الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٤٣ من سورة ص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 118 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٣ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ولهذا قال تعالى : ( ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب ) قال الحسن وقتادة : أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم .
وقوله : ( رحمة منا ) أي : به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته ( وذكرى لأولي الألباب ) أي : لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة .
القول في تأويل قوله تعالى : وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ (43) اختلف أهل التأويل في معنى قوله ( وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك والصواب من القول عندنا فيه في سورة الأنبياء بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
فتأويل الكلام: فاغتسل وشرب, ففرجنا عنه ما كان فيه من البلاء, ووهبنا له أهله, من زوجة وولد ( وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا ) له ورأفة ( وَذِكْرَى ) يقول: وتذكيرا لأولي العقول, ليعتبروا بها فيتعظوا.
وقد حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني نافع بن يزيد, عن عقيل, عن ابن شهاب, عن أنس بن مالك, أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: " إنَّ نَبِيَّ الله أيُّوبَ لَبِثَ بِهِ بَلاؤهُ ثَمانِيَ عَشْرَة سَنَة, فَرَفَضَه القَرِيبُ وَالبَعِيدُ, إلا رَجُلانِ مِنْ إخْوَانِهِ كانا مِنْ أخَصّ إخْوَانِهِ بِهِ, كَانَا يَغْدُوانِ إلَيْهِ ويَرُوحانِ, فَقالَ أحَدُهُما لِصَاحِبه: تَعْلَم والله لَقَدْ أذْنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أذْنَبَهُ أحَدٌ مِنَ العَالَمِينَ, قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: ومَا ذَاكَ؟
قَالَ: مِنْ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ الله فَيَكْشِفَ ما بِهِ; فَلَمَّا رَاحا إلَيْهِ لَمْ يَصْبِر الرَّجُلُ حتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ, فقَالَ أيَّوُّبُ: لا أدْرِي ما تَقُولُ, غَيرَ أنَّ الله يَعْلَمُ أنِّي كُنْتُ أمُرُّ على الرُّجُلَيْنِ يَتَنازَعانِ فَيَذْكُرَانِ الله, فَأَرْجِعَ إلى بَيْتِي فَأكفِّرُ عَنْهُما كَرَاهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ الله إلا في حَقّ" ; قال: " وكان يَخْرُجُ إلى حاجَتِهِ, فإذَا قَضَاها أمْسَكَت امْرأُتُه بِيَدِهِ حتى يَبْلُغ فَلَما كانَ ذاتَ يَوْمٍ أبْطَأُ عَلَيْها, وأوحِيَ إلى أيُّوب في مَكانِهِ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ فاسْتَبطأتَهُ, فَتَلقتهُ تَنْظُرُ, فأقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أذْهَبَ الله ما بِهِ مِنَ البَلاءِ, وَهُوَ عَلى أحْسَنِ ما كانَ .
فَلَمَّا رَأتْهُ قَالَتْ: أيْ بارَكَ الله فِيكَ, هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ الله هَذَا المُبْتَلى, فوالله على ذلك ما رَأَيْتُ أحَدًا أشْبَهَ بِهِ منْكَ إذْ كانَ صحيحا؟
قال: فإنّي أنا هُوَ ، قال: وكانَ لَهُ أنْدرَانِ: أنْدَرٌ للْقَمْحِ, وأنْدَرٌ للشَّعِيرِ, فَبَعَثَ الله سَحَابَتَيْنِ, فَلَمَّا كانَتْ إحْداهُما على أنْدَرِ القَمْحِ, أفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حتى فاضَ, وأفرغَتِ الأخْرَى في أنْدَرِ الشَّعِيرِ الوَرِق حتى فاضَ .
" حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ ) قال: قال الحسن وقتادة: فأحياهم الله بأعيانهم, وزادهم مثلهم .
حدثني محمد بن عوف, قال: ثنا أبو المغيرة, قال: ثنا صفوان, قال: ثنا عبد الرحمن بن جُبَير, قال: لما ابتُلي نبيّ الله أيوب صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بماله وولده وجسده, وطُرح في مَزْبَلة, جعلت امرأته تخرج تكسب عليه ما تطعمه, فحسده الشيطان على ذلك, وكان يأتي أصحاب الخبز والشويّ الذين كانوا يتصدّقون عليها, فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم, فإنها تعالج صاحبها وتلمسه بيدها, فالناس يتقذّرون طعامكم من أجل أنها تأتيكم وتغشاكم على ذلك; وكان يلقاها إذا خرجت كالمحزون لمَا لقي أيوب, فيقول: لَجَّ صاحبك, فأبى إلا ما أتى, فوالله لو تكلم بكلمة واحدة لكشف عنه كلّ ضرّ, ولرجع إليه ماله وولده, فتجيء, فتخبر أيوب, فيقول لها: لقيك عدوّ الله فلقنك هذا الكلام; ويلك, إنما مثلك كمثل المرأة الزانية إذا جاء صديقها بشيء قبلته وأدخلته, وإن لم يأتها بشيء طردته, وأغلقت بابها عنه!
لما أعطانا الله المال والولد آمنا به, وإذا قبض الذي له منا نكفر به, ونبدّل غيره !
إن أقامني الله من مرضي هذا لأجلدنَّك مئةً, قال: فلذلك قال الله: ( وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ )
قوله تعالى : ووهبنا له أهله ومثلهم معهم تقدم في ( الأنبياء ) الكلام فيه .
رحمة منا أي نعمة منا .
وذكرى لأولي الألباب أي عبرة لذوي العقول .
{ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ } قيل: إن اللّه تعالى أحياهم له { وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } في الدنيا، وأغناه اللّه، وأعطاه مالا عظيما { رَحْمَةً مِنَّا } بعبدنا أيوب، حيث صبر فأثبناه من رحمتنا ثوابا عاجلا وآجلا.
{ وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ } أي: وليتذكر أولو العقول بحالة أيوب ويعتبروا، فيعلموا أن من صبر على الضر، أن اللّه تعالى يثيبه ثوابا عاجلا وآجلا، ويستجيب دعاءه إذا دعاه.
" ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمةً منا وذكرى لأولي الألباب "
«ووهبنا له أهله ومثلهم معهم» أي أحيا الله له من مات من أولاده ورزقه مثلهم «رحمة» نعمة «منا وذكرى» عظة «لأولي الألباب» لأصحاب العقول.
فكشفنا عنه ضره وأكرمناه ووهبنا له أهله من زوجة وولد، وزدناه مثلهم بنين وحفدة، كل ذلك رحمة منَّا به وإكرامًا له على صبره، وعبرة وذكرى لأصحاب العقول السليمة؛ ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج وكشف الضر.
ثم بين - سبحانه - أنه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه ، بل أضاف إلى ذلك أن وهب له الأهل والولد فقال - تعالى - : ( وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وذكرى لأُوْلِي الألباب ) .والآية الكريمة معطوفة على مقدر يفهم من السياق أى : استجاب أيوب لتوجيهنا ، فاغتسل وشرب من الماء ، فكشفنا عنه ما نزل به من بلاء ، وعاد أيوب معافى ، ولم نكتف بذلك بل وهبنا له أهله .
ووهبنا له ( وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ) أى : بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد الأولاد الذين كانوا معه قبل شفائه من مرضه ، فصار عددهم مضاعفا .وذلك كله ( رَحْمَةً مِّنَّا ) أى من أجل رحمتنا به ( وذكرى لأُوْلِي الألباب ) أى : ومن أجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة ، فيصبروا على الشدائد كما صبر أيوب ، ويلجأوا إلى الله - تعالى - كما لجأ ، فينالوا منا الرحمة والعطاء الجزيل .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله : ( وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ ) الجمهور على أنه - تعالى - أحيا له من مات من أهله ، وعافى المرضى ، وجمع له من تشتت منهم ، وقيل - وإليه أميل - وهبه من كان حيا منهم ، وعافاه من الأسقام ، وأرغد لهم العيش فتناسلوا حتى بلغ عددهم عدد من مضى ، ومثلهم معهم ، فكان له ضعف ما كان ، والظاهر أن هذه الهبة كانت فى الدنيا .
اعلم أن هذا هو القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان ممن خصه الله تعالى بأنواع البلاء، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار.
كأن الله تعالى قال: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالاً وجاهاً من داود وسليمان عليهما السلام، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لابد له من الصبر على المكاره، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: أيوب عطف بيان، وإذ بدل اشتمال منه ﴿ أَنّى مَسَّنِىَ ﴾ أي بأني مسني حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك لقال بأنه مسه لأنه غائب، وقرئ: ﴿ بِنُصْبٍ ﴾ بضم النون وفتحها مع سكون الصاد وفتحها وضمها، فالنصب والنصب، كالرشد والرشد، والعدم والعدم، والسقم والسقم، والنصب على أصل المصدر، والنصب تثقيل نصب، والمعنى واحد، وهو التعب والمشقة والعذاب والألم.
واعلم أنه كان قد حصل عنده نوعان من المكروه: الغم الشديد بسبب زوال الخيرات وحصول المكروهات، والألم الشديد في الجسم ولما حصل هذان النوعان لا جرم، ذكر الله تعالى لفظين وهما النصب والعذاب.
المسألة الثانية: للناس في هذا الموضع قولان الأول: أن الآلام والأسقام الحاصلة في جسمه إنما حصلت بفعل الشيطان الثاني: أنها إنما حصلت بفعل الله، والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان هو عذاب الوسوسة، وإلقاء الخواطر الفاسدة.
وأما القول الأول: فتقريره ما روي أن إبليس سأل ربه، فقال هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟
فقال الله: نعم عبدي أيوب، فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عياناً ولا يلتفت إليه، فقال: يا رب إنه قد امتنع علي فسلطني على ماله، وكان يجيئه ويقول له: هلك من مالك كذا وكذا، فيقول الله أعطى والله أخذ، ثم يحمد الله، فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده، فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية، فجاءه وأخبره به فلم يلتفت إليه، فقال يا رب لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده، فأذن فيه، فنفخ في جلد أيوب، وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فيه، فمكث في ذلك البلاء سنين، حتى صار بحيث استقذره أهل بلده، فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد، فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال لو أن زوجك استعان بي لخلصته من هذا البلاء، فذكرت المرأة ذلك لزوجها، فحلف بالله لئن عافاه الله ليجلدنها مائة جلدة، وعند هذه الواقعة قال: ﴿ إِنّي مَسَّنِىَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ فأجاب الله دعاءه، وأوحى إليه ﴿ أن اركض بِرِجْلِكَ ﴾ فأظهر الله من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها، فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه، ورد عليه أهله وماله.
والقول الثاني: أن الشيطان لا قدرة له ألبتة على إيقاع الناس في الأمراض والآلام، والدليل عليه وجوه: الأول: أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان، فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان، ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات، فقد حصل بفعل الشيطان، وحينئذٍ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أن معطي الحياة والموت والصحة والسقم، هو الله تعالى الثاني: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء، ولم لا يخرب دورهم، ولم لا يقتل أولادكم الثالث: أنه تعالى حكى عن الشيطان أنه قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى ﴾ فصرح بأنه لا قدرة له في حق البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة، وذلك يدل على قول من يقول إن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض والآفات، فإن قال قائل: لم لا يجوز أن يقال إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن على وفق التماس الشيطان؟
قلنا فإذا كان لابد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى، فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك؟
بل الحق أن المراد من قوله: ﴿ إِنّي مَسَّنِىَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة والخواطر الباطنة كان يلقيه في أنواع العذاب والعناء، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا فيه وجوهاً الأول: أن علته كانت شديدة الألم، ثم طالت مدة تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته، ولم يبق له شيء من الأموال ألبتة.
وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل له قدر القوت، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم ومن الاشتغال بخدمتهم، والشيطان كان يذكره النعم التي كانت والآفات التي حصلت، وكان يحتال في دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله، وقال: ﴿ إِنّى مَسَّنِيَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد.
الثاني: أنها لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان وكان يقنطه من ربه ويزين له أن يجزع فخاف من تأكد خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال: ﴿ إِنّي مَسَّنِىَ الشيطان ﴾ .
الثالث: قيل إن الشيطان لما قال لامرأته لو أطاعني زوجك أزلت عنه هذه الآفات فذكرت المرأة له ذلك، فغلب على ظنه أن الشيطان طمع في دينه فشق ذلك عليه فتضرع إلى الله تعالى وقال: ﴿ إِنّي مَسَّنِىَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ .
الرابع: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه بقي أيوب في البلاء ثمان عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد إلا رجلين، ثم قال أحدهما لصاحبه لقد أذنب أيوب ذنباً ما أتى به أحد من العالمين، ولولاه ما وقع في مثل هذا البلاء، فذكروا ذلك لأيوب عليه السلام، فقال: لا أدري ما تقولان غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأنفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في الحق الخامس: قيل إن امرأته كانت تخدم الناس فتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به إلى أيوب، فاتفق أنهم ما استخدموها ألبتة وطلب بعض النساء منها قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت، ثم في اليوم الثاني ففعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة.
وكان أيوب عليه السلام إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك الذؤابة، فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر المؤذية في قلبه واشتد غمه، فعند ذلك قال: ﴿ إِنّي مَسَّنِىَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ .
السادس: قال في بعض الأيام: يا رب لقد علمت ما اجتمع علي أمران إلا آثرت طاعتك، ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيماً، ولابن السبيل معيناً، ولليتامى أباً!
فنودي من غمامة يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق؟
فأخذ أيوب التراب ووضعه على رأسه، وقال منك يا رب ثم خاف من الخاطر الأول فقال: ﴿ مَسَّنِىَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ وقد ذكروا أقوالاً أخرى، والله أعلم بحقيقة الحال، وسمعت بعض اليهود يقول: إن لموسى بن عمران عليه السلام كتاباً مفرداً في واقعة أيوب، وحاصل ذلك الكتاب أن أيوب كان رجلاً كثير الطاعة لله تعالى مواظباً على العبادة، مبالغاً في التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله، ثم إنه وقع في البلادء الشديد والعناء العظيم، فهل كان ذلك لحكمة أم لا؟
فإن كان ذلك لحكمة فمن المعلوم أنه ما أتى بجرم في الزمان السابق حتى يجعل ذلك العذاب في مقابلة ذلك الجرم، وإن كان ذلك لكثرة الثواب فالإله الحكيم الرحيم قادر على إيصال كل خير ومنفعة إليه من غير توسط تلك الآلام الطويلة والأسقام الكريهة.
وحينئذٍ لا يبقى في تلك الأمراض والآفات فائدة، وهذه كلمات ظاهرة جلية وهي دالة على أن أفعال ذي الجلال منزهة عن التعليل بالمصالح والمفاسد، والحق الصريح أنه ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ .
المسألة الثالثة: لفظ الآية يدل على أن ذلك النصب والعذاب إنما حصل من الشيطان ثم ذلك العذاب على القول الأول عبارة عما حصل في بدنه من الأمراض، وعلى القول الثاني عبارة عن الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب إلقاء الوساوس، وعلى التقديرين فيلزم إثبات الفعل للشيطان، وأجاب أصحابنا رحمهم الله بأنا لا ننكر إثبات الفعل للشيطان لكنا نقول فعل العبد مخلوق لله تعالى على التفصيل المعلوم.
أما قوله تعالى: ﴿ اركض بِرِجْلِكَ ﴾ فالمعنى أنه لما شكى من الشيطان، فكأنه سأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية فأجابه الله إليه بأن قال له: ﴿ اركض بِرِجْلِكَ ﴾ والركض هو الدفع القوي بالرجل، ومنه ركضك الفرس، والتقدير قلنا له اركض برجلك، قيل إنه ضرب رجله تلك الأرض فنبعت عين فقيل: ﴿ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ أي هذا ماء تغتسل به فيبرأ باطنك، وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء اغتسل فيه وشرب منه.
والمفسرون قالوا نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى، فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن الله، وقيل ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها.
ثم قال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ ﴾ فقد قيل هم عين أهله وزيادة مثلهم، وقيل غيرهم مثلهم، والأول: أولى لأنه هو الظاهر فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة، ثم اختلفوا فقال بعضهم: معناه أزلنا عنهم السقم فعادوا أصحاء، وقال بعضهم: بل حضروا عنده بعد أن غابوا عنه واجتمعوا بعد أن تفرقوا.
وقال بعضهم: بل تمكن منهم وتمكنوا منه فيما يتصل بالعشرة وبالخدمة.
أما قوله: ﴿ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ﴾ فالأقرب أنه تعالى متعه بصحته وبماله وقواه حتى كثر نسله وصار أهله ضعف ما كان وأضعاف ذلك، وقال الحسن رحمه الله: المراد بهبة الأهل أنه تعالى أحياهم بعد أن هلكوا.
ثم قال: ﴿ رَحْمَةً مّنَّا ﴾ أي إنما فعلنا كل هذه الأفعال على سبيل الفضل والرحمة، لا على سبيل اللزوم.
ثم قال: ﴿ وذكرى لأِوْلِى الألباب ﴾ يعني سلطناً البلاء عليه أولاً فصبر ثم أزلنا عنه البلاء وأوصلناه إلى الآلاء والنعماء، تنبيهاً لأولي الألباب على أن من صبر ظفر، والمقصود منه التنبيه على ما وقع ابتداء الكلام به وهو قوله لمحمد: ﴿ اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ ﴾ وقالت المعتزلة قوله تعالى: ﴿ رَحْمَةً مّنَّا وذكرى لأِوْلِى الألباب ﴾ يعني إنما فعلناها لهذه الأغراض والمقاصد، وذلك يدل على أن أفعال الله وأحكامه معللة بالأغراض والمصالح والكلام في هذا الباب قد مر غير مرة.
أما قوله تعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً ﴾ فهو معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك.
واعلم أن هذا الكلام يدل على تقدم يمين منه، وفي الخبر أنه حلف على أهله، ثم اختلفوا في السبب الذي لأجله حلف عليها، ويبعد ما قيل إنها رغبته في طاعة الشيطان، ويبعد أيضاً ما روي أنها قطعت الذوائب عن رأسها لأن المضطر إلى الطعام يباح له ذلك بل الأقرب أنها خالفته في بعض المهمات، وذلك أنها ذهبت في بعض المهمات فأبطأت فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برئ، ولما كانت حسنة الخدمة له لا جرم حلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها، وهذه الرخصة باقية، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بمجذم خبث بأمة فقال: «خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة».
ثم قال تعالى: ﴿ إنا وجدناه صابراً ﴾ فإن قيل كيف وجده صابراً وقد شكى إليه، والجواب من وجوه: الأول: أنه شكى من الشيطان إليه وما شكى منه إلى أحد الثاني: أن الألم حين كان على الجسد لم يذكر شيئاً فلما عظمت الوساوس خاف على القلب والدين فتضرع الثالث: أن الشيطان عدو، والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر، ثم قال: ﴿ نعم العبد إنه أواب ﴾ وهذا يدل على أن تشريف نعم العبد، إنما حصل لكونه أواباً، وسمعت بعضهم قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿ نعم العبد ﴾ في حق سليمان عليه السلام تارة، وفي حق أيوب عليه السلام أخرى عظم الغم في قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا إن قوله تعالى: ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ في حق سليمان تشريف عظيم، فإن احتجنا إلى اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان حتى بحد هذا التشريف لم نقدر عليه، وإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه، فكيف السبيل إلى تحصيله.
فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ﴾ والمراد أنك إن لم تكن ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ فأنا ﴿ نِعْمَ المولى ﴾ وإن كان منك الفضول، فمني الفضل، وإن كان منك التقصير، فمني الرحمة والتيسير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَيُّوبَ ﴾ عطف بيان.
و ﴿ إِذْ ﴾ بدل اشتمال منه ﴿ أَنّى مَسَّنِىَ ﴾ بأني مسني: حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك لقال بأنه مسّه: لأنه غائب.
وقرئ: ﴿ بنصب ﴾ بضم النون وفتحها مع سكون الصاد، وبفتحهما، وضمهما، فالنصب والنصب: كالرشد الرشد، والنصب: على أصل المصدر، والنصب: تثقيل نصب، والمعنى واحد، وهو التعب والمشقة.
والعذاب: الألم، يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب.
وقيل: الضرّ في البدن، والعذاب في ذهاب الأهل والمال.
فإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان، ولا يجوز أن يسلطه الله على أنبيائه ليقضي من إِتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحاً إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرّر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟
قلت: لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس سبباً فيما مسه الله به من النصب والعذاب، نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو.
وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل.
وروى أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين، فارتد أحدهم، فسأل عنه فقيل: ألقى إليه الشيطان: إن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين، وذكر في سبب بلائه أنّ رجلاً استغاثه على ظالم فلم يغثه.
وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر، فداهنه ولم يغزه.
وقيل: أعجب بكثرة ماله ﴿ اركض بِرِجْلِكَ ﴾ حكاية ما أجيب به أيوب عليه السلام، أي: اضرب برجلك الأرض.
وعن قتادة: هي أرض الجابية فضربها، فنبعت عين فقيل: ﴿ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ أي: هذا ماء تغتسل به وتشرب منه، فيبرأ باطنك وظاهرك، وتنقلب ما بك قلبة.
وقيل: نبعت له عينان، فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى، فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله، وقيل: ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها، ثم باليسرى فنبعت باردة فشرب منها ﴿ رَحْمَةً مّنَّا وذكرى ﴾ مفعول لهما.
والمعنى: أنّ الهبة كانت للرحمة له ولتذكير أولى الألباب، لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره، رغبهم في الصبر على البلاء وعاقبة الصابرين وما يفعل الله بهم ﴿ وَخُذْ ﴾ معطوف على اركض.
والضغث: الحزمة من حشيش أو ريحان أو غير ذلك.
وعن ابن عباس: قبضة من الشجر، كان حلف في مرضه ليضربنّ امرأته مائة إذا برأ، فحلل الله يمينه بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها، وهذه الرخصة باقية.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أتى بمخدج، وقد خبث بأمة، فقال: «خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة» ويجب أن يصيب المضروب كل واحد من المائة، إمّا أطرافها قائمة، وإما أعراضها مبسوطة مع وجود صورة الضرب، وكان السبب في يمينه أنها أبطأت عليه ذاهبة في حاجة فحرج صدره، وقيل: باعت ذؤابتيها برغيفين وكانتا متعلق أيوب إذا قام.
وقيل: قال لها الشيطان: اسجدي لي سجدة فأردّ عليكم مالكم وأولادكم، فهمت بذلك فأدركتها العصمة، فذكرت ذلك له، فحلف.
وقيل: أوهمها الشيطان أن أيوب إذا شرب الخمر برأ، فعرضت له بذلك.
وقيل: سألته أن يقرب للشيطان بعناق ﴿ وجدناه صَابِراً ﴾ علمناه صابراً.
فإن قلت: كيف وجده صابراً وقد شكا إليه ما به واسترحمه؟
قلت: الشكوى إلى الله عزّ وعلا لا تسمى جزعاً، ولقد قال يعقوب عليه السلام: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى الله ﴾ [يوسف: 86] وكذلك شكوى العليل إلى الطبيب، وذلك أن أصبر الناس على البلاء لا يخلو من تمني العافية وطلبها، فإذا صحّ أن يسمى صابراً مع تمني العافية وطلب الشفاء، فليسم صابراً مع اللجإ إلى الله تعالى، والدعاء بكشف ما به ومع التعالج ومشاورة الأطباء، على أن أيوب عليه السلام كان يطلب الشفاء خيفة على قومه من الفتنة، حيث كان الشيطان يوسوس إليهم كما كان يوسوس إليه أنه لو كان نبياً لما ابتلي بمثل ما ابتلي به، وإرادة القوة على الطاعة، فقد بلغ أمره إلى أن لم يبق منه إلاّ القلب واللسان.
ويروى: أنه قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي، ولم يتبع قلبي بصري، ولم يهبني ما ملكت يميني، ولم آكل إلاّ ومعي يتيم، ولم أبت شبعان ولا كاسياً ومعي جائع أو عريان؛ فكشف الله عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ ﴾ هو ابْنُ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ وامْرَأتُهُ لِيا بِنْتُ يَعْقُوبَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
﴿ إذْ نادى رَبَّهُ ﴾ بَدَلٌ مِن ( عَبْدِنا ) و ( أيُّوبَ ) عَطْفُ بَيانٍ لَهُ.
﴿ أنِّي مَسَّنِيَ ﴾ بِأنِّي مَسَّنِيَ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِإسْكانِ الياءِ وإسْقاطِها في الوَصْلِ.
﴿ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ ﴾ بِتَعَبٍ.
﴿ وَعَذابٍ ﴾ ألَمٍ وهي حِكايَةٌ لِكَلامِهِ الَّذِي ناداهُ بِهِ ولَوْلا هي لَقالَ: إنَّهُ مَسَّهُ، والإسْنادُ إلى ( الشَّيْطانِ ) إمّا لِأنَّ اللَّهَ مَسَّهُ بِذَلِكَ لِما فَعَلَ بِوَسْوَسَتِهِ كَما قِيلَ: إنَّهُ أُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ أوِ اسْتَغاثَهُ مَظْلُومٌ فَلَمْ يُغِثْهُ، أوْ كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ فَداهَنَهُ ولَمْ يَغْزُهُ، أوْ لِسُؤالِهِ امْتِحانًا لِصَبْرِهِ فَيَكُونُ اعْتِرافًا بِالذَّنْبِ أوْ مُراعاةً لِلْأدَبِ، أوْ لِأنَّهُ وسْوَسَ إلى أتْباعِهِ حَتّى رَفَضُوهُ وأخْرَجُوهُ مِن دِيارِهِمْ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالنُّصْبِ والعَذابِ ما كانَ يُوَسْوِسُ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن عِظَمِ البَلاءِ والقُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ ويُغْرِيهِ عَلى الجَزَعِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ النُّونِ عَلى المَصْدَرِ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ وهو لُغَةٌ كالرُّشْدِ والرَّشَدِ وبِضَمَّتَيْنِ لِلتَّثْقِيلِ.
﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ﴾ حِكايَةٌ لِما أُجِيبَ بِهِ أيِ اضْرِبْ بِرِجْلِكَ الأرْضَ.
﴿ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ أيْ فَضَرَبَها فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقِيلَ: هَذا مُغْتَسَلٌ أيْ ماءٌ تَغْتَسِلُ بِهِ وتَشْرَبُ مِنهُ فَيَبْرَأُ باطِنُكَ وظاهِرُكَ، وقِيلَ: نَبَعَتْ عَيْنانِ حارَّةٌ وبارِدَةٌ فاغْتَسَلَ مِنَ الحارَّةِ وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى.
﴿ وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ﴾ بِأنْ جَمَعْناهم عَلَيْهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ أوْ أحْيَيْناهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ، وقِيلَ: وهَبْنا لَهُ مِثْلَهم.
﴿ وَمِثْلَهم مَعَهُمْ ﴾ حَتّى كانَ لَهُ ضِعْفُ ما كانَ.
﴿ رَحْمَةً مِنّا ﴾ لِرَحْمَتِنا عَلَيْهِ ﴿ وَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ وتَذْكِيرًا لَهم لِيَنْتَظِرُوا الفَرَجَ بِالصَّبْرِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ فِيما يَحِيقُ بِهِمْ.
﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴾ عَطْفٌ عَلى ارْكُضْ والضِّغْثُ الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ الحَشِيشِ ونَحْوِهِ.
﴿ فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ ﴾ رُوِيَ أنَّ زَوْجَتَهُ لِيا بِنْتَ يَعْقُوبَ وقِيلَ: رَحْمَةُ بِنْتُ إفْراثِيمَ بْنِ يُوسُفَ ذَهَبَتْ لِحاجَةٍ فَأبْطَأتْ فَحَلَفَ إنْ بَرِئَ ضَرَبَها مِائَةَ ضَرْبَةٍ، فَحَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِذَلِكَ وهي رُخْصَةٌ باقِيَةٌ في الحُدُودِ.
﴿ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا ﴾ فِيما أصابَهُ في النَّفْسِ والأهْلِ والمالِ، ولا يُخِلُّ بِهِ شَكْواهُ إلى اللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ لا يُسَمّى جَزَعًا كَتَمَنِّي العافِيَةِ وطَلَبِ الشِّفاءِ مَعَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ خِيفَةَ أنْ يَفْتِنَهُ أوْ قَوْمَهُ في الدِّينِ.
﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ أيُّوبُ.
﴿ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ مُقْبِلٌ بِشَراشِرِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} قيل أحياهم الله تعالى بأعيانهم وزاده مثلهم {رَحْمَةً مّنَّا وذكرى لأُِوْلِى الألباب} مفعول لهما أي الهبة كانت للرحمة له ولتذكير أولى الألباب لأنهم إذا سمعوا بما أنعمنا به عليه لصبره رغبهم في الصبر على البلاء
﴿ ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ﴾ بِإحْيائِهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.
ورَوى الطَّبَرْسِيُّ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أهْلَهُ الَّذِينَ كانُوا ماتُوا قَبْلَ البَلِيَّةِ، وأهْلَهُ الَّذِينَ ماتُوا، وهو في البَلِيَّةِ، وفي البَحْرِ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن تَشَتَّتَ مِنهُمْ، وقِيلَ: وإلَيْهِ أمِيلُ، وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهُمْ، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ فَتَناسَلُوا حَتّى بَلَغَ عَدَدُهم مَن مَضى، ﴿ ومِثْلَهم مَعَهُمْ ﴾ فَكانَ لَهُ ضِعْفُ ما كانَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الهِبَةَ كانَتْ في الدُّنْيا، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ هَذا وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهِبَةُ في الآخِرَةِ، ﴿ رَحْمَةً مِنّا ﴾ أيْ لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِنا.
﴿ وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ وتَذْكِيرًا لَهم بِذَلِكَ لِيَصْبِرُوا عَلى الشَّدائِدِ كَما صَبَرَ ويَلْجَؤُوا إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يُصِيبُهُمْ، كَما لَجَأ، لِيَفْعَلَ سُبْحانَهُ بِهِمْ، فافْعَلْ بِهِ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ.
رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْتُلِيَ سَبْعَ سِنِينَ، وأشْهُرًا، وأُلْقِيَ عَلى كُناسَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، تَخْتَلِفُ الدَّوابُّ في جَسَدِهِ، فَصَبَرَ، فَفَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأعْظَمَ لَهُ الأجْرَ، وأحْسَنَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ صارَ ما بَيْنَ قَدَمَيْهِ إلى قَرْنِهِ قُرْحَةً واحِدَةً، وأُلْقِي عَلى الرَّمادِ حَتّى بَدا حِجابُ قَلْبِهِ، فَكانَتِ امْرَأتُهُ تَسْعى إلَيْهِ فَقالَتْ لَهُ يَوْمًا: أما تَرى يا أيُّوبُ قَدْ نَزَلَ بِي، واللَّهِ مِنَ الجَهْدِ، والفاقَةِ ما إنْ بِعْتُ قُرُونِي بِرَغِيفٍ، فَأطْعَمْتُكَ، فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَشْفِيَكَ ويُرِيحَكَ، فَقالَ: ويْحُكِ، كُنّا في النَّعِيمِ سَبْعِينَ عامًا، فاصْبِرِي حَتّى نَكُونَ في الضُّرِّ سَبْعِينَ عامًا، فَكانَ في البَلاءِ سَبْعَ سِنِينَ، ودَعا فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأخَذَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ: قُمْ، فَقامَ عَنْ مَكانِهِ، وقالَ: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ فاغْتَسَلَ وشَرِبَ فَبَرَأ، وألْبَسَهُ اللَّهُ تَعالى حُلَّةً مِنَ الجَنَّةِ فَتَنَحّى، فَجَلَسَ في ناحِيَةٍ، وجاءَتِ امْرَأتُهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقالَتْ: يا عَبْدَ اللَّهِ، أيْنَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ ها هُنا؟
لَعَلَّ الكِلابَ ذَهَبَتْ بِهِ أوِ الذِّئابَ، وجَعَلَتْ تُكَلِّمُهُ ساعَةً فَقالَ: ويْحُكِ أنا أيُّوبُ، قَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ جَسَدِي، ورَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مالَهُ ووَلَدَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ، وأمْطَرَ عَلَيْهِ جَرادًا مِن ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ الجَرادَ بِيَدِهِ، ويَجْعَلُهُ في ثَوْبٍ، ويَنْشُرُ كِساءَهُ، فَيَجْعَلُ فِيهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا أيُّوبُ أما شَبِعْتَ؟
قالَ: يا رَبِّ، مَنِ الَّذِي يَشْبَعُ مِن فَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ.
وفِي البَحْرِ: رَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ : «”أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ“».
وعِظَمُ بَلائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا شاعَ وذاعَ، ولَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ اثْنانِ، لَكِنْ في بُلُوغِ أمْرِهِ إلى أنْ أُلْقِيَ عَلى كُناسَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ فِيهِ خِلافٌ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِصِفَةٍ يَسْتَقْذِرُهُ النّاسُ عَلَيْها، لِأنَّ في ذَلِكَ تَنْفِيرًا فَأمّا الفَقْرُ والمَرَضُ وذَهابُ الأهْلِ، فَيَجُوزُ أنْ يَمْتَحِنَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ.
وفِي هِدايَةِ المُرِيدِ لِلْقانِيِّ: أنَّهُ يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كُلُّ عَرَضٍ بَشَرِيٍّ، لَيْسَ مُحَرَّمًا، ولا مَكْرُوهًا، ولا مُباحًا مُزْرِيًا، ولا مُزْمِنًا، ولا مِمّا تَعافُهُ الأنْفُسُ، ولا مِمّا يُؤَدِّي إلى النُّفْرَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ورَقَتَيْنِ: واحْتَرَزْنا بِقَوْلِنا: ولا مُزْمِنًا، ولا مِمّا تَعافُهُ الأنْفُسُ، عَمّا كانَ كَذَلِكَ، كالإقْعادِ والبَرَصِ والجُذامِ، والعَمى، والجُنُونِ، وأمّا الإغْماءُ فَقالَ النَّوَوِيُّ: لا شَكَّ في جَوازِهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ مَرَضٌ بِخِلافِ الجُنُونِ، فَإنَّهُ نَقْصٌ، وقَيَّدَ أبُو حامِدٍ الإغْماءَ بِغَيْرِ الطَّوِيلِ، وجَزَمَ بِهِ البُلْقَيْنِيُّ، قالَ السُّبْكِيُّ: ولَيْسَ كَإغْماءِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهُ إنَّما يَسْتُرُ حَواسَّهُمُ الظّاهِرَةَ دُونَ قُلُوبِهِمْ، لِأنَّها مَعْصُومَةٌ مِنَ النَّوْمِ الأخَفِّ، قالَ: ويَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ الجُنُونُ، وإنْ قَلَّ لِأنَّهُ نَقْصٌ ويَلْحَقُ بِهِ العَمى، ولَمْ يُعْمَ نَبِيٌّ قَطُّ، وما ذُكِرَ عَنْ شُعَيْبٍ مِن كَوْنِهِ كانَ ضَرِيرًا لَمْ يَثْبُتْ، وأمّا يَعْقُوبُ فَحَصَلَتْ لَهُ غِشاوَةٌ وزالَتْ اهـ.
وفَرَّقَ بَعْضُهم في عُرُوضِ ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّبْلِيغِ، وحُصُولِ الغَرَضِ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَيَجُوزُ، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ قَبْلُ فَلا يَجُوزُ، ولَعَلَّكَ تَخْتارُ القَوْلَ بِحِفْظِهِمْ بِما تَعافُهُ النُّفُوسُ، ويُؤَدِّي إلى الِاسْتِقْذارِ، والنُّفْرَةِ مُطْلَقًا، وحِينَئِذٍ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ ما ابْتُلِيَ بِهِ أيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الِاسْتِقْذارِ والنُّفْرَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ونَقَلَهُ القُصّاصُ في كُتُبِهِمْ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ داءَهُ كانَ الجُدَرِيَّ، ولا أعْتَقِدُ صِحَّةَ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ يعني: واذكر صبر عبدنا أيوب إِذْ نادى رَبَّهُ يعني: دعا ربه أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ يعني: أصابني الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذابٍ وهو المشقة والعناء والأمراض، وعذاب في ماله.
يعني: هلاك أهله، وماله وقد ذكرناه في سورة الأنبياء قوله عز وجل: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا يعني: قال له جبريل: اضرب الأرض برجلك، فضرب فنبعت عين من تحت قدميه، فاغتسل فيها، فخرج منها صحيحاً، ثم ضرب برجله الأخرى فنبعت عين أخرى ماء عذب بارد، فشرب منها، فذلك قوله هذا مُغْتَسَلٌ يعني: الذي اغتسل منها.
ثم قال: بارِدٌ وَشَرابٌ يعني: الذي شرب منها.
قوله عز وجل: وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً يعني: قبضة من سنبل فيها مائة سنبلة.
وقال الكلبي ضِغْثاً أي: مجتمعاً.
وقال مقاتل: الضغث القبضة الواحدة، فأخذ عيداناً رطبة من الآس، فيه مائة عود.
وقال القتبي: الضغث الحزمة من العيدان، والكلأ فَاضْرِبْ بِهِ يعني: اضرب به امرأتك وَلا تَحْنَثْ في يمينك.
وقال الزجاج: قالت امرأته: لو ذبحت عناقاً باسم الشيطان؟
فقال: لا، وَلاَ كَفّاً مِن تُرَاب.
وحلف أنه يضربها مائة سوط، وأمر بأن يبرّ في يمينه إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً على البلاء الذي ابتليناه نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ يعني: مقبل على طاعة ربه.
وقال وهب بن منبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، ومكث يوسف في السجن سبع سنين، ويقال: إِنَّهُ أَوَّابٌ لما هلك ماله.
قال: كان ذلك من عطاء الله، ولما هلك أولاده قال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة: 156] ولما ابتلي بالنفس قال: إني له.
ويقال: واذكر أنت يا محمد صبر عبدنا أيوب، إذ ضاق صدرك من أذى الكفار، وأمر أمتك ليذكروا صبره، ويعتبروا، ويصبروا.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ...
الآية، كَانَ لسليمانَ كُرْسِيٌّ فيه جنودُهُ، وتأتي/ عليه الريحُ الإعصارُ، فَتَنْقُلُهُ من الأرضِ حتى يَحْصُلَ في الهواء، ثم تتولاَّهُ الرُّخَاءُ وهي اللَّيِّنَةُ القويَّةُ لا تَأْتِي فيها دُفْعٌ مُفْرِطَةٌ فَتَحْمِلُهُ غُدُوُّهَا شهر ورواحها شهر، وحَيْثُ أَصابَ: معناه: حيثُ أراد قاله وهْبٌ وغيره «١» ، قال ع «٢» : وَيُشْبِهُ أنَّ (أَصَابَ) معدى «صَابَ يَصُوبُ» ، أي: حيث وَجَّه جنودَه، وقال الزَّجَّاج «٣» : معناه: قصدَ، قلت:
وعليه اقْتَصَرَ أبو حيَّان فإنه قال: أصاب: أي قَصَدَ وأنْشَد الثعلبيُّ: [المتقارب]
أَصَابَ الكَلاَمَ فَلَمْ يَسْتَطِع ...
فَأَخْطَا الجواب لَدَى المَفْصِلِ «٤»
انتهى.
وقوله: كُلَّ بَنَّاءٍ بَدَلٌ من الشَّياطِينَ ومُقَرَّنِينَ معناه: موثقين قد قرن بعضهم ببعض، والْأَصْفادِ القيودُ والأغْلاَلُ، قال الحَسَنُ: والإشارةُ بقوله: هذا عَطاؤُنا ...
الآية، إلى جميع ما أعطاهُ اللَّه سبحانه مِنَ الملكِ «٥» وأمرَه بأن يَمُنَّ عَلى من يشاءُ ويُمْسِكُ عَمَّنْ يشاء، فكأنه وَقَفَهُ على قَدْرِ النِّعمة، ثم أباح له التصرُّفَ فيه بمشيئته وهذا أصح الأقوال وأجمعها لتفسير الآية، وتقدَّمت قصة أَيُّوبَ في سورة الأنبياء.
وقوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ ...
الآية، النُّصْبُ: المَشَقَّةُ، فيحتمل أن يشيرَ إلى مسّه حين سلَّطَهُ اللَّه على إهلاكِ مالِه وولدِه وجِسْمِه حَسْبَما رُوِيَ في ذلك، وقِيلَ: أشار إلى مسِّه إياه في تعرُّضِه لأَهْلِه وطلبهِ منْهَا أنْ تُشْرِكَ باللَّه فكأَنَّ أَيُّوبَ تشكى هذا الفَصْلَ، وكان عليه أشدَّ مِن مَرَضه، وهنا في الآية محذوفٌ تقديرُه: فاسْتَجَابَ له وقَال: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرُوِيَ أَن أيوب رَكَضَ الأرض فَنَبَعَتْ له عينُ ماءٍ صافيةٌ باردةٌ فشرِبَ منها، فذهَبَ كُلُّ مَرَضٍ في دَاخِلِ جَسَدهِ، ثم اغْتَسَلَ فذهبَ ما كانَ في ظاهِر بَدَنِه، ورُوِيَ أن اللَّه تعالى وَهَبَ له أهلَه ومالَه في الدنيا، ورَدَّ من ماتَ منهم، وما هلكَ من ماشيته وحالِه، ثم باركَ له في جميعِ ذلك، ورُوِيَ أن هذا كلَّه وُعِدَ به في الآخِرَة، والأول أكْثَرُ في قول المفسِّرين.
ت: وعن عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنُ: اللَّهُمَّ، إني عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ استأثرت بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إلاَّ أذْهَبَ اللَّهُ غَمَّه وَأبدَلَه مكَانَ حُزْنِهِ فَرَحَاً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَنْبَغي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ؟
قَالَ: أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» «١» .
قال صاحب «السِّلاَح» : رواه الحاكمُ في «المُسْتَدْرَكِ» ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» .
ت: وروينَاهُ من طريقِ النوويِّ عنِ ابن السُّنِّيِّ بسندهِ عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفيه: «أنا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابنُ أَمَتِكَ في قَبْضَتِكَ» ، وفيه: «فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إنَّ المَغْبُونَ لَمَنْ غُبِنَ هَؤُلاَءِ الكلماتِ، فَقَالَ:
أَجَلْ، فَقُولُوهُنَّ/ وَعَلِّمُوهُنَّ مَنْ قَالَهُنَّ، التماس مَا فِيهِنَّ أَذْهَبَ اللَّهُ تعالى حُزْنَهُ وَأَطَالَ فَرَحَه» «٢» انتهى.
وقوله: وَذِكْرى معناه: موعِظَةٌ وتذكرةٌ يَعْتَبِرُ بها أُولُو العقولِ، وَيَتَأَسَّوْنَ بِصَبْرِهِ في الشدائدِ، ولا يَيْئَسُونَ من رحمة اللَّه على حال.
ورُوِي أن أيّوب ع كانت زوجَتُهُ مدَّةَ مَرَضِه تَخْتَلِفُ إلَيْه فيتلقَّاها الشيطانُ في صورة طَبِيبٍ، ومرةً في هيئة نَاصِح وعلى غير ذلك، فيقول لها: لو سَجَدَ هذَا المريضُ للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبَرِىءَ، لَوْ ذَبَحَ عَنَاقاً للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبِرىءَ، ويَعْرِضُ عليها وجوهاً من الكفر، فكانَتْ هي ربَّما عرضت شَيْئاً من ذلك على أيوب، فيقولُ لها: لقيتِ عَدُوَّ اللَّهِ في طريقك، فلمَّا أغْضَبَتْهُ بهذا ونحوِهِ حلَفَ عليها لَئِن برىء من مرضِه ليضربنَّها مائةَ سَوْطٍ، فلما بَرِىءَ أَمَرَه اللَّه تعالى أن يأخُذَ ضِغْثاً فيه مائةُ قَضِيبٍ، «والضغثُ» : القبضةُ الكبيرةُ من القضبانِ ونحوِها مَنَ الشجرِ الرَّطْبِ قاله الضَّحَّاكُ «١» وأهلُ اللغة، فيضربُ بهِ ضربةً واحدةً، فَتَبَرُّ يمينُهُ وهذا حكمٌ قد وَرَدَ في شرعِنا عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم [مِثلُه في حدِّ الزنا لرجُلِ زَمِنٍ، فأمَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم] «٢» بِعِذْقِ نَخْلَةٍ فِيهِ شَمَارِيخُ مِائَةٌ أو نَحْوُهَا، فَضُرِبَ ضَرْبَةً «٣» ، ذكر الحديثَ أبو داود، وقال بهذا بعضُ فقهاء الأمة، وَلَيْسَ يرى ذلك مالكُ بنَ أنس وأصحابه، وكذلك جمهورُ العلماء على ترك القول به، وأن الحدودَ والبِرَّ في الأيمانِ لا تقع إلا بتمام عَدَدِ الضَّرَبَاتِ، وقرأ الجمهور «أولي الأيدي» «٤» يعني: أولي القوة في طاعةِ اللَّه قاله ابن عباس ومجاهد «٥» ، وقالت فرقة: معناه: أولى الأيدي والنِّعَمِ الَّتي أسْدَاها اللَّهُ إليهم من النبوَّة والمكانةِ، وَالْأَبْصارِ عبارةٌ عن البصائِر، أي: يُبْصرونَ الحقائِقَ وينظرونَ بنورِ اللَّهِ تعالى، وقرأ نافع وحده: «بخالصة ذكرى الدّار» «٦» ، على
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ يَعْنِي بِهِ سُلَيْمانَ.
وَفِي الأوّابِ أقْوالٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٢٥] ألْيَقُها بِهَذا المَكانِ أنَّهُ رَجّاعٌ بِالتَّوْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى مِمّا يَقَعُ مِنهُ مِنَ السَّهْوِ والغَفْلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ ﴾ وهو ما بَعْدَ الزَّوالِ ﴿ الصّافِناتُ ﴾ وهي الخَيْلُ.
وفي مَعْنى الصّافِناتُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها القائِمَةُ عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ، وقَدْ أقامَتِ الأُخْرى عَلى طَرَفِ الحافِرِ مِن يَدٍ أوْ رِجْلٍ؛ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: هَذا أكْثَرُ قِيامِ الخَيْلِ إذا وقَفَتْ كَأنَّها تُراوِحُ بَيْنَ قَوائِمِها، قالَ الشّاعِرُ: ألِفَ الصُّفُونُ فَما يَزالُ كَأنَّهُ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرًا والثّانِي: أنَّها القائِمَةُ، سَواءٌ كانَتْ عَلى ثَلاثٍ أوْ غَيْرِ ثَلاثٍ، قالَ الفَرّاءُ: عَلى هَذا رَأيْتُ العَرَبَ، وأشْعارَهم تَدُلُّ عَلى أنَّهُ القِيامُ خاصَّةً.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الصّافِنُ في كَلامِ العَرَبِ: الواقِفُ مِنَ الخَيْلِ وغَيْرِها، ومِنهُ قَوْلُهُ : « "مَن سَرَّهُ أنْ يَقُومَ لَهُ الرِّجالُ صُفُونًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ"،» أيْ: يُدِيمُونَ القِيامَ لَهُ.
فَأمّا الجِيادُ، فَهي السِّراعُ في الجَرْيِ.
وفي سَبَبِ عَرْضِها عَلَيْهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ عَرَضَها لِأنَّهُ أرادَ جِهادَ عَدُوٍّ لَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن دَوابِّ البَحْرِ.
قالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّها كانَتْ خَيْلًا خَرَجَتْ مِنَ البَحْرِ لَها أجْنِحَةٌ.
وقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا ذاتَ أجْنِحَةٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أخْرَجَتْها لَهُ الشَّياطِينُ مِنَ البَحْرِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ورِثَها مِن أبِيهِ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ غَزا جَيْشًا، فَظَفِرَ بِهِ وغَنِمَها، فَدَعا بِها فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
وَفِي عَدَدِها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: ثَلاثَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ وهَبٌ.
والثّانِي: عُشْرُونَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ.
والثّالِثُ: ألْفُ فَرَسٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: عُشْرُونَ فَرَسًا، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَمْ تَزَلْ تَعْرِضُ عَلَيْهِ إلى أنْ غابَتِ الشَّمْسُ، فَفاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، وكانَ مَهِيبًا لا يَبْتَدِئُهُ أحَدٌ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَذْكُرُوهُ، ونَسِيَ هُوَ، فَلَمّا غابَتِ الشَّمْسُ ذَكَرَ الصَّلاةَ، ﴿ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ ﴾ فَتَحَ الياءَ أهْلُ الحِجازِ وأبُو عَمْرٍو ﴿ حُبَّ الخَيْرِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المالُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: حُبُّ الخَيْلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ، لِأنَّهُ أرادَ بِالخَيْرِ الخَيْلَ، وهي مالٌ.
وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ: الخَيْرُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وقَدْ سَمّى رَسُولُ اللَّهِ زَيْدَ الخَيْلِ: زَيْدَ الخَيْرِ، ومَعْنى "أحْبَبْتُ" آَثَرَتُ حُبَّ الخَيْرِ عَلى ذِكْرِ رَبِّي؛ وكَذَلِكَ قالَ غَيْرُ الزَّجّاجُ: "عَنْ" بِمَعْنى "عَلى" .
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ المَعْنى: فَشَغَلَنِي عَنْ ذِكْرِ رَبِّي.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَعْنى [الكَلامِ]: أحْبَبْتُ حُبًّا، ثُمَّ أضافَ الحُبُّ إلى الخَيْرِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَمّى الخَيْلَ خَيْرًا، لِما فِيها مِنَ الخَيْرِ.
والمُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ رَبِّهِ: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لا أدْرِي هَلْ كانَتْ صَلاةُ العَصْرِ مَفْرُوضَةٌ، أمْ لا؟، إلّا أنَّ اعْتِراضَهُ الخَيْلَ شَغَلَهُ عَنْ وقْتٍ كانَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ ﴾ قالَ المُصَنَّفُ: وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: يَعْنِي الشَّمْسَ، ولَمْ يَجِرْ لَها ذِكْرٌ، ولا أحْسَبُهم أعْطَوْا في هَذا الفِكْرِ حَقَّهُ، لِأنَّ في الآَيَةِ دَلِيلًا عَلى الشَّمْسِ، وهو قَوْلُهُ: "بِالعَشِيِّ" ومَعْناهُ: عَرَضَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ، ولا يَجُوزُ الإضْمارُ إلّا أنْ يَجْرِيَ ذِكْرٌ، أوْ دَلِيلُ ذِكْرٍ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ الذِّكْرِ؛ وأمّا الحِجابُ، فَهو ما يَحْجُبُها عَنِ الأبْصارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُدُّوها عَلَيَّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا شَغَلَهُ عَرْضُ الخَيْلِ عَلَيْهِ عَنِ الصَّلاةِ، فَصَلّاها بَعْدَ خُرُوجِ وقْتِها، اغْتَمَّ وغَضِبَ، وقالَ: "رَدُّوها عَلَيَّ"، يَعْنِي: أعِيدُوا الخَيْلَ عَلَيَّ ﴿ فَطَفِقَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: أقْبَلَ ﴿ مَسْحًا ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أيْ: يَمْسَحُ مَسْحًا.
فَأمّا السُّوقُ، فَجَمْعُ ساقٍ، مِثْلُ دُورٍ ودارٍ.
وهَمَزَ السُّؤْقَ ابْنُ كَثِيرٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وغَيْرُ الهَمْزِ أحْسَنُ مِنهُ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِالسُّؤُوقِ" مِثْلُ الرُّؤُوسِ.
وفي المُرادِ بِالمَسْحِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ضَرَبَها بِالسَّيْفِ.
ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في قَوْلُهُ: "فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ" قالَ: "بِالسَّيْفِ" .» ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَسَحَ أعْناقَها وسُوقَها بِالسَّيْفِ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ السّائِبِ: قَطَعَ أعْناقَها وسُوقَها، وهَذا اخْتِيارُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وأبِي عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ يَمْسَحُ أعْرافَ الخَيْلِ وعَراقِيبَها حُبًّا لَها، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَسَحَها بِيَدِهِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ جَرِيرٍ، والقاضِي أبِي يَعْلى.
والثّالِثُ: أنَّهُ كَوى سُوقَها وأعْناقَها وحَبَسَها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى: حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وقَدِ اعْتَرَضُوا [عَلى] القَوْلِ الثّانِي، وقالُوا: أيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَ شَغْلِها إيّاهُ عَنِ الصَّلاةِ وبَيْنَ مَسْحِ أعْرافِها حُبًّا لَها؟!
ولا أعْلَمُ قَوْلَهُ: "حُبًّا لَها" يَثْبُتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وحَمَلُوا قَوْلَ مُجاهِدٍ "مَسْحَها بِيَدِهِ" أيْ: تَوَلّى ضَرْبَ أعْناقِها.
فَإنْ قِيلَ: فالقَوْلُ الأوَّلُ يَفْسُدُ بِأنَّهُ لا ذَنْبَ لِلْحَيَوانِ، فَكَيْفَ وجَّهَ العُقُوبَةَ إلَيْهِ وقَصَدَ التَّشَفِّي بِقَتْلِهِ، وهَذا يُشْبِهُ فِعْلَ الجَبّارِينَ، لا فِعْلَ الأنْبِياءِ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أُبِيحَ لَهُ، وجائِزٌ أنْ يُباحُ لَهُ ما يَمْنَعُ مِنهُ في شَرْعِنا، عَلى أنَّهُ إذا ذَبَحَها كانَتْ قُرْبانًا، وأكْلُ لَحْمِها جائِزٌ، فَما وقَعَ تَفْرِيطٌ، قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا ضَرَبَ سُوقَها وأعْناقَها، شَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ، فَسَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ مَكانَها، وهي أحْسَنُ في المَنظَرِ، وأسْرَعُ في السَّيْرِ، وأعْجَبُ في الأُحْدُوثَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ ﴾ أيِ: ابْتَلَيْناهُ وامْتَحَنّاهُ بِسَلْبِ مُلْكِهِ ﴿ وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ ﴾ أيْ: عَلى سَرِيرِهِ ﴿ جَسَدًا ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ شَيْطانٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.
وفي اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: صَخْرٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وذَكَرَ العُلَماءُ أنَّهُ كانَ شَيْطانًا مَرِيدًا لَمْ يُسَخَّرْ لِسُلَيْمانَ.
والثّانِي: آَصَفُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِالمُؤْمِنِ الَّذِي عِنْدَهُ الِاسْمُ الأعْظَمُ، إلّا أنَّ بَعْضَ ناقِلِي التَّفْسِيرِ حَكى أنَّهُ آَصَفُ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ، وأنَّهُ لَمّا فَتَنَ سُلَيْمانَ سَقَطَ الخاتَمُ مِن يَدِهِ فَلَمْ يُثْبُتْ، فَقالَ آَصَفُ: أنا أقُومُ مَقامَكَ إلى أنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقامَ في مَقامِهِ، وسارَ بِالسِّيرَةِ الجَمِيلَةِ، هَذا لا يَصِحُّ، ولا ذَكَرَهُ مَن يُوثَقُ بِهِ.
والثّالِثُ: حَبْقِيقُ، قالَهُ السُّدِّيُّ؛ والمَعْنى: أجْلَسْنا عَلى كُرْسِيِّهِ في مُلْكِهِ شَيْطانًا.
﴿ ثُمَّ أنابَ ﴾ أيْ: رَجَعَ.
وفِيما رَجَعَ إلَيْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تابَ مِن ذَنْبِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: رَجَعَ إلى مُلْكِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِي سَبَبِ ابْتِلاءِ سُلَيْمانَ بِهَذا خَمْسَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ يُقالُ لَها: جَرادَةُ، وكانَ بَيْنَ بَعْضِ أهْلِها وبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ، فَقَضى بَيْنَهم بِالحَقِّ، إلّا أنَّهُ ودَّ أنَّ الحَقَّ كانَ لِأهْلِها، فَعُوقِبَ حِينَ لَمْ يَكُنْ هَواهُ فِيهِمْ واحِدًا، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلاءٌ، فَكانَ لا يَدْرِي أيَأْتِيهِ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِنَ الأرْضِ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ زَوْجَتَهُ جَرادَةُ كانَتْ آَثَرَ النِّساءِ عِنْدَهُ، فَقالَتْ لَهُ يَوْمًا: إنْ أخِي بَيْنَهُ وبَيْنَ فُلانٍ خُصُومَةٌ، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَقْضِيَ لَهُ، فَقالَ: نَعَمَ، ولَمْ يَفْعَلْ، فابْتُلِيَ لِأجْلِ ما قالَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ زَوْجَتَهُ جَرادَةُ كانَ قَدْ سَباها في غَزاةٍ لَهُ، وكانَتْ بِنْتَ مَلِكٍ فَأسْلَمَتْ، وكانَتْ تَبْكِي عِنْدَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، فَسَألَها عَنِ حالِها، فَقالَتْ: أذْكُرُ أبِي وما كُنْتُ فِيهِ، فَلَوْ أنَّكَ أمَرْتَ الشَّياطِينَ فَصَوَّرُوا صُورَتَهُ في دارِي فَأتَسَلّى بِها، [فَفَعَلَ]، فَكانَتْ إذا خَرَجَ سُلَيْمانُ، تَسْجُدُ لَهُ هي ووَلائِدُها [أرْبَعِينَ صَباحًا، فَلَمّا عَلِمَ سُلَيْمانُ، كَسَرَ تِلْكَ الصُّورَةِ، وعاقَبَ المَرْأةَ ووَلائِدَها] ثُمَّ تَضْرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى مُسْتَغْفِرًا مِمّا كانَ في دارِهِ، فَسُلِّطَ الشَّيْطانُ عَلى خاتَمِهِ، [هَذا قَوْلُ وهَبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ احْتَجَبَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا سُلَيْمانُ، احْتَجَبَتْ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَلَمْ تَنْظُرْ في أُمُورِ عِبادِي ولَمْ تُنْصِفْ مَظْلُومًا مِن ظالِمٍ؟!
فَسُلِّطَ الشَّيْطانُ عَلى خاتَمِهِ]، قالَهُ سَعِيدُ ابْنُ المُسَيِّبِ.
والخامِسُ: أنَّهُ قارَبَ امْرَأةً مِن نِسائِهِ في الحَيْضِ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ: أنَّهُ وُلِدَ [لَهُ ولَدٌ] فاجْتَمَعَتِ الشَّياطِينُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ عاشَ لَهُ ولَدٌ، لَمْ يَنْفَعْكَ مِنَ البَلاءِ، فَسَبِيلُنا أنْ نَقْتُلَ ولَدَهُ أوْ نُخْبِلَهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ سُلَيْمانُ، [فَأمَرَ السَّحابَ] فَحَمَلَهُ، وعَدا ابْنُهُ في السَّحابِ خَوْفًا مِنَ الشَّياطِينِ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى تَخَوُّفِهِ مِنَ الشَّياطِينِ، وماتَ الوَلَدُ، فَأُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا جَسَدًا، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
والمُفَسِّرُونَ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.
ونَحْنُ نَذْكُرُ قِصَّةَ ابْتِلائِهِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورُ.
الإشارَةُ إلى ذَلِكَ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ ذَهابِ خاتَمِ سُلَيْمانَ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ جالِسًا عَلى شاطِئِ البَحْرِ، فَوَقَعَ مِنهُ في البَحْرِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: أنَّ شَيْطانًا أخَذَهُ، وفي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ دَخْلَ ذاتَ يَوْمِ الحَمّامَ ووَضَعَ الخاتَمَ تَحْتَ فِراشِهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَأخَذَهُ وألْقاهُ في البَحْرِ، وجَعَلَ الشَّيْطانُ يَقُولُ: أنا نَبِيُّ اللَّهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
والثّانِي: أنَّ سُلَيْمانَ قالَ لِلشَّيْطانِ: كَيْفَ تَفْتِنُونَ النّاسَ؟
قالَ: أرِنِي خاتَمَكَ أُخْبِرَكَ، فَأعْطاهُ إيّاهُ، فَنَبَذَهُ في البَحْرِ، فَذَهَبَ مُلْكُ سُلَيْمانَ، وقَعَدَ الشَّيْطانُ عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ دَخَلَ الحَمّامَ، ووَضْعَ خاتَمَهُ عِنْدَ أوْثَقِ نِسائِهِ في نَفْسِهِ، فَأتاها الشَّيْطانُ فَتَمَثَّلَ لَها في صُورَةِ سُلَيْمانَ وأخَذَ الخاتَمَ مِنها، فَلَمّا خَرَجَ سُلَيْمانُ، طَلَبَهُ مِنها، فَقالَتْ: قَدْ دَفَعْتُهُ إلَيْكَ، فَهَرَبَ سُلَيْمانُ، وجاءَ الشَّيْطانُ فَجَلَسَ عَلى مُلْكِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ دَخَلَ الحَمّامَ، وأعْطى الشَّيْطانَ خاتَمَهُ فَألْقاهُ الشَّيْطانُ في البَحْرِ، فَذَهَبَ مُلْكُ سُلَيْمانَ، وأُلْقِيَ عَلى الشَّيْطانِ شَبَهَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
فَأمّا قِصَّةُ الشَّيْطانِ، فَذَكَرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لَمّا أخَذَ الخاتَمَ رَمى بِهِ في البَحْرِ، وأُلْقِي عَلَيْهِ شَبَهُ سُلَيْمانَ، فَجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ، وتَحَكَّمَ في سُلْطانِهِ.
وَقالَ السُّدِّيُّ: لَمْ يُلْقِهُ في البَحْرِ حَتّى فَرَّ مِن مَكانِ سُلَيْمانَ.
وهَلْ كانَ يَأْتِي [نِساءَ] سُلَيْمانَ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِنَّ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِنَّ في زَمَنِ الحَيْضِ، فَأنْكَرْنَهُ، قالَهُ سَعِيدُ ابْنُ المُسَيِّبِ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.
قالُوا: وكانَ يَقْضِي بِقَضايا فاسِدَةٍ، ويَحْكُمُ بِما لا يَجُوزُ، فَأنْكَرَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إمّا أنْ تَكُونُوا قَدْ هَلَكْتُمْ أنْتُمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُلْكُكم قَدْ هَلَكَ، فاذْهَبُوا إلى نِسائِهِ فاسْألُوهُنَّ، فَذَهَبُوا، فَقُلْنَ: إنّا واللَّهِ قَدْ أنْكَرْنا ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَزَلْ عَلى حالِهِ إلى أنِ انْقَضى زَمَنُ البَلاءِ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ بُعْدِ الشَّيْطانِ عَنِ مَكانِ سُلَيْمانَ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ سُلَيْمانَ وجَدَ خاتَمَهُ فَتَخْتَّمَ بِهِ، ثُمَّ جاءَ فَأخَذَ بِناصِيَةِ الشَّيْطانِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
والثّانِي: أنَّ سُلَيْمانَ لَمّا رَجَعَ إلى مُلْكِهِ وجاءَتْهُ الرِّيحُ والطَّيْرُ والشَّياطِينُ، فَرَّ الشَّيْطانُ حَتّى دَخَلَ البَحْرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا مَضى أرْبَعُونَ يَوْمًا، طارَ الشَّيْطانُ مِن مَجْلِسِهِ، قالَهُ وهْبٌ.
والرّابِعُ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا أنْكَرُوهُ، أتَوْهُ فَأحْدَقُوا بِهِ، ثُمَّ نَشَرُوا التَّوْراةَ فَقَرَؤُوا، فَطارَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ حَتّى ذَهَبَ إلى البَحْرِ، فَوَقَعَ الخاتَمُ مِنهُ في البَحْرِ فابْتَلَعَهُ حُوتٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي قَدْرٍ مَكَثَ الشَّيْطانُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أرْبَعُونَ يَوْمًا، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
وَأمّا قِصَّةُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا سُلِبَ خاتَمَهُ، ذَهَبَ مُلْكَهُ، فانْطَلَقَ هارِبًا في الأرْضِ.
قالَ مُجاهِدٌ: كانَ يَسْتَطْعِمُ فَلا يُطْعَمُ، فَيَقُولُ: لَوْ عَرَفْتُمُونِي أعْطَيْتُمُونِي، أنا سُلَيْمانُ، فَيَطْرُدُونَهُ، حَتّى أعْطَتْهُ امْرَأةٌ حُوتًا، فَوَجَدَ خاتَمَهُ في بَطْنِ الحُوتِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: انْطَلَقَ سُلَيْمانُ حَتّى أتى ساحِلَ البَحْرِ، فَوَجَدَ صَيّادِينَ قَدْ صادُوا سَمَكًا كَثِيرًا وقَدْ أُنْتِنَ عَلَيْهِمْ بَعْضُهُ، فَأتاهم يَسْتَطْعِمُ، فَقالُوا: اذْهَبْ إلى تِلْكَ الحِيتانِ فَخُذْ مِنها، فَقالَ: لا، أطْعَمُونِي مِن هَذا، فَأبَوْا عَلَيْهِ، فَقالَ: أطْعَمُونِي فَإنِّي سُلَيْمانُ، فَوَثَبَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنهم فَضَرْبَهُ بِالعَصا غَضَبًا لِسُلَيْمانَ، فَأتى تِلْكَ الحِيتانَ فَأخَذَ مِنها شَيْئًا، فَشَقَّ بَطْنَ حُوتٍ، فَإذا هو بِالخاتَمِ.
وقالَ الحَسَنُ: ذُكِرَ لِي أنَّهُ لَمْ يُؤْوِهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، ولَمْ يَعْرِفْ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكانَ يَأْوِي إلى امْرَأةٍ مِسْكِينَةٍ، فَبَيْنَما هو يَوْمًا عَلى شَطِّ نَهْرٍ، وجَدَ سَمَكَةً، فَأتى بِها المَرْأةَ فَشَقَّتْها فَإذا بِالخاتَمِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: اشْتَرى سَمَكَةً مِنِ امْرَأةٍ فَشَقَّ بَطْنَها فَوَجَدَ خاتَمَهُ.
وَفِي المُدَّةِ الَّتِي سُلِبَ فِيها المُلْكُ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أرْبَعُونَ لَيْلَةً، كَما ذَكَرْنا عَنِ الحَسَنِ.
والثّانِي: خَمْسُونَ لَيْلَةً: قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا جَعَلَ الخاتَمَ في يَدِهِ، رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَهاءَهُ ومُلْكَهُ، فَأظَلَّتْهُ الطَّيْرُ، وأقْبَلَ لا يَسْتَقْبِلُهُ جِنِّيٌّ ولا طائِرٌ ولا حَجَرٌ ولا شَجَرٌ إلّا سَجَدَ لَهُ، حَتّى انْتَهى إلى مَنزِلِهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: ثُمَّ أرْسَلَ إلى الشَّيْطانِ، فَجِيءَ بِهِ، فَأمَرَ بِهِ فَجُعِلَ في صُنْدُوقٍ مِن حَدِيدٍ، ثُمَّ أُطْبِقَ عَلَيْهِ وأقْفِلُ، وخَتَمَ عَلَيْهِ بِخاتَمِهِ، ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَأُلْقِي في البَحْرِ، فَهو فِيهِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.
وقالَ وهَبُ: جابَ صَخْرَةً فَأدْخَلُهُ فِيها، ثُمَّ أوْثَقَها بِالحَدِيدِ والرَّصاصِ، ثُمَّ قَذَفَهُ في البَحْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي ﴾ فَتْحَ الياءَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَكُونُ لِأحَدٍ بَعْدِي، قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي، فَأمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ، فَأخَذْتُهُ، فَأرَدْتُ أنْ أرْبِطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخِي سُلَيْمانَ: ( هَبَّ لِي مِلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي )، فَرَدَدْتُهُ خاسِئًا" .» والثّانِي: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي في حَياتِي، كَما فَعَلَ الشَّيْطانُ الَّذِي جَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
وإنَّما طَلَبَ هَذا المُلْكَ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ، ويَعْرِفُ مَنزِلَتَهُ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
ولَمْ يَكُنْ في مُلْكِهِ حِينَ دَعا بِهَذا الرِّيحِ ولا الشَّياطِينِ ﴿ فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ﴾ وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: "الرِّياحَ" عَلى الجَمْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُخاءً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: مُطِيعَةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ.
والثّانِي: أنَّها الطَّيِّبَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: اللَّيِّنَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّخاوَةِ، قالَهُ اللُّغَوِيُّونَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وصَفَها بِهَذا بَعْدَ أنْ وصَفَها في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨١] بِأنَّها عاصِفَةٌ؟
فالجَوابُ: أنَّ المُفَسِّرِينَ قالُوا: كانَ يَأْمُرُ العاصِفَ تارَةً ويَأْمُرُ الرَّخاءَ أُخْرى.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّها كانَتْ تَشْتَدُّ إذا أرادَ، وتَلِينُ إذا أرادَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَيْثُ أصابَ ﴾ أيْ: حَيْثُ قَصَدَ وأرادَ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: أصابَ فُلانٌ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ، أيْ: أرادَ الصَّوابَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والشَّياطِينَ ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الشَّياطِينَ ﴿ كُلَّ بَنّاءٍ ﴾ يَبْنُونَ لَهُ ما يَشاءُ ﴿ وَغَوّاصٍ ﴾ يَغُوصُونَ لَهُ في البِحارِ فَيَسْتَخْرِجُونَ الدُّرَّ، ﴿ وَآخَرِينَ ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ آَخَرِينَ، وهم مَرَدَةُ الشَّياطِينِ، سَخَّرَهم لَهُ حَتّى قَرَنَهم في الأصْفادِ لِكُفْرِهِمْ.
قالَ مُقاتِلٌ: أوْثَقَهم في الحَدِيدِ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى ﴿ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ في سُورَةِ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ [إبْراهِيمَ: ٤٩] .
﴿ هَذا عَطاؤُنا ﴾ المَعْنى: قُلْنا لَهُ: هَذا عَطاؤُنا.
وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ جَمِيعُ ما أُعْطِي، ﴿ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ ﴾ أيْ: أعْطِ مَن شِئْتَ مِنَ المالِ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ.
والمَنُّ: الإحْسانُ إلى مَن لا يَطْلُبُ ثَوابَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الشَّياطِينِ المُسَخَّرِينَ لَهُ؛ فالمَعْنى: فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ بِاطِّلاقِهِ، وأمْسِكْ مَن شِئْتَ مِنهم.
وقَدْ رُوِيَ مَعْنى القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قالَ الحَسَنُ: لا تَبِعَةَ عَلَيْكَ في الدُّنْيا ولا في الآَخِرَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَيْسَ عَلَيْكَ حِسابٌ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: هَذا عَطاؤُنا بِغَيْرِ حِسابٍ فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [سَبَإٍ: ٣٧، الرَّعْدِ: ٢٩، الأنْبِياءِ: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ سُلِّطَ عَلَيْهِ، فَأضافَ ما أصابَهُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِنُصْبٍ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ: بِفَتْحِهِما.
وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما سَواءٌ.
قالَ الفَرّاءُ: هُما كالرُّشْدِ والرَّشْدِ، والعَدَمِ والعُدْمِ، والحَزَنِ والحُزْنِ؛ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالنَّصْبِ: الضُّرُّ الَّذِي أصابَهُ.
والثّانِي: أنَّ النَّصْبَ بِتَسْكِينِ الصّادِ: الشَّرُّ، وبِتَحْرِيكِها: الإعْياءُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وَقَرَأتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عِمارَةَ، عَنِ حَفْصٍ: "بِنُصُبٍ" بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ جَمِيعًا.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو الجَوْزاءِ، وهُبَيْرَةُ عَنِ حَفْصٍ: "بِنَصْبٍ" بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ.
وَفِي المُرادِ بِالعَذابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العَذابُ الَّذِي أصابَ جَسَدَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ أخَذَ مالَهُ ووَلَدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ارْكُضْ ﴾ أيِ: اضْرِبِ الأرْضَ ﴿ بِرِجْلِكَ ﴾ ، وَمِنهُ: رَكَضَتِ الفَرَسُ.
فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ عَيْنُ ماءٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُغْتَسَلُ: الماءُ، وهو الغَسُولُ أيْضًا.
قالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ [فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ] فَشَرِبَ مِنها؛ وعَلى هَذا جُمْهُورُ العُلَماءِ أنَّهُ رَكَضَ رَكْضَتَيْنِ فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ، فاغْتَسَلَ مِن واحِدَةٍ، وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴾ كانَ قَدْ حَلَفَ لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لِيَجْلِدَنَّ زَوْجَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ.
وفي سَبَبِ هَذِهِ اليَمِينِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّ إبْلِيسَ جَلَسَ في طَرِيقِ زَوْجَةِ أيُّوبَ كَأنَّهُ طَبِيبٌ، فَقالَتْ لَهُ: يا عَبْدَ اللَّهِ: إنْ ها هُنا إنْسانًا مُبْتَلًى، فَهَلْ لَكَ أنْ تُداوِيَهُ؟
قالَ: نَعَمْ، إنْ شاءَ شَفَيْتُهُ، عَلى أنْ يَقُولَ إذا بَرَأ: أنْتَ شَفَيْتَنِي، فَجاءَتْ فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: ذاكَ الشَّيْطانُ، لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ شَفانِي أنْ أجْلِدَكَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، رَواهُ يُوسُفُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ إبْلِيسَ لَقِيَها فَقالَ: إنِّي أنا الَّذِي فَعَلْتُ بِأيُّوبَ ما بِهِ، وأنا إلَهُ الأرْضِ، وما أخَذْتُهُ مِنهُ فَهو بِيَدِي، فانْطَلِقِي أُرِيكِ، فَمَشى بِها غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ سَحَرَ بَصَرَها، فَأراها وادِيًا عَمِيقًا فِيهِ أهْلُها ووَلَدُها ومالُها، فَأتَتْ أيُّوبَ فَأخْبَرَتْهُ، فَقالَ: ذاكَ الشَّيْطانُ، ويْحَكَ كَيْفَ وعى قَوْلَهُ سَمِعَكَ؟
واللَّهِ لَئِنْ شَفانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأجْلِدَنَّكَ مِائَةً، قالَهُ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.
والثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ جاءَ إلى زَوْجَتِهِ بِسَخْلَةٍ، فَقالَ: لِيَذْبَحَ لِي هَذِهِ وقَدْ بَرَأ؛ فَأخْبَرَتْهُ، فَحَلَفَ لِيَجْلِدْنَّها، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا القَوْلَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨٣] عَنِ الحَسَنِ.
فَأمّا الضِّغْثُ، فَقالَ الفَرّاءُ: هو كُلُّ ما جَمَعْتَهُ مِن شَيْءٍ مِثْلِ الحِزْمَةِ الرَّطِبَةِ، قالَ: وما قامَ عَلى ساقٍ واسْتَطالَ ثُمَّ جَمَعْتَهُ، فَهو ضِغْثٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الحِزْمَةُ مِنَ الخِلالِ والعِيدانِ.
قالَ الزَّجّاجُ: هو الحِزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ والرَّيْحانِ وما أشْبَهَهُ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: جَزى اللَّهُ زَوْجَتَهُ بِحُسْنِ صَبْرِها أنْ أفْتاهُ في ضَرْبِها فَسَهُلَ الأمْرُ، فَجَمَعَ لَها مِائَةَ عُودٍ، وقِيلَ: مِائَةُ سُنْبُلَةٍ، وقِيلَ: كانَتْ أسْلًا، وقِيلَ: مِنَ الإذْخِرِ، وقِيلَ: كانَتْ شَمارِيخٌ، فَضَرَبَها بِها ضَرْبَةً واحِدَةً ولَمْ يَحْنَثْ في يَمِينِهِ.
وهَلْ ذَلِكَ خاصٌّ لَهُ، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، [وابْنُ أبِي لَيْلى] .
والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ لِأيُّوبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
* فَصْلٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن حَلَفَ أنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ عَشْرَةَ أسْواطٍ فَجَمَعَها كُلَّها وضَرْبَهُ بِها ضَرْبَةً واحِدَةً، فَقالَ مالِكٌ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: لا يَبَرُّ، وبِهِ قالَ أصْحابُنا.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: إذا أصابَهُ في الضَّرْبَةِ الواحِدَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنها، فَقَدْ بَرَّ، واحْتَجُّوا بِعُمُومِ قِصَّةِ أيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا ﴾ أيْ: عَلى البَلاءِ الَّذِي ابْتَلَيْناهُ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ ﴾ ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ أيُّوبُ هو نَبِيٌّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو المُبْتَلى في جَسَدِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ، وسَلِمَ مُعْتَقَدُهُ ودِينُهُ.
ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ سَلَّطَ الشَيْطانَ عَلَيْهِ لِيَفْتِنَهُ عن دِينِهِ، فَأصابَهُ في مالِهِ، وقالَ لَهُ: إنْ أطَعْتَنِي رَجَعَ مالُكَ، فَلَمْ يُطِعْهُ، فَأصابَهُ في أهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَهَلَكُوا عن آخِرِهِمْ، وقالَ لَهُ: لَوْ أطَعْتَنِي رَجَعُوا، فَلَمْ يُطِعْهُ، فَأصابَهُ في جَسَدِهِ، فَثَبَتَ أيُّوبُ عَلى أمْرِ اللهِ سَبْعَ سِنِينَ وسَبْعَةَ أشْهُرٍ.
قالَهُ قَتادَةُ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشَرَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ.» ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ الَّذِي امْتَحَنَهُ اللهُ تَعالى مِن أجْلِهِ هُوَ: أنَّهُ دَخَلَ عَلى بَعْضِ المُلُوكِ فَرَأى مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرْهُ.
ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ أنَّهُ ذَبَحَ شاةً وطَبَخَها وأُكِلَتْ عِنْدَهُ وجارُهُ جائِعٌ لَمْ يُعْطِهِ مِنها شَيْئًا، ورُوِيَ أنَّ أيُّوبَ لَمّا تَناهى بَلاؤُهُ وصَبْرُهُ، مَرَّ بِهِ رَجُلانِ مِمَّنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما مَعْرِفَةٌ فَقَرَّعاهُ وقالا لَهُ: لَقَدْ أذْنَبَتْ ذَنْبًا ما أذْنَبَ أحَدٌ مِثْلَهُ، وفَهِمَ مِنهُما شَماتًا بِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا ونادى رَبَّهُ.
وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ مَسَّنِيَ الشَيْطانُ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى مَسِّهِ حِينَ سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ حَسْبَما ذَكَرْنا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ مَسَّهُ إيّاهُ حِينَ حَمَلَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنْ يُواقِعَ الذَنْبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ كانَتِ المِحْنَةُ: إمّا تَرْكُ التَغْيِيرِ عِنْدَ المَلِكِ، وإمّا تَرْكُ مُواساةِ الجارِ، وقِيلَ: أشارَ إلى مَسِّهِ إيّاهُ في تَعَرُّضِهِ لِأهْلِهِ، وطَلَبِهِ مِنهُ أنْ يُشْرِكَ بِاللهِ، فَكانَ أيُّوبُ قَدْ تَشَكّى هَذا الفِعْلَ، وكانَ أشَدَّ عَلَيْهِ مِن مَرَضِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ (أنِّي) ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وكَسَرَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "بِنُصْبٍ" ﴾ بِضَمِّ النُونِ وسُكُونِ الصادِ، وقَرَأ هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، ويَعْقُوبَ، وَرُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ أبُو عُمارَةَ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ "بِنُصُبٍ" بِضَمِّ النُونِ والصادِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ - ورَوى أيْضًا هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ بِفَتْحِ النُونِ وسُكُونِ الصادِ.
وذَلِكَ كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مَعْناهُ: المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ "النَصَبُ" في مَشَقَّةِ الإعْياءِ.
وفَرَّقَ بَعْضُ الناسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَوابُ أنَّها لُغاتٌ مِن قَوْلِهِمْ: "أنْصَبَنِي الأمْرُ ونَصَبَنِي" إذا شَقَّ عَلَيَّ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: تَعَنّاكَ نَصْبٌ مِن أُمَيْمَةَ مُنْصِبٌ ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ قِيلَ في هَذا البَيْتِ: إنَّ "ناصِبًا" بِمَعْنى "مُنْصِبٍ"، وأنَّهُ عَلى النَسَبِ، أيْ ذا نَصْبٍ.
وهُنا في الآيَةِ مَحْذُوفٌ كَثِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجابَ لَهُ وقالَ لَهُ: " ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ " ﴾ ، والرَكْضُ: الضَرْبُ بِالرِجْلِ، والمَعْنى: ارْكُضِ الأرْضَ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ في الجابِيَةِ مِن أرْضِ الشامِ، ورُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِرَكْضِ الأرْضِ فَرَكَضَ فِيها فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنُ ماءٍ صافِيَةٌ بارِدَةٌ، فَشَرِبَ مِنها، فَذَهَبَ كُلُّ مَرَضٍ في داخِلِ جَسَدِهِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ فَذَهَبَ ما كانَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَكَضَ مَرَّتَيْنِ، ونَبَعَ لَهُ عَيْنانِ: شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ في الأُخْرى.
وقَرَأ نافِعٌ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ: "وَعَذابٌ ارْكُضْ" بِضَمِّ نُونِ التَنْوِينِ، وقَرَأ عامَّةُ قُرّاءِ البَصْرَةِ بِكَسْرِها.
و"مُغْتَسَلٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ غُسْلٍ، وماءُ غُسْلٍ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مُعْتَبَرٌ، وهَذا الماءُ مُغْتَسَلٌ مِثْلُهُ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى وهَبَ لَهُ أهْلَهُ ومالَهُ في الدُنْيا، ورَدَّ مَن ماتَ مِنهُمْ، وما هَلَكَ مِن ماشِيَتِهِ، وحالِهِ ثُمَّ بارَكَ في جَمِيعِ ذَلِكَ، ووُلِدَ لَهُ الأولادُ حَتّى تَضاعَفَ الحالُ، ورُوِيَ أنَّ هَذا كُلَّهُ وعْدٌ في الآخِرَةِ، أيْ: يَفْعَلُ اللهُ لَهُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ.
والأوَّلُ أكْثَرُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ.
و"رَحْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَذِكْرى" ﴾ مَعْناهُ: مَوْعِظَةً وتَذْكِرَةً يَعْتَبِرُ بِها أُولُو العُقُولِ، ويَتَأسَّوْنَ بِصَبْرِهِ في الشَدائِدِ، ولا يَيْأسُونَ مِن رَحْمَةِ اللهِ عَلى حالٍ.
ورُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ زَوْجَتُهُ مُدَّةَ مَرَضِهِ تَخْتَلِفُ إلَيْهِ فَيَلْقاها الشَيْطانُ في صُورَةِ طَبِيبٍ، ومَرَّةً في هَيْئَةِ ناصِحٍ، وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَقُولُ لَها: لَوْ سَجَدَ هَذا المَرِيضُ لِلصَّنَمِ الفُلانِيِّ لَبَرِئَ، لَوْ ذَبَحَ عَناقًا لِلصَّنَمِ الفُلانِيِّ لَبَرِئَ، ويَعْرِضُ عَلَيْها وُجُوهًا مِنَ الكُفْرِ، فَكانَتْ هي رُبَّما عَرَضَتْ ذَلِكَ عَلى أيُّوبَ، فَيَقُولُ لَها: ألَقِيتِ عَدُوَّ اللهِ في طَرِيقِكِ؟
فَلَمّا أغْضَبَتْهُ بِهَذا ونَحْوِهِ، حَلَفَ لَها لَئِنْ بَرِئَ مِن مَرَضِهِ لِيَضْرِبَنَّها مِئَةَ سَوْطٍ، فَلَمّا بَرِئَ أمَرَهُ اللهُ أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فِيهِ مِئَةُ قَضِيبٍ.
و"الضِغْثُ": القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ ونَحْوِها مِنَ الشَجَرِ الرَطْبِ، قالَهُ الضَحّاكُ وأهْلُ اللُغَةِ، فَيَضْرِبَ بِهِ ضَرْبَةً واحِدَةً فَتَبَرَّ يَمِينُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ"، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، قالَ الشاعِرُ: وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةٌ قَدْ رَبَطْتُها ∗∗∗ ∗∗∗ وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًا مُتَطَيِّبِ هَذا حُكْمٌ قَدْ ورَدَ في شَرْعِنا عَنِ النَبِيِّ مِثْلُهُ في حَدِّ رَجُلٍ زَمِنٍ بِالزِنى، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ بِعِذْقِ نَخْلَةٍ فِيهِ مِئَةُ شِمْراخٍ أو نَحْوُها، فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً، ذَكَرَ الحَدِيثَ أبُو داوُدَ، وقالَ بِهَذا بَعْضُ فُقَهاءِ الأُمَّةِ، ولَيْسَ يَرى ذَلِكَ مالِكٌ وأصْحابُهُ، وكَذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى تَرْكِ القَوْلِ بِهِ، وأنَّ الحُدُودَ والبِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِتَمامِ عَدَدِ الضَرَباتِ.
<div class="verse-tafsir"
اقتصار أيوب في دعائه على التعريض بإزالة النُّصْب والعذاب يشعر بأنه لم يُصب بغير الضر في بدنه.
ويحتمل أن يكون قد أصابه تلف المال وهلاك العيال كما جاء في كتاب «أيوب» من كتب اليهود فيكون اقتصاره على النُّصْب والعذاب في دعائه لأن في هلاك الأهل والمال نُصْباً وعذاباً للنفس.
ولم يتقدم في هذه الآية ولا في آية سورة الأنبياء أن أيوب رُزِئ أهله فيجوز أن يكون معنى ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ أن الله أبقى له أهله فلم يصب فيهم بما يكره وزاده بنين وحفدة.
ويكون فعل ﴿ وهبنا ﴾ مستعملاً في حقيقته ومجازه.
ويؤيد هذا المحمل وقوع كلمة ﴿ معهم ﴾ عقب كلمة ﴿ ومثلهم ﴾ فإن (مع) تشعر بأن الموهوب لاحق بأهله ومزيد فيهم فليس في الآية تقدير مضاف في قوله: ﴿ ووهبنا له أهله ﴾ .
وليس في الأخبار الصحيحة ما يخالف هذا إلا أقوالاً عن المفسرين ناشئة عن أفهام مختلفة.
ويحتمل أن يكون مما أصابه أنه هلَك وأولاده في مدة ضرّه كما جاء في كتاب «أيوب» من كتب اليهود وأقوال بعض السلف من المفسرين فيتعين تقدير مضاف، أي وهبنا له عوض أهله.
وألفاظ الآية تنبو عن هذا الوجه الثاني.
ومعنى ﴿ ومثلهم ﴾ مماثلهم.
والمراد: مماثل عددهم، أي ضعف عدد أهله من بنين وحفدة.
وتقدم نظير هذه الآية في قوله: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ﴾ في سورة [الأنبياء: 84].
وما بين الآيتين من تغيير يسير هو مجرد تفنّن في التعبير لا يقتضي تفاوتاً في البلاغة.
وأما ما بينهما من مخالفة في قوله هنا: ﴿ وذِكرى لأُوْلِي الألباب ﴾ وقوله في سورة الأنبياء ﴿ وذكرى للعابدين، فأما قوله هنا وذِكرى لأُوْلِي الألباب ﴾ فإن الذكر التذكير بما خفي أو بما يخفَى وأولو الألباب هم أهل العقول، أي تذكرة لأهل النظر والاستدلال.
فإن في قصة أيوب مجملها ومفصَّلها ما إذا سمعه العقلاء المعتبِرون بالحوادث والقائسون على النظائر استدلوا على أن صبره قدوة لكل من هو في حرج أن ينتظر الفرج، فلما كانت قصص الأنبياء في هذه السورة مسوقة للاعتبار بعواقب الصابرين وكان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون مأمورين بالاعتبار بها من قوله: ﴿ اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد ﴾ كما تقدم حُقّ أن يشار إليهم «بأولي الألباب».
وأما الذي في سورة الأنبياء فإنه جيء به شاهداً على أن النبوءة لا تنافي البشرية وأن الأنبياء تعْتريهم من الأحداث ما يعْتري البشر مما لا ينقص منهم في نظر العقل والحكمة وأنهم إنما يقومون بأمر الله، ابتداءً من قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم ﴾ [الأنبياء: 7] وأنهم معرَّضون لأذَى الناس مما لا يخلّ بحرمتهم الحقيقية وأقصى ذلك الموت من قوله: ﴿ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون ﴾ [الأنبياء: 34].
وإذ كان المشركون يقولون: ﴿ نتربص به ريب المنون ﴾ [الطور: 30]، وحاولوا قتله غير مرة فعصمه الله، ثم من قوله: ﴿ ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ [الأنعام: 10] ثم قال: ﴿ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون ﴾ [الأنبياء: 48، 49]، وذُكر من الأنبياء من ابتلي من قومه فصبَر، ومن ابتلي من غيرهم فصبَر، وكيف كانت عاقبة صبرهم واحدة مع اختلاف الأسباب الداعية إليه.
فكانت في ذلك آيات للعابدين، أي المْمتثلين أمر الله المجتَنبين نهيَه، فإن مما أمر به الله الصبر على ما يلحق المرء من ضرّ لا يستطيع دفعَه لكون دفعه خارجاً عن طاقته فختم بخاتمة أن في ذلك لآيات للعابدين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ ﴾ قِيلَ هو أيُّوبُ بْنُ حَوْصِ بْنِ رُوعْوَيْلَ وكانَ في زَمَنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ، وتَزَوَّجَ بِنْتَهُ إلْيا بِنْتَ يَعْقُوبَ وكانَتْ أُمُّهُ بِنْتَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ أبُوهُ حَوْصٌ مِمَّنْ آمَنَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَفِي قَوْلِهِ ﴿ مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَسَّ الشَّيْطانِ وسْوَسَتُهُ وتَذْكِيرُهُ بِما كانَ فِيهِ مِن نِعْمَةٍ وماَ صارَ إلَيْهِ مِن مِحْنَةٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: الشَّيْطانُ اسْتَأْذَنَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُسَلِّطَهُ عَلى مالِهِ فَسَلَّطَهُ، ثُمَّ أهْلِهِ ودارِهِ فَسَلَّطَهُ، ثُمَّ جَسَدِهِ فَسَلَّطَهُ، ثُمَّ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يُسَلِّطْهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ ﴾ الآيَةَ.
﴿ بِنُصْبٍ وعَذابٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالنُّصْبِ الألَمَ وبِالعَذابِ السُّقْمَ، قالَهُ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ.
الثّانِي: النُّصْبُ في جَسَدِهِ، والعَذابُ في مالِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ النُّصْبَ العَناءُ، والعَذابَ البَلاءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ هُما عَيْنانِ بِأرْضِ الشّامِ في أرْضٍ يُقالُ لَها الجابِيَةُ.
وَفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اغْتَسَلَ مِن إحْداهُما فَأذْهَبَ اللَّهُ تَعالى ظاهِرَ دائِهِ وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى فَأذْهَبَ اللَّهُ باطِنَ دائِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ اغْتَسَلَ مِن إحْداهُما فَبَرِئَ، وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى فَرَوِيَ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي المُغْتَسَلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ المَوْضِعَ الَّذِي يَغْتَسِلُ مِنهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ الماءُ الَّذِي يَغْتَسِلُ بِهِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفي مُدَّةِ مَرَضِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: سَبْعُ سِنِينَ وسَبْعَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً رَواهُ أنَسٌ مَرْفُوعٌا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ ﴾ وفِيما أصابَهم ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا مَرْضى فَشَفاهُمُ اللَّهُ.
الثّانِي: أنَّهم غابُوا عَنْهُ فَرَدَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وهَذانِ القَوْلانِ حَكاهُما ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: وهو ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهم كانُوا قَدْ ماتُوا.
فَعَلى هَذا في هِبَتِهِمْ لَهُ ومِثْلِهِمْ مَعَهم خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِ أهْلَهُ ووَلَدَهُ ومَواشِيَهُ بِأعْيانِهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى أماتَهم قَبْلَ آجالِهِمِ ابْتِلاءً ووَهَبَ لَهُ مِن أوْلادِهِمْ مِثْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَدَّهم عَلَيْهِ بِأعْيانِهِمْ ووَهَبَ لَهُ مِثْلَهم مِن غَيْرِهِمْ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ ثَوابَهم في الجَنَّةِ ووَهَبَ لَهُ مِثْلَهم في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ رَدَّ عَلَيْهِ أهْلَهُ في الجَنَّةِ، وأصابَ امْرَأتَهُ فَجاءَتْهُ بِمِثْلِهِمْ في الدُّنْيا.
الخامِسُ: أنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِنهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ أحَدًا وكانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ ابْنًا فَوَهَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِن زَوْجَتِهِ الَّتِي هي أُمُّ مَن ماتَ مِثْلَهم فَوَلَدَتْ سِتَّةً وعِشْرِينَ ابْنًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ رَحْمَةً مِنّا ﴾ أيْ نِعْمَةً مِنّا.
﴿ وَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ ﴾ أيْ عِبْرَةً لِذَوِي العُقُولِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ ﴾ كانَ أيُّوبُ قَدْ حَلَفَ في مَرَضِهِ عَلى زَوْجَتِهِ أنْ يَضْرِبَها مِائَةَ جَلْدَةٍ.
وَفي سَبَبِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ إبْلِيسَ لَقِيَها في صُورَةِ طَبِيبٍ فَدَعَتْهُ لِمُداواةِ أيُّوبَ، فَقالَ أُداوِيهِ عَلى أنَّهُ إذا بَرِئَ قالَ أنْتَ شَفَيْتَنِي لا أُرِيدُ جَزاءً سِواهُ قالَتْ نَعَمْ، فَأشارَتْ عَلى أيُّوبَ بِذَلِكَ فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّها.
الثّانِي: ما حَكاهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّها جاءَتْهُ بِزِيادَةٍ عَلى ما كانَتْ تَأْتِيهِ بِهِ مِنَ الخُبْزِ فَخافَ خِيانَتَها فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّها.
الثّالِثُ: ما حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ أنَّ الشَّيْطانَ أغْواها عَلى أنْ تَحْمِلَ أيُّوبَ عَلى أنْ يَذْبَحَ سَخْلَةً لِيَبْرَأ بِها فَحَلَفَ لَيَجْلِدَنَّها فَلَمّا بَرِئَ أيُّوبُ وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى بِإيمانِ امْرَأتِهِ أمَرَهُ رِفْقًا بِها وبَرًّا لَهُ يَأْخُذُ بِيَدِهِ ضِغْثًا.
وَفِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أشْكالُ النَّخْلِ الجامِعِ لِشَمارِيخِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الأثْلُ، حَكاهُ مُجاهِدٌ وقالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: السُّنْبُلُ، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الرّابِعُ: الثُّمامُ اليابِسُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.
الخامِسُ: الشَّجَرُ الرَّطِبُ، قالَهُ الأخْفَشُ.
السّادِسُ: الحِزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ، قالَهُ قُطْرُبٌ وأنْشَدَ قَوْلَ الكُمَيْتِ تَحِيدُ شُماسًا إذا ما العَسِيفُ بِضِغْثِ الخَلاءِ إلَيْها أشارا السّابِعُ: أنَّهُ مُلْءُ الكَفِّ مِنَ القَشِّ أوِ الحَشِيشِ أوِ الشَّمارِيخِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
﴿ فاضْرِبْ ﴾ فاضْرِبْ بِعَدَدِ ما حَلَفْتَ عَلَيْهِ وهو أنْ يَجْمَعَ مِائَةً مِن عَدَدِ الضِّغْثِ فَيَضْرِبُها بِهِ في دُفْعَةٍ يَعْلَمُ فِيها وُصُولِ جَمِيعِها إلى بَدَنِها فَيَقُومُ ذَلِكَ فِيها مَقامَ مِائَةِ جَلْدَةٍ مُفْرَدَةٍ.
﴿ وَلا تَحْنَثْ ﴾ يَعْنِي في اليَمِينِ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِأيُّوبَ خاصَّةً، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: عامٌّ في أيُّوبَ وغَيْرِهِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والَّذِي نَقُولُهُ في ذَلِكَ مَذْهَبًا: إنْ كانَ هَذا في حَدِّ اللَّهِ تَعالى جازَ في المَعْذُورِ بِمَرَضٍ أوْ زَمانَةٍ ولَمْ يَجُزْ في غَيْرِهِ، وإنْ كانَ في يَمِينٍ جازَ في المَعْذُورِ وغَيْرِهِ إذا اقْتَرَنَ بِهِ ألَمُ المَضْرُوبِ، فَإنْ تَجَرَّدَ عَنْ ألَمٍ فَفي بِرِّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَبِرُّ لِوُجُودِ العَدَدِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
الثّانِي: لا يَبِرُّ لِعَدَمِ المَقْصُودِ مِنَ الألَمِ.
﴿ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عَلى الطّاعَةِ.
الثّانِي: عَلى البَلاءِ.
﴿ نِعْمَ العَبْدُ ﴾ يَعْنِي نِعْمَ العَبْدُ في صَبْرِهِ.
﴿ إنَّهُ أوّابٌ ﴾ إلى رَبِّهِ.
وَفِي بَلائِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَلْوى اخْتِبارٍ ودَرَجَةُ ثَوابٍ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ عُوقِبَ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ بِذَنْبٍ عُوقِبَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ البَلْوى وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَخَلَ عَلى بَعْضِ الجَبابِرَةِ فَرَأى مُنْكَرًا فَسَكَتَ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ ذَبَحَ شاةً فَأكَلَها وجارُهُ جائِعٌ لَمْ يَطْعَمْهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ﴾ قال: ذهاب الأهل والمال والضر الذي أصابه في جسده.
قال: ابتلى سبع سنين وأشهراً، فألقى على كناسة بني إسرائيل تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ بنصب وعذاب ﴾ قال: ﴿ بنصب ﴾ الضر في الجسد، ﴿ وعذاب ﴾ قال: في المال.
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن الشيطان عرج إلى السماء قال: يا رب سلطني على أيوب عليه السلام قال الله: قد سلطتك على ماله وولده، ولم أسلطك على جسده.
فنزل فجمع جنوده فقال لهم: قد سلطت على أيوب عليه السلام، فأروني سلطانكم، فصاروا نيراناً، ثم صاروا ماء، فبينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف.
فأتوه بالمصائب بعضها على بعض.
فجاء صاحب الزرع فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على زرعك عدوّاً، فذهب به.
وجاء صاحب الإِبل فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك أرسل على إبلك عدواً، فذهب بها؟
ثم جاءه صاحب البقر فقال: ألم تر إلى ربك أرسل على بقرك عدواً، فذهب بها؟
وتفرد هو ببنيه جمعهم في بيت أكبرهم.
فبينما هم يأكلون ويشربون اذهبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام فقال: يا أيوب ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم؟
فبينما هم يأكلون ويشربون اذهبت ريح، فأخذت باركان البيت، فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم.
فقال له أيوب: أنت الشيطان، ثم قال له أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام فحلق رأسه، وقام يصلي، فرن إبليس رنة سمع بها أهل السماء، وأهل الأرض، ثم خرج إلى السماء فقال: أي رب انه قد اعتصم، فسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك قال: قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه.
فنزل فنفخ تحت قدمه نفخة قرح ما بين قدميه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى إليه حتى قالت له: أما ترى يا أيوب نزل بي والله من الجهد والفاقة ما أن بعت قروني برغيف.
فأطعمك، فادع الله أن يشفيك ويريحك قال: ويحك..
!
كنا في النعيم سبعين عاماً، فأصبري حتى نكون في الضر سبعين عاماً، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا فجاء جبريل عليه السلام يوماً، فأخذ بيده، ثم قال: قم.
فقام فنحاه عن مكانه وقال: ﴿ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ فركض برجله، فنبعت عين فقال: اغتسل.
فاغتسل منها، ثم جاء أيضاً فقال: ﴿ اركض برجلك ﴾ فنبعت عين أخرى.
فقال له: اشرب منها، وهو قوله: ﴿ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ وألبسه الله تعالى حلة من الجنة، فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه فقالت: يا عبدالله أين المبتلي الذي كان هاهنا لعل الكلاب ذهبت به، والذئاب؟
وجعلت تكلمه ساعة فقال: ويحك..
!
أنا أيوب قد رد الله عليّ جسدي، ورد الله عليه ماله وولده عياناً ﴿ ومثلهم معهم ﴾ وأمطر عليهم جراداً من ذهب، فجعل يأخذ الجراد بيده، ثم يجعله في ثوبه، وينشر كساءه، فيجعل فيه فأوحى الله إليه: يا أيوب أما شبعت؟
قال: يا رب من ذا الذي يشبع من فضلك ورحمتك.
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن إبليس قعد على الطريق، فاتخذ تابوتاً يداوي الناس فقالت امرأة أيوب: يا عبدالله إن هاهنا مبتلي من أمره كذا وكذا..
فهل لك أن تداويه؟
قال: نعم.
بشرط إن أنا شفيته أن يقول أنت شفيتني لا أريد منه أجراً غيره.
فأتت أيوب عليه السلام فذكرت ذلك له فقال: ويحك..
!
ذاك الشيطان لله عليَّ إن شفاني الله تعالى أن أجلدك مائة جلدة، فلما شفاه الله تعالى أمره أن يأخذ ضغثاً فأخذ عذقاً فيه مائة شمراخ، فضرب بها ضربة واحدة.
وأخرج ابن أبي حاتم قال: الشيطان الذي مس أيوب يقال له مسوط.
فقالت امرأة أيوب ادع الله يشفيك، فجعل لا يدعو حتى مر به نفر من بني إسرائيل فقال بعضهم لبعض: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: ﴿ ربِ أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ [ الأنبياء: 83] .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه في قوله: ﴿ اركض برجلك هذا ﴾ الماء ﴿ مغتسل بارد وشراب ﴾ قال: ركض رجله اليمنى فنبعت عين، وضرب بيده اليمنى خلف ظهره فنبعت عين، فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: ضرب برجله أرضاً يقال لها الحمامة، فإذا عينان ينبعان فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه أن نبي الله أيوب عليه السلام لما اشتد به البلاء إما دعا وإما عرض بالدعاء، فأوحى الله تعالى إليه ﴿ أن اركض برجلك ﴾ فنبعت عين، فاغتسل منها فذهب ما به، ثم مشى أربعين ذراعاً، ثم ضرب برجله فنبعت عين فشرب منها.
وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة رضي الله عنه قال: إن نبي الله أيوب عليه السلام لما أصابه الذي أصابه قال إبليس: يا رب ما يبالي أيوب أن تعطيه أهله ومثلهم معهم وتخلف له ماله وسلطانه سلطني على جسده قال: اذهب فقد سلطتك على جسده، وإياك يا خبيث ونفسه قال فنفخ فيه نفخة سقط لحمه، فلما أعياه صرخ صرخة اجتمعت إليه جنوده قالوا يا سيدنا ما أغضبك؟
فقال الا أغضب إني أخرجت آدم من الجنة وإن ولده هذا الضعيف قد غلبني فقالوا: يا سيدنا ما فعلت امرأته؟
فقال: حية فقال: أما هي فقد كفيك أمرها فقال له: فإن أطلقتها فقد أصبت وإلا فأعطه فجاء إليها فاستبرأها، فأتت أيوب فقالت له: يا أيوب إلى متى هذا البلاء؟
كلمة واحدة ثم استغفر ربك فيغفر لك فقال لها: فعلتها أنت أيضاً.
ثم قال لها أما والله لئن الله تعالى عافاني لأجلدنك مائة جلدة فقال: ﴿ رب أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ﴾ قأتاه جبريل عليه السلام فقال: ﴿ اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ فرجع إليه حسنه وشبابه، ثم جلس على تل من التراب فجاءته امرأته بطعامه فلم تر له أثراً فقالت لأيوب عليه السلام وهو على التل: يا عبدالله هل رأيت مبتلي كان ههنا؟
فقال لها: إن رأيتيه تعرفينه؟
فقالت له لعلك أنت هو؟
قال: نعم.
فأوحى الله إليه أن ﴿ خذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث ﴾ قال: والضغث أن يأخذ الحزمة من السياط فيضرب بها الضربة الواحدة.
وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه قال: ابتلى أيوب عليه السلام بماله وولده وجسده وطرح في المزبلة، فجعلت امرأته تخرج فتكتسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان بذلك فكان يأتي أصحاب الخير والغنى الذين كانوا يتصدقوا عليها فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم فإنها تعالج صاحبها وتلمسه بيدها، فالناس يتقذرون طعامكم من أجلها انها تأتيكم وتغشاكم، فجعلوا لا يدنونها منهم ويقولون: تباعدي عنا ونحن نطعمك ولا تقربينا، فأخبرت بذلك أيوب عليه السلام، فحمد الله تعالى على ذلك وكان يلقاها إذا خرجت كالمتحزن بما لقي أيوب فيقول: لج صاحبك وأبى إلا ما أبى الله، ولو تكلم بكلمة واحدة تكشف عنه كل ضر، ولرجع إليه ماله وولده.
فتجيء فتخبر أيوب فيقول لها: لقيك عدوّ الله فلقنك هذا الكلام لئن أقامني الله من مرضي لأجلدنك مائة.
فلذلك قال الله تعالى ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث ﴾ يعني بالضغث القبضة من الكبائس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وخذ بيدك ضغثاً ﴾ قال: الضغث القبضة من المرعى الطيب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وخذ بيدك ضغثاً ﴾ قال: حزمة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخذ بيدك ضغثا ﴾ قال: عود فيه تسعة وتسعون عوداً، والأصل تمام المائة.
وذلك أن امرأته قال لها الشيطان: قولي لزوجك يقول كذا وكذا..
!
فقالت له...
فحلف أن يضربها مائة، فضربها تلك الضربة فكانت تحلة ليمينه وتخفيف عن امرأته.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه بلغه أن أيوب عليه السلام حلف ليضربن امرأته مائة في أن جاءته في زيادة على ما كانت تأتي به من الخبز الذي كانت تعمل عليه وخشي أن تكون قارفت من الخيانة، فلما رحمه الله وكشف عنه الضر علم براءة امرأته مما اتهمها به، فقال الله عز وجل ﴿ وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث ﴾ فأخذ ضغثاً من ثمام وهو مائة عود، فضرب به كما أمره الله تعالى.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخذ بيدك ضغثاً ﴾ قال: هي لأيوب عليه السلام خاصة وقال عطاء: هي للناس عامة.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ وخذ بيدك ضغثاً ﴾ قال: جماعة من الشجر وكانت لأيوب عليه السلام خاصة، وهي لنا عامة.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وخذ بيدك ضغثاً..
﴾ .
وذلك أنه أمره أن يأخذ ضغثاً فيه مائة طاق من عيدان القت، فيضرب به امرأته لليمين التي كان يحلف عليها قال: ولا يجوز ذلك لأحد بعد أيوب إلا الأنبياء عليهم السلام.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: «حملت وليدة في بني ساعدة من زنا فقيل لها: ممن حملك؟
قالت: من فلان المقعد، فسأل المقعد فقال صدقت، فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذوا له عثكولاً فيه مائة شمراخ، فاضربوه به ضربة واحدة ففعلوا» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني وابن عساكر من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: «كان في أبياتنا إنسان ضعيف مجدع، فلم يرع أهل الدار إلا وهو على أمة من إماء أهل الدار يعبث بها، وكان مسلماً فرفع سعد رضي الله عنه شأنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اضربوه حده فقالوا يا رسول الله: إنه أضعف من ذلك ان ضربناه مائة قتلناه قال: فخذوا له عثكالاً فيه مائة شمراخ، فاضربوه ضربة واحدة وخلوا سبيله» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان رضي الله عنه، أن رجلاً أصاب فاحشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض على شفا موت، فأخبر أهله بما صنع، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقنو فيه مائة شمراخ، فضربه ضربة واحدة.
وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بشيخ قد ظهرت عروقه قد زنى بامرأة، فضربه بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة.
أما قوله تعالى: ﴿ إنا وجدناه صابراً نعم العبد ﴾ .
أخرج ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أيوب عليه السلام رأس الصابرين يوم القيامة.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن العاصي رضي الله عنه قال: نودي أيوب عليه السلام يا أيوب لولا أفرغت مكان كل شعرة منك صبراً ما صبرت.
وأخرج ابن عساكر عن ليث بن أبي سليمان رضي الله عنه قال: قيل لأيوب عليه السلام لا تعجب بصبرك، فلولا أني أعطيت موضع كل شعرة منك صبراً ما صبرت.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة أيوب قالت: يا أيوب إنك رجل مجاب الدعوة، فادع الله أن يشفيك فقال: ويحك..
!
كنا في النعماء سبعين عاماً، فدعينا نكون في البلاء سبع سنين.
وأخرج ابن عساكر عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: زوجة أيوب عليه السلام رحمة رضي الله عنها بنت ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال: كان أيوب عليه السلام كلما أصابه مصيبة قال: اللهم أنت أخذت، وأنت أعطيت مهما تبقى نفسك أحمدك على حسن بلائك.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ ﴾ ذكر في الأنبياء ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فاضرب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ﴾ الضغث القبضة من القضبان، وكان أيوب عليه السلام قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط إذا برئ من مرضه، وكان سبب ذلك ما ذكرته له من لقاء الشيطان، وقوله لها إن سجد لي زوجك أذهبت ما به من المرض، فأمره أن يأخذ ضغثاً فيه مائة قضيب فيضربها بها ضربة واحدة فيبرَّ في يمينه، وقد ورد مثل هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم في حدّ رجل زنى وكان مريضاً فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذق نخلة فيه شماريخ مائة فضرب به ضربة واحدة ذكر ذلك أبو داود والنسائي، وأخذ به بعض العلماء، ولم يأخذ به مالك ولا أصحابه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مسني الشيطان ﴾ بسكون الياء: حمزة.
بنصب بضمتين: يزيد،وقرأ يعقوب بفتحتين، وقرأ هبيرة بالفتح والسكون.
والباقون: باضم والسكون ﴿ بخالصة ذكري ﴾ على الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام ﴿ عبدنا إبراهيم ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعلى هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان ﴿ ما يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وغساق ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعليّ وخلف وحفص ﴿ أخر ﴾ بضم الهمزة على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل.
والباقون: بالمد على التوحيد.
﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة والتفخيم مثل ﴿ الأبرار ﴾ غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة ﴿ اتخذناهم ﴾ موصولة والابتداء بكسر الألف: ابو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام ﴿ ما كان لي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ إلا إنما ﴾ بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد ﴿ لعنتي إلى ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع ﴿ فالحق ﴾ بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ أيوب ﴾ م لا إذا جعل "إذ" بدلاً ﴿ وعذاب ﴾ ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه جبريل فقال له اركض ﴿ برجلك ﴾ ج لأن هذا مبتدأ مع أه من تمام القول ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ولا تحنث ﴾ ط ﴿ صابراً ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والأبصار ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ الأخيار ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ من الأخيار ﴾ ه ﴿ ذكر ﴾ ه ط ﴿ مآب ﴾ ه لا لأن ﴿ جنات ﴾ بدل أو عطف بيان.
﴿ الأبواب ﴾ ه ج لاحتمال أن عامل ﴿ متكئين ﴾ محذوف أي يتنعمون متكئين وإن جعل حالاً من ﴿ مفتحة ﴾ فهي مقدّرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح الأبواب ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ أتراب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ من نفاد ﴾ ه ج ﴿ هذا ﴾ ط أي هذا بيان جزاء المتقين أو الأمر هذا ﴿ مآب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ لا لأن خبره ﴿ حميم ﴾ فقوله ﴿ فليذوقوه ﴾ اعتراض ﴿ وغساق ﴾ ه لا للعطف ﴿ أزواج ﴾ ه ط ﴿ معكم ﴾ ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء ﴿ بهم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ج ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأشرار ﴾ ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالاً ومن صرح بالاستفهام فوقفه مطلق ﴿ الأبصار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح بدلاً وخبراً لمحذوف أي هو الغفار ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ الكافروين ﴾ ه ﴿ بيديّ ﴾ ط للاستفهام ﴿ العالين ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية ﴿ طين ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ج والوصل أولى لاتصال لعنتي به ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه لا لتعلق إلى ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه للاستثناء ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ فالحق ﴾ ز على قراءة الرفع أي فهذا الحق مع اتحاد المقول ﴿ أقول ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من قوله ﴿ والحق ﴾ .
﴿ أجمعين ﴾ ه ج ﴿ المتكلفين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.
التفسير: وجه النظم كأنه يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر مالاً أو جاهاً من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج.
﴿ وأيوب ﴾ عطف بيان و "إذ" معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه وكان معاصراً ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع النون كقفل وقفل.
ومعنى الكل التعب والمشقة.
قيل: الضر في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن الذي نزل به كان من الشيطان وقد مرّ تقريره في "الأنبياء" ومجمله ما روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟
فقال: نعم، عبدي أيوب.
قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله.
فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده.
فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد ايوب وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فاشارت غلى أيوب بذلك فغضب لذلك - أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء - وحلف إن عافه الله ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكياً إليه لا منه كقول يعقوب ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ فأجاب دعاءه وأوحى إليه ﴿ اركض ﴾ أي اضرب ﴿ برجلك ﴾ الأرض.
عن قتادة: هي أرض الجابية من قرى الشام.
فأظهر الله من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله.
القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحاً إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة.
فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء.
ولناصر القول الأول أن يقول: سلمنا أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟.
ولنعد إلى تفسير ما يختص بالمقام.
قوله ﴿ مغتسل بارد ﴾ أي هذا مكان يغتسل فيه أي بمائة ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عيناً واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح.
وزعم أن تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد.
وقوله ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قيل: أحياهم الله بأعيانهم وزاد مثلهم من أولاده.
وقيل: من أولاد أولاده.
وقيل: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم.
وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله والأول أصح.
وقوله ﴿ رحمة منا وذكرى ﴾ مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيراً لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز.
وإنما لم يقل ههنا ﴿ رحمة من عندنا ﴾ مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ مع قوله في "الأنبياء" ﴿ وذكرى للعابدين ﴾ إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد الله.
وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله ﴿ وخذ ﴾ معطوف على ﴿ اركض ﴾ والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة.
قال مجاهد: هو لأيوب خاصة.
وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة.
والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها.
ومعنى ﴿ وجدناه صابراً ﴾ علمنا منه الصبر.
وههنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان ﴿ نعم العبد ﴾ تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد وقالوا: هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل إلى تحصيله؟
فأنزل الله قوله ﴿ فنعم المولى ونعم النصير ﴾ والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق.
قلت: وصف أنبياء سائر الأمم بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ ووصف هذه الأمة بقوله ﴿ كنتم خير أمة ﴾ فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء.
ومعنى ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة لأقوى الإِدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والرعفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة.
قوله ﴿ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة.
والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم.
و ﴿ المصطفين ﴾ جمع مصطفى وأصله مصطفين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء المتحركة ألفاً ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت ﴿ إسماعيل واليسع وذا الكفل ﴾ وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء.
وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل منهم من أنواع الابتلاء تثبيتاً لنبيه وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه باباً آخر وهو ذكر جزاء المتقين والطاغين قال ﴿ هذا ذكر ﴾ ثم قال ﴿ وإن للمتقين ﴾ كما يقول المصنف: إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر.
ويحتمل أن يكون من تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً.
قوله ﴿ مفتحة ﴾ حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل.
قال الزجاج ﴿ الأبواب ﴾ فاعل ﴿ مفتحة ﴾ والعائد محذوف أي الأبواب منها.
وقال غيره.
في ﴿ مفتحة ﴾ ضمير الجنات ﴿ والأبواب ﴾ بدل الاشتمال من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض "ضرب زيد اليد والرجل" فكان اللام عوضاً من الضمير الراجع.
والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح.
وقيل: أراد به وصف تلك المساكين بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل.
وقوله ﴿ متكئين ﴾ حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو ﴿ يدعون ﴾ أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم.
وقيل: يتمنون وقيل: يسألون.
قال المفسرون: أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول.
وحين بين أمر المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح.
وقاصرات الطرف قد مر في "الصافات" أنهن اللواتي قصرن الطرف عن الإلتفات إلى غير أزواجهن.
والأتراب جمع ترب وهي اللدة.
واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد.
والسبب في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت.
وقيل: هن وأزواجهن واحدة في الأسنان.
وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية.
ويروى أنهن بنات ثلاث وثلاثين.
ومعنى ﴿ ليوم الحساب ﴾ قيل: لأجل الحساب لأن الحساب على الوصول إلى جزاء العمل.
والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب.
﴿ إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ﴾ انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم بدوامها.
ثم بين أن حال الطاغين مضادّة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا الطغيان ههنا على الكفر لأنه يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخرياً، والفاسق لا يتخذ المؤمن هزواً لأن الطاغي اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن الذين طغوا عليّ وكذبوا رسلي لهم شر مصير.
وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر من أهل الإيمان وغيرهم لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ والمهاد الفراش وقد مر مراراً.
وقوله ﴿ هذا ﴾ قد مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم أو منه ﴿ حميم ﴾ ومنه ﴿ غساق ﴾ أو ﴿ هذا فليذوقوه ﴾ معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله ﴿ فإِياي فارهبون ﴾ وقيل: ﴿ حميم ﴾ مبتدأ و ﴿ هذا ﴾ خبره.
والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من صديد أهل النار.
يقال: غسقت العين إذا سال دمعها.
وذكر الأزهري أن الغاسق البارد ولهذا قيل الليل الغاسق لأنه أبرد من النهار.
فالحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده.
وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه.
وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية.
وعن الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله.
إن الناس أخفوا الله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: ﴿ وآخر من شكله ﴾ أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق.
و ﴿ أزواج ﴾ أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو خبر هو.
وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم.
أما الأوّل فقوله ﴿ هذا ﴾ اي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون.
والفوج الأوّل الرؤساء والثاني الأتباع.
وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني أبناء آدم هذا ﴿ فوج ﴾ اي جمع كثيف دخل النار في صحبتكم.
والاقتحام الدخول في الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال.
وقوله ﴿ لا مرحباً بهم ﴾ دعاء منهم على أتباعهم و ﴿ مرحباً ﴾ نصب على أنه مفعول به أو مصدر أي أتيت رحباً لا ضيقاً، أو رحبت بلادك رحباً فإذا دخل عليه لا صار دعاء السوء وبهم بيان للمدعو عيلهم.
وقوله ﴿ إنهم صالوا النار ﴾ تعليل لاستيجابهم اللعن.
قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم.
وقيل: هو إخبار لا دعاء أي وقد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة.
وقيل ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم.
وقيل: هذا كله كلام الخزنة ﴿ قالوا ﴾ أي الأتباع.
﴿ بل أنتم لا مرحباً بكم ﴾ أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم ﴿ أنتم قدمتموه لنا ﴾ والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب في العمل الذي هو جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا عمل السوء لا رَؤساؤهم والعمل هو المقدّم لا جزاؤه.
ومن جعل قوله ﴿ لا مرحباً ﴾ بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه.
﴿ فبئس القرار ﴾ أي المستقر النار ﴿ قالوا ﴾ أي الفوج وهو كالبدل من ﴿ قالوا ﴾ الأوّل والضعف المضاعف كما مر في "الأعراف" وأما الثاني فقوله ﴿ ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار ﴾ أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا خير فيهم يعنون فقراء المسلمين.
وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم.
من قرأ ﴿ أتخذناهم ﴾ بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، وكذا فيمن قرأ ﴿ اتخذناهم ﴾ بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن جعلها صفة أو حالاً فلا إشكال وحينئذ يتصل ﴿ أم زاغت ﴾ بقوله ﴿ ما لنا لا نرى ﴾ أي الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها.
فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله ﴿ اتخذناهم ﴾ على الاستفهام لأن الأول للإِنكار، والثاني للاستخبار.
ويجوز أن يكون "أم" متصلة وكلاهما للإِنكار.
ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا ﴿ إن ذلك ﴾ الذي حكينا عنهم ﴿ لحق ﴾ لا بد لهم من وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون كذلك.
ثم بين ما هو فقال هو ﴿ تخاصم أهل النار ﴾ لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة.
واعلم أنه لما بدأ في أول السورة بأن محمداً يدعو إلى التوحيد وأن الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى.
ثم ذكر طرفاً من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار إقامة وبقاء.
ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أوّل السورة وهي صحة نبوّة محمد وصدق ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال ﴿ قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد ﴾ من جميع الوجوه ﴿ القهار ﴾ لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية قائلاً ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ﴾ ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله ﴿ العزيز الغفار ﴾ فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعدّ الجنة لأهل الاستغفار.
قوله ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول بالنبوّة أو بإثبات الحشر والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أوّل السورة ولأجلها سيق الكلام منجراً إلى ههنا.
ويحتمل أن يراد ﴿ كتاب أنزلناه ﴾ فيه نبأ عظيم وهؤلاء الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور.
ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله ﴿ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى ﴾ وهم الملائكة ﴿ إذ يختصمون ﴾ أي يتقاولون فيما بينهم بالوحي.
والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالاً وجواباً والمشابهة علة لجواز المجاز.
ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلاً ﴿ إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين ﴾ أي ما يوحى إليّ إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر ﴿ إنما ﴾ .
وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إليّ إلا لأن أنذر ولا أقصر.
روى ابن عباس عن النبي "أتاني الليل آت من ربي وفي رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد.
قلت: لبيك ربي وسعديك.
قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: لا أعلم.
قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض.
قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: نعم، في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث.
قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.
واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمداً بسبب الحسد والكبر فختم الله السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجراً للمكلفين عن هاتين الخصلتين، فعلى هذا يكون ﴿ إذ قال ﴾ معمولاً لمحذوف اي اذكر وقت قول ربك للملائكة.
وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد.
وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما ذكره عما قريب.
والمعنى ما أحكيه خبر له شأن لأنه مستفاد من الوحي.
وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إذ يختصمون ﴾ والملأ الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كأنهم قالوا: هؤلاء فيما بينهم.
ثم خاطبوا بها الله فلا يلزم أن يكون الله من الملأ الأعلى ويثبت له مكان.
أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل تقاول الله وملائكته.
وقال جار الله: كانت مقاولة الله بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط.
وقصة آدم مذكورة في "البقرة" وفي غيرها مشروحة.
والتي في هذه السورة يوافق أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله ﴿ خلقت بيديّ ﴾ كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن القدرة يقال ما لي بهذا الأمر يد أي قوّة وطاقة.
ومنها أنها النعمة.
ومنها أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله ﴿ مما عملت أيدينا ﴾ وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك.
والحق فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنها.
ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإِحدى الصفتين، كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإِنه مظهر القهر إلا الإنسان فإِنه مظهر لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا جاء في الأحاديث القدسية "لا أجعل ذرّية من خلقت بيديّ كمن قلت له كن فكان" قوله ﴿ استكبرت أم كنت من العالين ﴾ أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ممن علوت وقفت؟
فأجاب بأنه من العالين حيث ﴿ قال أنا خير منه ﴾ وقيل: استكبرت الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين.
ومعنى الهمزة التقرير.
قوله ﴿ فالحق ﴾ من قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل ﴿ لعمرك ﴾ أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقوله وهو اعتراض.
ومن نصبهما فعلى أن الثاني تأكيد للأوّل، أو على أن الأوّل للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله ، أو الحق الذي هو نقيض الباطل.
وقوله ﴿ منك ﴾ أي من جنسك وهم الشياطين ﴿ وممن تبعك منهم ﴾ أي من ذرّية آدم.
و ﴿ أجمعين ﴾ تأكيد للتابعين والمتبوعين.
ثم ختم السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى الداعي أو إلى المدعو إليه.
أما الداعي فلا يسأل أجراً على ما يدعو إليه وهو القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة.
وأما المدعو إليه فقوله ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ الذين ينتحلون ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني أدعوكم إلى الإقرار بالله أوّلاً ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانياً، ثم إلى وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثاً ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء رابعاً، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامساً، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث والقيامة سادساً ﴿ ليجزي الذين أَسَاءُواْ بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ عن النبي "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول مالا يعلم" ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو الموت لأن الناس نيام فإِذا ماتوا انتبهوا.
وقيل: هو القيامة.
وقيل: هو حين ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ .
ثم لا ندري ما الذي كان من الله من تمكين الشيطان عليه حتى أضاف ذلك إلى الشيطان، وليس لنا أن نقول: إنه مكن عليه كذا، وفعل كذا في كذا، وفعل به كذا، إلا أن يثبت عن الله.
ثم وجه الحكمة في تمكين الشيطان على أوليائه فيما مكن من أمر الدين؛ ليعلم جهة الفضل من جهة العدل وجهة الحكم من جهة الرحمة، وأن له أن يمتحن عباده بما شاء وكيف شاء من أنواع الشدائد والبلايا على أيدي من شاء، بلا أسباب كانت منهم يستوجبون بها ذلك، وله أن يجتبي إلى من شاء من أنواع الخير والنعم ابتداء بلا أسباب كانت منهم يستوجبون بها ذلك؛ فعلى ذلك بلاء أيوب - - والشدائد التي أصابته جائز أن يكون بلا سبب كان منه يستوجب ذلك، ولكن ابتداء امتحانٍ منه إياه بذلك.
ثم قوله: ﴿ مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ إنه وإن أضاف إليه فهو في الحقيقة من الله لما أخبر أنه على يديه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ﴾ أخبر أن حقيقة العذاب منه وإن كان على أيديهم يجري ذلك؛ وهو كقوله - -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ أي: ما يمس الإنسان من ضر يكون على يدي آخر ويكون من الله، وله في ذلك صنع وفعل لا على ما يقوله المعتزلة أن لا صنع [لله] في فعل العباد، وأخبر أنه لو أراد بأحد ضرا ومسه بذلك، فلا كاشف لذلك الضر ولا دافع، وأنه لو أراد خيرا بأحد فلا راد لذلك الفضل غيره، فهو على المعتزلة أيضاً.
وقوله: ﴿ بِنُصْبٍ ﴾ ، ونُصُب: واحد وهو تعب؛ وكذلك يقول القتبي: النُّصب والنَّصب واحد من حُزن وحَزن وهو العناء والتعب.
وقال أبو عبيدة: النَّصَب: الشر، والنُّصْب: الإعياء.
ومنهم من يقول: إن أحدهما فيما يصيب ظاهراً من جسده، والآخر فيما يصيب باطنه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ .
جائز أن يكون لما قال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ دعا عند ذلك أن يكشف عنه البلايا التي مسته، كأنه قال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ ﴾ فاكشف ذلك عني ﴿ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ يدلك على ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ﴾ دل هذا على أن قد كان منه دعاء وسؤال في كشفه الضر عنه، فاستجاب الله دعاءه، فعند ذلك قال: ﴿ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ جائز أن يكون لما ضرب برجله الأرض وركضها نبع منها عينان: إحداهما للاغتسال فيها والأخرى للشرب منها، فكانت التي للشرب منها ماؤها بارد على ما يوافق الشرب ويختار ذلك، والأخرى ماؤها ما يوافق الاغتسال وهو دونه في النزول على ما قاله أهل التأويل عامة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ وإنما السكون فيما يسكن وهو الليل والابتغاء بالنهار.
وجائز أن يكون العين واحدة إلا أنه لما اغتسل منها كان ما يوافق الشرب.
قال بعض أهل التأويل: كان به البلاء بظاهر الجسد وبباطنه: فما كان بظاهره ذهب بالاغتسال، وما كان بباطنه ذهب بالشرب، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل - لرسوله : ﴿ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ ﴾ .
أي: اذكر صبره كيف صبر على البلاء من الله - عز وجل - بأنواع الشدائد والبلايا، فاصبر أنت إذا ابتليت بشيء من البلايا، وعلى ذلك يخرج جميع ما ذكر في هذه السورة، وأمره أن يذكرهم بالذي ابتلاهم من الشدائد أن كيف صبروا له على ذلك، ومن امتحنهم بالسعة والملك يقول: أن اذكر لهم كيف شكروا ربهم وأطاعوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ ﴾ .
اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ ﴾ أي: أحيا من هلك من أهله وماله، وزاد له على ذلك ضعفهم في الدنيا؛ رحمة منه وفضلا.
والحسن يقول بهذا: إنه أحياهم له بأعيانهم وزاده مثلهم معهم.
وقال بعضهم: قيل له: يا أيوب إن أهلك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم، قال: لا، بل اتركهم في الجنة، فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا، ولله أن يحيي من شاء بعد ما أماته، وله أن يؤجر على ذلك ما شاء؛ ألا ترى أنه قال على أثره: ﴿ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ ، دل قوله: ﴿ رَحْمَةً مِّنَّا ﴾ على أن كشف الضر عن أيوب وإعطاء ما أعطاه رحمة منه وفضلا ونعمة، كان له ألا يكشف الضر عنه، وألا يرد عليه أهله ولا يزيد له، وهو على المعتزلة؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ما أعطى وردّ عليه أصلح له، وقد أخبر أنه برحمته كان ذلك له وفضل منه، ولو كان عليه حفظ الأصلح له في الدين، كان في تركه ومنعه جائرا عندهم ظالماً.
أو أن يكون منعه ذلك عنه أصلح له فأعطاه وترك الأصلح له؛ فدل أن ليس على الله حفظ الأصلح لأحد في الدين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
أي: ذكرى وعظة لمن ينتفع باللب، ليعلم أن ليس التضييق لمقت منه وسخط على من ضَيَّق عليه ولا في التوسيع رضاء منه، ولكن محنتان: يمتحن من شاء بالشدة والبلاء، ومن شاء بالسعة والرخاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ﴾ .
اختلف في السبب الذي كان من أيوب - - الحلف بضرب امرأته، ولكن لسنا ندري ما السبب الذي حمله على الحلف بضربها، ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك السبب، غير أنا نعلم أنه كان من المحلوف عليه معنى يستوجب بذلك الضرب حيث حلف هو بالضرب وأمره الله - عز وجل - بالضرب، ثم معلوم أن غضبه وحلفه لا يحتمل أن يكون لمنفعة نفسه ولكن لله عز وجل، ثم الغضب لا يخرج الأنبياء - عليهم السلام - عن أيدي أنفسهم على من كان غضبه لنفسه.
ثم اختلف في قوله - عز وجل -: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ ﴾ : قال بعضهم: قضبان وأغصان، ونحو ذلك، لأيوب خاصة.
وقال بعضهم: هو له ولسائر الناس أن من حلف أن يضرب كذا خشبة أو سوطاً، فجمع قضبانا أو أغصاناً فضرب بها، برّ في يمينه، وليس في الآية أنه ضرب به مرة أو مراراً حتى يخرج به المرء عن يمينه.
ثم الأصل عندنا أن من هم بضرب آخر كان بالضارب هيئة وإبداء يعرف أنه يزيد الضرب فيحرز بالمضروب هيئته وأثره وهو السالم، فجائز أن يكون المراد به تلك الهيئة والأثر الضرب نفسه ليس في يمينه، وأن الأفضل فيها ترك الضرب والكفارة عن الحنث.
ثم أثنى الله على أيوب - - فقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾ .
بما ابتلاه الله في نفسه وأهله وماله.
﴿ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .
أي: راجع إليه - عز وجل - في جميع أحواله: في حال الشدة والبلاء، وفي حال السعة والرخاء؛ والله أعلم.
وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ ﴾ ، أي: اضرب بها الأرض، وكذلك ركض دابتك إذا ضربتها برجلك حتى تسرع؛ وكذلك قال القتبي، قال: والضغث: ملء الكف من الحشيش وغيره ومن كل شيء، وأضغاث جمع.
وقال القتبي: الضغث: الحزمة من الكلأ أو من العيدان وهو قريب من الأول.
وقال: المغتسل: الماء وهو الغسول أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْنَثْ ﴾ .
من الحِنْث، والحنث في الأصل: الإثم أي: لا يحنث بيمينه إذا صدق فيها ووفى.
<div class="verse-tafsir"
فاستجبنا له، فكشفنا ما به من ضر، وأعطيناه أهله، وزدناه عليهم مثلهم من البنين والحفدة رحمة منا به، وجزاءً له على صبره، وليتذكر أصحاب العقول الراجحة أن عاقبة الصبر الفرج والثواب.
<div class="verse-tafsir" id="91.BGdN0"