الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ١٢ من سورة السجدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 63 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة ، وحالهم حين عاينوا البعث ، وقاموا بين يدي الله حقيرين ذليلين ، ناكسي رؤوسهم ، أي : من الحياء والخجل ، يقولون : ( ربنا أبصرنا وسمعنا ) أي : نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك ، كما قال تعالى : ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ) [ مريم : 38 ] .
وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم : ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ) [ الملك : 10 ] .
وهكذا هؤلاء يقولون : ( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ) أي : إلى الدار الدنيا ، ( نعمل صالحا إنا موقنون ) أي : قد أيقنا وتحققنا أن وعدك حق ولقاءك حق ، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى الدار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارا يكذبون آيات الله ويخالفون رسله ، كما قال : ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) [ الأنعام : 27 - 29 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لو ترى يا محمد هؤلاء القائلين: أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ إذ هم ناكسوا رءوسهم عند ربهم حياء من ربهم.
للذي سلف منهم من معاصيه في الدنيا، يقولون: يا(رَبَّنَا أبْصَرْنا) ما كنا نكذّب به من عقابك أهل معاصيك (وَسَمِعْنَا) منك تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا(فارجعنا) يقول: فارددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك، وذلك العمل الصالح (إنَّا مُوقَنُونَ) يقول: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالا من وحدانيتك وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون ربّ سواك، وأنك تحيي وتميت، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء وتفعل ما تشاء.
وبنحو ما قلنا في قوله: (نَاكِسُوا رُءُوسِهمْ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله: (وَلَوْ تَرَى إذِ المُجْرِمونَ ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدِ رَبَّهِمْ) قال: قد حزنوا واستحيوا.
قوله تعالى : ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون .قوله تعالى : ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ابتداء وخبر .
قال الزجاج : والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة لأمته .
والمعنى : ولو ترى يا محمد منكري البعث يوم القيامة لرأيت العجب .
ومذهب أبي العباس غير هذا ، وأن يكون المعنى : يا محمد ، قل للمجرم ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم لندمت على ما كان منك .
ناكسو رءوسهم ؛ أي من الندم والخزي والحزن والذل والغم .
عند ربهم ؛ أي عند محاسبة ربهم وجزاء أعمالهم .
( ربنا ) ؛ أي يقولون ربنا .
( أبصرنا ) ؛ أي أبصرنا ما كنا نكذب .
و ( سمعنا ) ما كنا ننكر .
وقيل : أبصرنا صدق وعيدك .
وسمعنا تصديق رسلك .
أبصروا حين لا ينفعهم البصر ، وسمعوا حين لا ينفعهم السمع .
( فارجعنا ) ؛ أي إلى الدنيا .نعمل صالحا إنا موقنون أي مصدقون بالبعث ; قاله النقاش .وقيل : مصدقون بالذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنه حق ; قاله يحيى بن سلام .
قال سفيان الثوري : فأكذبهم الله تعالى : فقال ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون .
وقيل : معنى إنا موقنون أي قد زالت عنا الشكوك الآن ; وكانوا يسمعون ويبصرون في الدنيا ؛ ولكن لم يكونوا يتدبرون ، وكانوا كمن لا يبصر ولا يسمع ، فلما تنبهوا في الآخرة صاروا حينئذ كأنهم سمعوا وأبصروا .
وقيل : أي ربنا لك الحجة ، فقد أبصرنا رسلك وعجائب خلقك في الدنيا ، وسمعنا كلامهم فلا حجة لنا .
فهذا اعتراف منهم ، ثم طلبوا أن يردوا إلى الدنيا ليؤمنوا .
لما ذكر تعالى رجوعهم إليه يوم القيامة، ذكر حالهم في مقامهم بين يديه فقال: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ } الذين أصروا على الذنوب العظيمة، { نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } خاشعين خاضعين أذلاء، مقرين بجرمهم، سائلين الرجعة قائلين: { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } أي: بأن لنا الأمر، ورأيناه عيانًا، فصار عين يقين.{ فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ } أي: صار عندنا الآن، يقين بما كنا نكذب به، أي: لرأيت أمرا فظيعًا، وحالاً مزعجة، وأقوامًا خاسرين، وسؤلًا غير مجاب، لأنه قد مضى وقت الإمهال.
( ولو ترى إذ المجرمون ) المشركون ( ناكسو رءوسهم ) مطأطؤ رءوسهم ( عند ربهم ) حياء وندما ) ( ربنا ) أي : يقولون ربنا ) ( أبصرنا ) ما كنا به مكذبين ) ( وسمعنا ) منك تصديق ما أتتنا به رسلك .
وقيل : أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فينا ) ( فارجعنا ) فأرددنا إلى الدنيا ( نعمل صالحا إنا موقنون ) وجواب لو مضمر مجازه لرأيت العجب .
«ولو ترى إذ المجرمون» الكافرون «ناكسوا رؤوسهم عند ربهم» مطأطئوها حياءً يقولون «ربنا أبصرنا» ما أنكرنا من البعث «وسمعنا» منك تصديق الرسل فيما كذبناهم فيه «فارجعنا» إلى الدنيا «نعمل صالحا» فيها «إنا موقنون» الآن فما نفعهم ذلك ولا يرجعون، وجواب لو: لرأيت أمرا فظيعاً، قال تعالى:
ولو ترى -أيها المخاطب- إذ المجرمون الذين أنكروا البعث قد خفضوا رؤوسهم عند ربهم من الخزي والعار قائلين: ربنا أبصرنا قبائحنا، وسمعنا منك تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا، وقد تُبْنا إليك، فارجعنا إلى الدنيا لنعمل فيها بطاعتك، إنا قد أيقنَّا الآن ما كنا به في الدنيا مكذبين من وحدانيتك، وأنك تبعث من في القبور.
ولو رأيت -أيها الخاطب- ذلك كله، لرأيت أمرًا عظيمًا، وخطبًا جسيمًا.
ثم صور - سبحانه - أحوال هؤلاء الكافرين ، عندما يقفون للحاسب ، تصويراً مرعباً مخيفاً فقال : ( وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ) .وجواب " لو " محذوف ، والتقدير : لرأيت شيئاً تقشعر من هوله الأبدان .وقوله : ( نَاكِسُواْ ) من النكس ، وهو قلب الشئ على راسه كالتنكيس .
.
وفعله من باب نصر - والخطاب يصح أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له .أى : ولو ترى - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المجرمين الذين أنكروا البعث والجزاء ، وهم يقفون أمام خالقهم بذلة وخزى ، لحسابهم على أعمالهم .
.
لو ترى ذلك لرأيت شيئاً ترتعد له الفرائص ، وتهتز منه القلوب .وقوله : ( رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) حكاية لما يقولونه فى هذا الموقف العصيب .
أى : يقولونه بذلة وندم : يا ربنا نحن الآن نبصر مصيرنا ، ونسمع قولك ونندم على ما كنا فيه من كفر وضلال ، ( فارجعنا ) إلى الدنيا ، لكى ( نَعْمَلْ ) عملاً ( صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) الآن بأن ما جاءنا به رسولك هو الحق ، وأن البعث حق .
وان الجزاء حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق .
لما ذكر أنهم يرجعون إلى ربهم بين ما يكون عند الرجوع على سبيل الإجمال بقوله: ﴿ وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ ﴾ يعني لو ترى حالهم وتشاهد استخجالهم لترى عجباً، وقوله: ﴿ تَرَى ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً مع الرسول صلى الله عليه وسلم تشفياً لصدره فإنهم كانوا يؤذونه بالتكذيب، ويحتمل أن يكون عاماً مع كل أحد كما يقول القائل إن فلاناً كريم إن خدمته ولو لحظة يحسن إليك طول عمرك ولا يريد به خاصاً، وقوله: ﴿ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ لبيان شدة الخجالة لأن الرب إذا أساء إليه المربوب، ثم وقف بين يديه يكون في غاية الخجالة.
ثم قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ يعني يقولون أو قائلين ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا ﴾ وحذف يقولون إشارة إلى غاية خجالتهم لأن الخجل العظيم الخجالة لا يتكلم، وقوله: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ أي أبصرنا الحشر وسمعنا قول الرسول فارجعنا إلى دار الدنيا لنعمل صالحاً، وقولهم: ﴿ إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ معناه إنا في الحال آمنا ولكن النافع الإيمان والعمل الصالح، ولكن العمل الصالح لا يكون إلا عند التكليف به وهو في الدنيا فارجعنا للعمل، وهذا باطل منهم فإن الإيمان لا يقبل في الآخرة كالعمل الصالح أو نقول المراد منه أنهم ينكرون الشرك كما قالوا: ﴿ وَمَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فقالوا إن هذا الذي جرى علينا ما جرى إلا بسبب ترك العمل الصالح وأما الإيمان فإنا موقنون وما أشركنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ تَرَى ﴾ يجوز أن يكون خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه وجهان: أن يراد به التمني، كأنه قال: وليتك ترى، كقوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة: (لو نظرت إليها) والتمني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان الترجي له في ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ لأنه تجرع منهم الغصص ومن عداوتهم وضرارهم، فجعل الله له تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الحياء والخزي والغم ليشمت بهم، وأن تكون لو الامتناعية قد حذف جوابها، وهو: لرأيت أمراً فظيعاً.
أو: لرأيت أسوأ حال ترى.
ويجوز: أن يخاطب به كل أحد، كما تقول: فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، فلا تريد به مخاطباً بعينه، فكأنك قلت: إن أكرم وإن أحسن إليه، ولو وإذ: كلاهما للمضي، وإنما جاز ذلك؛ لأن المترقب من الله بمنزلة الوجود المقطوع به في تحققه، ولا يقدر لنرى ما يتناوله، كأنه قيل: ولو تكون منكم الرؤية، وإذ ظرف له.
يستغيثون بقولهم ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ فلا يغاثون، يعني: أبصرنا صدق وعدك ووعيدك وسمعنا منك تصديق رسلك.
أو كنا عمياً وصماً فأبصرنا وسمعنا ﴿ فارجعنا ﴾ هي الرجعة إلى الدنيا ﴿ لأتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ على طريق الإلجاء والقسر، ولكننا بنينا الأمر على الاختيار دون الاضطرار، فاستحبوا العمى على الهدى، فحقت كلمة العذاب على أهل العمى دون البصراء ألا ترى إلى ما عقبه به من قوله: ﴿ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ ﴾ فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم: من نسيان العاقبة، وقلة الفكر فيها، وترك الاستعداد لها.
والمراد بالنسيان: خلاف التذكر، يعني: أن الانهماك في الشهوات أذهلكم وألهاكم عن تذكر العاقبة وسلط عليكم نسيانها، ثم قال: ﴿ إِنَّا نسيناكم ﴾ على المقابلة، أي: جازيناكم جزاء نسيانكم.
وقيل: هو بمعنى الترك، أي: تركتم الفكر في العاقبة، فتركناكم من الرحمة، وفي استئناف قوله إنا نسيناكم وبناء الفعل على إن واسمها تشديد في الانتقام منهم.
والمعنى فذوقوا هذا أي ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم بسبب نسيان اللقاء، وذوقوا العذاب المخلد في جهنم بسبب ما عملتم من المعاصي والكبائر الموبقة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ.
﴿ رَبَّنا ﴾ قائِلِينَ رَبَّنا.
﴿ أبْصَرْنا ﴾ ما وعَدْتَنا.
﴿ وَسَمِعْنا ﴾ مِنكَ تَصْدِيقَ رُسُلِكَ.
﴿ فارْجِعْنا ﴾ إلى الدُّنْيا.
﴿ نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ ﴾ إذْ لَمْ يَبْقَ لَنا شَكٌّ بِما شاهَدْنا، وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّمَنِّي والمُضِيِّ فِيها وفي ( إذْ ) لِأنَّ الثّابِتَ في عِلْمِ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، ولا يُقَدَّرُ لِـ ( تَرى ) مَفْعُولٌ لِأنَّ المَعْنى لَوْ يَكُونُ مِنكَ رُؤْيَةٌ في هَذا الوَقْتِ، أوْ يُقَدَّرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ صِلَةُ إذْ والخِطابُ لِلرَّسُولِ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ.
<div class="verse-tafsir"
{ولو ترى} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ولو امتناعية والجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً {إذ المجرمون} هم الذين قالوا أئذا ضللنا فى الأرض ولو واذ للمضي وإنما جاز ذلك لأن المترقب من الله بمنزله الموجود لا يقدر لنرى ما يتناوله كأنه قيل ولو تكون منك الرؤية واذ ظرف له {ناكسو رؤوسهم} من الذل والحياء والندم {عند ربّهم} عند حساب ربهم ويوقف عليه لحق الحذف اذ التقدير يقولون {ربنا أبصرنا} صدق وعدك ووعيدك وسمعنا منك تصديق رسلك أو كنا عميا وصما فأبصرناوسمعنا {فارجعنا} إلى الدنيا {نعمل صالحاً} أي الإيمان والطاعة {إنّا موقنون} بالبعث والحساب الآن
﴿ ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ﴾ وهُمُ القائِلُونَ: ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ أوْ جِنْسُ المُجْرِمِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ، ﴿ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ ﴾ مُطْرِقُوها مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ، ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ حِينَ حِسابِهِمْ، لَمْ يَظْهَرْ مِن قَبائِحِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها في الدُّنْيا.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «نَكَّسُوا رُؤُوسَهُمْ» فِعْلًا ماضِيًا ومَفْعُولًا، ﴿ رَبَّنا ﴾ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ الواقِعِ حالًا والعامِلِ فِيهِ ( ناكِسُو )، أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا إلَخْ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ: يَسْتَغِيثُونَ بِقَوْلِهِمْ: رَبَّنا ﴿ أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ أيْ صِرْنا مِمَّنْ يُبْصِرُ ويَسْمَعُ، وحَصَلَ لَنا الِاسْتِعْدادُ لِإدْراكِ الآياتِ المُبْصَرَةِ والآياتِ المَسْمُوعَةِ، وكُنّا مِن قَبْلُ عُمْيًا صُمًّا لا نُدْرِكُ شَيْئًا، ﴿ فارْجِعْنا ﴾ إلى الدُّنْيا ﴿ نَعْمَلْ صالِحًا ﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الآياتُ، وهَذا عَلى ما قِيلَ: ادِّعاءٌ مِنهم لِصِحَّةِ مُشْعِرِي البَصَرِ والسَّمْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا مُوقِنُونَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ التَّعْلِيلُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو مُتَضَمِّنٌ لِادِّعائِهِمْ صِحَّةَ الأفْئِدَةِ والِاقْتِدارِ عَلى فَهْمِ مَعانِي الآياتِ والعَمَلِ بِما يُوجِبُها، وفِيهِ مِن إظْهارِ الثَّباتِ عَلى الإيقانِ، وكَمالِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ ما فِيهِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا: أبْصَرْنا وسَمِعْنا وأيْقَنّا فارْجِعْنا إلَخْ، ولَعَلَّ تَأْخِيرُ السَّمْعِ لِأنَّ أكْثَرَ العَمَلِ الصّالِحِ المَوْعُودِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ دُونَ البَصَرِ، فَكانَ عَدَمُ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالبَصَرِ أوْلى، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ لِكُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَفْعُولٌ مُناسِبٌ لَهُ، مِمّا يُبْصِرُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ بِأنْ يُقالَ: أبْصَرْنا البَعْثَ الَّذِي كُنّا نُنْكِرُهُ، وما وعَدْتَنا بِهِ عَلى إنْكارِهِ، وسَمِعْنا مِنكَ ما يَدُلُّ عَلى تَصْدِيقِ رُسُلِكَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ويُرادُ بِهِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ ، لا الإخْبارُ الصَّرِيحُ بِلَفْظِ أنَّ رُسُلِي صادِقُونَ مَثَلًا، أوْ يُقالُ: أبْصَرْنا البَعْثَ وما وعَدْتَنا بِهِ، وسَمِعْنا قَوْلَ الرُّسُلِ، أيْ سَمِعْناهُ سَمْعَ طاعَةٍ وإذْعانٍ، أوْ يُقالُ: أبْصَرْنا قُبْحَ أعْمالِنا الَّتِي كُنّا نَراها في الدُّنْيا حَسَنَةً، وسَمِعْنا قَوْلَ المَلائِكَةِ لَنا، إنَّ مَرَدَّكم إلى النّارِ، وقِيلَ: أرادُوا أبْصَرْنا رُسُلَكَ وسَمِعْنا كَلامَهم حِينَ كُنّا في الدُّنْيا، أوْ أبْصَرْنا آياتِكَ التَّكْوِينِيَّةَ، وسَمِعْنا آياتِكَ التَّنْزِيلِيَّةَ في الدُّنْيا، فَلَكَ الحُجَّةُ عَلَيْنا، ولَيْسَ لَنا حُجَّةٌ، فارْجِعْنا إلَخْ، ولا يَخْفى حالُ هَذا القِيلِ، وعَلى سائِرِ هَذِهِ التَّقادِيرِ وجْهُ تَقْدِيمِ الإبْصارِ عَلى السَّماعِ ظاهِرٌ، و«لَوْ» هي الَّتِي سَمّاها غَيْرُ واحِدٍ امْتِناعِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
والخِطابُ في «تَرى» لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ إذِ المُرادُ بَيانُ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ وبُلُوغِها مِنَ الفَظاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ اسْتِغْرابُها واسْتِفْظاعُها بِراءٍ دُونَ راءٍ، مِمَّنِ اعْتادَ مُشاهَدَةَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ والدَّواهِي الفَظِيعَةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَتَعَجَّبُ مِن هَوْلِها وفَظاعَتِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ أنَّ حالَهم قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَمْتَنِعُ خَفاؤُها البَتَّةَ، فَلا يَخْتَصُّ بِرُؤْيَتِها راءٍ دُونَ راءٍ، والجَوابُ المُقَدَّرُ أوْفَقُ بِما ذُكِرَ أوَّلًا، والفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، أيْ لَوْ تَكُنْ مِنكَ رُؤْيَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ خاصًّا بِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ، ( ولَوْ ) لِلتَّمَنِّي، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَكَ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُؤُوسِهِمْ لِتَشْمَتَ بِهِمْ، وحُكْمُ التَّمَنِّي مِنهُ تَعالى حُكْمُ التَّرَجِّي، وقَدْ تَقَدَّمَ، ولا جَوابَ لَها حِينَئِذٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقالَ أبُو حَيّانَ، وابْنُ مالِكٍ: لا بُدَّ لَها مِنَ الجَوابِ اسْتِدْلالًا بِقَوْلِ مُهَلْهِلٍ في حَرْبِ البَسُوسِ: فَلَوْ نُبِشَ المَقابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ فَيُخْبِرَ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ بِيَوْمِ الشَّعْثَمَيْنِ لَقَرَّ عَيْنًا ∗∗∗ وكَيْفَ لِقاءُ مَن تَحْتَ القُبُورِ فَإنَّ لَوْ فِيهِ لِلتَّمَنِّي بِدَلِيلِ نَصْبِ (فَيُخْبِرَ) ولَهُ جَوابٌ، وهو قَوْلُهُ: (لَقَرَّ)، ورُدَّ بِأنَّها شَرْطِيَّةٌ، (ويُخْبِرَ) عَطْفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَصَيَّدٍ مِن (نُبِشَ) كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ حَصَلَ نَبْشٌ فَإخْبارٌ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وقالَ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَوْ قِيلَ: إنَّها لِتَقْدِيرِ التَّمَنِّي مَعَها كَثِيرًا أُعْطِيَتْ حُكْمَهُ، واسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيرِ الجَوابِ فِيها إذا لَمْ يُذْكَرْ كَما في الوَصْلِيَّةِ، ونَصْبُ جَوابِها كانَ أسْهَلَ مِمّا ذُكِرَ، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ لِتَرى مَفْعُولٌ، دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ، أيْ لَوْ تَرى المُجْرِمِينَ، أوْ لَوْ تَرى نَكْسَهم رُؤُوسَهُمْ، والمُضِيُّ في لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ، وإذْ، لِأنَّ إخْبارَهُ تَعالى عَمّا تَحَقَّقَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ لِتَحَقُّقِهِ بِمَنزِلَةِ الماضِي فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلى المُضِيِّ مَجازًا كَلَوْ وإذْ، هَذا ومِنَ الغَرِيبِ قَوْلُ أبِي العَبّاسِ في الآيَةِ: المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُجْرِمِ، ولَوْ تَرى، وقَدْ حَكاهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: رَأى أنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( يَتَوَفّاكم ) داخِلَةٌ تَحْتَ ( قُلِ ) السّابِقِ، ولِذا لَمْ يُجْعَلِ الخِطابُ فِيهِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتَهى كَلامُهُ فَلا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ يعني: يقبض أرواحكم مَلَكُ الْمَوْتِ واسمه عزرائيل.
وروي في الخبر أن له وجوهاً أربعة.
فوجه من نار يقبض به أرواح الكفار، ووجه من ظلمة يقبض به أرواح المنافقين، ووجه من رحمة يقبض به أرواح المؤمنين، ووجه من نور يقبض به أرواح الأنبياء والصديقين- عليهم السلام- والدنيا بين يديه كالكف، وله أعوان من ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب.
فإذا قبض روح المؤمن دفعها إلى ملائكة الرحمة، وإذا قبض روح الكافر دفعها إلى ملائكة العذاب.
وروى جابر بن زيد أن ملك الموت كان يقبض الأرواح بغير وجه، فأقبل الناس يسبونه ويلعنونه.
فشكى إلى ربه عز وجل.
فوضع الله عز وجل الأمراض والأوجاع.
فقالوا: مات فلان بكذا وكذا.
ثم قال تعالى: الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ بعد الموت أحياءً فيجازيكم بأعمالكم.
ثم قال عز وجل: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ يعني: المشركون ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ استحياء من ربهم بأعمالهم يقولون: رَبَّنا أَبْصَرْنا الهدى وَسَمِعْنا الإيمان.
ويقال أَبْصَرْنا يوم القيامة بالمعاينة، وَسَمِعْنا يعني: أيقنوا حين لم ينفعهم يقينهم فَارْجِعْنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ يعني: أيقنّا بالقيامة.
ويقال: إِنَّا مُوقِنُونَ يعني: قد آمنا ولكن لا ينفعهم.
وقد حذف الجواب لأن في الكلام دليلاً ومعناه: ولو ترى يا محمد ذلك، لرأيت ما تعتبر به غاية الاعتبار.
يقول الله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا يعني: لأعطينا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي يعني: وجب العذاب مني.
ويقال: ولكن سبق القول بالعذاب وهو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ من كفار الإنس، ومن كفار الجن أجمعين.
فيقول لهم الخزنة: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ يعني: ذوقوا العذاب بما تركتم لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يعني: تركتم العمل بحضور يومكم هذا.
قال القتبي: النسيان ضد الحفظ، والنسيان الترك.
فقوله: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي: تركتم الإيمان بلقاء هذا اليوم إِنَّا نَسِيناكُمْ يعني: تركناكم في العذاب.
ويقال: نجازيكم بنسيانكم كما قال الله عزّ وجلّ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: 67] وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ الذي لا ينقطع أبداً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من الكفر.
<div class="verse-tafsir"
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)
وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ...
الآية، الأمر اسم جنسٍ لجميعِ الأمور، والمعنى يُنَفِّذُ سُبْحَانِه قضاءَه بجميع ما يشاءه، ثم يعرج إليه خبرُ ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره أن لو سِيرَ فيه السيرَ المعروف من البشر ألفُ سنة، أي: نزولاً وعروجاً لأن مَا بين السماء والأرض خمس مائة سنة، هذا قول ابن عباس «١» ومجاهد «٢» وغير هما.
وقيل: المعنى: يدبر الأمر من السماء إلى الأَرض في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من عَدِّنا، وهو على الكفار قَدْرُ خمسينَ ألفِ سنة.
وقيل: غَيْرَ هذا، وقرأ الجمهور/: «الذي أحسن كل شيء خلقَه» : - بفتح اللام- ٦٩ ب على أنه فعلٌ ماضٍ، ومعنى: «أحسن» : أَتْقَنَ وأحْكَمَ فهو حَسَنْ من جهة مَا هو لمقاصِده التي أريدَ لها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خَلْقه» «٣» : - بسكون اللام- وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن: «أحسن» هنا معناه: ألْهَمَ، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: الآية ٥٠] .
أي:
ألهَمَ.
والإنسانُ هنا آدم- عليه السلام-، والمَهِينُ: الضعيف، وَنَفَخَ: عبارة عن إفاضَةِ الرُّوحِ في جَسَدِ آدم عليه السلام والضميرُ في رُوحِهِ للَّهِ تعالى، وهي إضافة مُلْكٍ إلى مَالِكٍ وخَلْقٍ إلَى خَالِقٍ، ويُحْتَمل أن يكونَ الإنسان في هذه الآية اسم جنس وقَلِيلًا صفة لمصدر محذوف.
وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا ﴾ يَعْنِي مُنْكِرِي البَعْثِ ﴿ أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وحُمَيْدٌ، وطَلْحَةُ: " ضَلِلْنا " بِضادٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ اللّامِ الأُولى.
قالَ الفَرّاءُ: ضَلِلْنا وضَلَلْنا لُغَتانِ، والمَعْنى: إذا صارَتْ عِظامُنا ولُحُومُنا تُرابًا كالأرْضِ؛ تَقُولُ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ، وضَلَّ الشَّيْءُ في الشَّيْءِ: إذا أخْفاهُ وغَلَبَ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ضُلِّلْنا " [بِضَمِّ] الضّادِ المُعْجَمَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ الأُولى وكَسْرِها.
وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُعاذٌ القارِئُ: " صَلَلْنا " بِصادٍ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ، وذَكَرَ لَها الزَّجّاجُ مَعْنَيَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْتَنّا وتَغَيَّرْنا وتَغَيَّرَتْ صُوَرُنا؛ يُقالُ: صَلَّ اللَّحْمُ وأصَلَّ: إذا أنْتَنَ وتَغَيَّرَ.
والثّانِي: صِرْنا مِن جِنْسِ الصَّلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ؟!
هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ أيْ: بِقَبْضِ أرْواحِكم ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ ﴾ يَوْمَ الجَزاءِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ ﴾ أيْ: مُطَأْطِئُوها حَياءً ونَدَمًا، ﴿ رَبَّنا ﴾ فِيهِ إضْمارٌ: يَقُولُونَ رَبَّنا ﴿ أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ أيْ: عَلِمْنا صِحَّةَ ما كُنّا بِهِ مُكَذِّبِينَ ﴿ فارْجِعْنا ﴾ إلى الدُّنْيا؛ وجَوابُ " لَوْ " مَتْرُوكٌ، تَقْدِيرُهُ: لَوْ رَأيْتَ حالَهم لَرَأيْتَ ما يُعْتَبَرُ بِهِ، ولَشاهَدْتَ العَجَبَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "لَوْ تَرى" تَعْجِيبٌ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ مِن حالِ الكَفَرَةِ وما حَلَّ بِهِمْ.
وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ حَذْفَهُ أهْوَلُ؛ إذْ يَتْرُكُ الإنْسانُ فِيهِ مَعَ أقْصى تَخَيُّلُهُ.
و"المُجْرِمُونَ" هُمُ الكافِرُونَ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا مُوقِنُونَ ﴾ ، أيْ أنَّهم كانُوا في الدُنْيا غَيْرَ مُوقِنِينَ.
و"تَنْكِيسُ الرُؤُوسِ" هو مِنَ الهَوْلِ والذُلِّ واليَأْسِ والهَمِّ بِحُلُولِ العَذابِ وتَعَلُّقِ نُفُوسِهِمْ بِالرَجْعَةِ إلى الدُنْيا، وفي القَوْلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ رَبَّنا، وقَوْلُهُمْ: ﴿ أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ أيْ: ما كُنّا نُخْبَرُ بِهِ في الدُنْيا فَكُنّا مُكَذِّبِينَ بِهِ، ثُمَّ طَلَبُوا الرَجْعَةَ حِينَ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَهَدى الناسَ أجْمَعِينَ، أيْ: يَلْطُفُ بِهِمْ لُطْفًا يُؤْمِنُونَ بِهِ ويَخْتَرِعُ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ.
هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ آيَةٌ يَضْطَرُّهم بِها إلى الإيمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُعْتَزِلَةِ، إلّا أنَّ مَن أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَدْرِ قَدَرَ القَوْلِ ولا مَغْزاهُ ولِذَلِكَ حَكاهُ، والَّذِي يَقُودُ المُعْتَزِلَةَ إلى هَذِهِ المَقالَةِ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى اللُطْفِ بِإنْسانٍ حَتّى يُؤْمِنَ ولا يَفْعَلَ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ ولا مِنَ الأمْرِ المُسْتَقِيمِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ يَطُولُ ولَهُ تَوالِيفُهُ، و"الجِنَّةِ" الشَياطِينُ.
وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا العَذابَ" بِمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا، و"نَسِيتُمْ" مَعْناهُ: تَرَكْتُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: عَمَلٌ، أو عِدَّةٌ ونَحْوَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ، وقَوْلُهُ: ﴿ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أيْ: بِتَكَسُّبِكُمُ الآثامَ.
ثُمَّ أثْنى عَزَّ وجَلَّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِهِ، ووَصْفَهم بِالصِفَةِ الحَسَنَةِ، بِسُجُودِهِمْ عِنْدَ التَذْكِيرِ وتَسْبِيحِهِمْ وعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ، بِخِلافِ ما يَصْنَعُ الكُفْرُ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ التَذْكِيرِ، وقَوْلِ الهُجْرِ، وإظْهارِ التَكَبُّرِ، وهَذِهِ السَجْدَةُ مِن عَزائِمِ السَجْدَةِ في القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: السُجُودُ هُنا بِمَعْنى الرُكُوعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ومُجاهِدٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ، فَكَأنَّ الرُكُوعَ يُقْصَدُ مِن هَذا، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً، وأيْضًا فَمِن مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القارِئَ لِلسَّجْدَةِ يَرْكَعُ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أردف ذكر إنكارهم البعث بتصوير حال المنكرين أثر البعث وذلك عند حشرهم إلى الحساب، وجيء في تصوير حالهم بطريقة حذف جواب ﴿ لو ﴾ حذفاً يرادفه أن تذهب نفس السامع كل مذهب من تصوير فظاعة حالهم وهول موقفهم بين يدي ربهم، وبتوجيه الخطاب إلى غير معيّن لإفادة تناهي حالهم في الظهور حتى لا يختصّ به مخاطب.
والمعنى: لو ترى أيها الرائي لرأيت أمراً عظيماً.
و ﴿ المجرمون هم الذين قالوا أإذا ضللنا في الأرض إنّا لفي خلق جديد ﴾ [السجدة: 10]، فهو إظهار في مقام الإضمار لقصد التسجيل عليهم بأنهم في قولهم ذلك مُجرمون، أي آتون بجُرم وهو جُرم تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وتعطيل الدليل.
والناكس: الذي يجعل أعلى شيء إلى أسفل، يقال: نكس رأسه، إذا طأطأه لأنه كمن جعل أعلى الشيء إلى أسفل.
ونكْس الرؤوس علامة الذلّ والندامة، وذلك مما يُلاقون من التقريع والإهانة.
والعندية عندية السلطة، أي وهم في حكم ربهم لا يستطيعون محيداً عنه، فشبه ذلك بالكون في مكان مختص بربهم في أنهم لا يفلتون منه.
وجملة ﴿ ربنا أبصرنا وسمعنا ﴾ إلى آخرها مقول قول محذوف دلّ عليه السياق هو في موضع الحال، أي ناكسو رؤوسهم يقولون أو قائلين: أبصرْنا وسمعنا، وهم يقولون ذلك ندامة وإقراراً بأن ما توعدهم القرآن به حق.
وحذف مفعول ﴿ أبصرنا ﴾ ومفعول ﴿ سمعنا ﴾ لدلالة المقام، أي أبصرنا من الدلائل المبصرَة ما يصدّق ما أُخبرنا به فقد رأوا البعث من القبور ورأوا ما يعامل به المكذبون، وسمعنا من أقوال الملائكة ما فيه تصديق الوعيد الذي توعدنا به، أي: فعلمنا أن ما دعانا إليه الرسول هو الحق الذي به النجاة من العذاب فأرجِعْنا إلى الدنيا نعمل صالحاً كما قالوا في موطن آخر ﴿ ربنا أخِّرْنا إلى أجل قريب نُجِبْ دعوتك ونتبع الرسل ﴾ [إبراهيم: 44].
وقوله ﴿ إنا موقنون ﴾ تعليل لتحقيق الوعد بالعمل الصالح بأنهم صاروا موقنين بحقية ما يدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم إليه فكانت ﴿ إنَّ ﴾ مغنية غناء فاء التفريع المفيدة للتعليل، أي ما يمنعنا من تحقيق ما وُعدنا به شك ولا تكذيب، إنَّا أيقنا الآن أن ما دُعينا إليه حق.
فاسم الفاعل في قوله ﴿ موقنون ﴾ واقع زمان الحال كما هو أصله.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ عِنْدَ مُحاسَبَةِ رَبِّهِمْ وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الغَمِّ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: مِنَ الذُّلِّ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّالِثُ: مِنَ الحَياءِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
الرّابِعُ: مِنَ النَّدَمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أبْصَرْنا صِدْقَ وعِيدِكَ وسَمِعْنا تَصْدِيقَ رُسُلِكَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أبْصَرْنا مَعاصِيَنا وسَمِعْنا ما قِيلَ فِينا، قالَ قَتادَةُ:، أبْصَرُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ البَصَرُ وسَمِعُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ السَّمْعُ.
﴿ فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ ﴾ أيِ ارْجِعْنا إلى الدُّنْيا نَعْمَلُ فِيها صالِحًا.
﴿ إنّا مُوقِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: مُصَدِّقُونَ بِالَّذِي أُتِيَ بِهِ مُحَمَّدٌ أنَّهُ حَقٌّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
قالَ سُفْيانُ: فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هِدايَتَها لِلْإيمانِ.
الثّانِي: لِلْجَنَّةِ.
الثّالِثُ: هِدايَتَها في الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لِأنَّهم سَألُوا الرَّجْعَةَ لِيُؤْمِنُوا.
﴿ وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ سَبَقَ القَوْلُ مِنِّي، قالَهُ الكَلْبِيُّ ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: وجَبَ القَوْلُ مِنِّي، قالَهُ السُّدِّيُّ كَما قالَ كَثِيرٌ فَإنْ تَكُنِ العُتْبى فَأهْلًا ومَرْحَبًا وحَقَّتْ لَها العُتْبى لِدُنْيا وقَلَّتِ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ ﴾ يَعْنِي مِن عَصاهُ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ.
وَفي الجِنَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجِنُّ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ، وهَذا التَّأْوِيلُ مَعْلُولٌ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ فَيُعَذَّبُونَ.
وَسُمُّوا جِنَّةً لِاجْتِنانِهِمْ عَنِ الأبْصارِ ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو: عُزِلَتِ الجِنُّ والجِنانُ عَنِّي ∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الجَلْدُ الصَّبُورُ قَوْلُهُ: ﴿ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَذُوقُوا عَذابِي بِما تَرَكْتُمْ أمْرِي، قالَ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: فَذُوقُوا العَذابَ بِما تَرَكْتُمُ الإيمانَ بِالبَعْثِ في هَذا اليَوْمِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ إنّا نَسِيناكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنّا تَرَكْناكم مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: إنّا تَرَكْناكم في العَذابِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ ﴾ وهو الدّائِمُ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ.
﴿ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا مِنَ المَعاصِي، وقَدْ يُعَبَّرُ بِالذَّوْقِ عَمّا يَطْرَأُ عَلى النَّفْسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا لِإحْساسِها بِهِ كَإحْساسِها بِذَوْقِ الطَّعامِ، قالَ ابْنُ أبِي رَبِيعَةَ ؎ فَذُقْ هَجْرَها إنْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّهُ ∗∗∗ رَشادٌ ألا يا رَبُّ ما كَذَبَ الزَّعْمَ <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا ﴾ قال: أبصروا حين لم ينفعهم البصر، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع.
وفي قوله: ﴿ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ﴾ قال: لو شاء الله لهدى الناس جميعاً، ولو شاء الله أنزل عليهم من السماء آية ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ [ الشعراء: 4] .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاثة معاذير.
يقول: يا آدم لولا أني لعنت الكذابين، وأبغض الكذب والخلف، وأعذب عليه لرحمت اليوم ذريتك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب، ولكن حق القول مني لمن كذب رسلي، وعصى أمري ﴿ لأملأن جهنم منكم أجمعين ﴾ [ الأعراف: 18] ويقول: يا آدم إني لا أدخل أحداً من ذريتك النار، ولا أعذب أحداً منهم بالنار إلا من قد علمت في سابق علمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان فيه لم يراجع ولم يعتب، ويقول له: يا آدم قد جعلتك اليوم حكماً بيني وبين ذريتك، قم عند الميزان، فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة، فله الجنة حتى تعلم أني لا أدخل النار اليوم منهم إلا ظالماً» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا ﴾ قال: تركتم أن تعملوا للقاء يومكم هذا.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ فذوقوا بما نسيتم..
﴾ قال: اليوم نترككم في النار كما تركتم أمري.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا نسيناكم ﴾ قال: تركناكم.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس ﴿ إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً ﴾ أي أتوها ﴿ وسبحوا ﴾ أي صلوا بأمر ربهم ﴿ وهم لا يستكبرون ﴾ عن اتيان الصلوات في الجماعات.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ﴾ إذ تكون للماضي، وهذا إخبار عما هو آت بعد، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} [الأنعام: 27].
قال مقاتل: يعني كفار مكة (١) قوله: ﴿ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ ﴾ أي مطأطئوها.
وقال [ابن عباس] (٢) (٣) ﴿ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ ﴾ في تقدير الانفصال؛ لأنه لم يأت بعد لا (٤) ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ .
وذكرنا استقصاء هذه الآية عند قوله: ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في سورة النساء [: 97].
وقوله: ﴿ رَبَّنَا ﴾ أي: يقولون ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا ﴾ ما كنا نجهل، وسمعنا ما كنا ننكر ﴿ فَارْجِعْنَا ﴾ إلى الدنيا ﴿ نَعْمَلْ صَالِحًا ﴾ نقول: لا إله إلا الله.
﴿ إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ يريد: أيقنوا ذلك اليوم ما كانوا ينكروا (٥) (٦) قال أبو إسحاق: وهذا متروك الجواب، والجواب: لرأيت ما يعتبر به غاية الاعتبار (٧) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب.
(٢) مكرر في (أ).
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره الطبري 21/ 98 عن ابن زيد، والماوردي 4/ 359 عن يحيى بن سلام، والقرطبي 14/ 95 بدون نسبة.
(٤) الكلام هنا غير واضح، ويظهر -والله أعلم- أن قوله: (بعد لا) زيادة لا معنى لها.
(٥) هكذا في النسخ!
والصواب: ينكرون.
(٦) انظر: "الوسيط" 3/ 451.
وذكره الماوردي 4/ 359 عن يحيى بن سلام، وأبو حيان في "البحر" 8/ 435 عن النقاش.
(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 206.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ ترى ﴾ يحتمل أن تكون لو للتمني، وتأويله في حق الله كتأويل الترجي، وقد ذكر، أو تكون للامتناع وجوابها محذوف تقديره: ولو ترى حال المجرمين في الآخرة لرأيت أمرا مهولاً ﴿ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ ﴾ عبارة عن الذل والغم والندم ﴿ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ تقديره: يقولون ربنا قد عملنا الحقائق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.
وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.
الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.
الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.
وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.
ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.
فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.
سأل: إنه تصنيف اي شخص؟
ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.
ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.
ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.
ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.
وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله .
ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.
ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.
أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.
ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.
وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟
فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".
وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.
وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.
وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.
وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.
وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.
ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وقد مر في "طه".
وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.
ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.
ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.
والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.
ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.
والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.
ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.
ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.
ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.
ثم إنه ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.
وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".
ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.
وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.
أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله بقيام الليل وهو التهجد.
قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .
عن علي : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.
وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.
و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.
عن النبي "يقول الله أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.
قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.
وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.
يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.
فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.
فأنزل الله فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.
ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.
ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.
وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.
وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.
فإنه يحمل على الإعارة وإنه قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.
وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.
وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.
وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.
ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.
وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.
وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.
ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.
قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.
قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.
وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.
وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.
وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.
ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.
وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.
قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.
والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.
وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.
ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.
ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.
والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.
واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.
والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.
واستدل به على أن الله جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.
ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.
وفيه أن الله سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.
ومثله إخبار النبي "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.
وفيه إشارة إلى أنه سيميز المحق في كل دين من المبطل.
ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.
وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.
وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.
ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.
قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.
وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.
قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.
قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.
ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.
فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟
فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.
ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.
ثم أمر نبيه بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ﴾ .
التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.
اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.
الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .
خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.
﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.
ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.
﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.
ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.
وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.
لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.
ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.
قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .
هذا القول منهم في الظاهر يخرج على الاستفهام والسؤال: أئنا نبعث ونخلق خلقاً جديداً؟
وعلى الإيجاب والتحقيق: إنا نبعث لا محالة؛ فلا يلحقهم بذلك لائمة ولا تعيير لو كان على ظاهر المخرج منهم، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء وإنكاراً للبعث؛ دليله ما قال على أثره: ﴿ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴾ ؛ وإلا ظاهر ذلك القول منهم على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما: استفهاماً، أو إيجاباً، وهو ما أخبر عن المنافقين؛ حيث قال: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ : هذا القول منهم حق وصدق، لكنهم لما أضمروا خلاف ذلك لم ينفع ذلك لهم؛ حيث قال: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ ؛ فعلى ذلك القول منهم في الظاهر ما ذكرنا، لكنهم إنما قالوا ذلك؛ استهزاء وإنكاراً للبعث وجحوداً.
وقوله: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ .
هذا الحرف في الظاهر ليس هو بصلة للأول؛ لأنه إنما يقال عن سؤال سابق في توفي الخلق وقبض أرواحهم: أنه من؟
فيقال عند ذلك: يتوفاكم ذلك ملك الموت.
وجائز أن يكون على الصلة بالأول؛ لأنهم أنكروا البعث وإحياءه إياهم من التراب؛ لما لا يرون لله القدرة على ذلك؛ فيذكر أنه مكن وأقدر عبدا من عبيده على قبض أرواح جميع الخلائق من المشرق إلى المغرب، من غير أن يعلمه أحد أن كيف يقبض؟
وكيف يمكن له ذلك؟
فيخبر أن من قدر على هذا يقدر على إحياء الخلق بعدما صاروا تراباً ورماداً بل قادر على ما شاء، كيف شاء، متى شاء، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء.
ثم قوله: ﴿ يَتَوَفَّاكُم ﴾ يحتمل من توفى العدد: يجعلهم وفاء لعدِّها؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾ .
وجائز أن يكون التوفي من الاستيفاء ووفاء التمام، أي: يستوفى الروح كله؛ حتى لا يبقى في الجسد منه شيء.
ثم في الآية دلالة خلق أفعال العباد؛ لأنه أخبر أن ملك الموت يتوفاهم ويميتهم، وقد أخبر أنه خلق الموت والحياة؛ فدل أن جميع ما يفعل العباد هو خلق.
وقال القتبي: ﴿ ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، أي: بطلنا وصرنا تراباً.
وقال غيره: هلكنا.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ضَلَلْنَا ﴾ بالضاد: إذا صرنا في القبور وبلينا فيها.
ويقال: ضللنا بالكسر من الضلال، ويقال: ضللت شيء كذا وكذا: إذا لم تدر أين ذهب؟
ويقال: ضللنا - بالضاد -: وهو من ضل اللحم، أي: أنتن.
وقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ .
يقول - والله أعلم -: لو ترى - يا محمد - ما نزل بالمجرمين يومئذ من العذاب، وما هم فيه من الحال الشديدة والهوان؛ بالتكذيب الذي كان منهم وإساءتهم إليك - لرحمتهم ولم تتكلف مكافأة إساءتهم وتكذيبهم؛ لعظم ما نزل [بهم] من العذاب والشدائد.
﴿ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ؛ ندامة وحسرة وحزناً على ما كان منهم، على مثل هذا يخرج التأويل؛ وإلا ليس في ظاهر الآية جواب قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ ؛ فجوابه ما ذكرنا، أو نحوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ .
هذا يخرج على وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ أَبْصَرْنَا ﴾ : بالحجج والبراهين عياناً بعدما كنا أبصرناها في الأولى بالدلالة، ﴿ وَسَمِعْنَا ﴾ ، أي: قبلنا وأجبنا؛ ﴿ فَٱرْجِعْنَا ﴾ إلى الأولى أو المحنة، ﴿ نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ .
والثاني: ربنا أبصرنا صدق الرسل، وأيقنا بما وعدنا في الدنيا وسمعنا سماع إيقان وعيان، فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ .
أي: لو شئنا لآتينا كل نفس ما عندنا من اللطف: الذي لو كان منهم الاختيار لذلك لاهتدوا، لكن لم نعطهم ذلك اللطف؛ لما لم نعلم منهم كون ذلك الاختيار.
وعلى قول المعتزلة: شاء أن يعطي كل نفس ما به اهتدت، وقد أعطاها لكنها لم تهتد؛ فقولهم مخالف للآية؛ لأنهم يقولون: شاء أن تهتدي كل نفس، وآتى كل نفس ما به تهتدي، لكنها لم تهتد، ولكنهم يقولون: المشيئة - هاهنا - مشيئة الجبر والقسر.
فيقال لهم: زعمتم أنه قد شاء أن يهتدوا، وآتاهم ما به يهتدون فلم يهتدوا ولم تنفذ مشيئته؛ فأنى يقدر ويملك أن يشاء مشيئة تقهرهم وتجبرهم حتى يهتدوا؟!
وكيف يؤمن على ذلك؟!
فذلك بعيد على قولكم؛ فيقال لهم - أيضاً -: إن الإيمان والتوحيد في حال القهر والقسر لا يكون إيمانا؛ لأن القهر والجبر يرفع الفعل عن فاعله ويحوله عنه، فكيف تأويلكم على هذا؟!
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ .
أي: لكن وجب القول مني بما علمت أنه يكون منهم ويحدث ما يستوجبون به جهنم، وهو ما علم أنهم يختارون الردّ والتكذيب.
وقوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .
في هذه الآية دلالة: أنه عصم ملائكته عن عمد ما يستوجبون به جنهم بعد قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ﴾ : خص الإنسان والجن فيما يملأ بهما جهنم.
فإن قيل: إنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً ﴾ .
قيل: هم أصحاب النار في تعذيب غيرهم، وليسوا هم بأصحابها فيما ينتهي إليهم العذاب، ولله أن يجعل ويمتحن من يشاء على تعذيب من شاء، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ ﴾ .
النسيان الذي ذكر منهم ليس هو نسيان غفلة وسهو؛ لأنه لا كلفة تلزم في حال السهو والغفلة.
ثم هو يخرج على وجوه: أحدها: تضييع وترك تصديق الرسل بما أوعدوهم به، وتكذيبهم ورد الحجج والآيات لذلك.
والثاني: ﴿ نَسِيتُمْ ﴾ ، أي: جعلتم ذلك كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه.
والثالث: ﴿ إِنَّا نَسِينَاكُمْ ﴾ ، أي: نجزيكم جزاء نسيانكم وترككم، أي: يجعلكم كالمنسي عن رحمته وفضله لا يكترث ولا يعبأ بكم؛ كما جعلتم أنتم آياته وحججه وما دعاكم إليه كالمنسي المتروك الذي لا يكترث إليه.
والرابع: وتضييعكم، ويجوز تسمية الجزاء باسم أصله وأوله، وإن لم يكن الثاني في الحقيقة سيئة ولا اعتداء؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون وتعتقدون المذهب للخلود والأبد؛ لأن كل ذي مذهب ودين إنما يعتقد المذهب ويختاره للأبد؛ فعلى ذلك جعل تعذيبهم في النار للأبد، وأما من يرتكب المآثم والزلات من المؤمنين، فإنما يرتكب عند شدة الحاجة وغلبة الشهوة في وقت ارتكابه لا للأبد؛ لذلك افترقا.
<div class="verse-tafsir"
سوف يظهر المجرمون يوم القيامة وهم أذلاء يخفضون رؤوسهم بسبب كفرهم بالبعث، يشعرون بالخزي ويقولون: ربنا أبْصَرنا ما كنا نكذب به من البعث، وسمعنا مصداق ما جاءت به الرسل من عندك، فارجعنا إلى الحياة الدنيا نعمل عملًا صالحًا يرضيك عنا، إنا موقنون الآن بالبعث وبصدق ما جاءت به الرسل، لو رأيت المجرمين على تلك الحال رأيت أمرًا عظيمًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.vDeZb"