الآية ٨٦ من سورة ص

الإسلام > القرآن > سور > سورة 38 ص > الآية ٨٦ من سورة ص

قُلْ مَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍۢ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ٨٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٦ من سورة ص: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٦ من سورة ص عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا ( وما أنا من المتكلفين ) أي : وما أزيد على ما أرسلني الله به ، ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه وإنما أبتغي بذلك وجه الله - عز وجل - والدار الآخرة .

قال سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق قال : أتينا عبد الله بن مسعود قال : يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لا يعلم فليقل : الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم : الله أعلم فإن الله قال لنبيكم - صلى الله عليه وسلم - : ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) أخرجاه من حديث الأعمش به

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: قل يا محمد لمشركي قومك, القائلين لك أَؤُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا : ما أسألكم على هذا الذكر وهو القرآن الذي أتيتكم به من عند الله أجرًا, يعني ثوابًا وجزاء ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) يقول: وما أنا ممن يتكلف تخرصه وافتراءه, فتقولون: إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ و إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ .

كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) قال: لا أسألكم على القرآن أجرا تعطوني شيئا, وما أنا من المتكلفين أتخرّص وأتكلف ما لم يأمرني الله به.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍأي من جعل على تبليغ الوحي وكنى به عن غير مذكور .وقيل هو راجع إلى قوله : " أأنزل عليه الذكر من بيننا " [ ص : 8 ] .وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَأي لا أتكلف ولا أتخرص ما لم أومر به .وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : من سئل عما لم يعلم فليقل لا أعلم ولا يتكلف ; فإن قوله لا أعلم علم , وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم : " قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين " .وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( للمتكلف ثلاث علامات ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم ) .وروى الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره , فسار ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة له , فقال له عمر : يا صاحب المقراة أولغت السباع الليلة في مقراتك ؟

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا صاحب المقراة لا تخبره هذا متكلف لها ما حملت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور ) .وفي الموطإ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب : أن عمر بن الخطاب خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا , فقال عمرو بن العاص : يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع ؟

فقال عمر : يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا .وقد مضى القول في المياه في سورة [ الفرقان ] .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما بين الرسول للناس الدليل ووضح لهم السبيل قال الله له: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي: على دعائي إياكم { مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَّلِفِينَ } أدعي أمرا ليس لي، وأقفو ما ليس لي به علم، لا أتبع إلا ما يوحى إليَّ.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل ما أسألكم عليه ) على تبليغ الرسالة ( من أجر ) جعل ، ( وما أنا من المتكلفين ) المتقولين القرآن من تلقاء نفسي ، وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه فقد تكلف له .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال : يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ، ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم ، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم : الله أعلم .

قال الله تعالى لنبيه : " قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل ما أسألكم عليه» على تبليغ الرسالة «من أجر» جُعل «وما أنا من المتكلفين» المتقولين القرآن من تلقاء نفسي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين من قومك: لا أطلب منكم أجرًا أو جزاءً على دعوتكم وهدايتكم، ولا أدَّعي أمرًا ليس لي، بل أتبع ما يوحى إليَّ، ولا أتكلف تخرُّصًا وافتراءً.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ، أنه لا يريد من وراء دعوته عرضا زائلا من أعراض الدنيا فقال ( قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين .

إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ .

وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين وغيرهم : إنى لا أسألكم أجرا على تبليغكم ما أمرنى الله بتبليغه إليكم ، وما أنا من الذين يتكلفون ويتصنعون القول أو الفعل الذى لا يحسنونه ، بل أنا رسول من عند الله وصادق فيما أبلغه عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى ختم هذه السورة بهذه الخاتمة الشريفة، وذلك لأنه تعالى ذكر طرقاً كثيرة دالة على وجوب الاحتياط في طلب الدين، ثم قال عند الختم: هذا الذي أدعو الناس إليه يجب أن ينظر في حال الداعي، وفي حال الدعوة ليظهر أنه حق أو باطل.

أما الداعي وهو أنا.

فأنا لا أسألكم على هذه الدعوة أجراً ومالاً، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة، وكان من الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان بعيداً عن الدنيا عديم الرغبة فيها، وأما كيفية الدعوة فقال: وما أنا من المتكلفين، والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً، والذي يغلب على الظن أن المراد أن هذا الذي أدعوكم إليه دين ليس يحتاج في معرفة صحته إلى التكلفات الكثيرة، بل هو دين يشهد صريح العقل بصحته، فإني أدعوكم إلى الإقرار بوجود الله أولاً: ثم أدعوكم ثانياً: إلى تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق به، يقوي ذلك قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ وأمثاله، ثم أدعوكم ثالثاً: إلى الإقرار بكونه موصوفاً بكمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة، ثم أدعوكم رابعاً: إلى الإقرار بكونه منزهاً عن الشركاء والأضداد، ثم أدعوكم خامساً: إلى الإمتناع عن عبادة هذه الأوثان، التي هي جمادات خسيسة ولا منفعة في عبادتها ولا مضرة في الإعراض عنها، ثم أدعوكم سابعاً: إلى الإقرار بالبعث والقيامة: ﴿ لِيَجْزِىَ الذين أَسَاءواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى  ﴾ ثم أدعوكم ثامناً: إلى الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، فهذه الأصول الثمانية، هي الأصول القوية المعتبرة في دين الله تعالى، ودين محمد صلى الله عليه وسلم وبدائه العقول، وأوائل الأفكار شاهدة بصحة هذه الأصول الثمانية، فثبت أني لست من المتكلفين في الشريعة التي أدعو الخلق إليها.

بل كل عقل سليم وطبع مستقيم، فإنه يشهد بصحتها وجلالتها، وبعدها عن الباطل والفساد وهو المراد من قوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين ﴾ ولما بين هذه المقدمات قال: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ ﴾ والمعنى أنكم إن أصررتم على الجهل والتقليد، وأبيتم قبول هذه البيانات التي ذكرناها، فستعلمون بعد حين أنكم كنتم مصيبين في هذا الإعراض أو مخطئين، وذكر مثل هذه الكلمة بعد تلك البيانات المتقدمة مما لا مزيد عليه في التخويف والترهيب، والله أعلم.

قال المصنف رحمة الله عليه: تم تفسير هذه السورة يوم الخميس في آخر الثلاثاء الثاني من شهر ذي القعدة سنة ثلاث وستمائة، والحمد لله على آلائه ونعمائه.

والصلاة على المطهرين من عباده في أرضه وسمائه، والمدح والثناء كما يليق بصفاته وأسمائه، والتعظيم التام لأنبيائه وأوليائه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ الضمير للقرآن أو للوحي ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين ﴾ من الذين يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله، وما عرفتموني قط متصنعاً ولا مدّعياً ما ليس عندي، حتى أنتحل النبوّة وأتقوّل القرآن ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ ﴾ من الله ﴿ للعالمين ﴾ للثقلين.

أوحى إليّ فأنا أبلغه.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم» ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ ﴾ أي: ما يأتيكم عند الموت، أو يوم القيامة، أو عند ظهور الإسلام وفشوه، من صحة خبره، وأنه الحق والصدق.

وفيه تهديد.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة ص كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات وعصمه أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ أوْ تَبْلِيغِ الوَحْيِ.

﴿ وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ ﴾ المُتَّصِفِينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ عَلى ما عَرَفْتُمْ مِن حالِي فَأنْتَحِلُ النُّبُوَّةَ، وأتَقَوَّلُ القُرْآنَ.

﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ ﴾ عِظَةٌ.

﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ لِلثَّقَلَيْنِ.

﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ ﴾ وهو ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أوْ صِدْقَهُ بِإتْيانِ ذَلِكَ.

﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ بَعْدَ المَوْتِ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وفِيهِ تَهْدِيدٌ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ ( ص ) كانَ لَهُ بِوَزْنِ كُلِّ جَبَلٍ سَخَّرَهُ اللَّهُ لِداوُدَ عَشْرُ حَسَناتٍ، وعَصَمَهُ اللَّهُ أنْ يُصِرَّ عَلى ذَنَبٍ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل ما أسألكم عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} الضمير للقرآن أو للوحي {وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين} من الذين يتصنعون ويتحللون بما ليسوا من أهله وما عرفتموني قط متصنعاً ولا مدعياً بما ليس عندي حتى أنتحل النبوة وأتقول القرآن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عَلى تَبْلِيغِ ما يُوحى إلَيَّ، أوْ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى ما قِيلَ، ﴿ مِن أجْرٍ ﴾ أيْ أجْرًا دُنْيَوِيًّا، جَلَّ أوْ قَلَّ، ﴿ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ ﴾ مِنَ الَّذِينَ يَتَصَنَّعُونَ، ويَتَحَلَّوْنَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ وما عَرَفْتُمُونِي قَطُّ مُتَصَنِّعًا، ولا مُدَّعِيًا ما لَيْسَ عِنْدِي حَتّى أنْتَحِلَ النُّبُوَّةَ وأتَقَوَّلَ القُرْآنَ، فَأمَرَهُ  أنْ يَقُولَ لَهم عَنْ نَفْسِهِ هَذِهِ المَقالَةَ لَيْسَ لِإعْلامِهِمْ بِالمَضْمُونِ، بَلْ لِلِاسْتِشْهادِ بِما عَرَفُوهُ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِلتَّذْكِيرِ بِما عَلِمُوهُ، وفي ذَلِكَ ذَمُّ التَّكَلُّفِ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي بَرْزَةَ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ألا أُنَبِّئُكم بِأهْلِ الجَنَّةِ؟

قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: هُمُ الرُّحَماءُ بَيْنَهُمْ، قالَ: ألا أُنَبِّئُكم بِأهْلِ النّارِ؟

قُلْنا: بَلى، قالَ: هُمُ الآيِسُونَ القانِطُونَ الكَذّابُونَ المُتَكَلِّفُونَ“».

وعَلامَةُ المُتَكَلِّفِ كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ المُنْذِرِ ثَلاثٌ: أنْ يُنازِلَ مَن فَوْقَهُ، ويَتَعاطى ما لا يَنالُ، ويَقُولَ ما لا يَعْلَمُ، وفي الصَّحِيحَيْنِ: أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: أيُّها النّاسُ، مَن عَلِمَ مِنكم عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، قالَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ  : ﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنْ يُوحى إِلَيَّ يعني: ما يوحي إليَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِلاَّ أَنا رسول بيّن.

ثم قال عز وجل: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ يعني: آدم فَإِذا سَوَّيْتُهُ يعني: جمعت خلقه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي يعني: وجعلت الروح فيه فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ يعني: اسجدوا له فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ يعني: سجدوا كلهم دفعة واحدة إِلَّا إِبْلِيسَ أبى عن السجود اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ يعني: وصار من الكافرين قالَ يَا إِبْلِيسُ ما منعك يعني: يا خبيث مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ يعني: الذي خلقته بيدي قال بعضهم نؤمن بهذه الآية ونقرؤها، ولا نعرف تفسيرها.

يعني: قوله: بِيَدَيَّ يعني: الذي خلقت بيدي.

وقال بعضهم: تفسيرها كما قال الله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.

ولا نفسر اليد.

ونقول: يد لا كالأيدي.

وهذا قول أهل السنة والجماعة.

وقال بعضهم: نفسرها بما يليق من صفات الله تعالى.

يعني: خلقه بقدرته، وقوته، وإرادته.

فإن قيل: قد خلق الله عز وجل سائر الأشياء بقوته، وقدرته، وإرادته.

فما الفائدة في التخصيص هنا؟

قيل له: قد ذكر اليد في خلق سائر الأشياء أيضاً، وهو قوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [يس: 71] ويقال: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي: بقوتي.

قوة العلم، وقوة القدرة.

ويقال: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أي: بماء السماء، وتراب الأرض، كقوله: آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمران: 59] وكما قال-  -: «خَلَقَ الله تَعَالَى الخَلْقَ مِنْ مَاءٍ» وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن.

وكذلك الأخبار قد جاء فيها أيضاً ما له ظهر وبطن.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «لاَ تَقُولُوا فَلاَنٌ قَبِيح فَإِن الله عز وجل خلق آدم على صورته» .

ومن قال: إن لله تعالى صورة كصورة آدم فهو كافر، ولكن المعنى في الخبر، كما روي عن بعض المتقدمين أنه قال: إن الله تبارك وتعالى اختار من الصور صورة، وخلق آدم-  - بتلك الصورة، فمن ذلك قال: «إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوَرتِهِ» ، أي: على تلك الصورة التي اختارها الله.

روى شبل عن ابن كثير أنه قرأ: بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ موصولة الألف، وقراءة العامة بقطع الألف على الاستفهام، بدليل قوله عز وجل: أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ومن قرأ موصولة، فهو على معنى الوجوب.

وتكون أَمْ بمعنى بل، أَسْتَكْبَرْتَ يعني: تعظمت عن السجود أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ يعني: بل كنت من العالين، من المخالفين لأمري.

قالَ إبليس: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.

قوله عز وجل: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وقد ذكرناه من قبل قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ يقال: معناه قولي الحق.

وأقول: الحق.

قرأ حمزة وعاصم فَالْحَقُّ بالضم القاف.

وقرأ الباقون، واتفقوا في الثاني أنه بالنصب.

فمن قرأ بالضم فمعناه: أنا الحق، والحق أقول.

ويقال: فمعناه: فالحق مني، والحق أقول.

ويقال: معناه فقولنا الحق، وأقول الحق لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ومن قرأ بالنصب فهو على معنى الإغراء.

يعني: الزموا الحق، واتبعوا الحق.

ثم قال: وَالْحَقَّ أَقُولُ يعني: وأقول الحق كقوله عز وجل: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: 122] .

ثم قال عز وجل: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ يعني: من ذريتك، وممن تبعك في دينك.

قُلْ يا محمد ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ يعني: على الذي أتيتكم به من القرآن من أجر، ولكن أعلمكم بغير أجر وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ يعني: ما أتيتكم به من قبل نفسي، وما تكلفته مِن تِلْقَآءِ نفسي، إِنْ هُوَ يعني: ما هذا القرآن إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ يعني: إلا عظة للجن، والإنس، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ يعني: خبر هذا القرآن أنه حق بعد حين.

يعني: بعد الموت.

ويقال: بعد الإسلام.

ويقال: بعد ظهور الإسلام، والله أعلم بالصواب.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: بِيَدَيَّ عبارةٌ عن القُدْرَةِ والقُوَّةِ.

وقوله: أَسْتَكْبَرْتَ: المعنى: أَحَدَثَ لك الاسْتكبارُ الآن أم كنتَ قديماً مِمَّنْ لا يليق أنْ تُكَلَّفَ مِثْلَ هذا لِعَلُوِّ مَكَانِك وهذا على جهة التوبيخ له.

وقوله تعالى: قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ الآية، «الرّجيم» أي: المرجوم بالقول السّيّئ، واللعنةَ: الإبْعَادُ.

وقوله سبحانه: فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ قال مجاهدٌ، المعنى: فالحقُّ أنا «١» ، وقرأ الجمهور: «فالْحَقَّ وَالحَقَّ» بِنَصْبِ الاثْنَيْنِ، فأما الثاني، فمنصوبٌ ب «أقول» وأما الأوَّلُ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلَى الإغْرَاءِ، ويحتملُ أنْ ينتصبَ على القَسَمِ، على إسقاط حرف القسم، كأنه قال: فو الحقّ ثم حَذَفَ الحَرْفَ كَمَا تَقُولُ: اللَّهَ، لأَفْعَلَنَّ، تريدُ واللَّهِ ويقوِّي ذلك قولُه: لَأَمْلَأَنَّ وقد قال سِيبَوَيْهِ: قلتُ للخَلِيلِ: ما معْنَى: «لأَفْعَلَنَّ» إذا جاءتْ مبتدأَةً؟

فقال: هي بتقديرِ قَسَمٍ مَنْوِيٍّ، وقالَتْ فرقةٌ: «الحَقَّ» الأول/ منصوبٌ بفعلِ ومُضمر، وقرأ ابن عباس: «فَالحَقُّ وَالحَقُّ» «٢» برفعِ الاثنين، وقرأ عاصمٌ وحمزة: «فَالحَقُّ» بالرفع، وَ «الحقّ» - بالنصب «٣» -، وهي قراءة مجاهد وغيره «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ ﴾ النَّبَأُ: الخَبَرُ.

وفي المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ أيْ: لا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَتَعْلَمُونَ صِدْقِي في نُبُوَّتِي، وأنَّ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الأخْبارِ عَنِ قِصَصِ الماضِينَ لَمْ أعْلَمْهُ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ.

ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى ﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ ﴿ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ في شَأْنِ آَدَمَ حِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ ؛ والمَعْنى: إنِّي ما عَلِمْتُ هَذا إلّا بِوَحْيٍ، ﴿ إنْ يُوحى إلَيَّ ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ ﴿ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ ﴾ \[أيْ\]: إلّا أنِّي نَبِيٌّ أُنْذِرُكم وأُبَيِّنُ لَكم ما تَأْتُونَهُ وتَجْتَنِبُونَهُ.

﴿ إذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "يَخْتَصِمُونَ"، وإنَّما اعْتَرَضَتْ تِلْكَ الآَيَةُ بَيْنَهُما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اخْتَصَمُوا حِينَ شُووِرُوا في خَلْقِ آَدَمَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، وهَذِهِ الخُصُومَةُ مِنهم إنَّما كانَتْ مُناظَرَةً بَيْنِهِمْ.

وفي مُناظَرَتِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها  ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ مِنهُ وأعْلَمَ، قالَهُ الحَسَنُ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «رَأيْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ، فَقالَ لِي: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟

قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ يا رَبِّ، قالَ: في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، فَأمّا الكَفّاراتُ، فَإسْباغُ الوُضُوءِ في السَّبَراتِ، ونَقْلِ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ.

وأمّا الدَّرَجاتُ، فَإفْشاءُ السَّلامِ، وإطْعامُ الطَّعامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْتَكْبَرْتَ ﴾ أيْ: أسْتَكْبَرَتْ بِنَفْسِكَ حِينَ أبَيْتَ السُّجُودَ ﴿ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ ﴾ أيْ: مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ فَتَكَبَّرْتَ عَنِ السُّجُودِ لِكَوْنِكَ مِن قَوْمٍ يَتَكَبَّرُونَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ أيْ: مَرْجُومٌ بِالذَّمِّ واللَّعْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ ﴾ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأوْلى، وهو حِينَ مَوْتِ الخَلائِقِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾ يَمِينٌ بِمَعْنى: فَوَعِزَّتُكَ.

وما أخْلَلْنا بِهِ في هَذِهِ القِصَّةِ فَهو مَذْكُورٌ في [الأعْرافِ: ١٢] و [الحِجْرِ: ٣٤] وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ إلّا حَسْنُونُ عَنِ هُبَيْرَةَ، وحَمْزَةُ، وخَلْفٌ، وزَيْدٌ عَنِ يَعْقُوبَ: "فالحَقُّ" بِالرَّفْعِ في الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في مَعْناهُ: فَأنا الحَقُّ وأقُولُ الحَقَّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَبَرُ الحَقِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: الحَقُّ مِنِّي.

وقَرَأ مَحْبُوبٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو بِالرَّفْعِ فِيهِما؛ قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفَعَهُما جَمِيعًا، كانَ المَعْنى فَأنا الحَقُّ والحَقُّ أقُولُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: بِالنَّصْبِ فِيهِما.

قالَ الفَرّاءُ: وهو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآَتِيَنَّكَ، ووُجُودُ الألِفِ واللّامِ وطَرْحُهُما سَواءٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: حَمْدًا لِلَّهِ.

وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: انْتَصَبَ الحَقُّ الأوَّلُّ عَلى الإغْراءِ، أيِ: اتَّبِعُوا الحَقَّ، واسْمَعُوا والزَمُوا الحَقَّ.

وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، فَتَنْصِبُ حِينَ حَذَفْتَ الجارَّ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَبِالحَقِّ؛ فَأمّا الحَقُّ الثّانِي، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلَ، وكَرَّرَهُ تَوْكِيدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أقُولُ"، كَأنَّهُ قالَ: وأقُولُ الحَقَّ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ، ومُعاذٌ القارِئُ، [والأعْمَشُ]: "فالحَقِّ" بِكَسْرِ القافِ "والحَقَّ" بِنَصْبِها.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ [الجَوْنِيُّ] بِكَسْرِ القافَيْنِ جَمِيعًا.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو نَهِيكٍ: "فالحَقَّ" بِالنَّصْبِ "والحَقُّ" بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ وذَرِّيَّتِكَ.

﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ أيْ: عَلى تَبْلِيغِ الوَحْيِ ﴿ وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ ﴾ أيْ: لَمْ أتَكَلَّفْ إتْيانَكم مِن قِبَلِ نَفْسِي، إنَّما أُمِرْتُ أنْ آَتِيَكُمْ، ولَمْ أقُلِ القُرْآَنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، إنَّما أُوحِيَ إلَيَّ.

﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ: ما هُوَ، يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: مَوْعِظَةً ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ .

﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ ﴾ يا مُعاشِرَ الكُفّارِ ﴿ نَبَأهُ ﴾ أيْ: خَبَرَ صِدْقِ القُرْآَنِ ﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ.

والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ يَقُولُ قَتادَةُ، وبِالثّانِي يَقُولُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مَن بَقِيَ إلى أنْ ظَهَرَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ  عَلِمَ ذَلِكَ، ومَن ماتَ عِلْمُهُ بَعْدَ المَوْتِ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ القائِلُ هو إبْلِيسُ، أقْسَمَ بِعِزَّةِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ عَدُوٌّ اللهِ أنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ عِزَّةٌ فَأقْسَمَ بِعِزَّةِ اللهِ أنَّهُ يُغْوِي ذُرِّيَّةَ آدَمَ أجْمَعَ، إلّا مَن أخْلَصَهُ اللهُ لِلْإيمانِ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اسْتِثْناءُ الأقَلِّ عَنِ الأكْثَرِ، عَلى بابِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ أقَلُّ مِنَ الكَفَرَةِ بِكَثِيرٍ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ بَعْثِ النارِ وغَيْرِهِ، وجَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُسْتَثْنى الكَثِيرُ مِنَ الجُمْلَةِ ويُتْرَكَ الأقَلُّ عَلى الحُكْمِ الأوَّلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ  ﴾ وقالَ مَن ناقَضَهُمُ: العِبادُ هُنا يَعُمُّ البَشَرَ والمَلائِكَةَ، فَبَقِيَ الِاسْتِثْناءُ عَلى بابِهِ في أنَّ الأقَلَّ هو المُسْتَثْنى.

وفَتْحُ اللامِ وكَسْرُها في "المُخْلَصِينَ" تَقَدَّمَ.

والقائِلُ: ﴿ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ هو اللهُ تَعالى، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: فالحَقُّ أنا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالنَصْبِ في الِاثْنَيْنِ، فَأمّا الثانِي فَمَنصُوبٌ بِـ"أقُولُ"، وأمّا الأوَّلُ فَيَحْتَمِلُ الإغْراءَ، أوِ القَسَمَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَوَ الحَقِّ"، ثُمَّ حُذِفَ الحَرْفُ، كَما تَقُولُ: "اللهَ لَأفْعَلَنَّ"، تُرِيدُ: واللهِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَأمْلَأنَّ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: قُلْتُ لِلْخَلِيلِ: ما مَعْنى "لَأفْعَلَنَّ" إذا جاءَتْ مُبْتَدَأً؟

فَقالَ: هي بِتَقْدِيرِ قَسَمٍ مَنوِيٍّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ بِرَفْعِ الِاثْنَيْنِ، فَأمّا الأوَّلُ فَبِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: "لَأمْلَأنَّ"؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ، وأمّا الثانِي فَيُرْفَعُ عَلى الِابْتِداءِ أيْضًا.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِالرَفْعِ في الأوَّلِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والأعْمَشِ، وأبانَ بْنِ تَغْلِبٍ، وإعْرابُ هَذِهِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فالحَقِّ والحَقِّ" بِخَفْضِ القافِ فِيهِما عَلى القَسَمِ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ  أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لَيْسَ بِسائِلِ أجْرٍ ولا مالٍ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَتَكَلَّفُ ما لَمْ يُجْعَلْ إلَيْهِ، ولا يَتَحَلّى بِغَيْرِ ما هو فِيهِ.

وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى  ﴾ ، وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «نادى مُنادِي النَبِيِّ  : "اللهُمَّ اغْفِرْ لِلَّذِينِ لا يَدَّعُونَ ولا يَتَكَلَّفُونَ، ألا إنِّي بَرِيءٌ مِنَ التَكَلُّفِ، وصالِحُو أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ﴾ يُرِيدُ: بِهِ القُرْآنَ، و ﴿ إلا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: تَذْكِرَةٌ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ ، وهَذا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَتَعْلَمُنَّ صِدْقَ نَبَئِهِ بَعْدَ حِينٍ مِن تَوَعُّدِكم.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ إلى أيِّ وقْتٍ أشارَ؟

لِأنَّ "الحِينَ" في اللُغَةِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ مِنَ الوَقْتِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أشارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: في اللُغَةِ أشارَ إلى الآجالِ الَّتِي لَهُمْ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَعْرِفُ الحَقائِقَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ السُدِّيُّ: أشارَ إلى يَوْمِ بَدْرٍ؛ لِأنَّهُ يَوْمٌ عَرَفَ الكُفّارُ فِيهِ صِدْقَ وعِيدِ القُرْآنِ لَهم.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (ص) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا أمر الله رسوله بإبلاغ المواعظ والعبر التي تضمنتها هذه السورة أمره عند انتهائها أن يقرع أسماعهم بهذا الكلام الذي هو كالفذلكة للسورة تنهية لها تسجيلاً عليهم أنه ما جاءهم إلا بما ينفعهم وليس طالباً من ذلك جزاء، أي لو سألهم عليه أجراً لراج اتّهامهم إياه بالكذب لنفع نفسه، فلما انتفى ذلك وجب أن ينتفي توهم اتهامه بالكذب لأن وازع العقل يصرف صاحبه على أن يكذب لغير نفع يرجوه لِنفسه.

والمعنى عموم نفي سؤالِه الأجرَ منهم من يوم بعث إلى وقت نزول هذه الآية وهو قياس استقراء لأنهم إذا استقرَوْا أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما مضى وجدوا انتفاء سؤاله أجراً أمراً عاماً بالاستقراء التام الحاصل من جميع أفراد المشركين في جميع مخالطاتهم إياه، فهو أمر متواتر بينهم فهذا إبطال لقولهم ﴿ كذاب ﴾ [ص: 4] المحكي عنهم في أول السورة وإقامة الحجة على صدق رسالته كما سيجيء.

وضمير ﴿ عَلَيْهِ ﴾ عائد إلى القرآن المعلوم من المقام فإن مبدأ السورة قوله ﴿ والقراننِ ذي الذِكرِ ﴾ [ص: 1] فهذا من رد العجز على المصدر.

وعطف ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ أفاد انتفاء جميع التكلف عن النبي صلى الله عليه وسلم والتكلف: معالجة الكلفة، وهي ما يشقّ على المرء عمله والتزامه لكونه يحرجه أو يشق عليه، ومادة التفعل تدل على معالجة ما ليس بسهل، فالمتكلف هو الذي يتطلب ما ليس له أو يدعي علم ما لا يعلمه.

فالمعنى هنا: ما أنا بمُدَّع النبوءة باطلاً من غير أن يوحى إليّ وهو رد لقولهم: ﴿ كذاب ﴾ [ص: 4] وبذلك كان كالنتيجة لقوله: ﴿ ما أسألكم عليه من أجْرٍ ﴾ لأن المتكلف شيئاً إنما يطلب من تكلُّفِه نفعاً، فالمعنى: وما أنا ممن يدعون ما ليس لهم.

ومنه حديث الدارقطني عن ابن عمر قال: خرج رسول الله في بعض أسفاره فمرّ على رجل جالس عند مقراة له (أي حوض ماء)، فقال عُمر: يا صاحبَ المَقراة أَوَلَغَتْ السباع الليلة في مَقراتك؟

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا صاحب المَقراة لا تخبره، هذا متكلف لها مَا حملتْ في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور.

وفي «الصحيحين» عن ابن مسعود أنه قال: «يا أيها الناس من علِم منكم علماً فليقل به ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، قال الله لرسوله: ﴿ قُلْ ما أسألُكُم عليهِ من أجْرٍ وما أنا مِن المتكلفين ﴾ .

وأخذ من قوله: ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ أن ما جاء به من الدين لا تكلف فيه، أي لا مشقة في تكاليفه وهو معنى سماحة الإِسلام، وهذا استرواح مبني على أن من حكمة الله أن يجعل بين طبع الرسول صلى الله عليه وسلم وبين روح شريعته تناسباً ليكون إقباله على تنفيذ شرعه بِشَرَاشِره لأن ذلك أنفى للحرج عنه في القيام بتنفيذ ما أمر به.

وتركيب ﴿ ما أنا من المتكلفين ﴾ أشدّ في نفي التكلّف من أن يقول: ما أنا بمتكلف، كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ في سورة البقرة (67.

(وجملة ﴿ إن هُو إلا ذِكرٌ للعالمين ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ وما أنا منَ المتكلفين ﴾ اشتمال نفي الشيء على ثبوت ضده، فلما نفَى بقوله: ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ أن يكون تَقَوَّل القرآن على الله، ثبت من ذلك أن القرآن ذكرٌ للناس ذكّرهم الله به، أي ليس هو بالأساطير أو الترهات.

ولك أن تجعلها تذييلاً إذ لا منافاة بينهما هنا.

وهذا الإِخبار عن موقع القرآن لدى جميع أمة الدعوة لا خصوص المشركين الذين كان في مجادلتهم لأنه لما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرجو من معانديه أجراً.

وثبت بذلك أنه ليس بمتقول ما لم يُوحَ إليه انتقل إلى إثبات أن القرآن ذكر للناس قاطبة فيدخل في ذلك مشركو أهل مكة وغيرهم من الناس، فكأنه قيل يستغني الله عنكم بأقواممٍ آخرين كما قال تعالى: ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ﴾ [الزمر: 7].

وعموم العالمين يكسب الجملة معنى التذييل للجملتين قبلها.

والقصر الذي اشتملت عليه جملة ﴿ إن هو إلا ذِكرٌ للعالمين ﴾ قصر قلب إضافي، أي هو ذكر لا أساطير ولا سِحر ولا شعر ولا غير ذلك للردّ على المشركين ما وسَموا به القرآن من غير صفاته الحقيقية.

وجملة ﴿ ولتعلمن نبأهُ بعد حينٍ ﴾ عطف على جملة ﴿ إن هُوَ إلا ذِكرٌ للعالمين ﴾ باعتبار ما يشتمل عليه القصر من جانب الإِثبات، أي وستعلمون خبر هذا القرآن بعد زمان علماً جزماً فيزول شكُّكُم فيه، فالكلام إخبار عن المستقبل كما هو مقتضى وجود نون التوكيد.

والنبأ: الخبر، وأصل الخبر: الصدق، أي الموافقة للواقع، فإذا قيل: أتاني نبأُ كذا، فمعناه الخبر عن حاله في الواقع، فإضافة النبأ إلى ما يضاف إليه على معنى اللام إذ معنى اللام هو أصل معاني الإِضافة، قال تعالى: ﴿ وهل أتاك نبأ الخصم ﴾ [ص: 21]، أي ستعلمون صدق وصف هذا القرآن أنه الحق، وهذا كما قال تعالى: ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ [فصلت: 53].

وفُسر النبأ بمعنى المفعول، أي ما أَنبأَ به القرآن من إنذاركم بالعذاب، فهو تهديد.

وكلا الاحتمالين واقع فإن من المخاطبين من عجّل له عذاب السيف يوم بدر، وبقيتهم رأوا ذلك رأي العين منهم مَن علموا دخول الناس في الإِسلام فماتوا بغيظهم ومنهم من شاهدوا فتح مكة وآمنوا، أو رأوا قبائل العرب تدخل في الدين أفواجاً فعلموا نبأ صدق القرآن وما وعد به بعد حين فازدادوا إيماناً.

وحين كلِّ فريق ما مضى عليه من زمن بين هذا الخطاب وبين تحقق الصدق.

والحين: الزمن من ساعة إلى أربعينَ سنة.

فختم الكلام بتسجيل التبليغ وأن فائدة ما أبلغهم لهم لا للنبيء صلى الله عليه وسلم وختم بالمواعدة لوقتتِ يقينهم بنبيئه، وهذا مؤذن بانتهاء الكلام ومراعاة حسن الختام.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِقُوَّتِي، قالَهُ عَلِيُّ بُنُّ عاصِمٍ.

الثّانِي: بِقُدْرَتِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرُ: تَحَمَّلْتُ مِن عَفْراءَ ما لَيْسَ لِي بِهِ ولا لِلْجِبالِ الرّاسِياتِ يَدانِ الثّالِثُ: لِما تَوَلَّيْتُ خَلْقَهُ بِنَفْسِي، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ أسْتَكْبَرْتَ ﴾ أيْ عَنِ الطّاعَةِ أمْ تَعالَيْتَ عَنِ السُّجُودِ؟

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنا الحَقُّ، وأقُولُ الحَقَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الحَقُّ مِنِّي والحَقُّ قَوْلِي، رَواهُ الحَكَمُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ حَقًّا لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومَن تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ ما أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ أجْرًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ما أسْألُكم عَلى ما جِئْتُكم بِهِ مِنَ القُرْآنِ أجْرًا، قالَهُ عَطاءٌ.

﴿ وَما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ لِهَذا القُرْآنِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي.

الثّانِي: وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ لِأنْ آمُرَكم بِما لَمْ أُؤْمَرْ بِهِ.

الثّالِثُ: وما أنا بِالَّذِي أُكَلِّفُكُمُ الأجْرَ وهو مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: نَبَأُ القُرْآنِ أنَّهُ حَقٌّ.

الثّانِي: نَبَأُ مُحَمَّدٍ  أنَّهُ رَسُولٌ.

الثّالِثُ: نَبَأُ الوَعِيدِ أنَّهُ صِدْقٌ.

