الآية ٢٦ من سورة الروم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ٢٦ من سورة الروم

وَلَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ كُلٌّۭ لَّهُۥ قَـٰنِتُونَ ٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦ من سورة الروم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وله من في السماوات والأرض ) أي : ملكه وعبيده ، ( كل له قانتون ) أي : خاضعون خاشعون طوعا وكرها .

وفي حديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، مرفوعا : " كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) يقول تعالى ذكره: من في السموات والأرض من ملك وجنّ وإنس عبيد وملك (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) يقول: كلّ له مطيعون، فيقول قائل: وكيف قيل (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) وقد علم أن أكثر الإنس والجنّ له عاصون؟

فنقول: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فنذكر اختلافهم، ثم نبين الصواب عندنا في ذلك من القول، فقال بعضهم: ذلك كلام مخرجه مخرج العموم، والمراد به الخصوص، ومعناه: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) في الحياة والبقاء والموت، والفناء والبعث والنشور، لا يمتنع عليه شيء من ذلك، وإن عصاه بعضهم في غير ذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ...

إلى (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) يقول: مطيعون، يعني الحياة والنشور والموت، وهم عاصون له فيما سوى ذلك من العبادة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) بإقرارهم بأنه ربهم وخالقهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) : أي مطيع مقرٌّ بأن الله ربه وخالقه.

وقال آخرون: هو على الخصوص، والمعنى: (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس.

قال: أخبرنا ابن وهب.

قال: قال ابن زيد في قوله: (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) قال: كلّ له مطيعون، المطيع: القانت.

قال: وليس شيء إلا وهو مطيع، إلا ابن آدم، وكان أحقهم أن يكون أطوعهم لله.

وفي قوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ .

قال: هذا في الصلاة.

لا تتكلموا في الصلاة، كما يتكلم أهل الكتاب في الصلاة.

قال: وأهل الكتاب يمشي بعضهم إلى بعض في الصلاة.

قال: ويتقابلون في الصلاة، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: لكي تذهب الشحناء من قلوبنا، تسلم قلوب بعضنا لبعض، فقال الله: وقوموا لله قانتين لا تزولوا كما يزولون.

قانتين: لا تتكلموا كما يتكلمون.

قال: فأما ما سوى هذا كله في القرآن من القنوت فهو الطاعة، إلا هذه الواحدة.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أن كلّ من في السماوات والأرض من خلق لله مطيع في تصرّفه فيما أراد تعالى ذكره، من حياة وموت، وما أشبه ذلك، وإن عصاه فيما يكسبه بقوله، وفيما له السبيل إلى اختياره وإيثاره على خلافه.

وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك؛ لأن العصاة من خلقه فيما لهم السبيل إلى اكتسابه كثير عددهم، وقد أخبر تعالى ذكره عن جميعهم أنهم له قانتون، فغير جائز أن يخبر عمن هو عاص أنه له قانت فيما هو له عاص.

وإذا كان ذلك كذلك، فالذي فيه عاص هو ما وصفت، والذي هو له قانت ما بينت.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وله من في السماوات والأرض خلقا وملكا وعبدا .

كل له قانتون روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل قنوت في القرآن فهو طاعة .

قال النحاس : مطيعون طاعة انقياد .

وقيل : قانتون مقرون بالعبودية ، إما قالة وإما دلالة ; قاله عكرمة وأبو مالك والسدي .

وقال ابن عباس : قانتون مصلون .

الربيع بن أنس : كل له قانتون أي قائم يوم القيامة ; كما قال : يوم يقوم الناس لرب العالمين أي للحساب .

الحسن : كل له قائم بالشهادة أنه عبد له .

سعيد بن جبير قانتون مخلصون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } الكل خلقه ومماليكه المتصرف فيهم من غير منازع ولا معاون ولا معارض وكلهم قانتون لجلاله خاضعون لكماله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وله من في السماوات والأرض كل له قانتون ) مطيعون ، قال الكلبي : هذا خاص لمن كان منهم مطيعا .

وعن ابن عباس : كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وله من في السماوات والأرض» ملكا وخلقا وعبيدا «كل له قانتون» مطيعون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولله وحده كل مَن في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن والحيوان والنبات والجماد، كل هؤلاء منقادون لأمره خاضعون لكماله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ، بآية جامعة لكل معانى القدرة والإِيجاد والهيمنة على هذا الكون فقال : ( وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض ) أى من الملائكة والجن والإِنس ، خلقا ، وملكا ، وتصرفا ، كل ذلك له وحده - سبحانه - لا لأحد غيره .وقوله : ( كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) مؤكد لما قبله ومقرر له ، أى : كل الخلائق له لا لغيره طائعون خاضعون ، خاشعون ، طوعا وكرها ، إذ لا يمتنع عليه - سبحانه - شئ يريد فعله بهم ، من حياة أو موت ، ومن صحة أو مرض ، ومن غنى أو فقر .هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يرى أكثر من عشرة أدلة ، على وحدانية الله - تعالى - وعلى انفراده بالخلق ، وعلى إمكانية البعث ، ومن هذه الأدلة خلق الإِنسان من تراب ، وصيرورته بعد تقلبه فى أطوار التكوين بشراً سويا ، وإيجاده - سبحانه - للذكور والإِناث ، حتى يبقى النوع الإِنسانى إلى الوقت المقدر فى علمه - تعالى - : وإيجاده للناس على هذه الصورة التى اختلفت معها ألسنتهم وألوانهم ، مع أن أصلهم واحد ، وجعله - على هذه الصورة التى اختلفت معها ألسنتهم وألوانهم ، مع أن أصلهم واحد ، وجعله - تعالى - الليل مناما لراحة الناس ، والنهار معاشا لابتغاء الرزق ، وإنزاله المطر من السماء لإِحياء الأرض بالنبات ، وبقاء السموات والأرض على هذه الصورة العجيبة بأمره وتدبيره .

.

.

إلى غير من الأدلة المبثوثة فى الأنفس والآفاق .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

لما ذكر الآيات وكان مدلولها القدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر، والوحدانية التي هي الأصل الأول، أشار إليها بقوله: ﴿ وَلَهُ مَن فِي السموات والأرض ﴾ يعني لا شريك له أصلاً لأن كل من في السموات وكل من في الأرض، ونفس السموات والأرض له وملكه، فكل له منقادون قانتون، والشريك يكون منازعاً مماثلاً، فلا شريك له أصلاً ثم ذكر المدلول الآخر، فقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ أي في نظركم الإعادة أهون من الإبداء لأن من يفعل فعلاً أولاً يصعب عليه، ثم إذا فعل بعد ذلك مثله يكون أهون، وقيل المراد هو هين عليه كما قيل في قول القائل الله أكبر أي كبير، وقيل المراد هو أهون عليه أي الإعادة أهون على الخالق من الإبداء لأن في البدء يكون علقة ثم مضغة ثم لحماً ثم عظماً ثم يخلق بشراً ثم يخرج طفلاً يترعرع إلى غير ذلك فيصعب عليه ذلك كله، وأما في الإعادة فيخرج بشراً سوياً بكن فيكون أهون عليه، والوجه الأول أصح وعليه نتكلم فنقول هو أهون يحتمل أن يكون ذلك لأن في البدء خلق الأجزاء وتأليفها والإعادة تأليف ولا شك أن الأمر الواحد أهون من أمرين ولا يلزم من هذا أن يكون غيره فيه صعوبة، ولنبين هذا فنقول الهين هو ما لا يتعب فيه الفاعل، والأهون ما لا يتعب فيه الفاعل بالطريق الأولى، فإذا قال قائل إن الرجل القوي لا يتعب من نقل شعيرة من موضع إلى موضع وسلم السامع له ذلك، فإذا قال فكونه لا يتعب من نقل خردلة يكون ذلك كلاماً معقولاً مبقي على حقيقته.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السموات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ أي قولنا هو أهون عليه يفهم منه أمران أحدهما: هو ما يكون في الآخر تعب كما يقال إن نقل الخفيف أهون من نقل الثقيل والآخر: هو ما ذكرنا من الأولوية من غير لزوم تعب في الآخر فقوله: ﴿ وَلَهُ المثل الأعلى ﴾ إشارة إلى أن كونه أهون بالمعنى الثاني لا يفهم منه الأول وهاهنا فائدة ذكرها صاحب الكشاف وهي أن الله تعالى قال في موضع آخر: ﴿ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ وهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ فقدم هناك كلمة على وأخرها هنا، وذلك لأن المعنى الذي قال هناك إنه هين هو خلق الولد من العجوز وأنه صعب على غيره وليس بهين إلا عليه فقال: ﴿ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ ﴾ يعني لا على غيري، وأما هاهنا المعنى الذي ذكر أنه أهون هو الإعادة والإعادة على كل مبدئ أهون فقال: وهو أهون عليه لا على سبيل الحصر، فالتقديم هناك كان للحصر، وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السموات والأرض ﴾ على الوجه الأول وهو قولنا أهون عليه بالنسبة إليكم له معنى وعلى الوجه الذي ذكرناه له معنى أما على الوجه الأول فلما قال: ﴿ وَلَهُ المثل الأعلى ﴾ وكان ذلك مثلاً مضروباً لمن في الأرض من الناس فيفيد ذلك أن له المثل الأعلى من أمثلة الناس وهم أهل الأرض ولا يفيد أن له المثل الأعلى من أمثلة الملائكة فقال: ﴿ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السموات والأرض ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم ﴿ وَلَهُ المثل الأعلى ﴾ من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات، وأما على الوجه الثاني فمعناه أن له المثل الأعلى أي فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به، لكن ذاته ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وهو منقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

وقيل المثل الأعلى أي الصفة العليا وهي لا إله إلا الله، وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ العزيز الحكيم ﴾ أي كامل القدرة على الممكنات، شامل العلم بجميع الموجودات، فيعلم الأجزاء في الأمكنة ويقدر على جمعها وتأليفها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمِنْ ءاياته ﴾ قيام السموات والأرض واستمساكهما بغير عمد ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ أي بقوله: كونا قائمتين.

والمراد بإقامته لهما: إرادته لكونهما على صفة القيام دون الزوال.

وقوله: ﴿ إِذَا دَعَاكُمْ ﴾ بمنزلة قوله: يريكم، في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى، كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاهم دعوة واحدة: يا أهل القبور اخرجوا.

والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث، كما يجيب الداعي المطاع مدعوّه، كما قال القائل: دَعَوْتُ كلَيْباً دَعْوَةً فَكَأَنَّمَا ** دَعَوْتُ بِهِ ابْنَ الطَّوْدِ أَوْ هُوَ أَسْرَعُ يريد بابن الطود: الصدى، أو الحجر إذا تدهدى، وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بثم، بياناً لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول: يا أهل القبور، قوموا؛ فلا تبقى نسمة من الأوّلين والآخرين إلا قامت تنظر، كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ [الزمر: 68] .

قولك: دعوته من مكان كذا، كما يجوز أن يكون مكانك يجوز أن يكون مكان صاحبك، تقول: دعوت زيداً من أعلى الجبل فنزل عليّ: ودعوته من أسفل الوادي فطلع إليّ.

فإن قلت: بم تعلق ﴿ مِّنَ الأرض ﴾ أبالفعل أم بالمصدر؟

قلت: هيهات، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.

فإن قلت: ما الفرق بين إذا وإذا؟

قلت: الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط.

وقرئ ﴿ تخرجون ﴾ بضم التاء وفتحها ﴿ قانتون ﴾ أي منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ﴾ قِيامُهُما بِإقامَتِهِ لَهُما وإرادَتِهِ لِقِيامِهِما في حَيِّزَيْهِما المُعَيَّنَيْنِ مِن غَيْرِ مُقِيمٍ مَحْسُوسٍ، والتَّعْبِيرُ بِالأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في كَمالِ القُدْرَةِ والغِنى عَنِ الآلَةِ.

﴿ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ عُطِفَ عَلى ( أنْ تَقُومَ ) عَلى تَأْوِيلِ مُفْرَدٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن آياتِهِ قِيامُ السَّمَواتِ والأرْضِ بِأمْرِهِ ثُمَّ خُرُوجُكم مِنَ القُبُورِ ﴿ إذا دَعاكم دَعْوَةً ﴾ واحِدَةً فَيَقُولُ أيُّها المَوْتى اخْرُجُوا، والمُرادُ تَشْبِيهُ سُرْعَةِ تَرَتُّبِ حُصُولِ ذَلِكَ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِلا تَوَقُّفٍ واحْتِياجٍ إلى تَجَشُّمِ عَمَلٍ بِسُرْعَةِ تَرَتُّبِ إجابَةِ الدّاعِي المُطاعِ عَلى دُعائِهِ، وثُمَّ إمّا لِتَراخِي زَمانِهِ أوْ لِعَظَمِ ما فِيهِ ومِنَ الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعا كَقَوْلِكَ: دَعْوَتُهُ مِن أسْفَلِ الوادِي فَطَلَعَ إلَيَّ لا بِتَخْرُجُونَ لِأنَّ ما بَعْدَ إذا لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، و ( إذا ) الثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ ولِذَلِكَ نابَتْ مَنابَ الفاءِ في جَوابِ الأُولى.

﴿ وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ مُنْقادُونَ لِفِعْلِهِ فِيهِمْ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَهُ مَن فِى السماوات والأرض كُلٌّ لَّهُ قانتون} منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يمتنعون عليه أو مقرون بالعبودية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَهُ ﴾ عَزَّ وجَلَّ خاصَّةً كُلَّ ﴿ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا، لَيْسَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ شَرِكَةٌ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ﴿ كُلٌّ لَهُ ﴾ لا لِغَيْرِهِ جَلَّ وعَلا ﴿ قانِتُونَ ﴾ مُنْقادُونَ لِفِعْلِهِ لا يَمْتَنِعُونَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ، وإنْ لَمْ يَنْقَدْ بَعْضُهم لِأمْرِهِ سُبْحانَهُ، فالمُرادُ طاعَةُ الإرادَةِ لا طاعَةُ الأمْرِ بِالعِبادَةِ، وهَذا حاصِلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الحَسَنُ: ( قانِتُونَ ) قائِمُونَ بِالشَّهادَةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى كَما قالَ الشّاعِرُ: وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ( قانِتُونَ ) مُخْلِصُونَ، وقِيلَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، وعَلَيْهِما لَيْسَ العُمُومُ عَلى ظاهِرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: فَسُبْحانَ اللَّهِ يعني: صلوا لله حِينَ تُمْسُونَ يعني: صلاة المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ يعني: صلاة الفجر وعشياً.

يعني: صلاة العصر وحين تظهرون.

على معنى التقديم والتأخير أي: صلاة الظهر وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ يعني: يحمده أهل السموات، وأهل الأرض.

ويقال: له الألوهية في السموات والأرض، كقوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ [الزخرف: 84] يقال: وَلَهُ الْحَمْدُ يعني: الحمد على أهل السموات وأهل الأرض، لأنهم في نعمته، فالحمد واجب علينا.

يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يعني: الدجاجة من البيضة، والإنسان من النطفة، والمؤمن من الكافر.

وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ يعني: البيضة من الدجاجة، والكافر من المؤمن.

وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يعني: ينبت النبات من الأرض بعد يبسها، وقحطها بالمطر.

وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ يعني: يحييكم بالمطر الذي يمطر من البحر المسجور كالمني فتحيون به.

وقال مقاتل: يرسل الله عز وجل يوم القيامة ماء الحيوان من السماء السابعة من البحر المسجور على الأرض، بين النفختين، فينتشر عظام الموتى فذلك قوله: وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ: قرأ حمزة والكسائي: تُخْرَجُونَ بفتح التاء.

والباقون برفع التاء.

يعني: تخرجون من قبوركم يوم القيامة.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ قال مقاتل: يعني ومن علامات الرب، أنه واحد وإن لم يروه، وعرفوا توحيده بصنعه، أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: خلق آدم من تراب وأنتم ولده ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ ذريته من بعده بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ يعني: تبسطون.

كقوله: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: 28] يعني: ويبسط.

ويقال: وَمِنْ آياتِهِ يعني: من العلامات التي تدل على أن الله عز وجل واحد لا مثل له، ظهور القدرة التي يعجز عنها المخلوقون أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني: آدم  ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ منتشرون على وجه الأرض.

ثم قال عزّ وجلّ: وَمِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: من جنسكم أَزْواجاً لأنه لو كان من غير جنسه، لكان لا يستأنس بها.

ويقال: مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعني: خلقها من آدم.

ويقال: من بعضكم بعضاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها يعني: لتستقر قلوبكم عندها.

لأن الرجل إذا طاف البلدان، لا يستقر قلبه، فإذا رجع إلى أهله، اطمأن واستقر.

ويقال: لِتَسْكُنُوا إِلَيْها يعني: لتوافقوها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً يعني: الحب بين الزوج والمرأة، ولم يكن بينهما قرابة.

ويحب كل واحد منهما صاحبه، ويقال: وجعل منكم مودة للصغير على الكبير، ورحمة للكبير على الصغير.

ويقال: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً يعني: الولدان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: فيما ذكر لعلامات لوحدانيته لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أني خالق.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وأنتم تعلمون ذلك، لأنهم مقرون أن الله عز وجل خالقهم، وهو خالق الأشياء وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أي: عربي، وعجمي، ونبطي، وَأَلْوانِكُمْ أي: أحمر، وأبيض، وأسود، وأسمر.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: لعلامات في خلق السموات والأرض، واختلاف الألسن، والألوان لعلامات.

لِلْعالِمِينَ فيعتبرون.

قرأ عاصم في روية حفص: لِلْعالِمِينَ بكسر اللام.

يعني: جميع العلماء، يعني: إن في ذلك علامة للعقلاء.

وقرأ الباقون: بنصب اللام يعني: علامة لجميع خلق الإنس والجن.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ منامكم نومكم، فهو مصدر.

يقال: نام نوماً، ومناماً بالليل والنهار، على معنى التقديم يعني: منامكم بالليل وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ بالنهار يعني: طلبكم الرزق بالنهار والمعيشة إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: لعلامات على وحدانيتي لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ المواعظ ويعتبرون.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً من الصواعق إذا كنتم بأرض قفر، وَطَمَعاً للمطر.

خَوْفاً وَطَمَعاً منصوبان على المفعول له المعنى يريكم للخوف والطمع، خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم.

وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماء يعني: المطر فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ أي: بالنبات بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعلامات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عن الله عز وجل فيوحدونه.

قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ يعني: فوق رؤوسكم بغير عمد لا يناله شيء، وتقوم الأرض على الماء تحت أقدامكم وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ أي: بقدرته ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ يعني: إسرافيل-  - يدعوكم على صخرة بيت المقدس في الصور دعوة من الأرض إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ وقال بعضهم: في الآية تقديم.

ومعناه: ثم إذا دعاكم دعوة من الارض يعني: من قبوركم فإذا أنتم تخرجون: قرأ حمزة والكسائي: تَخْرُجُونَ بنصب التاء وضم الراء.

وقرأ الباقون: بضم التاء ونصب الراء.

ثم قال عز وجل: وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يعني: مقرّين بالعبودية.

يعلمون أن الله عز وجل ربهم.

ويقال: قانِتُونَ أي: خاضعون له، لا يقدرون أن يغيروا أنفسهم عما خلقهم.

ويقال: معناه في كل شيء دليل ربوبيّته.

وهذا أيضاً من آياته.

ولكنه لم يذكر لأنه قد سبق ذكره مرات، فكأنه يقول ومن آياته أن له من في السموات والأرض له قانتون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بمعنى الخضوعِ، والانقيادِ في طاعتهِ سبحانه.

وإعادة الخلق: هو بعثُهم من القبور.

وقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال ابن عباس وغيره: المعنى: وهو هين «١» عليه، وفي مصحف ابن مسعود «٢» «وهو هين عليه» ، وفي بعض المصاحف «وكل هين عليه» .

وقال ابن عباس أيضاً وغيره: المعنى: وهو أيسر «٣» عليه، قال: ولكن هذا التفضيل إنَّما هو بحسْب معتقدِ البَشَرِ وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعَادَةِ في كثير من الأشياء أهون علينا من البدأة.

ولما جاء بلفظٍ فيه استعارة، وتشبيه «٤» بما يعهده الناس من أنفسهم خَلُصَ جانبُ العظمة بأن جعل له المثلَ الأعْلَى الذي لا يلحقه تكييف ولا تماثل مع شيء.

ثم بين تعالى أمر الأصنام وفسادَ معتقدِ مَن يُشْرِكُها بالله- بضربه هذا المثلَ- وهو قوله: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...

الآية، ومعناه:

أَنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيدٌ تَمْلِكُونَهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومُهِمِّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواءَ المنزلة.

وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم، أو يقاسموكم إياها في حياتكم، كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم، فكيف تقولون: أن من عبيده وملكه شركاءُ في سلطانِه وألوهيته هذا تفسير ابن عباس «٥» والجماعة.

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)

وقوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً....

الآية، إقامة الوجه: هي تقويم المقصد والقوةِ على الجِدِّ في أعمال الدين.

وخص الوجه لأنه جامع حواس الإنسان ولشرفه.

وفِطْرَتَ اللَّهِ نَصْبٌ على المصدر.

وقيل: بفعل مضمر تقديره: اتبع أو التزم فطرة الله، واختُلِفَ في الفطرة هاهنا، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظةِ أَنها الخِلْقَةُ والهَيْئَةُ التي في نفسِ الطفلِ التي هي مُعَدَّةٌ مُهَيَّئَةٌ لأَنْ يَمِيزَ بها مصنوعات الله، ويستدلَّ بها على ربِّهِ، ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه تعالى، قال: أقم وَجْهَك للدِّينِ الذي هو الحنيفُ، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فُطِرَ البشرِ لكن تعرضهم العوارض ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ...

» الحديث «١» -، ثم يقول

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ ﴾ أيْ: مِن دَلائِلِ قُدْرَتِهِ ﴿ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ﴾ يَعْنِي آدَمَ، لِأنَّهُ أصْلُ البَشَرِ ﴿ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ ﴾ مِن لَحْمٍ ودَمٍ، يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ ﴿ تَنْتَشِرُونَ ﴾ أيْ: تَنْبَسِطُونَ في الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ، خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: جَعَلَ لَكم آدَمِيّاتٍ مِثْلَكُمْ، ولَمْ يَجْعَلْهُنَّ مِن غَيْرِ جِنْسِكُمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَسْكُنُوا إلَيْها ﴾ أيْ: لِتَأْوُوا إلى الأزْواجِ ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً ﴾ وذَلِكَ أنَّ الزَّوْجَيْنِ يَتَوادّانِ ويَتَراحَمانِ مِن غَيْرِ رَحِمٍ بَيْنَهُما ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذَكَرَهُ مِن صُنْعِهِ ﴿ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في قُدْرَةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ ﴾ يَعْنِي اللُّغاتِ مِنَ العَرَبِيَّةِ والعَجَمِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ وَألْوانِكُمْ ﴾ لِأنَّ الخَلْقَ بَيْنَ أسْوَدَ وأبْيَضَ وأحْمَرَ، وهم ولَدُ رَجُلٍ واحِدٍ وامْرَأةٍ واحِدَةٍ.

وقِيلَ: المُرادُ بِاخْتِلافِ الألْسِنَةِ: اخْتِلافُ النَّغْماتِ والأصْواتِ، حَتّى إنَّهُ لا يَشْتَبِهُ صَوْتُ أخَوَيْنِ مِن أبٍ وأُمٍّ والمُرادُ بِاخْتِلافِ الألْوانِ: اخْتِلافُ الصُّورِ، فَلا تَشْتَبِهُ صُورَتانِ مَعَ التَّشاكُلِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْعالِمِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، [والكِسائِيُّ]، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالَمِينَ " بِفَتْحِ اللّامِ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " لِلْعالِمِينَ " بِكَسْرِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴾ أيْ: نَوْمُكم.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَنامُ مِن مَصادِرِ النَّوْمِ، بِمَنزِلَةِ قامَ يَقُومُ قِيامًا ومَقامًا، وقالَ يَقُولُ مَقالًا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: مَنامُكم بِاللَّيْلِ ﴿ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ ﴾ وهو طَلَبُ الرِّزْقِ بِالنَّهارِ ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ سَماعَ اعْتِبارٍ [وَتَذَكُّرٍ] وتَدَبُّرٍ.

﴿ وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: إنَّما حَذَفَ " أنْ " لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وأنْشَدُوا: [وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَتارَةً أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ وَمَعْناهُ: فَتارَةً أمُوتُ فِيها]، وقالَ طَرَفَةُ: ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغْى ∗∗∗ [وَأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي] أرادَ: أنْ أحْضُرَ.

وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الخَوْفِ والطَّمَعِ في رُؤْيَةِ البَرْقِ في سُورَةِ (الرَّعْدِ: ١٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ ﴾ أيْ: تَدُوما قائِمَتَيْنِ ﴿ بِأمْرِهِ ﴾ ﴿ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً ﴾ وهي نَفْخَةُ إسْرافِيلَ الأخِيرَةُ في الصُّورِ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مِنَ الأرْضِ ﴾ أيْ: مِن قُبُورِكم ﴿ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ مِنها.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ١١٦، العَنْكَبُوتِ: ١٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ البِدايَةِ، وكُلٌّ هَيِّنٌ عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّ ﴿ أهْوَنُ ﴾ بِمَعْنى " هَيِّنٍ "، فالمَعْنى: وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ، وقَدْ يُوضَعُ " أفْعَلُ " في مَوْضِعِ " فاعِلٍ "، ومِثْلُهُ قَوْلُهم في الأذانِ اللَّهُ أكْبَرُ، أيِ: اللَّهُ كَبِيرٌ قالَ الفَرَزْدَقُ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى ∗∗∗ لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ وَقالَ مَعْنُ بْنُ أوْسٍ المُزَنِيُّ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ ∗∗∗ عَلى أيِّنا تَغْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ أيْ: وإنِّي لَوَجِلٌ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْبَحْتُ أمْنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّنِي ∗∗∗ قَسَمًا إلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأمْيَلُ وَأنْشَدُوا أيْضًا: تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ أيْ: بِواحِدٍ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

و[قَدْ] قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ " .

والثّالِثُ: أنَّهُ خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُمُ البَعْثُ أسْهَلَ مِنَ الِابْتِداءِ في تَقْدِيرُهم وحُكْمِهِمْ، فَمَن قَدَرَ عَلى الإنْشاءِ كانَ البَعْثُ أهْوَنَ عَلَيْهِ، هَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، والمُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ.

وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ الهاءُ في " عَلَيْهِ " عائِدَةً إلى اللَّهِ تَعالى.

والرّابِعُ أنَّ الهاءَ تَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ، لِأنَّهُ خَلَقَهُ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو اخْتِيارُ قُطْرُبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: لَهُ الصِّفَةُ العُلْيا ﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وهي أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُلَبُّونَ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

ومَعْنى الآيَةِ: بَيَّنَ لَكم أيُّها المُشْرِكُونَ شَبَهًا، وذَلِكَ الشَّبَهُ ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ ، ثُمَّ بَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿ هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ أيْ: مِن عَبِيدِكم ﴿ مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ ﴾ مِنَ المالِ والأهْلِ والعَبِيدِ، أيْ: هَلْ يُشارِكُكم عَبِيدُكم في أمْوالِكم ﴿ فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ ﴾ أيْ: أنْتُمْ وَشُرَكاؤُكم مِن عَبِيدِكم سَواءٌ ﴿ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: كَما تَخافُونَ أمْثالَكم مِنَ الأحْرارِ، وأقْرِباءَكم كالآباءِ والأبْناءِ؟

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَخافُونَهم أنْ يَرِثُوكم كَما يَرِثُ بَعْضُكم بَعْضًا؟

وقالَ غَيْرُهُ: تَخافُونَهم أنْ يُقاسِمُوكم أمْوالَكم كَما يَفْعَلُ الشُّرَكاءُ؟

والمَعْنى: هَلْ يَرْضى أحَدُكم أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ شَرِيكَهُ في مالِهِ وأهْلِهِ حَتّى يُساوِيَهُ في التَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، فَهو يَخافُ أنْ يَنْفَرِدَ في مالِهِ بِأمْرٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَما يَخافُ غَيْرَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ الأحْرارِ؟!

فَإذا لَمْ تَرْضَوْا ذَلِكَ لِأنْفُسِكُمْ، فَلِمَ عَدَلْتُمْ بِي مِن خَلْقِي مَن هو مَمْلُوكٌ لِي؟!

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما بَيَّنّا هَذا المَثَلَ ﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ عَنِ اللَّهِ.

ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما اتَّبَعُوا الهَوى في إشْراكِهِمْ، فَقالَ: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴿ أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما أشْرَكُوا بِإضْلالِ اللَّهِ إيّاهم ﴿ وَما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ أيْ: مانِعِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسِكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ اللامُ في لَهُ الأُولى لامُ المِلْكِ، وفي الثانِيَةِ لامُ تَعْدِيَةٍ لِـ"قَنَتَ" وقَنَتَ بِمَعْنى خَضَعَ فِي طاعَتِهِ وانْقِيادِهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرُ لَفْظِها العُمُومُ في القُنَّتِ، والعُمُومُ في كُلِّ مَن يَعْقِلُ، وتَعْمِيمُ ذَلِكَ في المَعْنى لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ خَبَرٌ ونَحْنُ نَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لا يَقْنُتُ في كَثِيرٍ مِنَ المُعْتَقَدِ والأعْمالِ، فَلا بُدَّ أنَّ عُمُومَ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ الخُصُوصُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا الخُصُوصِ أيْنَ هُوَ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو في القُنَّتِ والطاعَةِ، وذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ مَن يَعْقِلُ هو قانِتٌ لِلَّهِ في مُعْظَمِ الأُمُورِ مِنَ الحَياةِ والمَوْتِ والرِزْقِ والقُدْرَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وبَعْضُهم يَبْخَلُ بِالعِبادَةِ وبِالمُعْتَقَداتِ فَلا يَقْنُتُ فِيها، فَكَأنَّهُ قالَ: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ في مُعْظَمِ الأُمُورِ وفي غالِبِ الشَأْنِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ما مَعْناهُ: إنَّ الخُصُوصَ هو في الأعْيانِ المَذْكُورِينَ، كَأنَّهُ قالَ: ولَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ مِن مَلَكٍ ومُؤْمِنٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَبْدَأُ الخَلْقَ ﴾ مَعْناهُ: يُنْشِئُهُ ويُخْرِجُهُ مِنَ العَدَمِ، وجاءَ الفِعْلُ بِصِيغَةِ الحالِ لِما كانَ في هَذا المَعْنى ما قَدْ مَضى كَآدَمَ وسائِرِ القُرُونِ، وفِيهِ ما يَأْتِي في المُسْتَقْبَلِ، فَكَأنَّ صِيغَةَ الحالِ تُعْطِي هَذا كُلَّهُ.

و"يُعِيدُهُ" مَعْناهُ يَبْعَثُهُ مِنَ القُبُورِ ويُنْشِئُهُ تارَةً أُخْرى.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ: المَعْنى: وهو هَيِّنٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوجَلُ بِمَعْنى لَوَجِلٌ.

وقَوْلُ الآخَرُ: بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ وقَوْلُهم في الأذانِ: "اللهُ أكْبَرُ"، وقَوْلُ الشافِعِيِّ رَحِمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوحَدِ يُرِيدُ: بِواحِدٍ، واسْتَشْهَدَ بِهَذا البَيْتِ أبُو عُبَيْدَةَ، وهَذا شاهِدٌ كَثِيرٌ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "وَكُلٌّ هَيِّنٌ عَلَيْهِ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: المَعْنى: وهو أيْسَرُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اليُسْرِ عَلَيْهِ في حَيِّزٍ واحِدٍ وحالٍ مُتَماثِلَةٍ، قالَ: ولَكِنَّ هَذا التَفْضِيلَ بِحَسْبِ مُعْتَقَدِ البَشَرِ، وما يُعْطِيهِمُ النَظَرُ في الشاهِدِ مِن أنَّ الإعادَةَ في كَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ أهْوَنُ عَلَيْنا مِنَ البُداءَةِ؛ لِلتَّمَرُّنِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ الرَوِيَّةِ الَّتِي كانَتْ في البُداءَةِ.

وهَذانِ القَوْلانِ الضَمِيرانِ فِيهِما عائِدانِ عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: الضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى "الخَلْقِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهُوَ بِمَعْنى "المَخْلُوقِ" فَقَطْ، وعَلى التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلِينَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "المَخْلُوقَ"، أو يَكُونَ مَصْدَرًا مِن "خَلَقَ".

فَقالالحَسَنُ: إنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ مِن إنْشائِهِ؛ لِأنَّهُ في إنْشائِهِ يَصِيرُ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ، مِن نُطْفَةٍ إلى عَلَقَةٍ إلى مُضْغَةٍ ونَحْوَ هَذا، وفي الإعادَةِ إنَّما يَقُومُ في حِينٍ واحِدَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: وهو أيْسَرُ عَلَيْهِ، أيْ: أقْصَرُ مُدَّةً وأقَلُّ انْتِقالًا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: وهو أهْوَنُ عَلى المَخْلُوقِ أنْ يُعِيدَ شَيْئًا بَعْدَ إنْشائِهِ، فَهَذا عُرْفُ المَخْلُوقِينَ، فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ أنْتُمُ الإعادَةَ في جانِبِ الخالِقِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأظْهَرُ عِنْدِي عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى اللهِ تَعالى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ ، لِما جاءَ بِلَفْظٍ فِيهِ اسْتِعارَةٌ واسْتِشْهادٌ بِالمَخْلُوقِ عَلى الخالِقِ، وتَشْبِيهٌ بِما يَعْهَدُهُ الناسُ مِن أنْفُسِهِمْ، خَلَصَ جانِبُ العَظَمَةِ بِأنْ جَعْلَ لَهُ المَثَلَ الأعْلى الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ تَكْيِيفٌ ولا تَماثُلٌ مَعَ شَيْءٍ.

والعِزَّةُ والحِكْمَةُ صِفَتانِ مُوافِقَتانِ لِمَعْنى الآيَةِ، فَبِهِما يُعِيدُ ويَنْفُذُ أمْرُهُ في عِبادِهِ كَيْفَ شاءَ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الأصْنامِ وفَسادَ مُعْتَقَدِ مَن يُشْرِكُها بِاللهِ بِضَرْبِ هَذا المَثَلِ، ومَعْناهُ: إنَّكم أيُّها الناسُ إذا كانَ لَكم عَبِيدٌ تَمْلِكُونَهم فَإنَّكم لا تُشْرِكُونَهم في أمْوالِكم ولا في أُمُورِكم ولا في شَيْءٍ عَلى جِهَةِ اسْتِواءِ المَنزِلَةِ، ولَيْسَ مِن شَأْنِكم أنْ تَخافُوهم فِي أنْ يَرِثُوا أمْوالَكم أو يُقاسِمُوكم إيّاها في حَياتِكُمْ، كَما يَفْعَلُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ، فَإذا كانَ هَذا فِيكم فَكَيْفَ تَقُولُونَ: إنَّ مِن عَبِيدِهِ ومِلْكِهِ شُرَكاءَ في سُلْطانِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ، وتُثْبِتُونَ في جانِبِهِ ما لا يَلِيقُ بِكم عِنْدَكم بِجَوانِبِكُمْ؟

هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٍ، وجاءَ هَذا المَعْنى في مَعْرِضِ السُؤالِ والتَقْرِيرِ.

وقَرَأ الناسُ: ﴿ كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ بِنَصْبِ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِضَمِّها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُفَصِّلُ" بِالنُونِ حَمَلًا عَلى "رَزَقْناكُمْ"، وقَرَأ عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ حَمَلًا عَلى "ضَرَبَ لَكم مَثَلًا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أتبع ذكر إقامة الله تعالى السماوات والأرض بالتذكير بأن كل العقلاء في السماوات والأرض عبيد لله تعالى فيكون من مكملات ما تضمنته جملة ﴿ ومن ءاياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ [الروم: 25] فعطفت عليها هذه الجملة زيادة لبيان معنى إقامته السماءَ والأرض.

فاللام في قوله ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ لام الملك، واللام في قوله ﴿ كل له قانتون ﴾ لام التقوية، أي تقوية تعدية العامل إلى معموله لضعف العامل بكونه فرعاً في العَمل، وبتأخيره عن معموله.

وعليه تكون ﴿ مَنْ ﴾ صادقة على العقلاء كما هو الغالب في استعمالها.

وظاهر معنى القنوت امتثال الأمر، فيجوز أن يكون المعنى: أنهم منقادون لأمره.

وإذ قد كان في العقلاء عصاة كثيرون تعيَّن تأويل القنوت باستعماله في الامتثال لأمر التكوين، أو في الشهادة لله بالوحدانية بدلالة الحال، وهذا هو المقصود هنا لأن هذا الكلام أورد بعد ذكر الآيات الستّ إيرادَ الفذلكة بإثبات الوحدانية فلا يحمل قنوتهم على امتثالهم لما يأمرهم الله به من أمر التكليف مباشرة أو بواسطة لأن المخلوقات متفاوتون في الامتثال للتكليف؛ فالشيطان أمره الله مباشرة بالسجود لآدم فلم يمتثل، وآدم أمره الله مباشرة أن لا يأكل من الشجرة فأكل منها؛ إلا أن ذلك قبل ابتداء التكليف.

والمخلوقات السماوية ممتثلون لأمره ساعون في مرضاته قال تعالى ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ [الأنبياء: 27].

وأما المخلوقات الأرضية العقلاء فهم مخلوقون للطاعة قال تعالى ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [الذاريات: 56]، فزيغ الزائغين عن طاعة الله تعالى انحراف منهم عن الفطرة التي فطروا عليها، وهم في انحرافهم متفاوتون؛ فالضالّون الذين أشركوا بالله فجعلوا له أنداداً، والعصاة الذين لم يخرجوا عن توحيده، ولكنهم ربما خالفوا بعض أوامره قليلاً أو كثيراً، هم في ذلك آخذون بجانب من الإباق متفاوتون فيه.

فجملة ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ معطوفة على جملة ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ [الروم: 25].

ويجوز أن تكون جملة ﴿ ولَه مَنْ فِي السَّمَاوات والأرض كُل لهُ قانِتُون ﴾ تكملة لجملة ﴿ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ [الروم: 25] على معنى: وله يومئذ من في السموات والأرض كل له قانتون، فالقنوت بمعنى الامتثال الواقع في ذلك اليوم وهو امتثال الخضوع لأن امتثال التكليف قد انقضى بانقضاء الدنيا، أي لا يسعهم إلا الخضوع فيها يأمر الله به من شأنهم ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ﴾ [النور: 24]، فتكون الجملة معطوفة على جملة ﴿ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ [الروم: 25].

والقنوت تقدم في قوله ﴿ قانتاً لله حنيفاً ﴾ في سورة النحل (120).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ: ﴿ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُطِيعُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: «كُلُّ حَرْفٍ مِنَ القُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهِ القُنُوتُ فَهو الطّاعَةُ» .

الثّانِي: مُصَلُّونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وأبُو مالِكٍ والسُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: كُلٌّ لَهُ قائِمٌ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الخامِسُ: كُلٌّ لَهُ قائِمٌ بِالشَّهادَةِ أنَّهُ عَبْدٌ لَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّادِسُ: أنَّهُ المُخْلِصُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أمّا بَدْءُ خَلْقِهِ فَبِعُلُوقِهِ في الرَّحِمِ قَبْلَ وِلادَتِهِ، وأمّا إعادَتُهُ فَإحْياؤُهُ بَعْدَ المَوْتِ بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِلْبَعْثِ فَجَعَلَ ما عُلِمَ مِنِ ابْتِداءِ خَلْقِهِ دَلِيلًا عَلى ما خَفِيَ مِن إعادَتِهِ اسْتِدْلالًا بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ.

ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّ إعادَةَ الخَلْقِ أهْوَنُ مِنِ ابْتِداءِ إنْشائِهِمْ لِأنَّهم يُنْقَلُونَ في الِابْتِداءِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ يَعُودُ رَضِيعًا ثُمَّ فَطِيمًا، وهو في الإعادَةِ يُصاحُ بِهِ فَيَقُومُ سَوِيًّا وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ فَجَعَلَ ﴿ أهْوَنُ ﴾ مَكانَ ( هَيِّنٍ ) كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ دَعائِمُهُ عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ: وَفِي تَأْوِيلِ ﴿ أهْوَنُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْسَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أسْهَلُ، وأنْشَدَ ابْنُ شَجَرَةَ قَوْلَ الشّاعِرِ: وهانَ عَلى أسْماءَ أنْ شَطَّتِ النَّوى ∗∗∗ يَحِنُّ إلَيْها والِهٌ ويَتُوقُ أيْ هي أسْهَلُ عَلَيْهِ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ هَيْثَمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ قالَ: ما شَيْءٌ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ.

﴿ وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى ﴾ أيِ الصِّفَةُ العُلْيا.

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: هو شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: - هو أعْلَمُ - أنَّهُ جَمِيعُ ما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ المَخْلُوقُ فِيها.

﴿ فِي السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ لا إلَهَ فِيها غَيْرُهُ.

﴿ وَهُوَ العَزِيزُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَنِيعُ في قُدْرَتِهِ.

الثّانِي: في انْتِقامِهِ.

﴿ الحَكِيمُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في تَدْبِيرِهِ لِأمْرِهِ وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي العالِيَةِ.

الثّانِي: في إعْذارِهِ وحُجَّتِهِ إلى عِبادِهِ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن آياته ﴾ قال: كل شيء في القرآن آيات.

بذلك تعرفون الله.

إنكم لن تروه فتعرفونه على رؤية، ولكن تعرفونه بآياته وخلقه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن آياته أن خلقكم من تراب ﴾ قال: خلق آدم من تراب ﴿ ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ﴾ يعني ذريته ﴿ ومن آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ قال: حواء.

خلقها الله من ضلع من أضلاع آدم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ قال: الجماع ﴿ ورحمة ﴾ قال: الولد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ قال: قامتا بأمره ﴿ بغير عمد ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ قال: دعاهم من السماء فخرجوا من الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذا أنتم تخرجون ﴾ قال: من قبوركم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأزهر بن عبد الله الجزاري قال: يقرأ على المصاب إذا أخذ ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ كل له قانتون ﴾ يقول: مطيعون يعني الحياة والنشور والموت.

وهم عاصون له فيما سوى ذلك من العبادة.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ قال مقاتل: كلهم عبيده، وفي ملكه (١) ﴿ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ قال: يعني: مقرون له بالعبودية، يعلمون أن الله ربهم وهو خلقهم.

وهذا قول قتادة واختيار ابن قتيبة (٢) (٣) وقال الكلبي: وهذا خاص لمن كان منهم مطيعًا (٤) (٥) وقال أبو إسحاق: معنى ﴿ قَانِتُونَ ﴾ مطيعون طاعة لا يجوز أن يقع معها معصية؛ لأن القنوت: القيام بالطاعة، ومعنى الطاعة هاهنا: أن من في السموات والأرض مخلوقون كما أراد الله -عز وجل-، لا يقدر أحد على تغيير الخِلقة، ولا مَلَك مقرب، فآثار الصَنعة والخِلقة تدل على الطاعة؛ ليس يعني بها طاعة العباد، إنما هو: طاعة الإرادة والمشيئة (٦) (٧) (٨) (١) "تفسير مقاتل" 78 ب.

(٢) أخرجه ابن جرير 21/ 35، عن قتادة.

و"تأويل مشكل القرآن" ص 452، و"غريب القرآن" ص 340.

وهو قول مقاتل 78 ب.

(٣) ذكر ابن الأنباري أن القنوت ينقسم في كلام العرب على أربعة أقسام: الطاعة، == الصلاة، طول القيام، السكوت.

الزاهر في "معاني كلمات الناس" 1/ 68.

(٤) "تنوير المقباس" ص 340.

(٥) قال ابن جرير 21/ 35: "وقال آخرون: هو على الخصوص، والمعنى: وله من في السموات والأرض من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم".

ثم ذكر معناه بإسناده عن ابن زيد.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 183.

(٧) أخرجه ابن جرير 21/ 35.

(٨) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ  ﴾ : قال مجاهد وعطاء والسدي: مطيعون.

قال أبو عبيد: أجل القنوت في أشياء؛ منها: القيام، وبه جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا ..

والقنوت أيضًا: الطاعة ..

قال الزجاج: المشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت أنه القائم بأمر الله ..

قال ابن عباس في هذه الآية: قوله: ﴿ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ راجع إلى أهل طاعته، دون الناس أجمعين.

وهو من العموم الذي أريد به الخصوص، وهو اختيار الفراء.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَانِتُونَ ﴾ ذكر في [البقرة: 116].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف.

الآخرون: بالرفع.

﴿ السوأى ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿ يرجعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿ تخرجون ﴾ بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: مجهولاً ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس.

الآخرون: بالنون.

الوقوف: ﴿ ألم ﴾ كوفي ﴿ غلبت ﴾ ﴿ الروم ﴾ ه ﴿ سيغلبون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ ومن بعد ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ ينصر الله ﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿ بنصر الله ﴾ يتعلق بـ ﴿ يفرح ﴾ ﴿ ينصر من يشاء ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ وعد الله ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ في أنفسهم ﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لكافرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه والوصل جائز ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ يتفرقون ﴾ ه ﴿ يجبرون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تصبحون ﴾ ه ﴿ تظهرون ﴾ ه ﴿ بعد موتها ﴾ ط ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تنتشرون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ وألوانكم ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ دعوة ﴾ لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف.

والحق أن قوله ﴿ من الأرض ﴾ متعلق بـ ﴿ دعاكم ﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قانتون ﴾ ه ﴿ أهون عليه ﴾ ج ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من أنفسكم ﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أضل الله ﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ حنيفا ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ لخلق الله ﴾ ط ﴿ القيم ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ لا يعلمون ﴾ ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن ﴿ منيبين ﴾ حال من ضمير ﴿ أقم ﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ لأن قوله ﴿ من الذين ﴾ كالبدل مما قبله ﴿ شيعاً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه.

التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه  كان يقول للمشركين ماأمر الله به ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون  ﴾ وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله ﴿ وإلهنا وإلهكم واحد  ﴾ فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور.

فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم.

وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله ﴿ أدنى الأرض ﴾ لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم.

وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم.

وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.

عن ابن عباس: الأردن وفلسطين.

ففرح المشركون بذلك فأنزل الله  هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل.

وقوله ﴿ في أدنى الأرض ﴾ إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم.

ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين.

فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين.

فأخبر أبو بكر رسول الله  فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.

فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله  فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية.

وذلك عند رأس سبع سنين.

فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله  فأمره أن يتصدق به.

قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ ويومئذ ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة.

وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم.

وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.

ومن علق قوله ﴿ بنصر الله ﴾ بقوله ﴿ ينصر ﴾ بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على ﴿ المؤمنون ﴾ ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه.

أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه.

﴿ وعد الله ﴾ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين.

وفي إبدال قوله ﴿ يعلمون ﴾ من قوله ﴿ لا يعلمون ﴾ أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ﴿ ظاهراً ﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها.

هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وقوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس.

وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور.

وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله  فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه  ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر.

وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل.

ثم قال ﴿ وإن كثيراً من الناس ﴾ وقد قال قبل ذلك ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير.

قال في الكشاف والمراد ﴿ بلقاء ربهم ﴾ الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله  ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض  ﴾ أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق.

وإنما أخر الأنفس في قوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة.

وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة.

وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم.

وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية.

ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم.

قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" ﴿ أولم يسيروا ﴾ بالواو وفي غيرهن ﴿ أفلم ﴾ بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وما بعدها ﴿ وأثاروا ﴾ بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها.

وكذا في "فاطر" ما قبله ﴿ ولن تجد لسنتنا تحويلاً  ﴾ وما بعده ﴿ وما كان  ﴾ وفي "المؤمن" ما قبله ﴿ والذين يدعون ﴾ وأما في آخر "المؤمن" فما قبله ﴿ فأي آيات الله ﴾ وما بعده ﴿ فما أغنى عنهم  ﴾ وكلاهما بالفاء.

قوله في هذه السورة ﴿ من قبلهم ﴾ متصل بكون آخر مضمر.

وقوله ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.

وإنما قال في "فاطر" ﴿ وكانوا ﴾ بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه  ﴾ وقال في "المؤمن" ﴿ كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ﴾ فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم.

﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام.

قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم ﴿ والسوأى ﴾ تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب.

و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر.

والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار.

و ﴿ أن كذبوا ﴾ المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول ﴿ اساؤا ﴾ و ﴿ أن كذبوا ﴾ عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام.

ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه.

قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله ﴿ أن كذبوا ﴾ ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه.

وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال ﴿ الله يبدأ ﴾ يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة.

ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار.

ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ﴿ ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يجحدونها وقتئذ بقوله ﴿ سيكفرون بعبادتهم  ﴾ أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.

ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء.

وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة.

حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر.

وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع.

عن النبي  "إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة" قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟

قال: بالتسبيح.

وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا.

وأما معنى ﴿ محضرون ﴾ لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين  ﴾ وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وكقوله ﴿ إنما التوبة على الله  ﴾ إلى قوله ﴿ تبت الآن  ﴾ قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ﴿ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وفي الانتهاء بقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين.

والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة.

وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ ويصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشياً ﴾ صلاة العصر و ﴿ يظهرون ﴾ صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله  "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل" ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ﴿ ومن آياته منامكم بالليل  ﴾ كما يجيء.

روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.

وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة.

قوله ﴿ وعشياً ﴾ معطوف على ﴿ حين ﴾ وما بينهما وهو قوله ﴿ وله الحمد في السموات والأرض ﴾ اعتراض.

قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم.

وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى ﴿ ويخرج الحي من الميت ﴾ قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها.

عن رسول الله  "من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج ﴿ من تراب ﴾ وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله ﴿ خلق من الماء بشراً  ﴾ لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و ﴿ ثم ﴾ لتبعيد الرتبة و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً.

قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله  يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى.

وقوله ﴿ بشراً ﴾ إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات.

وقوله ﴿ تنتشرون ﴾ إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً.

والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله  ﴾ وإما بمعنى البث والتفريق كقوله ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء  ﴾ .

وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال ﴿ ومن آياته أن خلق لكم ﴾ ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن.

و ﴿ من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ فإن الجنس إلى الجنس أسكن ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ عن الحسن هي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ هي الولد.

وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر.

قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان ﴿ إن في ذلك ﴾ الخلق والجعل ﴿ لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله  .

ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية.

وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام.

ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله ﴿ وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً  ﴾ وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام.

وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل.

وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه.

ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال ﴿ ومن آياته يريكم ﴾ فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا.

وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق.

وانتصاب ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله ﴿ إن الله يمسك  ﴾ إلى قوله ﴿ من بعده  ﴾ واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك.

ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله ﴿ كن فيكون  ﴾ موافق للإرادة بالتفاق.

قال جار الله: قوله ﴿ إذا دعاكم ﴾ بمنزلة قوله ﴿ يريكم ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً.

أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض.

نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز.

ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء.

واعلم أنه  ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض.

ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض.

والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر.

وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض.

وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال ﴿ لآيات للعالمين ﴾ ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر.

ومن قرأ ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى ﴿ يسمعون ﴾ ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر.

وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه.

وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ﴾ يعني أن يعيده ﴿ أهون عليه ﴾ أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده.

وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم ﴿ وهو علي هين  ﴾ لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق.

وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه.

ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه.

كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ مجرى المثل فيما يصعب ويسهل.

وفسر به قوله ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة.

وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً.

ومعنى ﴿ من انفسكم ﴾ أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.

والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك ﴿ فأنتم ﴾ يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق ﴿ سواء ﴾ من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد ﴿ تخافونهم ﴾ أن تستبدوا بتصرف دونهم ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار.

والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟

وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم.

وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي ﴿ نفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول.

ثم شوه صورة الشرك بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ أي اشركوا ﴿ أهواءهم بغير علم ﴾ فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله ﴿ فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين ﴾ والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً.

ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموها أو عليكم بها.

قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله ﴿ منيبين ﴾ وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك.

وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر.

وقوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ.

وقيل: هو تسلية للنبي  حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد.

وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق.

وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً.

ومعنى ﴿ فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار.

ومعنى ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون ﴿ من الذين ﴾ منقطعاً عما قبله ﴿ وكل حزب ﴾ مبتدأ و ﴿ فرحون ﴾ صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم.

التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً  ﴾ إلا أن يكون هناك مخصص.

ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿ في بضع سنين ﴾ من أيام الطلب ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وهم الروح والسر والعقل.

﴿ أولم يتفكروا ﴾ ﴿ في ﴾ استعداد ﴿ أنفسهم ما خلق الله السموات ﴾ الروحانية ﴿ والأرض ﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية.

والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿ أولم يسيروا ﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿ والذين من قبلهم ﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع.

والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿ الله يبدؤا الخلق ﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ ثم يعيده ﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ الإرادة ﴿ يبلس المجرمون ﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله.

ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿ فسبحان الله ﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، و  في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين.

يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة.

فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿ واختلاف ألوانكم ﴾ وهي الطبائع المختلفة.

منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ في ليل البشرية ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية ﴿ لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع.

فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها.

أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ ثم إذا دعاكم ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ إذ أنتم ﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿ تخرجون ﴾ من أنانيته وجودكم ﴿ وهو أهون عليه ﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق.

ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب.

﴿ ضرب لكم ﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ فيما رزقناكم ﴾ من العلوم والكشوف ﴿ تخافونهم ﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك.

فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ حرف "من" إنما يتكلم به ويعبّر عمّن له الملك والتدبير والتمييز، وحرف "ما" عن ملك الأشياء نفسها، فإذا كان من له الملك في الشيء والتدبير والأمر له فالأملاك أحق أن تكون له.

يخبر - والله أعلم - عن غناه وسلطانه وقدرته، أي: من له ما ذكر في السماوات والأرض لا يحتمل أن يمتحنهم ويأمرهم بأنواع العبادات والطاعة لحاجة نفسه؛ إذ هو غني عن ذلك، ولكنه إنما يمتحن ويأمرهم بأنواع العبادة وأنواع المحن لمنافع أنفسهم وحاجاتهم ومصالحهم، فإذا كان له ما ذكر من الملك لا يحتمل أن يعجزه شيء أيضاً.

وقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ قال بعضهم: القنوت: القيام، والقانت: القائم، فإن كان هذا فتأويله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: قائم بتدبيره وأمره في الوجود والعدم، والابتداء والإعادة، وفي كل حال: إن أوجد وجد، وإن أعدم صار معدوماً، وإن أحياه حيي، ونحوه، في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.

وقال بعضهم: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: مطيعون، فإن كان على هذا ونحوه فهو في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.

وقال بعضهم: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: مطيعون، فإن كان على هذا فهو على طاعة الخلقة له، والشهادة لله بالوحدانية والربوبية، والتدبير له، والعلم في ذلك؛ لأن الله جعل في خلقة كل أحد، وكل شيء، وفي صورته ما يشهد له بالوحدانية والربوبية، ويدل على تدبيره وعلمه وحكمته، فكل له قانت ومطيع بالخلقة والصنعة.

وقال بعضهم: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ أي: خاضعون، فهو يرجع إلى حال دون حال، وهو حال الخوف والضرورة، يخضع له كل كافر ومشرك في تلك الحال، وهو ما أخبر عنهم من الخضوع له إذا ركبوا الفلك؛ حيث قال: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ  ﴾ وقولهم: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ  ﴾ ونحو ذلك من الأحوال التي كانوا يخضعون له ويطيعون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ لا يحتمل أن يخلقهم وينشئهم لحاجة نفسه، أو لمصلحته؛ لأنه غني بذاته، أو يمتحنهم لمنفعة نفسة، أو يأمره لذلك، ولكن إنما يبدئ ويعيد لحاجة أنفسهم.

أو يخبر أن من قدر على ابتداء الشيء يملك إعادته.

﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ اختلف فيه: قيل: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ هيّن ابتداؤه وإعادته؛ كقوله: ﴿ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ  ﴾ وقوله: ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ  ﴾ ، ويجوز العبارة بأفعل عن فعيل؛ نحو ما يقال: الله أكبر؛ أي: كبير، وأعظم بمعنى: عظيم، ونحوه كثير؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ أي: عليه هيّن؛ إذ ليس شيء أصعب على الله من شيء، أو شيء أهون عليه من شيء؛ بل الأشياء كلها بمحل واحد تحت قوله: ﴿ كُنْ ﴾ وإنما يقال: أهون وأيسر، لمن كان فعله بسبب، فيهون عليه إذا كثرت الأسباب، ويصعب عليه ذلك إذا قلت وضعفت، فأمّا الله -  وتعالى - فهو الفاعل للأشياء، وصانعها، والقادر عليها بسبب وبلا سبب، فلا جائز أن يقال شيء أهون من شيء، وإنما يجوز ذلك فيمن كان فعله لا يكون إلا بسبب.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ في عقولكم، وتدبيركم، وتقديركم؛ أي: إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه؛ لأن الخلق لا يملكون تصوير ما لم يسبق له المثال والتصور ابتداء، وقد يملكون تصوير الأشياء وتمثيلها إذا سبق لهم مثال رأوه وشاهدوه؛ فثبت أن إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه، فإذا عاينتم وأقررتم: أنه قادر على ابتدائه فهو على إعادته أملك وأقدر، ولا قوة إلا بالله.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ يعني: على ذلك الشيء؛ أي: إعادة ذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من ابتدائه؛ لأنه في الابتداء ينقله ويحوّله من حال النطفة إلى حال العلقة، ثم من حال العقلة إلى حال المضغة، ثم [من] حال المضغة إلى حال التصوير والنسمة إلى ما ينتهي إليه، حتى يصير خلقاً وصورة، فيخبر أن إعادته ليس على هذا التقدير والتحويل من حال إلى حال، ولكن كما ذكر: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ  ﴾ وقوله: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً  ﴾ ونفخة ودعوة وما ذكر، فالإعادة لذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من الابتداء.

وقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له الصفات العالية، ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه فهو الموصوف به في الحقيقة؛ على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه؛ فذلك الحمد له في الحقيقة راجع إليه، ذلك كقوله: ﴿ لَهُ ٱلْحَمْدُ...

﴾ الآية [القصص: 70].

والثانى: له الصفة العالية مما يخالف صفات الخلق وشبههم كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ : لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته، وهو ما قاله بعض أهل التأويل: الذي لا مثل له ولا شبه، لا إله إلا هو، واحد لا شريك له.

والثالث: وله الصفات العالية مما لا يضاد بعضها بعضاً: عالم لا جهل فيه، قادر لا عجز فيه، عزيز لا ذل فيه، وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو عيب بوجه من الوجوه، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل بجهة أخرى وبشيء آخر وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعجز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر.

فالله -  وتعالى - موصوف بصفات لا يضاد بعضها بعضاً ولا يدخل في ذلك نقصان بجهة من الجهات، وفي حال من الأحوال؛ لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ولا بسبب، وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وباعتبار يكون لهم؛ لذلك كان ما ذكر، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : الذي لا يلحقه الذل والضرر بمخالفة خلقه إياه وعصيانهم له، ليس كملوك الأرض إذا خالفهم أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم يذلون ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم؛ لأن عزهم كان بهم، فبإعراضهم عنهم ومخالفتهم إياهم يذلون، فأما الله -  - [فهو] عزيز بذاته، لا يلحقه الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه.

أو أن يكون قوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ المنتقم عمن يخالف أمره ويعصيه أو يشرك غيره في ألوهيته وربوبيته.

والحكيم: هو الذى لا يلحقه الخطأ في التدبير.

يخبر - والله أعلم -: أني وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم يخالفونني ويعصونني، وأعنتهم بكل أنواع المعونة، على علم مني بذلك منهم؛ فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع المعونة، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته وعصيانه ومخالفته - هو موصوف بالسفه غير موصوف بالحكمة؛ لأنه يسبق في إهلاك نسفه، ويعينه على ذلك بمعونته إياه، ومن يسعى في إهلاك نفسه، فهو غير حكيم.

فأما الله -  - حيث خلقهم وأنشأهم وأعانهم بكل أنواع المعونة على علم منه بما يكون من الخلاف له والعصيان والمعاداة غير خارج فعله عن الحكمة؛ لما ذكرنا أنه لا يلحقه الضرر ولا النقصان بما علم ويكون منهم من الخلاف له والعصيان والمعاداة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ قال بعضهم: ضرب لكم مثلاً.

من مثل خلقكم، يقول - والله أعلم -: يبين لكم مثلا من أنفسكم: ما لو تفكرتم وتأملتم، لظهر لكم سفهكم بعبادتكم الأصنام دون الله، أو تسميتكم الأصنام بالله.

ثم يخرج ضرب المثل بما ذكر على وجوه: أحدها: قوله: ﴿ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ ، أي: لم تسووا أنتم أنفسكم بالذي ملكت أيمانكم فيما رزقتم حتى تكونوا أنتم وهم سواء في ذلك؛ فكيف زعمتم أن الله قد سوى نفسه وما ملك من خلقه في ملكه وألوهيته؟!

والثاني: يقول: هل ترضون أن يكون ما ملكت أيمانكم شركاءكم فيم تملكون من الأموال؟!

فإذا لم ترضوا به، فكيف زعمتم أن الله يرضى أن يشرك مماليكه في ملكه وسلطانه؟!.

أو يقول: فإن لم ترضوا لأنفسكم إشراك ما ملكت أيمانكم في ملككم، ولم تسووا مماليككم بأنفسكم في ذلك، فكيف رضيتم ذلك لله، وسويتم نفسه ومماليكه، وعدلتم به من دونه؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

أي: تخافون مماليككم كما تخافون أحرارا أمثالكم.

وقال بعضهم: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أبيه وأخيه وأقاربه.

وبعضهم يقولون: تخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت، كما تخافون أن يرثكم الأحرار من أوليائكم، وهو قول مقاتل لكن الميراث ليس من الآية في شيء، والأول أشبه.

وفي قوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ دلالة أن العبد لا يكون له حقيقة الملك في الأشياء كالأحرار؛ لأنه أخبر أنهم ليسوا هم بسواء في الشرك فيما رزق السادات وملكوا، على العلم أنهم يشتركون جميعاً في المنافع؛ دل أنهم يملكون منافع الأشياء ويشتركون مع الأحرار فيها، ولا يملكون حقيقة الإملاك، وكذلك يدل قوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ...

 ﴾ أنه لما نفى عنه القدرة على شيء - والله أعلم - يكون تأويل قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ ، أي: يغنهم الله من فضله بالمنافع، لا بحقيقة ملك الأشياء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ .

أي نبينها.

﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ .

أي: لقوم ينتفعون بعقولهم.

والثاني: قوله: ﴿ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: نفرق واحدة بعد واحدة، على ما ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع من قوله: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ كذا، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ كذا، والتفصيل يخرج على وجهين: أحدهما: التبيين.

والثاني: التفريق في الذكر، فصلت آياته: بينت، وفصلت: فرقت واحدة بعد واحدة.

فإن قال لنا قائل في هذه الآيات التي ذكرت: ما يدل على إيجاب البعث؟

قيل: في هذه [الآيات] التي ذكرت دفع الشبه التي لها أنكروا البعث؛ لأنهم رأوا البعث ممتنعاً بالشبهة التي اعترضت لهم؛ ففي هذه الآيات دفع تلك الشبهة التي لها رأوا البعث ممتنعاً، حيث أراهم بدء خلقهم وقيام السماء والأرض بالذي ذكر.

ثم إيجاب البعث يكون بالأخبار الصادقة، وهي أخبار الرسل الذين ظهر صدقهم، أو بما ذكرنا: أن خلق الخلق بلا عاقبة تجعل لهم للفناء خاصة خارج عن الحكمة؛ لوجوه: أحدها: ما ذكرنا أن بناء البناء في الشاهد للنقض والإفناء خاصة بلا منفعة تتأمل في العاقبة سفه خارج عن الحكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق للفناء خاصة بلا عاقبة يكون خارجاً عن الحكمة.

والثاني: أنه لو لم يجعل البعث وداراً أخرى؛ ليفرق بين العدو والولي مع ما قد سوى بينهما في هذه الدار، وفي الحكمة أن يفرق ولا يسوي بينهما؛ فلو لم يكن دار أخرى فيها يفرق لكان ذلك خارجاً عن الحكمة.

والثالث: في الحكمة أن يجزي المحسن لإحسانه والمسيء في إساءته، وقد يكونان في هذه الدنيا ويخرجان منها لا يصيب المحسن جزاء إحسانه، ولا المسيء جزاء إساءته؛ فلا بد من دار أخرى؛ ليجزى فيها كل بعمله، وفيما ذكرنا إيجاب البعث، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ ﴾ ، أي: ظلموا أنفسهم، حيث لم يستعملوها فيما أمروا بالاستعمال فيه؛ بل صرفوها إلى غير ما أمروا بالاستعمال فيه.

أو ظلموا حجج الله وآياته وبراهينه؛ حيث لم يتبعوها ولم يضعوها موضعها حيث وضعت.

وقوله: ﴿ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ في عبادتهم الأصنام، وصرفها عن الله إلى من لا يستحق العبادة والشكر؛ وذلك لهواهم؛ لأنه ليس معهم حجة ولا برهان؛ كقوله: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً  ﴾ أي: حجة وبرهانا.

وقوله: ﴿ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: أأحد سوى الله يهدي من أضله الله؟

أي من يؤثر الضلال واختاره أضله الله، لا يهديه سواه.

﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ .

ينصرونهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم.

أو ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ ، أي: من مانعين يمنعونهم عن عذاب الله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ .

قال بعضهم: هذا الخطاب لرسول الله؛ لأنه ذكر الآيات فيما تقدم؛ حيث قال: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ كذا وكذا، ثم ذكر الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم، ثم قال لرسول الله: أقم وجهك أنت للدين حنيفاً.

قال الشيخ - رحمه الله - وعندنا أن الخطاب به وبمثله لكل أحد؛ كقوله: ﴿ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ ، و ﴿ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ ؛ كأنه يخاطب كل من انتهى إليه هذا أن قل: هو الله أحد، و: يأيها الكافرون؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ هو لكل أحد.

ثم الإقامة تحتمل وجهين: أحدهما: أقم: أي: داوم جهدك وقصدك.

والثاني: أقم: أتمم.

﴿ فَأَقِمْ ﴾ ما ذكرنا ﴿ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ : قال بعضهم: الحنيف: هو من حنف القوم وميله، ومعناه: كن مائلا إلى الدين في كل حال وكل وقت.

وقال بعضهم: هو من الإخلاص والإسلام له.

وقوله: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ .

ثم فسر ذلك فقال: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ : هذا يحتمل وجوهاً: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: معرفة الله التي جبل الناس عليها أن يكون الله يجعل في كل صغير وطفل من المعرفة ما يعرف وحدانية ربه وربوبيته؛ على ما جعل لهم من المعرفة ما فيه غذاؤهم وقوامهم من أخذ ثدي أمهاتهم في حال صغرهم وطفولتهم؛ ولذلك يخرج قوله: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه" ؛ على ما جعل في الجبال من معرفة التسبيح لربها والتحميد، لكن أبواه يشبهان ذلك عليه، ويصرفانه.

والثاني: فطرهم وجبلهم ما لو تركوا وعقولهم لكانوا على ما جبلوا وفطروا؛ إذ فطر كل منهم وجعل في خلقة كل دلالة وحدانية الله وربوبيته.

وكذلك قوله: "كل مولود يولد على الفطرة" ، أي: على الخلقة التي تدل وتشهد على وحدانية الله وربوبيته ما لو تركوا وخلي بينهم وبين عقولهم لأدركوا.

والثالث: فطرهم على ما يحتملون الامتحان.

وقوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: لا تبديل لدين الله، سماه: خلقا.

وعلى قول المعتزلة: له تبديل؛ لأنهم يقولون بأن فعل العبد ليس بمخلوق، ويحتالون في قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا تبديل لما به يقع الدعاء إليه، أو كلام نحو هذا.

فيقال: إن الدين هو ما يدين المرء وهو فعله، مأخوذ من دان، يدين، ثم أخبر أنه خلق الله؛ فدل أنه مخلوق.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لما فيه دلالة وحدانية الله وشهادة ربوبيته؛ كقوله: ﴿ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ  ﴾ .

أو لا تفاوت فيما فيه دلالة الوحدانية والشهادة له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .

أخبر أن ذلك الدين القيم بالحجج والبراهين ليس كدين أولئك الكفرة أتباع الهوى.

أو أن يكون الدين القيم، أي: المستقيم على ما وصفه الله أنه الدين الحنيف.

وقوله: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ .

هو صلة قوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، فهذا يدل على أن الخطاب بقوله: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ للكل؛ حيث قال: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: أقبلوا إليه وأنيبوا له.

ثم الإنابة تقع فيما يقع به الأمر، كأنه يقول - والله أعلم -: أنيبوا إلى الله بما يأمركم به.

﴿ وَٱتَّقُوهُ ﴾ .

ما نهاكم عنه، والتقوى من الإنابة كهي من البر، كقوله -  -: ﴿ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ  ﴾ بما يأمركم به، وتتقوه عما نهاكم عنه.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

هو يحتمل وجوهاً: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ أي: الزموا وداوموا فعلها إلى آخر ما تنتهون إليه، ليس على أن يقع الأمر بها مرة واحدة.

والثاني: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ أي: أتموها بركوعها وسجودها والقراءة وغير ذلك.

والثالث: ﴿ أَقِيمُواْ ﴾ ، أي: وفوا إقامتها بأسبابها التي جعلت لها.

وفي الصلاة أحوال ثلاث: أحدها: الجواز.

والثاني: التمام والكمال.

والثالث: التزيين والتحسين.

ثم الجواز بحق الأركان، والتمام: بحق الشعوب، والتزيين بحق الحواشي.

ويجب على كل مصل خصال ثلاث: صدق النية، وحق الإخلاص له، وحق الخشوع.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .

يحتمل: أي: لا تكونوا من المشركين غير الله في الصلاة والعبادة، أي: لا تصلوا لغير الله، ولا تعبدوا من دونه.

أو لا تكونوا من المشركين من دونه في تسمية الألوهية والإلهية؛ لأنهم كانوا يسمون الأصنام التي يعبدونها: آلهة.

أو أن يكون صلة قوله: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: كونوا منيبين إليه، موحدين، مقبلين على طاعته ، مخلصين، ولا تكونوا من المشركين له غيره.

وقوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ .

قال بعضهم: لا تكونوا من المشريكن، ولا تكونوا من الذين فارقوا دينهم.

ثم قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ﴾ ، وقرئ: ﴿ فارقوا ﴾ ؛ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: فارقوا دينهم الذي جاءتهم الرسل.

أو فارقوا دينهم الذي فطروا عليه، وهو ما جعل فيهم من شهادة التوحيد له والربوبية.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ يحتمل: صاروا شيعاً، أي: فرقا وأحزاباً بعدما كانوا على ما فطروا، أو على ما جاءتهم الرسل.

أو كانوا شيعاً ما يشيع ويتبع بعضهم بعضا؛ لأن الشيعة هم الذين يرجعون إلى أصل واحد وأمر واحد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ ﴾ ، أي: قطعوا دينهم، وجعلوه قطعاً وفرقاً وأديانا، من نحو اليهودية، والمجوسية، والنصرانية وغيرها.

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: كل أهل دين وملة بما عندهم من الدين راضون به، فرحون.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : في الذي فطرتم عليه، وهو ما جعل في خلقة كل واحد شهادة الوحدانية لله والدلالة، يقول: لا تكونوا من المشركين في ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وله وحده من في السماوات، وله من في الأرض ملكًا وخلقًا وتقديرًا، كل من في السماوات وكل من في الأرض من مخلوقاته منقادون له مستسلمون لأمره.

<div class="verse-tafsir" id="91.EoZzG"

مزيد من التفاسير لسورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد