلِ، فَإنَّهُما آيَتانِ ونِعْمَتانِ يَكُونانِ في لَيْلٍ ونَهارٍ، والعُرْفُ "تَحَيُّزُ" كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ النِعْمَتَيْنِ أيْ مَحَلَّها مِنَ الأغْلَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

وإنَّما أرادَ أنْ يُرَتِّبَ النَوْمَ لِلَّيْلِ، والِابْتِغاءَ لِلنَّهارِ، ولَفْظُ الآيَةِ لا يُعْطِي ما أرادَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُرِيكُمُ" ﴾ فِعْلٌ مُرْتَفِعٌ لَمّا حُذِفَتْ "أنْ" الَّتِي لَوْ كانَتْ لَنَصَبَتْهُ، فَلَمّا حَلَّ الفِعْلُ مَحَلَّ الِاسْمِ أُعْرِبَ بِالرَفْعِ، ومَثَلُهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: ألا أيُّهَذا الزاجِرِي أحْضُرَ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي؟

قالَ الرُمّانِيُّ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "وَمِن آياتِهِ آيَةُ يُرِيكُمُ البَرْقَ"، وحُذِفَتِ "الآيَةُ" لِدَلالَةِ "مِن" عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما الدَهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ التَقْدِيرُ: فَمِنها تارَةٌ أمُوتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ كَسائِرِ هَذِهِ الآياتِ، ويَحْتَمِلُ في هَذِهِ وحْدَها أنْ تَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ فَلا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ "آيَةٌ"، وإنَّما يَكُونُ الفِعْلُ مُخْلَصًا لِلِاسْتِقْبالِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ لِهَذا التَخْصِيصِ ونَحْوِهِ، بَلْ فِيهِ الخَوْفُ والطَمَعُ لِكُلِّ بَشَرٍ، قالَ الضَحّاكُ: الخَوْفُ مِن صَواعِقِهِ، والطَمَعُ في مَطَرِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَقُومَ السَماءُ والأرْضُ ﴾ مَعْناهُ: تَثْبُتُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا  ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ، وقِيلَ: هو فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، أحَلَّهُ مَحَلَّ الماضِي لِيُعْطِيَ فِيهِ مَعْنى الدَوامِ الَّذِي هو في المُسْتَقْبَلِ، و"الدَعْوَةُ مِنَ الأرْضِ" هي البَعْثُ يَوْمَ القِيامَةِ، و"مِنَ الأرْضِ" حالٌ لِلْمُخاطَبِينَ، كَأنَّهُ قالَ: خارِجِينَ مِنَ الأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مِنَ الأرْضِ" صِفَةٌ لِلدَّعْوَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"مِن" عِنْدِي هاهُنا لِانْتِهاءِ الغايَةِ، كَما تَقُولُ: "دَعْوَتُكَ مِنَ الجَبَلِ"، إذا كانَ المَدْعُوُّ في الجَبَلِ، والوَقْفُ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ نافِعٍ ويَعْقُوبَ الحَضْرَمِيِّ عَلى "دَعْوَةً"، والمَعْنى: بَعْدَ إذا أنْتُمْ تُخْرَجُونَ مِنَ الأرْضِ، وهَذا عَلى أنَّ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، قالَ مَكِّيٌّ: والأحْسَنُ عِنْدَ أهْلِ النَظَرِ أنَّ الوَقْفَ في آخِرِ الآيَةِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في "إذا" الثانِيَةِ أنَّها جَوابُ الأُولى، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ إذا دَعاكم خَرَجْتُمْ، وهَذا أسُدُّ الأقْوالِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَخْرُجُونَ" بِفَتْحِ التاءِ، وقَرَأ الباقُونَ "تُخْرَجُونَ" بِضَمِّ التاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ختمت الآيات بهذه الآية السادسة وهي التي دلت على عظيم القدرة على حفظ نظام المخلوقات العظيمة بعد خلقها؛ فخلقُ السماوات والأرض آيةٌ مستقلة تقدمت، وبقاء نظامهما على ممر القرون آية أخرى.

وموقع العبرة من هاته الآية هو أولها وهو أن تقوم السماء والأرض هذا القيام المتقن بأمر الله دون غيره.

فمعنى القيام هنا: البقاء الكامل الذي يشبه بقاء القائم غير المضطجع وغير القاعد من قولهم: قامت السوق، إذا عظم فيها البيع والشراء.

وهذا هو المعبر عنه في قوله تعالى ﴿ إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ﴾ [فاطر: 41] وقوله ﴿ ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ﴾ [الحج: 65].

والأمر المضاف إلى الله هو أمره التكويني وهو مجموع ما وضعه الله من نظام العالم العلوي والسفلي، ذلك النظامَ الحارس لهما من تطرق الاختلال بإيجاد ذلك النظام.

و ﴿ بأمره ﴾ متعلق بفعل ﴿ تقوم، ﴾ والباء للسببية.

و ﴿ ثم ﴾ عاطفة الجملة على الجملة.

والمقصود من الجملة المعطوفة الاحتراس عما قد يتوهم من قوله ﴿ أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ من أبدية وجود السماوات والأرض، فأفادت الجملة أن هذا النظام الأرضي يعتوره الاختلال إذا أراد الله انقضاء العالم الأرضي وإحضار الخلق إلى الحشر تسجيلاً على المشركين بإثبات البعث.

فمضمون جملة ﴿ إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ ليس من تمام هذه الآية السادسة ولكنه تكملة وإدماج موجه إلى منكري البعث.

وفي متعلق المجرور في قوله ﴿ مِنَ الأرْض ﴾ اضطراب؛ فالذي ذهب إليه صاحب «الكشاف» أنه متعلق ب ﴿ دعاكم ﴾ لأن ﴿ دعاكم ﴾ لما اشتمل على فاعل ومفعول فالمتعلق بالفعل يجوز أن يكون من شؤون الفاعل ويجوز أن يكون من شؤون المفعول على حسب القرينة، كما تقول: دعوت فلاناً من أعلى الجبل فنزل إليّ، أي دعوته وهو في أعلى الجبل.

وهذا الاستعمال خلاف الغالب ولكن دلت عليه القرينة مع التفصي من أن يكون المجرور متعلقاً ب ﴿ تخرجون ﴾ لأن ما بعد حرف المفاجأة لا يعمل فيما قبلها، على أن في هذا المنع نظراً.

ولا يجوز تعليقه ب ﴿ دعوة ﴾ لعدم اشتمال المصدر على فاعل ومفعول، وهو وجيه وكفاك بذوق قائله.

وأقول: قريب منه قوله تعالى ﴿ أولئك يُنادَوْن من مكان بعيد ﴾ [فصلت: 44].

و ﴿ مِن ﴾ لابتداء المكان، والمجرور ظرف لغو.

ويجوز أن يكون المجرور حالاً من ضمير النصب في ﴿ دَعَاكم ﴾ فهو ظرف مستقر.

ويجوز أن يكون ﴿ من الأرض ﴾ متعلقاً ب ﴿ تخرجون ﴾ قدم عليه.

وهذا ذكر في «مغني اللبيب» أنه حكاه عنهم أبو حاتم في كتاب «الوقف»، وهذا أحسن وأبعد عن التكلف، وعليه فتقديم المجرور للاهتمام تعريضاً بخطئهم إذ أحالوا أن يكون لهم خروج من الأرض عن بعد صيرورتهم فيها في قولهم المحكي عنهم بقوله تعالى ﴿ وقالوا أإذا ضَلَلْنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد ﴾ [السجدة: 10] وقولهم ﴿ أإذا كنّا تُراباً وءاباؤنا أئنّا لمخرجون ﴾ [النمل: 67].

وأما قضية تقديم المعمول على ﴿ إذا ﴾ الفجائية فإذا سلم عدم جوازه فإن التوسع في المجرور والمظروف من حديث البحر، فمن العجب كيف سدّ باب التوسع فيه صاحب «مغني اللبيب» في الجهة الثانية من الباب الخامس.

وجيء بحرف المفاجأة في قوله ﴿ إذا أنتم تخرجون ﴾ لإفادة سرعة خروجهم إلى الحشر كقوله ﴿ فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ﴾ [النازعات: 13، 14] و ﴿ إذا ﴾ الفجائية تقتضي أن يكون ما بعدها مبتدأ.

وجيء بخبر المبتدأ جملة فعلية لإفادة التقوّي الحاصل من تحمل الفعل ضمير المبتدأ فكأنه أعيد ذكره كما أشار إليه صاحب «المفتاح».

وجيء بالمضارع لاستحضار الصورة العجيبة في ذلك الخروج كقوله ﴿ فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ﴾ [يس: 51].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: خَوْفًا مِنَ البَرْدِ أنْ يُهْلِكَ الزَّرْعَ وطَمَعًا في المَطَرِ أنْ يُحْيِيَ الزَّرْعَ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الرّابِعُ: خَوْفًا أنْ يَكُونَ البَرْقُ بَرْقًا خُلَّبًا لا يُمْطِرُ وطَمَعًا أنْ يَكُونَ مُمْطِرًا، ذَكَرَهُ ابْنُ بَحْرٍ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشّاعِرِ لا يَكُنْ بَرْقُكَ بَرْقًا خُلَّبًا إنَّ خَيْرَ البَرْقِ ما الغَيْثُ مَعَهُ والعَرَبُ يَقُولُونَ: إذا تَوالَتْ أرْبَعُونَ بَرْقَةً مَطَرَتْ وقَدْ أشارَ المُتَنَبِّيُّ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَقَدْ أرِدُ المِياهَ بِغَيْرِ زادٍ ∗∗∗ سِوى عَدِّي لَها بَرْقَ الغَمامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ.

الثّانِي: أنْ تَثْبُتَ.

﴿ بِأمْرِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِتَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ.

الثّانِي: بِإذْنِهِ لَها أنْ تَقُومَ بِغَيْرِ عَمَدٍ.

﴿ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ ﴾ أيْ وأنْتُمْ مَوْتى في قُبُورِكم.

﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ أيْ مِن قُبُورِكم مَبْعُوثِينَ إلى القِيامَةِ.

قالَ قَتادَةُ: دَعاهم مِنَ السَّماءِ فَخَرَجُوا مِنَ الأرْضِ.

ثُمَّ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخْرَجَهم بِما هو بِمَنزِلَةِ الدُّعاءِ وبِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ كُنْ فَيَكُونُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهم أخْرَجَهم بِدُعاءٍ دَعاهم بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أخْرَجَهم بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وجَعَلَها دُعاءً لَهم.

وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن آياته ﴾ قال: كل شيء في القرآن آيات.

بذلك تعرفون الله.

إنكم لن تروه فتعرفونه على رؤية، ولكن تعرفونه بآياته وخلقه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن آياته أن خلقكم من تراب ﴾ قال: خلق آدم من تراب ﴿ ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ﴾ يعني ذريته ﴿ ومن آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ قال: حواء.

خلقها الله من ضلع من أضلاع آدم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ قال: الجماع ﴿ ورحمة ﴾ قال: الولد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ قال: قامتا بأمره ﴿ بغير عمد ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ قال: دعاهم من السماء فخرجوا من الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذا أنتم تخرجون ﴾ قال: من قبوركم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأزهر بن عبد الله الجزاري قال: يقرأ على المصاب إذا أخذ ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل له قانتون ﴾ يقول: مطيعون يعني الحياة والنشور والموت.

وهم عاصون له فيما سوى ذلك من العبادة.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾ قال ابن مسعود: قامتا على غير عمد بأمره (١) وقال الفراء: يقول: تدوما قائمتين بأمره بغير عَمَدٍ (٢) قال ابن عباس: يريد: بقوته وقدرته.

قوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال الكلبي: يعني النفخة الأخيرة (٣) (٤) وقوله: ﴿ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ معناه التأخير وإن قدم؛ لأن التقدير: إذا أنتم تخرجون من الأرض.

كذا قال مقاتل وأكثر العلماء (٥) قال أبو إسحاق: أي إذا دعاكم للبعث حييتم بعد الموت (٦) ﴿ دَعْوَةً ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ ليس من صلة الدعوة، وهو من صلة ﴿ تَخْرُجُونَ ﴾ وهو مذهب نافع؛ قال يعقوب: هذا من الوقف الذي يحق على العالم علمه.

وخالفه أبو حاتم؛ وقال: أظن الوقف: ﴿ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ ﴾ أي: وأنتم في الأرض، كما تقول: دعاكم من القبور، ودعوت فلانًا من بيته، أي: هو في بيته (٧) وقال النحاس: ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً ﴾ ليس بوقف؛ لأنه لم يأت بجواب ﴿ إِذَا ﴾ وجواب ﴿ إِذَا ﴾ على قول الخليل وسيبويه: ﴿ أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ أي: خرجتم.

وكذا قال سيبويه: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ  ﴾ تقديره عنده: قنطوا (٨) (١) ذكره عن ابن مسعود: مقاتل 78 أ.

وأخرجه ابن جرير 21/ 34، عن قتادة.

(٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 323.

وهو قول الزجاج 4/ 182.

(٣) "تنوير المقباس" ص 340.

(٤) "تفسير مقاتل" 78 أ.

== وقد ورد في الصور أحاديث كثيرة، بعضها في الصحيح، وبعضها في غيره، فمن ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -  ما- قال: قال رسول الله -  -: "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله ريحًا باردة من قِبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه" قال سمعتها من رسول الله -  -.

قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون فيقولون فما تأمرنا فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارٌّ رزقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا قال وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال فيصعق ويصعق الناس".

أخرجه مسلم 4/ 2258، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، رقم (2940).

اللَّيت: صفحة العنق، وهما ليتان، وأصغى: أمال.

"النهاية في غريب الحديث" 4/ 284.

وأما الأحاديث الضعيفة فكثيرة؛ منها حديث الصور الطويل الذي أخرجه الطبراني، في كتابه: "الأحاديث الطوال" ص: 36، المطبوع مع "المعجم الكبير" للطبراني 25/ 266، وقد ساقه بطوله ابن كثير في "تفسيره" 2/ 146، عند قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ  ﴾ ثم قال: "هذا حديث مشهور، وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة".

أما ما ذكره الواحدي عن مقاتل في تحديد المكان؛ من صخرة بيت المقدس، فلم أجده بهذا اللفظ في الأحاديث، وهذا التحديد يحتاج إلى دليل.

والله أعلم.

(٥) "تفسير مقاتل" 78 ب.

وتفسير ابن جرير 21/ 34، وأخرجه عن الضحاك.

"تفسير الثعلبي" 8/ 168 أ، ونسبه لأكثر العلماء، ولم يسمهم.

وذكره النحاس عن أبي حاتم، "القطع والائتناف" 2/ 532.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 182، وليس فيه كلمة: حييتم.

(٧) "القطع والائتناف" 2/ 532.

(٨) "القطع والائتناف" 2/ 532.

وقد سئل سيبويه الخليلَ عن هذه الآية، "الكتاب" 3/ 63، وذكره المبرد في "المقتضب" 2/ 58.

وإنما قدمت كتاب النحاس لنقل الواحدي عنه مذهب الخليل وسيبويه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَن تَقُومَ السمآء والأرض ﴾ معناه تثبت أو يقوم تدبيرها ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ إذا الأولى شرطية، والثانية فجائية وهي جواب الأولى، والدعوة في هذه الآية قوله للموتى: قوموا بالنفخة الثانية في الصور، ومن الأرض يتعلق بقوله مخرجون أو بقوله دعاكم، على أن تكون الغاية بالنظر إلى المدعوّ كقولك: دعوتك من الجبل إذا كان المدعو في الجبل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالرفع.

﴿ السوأى ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿ يرجعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿ تخرجون ﴾ بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: مجهولاً ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس.

الآخرون: بالنون.

الوقوف: ﴿ ألم ﴾ كوفي ﴿ غلبت ﴾ ﴿ الروم ﴾ ه ﴿ سيغلبون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ ومن بعد ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ ينصر الله ﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿ بنصر الله ﴾ يتعلق بـ ﴿ يفرح ﴾ ﴿ ينصر من يشاء ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ وعد الله ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ في أنفسهم ﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لكافرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه والوصل جائز ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ يتفرقون ﴾ ه ﴿ يجبرون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تصبحون ﴾ ه ﴿ تظهرون ﴾ ه ﴿ بعد موتها ﴾ ط ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تنتشرون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ وألوانكم ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ دعوة ﴾ لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف.

والحق أن قوله ﴿ من الأرض ﴾ متعلق بـ ﴿ دعاكم ﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قانتون ﴾ ه ﴿ أهون عليه ﴾ ج ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من أنفسكم ﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أضل الله ﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ حنيفا ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ لخلق الله ﴾ ط ﴿ القيم ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ لا يعلمون ﴾ ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن ﴿ منيبين ﴾ حال من ضمير ﴿ أقم ﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ لأن قوله ﴿ من الذين ﴾ كالبدل مما قبله ﴿ شيعاً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه.

التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه  كان يقول للمشركين ماأمر الله به ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون  ﴾ وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله ﴿ وإلهنا وإلهكم واحد  ﴾ فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور.

فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم.

وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله ﴿ أدنى الأرض ﴾ لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم.

وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم.

وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.

عن ابن عباس: الأردن وفلسطين.

ففرح المشركون بذلك فأنزل الله  هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل.

وقوله ﴿ في أدنى الأرض ﴾ إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم.

ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين.

فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين.

فأخبر أبو بكر رسول الله  فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.

فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله  فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية.

وذلك عند رأس سبع سنين.

فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله  فأمره أن يتصدق به.

قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ ويومئذ ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة.

وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم.

وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.

ومن علق قوله ﴿ بنصر الله ﴾ بقوله ﴿ ينصر ﴾ بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على ﴿ المؤمنون ﴾ ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه.

أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه.

﴿ وعد الله ﴾ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين.

وفي إبدال قوله ﴿ يعلمون ﴾ من قوله ﴿ لا يعلمون ﴾ أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ﴿ ظاهراً ﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها.

هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وقوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس.

وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور.

وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله  فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه  ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر.

وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل.

ثم قال ﴿ وإن كثيراً من الناس ﴾ وقد قال قبل ذلك ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير.

قال في الكشاف والمراد ﴿ بلقاء ربهم ﴾ الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله  ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض  ﴾ أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق.

وإنما أخر الأنفس في قوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة.

وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة.

وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم.

وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية.

ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" ﴿ أولم يسيروا ﴾ بالواو وفي غيرهن ﴿ أفلم ﴾ بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وما بعدها ﴿ وأثاروا ﴾ بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها.

وكذا في "فاطر" ما قبله ﴿ ولن تجد لسنتنا تحويلاً  ﴾ وما بعده ﴿ وما كان  ﴾ وفي "المؤمن" ما قبله ﴿ والذين يدعون ﴾ وأما في آخر "المؤمن" فما قبله ﴿ فأي آيات الله ﴾ وما بعده ﴿ فما أغنى عنهم  ﴾ وكلاهما بالفاء.

قوله في هذه السورة ﴿ من قبلهم ﴾ متصل بكون آخر مضمر.

وقوله ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.

وإنما قال في "فاطر" ﴿ وكانوا ﴾ بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه  ﴾ وقال في "المؤمن" ﴿ كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ﴾ فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم.

﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام.

قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم ﴿ والسوأى ﴾ تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب.

و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر.

والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار.

و ﴿ أن كذبوا ﴾ المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول ﴿ اساؤا ﴾ و ﴿ أن كذبوا ﴾ عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام.

ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه.

قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله ﴿ أن كذبوا ﴾ ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه.

وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال ﴿ الله يبدأ ﴾ يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة.

ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار.

ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ﴿ ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يجحدونها وقتئذ بقوله ﴿ سيكفرون بعبادتهم  ﴾ أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.

ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء.

وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة.

حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر.

وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع.

عن النبي  "إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة" قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟

قال: بالتسبيح.

وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا.

وأما معنى ﴿ محضرون ﴾ لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين  ﴾ وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وكقوله ﴿ إنما التوبة على الله  ﴾ إلى قوله ﴿ تبت الآن  ﴾ قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ﴿ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وفي الانتهاء بقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين.

والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة.

وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ ويصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشياً ﴾ صلاة العصر و ﴿ يظهرون ﴾ صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله  "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل" ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ﴿ ومن آياته منامكم بالليل  ﴾ كما يجيء.

روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.

وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة.

قوله ﴿ وعشياً ﴾ معطوف على ﴿ حين ﴾ وما بينهما وهو قوله ﴿ وله الحمد في السموات والأرض ﴾ اعتراض.

قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم.

وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى ﴿ ويخرج الحي من الميت ﴾ قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها.

عن رسول الله  "من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج ﴿ من تراب ﴾ وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله ﴿ خلق من الماء بشراً  ﴾ لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و ﴿ ثم ﴾ لتبعيد الرتبة و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً.

قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله  يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى.

وقوله ﴿ بشراً ﴾ إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات.

وقوله ﴿ تنتشرون ﴾ إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً.

والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ وإما بمعنى البث والتفريق كقوله ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء  ﴾ .

وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال ﴿ ومن آياته أن خلق لكم ﴾ ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن.

و ﴿ من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ فإن الجنس إلى الجنس أسكن ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ عن الحسن هي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ هي الولد.

وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر.

قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان ﴿ إن في ذلك ﴾ الخلق والجعل ﴿ لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله  .

ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية.

وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام.

ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله ﴿ وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً  ﴾ وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام.

وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل.

وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه.

ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال ﴿ ومن آياته يريكم ﴾ فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا.

وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله ﴿ إن الله يمسك  ﴾ إلى قوله ﴿ من بعده  ﴾ واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك.

ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله ﴿ كن فيكون  ﴾ موافق للإرادة بالتفاق.

قال جار الله: قوله ﴿ إذا دعاكم ﴾ بمنزلة قوله ﴿ يريكم ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً.

أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض.

نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز.

ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء.

واعلم أنه  ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض.

ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض.

والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر.

وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض.

وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال ﴿ لآيات للعالمين ﴾ ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر.

ومن قرأ ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى ﴿ يسمعون ﴾ ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر.

وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه.

وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ﴾ يعني أن يعيده ﴿ أهون عليه ﴾ أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده.

وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم ﴿ وهو علي هين  ﴾ لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق.

وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه.

ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه.

كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ مجرى المثل فيما يصعب ويسهل.

وفسر به قوله ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة.

وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً.

ومعنى ﴿ من انفسكم ﴾ أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.

والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك ﴿ فأنتم ﴾ يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق ﴿ سواء ﴾ من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد ﴿ تخافونهم ﴾ أن تستبدوا بتصرف دونهم ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار.

والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟

وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم.

وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي ﴿ نفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول.

ثم شوه صورة الشرك بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ أي اشركوا ﴿ أهواءهم بغير علم ﴾ فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله ﴿ فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين ﴾ والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً.

ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموها أو عليكم بها.

قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله ﴿ منيبين ﴾ وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك.

وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر.

وقوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ.

وقيل: هو تسلية للنبي  حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد.

وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق.

وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً.

ومعنى ﴿ فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار.

ومعنى ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون ﴿ من الذين ﴾ منقطعاً عما قبله ﴿ وكل حزب ﴾ مبتدأ و ﴿ فرحون ﴾ صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم.

التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً  ﴾ إلا أن يكون هناك مخصص.

ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿ في بضع سنين ﴾ من أيام الطلب ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وهم الروح والسر والعقل.

﴿ أولم يتفكروا ﴾ ﴿ في ﴾ استعداد ﴿ أنفسهم ما خلق الله السموات ﴾ الروحانية ﴿ والأرض ﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية.

والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿ أولم يسيروا ﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿ والذين من قبلهم ﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع.

والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿ الله يبدؤا الخلق ﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ ثم يعيده ﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ الإرادة ﴿ يبلس المجرمون ﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله.

ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿ فسبحان الله ﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، و  في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين.

يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة.

فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿ واختلاف ألوانكم ﴾ وهي الطبائع المختلفة.

منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ في ليل البشرية ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية ﴿ لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع.

فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها.

أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ ثم إذا دعاكم ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ إذ أنتم ﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿ تخرجون ﴾ من أنانيته وجودكم ﴿ وهو أهون عليه ﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق.

ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب.

﴿ ضرب لكم ﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ فيما رزقناكم ﴾ من العلوم والكشوف ﴿ تخافونهم ﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك.

فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ فهمت الأمة من قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ : الصلاة؛ أي: صلوا لله، ولو كانت أفهام أهل زماننا هذا لكانوا لا يفهمون سوى التسبيح المذكور.

ثم يحتمل تسميتهم التسبيح: صلاة، وفهمهم منه ذلك لوجهين: أحدهما: لما في الصلاة تسبيح، فسموها بذلك؛ لما فيها ذلك.

أو لما أن التسبيح تنزيه، والصلاة من أولها إلى آخرها تنزيه الربّ؛ لأن فيها إظهار الحاجات إليه والعجز والضعف، وفيها تعظيم الربّ وإجلاله، ووصفه بالجلال والرفعة، ففهموا من التسبيح الصلاة؛ لما ذكرنا؛ لما هي تنزيه للرب من أولها إلى آخرها.

ثم منهم من قال: إن الصلوات الخمس ذكرت في هذه الآية بقوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ : صلوات المغرب والعشاء الآخرة ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ صلاة الفجر ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ صلاة العصر ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ صلاة الظهر.

ومنهم من يقول: لا؛ بل ذكرت فيها أربع صلوات: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ : المغرب ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ : الفجر ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ : العصر ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ : الظهر، وأمّا العشاء الآخرة ففي قوله: ﴿ وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ﴾ على التقديم والتأخير يقول: سبحان الله وله الحمد؛ فيكون الحمد كناية عن الصلاة كالتسبيح.

أو لما فيها من التحميد.

أو يقول له يحمد أهل السماوات والأرض، والله أعلم.

وقوله: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ ﴿ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ أي: إذا دخلوا في المساء والعشاء والصبح والظهر.

وقوله: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ يخبر عن قدرته في إنشاء الأشياء مبتدئاً، لا من أصل؛ لأنه قال: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ ﴾ والميت ليس فيه الحياة، وكذلك الميت من الحي، وليس في الحي موت، ولكنه يخرج هذا من هذا على ابتداء الحياة فيه، وابتداء الموت فيه من غير أن كان فيه ما ذكر.

ثم اختلف فيه أهل التأويل: قال بعضهم: يخرج الناس والدواب والطير من النطف، ﴿ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ ﴾ يعني: النطف ﴿ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ من الناس والدواب والطير.

وقال بعضهم: ﴿ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ ﴾ أي: المسلم من الكافر ﴿ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ ﴾ أي: الكافر من المسلم.

ولكن يجيء على هذا أن يقول: يخرج من المسلم ما يكون كافراً، ومن الكافر ما يصير مسلماً؛ لأن ما يخرج لا يوصف بالإسلام، ولا بالكفر، ولا ينسب إلى واحد منهما وقت الخروج حتى يبلغ فيكون منه فعل الكفر أو فعل الإسلام، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وفي الآيات التي تقدم ذكرها؛ من نحو قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [الروم: 8]، وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الروم: 9]، وأمثال ذلك مما يذكر ويخبر أولئك الكفرة عن قدرته وسلطانه، وألزمهم ذلك.

وفي الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنهم لا يملكون القدرة على فعل بعوضة، فلا يكون لهم الاحتجاج على أولئك الكفرة في القدرة على الإعادة والإنشاء بعد ما صاروا رماداً، أو كلام نحو هذا.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ أي: كذلك تبعثون وتحيون، كما أخرج الحيّ من الميت والميت من الحيّ، من غير أن كانت الحياة في الميت والموت في الحي، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ يحتمل: آيات وحدانيته وربوبيته وحججه، وآيات بعثه وإحيائه، وآيات رسالة الرسل، ونحوه.

وقوله: ﴿ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: نسب خلقنا إلى التراب؛ لأنا إنما خلقنا من أصل، خلق ذلك الأصل من التراب، وهو آدم، وإن لم تكن أنفسنا مخلوقة من تراب حقيقة، كما نسب خلقنا إلى النطفة وإن لم يخلق أنفسنا كما هي من النطفة، لكنه أضاف ذلك ونسب إلى النطفة؛ لما هي أصل ما خلقنا منها.

والثاني: نسبنا إلى التراب؛ لما جعل أغذيتنا وما به قوام أنفسنا وأبداننا في الخارج من التراب، فإنما هو إخبار عما به قوام أنفسنا وأبداننا، وإن لم نخلق من التراب من الأصل، فيخبر - والله أعلم -: أنكم لا تصورون خلق الجسم إن لم تشاهدوا تلك الطينة التي منها تتكون الأجسام بعد مشاهدة طينتها، ومعاينتكم إياها، ورأيتم القدرة له على خلقها قبل أن تشاهدوا طينتها.

والثالث: نسب خلقنا إلى التراب، وهو آدم؛ على ما ذكرنا، إلا أن قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ أي: قدركم من ذلك الأصل، والتخليق: هو التقدير في اللغة، وذلك جائز في اللغة، وإنما قدرنا على تقدير ذلك الأصل، وذلك جائز نسبتنا وإضافتنا إلى التراب، إن صح ما ذكر في بعض الأخبار ذكر: "أن ملكاً يأتي بكف من تراب، فيذره في تلك النطفة في رحم المراة، فيخلق منه حينئذ الولد"، فإن صح هذا فيكون خلق جميع الناس وأصلهم من تراب.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ﴾ أي: ثم إذا أنتم ذريته من بعده بشر تنبسطون؛ كقوله: ﴿ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ  ﴾ أي: يبسط.

أو ﴿ تَنتَشِرُونَ ﴾ ، أي: تتفرقون في حوائجكم، وفي طلب أغذيتكم، وما به قوام أنفسكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: من أجناسكم وأشكالكم ﴿ لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا ﴾ يقول: إنما جعل ما تسكنون إليه وتتألفون من جنسكم وشكلكم ما تعرفون، لم يجعل في غير جنسكم وشكلكم ما تعرفون؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ  ﴾ أي: من جنسكم وشكلكم من تعرفون صدقه وثقته وأمانته ما لو كان من غير جنسكم وشكلكم لا تعرفونه؛ فعلى ذلك جائز قوله: ﴿ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: من جنسكم ما تسكنون إليها، وتستأنسون بها ما لو كانوا من غير جنسهم لا يكون ذلك؛ إذ يستأنس كل ذي شكل بشكله وجنسه.

والثاني: ما ذكرنا أنه أراد آدم وحواء؛ أي: خلق زوجته حوّاء من نفسه، فجعلها له سكناً يسكن إليها، ويستأنس بها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم ﴾ أي: بينكم وبين الأزواج ﴿ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ مَّوَدَّةً ﴾ وجهين: أحدهما: يودها؛ لما جعل له موضعاً لقضاء شهوته وحاجته، وكذلك هي توده لذلك، ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ أي: يرحم بعضهم بعضاً، ويتحنن إليه، إذا نزل بواحد منهما ما يمنع قضاء الشهوة والحاجة.

والثاني: يودّ بعضهم بعضاً ويرحم بالطبع والخلقة؛ إذ كل ذي طبع يودّ شكله وجنسه إذا كان في حال السعة والرخاء والسرور، ويرحمه إذا نزل به البلاء والشدة؛ هذا معروف عند الناس أن يتراحم بعضهم على بعض في حال نزول البلاء والشدة، وتوادهم في حال السعة والسرور.

وقال الحسن: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً ﴾ أي: الجماع ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ أي: الولد.

فكيفما كان فهو يخبر عن لطفه ومنته؛ حيث جعل الزوج والزوجة المودة والرحمة على عدم القرابة والرحم، وبعد ما بينهما؛ فصارا لما ذكرنا في المودة والرحمة كالقريبين وذَوَي الرحمين وأقرب القريب، وذلك على المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه ﴿ جَعَلَ ﴾ : بينهم مودة ورحمة، وذلك فعل الزوجين في الظاهر، ثم أضاف ذلك إلى نفسه، وأخبر أنه ﴿ جَعَلَ ﴾ دل أن له صنعاً في ذلك؛ فيبطل قولهم: إن ليس لله صنع في فعل العباد، ويبطل اللطف الذي ذكر أنه جعل بينهم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ﴾ لما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات البعث والنشور، أو آيات الرسالة والنبوة ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ لقوم ينتفعون، وهم المؤمنون، أو ﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ويتدبرون ويعتبرون، فيعرفون، فأما من لا يتفكر ولا يتدبر فلا ينتفع به، فهو ليس بآيات له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ : [آيات] وحدانيته وربوبيته وألوهيته، وآيات بعثه.

وقوله: ﴿ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ في خلق السماوات ورفعها في الهواء وإقرارها فيه آية؛ لأنه غير موهوم مثله من فعل الخلق وقدرتهم، وهكذا خلق الأرض وبسطها وإقرارها على الماء، أو على الريح خارج عن فعل الخلق ومن قدرتهم، غير موهوم ذلك في أوهامهم وعقولهم من غير الواحد العالم القادر بذاته، فإذا كان ما ذكر غير موهوم في أوهامهم وعقولهم من غير الله فهم إنما أنكروا البعث لما لم يعاينوا ذلك ولا شاهدوا في أوهامهم، فكيف أنكروا البعث وإن كان غير موهوم ذلك في أوهامهم، بعد أن كان ذلك موهوماً من الله، مشاهداً، معايناً لمثل هذا؟!

والله أعلم بذكر هذا.

وقوله: ﴿ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ كأنه يقول: وفي خلق اختلاف ألسنتكم آياته أيضاً؛ لأن الألسن بحيث خلقة الألسن غير مختلفة، ولكن إنما تختلف بحيث النطق والتكلم حتى لا يقع في التكلم بها والنطق والصوت تشابه بحال، وخروجه عما يقدرون من الكلام، وإن كانت بحيث خلقتها واحدة غير مختلفة.

وهذا على المعتزلة؛ لقولهم: إن أقوال العباد غير مخلوقة، لا صنع لله فيها، فلو لم يكن له فيما يتكلمون وينطقون على اختلاف ذلك صنع؛ فلا آية تكون له في ذلك، فدل أنه صار آية له؛ لما له صنع في ذلك، وكذلك فيما تختلف الألوان بفعل يكون من الخلق وتتغير عند الغضب والسرور والفرح، ثم أخبر أن ذلك آياته دل أنه خالق لأفعالهم وأقوالهم حتى كان آية له والله أعلم.

وأهل التأويل يقولون: ﴿ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ ﴾ : عربيّ، وعجميّ، ونبطي، وتركي، ونحوه ﴿ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ : أبيض، وأحمر، وأسود، ونحوه، وأصله ما ذكرنا أن في ذلك لآيات للعالمين؛ جائز أن يكون آيات لمن انتفع به من العالمين، أو آية لمن تفكر وتدبّر من العالمين؛ لأنه إذا تفكر وتدبّر عرف وجه الآية في ذلك.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ ﴾ لأن النوم يأخذهم من غير أن يعرفوا أنه من أين مأتاه ومأخذه، ثم يأخذ منهم جميع منافع الأحياء: من السمع، والنطق، والفهم، والرؤية، وجميع ما تنتفع به قبل ذلك، ثم يردّ ذلك إليهم من غير أن عرفوا بذلك فيعودون إلى ما كانوا من المنافع والأكساب؛ ليعلم أن من قدر على مثل هذا يقدر على أخذ الروح ونفسه وردّه إليه، فهو أخو الموت؛ قال الله -  -: ﴿ يَتَوَفَّٰكُم بِٱلَّيلِ  ﴾ سمّى النوم: الوفاة، وهو مثله؛ لما ذكرنا أن جميع منافع الأحياء ترتفع وتزول بالنوم ثم ترد إليهم من غير أن يشعروا بذلك، فمن قدر على هذا يقدر على الإحياء بعد الموت.

وقوله: ﴿ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ جهة الآية فيما ينتفعون من فضله هو خلقه تلك المكاسب والتجارات والحرف التي يبتغون بها الرزق؛ أخبر أنه خلق ذلك منهم؛ ففيه دلالة خلق أفعال العباد؛ فهو على المعتزلة؛ لإنكارهم خلق أفعالهم.

أو أن تكون جهة الآية فيه ما عرفهم تلك المكاسب والتجارات والحرف، وعلمهم إياها وأحوجهم إليها؛ ليصلوا إلى منافعهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: ينتفعون بسمعهم، أو لقوم يجيبون.

والسمع يجوز أن يعتبر به عن الإجابة؛ كقوله: "سمع الله لمن حمده"؛ أي: أجاب الله لمن دعاه.

أو أن يكون قوله: ﴿ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: يعقلون، ويجوز العبارة [به] عنه؛ كقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أي: يعقلون، ويقال: ﴿ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ المواعظ فيقبلونها فينتفعون بها.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ .

قيل فيه بوجهين: أحدهما: يريكم البرق للخوف والطمع: تخافون سلطانه وقدرته أن يصيبكم ذلك البرق فيذهب بأبصاركم، وطمعاً ترجون رحمته بصرفه عنكم.

والثاني: ﴿ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ أي: يريكم البرق فتخافون وتطمعون؛ يخاف المسافر قطع مسيره ومنعه عنه، وتطمعون، أي: يطمع المقيم رحمته ما يكثر به أنزاله ومعاشه.

والثاني: تخافون الصواعق، وتطمعون المطر، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَيُحْيِي بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ هو ظاهر، قد ذكرناه ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ يحتمل ما ذكرنا ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ : ينتفعون بعقولهم، أو ﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ لو تدبروا وتفكروا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾ : هو ما ذكرنا أنه قامتا على شيء غير موهوم ذلك في أوهام الخلق قيام شيء من أفعالهم على مثله، وهو الهواء والماء والريح، فكيف حملهم خروج شيء من أوهامهم على إنكاره وتكذيبه، وهو البعث والإحياء بعد الموت، فمن قدر على أحدهما قدر على الآخر.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: هو على التقديم [والتأخير]، أي: ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض، والدعوة هو النفخة الآخرة.

وقال بعضهم: هو ما ذكر: الدعوة تكون من الأرض من صخرة بيت المقدس، من هنالك يسمعون الدّعوة.

ثم اختلف في الدعوة، والصيحة، والنفخة، والصور، ونحو ما ذكر: فمنهم من يقول: على حقيقة الدعوة، والصيحة، والنفخة، والصور، على ما ذكر.

وقال بعضهم: لا، ولكن ذلك إخبار عن سرعة نفاذ الأمر، وعبارة عن خفة ذلك وهونه؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ ليس أن كان منه (كاف) أو (نون)، لكنه ذكر بأخف حروف يفهم منه المعنى فعلى ذلك ذكر الصيحة والنفخة والدعوة والصور, والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ دلالة وإخبار أنه قادر على الإنشاء والإحياء بلا سبب؛ لأنه أخبر أنه دعاكم دعوة ثم تخرجون، والدعوة ليست هي سببا للإحياء والإنشاء بل أخبر أنه يخرجهم إخراجاً ثبت أنه ما ذكرنا، وقد ذكرنا في اختلاف الألسن لو لم يكن ما يسمع منهم وما ينطقون يخلق في الحقيقة فإذن آياته عبث؛ لأن الحروف شهد خلقه، ولا جسمه، ولا سمعه، وبما احتج، فيكون بمعنى من يقول: لله آيات في الكلام احتج بها على عبادة الذين لم يطلعهم عليه، ولا سبيل لهم إلى التطلع عليها، وذلك بعيد من العقول، فثبت أن الله قد خلق كل نطق على ما عليه يعرفه المتفكر بما يرى من عجز المتفوه به على التفوه به على التقطيع الذي يقدره في نفسه، وعلى الحدّ الذي يجب أن يكون عليه دون أن يقع في ذلك تفاوت واختلاف فيعلم أن ذلك كان الآية على ما كان عليه؛ بل بالله جل وعلا، ولا قوة إلا بالله.

وما ذكر من اختلاف فإنا نجده يتغير بالعباد؛ نحو ما يظهر عند شدّة السّرور بالشيء غير الذي يظهر عند شدة الغضب متولداً عن فعلهم وبه قول المعتزلة أو عامتهم أن المتولد هو فعل الخلق، فعلى ذلك القول يكون اللون فعلا لهم بتخليق الله، وأمّا النوم في اللون فوضع، فالاعتبار إنما هو بابتغائهم من فضله؛ أي: ذلك بما ركب فيهم من الحاجة وأنشأ لهم من الفاقة فيما ذكر من الأغذية بأن ابتغاءها فعلا للخلق، وقد احتج الله -  وتعالى - على العباد، فأخبر أنه من آياته، ومحال أن يكون حجته ما يخلق غيره دون الذي يخلقه بل يدل خلق كل على منشئه من طريق الخلقة والتدبير، فثبت أن الابتغاء مخلوق يخلقه، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن آيات الله الدالة على قدرته ووحدانيته قيام السماء دون سقوط، والأرض دون انهدام؛ بأمره سبحانه، ثم إذا دعاكم سبحانه دعوة من الأرض بنفخ المَلَك في الصُّور إذا أنتم تخرجون من قبوركم للحساب والجزاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.6VX4L"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله