الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٤٩ من سورة ص
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٩ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( هذا ذكر ) أي : هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر .
وقال السدي : يعني القرآن .
وقوله ( هَذَا ذِكْرُ ) يقول تعالى ذكره: هذا القرآن الذي أنـزلناه إليك يا محمد ذكر لك ولقومك, ذكرناك وإياهم به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد بن المفضل, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( هَذَا ذِكْرُ ) قال: القرآن.
وقوله: ( وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) يقول: وإن للمتقين الذين اتقوا الله فخافوه بأداء فرائضه, واجتناب معاصيه, لحسنَ مَرْجع يرجعون إليه في الآخرة, ومَصِير يصيرون إليه.
ثم أخبر تعالى ذكره عن ذلك الذي وعده من حُسن المآب ما هو, فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ .
حدثنا محمد بن الحسين, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله ( وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) قال: لحسن منقلب.
هذا ذكر : بمعنى هذا ذكر جميل في الدنيا ، وشرف يذكرون به في الدنيا أبدا .
وإن للمتقين لحسن مآب أي لهم مع هذا الذكر الجميل في الدنيا حسن المرجع في القيامة .
{ هَذَا } أي: ذكر هؤلاء الأنبياء الصفوة وذكر أوصافهم، { ذكر } في هذا القرآن ذي الذكر، يتذكر بأحوالهم المتذكرون، ويشتاق إلى الاقتداء بأوصافهم الحميدة المقتدون، ويعرف ما منَّ اللّه عليهم به من الأوصاف الزكية، وما نشر لهم من الثناء بين البرية.فهذا نوع من أنواع الذكر، وهو ذكر أهل الخير، ومن أنواع الذكر، ذزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ } أي: { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ } ربهم، بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، من كل مؤمن ومؤمنة، { لَحُسْنَ مَآبٍ } أي: لمآبا حسنا، ومرجعا مستحسنا.
" هذا ذكر "، أي: هذا الذي يتلى عليكم ذكر، أي: شرف، وذكر جميل تذكرون به " وإن للمتقين لحسن مآب ".
«هذا ذكر» لهم بالثناء الجميل هنا «وإن للمتقين» الشاملين لهم «لحسن مآب» مرجع في الآخرة.
هذا القرآن ذِكْر وشرف لك -أيها الرسول- ولقومك.
وإن لأهل تقوى الله وطاعته لَحسنَ مصير عندنا في جنات إقامة، مفتَّحة لهم أبوابها، متكئين فيها على الأرائك المزيَّنات، يطلبون ما يشتهون من أنواع الفواكه الكثيرة والشراب، من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذه أعينهم.
ثم عقبت السورة الكريمة على ذلك ، بعقد مقارنة بين عاقبة المؤمنين الصادقين ، وعاقبة الكافرين الجاحدين ، وذكرت جانبا مما يدور بين أهل النار من مجادلات .
.
فقال - تعالى - :( هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ .
.
.
) .قال الآلوسى : " هذا " إشارة إلى ما تقدم من الآيات الناطقة بمحاسنهم " ذكر " أى شرف لهم .
.
.
والمراد أن فى ذكر قصصهم .
.
شرف عظيم لهم .أو المعنى : هذا المذكور من الآيات نوع من الذكر الذى هو القرآن ، وذكر ذلك الانتقال من نوع من الكلام إلى آخر ، كما يقال الجاحظ فى كتبه : فهذا باب ، ثم يشرع فى باب آخر .ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع فى آخر : هذا ، وكان كيت وكيت ، ويحذف على ما قيل الخبر فى مثل ذلك كثيرا ، وعليه ( هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ .
.
)وقوله - تعالى - : ( وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) بيان لما أعده لهم - سبحانه - فى الآخرة من عطاء جزيل ، وثواب عظيم .والمآب : اسم مكان من آب فلان يؤوب إذا رجع ، والمراد بالمتقين : كل من تحققت فيه صفة التقوى والخوف من الله - تعالى - وعلى رأسهم الأنبياء الذين اصطفاهم الله - تعالى - واختارهم لتبليغ رسالته .
أى : وإن للمتقين فى الآخرة كريم يرجعون إليه فى الآخرة .
فيجدون فيه مالا عين رأت .
ولا أذن سمعت .
ولا خطر على قلب بشر .واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - : ( هذا ذِكْرٌ ) يعود إلى ما ذكره - سبحانه - فى الآيات السابقة ، عن هؤلاء الأنبياء من ثناء وتكريم .
والذكر : الشرف والفضل .أى : هذا الذى ذكرناه عن هؤلاء الأنبياء شرف لهم ، وذكر جميل يذكرون به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
اعلم أن في قوله: ﴿ ذُكِرَ ﴾ وجهين: الأول: أنه تعالى إنما شرح ذكر أحوال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام لأجل أن يصبر محمد عليه السلام على تحمل سفاهة قومه فلما تمم بيان هذا الطريق وأراد أن يذكر عقيبه طريقاً آخر يوجب الصبر على سفاهة الجهال، وأراد أن يميز أحد البابين عن الآخر، لا جرم قال: ﴿ هذا ذِكْرُ ﴾ ، ثم شرع في تقرير الباب الثاني فقال: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كما أن المصنف إذا تمم كلاماً قال هذا باب، ثم شرع في باب آخر، وإذا فرغ الكاتب من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر قال هذا وقد كان كيت وكيت، والدليل عليه أنما لما أتم ذكر أهل الجنة وأراد أن يردفه بذكر أهل النار قال: ﴿ هذا وَإِنَّ للطاغين ﴾ الوجه الثاني: في التأويل، أن المراد هذا شرف وذكر جميل لهؤلاء الأنبياء عليهم السلام يذكرون به أبداً، والأول هو الصحيح.
أما قوله: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لحُسْن مَئَابٍ ﴾ .
فاعلم أنه تعالى لما حكى عن كفار قريش سفاهتهم على النبي صلى الله عليه وسلم بأن وصفوه بأنه ساحر كذاب، وقالوا له على سبيل الاستهزاء ﴿ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا ﴾ فعند هذا أمر محمداً بالصبر على تلك السفاهة، وبين أن ذلك الصبر لازم من وجهين: الأول: أنه تعالى لما بين أن الأنبياء المتقدمين صبروا على المكاره والشدائد، فيجب عليك أن تقتدي بهم في هذا المعنى الثاني: أنه تعالى بين في هذه الآية أن من أطاع الله كان له من الثواب كذا وكذا، ومن خالفه كان له من العقاب كذا وكذا، وكل ذلك يوجب الصبر على تكاليف الله تعالى، وهذا نظم حسن وترتيب لطيف.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لحُسْن مَئَابٍ ﴾ المآب المرجع.
واحتج القائلون بقدم الأرواح بهذه الآية، وبكل آية تشتمل على لفظ الرجوع ووجه الاستدلال، أن لفظ الرجوع إنما يصدق لو كانت هذه الأرواح موجودة قبل الأجساد، وكانت في حضرة جلال الله ثم تعلقت بالأبدان، فعند انفصالها عن الأبدان يسمى ذلك رجوعاً وجوابه: أن هذا إن دل فإنما يدل على أن الأرواح كانت موجودة قبل الأبدان، ولا يدل على قدم الأرواح.
ثم قال تعالى: ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ وهو بدل من قوله: ﴿ لَحُسْنَ مَئَابٍ ﴾ ثم قال: ﴿ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تأويل هذا اللفظ وجوهاً الأول: قال الفراء: معناه مفتحة لهم أبوابها، والعرب تجعل الألف واللام خلفاً من الإضافة، تقول العرب: مررت برجل حسن الوجه، فالألف واللام في الوجه بدل من الإضافة والثاني: قال الزجاج: المعنى: مفتحة لهم الأبواب منها الثالث: قال صاحب الكشاف ﴿ الأبواب ﴾ بدل من الضمير، وتقديره مفتحة هي الأبواب، كقولك ضرب زيد اليد والرجل، وهو من بدل الاشتمال.
المسألة الثانية: قرئ: ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ مفتحة بالرفع على تقدير أن يكون قوله: ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ مبتدأ و ﴿ مُّفَتَّحَةً ﴾ خبره، وكلاهما خبر مبتدأ محذوف، أي هو جنات عدن مفتحة لهم.
المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى وصف من أحوال أهل الجنة في هذه الآية أشياء الأول: أحوال مساكنهم، فقوله: ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ يدل على أمرين أحدهما: كونها جنات وبساتين والثاني: كونها دائمة آمنة من الانقضاء.
وفي قوله: ﴿ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب ﴾ وجوه: الأول: أن يكون المعنى أن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام، فيدخل كذلك محفوفاً بالملائكة على أعز حال وأجمل هيئة، قال تعالى: ﴿ حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين ﴾ .
الثاني: أن تلك الأبواب كلما أرادوا انفتاحها انفتحت لهم، وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم الثالث: المراد من هذا الفتح، وصف تلك المساكن بالسعة، ومسافرة العيون فيها، ومشاهدة الأحوال اللذيذة الطيبة.
ثم قال تعالى: ﴿ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا ﴾ يدعون فيها، وفيه مباحث: البحث الأول: أنه تعالى ذكر في هذه الآية كونهم متكئين في الجنة، وذكر في سائر الآيات كيفية ذلك الاتكاء، فقال في آية: ﴿ عَلَى الأرائك مُتَّكِئُونَ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ ﴾ .
البحث الثاني: قوله: ﴿ متكئين فيها ﴾ حال قدمت على العامل فيها وهو قوله: ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا ﴾ والمعنى يدعون في الجنات متكئين فيها ثم قال: ﴿ بفاكهة كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴾ والمعنى بألوان الفاكهة وألوان الشراب، والتقدير بفاكهة كثيرة وشراب كثير، والسبب في ذكر هذا المعنى أن ديار العرب حارة قليلة الفواكه والأشربة، فرغبهم الله تعالى فيه.
ولما بين تعالى أمر المسكن وأمر المأكول والمشروب ذكر عقيبه أمر المنكوح، فقال: ﴿ وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف ﴾ وقد سبق تفسيره في سورة والصافات، وبالجملة فالمعنى كونهن قاصرات عن غيرهم مقصورات القلب على محبتهم، وقوله: ﴿ أَتْرَابٌ ﴾ أي على سن واحد، ويحتمل كون الجواري أتراباً، ويحتمل كونهن أتراباً للأزواج، قال القفال: والسبب في اعتبار هذه الصفة، أنهن لما تشابهن في الصفة والسن والحلية كان الميل إليهن على السوية، وذلك يقتضي عدم الغيرة.
ثم قال تعالى: ﴿ هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب ﴾ يعني أن الله تعالى وعد المتقين بالثواب الموصوف بهذه الصفة، ثم إنه تعالى أخبر عن دوام الثواب فقال: ﴿ إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا مَالَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا ذِكْرُ ﴾ أي: هذا نوع من الذكر وهو القرآن.
لما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه، وهو باب من أبواب التنزيل؛ ونوع من أنواعه، وأراد أن يذكر على عقبه باباً آخر، وهو ذكر الجنة وأهلها.
قال: هذا ذكر، ثم قال: ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ كما يقول الجاحظ في كتبه: فهذا باب، ثم يشرع في باب آخر، ويقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا وقد كان كيت وكيت؛ والدليل عليه: أنه لما أتمّ ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار.
قال: ﴿ هذا وإن للطاغين ﴾ .
وقيل: معناه هذا شرف وذكر جميل ويذكرون به أبداً.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: هذا ذكر من مضى من الأنبياء ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ معرفة لقوله: ﴿ جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن ﴾ [مريم: 61] وانتصابها على أنها عطف بيان لحسن مآب.
و ﴿ مُّفَتَّحَةً ﴾ حال، والعامل فيها ما في (للمتقين) من معنى الفعل.
وفي ﴿ مُّفَتَّحَةً ﴾ ضمير الجنات، والأبواب بدل من الضمير، تقديره: مفتحة هي الأبواب، كقولهم: ضرب زيد اليد والرجل، وهو من بدل الاشتمال.
وقرئ: ﴿ جنات عدن مفتحة ﴾ بالرفع، على أن جنات عدن مبتدأ، ومفتحة خبره.
أو كلاهما خبر مبتدأ محذوف، أي هو جنات عدن هي مفتحة لهم؛ كأن اللدات سمين أتراباً، لأن التراب مسهن في وقت واحد، وإنما جعلن على سنّ واحدة، لأنّ التحاب بين الأقران أثبت.
وقيل: هنّ أتراب لأزواجهنّ، أسنانهنّ كأسنانهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هَذا ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن أُمُورِهِمْ.
﴿ ذِكْرٌ ﴾ شَرَفٌ لَهُمْ، أوْ نَوْعٌ مِنَ الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ.
ثُمَّ شَرَعَ في بَيانِ ما أعَدَّ لَهم ولِأمْثالِهِمْ فَقالَ: ﴿ وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ مَرْجِعٍ.
﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ ( لَحُسْنَ مَآبٍ ) وهو مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ ﴾ وانْتَصَبَ عَنْها.
﴿ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيها ما في المُتَّقِينَ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وقُرِئَتا مَرْفُوعَتَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أوْ أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفٍ.
﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ ﴾ حالانِ مُتَعاقِبانِ أوْ مُتَداخِلانِ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهم لا مِنَ المُتَّقِينَ لِلْفَصْلِ، والأظْهَرُ أنَّ يَدْعُونَ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ فِيها ومُتَّكِئِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى الفاكِهَةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَطاعِمَهم لِمَحْضِ التَّلَذُّذِ، فَإنَّ التَّغَذِّيَ لِلتَّحَلُّلِ ولا تَحَلُّلَ ثَمَّةَ.
<div class="verse-tafsir"
{هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب} أي هذا شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً وإن لهم مع ذلك لحسن مرجع يعني يذكرون في الدنيا بالجميل ويرجعون في الآخرة إلى مغفرة رب جليل ثم بين كيفية حسن ذلك المرجع فقال
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أيْ مَرْجِعٍ، شُرُوعٌ في بَيانِ أجْرِهِمُ الجَزِيلِ في الآجِلِ بَعْدَ بَيانِ ذِكْرِهِمُ الجَمِيلِ في العاجِلِ، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ إمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا نَفْسُ المَذْكُورِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الغايَةُ القُصْوى في الكَمالِ، والجُمْلَةُ فِيما أرى عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا شَرَفٌ لَهم في الدُّنْيا، وأنَّ لَهم ولِأضْرابِهِمْ أوْ إنَّ لَهم في الآخِرَةِ لَحُسْنَ مَآبٍ، أوْ هي مِن قَبِيلِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: هي حالِيَّةٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ صاحِبَ الحالِ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ (ذِكْرًا) لِأنَّهُ نَكِرَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ وأنْ يَكُونَ هَذا لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ، ومَعَ ذَلِكَ في المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ خَفاءٌ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُعاصِرِينَ: إنَّهُ أرادَ أنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى والحالُ كَذا، أيِ الأمْرُ والشَّأْنُ كَذا، ولَمْ يُرِدْ أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ الَّذِي يَقْتَضِي ذا حالٍ وعامِلًا في الحالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وادَّعى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في كُلِّ جُمْلَةٍ يُقالُ إنَّها حالٌ، ولَيْسَ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما قَبْلَها نَحْوَ: جاءَ زَيْدٌ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، وقالَ: إنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ النَّحْوِيُّونَ اهـ، والحالُ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، وإضافَةُ (حُسْنَ) إلى ﴿ مَآبٍ ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، إمّا بِتَأْوِيلِ مَآبٌ ذِي حُسْنٍ، أوْ حَسَنٌ، وإمّا بِدُونِهِ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ فجعل العبد نعت إبراهيم خاصة، كأنه قال: واذكر عبدنا قرأ ابن كثير واذكر عَبْدَنَا بغير ألف وقرأ الباقون: عِبادَنا بالألف.
فمن قرأ عبدنا فمعناه: واذكر عَبْدَنَا إِبْرَاهِيمَ فجعل العبد نعتاً لإبراهيم خاصة، فكأنه قال: وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَاذكر إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ومن قرأ عِبادَنا يعني: ما بعده مع إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، ويَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ يعني: أولي القوة في العبادة، والأبصار.
يعني: ذوي البصر في أمر الله تعالى.
قوله عز وجل: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ يعني: اختصصناهم بذكر الله تعالى، وبذكر الجنة، وليس لهم همّ إلا همّ الآخرة.
ويقال: معناه واذكر صبر إبراهيم، وصبر إسحاق، وصبر يعقوب، ولم يذكر صبر إسماعيل لأنه لم يبتلَ بشيء.
قرأ نافع بِخالِصَةٍ بغير تنوين على معنى الإضافة.
وقرأ الباقون مع التنوين.
وروي عن مالك بن دينار أنه قال: نزع الله مَا فِى قُلُوبِهِمْ من حب الدنيا، وذكرها، وقد أخلصهم بحب الآخرة، وذكرها.
ومن قرأ بِخالِصَةٍ بالتنوين، جعل قوله: ذِكْرَى الدَّارِ بدلاً من خالصة.
والمعنى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بذكر الدار، والدار هاهنا دار الآخرة.
يعني: جعلناهم لنا خالصين، بأن جعلناهم يكثرون ذكر الدار، والرجوع إلى الله تعالى.
ثم قال عز وجل: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ يعني: المختارين للرسالة، الأخيار في الجنة.
ثم قال: وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ قال مقاتل: واذكر صبر إسماعيل، وهو أشمويل بن هلفانا.
وقال غيره: هو إسماعيل بن إبراهيم.
يعني: اذكر لقومك صبر إسماعيل، وصدق وعده وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ واليسع كان خليفة إلياس، وذا الكفل كفل مائة نبي أطعمهم، وكساهم، وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ هذا ذِكْرٌ يعني: هذا الذي ذكرنا من الأنبياء- عليهم السلام- في هذه السورة ذِكْرٌ يعني: بيان لعظمته وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ من هذه الأمة لَحُسْنَ مَآبٍ يعني: حسن المرجع.
ثم وصف الجنة فقال عز وجل: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ يعني: تفتح لهم الأبواب فيدخلونها.
يعني: الجنة كما قال تعالى في آية أخرى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [الزمر: 73] فإذا دخلوها، وجلسوا على السرر، وكانوا مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ يعني: ألوان الفاكهة، والشراب وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ يعني: غاضات أعينهن عن غير أزواجهن أَتْرابٌ يعني: ذات أقران.
أي: مستويات على سن واحد هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ يقول: إِنَّ هَذَا يعني: إنّ هذا الثواب الذي توعدون بأنه يكون لكم في يوم الحساب.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمر، بالياء على معنى الإخبار عنهم.
وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة.
يقول الله تعالى: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا يعني: إن هذا الذي ذكرنا لعطاؤنا للمتقين مَا لَهُ مِنْ نَفادٍ يعني: لا يكون له فناء، ولا انقطاع عنهم، وهذا كما قال تعالى: لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة: 33] ثم قال: هذا يعني: هذا الرزق للمتقين فيتم الكلام عند قوله: هذا.
ثم ذكر ما أوعد الكفار فقال عز وجل: وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ يعني: للكافرين، لبئس المرجع لهم في الآخرة.
ثم بيّن مرجعهم فقال عز وجل: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها يعني: يدخلونها فَبِئْسَ الْمِهادُ يعني: فبئس موضع القرار هذا فَلْيَذُوقُوهُ يعني: هذا العذاب لهم فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وهو ماء حار قد انتهى حرّه.
قرأ حمزة والكسائي، وحفص غَسَّاقٌ بتشديد السين وقرأ الباقون: بالتخفيف.
وعن عاصم روايتان.
رواية حفص بالتشديد، ورواية أبي بكر بالتخفيف.
فمن قرأ بالتشديد فهو بمعنى سيال، وهو ما يسيل من جلود أهل النار.
ومن قرأ بالتخفيف جعله مصدر غسق يغسق غساقاً.
أي: سال.
وروي عن ابن عباس، وابن مسعود، أنهما قرءا غَسَّاقٌ بالتشديد، وفسراه بالزمهرير.
وقال مقاتل: الغساق البارد الذي انتهى برده.
وقال الكلبي: الحميم هو ماء حار قد انتهى حره.
وأما غساق فهو الزمهرير يعني: برد يحرق كما تحرق النار وقال بعضهم: الغساق: المنتن بلفظ الطحاوية ثم قال عز وجل: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ يعني: وعذاب آخر من نحوه يعني: من نحو الحميم والزمهرير.
قرأ أبو عمر، وابن كثير، في إحدى الروايتين وأخر مِن شَكْلِهِ بضم الألف.
وقرأ الباقون: وَآخَرُ بالنصب فمن قرأ بالضم فهو لفظ الجماعة، ومعناه: وأنواع أخر ومن قرأ: وَأَخَّرَ بنصب الألف بلفظ الواحد، يعني: وعذاب آخر من شكله أي: مثل عذابه الأول أَزْواجٌ يعني: ألوان هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ يعني: جماعة داخلة معكم النار.
يقال: اقتحم إذا دخل في المهالك، وأضلوا الدخول.
تقول الخزنة للقادة: وهذه جماعة داخلة معكم النار، وهم الأتباع لاَ مَرْحَباً بِهِمْ يعني: لا وسع الله لهم إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ يعني: داخل النار معكم فردت الأتباع على القادة قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ يعني: لا وسع الله عليكم أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا يعني: أسلفتموه لنا، وبدأتم بالكفر قبلنا، فاتبعناكم فَبِئْسَ الْقَرارُ يعني: بئس موضع القرار في النار.
قوله عز وجل: قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا الأمر هذا الذي كنا فيه فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ وَقالُوا مَا لَنا لاَ نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ يعني: فقراء المسلمين.
قوله عز وجل: أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا قرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو، سِخْرِيّاً أتخذناهم بالوصل.
وقرأ الباقون: بالقطع فمن قرأ بالقطع، فهو على معنى الاستفهام بدليل قوله: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ لأن أَمْ تدل على الاستفهام.
ومن قرأ: بالوصل، فمعناه: أنا أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا وجعل أَمْ بمعنى بل.
وقرأ حمزة والكسائي ونافع سِخْرِيًّا بضم السين.
وقرأ الباقون بالكسر.
قال القتبي: فمن قرأ بالضم، جعله من السخرة.
يعني: تستذلهم.
ومن قرأ بالكسر فمعناه إنا كنا نسخر منهم.
ثم قال: أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ يعني: مالت، وحادت أبصارنا عنهم، فلا نراهم.
قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ يعني: يتكلم به أهل النار ويتخاصمون فيما بينهم.
<div class="verse-tafsir"
الإضافة، وقرأ الباقون «بِخَالِصَةٍ» على تنوينِ «خالِصَةٍ» ف «ذكرى» على هذه القراءةِ بدلٌ من خالِصَةٍ فيحتملُ أنْ يكونَ معنى الآية: أنا أخلصناهم بأن خَلُصَ لهم التذكيرُ بالدارِ الآخرةِ ودعاءِ الناس إليها وهذا قول قتادةَ «١» ، وقيل المعنى: أنا أخْلَصْنَاهم، بأنْ خَلُصَ لهم ذكرَهم للدارِ الآخرة وخوفُهم لها والعملُ بحسب ذلك وهذا قول مجاهد «٢» ، وقال ابن زيد: المعنى أنا وَهَبْنَاهُمْ أَفْضَلَ مَا في الدارِ الآخرةِ، وأخْلَصْناهم به، وأعطيناهم إياه «٣» ، ويحتمل أن يريدَ بالدارِ دارَ الدنيا على معنى ذكر الثناءِ والتعظيم من الناس.
وقوله تعالى: هذا ذِكْرٌ يحتملُ معنييْنِ:
أحدهما: أن يشيرَ إلى مَدْحِ مَنْ ذُكِرَ وإبقاءِ الشَّرَفِ له، فيَتأيَّدُ بهذا قولُ مَنْ قَال: إن الدارَ يرادُ بها الدنيا.
والثاني: أن يُشيرَ بهذا إلى القرآن، أي: ذكرٌ للعالم.
وجَنَّاتِ بدل من لَحُسْنَ مَآبٍ ومُفَتَّحَةً نعت ل جَنَّاتِ، والْأَبْوابُ مفعولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعله، وباقي الآيةِ بيِّن.
هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩)
قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (٦١)
وقوله سبحانه: هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ...
الآية، التقديرُ: الأمرُ/ هذا، ويحتمل أنْ يكونَ التقديرُ: هذا واقعٌ أو نحوَهُ، و «الطغيان» هنا في الكُفْرِ.
وقوله تعالى: هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ قرأ الجمهورُ: «غَسَاق» - بتخفيف السينِ «١» - وهو اسم بمعنى السائِل، قال قتادةُ: الغَسَاقُ: ما يَسِيلُ من صديدِ أهلِ النار «٢» ، قال- ص-: الغَسَاقُ السَّائِل، وعن أبي عبيدةَ أيضاً: الباردُ المُنْتِنُ بلُغَةِ التُّرْكِ «٣» ، انتهى، قال الفخرُ «٤» : هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ فيه وجْهَانِ: الأول على التقديمِ والتأخير، والتقديرُ: هذا حميمٌ وغساقٌ أي: منه حميمٌ وغساقٌ، انتهى، ت: والوجهُ الثاني: أنَّ الآيةَ لَيْسَ فيها تقديمٌ ولا تأخير وهو واضح، وقرأ الجمهور وَآخَرُ بالإفرادِ، ولَهُمْ عذابٌ آخَرُ، ومعنى مِنْ شَكْلِهِ أي: من مِثْلِهِ وضَرْبِهِ، وقرأ أبو عمرو وحده: «وأخر» على الجمع «٥» ، وأَزْواجٌ معناه: أنواع، والمعنى: لهم حميمٌ وغساقٌ، وأغذية أُخَرُ من ضَرْبِ ما ذُكِرَ.
وقوله تعالى: هذا فَوْجٌ هو مِمَّا يُقَالُ لأهْلِ النارِ، إذا سِيقَ عامَّةُ الكفَّارِ والأتباعِ إليها لأن رؤساءَهم يَدْخلونَ النارَ أولاً، والأظهرُ أنَّ قائلَ ذلكَ لَهُمْ ملائكةُ العذابِ، وهو الذي حكَاه الثعلبيُّ وغَيْرُهُ، ويحتملُ أنْ يكونَ ذلكَ من قولِ بعضِهم لبعض، فيقولُ البعضُ الأخرُ: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ أي، لا سَعَةَ مَكَانٍ، ولا خَيْرَ يَلْقَوْنَهُ.
وقوله: بَلْ أَنْتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ حكايةٌ لقولِ الأتبَاعِ لرؤسائِهم، أي: أنتم قَدَّمْتُمُوهُ لنا بإغوائِكم وأسلفتم لنا ما أوجب هذا، قال العراقيّ: [الرجز]
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ عِبادَنا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحَمِيدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ: "عَبْدَنا"، إشارَةً إلى إبْراهِيمَ، وجَعَلُوا إسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفًا عَلَيْهِ، لِأنَّهُ الأصْلُ وهُما ولَداهُ، والمَعْنى: اذْكُرْ صَبْرَهُمْ، فَإبْراهِيمُ أُلْقِيَ في النّارِ، وإسْحاقُ أُضْجِعَ لِلذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى ذَهابِ بَصَرِهِ وابْتُلِيَ بِفَقْدِ ولَدِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلُ مَعَهُمْ، لِأنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ كَما ابْتُلُوا.
﴿ أُولِي الأيْدِي ﴾ يَعْنِي القُوَّةَ في الطّاعَةِ ﴿ والأبْصارِ ﴾ البَصائِرُ في الدِّينِ والعِلْمِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذِكْرُ الأيْدِي مَثَلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ بِاليَدِ البَطْشَ، وبِالبَطْشِ تُعْرَفُ قُوَّةُ القَوِيِّ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْقَوِيِّ: ذُو يَدٍ؛ وعَنى بِالبَصَرِ: بَصَرُ القَلْبِ، وبِهِ تَنالُ مَعْرِفَةَ الأشْياءِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُولِي الأيْدِ" بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: ولَها وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ القارِئُ لِهَذا أرادَ الأيْدِيَ، فَحَذَفَ الياءَ، وهو صَوابٌ، مِثْلُ الجَوارِ والمُنادِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ والتَّأْيِيدِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أخْلَصْناهُمْ ﴾ أيِ: اصْطَفَيْناهم وجَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ، فَأفْرَدْناهم بِمُفْرِدَةٍ مِن خِصالِ الخَيْرِ؛ ثُمَّ أبانَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ ذِكْرى الدّارِ ﴾ .
وَفِي المُرادِ بِالدّارِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الآَخِرَةُ.
والثّانِي: الجَنَّةُ.
وَفِي الذِّكْرى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الذِّكْرِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أخْلَصْناهم بِذِكْرِ الآَخِرَةِ، فَلَيْسَ لَهم ذِكْرٌ غَيْرَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.
وكانَ الفُضَيْلُ ابْنُ عِياضٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: هو الخَوْفُ الدّائِمُ في القَلْبِ.
والثّانِي: أنَّها التَّذْكِيرُ، فالمَعْنى أنَّهم يَدْعُونَ النّاسَ إلى الآَخِرَةِ وإلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَرَأ نافِعٌ: "بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ"، فَأضافَ "خالِصَةً" إلى "ذِكْرى الدّارِ" .
قالَ أبُو عَلِيٍّ: تَحْتَمِلُ قِراءَةُ مِن نُوَّنَ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ "ذِكْرى" بَدَلًا مِن "خالِصَةً"، والتَّقْدِيرُ: أخْلَصْناهم بِذِكْرِ الدّارِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: أخْلَصْناهم بِأنْ يَذْكُرُوا الدّارَ بِالتَّأهُّبِ لِلْآَخِرَةِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا.
ومَن أضافَ، فالمَعْنى: أخْلَصْناهم بِإخْلاصِهِمْ ذِكْرى الدّارِ بِالخَوْفِ مِنها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أخْلَصْناهم بِأفْضَلِ ما في الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ اللَّهُ صَفْوَةً فَصَفاهم مِنَ الأدْناسِ ﴿ الأخْيارِ ﴾ الَّذِينَ اخْتارَهم.
﴿ واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ ﴾ أيِ: اذْكُرْهم بِفَضْلِهِمْ وصَبْرِهِمْ لِتَسْلُكَ طَرِيقَهم واليَسَعُ نَبِيٌّ، واسْمُهُ أعْجَمِيٌّ مُعْرَّبٌ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الأنْعامِ: ٨٥]، وشَرَحْنا في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨٥] قِصَّةَ ذِي الكِفْلِ، وتَكَلَّمْنا في [البَقَرَةِ: ١٢٥] في اسْمِ إسْماعِيلَ، وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ إسْماعِيلَ هَذا لَيْسَ بِابْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: شَرَفٌ وثَناءٌ جَمِيلٌ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا ﴿ وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أيْ: حُسْنُ مَرْجِعٍ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في الآَخِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ المَرْجِعَ، فَقالَ: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما رُفِعَتِ "الأبْوابُ" لِأنَّ المَعْنى: مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، والعَرَبُ تَجْعَلُ الألِفَ واللّامَ خَلَفًا مِنَ الإضافَةِ، فَيَقُولُونَ: مَرَرْتُ عَلى رَجُلٍ حَسَنِ العَيْنِ، وقَبِيحِ الأنْفِ، والمَعْنى: حَسَنَةٌ عَيْنُهُ، قَبِيحٌ أنْفُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى ﴾ والمَعْنى: مَأْواهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مُفَتَّحَةٌ لَهُمُ الأبْوابُ مِنها، فالألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، لا لِلْبَدَلِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والفائِدَةُ في ذِكْرِ تَفْتِيحِ الأبْوابِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ عَنْها أنَّ أبْوابَها تُفْتَحُ لَهم بِغَيْرِ فَتْحِ سُكّانِها لَها بِيَدٍ، ولَكِنْ بِالأمْرِ، قالَ الحَسَنُ: هي أبْوابُ تُكَلَّمُ، فَتُكَلَّمُ: انْفَتِحِي، انْغَلِقِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قَدْ مَضى بَيانُهُ في [الصّافّاتِ: ٤٨] .
قالَ الزَّجّاجُ: والأتْرابُ: اللَّواتِي أسْنانُهُنَّ واحِدَةٌ وهُنَّ في غايَةِ الشَّبابِ والحُسْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ اللّامُ بِمَعْنى "فِي" .
والنَّفادُ: الِانْقِطاعُ.
قالَ السُّدِّيُّ: كُلَّما أُخِذَ مِن رِزْقِ الجَنَّةِ شَيْءٌ، عادَ مِثْلُهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ ﴾ ﴿ إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدارِ ﴾ ﴿ وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ ﴾ ﴿ واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ وكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ ﴾ ﴿ هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ ﴾ ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَرْفِ أتْرابٌ ﴾ ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "واذْكُرْ عَبْدَنا" عَلى الإفْرادِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وَأهْلِ مَكَّةَ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ واذْكُرْ عِبادَنا ﴾ عَلى الجَمْعِ، فَأمّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَدَخَلَ الثَلاثَةُ في الذِكْرِ وفي العُبُودِيَّةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "عَبْدَنا" فَقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: دَخَلُوا في الذِكْرِ، ولَمْ يَدْخُلُوا في العُبُودِيَّةِ إلّا مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وتَأوَّلَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الذَبِيحَ إسْحاقُ، مِن حَيْثُ ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى بِعَقِبِ ذِكْرِ أيُّوبَ أنْبِياءَ امْتَحَنَهم بِمِحَنٍ كَما امْتَحَنَ أيُّوبَ، ولَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلَ لِأنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يُمْتَحَنْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا ضَعِيفٌ كُلُّهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "أُولِي الأيْدِي"، ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والثَقَفِيُّ، والأعْمَشُ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أُولِي الأيْدِ" بِحَذْفِ الياءِ، وأمّا أُولُو فَهو جَمْعُ "ذُو"، وأمّا القِراءَةُ الأُولى فَـ"الأيْدِي" فِيها عِبارَةٌ عَنِ القُوَّةِ في طاعَةِ اللهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ: أُولِي الأيْدِي والنِعَمِ الَّتِي أسْداها اللهُ إلَيْهِمْ: مِنَ النُبُوَّةِ والمَكانَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: أيْدِي الجَوارِحِ، والمُرادُ الأيْدِي المُتَصَرِّفَةُ في الخَيْرِ، والأبْصارُ الثاقِبَةُ فِيهِ، لا كالَّتِي هي مُهْمَلَةٌ في جُلِّ الناسِ.
وأمّا مَن قَرَأ: "الأيْدِ" دُونَ ياءٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كالَّتِي بِالياءِ وحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، ومِن حَيْثُ كانَتِ الألِفُ واللامُ تُعاقِبُ التَنْوِينَ وجَبَ أنْ تُحْذَفَ مَعَها كَما تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الأيْدِ" مَعْناها: القُوَّةُ، والمُرادُ: طاعَةُ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والأبْصارِ" ﴾ عِبارَةٌ عَنِ البَصائِرِ، أيْ: يُبْصِرُونَ الحَقائِقَ، ويَنْظُرُونَ بِنُورِ اللهِ تَعالى، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ الجَمِيعُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "بِخالِصَةِ ذِكْرى" عَلى الإضافَةِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ.
وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "بِخالِصَةٍ ذِكْرى" ﴾ مُنَوَّنًا، وقَرَأ الأعْمَشُ: "بِخالِصَتِهِمْ ذِكْرى"، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خالِصَةٍ" اسْمُ فاعِلٍ، كَأنَّهُ عَبَّرَ بِها عن مَزِيَّةٍ أو رُتْبَةٍ، فَأمّا مَن أضافَها؛ "فَذِكْرى" مَخْفُوضٌ بِالإضافَةِ، وأمّا مَن نَوَّنَ؛ فَـ"ذِكْرى" بَدَلٌ مِن "خالِصَةٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "خالِصَةٍ" مَصْدَرًا كالعافِيَةِ، وخائِنَةِ الأعْيُنِ، وغَيْرِها، فَـ"ذِكْرى" - عَلى هَذا - إمّا أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ عَلى تَقْدِيرِ: إنّا أخْلَصْناهم بِأنْ أخْلَصْنا لَهم ذِكْرى الدارِ، ويَكُونَ "خالِصَةٍ" مَصْدَرًا، مِن: أخْلَصَ، عَلى حَذْفِ الزَوائِدِ، وإمّا أنْ يَكُونَ "ذِكْرى" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالمَصْدَرِ، عَلى تَقْدِيرِ: إنّا أخْلَصْناهم بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدارِ، وتَكُونُ "خالِصَةٍ" مِن: خَلَصَ.
و"الدارِ" في كُلِّ وجْهٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"ذِكْرى"، و"ذِكْرى" مَصْدَرٌ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِالدارِ دارَ الآخِرَةِ، عَلى مَعْنى: أخْلَصْناهم بِأنْ خَلَصَ لَهُمُ التَذْكِيرُ بِالدارِ الآخِرَةِ، ودَعا الناسَ إلَيْها وحَضَّهم عَلَيْها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، أو عَلى مَعْنى: خَلَصَ لَهم ذِكْرُهم لِلدّارِ الآخِرَةِ، وخَوْفُهم لَها، والعَمَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: إنّا وهَبْناهم أفْضَلَ ما في الدارِ الآخِرَةِ، وأخْلَصْناهم بِهِ، وأعْطَيْناهم إيّاهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدارِ دارَ الدُنْيا، عَلى مَعْنى ذِكْرِ الثَناءِ والتَعْظِيمِ مِنَ الناسِ، والحَمْدِ الباقِي الَّذِي هو الخُلْدُ المُجازى بِهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِسانَ صِدْقٍ ﴾ ، وفي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ ﴾ .
و"المُصْطَفَيْنَ" أصْلُهُ: المُصْطَفَيِينَ، تَحَرَّكَتِ الياءُ، وما قَبْلَها مَفْتُوحٌ فانْقَلَبَتْ ألِفًا، ثُمَّ اجْتَمَعَ سُكُونُ الألِفِ وسُكُونُ الياءِ الَّتِي هي عَلامَةُ الجَمْعِ فَحُذِفَتِ الألِفُ.
و"الأخْيارِ" جَمْعُ خَيْرٍ، وخَيْرٌ: مُخَفَّفٌ مِن خَيِّرٍ، كَمَيْتٍ ومَيِّتٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ "واللَيْسَعَ"، كَأنَّهُ أدْخَلَ لامَ التَعْرِيفِ عَلى "لَيْسَعَ"، فَأجْراهُ مَجْرى ضَيْغَمَ ونَحْوِهِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - والكُوفِيِّينَ.
وقَرَأ الباقُونَ: "واليَسَعَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الألِفُ واللامُ فِيهِ زائِدَتانِ غَيْرُ مُعَرِّفَتَيْنِ، كَما هي في قَوْلِ الشاعِرِ: ولَقَدْ جَنَيْتُكَ أكْمُؤًا وعَساقِلًا ∗∗∗ ولَقَدْ نَهَيْتُكَ عن بَناتِ الأوبَرِ و"بَناتُ الأوبَرِ": ضَرْبٌ مِنَ الكَمْأةِ.
واخْتُلِفَ في نُبُوَّةِ (ذِي الكِفْلِ)، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ أمْرِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرٌ ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُشِيرَ إلى مَدْحِ مَن ذَكَرَ وإبْقاءِ الشَرَفِ لَهُ، فَيَتَأيَّدُ بِهَذا التَأْوِيلِ قَوْلُ مَن قالَ آنِفًا: إنَّ "الدارِ" يُرادُ بِها الدارَ الدُنْيا، والثانِي أنْ يُشِيرَ بِـ"هَذا" إلى القُرْآنِ، أيْ: هو ذِكْرٌ لِلْعالَمِ.
و"المَآبُ": المَرْجِعُ حَيْثُ يَؤُوبُونَ، و"جَنّاتٍ" بَدَلٌ مِن "حُسْنَ"، و"مُفَتَّحَةً" نَعْتٌ لِلْجَنّاتِ، و"الأبْوابُ" مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والتَقْدِيرُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ: مُفَتِّحَةً لَهم أبْوابُها، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ، والتَقْدِيرُ عِنْدَهُمُ: الأبْوابُ مِنها، وإنَّما دَعا إلى هَذا الضَمِيرِ أنَّ الصِفَةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيها عائِدٌ عَلى المَوْصُوفِ.
و ﴿ قاصِراتُ الطَرْفِ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى أزْواجِهِنَّ، و"أتْرابٌ" مَعْناهُ: أمْثالٌ، وأصْلُهُ في بَنِي آدَمَ أنْ تَكُونَ الأسْنانُ واحِدَةً، أيْ: مَسَّتْ أجْسادُهُمُ التُرابَ في وقْتٍ واحِدٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "يُوعَدُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتَ، واخْتَلَفا في سُورَةِ "ق"، فَقَرَأها أبُو عَمْرٍو بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وقَرَأ الباقُونَ في السُورَتَيْنِ بِالتاءِ.
و"النَفادُ": الفَناءُ والِانْقِضاءُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا ذِكْرٌ ﴾ جملة فَصلت الكلامَ السابق عن الكلام الآتي بعدها قصداً لانتقال الكلام من غرض إلى غرض مثل جملة: أما بعد فكذا ومثل اسم الإِشارة المجرّد نحو ﴿ هذا وإن للطاغين لشر مئاب ﴾ [ص: 55]، وقوله: ﴿ ذلك ومن يعظم حرمات الله ﴾ [الحج: 30]، ﴿ وذلك ومن يعظم شعائر الله ﴾ ، في سورة [الحج: 32].
قال في «الكشاف»: وهو كما يقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر: هذا وقد كان كيْتَ وكَيت اه.
وهذا الأسلوب من الانتقال هو المسمى في عرف علماء الأدب بالاقتضاب وهو طريقة العرب ومن يليهم من المخضرمين، ولهم في مثله طريقتان: أن يذكروا الخبر كما في هذه الآية وقوللِ المؤلفين: هذا باب كذا، وأن يحذفوا الخبر لدلالة الإِشارة على المقصود، كقوله تعالى: ﴿ ذلك ومن يعظم حرمات الله ﴾ [الحج: 30]، أي ذلك شأن الذي عمِلوا بما دعاهم إليه إبراهيم وذكروا اسم الله على ذبائحهم ولم يذكروا أسماء الأصنام، وقوله: ﴿ ذلك ومن يعظم شعائر الله، أي ذلك مثل الذين أشركوا بالله، وقوله بعد آيات هذا وإن للطاغين لشر مئاب ﴾ [ص: 55] أي هذا مآب المتقين، ومنه قول الكاتب: هذا وقد كان كَيْت وكَيْتتِ، وإنما صرح بالخبر في قوله: ﴿ هذا ذِكرٌ ﴾ للاهتمام بتعيين الخبر، وأن المقصود من المشار إليه التذكر والاقتداء فلا يأخذ السامع اسم الإِشارة مأخذ الفصل المجرَّد والانتقاللِ الاقتضابي، مع إرادة التوجيه بلفظ ﴿ ذكر ﴾ بتحميله معنى حُسن السمعة، أي هذا ذكر لأولئك المسمَّيْن في الآخرين مع أنه تذكرة للمقتدِين على نحو المعْنَيَيْن في قوله تعالى: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك في سورة الدخان ﴾ [الزخرف: 44].
ومن هنا احتمل أن تكون الإِشارة ب ﴿ هذا ﴾ إلى القرآن، أي القرآن ذِكر، فتكون الجملة استئنافاً ابتدائياً للتنويه بشأن القرآن رَاجعاً إلى غَرض قوله تعالى: ﴿ كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ﴾ [ص: 29].
والواو في ﴿ وإن للمتقين ﴾ الخ، يجوز أن تكون للعطف الذكري، أي انتهى الكلام السابق بقولنا ﴿ هذا ﴾ ونعطف عليه ﴿ إنَّ للمُتَّقينَ ﴾ الخ.
ويجوز أن تكون واو الحال.
وتقدم معنى ﴿ حسن مئاب.
﴾ واللام في ﴿ للمُتَّقينَ ﴾ لام الاختصاص، أي لهم حسن مآب يوم الجزاء.
وانتصب ﴿ جنَّاتتِ عدنٍ ﴾ على البيان من ﴿ حسن مئاب.
﴾ والعدن: الخلود.
و ﴿ مُفَتَحَةً ﴾ حال من ﴿ جنَّاتتِ عدنٍ ﴾ ، والعامل في الحال ما في ﴿ للمُتَّقينَ ﴾ من معنى الفعل وهو الاستقرار فيكون (ال) في ﴿ الأبوابُ ﴾ عوضاً عن الضمير.
والتقدير: أبوابها، على رأي نحاة الكوفة، وأما عند البصريين ف ﴿ الأبواب ﴾ بدل من الضمير في ﴿ مُفتَّحَةً ﴾ على أنه بدل اشتمال أو بعض والرابط بينه وبين المبدل منه محذوف تقديره: الأبواب منها.
وتفتيح الأبواب كناية عن التمكين من الانتفاع بنعيمها لأن تفتيح الأبواب يستلزم الإِذن بالدخول وهو يستلزم التخلية بين الداخل وبين الانتفاع بما وراء الأبواب.
وقوله ﴿ مُتَّكِئينَ فيها ﴾ تقدم قريب منه في سورة يس.
و ﴿ يَدْعُونَ ﴾ : يَأمرون بأن يجلب لهم، يقال: دعا بكذا، أي سأل أن يحضر له.
والباء في قولهم: دعا بكذا، للمصاحبة، والتقدير: دعا مدعُوَّاً يصاحبه كذا، قال عدي بن زيد: ودعَوا بالصَّبوح يوماً فجاءت *** قينَة في يمينها إبريق قال تعالى في سورة [يس: 57] ﴿ لهم فيها فاكهة ولهم ما يَدّعون ﴾ وانتصب مُتَّكِئينَ } على الحال من «المتقين» وهي حال مقدرة.
وجملة ﴿ يَدْعُونَ ﴾ حال ثانية مقدرة أيضاً.
والشراب: اسم للمشروب، وغلب إطلاقه على الخمر إذا لم يكن في الكلام ذكر للماء كقوله آنفاً ﴿ هذا مغتسَل بارد وشراب ﴾ [ص: 42].
وتنوين ﴿ شراب ﴾ هنا للتعظيم، أي شراب نفيس في جنسه، كقول أبي خراش الهذلي: لقد وقعت على لحم *** و ﴿ عندهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ عند: ظرف مكان قريب و ﴿ قَاصِرات الطرف ﴾ صفة لموصوف محذوف، أي نساء قاصرات النظر.
وتعريف ﴿ الطرف ﴾ تعريف الجنس الصادقُ بالكثير، أي قاصرات الأطراف.
و ﴿ الطرف ﴾ : النظر بالعَين، وقصر الطرف توجيهه إلى منظور غير متعدد، فيجوز أن يكون المعنى: أنهن قاصرات أطرافَهن على أزواجهن.
فالأطراف المقصورة أطرافهن.
وإسناد ﴿ قاصرات ﴾ إلى ضميرهن إسناد حقيقي، أيْ لا يوجّهْن أنظارهن إلى غيرهم وذلك كناية عن قصر محبتهن على أزواجهن.
ويجوز أن يكون المعنى: أنهن يقصرن أطرافَ أزواجهن عليهن فلا تتوجه أنظار أزواجهن إلى غيرهن اكتفاء منهم بحسنهن وذلك كناية عن تمام حسنهن في أنظار أزواجهن بحيث لا يتعلق استحسانهم بغيرهن، فالأطراف المقصورة أطراف أزواجهن، وإسناد ﴿ قاصرات ﴾ إليهن مجاز عقلي إذْ كان حسنهن سببَ قصْر أطراف الأزواج فإنهن ملابسات سَبب سَبَببِ القصر.
و ﴿ أَتراب ﴾ : جمع تِرْب بكسر التاء وسكون الراء، وهو اسم لمن كان عمره مساوياً عُمرَ من يُضاف إليه، تقول: هو تِرب فلان، وهي ترب فلانة، ولا تلحق لفظَ ترب علامةُ تأنيث.
والمراد: أنهن أتراب بعضُهن لبعض، وأنهن أتراب لأزواجهن لأن التحابَّ بين الأقران أمكن.
والظاهر أن ﴿ أتْرَابٌ ﴾ وصف قائم بجميع نساء الجنة من مخلوقاتتِ الجنةِ ومن النساء اللاتي كنّ أزواجاً في الدنيا لأصحاب الجنة، فلا يكون بعضهن أحسن شباباً من بعض فلا يلحق بعضَ أهل الجنة غَضّ إذا كانت نساء غيره أجدّ شباباً، ولئلا تتفاوت نساء الواحد من المتقين في شرخ الشباب، فيكون النعيم بالأقل شباباً دون النعيم بالأجدّ منهن.
وتقدم الكلام على ﴿ وعندهم قاصرات الطرف عين ﴾ في سورة [الصافات: 48].
<div class="verse-tafsir"
﴿ أتْرابٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أقْرانٌ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّانِي: أمْثالٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مُتَآخِياتٌ لا يَتَباغَضْنَ ولا يَتَغايَرْنَ، حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ.
الرّابِعُ: مُسْتَوِياتُ الأسْنانِ بَناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الخامِسُ: أتْرابُ أزْواجِهِنَّ بِأنْ خَلَقَهُنَّ عَلى مَقادِيرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عِيسى: التُّرْبُ اللِّدَةُ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّعِبِ بِالتُّرابِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ﴾ قال: يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها.
يقال لها انفتحي وانغلقي تكلمي، فتفهم وتتكلم.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ وعندهم قاصرات الطرف أتراب ﴾ قال: قصرن طرفهن على أزواجهن، فلا يردن غيرهن ﴿ أتراب ﴾ قال: سن واحد.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتراب ﴾ قال: أمثال.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ إن هذا لرزقنا ما له من نفاد ﴾ أي من انقطاع ﴿ هذا فليذقوه حميم وغساق ﴾ قال: كنا نحدث أن الغساق ما يسيل من بين جلده ولحمه ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال: من نحوه أزواج من العذاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن أبي رزين قال: الغساق ما يسيل من صديدهم.
وأخرج هناد عن عطية في قوله: ﴿ وغساق ﴾ قال: الذي يسيل من جلودهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وغساق ﴾ قال: الزمهرير ﴿ وآخر من شكله ﴾ قال: نحوه ﴿ أزواج ﴾ قال: ألوان من العذاب.
وأخرج هناد بن السري في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: الغساق الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من شدة برده.
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن بريدة قال: الغساق المنتن، وهو بالطخاوية.
وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن دلواً من غساق يُهْرَاقُ في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» .
وأخرج ابن جرير عن كعب قال: ﴿ غساق ﴾ عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو عقرب أو غيرها فليستنقع.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال: الزمهرير.
وأخرج عبد بن حميد عن مرة قال: ذكروا الزمهرير فقال: ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ فقالوا لعبد الله: إن للزمهرير برداً فقرأ هذه الآية ﴿ لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً وغساقاً ﴾ [ النبأ: 24-25].
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال: ألوان من العذاب.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: ذكر الله العذاب، فذكر السلاسل، والأغلال، وما يكون في الدنيا ثم قال: ﴿ وآخر من شكله أزواج ﴾ قال: آخر لم ير في الدنيا.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ ﴿ وآخر من شكله ﴾ برفع الألف ونصب الخاء.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ وآخر من شكله ﴾ ممدودة منصوبة الألف.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ إلى قوله: ﴿ فبئس القرار ﴾ قال: هؤلاء الأتباع يقولونه للرؤوس.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فزده عذاباً ضعفاً في النار ﴾ قال: أفاعي وحيات.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ هذا ذِكْرٌ ﴾ الإشارة إلى ما تقدم في هذه السورة من ذكر الأنبياء، وقيل: الإشارة إلى القرآن بجملته، والأول أظهر وكأن قوله: ﴿ هذا ذِكْرٌ ﴾ ختام للكلام المتقدم، ثم شرع بعده في كلام آخر كما يتم المؤلف باباً ثم يقول فهذا باب ثم يشرع في آخر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ مسني الشيطان ﴾ بسكون الياء: حمزة.
بنصب بضمتين: يزيد،وقرأ يعقوب بفتحتين، وقرأ هبيرة بالفتح والسكون.
والباقون: باضم والسكون ﴿ بخالصة ذكري ﴾ على الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام ﴿ عبدنا إبراهيم ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعلى هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان ﴿ ما يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وغساق ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعليّ وخلف وحفص ﴿ أخر ﴾ بضم الهمزة على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل.
والباقون: بالمد على التوحيد.
﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة والتفخيم مثل ﴿ الأبرار ﴾ غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة ﴿ اتخذناهم ﴾ موصولة والابتداء بكسر الألف: ابو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.
والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام ﴿ ما كان لي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ إلا إنما ﴾ بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد ﴿ لعنتي إلى ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع ﴿ فالحق ﴾ بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب غير رويس.
الوقوف: ﴿ أيوب ﴾ م لا إذا جعل "إذ" بدلاً ﴿ وعذاب ﴾ ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه جبريل فقال له اركض ﴿ برجلك ﴾ ج لأن هذا مبتدأ مع أه من تمام القول ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ولا تحنث ﴾ ط ﴿ صابراً ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والأبصار ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ الأخيار ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ من الأخيار ﴾ ه ﴿ ذكر ﴾ ه ط ﴿ مآب ﴾ ه لا لأن ﴿ جنات ﴾ بدل أو عطف بيان.
﴿ الأبواب ﴾ ه ج لاحتمال أن عامل ﴿ متكئين ﴾ محذوف أي يتنعمون متكئين وإن جعل حالاً من ﴿ مفتحة ﴾ فهي مقدّرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح الأبواب ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ أتراب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ من نفاد ﴾ ه ج ﴿ هذا ﴾ ط أي هذا بيان جزاء المتقين أو الأمر هذا ﴿ مآب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ لا لأن خبره ﴿ حميم ﴾ فقوله ﴿ فليذوقوه ﴾ اعتراض ﴿ وغساق ﴾ ه لا للعطف ﴿ أزواج ﴾ ه ط ﴿ معكم ﴾ ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء ﴿ بهم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ج ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأشرار ﴾ ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالاً ومن صرح بالاستفهام فوقفه مطلق ﴿ الأبصار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح بدلاً وخبراً لمحذوف أي هو الغفار ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ الكافروين ﴾ ه ﴿ بيديّ ﴾ ط للاستفهام ﴿ العالين ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية ﴿ طين ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ج والوصل أولى لاتصال لعنتي به ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه لا لتعلق إلى ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه للاستثناء ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ فالحق ﴾ ز على قراءة الرفع أي فهذا الحق مع اتحاد المقول ﴿ أقول ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من قوله ﴿ والحق ﴾ .
﴿ أجمعين ﴾ ه ج ﴿ المتكلفين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.
التفسير: وجه النظم كأنه يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر مالاً أو جاهاً من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج.
﴿ وأيوب ﴾ عطف بيان و "إذ" معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه وكان معاصراً ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع النون كقفل وقفل.
ومعنى الكل التعب والمشقة.
قيل: الضر في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن الذي نزل به كان من الشيطان وقد مرّ تقريره في "الأنبياء" ومجمله ما روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟
فقال: نعم، عبدي أيوب.
قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله.
فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده.
فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد ايوب وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فاشارت غلى أيوب بذلك فغضب لذلك - أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء - وحلف إن عافه الله ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكياً إليه لا منه كقول يعقوب ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ﴾ فأجاب دعاءه وأوحى إليه ﴿ اركض ﴾ أي اضرب ﴿ برجلك ﴾ الأرض.
عن قتادة: هي أرض الجابية من قرى الشام.
فأظهر الله من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله.
القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحاً إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة.
فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء.
ولناصر القول الأول أن يقول: سلمنا أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟.
ولنعد إلى تفسير ما يختص بالمقام.
قوله ﴿ مغتسل بارد ﴾ أي هذا مكان يغتسل فيه أي بمائة ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عيناً واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح.
وزعم أن تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد.
وقوله ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قيل: أحياهم الله بأعيانهم وزاد مثلهم من أولاده.
وقيل: من أولاد أولاده.
وقيل: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم.
وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله والأول أصح.
وقوله ﴿ رحمة منا وذكرى ﴾ مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيراً لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز.
وإنما لم يقل ههنا ﴿ رحمة من عندنا ﴾ مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ مع قوله في "الأنبياء" ﴿ وذكرى للعابدين ﴾ إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد الله.
وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله ﴿ وخذ ﴾ معطوف على ﴿ اركض ﴾ والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة.
قال مجاهد: هو لأيوب خاصة.
وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة.
والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها.
ومعنى ﴿ وجدناه صابراً ﴾ علمنا منه الصبر.
وههنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان ﴿ نعم العبد ﴾ تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد وقالوا: هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل إلى تحصيله؟
فأنزل الله قوله ﴿ فنعم المولى ونعم النصير ﴾ والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق.
قلت: وصف أنبياء سائر الأمم بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ ووصف هذه الأمة بقوله ﴿ كنتم خير أمة ﴾ فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء.
ومعنى ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة لأقوى الإِدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والرعفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة.
قوله ﴿ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة.
والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم.
و ﴿ المصطفين ﴾ جمع مصطفى وأصله مصطفين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء المتحركة ألفاً ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت ﴿ إسماعيل واليسع وذا الكفل ﴾ وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء.
وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل منهم من أنواع الابتلاء تثبيتاً لنبيه وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه باباً آخر وهو ذكر جزاء المتقين والطاغين قال ﴿ هذا ذكر ﴾ ثم قال ﴿ وإن للمتقين ﴾ كما يقول المصنف: إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر.
ويحتمل أن يكون من تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً.
قوله ﴿ مفتحة ﴾ حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل.
قال الزجاج ﴿ الأبواب ﴾ فاعل ﴿ مفتحة ﴾ والعائد محذوف أي الأبواب منها.
وقال غيره.
في ﴿ مفتحة ﴾ ضمير الجنات ﴿ والأبواب ﴾ بدل الاشتمال من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض "ضرب زيد اليد والرجل" فكان اللام عوضاً من الضمير الراجع.
والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح.
وقيل: أراد به وصف تلك المساكين بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل.
وقوله ﴿ متكئين ﴾ حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو ﴿ يدعون ﴾ أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم.
وقيل: يتمنون وقيل: يسألون.
قال المفسرون: أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول.
وحين بين أمر المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح.
وقاصرات الطرف قد مر في "الصافات" أنهن اللواتي قصرن الطرف عن الإلتفات إلى غير أزواجهن.
والأتراب جمع ترب وهي اللدة.
واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد.
والسبب في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت.
وقيل: هن وأزواجهن واحدة في الأسنان.
وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية.
ويروى أنهن بنات ثلاث وثلاثين.
ومعنى ﴿ ليوم الحساب ﴾ قيل: لأجل الحساب لأن الحساب على الوصول إلى جزاء العمل.
والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب.
﴿ إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ﴾ انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم بدوامها.
ثم بين أن حال الطاغين مضادّة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا الطغيان ههنا على الكفر لأنه يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخرياً، والفاسق لا يتخذ المؤمن هزواً لأن الطاغي اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن الذين طغوا عليّ وكذبوا رسلي لهم شر مصير.
وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر من أهل الإيمان وغيرهم لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ والمهاد الفراش وقد مر مراراً.
وقوله ﴿ هذا ﴾ قد مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم أو منه ﴿ حميم ﴾ ومنه ﴿ غساق ﴾ أو ﴿ هذا فليذوقوه ﴾ معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله ﴿ فإِياي فارهبون ﴾ وقيل: ﴿ حميم ﴾ مبتدأ و ﴿ هذا ﴾ خبره.
والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من صديد أهل النار.
يقال: غسقت العين إذا سال دمعها.
وذكر الأزهري أن الغاسق البارد ولهذا قيل الليل الغاسق لأنه أبرد من النهار.
فالحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده.
وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه.
وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية.
وعن الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله.
إن الناس أخفوا الله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: ﴿ وآخر من شكله ﴾ أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق.
و ﴿ أزواج ﴾ أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو خبر هو.
وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم.
أما الأوّل فقوله ﴿ هذا ﴾ اي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون.
والفوج الأوّل الرؤساء والثاني الأتباع.
وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني أبناء آدم هذا ﴿ فوج ﴾ اي جمع كثيف دخل النار في صحبتكم.
والاقتحام الدخول في الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال.
وقوله ﴿ لا مرحباً بهم ﴾ دعاء منهم على أتباعهم و ﴿ مرحباً ﴾ نصب على أنه مفعول به أو مصدر أي أتيت رحباً لا ضيقاً، أو رحبت بلادك رحباً فإذا دخل عليه لا صار دعاء السوء وبهم بيان للمدعو عيلهم.
وقوله ﴿ إنهم صالوا النار ﴾ تعليل لاستيجابهم اللعن.
قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم.
وقيل: هو إخبار لا دعاء أي وقد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة.
وقيل ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم.
وقيل: هذا كله كلام الخزنة ﴿ قالوا ﴾ أي الأتباع.
﴿ بل أنتم لا مرحباً بكم ﴾ أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم ﴿ أنتم قدمتموه لنا ﴾ والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب في العمل الذي هو جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا عمل السوء لا رَؤساؤهم والعمل هو المقدّم لا جزاؤه.
ومن جعل قوله ﴿ لا مرحباً ﴾ بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه.
﴿ فبئس القرار ﴾ أي المستقر النار ﴿ قالوا ﴾ أي الفوج وهو كالبدل من ﴿ قالوا ﴾ الأوّل والضعف المضاعف كما مر في "الأعراف" وأما الثاني فقوله ﴿ ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار ﴾ أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا خير فيهم يعنون فقراء المسلمين.
وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم.
من قرأ ﴿ أتخذناهم ﴾ بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، وكذا فيمن قرأ ﴿ اتخذناهم ﴾ بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن جعلها صفة أو حالاً فلا إشكال وحينئذ يتصل ﴿ أم زاغت ﴾ بقوله ﴿ ما لنا لا نرى ﴾ أي الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها.
فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله ﴿ اتخذناهم ﴾ على الاستفهام لأن الأول للإِنكار، والثاني للاستخبار.
ويجوز أن يكون "أم" متصلة وكلاهما للإِنكار.
ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا ﴿ إن ذلك ﴾ الذي حكينا عنهم ﴿ لحق ﴾ لا بد لهم من وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون كذلك.
ثم بين ما هو فقال هو ﴿ تخاصم أهل النار ﴾ لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة.
واعلم أنه لما بدأ في أول السورة بأن محمداً يدعو إلى التوحيد وأن الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى.
ثم ذكر طرفاً من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار إقامة وبقاء.
ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أوّل السورة وهي صحة نبوّة محمد وصدق ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال ﴿ قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد ﴾ من جميع الوجوه ﴿ القهار ﴾ لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية قائلاً ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ﴾ ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله ﴿ العزيز الغفار ﴾ فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعدّ الجنة لأهل الاستغفار.
قوله ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول بالنبوّة أو بإثبات الحشر والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أوّل السورة ولأجلها سيق الكلام منجراً إلى ههنا.
ويحتمل أن يراد ﴿ كتاب أنزلناه ﴾ فيه نبأ عظيم وهؤلاء الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور.
ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله ﴿ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى ﴾ وهم الملائكة ﴿ إذ يختصمون ﴾ أي يتقاولون فيما بينهم بالوحي.
والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالاً وجواباً والمشابهة علة لجواز المجاز.
ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلاً ﴿ إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين ﴾ أي ما يوحى إليّ إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر ﴿ إنما ﴾ .
وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إليّ إلا لأن أنذر ولا أقصر.
روى ابن عباس عن النبي "أتاني الليل آت من ربي وفي رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد.
قلت: لبيك ربي وسعديك.
قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: لا أعلم.
قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض.
قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟
قلت: نعم، في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث.
قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.
واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمداً بسبب الحسد والكبر فختم الله السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجراً للمكلفين عن هاتين الخصلتين، فعلى هذا يكون ﴿ إذ قال ﴾ معمولاً لمحذوف اي اذكر وقت قول ربك للملائكة.
وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد.
وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما ذكره عما قريب.
والمعنى ما أحكيه خبر له شأن لأنه مستفاد من الوحي.
وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إذ يختصمون ﴾ والملأ الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كأنهم قالوا: هؤلاء فيما بينهم.
ثم خاطبوا بها الله فلا يلزم أن يكون الله من الملأ الأعلى ويثبت له مكان.
أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل تقاول الله وملائكته.
وقال جار الله: كانت مقاولة الله بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط.
وقصة آدم مذكورة في "البقرة" وفي غيرها مشروحة.
والتي في هذه السورة يوافق أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله ﴿ خلقت بيديّ ﴾ كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن القدرة يقال ما لي بهذا الأمر يد أي قوّة وطاقة.
ومنها أنها النعمة.
ومنها أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله ﴿ مما عملت أيدينا ﴾ وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك.
والحق فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنها.
ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإِحدى الصفتين، كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإِنه مظهر القهر إلا الإنسان فإِنه مظهر لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا جاء في الأحاديث القدسية "لا أجعل ذرّية من خلقت بيديّ كمن قلت له كن فكان" قوله ﴿ استكبرت أم كنت من العالين ﴾ أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ممن علوت وقفت؟
فأجاب بأنه من العالين حيث ﴿ قال أنا خير منه ﴾ وقيل: استكبرت الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين.
ومعنى الهمزة التقرير.
قوله ﴿ فالحق ﴾ من قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل ﴿ لعمرك ﴾ أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقوله وهو اعتراض.
ومن نصبهما فعلى أن الثاني تأكيد للأوّل، أو على أن الأوّل للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله ، أو الحق الذي هو نقيض الباطل.
وقوله ﴿ منك ﴾ أي من جنسك وهم الشياطين ﴿ وممن تبعك منهم ﴾ أي من ذرّية آدم.
و ﴿ أجمعين ﴾ تأكيد للتابعين والمتبوعين.
ثم ختم السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى الداعي أو إلى المدعو إليه.
أما الداعي فلا يسأل أجراً على ما يدعو إليه وهو القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة.
وأما المدعو إليه فقوله ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ الذين ينتحلون ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني أدعوكم إلى الإقرار بالله أوّلاً ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانياً، ثم إلى وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثاً ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء رابعاً، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامساً، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث والقيامة سادساً ﴿ ليجزي الذين أَسَاءُواْ بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴾ فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ عن النبي "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول مالا يعلم" ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو الموت لأن الناس نيام فإِذا ماتوا انتبهوا.
وقيل: هو القيامة.
وقيل: هو حين ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ .
يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ ﴾ من ذكر من الرسل - عليهم السلام - وأهل الصفوة، أي: اذكر هؤلاء بما لقوا من أعدائهم، فتستعين [به] أنت بما تلقى من أعدائك.
أو يقول: اذكر صبر هؤلاء على قومهم؛ لتصبر أنت على أذى قومك؛ وهو قريب من الأول [، أي:].
اذكر خبر هؤلاء في العبادة والدين ليحببك ذلك ويخرجك على الجهد فيها.
أو يقول: اذكر الأسباب التي بها صار هؤلاء أهل صفوة الله ومحل إحسانه؛ ليحملك ذلك على طلب تلك الأسباب؛ لتصير من أهل صفوة الله ونحوه يحتمل.
أو يقول: اذكر هؤلاء الصالحين لتتسلى بذكرهم عن بعض أمورك، وهمومك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ ﴾ .
قيل: أولي الأيدي، أي: أولي القوة في العبادة والبصر في الدين، ثم معلوم أن هؤلاء لم يكونوا أهل قوة في أنفسهم، وإنما كانوا أهل قوة في العبادة في الدين، ليعلم أن القوة في الدين غير القوة في النفس.
وقيل: أولي القوة في طاعة الله والبصر في الحق.
وقيل: في الفقه.
وقيل: أولي الفهم في كتاب الله، وهو واحد.
وفي قوله: ﴿ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ ﴾ دلالة أن قد يفهم بذكر الأيدي غير الجارحة وبذكر البصر غير العين؛ لأنه معلوم أنه لم يرد بذكر الأيدي الجوارح، ولا بذكر الأبصار الأعين ولا فهم منه ذلك، ولكن فهم باليد القوة وبذكر البصر الفهم أو ما فهم؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ ونحوه الجارحة على ما يفهم من الخلق، ولكن القوة أو غيرها لكن كنى باليد عن القوة لما باليد يقوى، وكنى بالبصر عن درك الأشياء حقيقة لما بالبصر يدرك الأشياء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ ﴾ .
أي: شرف الدار وذكرهم صاروا مذكورين مشرفين في الدار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ ﴾ .
أي: هم عندنا أهل صفوة اصطفاهم الله - عز وجل - واختارهم لنفسه ولرسالته.
وقال بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ ﴾ اختارهم على علم الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَذَا ٱلْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ ٱلأَخْيَارِ ﴾ .
يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرْ ﴾ وجوهاً على ما ذكرنا: صبر هؤلاء على ما لقوا من قومهم، فتستعين أنت على الصبر مما تلقى من قومك.
أو يقول: اذكر حسن معاملة هؤلاء ربهم وحسن سيرتهم فيما بينهم وبين الخلق؛ لتعامل أنت ربك مثل معاملتهم ومثل سيرتهم.
أو يقول: اذكر هؤلاء ومن ذكر، أي أكثر عليهم بحسن الثناء واذكرهم بخير ما أثنى عليهم، وأمر الناس أن يثنوا عليهم على ما تقدم ذكره؛ ليكونوا أبداً أحياء بحسن الثناء والذكر.
أو أن يقول: اذكر هؤلاء أن كيف عاملهم الله واختارهم لرسالته وما ذكر الله، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْيَسَعَ ﴾ قال بعضهم: هو إلياس، وقال بعضهم: هو غيره، وكان ابن عم إلياس، والله أعلم.
﴿ وَذَا ٱلْكِفْلِ ﴾ اختلف فيه أيضاً: قال بعضهم: كان إلياس في أربعمائة نبي - عليهم السلام - في زمن ملك، فقتل الملك ثلاثمائة منهم فكفل رجل إلياس في مائة نبي فكفلهم وخبأهم عنده يطعمهم ويسقيهم حتى خرجوا من عنده، وكان الكفل يمنزلة من الملك فلذلك سمي: ذا الكفل؛ لأنه خبأهم وكفلهم، والله أعلم.
وقال بعضهم: سمي: ذا الكفل؛ لأنه كفل لله - عز وجل - خوفاً لله به، فسمي: ذا الكفل.
وقال أبو موسى الأشعري: إن ذا الكفل لم يكن نبيّاً، ولكن كان رجلا صالحاً فكفل بعمل رجل صالح عند موته كان يصلي لله - عز وجل - كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله عليه لسابق كفالته.
وقال بعضهم: إن نبيّاً من الأنبياء قال لقومه: أيكم يكفل بتبليغ ما بعثت به إلى الناس بعدي لأضمن له الجنة والدرجة العليا، فقال شاب: إنا نكفل التبليغ على ذلك ووفى ما كفل، فسمي: ذا الكفل لذلك، والله أعلم.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة أنه لماذا؟
وأن اليسع كان فلاناً سوى أن نعرفهم أنهم من الأخيار على ما ذكر الله عز وجل، والله أعلم.
وبعد فإن معرفة ذلك بأخبار الآحاد يوجب علم العمل ولا يوجب علم الشهادة، وليس هاهنا سوى الشهادة على الله، والترك أولى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا ذِكْرٌ ﴾ ، أي: شرف وذكر للذي تقدم ذكرهم من الأخيار؛ لأنهم يذكرون أبداً بخير وحسن الثناء عليهم بما كان منهم من حسن السيرة والعمل، فذلك شرفهم حيث صاروا مذكورين على ألسن الناس وهم أموات.
أو أن يكون ذكر هؤلاء ذكر[ى] وعظة لمن بعدهم.
أو ذكر[ى] لك وعظة لتعرف حسن معاملة الرب لهم.
أو هذا القرآن ذكر وعظة لمن آمن به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل - ﴿ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ .
جملة الاتقاء: هو أن يتقي المهالك، أي: اتقوا جميع ما يهلككم ﴿ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ ، أي: مرجع، ثم بين ووصف حسن المرجع الذي يرجعون إليه حيث قال - عز وجل -: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ .
قوله - عز وجل -: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ .
أي: مقام، يقال: عدن في مكان كذا، أي: أقام، كأنه جنات يقام فيها لا يبغون عنها حولا ولا غَيْراً على ما أخبر الله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ عَدْنٍ ﴾ الذي هو وسط الشيء كأنه ذكر أن جنة عدن كانت وسط الجنان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ ﴾ أبواب الجنة، يقال له: ادخل أي باب من أبوابها شئت على ما يقوله بعض الناس.
وجائز أن يكون أبواب كل أحد منهم في الجنة تكون مفتحة؛ لأن إغلاق الأبواب إنما يكون في الدنيا إما لخوف السرقة أو نظر الناس إلى أهله وحرمه، وخوف نظر أهله إلى الناس؛ لهذا المعنى يتخذ الأبواب في الدنيا والغلق والإغلاق دونهم، وليس ذلك المعنى في الجنة؛ لما أخبر أن أزواجهم يكن قاصرات الطرف لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا يكون فيها خوف السرقة؛ لذلك كان ما ذكر.
والأشبه ألا يكون فيها أبواب؛ لما ذكرنا أن الأبواب إنما تتخذ لخوف السرقة والنظر في حرمهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ﴾ .
هذا - والله أعلم - كأنه وصف حال اجتماعهم؛ لأنه لذلك يدعى بالفواكه والشراب في الدنيا، وأما في حال الانفراد قلما يدعون بالشراب.
ثم فيه إخبار أنهم يدعون في الجنة بالفواكه والشراب جميعاً وفي الدنيا العرف فيهم أن أهل الشراب قلما يجمعون بين الفواكه والشراب لوجهين: إما لخوف الضرر بهم إذا جمع، أو لما لا يوجدان، وليس هذان المعنيان في الجنة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴾ .
كأن ذكر الكثرة كناية عن أنواع الفواكه وألوان مختلفة في كل نوع، ليس بعبارة عن الكثرة من نوع واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ ﴾ .
أي: طرفهن يقصرنه على أزواجهن، لا ينظرن إلى غير أزواجهن ولا يرون غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَتْرَابٌ ﴾ .
قالوا: مستويات الأسنان، أراد أن يكونوا جميعاً الأزواج والزوجات على سن واحد.
أو أن يخبر أنهم جميعاً يكونون على حال واحدة لا يتغيرون ولا يهرمون، كما يكون في الدنيا بعضهم أكثر سنّاً من بعض وأضعف حالا من الآخر، ولكن لا يهرمون ولا يكبرون ولا يضعفون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
كأنه يقول لهم الملائكة: هذا ما توعدون أهل الجنة في القرآن، ثم أتاهم من الله بشارة يبقى لهم ذلك أبداً وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾ ، أي: انقطاع وذهاب، نفد الشيء: إذا فني وذهب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هذا ذكر لهؤلاء بالثناء الجميل في القرآن، وإن للمتقين بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه لمرجعًا حسنًا في الدار الآخرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.607WB"