الآية ٢١ من سورة ص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٢١ من سورة ص

۞ وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 226 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة ص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده ; لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ويزيد - وإن كان من الصالحين - لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة .

فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله - عز وجل - فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا .

وقوله : ( [ إذ دخلوا على داود ] ففزع منهم ) إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه ، وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر ألا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب أي : احتاطا به يسألانه عن شأنهما .

وقوله : ( وعزني في الخطاب ) أي : غلبني يقال : عز يعز : إذا قهر وغلب .

وقوله : ( وظن داود أنما فتناه ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أي اختبرناه .

وقوله : ( وخر راكعا ) أي : ساجدا ) وأناب ) ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك وقد ذكر أنه استمر ساجدا أربعين صباحا ، ( فغفرنا له ذلك ) أي : ما كان منه مما يقال فيه : إن حسنات الأبرار سيئات المقربين .

وقد اختلف الأئمة رضي الله عنهم في سجدة " ص " هل هي من عزائم السجود ؟

على قولين الجديد من مذهب الشافعي رحمه الله أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر .

والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا إسماعيل - وهو ابن علية - عن أيوب عن ابن عباس أنه قال في السجود في " ص " : ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد فيها .

ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال النسائي أيضا عند تفسير هذه الآية : أخبرني إبراهيم بن الحسن - هو المقسمي - حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد في " ص " وقال : " سجدها داود - عليه السلام - توبة ونسجدها شكرا " .

تفرد بروايته النسائي ورجال إسناده كلهم ثقات وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع : أخبرنا أبو إسحاق المدرجي أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي ، أخبرنا أبو سعيد الكنجروذي أخبرنا الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال : قال لي ابن جريج : يا حسن حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة : اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود .

قال ابن عباس : فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل من كلام الشجرة رواه الترمذي عن قتيبة وابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس نحوه وقال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال البخاري عند تفسيرها أيضا : حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال : سألت مجاهدا عن سجدة " ص " فقال : سألت ابن عباس : من أين سجدت ؟

فقال : أوما تقرأ : ( ومن ذريته داود وسليمان ) [ الأنعام : 84 ] ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) [ الأنعام : 90 ] فكان داود - عليه السلام - ممن أمر نبيكم - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدي به فسجدها داود - عليه السلام - فسجدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر - هو ابن عبد الله المزني - أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب " ص " فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال : فقصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يزل يسجد بها بعد .

تفرد به [ الإمام ] أحمد وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر " ص " فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه ، فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود ، فقال : " إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم " .

فنزل وسجد وسجدوا .

تفرد به أبو داود وإسناده على شرط الصحيح .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وهل أتاك يا محمد نبأ الخصم وقيل: إنه عني بالخصم في هذا الموضع ملكان, وخرج في لفظ الواحد, لأنه مصدر مثل الزور والسفر, لا يثنى ولا يجمع; ومنه قول لبيد: وَخَــصْمٍ يَعــدوّنَ الذُّحُـولَ كَـأَنَّهُمْ قُـرُوم غَيَـارَى كـلُّ أزْهَـرَ مُصْعَب (1) وقوله ( إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ ) يقول: دخلوا عليه من غير باب المحراب; والمحراب مقدّم كل مجلس وبيت وأشرفه.

------------------ الهوامش : (1) البيت للبيد (مجاز القرآن لأبي عبيدة ، الورقة 213 - ب) .

قال :" نبأ الخصم" : يقع على الواحد والجمع .

قال لبيد :" وخصم ..." البيت .

والذحول : جمع ذحل ، وهو الثأر .

والقروم جمع قرم ، وهو الفحل العظيم من الإبل .

وغياري : جمع غيران .

والأزهر : الأبيض والمصعب : الشديد القوي الذي يودع من الركوب والعمل ، للفحلة .

( اللسان : صعب .

أ هـ شبه الخصوم الأقوياء بالفحول من الإبل .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة ; لأن أصله المصدر .

قال الشاعر :وخصم غضاب ينفضون لحاهم كنفض البراذين العراب المخالياالنحاس : ولا خلاف بين أهل التفسير أنه يراد به هاهنا ملكان .

وقيل : تسوروا ، وإن كان اثنين حملا على الخصم ، إذ كان بلفظ الجمع ومضارعا له ، مثل الركب والصحب .

تقديره للاثنين ذوا خصم وللجماعة ذوو خصم .

ومعنى : تسوروا المحراب أتوه من أعلى سوره .

يقال : تسور الحائط تسلقه ، والسور حائط المدينة ، وهو بغير همز ، وكذلك السور جمع سورة ، مثل بسرة وبسر ، وهي كل منزلة من البناء .

ومنه سورة القرآن ; لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى .

وقد مضى في مقدمة الكتاب بيان هذا .

وقول النابغة :ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذبيريد شرفا ومنزلة .

فأما السؤر بالهمز فهو بقية الطعام في الإناء .

ابن العربي : والسؤر الوليمة بالفارسي .

وفي الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الأحزاب : إن جابرا قد صنع لكم سؤرا فحيهلا بكم .

والمحراب هنا الغرفة ; لأنهم تسوروا عليه فيها ، قال يحيى بن سلام .

وقال أبو عبيدة : إنه صدر المجلس ، ومنه محراب المسجد .

وقد مضى القول فيه في غير موضع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر تعالى أنه آتى نبيه داود الفصل في الخطاب بين الناس، وكان معروفا بذلك مقصودا، ذكر تعالى نبأ خصمين اختصما عنده في قضية جعلهما اللّه فتنة لداود، وموعظة لخلل ارتكبه، فتاب اللّه عليه، وغفر له، وقيض له هذه القضية، فقال لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ } فإنه نبأ عجيب { إِذْ تَسَوَّرُوا } على داود { الْمِحْرَابَ } أي: محل عبادته من غير إذن ولا استئذان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ) هذه الآية من قصة امتحان داود عليه السلام ، واختلف العلماء بأخبار الأنبياء عليهم السلام في سببه : فقال قوم : سبب ذلك أنه عليه السلام تمنى يوما من الأيام منزلة إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وسأل ربه أن يمتحنه كما امتحنهم ، ويعطيه من الفضل مثل ما أعطاهم .

فروى السدي ، والكلبي ، ومقاتل : عن أشياخهم قد دخل حديث بعضهم في بعض قالوا : كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام يوما يقضي فيه بين الناس ، ويوما يخلو فيه لعبادة ربه ، ويوما لنسائه وأشغاله ، وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فقال : يا رب أرى الخير كله وقد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي ، فأوحى الله إليه : إنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها ، ابتلي إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه ، وابتلي إسحاق بالذبح وبذهاب بصره ، وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف ، فقال : رب لو ابتليتني بمثل ما ابتليتهم صبرت أيضا .

فأوحى الله إليه إنك مبتلى في شهر كذا وفي يوم كذا فاحترس ، فلما كان ذلك اليوم الذي وعده الله دخل داود محرابه وأغلق بابه ، وجعل يصلي ويقرأ الزبور ، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن - وقيل : كان جناحاها من الدر والزبرجد - فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها ، فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل فينظروا إلى قدرة الله تعالى ، فلما قصد أخذها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها ، فامتد إليها ليأخذها ، فتنحت ، فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة ، فذهب ليأخذها ، فطارت من الكوة ، فنظر داود أين تقع فيبعث من يصيدها ، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل هذا قول الكلبي .

وقال السدي : رآها تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا ، فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها ، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها ، فقيل : هي تيشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا ، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود .

وذكر بعضهم أنه أحب أن يقتل أوريا ويتزوج امرأته ، فكان ذنبه هذا القدر .

وذكر بعضهم أنه كتب داود إلى ابن أخته أيوب أن ابعث أوريا إلى موضع كذا ، وقدمه قبل التابوت ، وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد ، فبعثه وقدمه ففتح له ، فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه - أيضا - أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا ، فبعثه ففتح له ، فكتب إلى داود بذلك فكتب له - أيضا - أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه بأسا ، فبعثه فقتل في المرة الثالثة ، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود ، فهي أم سليمان عليهما السلام .

وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال : كان ذلك ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته .

قال أهل التفسير : كان ذلك مباحا لهم غير أن الله تعالى لم يرض له ذلك ؛ لأنه كان ذا رغبة في الدنيا ، وازدياد للنساء ، وقد أغناه الله عنها بما أعطاه من غيرها .

وروي عن الحسن في سبب امتحان داود عليه السلام : أنه كان قد جزأ الدهر أجزاء ، يوما لنسائه ، ويوما للعبادة ، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل ، ويوما لبني إسرائيل ، يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه ، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروه فقالوا : هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا ، فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك .

وقيل : إنهم ذكروا فتنة النساء فأضمر داود في نفسه أنه إن ابتلي اعتصم ، فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد ، وأكب على التوراة فبينما هو يقرأ إذ دخلت عليه حمامة من ذهب كما ذكرنا .

قال : وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه ، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا إذا سار إليه قتل ، ففعل فأصيب فتزوج امرأته .

قالوا : فلما دخل داود بامرأة أوريا لم يلبث إلا يسيرا حتى بعث الله إليه ملكين في صورة رجلين في يوم عبادته ، فطلبا أن يدخلا عليه ، فمنعهما الحرس فتسورا المحراب عليه ، فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين ، يقال : كانا جبريل وميكائيل ، فذلك قوله عز وجل : ( وهل أتاك نبأ الخصم ) خبر الخصم ، ( إذ تسوروا المحراب ) صعدوا وعلوا ، يقال : تسورت الحائط والسور إذا علوته ، وإنما جمع الفعل وهما اثنان لأن الخصم اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، ومعنى الجمع في الاثنين موجود ؛ لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء هذا كما قال الله تعالى : " فقد صغت قلوبكما " ( التحريم - 4 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهل» معنى الاستفهام هنا التعجيب والتشويق إلى استماع ما بعده «أتاك» يا محمد «نبأ الخصم إذ تسوَّروا المحراب» محراب داود: أي مسجده حيث منعوا الدخول عليه من الباب لشغله بالعبادة، أي خبرهم وقصتهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهل جاءك -أيها الرسول- خبر المتخاصِمَين اللذَين تسوَّرا على داود في مكان عبادته، فارتاع من دخولهما عليه؟

قالوا له: لا تَخَفْ، فنحن خصمان ظلم أحدنا الآخر، فاقض بيننا بالعدل، ولا تَجُرْ علينا في الحكم، وأرشِدنا إلى سواء السبيل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - ما يشهد لعبده داود بذلك فقال : ( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب ) .والاستفهام للتعجيب والتشويق لما يقال بعده ، لكونه أمرا غريبا تتطلع إلى معرفته النفس .والنبأ : الخبر الذى له أهمية فى النفوس .

.والخصم : أى المتخاصمين أو الخصماء .

وهو فى الأصل مصدر خصمه أى : غلبه فى المخاصمة والمجادلة والمنازعة ، ولكونه فى الأصل صح إطلاقه على المفرد والمثنى والجمع ، والمذكر والمؤنث .

.

قالوا : وهو مأخوذ من تعلق كل واحد من المتنازعين بخُصُم الآخر .أى : بجانبه .

.والظروف فى قوله : ( إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب ) متعلق بمحذوف .

والنسور : اعتلاء السور ، والصعود فوقه ، إذ صيغة التفعل تفيد العلو والتصعد .

كما يقال تسنم فلان الجمل ، إذ علا فوق سنامه .والمحراب : المكان الذى كان يجلس فيه داود - عليه السلام - للتعبد وذكر الله - تعالى - .والمعنى : وهل وصل إلى علمك - أيها الرسول الكريم - ذلك النبأ العجيب ، ألا وهو نبأ أولئك الخصوم ، الذين تسلقوا على داود غرفته ، وقت أن كان جالسا فيها لعبادة ربه ، دون إذن منه ، ودون علم منه بقدومهم .

.إن كان هذا النبأ العجيب لم يصل إلى علمك ، فها نحن نقصه عليك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما مدحه وأثنى عليه من الوجوه العشرة أردفه بذكر قصة ليبين بها أن الأحوال الواقعة في هذه القصة لا يبين شيء منها كونه عليه السلام مستحقاً للثناء والمدح العظيم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم ﴾ فهو نظير قوله تعالى: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى  ﴾ وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها، ليكون داعياً إلى الإصغاء لها والاعتبار بها، وأقول للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال أحدها: ذكر هذه القصة على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه.

وثانيها: دلالتها على الصغيرة.

وثالثها: بحيث لا تدل على الكبيرة ولا على الصغيرة.

فأما القول الأول فحاصل كلامهم فيها؛ أن داود عشق امرأة أوريا، فاحتال بالوجوه الكثيرة حتى قتل زوجها ثم تزوج بها فأرسل الله إليه ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة شبيهة بواقعته، وعرضا تلك الواقعة عليه.

فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً، ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة.

والذي أدين به وأذهب إليه أن ذلك باطل ويدل عليه وجوه: الأول: أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم فجوراً لاستنكف منها والرجل الحشوي الخبيث الذي يقرر تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه وربما لعن من ينسبه إليها، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصوم إليه الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول: فأمر منكر قال صلى الله عليه وسلم: «من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله».

وأما الثاني: فمنكر عظيم قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

وإن أوريا لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه.

والثالث: أن الله تعالى وصف داود عليه السلام قبل ذكر هذه القصة بالصفات العشرة المذكورة، ووصفه أيضاً بصفات كثيرة بعد ذكر هذه القصة، وكل هذه الصفات تنافي كونه عليه السلام موصوفاً بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح، ولا بأس بإعادة هذه الصفات لأجل المبالغة في البيان.

فنقول أما الصفات الأولى: فهي أنه تعالى أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بداود في المصابرة مع المكابدة، ولو قلنا إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم امرئ مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله.

وأما الصفة الثانية: فهي أن وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملاً في موقف العبودية تاماً في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، ولو قلنا إن داود عليه السلام اشتغل بتلك الأعمال الباطلة، فحينئذٍ ما كان داود كاملا في عبوديته لله تعالى بل كان كاملاً في طاعة الهوى والشهوة.

الصفة الثالثة: هو قوله: ﴿ ذَا الأيد  ﴾ أي ذا القوة، ولا شك أن المراد منه القوة في الدين، لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة على أداء الواجبات، والاجتناب عن المحظورات، وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟

الصفة الرابعة: كونه أواباً كثير الرجوع إلى الله تعالى، وكيف يليق هذا بمن يكون قلبه مشغوفاً بالقتل والفجور؟.

الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ  ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذه وسيلة إلى القتل والفجور؟.

الصفة السادسة: قوله: ﴿ والطير مَحْشُورَةً  ﴾ ، وقيل إنه كان محرماً عليه صيد شيء من الطير وكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا ينجو منه الرجل المسلم على روحه ومنكوحه؟.

الصفة السابعة: قوله: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شدد ملكه بأسباب الدنيا، بل المراد أنه تعالى شد ملكه بما يقوي الدين وأسباب سعادة الآخرة، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لا يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟.

الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿ وءاتيناه الحكمة وَفَصْلَ الخطاب  ﴾ والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علماً وعملاً، فكيف يجوز أن يقول الله تعالى: إنا ﴿ ءاتيناه الحكمة وَفَصْلَ الخطاب ﴾ مع إصراره على ما يستنكف عنه الخبيث الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه في الروح والمنكوح، فهذه الصفات المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب.

وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فهي عشرة الأول: قوله: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ وذكر هذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة على قوته في طاعة الله، أما لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى ﴾ لائقاً به الثاني: قوله تعالى: ﴿ ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الأرض ﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه أحدهما: أن الملك الكبير إذا حكى عن بعض عبيده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فبعد فراغه من شرح القصة على ملأ من الناس يقبح منه أن يقول عقيبه أيها العبد إني فوضت إليك خلافتي ونيابتي، وذلك لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر، فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك ألبتة مما لا يليق.

وثانيها: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿ إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الأرض ﴾ أشعر هذا بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعال المنكرة؛ ومعلوم أن هذا فاسد، أما لو ذكر تلك القصة على وجوه تدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدة مصابرته على طاعة الله تعالى فحينئذٍ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿ إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الأرض  ﴾ فثبت أن هذا الذي نختاره أولى والثالث: وهو أنه لما كانت مقدمة الآية دالة على مدح داود عليه السلام وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك، فلو كانت الواسطة دالة على القبائح والمعائب لجرى مجرى أن يقال فلان عظيم الدرجة عالي المرتبة في طاعة الله يقتل ويزني ويسرق وقد جعله الله خليفة في أرضه وصوب أحكامه، وكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا هاهنا، ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب والرابع: وهو أن القائلين بهذا القول ذكروا في هذه الرواية أن داود عليه السلام تمنى أن يحصل له في الدين كما حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثل ما حصل للخليل من الإلقاء في النار وحصل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوب من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه أنهم إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه السلام الابتلاء، فأوحى الله إليه أنك ستبلى في يوم كذا فبالغ في الاحتزاز ثم وقعت الواقعة، فنقول أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل أول حكايتهم يدل على أن الله تعالى بيتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه فالسعي في قتل النفس بغير الحق والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة، ويثبت أن الحكاية التي ذكروها يناقض أولها آخرها الخامس: أن داود عليه السلام قال: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ استثنى الذين آمنوا عن البغي، فلو قلنا إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل السادس: حضرت في بعض المجالس وحضر فيه بعض أكابر الملوك وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيئة لسبب اقتضى ذلك، فقلت له لا شك أن داود عليه السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل، ولقد قال الله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ الطعن فيه، وأيضاً فبتقدير أنه ما كان نبياً فلا شك أنه كان مسلماً، ولقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تذكروا موتاكم إلا بخير» ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شيء من هذه الدلائل إلا أنا نقول إن من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها حقيقية صحيحة فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئاً من الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من أن لا توجب الثواب، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة، فإن ذاكرها يستحق أعظم العقاب والواقعة التي هذا شأنها وصفتها، فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور فلما سمع ذلك الملك هذا الكلام سكت.

ولم يذكر شيئاً السابع: أن ذكر هذه القصة، وذكر قصة يوسف عليه السلام يقتضي إشاعة الفاحشة فوجب أن يكون محرماً لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين ءامَنُواْ  ﴾ الثامن: لو سعى داود في قتل ذلك الرجل لدخل تحت قوله: «من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله» وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً فكان يدخل تحت قوله: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين ﴾ التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: «من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين» وهو حد الفرية على الأنبياء، ومما يقوي هذا أنهم لما قالوا إن المغيرة بن شعبة زنى وشهد ثلاثة من عدول الصحابة بذلك، وأما الرابع فإنه لم يقل بأني رأيت ذلك العمل.

يعني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، وإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من أكابر الأنبياء عليهم السلام العاشر: روي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله تعالى فقال لا ينبغي أن يزاد عليها، وإن كانت الواقعة على ما ذكرت، ثم إنه تعالى لم يذكرها لأجل أن يستر تلك الواقعة على داود عليه السلام، فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ذلك الستر بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها فاسدة باطلة، فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه القصة، فكيف الحال فيها؟

فالجواب الحقيقي أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى، وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض دليل التحريم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيح قولنا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير وقوع هذه الواقعة لا يقول الله لنا يوم القيامة لم لم تسعوا في تشهير هذه الواقعة؟

وأما بتقدير كونها باطلة فإن علينا في ذكرها أعظم العقاب، وأيضاً فقال عليه السلام: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد» وهاهنا لم يحصل العلم ولا الظن في صحة هذه الحكاية، بل الدلائل القاهرة التي ذكرناها قائمة فوجب أن لا تجوز الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول بل الأكثرون المحقون والمحققون منهم يردونه ويحكمون عليه بالكذب والفساد، وأيضاً إذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين فيه تساقطت وبقي الرجوع إلى الدلائل التي ذكرناها فهذا تمام الكلام في هذه القصة.

أما الاحتمال الثاني: وهو أن تحمل هذه القصة على وجه يوجب حصول الصغيرة ولا يوجب حصول الكبيرة، فنقول في كيفية هذه القصة على هذا التقدير وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود فأثره أهلها، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألبتة، أما وقوع بصره عليها من غير قصد فذلك ليس بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً لأن هذا الميل ليس في وسعه، فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أن قتل زوجها لم يتأذ تأذياً عظيماً بسبب قتله لأجل أنه طمع أن يتزوج بتلك المرأة فحصلت الزلة بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضاً أن يطلق امرأته حتى يتزوجها وكانت عادتهم في هذا المعنى مألوفة معروفة أوى أن الأنصار كانوا يساوون المهاجرين بهذا المعنى فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة، إلا أنه لا يليق بك، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق داود عليه السلام إلا ترك الأفضل والأولى.

وأما الاحتمال الثالث: وهو أن هذه القصة على وجه لا يلزم إلحاق الكبيرة والصغيرة بداود عليه السلام، بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أن نقول روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود عليه السلام، وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوروا المحراب، فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعونه منهم فخافوا فوضعوا كذباً، فقالوا خصمان بغى بعضنا على بعض إلى آخر القصة، وليس في لفظ القرآن ما يمكن أن يحتج به في إلحاق الذنب بداود إلا ألفاظ أربعة أحدهما: قوله: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فتناه ﴾ .

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ فاستغفر ربه ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ وَأَنَابَ ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك ﴾ ثم نقول، وهذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه، وتقريره من وجوه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذا الطريق، وعلم داود عليه السلام ذلك دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم، إلا أنه قال إلى الصفح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله، قال وكانت هذه الواقعة هي الفتنة لأنها جارية مجرى الابتلاء والامتحان، ثم إنه استغفر ربه مما هم به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهم وأناب، فغفر له ذلك القدر من الهم والعزم والثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه، إلا أنه ندم على ذلك الظن، وقال: لما لم تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك، فبئسما علمت بهم حيث ظننت بهم هذا الظن الرديء، فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فتناه فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾ منه فغفر الله له ذلك الثالث: أن دخولهم عليه كان فتنة لداود عليه السلام، إلا أنه عليه السلام استغفر لذلك الداخل العازم على قتله، كما قال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات  ﴾ فداود عليه السلام استغفر لهم وأناب، أي رجع إلى الله تعالى في طلب مغفرة ذلك الداخل القاصد للقتل، وقوله: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك ﴾ أي غفرنا له ذلك الذنب لأجل احترام داود ولتعظيمه، كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿ لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ  ﴾ أن معناه أن الله تعالى يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذنب أمتك الرابع: هب أنه تاب داود عليه السلام عن زلة صدرت منه، لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة، فلم لا يجوز أن يقال إن تلك الزلة إنما حصلت، لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني، فإنه لما قال: ﴿ لَقَدِ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ ﴾ فحكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوى الخصم بغير بينة، لكون هذا الحكم مخالفاً للصواب، فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة، إلا أن هذا في باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إذا حملنا هذه الآيات على هذا الوجه، فإنه لا يلزم إسناد شيء من الذنوب إلى داود عليه السلام، بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطاعات إليه، ثم نقول وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي، لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل والثاني: أنه أحوط والثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ واصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ  ﴾ فإن قوم محمد عليه السلام لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: ﴿ هذا ساحر كَذَّابٌ  ﴾ واستهزأوا به حيث قالوا: ﴿ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب  ﴾ فقال تعالى في أول الآية: اصبر يا محمد على سفاهتهم وتحمل وتحلم ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود، فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على إيذائهم وتحمل سفاهتهم وحلم ولم يظهر الطيش والغضب، وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه، أما إذا حملناها على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً فاسداً والرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا الخصمان كانا ملكين، ولما كانا من الملائكة وما كان بينهما مخاصمة وما بغى أحدهما على الآخر كان قولهما خصمان بغى بعضنا على بعض كذباً، فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة والثاني: أن يتوسل بإسناد الكذب إلى الملائكة إلى إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء، فأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة، وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى، فهذا ما عندنا في هذا الباب، والله أعلم بأسرار كلامه، ونرجع الآن إلى تفسير الآيات.

أما قوله: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم ﴾ قال الواحدي: الخصم مصدر خصمته أخصمه خصماً، ثم يسمى به الإثنان والجمع ولا يثنى ولا يجمع، يقال هما خصم وهم خصم، كما يقال هما عدل وهم عدل، والمعنى ذوا خصم وذوو خصم، وأريد بالخصم هاهنا الشخصان اللذان دخلا على داود عليه السلام، وقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب ﴾ يقال تسورت السور تسوراً إذا علوته، ومعنى: ﴿ تَسَوَّرُواْ المحراب ﴾ أي أتوه من سوره وهو أعلاه، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها.

وأما المحراب فالمراد منه البيت الذي كان داود يدخل فيه ويشتغل بطاعة ربه، وسمي ذلك البيت المحراب لاشتماله على المحراب، كما يسمى الشيء بأشرف أجزائه، وهاهنا مسألة من علم أصول الفقه، وهي أن أقل الجمع اثنان عند بعض الناس، وهؤلاء تمسكوا بهذه الآية، لأنه تعالى ذكر صيغة الجمع في هذه الآيات في أربعة مواضع أحدهما: قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ فهذه الألفاظ الأربعة كلها صيغ الجمع، وهم كانوا اثنين بدليل أنهم قالوا خصمان، قالوا فهذه الآية تدل على أن أقل الجمع اثنان والجواب: لا يمتنع أن يكون كل واحد من الخصمين جمعاً كثيرين، لأنا بينا أن الخصم إذا جعل اسماً فإنه لا يثنى ولا يجمع، ثم قال تعالى: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودُ ﴾ والفائدة فيه أنهم ربما تسوروا المحراب وما دخلوا عليه، فلما قال: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ ﴾ دل على أنهم بعد التسور دخلوا عليه، قال الفراء: وقد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد، كقولك ضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت، مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً، ثم قال تعالى: ﴿ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾ والسبب أن داود عليه السلام لما رآهما قد دخلوا عليه لا من الطريق المعتاد، علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر، فلا جرم فزع منهم، ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: خصمان خبر مبتدأ محذوف، أي نحن خصمان.

المسألة الثانية: هاهنا قولان الأول: أنهما كانا ملكين نزلا من السماء وأرادا تنبيه داود عليه السلام على قبح العمل الذي أقدم عليه والثاني: أنهما كانا إنسانين دخلا عليه للشر والقتل، فظنا أنهما يجدانه خالياً، فلما رأيا عنده جماعة من الخدم اختلقا ذلك الكذب لدفع الشر، وأما المنكرون لكونهما ملكين فقد احتجوا عليه بأنهما لو كانا ملكين لكانا كاذبين في قولهما ﴿ خَصْمَانِ ﴾ فإنه ليس بين الملائكة خصومة، ولكانا كاذبين في قولهما: ﴿ بغى بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ ولكانا كاذبين في قولهما: ﴿ إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ﴾ فثبت أنهما لو كانا ملكين كاذبين والكذب على الملك غير جائز لقوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول  ﴾ ولقوله: ﴿ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ أجاب الذاهبون إلى القول الأول عن هذا الكلام بأن قالوا إن الملكين إنما ذكرا هذا الكلام على سبيل ضرب المثل لا على سبيل التحقيق فلم يلزم الكذب، وأجيب عن هذا الجواب بأن ما ذكرتم يقتضي العدول عن ظاهر اللفظ، ومعلوم أنه على خلاف الأصل، أما إذا حملنا الكلام على أن الخصمين كانا رجلين دخلا عليه لغرض الشر ثم وضعا هذا الحديث الباطل، فحينئذٍ لزم إسناد الكذب إلى شخصين فاسقين فكان هذا أولى من القول الأول، والله أعلم، وأما القائلون بكونهما ملكين فقد احتجوا بوجوه: الأول: اتفاق أكثر المفسرين عليه والثاني: أنه أرفع منزلة من أن يتسور عليه آحاد الرعية في حال تعبده فيجب أن يكون ذلك من الملائكة الثالث: أن قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ كالدلالة على كونهما ملكين لأن من هو من رعيته لا يكاد يقول له مثل ذلك مع رفعة منزلته الرابع: أن قولهما: ﴿ وَلاَ تُشْطِطْ ﴾ كالدلالة على كونهما ملكين لأن أحداً من رعيته لا يتجاسر أن يقول له لا تظلم ولا تتجاوز عن الحق، واعلم أن ضعف هذه الدلائل ظاهر، ولا حاجة إلى الجواب، والله أعلم.

المسألة الثالثة: ﴿ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ ﴾ أي تعدى وخرج عن الحد يقال بغى الجرح إذا أفرط وجعه وانتهى إلى الغاية، وقال بغت المرأة إذا زنت، لأن الزنا كبيرة منكرة، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء  ﴾ ثم قال: ﴿ فاحكم بَيْنَنَا بالحق ﴾ معنى الحكم إحكام الأمر في إمضاء تكليف الله عليهما في الواقعة، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنع من الجماح، ومنه بناء محكم إذا كان قوياً، وقوله: ﴿ بالحق ﴾ أي بالحكم الحق وهو الذي حكم الله به ﴿ وَلاَ تُشْطِطْ ﴾ يقال شط الرجل إذا بعد، ومنه قوله: شطت الدار إذا بعدت، قال تعالى: ﴿ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا  ﴾ أي قولاً بعيداً عن الحق، فقوله: ﴿ وَلاَ تُشْطِطْ ﴾ أي لا تبعد في هذا الحكم عن الحق، ثم قال: ﴿ واهدنا إلى سَوَاء الصراط ﴾ وسواء الصراط هو وسطه، قال تعالى: ﴿ فاطلع فَرَءاهُ فِي سَوَاء الجحيم  ﴾ ووسط الشيء أفضله وأعدله، قال تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ وأقول إنهم عبروا عن المقصود الواحد بثلاث عبارات أولها: قولهم فاحكم بالحق.

وثانيها: قولهم: ﴿ وَلاَ تُشْطِطْ ﴾ وهي نهي عن الباطل.

وثالثها: قولهم: ﴿ واهدنا إلى سَوَاء الصراط ﴾ يعني يجب أن يكون سعيك في إيجاد هذا الحق.

وفي الاحتراز عن هذا الباطل أن تردنا من الطريق الباطل إلى الطريق الحق، وهذا مبالغة تامة في تقرير المطلوب، واعلم أنهم لما أخبروا عن وقوع الخصومة على سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل، فقال: ﴿ إِنَّ هَذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صحاب الكشاف ﴿ أَخِى ﴾ يدل من هذا أو خبر لقوله: ﴿ إن ﴾ والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة، لقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء ﴾ وكل واحدة من هذه الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ ﴾ بفتح التاء ونعجة بكسر النون، وهذا من اختلاف اللغات نحو نطع ونطع، ولقوة وهي الأنثى من العقبان.

المسألة الثالثة: قال الليث: النعجة الأنثى من الضأن والبقرة الوحشية والشاة الجبلية، والجمع النعجات، والعرب جرت عادتهم بجعل النعجة والظبية كناية عن المرأة.

المسألة الرابعة: قرأ عبد الله: ﴿ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أنثى ﴾ وهذا يكون لأجل التأكيد كقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِي الخطاب ﴾ قال صاحب الكشاف: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ حقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي ﴿ وَعَزَّنِى ﴾ غلبني، يقال عزه يعزه، والمعنى جاءني بحجاج لم أقدر أن أورد عليه ما أورده به، وقرئ وعازني من المعازة، وهي المغالبة، واعلم أن الذين قالوا إن هذين الخصمين كانا من الملائكة زعموا أن المقصود من ذكر النعاج التمثيل، لأن داود كان تحته تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة، فذكرت الملائكة تلك الواقعة على سبيل الرمز والتمثيل.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ ﴾ أي سؤال إضافة نعجتك إلى نعاجه، وروي أنه قال له: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، وأشار إلى الأنف والجبهة فقال: يا داود أنت أحق أن نضرب منك هذا وهذا، وأنت فعلت كيت وكيت، ثم نظر داود فلم ير أحداً فعرف الحال، فإن قيل كيف جاز لداود أن يحكم على أحد الخصمين بمجرد قول خصمه؟

قلنا ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال محمد بن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال لئن صدق لقد ظلمته، والحاصل أن هذا الحكم كان مشروطاً بشرط كونه صادقاً في دعواه والثاني: قال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخصمين اعترف الثاني فحكم داود عليه السلام ولم يذكر الله تعالى ذلك الاعتراف لدلالة ظاهر الكلام عليه، كما تقول أمرتك بالتجارة فكسبت تريد اتجرت فكسبت، وقال تعالى: ﴿ أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق  ﴾ أي فضرب فانفلق، والثالث: أن يكون التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه يكون قد ظلمك.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ﴾ قال: الليث خليط الرجل مخالطه، وقال الزجاج: الخلطاء الشركاء، فإن قيل لم خص داود الخلطاء يبغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء قد يفعلون ذلك، والجواب لا شك أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة، وذلك لأنهما إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه، فيفضي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة، فلهذا السبب خص داود عليه السلام الخلطاء بزيادة البغي والعدوان، ثم استثنى عن هذا الحكم الذي آمنوا وعلموا الصالحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون إلا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانية الحقيقية، فلا جرم مخالطتهم لا توجب المنازعة، وأما الذين تكون مخالطتهم لأجل حب الدنيا لابد وأن تصير مخالتطهم سبباً لمزيد البغي والعدوان، واعلم أن هذا الاستثناء يدل على أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض، فلو كان داود عليه السلام قد بغى وتعدى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومعلوم أن ذلك باطل، فثبت أن قول من يقول المراد من واقعة النعجة قصة داود قول باطل.

ثم قال تعالى: ﴿ وَقليل مَّا هُم ﴾ واعلم أن الحكم بقلة أهل الخير كثير في القرآن، قال تعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور  ﴾ وقال داود عليه السلام في هذا الموضع ﴿ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ﴾ وحكى تعالى عن إبليس أنه قال: ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين  ﴾ وسبب القلة أن الدواعي إلى الدنيا كثيرة، وهي الحواس الباطنة والظاهرة وهي عشرة والشهوة والغضب والقوى الطبيعية السبعة فالمجموع تسعة عشر واقفون على باب جهنم البدن، وكلها تدعو إلى الخلق والدنيا واللذة الحسية، وأما الداعي إلى الحق والدين فليس إلا العقل واستيلاء القوة الحسية والطبيعية على الخلق أكثر من القوة العقلية فيهم، فلهذا السبب وقعت القلة في جانب أهل الخير والكثرة في جانب أهل الشر، قال صاحب الكشاف وما في قوله: ﴿ وَقليل مَّا هُم ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قلتهم، قال وإذا أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: وحديث ما على قصره- وانظر هل بقي له معنى قط.

ثم قال تعالى: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فتناه ﴾ قالوا معناه وعلم داود أنما فتناه أي امتحناه، قالوا والسبب الذي أوجب حمل لفظ الظن على العلم هاهنا أن داود عليه السلام لما قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك، ثم صعد إلى السماء قبل وجهه، فعلم داود أن الله ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم لأن العلم الاستدلالي يشبه الظن مشابهة عظيمة، والمشابهة علة لجواز المجاز، وأقول هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين أما إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العلم، بل لقائل أن يقول إنه لما غلب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة.

أما قوله: ﴿ فاستغفر رَبَّهُ ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم هاهنا وجهان إن قلنا بأنه قد صدرت زلة منه، حملنا هذا الاستغفار عليها، وإن لم نقل به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله، وإنه كان سلطاناً شديد القهر عظيم القوة، ثم أنه مع أنه مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع حصول الفزع في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قرب الأمر من أن يدخل في قلبه شيء من العجب، فاستغفر ربه عن تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله، فغفر الله له وتجاوز عنه بسبب طريان ذلك الخاطر الثاني: لعله هم بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر عن ذلك الهم الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم لأجل أن يقبل توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله، فغفر الله ذنوبهم بسبب شفاعته ودعائه، وكل هذه الوجوه محتملة ظاهرة، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه وإذا كان اللفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام المنكرات التي يذكرونها، فما الذي يحملنا على التزامها والقول بها، والذي يؤكد أن الذي ذكرناه أقرب وأقوى أن يقال ختم الله هذه القصة بقوله: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزلفى وَحُسْنُ مَئَابٍ ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما تحسن في حق من صدر منه عمل كثير في الخدمة والطاعة، وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد، أما إذا كان المذكور السابق هو الإقدام على الجرم والذنب فإن مثل هذه الخاتمة لا تليق به، قال مالك بن دينار؛ إذا كان يوم القيامة أتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة، ويقال يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، والله أعلم، بقي هاهنا مباحث فالأول: قرئ فتناه وفتناه على أن الألف ضمير الملكين الثاني: المشهور أن الاستغفار إنما كان بسبب قصة النعجة والنعاج، وقيل أيضاً إنما كان بسبب أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن سمع كلام الثاني وذلك غير جائز الثالث: قوله؛ ﴿ خَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ﴾ يدل على حصول الركوع، وأما السجود فقد ثبت بالأخبار وكذلك البكاء الشديد في مدة أربعين يوماً ثبت بالأخبار الرابع: أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة قال لأن توبة نبي فلا توجب سجدة التلاوة الخامس: استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية في سجود التلاوة على أن الركوع يقوم مقام السجود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته وكانت لهم عادة في المواساة بذلك قد اعتادوها.

وقد روينا أن الأنصار كانوا يواسون المهاجرين بمثل ذلك، فاتفق أنّ عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له أوريا، فأحبّها فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يردّه ففعل، فتزوجها وهي أمّ سليمان، فقيل له: إنك مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكبر شأنك وكثرة نسائك: لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلاً ليس له إلا امرأة واحدة النزول، بل كان الواجب عليك مغالبة هواك وقهر نفسك والصبر على ما امتحنت به.

وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود، فآثره أهلها، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن، مع كثرة نسائه.

وأمّا ما يذكر أنّ داود عليه السلام تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا رب إنّ آبائي قد ذهبوا بالخير كله، فأوحى إليه: إنهم ابتلوا ببلايا فصبروا عليها: قد ابتلي إبراهيم بنمروذ وذبح ولده، وإسحاق بذبحه وذهاب بصره، ويعقوب بالحزن على يوسف.

فسأل الابتلاء فأوحى الله إليه: إنك لمبتلى في يوم كذا وكذا، فاحترس، فلما حان ذلك اليوم دخل محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب، فمدّ يده ليأخذها لابن له صغير، فطارت، فامتدّ إليها، فطارت فوقعت في كوّة، فتبعها، فأبصر امرأة جميلة قد نقضت شعرها فغطى بدنها، وهي امرأة أوريا وهو من غزاة البلقاء، فكتب إلى أيوب بن صوريا وهو صاحب بعث البلقاء.

أن ابعث أوريا وقدمه على التابوت، وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد، ففتح الله على يده وسلم، فأمر بردّه مرة أخرى، وثالثة، حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوج امرأته.

فهذا ونحوه مما يقبح أن يحدث به عن بعض المتسمين بالصلاح من أفناء المسلمين؟

فضلاً عن بعض أعلام الأنبياء.

وعن سعيد بن المسيب والحارث الأعور: أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حدّ الفرية على الأنبياء.

وروى أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق، فكذب المحدث به وقال: إن كانت القصة على ما في كتاب الله فما ينبغي أن يلتمس خلافها، وأعظم بأن يقال غير ذلك وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها ستراً على نبيه فما ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: لسماعي هذا الكلام أحبّ إليّ مما طلعت عليه الشمس.

والذي يدلّ عليه المثل الذي ضربه الله لقصته عليه السلام ليس إلاّ طلبه إلى زوج المرأة أن ينزل له عنها فحسب.

فإن قلت: لم جاءت على طريقة التمثيل والتعريض دون التصريح؟

قلت: لكونها أبلغ في التوبيخ، من قبل أن التأمل إذا أدّاه إلى الشعور بالمعرض به، كان أوقع في نفسه، وأشدّ تمكناً من قلبه، وأعظم أثراً فيه، وأجلب لاحتشامه وحيائه، وأدعى إلى التنبه على الخطأ فيه من أن يبادره به صريحاً، مع مراعاة حسن الأدب بترك المجاهرة.

ألا ترى إلى الحكماء كيف أوصوا في سياسة الولد إذا وجدت منه هنة منكرة بأن يعرض له بإنكارها عليه ولا يصرح.

وأن تحكى له حكاية ملاحظة لحاله إذا تأملها استسمج حال صاحب الحكاية فاستمسج حال نفسه، وذلك أزجر له لأنه ينصب ذلك مثالاً لحاله ومقياساً لشأنه، فيتصور قبح ما وجد منه بصورة مكشوفة، مع أنه أصون لما بين الوالد والولد من حجاب الحشمة.

فإن قلت: فلم كان ذلك على وجه التحاكم إليه؟

قلت: ليحكم بما حكم به من قوله: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ ﴾ [ص: 24] حتى يكون محجوجاً بحكمه ومعترفاً على نفسه بظلمه ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم ﴾ ظاهره الاستفهام.

ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة التي حقها أن تشيع ولا تخفى على أحد، والتشويق إلى استماعه والخصم: الخصماء، وهو يقع على الواحد والجمع؛ كالضيف.

قال الله تعالى: ﴿ حَدِيثُ ضَيْفِ إبراهيم المكرمين ﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، تقول: خصمه خصماً؛ كما تقول: ضافه ضيفاً.

فإن قلت: هذا جمع.

وقوله: ﴿ خصمان ﴾ تثنية فكيف استقام ذلك؟

قلت: معنى خصمان: فريقان خصمان، والدليل عليه قراءة من قرأ: خصمان بغى بعضهم على بعض: ونحوه قوله تعالى: ﴿ هذا خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبّهِمْ ﴾ [الحج: 19] .

فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ إِنَّ هَذَا أَخِى ﴾ [ص: 23] وهو دليل على اثنين؟

قلت: هذا قول البعض المراد بقوله بعضنا على بعض.

فإن قلت: فقد جاء في الرواية أنه بعث إليه ملكان.

قلت: معناه أن التحاكم كان بين ملكين، ولا يمنع ذلك أن يصحبهما آخرون.

فإن قلت: فإذا كان التحاكم بين اثنين كيف سماهم جميعاً خصماً في قوله: ﴿ نَبَؤُاْ الخصم ﴾ و ﴿ خَصْمَانِ ﴾ ؟

قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخصم صحت التسمية به.

فإن قلت: بم انتصب (إذ)؟

قلت: لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك، أو بالنبأ، أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأتاك؛ لأنّ إتيان النبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقع إلا في عهده لا في عهد داود، ولا بالنبأ؛ لأن النبأ الواقع في عهد داود لا يصحّ إتيانه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإن أردت بالنبأ: القصة في نفسها لم يكن ناصباً، فبقي أن ينتصب بمحذوف، وتقديره: وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم.

ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من معنى الفعل.

وأما إذ الثانية فبدل من الأولى ﴿ تَسَوَّرُواْ المحراب ﴾ تصعدوا سوره ونزلوا إليه.

والسور: الحائط المرتفع ونظيره في الأبنية: تسنمه، إذا علا سنامه، وتذرّاه: إذا علا ذروته.

روى: أنّ الله تعالى بعث إليه ملكين في صورة إنسانين، فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته، فمنعهما الحرس فتسوّرا عليه المحراب، فلم يشعر إلاّ وهما بين يديه جالسان ﴿ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾ قال ابن عباس: إنّ داود عليه السلام جزأ زمانه أربعة أجزاء: يوماً للعبادة، ويوماً للقضاء، ويوماً للاشتغال بخواص أموره، ويوماً يجمع بني إسرائيل فيعظهم ويبكيهم؛ فجاءوه في غير يوم القضاء ففزع منهم، ولأنهم نزلوا عليه من فوق، وفي يوم الاحتجاب، والحرس حوله لا يتركون من يدخل عليه ﴿ خَصْمَانِ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: نحن خصمان ﴿ وَلاَ تُشْطِطْ ﴾ ولا تجر.

وقرئ: ﴿ ولا تشطط ﴾ ، أي: ولا تبعد عن الحق.

وقرئ: ﴿ ولا تشطط ﴾ ، ولا تشاطط، وكلها من معنى الشطط: وهو مجاوزة الحدّ وتخطي الحق.

و ﴿ سَوَآءِ الصراط ﴾ وسطه ومحجته: ضربه مثلاً لعين الحق ومحضه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ ﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعْجِيبُ والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِهِ، والخَصْمُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى الجَمْعِ.

﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ ﴾ إذْ تَصَعَّدُوا سُورَ الغُرْفَةِ، تَفَعَّلَ مِنَ السَّوْرِ كَـ تَسَنَّمَ مِنَ السَّنامِ، وإذْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ ( إذْ تَسَوَّرُوا )، أوْ بِالنَّبَأِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الواقِعُ في عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ إسْنادَ أتى إلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ قِصَّةُ نَبَأِ الخَصْمِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ لا بِـأتى لِأنَّ إتْيانَهُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ ( وإذِ ) الثّانِيَةُ في ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأُولى أوْ ظَرْفٌ لِـ ( تَسَوَّرُوا ) .

﴿ فَفَزِعَ مِنهُمْ ﴾ لِأنَّهم نَزَلُوا عَلَيْهِ مِن فَوْقُ في يَوْمِ الِاحْتِجابِ والحَرَسُ عَلى البابِ لا يَتْرُكُونَ مَن يَدْخُلُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ جَزَّأ زَمانَهُ: يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، ويَوْمًا لِلْقَضاءِ، ويَوْمًا لِلْوَعْظِ، ويَوْمًا لِلِاشْتِغالِ بِخاصَّتِهِ، فَتُسَوَّرُ عَلَيْهِ مَلائِكَةٌ عَلى صُورَةِ الإنْسانِ في يَوْمِ الخَلْوَةِ.

﴿ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ ﴾ نَحْنُ فَوْجانِ مُتَخاصِمانِ عَلى تَسْمِيَةِ مُصاحِبِ الخَصْمِ خَصْمًا.

﴿ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ﴾ وهو عَلى الفَرْضِ وقَصْدِ التَّعْرِيضِ إنْ كانُوا مَلائِكَةً وهو المَشْهُورُ.

﴿ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ ﴾ ولا تَجُرْ في الحُكُومَةِ، وقُرِئَ: «وَلا تَشْطُطْ» أيْ ولا تَبْعُدْ عَنِ الحَقِّ ولا تُشْطِطْ ولا تُشاطَّ، والكُلُّ مِن مَعْنى الشَّطَطِ وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ.

﴿ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ ﴾ أيْ إلى وسَطِهِ وهو العَدْلُ.

﴿ إنَّ هَذا أخِي ﴾ بِالدِّينِ أوْ بِالصُّحْبَةِ.

﴿ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ﴾ هي الأُنْثى مِنَ الضَّأْنِ وقَدْ يُكَنّى بِها عَنِ المَرْأةِ، والكِنايَةُ والتَّمْثِيلُ فِيما يُساقُ لِلتَّعْرِيضِ أبْلَغُ في المَقْصُودِ، وقُرِئَ: «تِسْعٌ وتَسْعُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ ونِعْجَةً بِكَسْرِ النُّونِ، وقَرَأ حَفْصٌ بِفَتْحِ ياءِ «لِيَ نَعْجَة» .

﴿ فَقالَ أكْفِلْنِيها ﴾ مَلِّكْنِيها وحَقِيقَتُهُ اجْعَلْنِي أكْفُلُها كَما أكْفُلُ ما تَحْتَ يَدَيَّ، وقِيلَ: اجْعَلْها كِفْلِي أيْ نَصِيبِي.

﴿ وَعَزَّنِي في الخِطابِ ﴾ وغَلَبَنِي في مُخاطَبَتِهِ إيّايَ مُحاجَّةً بِأنْ جاءَ بِحِجاجٍ لَمْ أقْدِرْ عَلى رَدِّهِ، أوْ في مُغالَبَتِهِ إيّايَ في الخُطْبَةِ يُقالُ: خَطَبْتُ المَرْأةَ وخَطَبَها هو فَخاطَبَنِي خِطابًا حَيْثُ زَوَّجَها دُونِي، وقُرِئَ «وَعازَنِي» أيْ غالَبَنِي «وَعَزَنِي» عَلى تَخْفِيفٍ غَرِيبٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)

{وهل أتاك نبأ الخصم} ظاهره الاستفهام ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة والخصم الخصماء وهو يقع على الواحد والجمع لأنه مصدر في الأصل تقول خصمه خصماً وانتصاب {إِذْ} بمحذوف تقديره وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل {تَسَوَّرُواْ المحراب} تصعدوا سوره ونزلوا إليه والسور الحائط المرتفع والمحراب الغرفة أو المسجد أو صدر المسجد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ ﴾ اسْتِفْهامٌ يُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِ ما في حَيِّزِهِ لِإيذانِهِ بِأنَّهُ مِنَ الأنْباءِ البَدِيعَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَشِيعَ فِيما بَيْنَ كُلِّ حاضِرٍ وبادِي، والجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى: ﴿ إنّا سَخَّرْنا ﴾ مِن قَبِيلِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقِيلَ: عَلى اذْكُرْ.

والخَصْمُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ لِخَصِمَهُ بِمَعْنى خاصَمَهُ، أوْ غَلَبَهُ، ويُرادُ مِنهُ المُخاصِمُ، ويُسْتَعْمَلُ لِلْمُفْرَدِ، والمُذَكَّرِ وفُرُوعِهِما، وجاءَ لِلْجَمْعِ هُنا عَلى ما قالَ جَمْعٌ لِظاهِرِ ضَمائِرِهِ بَعْدُ، ورُبَّما ثُنِّيَ وجُمِعَ عَلى خُصُومٍ وأخْصامٍ، وأصْلُ المُخاصَمَةِ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ بِخَصْمِ الآخَرِ، أيْ بِجانِبِهِ، أوْ أنْ يَجْذِبَ كُلُّ واحِدٍ خَصْمَ الجَوالِقِ مِن جانِبٍ.

﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ ﴾ أيْ عَلَوْا سُورَهُ، ونَزَلُوا إلَيْهِ، فَتَفَعَّلَ لِلْعُلُوِّ عَلى أصْلِهِ نَحْوَ تَسَنَّمَ الجَمَلَ أيْ عَلا سَنامَهُ، وتَذَرّى الجَبَلَ عَلا ذُرْوَتَهُ، والسُّورُ الجِدارُ المُحِيطُ بِالمُرْتَفِعِ، والمِحْرابُ الغُرْفَةُ، وهي العَلِيَّةُ، ومِحْرابُ المَسْجِدِ مَأْخُوذٌ مِنهُ لِانْفِصالِهِ عَمّا عَداهُ، أوْ لِشُرْفَةِ المَنزِلِ مَنزِلَةِ عُلُوِّهِ، قالَهُ الخَفاجِيُّ، وقالَ الرّاغِبُ: مِحْرابُ المَسْجِدِ قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ والهَوى، وقِيلَ: لِكَوْنِ حَقِّ الإنْسانِ فِيهِ أنْ يَكُونَ حَرِيبًا مِن أشْغالِ الدُّنْيا، ومِن تَوَزُّعِ الخاطِرِ، وقِيلَ: الأصْلُ فِيهِ أنَّ مِحْرابَ البَيْتِ صَدْرُ المَجْلِسِ، ثُمَّ لَمّا اتُّخِذَتِ المَساجِدُ سُمِّيَ صَدْرُهُ بِهِ، وقِيلَ: بَلِ المِحْرابُ أصْلُهُ في المَسْجِدِ، وهو اسْمٌ خُصَّ بِهِ صَدْرُ المَجْلِسِ، فَسُمِّيَ صَدْرُ البَيْتِ مِحْرابًا تَشْبِيهًا بِمِحْرابِ المَسْجِدِ، وكَأنَّ هَذا أصَحَّ انْتَهى، وصَرَّحَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ المَحارِيبَ الَّتِي في المَساجِدِ بِهَيْئَتِها المَعْرُوفَةِ اليَوْمَ لَمْ تَكُنْ في عَهْدِ النَّبِيِّ  ، ولَهُ رِسالَةٌ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، (وإذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُضافٍ إلى الخَصْمِ، أيْ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا، أوْ بِنَبَإٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الواقِعُ في عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ قِصَّةُ نَبَإ الخَصْمِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِهِ بِلا حَذْفٍ عَلى جَعْلِ إسْنادِ الإتْيانِ إلَيْهِ مَجازِيًّا أوْ بِالخَصْمِ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، والظَّرْفُ قَنُوعٌ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، وزَعَمَ الحُوفِيُّ تَعَلُّقُها بِأتى، ولا يَكادُ يَصِحُّ، لِأنَّ إتْيانَ نَبَإ الخَصْمِ لَمْ يَكُنْ وقْتَ تَسَوُّرِهِمُ المِحْرابَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ يعني: خبر الخصم.

ويقال: خبر الخصوم أي: وهل أتاك يا محمد، ما أتاك، حين أتاك، ويقال: وقد أتاك إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ والتسور أن يصعد في مكان مرتفع، وإنما سمي المحراب سوراً، لارتفاعه من الأرض.

ويقال تَسَوَّرُوا يعني: دخلوا عليه من فوق الجدار.

وقال الحسن البصري: وذلك أن داود-  - جزأ الدهر أربعة أيام.

فيوماً لنسائه، ويوماً لقضائه، ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه، ويوماً لبني إسرائيل ليسألونه فقال يوماً لبني إسرائيل: أيكم يستطيع أن يتفرغ لعبادة ربه يوماً لا يصيب الشيطان منه شيئاً؟

فقالوا: يا نبي الله، والله لا نستطيع.

فحدث داود نفسه أنه يستطيع ذلك.

فدخل محرابه، وأغلق بابه، فقام يصلي في المحراب، فجاء طائر في أحسن صورة مزين كأحسن ما يكون، فوقع قريباً منه، فنظر إليه، فأعجبه، فوقع في نفسه منه، فدنا منه ليأخذه، فوقع قريباً منه وأطمعه، أن سيأخذه، ففعل ذلك ثلاث مرات، حتى إذا كان في الرابعة، ضرب يده عليه فأخطأه، ووقع على سور المحراب.

قال: وخلف المحراب حوض تغتسل فيه النساء، فضرب يده عليه، وهو على سور المحراب، فأخطأه وهرب الطائر، فأشرف داود، فإذا بامرأة تغتسل، فلما رأته نقضت شعرها، فغطى جسدها، فوقع في نفسه منها ما يشغله عن صلاته، فنزل من محرابه، ولبست المرأة ثيابها، وخرجت إلى بيتها، فخرج حتى عرف بيتها، وسألها من أنت؟

فأخبرته: فقال: هل لك زوج؟

قالت: نعم.

قال أين هو؟

فقالت: في بعث كذا وكذا، وجند كذا وكذا.

فرجع، وكتب إلى عامله إذا جاءك كتابي هذا، فاجعل فلاناً في أول الخيل.

فقدم في فوارس، فقاتل، فقتل.

ثم انتظر حتى انقضت عدتها، فخطبها، وتزوجها.

فبينما هو في المحراب، إذ تسور عليه ملكان، وكان الباب مغلقاً، ففزع منهما، فقالا: لا تخف خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ يعني: اقض بيننا بالعدل.

ثم خاصم أحدهما الآخر، فقال: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً إلى آخره.

فعلم داود-  - أنه مراد بذلك، فخرّ راكعاً وأناب.

قال الحسن: سجد أربعين ليلة، لا يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة.

قال: ولم يذق طعاماً، ولا شراباً، حتى أوحى الله عز وجل إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك.

وهكذا ذكر في رواية الكلبي عن ابن عباس، أنه سجد أربعين يوماً حتى سقط جلد وجهه، ونبت العشب من دموعه.

فقال: يا رب كيف ترحمني وأنا أعلم أنك منتقم مني بخطيئتي، وذكر أن جبريل-  - قال له: اذهب إلى أوريا فاستحل منه، فإنك تسمع صوته في يوم كذا، فأتاه ذات ليلة فناداه، فأجابه، فاستحل منه، فقال: أنت في حلّ.

فلما رجع، قال له جبريل: هل أخبرته بجرمك.

قال: لا.

قال: فإنك لم تفعل شيئاً.

قال: فارجع، فأخبره بالذي صنعت، فرجع داود فأخبره بذلك، فقال: أنا خصمك يوم القيامة، فرجع مغتماً، وبكى أربعين يوماً فأتاه جبريل-  - فقال: إن الله تعالى يقول: إني أستوهبك من عبدي فيهبك لي، وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء، فسري عنه ذلك، وكان محزوناً في عمره، باكياً على خطيئته.

وروي في خبر آخر، أن داود سمع بني إسرائيل كانوا يقولون في دعائهم: يا إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، فيستجاب لهم.

فقال لهم داود-  - اذكروني فيهم.

فقولوا: يا إله إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وداود، فقالوا: الله أمرك بهذا.

قال: لا.

فقالوا: لا نزيد فيهم ما لم يأمرك الله تعالى بذلك.

فسأل داود ربه أن يجعله فيهم، فأوحى الله تعالى إليه، وذكر له ما لقي إبراهيم من الشدائد، وما لقي إسحاق ويعقوب- عليهم السلام- فسأل داود ربه أن يبتليه ببلية لكي يبلغ منزلتهم، فابتلي بذلك حتى بلغ مبلغهم.

وقال بعضهم: هذه القصة لا تصح لأنه لا يظن بالنبي مثل داود أنه يفعل مثل ذلك، ولكن كانت خطيئته أنه لما اختصما إليه، فقال للمدعي: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فنسبه إلى الظلم بقول المدعي.

فكان ذلك منه زلة، فاستغفر ربه عن زلته، فذلك قوله: إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ وقال بعضهم: كانوا اثنين.

فذكر بلفظ الجماعة فقال: إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ ويقال بعضهم: كانوا جماعة، ولكنهم كانوا فريقين فقال: إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ يعني: استطال، وظلم بعضنا على بعض فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ يعني: اقض بيننا بالعدل وَلا تُشْطِطْ أي ولا تجر في الحكم، والقضاء.

ويقال: أشططت إذا جرت وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ يعني: أرشدنا إلى أعدل الطريق.

قوله عز وجل: إِنَّ هذآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها يعني: أعطني هذه النعجة.

وهذا قول الكلبي ومقاتل.

وقال القتبي أَكْفِلْنِيها يعني: ضمها إليّ، واجعلني كافلها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ يعني: غلبني في الكلام قالَ داود لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ أي: مع نعاجه وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ يعني: من الإخوان والشركاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يعني: ليظلم بعضهم بعضاً إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنهم لا يظلمون وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ يعني: قليل منهم الذين لا يظلمون.

فلما قضى بينهما داود-  - أحب أن يعرفهما، فصعد إلى السماء حيال وجهه وَظَنَّ داوُدُ يعني: علم داود.

ويقال: ظن بمعنى أيقن.

إلا أنه ليس بيقين عياناً، لأن العيان لا يقال فيه إلا العلم.

أَنَّما فَتَنَّاهُ يعني: ابتليناه، واختبرناه.

ويقال: إنهما ضحكا، وذهبا.

فعلم داود أن الله عز وجل ابتلاه بذلك.

وروي عن أبي عمرو في بعض الروايات أنه قرأ أَنَّما فَتَنَّاهُ بالتخفيف، ومعناه ظن أن الملكين اختبراه، وامتحناه في الحكم وقراءة العامة فَتَنَّاهُ بالتشديد يعني: أن الله عز وجل قد اختبره، وامتحنه بالملكين فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ يعني: وَخَرَّ وقع راكعاً ساجداً وَأَنابَ يعني: أقبل إلى طاعة الله تعالى بالتوبة.

وروى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الله الجبلي قال: إن داود لم يرفع رأسه إلى السماء، مذ أصاب الخطيئة حتى مات.

وذكر في الخبر أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، فتزوج امرأة أوريا على شرط أن يكون ولدها خليفة بعده، فولد له منها سليمان، وكان خليفته بعده.

يقول الله عز وجل: فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ يعني: ذنبه وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى لقربه وَحُسْنَ مَآبٍ أي: المرجع في الآخرة.

وروي أن كاتباً كان يكتب قوله تعالى: وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ وكان تحت شجرة، فقرأها، وكتبها، فخرت الشجرة ساجدة لله تعالى، وهي تقول: اللهم اغفر بها ذنباً، وخرت الدواة ساجدة كذلك، وهي تقول اللهم: احطط عني بها وزراً.

وكذلك الصحيفة التي في يده، وهي تقول: اللهم أحدث مني بها شكراً.

وعن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي  فقال: يا رسول الله رأيتني الليلة، وأنا نائم، كأني أصلي خلف الشجرة، فقرأت السجدة فسجدتُّ فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود.

قال ابن عباس فقرأ النبيّ  آية سجدة، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة.

وأيضاً سئل ابن عباس عن سجدة ص من أين سجدت.

قال: أما تقرأ هذه الآية: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ، ثم قال: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله  اقتداءً به.

ثم قوله عز وجل: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ يعني: أكرمناك بالنبوة، وجعلناك خليفة، والخليفة الذي يقوم مقام الذي قبله، فقام مقام الخلفاء الذين قبله، وكان قبله النبوة في سبط، والملك في سبط آخر، فأعطاهما الله تعالى لداود.

ثم قال: فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ يعني: بالعدل وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى أي: لا تمل إلى هوى نفسك، فتقضي بغير عدل.

ويقال: لا تعمل بالجور في القضاء، وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى كما اتبعت في بتشايع، وهي امرأة أوريا، فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: عن طاعة الله تعالى.

ويقال: يعني: الهوى يستزلك عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: عن دين الله الإسلام لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ يعني: بما تركوا من العمل ليوم القيامة، فلم يخافوه.

ويقال: بما تركوا الإيمان بيوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

العَابِدِينَ، ومَنْ صلى ستًّاً، لَمْ يَلْحَقْهُ ذَلِكَ اليَوْمَ ذَنْبٌ، وَمَنْ صلى ثَمانياً، كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، ومَنْ صلى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بنى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ» «١» انتهى.

وَالطَّيْرَ: عطف على الجبال، أي: وسخّرنا الطير، ومَحْشُورَةً معناهُ مجموعةً، والضميرُ في «لهُ» قَالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائد على الله.

عزّ وجلّ- ف كُلٌّ على هذا، يُرَادُ بهِ:

دَاوُدُ والجبالُ والطيرُ، وقالت فرقة: هو عائدٌ على داودَ ف كُلٌّ على هذا يُرَادُ بهِ الجبالُ والطير.

وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢)

وقوله تعالى: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ: عبارةٌ عامَّةٌ لجميعِ مَا وَهَبَه اللَّه تَعالى من قوَّةٍ وجندٍ ونعمةٍ، وَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عباس وغيره: هو فَصْلُ القَضَاءِ بَيْنَ الناسِ بالحقِ وإصابتُه وفَهْمُه «٢» ، وقال الشعبي: أرادَ قَوْلَ «أمَّا بَعْدُ» فإنه أَوَّلُ مَنْ قَالَها «٣» ، قال ع «٤» : والذَّي يُعْطِيهِ اللفظُ أنَّه آتاه فَصْلَ الخطابِ، بمعنى أنَّه إذا خَاطَبَ في نَازِلةٍ، فَصَلَ المعنى وأوْضَحَهُ، لا يأْخذُهُ في ذلك حَصَرٌ وَلا ضعف.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: المَعْنى: قَدْ أتاكَ فاسْتَمِعَ لَهُ نَقْصُصْ عَلَيْكَ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في السَّبْبِ الَّذِي امْتُحِنَ لِأجْلِهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما امْتُحِنَ بِهِ عَلى خَمْسَةِ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ قَدْ أعْطَيْتُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ مِنَ الذِّكْرِ ما لَوْ ودِدْتَ أنَّكَ أعْطَيْتَنِي مِثْلَهُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنِّي ابْتَلَيْتُهم بِما لَمْ أبْتَلِكَ بِهِ، فَإنْ شِئْتَ ابْتَلَيْتُكَ بِمِثْلِ ما ابْتَلَيْتُهم بِهِ وأعْطَيْتُكَ كَما أعْطَيْتُهُمْ؟

قالَ: نَعَمْ، فَبَيْنَما هو في مِحْرابِهِ إذْ وقَعَتْ عَلَيْهِ حَمامَةٌ، فَأرادَ أنْ يَأْخُذَها فَطارَتْ، فَذَهَبَ لِيَأْخُذَها، فَرَأى امْرَأةً تَغْتَسِلُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ ما زالَ يَجْتَهِدُ في العِبادَةِ حَتّى بَرَزَ لَهُ قُرَناؤُهُ مِنَ المَلائِكَةِ وكانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُ ويُسْعِدُونَهُ بِالبُكاءِ، فَلَمّا اسْتَأْنَسَ بِهِمْ، قالَ: أخْبِرُونِي بِأيِّ شَيْءٍ أنْتُمْ مُوَكَّلُونَ؟

قالُوا: ما نَكْتُبُ عَلَيْكَ ذَنْبًا، بَلْ نَكْتُبُ صالِحَ عَمَلِكَ ونُثَبِّتُكَ ونُوَفِّقُكَ ونَصْرِفُ عَنْكَ السُّوءَ، فَقالَ في نَفْسِهِ: لَيْتَ شِعْرِي، كَيْفَ أكُونُ لَوْ خَلُّونِي ونَفْسِي؛ وتَمَنّى أنْ يُخْلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ لِيَعْلَمَ كَيْفَ يَكُونُ، فَأمْرَ اللَّهُ تَعالى قُرَناءَهُ أنْ يَعْتَزِلُوهُ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا غَناءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ [عَزَّ وجَلَّ، فَلَمّا فَقَدَهُمْ، جَدَّ واجْتَهَدَ ضِعْفَ عِبادَتِهِ إلى أنْ ظَنَّ أنَّهُ قَدْ غَلَبَ نَفْسَهُ، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى] أنْ يُعْرِّفَهُ ضَعْفَهُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ طائِرًا مِن طُيُورِ الجَنَّةِ، فَسَقَطَ في مِحْرابِهِ، فَقَطَعَ صَلاتَهُ ومَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ، فَتَنَحّى عَنْ مَكانِهِ، فَأتْبَعُهُ بَصَرَهُ، فَإذا امْرَأةُ أُورِيا، هَذا قَوْلُ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَذاكَرَ هو وبَنُو إسْرائِيلَ، فَقالُوا: هَلْ يَأْتِي عَلى الإنْسانِ يَوْمٌ لا يُصِيبُ فِيهِ ذَنْبًا؟

فَأضْمَرَ داوُدُ في نَفْسِهِ أنَّهُ سَيُطِيقُ ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ يَوْمَ عِبادَتِهِ، أغْلَقَ أبْوابَهُ وأمَرَ أنْ لا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أحَدٌ وأكَبَّ عَلى قِراءَةِ الزَّبُورِ، فَإذا حَمامَةٌ مِن ذَهَبٍ، فَأهْوى إلَيْها فَطارَتْ، فَتَبِعَها فَرَأى المَرْأةَ، رَواهُ مَطَرٌ عَنِ الحَسَنِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ مَلَكَ: واللَّهِ لِأعْدِلَنَّ بَيْنَكُمْ، ولَمْ يَسْتَثْنِ، فابْتُلِيَ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ.

والخامِسُ: أنَّهُ أعْجَبَهُ كَثْرَةُ عَمَلِهِ، فابْتُلِيَ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

الإشارَةُ إلى قِصَّةِ ابْتِلائِهِ قَدْ ذَكَرْنا عَنْ وهَبٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ الحَمامَةُ مِن طُيُورِ الجَنَّةِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: تَصَوَّرَ لَهُ الشَّيْطانُ في صُورَةِ حَمامَةٍ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ لَمّا تَبِعَ الحَمامَةَ، رَأى امْرَأةً في بُسْتانٍ عَلى شَطِّ بِرْكَةٍ لَها تَغْتَسِلُ، وقِيلَ: بَلْ عَلى سَطْحٍ لَها، فَعَجِبَ مِن حُسْنِها، فَحانَتْ مِنها التِفاتَةٌ فَرَأتْ ظِلَّهُ، فَنَقَضَتْ شَعْرَها، فَغَطّى بَدَنَها، فَزادَهُ ذَلِكَ إعْجابًا بِها، فَسَألَ عَنْها، فَقِيلَ: هَذِهِ امْرَأةُ أرَوَيا، وزَوْجُها في غَزاةٍ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى أمِيرِ ذَلِكَ الجَيْشِ أنِ ابْعَثْ أُورِيا إلى مَوْضِعِ كَذا وكَذا، وقَدِّمْهُ قِبَلَ التّابُوتِ، وكانَ مَن قَدِمَ عَلى التّابُوتِ لا يَحْلُّ لَهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى يُفْتَحَ عَلَيْهِ أوْ يَسْتَشْهِدَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَفُتِحَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إلى داوُدَ يُخْبِرُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنِ ابْعَثْهُ إلى عَدْوِّ كَذا وكَذا، فَفَتَحَ لَهُ، فَكَتَبَ إلى داوُدَ يُخْبِرُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنِ ابْعَثْهُ إلى عَدْوِّ كَذا وكَذا، فَقُتِلَ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ المَرْأةِ تَزَوَّجَها داوُدُ، فَهي أمُّ سُلَيْمانَ، فَلَمّا دَخَلَ بِها، لَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَلَكَيْنِ في صُورَةِ إنْسِيَّيْنِ، وقِيلَ: لَمْ يَأْتِهِ المَلِكانِ حَتّى جاءَ مِنها سُلَيْمانَ وشَبَّ، ثُمَّ أتَياهُ فَوَجَداهُ في مِحْرابِ عِبادَتِهِ، فَمَنَعَهُما الحَرَسُ مِنَ الدُّخُولِ إلَيْهِ، فَتَسَوَّرُوا المِحْرابَ عَلَيْهِ؛ وعَلى هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ القِصَّةِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَدْ رَوى نَحْوَهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ في آَخَرِينَ.

وذَكَرَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ داوُدَ لَمّا نَظَرَ إلى المَرْأةِ، سَألَ عَنْها، وبَعَثَ زَوْجَها إلى الغَزاةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إلى أنْ قُتِلَ، فَتَزَوَّجَها؛ ورُوِيَ مِثْلُ [هَذا] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ووَهَبٍ، والحَسَنِ في جَماعَةٍ.

قالَ المُصَنِّفُ: وهَذا لا يَصِحُّ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ، ولا يَجُوزُ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّ الأنْبِياءَ مُنَزَّهُونَ عَنْهُ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ المُحَقِّقُونَ في ذَنْبِهِ الَّذِي عُوتِبَ عَلَيْهِ عَلى أرْبَعَةِ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا هَوِيَها، قالَ لِزَوْجِها: تَحَوَّلْ لِي عَنْها، فَعُوتِبَ عَلى ذَلِكَ.

وقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما زادَ داوُدُ عَلى أنْ قالَ لِصاحِبِ المَرْأةِ: أكْفِلْنِيها وتَحَوَّلْ لِي عَنْها؛ ونَحْوَ ذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقَدْ حَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ أنَّهُ بَعَثَ إلى أُورِيا فَأقْدَمَهُ مِن غَزاتِهِ، فَأدْناهُ وأكْرَمَهُ جِدًّا، إلى أنْ قالَ لَهُ يَوْمًا: انْزِلْ لِي عَنِ امْرَأتِكَ؛ وانْظُرْ أيَّ امْرَأةٍ شِئْتَ في بَنِي إسْرائِيلَ أُزَوِّجْكُها، أوْ أيَّ أمَةٍ شِئْتَ أبْتاعُها لَكَ، فَقالَ: لا أُرِيدُ بِامْرَأتِي بَدِيلًا؛ فَلَمّا لَمْ يُجِبْهُ إلى ما سَألَ، أمْرَهُ أنْ يَرْجِعَ إلى غَزاتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَمَنّى تِلْكَ المَرْأةَ حَلالًا، وحَدَّثَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، فاتَّفَقَ غَزْوُ أُورِيا وهَلاكُهُ مِن غَيْرِ أنْ يَسْعى في سَبَبِ قَتْلِهِ ولا في تَعْرِيضِهِ لِلْهَلاكَ، فَلَمّا بَلَغَهُ قَتْلُهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلَيْهِ كَما جَزَعَ عَلى غَيْرِهِ مِن جُنْدِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأتَهُ، فَعُوتِبَ عَلى ذَلِكَ.

وذُنُوبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ صَغُرَتْ، فَهي عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا وقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْها، أشْبَعَ النَّظَرَ إلَيْها حَتّى عَلِقَتْ بِقَلْبِهِ.

والرّابِعُ: أنْ أُورِيا كانَ قَدْ خَطَبَ تِلْكَ المَرْأةَ، فَخَطَبَها داوُدُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ أُورِيا قَدْ خَطَبَها، فَتَزَوَّجَها، فاغْتَمَّ أُورِيا، وعاتَبَ اللَّهُ تَعالى داوُدَ إذْ لَمْ يَتْرُكْها لِخاطِبِها الأوَّلِ؛ واخْتارَ القاضِي أبُو يَعْلى هَذا القَوْلَ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَعَزَّنِي في الخِطابِ ﴾ ، قالَ: فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الكَلامَ إنَّما كانَ بَيْنَهُما في الخُطْبَةِ، ولَمْ يَكُنْ قَدْ تَقَدَّمَ تَزَوُّجُ الآَخَرِ، فَعُوتِبَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِشَيْئَيْنِ يَنْبَغِي لِلْأنْبِياءِ التَّنَزُّهُ عَنْهُما، أحَدُهُما: خِطْبَتُهُ عَلى خِطْبَتِهِ غَيْرَهُ، والثّانِي: إظْهارُ الحِرْصِ عَلى التَّزْوِيجِ مَعَ كَثْرَةِ نِسائِهِ، ولَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ مَعْصِيَةً، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها؛ قالَ: فَأمّا ما رُوِيَ أنَّهُ نَظَرَ إلى المَرْأةِ فَهَوِيَها وقَدَّمَ زَوْجَها لِلْقَتْلِ، فَإنَّهُ وجْهٌ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَأْتُونَ المَعاصِيَ مَعَ العِلْمِ بِها.

قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ: "الخَصْمُ" بِلَفْظِ الواحِدِ، وقالَ: "تَسَوَّرُوا المِحْرابَ" بِلَفْظِ الجَماعَةِ، لِأنَّ قَوْلَكَ: خَصْمٌ، يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ والذَّكَرِ والأُنْثى، تَقُولُ: هَذا خَصْمٌ، وهي خَصْمٌ، وهُما خَصْمٌ، وهم خَصْمٌ؛ وإنَّما يَصْلُحُ لِجَمِيعِ ذَلِكَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ: خَصَمْتُهُ أخْصِمُهُ خَصْمًا.

والمِحْرابُ هاهُنا كالغُرْفَةِ، قالَ الشّاعِرُ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتَها لَمْ ألْقَها أوْ أرْتَقِي سُلَّمًا وَ "تَسَوَّرُوا" يَدُلُّ عَلى عُلُوٍّ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: كانا مَلَكَيْنِ، وقِيلَ: هُما جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، أتَياهُ لِيُنَبِّهاهُ عَلى التَّوْبَةِ.

وإنَّما قالَ: "تَسَوَّرُوا" وهُما اثْنانِ، لِأنَّ مَعْنى الجَمْعِ ضَمُّ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، والِاثْنانِ فَما فَوْقَهُما جَماعَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى "تَسَوَّرُوا" دَخَلُوا، فَيَكُونُ تَكْرارًا؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "إذْ" بِمَعْنى "لِما"، فَيَكُونُ المَعْنى: إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ لَمّا دَخَلُوا، ولَمّا تَسَوَّرُوا إذْ دَخَلُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ مِنهُمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهُما أتَيا عَلى غَيْرِ صِفَةِ مَجِيءِ الخُصُومِ، وفي غَيْرِ وقْتِ الحُكُومَةِ، ودَخَلا تَسَوَّرا مِن غَيْرِ إذْنٍ.

وقالَ أبُو الأحْوَصِ: دَخَلا عَلَيْهِ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما آَخِذٌ بِرَأْسِ صاحِبِهِ.

و ﴿ خَصْمانِ ﴾ مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ "نَحْنُ" قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: [المَعْنى]: نَحْنُ كَخَصْمَيْنِ، ومِثْلُ خَصْمَيْنِ، فَسَقَطَتِ الكافُ، وقامَ الخَصْمانِ مَقامَها، كَما تَقُولُ العَرَبُ: عَبْدُ اللَّهِ القَمَرُ حُسْنًا، وهم يُرِيدُونَ: مِثْلُ القَمَرِ، قالَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عَتَبَةَ تَرْثِي أباها وعَمَّها: مِن حِسِّ لِي الأخَوَيْنِ كالغُصْنَيْنِ أوْ مِن رَآَهُما أسَدَيْنِ في عَيْلٍ يَحِيدُ القَوْمُ عَنْ عِرْواهُما صَقْرَيْنِ لا يَتَذَلَّلانِ ولا يُباحُ حِماهُما رُمْحَيْنِ خَطِّيَّيْنِ في كَبِدِ السَّماءِ تَراهُما أرادَتْ: مِثْلُ أسَدَيْنِ، ومِثْلُ صَقْرَيْنِ، فَأسْقَطَتْ مَثَلًا وأقامَتِ الَّذِي بَعْدَهُ مَقامَهُ.

ثُمَّ صَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ النُّونَ والألِفَ في "بَعْضِنا" إلى "نَحْنُ" المُضْمَرُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: نَحْنُ قَوْمٌ شَرُفَ أبُونا، ونَحْنُ قَوْمٌ شَرُفَ أبُوهُمْ، والمَعْنى واحِدٌ.

والحَقُّ هاهُنا: العَدْلُ.

﴿ وَلا تُشْطِطْ ﴾ أيْ: لا تُجْرِ، يُقالُ: شَطَّ وأشَطَّ: إذا جارَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا تَشْطُطْ" بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الطّاءِ.

قالَ الفَرّاءُ: وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: شَطَطْتَ عَلَيَّ في السُّمُومِ، وأكْثَرُ الكَلامِ "أشَطَّطَتْ" بِالألْفِ، وشَطَّتِ الدّارُ: تَباعَدَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ ﴾ أيْ: إلى قَصْدِ الطَّرِيقِ؛ والمَعْنى: احْمِلْنا عَلى الحَقِّ.

فَقالَ داوُدُ: تَكَلَّما، فَقالَ أحَدُهُما: ﴿ إنَّ هَذا أخِي ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: قالَ أحَدُ الخَصْمَيْنِ اللَّذَيْنِ شُبِّهَ المَلِكانِ بِهِما: إنَّ هَذا أخِي، فَأضْمَرَ القَوْلَ لِوُضُوحِ مَعْناهُ ﴿ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كُنِّيَ عَنِ المَرْأةِ بِالنَّعْجَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ: العَرَبُ تُشَبِّهُ النِّساءَ بِالنِّعاجِ، وتُوَرِّي عَنْها بِالشّاءِ والبَقَرِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ورى عَنْ ذِكْرِ النِّساءِ بِذِكْرِ النِّعاجِ، كَما قالَ عَنْتَرَةُ: يا شاةُ ما قَنْصٍ لِمَن حَلَّتْ لَهُ ∗∗∗ حَرُمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لَمْ تَحْرُمِ يُعَرِّضُ بِجارِيَةٍ، يَقُولُ: أيُّ صَيْدٍ أنْتَ لِمَن حَلَّ لَهُ أنْ يَصِيدَكَ!

فَأمّا أنا، فَإنَّ حُرْمَةَ الجِوارِ قَدْ حَرَّمَتْكَ عَلَيَّ.

وإنَّما ذَكَرَ المَلِكُ هَذا العَدَدَ لِأنَّهُ عَدَدُ نِساءِ داوُدَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ﴾ فَتْحَ الياءَ حَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأسْكَنَها الباقُونَ.

﴿ فَقالَ أكْفِلْنِيها ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ضَمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافِلَها.

وقالَ الزَّجّاجُ: انْزِلْ أنْتَ عَنْها واجْعَلْنِي أنا أكْفُلُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَزَّنِي في الخِطابِ ﴾ أيْ: غَلَبَنِي في القَوْلِ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأبُو رَزِينٍ [العُقَيْلِيُّ]، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَعازَنِي" بِألْفٍ، أيْ: غالَبَنِي.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ "وَعَزَّنِي في الخِطابِ": ما زادَ عَلى أنْ قالَ: انْزِلْ لِي عَنْها.

ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنْ دَعَوْتَ ودَعا كانَ أكْثَرَ، وإنْ بَطَشَتْ وبَطَشَ كانَ أشَدَّ مِنِّي.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ المَلِكانِ هَذا، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ مَوْجُودًا عِنْدَهُما؟

فالجَوابُ: أنَّ العُلَماءَ قالُوا: إنَّما هَذا عَلى سَبِيلِ المَثَلِ والتَّشْبِيهِ بِقِصَّةِ داوُدَ، وتَقْدِيرُ كَلامِهِما: ما تَقُولُ إنْ جاءَكَ خَصْمانِ فَقالا كَذا وكَذا؟

وكانَ داوُدُ لا يَرى أنَّ عَلَيْهِ تَبِعَةً فِيما فَعَلَ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ بِالمَلَكَيْنِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ [لَهُ] ونَبَّهَهُ عَلى خَطِيئَتِهِ.

وقَدْ ذَكَرْنا آَنِفًا أنَّ المَعْنى: نَحْنُ كَخَصْمَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ ﴾ يَعْنِي داوُدَ ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: أيْ: بِسُؤالِهِ نَعْجَتَكَ، فَإذا ألْقَيْتَ الهاءَ مِنَ السُّؤالِ، أضَفْتَ الفِعْلَ إلى النَّعْجَةِ، ومِثْلُهُ: ﴿ لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ  ﴾ ، أيْ: مِن دُعائِهِ بِالخَيْرِ، فَلَمّا ألْقى الهاءَ، أضافَ الفِعْلَ إلى الخَيْرِ، وألْقى مِنَ الخَيْرِ الباءَ، وأنْشَدُوا: فَلَسْتُ مُسْلِمًا ما دُمْتُ حَيًّا ∗∗∗ عَلى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأمِيرِ أيْ: بِتَسْلِيمٍ عَلى الأمِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى نِعاجِهِ ﴾ أيْ: لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ مَضْمُومَةً إلى نِعاجِهِ، فاخْتَصَرَ.

قالَ: ويُقالُ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ داوُدُ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ كَلامَ الآَخَرِ؟

فالجَوابُ: أنَّ الخَصْمَ الآَخَرَ اعْتَرَفَ، فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِاعْتِرافِهِ، وحَذْفَ ذِكْرَ الِاعْتِرافِ اكْتِفاءً بِفَهْمِ السّامِعِ، والعَرَبُ تَقُولُ: أمَرْتُكَ بِالتِّجارَةِ فَكَسَبْتَ الأمْوالَ، أيْ: فاتَّجَرْتَ فَكَسَبْتَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ السُّدِّيُّ: إنَّ داوُدَ قالَ لِلْخَصْمِ الآَخَرِ: ما تَقُولُ؟

قالَ: نَعَمْ، أُرِيدُ أنْ آَخُذَها مِنهُ فَأُكْمِلَ بِها نِعاجِي وهو كارِهٌ، قالَ: إذًا لا نَدَعُكَ، وإنْ رُمْتَ هَذا ضَرَبْنا مِنكَ هَذا -وَيُشِيرُ إلى أنْفِهِ وجَبْهَتِهِ- فَقالَ: أنْتَ يا داوُدُ أحَقُّ أنْ يُضْرَبَ هَذا مِنكَ حَيْثُ لَكَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، ولَمْ يَكُنْ لِأُورِيا إلّا واحِدَةٌ، فَنَظَرَ داوُدُ فَلَمْ يَرَ أحَدًا، فَعَرَفَ ما وقَعَ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ ﴾ يَعْنِي الشُّرَكاءَ، واحِدُهُمْ: خَلِيطٌ، وهو المُخالِطُ في المالِ.

وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّهُ ظَنَّهُما شَرِيكَيْنِ، ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: فَإنَّهم لا يَظْلِمُونَ أحَدًا، ﴿ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ﴾ "ما" زائِدَةٌ، والمَعْنى: وقَلِيلٌ هُمْ، وقِيلَ: المَعْنى: هم قَلِيلٌ، يَعْنِي الصّالِحِينَ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ داوُدُ ﴾ أيْ: أيْقَنَ وعَلِمَ ﴿ أنَّما فَتَنّاهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اخْتَبَرْناهُ.

والثّانِي: ابْتَلَيْناهُ بِما جَرى لَهُ مِن نَظَرِهِ إلى المَرْأةِ وافْتِتانِهِ بِها.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: "أنَّما فَتَنّاهُ" بِتَشْدِيدِ التّاءِ والنُّونِ جَمِيعًا.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "أنَّما فَتَناهُ" بِتَخْفِيفِ التّاءِ والنُّونِ جَمِيعًا، يَعْنِي المَلَكَيْنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يُرِيدُ: صَمَدا لَهُ.

وفي سَبَبِ عِلْمِهِ وتَنْبِيهِهِ عَلى ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَلَكَيْنِ أفْصَحا لَهُ بِذَلِكَ، عَلى ما ذَكَرْناهُ عَنِ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُما عَرَّجا وهُما يَقُولانِ: قَضى الرَّجُلُ عَلى نَفْسِهِ، فَعَلِمَ أنَّهُ عَنِيَ بِذَلِكَ، قالَهُ وهَبٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا حَكَمَ بَيْنَهُما، نَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ وضَحِكَ، ثُمَّ صَعِدا إلى السَّماءِ وهو يَنْظُرُ، فَعَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهُ بِذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا فَطِنَ داوُدُ بِذَنْبِهِ خَرَّ راكِعًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: ساجِدًا، وعَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ بِالرُّكُوعِ، لِأنَّهُما بِمَعْنى الِانْحِناءِ.

وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: فَخَرَّ بَعْدَ أنْ كانَ راكِعًا.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ هَذِهِ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: لَيْسَتْ مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.

والثّانِي: أنَّها مِن عَزائِمِ السُّجُودِ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.

وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَبَقِيَ في سُجُودِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلّا لِوَقْتِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ أوْ حاجَةٍ لا بُدَّ مِنها، ولا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، فَأكَلَتِ الأرْضُ مِن جَبِينِهِ، ونَبْتُ العُشْبُ مِن دُمُوعِهِ، ويَقُولُ في سُجُودِهِ: رَبِّ داوُدَ، زَلَّ داوُدُ زَلَّةً أبْعَدَ مِمّا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.

قالَ مُجاهِدٌ: نَبَتَ البَقْلَ مِن دُمُوعِهِ حَتّى غَطّى رَأْسَهُ، ثُمَّ نادى: رَبِّ قَرَحَ الجَبِينُ وجَمُدَتِ العَيْنُ وداوُدُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ في خَطِيئَتِهِ شَيْءٌ، فَنُودِيَ: أجائِعٌ فَتُطْعَمُ، أمْ مَرِيضٌ فَتُشْفى، أمْ مَظْلُومٌ فَيُنْتَصَرُ لَكَ؟

فَنُحِبُّ نَحِيبًا هاجَ كُلَّ شَيْءٍ نَبَتَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ غَفَرَ لَهُ، وقالَ ثابِتٌ البَنانِيُّ: اتَّخَذَ داوُدُ سَبْعَ حَشايا مِن شِعْرٍ وحِشاهُنَّ مِنَ الرَّمادِ، ثُمَّ بَكى حَتّى أُنْفِذَها دُمُوعًا، ولَمْ يَشْرَبْ شَرابًا إلّا مَمْزُوجًا بِدُمُوعِ عَيْنَيْهِ.

وقالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: نُودِيَ: يا داوُدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَإنّا قَدْ غَفَرْنا لَكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ وقَدْ زَمِنَ وصارَ مُرَعَّشًا.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَأنابَ ﴾ فَمَعْناهُ: رَجَعَ مِن ذَنْبِهِ تائِبًا إلى رَبِّهِ، ﴿ فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي الذَّنْبَ ﴿ وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى ﴾ \[قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ \]: أيْ: تَقَدُّمٌ وقُرْبَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: حُسْنُ مَرْجِعٍ، وهو ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ في الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا داوُدُ ﴾ المَعْنى: وقُلْنا لَهُ يا داوُدُ ﴿ إنّا جَعَلْناكَ ﴾ أيْ: صَيَّرْناكَ ﴿ خَلِيفَةً في الأرْضِ ﴾ أيْ: تُدَبِّرُ أمْرَ العِبادِ مِن قَبْلِنا بِأمْرِنا، فَكَأنَّكَ خَلِيفَةٌ عَنّا ﴿ فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ ﴿ وَلا تَتَّبِعِ الهَوى ﴾ أيْ: لا تَمِلْ مَعَ ما تَشْتَهِي إذا خالَفَ أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: عَنْ دِينِهِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ ﴾ وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ يَعْمُرَ: "يَضِلُّونَ" بِضَمِّ الياءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِما تَرَكُوا العَمَلَ لِيَوْمِ الحِسابِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا تَرَكُوا العَمَلَ لِذَلِكَ اليَوْمِ، صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ.

والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ يَوْمَ الحِسابِ بِما نَسُوا، أيْ: تَرَكُوا القَضاءَ بِالعَدْلِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهم قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِراطِ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا أخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةً واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها وعَزَّنِي في الخِطابِ ﴾ ﴿ قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هم وظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ  ، واسْتُفْتِحَتْ بِالِاسْتِفْهامِ تَعْجِيبًا مِنَ القِصَّةِ وتَفْخِيمًا لَها؛ لِأنَّ المَعْنى: هَلْ أتاكَ هَذا الأمْرُ العَجِيبُ الَّذِي هو عِبْرَةٌ؟

فَكَأنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ إنَّما هو تَهْيِئَةُ نَفْسِ المُخاطَبِ وإعْدادُها لِلتَّلَقِّي.

و"الخَصْمُ" - جارٍ مَجْرى "عَدْلٌ وزَوْرٌ" - يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والِاثْنانِ والجَمْعُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وخَصْمٍ يَعُدُّونَ الذُحُولَ كَأنَّهم ∗∗∗ قُرُومٌ غَيارى كُلَّ أزْهَرَ مُصْعَبِ وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المُتَسَوِّرِ لِلْمِحْرابِ اثْنَيْنِ فَقَطْ؛ لِأنَّ نَفْسَ الخُصُومَةِ إنَّما كانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَتَجِيءُ الضَمائِرُ فِي: ﴿ "تَسَوَّرُوا" ﴾ و"دَخَلُوا" و"قالُوا" عَلى جِهَةِ التَجَوُّزِ والعِبارَةِ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وتَحْتَمِلُ أنَّهُ جاءَ مَعَ كُلٍّ فِرْقَةٌ كالعاضِدَةِ أوِ المُؤْنِسَةِ، فَيَقَعُ عَلى جَمِيعِهِمْ "خَصْمٌ"، وتَجِيءُ الضَمائِرُ حَقِيقَةً.

و"تَسَوَّرُوا" مَعْناهُ: عَلَوْا سُورَهُ، وهو جَمْعُ "سُورَةٍ"، وهي القِطْعَةُ مِنَ البِناءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: تَسَنَّمْتُ الحائِطَ أوِ البَعِيرَ إذا عَلَوْتَ عَلى سَنامِهِ.

و"المِحْرابُ": المَوْضِعُ الأرْفَعُ مِنَ القَصْرِ أوِ المَسْجِدِ، وهو مَوْضِعُ التَعَبُّدِ، والعامِلُ في "إذْ" الأُولى "نَبَأُ"، وقِيلَ: "أتاكَ"، والعامِلُ في الثانِيَةِ ﴿ "تَسَوَّرُوا"، ﴾ وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِنَ الأُولى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَزِعَ مِنهُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَزَعُهُ مِنَ الداخِلِينَ أنْفُسِهِمْ لِئَلّا يُؤْذُوهُ، وإنَّما فَزِعَ مِن حَيْثُ دَخَلُوا مِن غَيْرِ البابِ ودُونَ اسْتِئْذانٍ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كانَ لَيْلًا، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَزَعُهُ مِن أنْ يَكُونَ أهْلُ مُلْكِهِ قَدِ اسْتَهانُوهُ حَتّى تَرَكَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِئْذانَ، فَيَكُونُ فَزَعُهُ عَلى فَسادِ السِيرَةِ لا مِنَ الداخِلِينَ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُمْ: "لا تَخَفْ" أنَّهم فَهِمُوا فَزَعَهُ.

وهُنا قَصَصٌ طَوَّلَ الناسُ فِيها، واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ فِيهِ، ولا بُدَّ أنْ نَذْكُرَ مِنهُ ما لا يَقُومُ تَفْسِيرُ الآيَةِ إلّا بِهِ، ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ التَأْوِيلِ أنَّهم إنَّما كانُوا مَلائِكَةً بَعَثَهُمُ اللهُ ضَرْبَ مَثَلٍ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، فاخْتَصَمُوا إلَيْهِ في نازِلَةٍ قَدْ وقَعَ هو في نَحْوِها، فَأفْتى بِفُتْيا هي واقِفَةٌ عَلَيْهِ في نازِلَتِهِ، ولَمّا شَعَرَ وفَهِمَ المُرادَ خَرَّ وأنابَ واسْتَغْفَرَ، وأمّا نازِلَتُهُ الَّتِي وقَعَ فِيها فَرُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ جَلَسَ في مَلَإٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَأُعْجِبَ بِعَمَلِهِ، وظَهَرَ مِنهُ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُخافُ عَلى نَفْسِهِ الفِتْنَةَ، ويُقالُ: بَلْ وقَعَتْ لَهُ في نَحْوِ هَذا مُحاوَرَةٌ مَعَ المَلَكَيْنِ الحافِظَيْنِ عَلَيْهِ، فَقالَ: جَرَّبانِي يَوْمًا، فَإنِّي وإنْ غِبْتُما عَنِّي لا أُواقِعُ مَكْرُوهًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ داوُدُ قَدْ قَسَّمَ دَهْرَهُ: يَوْمًا يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ الناسِ، ويَوْمًا لِعِبادَتِهِ، ويَوْمًا لِشَأْنِ نَفْسِهِ، فَفُتِنَ يَوْمَ خُلُوِّهِ لِلْعِبادَةِ لَمّا تَمَنّى أنْ يُعْطى مِثْلَ فَضْلِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، والتَزَمَ أنْ يُمْتَحَنَ كَما امْتُحِنُوا، وقِيلَ: في السَبَبِ غَيْرُ هَذا مِمّا هو تَطْوِيلٌ لا يَصِحُّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ داوُدَ أخَذَ يَوْمًا في عِبادَتِهِ، وانْفَرَدَ في مِحْرابِهِ يُصَلِّي ويُسْبِّحُ، إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ طائِرٌ مِن كُوَّةٍ فَوَقَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ طائِرًا حَسَنَ الهَيْئَةِ، حَمامَةً، فَمَدَّ داوُدُ يَدَهُ لِيَأْخُذَها، فَما زالَتْ تُطْمِعُهُ ويَتْبَعُها حَتّى صَعَدَتِ الكُوَّةَ الَّتِي دَخَلَ مِنها، فَصَعَدَ لِيَأْخُذَها فَتَنَحّى الطائِرُ لَهُ، فَتَطَلَّعَ داوُدُ فَإذا هو بِامْرَأةٍ تَغْتَسِلُ عُرْيانَةً، فَرَأى مَنظَرًا جَمِيلًا فَتَنَهُ، ثُمَّ إنَّها شَعَرَتْ بِهِ فَأسْبَلَتْ شَعْرَها عَلى بَدَنِها فَتَجَلَّلَتْ بِهِ فَزادَهُ وُلُوعًا بِها، ثُمَّ إنَّهُ انْصَرَفَ وسَألَ عنها فَأُخْبِرَ أنَّها امْرَأةُ رَجُلٍ مِن جُنْدِهِ يُقالُ لَهُ: "أُورِيا"، وإنَّهُ في بَعْثِ كَذا وكَذا، فَيُرْوى أنَّهُ كَتَبَ إلى أمِيرِ تِلْكَ الحَرْبِ أنْ قَدِّمْ فُلانًا يُقاتِلْ عِنْدَ التابُوتِ، وهو مَوْضِعٌ قَلَّما يَخْلُصُ مِنهُ أحَدٌ، فَقُدِّمَ فاسْتُشْهِدَ هُنالِكَ، ويُرْوى أنَّ داوُدَ كَتَبَ أنْ يُؤَمَّرَ ذَلِكَ الرَجُلُ عَلى جُمْلَةٍ مِنَ الرِجالِ، وتُرْمى بِهِ الغاراتُ والوُجُوهُ الصَعْبَةُ مِنَ الحَرْبِ حَتّى قُتِلَ في الثالِثَةِ مِن نَهَضاتِهِ، وكانَ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ - فِيما رُوِيَ - تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، فَلَمّا جاءَهُ الكِتابُ بِقَتْلِ مَن قُتِلَ في حَرْبِهِ، جَعَلَ كُلَّما سُمِّيَ رَجُلٌ يَسْتَرْجِعُ ويَتَفَجَّعُ، فَلَمّا جاءَ اسْمُ الرَجُلِ قالَ: كُتِبَ المَوْتُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، ثُمَّ إنَّهُ خَطَبَ المَرْأةَ وتَزَوَّجَها فَكانَتْ أُمَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ فِيما رُوِيَ عن قَتادَةَ، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى إلَيْهِ الخَصْمَ لِيُفْتِيَ بِأنَّ هَذا ظُلْمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذا كُلَّهُ هَمَّ بِهِ داوُدُ ولَمْ يَفْعَلْهُ، والمُعاتَبَةُ عَلى الهَمِّ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّما الخَطَأُ في أنَّهُ لَمْ يَجْزَعْ عَلَيْهِ كَما جَزِعَ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الجُنْدِ، إذْ كانَ عِنْدَهُ أمْرُ المَرْأةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرُواةُ عَلى الأوَّلِ أكْثَرُ، وفي كُتُبِ بَنِي إسْرائِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ صُوَرٌ لا تَلِيقُ، وقَدْ حَدَّثَ بِها قُصّاصٌ في صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَن حَدَّثَ بِما قالَ هَؤُلاءِ القُصّاصُ في أمْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ جَلَدْتُهُ حَدَّيْنِ لِما ارْتَكَبَ مِن حُرْمَةِ مَن رَفَعَ اللهُ مَحِلَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "خَصْمانِ"  ﴾ تَقْدِيرُهُ: نَحْنُ خَصْمانِ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: وقُولا إذا جاوَزْتُما أرْضَ عامِرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وجاوَزْتُما الحَيَّيْنِ نَهْدًا وخَثْعَما نَزِيعانِ مِن جَرْمِ بْنِ زَبّانَ إنَّهم ∗∗∗ ∗∗∗ أبَوْا أنْ يُمِيرُوا في الهَزاهِزِ مِحْجَما ومِثْلُهُ قَوْلُ العَرَبِ في المَثَلِ: "مُحْسِنَةٌ فَهِيلِي"، والتَقْدِيرُ: أنْتِ مُحْسِنَةٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "آيِبُونَ تائِبُونَ".» وَ"بَغى": اعْتَدى واسْتَطالَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَكِنَّ الفَتى حَمَلَ بْنَ بَدْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بَغى والبَغْيُ مَرْتَعُهُ وخِيمُ وقَوْلُهُ: ﴿ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ ﴾ إغْلاظٌ عَلى الحاكِمِ، واسْتِدْعاءٌ لِعَدْلِهِ، ولَيْسَ هَذا بِارْتِيابٍ مِنهُ، ومِنهُ «قَوْلُ الرَجُلِ لِلنَّبِيِّ  ": فاحْكم بَيْنَنا بِكِتابِ اللهِ"،» وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تُشْطِطْ" ﴾ بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الطاءِ الأُولى، مَعْناهُ: ولا تَتَعَدَّ في حُكْمِكَ، وقَرَأ أبُو رَجاءَ، وقَتادَةُ بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الطاءِ الأُولى، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والجَحْدَرِيِّ، والمَعْنى: ولا تَبْعُدْ، يُقالُ: شَطَّ إذا بَعُدَ، وأشَطَّ إذا أبْعَدَ غَيْرَهُ، وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ: "تُشاطِطْ" بِضَمِّ التاءِ وبِألِفٍ بَعْدِ الشِينِ.

و"سَواءُ الصِراطِ" مَعْناهُ: وسَطُ الطَرِيقِ ولاحِبُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ هَذا أخِي ﴾ ، إعْرابُ "أخِي" عَطْفُ بَيانٍ، وذَلِكَ أنَّ ما جَرى مِن هَذِهِ الأشْياءِ صِفَةٌ كالخَلْقِ والخُلُقِ وسائِرِ الأوصافِ، فَإنَّهُ نَعْتٌ مَحْضٌ، والعامِلُ فِيهِ هو العامِلُ في المَوْصُوفِ، وما كانَ مِنها مِمّا لَيْسَ لِيُوصَفَ بِهِ البَتَّةَ فَهو بَدَلٌ، والعامِلُ فِيهِ مُكَرَّرٌ، وتَقُولُ: "جاءَنِي أخُوكَ زَيْدٌ"، فالتَقْدِيرُ: جاءَنِي أخُوكَ، جاءَنِي زَيْدٌ، فاقْتُصِرَ عَلى حَذْفِ العامِلِ في البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ  ﴾ ، وما كانَ مِنها مِمّا لا يُوصَفُ بِهِ واحْتِيجَ إلى أنْ يُبَيَّنَ بِهِ ويَجْرِيَ مَجْرى الصِفَةِ فَهو عَطْفُ بَيانٍ، وهو بَيِّنٌ في قَوْلِ الشاعِرِ: يا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرا فَإنَّ الرِوايَةَ في الثانِي بِالتَنْوِينِ تَدُلُّ عَلى أنَّ النِداءَ لَيْسَ بِمُكَرَّرٍ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِبَدَلٍ، وصَحَّ فِيهِ عَطْفُ البَيانِ.

وهَذِهِ الأُخُوَّةُ مُسْتَعارَةٌ؛ إذْ هُما مَلَكانِ، لَكِنْ مِن حَيْثُ تَصَوَّرا آدَمِيَّيْنِ تَكَلَّما بِالأُخُوَّةِ الَّتِي بَيْنَهُما في الدِينِ والإيمانِ، واللهُ أعْلَمُ.

و"النَعْجَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَبَّرَ بِها عَنِ المَرْأةِ، والنَعْجَةُ في كَلامِ العَرَبِ تَقَعُ عَلى أُنْثى بَقَرِ الوَحْشِ، وعَلى أُنْثى الضَأْنِ، وتُعَبِّرُ العَرَبُ بِها عَنِ المَرْأةِ، وكَذَلِكَ بِالشاةِ، قالَ الأعْشى: فَرَمَيْتُ غَفْلَةَ عَيْنِهِ عن شاتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ فَأصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِها وطِحالها أرادَ: عَنِ امْرَأتِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أُنْثى"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَلِيَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، وهُما حَسَنانِ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ: "نِعْجَةً" بِكَسْرِ النُونِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِها، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَسْعٌ وتَسْعُونَ" بِفَتْحِ التاءِ فِيهِما، وهي لُغَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أكْفِلْنِيها"، ﴾ أيْ: رُدَّها في كَفالَتِي، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: المَعْنى: اجْعَلْها كِفْلِي، أيْ: نَصِيبِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَعَزَّنِي"، ﴾ أيْ: غَلَبَنِي، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "مَن عَزَّ بَزَّ"، أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَخْفِيفِ الزايِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: أرادَ، عَزَّنِي، فَحَذَفَ إحْداهُما تَخْفِيفًا، كَما قالَ أبُو زُبَيْدٍ: أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ قالَ أبُو حاتِمٍ: ورُوِيَتْ بِتَخْفِيفِ الزايِ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو الضُحى، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "وَعازَّنِي"، أيْ: غالَبَنِي.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي الخِطابِ ﴾ ، أيْ: كانَ أوجَهَ مِنِّي وأقْوى، فَإذا خاطَبْتُهُ كانَ كَلامُهُ أقْوى مِن كَلامِي، وقُوَّتُهُ أعْظَمَ مِن قُوَّتِي، فَيُرْوى أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الحُجَّةَ قالَ لِلْآخَرِ: ما تَقُولُ؟

فَأقَرَّ وألَدَّ، فَقالَ لَهُ داوُدُ: لَئِنْ لَمْ تَرْجِعْ إلى الحَقِّ لَأكْسِرَنَّ الَّذِي فِيهِ عَيْناكَ.

وقالَ لِلثّانِي: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ ، فَتَبَسَّما عِنْدَ ذَلِكَ، وذَهَبا ولَمْ يَرَهُما لِحِينِهِ، فَشَعَرَ حِينَئِذٍ لِلْأمْرِ، ورُوِيَ أنَّهُما ذَهَبا نَحْوَ السَماءِ بِمَرْأى مِنهُ.

وقِيلَ: بَلْ بَيَّنا فِعْلَهُ في تِلْكَ المَرْأةِ وزَوْجِها، وقالا لَهُ: إنَّما نَحْنُ مِثالٌ لَكَ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ داوُدَ قالَ: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ حُجَّةَ الآخَرِ، وهَذِهِ كانَتْ خَطِيئَتَهُ، ولَمْ تَنْزِلْ بِهِ هَذِهِ النازِلَةُ المَرْوِيَّةُ قَطُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ مِن جِهاتٍ؛ لِأنَّهُ خالَفَ مُتَظاهِرَ الرِواياتِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ مَعْناهُ أنْ ظَهَرَ صِدْقَكَ بِبَيِّنَةٍ أو بِاعْتِرافٍ، وهَذا مِن بَلاغَةِ الحاكِمِ الَّتِي تَرُدُّ المُعْوَجَّ إلى الحَقِّ، وتُفْهِمُهُ ما عِنْدَ القاضِي مِنَ الفِطْنَةِ.

وقالَ الثَعْلَبِيُّ: كانَ في النازِلَةِ اعْتِرافٌ مِنَ المُدَّعى عَلَيْهِ حُذِفَ اخْتِصارًا، ومِن أجْلِهِ قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ ﴾ .

وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ ﴾ ، أضافَ الضَمِيرَ إلى المَفْعُولِ.

و"الخُلَطاءُ": الأشْراكُ والمُتَعاقِبُونَ في الأمْلاكِ والأُمُورِ، وهَذا القَوْلُ مِن داوُدَ وعْظٌ وبَسْطٌ لِقاعِدَةِ حَقٍّ؛ لِيُحَذِّرَ مِنَ الوُقُوعِ في خِلافِ الحَقِّ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَظَنَّ داوُدُ ﴾ مَعْناهُ: شَعَرَ وعَلِمَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ظَنَّ" هُنا بِمَعْنى: أيْقَنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظَنُّ أبَدًا في كَلامِ العَرَبِ إنَّما حَقِيقَتُهُ تَوَقُّفٌ بَيْنَ مُعْتَقَدَيْنِ يَغْلِبُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، وتُوقِعُهُ العَرَبُ عَلى العِلْمِ الَّذِي لَيْسَ عَلى الحَواسِّ، ولا لَهُ اليَقِينُ التامُّ البَتَّةَ، ولَكِنْ يَخْلِطُ الناسُ في هَذا ويَقُولُونَ: "ظَنَّ" بِمَعْنى: أيْقَنَ، ولَسْنا نَجِدُ في كَلامِ العَرَبِ شاهِدًا يَتَضَمَّنُ أنْ يُقالَ: رَأى زَيْدٌ كَذا وكَذا فَظَنَّهُ، وانْظُرْ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها  ﴾ ، وإلى قَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِمَّةِ: فَقُلْتُ لَهم ظَنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجِ ∗∗∗ ∗∗∗ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ وإلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ "وَظَنَّ داوُدُ"، ﴾ فَإنَّكَ تَجِدُ بَيْنَها وبَيْنَ اليَقِينِ دَرَجَةً، ولَوْ فَرَضْنا أهْلَ النارِ قَدْ دَخَلُوها وباشَرُوا، لَمْ يَقُلْ: "فَظَنُّوا"، ولا اسْتَقامَ ذَلِكَ، ولَوْ أخْبَرَ جِبْرِيلُ داوُدَ بِهَذِهِ الفِتْنَةِ لَمْ يُعَبِّرْ عنها بـِ"ظَنَّ، فَإنَّما تُعَبِّرُ العَرَبُ بِها عَنِ العِلْمِ الَّذِي يُقارِبُ اليَقِينَ ولَيْسَ بِهِ، لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ إلى الإحْساسِ؟

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَتَنّاهُ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ النُونِ، أيِ: ابْتَلَيْناهُ وامْتَحَنّاهُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو رَجاءَ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "فَتَّنّاهُ" بِشَدِّ التاءِ والنُونِ، عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرٍ -: "فَتَناهُ" بِتَخْفِيفِ التاءِ والنُونِ، عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْخَصْمَيْنِ، أيِ امْتَحَنّاهُ عن أمْرِنا، وهي قِراءَةُ قَتادَةَ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "افْتَتَناهُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ ﴾ ، أيْ: ألْقى بِنَفْسِهِ نَحْوَ الأرْضِ مُتَطامِنًا مُتَواضِعًا، والرُكُوعُ والسُجُودُ: الِانْخِفاضُ والتَرامِي نَحْوَ الأرْضِ، وخَصَّصَتْها الشَرائِعُ عَلى هَيْئاتٍ مَعْلُومَةٍ، وقالَ قَوْمٌ: يُقالُ: "خَرَّ ثُمَّ رَكَعَ" وإنْ كانَ لَمْ يَنْتَهِ إلى الأرْضِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ: المَعْنى: خَرَّ مِن رُكُوعِهِ، أيْ: سَجَدَ بَعْدَ أنْ كانَ راكِعًا، «وَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: "رَأيْتُنِي أكْتُبُ سُورَةَ ص، فَلَمّا بَلَغْتُ هَذِهِ الآيَةَ سَجَدَ القَلَمُ، ورَأيْتُنِي في مَنامٍ آخَرَ وشَجَرَةً تَقْرَأُ ص، فَلَمّا بَلَغَتْ هُنا سَجَدَتْ، وقالَتِ: اللهُمَّ اكْتُبْ لِي بِها أجْرا، وحُطَّ عَنِّي بِها وِزْرًا، وارْزُقْنِي بِها شُكْرًا، وتَقَبَّلْها مِنِّي كَما تَقَبَّلْتَ مِن عَبْدِكَ داوُدَ، فَقالَ النَبِيُّ  : "وَسَجَدْتَ أنْتَ أنْتَ يا أبا سَعِيدٍ "؟

قُلْتُ: لا، قالَ: أنْتَ كُنْتَ أحَقَّ بِالسَجْدَةِ مِنَ الشَجَرَةِ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللهِ  الآياتِ حَتّى بَلَغَ: "وَأنابَ" فَسَجَدَ، وقالَ كَما قالَتِ الشَجَرَةُ".» و"أنابَ" مَعْناهُ: رَجَعَ وتابَ.

ويُرْوى عن مُجاهِدٍ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ بَقِيَ في رَكْعَتِهِ تِلْكَ لاصِقًا بِالأرْضِ يَبْكِي ويَدْعُو أرْبَعِينَ صَباحًا حَتّى نَبَتَ العُشْبُ مِن دَمْعِهِ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا تَثْبُتُ صِحَّتُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا غَفَرَ اللهُ لَهُ أمْرَ المَرْأةِ قالَ: يا رَبِّ، فَكَيْفَ لِي بِدَمِ زَوْجِها إذا جاءَ يَطْلُبُنِي يَوْمَ القِيامَةِ؟

فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: إنِّي سَأسْتَوْهِبُهُ لَكَ يا داوُدُ، وأجْعَلُهُ أنْ يَهَبَهُ راضِيًا بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ سُرَّ داوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ واسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ، ورُوِيَ عن عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، ومُجاهِدٍ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ نَقَشَ خَطِيئَتَهُ في كَفِّهِ، فَكانَ يَراها دائِمًا ويَعْرِضُها عَلى الناسِ في كُلِّ حِينٍ مِن خُطَبِهِ وكَلامِهِ وإشاراتِهِ وتَصَرُّفِهِ تَواضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإقْرارًا، وكانَ يَسِيحُ في الأرْضِ ويَصِيحُ: "إلَهِي، إذا ذَكَرْتُ خَطِيئَتِي ضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِرَحَبِها، وإذا ذَكَرْتُ رَحْمَتَكَ ارْتَدَّ إلَيَّ رُوحِي، سُبْحانَكَ إلَهِي، أتَيْتُ أطِبّاءَ الدِينِ يُداوُوا عِلَّتِي فَكُلُّهم عَلَيْكَ دَلَّنِي"، وَكانَ يُدْخِلُ في صَدْرِ خُطْبَتِهِ الِاسْتِغْفارَ لِلْخاطِئِينَ، وما رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَماءِ بَعْدَ خَطِيئَتِهِ حَياءً حَتّى قُبِضَ، صَلّى اللهُ تَعالى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ وعَلى جَمِيعِ النَبِيِّينَ وسَلَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ وهل أتاكَ نَبأ الخصمالخطاب * وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب * إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط * إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى الخطاب * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى ﴾ إلى آخرها معطوفة على جملة ﴿ إنَّا سخرنا الجبال معه ﴾ [ص: 18].

والإِنشاء هنا في معنى الخبر، فإن هذه الجملة قصت شأناً من شأن داود مَع ربه تعالى فهي نظير ما قبلها.

والاستفهام مستعمل في التعجيب أو في البحث على العلم فإن كانت القصة معلومة للنبيء صلى الله عليه وسلم كان الاستفهام مستعملاً في التعجيب وإن كان هذا أول عهده بعلمها كان الاستفهام للحث مثل ﴿ هل أتاكَ حديثُ الغاشِيَةِ ﴾ [الغاشية: 1].

والخطاب يجوز أن يكون لكل سامع والوجهان الأولان قائمان.

والنبأ: الخبر.

والتعريف في ﴿ الخَصْمِ ﴾ للعهد الذهني، أي عهد فرد غير معيّن من جنسه أي نبأ خصم معيّن هذا خبره، وهذا مثل التعريف في: ادخل السوق.

والخصام والاختصام: المجادلة والتداعي، وتقدم في قوله: ﴿ هذان خصمان ﴾ في سورة [الحج: 19].

و ﴿ الخصم ﴾ : اسم يطلق على الواحد وأكثر، وأريد به هنا خصمان لقوله بعده ﴿ خَصْمَانِ ﴾ .

وتسميتهما بالخصم مجاز بعلاقة الصورة وهي من علاقة المشابهة في الذات لا في صفة من صفات الذات، وعادة علماء البيان أن يمثلوها بقول القائل إذَا رأى صورة أسد: هذا أَسد.

وضمير الجمع مراد به المثنى، والمعنى: إذ تسورا المحراب، والعرب يعدلون عن صيغة التثنية إلى صيغة الجمع إذا كانت هناك قرينة لأن في صيغة التثنية ثقلاً لنْدرة استعمالها، قال تعالى: ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ [التحريم: 4] أي قلباكما.

و ﴿ إذْ تَسَوَّرُوا ﴾ إذا جعلت ﴿ إذ ﴾ ظرفاً للزمن الماضي فهو متعلق بمحذوف دل عليه ﴿ الخَصم ﴾ ، والتقدير: تحاكم الخصم حين تَسوروا المحراب لداود.

ولا يستقيم تعلقه بفعل ﴿ أتاكَ ﴾ ولا ب ﴿ نَبَأ ﴾ لأن النبأ الموقت بزمننِ تسوّر الخصم محراب داود لا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ولك أن تجعل ﴿ إذ ﴾ اسماً للزمن الماضي مجرداً عن الظرفية وتجعله بدل اشتمال من ﴿ الخصم ﴾ لما في قوله تعالى: ﴿ واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها ﴾ [مريم: 16]، فالخصم مشتمل على زمن تسورهم المحراب، وخروج ﴿ إذ ﴾ عن الظرفية لا يختص بوقوعها مفعولاً به بل المراد أنه يتصرف فيكون ظرفاً وغير ظرف.

والتسور: تفعل مشتق من السور، وهو الجدار المحيط بمكان أو بلدٍ يقال: تَسوّر، إذا اعتلى على السور، ونظيره قولهم: تسنم جملَهُ، إذا علا سَنامه، وتَذَرأه إذا علا ذروته، وقريب منه في الاشتقاق قولهم: صَاهى، إذا ركب صهوة فرسه.

والمعنى: أن بيت عبادة داود عليه السلام كان محوطاً بسُور لئلا يدخله أحد إلا بإذن من حارس السور.

و ﴿ المحراب ﴾ : البيت المتّخذ للعبادة، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يعملون له ما يشاء من محاريب ﴾ في سورة [سبأ: 13].

و ﴿ إذْ دَخلُوا ﴾ بدل من ﴿ إذْ تَسَوَّرُوا ﴾ لأنهم تسوروا المحراب للدخول على داود.

والفزع: الذُّعر، وهو انفعال يظهر منه اضطراب على صاحبه من توقع شدة أو مفاجأة، وتقدم في قوله: ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ في سورة [الأنبياء: 103].

قال ابن العربي في كتاب «أحكام القرآن»: إن قيل: لِم فَزع داود وقد قويت نفسه بالنبوءة؟

وأجاب بأن الله لم يضمن له العصمة ولا الأمن من القتل وكان يخاف منهما وقد قال الله لموسى ﴿ لا تَخَف ﴾ وقبلَه قيل للوط.

فهم مُؤمَّنون من خوف ما لم يكن قيل لهم إنكم منه معصومون اه.

وحاصل جوابه: أن ذلك قد عرض للأنبياء إذ لم يكونوا معصومين من إصابة الضرّ حتى يؤمّن الله أحدَهم فيطمئن والله لم يؤمن داود فلذلك فزع.

وهو جواب غير تام الإِقناع لأن السؤال تضمن قول السائل وقد قويت نفسه بالنبوءة فجعل السائل انتفاءَ تطرّق الخوف إلى نفوس الأنبياء أصلاً بنى عليه سؤاله، وهو أجاب بانتفاء التأمين فلم يطابق سؤال السائل.

وكان الوجه أن ينفي في الجواب سلامة الأنبياء من تطرق الخوف إليهم.

والأحسن أن نجيب: أولاً: بأن الخوف انفعال جبليّ وضعه الله في أحوال النفوس عند رؤية المكروه فلا تخلو من بوادره نفوس البشر فيعرض لها ذلك الانفعال بادِئ ذي بَدءٍ ثم يطرأ عليه ثبات الشجاعة فتدفعه على النفس ونفوس الناس متفاوتة في دوامه وانقشاعه، فأمَّا إذا أمَّن الله نبيئاً فذلك مقام آخر كقوله لموسى ﴿ لا تخف ﴾ وقوله للنبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ فسيكفيكهم اللَّه ﴾ [البقرة: 137].

وثانياً: بأن الذي حصل لداود عليه السلام فزع وليس بخوف.

والفَزع أعمّ من الخوف إذ هو اضطراب يحصل من الإِحساس بشيء شأنُه أن يتخلص منه وقد جاء في حديث خسوف الشمس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج فَزِعاً، أي مسرعاً مبادراً للصلاة توقّعاً أن يكون ذلك الخسوف نذير عذاب "، ولذلك قال القرآن ﴿ فَفَزِعَ منهم ﴾ ولم يقل: خاف.

وقال في إبراهيم عليه السلام ﴿ فأوجس منهم خِيفَة ﴾ [الذاريات: 28] أي توجُّساً ما لم يبلغ حدّ الخوف.

وأما قول الخصم لداود ﴿ لاَ تَخَف ﴾ فهو قول يقوله القادِم بهيئة غير مألوفة من شأنها أن تريب الناظر.

وثالثاً: أن الأنبياء مأمورون بحفظ حياتهم لأن حياتهم خير للأمة فقد يفزع النبي من توقع خطر خشية أن يكون سبباً في هلاكه فينقطع الانتفاع به لأمته.

وقد جاء في حديث عائشة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أرق ذات ليلة فقال: ليَت رجلاً صالحاً من أصحابي يَحرسنِي الليلةَ إذ سمعنا صوت السلاح فقال: من هذا؟

قال: سَعد بن أبي وقاص جئتُ لأحرسك.

قالت: فنام النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا غطيطه».

وروى الترمذي: أن العباس كان يحرس النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى: ﴿ واللَّه يعصمك من الناس ﴾ [المائدة: 67] فتركت الحراسة.

ومعنى ﴿ بَغَى بعضنا ﴾ اعتدى وظلم.

والبغي: الظلم، والجملة صفة ل ﴿ خَصْمَانِ ﴾ والرابط ضمير ﴿ بعضنا ﴾ ، وجاء ضمير المتكلم ومعه غيره رعياً لمعنى ﴿ خصمان ﴾ .

ولم يبينا الباغي منهما لأن مقام تسكين روع داود يقتضي الإِيجاز بالإِجمال ثم يعقبه التفصيل، ولإِظهار الأدب مع الحاكم فلا يتوليان تعيين الباغي منهما بل يتركانه للحاكم يعيّن الباغي منهما في حكمه حين قال لأحدهما: ﴿ لقد ظلمكَ بسؤاللِ نعجتك إلى نعاجه ﴾ .

والفاء في ﴿ فاحْكم بيننا بالحق ﴾ تفريع على قوله: ﴿ خصمان ﴾ لأن داود عليه السلام لمّا كان مَلِكاً وكان اللذان حضرا عنده خصمين كان طلب الحكم بينهما مفرعاً على ذلك.

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للملابسة، وهي متعلقة ب ﴿ احكم.

﴾ وهذا مجرد طلب منهما للحق كقول الرجل للنبيء صلى الله عليه وسلم الذي افتدى ابنَه ممن زنى بامرأته: فاحكم بيننا بكتاب اللَّه.

والنهي في ﴿ لا تشطط ﴾ مستعمل في التذكير والإِرشاد.

و ﴿ تشطط ﴾ : مضارع أشط، يقال: أشط عليه، إذا جَار عليه، وهو مشتق من الشطط وهو مجاوزة الحد والقدر المتعارف.

ومخاطبة الخصم داود بهذا خارجة مخرج الحرص على إظهار الحق وهو في معنى الذكرى بالواجب فلذلك لا يعدّ مثلها جفاء للحاكم والقاضِي، وهو من قبيل: اتَّق الله في أمري.

وصدوره قبل الحكم أقرب إلى معنى التذكير وأبعد عن الجفاء، فإن وقع بعد الحكم كان أقرب إلى الجفاء كالذي قال للنبيء صلى الله عليه وسلم في قسمة قسمها «اعْدِل، فقال له الرسول: ويلك فمن يعدل إن لم أعدل».

وقد قال علماؤنا في قول الخصم للقاضي: (اتق الله في أمري) إنه لا يعد جفاء للقاضي ولا يجوز للقاضي أن يعاقبه عليه كما يعاقب من أساء إليه.

وأفتى مالك بسجن فتى، فقال أبوه لمالك: اتق الله يا مالك، فوالله ما خُلقت النار باطلاً، فقال مالك: من الباطل ما فعله ابنك.

فهذا فيه زيادة بالتعريض بقوله فوالله ما خلقت النار باطلاً.

وقولهما: ﴿ واهدنا إلى سواء الصراطِ ﴾ يصرف عن إرادة الجفاء من قولهما: ﴿ ولا تُشْطِط ﴾ لأنهما عرفا أنه لا يقول إلا حقاً وأنهما تطلبا منه الهُدى.

والهدى: هنا مستعار للبيان وإيضاح الصواب.

و ﴿ سواء الصراط ﴾ : مستعار للحق الذي لا يشوبه باطل لأن الصراط الطريق الواسع، والسواء منه هو الذي لا التواء فيه ولا شُعب تتشعب منه فهو أسرع إيصالاً إلى المقصود باستوائه وأبعد عن الالتباس بسلامته من التشعب.

ومجموع ﴿ اهدنا إلى سواء الصراط ﴾ تمثيل لحال الحاكم بالعدل بحال المرشد الدال على الطريق الموصلة فهو من التمثيل القابِل تجزئة التشبيه في أجزائه، ويؤخذ من هنا أن حكم القاضي العدل يُحمل على الجري على الحق وأن الحكم يجب أن يكون بالحق شرعاً لأنه هدي فهو والفتيا سواء في أنهما هدي إلا أن الحكم فيه إلزام.

ومعنى ﴿ أكفِلْنِيها ﴾ اجعلها في كفالتي، أي حفظي وهو كناية عن الإِعطاء والهبة، أي هَبْهَا لي.

وجملة ﴿ إنَّ هذا أخِي ﴾ إلى آخرها بيان لجملة ﴿ خصمان بغى بعضنا على بعضٍ ﴾ وظاهر الأخ أنهما أرادا أخوّة النسب.

وقد فرضا أنفسهما أخوين وفرضا الخصومة في معاملات القرابة وعلاقة النسب واستبقاء الصلات، ثم يجوز أن يكون ﴿ أخِي ﴾ بدلاً من اسم الإِشارة.

ويجوز أن يكون خبر ﴿ إنَّ ﴾ وهو أولى لأن فيه زيادة استفظاع اعتدائه عليه.

و ﴿ عَزّني ﴾ غلبني في مخاطبته، أي أظهر في الكلام عزّة عليّ وتطاولاً.

فجَعل الخطاب ظرفاً للعزّة مجازاً لأن الخطاب دل على العزة والغلبة فوقع تنزيل المدلول منزلة المظروف وهو كثير في الاستعمال.

والمعنى: أنه سأله أن يعطيه نعجته، ولمّا رأى منه تمنّعاً اشتدّ عليه بالكلام وهدّده، فأظهر الخصم المتشكي أنه يحافظ على أواصر القرابة فشكاه إلى الملك ليصدّه عن معاملة أخيه معاملة الجفاء والتطاول ليأخذ نعجته عن غير طيب نفس.

وبهذا يتبين أن موضع هذا التحاكم طلب الإِنصاف في معاملة القرابة لئلا يفضي الخلافُ بينهم إلى التواثب فتنقطع أواصر المبرة والرحمة بينهم.

وقد عَلم داود من تساوقهما للخصومة ومن سكوت أحد الخصمين أنهما متقاربان على ما وصفه الحاكي منهما، أو كان المدعَى عليه قد اعترف.

فحكم داود بأن سؤال الأخ أخاه نعجته ظلم لأن السائل في غنى عنها والمسؤول ليس له غيرها فرغبة السائل فيما بيد أخيه من فرط الحرص على المال واجتلاب النفع للنفس بدون اكتراث بنفع الآخر.

وهذا ليس من شأن التحابّ بين الأخوين والإِنصاف منهما فهو ظلم وما كان من الحق أن يسأله ذلك أعطاه أو منعه، ولأنه تطاول عليه في الخطاب ولامه على عدم سماح نفسه بالنعجة، وهذا ظلم أيضاً.

والإِضافة في قوله: ﴿ بسؤال نعجتِكَ ﴾ للتعريف، أي هذا السؤال الخاص المتعلق بنعجة معروفة، أي هذا السؤال بحذافره مشتمل على ظلم، وإضافة سؤال من إضافة المصدر إلى مفعوله.

وتعليق ﴿ إلى نعاجه ﴾ ب«سؤال» تعليق على وجه تضمين «سؤال» معنى الضم، كأنه قيل: بطلب ضم نعجتك إلى نعاجه.

فهذا جواب قولهما: ﴿ فاحكم بيننا بالحق ولا تُشطط ﴾ ثم أعقبه بجواب قولهما: ﴿ واهدنا إلى سواءِ الصراط ﴾ إذ قال: ﴿ وإنَّ كثيراً من الخُلطاءِ ليبغي بعضهم على بعضضٍ إلاَّ الذين ءَامنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ ﴾ المفيد أن بَغْي أحد المتعاشرين على عشيره متفشَ بين الناس غير الصالحين من المؤمنين، وهو كناية عن أمرهما بأن يكونا من المؤمنين الصالحين وأن ما فعله أحدهما ليس من شأن الصالحين.

وذِكر غالب أحوال الخلطاء أراد به الموعظة لهما بعد القضاء بينهما على عادة أهل الخير من انتهاز فرص الهداية فأراد داود عليه السلام أن يرغبهما في إيثار عادة الخلطاء الصالحين وأن يكرّه إليهما الظلم والاعتداء.

ويستفاد من المقام أنه يَأسف لحالهما، وأنه أراد تسلية المظلوم عما جرى عليه من خليطه، وأن له أسوة في أكثر الخلطاء.

وفي تذييل كلامه بقوله: ﴿ وقليلٌ ما هُم ﴾ حثّ لهما أن يكونا من الصالحين لما هو متقرر في النفوس من نفاسة كل شيء قليل، قال تعالى: ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرةُ الخبيث ﴾ [المائدة: 100].

والسبب في ذلك من جانب الحكمة أن الدواعي إلى لذات الدنيا كثيرة والمشي مع الهوى محبوب ومجاهدة النفس عزيزة الوقوع، فالإِنسان محفوف بجواذب السيئات، وأمّا دواعي الحق والكمال فهو الدين والحكمة، وفي أسباب الكمال إعراض عن محركات الشهوات، وهو إعراض عسير لا يسلكه إلا من سما بدينه وهمته إلى الشرف النفساني وأعرض عن الداعي الشهواني، فذلك هو العلة في هذا الحكم بالقلة.

وزيادة ﴿ ما ﴾ بَعد ﴿ قليل ﴾ لقصد الإِبهام كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ جند ما هنالك ﴾ [ص: 11]، وفي هذا الإِبهام إيذان بالتعجب من ذلك بمعونة السياق والمقام كما أفادت زيادتها في قول امرئ القيس: وحديث الركب يوم هُنا *** وحديث مَّا على قِصره معنى التلهف والتشوق.

وقد اختلف المفسرون في ماهية هاذين الخصمين، فقال السديّ والحسن ووهب بن مُنبّه: كانا ملَكَيْن أرسلهما الله في صورة رجلين لداود عليه السلام لإِبلاغ هذا المثل إليه عتاباً له.

ورواه الطبري عن أنس مرفوعاً.

وقيل كانا أخوين شقيقين من بني إسرائيل، أي ألهمهما الله إيقاع هذا الوعظ.

واعلم أن سوق هذا النبأ عقب التنويه بداود عليه السلام ليس إلا تتميماً للتنويه به لدفع مَا قد يُتوهم أنه ينقض ما ذكر من فضائله مما جاء في كتاب «صمويل الثاني» من كتب اليهود في ذكر هذه القصة من أغلاط باطلة تنافي مقام النبوءة فأريد بيان المقدار الصادق منها وتذييله بأن ما صدر عن داود عليه السلام يستوجب العتاب ولا يقتضي العقاب ولذلك ختمت بقوله تعالى: ﴿ وإن له عندنا لزُلفى وحُسن مئابٍ ﴾ [ص: 40].

وبهذا تعلم أن ليس لهذا النبأ تعلق بالمقصد الذي سيق لأجله ذكر داود ومن عطف عليه من الأنبياء.

وهذا النبأ الذي تضمنته الآية يُشير به إلى قصة تزوج داود عليه السلام زوجة (أُوريا الحثّي) من رجال جيشه وكان داود رآها فمال إليها ورام تزوجها فسأله أن يتنازل له عنها وكان في شريعتهم مباحاً أن الرجل يتنازل عن زوجه إلى غيره لصداقة بينهما فيطلقها ويتزوجها الآخر بعد مضيّ عدتها وتحقق براءة رحمها كما كان ذلك في صدر الإِسلام.

وخرج أُوريا في غزو مدينة (رَبة) للعمونيّين وقيل في غزو عَمَّان قصبة البلقاء من فلسطين فقُتل في الحرب وكان اسم المرأة (بثشبع بنت اليعام وهي أم سليمان).

وحكى القرآن القصة اكتفاء بأن نبأ الخصمين يشعر بها لأن العبرة بما أعقبه نبأ الخصمين في نفس داود فعتب الله على داود أن استعمل لنفسه هذا المباح فعاتبه بهذا المثل المشخص، أرسل إليه ملكين نزلا من أعلى سور المحراب في صورة خصمين وقصّا عليه القصة وطلبا حكمه وهديه فحكم بينهما وهداهما بما تقدم تفسيره لتكون تلك الصورة عظة له ويشعر أنه كان الأليق بمقامه أن لا يتناول هذا الزواج وإن كان مباحاً لما فيه من إيثار نفسه بما هو لغيره ولو بوجه مباح لأن الشعور بحسن الفعل أو قبحه قد لا يحصل عليه حين يفعله فإذا رأى أو سمع أن واحداً عمله شعر بوصفه.

ووقع في سفر «صمويل الثاني» من كتب اليهود سوق هذه القصة على الخلاف هذا.

وليس في قول الخصمين: ﴿ هذا أخِي ﴾ ولا في فرضهما الخصومة التي هي غير واقعة ارتكابُ الكذب لأن هذا من الأخبار المخالفة للواقع التي لا يريد المخبِر بها أن يظن المخبَر (بالفتح) وقوعَها إلاّ ريثما يحصل الغرض من العبرة بها ثم ينكشف له باطنها فيعلم أنها لم تقع.

وما يجري في خلالها من الأوصاف والنسب غير الواقعة فإنما هو على سبيل الفرض والتقدير وعلى نية المشابهة.

وفي هذا دليل شرعي على جواز وضع القِصص التمثيلية التي يقصد منها التربية والموعظة ولا يتحمل واضعها جرحة الكذب خلافاً للذين نبزوا الحريري بالكَذب في وضع «المقامات» كما أشار هو إليه في ديباجتها.

وفيها دليل شرعي لجواز تمثيل تلك القصص بالأجسام والذوات إذا لم تخالف الشريعة، ومنه تمثيل الروايات والقصص في ديار التمثيل، فإن ما يجري في شرع من قبلنا يصلح دليلاً لنا في شرعنا إذا حكاه القرآن أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد في شرعنا ما ينسخه.

وأخذ من الآية مشروعية القضاء في المسجد، قالوا: وليس في القرآن ما يدل على ذلك سوى هذه الآية بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه الكتاب أو السنة.

وقد حكيت هذه القصة في سفر «صمويل الثاني» في الإِصحاح الحادي عشر على خلاف ما في القرآن وعلى خلاف ما تقتضيه العصمة لنبوءة داود عليه السلام فاحذروه.

والذي في القرآن هو الحق، والمنتظم مع المعتاد وهو المهيمن عليه، ولو حكي ذلك بخبر آحاد في المسلمين لوجب ردُّه والجزم بوضعه لمعارضته المقطوع به من عصمة الأنبياء من الكبائر عند جميع أهل السنة ومن الصغائر عند المحققين منهم وهو المختار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ ﴾ والخَصْمُ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ.

﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ ﴾ ومَعْنى تَسَوَّرُوا أنَّهم أتَوْهُ مِن أعْلى سُورَةٍ وفي المِحْرابِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ صَدْرُ المَجْلِسِ، ومِنهُ مِحْرابُ المَسْجِدِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: مَجْلِسُ الأشْرافِ الَّذِي يُتَحارَبُ عَلَيْهِ لِشَرَفِ صاحِبِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَسْجِدُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الغُرْفَةُ لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ فِيها.

﴿ إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهُمْ ﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ ما حَكاهُ ابْنُ عِيسى: إنَّ داوُدَ حَدَّثَ نَفْسَهُ إنِ ابْتُلِيَ أنْ يَعْتَصِمَ، فَقِيلَ لَهُ إنَّكَ سَتُبْتَلى وتَعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي تُبْتَلى فِيهِ فَخُذْ حِذْرَكَ، فَأخَذَ الزَّبُورَ ودَخَلَ المِحْرابَ ومَنَعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، فَبَيْنَما هو يَقْرَأُ الزَّبُورَ إذْ جاءَ طائِرٌ كَأحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ فَجَعَلَ يَدْرُجُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَمَّ أنْ يَسْتَدْرِجَهُ بِيَدِهِ فاسْتُدْرِجَ حَتّى وقَعَ في كُوَّةِ المِحْرابِ فَدَنا مِنهُ لِيَأْخُذَهُ فانْتَفَضَ فاطَّلَعَ لِيَنْظُرَهُ فَأشْرَفَ عَلى امْرَأةٍ تَغْتَسِلُ فَلَمّا رَأتْهُ غَطَّتْ جَسَدَها بِشَعْرِها، قالَ السُّدِّيُّ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وكانَ زَوْجُها غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَ مُقاتِلٌ وهو أُورِيا بْنُ حَنانٍ، فَكَتَبَ داوُدُ إلى أمِيرِ الغَزاةِ أنْ يَجْعَلَ زَوْجَها في حَمَلَةِ التّابُوتِ، وكانَ حَمْلَةُ التّابُوتِ إمّا أنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أوْ يُقْتَلُوا، فَقَدَّمَهُ فِيهِمْ فَقُتِلَ، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبَها داوُدُ فاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ إنْ ولَدَتْ غُلامًا أنْ يَكُونَ الخَلِيفَةَ بَعْدَهُ، وكَتَبَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتابًا وأشْهَدَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَلَمْ يَشْعُرْ بِفِتْنَتِها حَتّى ولَدَتْ سُلَيْمانَ وشَبَّ وتَسَوَّرَ عَلَيْهِ المَلِكانِ وكانَ مِن شَأْنِهِما ما قَصَّهُ اللَّهُ في كِتابِهِ.

وَفي فَزَعِهِ مِنهُما قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهم تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ مِن غَيْرِ بابٍ.

الثّانِي: لِأنَّهم أتَوْهُ في غَيْرِ وقْتِ جُلُوسِهِ لِلنَّظَرِ.

﴿ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ﴾ وكانا مَلَكَيْنِ ولَمْ يَكُونا خَصْمَيْنِ ولا باغِيَيْنِ، ولا يَأْتِي مِنهُما كَذِبُ، وتَقْدِيرُ كَلامِهِما: ما تَقُولُ إنْ أتاكَ خَصْمانِ وقالا بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ.

وَثَنّى بَعْضَهم هُنا وجَمَعَهُ في الأوَّلِ حَيْثُ قالَ: ﴿ وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ ﴾ لِأنَّ جُمْلَتَهم جُمِعَتْ، وهم فَرِيقانِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما خَصْمٌ.

﴿ فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ.

﴿ وَلا تُشْطِطْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تُمِلْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لا تُجِرْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: لا تُسْرِفْ، قالَهُ الأخْفَشُ.

وَفي أصْلِ الشَّطَطِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ البُعْدُ مِن قَوْلِهِمْ شَطَطِ الدّارُ إذا بَعُدَتْ، قالَ الشّاعِرُ: تُشْطِطْ غَدًا دارُ جِيرانِنا والدّارُ بَعْدَ غَدٍ أبْعَدُ الثّانِي: الإفْراطُ.

قالَ الشّاعِرُ: ألا يالِقَوْمِي قَدِ اشَطَّتْ عَواذِلِي ∗∗∗ وزَعَمْنَ أنْ أوْدى بِحَقِّي باطِلِي ﴿ واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أرْشِدْنا إلى قَصْدِ الحَقِّ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: إلى عَدْلِ القَضاءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ إنَّ هَذا أخِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي عَلى دِينِي، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: يَعْنِي صاحِبِي، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ تِسْعًا وتِسْعِينَ امْرَأةً، فَكَنّى عَنْهُنَّ، بِالنِّعاجِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قالَ قُطْرُبٌ: النَّعْجَةُ هي المَرْأةُ الجَمِيلَةُ اللَّيِّنَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ النِّعاجَ لِيَضْرِبَها مَثَلًا لِداوُدَ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ فَقالَ أكْفِلْنِيها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ضُمَّها إلَيَّ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: أعْطِنِيها، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: تَحَوَّلْ لِي عَنْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ.

﴿ وَعَزَّنِي في الخِطابِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أيْ قَهَرَنِي في الخُصُومَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: غَلَبَنِي عَلى حَقِّي، مِن قَوْلِهِمْ مَن عَزِيزٌ أيْ مَن غَلَبَ سَلَبَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: مَعْناهُ إنْ تَكَلَّمَ كانَ أبْيَنَ، وإنْ بَطَشَ كانَ أشَدَّ مِنِّي، وإنْ دَعا كانَ أكْثَرَ مِنِّي، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ ﴾ فَإنْ قِيلَ فَكَيْفَ يَحْكُمُ لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ عَلى الآخِرِ بِدَعْواهُ؟

فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ الآخَرَ قَدْ كانَ أقَرَّ بِذَلِكَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإقْرارِهِ، فَحُذِفَ اكْتِفاءً بِفَهْمِ السّامِعِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ.

﴿ وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الأصْحابُ.

الثّانِي: الشُّرَكاءُ.

﴿ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ﴾ أيْ يَتَعَدّى.

﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ تَقْدِيرُهُ فَلا يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَحُذِفَ اكْتِفاءً بِفَهْمِ السّامِعِ.

﴿ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وقَلِيلٌ ما فِيهِ مَن يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: وقَلِيلٌ مَن لا يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي ﴿ ما ﴾ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها فَضْلَةٌ زائِدَةٌ تَقْدِيرُهُ: وقَلِيلٌ هم.

الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الَّذِي: تَقْدِيرُهُ: وقَلِيلٌ الَّذِينَ هم كَذَلِكَ.

﴿ وَظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ ﴾ قالَ قَتادَةُ أيْ عَلِمَ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: اخْتَبَرْناهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ابْتَلَيْناهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: شَدَّدْنا عَلَيْهِ في التَّعَبُّدِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ﴾ مِن ذَنْبِهِ.

قالَ قَتادَةُ: قَضى نَبِيُّ اللَّهِ عَلى نَفْسِهِ ولَمْ يَفْطَنْ لِذَلِكَ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ الذَّنْبُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ.

واخْتُلِفَ في الذَّنْبِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سَمِعَ مِن أحَدِ الخَصْمَيْنِ وحَكَمَ لَهُ قَبْلَ سَماعِهِ مِنَ الآخَرِ.

الثّانِي: هو أنْ وقَعَتْ عَيْنُهُ عَلى امْرَأةِ أُورْيا بْنِ حَنانٍ واسْمُها الِيشَعُ وهي تَغْتَسِلُ فَأشْبَعَ نَظَرَهُ مِنها حَتّى عَلِقَتْ بِقَلْبِهِ.

الثّالِثُ: هو ما نَواهُ إنْ قُتِلَ زَوْجُها تَزَوَّجَ بِها وأحْسَنَ الخِلافَةَ عَلَيْها، قالَهُ الحَسَنُ.

وَحَكى السُّدِّيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ قالَ: لَوْ سَمِعْتُ رَجُلًا يَذْكُرُ أنَّ داوُدَ قارَفَ مِن تِلْكَ المَرْأةِ مُحَرَّمًا لَجَلَدْتُهُ سِتِّينَ ومِائَةً لِأنَّ حَدَّ النّاسِ ثَمانُونَ وحَدَّ الأنْبِياءِ سِتُّونَ ومِائَةٌ، حَدّانِ.

﴿ وَخَرَّ راكِعًا وأنابَ ﴾ أيْ خَرَّ ساجِدًا وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ السُّجُودِ بِالرُّكُوعِ، قالَ الشّاعِرُ: فَخَرَّ عَلى وجْهِهِ راكِعًا ∗∗∗ وتابَ إلى اللَّهِ مِن كُلِّ ذَنْبٍ قالَ مُجاهِدٌ: مَكَثَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ساجِدًا لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتّى نَبَتَ المَرْعى مِن دُمُوعِ عَيْنِهِ فَغَطّى رَأْسَهُ إلى أنْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أيْ مَرْجِعٌ.

في الزُّلْفى وجْهانِ: أحَدُهُما: الكَرامَةُ، وهو المَشْهُورُ.

الثّانِي: الرَّحْمَةُ قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَرَفَعَ رَأْسُهِ وقَدْ قَرِحَ جَبِينُهُ.

واخْتُلِفَ في هَذِهِ السَّجْدَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها سَجْدَةُ عَزِيمَةٍ تُسْجَدُ عِنْدَ تِلاوَتِها في الصَّلاةِ وغَيْرِ الصَّلاةِ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.

الثّانِي: أنَّها سَجْدَةُ شُكْرٍ لا يُسْجَدُ عِنْدَ تِلاوَتِها لا في الصَّلاةِ، ولا في غَيْرِ الصَّلاةِ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.

قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَمَكَثَ داوُدُ حِينًا لا يَشْرَبُ ماءً إلّا مَزَجَهُ بِدُمُوعِهِ، ولا يَأْكُلُ طَعامًا إلّا بَلَّهُ بِدُمُوعِهِ، ولا يَنامُ عَلى فِراشٍ إلّا غَرَّقَهُ بِدُمُوعِهِ.

وَحُكِيَ عَنْ داوُدَ أنَّهُ كانَ يَدْعُو عَلى الخَطّائِينَ فَلَمّا أصابَ الخَطِيئَةَ كانَ لا يَمُرُّ بِوادٍ إلّا قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْخاطِئِينَ لَعَلَّكَ تَغْفِرُ لِي مَعَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن داود عليه السلام حدث نفسه إن ابتلي أن يعتصم، فقيل له إنك ستبتلى وستعلم اليوم الذي تبتلى فيه، فخذ حذرك فقيل له: هذا اليوم الذي تبتلى فيه، فأخذ الزبور، ودخل المحراب، وأغلق باب المحراب، وأدخل الزبور في حجره، وأقعد منصفاً على الباب، وقال لا تأذن لأحد عليّ اليوم.

فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مذهب كأحسن ما يكون للطير، فيه من كل لون، فجعل يدرج بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه، فطار فوقه على كوّة المحراب، فدنا منه ليأخذه، فطار فأشرف عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله حركت رأسها، فغطت جسدها أجمع بشعرها، وكان زوجها غازياً في سبيل الله، فكتب داود عليه السلام إلى رأس الغزاة.

انظر فاجعله في حملة التابوت، أما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا.

فقدمه في حملة التابوت فقتل.

فلما انقضت عدتها خطبها داود عليه السلام، فاشترطت عليه أن ولدت غلاماً أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمساً من بني إسرائيل، وكتبت عليه بذلك كتاباً، فأشعر بنفسه أنه كتب حتى ولدت سليمان عليه الصلاة والسلام وشب، فتسوّر عليه الملكان المحراب، فكان شأنهما ما قص الله تعالى في كتابه، وخر داود عليه السلام ساجداً، فغفر الله له، وتاب عليه.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما أصابه القدر إلا من عجب عجب بنفسه.

وذلك أنه قال يا رب ما من ساعة من ليل ونهار إلا وعابد من بني إسرائيل يعبدك، يصلي لك، أو يسبح، أو يكبر، وذكر أشياء، فكره الله ذلك فقال: يا داود إن ذلك لم يكن إلا بي، فلولا عوني ما قويت عليه؛ وجلالي لآكِلُكَ إلى نفسك يوماً.

قال: يا رب فاخبرني به، فأصابته الفتنة ذلك اليوم.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن داود عليه السلام حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل، وأوصى صاحب الجيش فقال: إذا حضر العدو تضرب فلاناً بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل، أو ينهزم منه الجيش.

فقتل وتزوّج المرأة، ونزل الملكان على داود عليه السلام، فسجد فمكث أربعين ليلة ساجداً حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، فأكلت الأرض جبينه وهو يقول في سجوده: رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب.

رب إن لم ترحم ضعف داود، وتغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثاً في المخلوق من بعده.

فجاء جبريل عليه السلام من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود إن الله قد غفر لك، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال: يا رب دمي الذي عند داود؟

قال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك، فإن شئت لأفعلن فقال: نعم.

ففرح جبريل، وسجد داود عليه السلام، فمكث ما شاء الله، ثم نزل فقال: قد سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه.

فقال: قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول: هب لي دمك الذي عند داود فيقول: هو لك يا رب فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت، وما اشتهيت عوضاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال: لما أصاب داود عليه السلام الخطيئة، وإنما كانت خطيئته، أنه لما أبصرها أمر بها فعزلها فلم يقربها، فأتاه الخصمان، فتسورا في المحراب، فلما أبصرهما قام إليهما فقال: أخرجا عني ما جاء بكما إليَّ فقالا: إنما نكلمك بكلام يسير ﴿ إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ﴾ وأنا ﴿ لي نعجة واحدة ﴾ وهو يريد أن يأخذها مني فقال داود عليه السلام: والله أنا أحق أن ينشر منه من لدن هذه إلى هذه.

يعني من أنفه إلى صدره فقال رجل: هذا داود فعله فعرف داود عليه السلام إنما عني بذلك، وعرف ذنبه، فخر ساجداً لله عز وجل أربعين يوماً، وأربعين ليلة، وكانت خطيئته مكتوبة في يده، ينظر إليها لكي لا يغفل حتى نبت البقل حوله من دموعه، ما غطى رأسه، فنودي أجائع فتطعم، أم عار فتكسى، أم مظلوم فتنصر، قال: فنحب نحبة هاج ما يليه من البقل حين لم يذكر ذنبه، فعند ذلك غفر له، فإذا كان يوم القيامة قال له ربه: «كن امامي فيقول أي رب ذنبي ذنبي...

فيقول الله: كن خلفي فيقول له: خذ بقدمي فيأخذ بقدمه» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب ﴾ قال: إن داود عليه السلام قال: يا رب قد أعطيت إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، من الذكر ما لو وددت أنك أعطيتني مثله.

قال: الله عز وجل «إني ابتليتهم بما لم ابتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم» قال: نعم.

قال له: فاعمل حتى أرى بلاءك.

فكان ما شاء الله أن يكون، وطال ذلك عليه، فكاد أن ينساه، فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن يأخذها، فطارت على كوة المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت فاطلع من الكوة، فرأى امرأة تغتسل، فنزل من المحراب فذهب ليأخذها، فأرسل إليها، فجاءته فسألها عن زوجها، وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السرية أن يؤمره على السرايا ليهلك زوجها، ففعل فكان يصاب أصحابه وينجو، وربما نصروا.

وإن الله عز وجل لما رأى الذي وقع فيه داود عليه السلام أراد أن ينفذ أمره، فبينما داود عليه السلام ذات يوم في محرابه، إذ تسور عليه الملكان من قبل وجهه، فلما رآهما وهو يقرأ، فزع وسكت وقال: لقد استضعفت في ملكي، حتى أن الناس يتسوّرون على محرابي فقالا له ﴿ لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض ﴾ ولم يكن لنا بد من أن نأتيك، فاسمع منا فقال أحدهما ﴿ إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ﴾ يريد أن يتم مائة، ويتركني ليس لي شيء ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ قال: إن دعوت ودعا كان أكثر مني، وإن بطشت وبطش كان أشد مني.

فذلك قوله: ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ قال له داود عليه السلام: أنت كنت أحوج إلى نعجتك منه ﴿ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ﴾ إلى قوله: ﴿ وقليل ما هم ﴾ ونسي نفسه صلى الله عليه وسلم، فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال، فتبسم أحدهما إلى الآخر، فراه داود عليه السلام، فظن إنما فتن ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ﴾ أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من دموع عينيه، ثم شدد الله ملكه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أن داود عليه السلام جزأ الدهر أربعة أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً للعبادة، ويوماً للقضاء بين بني إسرائيل، ويوماً لبني إسرائيل.

ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإِنسان يوم لا يصيب فيه ذنباً؟

فاضمر داود عليه السلام في نفسه أنه سيطيق ذلك، فلما كان في يوم عبادته غلق أبوابه، وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة.

فبينما هو يقرأها إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فاهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير مرتبتها، فما زال يتبعها حتى أشرف على امرأة تغتسل، فاعجبه حسنها وخلقها، فلما رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاد ذلك أيضاً بها اعجاباً، وكان قد بعث زوجها على بعض بعوثه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا...

مكان إذا سار إليه قتل ولم يرجع، ففعل، فاصيب، فخطبها داود عليه السلام، فتزوجها.

فبينما هو في المحراب، إذ تسور الملكان عليه، وكان الخصمان إنما يأتونه من باب المحراب، ففزع منهم حين تسوّروا المحراب فقالوا: ﴿ لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ﴾ أي لا تمل ﴿ واهدنا إلى سواء الصراط ﴾ أي أعدله، وخيره ﴿ إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ﴾ يعني تسعاً وتسعين امرأة لداود، وللرجل نعجة واحدة فقال: ﴿ أكفلْنيها وعزني في الخطاب ﴾ أي قهرني وظلمني ﴿ قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب ﴾ قال: سجد أربعين ليلة حتى أوحى الله إليه: أني قد غفرت لك.

قال: رب كيف تغفر لي وأنت حكم عدل لا تظلم أحداً؟

قال: «إني أقضيك له، ثم استوهبه دمك، ثم أثيبه من الجنة حتى يرضى» قال: الآن طابت نفسي، وعلمت أن قد غفرت لي.

قال الله تعالى ﴿ فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لَزُلْفى وحسن مآب ﴾ .

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهل أتاك نبأ الخصم ﴾ فجلسا فقال لهما قضاء فقال أحدهما إلى الآخر ﴿ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب ﴾ فعجب داود عليه السلام، وقال: ﴿ لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ﴾ فاغلظ له أحدهما وارتفع.

فعرف داود إنما ذلك بذنبه، فسجد فكان أربعين يوماً وليلة لا يرفع رأسه إلا إلى صلاة الفريضة حتى يبست، وقرحت جبهته، وقرحت كفاه وركبتاه، فاتاه ملك فقال: يا داود إني رسول ربك إليك، وإنه يقول لك ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال: يا رب كيف وأنت حكم عدل كيف تغفر لي ظلامة الرجل؟

فترك ما شاء الله، ثم أتاه ملك آخر فقال: يا داود إني رسول ربك إليك، وإنه يقول لك، إنك تأتيني يوم القيامة وابن صوريا تختصمان إليّ، فأقضي له عليك، ثم أسألها إياه فيهبها لي، ثم أعطيه من الجنة حتى يرضى.

وأخرج ابن جرير والحاكم عن السدي قال: إن داود عليه السلام قد قسم الدهر ثلاثة أيام: يوماً يقضي فيه بين الناس، ويوماً يخلو فيه لعبادة ربه، ويوماً يخلو فيه بنسائه، وكان له تسع وتسعون امرأة، وكان فيما يقرأ من الكتب قال: يا رب أرى الخير قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي.

فاعطني مثل ما أعطيتهم، وافعل بي مثل ما فعلت بهم، فأوحى الله إليه «إن آباءك قد ابتلوا ببلايا لم تبتل بها.

ابتلى إبراهيم بذبح ولده، وابتلى إسحاق بذهاب بصره، وابتلى يعقوب بحزنه على يوسف، وإنك لم تبتل بشيء من ذلك.

قال: رب ابتلني بما ابتليتهم به، واعطني مثل ما أعطيتهم، فأوحى الله إليه: إنك مبتلي فاحترس.

فمكث بعد ذلك ما شاء الله تعالى أن يمكث، إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة حتى وقع عند رجليه، وهو قائم يصلي، فمدَّ يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتى وقع في كوّة، فذهب ليأخذه، فطار من الكوّة، فنظر أين يقع، فبعث في أثره، فابصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقاً، فحانت منها التفاتة فابصرته، فالتَفَّتْ بشعرها فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة، فسأل عنها، فاخبر أن لها زوجاً غائباً بمسلحة كذا وكذا.

فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره.

أن يبعث إلى عدوّ كذا وكذا...

فبعثه ففتح له أيضاً، فكتب إلى داود عليه السلام بذلك، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا...

فبعثه فقتل في المرة الثالثة، وتزوّج امرأته.

فلما دخلت عليه لم يلبث إلا يسيراً حتى بعث الله له ملكين في صورة انسيين، فطلبا أن يدخلا عليه، فتسورا عليه الحراب، فما شعر وهو يصلي إذ هما بين يديه جالسين، ففزع منهما فقالا ﴿ لا تخف ﴾ إنما نحن ﴿ خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ﴾ يقول: لا تخف ﴿ واهدنا إلى سواء الصراط ﴾ إلى عدل القضاء فقال: قصا عليَّ قصتكما فقال أحدهما ﴿ إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ﴾ قال الآخر: وأنا أريد أن آخذها فاكمل بها نعاجي مائة قال وهو كاره قال إذاً لا ندعك وذاك قال: يا أخي أنت على ذلك بقادر قال: فإن ذهبت تروم ذلك ضربنا منك هذا وهذا.

يعني طرف الأنف والجبهة.

قال: يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا.

حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لاوريا إلا امرأة واحدة، فلم تزل تعرضه للقتل حتى قتلته.

وتزوجت امرأته، فنظر فلم ير شيئاً، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتلى به ﴿ فخر ساجداً ﴾ فبكى، فمكث يبكي أربعين يوماً، لا يرفع رأسه إلا لحاجة، ثم يقع ساجداً يبكي، ثم يدعو حتى نبت العشب من دموع عينيه، فأوحى الله إليه بعد أربعين يوماً يا داود ارفع رأسك قد غفر لك قال: يا رب كيف أعلم أنك قد غفرت لي، وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء؟

إذا جاء يوم القيامة أخذ رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دماً فيّ يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني، فأوحى الله إليه: إذا كان ذلك دعوت أوريا، فاستوهبك منه، فيهبك لي، فاثيبه بذلك الجنة» قال: رب الآن علمت أنك غفرت لي، فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه حتى قبض صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه، نحوه.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إذ تسوّروا المحراب ﴾ قال: المسجد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي الأحوص قال: دخل الخصمان على داود عليه السلام، وكل واحد منهما آخذ برأس صاحبه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ففزع منهم ﴾ قال: كان الخصوم يدخلون من الباب، ففزع من تسوّرهما.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولا تشطط ﴾ أي لا تمل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن هذا أخي ﴾ قال: على ديني.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما زاد داود عليه السلام على أن قال: ﴿ أكفلنيها ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فقال أكفلنيها ﴾ قال: فما زال داود عليه السلام على أن قال: تحوّل لي عنها.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما زاد داود عليه السلام على أن قال: انزل لي عنها.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أكفلنيها ﴾ قال: أعطنيها، طلقها لي أنكحها وخل سبيلها ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ قال: قهرني ذلك العز الكلام والخطاب.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ أكفلنيها ﴾ قال: أعطنيها ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ قال: إذا تكلم كان أبلغ مني، وإذا دعا كان أكثر قال أحد الملكين: ما جزاؤه؟

قال: يضرب هاهنا وههنا وههنا.

ووضع يده على جبهته، ثم على أنفه، ثم تحت الأنف، قال: ترى ذلك جزاءه.

فلم يزل يردد ذلك عليه حتى علم أنه ملك، وخرج الملك، فخر داود ساجداً قال: ذكر أنه لم يرفع رأسه أربعين صباحاً يبكي، حتى أعشب الدموع ما حول رأسه حتى إذا مضى أربعون صباحاً، زفر زفرة هاج ما حول رأسه من ذلك العشب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وقليل ما هم ﴾ يقول: قليل الذين هم فيه.

وفي قوله: ﴿ إنما فتناه ﴾ قال: اختبرناه.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وظن داود ﴾ قال علم داود.

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وظن داود أنما فتناه ﴾ قال: ظن إنما ابتلي بذلك.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: إنما كان فتنة داود عليه السلام النظر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخر راكعاً ﴾ قال: ساجداً.

وأخرج عبد بن حميد عن كعب رضي الله عنه قال: سجد داود نبي الله أربعين يوماً، وأربعين ليلة لا يرفع رأسه حتى رقأ دمعه ويبس، وكان من آخر دعائه وهو ساجد أن قال: يا رب رزقتني العافية فسألتك البلاء، فلما ابتليتني لم أصبر، فإن تعذبني فأنا أهل ذاك، وإن تغفر لي فانت أهل ذاك.

قال: وإذا جبريل عليه السلام قائم على رأسه، قال: يا داود إن الله قد غفر لك، فارفع رأسك، فلم يلتفت إليه، وناجى ربه وهو ساجد فقال: يا رب كيف تغفر لي وأنت الحكم العدل؟

قال: «إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا، ثم استوهبك منه، فيهبك لي، وأثيبه الجنة قال: يا رب الآن علمت أنك قد غفرت لي، فذهب يرفع رأسه، فإذا هو يابس لا يستطيع، فمسحه جبريل عليه السلام ببعض ريشه فانبسط، فأوحى الله تعالى إليه بعد ذلك: يا داود قد أحللت لك امرأة أوريا، فتزوجها فولدت له سليمان عليه الصلاة والسلام.

لم تلد قبله ولا بعده» قال كعب رضي الله عنه: فوالله لقد كان داود بعد ذلك يظل صائماً اليوم الحار، فيقرب الشراب إلى فيه، فيذكر خطيئته، فينزل دمعه في الشراب حتى يفيضه، ثم يرده ولا يشربه.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد عن يونس بن خباب رضي الله عنه أن داود عليه السلام بكى أربعين ليلة، حتى نبت العشب حوله من دموعه، ثم قال: يا رب قرح الجبين، ورقا الدمع، وخطيئتي عليَّ كما هي، فنودي: أن يا داود أجائع فتطعم، أم ظمآن فتسقى، أم مظلوم فتنصر، فنحب نحبة هاج ما هنالك من الخضرة، فغفر له عند ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبيد بن عمير الليثي رضي الله عنه، أن داود عليه السلام سجد حتى نبت ما حوله خضراً من دموعه، فأوحى الله إليه: أن يا داود سجدت أتريد أن أزيدك في ملكك، وولدك، وعمرك؟

فقال: يا رب أبهذا ترد عليَّ؟

أريد أن تغفر لي.

وأخرج أحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن الأوزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل عيني داود كالقربتين ينطفان ماء، ولقد خددت الدموع في وجهه خديد الماء في الأرض» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد من طريق عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي قال: ما رفع داود عليه السلام رأسه إلى السماء بعد الخطيئة حتى مات.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد عن صفوان بن محرز قال: كان لداود عليه السلام يوم يتأوّه فيه يقول: أوه من عذاب الله، أوه من عذاب الله، أوه من عذاب الله، قيل لا أوه.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أوحى الله إلى داود عليه السلام: ارفع رأسك فقد غفرت لك فقال: يا رب كيف تكون هذه المغفرة وأنت قضاء بالحق، ولست بظلام للعبيد؟

ورجل ظلمته، غصبته، قتلته، فأوحى الله تعالى إليه: بلى يا داود إنكما تجتمعان عندي، فاقضي له عليك، فإذا برز الحق عليك أستوهبك منه، فوهبك لي وأرضيته من قبلي، وأدخلته الجنة، فرفع داود رأسه، وطابت نفسه، وقال: نعم.

يا رب هكذا تكون المغفرة» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير عن مجاهد قال: لما أصاب داود الخطيئة ﴿ خر ساجداً ﴾ أربعين ليلة، حتى نبت من دموع عينيه من البقل ما غطى رأسه، ثم نادى رب قرح الجبين، وجمدت العين، وداود لم يرجع إليه في خطيئته شيء.

فنودي أجائع فَتُطعَم؟

أم مريض فتشفى؟

أم مظلوم فتنصر؟

فنحب نحباً هاج منه نبت الوادي كله، فعند ذلك غفر له، وكان يؤتى بالاناء، فيشرب فيذكر خطيئته، فينتحب فتكاد مفاصله تزول بعضها من بعض، فما يشرب بعض الاناء حتى يمتلئ من دموعه، وكان يقال دمعة داود عليه السلام تعدل دمعة الخلائق، ودمعة آدم عليه السلام تعدل دمعة داود ودمعة الخلائق، فيجيء يوم القيامة مكتوبة بكفه يقرأها يقول: ذنبي ذنبي..

فيقول رب قدمني، فيتقدم فلا يأمن، ويتأخر فلا يأمن، حتى يقول تبارك وتعالى: خذ بقدمي.

وأخرج أحمد في الزهد عن علقمة بن يزيد قال: لو عدل بكاء أهل الأرض ببكاء داود ما عدله، ولو عدل بكاء داود وبكاء أهل الأرض ببكاء آدم عليه السلام حين أهبط إلى الأرض ما عدله.

وأخرج أحمد عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، أن داود عليه السلام كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء، قبل تحريق العظام، واشتعال اللحى، وقبل أن يؤمر بي ﴿ ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [ التحريم: 6] .

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن جرير عن عطاء الخراساني أن داود عليه السلام نقش خطيئته في كفه لكيلا ينساها، وكان إذا رآها اضطربت يداه.

وأخرج عن مجاهد قال: يحشر داود عليه السلام.

سبحانك إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت عليَّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إليَّ روحي، سبحانك إلهي!

فكلهم رآني عليل بذنبي.

وأخرج أحمد عن ثابت قال: اتخذ داود عليه السلام سبع حشايا من سعد، وحشاهن من الرماد، ثم بكى حتى أنفذها دموعاً، ولم يشرب شراباً إلا مزجه بدموع عينيه.

وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال: بكى داود عليه السلام حتى خددت الدموع في وجهه، واعتزل النساء، وبكى حتى رعش.

وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: إذا خرج داود عليه السلام من قبره، فرأى الأرض ناراً، وضع يده على رأسه وقال: خطيئتي اليوم موبقتي.

وأخرج عن عبد الرحمن بن جبير، أن داود عليه السلام كان يقول: اللهم ما كتبت في هذا اليوم من مصيبة، فخلصني منها ثلاث مرات، وما أنزلت في هذا اليوم من خير، فائتني منه نصيباً ثلاث مرات، وإذا أمسى قال مثل ذلك، فلم ير بعد ذلك مكروهاً.

وأخرج أحمد عن معمر؛ أن داود عليه السلام لما أصاب الذنب قال: رب كنت أبغض الخطائين، فانا اليوم أحب أن تغفر لهم.

وأخرج عبد الله ابنه والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سعيد بن أبي هلال.

أن داود عليه السلام كان يعوده الناس، وما يظنون إلا أنه مريض، وما به إلا شدة الفرق من الله سبحانه وتعالى.

وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: كان داود عليه السلام إذا أفطر استقبل القبلة.

وقال: اللهم خلصني من كل مصيبة نزلت من السماء ثلاثاً، وإذا طلع حاجب الشمس قال: اللهم اجعل لي سهماً في كل حسنة نزلت الليلة من السماء إلى الأرض ثلاثاً.

وأخرج أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه قال: في السجود في ﴿ ص ﴾ ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها.

وأخرج النسائي وابن مردويه بسند جيد عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ﴿ ص ﴾ وقال: سجدها داود، ونسجدها شكراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري عن العوام قال: سألت مجاهداً عن سجدة ﴿ ص ﴾ فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟

فقال: أو ما تقرأ ﴿ ومن ذريته داود وسليمان ﴾ [ الأنعام: 84] إلى قوله: ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ [ الأنعام: 90] فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدي به، فسجد بها داود عليه السلام، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن «قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسجد في ﴿ ص ﴾ حتى نزلت ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ [ الأنعام: 90] فسجد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج الترمذي وابن ماجة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت في هذه الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي عند شجرة، وكأني قرأت سورة السجدة، فسجدت فرأيت الشجرة سجدت بسجودي، وكأني أسمعها وهي تقول اللهم اكتب لي بها عندك ذكراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها إليّ عندك ذخراً، وأعظم بها أجراً، وتقبل مني كما تقبلت من عبدك داود.

قال ابن عباس فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم السجدة، فسمعته يقول في سجوده كما أخبر الرجل عن قول الشجرة.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ﴿ ص ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن السائب بن يزيد قال: صليت خلف عمر الفجر فقرأ بنا سورة ﴿ ص ﴾ فسجد فيها، فلما قضى الصلاة قال له رجل: يا أمير المؤمنين ومن عزائم السجود هذه؟

فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها.

أخرج ابن مردويه عن أنس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في ﴿ ص ﴾ .

وأخرج الدارمي وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ﴿ ص ﴾ فلما بلغ السجدة، نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان آخر يوم قرأها، فلما بلغ السجدة تهيأ الناس للسجود فقال: إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود، فنزل فسجد» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة ﴿ ص ﴾ وهو على المنبر، فلما أتى على السجدة قرأها، ثم نزل فسجد» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير، أن عمر بن الخطاب كان يسجد في ﴿ ص ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: في ﴿ ص ﴾ سجدة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن مسعود، أنه كان لا يسجد في ﴿ ص ﴾ ويقول: إنما هي توبة نبي ذكرت.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال: كان بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسجد في ﴿ ص ﴾ وبعضهم لا يسجد، فأي ذلك شئت فافعل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مريم قال: لما قدم عمر الشام أتى محراب داود عليه السلام، فصلى فيه، فقرأ سورة ﴿ ص ﴾ فلما انتهى إلى السجدة سجد.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد، أنه رأى رؤيا أنه يكتب ﴿ ص ﴾ فلما انتهى إلى التي يسجد بها، رأى الدواة، والقلم، وكل شيء بحضرته انقلب ساجداً، فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يسجد بها بعد.

وأخرج أبو يعلى عن أبي سعيد قال: «رأيت فيما يرى النائم كأني تحت شجرة، وكأن الشجرة تقرأ ﴿ ص ﴾ فلما أتت على السجدة، سجدت فقالت في سجودها: اللهم اغفر لي بها، اللهم حط عني بها وزراً، واحدث لي بها شكراً، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته فقال سجدت أنت يا أبا سعيد؟

فقلت: لا فقال: أنت أحق بالسجود من الشجرة، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ص ﴾ ثم أتى على السجدة، وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها» .

وأخرج الطبراني والخطيب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السجدة التي في ﴿ ص ﴾ سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكراً» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في سفره وهو يقرأ ﴿ ص ﴾ فسجد فيها.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب ﴾ جاءت هذه القصة بلفظ الاستفهام؛ تنبيهاً للمخاطب ودلالة على أنها من الأخبار العجيبة، التي ينبغي أن يلقى البال لها، والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، كقولك: عدل وزور، واتفق الناس على أن هؤلاء الخصم كانوا ملائكة، ورُوي أنهما جبريل وميكائيل بعثهما الله، ليضرب بهما المثل لداود في نازلة وقع هو في مثلها، فأفتى بفتيا هي واقعة عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد أناب واستغفر، وسنذكر القصة بعد هذا، ومعنى تسوّروا المحراب علَوْا على سوره ودخلوه، والمحراب: الموضع الأرفع من القصر أو المسجد وهو موضع التعبد، ويحتمل أن يكون المتسوّر المحراب اثنين فقط، لأن نفس الخصومة إنما كانت بين اثنين فقط، فتجيء الضمائر في تسّوروا، ودخلوا، وفزع منهم: على وجه التجوز، والعبارة عن الاثنين بلفظ الجماعة، وذلك جائز على مذهب من يرى أن أقل الجمع اثنان، ويحتمل أنه جامع كل واحد من الخصمين جماعة فيقع على تجميعهم خصم، وتجيء الضمائر المجموعة حقيقة، وعلى هذا عوَّل الزمخشري.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أو أنزل ﴾ بالواو مثل ﴿ أونبئكم  ﴾ في آل عمران ﴿ عذابي ﴾ و ﴿ عقابي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب والسرندي عن قنبل وافق سهل وعباس في الوصل ﴿ أيكة ﴾ مذكور في "الشعراء" ﴿ من فواق ﴾ بضم الفاء: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالفتح ﴿ ولي نعجة ﴾ بفتح الياء: حفص والأعشى والبرجمي ﴿ فتناه ﴾ بتخفيف النون على أنه مثنى والضمير للخصمين: عباس ﴿ لتدبروا ﴾ بحذف إحدى التاءين على أنه خطاب: يزيد والأعشى والبرجمي.

الباقون: على الغيبة وإدغام تاء التفعل في الدال ﴿ إني أحببت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو من بعدي بالفتح ابو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ والرياح ﴾ مجموعة: يزيد.

الوقوف: ﴿ ذي الذكر ﴾ ط ﴿ وشقاق ﴾ ه ﴿ مناص ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ز لتصريح ذكر الكافرين مع إمكان الاكتفاء بالضمير وقد اتفقت الجملتان ﴿ كذاب ﴾ ج للاستفهام واتحاد العامل ﴿ واحداً ﴾ ج لمثل ما مر ﴿ عجاب ﴾ ه ﴿ آلهتكم ﴾ ج لما مر ﴿ يراد ﴾ ج ه لذلك ﴿ الآخرة ﴾ ج لذلك ﴿ اختلاق ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ من بيننا ﴾ ط ﴿ من ذكري ﴾ ه لعطف الجملتين المختلفتين والابتداء بالتهديد ﴿ عذاب ﴾ ه لأن "أم" بمعنى ألف استفهام إنكار ﴿ الوهاب ﴾ ه ج "أم" تصلح ابتداء إنكار ﴿ الأسباب ﴾ ه ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ الأوتاد ﴾ ه لا ﴿ الأيكة ﴾ ط ﴿ الأحزاب ﴾ ه ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ فواق ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الأيد ﴾ ج للابتداء بإِن ولاحتمال التعليل ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والإشراق ﴾ ه ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ الخطاب ﴾ ه ﴿ الخصم ﴾ م لأن "إذ" ليس بظرف للإتيان ولتناهي الاستفهام إلى الأمر أي اذكر إذ تسوّروا ﴿ المحراب ﴾ ه لا لأن "إذ" بدل من الأولى ﴿ لا تخف ﴾ ج لحق الحذف أي نحن خصمان مع اتحاد المقول ﴿ الصراط ﴾ ه ﴿ في الخطاب ﴾ ه ﴿ نعاجه ﴾ ج ﴿ ما هم ﴾ ط ﴿ وأناب ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ مآب ﴾ ه ﴿ عن سبيل الله ﴾ الأولى ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ باطلاً ﴾ ط ﴿ كفروا ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع فاء التعقيب ﴿ النار ﴾ ه ج لأن "أم" لاستفهام إنكار.

﴿ كالفجار ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ سليمان ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه لا والأصح الوقف والتقدير: اذكر إذ فإِن أوْبَهُ غير مقيد بل مطلق الجياد ه لا للعطف ﴿ ربي ﴾ ج لاحتمال أن "حتى" للابتداء وأن تكون لانتهاء الحب أي آثرت حب الخير حتى توارت ﴿ بالحجاب ﴾ 5 لحق الحذف تقديره: قال ردّوها عليّ فطفق.

﴿ والأعناق ﴾ ه ﴿ أناب ﴾ ه ﴿ بعدي ﴾ لا لاحتمال أن يكون التقدير فإنك ﴿ الوهاب ﴾ ه ﴿ اصاب ﴾ ه ﴿ وغوّاص ﴾ ه ﴿ الأصفاد ﴾ ه ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ مآب ﴾ ه.

التفسير:عن ابن عباس أن ﴿ ص ﴾ بحر عليه عرش الرحمن.

وعن سعيد بن جبير: بحر يحيي الله به الموتى بين النفختين.

وقيل: صدق محمد  في كل ما أخبر به عن الله.

وقيل: صدّ الكفار عن قبول هذا الدين.

وقيل: صدّ محمد  قلوب العباد.

وقيل: هو من المصاداة المعارضة ومنه الصدى وهو ما يعارض الصوت في الجبال يؤيده قراءة من قرأ ﴿ ص ﴾ بالكسر، معناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوارمه وانته عن نواهيه.

والذكر الشرف والشهرة أو الموعظة، وجواب القسم محذوف كأنه قيل: إنه المعجز وإن إلهكم لواحد.

ويجوز إن كان ﴿ ص ﴾ اسم السورة أن يراد هذه ص، والقرآن يعني هذه السورة هي التي أعجزت العرب بحق القرآن كما تخبر عن هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله.

ثم بين أن الكفار في استكبار عن الإذعان للحق وفي مخالفة الله ورسوله.

ومعنى "بل" ترك كلام والأخذ في كلام آخر.

ولئن سلم أنه للمغايرة الكلية فالكلام الأول هو كون محمد  صادقاً في تبليغ الرسالة، أو كون القرآن، أو هذه السورة معجزاً، والحكم المذكور بد "بل" هو المعازة والمشاقة في كونه كذلك فحصل المطلوب.

ثم خوف الكفار بقوله ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات ﴾ أي رفعوا اصواتهم بالدعاء والاستغاثة لأن نداء من نزل به العذاب لا يكون إلا كذلك.

وعن الحسن: فنادوا بالتوبة كقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا ﴾ ولهذا قال ﴿ ولات حين مناص ﴾ أي لم يكن ذلك الوقت وقت فرار من العذاب أو حين نداء ينجي.

قال سيبويه والخليل: التاء في "لات" زائدة مثلها في "ربت" و"ثمت" وهي المشبهة بليس، وقد تغير حكمها بزيادة التاء حيث لا تدخل إلا على الأحيان ولم يبرز إلا اسمها أو خبرها وتقدير الآية: ليس الحين حين مناص.

ولو رفع لكان تقديره وليس حين مناص حاصلاً لهم.

وقال الأخفش: إنها "لا" النافية للجنس زيدت عليها التاء وخصت بنفي الأحيان كأنه قيل: اصل "لات" ليس قلبت الياء ألفاً والسين تاء.

وقيل: التاء قد تلحق بحين كقوله: العاطفون تحين ما من عاطف *** والمطعمون زمان ما من مطعم وإلى هذا ذهب أبو عبيدة.

وتأكد هذا الرأي عنده حين رأى التاء في المصحف متصلاً بحين.

وضعف بعد تسليم أنه في الإمام كذلك بأن خط المصحف غير مقيس عليه.

أما الوقف على ﴿ لات ﴾ فعند الكوفيين بالهاء قياساً على الأسماء، وعند البصريين بالتاء قياساً على الأفعال.

والمناص مصدر ناص ينوص إذا هرب ونجا أو فات.

قال ابن عباس: لما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص أي اهربوا وخذوا حذركم فأنزل الله ﴿ ولات حين مناص ﴾ .

ثم حكى شر صنيعهم وسوء مقالتهم في حق النبي  قائلاً ﴿ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم ﴾ أي من جنس البشر.

ثم سجل عليهم بالكفر بوضع الظاهر موضع المضمر قائلاً ﴿ وقال الكافرون هذا ساحر ﴾ في إظهار خوارق العادات ﴿ كذاب ﴾ على الله.

وإنما قيل في سورة ق ﴿ فقال الكافرون  ﴾ بالفاء لأن القول هناك شيء عجيب وهو نتيجة العجب فاتصل الكلامان لفظاً ومعنى: وأما ههنا فلم يتصل إلا معنى ﴿ أجعل الآلهة ﴾ أي صيرها وحكم عليها بالوحدة ﴿ إن هذا لشيء عجاب ﴾ بليغ في العجب.

يروى أنه لما أسلم عمر بن الخطاب شق ذلك على قريش وفرح المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الأشراف والرؤساء: امشوا إلى أبي طالب فأتوه وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك.

فدعا أبو طالب النبي  وقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألون السواء فلا تمل كل الميل على قومك.

فقال: ماذا يسألونني؟

فقالوا: ارفضنا وارفض آلهتنا وندعك وإلهك.

فقال  : أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال له أبو جهل: والله لنعطينكها وعشر أمثالها.

فقال  : قولوا لا إله إلا الله.

فنفروا من ذلك وقالوا: ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد فأنزل الله هذه الآيات.

يعني من أول السورة إلى قوله ﴿ كذبت قبلهم ﴾ ﴿ وانطلق الملأ منهم ﴾ أي نهضوا من ذلك المجلس و ﴿ أن ﴾ مفسرة أي ﴿ امشوا ﴾ من غير أن يتلفظوا به ﴿ واصبروا على ﴾ عبادة ﴿ آلهتكم ﴾ .

قال النحويون: الانطلاق ههنا مضمن معنى القول لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم.

وقيل: وانطلق الملأ منهم وقالوا لغيرهم امشوا.

وقيل: انطلقوا بأن امشوا أي بهذا القول.

وليس المراد بالمشي السير إنما المراد المضيّ على الأمر.

وقيل: امشوا واتركوا محمداً  .

وقيل: هي من مشت الماشية إذا كثر نسلها مشاء ومنه الماشية للتفاؤل.

وفي تهذيب اللغة عن الأزهري: مشى الرجل إذا استغنى فيكون هذا دعاء لهم بالبركة ﴿ إن هذا ﴾ الأمر وهو استعلاء محمد  ﴿ لشيء يراد ﴾ أي حكم الله به فلا حيلة في دفعه ولا ينفع إلا الصبر أو إنه لشيء من نوائب الدهر اريد بنا فلا انفكاك لنا منه، أو إن دينكم لشيء يراد أن يؤخذ منكم.

وقيل: إن عبادة الأصنام لشيء نريده ونحتاج إليه.

وقيل: إن هذا الاستعلاء والترفع لشيء يريده كل أحد وكل ذي همة وقريب منه قول القفال: إن هذه كلمة تذكر للتحذير والتخويف معناها إنه ليس غرض محمد  من هذا القول تقرير الدين ولكن غرضه أن يستولي علينا ويحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد.

﴿ ما سمعنا بهذا ﴾ أي بقول محمد  ﴿ في الملة الآخرة ﴾ فيما أدركنا عليه آباءنا أو في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى مثلثة غير موحدة.

قال جار الله: يجوز أن يكون التقدير ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة فيكون الظرف حالاً من هذا لا متعلقاً بـ ﴿ سمعنا ﴾ والمعنى أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا الكهان أنه يحدث في الملة الآخرة توحيد الله.

﴿ إن هذا إلا اختلاق ﴾ كذب اختلقه من عنده.

ثم أظهروا الحسد وما كان يغلي به صدورهم قائلين ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ وذلك أنهم ظنوا أن الشرف بالمال والجاه فقط نظيره في القمر ﴿ أألقي الذكر عليه من بيننا  ﴾ إلا أنه استعمل هناك الإلقاء لأن أذكارهم كانت صحفاً مكتوبة وألواحاً مسطورة.

وقدم الظرف ههنا لشدّة العناية ولزيادة غيظهم وحمقهم فأجاب الله  عن شبهتهم بقوله ﴿ بل هم في شك من ذكري ﴾ اي من دلائلي التي لو نظروا فيها لزال الشك عنهم، فالقاطع لا يساوي المشكوك.

وقيل: أراد أنهم لا يكذبونك ولكنهم جحدوا آياتي.

ثم قال ﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ أي لو ذاقوا لأقبلوا على أداء المأمورات والانتهاء عن المنهيات.

وقيل: أراد أن النبي  كان يخوّفهم بالعذاب لو أصروا على الكفر.

ثم إنهم أصروا ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه  فلا جرم لا يزول ذلك الشك إلا بنزول العذاب.

ثم أجاب عن شبهتهم بوجه آخر وهو قوله ﴿ أم عندهم خزائن رحمة ربك ﴾ والمراد أن النبوة من جملة النعمة المخزونة عنده يعطيها من يشاء من عباده.

ثم خصص بعد التعميم قائلاً ﴿ أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما ﴾ ولا ريب أن هذه الأشياء بعض خزائن الله وإذا كانوا عاجزين عن البعض فعن الكل أولى.

ثم تهكم بهم بقوله ﴿ فليرتقوا ﴾ اي فإن كانوا يصلحون لتدبير الخلائق وقسمة الرحمة فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوسل بها إلى المقصود.

وقيل: أسباب السموات أبوابها والمعنى إن ادّعوا ملك السموات وأنهم يعلمون ما يجري فيها فليرتقوا إليها.

قال بعض حكماء الإسلام: في الأسباب إشارة إلى أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب حوادث العالم السفلي.

ثم حقر أمرهم بقوله ﴿ جند مّا ﴾ وهو خبر مبتدأ محذوف و"ما" مزيدة للاستعظام جارية مجرى الصفة أي هم جند من الجنود.

ثم خصص الوصف بقوله ﴿ من الأحزاب ﴾ أي ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسل الله مهزوم مكسور عما قريب فلا تبال بهم.

قال قتادة ﴿ هنالك ﴾ إشارة إلى يوم بدر.

وقيل: يوم الخندق.

وقيل: فتح مكة فإن مكة هي الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات.

وقال أهل البيان: هي إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم كقولك لمن ينتدب لأمر "ليس من أهله" "لست هنالك".

ثم مثل حالهم بحال من قبلهم من الأمم المكذبة وقصصهم مذكورة مراراً.

والذي يختص بالمقام هو أنه وصف فرعون بذي الأوتاد فعن قتادة أنه كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب بها عنده.

وقال المبرد: بنى أبنية طويلة صارت كالأوتاد لبقائها.

وقيل: هي أوتاد أربعة كان يعذب الناس بها على الأرض أو على رؤوس أخشاب أربعة.

وقيل: اراد كثرة أوتاد خيام معسكره.

وقيل: أراد ذو جموع كثيرة فبالجمعية يشتد الملك كما يشتد البناء بالأوتاد وهذا قريب.

وقول أهل البيان إن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاد، ثم استعير لثبات العز والملك والمقصود على الوجود كلها.

وصف فرعون بالشدة والقوة ونفاذ الأمر ليعلم أنه تتعالى أهلك من كان هذه صفته فكيف بمن هو دونه.

قال أبو البقاء: قوله ﴿ أولئك الأحزاب ﴾ مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون خبراً والمبتدأ من قوله وعاد أو من ثمود أو من قوم لوط، قلت: ويحتمل أن يكون ﴿ الأحزاب ﴾ صفة ﴿ أولئك ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ بدلاً من مجموع المعطوفات والمعطوف عليه.

قال جار الله: قصد بهذه الإشارة الإعلام بأن هذه الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم وآباؤهم الذين وجد منهم التكذيب.

لقد ذكر تكذيبهم أوّلاً في الجملة الخبرية على وجه الإبهام، ثم جاء بالجملة الاستثنائية أعني قوله ﴿ إن كل إلا كذب الرسل ﴾ فبين أن كل واحد من الأحزاب كذب جميع الرسل لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم ﴿ فحق ﴾ أي ثبت أو وجب لذلك عقابى إياهم في الدنيا ثم في الآخرة وذلك قوله ﴿ وما ينظر هؤلاء ﴾ المذكورون.

وقيل: أهل مكة: ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ وهي النفخة الأولى ﴿ ما لها من ﴾ توقف مقدار ﴿ فواق ﴾ وهو بالفتح والضم زمان ما بين حلبتي الحالب.

عن النبي  "العيادة قدر فواق الناقة" ومعنى الآية إذا جاء وقتها لم يمهل هذا القدر.

وقيل: الفواق بالفتح الإفاقة أي ما لها من رجوع وترداد لأن الواحدة تكفي أمرهم وما لها رجوع إلى الحالة الأولى بل تبقى ممتدة إلى أن يهلك كلهم واعلم أن القوم إنما تعجبوا لشبهات ثلاث وقعت لهم: أولاها في الإلهيات وهو قولهم ﴿ أجعل الآلهة إلهاً واحداً ﴾ والثانية في النبوات وهي قولهم ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ والثالثة تتعلق بالمعاد وهي قولهم ﴿ ربنا عجل لنا قطناً ﴾ وهو القطعة من الشيء لأنه قطع منه من قطة إذا قطعه.

والقط أيضاً صحيفة الجائزة ونحوها لأنها قطعة من القرطاس استعجلوا نصيبهم من العذاب الموعود، أو من اللذات العاجلة، أو من صحيفة الأعمال، كل ذلك استهزاء منهم فلذلك أمره بالصبر على ما يقولون.

قال جار الله: أراد اصبر على أذاهم وصن نفسك أن تزل فيما كلفت من مخابراتهم.

﴿ واذكر ﴾ أخاك ﴿ داود ﴾ كيف زل تلك الزلة اليسيرة فعوتب عليها ونسب إلى البغي، أو اصبر وعظم أثر أمر معصية الله في أعينهمم بذكر قصة داود وما أورثته زلته من البكاء الدائم والحزن الواصب.

وقال غيره: اصبر على اذى قومك فإنك مبتلى بذلك كما صبر سائر الأنبياء على ما ابتلاهم به.

ثم عدّهم وبدأ بداود وذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب فأوحى الله إليه أنهم وجدوها بالصبر على البلايا فسأل الابتلاء.

ثم إن الدنيا لا تنفك من الهموم والأحزان واستحقاق الدرجات بقدر الصبر على البليات.

ثم إن مجامع ما ذكر الله  في قصة داود ثلاثة أنواع من الكلام: الأول: تفصيل ما آتاه الله  من الفضائل.

الثاني: شرح الواقعة التي وقعت له.

والثالث: استخلاف الله  إياه بعد ذلك.

والأول عشرة أصناف: أحدها ذكر نبينا  إياه ليقتدي به في الصبر وسائر اصول الأخلاق.

وثانيها تسميته بالعبد مضافاً إلى صيغة جمع التكلم للتعظيم والعبودية الصحيحة الجامعة لكمالات الممكنات كما سبق مراراً.

ويمكن أن يكون التلفظ بذكر اسمه العلم أيضاً تشريفاً له.

وثالثها قوله ﴿ ذا الأيد ﴾ ذا القوة في الحروب وعلى الطاعات وعن المعاصي وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً وهو أشد الصوم ويقوم نصف الليل.

ويحتمل أن يكون الياء محذوفاً اكتفاء بالكسر فيكون جميع اليد بمعنى النعمة لأن الله  أنعم عليه ما لم ينعم على غيره.

رابعها قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ أي رجاع ي الأمور كلها إلى طاعة الله ومرضاته من آب يؤب.

خامسها تسبيح الجبال معه وقوله ﴿ يسبحن ﴾ حال والإشراق وقت إضاءة الشمس وهو بعد شروقها عند الضحى.

يقال شرقت الشمس ولما تشرق.

واستدل به ابن عباس على وجود صلاة الضحى في القرآن لما روى عن أم هانئ: دخل علينا رسول الله  فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى صلاة الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق.

قال ابن عباس: وكانت صلاة يصليها داود  ويحتمل أن يكون معنى الإشراق الدخول في وقت الشروق فيراد وقت صلاة الفجر لانتهائه بالشروق قاله جار الله.

سادسها قوله ﴿ والطير محشورة ﴾ أي وسخرنا الطير مجموعة من كل ناحية.

قال ابن عباس: كان إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح واجتمعت إليه الطير فسبحت فذلك حشرها وقد مر ذكر هذه المعجزة في "الأنبياء" وفي "سبأ".

قال أهل البيان: قوله ﴿ محشورة ﴾ في مقابلة قوله ﴿ يسبحن ﴾ ولكنه اختير الفعل في أحد الموضعين والاسم في الآخر لأنه أريد في الأول الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئاً بعد شيء وحالاً بعد حال حتى كأن السامع يتصوّرها بتلك الحالة، وأما الحاشر فهو الله وحشر الطيور جملة واحدة أدل على القدرة له  .

سابعها قوله ﴿ كلّ له أوّاب ﴾ أي كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيح داود مسبح مرجع للتسبيح.

وقيل: الضمير لله أي كل من داود والجبال والطير لله مسبح رجاع إلى فعله مرة بعد مرة، وهذا الوصف كالتأكيد للوصف الذي يتقدّمه وهذا أخص لأنه أدل على الواقعة.

ثامنها قوله ﴿ وشددنا ملكه ﴾ أي قوّيناه بالجنود والأعوان وبسائر الأسباب فكان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف حرس، وزاد بعضهم فقال أربعون الفاً.

وقيل: نصرناه بالهيبة، وسببه أن غلاماً ادّعى على رجل بقرة فأنكر المدّعى عليه ولطم الغلام لطمة فسأل داود من الغلام البينة فعجز فرأى داود في المنام أن الله  يأمره أن يقتل المدعى عليه ويسلم البقرة إلى الغلام.

فقال داود: هذا منام فـأتاه الوحي بذلك في اليقظة فأخبر بذلك بني إسرائيل فجزعوا وقالوا: أتقتل رجلاً بلطمة؟

فقال داود: هذا أمر الله فسكتوا.

ثم أحضر الرجل وأخبره إن الله أمره بقتله فقال الرجل: صدقت يا نبيّ الله إني قتلت أباه غيلة وأخذت البقرة، فقتله داود وعظمت هيبته واشتدّ ملكه وقالوا: إنه يقضي بالوحي من السماء.

تاسعها قوله ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ وقد مر معناها مراراً وأنها منحصرة في قسمين: الأول العلم بالتصوّرات الحقيقية والتصديقات اليقينية بمقتضى الطاقة البشرية، والثاني العمل بالأخلاق الفاضلة المفضية إلى السعادة الباقية.

وخصصها بعضهم بالعلم بالنبوّة والفهم أو بالزبور والشرائع.

عاشرها فصل الخطاب وهو القدرة على ضبط المعاني والتعبير عنها بأقصى الغايات حتى يكون كاملاً مكملاً فهماً مفهماً.

قال جار الله: الفصل بمعنى المفصول ومعناه البين من الكلام الملخص الذي لا يلتبس ولا يختلك بغيره.

قلت: ومن ذلك أن لا يخطئ صاحبه مظان الفصل والوصل كما تذكره في الوقوف.

وعن عليّ  أنه قال: البينة على المدّعي واليمين على من أنكر.

فالفصل بمعنى الفاصل كالصوم والصحب ويندرج فيه جميع كلامه في الأقضية والحكومات وتدابير الملك والمشورات.

يروى أنه  علق لأجله سلسلة من السماء وأمره أن يقضي بها بين الناس، فمن كان على الحق يأخذ السلسلة، ومن كان على الباطل لا يقدر على أخذها.

ثم إن رجلاً غصب من آخر لؤلؤه وجعلها في جوف عصاً له ثم خاصمه المدّعي إلى داود فقال المدعي: إن هذا أخذ مني لؤلؤة ولم يردّها عليّ وإني صادق في مقالتي، فجاء وأخذ السلسلة فتحير داود في ذلك فرفعت السلسلة وأمره أن يقضي بالبينة واليمين وهو فصل الخطب.

وقيل: هو قوله "أما بعد" وهو أوّل من تكلم به.

وقيل: هو أنه إذا تكلم في الحكم فصل وكل هذه الأقوال تخصيصات من غير دليل والأقوى ما قدمناه.

ثم إنه  لما مدحه بالوجوه العشرة أردفه بذكر واقعته قائلاً ﴿ وهل أتاك ﴾ يا محمد ﴿ نبأ الخصم ﴾ أي ما أتاك خبرهم وقد أتاك الآن.

وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصة المستفهم عنها ليكون أدعى إلى الإصغاء لها.

وللناس في هذه الواقعة ثلاثة آقوال أقواها تقريرها على وجه لا يدل على صدور ذنب عن نبيّ الله، وثانيها التقرير على وجه يدل على صدور الصغيرة عن نبيّ الله، وثالثها التقرير على وجه يدل على صدور الكبيرة عنه، وأضعفها التقرير على وجه يدل على الكبيرة.

ويختلف تفسير بعض الألفاظ بحسب اختلاف بعض المذاهب فلنفسر كلاً منها على حدة.

وأما المشترك بين الأقوال فلا نفسره إلا مرة.

القول الأوّل: يروى أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبيّ الله داود - وكان له يوم يخلو بنفسه ويشتغل بطاعة ربه - فانتهضوا الفرصة في ذلك وتسوّروا المحراب أي تصعدوا غرفته من سوره.

وفي قوله ﴿ إذ دخلوا عليه ﴾ إشارة إلى أنهم بعد التسوّر نزلوا عليه.

قال الفراء: قد يجاء بإذ مرتين ويكون معناهما كالواحد كقولك "ضربتك إذ دخلت عليّ إذ اجترأت عليّ" مع أنه يكون وقت الدخول ووقت الاجتراء واحداً.

وحين رآهما قد دخلا عليه لا من الطريق المعتاد علم أنهم إنما دخلوا عليه للشر.

﴿ ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان ﴾ أي نحن خصمان والخصم في الأصل مصدر فلهذا لم يجمعه أوّلاً نظراً إلى أصله، وثناه ثانياً بتأويل شخصان أو فريقان خصمان، وجمع المائر في قوله ﴿ إذ تسوّروا ﴾ ﴿ إذ دخلوا ﴾ ﴿ ففزع منهم ﴾ ﴿ قالوا لا تخف ﴾ بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو على أن صحب كل منهما من جملتهما.

والأوّل أظهر لأن القائلين كانا اثنين بالاتفاق ﴿ بغى بعضنا على بعض ﴾ أي بغى أحدنا على الآخر وتعدّى حدّ العدالة.

ثم قرروا مقصودهم بثلاث عبارات متلازمة إحداها ﴿ فاحكم بيننا بالحق ﴾ أي بالعدل الذي هو حكم الله فينا.

والثانية ﴿ ولا تشطط ﴾ وهو نهي عن الباطل بإلزام الحق والشط البعد.

شط وأشط لغتان، أرادوا لا تجر فالجور البعد عن الحق.

والثالثة ﴿ واهدنا إلى سواء الصراط ﴾ أي وسطه وهو مثل لمحض الحق وصدقه.

وحين اخبروا عن وقوع الخصومة مجملاً شرعوا في التفصيل فقال أحدهما مشيراً إلى الآخر ﴿ إن هذا ﴾ وقوله ﴿ أخي ﴾ أي في الدين أو الخلطة أو النسب خبر أو بدل والخبر ﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ وهي أنثى من الضأن ﴿ ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ﴾ أي ملكنيها فأكفلها كما أكفل ما تحت يدي ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ أي غلبني في المخاطبة فكان تكلمه أبين وبطشه اشدّ ﴿ قال ﴾ داود ﴿ لقد ظلمك بسؤال نعجتك ﴾ أضاف المصدر إلى المفعول الثاني وحذف الفاعل والمفعول الأوّل أي بسؤاله إياك نعجتك.

وليس السؤال ههنا سؤال خضوع وتفضل وإنما هو سؤال مطالبة ومعازة.

و ﴿ إلى ﴾ متعلقة بفعل دل عليه السؤال تقديره بسؤال أي ليضمها إلى نعاجه، أو ضمن السؤال معنى الإضافة كأنه قيل: بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه الطلب ﴿ وإن كثيراً من الخلطاء ﴾ الشركاء الذين خلطوا أموالهم واطلع بسبب ذلك بعضهم على أحوال البعض ﴿ ليبغي بعضهم على بعض ﴾ وقد تغلب الخلطة في الماشية.

والشافعي يعتبرها في باب الزكاة إذا ااتحد الفحل والراعي والمراح والمسقى وموضع الحلب، فإن كانت للخليطين أرعبون شاة فعليهما شاة.

وعند أبي حنيفة لا شي عليهما وإن كانت لأحدهما واحدة وللآخر تسع وتسعون فعلى الأوّل أداء جزء من مائة جزء من شاة واحدة وعلى الآخر الباقي.

هذا عند الشافعي، وعند أبي حنيفة لا شيء على ذي النعجة.

ثم بين أن أكثر الخلطاء موسوم بسمة الظلم إلا المؤمنين وإنهم لقليل.

"وما" في قوله ﴿ وقليل ما هم ﴾ مزيدة للإبهام، وفيه تعجيب من قلتهم.

وقال ابن عيسى: هي موصولة أي وقليل الذين هم كذلك.

قصد نبيّ الله بذكر حال الخطاء في هذا المقام الموعظة الحسنة والترغيب في اختيار عادة الخلطاء الصلحاء لا التي عليها أكثرهم من الظلم والاعتداء، وفيه تسلية للمظلوم عما جرى عليه من خليطه وإن له في أكثر الخلطاء اسوة ﴿ وظن داود إنما فتناه ﴾ اي ابتليناه وذلك أن القوم لما دخلوا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديد القوّة وقد فزع منهم.

ثم إنه مع ذلك عفا عنهم دخل قلبه شيء من العجب فحمله على الابتلاء ﴿ فاستغفر ربه ﴾ من تلك الحالة ﴿ وأناب ﴾ إلى الله واعترف بأن إقدامه على تلك الخلة لم يكن إلا بتوفيق الله.

﴿ فغفرنا له ذلك ﴾ الخاطر أو لعله هم بإيذاء القوم.

ثم تذكر أنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم، ثم استغفر من تلك الهمة.

أو لعل القوم تابوا إلى الله وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم فاستغفر لأجلهم متضرعاً إلى الله فغفر ذنبهم بسبب شفاعته ودعائه.

﴿ و ﴾ معنى ﴿ خرّ راكعاً ﴾ سقط ساجداً.

قال الحسن: لأنه لا يكون ساجداً حتى يركع، أو المراد أن خرّ للسجود مصلياً لأن الركوع قد يعبر به عن الصلاة.

ومذهب الشافعي أن هذا الموضع ليس فيه سجدة التلاوة لأنه توبة نبيّ فلا توجب على غيره سجدة التلاوة ولا تستحب أيضاً.

ومذهب أبي حنيفة بخلافه.

وجوز مع ذلك أن يكون الركوع بدل السجود هذا تمام تقرير القول الأوّل.

ولا يرد عليه إلا أن داود كان أرفع منزلة من أن يتسور عليه بعض آحاد الرعية في حال تعبده أو يتجاسر عليه بقوله ﴿ لا تخف ﴾ ﴿ ولا تشطط ﴾ وأنه كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين على ظلم الآخر قبل استماع كلامه والأول استبعاد محض؟

وأجيب عن الثاني بأنه ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه لكنه لم يذكر في القرآن، ومما يؤيد هذا القول ختم ذكر الواقعة بقوله: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ والزلفى القربة، والمآب الحسن الجنة.

قال مالك بن دينار: إذا كان يوم القيامة يؤتى بمنبر رفيع ويوضع في الجنة يقال: يا داود مجدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا - وحاصل التفسير على هذا القول إن الخصمين كانا من الإنس وكانت الخصومة بينهما على الحقيقة، وكانا خليطين في الغنم، أو كان الخلطة خلطة الصدقة، أو الجوار وكان أحدهما موسراً وله نسوان كثيرة من الحرائر والسرائر.

والعرب تشبه المرأة بالنعجة والظبية، والثاني معسراً ما له إلا امرأة واحدة واستنزله عنها، وكانت الأنصار يواسون المهاجرين بمثل ذلك كما كانوا يقاسمونهم أموالهم ومنازلهم وما كان ذنب داود إلا خطرة أو همة.

القول الثاني: إن أهل زمان داود كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته فاتفق أن نظر داود وقع على امرأة رجل يقال له أوريا فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا ففعل فتزوجها وهي أم سليمان.

فقيل له: إن مع عظم منزلتك وارتفاع مرتبتك وكثرة نسائك لم يكن لك أن تسأل رجلاً ليس له امرأة واحدة النزول لك، كان الواجب عليك مغالبة هواك والصبر على ما امتحنت به.

وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها وكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه، وعلى هذا يجوز أن يكون الخطاب في قوله ﴿ وعزني في الخطاب ﴾ من الخطبة أي غالبني في خطبتها حيث زوّجها دوني.

وعلى هذا القول يجوز أن يكون الخصمان من الإنس كما مر.

وحين وافق حالهما حال داود تنبه فاستغفر.

وأن يكونا ملكين بعثهما الله ليتنبه على خطئه فيتداركه بالاستغفار ويرد على هذا أن الملكين لو قالا نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فكذب والملائكة لا يكذبون ولا يأمرهم الله بالكذب.

والجواب أن التقدير ما تقول خصمان قالا بغى بعضنا على بعض.

أو أرادوا: ارأيت لو كنا خصمين بغى بعضنا على بعض ألست تحكم بيننا، ثم صوروا المسألة ومثلوا قصته بقصة رجل له نعجة واحدة ولخليطه تسع وتسعون فأراد صاحبه تتمة المائة وحاجه في ذلك محاجة حريص على بلوغ مراده.

وعن الحسن: لم يكن لداود تسع وتسعون امرأة وإنما هذا مثل.

القول الثالث: وهو المشهور عند الجمهور أن داود  جزأ زمانه أربعة أجزاء: يوماً للعبادة، ويوماً للاشتغال بخواص أموره، ويوماً يجمع بني إسرائيل للوعظ والتذكير فجاءه الشيطان يوم العبادة والباب مغلق في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت إلى قريب منه، وهكذا مرة ثانية وثالثة إلى أن وقعت في كوة فتبعها فوقع بصره على امرأة جميلة تغتسل فنقضت شعرها فغطى جسدها فوقع في نفسه منها ما شغله عن الصلاة، فنزل من محرابه ولبست المرأة ثيابها وخرجت إلى بيتها، فخرج داود حتى عرف بيتها وسألها من أنت؟

فأخبرته فقال لها: هل لك زوج؟

فقالت: نعم.

قال: أين هو؟

قالت: في جند كذا فرجع وكتب إلى أمير جيشه إذا جاءك كتابي هذا فقدم فلاناً في أول التابوت وكان من يتقدم على التابوت لا يحل له أن يرجع حتى يفتح الله على يده أو يستشهد ففتح الله على يده وسلم.

فأمر برده مرة ثانية وثالثة حتى قتل، فأتاه خبر قتله فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء، وتزوّج امرأته فبعث الله إليه ملكين في صورة إنسانين فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في يوم عبادته ومنعهما الحرس فتسوّرا عليه المحراب فلم يشعر إلا وهما بين يديه جالسان ففزع منهما، وحين وجد قصتهما مطابقة لحاله علم أنه مبتلى من الله.

يروى أنهما قالا حينئذ حكم على نفسه.

وقيل: ضحكا وغابا فعلم أن الله ابتلاه بذنبه.

ولا يخفى أن ذنبه بهذا التفسير والتقرير كبيرة لأنه يدل على الإفراط في العشق وعلى السعي في قتل النفس المسلمة بغير حق.

فيروى أنه سجد أربعين ليلة لم يرفع رأسه إلا للصلاة المكتوبة ولم يذق طعاماً ولا شراباً حتى أوحى الله إليه أن ارفع رأسك فإني قد غفرت لك.

ويروى أن جبرائيل قال له اذهب إلى أوريا وهو زوج المرأة واستحل منه فإنك تسمع صوته موضع كذا، فأتاه، واستحل منه فقال: أنت في حل.

قال: فلما رجع قال له جبرائيل: هل أخبرته بجرمك؟

فقال: لا قال: فإنك لم تعمل شيئاً فارجع وأخبره بالذي صنعت.

فرجع داود فأخبره بذلك فقال: أنا خصمك يوم القيامة فرجع مغتماً وبكى أربعين يوماً.

فأتاه جبريل وقال: إن الله  يقول: أنا أستوهبك من عبدي فيهبك لي وأجزيه على ذلك أفضل الجزاء فسرى عنه وكان حزيناً في عمره باكياً على خطيئته.

وروي أنه نقش خطيئته على كفه حتى لا ينساها.

والمحققون كعلي  وابن عباس وابن مسعود وغيرهم ينكرون القصة على هذا الوجه.

روى سعيد بن المسيب والحرث بن الأعور أن علي بن أبي طالب  قال: من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهو حد الفرية على الأنبياء.

قلت: لا يخفى أن الأحوط السكوت عما لا يرجع إلى طائل، بل يحتمل أن يعود إلى قائله لوم عاجل وعقاب آجل.

ومن الدلائل القوية التي اعتمد عليها فخر الدين الرازي في ضعف هذه الرواية قوله  عقيب ذكر الواقعة ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ﴾ فمن البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دم أخيه المسلم بغير حق وبانتزاع زوجته منه ثم يقال: إنا فوضنا الخلافة إليه.

وعندي أن ذلك عليه لا له لقوله  ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ﴾ الخ فكأنه قيل له: إنا جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله وفي سياسة المدن، أو تخلفنا كما يقال "السلطان ظل الله في الأرض" فاللائق بهذا المنصب السعي لإصلاح حال المسلمين وحفظ فروجهم ودمائهم وأموالهم لا السعي في تحصيل هوى النفس بأي وجه يمكن، فإن صاحبه المصر عليه ضال معرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد.

يحكى عن بعض خلفاء بني مروان أنه قال لعمر بن عبد العزيز أو الزهري: هل سمعت ما بلغنا؟

قال: وما هو؟

قال: بلغنا أن الخليفة لا يجري عليه القلم ولا يكتب عليه معصية.

فقال: يا أمير المؤمنين، الخلفاء أفضل أم الأنبياء ثم تلا هذه الآية.

وحين تمم واقعة داود ونصحه وما فرض عليه في شأن الاستخلاف أشار إلى أن الأمور الدنيوية التابعة للحركات السماوية ليست واقعة على الجزاف، وبمقتضى الطبائع، ولكن لها غاية صحيحة فأجمل هذا المعنى أوّلاً بقوله ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ﴾ الذي ذكر من خلق هذه الأشياء بلا غاية ﴿ ظن الذين كفروا ﴾ لأنهم بإنكارهم البعث جحدوا الجزاء الذي هو غاية التكليف ﴿ فويل للذين كفروا من النار ﴾ لأنهم بهذه العقيدة وقعوا في نار البعد والقطيعة فلم يستدلوا بالآفاق والأنفس على الصانع نظيره ما مر في آخر "آل عمران" ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار  ﴾ ثم صرح بالغاية قائلاً ﴿ أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

"وأم" منقطعة بمعنى بل والهمزة للإنكار والمراد أنه لم بطل الجزاء كما زعموا لاستوت حال الطائفتين المتقي المصلح للأرض بتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل والسياسة المدنية على وفق العقل والشرع، والفاجر المفسد في الأرض بهدم النواميس وتتبع الشهوات وهتك الحرمات، ومن سوى بينهم كان إلى السفه أقرب منه إلى الحكمة، ولا ينافي هذا إمكان التسوية من حيث المالكية.

وحين ذكر هذه المعاني اللطيفة والقواعد الشريفة منّ على رسوله بقوله ﴿ كتاب ﴾ اي هذا كتاب ﴿ أنزلناه إليك مبارك ﴾ كثير المنافع والفوائد ﴿ ليدّبروا آياته ﴾ ليتأملوا فيها ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله : يقال في وجه النظم إن العقلاء قالوا: من ابتلى بخصم جاهل مصر متعصب وجب عليه أن يقطع الكلام معه ويخوض في كلام آخر أجنبي حتى إذا اشتغل خاطره بالكلام الأجنبي أدرج في أثنائه مقدمة مناسبة للمطلوب الأول، فإن ذلك المتعصب قد يسلم هذه المقدمة فإذا سلمها فحينئذ يتمسك بها في إثبات المطلوب الأول فيصير الخصم ساكتاً مفحماً.

وإذ قد عرفت هذا فنقول: إن الكفار قد بلغوا في إنكار الحشر إلى حيث قالوا على سبيل الاستهزاء ﴿ ربنا عجل لنا قطعنا قبل يوم الحساب ﴾ فقال تعالى: يا محمد ﴿ اصبر على ما يقولون ﴾ واقطع الكلام معهم في هذه المسألة واشرع في كلام آخر أجنبي في الظاهر وهو قصة داود إلى قوله ﴿ إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ﴾ فكل من سمع هذا قال: نعم ما فعل حيث أمره بالحكم الحق كأنه قال: أيها المكلف إني لا آمرك مع أني رب العالمين إلا بالحق فههنا الخصم يقول: نعم ما فعل حيث لم يقض إلا بالحق، فعند هذا يلتزم صحة القول بالحشر وإلاّ لزم التسوية بين من أصلح واتقى ومن افسد وفجر وذلك ضدّ الحكمة.

وحين ذكر هذه الطريقة الدقيقة في إلزام المنكرين وإفحامهم وصف القرآن بالبركة والإفادة والإرشاد، لأن هذه اللطائف لا تستفاد إلا منه.

وبعد تتميم قصة داود شرع في قصة ابنه سليمان ومدحه بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ أي هو فحذف المخصوص للعلم به.

وفي قوله ﴿ إنه أوّاب ﴾ كما مر في قصة داود إشارة إلى أنه كان شبيهاً بالأب في الفضيلة والكمال فلذلك استويا في جهة المدح.

وفي القصة واقعتان يمكن تقرير كل منهما كما في واقعة أبيه على وجه لا يقدح في الصعمة وهو المختار عند المحققين، وعلى وجه دون ذلك وهو الأشهر فلنفسر كلاً منهما بالوجهين بتوفيق الله  .

أما الأوّل من الواقعة الأولى فقوله ﴿ إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ﴾ وهي جمع صافن وهو الذي يقوم على ثلاث قوائم وعلى طرف الرابعة وهو نعت جيد للخيل.

قيل: الصافن الذي يجمع بين يديه.

وفي الحديث "من سرّه أن يقوم الناس له صفوفاً فليتبوّأ مقعده من النار" أي واقفين مثل خدم الجبابرة.

و ﴿ الجياد ﴾ جمع جواد وهو جيد الجري يعني إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة من مواقفها على أحسن الأشكال.

وإذا أجريت كانت سراعاً في جريها، فإذا طلبت لحقت، وإذا طلبت لم تلحق.

يروى أن رباط الخيل كان مندوباً في شرعهم كما في شرعنا.

ثم إن سليمان سلام الله عليه احتاج إلى الغزو فجلس بعد صلاة الظهر على كرسيه وأمر بإحضار الخيل، وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا وحظ النفس وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله ﴿ إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي ﴾ سمى الخيل خيراً لتعلق الخير بها كما جاء في الحديث "الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة" أي آثرت حب الخير ولزمته لأن ربي أمرني بارتباطها ولم يصدر حب هذه المحبة الشديدة إلا عن ذكر الله وأمره.

والضمير في قوله ﴿ حتى توارت ﴾ للخيل أي ما زالت تعرض عليه ويأمر بإعدائها وسيرها إلى أن غابت عن بصره، ثم قال ﴿ ردّوها عليّ ﴾ أي أمر الرائضين بان يردوا الخيل عليه، فلما عادت عليه طفق يمسح مسحاً بوسقها وأعناقها تشريفاً لها وإظهاراً لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدوّ، أو لأنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، أو أراد إظهار أنه بلغ في اختبار أمور المملكة إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.

وقيل: مسح الغبار عن أعناقها وسوقها بيده.

وقيل: وسم أعناقهن وارجلهن فجعلهن في سبيل الله.

وأما الوجه الآخر في هذه الواقعة فما روي أن سليمان غزا أهل دمشق ونصيبين فأصاب ألف فرس.

وقيل: ورثها من ابيه وكان أبوه اصابها من العمالقة.

وقيل: أخرجها الشياطين من مرج من المروج أو من البحر وكانت ذوات أجنحة.

فقعد يوماً بعد الظهر واستعرضها فلم يزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وذلك قوله ﴿ حتى توارت ﴾ أي الشمس بدليل ذكر العشي ﴿ بالحجاب ﴾ حجاب الأفق.

وقيل: حتى توارت الخيل بحجاب الليل وغفل عن العصر، أو عن ورد من الذكر كان له وقت العشي فقال ﴿ إني أحببت حب الخير ﴾ وهو متضمن معنى فعل يتعدى بعن أي أنبت حب الخير عن ذكر ربي وجعلت حبها مغنياً عن ذكر ربي فاغتم لما فاته فاستردها وعقرها تقرباً لله وذلك قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ قال جار الله: أي يمسح بالسيف سوقها وأعناقها فقلب لأمن الإلباس كقولهم "عرضت الناقة على الحوض" قال الراوي: قربها إلا مائة فما في ايدي الناس من الجياد فمن نسلها، وحين عقرها أبدله الله خيراً منها وهي الريح تجري بأمره.

وقيل: الضمير في ﴿ ردّوها ﴾ للشمس والخطاب للملائكة تضرع إلى الله فرد الله عليه الشمس فصلى العصر.

ومحل القدح في هذه الرواية هو نسبة سليمان إلى حب الدنيا حتى غفل عن الصلاة وضم بعضهم إلى ذلك أن قطع أعناق الخيل وعرقبة أرجلها منهي عنه.

وقد روي عن النبي  أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله.

وأجيب بأنه فعل ذلك لأنها منعته عن الصلاة أو لأنه ذبحها للفقراء والمساكين، قال الزجاج: لم يفعل ذلك إلا وقد أباحه الله له وما أباح الله فليس بمنهي.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إن الكفار لما بلغوا في الإيذاء والسفاهة إلى حيث قالوا ﴿ ربنا عجل لنا قطنا ﴾ قال لنبيه: اصبر يا محمد على ما يقولون وذاكر عبدنا داود.

ثم ذكر عقيبه قصة سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله وأعرض عن الشهوات، فأما لو كان المقصود أنه أقدم على الكبيرة لم يكن ذكره مناسباً.

هذا تمام الكلام في الواقعة الأولى.

وأما الثانية وإليها الإشارة بقوله.

﴿ ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ﴾ فالمحققون يروونه على وجوه: أحدها: أن سليمان ولد له ابن بعد أن ملك عشرين سنة فقالت الشياطين: إن عاش لم نتخلص من البلاء والتسخير فسبيلنا أن نقتله أو نخبله، فعلم بذلك سليمان فأمر السحاب أن يحفظه ويغذوه خوفاً من مضرة الشياطين، فما راعه إلا أن ألقي على كرسيه ميتاً فتنبه على خطئه في أن لم يتوكل فيه على ربه فاستغفر ربه وأناب.

وثانيها روي عن النبي  "أن سليمان قال ذات ليلة: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.

وفي رواية على مائة وفي رواية على ألف- كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل: إن شاء الله.

فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل.

والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين فذلك قوله {ولقد فتنا سليمان" .

وثالثها قال أبو مسلم: مرض سليمان مرضاً شديداً امتحنه الله به حتى صار جسداً على كرسيه ملقي كما جاء في الحديث "لحم على وضم وجسد بلا روح" لأن الجسد يطلق في الأكثر على ما لا روح له.

﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع إلى حالة الصحة.

والمشهور عند الجمهور أن الجسد الملقى على كرسيه كان شيطاناً جلس على سرير ملكه اربعين يوماً، وذلك أن ملكه كان في خاتمة فأخذ شيطاناً يقال له آصف وقال: كيف تفتنون الناس؟

قال: أرني خاتمك أخبرك.

فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه.

وعن علي  أنه قال: بينما سليمان جالس على شاطئ البحر وهو يعبث بخاتمه إذ سقط في البحر.

وقيل: إنه وطئ امرأة في الحيض فذلك ذنبه.

وقال في الكشاف: وغيره حكوا أن سليمان بلغه خبر صيدون وهي مدينة في بعض الجزائر وأن بها ملكاً عظيم الشأن.

فخرج إليه تحمله الريح حتى أناخ بها جنوده من الجن والإنس فقتل ملكها وأصاب بنتاً له اسمها جرادة من أحسن الناس وجهاً، فاصطفاها لنفسه وأسلمت وأحبها وكانت لا يرقأ دمعها حزنا على أبيها.

فأمر الشياطين فمثلوا لها صورة ابيها فكستها مثل كسوته وكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدون لها كعادتهن في ملكه، فأخبر آصف سليمان بذلك فكسر الصورة وكانت له أم ولد يقال لها أمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها، فوضعه عندها يوماً فأتاها الشيطان صاحب البحر وهو الذي دل سليمان على الماس حين أمر ببناء بيت المقدس.

واسمه صخر - على صورة سليمان فقال: يا أمينة أعطيني خاتمي فتختم به وجلس على كرسي سليمان وعكفت عليه الطير والجن والإنس.

وغير سليمان عن هيئته فأتى أمينة لطلب الخاتم فأنكرته وطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته، فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: أنا سليمان.

حثوا عليه التراب وسبوه فمكث على ذلك أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته.

وكان ذلك الشيطان يقضي بين الناس ويتمكن من جميع ملكه إلا نساءه.

وقيل: من جميع ملكه ونسائه وما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة، فلما أراد الله أن يرد الملك إليه أنكر علماء بني إسرائيل قضية قضاها الشيطان فأحضروا التوراة، فلما قرؤها فرّ الشيطان وألقى الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فصادها صائد ووهبها لسليمان وأعطاها على أجره عمله يوماً فأخرج من بطنها الخاتم ﴿ ثم أناب ﴾ أي رجع على ملكه أو ثاب ووقع ساجداً.

ثم إن سليمان ظفر بالشيطان فجعله في تابوت وسده بالنحاس وألقاه في البحر.

والعلماء المتقنون أبوا قبول هذه الرواية وقالوا: إنها من أباطيل اليهود، والشياطين لا يتمكنون من مثل هذه الأفاعيل وإلا ارتفع الأمان عن الشرائع والأديان، وكيف يسلطهم الله على آحاد عباده فضلاً عن أنبيائه حتى يغيروا أحكامهم ويفجروا بنسائهم.

وأما اتخاذ التماثيل فيجوز أن تختلف فيه الشرائع والسجود للصورة إذا كان بغير إذنه فلا عتب عليه.

وحكى الثعلبي هذه القصة بوجه أقرب إلى القبول وهو أن سليمان لما افتتن بأخذ التمثال في بيته سقط الخاتم من يده فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط، فلما رآه لا يثبت في اليد أيقن بالفتنة فقال له آصف: إنك لمفتون فتب إلى الله واشتغل بالعبادة وأنا أقوم مقامك إلى أن يتوب الله عليك.

فقام آصف في ملكه أربعة عشر يوماً وهو الجسد الذي ألقي على كرسيه، فردّ الله إليه ملكه وأثبت الخاتم في يده.

وعن سعيد بن المسيب أن سليمان احتجب عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله إليه: يا سليمان احتجبت عن عبادي وما أنصفت مظلوماً عن ظالم، ثم ذكر القصة وأخذ الشيطان الخاتم ورجوعه إليه.

ثم حكى الله  أن سليمان قال ﴿ رب اغفر لي وهب لي ملكاً ﴾ قدم المغفرة على طلب الملك كما هو دأب الصالحين تقديماً لأمر الدين على أمر الدنيا، ولأن الاستغفار يجر الرزق فإن الإنسان قلما ينفك عن ترك الأولى فإذا زال عنه شؤم ذلك ببركة الاستغفار انفتح عليه أبواب الخيرات.

والذين حملوا الفتنة على صدور الذنب عنه فوجوب الاستغفار عندهم واضح وحملوا قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ على أنه سأل ملكاً لا يقدر الشيطان على أن تقوم مقامه.

والأوّلون ذهبوا إلى أنه لم يقل ذلك حسداً وإنما قصد به أن يكون معجزة له، ومن شرط المعجز أن لا يقدر غيره على معارضته ولا سيما أمته الذين بعث إليهم ولهذا قال بعضهم: أراد غيري ممن بعثت إليهم ولم يرد من بعده إلى يوم القيامة.

وحقيقة لا ينبغي لا ينفعل من بغيت الشيء طلبته أي لا يصير مطلوباً لأنه سماوي فوق طوق البشر، أو قصد أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق فإذا كان ملكه آية كان ثوابه على الصبر عنه غاية ونهاية، أو أراد أن يظهر للخلق أن حصول الدنيا لا يمنع من خدمة المولى، وأن ملك سليمان إذا كان عرضة للفناء فالأولى بالعاقل أن يشتغل بالعبودية ولا يلتفت إلى الدنيا وما فيها.

وقيل: إنه لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا زائلة منتقلة إلى الغير بإرث ونحوه فطلب ملكاً لا يتصور انتقاله إلى الغير وهو ملك الدين والحكمة.

وقال أهل البيان: لم يقصد بذلك إلا عظم الملك وسعته كما تقول لفلان: ما ليس لأحد من الفضل والمال.

وربما كان للناس أمثال ذلك.

والأقوى هو الأوّل بدليل قوله عقيبه ﴿ فسخرنا له الريح ﴾ ﴿ والشياطين ﴾ .

ولا ريب أن هذا معجزة وملك عجيب دال على نبوّته ويؤيده ما جاء في الحديث "أردت أن أربطه - يعني الشيطان - على سارية من سواري المسجد إلا أني تذكرت دعوة أخي سليمان" والضمير في ﴿ بأمره ﴾ لسليمان.

وقيل: لله.

والرخاء الرخوة اللينة ولا ينافي هذا وصفها بالعصوف في الأنبياء فلعلها تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، أو هي طيبة في نفسها ولكنها عاصفة بالإضافة إلى الرياح المعهودة.

ومعنى أصاب قصد واراد من إصابة السهم.

وقوله ﴿ والشياطين ﴾ معطوف على ﴿ الريح ﴾ وقوله ﴿ كل بناء وغواص ﴾ بدل الكل من الشياطين.

كانوا يبنون لأجله الأبنية الرفيعة ويستخرجون اللؤلؤ من البحر وهو أوّل من استخراج الدر من البحر ﴿ وآخرين ﴾ عطف على الشياطين أو على كل داخل في حكم البدل، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والسلاسل للتأديب والكف عن الفساد.

والصفد القيد والعطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه ومنه قول عليّ  : من برك فقد أسرك *** ومن جفاك فقد أطلقك وقيل: حقيقته التفويض على الخير والشر.

قال الجبائي: إن الشيطان كان كثيف الجسم في زمن سليمان ويشاهده الناس.

ثم إنه لما توفي سليمان أمات الله ذلك الجنس وخلق نوعاً آخر لطيف الجسم بحيث لا يرى ولا يقوى على الأعمال الشاقة.

قلت: هذا إخبار بالغيب إلا أن تكون رواية صحيحة.

ولم لا يجوز أن تكون أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون ولكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التمزق والتفرق.

﴿ هذا عطاؤنا ﴾ أي قلنا لسيلمان هذا الملك عطاؤنا والإضافة للتعظيم.

وقوله: ﴿ بغير حساب ﴾ يتعلق بالعطاء يعني أنه جم كثير لا يدخل تحت الضبط والحصر فأعط منه ما شئت أو أمسك مفوّضاً إليك زمام التصرف فيه.

ويجوز أن يتعلق بالأمرين أي ليس عليك في ذلك حرج ولا تحاسب على ما تعطي وتمنع يوم القيامة.

عن الحسن: أن الله لم يعط أحداً عطية إلا جعل عليه فيها حساباً سوى سليمان فإنه أعطاه عطية هنيئة إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة.

ويحتمل أن يراد هذا التسخير تسخير الشياطين عطاؤنا فامنن على من شئت منهم الإطلاق، أو أمسك منشئت منهم بالوثاق، فأنت في سعة من ذلك لا تحاسب في إطلاق من أطلقت وحبس من حبست وحين فرغ من تعداد النعم الدنيوية أردفه بما أنعم به عليه في الآخرة قائلاً: ﴿ وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ﴾ كما في قصة داود وفيه أن ثوابه كفء ثواب أبيه كما أن سيرته سيرة أبيه.

التأويل بصاد صمديته في الأزل وصانعيته في الوسط وصبوريته إلى الأبد.

أقسم بالقرآن ذي الذكر لأن القرآن قانون معالجات القلوب وأعظم مرض القلب من نسيان الله فأعظم علاجه ذكر الله.

ثم أشار غلى انحراف مزاج الكفار بمرض نسيان الله من اللين والسلامة إلىالغلظ والقساوة، ومن التواضع إلى التكبر، ومن الوفاق إلى الخلاف، ومن التصديق إلى التكذيب، ومن التوحيد غلى تكثير الآلهة.

وفي قوله ﴿ واصبروا على آلهتكم ﴾ إشارة إلى أن الكفار إذا تواصوا فيما بينهم بالصير والثبات فالمؤمنون أولى بالثبات على قدم الصدق في طلب المحبوب الحقيقي ﴿ إن هذا لشيء يراد ﴾ في الأزل من المقبول والمردود.

﴿ بل لما يذوقوا عذاب ﴾ لأنهم في النوم فإذا ماتوا انتبهوا وأحسوا بالألم فعاينوا الأمر حين لا ينفع العيان، ويزول الشك في يوم لا يجدي البرهان.

﴿ عجل لنا قطنا ﴾ النفوس الخبيثة تميل بطبعها إلى السفليات العاجلة كما أن النفوس الكريمة تميل بطبعها إلى العلويات الباقية، ولكل من الصنفين جذبة بالخاصية إلى شكله كجذب المغناطيس الحديد.

﴿ له تسع وتسعون نعجة ﴾ هن آثار فيوض الصفات الربانية بحسب الأسماء التسعة والتسعين، فلكل منها مظهر في عالم الملك والخلق ﴿ ولي نعجة واحدة ﴾ هو ذات الله وحده ﴿ فقال أكفلنيها ﴾ أي صيرني أجمع بين الله وبين ما سواه.

ثم ههنا أسار كثيرة تفهمها إن شاء الله.

﴿ وظن داود أنما فتناه ﴾ امتحناه بالجمع بين الدين والدنيا ﴿ فاستغفر ﴾ للحق ﴿ ربه ﴾ ﴿ راكعاً وأناب ﴾ إلى الله معرضاً عما سواه.

وهذا التأويل مما خطر ببالي أرجو أن يكون مضاهياً للحق: ﴿ إنا جعلناك خليفة ﴾ فيه أن الخلافة عطاء من الله وأنها مخصوصة بالإنسان خلق مستعدّاً لها بالقوة، وفيه أن الجعلية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم المعنى كما أن الخلقية تتعلق بعالم الصورة.

﴿ الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ووجه الخلافة هو أن الروح الإنساني أوّل فيض بذاته وصفاته فذاته من ذات الله بلا واسطة، وصفاته من صفاته بلا واسطة فخلق لخليفة منزلاً صالحاً وهو قالبه، وأعد له عرشاً هو القلب ليكون محل استوائه، ونصب له خادماً وهو النفس، فلو بقي الإنسان على فطرة الله لكان روحه مستفيضاً من الله  فائضاً لخلافة الحق على عرش القلب، والقلب فائض لخلافة الروح على خادمه النفس، والنفس فائضه لخلافة القلب على القالب، والقالب فائض لخلافة النفس على الدنيا، وهي أرض الله فلا يجري شيء من الأمور إلا على نهج الحق.

﴿ ووهبنا لداود ﴾ الروح ﴿ سليمان ﴾ اقلب ﴿ إذ عرض عليه بالعشي ﴾ وهو بعد زوال شمس التجلي ﴿ الصافنات الجياد ﴾ وهي مركب الصفات البشرية.

وفي قوله ﴿ فطفق مسحاً ﴾ إشارة إلى أن كل محبوب سوى الله إذا حجبك عنه لحظة يلزمك أن تقتله بسيف "لا إله إلا الله" وإليه الإشارة بقوله ثانياً ﴿ ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه ﴾ صدره شيئاً من الشهوات الجسدانية فافتتن به فتاب ورجع إلى الحضرة.

فإن قيل: قوله ﴿ لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ هل يتناول نبينا  ؟

قلنا: يتناوله بالصورة لا بالمعنى: فإن الذي كان مطلوب سليمان من تزكية النفس عن محبة الدنيا مع القدرة عليها، ومن تحلية القلوب بعلوّ الهمة وبذل المال والجاه وإفشاء العدل والنصفة وغير ذلك كان حاصلاً للنبي  من غير زحمة مباشرة صورة الملك والافتنان به عزة ودلالاً ولهذا قال في حديث تسلطه على الشيطان "ذكرت دعوة أخي سليمان فتركته" وكان يعرض عليه مقاليد الخزائن فيقول: "الفقر فخري" على أن صورة الملك أيضاً مما سيحصل لبعض أمته كما قال "وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها" <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن حرف الاستفهام من الله  يخرج على الإيجاب والإلزام مما لو كان ذلك من مستفهم حقيقة يتضمن الجواب له، فقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ جواب لقولهم: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ فجوابه لهم ليس عندهم رحمة ربك حتى يختاروا الرسالة والنبوة لأنفسهم أو لمن شاءوا هم؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ كانوا لا يرون وضع الرسالة إلا فيمان كانت له أموال وله سعة في الدنيا وفضل مال، فيذكر أن [ليس] عندهم خزائن ربك حتى يجعلوا الرسالة والنبوة فيمن شاءوا هم واختاروا لذلك، قال الله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ  ﴾ ، أي: لا يملكون قسمة رحمة ربك، بل ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا...

﴾ الآية [الزخرف: 32] يخبر أنهم على ما لا يملكون توسيع المعيشة على من ضيق عليه ورفع من وضع؛ فعلى ذلك ليس إليهم اختيار النبوة والرسالة لمن شاءوا واختاروا، بل اختيار ذلك إلى الله - عز وجل - فقالوا: أئذا كنا أحق بهذا في الدنيا فنحن أيضاً أحق بالرسالة والنبوة على ما [نحن] أحق في الدنيا بالسعة والفضل فيها، بل لو عرفوا أن ما نالوا من السعة في الدنيا وفضل الأموال إنما نالوا ذلك برحمة الله وفضله لا بحق كان لهم على الله، فلو عرفوا، كانوا لا ينكرون وضع الرسالة فيمن اختار الله - عز وجل - وضعها فيمن شاء، وعلى ذلك قول المعتزلة: إنهم لا يريدون لله أن يفعل بأحد شيئاً إلا ما هو أصلح له في الدين، وأنه لو فعل ما ليس بأصلح له في الدين، كان جائراً ظالماً، فيرون حفظ الأصلح له حقّاً كما رأى أولئك الكفرة السعة والأموال حقّاً على الله، فرأوا أنفسهم أحق أيضاً بالرسالة والنبوة من رسول الله  .

ثم إن المعتزلة يقولون في ألم الصغار: إن ليس لله أن يؤلمهم إلا بعوض يجعل لهم بإزاء ذلك الألم عوضاً يرضون هم بذلك؛ إذ جعلوا أنفسهم له حقيقة حيث لم يجعلوا لله الإيلام إلا بالعوض، ومن أخذ حقّاً لغير لا يأخذه إلا ببدل وعوض برضاء ذلك الغير، فهذا تناقض في قولهم: إن على الله حفظ الأصلح للخلق في دينهم حيث لم يجعلوا له ذلك إلا بعوض يجعل لهم، والله أعلم.

ودل اتفاق القول، إنه وهاب، على أن ما ينال من خير أو سعة أو فضل إنما ينال برحمة وفضل لا بحق عليه؛ لأن من أدى حقا عليه لا يقال: إنه وهاب، ولا يسمى: وهاباً، على ما أعطى من أعطى، إنما أعطاه تفضلا منه ورحمة لا حقّاً كان عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .

هو مثل الأول، أي: لهم ملك السماوات والأرض؛ ليملكوا ما شاءوا من الأمور ويختاروا وضع الرسالة فيمن شاءوا هم، أي: ليس لهم ملك السماوات والأرض؛ فيملكوا ما يذكرون ويختارون [ما] قالوا، بل نملك ذلك، وإلينا ذلك، فعند ذلك يقال: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ ﴾ .

ثم اختلف في الأسباب التي ذكر: قال بعضهم: السبب ما بين السماء والأرض، وكذلك ما بين كل سماءين سبب، والأسباب جماعة.

وقال بعضهم: الأسباب: طرق السماء.

وقال بعضهم: هي الأبواب التي في السماء تفتح للوحي.

ومعناه - والله أعلم - أي: فليرتقوا في الأسباب إن كانوا صادقين بأن محمداً  كذاب، وأنه ساحر، وأنه اختلقه من تلقاء نفسه، أي: يفتح له أبواب السماء فليستمعوا إلى الوحي حتى يوحي الله - عز وجل - للنبي  ؛ لقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ .

أو أن يكون معناه - والله أعلم -: أن يرتقوا [إلى] ملك فينزل فيخبر أن محمداً  كاذب فيما يدعى لقولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .

قال بعضهم: حرف ﴿ مَّا هُنَالِكَ ﴾ صلة كأنه قال - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .

وقال بعضهم: جند بل هنالك مهزوم من الأحزاب.

وجائز أن يكون على تحقيق ﴿ مَّا ﴾ فيه، أي: جند ما يهزم هنالك من الأحزاب، لا كل الأجناد، وهو الجند الذين خرجوا عليه بالمباهلة، وهم الذين قالوا: اللهم انصر أينا أوصل رحما وأنفع مالا وأخير للخلق فغلبوا هم وقهروا.

وقال عامة أهل التأويل: هو الجند الذي قتل ببدر، والله أعلم.

ثم في الآية وجوه ثلاثة من الدلالة: أحدها: الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الآحاد والأفراد؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ .

وفيه الأمن له عن أن يصلوا إلى قتله وإهلاكه على الجمع والاجتماع عليه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ  ﴾ أخبر - عز وجل - أنهم يهزمون جميعاً.

وفيه بشارة له أنهم يهزمون في ضعفه وقلة أعوانه وأنصاره مع كثرة أولئك وعدتهم.

ففي الوجوه الثلاثة التي ذكرنا دلالة رسالته  حيث أخبر بما ذكر؛ فكان على ما أخبر دل أنه  بالله  عرف ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .

حيث تحزبوا عليه قال بعضهم: إنه ساحر، وقال بعضهم: إنه كذاب، وإنه مفتر، وإنه مجنون على ما تحزبوا عليه، وتفرقت قلوبهم فيه وتلونت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ...

﴾ إلى قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ ﴾ أي: الفرق.

وقوله: ﴿ إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ .

يذكر هؤلاء الأحزاب الذين كادوا لرسول الله، ويخبرهم عن صنيعهم ومعاملتهم الرسل لوجهين: أحدهما: كيفية معاملة الرسل - عليهم السلام - أولئك الكفرة مع تكذيبهم إياهم وسوء معاملتهم وصنيعهم مع الرسل وأنواع البلايا التي كانت منهم إليهم أن كيف عاملوهم وصبروا على أذاهم؛ ليعامل هو قومه مثل معاملتهم قومهم، ويصبر على أذاهم كما صبر أولئك على أذى قومهم، مثل معاملتهم قومهم وسوء صنيعهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثاني: يذكر هذا لأهل مكة ويحذرهم ما نزل بالأمم المتقدمة بتكذيبهم الرسل وعنادهم وتمردهم معهم؛ ليحذروا تكذيبهم محمداً  وألا يعاملوه كما عامل أولئك رسلهم، فينزل بهم كما نزل بأولئك من العذاب والإهلاك، والله أعلم.

﴿ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: وجب عليهم عقاب، لكن قوله - عز وجل -: ﴿ فَحَقَّ عِقَابِ ﴾ أي: نزل بهم العقاب ووقع عليهم، وإلا كان العذاب واجباً على الكفار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ ﴾ .

قال بعضهم: إن فرعون كان إذا غضب على أحد من قومه مده بأوتاد فيعاقبه بها ويعذبه، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ ﴾ ، أي: ذي البناء المحكم.

وقال بعضهم: كانت له أوتاد وأرسان، أي: جبال وتلاعيب يلاعبون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ .

يخبر - عز وجل - رسوله صلى عليه وسلم ويؤيسه عن إيمانهم أنهم لا يؤمنون إلا عند وقوع العذاب بهم حتى لا ينفعهم الإيمان؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ  وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ  ﴾ .

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ يحتمل أن يكون سمى نفس العذاب: صيحة.

وجائز أن يكون ذكر صيحة؛ لما أن العذاب إذا نزل بهم ووقع عليهم يصيحون، فسمى ذلك: صيحة؛ لصياحهم.

أو أن يكون ذلك إذا نزل بهم كان فيه صياح، وصوت الشيء الهائل العظيم الشديد إذا هو وقع ومال إلى الأرض، كان فيه صياح وصوت حتى يفزع الناس منه؛ فعلى ذلك الصيحة التي ذكر يحتمل ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ .

قال أبو عبيدة: من فتحها أراد: ما لها من راحة ولا إقامة، كأنه ذهب إلى إفاقة المريض من علته.

ومن ضمها جعلها من فواق الناقة وهو ما بين الحلبتين، ويريد ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ : انتظار ومكث.

قال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ ، أي: من انقطاع؛ إذ هي دائمة أبداً لا تنقطع به.

وقال الكسائي: الفواق: بالنصب والرفع لغتان، وهو من فواق الناقة بين الحلبتين والرضعتين.

وقال عامة أهل التأويل: ﴿ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ ﴾ ، أي: من مرد ومرجع وقرار.

وقال بعضهم: هو مد البصر، يقول: هي أقرب من ذلك، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  ﴾ ، والله أعلم.

وأصل الفواق: كأنه من العود والرجوع كعود اللبن إلى الضرع بعد ما حلب مرة، والله أعلم.

ذكر عن الحسن في قوله - عز وجل -: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ  ﴾ يقول: حارث القرآن بقلبك وهو من قول العرب: صادته الدابة إذا كانت امتنعت فأطعمها حتى ذلت ولانت.

وقال أبو عوسجة: ﴿ صۤ ﴾ : هو أشد كلام وهو شبه قسم، والصاد في غير هذا الموضع العطشان، وقوم صادون.

ثم اختلف في موضع القسم على ما ذكر: قال الكسائي: من القسم في القرآن ما هو ظاهر لا يخفى، ومنه غامض: فمن ظاهره قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ  ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ  ﴾ ، وجوابه قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  ﴾ .

ومن غامضه: ﴿ صۤ ﴾ قال بعض الناس: موضع قسمه قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ  ﴾ ، والله أعلم.

لا أراه شيئاً لحال الكلام ولما قص من القصص ما لا يكون ذلك قسمه.

ولكن قسمه - والله أعلم - عندي: ﴿ صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ ، ثم اعترض: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ القسم هاهنا بـ ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا ﴾ ، ولكن لما اعترض: ﴿ بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ صار قوله ردا عليه وجواباً له؛ وهو غريب ظريف غامض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي ٱلذِّكْرِ ﴾ .

قال بعضهم: ذي الشرف، أي: من أوتيه شرف، وقيل: ذي الشأن، وقيل: ذي الذكر، فيه ذكر ما يؤتى وما يتقى، وذكر من كان قبله من الأمم الخالية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ .

قيل: في تكبر وتكذيب، وقيل: في حمية وخلاف، وقيل: في غفلة، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ .

قال بعضهم: أي: هربهم في غير وقت الهرب، و ﴿ مَنَاصٍ ﴾ : مهرب، وناص ينوص نوصاً: وهو المنجى والغوث.

وقال القتبي: ﴿ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ ﴾ أي: لا حين هرب؛ على ما قال أبو عوسجة، وقال: النوص: التأخر في الكلام، والنوص: المتقدم، وأصله ما ذكرنا: أن ذلك الوقت ليس هو وقت المهرب، ولا وقت المنجى ولا وقت الغوث على ما تقدم ذكره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ عُجَابٌ ﴾ بلغة قوم: عجب.

وقال الكسائي: العُجَاب والعِجَاب والعجيب والعجب كلها لغات واحدة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ عُجَابٌ ﴾ هو يكثر للعجب كما يقال: كبار وكبار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ ﴾ .

أي: الأشراف منهم، وقالوا: للأتباع على ما ذكرنا ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: قوله: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ إلى أبي طالب واثبتوا على عبادة آلهتكم ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ : قال بعضهم: بقبول إسلام وذلك كان حين أسلم عمر -  - بشيء أي لأمر يراد، فمشوا إلى أبي طالب، وقالوا له ما ذكرنا فيما تقدم والقصة طويلة.

وقال بعضهم: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ أي: امضوا وارجعوا إلى عبادة آلهتكم واصبروا عليها.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَنِ ٱمْشُواْ ﴾ من عند محمد  واصبروا على عبادة آلهتكم ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ بأهل مكة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ .

يعنون.

عبادة إله واحد وترك عبادة آلهة في الملة الآخرة.

قال عامة أهل التأويل: ﴿ ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ : النصرانية واليهودية كليهما.

وقال بعضهم: يعنون: ﴿ ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ ﴾ الملة التي هم عليها، وآثارهم، يقولون: ما سمعنا عبادة إله واحد وترك عبادة الآلهة في الدين [الذى] نحن وآباؤنا عليه ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ﴾ أي: ما هذا ﴿ إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ من نفسه، وقالوا: ﴿ أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ﴾ يعنون: النبوة والكتاب والوحي، وهو أفقرنا وأصغرنا ونحن أكثر سنا وأعظم شرفاً، يقول الله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي ﴾ بأنه لم ينزل عليه ﴿ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ﴾ ؛ وهو قول مقاتل، ثم قال: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ﴾ ، أي: يحتمل نعمة ربك، أي: بأيديهم مفاتيح الرحمة والنبوة والرسالة فيضعونها حيث شاءوا، أي: ليست تلك بأيديهم ولكنها بيد الله، العزيز في ملكه الوهاب يهب النبوة والرسالة لمن يشاء ويضعها فيمن يشاء.

ثم قال - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ ، أي: ليس لهم ذلك، ولكن - عز وجل - يوحي الرسالة إلى من يشاء ويختار لها من يشاء.

ثم قال: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ ﴾ ، أي: الأبواب التي في السماء إن كانوا صادقين بأن محمدا  اختلقه من تلقاء نفسه، أي: فليستمعوا إلى الوحي حين يوحي الله إلى النبي محمد  بقول أولئك.

وقال بعضهم: السبب: ما بين السماء والأرض أصلب من الحديد وأدق من الشعر يعرج به الملائكة وهو المعراج يبصره الميت إذا خرجت روحه.

وقال بعضهم: ﴿ فَلْيَرْتَقُواْ ﴾ أي: فليصعدوا في طرقها؛ فيعلموا علم ذلك أنزل عليه الذكر أو لم ينزل؟

والله أعلم.

والارتقاء: الصعود.

أو أن يقول: ارتقوا أنتم السبب الذي ارتقى محمد  وأتوا بمثل الذي أتى به محمد أنه ليس برسول.

أو أن يقول: ائتوا أنتم بالذي أتى به محمد  من الدين والأسباب؛ حتى تختصوا بالنبوة والرسالة كما اختص محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ ﴾ .

قال: وعد الله - عز وجل -: نبيه  أنه سيهزم جند المشركين، فقال عامة أهل التأويل: جاء تأويلها يوم بدر، وقد ذكرنا تأويله فيما تقدم، والله أعلم.

والأحزاب: الذين تحزبوا عليه، أي: تفرقوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي: كتابنا؛ وذلك أن النبي  كان يوعدهم أنهم يؤتون كتابهم بشمالهم فيه أعمالهم التي عملوها في الدنيا في الآخرة، فعند ذلك قالوا له: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ ؛ أي: كتابنا الذي توعدنا أنه يعطى بشمالنا، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيباً له.

وقال بعضهم: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي: نصيبنا وحظنا من العذاب الذي توعدنا به وتحذرنا يوم الحساب قبل يوم الحساب، قالوا ذلك استهزاء به وتكذيباً له؛ ولذلك قال له على أثر ذلك: ﴿ ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ يصبره ويعزيه على ما يقولون؛ ليصبر على ذلك، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ ليس على سؤال العذاب والكتاب الذي حمله عامة أهل التأويل عليه، ولكنه سؤال السعة والنصيب في الدنيا، ويكون ذلك في قوم لا يؤمنون بالآخرة سألوا ما وعدوا من النعيم في الآخرة والسعة في الدنيا، وذلك أشبه لأنهم سألوا ربهم أن يجعل ذلك لهم، فلو كان على ما يحمله أهل التأويل من سؤال العذاب والكتاب على الاستهزاء بالرسول والتكذيب له، لسألوا الرسول ذلك، ولم يسألوا ربهم ذلك؛ فدل ذلك على أنه أشبه وأقرب، والله أعلم.

ويكون قوله - عز وجل -: ﴿ ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ على ما تقدم من قولهم: إنه ساحر [و] إنه كذاب، وإنه اختلق هذا القرآن من ذات نفسه ونحوه، ويؤيد ذلك قول سعيد بن جبير قال: ذكرت لهم الجنة فاشتهوا ما فيها، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ أي: نصيبنا من الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل - لرسوله  : ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أن اذكر نبأ داود، ونبأ من ذكر في هذه السورة من قوله: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ ﴾ ﴿ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ ، ومن ذكرهم - عليهم السلام - وعلى محمد في هذه السورة، أي: اذكر نبأهم الذي لم يكن لتعرفه أنت ولا قومك من قبل هذا، لعلهم يصدقونك ويؤمنون بك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

والثاني: قوله - عز جل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ ، أي: اذكر صبر هؤلاء على أذى قومهم وتكذيبهم إياهم؛ لتصبر على أذى قومك وتكذيبهم إياك كما صبر أولئك؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ .

والثالث: اذكر داود ومن ذكر من الأنبياء، أي: اذكر لهم المصدقين وما يكون لهم من الكرامات والثواب، كما ذكرت لهم المكذبين وما نزل بهم من العذاب، لعلهم يرجعون ويصدقونك؛ ليعلموا من هلك منهم بم هلك؟

أو ليعلموا أن في أوائلهم المصدقين له والمؤمنين، فكيف اتبعتم المكذبين منهم دون المصدقين؟!

والله أعلم.

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا ﴾ ، أي: اذكر جهد داود وجهد من ذكر من هؤلاء في العبادة والدين وأمثال ذلك يحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ ﴾ ، أي: القوة على العبادة.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ ﴾ في أمر الله، [أو] في أمر الدين؛ لأنه ألين له الحديد حتى كان يتخذ منه الدروع وغيرها من الأسلحة، وسخر له الطير والجبال حتى كان يسبح معهم بالعشي والإشراق، وحتى كان يستعمل ما اتخذ الحديد فيمن شاء من أمر الدين من المحاربة مع الأعداء والدرء عن أهل الإسلام والدفع عنهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ أَوَّابٌ ﴾ مطيع لله، مقبل على طاعته.

وقال بعضهم: ﴿ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: مسبح لله، ذكر أنه كان كثير التسبيح؛ وكذلك قال - عز وجل - ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ  ﴾ ، أي: سبحي معه، هذا محتمل.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: رَجَّاع إلى الله، يرجع إليه في كل أمر وإليه يفزع في كل نائبة وحادثة.

وقال بعضهم: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: ذا الإحسان والعمل الصالح ﴿ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: تواب.

وقتادة يقول: ذا القوة في العبادة، وذا الفقه في الإسلام، وذا البصر في الدين.

وقال أبو عوسجة: ﴿ قِطَّنَا ﴾ ، أي: كتابنا، يقال: قططت - أي: كتبت - أقط قطا، فأنا قاط، والكتاب مقطوط، والقط - أيضاً -: القطع، يقال: قططت أظفارى، والقط: الدهر، ويقال: قطي: أي: حسبي، وقطك أي: [حسبك].

قال القتبي: القط: الصحيفة المكتوبة، وهي الصك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ .

هو على التقديم والتـأخير كأنه قال - عز وجل -: ﴿ إنا سخرنا الجبال يسبحن ﴾ ، أخبر أنه سخر الجبال والطير وما ذكر لداود كي يطعنه ويسبحن معه، وفيه لطف من الله - عز وجل -: في هذه الأشياء والخصوصية لداود في ذلك؛ حيث صير الجبال والطير بحيث يقفن وقت تسبيح داود معه على ما أخبر عز وجل.

وفيه أن الله - عز وجل - حيث صير الجبال مع شدتها وصلابتها بحيث تعرف وقت تسبيح داود، وتعرف تسبيحه وتسمعه وتلين له، فجائز أن يجعل قلب الكافر بحيث يلين ويخضع لله بلطفه؛ إذ قلبه ليس أشد قسوة وصلابة من الجبال، فإذا جعل لطفه فيها لانت وخضعت؛ فعلى ذلك إذا جعل ذلك اللطف في قلب الكافر لا يحتمل ألا بلين ولا يخضع؛ إذ هو ليس بأصلب وأشد من الجبال التي ذكرنا، والله أعلم.

وأما الخصوصية له: فإن الله - عز وجل - جعل بكل من الرسل خصوصية في شيء، لم يجعل مثل تلك الخصوصية لآخر في ذلك الشيء بعينه بلطفه، وخصوصية داود: ما ذكر من تسخير ما ذكر له من الجبال والطير والتسبيح معه، وما ذكر من إلانة الحديد له وغير ذلك من الأشياء، وخصوصية سليمان ما ذكر من تسخير الرياح له وحملها إياه حيث شاء إلى ما شاء مسيرة شهر بغدوة ومسيرة شهر بعشية، حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ  ﴾ ، وما ذكر من فهم نطق الطير والنطق معه وفهمه تسبيحا ونحو ذلك كثير، ومثل هذا ما قد جعل لرسول الله  حيث ذكر أنه أخذ أحجارا فسبحن في يده حتى سمع ذلك من حضره، وما ذكر أن أصابعه يسبحن ونحوه كثير، فلكل منهم خصوصية في شيء ليست تلك لغيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً ﴾ .

أي: مجموعة مسخرة، أي: سخرت له الطير أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

قال بعضهم: كل له مطيع.

وقال بعضهم: كل له مسبح، فإن كان قوله - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: مطيع، فهو يحتمل مطيع لداود، وإن كان الأواب هو المسبح، فهو لا يحتمل لداود، لكن لله تبارك وتعالى، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ جائز أن يكون لا على إرادة حقيقة العشي والإشراق، ولكن على إرادة التسبيح معه في كل وقت؛ فيكون العشي كناية عن الليل والإشراق كناية عن النهار، يخبر أنهن يسبحن في كل وقت من الليل والنهار، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون يسبحن في العشيات والغدوات خاصة؛ كقوله - عز وجل - لرسول الله  حيث قال: ﴿ وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ  ﴾ ، والله أعلم.

ثم جائز أن يكون ما ذكر من تسبيح هذه الأشياء صلاة ﴿ يُسَبِّحْنَ ﴾ أي: يصلين لله؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ  ﴾ ، ثم قال - عز وجل -: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ  ﴾ دل أن لها صلاة، والله أعلم.

ومن الناس من يقول: تسبيح هذه الأشياء التي ذكر هو تسبيح خلقة لا تسبيح نطق وكلام، لكن لو كان على هذا، لكان لا معنى لذكر تسبيحهن مع داود -  - إذ ذا مع داود وغيره في كل وقت؛ دل أنه على تسبيح النطق، وإن كان على الصلاة، فهو ألا يجوز الصلاة لأحد حتى تشرق الشمس وترتفع؛ حيث ذكر إشراق الشمس، والله أعلم.

ثم من الناس من حمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلإِشْرَاقِ ﴾ على صلاة الضحى، وهو قول ابن عباس -  ما - ذكر عنه أنه سأل أم هانئ عن صلاة الضحى: هل كان رسول الله  فعل في بيتها؟

فأخبرته أنه فعل، قال ابن عباس -  ما -: وقلت: أي: صلاة الإشراق، وهذه صلاة الإشراق، يعني: صلاة الضحى، والله أعلم.

وسميت صلاة الضحى: صلاة الأوابين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل في قوله: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ﴾ : لأنه كان يحرسه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألفاً من بني إسرائيل، لكن ليس فيما ذكروا كثير شد الملك وتقويته إنما هو وصف ضعف إلا أن يعنوا بما ذكروا: كثرة أعوانه وأنصاره وفضل أتباعه وحواشيه؛ فعند ذلك يحتمل ما ذكروا، فأما في نفس ما ذكروا من الحرس له والحفظ، فليس فيه كثير شد ولا فضل منقبة.

وجائز أن يكون غير هذا أشبه له وأولى بما ذكر ملكه، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: شد ملكه بما ذكر من إلانة الحديد، حتى كان يتخذ منه لباساً من الدروع وغيرها منه أسباب الحرب والتأهب لها وما يصلح للقتال ما لم يعط مثله لأحد سواه، فينقطع بذلك طمع المنازعين له في ذلك والراغبين في ملكه، ويأمن هو بذلك ذهابه، فهو شد ملكه، والله أعلم.

والثاني: شد ملكه بما ذكر من تسخير الجبال له والطير والتسبيح معه، وما ذكر من طاعة هذه الأشياء له والخضوع لأمره، فمن بلغ أمر ملكه هذا المبلغ الذي وصف من طاعة من ذكره والتسخير له وعبادته لله  وطاعته لربه في نفسه حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ لم يقصد أحد من ملوك الأرض قصده ولا طمع في زوال ملكه إليه بحال، وهذا أشبه أن يجعل تأويل شد ملكه الذي ذكر - والله أعلم - مما قاله أهل التأويل.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ ﴾ أي: النبوة ﴿ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ ، أي: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، لكن ليس فيما ذكروا من جعل البينة على المدعي وجعل اليمين على المنكر كثير منقبة وخصوصية؛ إذ قد أعطينا نحن مثله، وقد ذكر على الخصوصية له.

ثم جائز أن يكون ما ذكر من الحكمة أنه آتاها له: إحكام أمره فيما بينه وبين ربه: العبادة له - أي: لله  - والطاعة له في كل وقت؛ على ما وصفه حين قال: ﴿ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ، أي: ذا القوة والجهد في العبادة لله والطاعة له فيهم، وإنزال كل منهم منزلة وتأليف قلوب بعضهم من بعض، وجمعهم على دين واحد، ومذهب واحد حتى لم يقع تنازع ولا خلاف في الدين، والله أعلم.

وعلى ذلك يخرج قوله - عز وجل -: ﴿ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ ، أي: قطع الخصومات فيما بينهم على التأليف والتلطف وإيصال كل إلى حقه من غير أن يقع بينهم خشونة أو ضغينة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ .

قال بعضهم: ما ذكرنا من القضاء بين الخصوم بالبينة على المدعي واليمين على المنكر، وليس في ذلك كثير منقبة ولا خصوصية.

وقال بعضهم: هو "أما بعد" وهذا أيضاً ليس بشيء، والأصل فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

والخطاب: هو الخصومة؛ قال أبو معاذ: الخطاب: كالجدال والخصام، تقول: خاطبته [خطاباً و] مخاطبة و[جادلته] جدالاً ومجادلة فكل "فاعل" له مصدران: فعال ومفاعلة.

وقال أبو عوسجة: الفصل: القضاء، والخطاب: الخصومة، تقول: خاطبت الرجل، أي: خاصمته.

والإشراق: هو طلوع الشمس ووقوعها في كل ناحية بنورها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ .

قد ذكرنا في غير موضع أن حرف الاستفهام من الله - عز وجل - يخرج على الإيجاب، أو على التقرير والتنبيه.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ على وجهين: أحدهما: أي: قد أتاك نبأ الخصم فتفكر فيه كيف ابتلاه الله - عز وجل - وفتنه [على] ما ذكر؟!

والثاني: قوله - عز وجل -: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ أتاك وأرسل إليك نبأه وخبره: أن كيف ابتلاه وفتنه؟!

وعلى هذا يجوز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ﴾ ، أي: اذكر ما قربه هو، أو اذكر متقربه إياه، أو اذكر خصومة الخصمين إليه، أو اذكر ما أعطى هو من الحكمة والحكم وفصل الخطاب.

ثم قوله: ﴿ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ ﴾ هو حرف التوحيد والوحدان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ ﴾ .

حرف الجماعة؛ وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ ﴾ ذكره بالجماعة؛ وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾ ذكر بحرف الجماعة، وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ ، ثم ذكر بحرف التثنية حيث قال - عز وجل -: ﴿ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ذكر بعضه بحرف الوحدان والإفراد وبعضه بحرف التثنية وهي قصة واحدة.

وقال بعضهم: أما قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْخَصْمِ ﴾ فهو مصدر، والمصدر للجمع والفرد والتثنية واحد، وأما قوله -  -: ﴿ تَسَوَّرُواْ ﴾ و ﴿ دَخَلُواْ ﴾ و ﴿ قَالُواْ ﴾ ، ونحوه قد يقال للاثنين ذلك؛ لأن الاثنين جماعة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا  ﴾ ، والقلوب جماعة، وإنما هو قلبان، وذلك كثير في القرآن، وذلك جائز في اللغة شائع فيها.

وعندنا جائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ تَسَوَّرُواْ ﴾ و ﴿ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ ﴾ و ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ ونحوه: أن كان مع الخصمين الملكين ملائكة سواهم شهود على دعواهما وخصومتهما تسوروا معهما ودخلوا معهما عليه فلما فزع منهم ﴿ قَالُواْ لاَ تَخَفْ ﴾ وإن كان الذي تخاصم بين يديه اثنان؛ لما لا يحتمل أن يقول داود لأحد الخصمين: ﴿ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ﴾ ، ينسبه إلى الظلم ويصفه بالبغي بلا شهود يشهدون، إلا أن يكون من الآخر إقرار على ما يدعي عليه، فإذا كان كذلك فيشبه أن يكون ما ذكرنا أنه كان مع الملكين ملائكة آخرون شهود يشهدون على ذلك، وأن حاصل الخصومة لاثنين منهم، وفيما أضيف الفعل إلى الجماعة كانوا جماعة في التسور والدخول عليه والقول منهم: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ ، وفيما أضيف إلى الاثنين اثنين كانا في الخصومة، والله أعلم.

ثم فيه من الكلام والقول حيث قالا: ﴿ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ، و ﴿ إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ ، ونحوه من الكلام والقول الذي كان منهما كيف حققا ذلك وقطعاه أنهما خصمان ولم يكونا في الحقيقة خصمين وإن لهذا كذا وكذا نعجة ولهذا واحدة، ولم يكن في الحقيقة ذلك، وأن هذا بغى على هذا ونحو ذلك من الخصومات التي جرت بينهما، ولم يكن ذلك كذلك في الحقيقة، كيف قالا ذلك وحققاه وهم ملائكة والملائكة لا يحتمل أن يكذبوا قط، أو يرسلهم الله ليكذبوا؟!

لكنه - والله أعلم - على التقرير والتمثيل، أي: لو كان لأحدهما كذا كذا نعجة وللآخر واحدة فغلب صاحب النعاج الكثيرة على صاحب النعجة الواحدة فأخذها، أليس يكون ظالماً أو يكون باغياً؟!

ليس على التحقيق، ولكن لما ذكرنا يقرران عنده الزلة ويمثلان به القضية، [لا] أن كانت له على ما يقوله أهل التـأويل ويقررونه، وقد ذكر الله - عز وجل - أشياء كثيرة على التمثيل والتقرير على تقرير أشياء غفلوا عنها وسهوا فيها ليتقرر ذلك عندهم؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون خصومة هؤلاء الملائكة عند داود -  - وما كان منهم من القول والخصومة ليتقرر ما كان منه من الهفوة والزلة ليعرف ذلك ويرجع عنه، والله أعلم.

ثم قول أهل التأويل: إن طائراً وقع بين يديه قريباً منه فنظر إليه وصار معجبا به، فهم أن يأخذه وارتفع إلى كوة المحراب فصعد ليأخذه فوقع بصره على امرأة فأعجبته، فإن هذا يحتمل أن يكون، وأما قولهم: أدام النظر أما هذا فإنه لا يحتمل أن يكون مثل داود أو نبي من الأنبياء - عليهم السلام - أنه يديم النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، وأما الأول من الذهاب لطلب ذلك الطائر والنظر إليه أنه من أين؟

وإلى ماذا؟

فذلك يحتمل أن يكون، ثم هو يكون معذوراً في الصعود إلى الكوة والارتفاع للنظر إلى الطائر؛ لما كان الطيور حشرت له وسخرت في التسبيح معه والطاعة له، فجائز أن يكون له البحث والفحص عن حال ذلك الطائر على ما أخبر عن سليمان حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ  ﴾ فإذا كان ما ذكرنا: هو في الصعود إلى الكوة والارتفاع إلى ذلك معذوراً، لكن وقع بصره عليها بلا قصد منه ولا علم بحالها ومال قلبه إليها لحسنها وجمالها، وذلك ما يكون بلا تكلف ولا صنع، وذلك مما لا يملك دفعه؛ نحو ما كان من ميل قلب رسول الله  إلى امرأة زيد [و]وعد لها نكاحها حيث قال - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا  ﴾ وما ذكر من بعث زوجها إلى القتال ليقتل فهذا أيضاً غير محتمل، لكن يحتمل بعثه إياه ليجاهد أعداء الله وكان ذلك فرضاً عليه، فصار مقتولا فيه من غير أن يتوهم منه أنه قصد قتله وإهلاكه، والله أعلم.

فإن قيل: كيف عوتب كل هذا العتاب، حتى بعث إليه الملائكة بالخصومة عنده والتمثيل لما ذكر وتقرير ذلك عنده، ثم أخبر أنه غفر له بعد طول المدة، إن كان معذوراً في ذلك غير مؤاخذ به؟!

قيل: إن الأنبياء - صلوات الله عليهم - أجمعين كانوا يؤاخذون بأدنى شيء كان منهم ما لا يؤاخذ غيرهم بذلك، بل يعدّ ذلك منهم من أرفع الخصال وأجلها نحو ما عوتب يونس -  - في خروجه من بين قومه؛ ليسلم دينه أو نفسه، لكنه خرج بلا إذن كان له من الله؛ فعوتب لذلك؛ فعلى ذلك داود -  - إنما فعل بلا إذن من الله عز وجل، والله أعلم.

ثم في بعث الملائكة إليه فيما ذكر وجوه من الحكمة وأنواع من الفائدة: أحدها: جواز الحجاب والحرس له، حيث دخلوا عليه من غير الباب.

والثاني: رفع الحجاب عن الخصوم لا على وقت حاجة نفسه حيث دخلوا من غير الباب للخصومة بلا إذن منه.

والثالث: قدرة الملائكة على التصور بصورة البشر مع كون النفس الكثيفة موجودة معهم، وذلك يرد على الفلاسفة مذهبهم أن النفس الروحانية خلقت منتشرة متحركة في كل حال، لكن الجسد الذي جعل يمنعها عن ذلك، فإذا نام ذلك الجسد أو مات ذهبت تلك النفس حيث شاءت إلى حاجتها؛ ألا ترى أن الملائكة قد تسوروا عليه بصورة البشر، واختصموا إليه خصومة البشر؟!

دل على أنه ليس على ما وصفوا هم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ ﴾ .

قال بعضهم: صعدوا، وأصل التسور: هو الدخول من العلو والارتفاع وهو النزول من السور وهو الحائط المشرف المرتفع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ﴾ .

لما خاف دخول الوهن في ملكه؛ إذ دخلوا بلا إذن من غير الباب.

أو خاف؛ لما ظن أنهم لصوص مكابرون.

أو لما عرف أنهم ملائكة جاءوا بأمر عظيم ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُشْطِطْ ﴾ .

أي: لا تجر.

وقوله: ﴿ أَكْفِلْنِيهَا ﴾ .

قال بعضهم: أعطينيها.

وقال بعضهم يقال: أكفلته، أي: أعطيته؛ وهو قول أبي عوسجة.

وقال بعضهم: أي: ضمها إلى، واجعلني كافلها؛ وهو قول القتبي.

وقوله: ﴿ وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ .

قال بعضهم: غلبني في الخصومة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .

ثم استثنى: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، أي: الذين آمنوا، واعتقدوا في إيمانهم الأعمال الصالحات، فإنهم لا يبغون بعضهم على بعض، ثم أخبر أن من آمن واعتقد في إيمانه العمل الصالح، أي: من اتقى من المؤمنين قليل و[من] ترك البغي قليل منهم، وهذه الآية شديدة صعبة على ما ذكرنا.

وفيه أن المؤمن الذي اعتقد في إيمانه العمل الصالح وترك البغي على غيره - قليل في كل زمان ودهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ .

أي: علم داود وأيقن أن خصومة الملكين عنده فيما اختصما فيه محنة له، هو الممتحن بها، لا أنهما كانا ممتحنين بذلك؛ فاستغفر ربه إذ أيقن بذلك أنه هو الممتحن بذلك لا غيره، والله أعلم.

ثم فسر أهل التأويل الظن هاهنا: الإيقان، أي: أيقن، وكأن الإيقان هو علم يستفاد بالأسباب، على ما استفاد داود -  - علما بخصومة الملكين عنده؛ ولذلك لا يضاف الإيقان إلى الله أنه أيقن كذا لأنه علم يستفاد بالأسباب، وهو عالم بذاته لا بسبب، وأما العلم فإنه قد يستفاد بسبب وبغير [سبب]؛ لذلك أضيف إليه حرف العلم ولم يضف حرف الإيقان، والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في ذكر زلات الرسل - عليهم السلام - والأصفياء في الكتاب، وهو وصف نفسه أنه غفور وأنه ستور، وقد أمرنا لنستر على من ارتكب شيئاً من ذلك وبالغفران والعفو، فكيف ذكر هو زلات أنبيائه وأصفيائه حتى نقرأ زلاتهم في المساجد والمكاتب بأعلى صوت إلى يوم التناد، وما الحكمة في ذكر ذلك؟!

قال الشيخ أبو منصور محمد بن محمد الفقيه -  -: يخرج ذكر زلات الأنبياء - عليهم السلام - في القرآن وترك الستر عليهم على وجوه: أحدها: ذكرها؛ ليكون ذلك آية لرسالة محمد  ؛ لأن قلوب الخلق وأنفسهم لا يحتمل ذكر مساوئ الآباء والأجداد، وكذلك لا تحتمل قلوبهم ذكر مساوئ أنفسهم، فإذا ذكر رسول الله  ذلك؛ دل أنه على أمر من الله - عز وجل - يذكر ذلك؛ ليعلم الناس أنه رسول الله  ، وأنه عن أمر منه ذكر ذلك، والله أعلم.

والثاني: ذكر زلاتهم امتحاناً منه عباده أن كيف يعاملون رسلهم بعد ما عرفوا منهم الزلات وأظهر عنهم العثرات؟

وكيف ينظرون بعين الرحمة والرأفة؟

يمتحنهم بذلك على ما امتحنهم بسائر أنواع المحن.

والثالث: ذكر زلاتهم ليعلموا - أعني: الخلق - كيف عاملوا ربهم عند ارتكابهم الزلات والعثرات؟

فيعاملون ربهم عند ارتكابهم ذلك على ما عامله الرسل بالبكاء والتضرع والفزع إليه والتوبة على ذلك، والله أعلم.

أو أن يكون ذكرها؛ ليعلم أن ارتكاب الصغائر لا يزيل الولاية ولا يخرجه من الإيمان، وذلك على الخوارج بقولهم: إن من ارتكب صغيرة أو كبيرة خرج من الإيمان.

أو أن يكون ذلك؛ ليعلم أن الصغيرة ليست بمغفورة، ولكن له أن يعذب عليها، وليس على ما قالت المعتزلة أن ليس لله أن يعذب أحداً على الصغيرة، والله أعلم.

وزلات الأنبياء - عليهم السلام - في قلوب الناس، فخافوا عليها، فلولا أنهم عرفوا أن لله أن يعذبهم عليها وإلا لم يخافوا منها كل ما ذكر منهم، يذكر عن الحسن أن داود جزأ الدهر أجزاء: يوماً لنسائه، ويوماً لعبادة ربه، ويوماً لقضاء بني إسرائيل، ويوماً لعباد بني إسرائيل: [يذكرهم] ويذكرونه، ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب به ذنباً؟

فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك، قال: فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر ألا يدخل عليه أحد، فأكب على الزبور يقرأها فابتلي بما ذكروا، قال: ولذلك سمي: أواباً، والله أعلم.

وابن عباس وهؤلاء قالوا: "إنه كان له تسع وتسعون امرأة، فكان يكون عند كل امرأة يوماً فإذا كان رأس المائة يفرغ للعبادة، ففي ذلك اليوم أصابه ما أصابه".

وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ ﴾ أي: غالبني في الكلام، أراد إذا تكلم أن يكون أبين مني، وإذا دعا ودعوت كان أكثر مني أو ما قلت أن يكون أعرض، على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ﴾ .

أي: زلته التي كانت منه وعثرته، وما يقول أهل التأويل: ربه أوحى إليه: أني قد غفرت لك، لكن لا بد أن يتعلق بك أوريَّا في رءوس الخلائق، ثم أستوهبك منه أو عوض كذا - فذلك مما لا نقول به ولا نعلم ذلك، ولا يصح ذلك، ولا يستقيم على ما ذكرنا نحن: أنه لم يكن منه أوريَّا ما يلحقه ما يذكرون، إنما أمره بمجاهدة أعداء الله وكان له أن يأمر، إلا أنه عوتب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون بأدنى شيء كان منهم، ويعيرون على ذلك؛ لذلك كان ما ذكرنا، وقد عرفنا أنه كان منه شيء عوتب عليه، ثم علمنا أن ربه غفر له بقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ﴾ ، فأما ما سوى ذلك الذي ذكره أهل التأويل فلا نعرفه، فإن صح شيء منه يقال به، وإلا الترك أولى به وأسلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ في باقي عمره، أي: له في باقي عمره ما يزلفه لدينا، ويقربه عندنا، والله أعلم.

أو أن يكون له زلفى عنده في الآخرة، أي: له كرامة ومنزلة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

يحتمل قوله: في جملة أهل الأرض من الرسل والأنبياء والملوك وغيرهم على الشريف والوضيع، والله أعلم.

ويحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ في الرسل خاصة، وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد، إلا أن أحدهما يرجع إلى العامة منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ .

ثم لم ينهه عن هوى النفس، ولكن نهاه عن اتباع هواها أن النفس قد تهوى في الحكم بغير حق حيث قال: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ ؛ لأن النفس أنشئت على الهوى والميل إلى اللذات والشهوات وعلى ذلك طبعت وبنيت؛ فيكون في هواها إلى ما تهوى مدفوعاً غير مالك ولا قادر على دفعه؛ لذلك لم ينه عن هواها ولكن نهاه عن اتباع هواها، ويقدر على منعها بالعقل وردها إلى اتباع الحق؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

ذكر أنه لو اتبع هواها أضله عن سبيله، ولا كل هوى إذا اتبعه المرء، أضله عن سبيله، لكنه إذا اتبعه في شيء بعد شيء يحمله على الإضلال عن سبيله؛ إذ من ضل عن سبيله إنما يضل لاتباعه هواه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ  ﴾ : أخبر أن من اتخذ إلها دونه إنما اتخذه بهواه لا بحجة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

أي: تركوا الأعمال التي تعمل ليوم الحساب.

أو ﴿ بِمَا نَسُواْ ﴾ أي: بما تركوا الإيمان به والإقرار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهل جاءك -أيها الرسول- خبر المتخاصمَيْن حين عَلَوَا على داود  مكان عبادته.

<div class="verse-tafsir" id="91.aYON7"

مزيد من التفاسير لسورة ص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده