الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٤٦ من سورة ص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٦ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ) قال مجاهد : أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هم غيرها .
وكذا قال السدي : ذكرهم للآخرة وعملهم لها .
وقال مالك بن دينار : نزع الله من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها .
وكذا قال عطاء الخراساني .
وقال سعيد بن جبير : يعني بالدار الجنة يقول : أخلصناها لهم بذكرهم لها وقال في رواية أخرى : ( ذكرى الدار ) عقبى الدار .
وقال قتادة : كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها .
وقال ابن زيد : جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة.
وقوله عَزّ وجلّ: ( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ) يقول تعالى ذكره: إنا خصصناهم بخاصة: ذكر الدار.
واختلف القرّاء في قراءة قوله ( بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) فقرأته عامة قرّاء المدينة: " بخالصة ذكرى الدار " بإضافة خالصة إلى ذكرى الدار, بمعنى: أنهم أخلصوا بخالصة الذكرى, والذكرى إذا قُرئ كذلك غير الخالصة, كما المتكبر إذا قُرئ: عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ بإضافة القلب إلى المتكبر, هو الذي له القلب وليس بالقلب.
وقرأ ذلك عامة قرّاء العراق: ( بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) بتنوين قوله ( خَالِصَةً ) وردّ ذكرى عليها, على أن الدار هي الخالصة, فردّوا الذكر وهي معرفة على خالصة, وهي نكرة, كما قيل: لشرّ مآب: جهنم, فرد جهنم وهي معرفة على المآب وهي نكرة.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قَرَأَة الأمصار, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقد اختلف أهل التأويل, في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: إنا أخلصناهم بخالصة هي ذكرى الدار: أي أنهم كانوا يذَكِّرون الناس الدار الآخرة, ويدعونهم إلى طاعة الله, والعمل للدار الآخرة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) قال: بهذه أخلصهم الله, كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله.
وقال آخرون: معنى ذلك أنه أخلصهم بعملهم للآخرة وذكرهم لها.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن الحسن الأزدي, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, في قوله ( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) قال: بذكر الآخرة فليس لهم همّ غيرها.
حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) قال: بذكرهم الدار الآخرة, وعملهم للآخرة.
وقال آخرون: معنى ذلك: إنا أخلصناهم بأفضلِ ما في الآخرة; وهذا التأويل على قراءة من قرأه بالإضافة.
وأما القولان الأوّلان فعلى تأويل قراءة من قرأه بالتنوين.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: " إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار " قال: بأفضل ما في الآخرة أخلصناهم به, وأعطيناهم إياه; قال: والدار: الجنة, وقرأ: تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ قال: الجنة, وقرأ: وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ قال: هذا كله الجنة, وقال: أخلصناهم بخير الآخرة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: خالصة عُقْبَى الدار.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا أبي, عن شريك, عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جُبَير ( بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) قال: عُقبى الدار.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بخالصة أهل الدار.
* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن ابن أبي زائدة, عن ابن جُرَيج, قال: ثني ابن أبي نجيح, أنه سمع مجاهدا يقول: ( بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) هم أهل الدار; وذو الدار, كقولك: ذو الكلاع, وذو يَزَن.
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من البصريين يتأوّل ذلك على القراءة بالتنوين ( بِخَالِصَةٍ ) عمل في ذكر الآخرة.
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك على قراءة من قرأه بالتنوين أن يقال: معناه: إنا أخلصناهُمْ بخالصة هي ذكرى الدار الآخرة, فعملوا لها في الدنيا, فأطاعوا الله وراقبوه; وقد يدخل في وصفهم بذلك أن يكون من صفتهم أيضا الدعاء إلى الله وإلى الدار الآخرة, لأن ذلك من طاعة الله, والعمل للدار الآخرة, غير أن معنى الكلمة ما ذكرت.
وأما على قراءة من قرأه بالإضافة, فأن يقال: معناه: إنا أخلصناهم بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة; فلمَّا لم تُذْكر " في" أضيفت الذكرى إلى الدار كما قد بيَّنا قبل في معنى قوله لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وقوله بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ------------------ الهوامش : (2) لعل العبارة قد سقط منهما كلمة" والأبصار" .
كما يفهم مما قبله ، ومما يجيء .
قوله تعالى : إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار قراءة العامة : " بخالصة " منونة ، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم .
وقرأ نافع وشيبة وأبو جعفر وهشام عن ابن عامر " بخالصة ذكرى الدار " بالإضافة ، فمن نون خالصة ف " ذكرى الدار " بدل منها ، التقدير : إنا أخلصناهم بأن يذكروا الدار الآخرة ، ويتأهبوا لها ، ويرغبوا فيها ، ويرغبوا الناس فيها .
ويجوز أن يكون " خالصة " مصدرا لخلص ، و " ذكرى " في موضع رفع بأنها فاعلة ، والمعنى : أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار ، أي : تذكير الدار الآخرة .
ويجوز أن يكون " خالصة " مصدرا لأخلصت فحذفت الزيادة ، فيكون " ذكرى " على هذا في موضع نصب ، التقدير : بأن أخلصوا ذكرى الدار .
والدار يجوز أن يراد بها الدنيا ، أي : ليتذكروا الدنيا ويزهدوا فيها ، ولتخلص لهم بالثناء الحسن عليهم ، كما قال تعالى : وجعلنا لهم لسان صدق عليا ويجوز أن يراد بها الدار الآخرة وتذكير الخلق بها .
ومن أضاف " خالصة " إلى الدار فهي مصدر بمعنى الإخلاص ، والذكرى مفعول به أضيف إليه المصدر ، أي : بإخلاصهم ذكرى الدار .
ويجوز أن يكون المصدر مضافا إلى الفاعل والخالصة مصدر بمعنى الخلوص ، أي : بأن خلصت لهم ذكرى الدار ، وهي الدار الآخرة أو الدنيا على ما تقدم .
وقال ابن زيد : معنى أخلصناهم أي : بذكر الآخرة ، أي : يذكرون الآخرة ويرغبون فيها ويزهدون في الدنيا .
وقال مجاهد : المعنى : إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم .
{ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ } عظيمة، وخصيصة جسيمة، وهي: { ذِكْرَى الدَّارِ } جعلنا ذكرى الدار الآخرة في قلوبهم، والعمل لها صفوة وقتهم، والإخلاص والمراقبة للّه وصفهم الدائم، وجعلناهم ذكرى الدار يتذكر بأحوالهم المتذكر، ويعتبر بهم المعتبر، ويذكرون بأحسن الذكر.
( إنا أخلصناهم ) اصطفيناهم ( بخالصة ذكرى الدار ) قرأ أهل المدينة : " بخالصة " مضافا ، وقرأ الآخرون بالتنوين ، فمن أضاف فمعناه : أخلصناهم بذكر الدار الآخرة ، وأن يعملوا لها ، والذكرى : بمعنى الذكر .
قال مالك بن دينار : نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها ، وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها .
وقال قتادة : كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عز وجل .
وقال السدي : أخلصوا بخوف الآخرة .
وقيل : معناه أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة .
قال ابن زيد : ومن قرأ بالتنوين فمعناه : بخلة خالصة ، وهي ذكرى الدار ، فيكون " ذكرى " الدار بدلا عن الخالصة .
«إنا أخلصناهم بخالصة» هي «ذكرى الدار» الآخرة، أي ذكرها والعمل لها، وفي قراءة بالإضافة وهي للبيان.
إنا خصصناهم بخاصة عظيمة، حيث جعلنا ذكرى الدار الآخرة في قلوبهم، فعملوا لها بطاعتنا، ودعوا الناس إليها، وذكَّروهم بها.
وإنهم عندنا لمن الذين اخترناهم لطاعتنا، واصطفيناهم لرسالتنا.
ثم بين - سبحانه - أسباب وصفهم بتلك الأوصاف الكريمة ، فقال - تعالى - : ( إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار .
.
.
) .ومعنى : ( أَخْلَصْنَاهُمْ ) خالصين لطاعتنا وعبادتنا .
والباء فى قوله ( بِخَالِصَةٍ ) للسببية ، وخالصة اسم فاعل .
والتنوين فيها للتفخيم ، وهى صفة لمحذوف .و ( ذِكْرَى الدار ) بيان لها بعد إبهامها للتفخيم .
أو محلها النصب بإضمار أعنى .
.
أو الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أى : هى .و ( ذِكْرَى ) مصدر مضاف لمفعوله ، وتعريف الدار للعهد .
أى : الدار الآخرة .والمعنى : إنا جعلنا هؤلاء العباد - وهم إبراهيم وإسحاق يعقوب - خالصين لطاعتنا وعبادتنا ، متبعين لأوامرنا ونواهينا ، لا تصافهم بخلصة خالصة من كل ما لا يرضينا ، وهى تذكرهم للدار الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب .وقرأ نافع ( بخالصةِ ) بدون تنوين على الإِضافة لذكرى .
من إضافة الصفة إلى الموصوف .
أو المصدر لفاعله إن جعلت خالصة مصدرا كالعاقبة .أى : أخلصناهم بأن خلصت لهم ذكرى الدار .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير: ﴿ عَبْدَنَا ﴾ على الواحد وهي قراءة ابن عباس، ويقول إن قوله: ﴿ عَبْدَنَا ﴾ تشريف عظيم، فوجب أن يكون هذا التشريف مخصوصاً بأعظم الناس المذكورين في هذه الآية وهو إبراهيم وقرأ الباقون: ﴿ عِبَادِنَا ﴾ قالوا لأن غير إبراهيم من الأنبياء قد أجري عليه هذا الوصف فجاء في عيسى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ وفي أيوب: ﴿ نِعْمَ العبد ﴾ وفي نوح: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ فمن قرأ (عبدنا) جعل إبراهيم وحده عطف بيان له، ثم عطف ذريته على عبدنا وهي إسحاق ويعقوب، ومن قرأ (عبادنا) جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب عطف بيان لعبادنا.
المسألة الثانية: تقدير الآية كأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واذكر عبادنا داود إلى أن قال: واذكر عبادنا إبراهيم أي واذكر يا محمد صبر إبراهيم حين ألقي في النار، وصبر إسحاق للذبح، وصبر يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره.
ثم قال: ﴿ أُوْلِي الأيدى والأبصار ﴾ ، واعلم أن اليد آلة لأكثر الأعمال والبصر آلة لأقوى الإدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد وعن الإدراك بالبصر.
إذا عرفت هذا فنقول النفس الناطقة الإنسانية لها قوتان عاملة وعالمة، أما القوة العاملة فأشرف ما يصدر عنها طاعة الله، وأما القوة العالمة فأشرف ما يصدر عنها معرفة الله، وما سوى هذين القسمين من الأعمال والمعارف فكالعبث والباطل، فقوله: ﴿ أُوْلِى الأيدى والأبصار ﴾ إشارة إلى هاتين الحالتين.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ بِخَالِصَةٍ ﴾ قرئ بالتنوين والإضافة فمن نون كان التقدير أخلصناهم أي جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكرى الدار، ومن قرأ بالإضافة فالمعنى بما خلص من ذكرى الدار، يعني أن ذكرى الدار قد تكون لله وقد تكون لغير الله، فالمعنى إنا أخلصناهم بسبب ما خلص من هذا الذكر.
المسألة الثانية: في ذكرى الدار وجوه الأولى: المراد أنهم استغرقوا في ذكرى الدار الآخرة وبلغوا في هذا الذكر إلى حيث نسوا الدنيا الثاني: المراد حصول الذكر الجليل الرفيع لهم في الدار الآخرة الثالث: المراد أنه تعالى أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقبل دعاءهم في قوله: ﴿ واجعل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخرين ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الأخيار ﴾ أي المختارين من أبناء جنسهم والأخياء جمع خير أو خير على التخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت، واحتج العلماء بهذه الآية في إثبات عصمة الأنبياء قالوا لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخياراً على الإطلاق، وهذا يعم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء وبدليل دفع الإجمال.
ثم قال: ﴿ واذكر إسماعيل واليسع وَذَا الكفل وَكُلٌّ مّنَ الأخيار ﴾ وهم قوم آخرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله، وقد ذكرنا الكلام في شرح هذه الأسماء وفي صفات هؤلاء الأنبياء في سورة الأنبياء وفي سورة الأنعام، فلا فائدة في الإعادة، وهاهنا آخر الكلام في قصص الأنبياء في هذه السورة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ ﴾ عطف بيان لعبادنا.
ومن قرأ: ﴿ عبدنا ﴾ جعل إبراهيم وحده عطف بيان له، ثم عطف ذريته على عبدنا، وهي إسحاق ويعقوب، كقراءة ابن عباس: وإله أبيك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.
ولما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت، فقيل: في كل عمل هذا مما عملت أيديهم، وإن كان عملاً لا يتأتى فيه المباشرة بالأيدي، أو كان العمال جذماً لا أيدي لهم، وعلى ذلك ورد قوله عزّ وعلا: ﴿ أُوْلِى الأيدى والأبصار ﴾ يريد: أولي الأعمال والفكر، كأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة، ولا يجاهدون في الله، ولا يفكرون أفكار ذوي الديانات ولا يستبصرون في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والمسلوبي العقول الذين لا استبصار بهم.
وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله، ولا من المستبصرين في دين الله، وتوبيخ على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما.
وقرئ: ﴿ أولى الأيادي ﴾ على جمع الجمع.
وفي قراءة ابن مسعود: ﴿ أولي الأيد ﴾ على طرح الياء والاكتفاء بالكسرة.
وتفسيره بالأيد- من التأييد- قلق غير متمكن ﴿ أخلصناهم ﴾ جعلناهم لنا خالصين ﴿ بِخَالِصَةٍ ﴾ بخصلة خالصة لا شوب فيها، ثم فسرها بذكرى الدارشهادة بذكرى الدار بالخلوص والصفاء وانتفاء الكدورة عنها.
وقرئ: على الإضافة.
والمعنى: بما خلص من ذكرى الدار، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهمّ آخر، إنما همهم ذكرى الدار لا غير.
ومعنى ﴿ ذِكْرَى الدار ﴾ : ذكراهم الآخرة دائباً، ونسيانهم إليها ذكر الدنيا.
أو تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، وتزهيدهم في الدنيا؛ كما هو شأن الأنبياء وديدنهم.
وقيل: ذكرى الدار.
الثناء الجميل في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم.
فإن قلت: ما معنى ﴿ أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ﴾ ؟
قلت: معناه: أخلصناهم بسبب هذه الخصلة، وبأنهم من أهلها.
أو أخلصناهم بتوفيقهم لها، واللطف بهم في اختيارها.
وتعضد الأوّل قراءة من قرأ: ﴿ بخالصتهم ﴾ ﴿ المصطفين ﴾ أي المختارين من أبناء جنسهم.
و ﴿ الأخيار ﴾ جمع خير، أو خير على التخفيف؛ كأموات في جمع ميت أو ميت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ( عَبْدَنا ) وضَعَ الجِنْسَ مَوْضِعَ الجَمْعِ، أوْ عَلى أنَّ ( إبْراهِيمَ ) وحْدَهُ لِمَزِيدِ شَرَفِهِ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، ( وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ) عَطْفٌ عَلَيْهِ.
﴿ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ ﴾ أُولِي القُوَّةِ في الطّاعَةِ والبَصِيرَةِ في الدِّينِ، أوْ أُولِي الأعْمالِ الجَلِيلَةِ والعُلُومِ الشَّرِيفَةِ، فَعَبَّرَ بِالأيْدِي عَنِ الأعْمالِ لِأنَّ أكْثَرَها بِمُباشَرَتِها وبِالأبْصارِ عَنِ المَعارِفِ لِأنَّها أقْوى مَبادِيها، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالبَطَلَةِ الجُهّالِ أنَّهم كالزَّمْنى والعُماةِ.
﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ﴾ جَعَلْناهم خالِصِينَ لَنا بِخَصْلَةٍ خالِصَةٍ لا شَوْبَ فِيها هي ﴿ ذِكْرى الدّارِ ﴾ تُذَكِّرُهُمُ الدّارَ الآخِرَةَ دائِمًا فَإنَّ خُلُوصَهم في الطّاعَةِ بِسَبَبِها، وذَلِكَ لِأنَّ مَطْمَحَ نَظَرِهِمْ فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ جِوارُ اللَّهِ والفَوْزُ بِلِقائِهِ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإطْلاقُ ( الدّارِ ) لِلْإشْعارِ بِأنَّها الدّارُ الحَقِيقَةُ والدُّنْيا مَعْبَرٌ، وأضافَ نافِعٌ وهِشامٌ ( بِخالِصَةٍ ) إلى ( ذِكْرى ) لِلْبَيانِ أوْ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخُلُوصِ فَأُضِيفَ إلى فاعِلِهِ.
﴿ وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ ﴾ لَمِنَ المُخْتارِينَ مِن أمْثالِهِمُ المُصْطَفَيْنَ عَلَيْهِمْ في الخَيْرِ جَمْعُ خَيْرٍ كَشَّرٍّ وأشْرارٍ.
وقِيلَ: جَمْعُ خَيِّرٍ أوْ خَيْرٍ عَلى تَخْفِيفِهِ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ أوْ مَيْتٍ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّا أخلصناهم} جعلناهم لنا خالصين {بِخَالِصَةٍ} بخصلة خالصة لا شوب فيها {ذِكْرَى الدار} ذِكْرِى فى محل النصب
ص (٥٤ - ٤٧)
أو الرفع بإضمار أعني أو هي أو الجر على البدل من خَالِصَة والمعنى إنا أخلصناهم بذكرى الدار والدار هنا الدار الآخرة يعني جعلناهم لنا خالصين بأن جعلناهم يذكرون الناس الدار الآخرة ويزهدونهم فى الدنيا كما هو دين الأنبياء عليهم السلام أو معناه أنهم يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله وينسون ذكر الدنيا بخالصة ذكرى الدار على الإضافة مدني ونافع وهى من إضافة الشىء إلى مايبينه لأن الخالصة تكون ذكرى وغير ذكرى وذكرى مصدر مضاف إلى المفعول أي بإخلاصهم ذكرى الدار وقيل خالصة بمعنى خلوص فهي مضافة إلى الفاعل أي بأن خلصت لهم ذكرى الدار على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بِهمٍ آخر إنما همهم ذكرى الدار لا غير وقيل ذكرى الدار الثناء الجميل في الدنيا وهذا شيء قد أخلصهم به فليس يذكر غيرهم في الدنيا بمثل ما يذكرون به يقويه قوله وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عليا
﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وُصِفُوا بِهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، (وخالِصَةٍ) اسْمُ فاعِلٍ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِكْرى الدّارِ ﴾ بَيانٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها لِلتَّفْخِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِها المُقَدَّرِ، أيْ هي ذِكْرى الدّارِ، وأيًّا ما كانَ فَذِكْرى مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، وتَعْرِيفُ الدّارِ لِلْعَهْدِ، أيِ الدّارِ الآخِرَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّها الدّارُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما الدُّنْيا مَجازٌ، أيْ جَعَلْناهم خالِصِينَ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ جَلِيلَةِ الشَّأْنِ لا شَوْبَ فِيها، هي تَذَكُّرُهم دائِمًا الدّارَ الآخِرَةَ، فَإنَّ خُلُوصَهم في الطّاعَةِ بِسَبَبِ تَذَكُّرِهِمْ إيّاها، وذَلِكَ لِأنَّ مَطْمَحَ أنْظارِهِمْ ومَطْرَحَ أفْكارِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ جِوارُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والفَوْزُ بِلِقائِهِ، ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا في الآخِرَةِ.
وقِيلَ: أخْلَصْناهم بِتَوْفِيقِهِمْ لَها، واللُّطْفِ بِهِمْ في اخْتِيارِها، والباءُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ لِلسَّبَبِيَّةِ، والكَلامُ نَحْوُ قَوْلِكَ: أكْرَمْتُهُ بِالعِلْمِ، أيْ بِسَبَبِ أنَّهُ عالِمٌ أكْرَمْتُهُ، أوْ أكْرَمْتُهُ بِسَبَبِ أنَّكَ جَعَلْتَهُ عالِمًا، وقَدْ يُتَخَيَّلُ في الثّانِي أنَّهُ صِلَةٌ، ويُعَضِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ ”بِخالِصَتِهِمْ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ ذِكْرى الدّارِ تَذْكِيرُهُمُ النّاسَ الآخِرَةَ، وتَرْغِيبُهم إيّاهم فِيها، وتَزْهِيدُهم إيّاهم فِيها عَلى وجْهٍ خالِصٍ مِنَ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ، كَما هو شَأْنُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ الدّارُ الدُّنْيا، وبِذِكْراها الثَّناءُ الجَمِيلُ، ولِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ.
وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ.
وأبِي مُسْلِمٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا، وحاصِلُ الآيَةِ عَلَيْهِ كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنّا خَصَصْناهم بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ في الأعْقابِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ بِإضافَةِ ”خالِصَةٍ“ إلى ”ذِكْرى“ لِلْبَيانِ أيْ بِما خَلَصَ مِن ذِكْرى الدّارِ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَشُوبُونَ ذِكْراها بِهِمْ آخَرَ أصْلًا، أوْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي، وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ ”خالِصَةٍ“ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ، والكاذِبَةِ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ أخْلَصْناهم بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ.
وظاهِرُ كَلامٍ أبِي حَيّانَ أنَّ احْتِمالَ المَصْدَرِيَّةِ مُمْكِنٌ في القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، لَكِنَّهُ قالَ: الأظْهَرُ أنْ تَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ <div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ فجعل العبد نعت إبراهيم خاصة، كأنه قال: واذكر عبدنا قرأ ابن كثير واذكر عَبْدَنَا بغير ألف وقرأ الباقون: عِبادَنا بالألف.
فمن قرأ عبدنا فمعناه: واذكر عَبْدَنَا إِبْرَاهِيمَ فجعل العبد نعتاً لإبراهيم خاصة، فكأنه قال: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَاذكر إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ومن قرأ عِبادَنا يعني: ما بعده مع إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، ويَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ يعني: أولي القوة في العبادة، والأبصار.
يعني: ذوي البصر في أمر الله تعالى.
قوله عز وجل: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ يعني: اختصصناهم بذكر الله تعالى، وبذكر الجنة، وليس لهم همّ إلا همّ الآخرة.
ويقال: معناه واذكر صبر إبراهيم، وصبر إسحاق، وصبر يعقوب، ولم يذكر صبر إسماعيل لأنه لم يبتلَ بشيء.
قرأ نافع بِخالِصَةٍ بغير تنوين على معنى الإضافة.
وقرأ الباقون مع التنوين.
وروي عن مالك بن دينار أنه قال: نزع الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ من حب الدنيا، وذكرها، وقد أخلصهم بحب الآخرة، وذكرها.
ومن قرأ بِخالِصَةٍ بالتنوين، جعل قوله: ذِكْرَى الدَّارِ بدلاً من خالصة.
والمعنى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بذكر الدار، والدار هاهنا دار الآخرة.
يعني: جعلناهم لنا خالصين، بأن جعلناهم يكثرون ذكر الدار، والرجوع إلى الله تعالى.
ثم قال عز وجل: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ يعني: المختارين للرسالة، الأخيار في الجنة.
ثم قال: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ قال مقاتل: واذكر صبر إسماعيل، وهو أشمويل بن هلفانا.
وقال غيره: هو إسماعيل بن إبراهيم.
يعني: اذكر لقومك صبر إسماعيل، وصدق وعده وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ واليسع كان خليفة إلياس، وذا الكفل كفل مائة نبي أطعمهم، وكساهم، وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ هذا ذِكْرٌ يعني: هذا الذي ذكرنا من الأنبياء- عليهم السلام- في هذه السورة ذِكْرٌ يعني: بيان لعظمته وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ من هذه الأمة لَحُسْنَ مَآبٍ يعني: حسن المرجع.
ثم وصف الجنة فقال عز وجل: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ يعني: تفتح لهم الأبواب فيدخلونها.
يعني: الجنة كما قال تعالى في آية أخرى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: 73] فإذا دخلوها، وجلسوا على السرر، وكانوا مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ يعني: ألوان الفاكهة، والشراب وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ يعني: غاضات أعينهن عن غير أزواجهن أَتْرابٌ يعني: ذات أقران.
أي: مستويات على سن واحد هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ يقول: إِنَّ هَذَا يعني: إنّ هذا الثواب الذي توعدون بأنه يكون لكم في يوم الحساب.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمر، بالياء على معنى الإخبار عنهم.
وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة.
يقول الله تعالى: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا يعني: إن هذا الذي ذكرنا لعطاؤنا للمتقين مَا لَهُ مِنْ نَفادٍ يعني: لا يكون له فناء، ولا انقطاع عنهم، وهذا كما قال تعالى: لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 33] ثم قال: هذا يعني: هذا الرزق للمتقين فيتم الكلام عند قوله: هذا.
ثم ذكر ما أوعد الكفار فقال عز وجل: وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ يعني: للكافرين، لبئس المرجع لهم في الآخرة.
ثم بيّن مرجعهم فقال عز وجل: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها يعني: يدخلونها فَبِئْسَ الْمِهادُ يعني: فبئس موضع القرار هذا فَلْيَذُوقُوهُ يعني: هذا العذاب لهم فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وهو ماء حار قد انتهى حرّه.
قرأ حمزة والكسائي، وحفص غَسَّاقٌ بتشديد السين وقرأ الباقون: بالتخفيف.
وعن عاصم روايتان.
رواية حفص بالتشديد، ورواية أبي بكر بالتخفيف.
فمن قرأ بالتشديد فهو بمعنى سيال، وهو ما يسيل من جلود أهل النار.
ومن قرأ بالتخفيف جعله مصدر غسق يغسق غساقاً.
أي: سال.
وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، أنهما قرءا غَسَّاقٌ بالتشديد، وفسراه بالزمهرير.
وقال مقاتل: الغساق البارد الذي انتهى برده.
وقال الكلبي: الحميم هو ماء حار قد انتهى حره.
وأما غساق فهو الزمهرير يعني: برد يحرق كما تحرق النار وقال بعضهم: الغساق: المنتن بلفظ الطحاوية ثم قال عز وجل: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ يعني: وعذاب آخر من نحوه يعني: من نحو الحميم والزمهرير.
قرأ أبو عمر، وابن كثير، في إحدى الروايتين وأخر مِن شَكْلِهِ بضم الألف.
وقرأ الباقون: وَآخَرُ بالنصب فمن قرأ بالضم فهو لفظ الجماعة، ومعناه: وأنواع أخر ومن قرأ: وَأَخَّرَ بنصب الألف بلفظ الواحد، يعني: وعذاب آخر من شكله أي: مثل عذابه الأول أَزْواجٌ يعني: ألوان هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ يعني: جماعة داخلة معكم النار.
يقال: اقتحم إذا دخل في المهالك، وأضلوا الدخول.
تقول الخزنة للقادة: وهذه جماعة داخلة معكم النار، وهم الأتباع لاَ مَرْحَباً بِهِمْ يعني: لا وسع الله لهم إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ يعني: داخل النار معكم فردت الأتباع على القادة قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ يعني: لا وسع الله عليكم أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا يعني: أسلفتموه لنا، وبدأتم بالكفر قبلنا، فاتبعناكم فَبِئْسَ الْقَرارُ يعني: بئس موضع القرار في النار.
قوله عز وجل: قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا الأمر هذا الذي كنا فيه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وَقالُوا مَا لَنا لاَ نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ يعني: فقراء المسلمين.
قوله عز وجل: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو، سِخْرِيّاً أتخذناهم بالوصل.
وقرأ الباقون: بالقطع فمن قرأ بالقطع، فهو على معنى الاستفهام بدليل قوله: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ لأن أَمْ تدل على الاستفهام.
ومن قرأ: بالوصل، فمعناه: أنا أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا وجعل أَمْ بمعنى بل.
وقرأ حمزة والكسائي ونافع سِخْرِيًّا بضم السين.
وقرأ الباقون بالكسر.
قال القتبي: فمن قرأ بالضم، جعله من السخرة.
يعني: تستذلهم.
ومن قرأ بالكسر فمعناه إنا كنا نسخر منهم.
ثم قال: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ يعني: مالت، وحادت أبصارنا عنهم، فلا نراهم.
قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ يعني: يتكلم به أهل النار ويتخاصمون فيما بينهم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ ...
الآية، كَانَ لسليمانَ كُرْسِيٌّ فيه جنودُهُ، وتأتي/ عليه الريحُ الإعصارُ، فَتَنْقُلُهُ من الأرضِ حتى يَحْصُلَ في الهواء، ثم تتولاَّهُ الرُّخَاءُ وهي اللَّيِّنَةُ القويَّةُ لا تَأْتِي فيها دُفْعٌ مُفْرِطَةٌ فَتَحْمِلُهُ غُدُوُّهَا شهر ورواحها شهر، وحَيْثُ أَصابَ: معناه: حيثُ أراد قاله وهْبٌ وغيره «١» ، قال ع «٢» : وَيُشْبِهُ أنَّ (أَصَابَ) معدى «صَابَ يَصُوبُ» ، أي: حيث وَجَّه جنودَه، وقال الزَّجَّاج «٣» : معناه: قصدَ، قلت:
وعليه اقْتَصَرَ أبو حيَّان فإنه قال: أصاب: أي قَصَدَ وأنْشَد الثعلبيُّ: [المتقارب]
أَصَابَ الكَلاَمَ فَلَمْ يَسْتَطِع ...
فَأَخْطَا الجواب لَدَى المَفْصِلِ «٤»
انتهى.
وقوله: كُلَّ بَنَّاءٍ بَدَلٌ من الشَّياطِينَ ومُقَرَّنِينَ معناه: موثقين قد قرن بعضهم ببعض، والْأَصْفادِ القيودُ والأغْلاَلُ، قال الحَسَنُ: والإشارةُ بقوله: هذا عَطاؤُنا ...
الآية، إلى جميع ما أعطاهُ اللَّه سبحانه مِنَ الملكِ «٥» وأمرَه بأن يَمُنَّ عَلى من يشاءُ ويُمْسِكُ عَمَّنْ يشاء، فكأنه وَقَفَهُ على قَدْرِ النِّعمة، ثم أباح له التصرُّفَ فيه بمشيئته وهذا أصح الأقوال وأجمعها لتفسير الآية، وتقدَّمت قصة أَيُّوبَ في سورة الأنبياء.
وقوله: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ ...
الآية، النُّصْبُ: المَشَقَّةُ، فيحتمل أن يشيرَ إلى مسّه حين سلَّطَهُ اللَّه على إهلاكِ مالِه وولدِه وجِسْمِه حَسْبَما رُوِيَ في ذلك، وقِيلَ: أشار إلى مسِّه إياه في تعرُّضِه لأَهْلِه وطلبهِ منْهَا أنْ تُشْرِكَ باللَّه فكأَنَّ أَيُّوبَ تشكى هذا الفَصْلَ، وكان عليه أشدَّ مِن مَرَضه، وهنا في الآية محذوفٌ تقديرُه: فاسْتَجَابَ له وقَال: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ فَرُوِيَ أَن أيوب رَكَضَ الأرض فَنَبَعَتْ له عينُ ماءٍ صافيةٌ باردةٌ فشرِبَ منها، فذهَبَ كُلُّ مَرَضٍ في دَاخِلِ جَسَدهِ، ثم اغْتَسَلَ فذهبَ ما كانَ في ظاهِر بَدَنِه، ورُوِيَ أن اللَّه تعالى وَهَبَ له أهلَه ومالَه في الدنيا، ورَدَّ من ماتَ منهم، وما هلكَ من ماشيته وحالِه، ثم باركَ له في جميعِ ذلك، ورُوِيَ أن هذا كلَّه وُعِدَ به في الآخِرَة، والأول أكْثَرُ في قول المفسِّرين.
ت: وعن عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ، إذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنُ: اللَّهُمَّ، إني عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسم هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ استأثرت بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إلاَّ أذْهَبَ اللَّهُ غَمَّه وَأبدَلَه مكَانَ حُزْنِهِ فَرَحَاً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَنْبَغي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ؟
قَالَ: أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» «١» .
قال صاحب «السِّلاَح» : رواه الحاكمُ في «المُسْتَدْرَكِ» ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» .
ت: وروينَاهُ من طريقِ النوويِّ عنِ ابن السُّنِّيِّ بسندهِ عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفيه: «أنا عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابنُ أَمَتِكَ في قَبْضَتِكَ» ، وفيه: «فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إنَّ المَغْبُونَ لَمَنْ غُبِنَ هَؤُلاَءِ الكلماتِ، فَقَالَ:
أَجَلْ، فَقُولُوهُنَّ/ وَعَلِّمُوهُنَّ مَنْ قَالَهُنَّ، التماس مَا فِيهِنَّ أَذْهَبَ اللَّهُ تعالى حُزْنَهُ وَأَطَالَ فَرَحَه» «٢» انتهى.
وقوله: وَذِكْرى معناه: موعِظَةٌ وتذكرةٌ يَعْتَبِرُ بها أُولُو العقولِ، وَيَتَأَسَّوْنَ بِصَبْرِهِ في الشدائدِ، ولا يَيْئَسُونَ من رحمة اللَّه على حال.
ورُوِي أن أيّوب ع كانت زوجَتُهُ مدَّةَ مَرَضِه تَخْتَلِفُ إلَيْه فيتلقَّاها الشيطانُ في صورة طَبِيبٍ، ومرةً في هيئة نَاصِح وعلى غير ذلك، فيقول لها: لو سَجَدَ هذَا المريضُ للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبَرِىءَ، لَوْ ذَبَحَ عَنَاقاً للصَّنَمِ الفُلاَنِيِّ لَبِرىءَ، ويَعْرِضُ عليها وجوهاً من الكفر، فكانَتْ هي ربَّما عرضت شَيْئاً من ذلك على أيوب، فيقولُ لها: لقيتِ عَدُوَّ اللَّهِ في طريقك، فلمَّا أغْضَبَتْهُ بهذا ونحوِهِ حلَفَ عليها لَئِن برىء من مرضِه ليضربنَّها مائةَ سَوْطٍ، فلما بَرِىءَ أَمَرَه اللَّه تعالى أن يأخُذَ ضِغْثاً فيه مائةُ قَضِيبٍ، «والضغثُ» : القبضةُ الكبيرةُ من القضبانِ ونحوِها مَنَ الشجرِ الرَّطْبِ قاله الضَّحَّاكُ «١» وأهلُ اللغة، فيضربُ بهِ ضربةً واحدةً، فَتَبَرُّ يمينُهُ وهذا حكمٌ قد وَرَدَ في شرعِنا عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم [مِثلُه في حدِّ الزنا لرجُلِ زَمِنٍ، فأمَرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم] «٢» بِعِذْقِ نَخْلَةٍ فِيهِ شَمَارِيخُ مِائَةٌ أو نَحْوُهَا، فَضُرِبَ ضَرْبَةً «٣» ، ذكر الحديثَ أبو داود، وقال بهذا بعضُ فقهاء الأمة، وَلَيْسَ يرى ذلك مالكُ بنَ أنس وأصحابه، وكذلك جمهورُ العلماء على ترك القول به، وأن الحدودَ والبِرَّ في الأيمانِ لا تقع إلا بتمام عَدَدِ الضَّرَبَاتِ، وقرأ الجمهور «أولي الأيدي» «٤» يعني: أولي القوة في طاعةِ اللَّه قاله ابن عباس ومجاهد «٥» ، وقالت فرقة: معناه: أولى الأيدي والنِّعَمِ الَّتي أسْدَاها اللَّهُ إليهم من النبوَّة والمكانةِ، وَالْأَبْصارِ عبارةٌ عن البصائِر، أي: يُبْصرونَ الحقائِقَ وينظرونَ بنورِ اللَّهِ تعالى، وقرأ نافع وحده: «بخالصة ذكرى الدّار» «٦» ، على
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ عِبادَنا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحَمِيدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ: "عَبْدَنا"، إشارَةً إلى إبْراهِيمَ، وجَعَلُوا إسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفًا عَلَيْهِ، لِأنَّهُ الأصْلُ وهُما ولَداهُ، والمَعْنى: اذْكُرْ صَبْرَهُمْ، فَإبْراهِيمُ أُلْقِيَ في النّارِ، وإسْحاقُ أُضْجِعَ لِلذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى ذَهابِ بَصَرِهِ وابْتُلِيَ بِفَقْدِ ولَدِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلُ مَعَهُمْ، لِأنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ كَما ابْتُلُوا.
﴿ أُولِي الأيْدِي ﴾ يَعْنِي القُوَّةَ في الطّاعَةِ ﴿ والأبْصارِ ﴾ البَصائِرُ في الدِّينِ والعِلْمِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذِكْرُ الأيْدِي مَثَلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ بِاليَدِ البَطْشَ، وبِالبَطْشِ تُعْرَفُ قُوَّةُ القَوِيِّ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْقَوِيِّ: ذُو يَدٍ؛ وعَنى بِالبَصَرِ: بَصَرُ القَلْبِ، وبِهِ تَنالُ مَعْرِفَةَ الأشْياءِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُولِي الأيْدِ" بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: ولَها وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ القارِئُ لِهَذا أرادَ الأيْدِيَ، فَحَذَفَ الياءَ، وهو صَوابٌ، مِثْلُ الجَوارِ والمُنادِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ والتَّأْيِيدِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أخْلَصْناهُمْ ﴾ أيِ: اصْطَفَيْناهم وجَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ، فَأفْرَدْناهم بِمُفْرِدَةٍ مِن خِصالِ الخَيْرِ؛ ثُمَّ أبانَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ ذِكْرى الدّارِ ﴾ .
وَفِي المُرادِ بِالدّارِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الآَخِرَةُ.
والثّانِي: الجَنَّةُ.
وَفِي الذِّكْرى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الذِّكْرِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أخْلَصْناهم بِذِكْرِ الآَخِرَةِ، فَلَيْسَ لَهم ذِكْرٌ غَيْرَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.
وكانَ الفُضَيْلُ ابْنُ عِياضٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: هو الخَوْفُ الدّائِمُ في القَلْبِ.
والثّانِي: أنَّها التَّذْكِيرُ، فالمَعْنى أنَّهم يَدْعُونَ النّاسَ إلى الآَخِرَةِ وإلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَرَأ نافِعٌ: "بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ"، فَأضافَ "خالِصَةً" إلى "ذِكْرى الدّارِ" .
قالَ أبُو عَلِيٍّ: تَحْتَمِلُ قِراءَةُ مِن نُوَّنَ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ "ذِكْرى" بَدَلًا مِن "خالِصَةً"، والتَّقْدِيرُ: أخْلَصْناهم بِذِكْرِ الدّارِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: أخْلَصْناهم بِأنْ يَذْكُرُوا الدّارَ بِالتَّأهُّبِ لِلْآَخِرَةِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا.
ومَن أضافَ، فالمَعْنى: أخْلَصْناهم بِإخْلاصِهِمْ ذِكْرى الدّارِ بِالخَوْفِ مِنها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أخْلَصْناهم بِأفْضَلِ ما في الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ اللَّهُ صَفْوَةً فَصَفاهم مِنَ الأدْناسِ ﴿ الأخْيارِ ﴾ الَّذِينَ اخْتارَهم.
﴿ واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ ﴾ أيِ: اذْكُرْهم بِفَضْلِهِمْ وصَبْرِهِمْ لِتَسْلُكَ طَرِيقَهم واليَسَعُ نَبِيٌّ، واسْمُهُ أعْجَمِيٌّ مُعْرَّبٌ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الأنْعامِ: ٨٥]، وشَرَحْنا في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨٥] قِصَّةَ ذِي الكِفْلِ، وتَكَلَّمْنا في [البَقَرَةِ: ١٢٥] في اسْمِ إسْماعِيلَ، وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ إسْماعِيلَ هَذا لَيْسَ بِابْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: شَرَفٌ وثَناءٌ جَمِيلٌ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا ﴿ وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أيْ: حُسْنُ مَرْجِعٍ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في الآَخِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ المَرْجِعَ، فَقالَ: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما رُفِعَتِ "الأبْوابُ" لِأنَّ المَعْنى: مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، والعَرَبُ تَجْعَلُ الألِفَ واللّامَ خَلَفًا مِنَ الإضافَةِ، فَيَقُولُونَ: مَرَرْتُ عَلى رَجُلٍ حَسَنِ العَيْنِ، وقَبِيحِ الأنْفِ، والمَعْنى: حَسَنَةٌ عَيْنُهُ، قَبِيحٌ أنْفُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى ﴾ والمَعْنى: مَأْواهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مُفَتَّحَةٌ لَهُمُ الأبْوابُ مِنها، فالألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، لا لِلْبَدَلِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والفائِدَةُ في ذِكْرِ تَفْتِيحِ الأبْوابِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ عَنْها أنَّ أبْوابَها تُفْتَحُ لَهم بِغَيْرِ فَتْحِ سُكّانِها لَها بِيَدٍ، ولَكِنْ بِالأمْرِ، قالَ الحَسَنُ: هي أبْوابُ تُكَلَّمُ، فَتُكَلَّمُ: انْفَتِحِي، انْغَلِقِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قَدْ مَضى بَيانُهُ في [الصّافّاتِ: ٤٨] .
قالَ الزَّجّاجُ: والأتْرابُ: اللَّواتِي أسْنانُهُنَّ واحِدَةٌ وهُنَّ في غايَةِ الشَّبابِ والحُسْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ اللّامُ بِمَعْنى "فِي" .
والنَّفادُ: الِانْقِطاعُ.
قالَ السُّدِّيُّ: كُلَّما أُخِذَ مِن رِزْقِ الجَنَّةِ شَيْءٌ، عادَ مِثْلُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ ﴾ ﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدارِ ﴾ ﴿ وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ ﴾ ﴿ واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ ﴾ ﴿ هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ ﴾ ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَرْفِ أتْرابٌ ﴾ ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "واذْكُرْ عَبْدَنا" عَلى الإفْرادِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وَأهْلِ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ واذْكُرْ عِبادَنا ﴾ عَلى الجَمْعِ، فَأمّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَدَخَلَ الثَلاثَةُ في الذِكْرِ وفي العُبُودِيَّةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "عَبْدَنا" فَقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: دَخَلُوا في الذِكْرِ، ولَمْ يَدْخُلُوا في العُبُودِيَّةِ إلّا مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وتَأوَّلَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ إسْحاقُ، مِن حَيْثُ ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى بِعَقِبِ ذِكْرِ أيُّوبَ أنْبِياءَ امْتَحَنَهم بِمِحَنٍ كَما امْتَحَنَ أيُّوبَ، ولَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ لِأنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يُمْتَحَنْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا ضَعِيفٌ كُلُّهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أُولِي الأيْدِي"، ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والثَقَفِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أُولِي الأيْدِ" بِحَذْفِ الياءِ، وأمّا أُولُو فَهو جَمْعُ "ذُو"، وأمّا القِراءَةُ الأُولى فَـ"الأيْدِي" فِيها عِبارَةٌ عَنِ القُوَّةِ في طاعَةِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ: أُولِي الأيْدِي والنِعَمِ الَّتِي أسْداها اللهُ إلَيْهِمْ: مِنَ النُبُوَّةِ والمَكانَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: أيْدِي الجَوارِحِ، والمُرادُ الأيْدِي المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، والأبْصارُ الثاقِبَةُ فِيهِ، لا كالَّتِي هي مُهْمَلَةٌ في جُلِّ الناسِ.
وأمّا مَن قَرَأ: "الأيْدِ" دُونَ ياءٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كالَّتِي بِالياءِ وحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، ومِن حَيْثُ كانَتِ الألِفُ واللامُ تُعاقِبُ التَنْوِينَ وجَبَ أنْ تُحْذَفَ مَعَها كَما تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الأيْدِ" مَعْناها: القُوَّةُ، والمُرادُ: طاعَةُ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والأبْصارِ" ﴾ عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ، أيْ: يُبْصِرُونَ الحَقائِقَ، ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللهِ تَعالى، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ الجَمِيعُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "بِخالِصَةِ ذِكْرى" عَلى الإضافَةِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ.
وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "بِخالِصَةٍ ذِكْرى" ﴾ مُنَوَّنًا، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بِخالِصَتِهِمْ ذِكْرى"، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خالِصَةٍ" اسْمُ فاعِلٍ، كَأنَّهُ عَبَّرَ بِها عن مَزِيَّةٍ أو رُتْبَةٍ، فَأمّا مَن أضافَها؛ "فَذِكْرى" مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، وأمّا مَن نَوَّنَ؛ فَـ"ذِكْرى" بَدَلٌ مِن "خالِصَةٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "خالِصَةٍ" مَصْدَرًا كالعافِيَةِ، وخائِنَةِ الأعْيُنِ، وغَيْرِها، فَـ"ذِكْرى" - عَلى هَذا - إمّا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ عَلى تَقْدِيرِ: إنّا أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدارِ، ويَكُونَ "خالِصَةٍ" مَصْدَرًا، مِن: أخْلَصَ، عَلى حَذْفِ الزَوائِدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ "ذِكْرى" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالمَصْدَرِ، عَلى تَقْدِيرِ: إنّا أخْلَصْناهم بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدارِ، وتَكُونُ "خالِصَةٍ" مِن: خَلَصَ.
و"الدارِ" في كُلِّ وجْهٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"ذِكْرى"، و"ذِكْرى" مَصْدَرٌ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِالدارِ دارَ الآخِرَةِ، عَلى مَعْنى: أخْلَصْناهم بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَذْكِيرُ بِالدارِ الآخِرَةِ، ودَعا الناسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، أو عَلى مَعْنى: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهم لِلدّارِ الآخِرَةِ، وخَوْفُهم لَها، والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: إنّا وهَبْناهم أفْضَلَ ما في الدارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدارِ دارَ الدُنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَناءِ والتَعْظِيمِ مِنَ الناسِ، والحَمْدِ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المُجازى بِهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِسانَ صِدْقٍ ﴾ ، وفي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ .
و"المُصْطَفَيْنَ" أصْلُهُ: المُصْطَفَيِينَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ، وما قَبْلَها مَفْتُوحٌ فانْقَلَبَتْ ألِفًا، ثُمَّ اجْتَمَعَ سُكُونُ الألِفِ وسُكُونُ الياءِ الَّتِي هي عَلامَةُ الجَمْعِ فَحُذِفَتِ الألِفُ.
و"الأخْيارِ" جَمْعُ خَيْرٍ، وخَيْرٌ: مُخَفَّفٌ مِن خَيِّرٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ "واللَيْسَعَ"، كَأنَّهُ أدْخَلَ لامَ التَعْرِيفِ عَلى "لَيْسَعَ"، فَأجْراهُ مَجْرى ضَيْغَمَ ونَحْوِهِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - والكُوفِيِّينَ.
وقَرَأ الباقُونَ: "واليَسَعَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الألِفُ واللامُ فِيهِ زائِدَتانِ غَيْرُ مُعَرِّفَتَيْنِ، كَما هي في قَوْلِ الشاعِرِ: ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا ∗∗∗ ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عن بَناتِ الأوبَرِ و"بَناتُ الأوبَرِ": ضَرْبٌ مِنَ الكَمْأةِ.
واخْتُلِفَ في نُبُوَّةِ (ذِي الكِفْلِ)، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ أمْرِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُشِيرَ إلى مَدْحِ مَن ذَكَرَ وإبْقاءِ الشَرَفِ لَهُ، فَيَتَأيَّدُ بِهَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ آنِفًا: إنَّ "الدارِ" يُرادُ بِها الدارَ الدُنْيا، والثانِي أنْ يُشِيرَ بِـ"هَذا" إلى القُرْآنِ، أيْ: هو ذِكْرٌ لِلْعالَمِ.
و"المَآبُ": المَرْجِعُ حَيْثُ يَؤُوبُونَ، و"جَنّاتٍ" بَدَلٌ مِن "حُسْنَ"، و"مُفَتَّحَةً" نَعْتٌ لِلْجَنّاتِ، و"الأبْوابُ" مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والتَقْدِيرُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُمُ: الأبْوابُ مِنها، وإنَّما دَعا إلى هَذا الضَمِيرِ أنَّ الصِفَةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيها عائِدٌ عَلى المَوْصُوفِ.
و ﴿ قاصِراتُ الطَرْفِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى أزْواجِهِنَّ، و"أتْرابٌ" مَعْناهُ: أمْثالٌ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ أنْ تَكُونَ الأسْنانُ واحِدَةً، أيْ: مَسَّتْ أجْسادُهُمُ التُرابَ في وقْتٍ واحِدٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يُوعَدُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتَ، واخْتَلَفا في سُورَةِ "ق"، فَقَرَأها أبُو عَمْرٍو بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وقَرَأ الباقُونَ في السُورَتَيْنِ بِالتاءِ.
و"النَفادُ": الفَناءُ والِانْقِضاءُ.
<div class="verse-tafsir"
القول فيه كالقول في نظائره لغةً ومعنى.
وذِكر هؤلاء الثلاثة ذكر اقتداء وائتساء بهم، فأما إبراهيم عليه السّلام فيما عرف من صبره على أذى قومه، وإلقائه في النار، وابتلائه بتكليف ذبح ابنه، وأما ذِكر إسحاق ويعقوبَ فاستطراد بمناسبة ذكر إبراهيم ولما اشتركا به من الفضائل مع أبيهم التي يجمعها اشتراكهم في معنى قوله: ﴿ أُولي الأيدِي والأبصارِ ﴾ ليقتدي النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثتهم في القوة في إقامة الدين والبصيرة في حقائق الأمور.
وابتدئ بإبراهيم لتفضيله بمقام الرسالة والشريعة، وعطف عليه ذكر ابنه وعطف على ابِنه ابنه يعقوب.
وقرأ الجمهور ﴿ واذكر عبادنا ﴾ بصيغة الجمع على أن ﴿ إبراهيم ﴾ ومن عطف عليه كله عطف بيان.
وقرأ ابن كثير ﴿ عَبدنا ﴾ بصيغة الإفراد على أن يكون ﴿ إِبْرَاهِيمَ ﴾ عطف بيان من ﴿ عبدنا ﴾ ويكون ﴿ إسحاق ويعقوب ﴾ عطف نسق على ﴿ عبدنا ﴾ .
ومآل القراءتين متّحد.
و ﴿ الأيدي ﴾ : جمع يد بمعنى القوة في الدين.
كقوله تعالى: ﴿ والسماء بنيناها بأيد ﴾ في سورة [الذاريات: 47].
(و ﴿ الأبصار ﴾ : جمع بصر بالمعنى المجازي، وهو النظر الفكري المعروف بالبصيرة، أي التبصر في مراعاة أحكام الله تعالى وتوخّي مرضاته.
وجملة ﴿ إنَّا أخلصناهُم ﴾ علة للأمر بذكرهم لأن ذكرهم يكسب الذاكر الاقتداء بهم في إخلاصهم ورجاء الفوز بما فازوا به من الاصطفاء والأفضلية في الخير.
و ﴿ أخْلَصْناهُم ﴾ : جعلناهم خالصين، فالهمزة للتعدية، أي طهرناهم من درَن النفوس فصارت نفوسهم نقية من العيوب العارضة للبشر، وهذا الإِخلاص هو معنى العصمة اللازمة للنبوءة.
والعصمة: قوة يجعلها الله في نفس النبي تَصْرِفُه عن فعل ما هو في دينه معصية لله تعالى عمداً أو سهواً، وعمّا هو موجب للنفرة والاستصغار عند أهل العقول الراجحة من أمة عصره.
وأركان العصمة أربعة: الأول: خاصية للنفس يخلقها الله تعالى تقتضي ملكة مانعة من العصيان.
الثاني: حصول العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات.
الثالث: تأكد ذلك العلم بتتابع الوحي والبيان من الله تعالى.
الرابع: العتاب من الله على ترك الأوْلى وعلى النسيان.
وإسناد الإِخلاص إلى الله تعالى لأنه أمر لا يحصل للنفس البشرية إلا بجعل خاص من الله تعالى وعناية لَدُنِيّة بحيث تنزع من النفس غلبة الهوى في كل حال وتصرف النفس إلى الخير المحض فلا تبقى في النفس إلا نزعات خفيفة تُقلع النفس عنها سريعاً بمجرد خطورها، قال النبي صلى الله عليه وسلم «إني لُيَغَانُ على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة».
والباء في ﴿ بخالصةٍ ﴾ للسببية تنبيهاً على سبب عصمتهم.
وعبر عن هذا السبب تعبيراً مجملاً تنبيهاً على أنه أمر عظيم دقيق لا يتصور بالكنه ولكن يعرف بالوجه، ولذلك استحضر هذا السبب بوصف مشتق من فعل ﴿ أخلصناهم ﴾ على نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن اقْتناعه من أكل لحم الضبّ " أني تحضرني من اللَّه حاضرة " أي حاضرة لا توصف، ثم بُيّنت هذه الخالصة بأقصى ما تعبر عنه اللغة وهي أنها ﴿ ذِكرى الدَّارِ ﴾ .
والذكرى: اسم مصدر يدل على قوة معنى المصدر مثل الرّجعى والبُقيا لأن زيادة المبنَى تقتضي زيادة المعنى.
والدار المعهودة لأمثالهم هي الدار الآخرة، أي بحيث لا ينسون الآخرة ولا يقبلون على الدنيا، فالدار التي هي محلّ عنايتهم هي الدار الآخرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم " فأقول مَا لي وللدنيا ".
وأشار قوله تعالى: ﴿ بخالصةٍ ذكرى الدَّارِ ﴾ إلى أن مبدأ العصمة هو الوحي الإِلهي بالتحذير مما لا يرضي الله وتخويف عذاب الآخرة وتحبيب نعيمها فتحدث في نفس النبي صلى الله عليه وسلم شدة الحذر من المعصية وحبُّ الطاعة ثم لا يزال الوحي يتعهده ويوقظه ويجنبه الوقوع فيما نُهي عنه فلا يلبث أن تصير العصمة ملكة للنبيء يكره بها المعاصي، فأصل العصمة هي منتهى التقوى التي هي ثمرة التكليف، وبهذا يمكن الجمع بين قول أصحابنا: العصمة عدم خَلق المعصية مع بقاء القدرة على المعصية، وقوللِ المعتزلة: إنها ملكة تمنع عن إرادة المعاصي، فالأولون نظروا إلى المبدأ والأخيرون نظروا إلى الغاية، وبه يظهر أيضاً أن العصمة لا تنافي التكليف وترتَّب المدححِ على الطاعات.
وقرأ نافع وهشام عن ابن عامر وأبو جعفر «خالصة» بدون تنوين لإِضافته إلى ﴿ ذكرى الدارِ ﴾ والإضافة بيانية لأن ﴿ ذِكرى الدَّارِ ﴾ هي نفس الخالصة، فكأنه قيل: بذكرى الدار، وليست من إضافة الصفة إلى الموصوف ولا من إضافة المصدر إلى مفعوله ولا إلى فاعله، وإنما ذكر لفظ «خالصة» ليقع إجمال ثم يفصل بالإِضافة للتنبيه على دقة هذا الخلوص كما أشرنا إليه.
والتعريفُ بالإِضافة لأنها أقصى طريق للتعريف في هذا المقام.
وقرأ الجمهور بتنوين «خالصةً» فيكون ﴿ ذكرى الدار ﴾ عطف بيان أو بدلاً مطابقاً.
وغرض الإجمال والتفصيل ظاهر.
وإضافة «خالصة» إلى ﴿ ذِكرى الدَّارِ ﴾ في قراءة نافع من إضافة الصفة إلى الموصوف وإبدالها منها في قراءة الجمهور من إبدال الصفة من الموصوف.
ويجوز أن يكون ﴿ ذِكرى ﴾ مرادف الذكر بكسر الذال، أي الذكر الحسن، كقوله تعالى: ﴿ وجعلنا لهم لسان صدق علياً ﴾ [مريم: 50] وتكون ﴿ الدَّارِ ﴾ هي الدار الدنيا.
ويجوز أن يكون مرادفاً للذُّكر بضم الذال وهو التذكر الفكري ومراعاة وصايا الدين.
و ﴿ الدار ﴾ : الدار الآخرة.
وعطف عليه: ﴿ إنهم عندنا لمن المصطفَيْن الأخيار ﴾ لأنه مما يبعث على ذكرهم بأنهم اصطفاهم الله من بين خلقه فقربهم إليه وجعلهم أخياراً.
و ﴿ الأخيار ﴾ : جمع خيّر بتشديد الياء، أو جمع خيْر بتخفيفها مثل الأموات جمعاً لميّت وميْت، وكلتا الصيغتين تدل على شدة الوصف في الموصوف.
<div class="verse-tafsir"
أحَدُها: أنَّ الأيْدِي القُوَّةُ عَلى العِبادَةِ، والأبْصارَ الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ الأيْدِي القُوَّةُ في أمْرِ اللَّهِ، والأبْصارَ العِلْمُ بِكِتابِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّ الأيْدِي النِّعْمَةُ رَواهُ الضَّحّاكُ، والأبْصارَ العُقُولُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: الأيْدِي القُوَّةُ في أبْدانِهِمْ، والأبْصارُ القُوَّةُ في أدْيانِهِمْ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الخامِسُ: أنَّ الأيْدِي العَمَلُ والأبْصارَ العِلْمُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: ذَكَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهم إسْماعِيلَ لِأنَّ إبْراهِيمَ صَبَرَ عَلى إلْقائِهِ في النّارِ، وصَبَرَ إسْحاقُ عَلى الذَّبْحِ، وصَبَرَ يَعْقُوبُ عَلى ذَهابِ بَصَرِهِ ولَمْ يُبْتَلَ إسْماعِيلُ بِبَلْوًى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَزَعَ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا وذِكْرِها، وأخْلَصَهم بِحُبِّ الآخِرَةِ وذِكْرِها، قالَهُ مالِكُ بْنُ دِينارٍ.
الثّانِي: اصْطَفَيْناهم لِأفْضَلِ ما في الآخِرَةِ وأعْطَيْناهم، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ.
الثّالِثُ: أخْلَصْناهم بِخالِصَةِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ الَّتِي فِيها ذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلٌ مَأْثُورٌ.
الرّابِعُ: أخْلَصْناهم بِالنُّبُوَّةِ وذِكْرى الدّارِ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الخامِسُ: أخْلَصْناهم مِنَ العاهاتِ والآفاتِ وجَعَلْناهم ذاكِرِينَ الدّارَ الآخِرَةِ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ ﴿ واذكر عبادنا إبراهيم ﴾ ويقول: إنما ذكر إبراهيم ثم ذكر بعده ولده.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ واذكر عبادنا ﴾ على الجمع إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أولي الأيدي ﴾ قال: القوة في العبادة ﴿ والأبصار ﴾ قال: البصر في أمر الله.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ قال: أما اليد فهو القوة في العمل، وأما الأبصار فالبصر ما هم فيه من أمر دينهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ أولي الأيدي ﴾ قال: القوة في أمر الله ﴿ والأبصار ﴾ قال: العقل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ قال: أولي القوة في العبادة ونصراً في الدين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ قال: اخلصوا بذلك وبذكرهم دار يوم القيامة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ قال: بذكر الآخرة، وليس لهم هم ولا ذكر غيرها.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ قال: لهذه أخلصهم الله تعالى كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله تعالى.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ قال: بفضل أهل الجنة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ ذكرى الدار ﴾ قال: عقبى الدار.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ واليسع ﴾ خفيفة.
وعن الأعمش أنه قرأ ﴿ اليسع ﴾ مشددة.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار ﴾ معننى أخلصناهم: جعلناهم خالصين لنا، أو أخلصناهم دون غيرهم، وخالصة صفة حذف موصوفها تقديره: بخصلة خالصة، وأما الباء في قوله: ﴿ بِخَالِصَةٍ ﴾ فإن كان أخلصناهم بمعنى خالصين، فالباء سببية للتعليل، وإن كان أخلصناهم بمعنى جعلناهم خصصناهم فالباء لتعدية الفعل، وقرأ نافع بإضافة خالصة إلى ذكرى من الباقون تنوين، وقرأ غيره بالتنوين على أن تكون ذكر بدلا ً من خالصة على وجه البيان والتفسير لها، والدار يحتمل أن يريد به الآخرة أو الدنيا، فإن أراد به الآخرة ففي المعنى ثلاثة أقوال: أحدها أن ﴿ ذِكْرَى الدار ﴾ : يعني ذكرهم للآخرة وجهنم فيها، والآخر أن معناه تذكيرهم للناس بالآخرة، وترغيبهم للناس فيما عند الله، والثالث أن معناه ثواب الآخرة: أي أخصلناهم بأفضل ما في الآخرة، والأول أظهر، وإن أراد بالدار الدنيا فالمعنى حسن الثناء والذكر الجميل في الدنيا، كقوله: ﴿ لِسَانَ صِدْقٍ ﴾ [مريم: 50، الشعراء: 84] ﴿ الأخيار ﴾ جمع خير بتشديد الياء أو خير المخفف من خير كميت مخفف من ميت ﴿ وَذَا الكفل ﴾ ذكر في [الأنبياء: 85].
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مسني الشيطان ﴾ بسكون الياء: حمزة.
بنصب بضمتين: يزيد،وقرأ يعقوب بفتحتين، وقرأ هبيرة بالفتح والسكون.
والباقون: باضم والسكون ﴿ بخالصة ذكري ﴾ على الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام ﴿ عبدنا إبراهيم ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعلى هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان ﴿ ما يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وغساق ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعليّ وخلف وحفص ﴿ أخر ﴾ بضم الهمزة على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل.
والباقون: بالمد على التوحيد.
﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة والتفخيم مثل ﴿ الأبرار ﴾ غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة ﴿ اتخذناهم ﴾ موصولة والابتداء بكسر الألف: ابو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام ﴿ ما كان لي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ إلا إنما ﴾ بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد ﴿ لعنتي إلى ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع ﴿ فالحق ﴾ بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ أيوب ﴾ م لا إذا جعل "إذ" بدلاً ﴿ وعذاب ﴾ ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه جبريل فقال له اركض ﴿ برجلك ﴾ ج لأن هذا مبتدأ مع أه من تمام القول ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ولا تحنث ﴾ ط ﴿ صابراً ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والأبصار ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ الأخيار ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ من الأخيار ﴾ ه ﴿ ذكر ﴾ ه ط ﴿ مآب ﴾ ه لا لأن ﴿ جنات ﴾ بدل أو عطف بيان.
﴿ الأبواب ﴾ ه ج لاحتمال أن عامل ﴿ متكئين ﴾ محذوف أي يتنعمون متكئين وإن جعل حالاً من ﴿ مفتحة ﴾ فهي مقدّرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح الأبواب ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ أتراب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ من نفاد ﴾ ه ج ﴿ هذا ﴾ ط أي هذا بيان جزاء المتقين أو الأمر هذا ﴿ مآب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ لا لأن خبره ﴿ حميم ﴾ فقوله ﴿ فليذوقوه ﴾ اعتراض ﴿ وغساق ﴾ ه لا للعطف ﴿ أزواج ﴾ ه ط ﴿ معكم ﴾ ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء ﴿ بهم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ج ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأشرار ﴾ ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالاً ومن صرح بالاستفهام فوقفه مطلق ﴿ الأبصار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح بدلاً وخبراً لمحذوف أي هو الغفار ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ الكافروين ﴾ ه ﴿ بيديّ ﴾ ط للاستفهام ﴿ العالين ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية ﴿ طين ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ج والوصل أولى لاتصال لعنتي به ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه لا لتعلق إلى ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه للاستثناء ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ فالحق ﴾ ز على قراءة الرفع أي فهذا الحق مع اتحاد المقول ﴿ أقول ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من قوله ﴿ والحق ﴾ .
﴿ أجمعين ﴾ ه ج ﴿ المتكلفين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.
التفسير: وجه النظم كأنه يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر مالاً أو جاهاً من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج.
﴿ وأيوب ﴾ عطف بيان و "إذ" معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه وكان معاصراً ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع النون كقفل وقفل.
ومعنى الكل التعب والمشقة.
قيل: الضر في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن الذي نزل به كان من الشيطان وقد مرّ تقريره في "الأنبياء" ومجمله ما روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟
فقال: نعم، عبدي أيوب.
قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله.
فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده.
فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد ايوب وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فاشارت غلى أيوب بذلك فغضب لذلك - أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء - وحلف إن عافه الله ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكياً إليه لا منه كقول يعقوب ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ فأجاب دعاءه وأوحى إليه ﴿ اركض ﴾ أي اضرب ﴿ برجلك ﴾ الأرض.
عن قتادة: هي أرض الجابية من قرى الشام.
فأظهر الله من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله.
القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحاً إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة.
فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء.
ولناصر القول الأول أن يقول: سلمنا أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟.
ولنعد إلى تفسير ما يختص بالمقام.
قوله ﴿ مغتسل بارد ﴾ أي هذا مكان يغتسل فيه أي بمائة ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عيناً واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح.
وزعم أن تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد.
وقوله ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قيل: أحياهم الله بأعيانهم وزاد مثلهم من أولاده.
وقيل: من أولاد أولاده.
وقيل: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم.
وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله والأول أصح.
وقوله ﴿ رحمة منا وذكرى ﴾ مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيراً لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز.
وإنما لم يقل ههنا ﴿ رحمة من عندنا ﴾ مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ مع قوله في "الأنبياء" ﴿ وذكرى للعابدين ﴾ إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد الله.
وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله ﴿ وخذ ﴾ معطوف على ﴿ اركض ﴾ والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة.
قال مجاهد: هو لأيوب خاصة.
وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة.
والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها.
ومعنى ﴿ وجدناه صابراً ﴾ علمنا منه الصبر.
وههنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان ﴿ نعم العبد ﴾ تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد وقالوا: هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل إلى تحصيله؟
فأنزل الله قوله ﴿ فنعم المولى ونعم النصير ﴾ والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق.
قلت: وصف أنبياء سائر الأمم بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ ووصف هذه الأمة بقوله ﴿ كنتم خير أمة ﴾ فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء.
ومعنى ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة لأقوى الإِدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والرعفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة.
قوله ﴿ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة.
والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم.
و ﴿ المصطفين ﴾ جمع مصطفى وأصله مصطفين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء المتحركة ألفاً ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت ﴿ إسماعيل واليسع وذا الكفل ﴾ وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء.
وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل منهم من أنواع الابتلاء تثبيتاً لنبيه وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه باباً آخر وهو ذكر جزاء المتقين والطاغين قال ﴿ هذا ذكر ﴾ ثم قال ﴿ وإن للمتقين ﴾ كما يقول المصنف: إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر.
ويحتمل أن يكون من تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً.
قوله ﴿ مفتحة ﴾ حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل.
قال الزجاج ﴿ الأبواب ﴾ فاعل ﴿ مفتحة ﴾ والعائد محذوف أي الأبواب منها.
وقال غيره.
في ﴿ مفتحة ﴾ ضمير الجنات ﴿ والأبواب ﴾ بدل الاشتمال من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض "ضرب زيد اليد والرجل" فكان اللام عوضاً من الضمير الراجع.
والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح.
وقيل: أراد به وصف تلك المساكين بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل.
وقوله ﴿ متكئين ﴾ حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو ﴿ يدعون ﴾ أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم.
وقيل: يتمنون وقيل: يسألون.
قال المفسرون: أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول.
وحين بين أمر المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح.
وقاصرات الطرف قد مر في "الصافات" أنهن اللواتي قصرن الطرف عن الإلتفات إلى غير أزواجهن.
والأتراب جمع ترب وهي اللدة.
واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد.
والسبب في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت.
وقيل: هن وأزواجهن واحدة في الأسنان.
وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية.
ويروى أنهن بنات ثلاث وثلاثين.
ومعنى ﴿ ليوم الحساب ﴾ قيل: لأجل الحساب لأن الحساب على الوصول إلى جزاء العمل.
والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب.
﴿ إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ﴾ انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم بدوامها.
ثم بين أن حال الطاغين مضادّة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا الطغيان ههنا على الكفر لأنه يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخرياً، والفاسق لا يتخذ المؤمن هزواً لأن الطاغي اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن الذين طغوا عليّ وكذبوا رسلي لهم شر مصير.
وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر من أهل الإيمان وغيرهم لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ والمهاد الفراش وقد مر مراراً.
وقوله ﴿ هذا ﴾ قد مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم أو منه ﴿ حميم ﴾ ومنه ﴿ غساق ﴾ أو ﴿ هذا فليذوقوه ﴾ معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله ﴿ فإِياي فارهبون ﴾ وقيل: ﴿ حميم ﴾ مبتدأ و ﴿ هذا ﴾ خبره.
والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من صديد أهل النار.
يقال: غسقت العين إذا سال دمعها.
وذكر الأزهري أن الغاسق البارد ولهذا قيل الليل الغاسق لأنه أبرد من النهار.
فالحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده.
وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه.
وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية.
وعن الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله.
إن الناس أخفوا الله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: ﴿ وآخر من شكله ﴾ أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق.
و ﴿ أزواج ﴾ أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو خبر هو.
وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم.
أما الأوّل فقوله ﴿ هذا ﴾ اي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون.
والفوج الأوّل الرؤساء والثاني الأتباع.
وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني أبناء آدم هذا ﴿ فوج ﴾ اي جمع كثيف دخل النار في صحبتكم.
والاقتحام الدخول في الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال.
وقوله ﴿ لا مرحباً بهم ﴾ دعاء منهم على أتباعهم و ﴿ مرحباً ﴾ نصب على أنه مفعول به أو مصدر أي أتيت رحباً لا ضيقاً، أو رحبت بلادك رحباً فإذا دخل عليه لا صار دعاء السوء وبهم بيان للمدعو عيلهم.
وقوله ﴿ إنهم صالوا النار ﴾ تعليل لاستيجابهم اللعن.
قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم.
وقيل: هو إخبار لا دعاء أي وقد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة.
وقيل ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم.
وقيل: هذا كله كلام الخزنة ﴿ قالوا ﴾ أي الأتباع.
﴿ بل أنتم لا مرحباً بكم ﴾ أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم ﴿ أنتم قدمتموه لنا ﴾ والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب في العمل الذي هو جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا عمل السوء لا رَؤساؤهم والعمل هو المقدّم لا جزاؤه.
ومن جعل قوله ﴿ لا مرحباً ﴾ بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه.
﴿ فبئس القرار ﴾ أي المستقر النار ﴿ قالوا ﴾ أي الفوج وهو كالبدل من ﴿ قالوا ﴾ الأوّل والضعف المضاعف كما مر في "الأعراف" وأما الثاني فقوله ﴿ ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار ﴾ أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا خير فيهم يعنون فقراء المسلمين.
وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم.
من قرأ ﴿ أتخذناهم ﴾ بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، وكذا فيمن قرأ ﴿ اتخذناهم ﴾ بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن جعلها صفة أو حالاً فلا إشكال وحينئذ يتصل ﴿ أم زاغت ﴾ بقوله ﴿ ما لنا لا نرى ﴾ أي الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها.
فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله ﴿ اتخذناهم ﴾ على الاستفهام لأن الأول للإِنكار، والثاني للاستخبار.
ويجوز أن يكون "أم" متصلة وكلاهما للإِنكار.
ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا ﴿ إن ذلك ﴾ الذي حكينا عنهم ﴿ لحق ﴾ لا بد لهم من وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون كذلك.
ثم بين ما هو فقال هو ﴿ تخاصم أهل النار ﴾ لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة.
واعلم أنه لما بدأ في أول السورة بأن محمداً يدعو إلى التوحيد وأن الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى.
ثم ذكر طرفاً من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار إقامة وبقاء.
ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أوّل السورة وهي صحة نبوّة محمد وصدق ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال ﴿ قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد ﴾ من جميع الوجوه ﴿ القهار ﴾ لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية قائلاً ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ﴾ ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله ﴿ العزيز الغفار ﴾ فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعدّ الجنة لأهل الاستغفار.
قوله ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول بالنبوّة أو بإثبات الحشر والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أوّل السورة ولأجلها سيق الكلام منجراً إلى ههنا.
ويحتمل أن يراد ﴿ كتاب أنزلناه ﴾ فيه نبأ عظيم وهؤلاء الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور.
ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله ﴿ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى ﴾ وهم الملائكة ﴿ إذ يختصمون ﴾ أي يتقاولون فيما بينهم بالوحي.
والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالاً وجواباً والمشابهة علة لجواز المجاز.
ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلاً ﴿ إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين ﴾ أي ما يوحى إليّ إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر ﴿ إنما ﴾ .
وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إليّ إلا لأن أنذر ولا أقصر.
روى ابن عباس عن النبي "أتاني الليل آت من ربي وفي رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد.
قلت: لبيك ربي وسعديك.
قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: لا أعلم.
قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض.
قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: نعم، في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث.
قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.
واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمداً بسبب الحسد والكبر فختم الله السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجراً للمكلفين عن هاتين الخصلتين، فعلى هذا يكون ﴿ إذ قال ﴾ معمولاً لمحذوف اي اذكر وقت قول ربك للملائكة.
وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد.
وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما ذكره عما قريب.
والمعنى ما أحكيه خبر له شأن لأنه مستفاد من الوحي.
وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إذ يختصمون ﴾ والملأ الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كأنهم قالوا: هؤلاء فيما بينهم.
ثم خاطبوا بها الله فلا يلزم أن يكون الله من الملأ الأعلى ويثبت له مكان.
أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل تقاول الله وملائكته.
وقال جار الله: كانت مقاولة الله بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط.
وقصة آدم مذكورة في "البقرة" وفي غيرها مشروحة.
والتي في هذه السورة يوافق أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله ﴿ خلقت بيديّ ﴾ كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن القدرة يقال ما لي بهذا الأمر يد أي قوّة وطاقة.
ومنها أنها النعمة.
ومنها أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله ﴿ مما عملت أيدينا ﴾ وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك.
والحق فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنها.
ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإِحدى الصفتين، كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإِنه مظهر القهر إلا الإنسان فإِنه مظهر لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا جاء في الأحاديث القدسية "لا أجعل ذرّية من خلقت بيديّ كمن قلت له كن فكان" قوله ﴿ استكبرت أم كنت من العالين ﴾ أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ممن علوت وقفت؟
فأجاب بأنه من العالين حيث ﴿ قال أنا خير منه ﴾ وقيل: استكبرت الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين.
ومعنى الهمزة التقرير.
قوله ﴿ فالحق ﴾ من قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل ﴿ لعمرك ﴾ أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقوله وهو اعتراض.
ومن نصبهما فعلى أن الثاني تأكيد للأوّل، أو على أن الأوّل للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله ، أو الحق الذي هو نقيض الباطل.
وقوله ﴿ منك ﴾ أي من جنسك وهم الشياطين ﴿ وممن تبعك منهم ﴾ أي من ذرّية آدم.
و ﴿ أجمعين ﴾ تأكيد للتابعين والمتبوعين.
ثم ختم السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى الداعي أو إلى المدعو إليه.
أما الداعي فلا يسأل أجراً على ما يدعو إليه وهو القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة.
وأما المدعو إليه فقوله ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ الذين ينتحلون ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني أدعوكم إلى الإقرار بالله أوّلاً ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانياً، ثم إلى وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثاً ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء رابعاً، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامساً، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث والقيامة سادساً ﴿ ليجزي الذين أَسَاءُواْ بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ عن النبي "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول مالا يعلم" ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو الموت لأن الناس نيام فإِذا ماتوا انتبهوا.
وقيل: هو القيامة.
وقيل: هو حين ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ .
يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ ﴾ من ذكر من الرسل - عليهم السلام - وأهل الصفوة، أي: اذكر هؤلاء بما لقوا من أعدائهم، فتستعين [به] أنت بما تلقى من أعدائك.
أو يقول: اذكر صبر هؤلاء على قومهم؛ لتصبر أنت على أذى قومك؛ وهو قريب من الأول [، أي:].
اذكر خبر هؤلاء في العبادة والدين ليحببك ذلك ويخرجك على الجهد فيها.
أو يقول: اذكر الأسباب التي بها صار هؤلاء أهل صفوة الله ومحل إحسانه؛ ليحملك ذلك على طلب تلك الأسباب؛ لتصير من أهل صفوة الله ونحوه يحتمل.
أو يقول: اذكر هؤلاء الصالحين لتتسلى بذكرهم عن بعض أمورك، وهمومك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ ﴾ .
قيل: أولي الأيدي، أي: أولي القوة في العبادة والبصر في الدين، ثم معلوم أن هؤلاء لم يكونوا أهل قوة في أنفسهم، وإنما كانوا أهل قوة في العبادة في الدين، ليعلم أن القوة في الدين غير القوة في النفس.
وقيل: أولي القوة في طاعة الله والبصر في الحق.
وقيل: في الفقه.
وقيل: أولي الفهم في كتاب الله، وهو واحد.
وفي قوله: ﴿ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ ﴾ دلالة أن قد يفهم بذكر الأيدي غير الجارحة وبذكر البصر غير العين؛ لأنه معلوم أنه لم يرد بذكر الأيدي الجوارح، ولا بذكر الأبصار الأعين ولا فهم منه ذلك، ولكن فهم باليد القوة وبذكر البصر الفهم أو ما فهم؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ ونحوه الجارحة على ما يفهم من الخلق، ولكن القوة أو غيرها لكن كنى باليد عن القوة لما باليد يقوى، وكنى بالبصر عن درك الأشياء حقيقة لما بالبصر يدرك الأشياء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ﴾ .
أي: شرف الدار وذكرهم صاروا مذكورين مشرفين في الدار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ ﴾ .
أي: هم عندنا أهل صفوة اصطفاهم الله - عز وجل - واختارهم لنفسه ولرسالته.
وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ ﴾ اختارهم على علم الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ ﴾ .
يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ ﴾ وجوهاً على ما ذكرنا: صبر هؤلاء على ما لقوا من قومهم، فتستعين أنت على الصبر مما تلقى من قومك.
أو يقول: اذكر حسن معاملة هؤلاء ربهم وحسن سيرتهم فيما بينهم وبين الخلق؛ لتعامل أنت ربك مثل معاملتهم ومثل سيرتهم.
أو يقول: اذكر هؤلاء ومن ذكر، أي أكثر عليهم بحسن الثناء واذكرهم بخير ما أثنى عليهم، وأمر الناس أن يثنوا عليهم على ما تقدم ذكره؛ ليكونوا أبداً أحياء بحسن الثناء والذكر.
أو أن يقول: اذكر هؤلاء أن كيف عاملهم الله واختارهم لرسالته وما ذكر الله، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْيَسَعَ ﴾ قال بعضهم: هو إلياس، وقال بعضهم: هو غيره، وكان ابن عم إلياس، والله أعلم.
﴿ وَذَا ٱلْكِفْلِ ﴾ اختلف فيه أيضاً: قال بعضهم: كان إلياس في أربعمائة نبي - عليهم السلام - في زمن ملك، فقتل الملك ثلاثمائة منهم فكفل رجل إلياس في مائة نبي فكفلهم وخبأهم عنده يطعمهم ويسقيهم حتى خرجوا من عنده، وكان الكفل يمنزلة من الملك فلذلك سمي: ذا الكفل؛ لأنه خبأهم وكفلهم، والله أعلم.
وقال بعضهم: سمي: ذا الكفل؛ لأنه كفل لله - عز وجل - خوفاً لله به، فسمي: ذا الكفل.
وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيّاً، ولكن كان رجلا صالحاً فكفل بعمل رجل صالح عند موته كان يصلي لله - عز وجل - كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله عليه لسابق كفالته.
وقال بعضهم: إن نبيّاً من الأنبياء قال لقومه: أيكم يكفل بتبليغ ما بعثت به إلى الناس بعدي لأضمن له الجنة والدرجة العليا، فقال شاب: إنا نكفل التبليغ على ذلك ووفى ما كفل، فسمي: ذا الكفل لذلك، والله أعلم.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة أنه لماذا؟
وأن اليسع كان فلاناً سوى أن نعرفهم أنهم من الأخيار على ما ذكر الله عز وجل، والله أعلم.
وبعد فإن معرفة ذلك بأخبار الآحاد يوجب علم العمل ولا يوجب علم الشهادة، وليس هاهنا سوى الشهادة على الله، والترك أولى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ ﴾ ، أي: شرف وذكر للذي تقدم ذكرهم من الأخيار؛ لأنهم يذكرون أبداً بخير وحسن الثناء عليهم بما كان منهم من حسن السيرة والعمل، فذلك شرفهم حيث صاروا مذكورين على ألسن الناس وهم أموات.
أو أن يكون ذكر هؤلاء ذكر[ى] وعظة لمن بعدهم.
أو ذكر[ى] لك وعظة لتعرف حسن معاملة الرب لهم.
أو هذا القرآن ذكر وعظة لمن آمن به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ .
جملة الاتقاء: هو أن يتقي المهالك، أي: اتقوا جميع ما يهلككم ﴿ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ ، أي: مرجع، ثم بين ووصف حسن المرجع الذي يرجعون إليه حيث قال - عز وجل -: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ .
قوله - عز وجل -: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ .
أي: مقام، يقال: عدن في مكان كذا، أي: أقام، كأنه جنات يقام فيها لا يبغون عنها حولا ولا غَيْراً على ما أخبر الله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ عَدْنٍ ﴾ الذي هو وسط الشيء كأنه ذكر أن جنة عدن كانت وسط الجنان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ ﴾ أبواب الجنة، يقال له: ادخل أي باب من أبوابها شئت على ما يقوله بعض الناس.
وجائز أن يكون أبواب كل أحد منهم في الجنة تكون مفتحة؛ لأن إغلاق الأبواب إنما يكون في الدنيا إما لخوف السرقة أو نظر الناس إلى أهله وحرمه، وخوف نظر أهله إلى الناس؛ لهذا المعنى يتخذ الأبواب في الدنيا والغلق والإغلاق دونهم، وليس ذلك المعنى في الجنة؛ لما أخبر أن أزواجهم يكن قاصرات الطرف لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا يكون فيها خوف السرقة؛ لذلك كان ما ذكر.
والأشبه ألا يكون فيها أبواب؛ لما ذكرنا أن الأبواب إنما تتخذ لخوف السرقة والنظر في حرمهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴾ .
هذا - والله أعلم - كأنه وصف حال اجتماعهم؛ لأنه لذلك يدعى بالفواكه والشراب في الدنيا، وأما في حال الانفراد قلما يدعون بالشراب.
ثم فيه إخبار أنهم يدعون في الجنة بالفواكه والشراب جميعاً وفي الدنيا العرف فيهم أن أهل الشراب قلما يجمعون بين الفواكه والشراب لوجهين: إما لخوف الضرر بهم إذا جمع، أو لما لا يوجدان، وليس هذان المعنيان في الجنة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ .
كأن ذكر الكثرة كناية عن أنواع الفواكه وألوان مختلفة في كل نوع، ليس بعبارة عن الكثرة من نوع واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ .
أي: طرفهن يقصرنه على أزواجهن، لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا يرون غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتْرَابٌ ﴾ .
قالوا: مستويات الأسنان، أراد أن يكونوا جميعاً الأزواج والزوجات على سن واحد.
أو أن يخبر أنهم جميعاً يكونون على حال واحدة لا يتغيرون ولا يهرمون، كما يكون في الدنيا بعضهم أكثر سنّاً من بعض وأضعف حالا من الآخر، ولكن لا يهرمون ولا يكبرون ولا يضعفون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
كأنه يقول لهم الملائكة: هذا ما توعدون أهل الجنة في القرآن، ثم أتاهم من الله بشارة يبقى لهم ذلك أبداً وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾ ، أي: انقطاع وذهاب، نفد الشيء: إذا فني وذهب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إنا مننا عليهم بخاصة اختصصناهم بها، وهي إعمار قلوبهم بذكر الدار الآخرة والاستعداد لها بالعمل الصالح ودعوة الناس إلى العمل لها.
<div class="verse-tafsir" id="91.lqD3E"