﴿ بَعْدَ حِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَقالَ الحَسَنُ: يا ابْنَ آدَمَ عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَبْرُ اليَقِينُ.

الثّانِي: يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وعِكْرِمَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: قل يا محمد ﴿ ما أسألكم ﴾ على ما أدعوكم إليه من أجر عرض من الدنيا.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن مسروق رضي الله عنه قال: بينما رجل يحدث في المسجد فقال فيما يقول ﴿ يوم تأتي السماء بدخان ﴾ [ الدخان: 10] يكون يوم القيامة يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام قال: فقمنا حتى دخلنا على عبد الله رضي الله عنه وهو في بيته، فاخبرناه وكان متكئاً فاستوى قاعداً فقال: أيها الناس من علم منكم علما فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم.

قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾ .

وأخرج الديلمي وابن عساكر عن الزبير رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لا ألي من التكلف وصالحو أمتي.

وأخرج أحمد وابن عدي والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن شقيق رضي الله عنه قال: دخلت أنا وصاحب لي على سلمان رضي الله عنه، فقرب إلينا خبزاً وملحاً فقال: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن التكلفت لتكلفت لكم فقال صاحبي لو كان في ملحتنا صعتر، فبعث مطهرته فرهنها فجاء الصعتر، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا.

فقال سلمان رضي الله عنه: لو قنعت ما كانت مطهرتي مرهونة عند البقال.

وأخرج الطبراني والحاكم والبيهقي عن سلمان رضي الله عنه قال: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتكلف للضيف» .

وأخرج البيهقي عن سلمان رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نتكلف للضيف ما ليس عندنا، وأن نقدم ما حضر» .

وأخرج ابن عدي عن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأهل الجنة؟

قلنا بلى يا رسول الله قال: الرحماء بينهم.

ألا أنبئكم بأهل النار؟

قلنا بلى.

قال: هم الآيسون، والقانطون، والكذابون، والمتكلفون» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن المنذر قال: آية المتكلف ثلاث: تكلف فيما لا يعلم، وينازل من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال.

وأخرج ابن سعد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: من علم علماً فليعلمه، ولا يقولن ما ليس له به علم، فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ فالحق والحق أَقُولُ * لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ الضمير في قال هنا: لله تعالى، والحق الأول مقسم به وهو منصوب بفعل مضمر كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴾ ، بالرفع وهو مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر تقديره: الحق يميني، وأما الحق الثاني فهو مفعول بأقول وقوله: ﴿ والحق أَقُولُ ﴾ جملة اعتراض بين القسم وجوابه على وجه التأكيد للقسم ﴿ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين ﴾ أي الذين يتصنعون ويتحيلون بما ليسوا من أهله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ مسني الشيطان ﴾ بسكون الياء: حمزة.

بنصب بضمتين: يزيد،وقرأ يعقوب بفتحتين، وقرأ هبيرة بالفتح والسكون.

والباقون: باضم والسكون ﴿ بخالصة ذكري ﴾ على الإضافة: أبو جعفر ونافع وهشام ﴿ عبدنا إبراهيم ﴾ على التوحيد: ابن كثير وعلى هذا يكون إبراهيم وحده عطف بيان ﴿ ما يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ وغساق ﴾ بالتشديد حيث كان: حمزة وعليّ وخلف وحفص ﴿ أخر ﴾ بضم الهمزة على الجمع: أبو عمرو وسهل ويعقوب والمفضل.

والباقون: بالمد على التوحيد.

﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة والتفخيم مثل ﴿ الأبرار ﴾ غير ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ الأشرار ﴾ بالإمالة ﴿ اتخذناهم ﴾ موصولة والابتداء بكسر الألف: ابو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعلي وخلف.

والآخرون: بفتح الهمزة على الاستفهام ﴿ ما كان لي ﴾ بفتح الياء: حفص ﴿ إلا إنما ﴾ بكسر الهمزة على الحكاية: يزيد ﴿ لعنتي إلى ﴾ بفتح الياء: ابو جعفر ونافع ﴿ فالحق ﴾ بالرفع: حمزة وخلف وعاصم غير المفضل وهبيرة ويعقوب غير رويس.

الوقوف: ﴿ أيوب ﴾ م لا إذا جعل "إذ" بدلاً ﴿ وعذاب ﴾ ه ط لتقدير القول أي فأرسلنا إليه جبريل فقال له اركض ﴿ برجلك ﴾ ج لأن هذا مبتدأ مع أه من تمام القول ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ ولا تحنث ﴾ ط ﴿ صابراً ﴾ ط ﴿ العبد ﴾ ط ﴿ أوّاب ﴾ ه ﴿ والأبصار ﴾ ه ﴿ الدار ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ الأخيار ﴾ ه ﴿ وذا الكفل ﴾ ط ﴿ من الأخيار ﴾ ه ﴿ ذكر ﴾ ه ط ﴿ مآب ﴾ ه لا لأن ﴿ جنات ﴾ بدل أو عطف بيان.

﴿ الأبواب ﴾ ه ج لاحتمال أن عامل ﴿ متكئين ﴾ محذوف أي يتنعمون متكئين وإن جعل حالاً من ﴿ مفتحة ﴾ فهي مقدّرة لأن الاتكاء لا يكون في حال فتح الأبواب ﴿ وشراب ﴾ ه ﴿ أتراب ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ من نفاد ﴾ ه ج ﴿ هذا ﴾ ط أي هذا بيان جزاء المتقين أو الأمر هذا ﴿ مآب ﴾ ه لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ يصلونها ﴾ ج ﴿ المهاد ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ لا لأن خبره ﴿ حميم ﴾ فقوله ﴿ فليذوقوه ﴾ اعتراض ﴿ وغساق ﴾ ه لا للعطف ﴿ أزواج ﴾ ه ط ﴿ معكم ﴾ ج لاتصال المعنى مع الابتداء بما في معنى الدعاء ﴿ بهم ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ج ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأشرار ﴾ ه ط لمن قرأ بكسر الهمزة لاحتمال إضمار همزة الاستفهام واحتمال كونها خبرية صفة أو حالاً ومن صرح بالاستفهام فوقفه مطلق ﴿ الأبصار ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح بدلاً وخبراً لمحذوف أي هو الغفار ﴿ عظيم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ طين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ أجمعون ﴾ ه لا ﴿ إبليس ﴾ ط ﴿ الكافروين ﴾ ه ﴿ بيديّ ﴾ ط للاستفهام ﴿ العالين ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ط لأن ما بعده جواب سؤال كأنه علل الخيرية ﴿ طين ﴾ ه ﴿ رجيم ﴾ ه ج والوصل أولى لاتصال لعنتي به ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ يبعثون ﴾ ه ﴿ المنظرين ﴾ ه لا لتعلق إلى ﴿ المعلوم ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه للاستثناء ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ فالحق ﴾ ز على قراءة الرفع أي فهذا الحق مع اتحاد المقول ﴿ أقول ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده قسم مستأنف أو بدل من قوله ﴿ والحق ﴾ .

﴿ أجمعين ﴾ ه ج ﴿ المتكلفين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: وجه النظم كأنه  يقول: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر مالاً أو جاهاً من داود وسليمان، ولم يكن أكثر بلاء ومحنة من أيوب، ومع ذلك لم يبق حالهما وحاله على نسق واحد، فالصبر مفتاح الفرج.

﴿ وأيوب ﴾ عطف بيان و "إذ" معمول فعل آخر أو بدل اشتمال من أيوب أي زمان بلائه وكان معاصراً ليعقوب، وامرأته ليا بنت يعقوب، ونداؤه دعاؤه والجار محذوف أي دعاه بأني مسني على الحكاية وإلا لقال بأنه مسه والنصب والنصيب كالرشد والرشد، والنصب بالفتح والسكون على أصل المصدر، وضمة الصاد لا تباع النون كقفل وقفل.

ومعنى الكل التعب والمشقة.

قيل: الضر في البدن والعذاب في ذهاب المال والأهل وللناس في بلائه قولان: الأول أن الذي نزل به كان من الشيطان وقد مرّ تقريره في "الأنبياء" ومجمله ما روي أن إبليس سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني؟

فقال: نعم، عبدي أيوب.

قال: فسلطني على ماله فكان يجيئه ويقول: هلك من مالك كذا فيقول: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله.

فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على ولده.

فجاء وزلزل الدار فهلك أولاده بالكلية فجاء وأخبره به فلم يلتفت إليه فقال: يا رب إنه لا يبالي بماله وولده فسلطني على جسده فأذن فيه، فنفخ في جلد ايوب وحدثت أسقام عظيمة وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سبع سنين أو ثمان عشرة، وصار بحيث استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته وقال: إن استعاذ بي زوجك خلصته من هذا البلاء فاشارت غلى أيوب بذلك فغضب لذلك - أو لوجوه أخر سبق ذكرها في سورة الأنبياء - وحلف إن عافه الله ليجلدنها مائة جلدة وعند ذلك دعا ربه شاكياً إليه لا منه كقول يعقوب ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله  ﴾ فأجاب دعاءه وأوحى إليه ﴿ اركض ﴾ أي اضرب ﴿ برجلك ﴾ الأرض.

عن قتادة: هي أرض الجابية من قرى الشام.

فأظهر الله  من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه وردّ عليه أهله وماله.

القول الثاني: إن الشيطان لا قدرة له على إيقاع الناس في الأمراض والآفات وإلا لوقع في العالم مفاسد ولم يدع صالحاً إلا نكبه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة.

فالمراد بمس الشيطان هو الأحزان الحاصلة في قلبه بسبب وساوسه من تعظيم ما نزل به من البلاء وإغرائه على الجزع والقنوط من روح الله إلى غير ذلك مما مر ذكره في سورة الأنبياء.

ولناصر القول الأول أن يقول: سلمنا أن الشيطان باستقلاله لا يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر على المفاسد ولكنه لم لا يجوز أن يقدر بعد الالتماس والتسليط؟.

ولنعد إلى تفسير ما يختص بالمقام.

قوله ﴿ مغتسل بارد ﴾ أي هذا مكان يغتسل فيه أي بمائة ويشرب منه، والظاهر أنها كانت عيناً واحدة عذبة باردة، وروى بعضهم أنه نبعت عينان ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها فبرأ ظاهره، وضرب رجله اليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها فزال ما في بطنه من القروح.

وزعم أن تقدير الكلام هذا مغتسل وشراب بارد.

وقوله ﴿ ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ﴾ قيل: أحياهم الله بأعيانهم وزاد مثلهم من أولاده.

وقيل: من أولاد أولاده.

وقيل: كانوا قد غابوا عنه وتفرقوا فجمع الله شملهم.

وقيل: كانوا مرضى فشفاهم الله والأول أصح.

وقوله ﴿ رحمة منا وذكرى ﴾ مفعول لهما فكانت الهبة رحمة له وتذكيراً لذوي العقول حتى لو ابتلوا بما ابتلي به صبروا كما صبر فيفوزوا كما فاز.

وإنما لم يقل ههنا ﴿ رحمة من عندنا  ﴾ مع أنه أبلغ اكتفاء بما مر في سورة الأنبياء وفي قوله ﴿ وذكرى لأولي الألباب ﴾ مع قوله في "الأنبياء" ﴿ وذكرى للعابدين  ﴾ إشارة إلى أن ذا اللب هو الذي يعبد الله.

وتخصص كل من السورتين بما خص لرعاية الفاصلة قوله ﴿ وخذ ﴾ معطوف على ﴿ اركض ﴾ والضغث الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو سنبلة.

قال مجاهد: هو لأيوب خاصة.

وعن قتادة: هو عام في هذه الأمة.

والصحيح أنه باق في المريض والمعذور لما روي أن النبي  أتى بمخدج وقد زنى بأمة فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها ضربة حلل الله يمين أيوب بأهون شيء عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها.

ومعنى ﴿ وجدناه صابراً ﴾ علمنا منه الصبر.

وههنا نكتة ذكرها بعض أرباب القلوب وهي أنه لما نزل في حق سليمان ﴿ نعم العبد ﴾ تارة وفي حق أيوب أخرى، اغتم أمة محمد  وقالوا: هذا تشريف عظيم فإن كان سببه اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان فنحن لا نقدر عليه، وإن كان سببه تحمل بلاء مثل بلاء أيوب فنحن لا نطيقه، فكيف السبيل إلى تحصيله؟

فأنزل الله  قوله ﴿ فنعم المولى ونعم النصير  ﴾ والمراد أنك إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى، فإن كان منك الفضول فمني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني النصرة والتوفيق.

قلت: وصف أنبياء سائر الأمم بقوله ﴿ نعم العبد ﴾ ووصف هذه الأمة بقوله ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ فلا تشريف فوق هذا ثم أجمل ذكر طائفة من مشاهير الأنبياء.

ومعنى ﴿ أولي الأيدي والأبصار ﴾ أولي العمل والعلم لأن اليد آلة لأكثر الأعمال، والبصر آلة لأقوى الإِدراكات، فحسن التعبير عن العمل باليد، وعن الإدراك بالبصر، وفيه تعريض بأن الذين لا يعملون أعمال الآخرة ولا يتفكرون أفكار ذوي العقول والرعفان فهم في حكم الزمنى والعميان، ولولا قرينة الأبصار لكان يحتمل أن الأيدي جمع اليد النعمة.

قوله ﴿ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار ﴾ الخالصة صفة أو مصدر كالعاقبة، والدار ظرف فهي الدنيا، أو مفعول به فهي الآخرة.

والمعنى جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة لا شوب فيها وهي ذكراهم الجنة بحيث لا يشوبون ذكرها بشيء من هموم الدنيا، أو هي تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها، أو بسبب خلوص ذكرى الجنة، أو بما خلص من ذكراها، أو جعلناهم مختصين بخلة صافية عن المنقصات وهي الثناء الحسن في الدنيا ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم.

و ﴿ المصطفين ﴾ جمع مصطفى وأصله مصطفين لأنه في حالة الجر بالياء قلبت الياء المتحركة ألفاً ثم حذفت، أراد اخترناهم من بين أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في ميت أو موت ﴿ إسماعيل واليسع وذا الكفل ﴾ وقد مر ذكرهم في سورة الأنبياء.

وحين تمم ذكر الصالحين وما لقي كل منهم من أنواع الابتلاء تثبيتاً لنبيه  وهو باب من أبواب التنزيل ونوع من أنواع القرآن، أراد أن يذكر على عقيبه باباً آخر وهو ذكر جزاء المتقين والطاغين قال ﴿ هذا ذكر ﴾ ثم قال ﴿ وإن للمتقين ﴾ كما يقول المصنف: إذا فرغ من فصل من كتابه هذا باب ثم يشرع في باب آخر.

ويحتمل أن يكون من تتمة صفات الأنبياء أي هذا الذي قصصنا عليك من أحوال هؤلاء الأنبياء شرف وذكر جميل يذكرون به أبداً.

قوله ﴿ مفتحة ﴾ حال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل.

قال الزجاج ﴿ الأبواب ﴾ فاعل ﴿ مفتحة ﴾ والعائد محذوف أي الأبواب منها.

وقال غيره.

في ﴿ مفتحة ﴾ ضمير الجنات ﴿ والأبواب ﴾ بدل الاشتمال من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب نظيره في بدل البعض "ضرب زيد اليد والرجل" فكان اللام عوضاً من الضمير الراجع.

والمعنى أن الملائكة الموكلين بالجنات إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام فلا يحتاجون إلى تحصيل مفاتيح ومعاناة الفتح.

وقيل: أراد به وصف تلك المساكين بالسعة وجولان الطرف فيها من غير حائل.

وقوله ﴿ متكئين ﴾ حال مقدرة متداخلة كما مر أو حال بعد حال أو عامله مؤخر وهو ﴿ يدعون ﴾ أي يتحكمون في ثمارها وشرابها فإذا قالوا لشيء منها أقبل حصل عندهم.

وقيل: يتمنون وقيل: يسألون.

قال المفسرون: أراد وشراب كثير فحذف اكتفاء بالأول.

وحين بين أمر المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح.

وقاصرات الطرف قد مر في "الصافات" أنهن اللواتي قصرن الطرف عن الإلتفات إلى غير أزواجهن.

والأتراب جمع ترب وهي اللدة.

واشتقاقها قيل من اللعب بالتراب، وقيل لأن التراب مسهن في وقت واحد.

والسبب في اعتبار هذا الوصف أن التحاب بين الأقران أثبت.

وقيل: هن وأزواجهن واحدة في الأسنان.

وقيل: أراد أنهن شواب لا عجوز ولا صبية.

ويروى أنهن بنات ثلاث وثلاثين.

ومعنى ﴿ ليوم الحساب ﴾ قيل: لأجل الحساب لأن الحساب على الوصول إلى جزاء العمل.

والظاهر أن اللام للوقت أي ما وعدتم تعطونه في يوم الحساب.

﴿ إن هذا لرزقنا ماله من نفاد ﴾ انقطاع ونهاية ولا مزيد فوق ذلك فتمام النعم بدوامها.

ثم بين أن حال الطاغين مضادّة لحال المتقين وأكثر المفسرين حملوا الطغيان ههنا على الكفر لأنه  يحكي عنهم أنهم قالوا اتخذناهم سخرياً، والفاسق لا يتخذ المؤمن هزواً لأن الطاغي اسم ذم، والاسم المطلق محمول على الكامل والكامل في الطغيان هو الكافر، ويؤيده قول ابن عباس: المعنى إن الذين طغوا عليّ وكذبوا رسلي لهم شر مصير.

وحمله الجبائي على أصحاب الكبائر من أهل الإيمان وغيرهم لأن كل من تجاوز عن تكاليف الله فقد طغا، ومنه قوله  ﴿ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى  ﴾ والمهاد الفراش وقد مر مراراً.

وقوله ﴿ هذا ﴾ قد مر بعض إعرابه في الوقوف، ويحتمل أن يراد العذاب هذا ثم ابتدأ فقال هو حميم أو منه ﴿ حميم ﴾ ومنه ﴿ غساق ﴾ أو ﴿ هذا فليذوقوه ﴾ معناه ليذوقوا هذا فليذوقوه كقوله ﴿ فإِياي فارهبون  ﴾ وقيل: ﴿ حميم ﴾ مبتدأ و ﴿ هذا ﴾ خبره.

والغساق بالتخفيف والتشديد ما يغسق من صديد أهل النار.

يقال: غسقت العين إذا سال دمعها.

وذكر الأزهري أن الغاسق البارد ولهذا قيل الليل الغاسق لأنه أبرد من النهار.

فالحميم يحرق بحرّه، والغساق يحرق ببرده.

وقال الزجاج: إنه المنتن لو قطرت منه قطرة في المغرب لنتنت أهل المشرق يؤيده قول ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجتمع فيسقونه.

وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذي سم من عقرب وحية.

وعن الحسن: هو عذاب لا يعلمه إلا الله.

إن الناس أخفوا الله طاعة فأخفى لهم ثواباً في قوله ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ وأخفوا معصية فأخفى لهم عقوبة: ﴿ وآخر من شكله ﴾ أي ومذوقات أخر أو عذاب أو مذوق آخر من جنس هذا المذوق.

و ﴿ أزواج ﴾ أي أجناس أو مقترنات صفة الآخر لأنه جاز أن يكن مختلفات أو صفة للثلاثة المذكورة وهي حميم وغساق وشيء آخر من شكله، والمجموع خبر هذا أو خبر هو.

وحين وصف مسكن الطاغين ومأكولهم ومشروبهم حكى أحوالهم مع الذين كانوا يعدونهم أحباءهم في الدنيا ثم مع الذين كانوا يعدونهم أعداءهم.

أما الأوّل فقوله ﴿ هذا ﴾ اي يقول الطاغون بعضهم مع بعض وذلك إذا دخلت أمة ثم دخل آخرون.

والفوج الأوّل الرؤساء والثاني الأتباع.

وقيل: الأول إبليس وبنوه والثاني أبناء آدم هذا ﴿ فوج ﴾ اي جمع كثيف دخل النار في صحبتكم.

والاقتحام الدخول في الشدة أرادوا أن أتباعهم اقتحموا معهم العذاب كما اقتحموا معهم الضلال.

وقوله ﴿ لا مرحباً بهم ﴾ دعاء منهم على أتباعهم و ﴿ مرحباً ﴾ نصب على أنه مفعول به أو مصدر أي أتيت رحباً لا ضيقاً، أو رحبت بلادك رحباً فإذا دخل عليه لا صار دعاء السوء وبهم بيان للمدعو عيلهم.

وقوله ﴿ إنهم صالوا النار ﴾ تعليل لاستيجابهم اللعن.

قيل: إنما قالوا ذلك ولم يصدر من الأتباع ذنب في حق من قبلهم لأن النار تكون مملوءة منهم، أو لأن عذابهم يضاعف بسببهم.

وقيل: هو إخبار لا دعاء أي وقد وردوا مورداً لا رحب فيه ولا سعة.

وقيل ﴿ هذا فوج مقتحم معكم ﴾ كلام الخزنة لرؤساء الكفرة فما بين أتباعهم.

وقيل: هذا كله كلام الخزنة ﴿ قالوا ﴾ أي الأتباع.

﴿ بل أنتم لا مرحباً بكم ﴾ أي الدعاء الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به وعللوا ذلك بقولهم ﴿ أنتم قدمتموه لنا ﴾ والضمير لما هم فيه من العذاب أو الصلي أي كنتم السبب في العمل الذي هو جزاؤه فجمعوا بين مجازين، لأن الأتباع هم الذين عملوا عمل السوء لا رَؤساؤهم والعمل هو المقدّم لا جزاؤه.

ومن جعل قوله ﴿ لا مرحباً ﴾ بهم من كلام الخزنة، زعم أن تقدير الكلام هذا الذي دعا به علينا الخزنة أنتم يا رؤساء أحق به منا لإغوائكم إيانا وتسببكم لما نحن فيه.

﴿ فبئس القرار ﴾ أي المستقر النار ﴿ قالوا ﴾ أي الفوج وهو كالبدل من ﴿ قالوا ﴾ الأوّل والضعف المضاعف كما مر في "الأعراف" وأما الثاني فقوله ﴿ ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدّهم من الأشرار ﴾ أي في اعتقادنا لأن دينهم على خلاف ديننا، أو أرادوا أنهم أراذل لا خير فيهم يعنون فقراء المسلمين.

وعن بعضهم أن القائلين صناديد قريش كأبي جهل والوليد وأضرابهما والرجال عمار وبلال وصهيب وأمثالهم.

من قرأ ﴿ أتخذناهم ﴾ بفتح الهمزة فعلى أنه إنكار منهم على أنفسهم وتأنيب لها بالاستسخار منهم، وكذا فيمن قرأ ﴿ اتخذناهم ﴾ بكسر الهمزة ويقدر همزة الاستفهام محذوفة، ومن جعلها صفة أو حالاً فلا إشكال وحينئذ يتصل ﴿ أم زاغت ﴾ بقوله ﴿ ما لنا لا نرى ﴾ أي الرجال الموصوفين في النار كأنهم ليسوا فيها بل أزاغت عنهم أبصارنا وخفي علينا مكانهم فلا نراهم وهم فيها.

فأم منقطعة وكذا إن اتصل بقوله ﴿ اتخذناهم ﴾ على الاستفهام لأن الأول للإِنكار، والثاني للاستخبار.

ويجوز أن يكون "أم" متصلة وكلاهما للإِنكار.

ومعنى زيغ الأبصار ازدراؤهم وتحقيرهم يؤيده قول الحسن، كل ذلك قد فعلوا اتخذوهم سخرياً وزاغت عنهم أبصارهم محقرة لهم واللام في الأبصار عوض من الضمير أي أبصارنا ﴿ إن ذلك ﴾ الذي حكينا عنهم ﴿ لحق ﴾ لا بد لهم من وقوعه لأنهم مالوا إلى عالم التضاد فيحشرون كذلك.

ثم بين ما هو فقال هو ﴿ تخاصم أهل النار ﴾ لأن التلاعن والتشاتم نوع من أنواع الخصومة.

واعلم أنه  لما بدأ في أول السورة بأن محمداً يدعو إلى التوحيد وأن الكفار يستهزؤن منه وينسبونه إلى السخرية تارة وإلى الكذب أخرى.

ثم ذكر طرفاً من قصص الأنبياء عليهم السلام ليعلم أن الدنيا دار تكليف وبلاء لا دار إقامة وبقاء.

ثم عقبه بشرح نعيم الأبرار وعقاب الأشرار، عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أوّل السورة وهي صحة نبوّة محمد  وصدق ما يدعو إليه من التوحيد والإخلاص فقال ﴿ قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد ﴾ من جميع الوجوه ﴿ القهار ﴾ لما دونه ثم أردف القهر باللطف والتربية قائلاً ﴿ رب السموات والأرض وما بينهما ﴾ ثم أكد صفتي القهر واللطف بقوله ﴿ العزيز الغفار ﴾ فمن عزته أدخل أهل الاستكبار النار ولمغفرته أعدّ الجنة لأهل الاستغفار.

قوله ﴿ قل هو نبأ عظيم ﴾ أي القول بأن الله واحد نبأ عظيم أو القول بالنبوّة أو بإثبات الحشر والقيامة، وذلك لأن هذه المطالب كانت مذكورة في أوّل السورة ولأجلها سيق الكلام منجراً إلى ههنا.

ويحتمل أن يراد ﴿ كتاب أنزلناه ﴾ فيه نبأ عظيم وهؤلاء الأقوام أعرضوا عن كل من هذه الأمور.

ثم بين أنه حاصل من قبل الوحي بقوله ﴿ ما كان لي من علم بالملأ الأعلى ﴾ وهم الملائكة ﴿ إذ يختصمون ﴾ أي يتقاولون فيما بينهم بالوحي.

والظرف متعلق بمحذوف أي بكلامهم وقت اختصامهم، شبه التقاول بالتخاصم من حيث إن في كل منهما سؤالاً وجواباً والمشابهة علة لجواز المجاز.

ثم صرح بما عليه مدار الوحي قائلاً ﴿ إن يوحى إليّ إلا أنما أنا نذير مبين ﴾ أي ما يوحى إليّ إلا هذا وهو إني نذير كامل في باب التبليغ، ويؤيده قراءة كسر ﴿ إنما ﴾ .

وقيل: إن الجار محذوف أي لم يوح إليّ إلا لأن أنذر ولا أقصر.

روى ابن عباس عن النبي  "أتاني الليل آت من ربي وفي رواية ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد.

قلت: لبيك ربي وسعديك.

قال: هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: لا أعلم.

قال: فوضع يده بين كتفيّ حتى وجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات وما في الأرض.

قال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟

قلت: نعم، في الدرجات والكفارات ونقل الأقدام إلى الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات المكروهات أي في البرد الشديد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ومن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه" الحديث.

قال: والدرجات إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام.

واعلم أن أشراف قريش إنما نازعوا محمداً  بسبب الحسد والكبر فختم الله  السورة بذكر قصة آدم وما وقع فيه إبليس من الرجم واللعن حين حسد آدم واستكبر ليصير سماع القصة زاجراً للمكلفين عن هاتين الخصلتين، فعلى هذا يكون ﴿ إذ قال ﴾ معمولاً لمحذوف اي اذكر وقت قول ربك للملائكة.

وقيل: النبأ العظيم قصص آدم والإنباء به من غير سماع من أحد.

وعلى هذا فالضمير عائد إلى ما ذكره عما قريب.

والمعنى ما أحكيه خبر له شأن لأنه مستفاد من الوحي.

وقوله ﴿ إذ قال ﴾ بدل من ﴿ إذ يختصمون ﴾ والملأ الأعلى اصحاب القصة الملائكة وآدم وإبليس لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ كأنهم قالوا: هؤلاء فيما بينهم.

ثم خاطبوا بها الله  فلا يلزم أن يكون الله  من الملأ الأعلى ويثبت له مكان.

أو نقول: المراد علو الرتبة والشرف فيشمل تقاول الله وملائكته.

وقال جار الله: كانت مقاولة الله  بواسطة ملك فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط.

وقصة آدم مذكورة في "البقرة" وفي غيرها مشروحة.

والتي في هذه السورة يوافق أكثرها ما في الحجر فلا فائدة في إعادتها فلنذكر ما يختص بالمقام قوله ﴿ خلقت بيديّ ﴾ كلام المجسمة فيه ظاهر وغيرهم حملوه على وجوه منها: أن اليد عبارة عن القدرة يقال ما لي بهذا الأمر يد أي قوّة وطاقة.

ومنها أنها النعمة.

ومنها أنها للتأكيد وليدل على عدم الواسطة كما مر في قوله ﴿ مما عملت أيدينا  ﴾ وقد يقال في حق من جنى بلسانه وإن لم يكن له هذا مما كسبت يداك.

والحق فيه أن السلطان العظيم لا يقدر على عمل شيء بيديه إلا إذا كانت عنايته مصروفة إلى ذلك العمل، فحيث كانت العناية الشديدة من لوازم العمل باليد أمكن جعله مجازاً عنها.

ومنها قول أرباب التأويل إنه إشارة إلى صفتي اللطف والقهر وهما يشملان جميع الصفات فلا مخلوق إلا وهو مظهر لإِحدى الصفتين، كالملك فإنه مظهر اللطف، وكالشيطان فإِنه مظهر القهر إلا الإنسان فإِنه مظهر لكلتيهما وبذلك استحق الخلافة ومسجودية الملائكة ولهذا جاء في الأحاديث القدسية "لا أجعل ذرّية من خلقت بيديّ كمن قلت له كن فكان" قوله ﴿ استكبرت أم كنت من العالين ﴾ أي أطلبت الكبر من غير استحقاق أم كنت ممن علوت وقفت؟

فأجاب بأنه من العالين حيث ﴿ قال أنا خير منه ﴾ وقيل: استكبرت الآن أو لم تزل منذ كنت من المتكبرين.

ومعنى الهمزة التقرير.

قوله ﴿ فالحق ﴾ من قرأ بالرفع فعلى أنه خبر لما مر أو مبتدأ محذوف الخبر مثل ﴿ لعمرك  ﴾ أي فالحق قسمي لأملأن والحق أقوله وهو اعتراض.

ومن نصبهما فعلى أن الثاني تأكيد للأوّل، أو على أن الأوّل للإغراء أي اتبعوا الحق وهو الله  ، أو الحق الذي هو نقيض الباطل.

وقوله ﴿ منك ﴾ أي من جنسك وهم الشياطين ﴿ وممن تبعك منهم ﴾ أي من ذرّية آدم.

و ﴿ أجمعين ﴾ تأكيد للتابعين والمتبوعين.

ثم ختم السورة بما يدل على الاحتياط والاجتهاد في طلب هذا الدين لأن النظر إما إلى الداعي أو إلى المدعو إليه.

أما الداعي فلا يسأل أجراً على ما يدعو إليه وهو القرآن أو الوحي أو النبأ، ومن الظاهر أن الكذاب لا ينقطع طمعه عن طلب المال ألبتة.

وأما المدعو إليه فقوله ﴿ وما أنا من المتكلفين ﴾ الذين ينتحلون ما ليس عندهم ولا دليل لهم على وجوده، بل العقل الصريح يشهد بصحته فإني أدعوكم إلى الإقرار بالله أوّلاً ثم إلى تنزيهه عما لا يليق به ثانياً، ثم إلى وصفه بنعوت الجمال والجلال ثالثاً ومن جملة ذلك التوحيد ونفي الأنداد والأضداد، ثم أدعو إلى تعظيم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة والأنبياء رابعاً، ثم إلى الشفقة على خلق الله خامساً، ثم أدعو إلى الإقرار بالبعث والقيامة سادساً ﴿ ليجزي الذين أَسَاءُواْ بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى  ﴾ فهذه أصول معتبرة في دين الإسلام يشهد بحسنها بداية العقول ويحكم ببعدها عن الباطل كل من يرجع إلى محصول وهو المراد بقوله ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ عن النبي  "للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول مالا يعلم" ﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾ أي خبر حقيقة القرآن وما أدعو إليه بعد حين هو الموت لأن الناس نيام فإِذا ماتوا انتبهوا.

وقيل: هو القيامة.

وقيل: هو حين ظهور الإسلام ولا يخفى ما فيه من التهديد.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ .

هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: لا أسألكم على ما أدعوكم من الشرف والذكر في الدنيا والآخرة من أجر، ولا أجد في الشاهد من يبذل للآخر من الشرف أو الذكر ولا يعطيه ذلك إلا بأجر، فكيف تتركون اتباعي ولا تقبلون ذلك مني؟!

أو يقول: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر، فيمنعكم ثقل ذلك الأجر وذلك الغرم عن إجابتي؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ  ﴾ أي: لست تسألهم أجراً حتى يمنعهم ثقل ذلك الغرم عن الإجابة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: وما أنا ممن تكلف ذلك من تلقاء نفسي، ولا أمرتكم بما آمركم إلا بالوحي، والمتكلف عند الناس في الظاهر: هو الذي يفعل ويقول بلا إذن.

وقال أبو عوسجة: المتكلف: هو الذي يتكلف ما لا يعنيه ويفعل ما لم يؤمر به.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ ، أي: ما أنا من المتحملين مما حملتم إذا خالفتموني، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ .

أي: ما هذا القرآن وهذا النبأ إلا عظة وذكر لمن انتفع به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ ﴾ .

يحتمل نبأ القرآن.

ويحتمل البعث والحساب، أي: يعلمون أن ذلك حق بعد حين.

ثم ذكر - عز وجل - في جهنم أنه يملؤها ولم يذكر في الجنة أنه يملؤها، فجائز أن يكون ما ذكر من الملء هو أن يضيقها عليهم، وفي التضييق زيادة في الألم.

أو أن يكون في سعة الجنة حكمة ولا يكون ذلك في جهنم؛ لأن السعة تطلب للنزهة والانتشار في البساتين وغير ذلك وليس ذلك في جهنم، والله أعلم بالصواب.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على ما أبلغكم من النصح من جزاء، وما أنا من المتكلفين بالإتيان بزيادة على ما أمرت به.

<div class="verse-tafsir" id="91.blaVL"

مزيد من التفاسير لسورة ص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله