الآية ١٣ من سورة السجدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ١٣ من سورة السجدة

وَلَوْ شِئْنَا لَـَٔاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة السجدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال هاهنا ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) ، كما قال تعالى ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) [ يونس : 99 ] .

( ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) أي : من الصنفين ، فدارهم النار لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها ، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) يقول تعالى ذكره: (وَلَوْ شِئْنَا) يا محمد (لآتَيْنَا) هؤلاء المشركين بالله من قومك وغيرهم من أهل الكفر بالله (هُدَاهَا) يعني: رشدها وتوفيقها للإيمان بالله (وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مني) يقول: وجب العذاب مني لهم، وقوله: (لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ منَ الجِنَّة والنَّاسِ أجمَعِينَ) يعني: من أهل المعاصي والكفر بالله منهم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة (وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) قال: لو شاء الله لهدى الناس جميعا، لو شاء الله لأنـزل عليهم من السماء آية، فظلت أعناقهم لها خاضعين، (وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي) حقّ القول عليهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين .قال محمد بن كعب القرظي : لما قالوا : ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون رد عليهم بقوله : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها يقول : لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد ولكن حق القول مني الآية ; ذكره ابن المبارك في ( رقائقه ) في حديث طويل .

وقد ذكرناه في ( التذكرة ) .

النحاس : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها في معناه قولان : أحدهما : أنه في الدنيا .

والآخر : أن سياق الكلام يدل على أنه في الآخرة ; أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي حق القول مني لأعذبن من عصاني بنار جهنم .

وعلم الله تبارك وتعالى أنه لو ردهم لعادوا ; كما قال تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه .وهذه الهداية معناها خلق المعرفة في القلب .

وتأويل المعتزلة : ولو شئنا لأكرهناهم على الهداية بإظهار الآيات الهائلة ، لكن لا يحسن منه فعله ; لأنه ينقض الغرض المجرى بالتكليف إليه وهو الثواب الذي لا يستحق إلا بما يفعله المكلف باختياره .

وقالت الإمامية في تأويلها : إنه يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في الآخرة ولم يعاقب أحدا ، لكن حق القول منه أنه يملأ جهنم ، فلا يجب على الله تعالى عندنا هداية الكل إليها ; قالوا : بل الواجب هداية المعصومين ، فأما من له ذنب فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله .

وفي جواز ذلك منع ; لقطعهم على أن المراد هداها إلى الإيمان .

وقد تكلم العلماء عليهم في هذين التأويلين بما فيه كفاية في أصول الدين .

وأقرب ما لهم في الجواب أن يقال : فقد بطل عندنا وعندكم أن يهديهم الله سبحانه على طريق الإلجاء والإجبار والإكراه ، فصار يؤدي ذلك إلى مذهب الجبرية ، وهو مذهب رذل عندنا وعندكم ، فلم يبق إلا أن المهتدين من المؤمنين إنما هداهم الله تعالى إلى الإيمان والطاعة على طريق الاختيار حتى يصح التكليف فمن شاء آمن وأطاع اختيارا لا جبرا ; قال الله تعالى : لمن شاء منكم أن يستقيم ، وقال : فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا .

ثم عقب هاتين الآيتين بقوله تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله .

فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم ، ونفى أن يشاءوا إلا أن يشاء الله ; ولهذا فرطت المجبرة لما رأوا [ ص: 91 ] أن هدايتهم إلى الإيمان معلق بمشيئة الله تعالى ، فقالوا : الخلق مجبورون في طاعتهم كلها ، التفاتا إلى قوله : وما تشاءون إلا أن يشاء الله .

وفرطت القدرية لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان معلق بمشيئة العباد ، فقالوا : الخلق خالقون لأفعالهم ، التفاتا منهم إلى قوله تعالى : لمن شاء منكم أن يستقيم .

ومذهبنا هو الاقتصاد في الاعتقاد ; وهو مذهب بين مذهبي المجبرة والقدرية ; وخير الأمور أوساطها .

وذلك أن أهل الحق قالوا : نحن نفرق بين ما اضطررنا إليه وبين ما اخترناه ، وهو أنا ندرك تفرقة بين حركة الارتعاش الواقعة في يد الإنسان بغير محاولته وإرادته ولا مقرونة بقدرته ، وبين حركة الاختيار إذا حرك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش ; ومن لا يفرق بين الحركتين : حركة الارتعاش وحركة الاختيار ، وهما موجودتان في ذاته ومحسوستان في يده بمشاهدته وإدراك حاسته - فهو معتوه في عقله ومختل في حسه ، وخارج من حزب العقلاء .

وهذا هو الحق المبين ، وهو طريق بين طريقي الإفراط والتفريط .كلا طرفي قصد الأمور ذميم ولا تغل في شيء من الأمر واقتصدوبهذا الاعتبار اختار أهل النظر من العلماء أن سموا هذه المنزلة بين المنزلتين كسبا ، وأخذوا هذه التسمية من كتاب الله العزيز ، وهو قوله سبحانه : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكل هذا بقضاء اللّه وقدره، حيث خلى بينهم وبين الكفر والمعاصي، فلهذا قال: { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } أي: لهدينا الناس كلهم، وجمعناهم على الهدى، فمشيئتنا صالحة لذلك، ولكن الحكمة، تأبى أن يكونوا كلهم على الهدى، ولهذا قال: { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } أي: وجب، وثبت ثبوتًا لا تغير فيه.{ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } فهذا الوعد، لا بد منه، ولا محيد عنه، فلا بد من تقرير أسبابه من الكفر والمعاصي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) رشدها وتوفيقها للإيمان ( ولكن حق ) وجب ( القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) وهو قوله لإبليس : " لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين " ( ص - 85 ) .

ثم يقال لأهل النار - وقال مقاتل : إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة - :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو شئنا لآتينا كل نفسٍ هداها» فتهتدي بالإيمان والطاعة باختيار منها «ولكن حق القول مني» وهو «لأملأنَّ جهنم من الجِنة» الجن «والناس أجمعين» وتقول لهم الخزنة إذا دخلوها:

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو شئنا لآتينا هؤلاء المشركين بالله رشدهم وتوفيقهم للإيمان، ولكن حق القول مني ووجب لأملأنَّ جهنم من أهل الكفر والمعاصي، من الجِنَّة والناس أجمعين؛ وذلك لاختيارهم الضلالة على الهدى.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن هذا الإِيقان والاعتراف منهم ، قد جاء فى غير أوانه ، ولذا لا يقبله - سبحانه - منهم ، ولذا عقب - سبحانه - على ما قالوه بقوله : ( وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا .

.

.

) .

أى : ولو شئنا أن نؤتى كل نفس رشدها وهداها وتوفيقها إلى الإِيمان ، لفعلنا ، لأن إرادتنا نافذة ، وقدرتنا لا يعجزها شئ .( ولكن حَقَّ القول مِنِّي ) آى : ولكن ثبت وتحقق قولى .( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة ) أى من الجن وسموا بذلك لاستتارهم عن الأنظار .ومن ( الناس أَجْمَعِينَ ) بسبب فسوقهم عن أمرنا ، وتكذيبهم لرسلنا .فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شئ ، إلا أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن الذين سبق فى علمه أنهم يؤثرون الضلالة على الهداية ، لسوء استعدادهم ، يكون مصيرهم إلى لانار ، وأما الذين آثروا الهداية على الضلالة لنقاء نفوسهم ، وكمال استعدادهم ، فيكون مصيرهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض .كما أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن يميز الإِنسان على غيره ، بأن يجعل له طبيعة خاصة يملك معها اختيار طريق الهدى أو طريق الضلال .

كما قال - تعالى - ( إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

جواباً عن قولهم: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا  ﴾ وبيانه هو أنه تعالى قال: إني لو أرجعتكم إلى الإيمان لهديتكم في الدنيا ولما لم أهدكم تبين أني ما أردت وما شئت إيمانكم فلا أردكم، وقوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا ﴾ صريح في أن مذهبنا صحيح حيث نقول إن الله ما أراد الإيمان من الكافر وما شاء منه إلا الكفر، ثم قال تعالى: ﴿ ولكن حَقَّ القول مِنْى لأَمْلانَّ جَهَنَّمَ ﴾ أي وقع القول وهو قوله تعالى لإبليس: ﴿ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ  ﴾ هذا من حيث النقل وله وجه في العقل وهو أن الله تعالى لم يفعل فعلاً خالياً عن حكمة وهذا متفق عليه والخلاف في أنه هل قصد الفعل للحكمة أو فعل الفعل ولزمته الحكمة لا بحيث تحمله تلك الحكمة على الفعل؟

وإذا علم أن فعله لا يخلو عن الحكمة فقال الحكماء حكمة أفعاله بأمرها لا تدرك على سبيل التفصيل لكن تدرك على سبيل الإجمال، فكل ضرب يكون في العالم وفساد فحكمته تخرج من تقسيم عقلي وهو أن الفعل إما أن يكون خيراً محضاً أو شراً محضاً أو خيراً مشوباً بشر وهذا القسم على ثلاثة أقسام قسم خيره غالب وقسم شره غالب وقسم خيره وشره مثلان، إذا علم هذا فخلق الله عالماً فيه الخير المحض وهو عالم الملائكة وهو العالم العلوي وخلق عالماً فيه خير وشر وهو عالمنا وهو العالم السفلي ولم يخلق عالماً فيه شر محض، ثم إن العالم السفلي الذي هو عالمنا، وإن كان الخير والشر موجودين فيه لكنه من القسم الأول الذي خيره غالب، فإنك إذا قابلت المنافع بالمضار والنافع بالضار، تجد المنافع أكثر، وإذا قابلت الشرير بالخير تجد الخير أكثر، وكيف لا والمؤمن يقابله الكافر، ولكن المؤمن قد يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه شر أصلاً من أول عمره إلى آخره كالأنبياء عليهم السلام والأولياء، والكافر لا يمكن وجوده بحيث لا يكون فيه خير أصلاً غاية ما في الباب أن الكفر يحبط خيره ولا ينفعه، إنما يستحيل نظراً إلى العادة أن يوجد كافر لا يسقي العطشان شربة ماء ولا يطعم الجائع لقمة خبز ولا يذكر ربه في عمره، وكيف لا وهو في زمن صباه كان مخلوقاً على الفطرة المقتضية للخيرات، إذا ثبت هذا فنقول قالوا: لولا الشر في هذا العالم لكانت مخلوقات الله تعالى منحصرة في الخير المحض ولا يكون قد خلق القسم الذي فيه الخير الغالب والشر القليل ثم إن ترك خلق هذا القسم إن كان لما فيه من الشر فترك الخير الكثير لأجل الشر القليل لا يناسب الحكمة، ألا ترى أن التاجر إذا طلب منه درهم بدينار، فلو امتنع وقال في هذا شر وهو زوال الدرهم عن ملكي فيقال له لكن في مقابلته خير كثير وهو حصول الدينار في ملكك وكذلك الإنسان لو ترك الحركة اليسيرة لما فيها من المشقة مع علمه بأنه تحصل له راحة مستمرة ينسب إلى مخالفة الحكمة فإذا نظر إلى الحكمة كان وقوع الخير الكثير المشوب بالشر القليل من اللطف فخلق العالم الذي يقع فيه الشر وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ  ﴾ فقال الله تعالى في جوابهم: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ أي أعلم أن هذا القسم يناسب الحكمة لأن الخير فيه كثير، ثم بين لهم خيره بالتعليم، كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا  ﴾ يعني أيها الملائكة خلق الشر المحض والشر الغالب والشر المساوي لا يناسب الحكمة.

وأما الخير الكثير المشوب بالشر القليل مناسب، فقوله تعالى: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ إشارة إلى الشر، وأجابهم الله بما فيه من الخير بقوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء ﴾ فإن قال قائل فالله تعالى قادر على تخليص هذا القسم من الشر بحيث لا يوجد فيه شر فيقال له ما قاله الله تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ يعني لو شئنا لخلصنا الخير من الشر، لكن حينئذٍ لا يكون الله تعالى خلق الخير الكثير المشوب بالشر القليل وهو قسم معقول، فما كان يجوز تركه للشر القليل وهو لا يناسب الحكمة، لأن ترك الخير الكثير للشر القليل غير مناسب للحكمة، وإن كان لا كذلك فلا مانع من خلقه فيخلقه لما فيه من الخير الكثير، وهذا الكلام يعبر عنه من يقول برعاية المصالح إن الخير في القضاء والشر في القدر، فالله قضى بالخير ووقع الشر في القدر بفعله المنزه عن القبح والجهل، وقوله: ﴿ مِنَ الجنة والناس ﴾ لأنه تعالى قال لإبليس: ﴿ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ  ﴾ وهذا إشارة إلى أن النار لمن في العالم السفلي، والذين في العالم العلوي مبرءون عن دخول النار وهم الملائكة، وهذا يقتضي أن لا يكون إبليس من الملائكة وهو الصحيح.

وقوله: ﴿ أَجْمَعِينَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تأكيداً وهو الظاهر والثاني: أن يكون حالاً، أي مجموعين، فإن قيل كيف جعل جميع الإنس والجن مما يملأ بهم النار؟

نقول هذا لبيان الجنس، أي جهنم تملأ من الجن والإنس لا غير أمناً للملائكة، ولا يقتضي ذلك دخول الكل كما يقول القائل ملأت الكيس من الدراهم لا يلزم أن لا يبقى درهم خارج الكيس، فإن قيل فهذا يقتضي أن تكون جهنم ضيقة تمتلئ ببعض الخلق نقول هو كذلك وإنما الواسع الجنة التي هي من الرحمة الواسعة، والله أعلم.

ولما بين الله تعالى بقوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا ﴾ أنهم لا رجوع لهم قال لهم إذا علمتم أنكم لا رجوع لكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ يجوز أن يكون خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه وجهان: أن يراد به التمني، كأنه قال: وليتك ترى، كقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة: (لو نظرت إليها) والتمني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان الترجي له في ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ لأنه تجرع منهم الغصص ومن عداوتهم وضرارهم، فجعل الله له تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الحياء والخزي والغم ليشمت بهم، وأن تكون لو الامتناعية قد حذف جوابها، وهو: لرأيت أمراً فظيعاً.

أو: لرأيت أسوأ حال ترى.

ويجوز: أن يخاطب به كل أحد، كما تقول: فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، فلا تريد به مخاطباً بعينه، فكأنك قلت: إن أكرم وإن أحسن إليه، ولو وإذ: كلاهما للمضي، وإنما جاز ذلك؛ لأن المترقب من الله بمنزلة الوجود المقطوع به في تحققه، ولا يقدر لنرى ما يتناوله، كأنه قيل: ولو تكون منكم الرؤية، وإذ ظرف له.

يستغيثون بقولهم ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ فلا يغاثون، يعني: أبصرنا صدق وعدك ووعيدك وسمعنا منك تصديق رسلك.

أو كنا عمياً وصماً فأبصرنا وسمعنا ﴿ فارجعنا ﴾ هي الرجعة إلى الدنيا ﴿ لأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ على طريق الإلجاء والقسر، ولكننا بنينا الأمر على الاختيار دون الاضطرار، فاستحبوا العمى على الهدى، فحقت كلمة العذاب على أهل العمى دون البصراء ألا ترى إلى ما عقبه به من قوله: ﴿ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ ﴾ فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم: من نسيان العاقبة، وقلة الفكر فيها، وترك الاستعداد لها.

والمراد بالنسيان: خلاف التذكر، يعني: أن الانهماك في الشهوات أذهلكم وألهاكم عن تذكر العاقبة وسلط عليكم نسيانها، ثم قال: ﴿ إِنَّا نسيناكم ﴾ على المقابلة، أي: جازيناكم جزاء نسيانكم.

وقيل: هو بمعنى الترك، أي: تركتم الفكر في العاقبة، فتركناكم من الرحمة، وفي استئناف قوله إنا نسيناكم وبناء الفعل على إن واسمها تشديد في الانتقام منهم.

والمعنى فذوقوا هذا أي ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم بسبب نسيان اللقاء، وذوقوا العذاب المخلد في جهنم بسبب ما عملتم من المعاصي والكبائر الموبقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ﴾ ما تَهْتَدِي بِهِ إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِالتَّوْفِيقِ لَهُ.

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ ثَبَتَ قَضائِي وسَبَقَ وعِيدِي وهو ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لِعَدَمِ المَشِيئَةِ المُسَبَّبِ عَنْ سَبْقِ الحُكْمِ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ، ولا يَدْفَعُهُ جَعْلُ ذَوْقِ العَذابِ مُسَبَّبًا عَنْ نِسْيانِهِمُ العاقِبَةَ وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ فَإنَّهُ مِنَ الوَسائِطِ والأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ.

﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ تَرَكْناكم مِنَ الرَّحْمَةِ، أوْ في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ وفي اسْتِئْنافِهِ وبِناءِ الفِعْلِ عَلى أنَّ واسْمَها تَشْدِيدٌ في الِانْتِقامِ مِنهم.

﴿ وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ لِلتَّأْكِيدِ ولِما نِيطَ بِهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِمَفْعُولِهِ وتَعْلِيلُهُ بِأفْعالِهِمُ السَّيِّئَةِ مِنَ التَّكْذِيبِ والمَعاصِي كَما عَلَّلَهُ بِتَرْكِهِمْ تَدَبُّرَ أمْرِ العاقِبَةِ والتَّفَكُّرِ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنْ كُلًّا مِنهُما يَقْتَضِي ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)

{ولو شئنا لآتينا كلّ نفسٍ هداها} في الدنيا أي لو شئنا أعطينا كل نفس ما عندنا من اللطف الذي لو كان منهم اختيار ذلك لاهتدوا لكن لم نعطهم ذلك الطف لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره وهو حجة على المعتزلة فإن عندهم شاء الله أن يعطي كل نفس ما به اهتدت وقد أعطاها لكنها لم تهدوهم أوّلوا الآية بمشيئة الجبر وهو تأويل فاسد لما عرف في تبصر الأدلة {ولكن حقّ القول منّي لأملأنّ جهنّم من الجنّة والنّاس أجمعين} ولكن وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم ما يستوجبون به جهنم وهو ما علم منهم أنهم يختارون الرد والتكذيب وفي تخصيص الإنس والجن إشارة إلى أنه عصم ملائكته عن عمل يستوجبون به جهنم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا أبْصَرْنا ﴾ إلَخْ، وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿ فارْجِعْنا ﴾ يُفِيدُ أنَّهم لَوْ أُرْجِعُوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى إعْطاؤُهُمُ الهُدى، أيْ ونَقُولُ: لَوْ شِئْنا أيْ لَوْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَتُنا تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا بِأنْ نُعْطِيَ كُلَّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ هُداها، أيْ ما تَهْتَدِي بِهِ إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِنَفْسِ الإيمانِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، والأوَّلُ أوْلى، وأمّا تَفْسِيرُهُ بِما سَألَهُ الكَثْرَةُ مِنَ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، أوْ بِالهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لَأعْطَيْناها إيّاهُ في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الكَسْبِ، وما أخَّرْناهُ إلى دارِ الجَزاءِ، ﴿ ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ أيْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ قَوْلِي، وسَبَقَتْ كَلِمَتِي حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ ، ﴿ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ  ﴾ ، وهو المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ كَما يَلُوحُ بِهِ تَقْدِيمُ الجِنَّةِ عَلى النّاسِ، فَإنَّهُ في الخِطابِ لِإبْلِيسَ مُقَدَّمٌ، وتَقْدِيمُهُ هُناكَ لِأنَّهُ الأوْفَقُ لِمَقامِ تَحْقِيرِ ذَلِكَ المُخاطَبِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، وقِيلَ: التَّقْدِيمُ في المَوْضِعَيْنِ لِأنَّ الجَهَنَّمِيِّينَ مِنَ الجِنَّةِ أكْثَرُ.

ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وجْهُ العُدُولِ عَنْ ضَمِيرِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا ﴾ إلى ضَمِيرِ الوَحْدَةِ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ ما ذُكِرَ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ في الرَّدِّ عَلى اللَّعِينِ، وقَدْ وقَعَ فِيهِ القَوْلُ، والإمْلاءُ مُسْنَدَيْنِ إلى ضَمِيرِ الوَحْدَةِ، لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى طِرازِ ﴿ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ  ﴾ في تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ، وقَدْ يُقالُ: ضَمِيرُ العَظَمَةِ أوْفَقُ بِالكَثْرَةِ الدّالِّ عَلَيْها «كُلُّ نَفْسٍ» والضَّمِيرُ الآخَرُ أوْفَقُ بِما دُونَ تِلْكَ الكَثْرَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ ) أوْ يُقالُ: إنَّهُ وحَّدَ الضَّمِيرَ في الوَعِيدِ لِما أنَّ المَعْنِيَّ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَكَأنَّهُ أخْرَجَ الكَلامَ عَلى وجْهٍ لا يَتَوَهَّمُ فِيهِ مُتَوَهِّمٌ نَوْعًا مِن أنْواعِ الشَّرِكَةِ أصْلًا، أوْ أُخْرِجَ عَلى وجْهٍ يَلُوحُ بِما عَدَلُوا عَنْهُ مِنَ التَّوْحِيدِ إلى ما ارْتَكَبُوهُ مِمّا أوْجَبَ لَهُمُ الوَعِيدَ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ يُقالُ: وحَّدَ الضَّمِيرَ في ( لَأمْلَأنَّ ) لِأنَّ الإمْلاءَ لا تَعَدُّدَ فِيهِ، فَتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ أوْفَقُ بِهِ، ويُقالُ نَظِيرُ ذَلِكَ في ﴿ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ والإيتاءُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ المُؤْتى، فَضَمِيرُ العَظَمَةِ أوْفَقُ بِهِ ويُقالُ نَظِيرُهُ في ( شِئْنا ) فَتَدَبَّرْ، ولا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( أجْمَعِينَ ) دُخُولُ جَمِيعِ الجِنِّ والإنْسِ فِيها، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها  ﴾ ، فالوُرُودُ فِيهِ غَيْرُ الدُّخُولِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ، لِأنَّ ( أجْمَعِينَ ) تُفِيدُ عُمُومَ الأنْواعِ لا الأفْرادِ، فالمَعْنى: لَأمْلَأنَّها مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا، كَمَلَأْتُ الكِيسَ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ جَمِيعًا كَذا قِيلَ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ قَصَدَ ما ذَكَرَ لَكانَ المُناسِبُ التَّثْنِيَةَ دُونَ الجَمْعِ بِأنْ يُقالَ كِلَيْهِما، واسْتُظْهِرَ أنَّها لِعُمُومِ الأفْرادِ، والتَّعْرِيفُ في ( الجِنَّةِ والنّاسِ ) لِلْعَهْدِ، والمُرادُ عُصاتُهُما، ويُؤَيِّدُهُ الآيَةُ المُتَضَمِّنَةُ خِطابَ إبْلِيسَ، وحاصِلُ الآيَةِ: لَوْ شِئْنا إيتاءَ كُلِّ نَفْسٍ هُداها لَآتَيْناها إيّاهُ، لَكِنْ تَحَقَّقَ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ إلَخْ، فَبِمُوجَبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَ الهُدى عَلى العُمُومِ، بَلْ مَنَعْناهُ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ حَيْثُ صَرَفْتُمُ اخْتِيارَكم إلى الغَيِّ بِإغْوائِهِ، ومَشِيئَتُنا لِأفْعالِ العِبادِ مَنُوطَةٌ بِاخْتِيارِهِمْ إيّاها، فَلَمّا لَمْ تَخْتارُوا الهُدى واخْتَرْتُمُ الضَّلالَ، لَمْ نَشَأْ إعْطاءَهُ لَكُمْ، وإنَّما أعْطَيْناهُ الَّذِينَ اخْتارُوهُ مِنَ البَرَرَةِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا ﴾ الآيَةَ فَيَكُونُ مَناطُ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى إعْطاءَ الهُدى في الحَقِيقَةِ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ، لا تَحَقُّقَ القَوْلِ، وإنَّما قُيِّدَتِ المَشِيئَةُ بِما مَرَّ مِنَ التَّعَلُّقِ الفِعْلِيِّ بِأفْعالِ العِبادِ عِنْدَ حُدُوثِها، لِأنَّ المَشِيئَةَ الأزَلِيَّةَ مِن حَيْثُ تَعَلُّقِها بِما سَيَكُونُ مِن أفْعالِهِمْ إجْمالًا مُتَقَدِّمَةً عَلى تَحَقُّقِ كَلِمَةِ العَذابِ، فَلا يَكُونُ عَدَمُها مَنُوطًا بِتَحَقُّقِها، وإنَّما مَناطُهُ عِلْمُهُ تَعالى أنَّهُ لا يَصْرِفُ اخْتِيارَهم فِيما سَيَأْتِي إلى الغَيِّ، وإيثارَهِمْ لَهُ عَلى الهُدى، فَلَوْ أُرِيدَتْ هي مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ لاسْتُدْرِكَ بِعَدَمِها بِأنْ يُقالَ: ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ونِيطَ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ مِنَ المَناطِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ  ﴾ ، كَذا قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ.

وقَدْ يُقالُ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَشِيئَةِ المَشِيئَةُ الأزَلِيَّةُ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُها بِما سَيَكُونُ مِن أفْعالِهِمْ، ويُرادُ بِالقَوْلِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ وكَذا كَلِمَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ يُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ، كَما قالَ الرّاغِبُ، وذَكَرَ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، وحاصِلُ المَعْنى: لَوْ شِئْنا في الأزَلِ إيتاءَ كُلِّ نَفْسٍ هُداها في الدُّنْيا لَآتَيْناها إيّاهُ، ولَكِنْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ عِلْمِي أزَلًا بِتَعْذِيبِ العُصاةِ، فَبِمُوجَبِ ذَلِكَ لَمْ نَشَأْ إذْ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ المَعْلُومِ عَلى طِبْقِ العِلْمِ، لِئَلّا يَلْزَمَ انْقِلابُ العِلْمِ جَهْلًا، ووُقُوعُ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ العُصاةِ، إذْ تَعْذِيبُ العُصاةِ فَرْعُ وجُودِهِمْ، ومَشِيئَةُ إيتاءِ الهُدى كُلَّ نَفْسٍ تَسْتَلْزِمُ طاعَةَ كُلِّ نَفْسٍ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ العِلَّةِ لِلْمَعْلُولِ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ النَّفْسُ المُعَذَّبَةُ عاصِيَةً طائِعَةً، وهو مُحالٌ، وهَذا المُحالُ جاءَ مِن مَشِيئَتِهِ إيتاءَ كُلِّ نَفْسٍ هُداها مَعَ عِلْمِهِ تَعالى بِتَعْذِيبِ العُصاةِ، فَإمّا أنْ يَنْتَفِيَ العِلْمُ المَذْكُورُ، وهو مُحالٌ، لِأنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالمَعْلُومِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ضَرُورِيٌّ، فَتَعَيَّنَ انْتِفاءُ المَشِيئَةِ لِذَلِكَ، ويُرَجَّحُ هَذا بِالآخِرَةِ إلى أنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ مَشِيئَتِهِ إيتاءَ الهُدى لِلْعُصاةِ سُوءُ ما هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ، لِأنَّ المَشِيئَةَ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ، والعِلْمُ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ في نَفْسِهِ، فَعِلْمُهُ تَعالى بِتَعْذِيبِ العُصاةِ يَسْتَدْعِي عِلْمَهُ سُبْحانَهُ إيّاهم بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ عُصاةً، فَلا يَشاؤُهم جَلَّ جَلالُهُ، إلّا بِهَذا العُنْوانِ الثّابِتِ لَهم في أنْفُسِهِمْ، ولا يَشاؤُهم سُبْحانَهُ عَلى خِلافِهِ، لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى إيّاهم كَذَلِكَ تَسْتَدْعِي تَعَلُّقَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ ولَيْسَ ذَلِكَ عِلْمًا.

ويُمْكِنُ أنْ يَبْقى العِلْمُ عَلى ظاهِرِهِ، ويُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ هُداهم لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا قالَ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ يُعَذِّبُ أتْباعَهُ، ولا بُدَّ ولا يَقُولُ تَعالى خِلافَ ما يَعْلَمُ، فَلا يَشاءُ تَبارَكَ وتَعالى خِلافَ ما يَقُولُ، ويَرْجِعُ بِالآخِرَةِ أيْضًا إلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ هُداهم لِسُوءِ ما هم عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ بِأدْنى تَأمُّلٍ، ومَآلُ الجَوابِ عَلى التَّقْرِيرَيْنِ لا فائِدَةَ لَكم في الرُّجُوعِ لِسُوءِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في أنْفُسِكُمْ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالأعْيانِ الثّابِتَةِ، وأنَّ الشَّقِيَّ شَقِيٌّ في نَفْسِهِ، والسَّعِيدَ سَعِيدٌ في نَفْسِهِ، وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى إنَّما تَعَلَّقَ بِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ في أنْفُسِهِما، وأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى إنَّما تَعَلَّقَتْ بِإيجادِهِما حَسْبَما عَلِمَ جَلَّ شَأْنُهُ، فَوُجِدا في الخارِجِ بِإيجادِهِ تَعالى عَلى ما هُما عَلَيْهِ في أنْفُسِهِما، فَإذا تَمَّ هَذا تَمَّ ذاكَ، وإلّا فَلا، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ يعني: يقبض أرواحكم مَلَكُ الْمَوْتِ واسمه عزرائيل.

وروي في الخبر أن له وجوهاً أربعة.

فوجه من نار يقبض به أرواح الكفار، ووجه من ظلمة يقبض به أرواح المنافقين، ووجه من رحمة يقبض به أرواح المؤمنين، ووجه من نور يقبض به أرواح الأنبياء والصديقين- عليهم السلام- والدنيا بين يديه كالكف، وله أعوان من ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب.

فإذا قبض روح المؤمن دفعها إلى ملائكة الرحمة، وإذا قبض روح الكافر دفعها إلى ملائكة العذاب.

وروى جابر بن زيد أن ملك الموت كان يقبض الأرواح بغير وجه، فأقبل الناس يسبونه ويلعنونه.

فشكى إلى ربه عز وجل.

فوضع الله عز وجل الأمراض والأوجاع.

فقالوا: مات فلان بكذا وكذا.

ثم قال تعالى: الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ بعد الموت أحياءً فيجازيكم بأعمالكم.

ثم قال عز وجل: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ يعني: المشركون ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ استحياء من ربهم بأعمالهم يقولون: رَبَّنا أَبْصَرْنا الهدى وَسَمِعْنا الإيمان.

ويقال أَبْصَرْنا يوم القيامة بالمعاينة، وَسَمِعْنا يعني: أيقنوا حين لم ينفعهم يقينهم فَارْجِعْنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ يعني: أيقنّا بالقيامة.

ويقال: إِنَّا مُوقِنُونَ يعني: قد آمنا ولكن لا ينفعهم.

وقد حذف الجواب لأن في الكلام دليلاً ومعناه: ولو ترى يا محمد ذلك، لرأيت ما تعتبر به غاية الاعتبار.

يقول الله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا يعني: لأعطينا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي يعني: وجب العذاب مني.

ويقال: ولكن سبق القول بالعذاب وهو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ من كفار الإنس، ومن كفار الجن أجمعين.

فيقول لهم الخزنة: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ يعني: ذوقوا العذاب بما تركتم لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يعني: تركتم العمل بحضور يومكم هذا.

قال القتبي: النسيان ضد الحفظ، والنسيان الترك.

فقوله: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي: تركتم الإيمان بلقاء هذا اليوم إِنَّا نَسِيناكُمْ يعني: تركناكم في العذاب.

ويقال: نجازيكم بنسيانكم كما قال الله عزّ وجلّ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: 67] وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ الذي لا ينقطع أبداً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الكفر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)

وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ...

الآية، الأمر اسم جنسٍ لجميعِ الأمور، والمعنى يُنَفِّذُ سُبْحَانِه قضاءَه بجميع ما يشاءه، ثم يعرج إليه خبرُ ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره أن لو سِيرَ فيه السيرَ المعروف من البشر ألفُ سنة، أي: نزولاً وعروجاً لأن مَا بين السماء والأرض خمس مائة سنة، هذا قول ابن عباس «١» ومجاهد «٢» وغير هما.

وقيل: المعنى: يدبر الأمر من السماء إلى الأَرض في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من عَدِّنا، وهو على الكفار قَدْرُ خمسينَ ألفِ سنة.

وقيل: غَيْرَ هذا، وقرأ الجمهور/: «الذي أحسن كل شيء خلقَه» : - بفتح اللام- ٦٩ ب على أنه فعلٌ ماضٍ، ومعنى: «أحسن» : أَتْقَنَ وأحْكَمَ فهو حَسَنْ من جهة مَا هو لمقاصِده التي أريدَ لها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خَلْقه» «٣» : - بسكون اللام- وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن: «أحسن» هنا معناه: ألْهَمَ، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: الآية ٥٠] .

أي:

ألهَمَ.

والإنسانُ هنا آدم- عليه السلام-، والمَهِينُ: الضعيف، وَنَفَخَ: عبارة عن إفاضَةِ الرُّوحِ في جَسَدِ آدم عليه السلام والضميرُ في رُوحِهِ للَّهِ تعالى، وهي إضافة مُلْكٍ إلى مَالِكٍ وخَلْقٍ إلَى خَالِقٍ، ويُحْتَمل أن يكونَ الإنسان في هذه الآية اسم جنس وقَلِيلًا صفة لمصدر محذوف.

وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ أيْ: وجَبَ وسَبَقَ؛ والقَوْلُ هو قَوْلُهُ لِإبْلِيسَ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ أيْ: مِن كُفّارِ الفَرِيقَيْنِ.

﴿ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: إذا دَخَلُوا النّارَ قالَتْ لَهُمُ الخَزَنَةُ: فَذُوقُوا العَذابَ.

وقالَ غَيْرُهُ: إذا اصْطَرَخُوا فِيها قِيلَ لَهُمْ: ذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ، أيْ: بِما تَرَكْتُمُ العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِكم هَذا، ﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ أيْ: تَرَكْناكم مِنَ الرَّحْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها ﴾ أيْ: وُعِظُوا بِها ﴿ خَرُّوا سُجَّدًا ﴾ أيْ: سَقَطُوا عَلى وُجُوهِهِمْ ساجِدِينَ.

وقِيلَ: المَعْنى: إنَّما يُؤْمِنُ بِفَرائِضِنا مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها بِالأذانِ والإقامَةِ خَرُّوا سُجَّدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ وفي الصَّلاةِ الَّتِي تَتَجافى لَها جُنُوبُهم عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في المُتَهَجِّدِينَ بِاللَّيْلِ؛ رَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  في قَوْلِهِ: ﴿ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ ﴾ قالَ: قِيامُ العَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ» وفي لَفْظٍ آخَرَ «أنَّهُ قالَ لِمُعاذٍ: " إنْ شِئْتَ أنْبَأْتُكَ بِأبْوابِ الخَيْرِ " قالَ: قُلْتَ أجَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: " الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وقِيامُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ يَبْتَغِي وجْهَ اللَّهِ "، ثُمَّ قَرَأ: " تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ "» .

وَكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ أنَّها في قِيامِ اللَّيْلِ.

وقَدْ رَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَتَجافى جُنُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ، كُلَّما اسْتَيْقَظُوا ذَكَرُوا اللَّهَ، إمّا في الصَّلاةِ، وإمّا في قِيامٍ، أوْ في قُعُودٍ، أوْ عَلى جُنُوبِهِمْ، فَهم لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  كانُوا يُصَلُّونَ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في صَلاةِ العِشاءِ [كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ العِشاءِ] والصُّبْحِ في جَماعَةٍ، قالَهُ أبُو الدَّرْداءِ، والضَّحّاكُ.

وَمَعْنى ﴿ تَتَجافى ﴾ : تَرْتَفِعُ.

والمَضاجِعُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُضْطَجَعُ عَلَيْهِ.

﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا ﴾ مِن عَذابِهِ ﴿ وَطَمَعًا ﴾ في رَحْمَتِهِ [وَثَوابِهِ] ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ في الواجِبِ والتَّطَوُّعِ.

﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ وأسْكَنَ ياءَ " أُخْفِي " حَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ.

قالَ الزَّجّاجُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ الَّتِي قَبْلَها: الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ عَمَلٌ يَسْتَسِرُّ الإنْسانُ بِهِ، فَجَعَلَ لَفْظَ ما يُجازى بِهِ ﴿ أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ ، فَإذا فَتَحْتَ ياءَ " أُخْفِيَ "، فَعَلى تَأْوِيلِ الفِعْلِ الماضِي، وإذا أسْكَنْتَها، فالمَعْنى: ما أُخْفِي أنا لَهُمْ، إخْبارٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى؛ وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: أُخْفِي لَهُمْ، بِالخُفْيَةِ خُفْيَةُ، وبِالعَلانِيَةِ عَلانِيَةٌ.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  قالَ: " يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ مالا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ﴾ وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ: " مَن قُرّاتِ أعْيُنٍ " [بِألِفٍ] عَلى الجَمْعِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "لَوْ تَرى" تَعْجِيبٌ لِمُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ مِن حالِ الكَفَرَةِ وما حَلَّ بِهِمْ.

وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ حَذْفَهُ أهْوَلُ؛ إذْ يَتْرُكُ الإنْسانُ فِيهِ مَعَ أقْصى تَخَيُّلُهُ.

و"المُجْرِمُونَ" هُمُ الكافِرُونَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا مُوقِنُونَ ﴾ ، أيْ أنَّهم كانُوا في الدُنْيا غَيْرَ مُوقِنِينَ.

و"تَنْكِيسُ الرُؤُوسِ" هو مِنَ الهَوْلِ والذُلِّ واليَأْسِ والهَمِّ بِحُلُولِ العَذابِ وتَعَلُّقِ نُفُوسِهِمْ بِالرَجْعَةِ إلى الدُنْيا، وفي القَوْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ رَبَّنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿ أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ أيْ: ما كُنّا نُخْبَرُ بِهِ في الدُنْيا فَكُنّا مُكَذِّبِينَ بِهِ، ثُمَّ طَلَبُوا الرَجْعَةَ حِينَ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى الناسَ أجْمَعِينَ، أيْ: يَلْطُفُ بِهِمْ لُطْفًا يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَخْتَرِعُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ.

هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ آيَةٌ يَضْطَرُّهم بِها إلى الإيمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، إلّا أنَّ مَن أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَدْرِ قَدَرَ القَوْلِ ولا مَغْزاهُ ولِذَلِكَ حَكاهُ، والَّذِي يَقُودُ المُعْتَزِلَةَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى اللُطْفِ بِإنْسانٍ حَتّى يُؤْمِنَ ولا يَفْعَلَ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا مِنَ الأمْرِ المُسْتَقِيمِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ يَطُولُ ولَهُ تَوالِيفُهُ، و"الجِنَّةِ" الشَياطِينُ.

وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا العَذابَ" بِمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"نَسِيتُمْ" مَعْناهُ: تَرَكْتُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلٌ، أو عِدَّةٌ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: بِتَكَسُّبِكُمُ الآثامَ.

ثُمَّ أثْنى عَزَّ وجَلَّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ووَصْفَهم بِالصِفَةِ الحَسَنَةِ، بِسُجُودِهِمْ عِنْدَ التَذْكِيرِ وتَسْبِيحِهِمْ وعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ، بِخِلافِ ما يَصْنَعُ الكُفْرُ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ التَذْكِيرِ، وقَوْلِ الهُجْرِ، وإظْهارِ التَكَبُّرِ، وهَذِهِ السَجْدَةُ مِن عَزائِمِ السَجْدَةِ في القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السُجُودُ هُنا بِمَعْنى الرُكُوعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ، فَكَأنَّ الرُكُوعَ يُقْصَدُ مِن هَذا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وأيْضًا فَمِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القارِئَ لِلسَّجْدَةِ يَرْكَعُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اعتراض بين القول المقدر قبل قوله ﴿ ربنا أبصَرْنا وسمِعنا ﴾ [السجدة: 12] وبين الجواب عنه بقوله ﴿ فذوقوا بما نَسِيتم ﴾ [السجدة: 14] فالواو التي في صدر الجملة اعتراضية، وهي من قبيل واو الحال.

ومفعول فعل المشيئة محذوف على ما هو الغالب في فعل المشيئة الواقع شرطاً استغناء عن المفعول بما يدل عليه جواب الشرط.

والمعنى: لو شئنا لجبلنا كل نفس على الانسياق إلى الهدى بدون اختيار كما جبلت العجماوات على ما ألهمت إليه من نظام حياة أنواعها فلكانت النفوس غير محتاجة إلى النظر في الهدى وضده، ولا إلى دعوة من الله إلى طريق الهدى، ولكن الله لما أراد أن يَكل إلى نوع الإنسان تعمير هذا العالم، وأن يجعله عنواناً لعلمه وحكمته، وأن يفضله على جميع الأنواع والأجناس العامرة لهذا العالم؛ اقتضى لتحقيق هذه الحكمة أن يخلق في الإنسان عقلاً يدرك به النفعَ والضرّ، والكمال والنقص، والصلاح والفساد، والتعمير والتخريب، وتنكشف له بالتدبر عواقب الأعمال المشتبهة والمموّهة بحيث يكون له اختيار ما يصدر عنه من أجناس وأنواع الأفعال التي هي في مكنته بإرادة تتوجه إلى الشيء وضده، وخلق فيه من أسباب العمل وآلاته من الجوارح والأعضاء إذا كانت سليمة فكان بذلك مستطيعاً لأن يعمل وأن لا يعمل على وفاق ميله واختياره وكسبه.

وهذا المعنى هو الذي سماه الأشعري بالكسب وبالاستطاعة وتكفل له بإعانته على ما خُلق له من الإدراك يدعوه إلى ما يريده الله منه من الهدى والصلاح في هذا العالم بواسطة رسل من نوعه يبلغون إليه مراد ربهم فطرهم على الصفات الملكية وجعلهم وسائط بينه وبين الناس في إبلاغ مراد ربهم إليهم.

ووعده الناس بالجزاء على فعل الخير وفعل الشر بما فيه باعث على الخير ورادع عن الشر.

وقد أراد الله أن يفضل هذا النوع بأن يجعل منه عُمّاراً لعالم الكمال الخالد عالم الروحانيات فجعل لأهل الكمال الديني مراتب سامية متفاوتة في عالم الخلد على تفاوت نفوسهم في ميدان السبق إلى الكمالات، وجعل أضداد هؤلاء عمّاراً لهُوة النقائص فملأ منهم تلك الهوة المسماة جهنم.

فهذا معنى قوله ﴿ ولكن حقّ القول منّي لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ البالغ من الإيجاز مبلغ الإعجاز، إذ حذف معظم ما أريد بحرف الاستدراك الوارد على قوله ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هُدَاها؛ ﴾ فإن مقتضى الاستدراك أن يقدر: ولكنا لم نشأ ذلك بل شئنا أن نخلق الناس مختارين بين طريقي الهدى والضلال، ووضعنا لهم دواعي الرجاء والخوف، وأريناهم وسائل النجاة والارتباك بالشرائع قال تعالى: ﴿ وهديناه النجدين ﴾ [البلد: 10] أي: الطريقين، وحققنا الأخبار عن الجزاءين بالوعد والوعيد بالجنة وجهنم فلأمْلأنّ جهنم بأهل الضلال من الجِنَّة والناس أجمعين، فدخل هذا في قوله (تعالى): ﴿ حَقّ القول منّي لأملأنّ جهنم من الجِنَّة والنَّاس أجْمَعين ﴾ بما يشبه دلالة الاقتضاء، وقد أومأ إلى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله خلق الجنة وخَلَق لها مِلأْها وخلق النار وخلق لها مِلأْها».

وإنما اختير الاقتصار في المنطوق به الدال على المحذوف على شق مصير أهل الضلال لأنه الأنسب بسياق الاعتراض إثْر كلام أهل الضلالة في يوم الجزاء، ولأنه أظهر في تعلق مضمون جملة الاعتراض بمضمون اقتراحهم، أي لو كان إرجاعهم إلى الدنيا ليعملوا الصالحات مقتضى لحكمتنا لكنا جبلناهم على الهدى في حياتهم الدنيا فكانوا يأتون الصالحات بالقَسر والإلجاء.

فالمراد ﴿ القول ﴾ ما أوعد الله به أهل الشرك والضلال.

و {الجِنَّة: الجِنّ وهم الشياطين.

وجعل جمهور المفسرين قوله ولو شئنا لآتينا كلّ نفس هُدَاها } إلى آخره جواباً موجهاً من قبل الله تعالى إلى المجرمين عن قولهم ﴿ ربّنا أبصرنا ﴾ [السجدة: 12] الخ.

ووجود الواو في أول هذا الكلام ينادي على أنه ليس جواباً لقول المشركين يومئذ فهم أقل من أن يجعلوا أهلاً لتلقي هذه الحكمة بل حقهم الإعراض عن جوابهم كما جاء في آية سورة المؤمنين (106 108): ﴿ قالوا ربنا غَلَبَتْ علينا شقوتُنا وكنّا قوماً ضالّين ربنا أخرجنا منها فإنْ عدنا فإنّا ظالمون قال اخسأوا فيها ولا تُكَلّمون ﴾ ولأنه لا يلاقي سؤالهم لأنهم سألوا الرجوع ليعملوا صالحاً ولم يكن كلامهم اعتذاراً عن ضلالهم بأن الله لم يؤتهم الهدى في الحياة الدنيا، وإنما هذا بيان من الله ساقه للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ليحيطوا علماً بدقائق الحكمة الربانية.

وعدل عن الإضافة حَقَّ القولُ مِني } فلم يقل: حقَّ قولي، لأنه أريد الإشارة إلى قول معهود وهو ما في سورة ص (85): ﴿ لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ﴾ أي حق القول المعهود.

واجتلبت ﴿ مِن ﴾ الابتدائية لتعظيم شأن هذا القول بأنه من الله.

وعدل عن ضمير العظمة إلى ضمير النفس لإفادة الانفراد بالتصرف ولأنه الأصل، مع ما في هذا الاختلاف من التفنن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ عِنْدَ مُحاسَبَةِ رَبِّهِمْ وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الغَمِّ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: مِنَ الذُّلِّ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: مِنَ الحَياءِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: مِنَ النَّدَمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أبْصَرْنا صِدْقَ وعِيدِكَ وسَمِعْنا تَصْدِيقَ رُسُلِكَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أبْصَرْنا مَعاصِيَنا وسَمِعْنا ما قِيلَ فِينا، قالَ قَتادَةُ:، أبْصَرُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ البَصَرُ وسَمِعُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ السَّمْعُ.

﴿ فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ ﴾ أيِ ارْجِعْنا إلى الدُّنْيا نَعْمَلُ فِيها صالِحًا.

﴿ إنّا مُوقِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: مُصَدِّقُونَ بِالَّذِي أُتِيَ بِهِ مُحَمَّدٌ  أنَّهُ حَقٌّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

قالَ سُفْيانُ: فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ  ﴾ الآيَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هِدايَتَها لِلْإيمانِ.

الثّانِي: لِلْجَنَّةِ.

الثّالِثُ: هِدايَتَها في الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لِأنَّهم سَألُوا الرَّجْعَةَ لِيُؤْمِنُوا.

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ سَبَقَ القَوْلُ مِنِّي، قالَهُ الكَلْبِيُّ ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: وجَبَ القَوْلُ مِنِّي، قالَهُ السُّدِّيُّ كَما قالَ كَثِيرٌ فَإنْ تَكُنِ العُتْبى فَأهْلًا ومَرْحَبًا وحَقَّتْ لَها العُتْبى لِدُنْيا وقَلَّتِ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ ﴾ يَعْنِي مِن عَصاهُ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ.

وَفي الجِنَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجِنُّ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ، وهَذا التَّأْوِيلُ مَعْلُولٌ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فَيُعَذَّبُونَ.

وَسُمُّوا جِنَّةً لِاجْتِنانِهِمْ عَنِ الأبْصارِ ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو: عُزِلَتِ الجِنُّ والجِنانُ عَنِّي ∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الجَلْدُ الصَّبُورُ قَوْلُهُ: ﴿ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَذُوقُوا عَذابِي بِما تَرَكْتُمْ أمْرِي، قالَ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: فَذُوقُوا العَذابَ بِما تَرَكْتُمُ الإيمانَ بِالبَعْثِ في هَذا اليَوْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنّا تَرَكْناكم مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إنّا تَرَكْناكم في العَذابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ ﴾ وهو الدّائِمُ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ.

﴿ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالذَّوْقِ عَمّا يَطْرَأُ عَلى النَّفْسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا لِإحْساسِها بِهِ كَإحْساسِها بِذَوْقِ الطَّعامِ، قالَ ابْنُ أبِي رَبِيعَةَ ؎ فَذُقْ هَجْرَها إنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّهُ ∗∗∗ رَشادٌ ألا يا رَبُّ ما كَذَبَ الزَّعْمَ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ﴾ قال: أبصروا حين لم ينفعهم البصر، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع.

وفي قوله: ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾ قال: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، ولو شاء الله أنزل عليهم من السماء آية ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ [ الشعراء: 4] .

وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاثة معاذير.

يقول: يا آدم لولا أني لعنت الكذابين، وأبغض الكذب والخلف، وأعذب عليه لرحمت اليوم ذريتك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب، ولكن حق القول مني لمن كذب رسلي، وعصى أمري ﴿ لأملأن جهنم منكم أجمعين ﴾ [ الأعراف: 18] ويقول: يا آدم إني لا أدخل أحداً من ذريتك النار، ولا أعذب أحداً منهم بالنار إلا من قد علمت في سابق علمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان فيه لم يراجع ولم يعتب، ويقول له: يا آدم قد جعلتك اليوم حكماً بيني وبين ذريتك، قم عند الميزان، فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة، فله الجنة حتى تعلم أني لا أدخل النار اليوم منهم إلا ظالماً» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا ﴾ قال: تركتم أن تعملوا للقاء يومكم هذا.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فذوقوا بما نسيتم..

﴾ قال: اليوم نترككم في النار كما تركتم أمري.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا نسيناكم ﴾ قال: تركناكم.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس ﴿ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً ﴾ أي أتوها ﴿ وسبحوا ﴾ أي صلوا بأمر ربهم ﴿ وهم لا يستكبرون ﴾ عن اتيان الصلوات في الجماعات.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ (١) (٢) ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى  ﴾ .

﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد هذا قضائي وقدري في ملكي وربوبيتي (٣) وقال مقاتل: يعني من كفار الإنس والجن جميعًا (٤) ﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ والآية صريح (٥) (٦) (١) في النسخ: (ولقد آتينا)، وهو خطأ.

(٢) انظر: "الوسيط" 3/ 451، "تفسير مقاتل" 84 ب.

(٣) "الوسيط" 3/ 451.

(٤) "تفسير مقاتل" 84 ب.

(٥) هكذا في النسخ، وهو خطأ.

والصواب: صريحة.

(٦) القدرية: فرقة سموا بذلك لقولهم في القدر، فهم يزعمون أن العبد يخلق أفعال نفسه استقلالاً، فأثبتوا -بسبب قولهم- خالقًا مع الله، ولذا فهم مجوس هذه الأمة كما سماهم بذلك الرسول -  -، لأن لمجوس يثبتون خالقين: خالقًا للنور وخالقًا للظلمة، وهم ينفون العلم السابق والمشيئة السابقة.

انظر "الملل والنحل" للشهرستاني بهامش "الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 65.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ يعني أنه لو أراد أن يهدي جميع الخلائق لفعل، فإنه قادر على ذلك بأن يجعل الإيمان في قلوبهم ويدفع عنهم الشيطان والشهوات، ولكن يُضل من يشاء ويهدي من يشاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.

وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.

الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.

الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.

وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب  ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.

ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.

فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.

سأل: إنه تصنيف اي شخص؟

ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.

ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.

ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.

ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد  ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.

وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله  .

ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.

ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.

أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.

ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.

وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟

فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".

وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.

وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.

وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة  ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.

وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.

وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.

ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه  ﴾ وقد مر في "طه".

وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.

ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.

ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.

والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.

ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.

والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.

ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.

ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.

ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.

ثم إنه  ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.

وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".

ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.

وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم  ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.

أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله  بقيام الليل وهو التهجد.

قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .

عن علي  : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي  يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.

وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.

و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.

عن النبي  "يقول الله  أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.

قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله  أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.

وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.

يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب  والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.

فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.

فأنزل الله  فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.

ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.

ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.

وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.

وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.

فإنه يحمل على الإعارة وإنه  قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة  ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.

وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها  ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.

وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.

وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.

ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.

وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.

وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.

ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.

قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله  وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.

قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.

وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.

وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.

وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة  ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.

ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.

وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.

قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.

والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه  ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.

وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.

ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.

ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي  فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.

والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.

واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن  ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.

والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.

واستدل به على أن الله  جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.

ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.

وفيه أن الله  سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.

ومثله إخبار النبي  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

وفيه إشارة إلى أنه  سيميز المحق في كل دين من المبطل.

ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.

وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.

وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.

ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.

قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.

وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.

قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.

قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.

ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.

فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟

فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.

ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.

ثم أمر نبيه  بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين  ﴾ .

التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.

اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.

الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .

خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال  "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.

﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.

ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي  ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.

﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد  فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.

ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.

وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.

لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.

ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .

هذا القول منهم في الظاهر يخرج على الاستفهام والسؤال: أئنا نبعث ونخلق خلقاً جديداً؟

وعلى الإيجاب والتحقيق: إنا نبعث لا محالة؛ فلا يلحقهم بذلك لائمة ولا تعيير لو كان على ظاهر المخرج منهم، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء وإنكاراً للبعث؛ دليله ما قال على أثره: ﴿ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴾ ؛ وإلا ظاهر ذلك القول منهم على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما: استفهاماً، أو إيجاباً، وهو ما أخبر عن المنافقين؛ حيث قال: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ  ﴾ : هذا القول منهم حق وصدق، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك لم ينفع ذلك لهم؛ حيث قال: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك القول منهم في الظاهر ما ذكرنا، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء وإنكاراً للبعث وجحوداً.

وقوله: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ .

هذا الحرف في الظاهر ليس هو بصلة للأول؛ لأنه إنما يقال عن سؤال سابق في توفي الخلق وقبض أرواحهم: أنه من؟

فيقال عند ذلك: يتوفاكم ذلك ملك الموت.

وجائز أن يكون على الصلة بالأول؛ لأنهم أنكروا البعث وإحياءه إياهم من التراب؛ لما لا يرون لله القدرة على ذلك؛ فيذكر أنه مكن وأقدر عبدا من عبيده على قبض أرواح جميع الخلائق من المشرق إلى المغرب، من غير أن يعلمه أحد أن كيف يقبض؟

وكيف يمكن له ذلك؟

فيخبر أن من قدر على هذا يقدر على إحياء الخلق بعدما صاروا تراباً ورماداً بل قادر على ما شاء، كيف شاء، متى شاء، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء.

ثم قوله: ﴿ يَتَوَفَّاكُم ﴾ يحتمل من توفى العدد: يجعلهم وفاء لعدِّها؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً  ﴾ .

وجائز أن يكون التوفي من الاستيفاء ووفاء التمام، أي: يستوفى الروح كله؛ حتى لا يبقى في الجسد منه شيء.

ثم في الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أن ملك الموت يتوفاهم ويميتهم، وقد أخبر أنه خلق الموت والحياة؛ فدل أن جميع ما يفعل العباد هو خلق.

وقال القتبي: ﴿ ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: بطلنا وصرنا تراباً.

وقال غيره: هلكنا.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ضَلَلْنَا ﴾ بالضاد: إذا صرنا في القبور وبلينا فيها.

ويقال: ضللنا بالكسر من الضلال، ويقال: ضللت شيء كذا وكذا: إذا لم تدر أين ذهب؟

ويقال: ضللنا - بالضاد -: وهو من ضل اللحم، أي: أنتن.

وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: لو ترى - يا محمد - ما نزل بالمجرمين يومئذ من العذاب، وما هم فيه من الحال الشديدة والهوان؛ بالتكذيب الذي كان منهم وإساءتهم إليك - لرحمتهم ولم تتكلف مكافأة إساءتهم وتكذيبهم؛ لعظم ما نزل [بهم] من العذاب والشدائد.

﴿ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ؛ ندامة وحسرة وحزناً على ما كان منهم، على مثل هذا يخرج التأويل؛ وإلا ليس في ظاهر الآية جواب قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ؛ فجوابه ما ذكرنا، أو نحوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ أَبْصَرْنَا ﴾ : بالحجج والبراهين عياناً بعدما كنا أبصرناها في الأولى بالدلالة، ﴿ وَسَمِعْنَا ﴾ ، أي: قبلنا وأجبنا؛ ﴿ فَٱرْجِعْنَا ﴾ إلى الأولى أو المحنة، ﴿ نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ .

والثاني: ربنا أبصرنا صدق الرسل، وأيقنا بما وعدنا في الدنيا وسمعنا سماع إيقان وعيان، فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ .

أي: لو شئنا لآتينا كل نفس ما عندنا من اللطف: الذي لو كان منهم الاختيار لذلك لاهتدوا، لكن لم نعطهم ذلك اللطف؛ لما لم نعلم منهم كون ذلك الاختيار.

وعلى قول المعتزلة: شاء أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها لكنها لم تهتد؛ فقولهم مخالف للآية؛ لأنهم يقولون: شاء أن تهتدي كل نفس، وآتى كل نفس ما به تهتدي، لكنها لم تهتد، ولكنهم يقولون: المشيئة - هاهنا - مشيئة الجبر والقسر.

فيقال لهم: زعمتم أنه قد شاء أن يهتدوا، وآتاهم ما به يهتدون فلم يهتدوا ولم تنفذ مشيئته؛ فأنى يقدر ويملك أن يشاء مشيئة تقهرهم وتجبرهم حتى يهتدوا؟!

وكيف يؤمن على ذلك؟!

فذلك بعيد على قولكم؛ فيقال لهم - أيضاً -: إن الإيمان والتوحيد في حال القهر والقسر لا يكون إيمانا؛ لأن القهر والجبر يرفع الفعل عن فاعله ويحوله عنه، فكيف تأويلكم على هذا؟!

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ .

أي: لكن وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم ويحدث ما يستوجبون به جهنم، وهو ما علم أنهم يختارون الردّ والتكذيب.

وقوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .

في هذه الآية دلالة: أنه عصم ملائكته عن عمد ما يستوجبون به جنهم بعد قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  ﴾ : خص الإنسان والجن فيما يملأ بهما جهنم.

فإن قيل: إنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً  ﴾ .

قيل: هم أصحاب النار في تعذيب غيرهم، وليسوا هم بأصحابها فيما ينتهي إليهم العذاب، ولله أن يجعل ويمتحن من يشاء على تعذيب من شاء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ ﴾ .

النسيان الذي ذكر منهم ليس هو نسيان غفلة وسهو؛ لأنه لا كلفة تلزم في حال السهو والغفلة.

ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: تضييع وترك تصديق الرسل بما أوعدوهم به، وتكذيبهم ورد الحجج والآيات لذلك.

والثاني: ﴿ نَسِيتُمْ ﴾ ، أي: جعلتم ذلك كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه.

والثالث: ﴿ إِنَّا نَسِينَاكُمْ ﴾ ، أي: نجزيكم جزاء نسيانكم وترككم، أي: يجعلكم كالمنسي عن رحمته وفضله لا يكترث ولا يعبأ بكم؛ كما جعلتم أنتم آياته وحججه وما دعاكم إليه كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه.

والرابع: وتضييعكم، ويجوز تسمية الجزاء باسم أصله وأوله، وإن لم يكن الثاني في الحقيقة سيئة ولا اعتداء؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون وتعتقدون المذهب للخلود والأبد؛ لأن كل ذي مذهب ودين إنما يعتقد المذهب ويختاره للأبد؛ فعلى ذلك جعل تعذيبهم في النار للأبد، وأما من يرتكب المآثم والزلات من المؤمنين، فإنما يرتكب عند شدة الحاجة وغلبة الشهوة في وقت ارتكابه لا للأبد؛ لذلك افترقا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو شئنا إعطاء كل نفس رشدها وتوفيقها لحملناها على هذا، ولكن وجب القول مني حكمة وعدلًا: لأملأنّ جهنم يوم القيامة من أهل الكفر من الثقلين: الجن والإنس؛ لاختيارهم طريق الكفر والضلال على طريق الإيمان والاستقامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.92l4X"

مزيد من التفاسير لسورة السجدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد