الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٤٤ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 61 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( وإنه لذكر لك ولقومك ) قيل : معناه لشرف لك ولقومك ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والسدي ، وابن زيد .
واختاره ابن جرير ، ولم يحك سواه .
وأورد البغوي هاهنا حديث الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن معاوية قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبه الله على وجهه ما أقاموا الدين " .
رواه البخاري .
و [ قيل ] معناه أنه شرف لهم من حيث إنه أنزل بلغتهم ، فهم أفهم الناس له ، فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه ، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخلص من المهاجرين السابقين الأولين ، ومن شابههم وتابعهم .
وقيل : معناه : ( وإنه لذكر لك ولقومك ) أي : لتذكير لك ولقومك ، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم ، كقوله : ( لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون ) [ الأنبياء : 10 ] ، وكقوله : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) [ الشعراء : 214 ] .
( وسوف تسألون ) أي : عن هذا القرآن وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له .
وقوله: ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) يقول تعالى ذكره: وإن هذا القرآن الذي أوحي إليك يا محمد الذي أمرناك أن تستمسك به لشرف لك ولقومك من قريش ( وَسَوْفَ تُسْأَلُون ) يقول: وسوف يسألك ربك وإياهم عما عملتم فيه, وهل عملتم بما أمركم ربكم فيه, وانتهيتم عما نهاكم عنه فيه؟.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثنا معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: قوله: ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) يقول: إن القرآن شرف لك.
حدثني عمرو بن مالك, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) قال: يقول للرجل: من أنت؟
فيقول: من العرب, فيقال: من أيّ العرب؟
فيقول: من قريش.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) وهو هذا القرآن.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) قال: شرف لك ولقومك, يعني القرآن.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) قال: أولم تكن النبوّة والقرآن الذي أنـزل على نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ذكرا له ولقومه.
وإنه لذكر لك ولقومك يعني القرآن شرف لك ولقومك من قريش ، إذ نزل بلغتهم وعلى رجل منهم ، نظيره : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أي : شرفكم .
فالقرآن نزل بلسان قريش وإياهم خاطب ، فاحتاج أهل اللغات كلها إلى لسانهم كل من آمن بذلك فصاروا عيالا عليهم ; لأن أهل كل لغة احتاجوا إلى أن يأخذوه من لغتهم حتى يقفوا على المعنى الذي عني به من الأمر ، والنهي وجميع ما فيه من الأنباء ، فشرفوا بذلك على سائر أهل اللغات ولذلك سمي عربيا .
وقيل : بيان لك ولأمتك فيما بكم إليه حاجة .
وقيل : تذكرة تذكرون به أمر الدين وتعملون به .
وقيل : وإنه لذكر لك ولقومك يعني الخلافة فإنها في قريش لا تكون في غيرهم ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم .
وقال مالك : هو قول الرجل حدثني أبي عن أبيه ، حكاه ابن أبي سلمة عن أبيه عن مالك بن أنس فيما ذكر الماوردي والثعلبي وغيرهما .
قال ابن العربي : ولم أجد في الإسلام هذه المرتبة لأحد إلا ببغداد فإن بني التميمي بها يقولون : حدثني أبي قال حدثني أبي ، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبذلك شرفت أقدارهم ، وعظم الناس شأنهم ، وتهممت الخلافة بهم .
ورأيت بمدينة السلام ابني أبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب أبي الفرج بن عبد العزيز بن الحارث بن الأسد بن الليث بن سليمان بن أسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي وكانا يقولان : سمعنا أبانا رزق الله يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت أبي يقول سمعت علي بن أبي طالب يقول وقد سئل عن الحنان المنان فقال : الحنان الذي يقبل على من أعرض عنه ، والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال .
والقائل سمعت عليا : أكينة بن عبد الله جدهم الأعلى .
والأقوى أن يكون المراد بقوله : وإنه لذكر لك ولقومك يعني القرآن ، فعليه انبنى الكلام وإليه يرجع المصير ، والله أعلم .قال الماوردي : ولقومك فيهم قولان : أحدهما : من اتبعك من أمتك ، قاله قتادة وذكره الثعلبي عن الحسن .
الثاني : لقومك من قريش ، فيقال ممن هذا ؟
فيقال من العرب ، فيقال من أي العرب ؟
فيقال من قريش ، قاله مجاهد .قلت : والصحيح أنه شرف لمن عمل به ، كان من قريش أو من غيرهم .
روى ابن عباس قال : أقبل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - من سرية أو غزاة فدعا فاطمة فقال : يا فاطمة اشتري نفسك من الله [ ص: 87 ] فإني لا أغني عنك من الله شيئا وقال مثل ذلك لنسوته ، وقال مثل ذلك لعترته ، ثم قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : ما بنو هاشم بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون ، ولا قريش بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون ، ولا الأنصار بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون ، ولا الموالي بأولى الناس بأمتي إن أولى الناس بأمتي المتقون .
إنما أنتم من رجل وامرأة وأنتم كجمام الصاع ، ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى .وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لينتهين أقوام يفتخرون بفحم من فحم جهنم أو يكونون شرا عند الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها ، كلكم بنو آدم وآدم من تراب ، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء ؛ الناس مؤمن تقي وفاجر شقي .
خرجهما الطبري .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في الحجرات إن شاء الله تعالى .
( وسوف تسألون ) أي عن الشكر عليه ، قال مقاتل والفراء .
وقال ابن جريج : أي : تسألون أنت ومن معك على ما أتاك .
وقيل : تسألون عما عملتم فيه ، والمعنى متقارب .
{وَإِنَّهُ} أي: هذا القرآن الكريم {لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} أي: فخر لكم، ومنقبة جليلة، ونعمة لا يقادر قدرها، ولا يعرف وصفها، ويذكركم أيضا ما فيه الخير الدنيوي و الأخروي، ويحثكم عليه، ويذكركم الشر ويرهبكم عنه، {وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} عنه، هل قمتم به فارتفعتم وانتفعتم، أم لم تقوموا به فيكون حجة عليكم، وكفرا منكم بهذه النعمة؟
( وإنه ) يعني القرآن ( لذكر لك ) لشرف لك ( ولقومك ) من قريش ، نظيره : " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم " ( الأنبياء 10 ) ، أي شرفكم ( وسوف تسألون ) عن حقه وأداء شكره ، روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك ؟
لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية ، فكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا ؟
قال : لقريش .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا عبد الرحمن بن شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري قال : كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث عن معاوية قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين " .
وقال مجاهد : القوم هم العرب ، فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم ، ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب ، حتى يكون [ الأكثر لقريش ولبني هاشم .
وقيل : " ذكر ذلك " : شرف لك بما أعطاك من الحكمة ، " ولقومك " المؤمنين بما هداهم ] الله به ، وسوف تسألون عن القرآن وعما يلزمكم من القيام بحقه .
«وإنه لذكر» لشرف «لك ولقومك» لنزوله بلغتهم «وسوف تُسألون» عن القيام بحقه.
وإن هذا القرآن لَشرف لك ولقومك من قريش؛ حيث أُنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له، فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به، وأعملهم بمقتضاه، وسوف تُسألون أنت ومَن معك عن الشكر لله عليه والعمل به.
( وَإِنَّهُ ) أى : هذا القرآن ( لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ) أى : لشرف عظيم لك ولشرف عظيم لأهل مكة الذين بعثت فيهم بصفة خاصة ، ولغيرهم ممن آمن بك بصفة عامة كما قال - تعالى - : ( لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ .
.
.
) أى : عزكم وشرفكم .وقوله : ( وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) تحذير من مخالفة ما اشتمل عليه هذا القرآن من أحكام وآداب وتشريعات .أى : وسوف تسألون يوم القيامة عنه ، وعن القيام بحقه ، وعن مقدار تمسككم بأوامره ونواهيه وعن شكركم لله - تعالى - على نحكم لهذه النعمة .
اعلم أنه تعالى لما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم في هذه الآية بالصمم والعمى وما أحسن هذا الترتيب، وذلك لأن الإنسان في أول اشتغاله بطلب الدنيا يكون كمن حصل بعينه رمد ضعيف، ثم كلما كان اشتغاله بتلك الأعمال أكثركان ميله إلى الجسمانيات أشد وإعراضه عن الروحانيات أكمل، لما ثبت في علوم العقل أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة فينتقل الإنسان من الرمد إلى أن يصير أعشى فإذا واظب على تلك الحالة أياماً أخرى انتقل من كونه أعشى إلى كونه أعمى، فهذا ترتيب حسن موافق لما ثبت بالبراهين اليقينية، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا تصميماً على الكفر وتمادياً في الغي، فقال تعالى: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي ﴾ يعني أنهم بلغوا في النفرة عنك وعن دينك إلى حيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالأصم، وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالأعمى، ثم بيّن تعالى أن صممهم وعماهم إنما كان بسبب كونهم في ضلال مبين.
ولما بيّن تعالى أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم قال: ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ﴾ يريد حصول الموت قبل نزول النقمة بهم ﴿ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ﴾ بعدك أو نرينك في حياتك ما وعدناهم من الذل والقتل فإنا مقتدرون على ذلك، واعلم أن هذا الكلام يفيد كمال التسلية للرسول عليه السلام لأنه تعالى بيّن أنهم لا تؤثر فيهم دعوته واليأس إحدى الراحتين، ثم بيّن أنه لابد وأن ينتقم لأجله متهم إما حال حياته أو بعد وفاته، وذلك أيضاً يوجب التسلية، فبعد هذا أمره أن يستمسك بما أمره تعالى، فقال: ﴿ فاستمسك بالذى أُوحِىَ إِلَيْكَ ﴾ بأن تعتقد أنه حق وبأن تعمل بموجبه فإنه الصراط المستقيم الذي لا يميل عنه إلا ضال في الدين.
ولما بيّن تأثير التمسك بهذا الدين في منافع الدين بيّن أيضاً تأثيره في منافع الدنيا فقال: ﴿ وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ أي إنه يوجب الشرف العظيم لك ولقومك حيث يقال إن هذا الكتاب العظيم أنزله الله على رجل من قوم هؤلاء، واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لابد وأن يكون عظيم الرغبة في الثناء الحسن والذكر الجميل، ولو لم يكن الذكر الجميل أمراً مرغوباً فيه لما منَّ الله به على محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ ولما طلبه إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخرين ﴾ ولأن الذكر الجميل قائم مقام الحياة الشريفة، بل الذكر أفضل من الحياة لأن أثر الحياة لا يحصل إلا في مسكن ذلك الحي، أما أثر الذكر الجميل فإنه يحصل في كل مكان وفي كل زمان.
ثم قال تعالى: ﴿ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال الكلبي تسألون هل أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر الجميل الثاني: قال مقاتل المراد أن من كذب به يسأل لم كذبه، فيسأل سؤال توبيخ الثالث: تسألون هل عملتم بما دل عليه من التكاليف، واعلم أن السبب الأقوى في إنكار الكفار لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولبغضهم له أنه كان ينكر عبادة الأصنام، فبيّن تعالى أن إنكار عبادة الأصنام ليس من خواص دين محمد صلى الله عليه وسلم، بل كل الأنبياء والرسل كانوا مطبقين على إنكاره فقال: ﴿ وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ وفيه أقوال الأول: معناه واسأل مؤمني أهل الكتاب أي أهل التوراة والإنجيل فإنهم سيخبرونك أنه لم يرد في دين أحد من الأنبياء عبادة الأصنام، وإذا كان هذا الأمر متفقاً عليه بين كل الأنبياء والرسل وجب أن لا يجعلوه سبباً لبغض محمد صلى الله عليه وسلم.
والقول الثاني: قال عطاء عن ابن عباس لما أسرى به صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى بعث الله له آدم وجميع المرسلين من ولده، فأذن جبريل ثم أقام فقال: يا محمد تقدم فصل بهم فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة قال له جبريل عليه السلام واسأل يا محمد من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أسأل لأني لست شاكاً فيه».
والقول الثالث: أن ذكر السؤال في موضع لا يمكن السؤال فيه يكون المراد منه النظر والاستدلال، كقول من قال: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإنها إن لم تجبك جواباً أجابتك اعتباراً، فهاهنا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء الذين كانوا قبله ممتنع، فكان المراد منه انظر في هذه المسألة بعقلك وتدبر فيها بفهمك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّهُ ﴾ وإنّ الذي أوحى إليك ﴿ لِذِكْرِ ﴾ لشرف ﴿ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ ل ﴿ سوف تسئلون ﴾ عنه يوم القيامة، وعن قيامكم بحقه، وعن تعظيمكم له، وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين، ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لإحالته، ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء؟
وكفاه نظراً وفحصاً: نظره في كتاب الله المعجز المصدّق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً.
وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها، والسؤال الواقع مجازاً عن النظر، حيث لا يصح السؤال على الحقيقة: كثير منه مساءلة الشعراء الديار والرسوم والأطلال.
وقول من قال: سل الأرض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجني ثمارك؟
فإنها إن لم تجبك حواراً أجابتك اعتباراً.
وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم جمع له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمّهم.
وقيل له: سلهم، فلم يشكك ولم يسأل.
وقيل: معناه سل أمم من أرسلنا وهم أهل الكتابين: التوراة والإنجيل.
وعن الفراء: إنما هم يخبرونه عن كتب الرسل، فإذا سألهم فكأنه سأل الأنبياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ ﴾ مِنَ الآياتِ والشَّرائِعِ، وقُرِئَ «أوْحى» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى.
﴿ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ لا عِوَجَ لَهُ.
﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ﴾ لَشَرَفٌ لَكَ.
﴿ وَلِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ أيْ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ وعَنْ قِيامِكم بِحَقِّهِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِنَّهُ} وإن الذي أوحي إليك {لَذِكْرٌ لَّكَ} لشرف لك {ولقومك} ولأمتك {وسوف تسألون} عنه يوم القيامة وعن قيامكم بحقه وعن تعظيمكم له وعن شكركم هذه النعمة
﴿ وإنَّهُ ﴾ أيْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ والمُرادُ بِهِ اَلْقُرْآنُ ﴿ لَذِكْرٌ ﴾ لَشَرَفٌ عَظِيمٌ ﴿ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ هم قُرَيْشٌ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.
ومُجاهِدٍ.
وقَتادَةَ.
والسُّدِّيِّ.
وابْنِ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ.
وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالا: كانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى اَلْقَبائِلِ بِمَكَّةَ ويَعِدُهُمُ اَلظُّهُورَ فَإذا قالُوا: لِمَنِ اَلْمُلْكُ بَعْدَكَ أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْهم بِشَيْءٍ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُؤْمَرْ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتّى نَزَلَتْ ﴿ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ فَكانَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدُ إذا سُئِلَ قالَ لِقُرَيْشٍ: فَلا يُجِيبُونَهُ حَتّى قَبِلَتْهُ اَلْأنْصارُ عَلى ذَلِكَ».
وأخْرَجَ اَلطَّبَرانِيُّ.
وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.
«عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: (كُنْتُ قاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ألا إنَّ اَللَّهَ تَعالى عَلِمَ ما في قَلْبِي مِن حُبِّي لِقَوْمِي فَبَشَّرَنِي فِيهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ اَلْآيَةَ فَجَعَلَ اَلذِّكْرَ والشَّرَفَ لِقَوْمِي في كِتابِهِ) اَلْحَدِيثَ، وفِيهِ (فالحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَ اَلصِّدِّيقَ مِن قَوْمِي والشَّهِيدَ مِن قَوْمِي إنَّ اَللَّهَ تَعالى قَلَّبَ اَلْعِبادَ ظَهْرًا وبَطْنًا فَكانَ خَيْرَ اَلْعَرَبِ قُرَيْشٌ وهي اَلشَّجَرَةُ اَلْمُبارَكَةُ إلى أنْ قالَ عَدِيٌّ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذُكِرَ عِنْدَهُ قُرَيْشٌ بِخَيْرٍ قَطُّ إلّا سَرَّهُ حَتّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ اَلسُّرُورُ في وجْهِهِ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ وكانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كَثِيرًا ما يَتْلُو هَذِهِ اَلْآيَةَ ﴿ وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ » إلَخْ، وقِيلَ هُمُ اَلْعَرَبُ مُطْلَقًا لِما أنَّ اَلْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ ثُمَّ يُخْتَصُّ بِذَلِكَ اَلشَّرَفِ اَلْأخَصُّ فالأخَصُّ مِنهم حَتّى يَكُونَ اَلشَّرَفُ لِقُرَيْشٍ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِمْ ثُمَّ لِبَنِي هاشِمٍ أكْثَرَ مِمّا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ هم مَنِ اِتَّبَعَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُمَّتِهِ.
وقالَ اَلْحَسَنُ: هُمُ اَلْأُمَّةُ والمَعْنى وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ لَكَ ولِأُمَّتِكَ، والأرْجَحُ عِنْدِي اَلْقَوْلُ اَلْأوَّلُ.
﴿ وسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ عَنْهُ وعَنْ قِيامِكم بِحُقُوقِهِ، وقالَ اَلْحَسَنُ.
والكَلْبِيُّ.
والزَّجّاجُ: تُسْئَلُونَ عَنْ شُكْرِ ما جَعَلَهُ اَللَّهُ تَعالى لَكم مِنَ اَلشَّرَفِ، قِيلَ إنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْإنْسانَ يَرْغَبُ في اَلثَّناءِ اَلْحَسَنِ والذِّكْرِ اَلْجَمِيلِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَرْغُوبًا فِيهِ ما اِمْتَنَّ اَللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والذِّكْرُ اَلْجَمِيلُ قائِمٌ مُقامَ اَلْحَياةِ ولِذا قِيلَ ذِكْرُ اَلْفَتى عُمْرُهُ اَلثّانِي، وقالَ اِبْنُ دُرَيْدٍ: وإنَّما اَلْمَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى وقالَ آخَرُ: إنَّما اَلدُّنْيا مَحاسِنُها ∗∗∗ طِيبُ ما يَبْقى مِنَ اَلْخَبَرِ ويُحْكى أنَّ اَلطّاغِيَةَ هُلاكُو سَألَ أصْحابَهُ: مَنِ اَلْمَلِكُ؟
فَقالُوا لَهُ: أنْتَ اَلَّذِي دَوَّخْتَ اَلْبِلادَ ومَلَكْتَ اَلْأرْضَ وطاعَتْكَ اَلْمُلُوكُ وكانَ اَلْمُؤَذِّنُ إذْ ذاكَ يُؤَذِّنُ فَقالَ لا اَلْمَلِكُ هَذا لَهُ أزْيَدُ مِن سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ قَدْ ماتَ وهو يُذْكَرُ عَلى اَلْمَآذِنِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ خَمْسَ مَرّاتٍ يُرِيدُ مُحَمَّدًا رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ إلى الهدى وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني: من كان في علم الله في الضلالة.
ومعنى الآية: إنك لا تقدر أن تُفهم من كان أصم القلب، ويعمى عن الحق، ومن كان فى ضلال مبين، يعني: ظاهر الضلالة، قوله: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ يعني: نميتك قبل أن نرينك الذي وعدناهم، يعني: قبل أن نريك النقمة فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ يعني: ننتقم منهم.
بعد موتك.
قال قتادة: ذهب النبيّ ، وبقيت النقمة.
قال: وذكر لنا أن النبيّ ، «أُرَى مَا يُصِيب أُمَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ، فما رُئِيَ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً، حَتَّى قُبِضَ» .
ثم قال: أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ يعني: في حياتك فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ يعني: إنا لقادرون على ذلك قوله تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ يعني: اعمل بالذي أوحي إليك من القرآن إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: على دين الإسلام وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ يعني: القرآن شرف لك ولمن آمن به ويقال: وَلِقَوْمِكَ يعني: العرب، لأن القرآن نزل بلغتهم وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ عن هذه النعم، وعن شكر هذا الشرف.
يعني: القرآن إذا أديتم شكره، أو لم تؤدوه.
قوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا قال مقاتل، والكلبي: يعني: سل مؤمني أهل الكتاب أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ يعني: هل جاءهم رسول، يدعوهم إلى عبادة غير الله.
ويقال: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا يعني: سل المرسلين، فلقي النبيّ الأنبياء ليلة المعراج، وصلى بهم ببيت المقدس.
فقيل له: فسلهم فلم يشك، ولم يسألهم.
ويقال: إنما خاطب النبيّ ، وأراد أمته يعني: سلوا أهل الكتاب كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ [يونس: 94] الآية.
<div class="verse-tafsir"
إذا بُعِثَ يوم القيامة من قبره أَخَذَ شَيْطَانٌ بيده، فلم يُفَارِقْهُ حتى يصيِّرهما اللَّه إلى النار، فذلك حيث يقول: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ انتهى.
وقوله: بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ يحتمل مَعَانِيَ:
أحدها: أن يريد بُعْدَ المشرق من المغرب، فَسَمَّاهما مَشْرِقَيْنِ كما يقال القَمَرَانِ، والعُمَرَانِ.
والثاني: أنْ يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم.
والثالث: أنْ يريد بعد المشرقَيْنِ من المغربين، فاكتفى بذكر المشرقين.
قلت: واستبعد الفَخْرُ التأويل الثاني قال: لأنّ المقصود من قوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ المبالغةُ في حصول البُعْدِ، وهذه المبالغة إنَّما تحصل عند ذكر بُعْدٍ لا يمكن وُجُودُ بُعْدٍ أزيدَ منه، والبُعْدُ بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس كذلك، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عليه قال: والأكْثَرُونَ عَلَى التأويل الأَوَّلِ، انتهى.
وقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ ...
الآية، حكايةٌ عن مقالة تُقَالُ لهم يوم القيامة، وهي مقالة مُوحِشَةٌ فيها زيادةُ تعذيبٍ لهم ويأْسٍ من كل خير، وفاعل يَنْفَعَكُمُ الاشتراك، ويجوز أنْ يكون فاعل يَنْفَعَكُمُ التّبرّي الذي يدل عليه قوله: يا لَيْتَ.
وقوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ...
الآية، خطاب للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وباقي الآية/ تكرَّر معناه غيرَ ما مَرَّةٍ.
وقوله تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ أي: بما جاءك من عند اللَّه من الوحي الْمتلوِّ وغيره.
وقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ يحتمل أَنْ يريد: وإنَّهُ لشرف في الدنيا لكَ ولِقَوْمِكَ يعني:
قُرَيْشاً قاله ابن عباس وغيره «١» ، ويحتمل أنْ يريد: وإنَّه لتذكرة وموعظة، ف «القومُ» على هذا أُمَّتُهُ بأجمعها، وهذا قول الحسن بن أبي الحسن «٢» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناها: فَإنْ نَذْهَبَنَّ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: دَخَلَتْ "ما" تَوْكِيدًا لِلشَّرْطِ، ودَخَلَتِ النُّونُ الثَّقِيلَةُ في "نَذْهَبَنَّ" تَوْكِيدًا أيْضًا؛ والمَعْنى: إنّا نَنْتَقِمُ مِنهم إنْ تُوُفِّيتَ أوْ نُرِيَنَّكَ ما وعَدْناهم ووَعَدْناكَ فِيهِمْ مِنَ النَّصْرِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا وجْهَ [لَهُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ لَذِكْرٌ لَكَ ﴾ أيْ: شَرَفٌ لَكَ بِما أعْطاكَ اللَّهُ ﴿ وَلِقَوْمِكَ ﴾ في قَوْمِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: العَرَبُ قاطِبَةً.
والثّانِي: قُرَيْشٌ.
والثّالِثُ: جَمِيعُ مَن آمَنَ بِهِ.
وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ كانَ إذا سُئِلَ: لِمَن هَذا الأمْرُ مِن بَعْدِكَ؟
لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ إذا سُئِلَ قالَ: "لِقُرَيْشٍ" .» وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ فَهِمَ مِن هَذا أنَّهُ يَلِي عَلى المُسْلِمِينَ بِحُكْمِ النُّبُوَّةِ وشَرَفِ القُرْآنِ، وأنَّ قَوْمَهُ يَخْلُفُونَهُ مِن بَعْدِهِ في الوِلايَةِ لِشَرَفِ القُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى رَجُلٍ مِنهم.
ومَذْهَبُ مُجاهِدٍ أنَّ القَوْمَ هاهُنا: العَرَبُ، والقُرْآنُ شَرَفٌ لَهم إذْ أُنْزِلَ بِلُغَتِهِمْ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما وُضِعَ الذِّكْرُ مَوْضِعَ الشَّرَفِ، لِأنَّ الشَّرِيفَ يُذْكَرُ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَنْ شُكْرِ ما أُعْطِيتُمْ مِن ذَلِكَ.
والثّانِي: عَمّا لَزِمَكم فِيهِ مِنَ الحُقُوقِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ أو تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ ﴾ ﴿ أو نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ﴾ ﴿ فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ الكُفّارِ في الآخِرَةِ وما يُقالُ لَهم وهم في العَذابِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ تُشْفِقَ النُفُوسُ، وأنَّ يَنْظُرَ كُلُّ سامِعٍ لِنَفْسِهِ ويَسْعى في خَلاصِها، فَلَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ مَعَ هَذا الَّذِي سَمِعَتْ لَمْ تَزَلْ عن عُتُوِّها وإعْراضِها عن أمْرِ اللهِ تَعالى رَجَعَتِ المُخاطَبَةُ إلى مُحَمَّدٍ عَلى جِهَةِ التَسْلِيَةِ لَهُ عنهُمْ، وشَبَّهَهم بَـالصُمِّ والعُمْيِ إذْ كانَتْ حَواسُّهم لا تُفِيدُ شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ قُرَيْشًا بِأنْفُسِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: "أو مَن كانَ"، بَلْ جاءَ بِالواوِ العاطِفَةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: "وَهَؤُلاءِ"، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا عَوْدَ الضَمِيرِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنّا مِنهُمْ ﴾ ، ولَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن كانَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ ﴾ الآيَةُ....آيَةٌ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا واقِعًا، وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ المُتَوَعِّدِينَ هُمُ الكُفّارُ، وأنَّ اللهَ تَعالى أرى نَبِيَّهُ الَّذِي وعَدَهم في بَدْرٍ والفَتْحٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وذَهَبَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ إلى أنَّ المُتَوَعِّدِينَ هم في هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ اللهَ تَعالى أكْرَمَ نَبِيَّهُ عَلى أنْ يَنْتَقِمَ مِنهم بِحَضْرَتِهِ وفي حَياتِهِ، فَوَقَعَتِ النِقْمَةُ مِنهم بَعْدَ أنْ ذَهَبَ بِهِ، وذَلِكَ في الفِتَنِ الحادِثَةِ في صَدْرِ الإسْلامِ مَعَ الخَوارِجِ وغَيْرِهِمْ، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أكْرَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ عَلى أنْ يَرى في أُمَّتِهِ ما يَكْرَهُ كَما رَأى الأنْبِياءُ صَلَواتِ اللهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ، فَكانَتِ النِقْمَةُ بَعْدَ ذَهابِهِ ، وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رِضى اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ قَرَأ: ﴿ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ ﴾ فَقالَ: " بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ "،» والقَوْلُ الأوَّلُ مِن تَوَعُّدِ الكُفّارِ أكْثَرُ.
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِالتَمَسُّكِ بِما جاءَهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى مِنَ الوَحْيِ المَتْلُوِّ وغَيْرِهِ، والصِراطُ: الطَرِيقُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أُوحِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "أُوحِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: أوحى اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَبارَكَ وتَعالى: وإنَّهُ لَشَرَفٌ وحَمْدٌ في الدُنْيا -والقَوْمُ عَلى هَذا- قُرَيْشٌ ثُمَّ العَرَبُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والسَدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: «كانَ رَسُولُ اللهِ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ، فَإذا قالُوا لَهُ: فَلِمَن يَكُونُ الأمْرُ بِعْدَكَ؟
سَكَتَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكانَ إذا سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ: لِقُرَيْشٍ، فَكانَتِ العَرَبُ لا تَقْبَلُ عَلى ذَلِكَ حَتّى قَبِلَتْهُ الأنْصارُ رِضى اللهِ عنهُمْ،» ورَوى ابْنُ عُمَرَ رِضى اللهُ عنهُما أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما بَقِيَ مِنهُمُ اثْنانِ"،» ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لا يَزالُ الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما دامُوا، إذا حَكَوْا عَدَلُوا، وإذا اسْتَرْحَمُوا رَحِمُوا، وإذا عاهَدُوا وفَوْا، فَمَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ"،» ورَوى مُعاوِيَةُ أنَّهُ قالَ: « "لا يَزالُ هَذا الأمْرُ في قُرَيْشٍ ما أقامُوا الدِينَ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى: وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ، و"القَوْمُ" -عَلى هَذا- أُمَّتُهُ بِأجْمَعِها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: عن أوامِرِ القُرْآنِ ونَواهِيهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: عن شُكْرِ النِعْمَةِ فِيهِ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ هَذا كُلَّهُ ويَعُمُّهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالسُؤالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا ﴾ ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ تَعالى أنِ اسْألْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَقّاشُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيهِ بُعْدٌ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزَهْرِيُّ، أرادَ تَعالى: واسْألِ الرُسُلَ إذا لَقَيْتُهم لَيْلَةَ الإسْراءِ، أمّا إنَّ النَبِيَّ لَمْ يَسْألِ الرُسُلَ عَلَيْهِمِ السَلامُ لَيْلَةَ الإسْراءِ عن هَذا، لِأنَّهُ كانَ أثْبَتُ يَقِينًا مِن ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ في شَكٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ، أرادَ تَعالى: واسْألْنِي، أو واسْألْنا عَمَّنْ أرْسَلْنا، والأُولى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أنْ يَكُونَ: ﴿ مَن أرْسَلْنا ﴾ اسْتِفْهامًا أمْرَهُ أنْ يَسْألَ بِهِ، كَأنَّ سُؤالَهُ: يا رَبِّ، مَن أرْسَلَتْ قَبَلِيِّ مِن رُسِلِكَ؟
أجَعَلْتَ في رِسالَتِهِ الأمْرَ بِآلِهَةٍ يُعْبَدُونَ؟
ثُمَّ ساقَ السُؤالَ مَحْكِيُّ المَعْنى، فَرَدَّ المُخاطَبَةِ إلى مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِكَ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّي، وعَطاءُ، أرادَ تَعالى: واسْألْ تُبّاعَ مَن أرْسَلْنا وحَمْلَةَ شَرائِعِهِمْ، لِأنَّ المَفْهُومَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى سُؤالِهِ الرُسُلَ إلّا بِالنَظَرِ في آثارِهِمْ وكُتُبِهِمْ وسُؤالِ مَن حَفِظَها، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "واسْئَلِ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبِلَكَ رُسُلُنا"، فَهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ هَذا المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ مَفْهُومٌ أنَّهُ لا يَسْألُ إلّا أهْلَها، ومِمّا يَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ والرَسُولِ ﴾ ، فَمَفْهُومٌ أنَّ الرَدَّ إنَّما هو إلى كِتابِ اللهِ تَعالى وسَنَةِ رَسُولِهِ ، وأنَّ المُحاوَرَةَ في ذَلِكَ إنَّما هم لِتُبّاعِهِمْ وحَفَظَةِ الشَرْعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يُعْبَدُونَ" ﴾ أُخْرِجُ الضَمِيرُ عَلى حَدِّ مَن يَعْقِلُ مُراعاةً لِلَفْظِ الآلِهَةِ.
<div class="verse-tafsir"
ذكر حظ الرّسول صلى الله عليه وسلم من الثناء والتأييد في قوله: ﴿ على صراط مستقيم ﴾ [الزخرف: 43] المجعول علة للأمر بالثبات عليه، ثم عُطف عليه تعليل آخر اشتمل على ذكر حظ القرآن من المدح، والنفع بقوله: ﴿ وإنه لذكر ﴾ ، وتشريفه به بقوله: ﴿ لك ﴾ وأتبع بحظ التابعين له ولكتابه من الاهتداء والانتفاع بقوله ﴿ ولقومك ﴾ .
ثم عَرَّض بالمعرضين عنه والمجافين له بقوله: ﴿ وسوف تسألون ﴾ ، مع التوجيه في معنى كلمة ذِكر من إرادة أن هذا الدّين يكسبه ويكسب قومه حُسن السمعة في الأمم فمن اتبعه نال حظه من ذلك ومن أعرض عنه عدّ في عداد الحمقى كما سيأتي، مع الإشارة إلى انتفاع المتبعين به في الآخرة، واستضرار المعرضين عنه فيها، وتحقيق ذلك بحرف الاستقبال.
فهذه الآية اشتملت على عشرة معان، وبذلك كانت أوفر معانيَ من قول امرئ القيس: قِفا نبككِ من ذِكرى حبيببٍ ومَنزل *** المعدود أبلغ كلام من كلامهم في الإيجاز إذ وقَف، واستوقف، وبكى واستبكى.
وذكر الحبيب، والمنزل في مِصراع.
وهذه الآية لا تتجاوز مقدار ذلك المِصراع وعِدة معانيها عشرة في حين كانت معاني مصراع امرئ القيس ستة مع ما تزيد به هذه الآية من الخصوصيات، وهي التأكيد ب (إنَّ) واللام والكناية ومحسِّن التوجيه.
والذكر يحتمل أن يكون ذِكرَ العقل، أي اهتداءه لِما كان غير عالم به، فشبه بتذكر الشيء المنسيّ وهو ما فَسر به كثير الذكرَ بالتذكير، أي الموعظة.
ويحتمل ذِكر اللّسان، أي أنه يكسبك وقومك ذكراً، والذكر بهذا المعنى غالب في الذِكر بخبره.
والمعنى: أن القرآن سبب الذكر لأنه يكسب قومه شرفاً يُذكرون بسببه.
وقد روي هذا التفسير عن عليّ وابن عباس في رواية ابن عدي وابن مردويه قال القرطبي: «ونظيره قوله تعالى: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ يعني القرآن شرف لك ولقومك من قريش، فالقرآن نزل بلسان قريش فاحتاج أهل اللّغات كلها إلى لسانهم كلُّ من آمن بذلك فشرفوا بذلك على سائر أهل اللّغات».
وقال ابن عطية " قال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل فإذا قالوا له: فَلِمنْ يكون الأمر بعدك؟
سكتَ حتى إذا نزلت هذه الآية فكان إذا سُئل عن ذلك قال: لقريش ".
ودرج عليه كلام «الكشاف».
ففي لفظ ﴿ ذِكْر ﴾ محسن التوجيه فإذا ضم إليه أن ذكره وقومه بالثناء يستلزم ذم من خالفهم كان فيه تعريض بالمعرضين عنه.
وقومه هم قريش لأنهم المقصود بالكلام أو جميع العرب لأنهم شُرفوا بكون الرّسول الأعظم صلى الله عليه وسلم منهم ونزول القرآن بلغتهم، وقد ظهر ذلك الشرف لهم في سائر الأعصر إلى اليوم، ولولاه ما كان للعرب من يشعر بهم من الأمم العظيمة الغالبة على الأرض.
وهذا ثناء سابع على القرآن.
والسؤال في قوله: ﴿ وسوف تسألون ﴾ سؤال تقرير.
فسؤال المؤمنين عن مقدار العمل بما كلفوا به، وسؤال المشركين سؤال توبيخ وتهديد قال تعالى: ﴿ ستكتب شهادتهم ويسألون ﴾ [الزخرف: 19] وقال تعالى: ﴿ ألم يأتكم نذيرٌ إلى قوله: فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير ﴾ [الملك: 8، 11].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعْرِضُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَعْمى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ السَّيْرُ في الظُّلْمَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَشْوِ وهو البَصَرُ الضَّعِيفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرُ لَنِعْمَ الفَتى تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ إذا الرِّيحُ هَبَّتْ والمَكانُ جَدِيبُ وَفِي قَوْلِهِ ﴿ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَمّا بَيَّنَهُ اللَّهُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: عَنِ القُرْآنِ لِأنَّهُ كَلامُ الرَّحْمَنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُلْقِيهِ شَيْطانًا.
الثّانِي: نُعَوِّضُهُ شَيْطانًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المُقايَضَةِ وهي المُعاوَضَةُ.
﴿ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَيْطانٌ يُقَيَّضُ لَهُ في الدُّنْيا يَمْنَعُهُ مِنَ الحَلالِ ويَبْعَثُهُ عَلى الحَرامِ، ويَنْهاهُ عَنِ الطّاعَةِ ويَأْمُرُهُ بِالمَعْصِيَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: هو أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ شُفِعَ بِيَدِهِ شَيْطانٌ فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يَصِيرَ بِهِما اللَّهُ إلى النّارِ، قاَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَتّى إذا جاءَنا ﴾ قَرَأ عَلى التَّوْحِيدِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ آدَمَ، وقَرَأ الباقُونَ (جاءانا) عَلى التَّثْنِيَةِ يَعْنِي ابْنَ آدَمَ وقَرِينَهُ.
﴿ قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ هَذا قَوْلُ ابْنِ آدَمَ لِقَرِينِهِ وفي المَشْرِقَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَغُلِّبَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ كَما قِيلَ: سُنَّةُ العُمَرَيْنِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ أخَذْنا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكم ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ الثّانِي: أنَّهُ مَشْرِقُ الشِّتاءِ ومَشْرِقُ الصَّيْفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ ﴾ وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إمّا نُخْرِجَنَّكَ مِن مَكَّةَ مِن أذى قُرَيْشٍ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ.
الثّانِي: فَإمّا نَقْبِضُ رُوحَكَ إلَيْنا فَإنّا مُنْتَقِمُونَ مِن أُمَّتِكَ فِيما أحْدَثُوا بَعْدَكَ.
وَرُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ أُرِيَ ما لَقِيَتْ أُمَّتُهُ بَعْدَهُ فَما زالَ مُنْقَبِضًا ما انْبَسَطَ ضاحِكًا حَتّى لَقِيَ اللَّهَ تَعالى.
» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ذِكْرٌ لَكَ [وَلِقَوْمِكَ] .
وفي ﴿ لَذِكْرٌ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّرَفُ، أيْ شَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ تَذْكُرُونَ بِهِ أمْرَ الدِّينِ وتَعْمَلُونَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَلِقَوْمِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَنِ اتَّبَعَكَ مِن أُمَّتِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِقَوْمِكَ مِن قُرَيْشٍ فَيُقالُ: مِمَّنْ هَذا الرَّجَلُ؟
فَيُقالُ: مِنَ العَرَبِ، فَيُقالُ: مِن أيِّ العَرَبِ؟
فَيُقالُ: مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ الشُّكْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنْتَ ومَن مَعَكَ عَمّا أتاكَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَحَكى ابْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ أنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي الأنْبِياءَ الَّذِينَ جَمَعُوا لَهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وكانُوا سَبْعِينَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلَمْ يَسْألْهم لِأنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أهْلُ الكِتابَيْنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ سَلْ أُمَمَ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا.
الثّالِثُ: جِبْرِيلُ، ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ.
واسْألْ عَمّا أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا، حَكاهُ النَّقّاشُ.
﴿ أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ وسَبَبُ هَذا الأمْرِ بِالسُّؤالِ أنَّ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ : إنَّ ما جِئْتَ بِهِ مُخالِفٌ لِمَن كانَ قَبْلَكَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِسُؤالِهِمْ لا لِأنَّهُ كانَ في شِكٍّ مِنهُ.
واخْتُلِفَ في سُؤالِ النَّبِيِّ لَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَهم، فَقالَتِ الرُّسُلُ بُعِثْنا بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ الواقِدِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَسْألْ لِيَقِينِهِ بِاللَّهِ تَعالى، حَتّى حَكى ابْنُ زَيْدٍ أنَّ مِيكائِيلَ قالَ لِجِبْرِيلَ: هَلْ سَألَكَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ؟
فَقالَ جِبْرِيلُ: هو أشَدُّ إيمانًا وأعْظَمُ يَقِينًا مِن أنْ يَسْألَنِي عَنْ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ قال: القرآن شرف لك ولقومك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإنه لذكر لك ﴾ يعني القرآن، ولقومك، يعني من اتبعك من أمتك.
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ قال: يقال ممن هذا الرجل؟
فيقال: من العرب، فيقال: من أي العرب؟
فيقال: من قريش، فيقال: من أي قريش؟
فيقال: من بني هاشم.
وأخرج ابن عدي وابن مردويه، عن علي وابن عباس قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة، ويعدهم الظهور، فإذا قالوا لمن الملك بعدك؟
أمسك، فلم يجبهم بشيء، لأنه لم يؤمر في ذلك بشيء حتى نزلت ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ فكان بعد إذا سئل قال: لقريش، فلا يجيبونه حتى قبلته الأنصار على ذلك.
وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: كنت قاعداً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «الا إن الله علم ما في قلبي من حبي لقومي، فشرفني فيهم فقال: ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ﴾ فجعل الذكر والشرف لقومي في كتابه، ثم قال: ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ [ الشعراء: 214] ﴿ واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ﴾ [ الشعراء: 215] يعني قومي، فالحمد لله الذي جعل الصديق من قومي، والشهيد من قومي، ان الله قلب العباد ظهراً وبطناً، فكان خير العرب قريش، وهي الشجرة المباركة التي قال الله في كتابه ﴿ ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ﴾ [ إبراهيم: 24] يعني بها قريشاً ﴿ أصلها ثابت ﴾ يقول: أصلها كَرَمٌ، ﴿ وفرعها في السماء ﴾ ، يقول: الشرف الذي شرفهم الله بالإِسلام الذي هداهم له وجعلهم أهله.
ثم أنزل فيهم سورة من كتاب الله بمكة ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ [ قريش، الآية: 1-4] إلى آخرها» قال عدي بن حاتم: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده قريش بخير قط، إلا سره حتى يتبين ذلك السرور للناس كلهم في وجهه، وكان كثيراً ما يتلوا هذه الآية ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾ (١) ﴿ لَذِكْرٌ لَكَ ﴾ قالوا لشرف لك كقوله: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وَلِقَوْمِكَ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: لمن آمن منهم، والقوم يحتمل كل من بعث إليه من الناس، ويحتمل أن يراد به قريش و [ (٢) (٣) وروى الضحاك عن ابن عباس: أن النبي - - كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك؟
لم يخبر بشيء، حتى نزلت: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ فكان بعد ذلك إذا سئل قال: لقريش (٤) - فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم، وقال مجاهد: هو أن يقول الرجل لأخيه: ممن الرجل؟
فيقول: من العرب، فيقول: من أي العرب؟، فيقول: من قريش، فيقول: من أي قريش؟
فيقول: من بني هاشم (٥) وقوله: ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ قال الكلبي: أي عن هذا الشرف هل أديتم شكره (٦) وقال مقاتل: يعني من كذب به، كأن يسأل: لم كذب به؟
(٧) وقال أبو إسحاق: سوف تسألون عن شكر ما جعله الله لكم من الشرف (٨) (٩) (١) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 76، "تفسير الوسيط" 4/ 74.
(٢) كذا في الأصل وقد سقط لفظ: (قال).
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796، "تفسير أبي الليث" 3/ 208، وقد ذكر الأقوال الثلاثة ابن الجوزي ولم ينسبها، قال: أحدها: العرب قاطبة، والثاني: قريش، والثالث: جميع من آمن به، انظر: "زاد المسير" 7/ 318.
(٤) أخرج ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 84 ب عن علي وابن عباس، وعزاه السيوطي في "الدر" لابن عدي وابن مردويه عن علي وابن عباس، انظر: "الدر" 7/ 380، ونسبه البغوي لابن عباس 7/ 215.
(٥) أخرج ذلك الطبري عن مجاهد دون ذكر بني هاشم، انظر: "تفسيره" 13/ 76، == "تفسير الماوردي" 5/ 227، ونسبه القرطبي لمجاهد، انظر: "الجامع" 16/ 94.
(٦) انظر: "تنوير المقباس" ص 492، "تفسير الوسيط" عن الكلبي 4/ 74.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 796، "تفسير أبي الليث" 3/ 802.
(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 413.
(٩) انظر: "زاد المسير" 7/ 318، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 94، "تفسير الوسيط" 4/ 74.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ الضمير في ﴿ إِنَّهُ ﴾ للقرآن أو للإسلام، والذكر هنا بمعنى الشرف، وقوم النبي صلى الله عليه وسلم هم قريش وسائر العرب، فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة، ويكفيك أن فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وصارت فيهم الخلافة والملك، وورد عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمر بعده لقريش، ويحتمل أن يريد بالذكر التذكير والموعظة، فقومه على هذا أمته كلهم وكل من بعث إليهم ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ أي تسألون عن العمل بالقرآن وعن شكر الله عليه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سقفاً ﴾ بالفتح فالسكون: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.
الباقون: بضمتين على الجمع كرهن ورهن.
قال أبو عبيدة: لا ثالث لهما (لما) بالتشديد: عاصم وحمزة بمعنى إلا فـ ﴿ إن ﴾ نافية.
الآخرون: بالتخفيف فـ "إن" مخففة واللام فارقة كما مر في آخر هود ﴿ يقيض ﴾ على الغيبة والضمير للرحمن: يعقوب وحماد.
الآخرون: بالنون ﴿ جاءنا ﴾ على الوحدة والضمير للعاشي: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ويعقوب.
الباقون: بألف التثنية والضمير للعاشي والقرين ﴿ أنكم في العذاب ﴾ بالكسر: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ أيه الساحر ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ وقد مر في "النور" ﴿ تحتي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير ونافع وأبو جعفر ﴿ أسورة ﴾ كأجربة: حفص وسهل ويعقوب.
الآخرون ﴿ أساورة ﴾ كأشاعرة وهو جمع أسوار بمعنى السوار.
وأصله أساوير.
إلا أنه عوض من الياء هاء في آخره ﴿ سلفاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وهو جمع سليف.
الباقون: بفتحتين جمع سالف كخادم وخدم.
الوقوف: ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمت ربك ﴾ ط ﴿ سخرياً ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ يظهرون ﴾ ه لا ﴿ يتكئون ﴾ ه لا ﴿ وزخرفاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ للمتقين ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ القرين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ منتقمون ﴾ ه لا ﴿ مقتدرون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط لاحتمال التعليل ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ولقومك ﴾ ج للتعليق مع سين التهديد ﴿ تسئلون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يضحكون ﴾ ه ﴿ من أختها ﴾ ز لنوع عدول ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لمهتدون ﴾ ه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ تحتي ﴾ ج للاستفهام مع اتحاد الكلام ﴿ تبصرون ﴾ ه لأن "أم" منقطعة ﴿ مقترنين ﴾ ه ﴿ فأطاعوه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ للآخرين ﴾ ه.
التفسير: هذه حكاية شبهة لكفار قريش، وذلك أنهم ظنوا أن الفضيلة في المال والجاه الدنيوي فقالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن ﴾ وفي الإشارة ههنا نوع استخفاف منهم لكتاب الله ﴿ على رجل من القريتين ﴾ أي من إحداهما يعنون مكة أو الطائف.
قال المفسرون: الذي بمكة هو الوليد بن المغيرة، والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي.
ومنهم من قال غير ذلك.
وأرادوا بعظم الرجل رياسته وتقدمه في الدنيا فألزمهم الله بأجوبة أوّلها قوله على سبيل الإنكار ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ أي النبوّة فيضعوها حيث شاؤا ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ﴾ أي خدماً وتابعاً ومملوكاً.
واللام لام العاقبة فإن الإنسان خلق مدنياً بالطبع.
وقالت المعتزلة: للغرض وإذا كانت المعايش الدنيوية مع حقارتها وخساستها مفوّضة إلى تدبير الله وتسخيره وتقديره دون أحد من خلقه، فالأمور الدينية والمناصب الحقيقية الأخروية أولى بذلك.
وقيل: الرحمة الرزق.
ومعنى الآية إنكار أن الرزق منهم فيكف تكون النبوّة منهم؟
واستدلال السني بالآية ظاهر في أن كل الأرزاق من الله حلالاً كانت أو حراماً.
وقالت المعتزلة: الله قاسم ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوءتنا ولهم.
والجواب أنه كما قسم الرزق عن الجهة التي بها يصل الرزق إليه فكل بقدره.
وثانيها قوله ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ لأن الدنيا منقضية فانية ودين الله وما يتبعه من السعادات باقٍ لا يزول، فكيف يجعل العاقل ما هو الأخس أفضل مما هو الأشرف؟
وثالثها قوله ﴿ ولولا ﴾ كراهة ﴿ أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ مجتمعين على الكفر ﴿ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ﴾ هو بدل اشتمال وقيل: هما كقولك: وهبت له ثوباً لقميصه في أن اللام للغرض.
والمعارج المصاعد أو المراقي جمع معرج كمخلب ﴿ عليها ﴾ أي على المعارج ﴿ يظهرون ﴾ يعلون السطوح.
والزخرف الزينة أي جعلنا لهم زينة عظيمة في كل باب.
وقيل: الذهب أي جعلنا لهم مع ذلك ذهباً كثيراً.
أو وجه آخر على هذا التفسير وهو أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ من فضة ﴾ إلا أنه نصب بنزع الخافض أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب.
والحاصل أنه إن وسع على الكافرين كل التوسعة أطبق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها مع حقارة الدنيا عند الله تعالى، وفي معناه قول نبينا : " "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" " وإنما لم يوسع على المسلمين كلهم لتكون رغبة الناس في الإسلام لمحض الإخلاص لا لأجل الدنيا.
ثم بشر المؤمنين بقوله ﴿ وإن كل ذلك ﴾ إلى آخره.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن اللطف من الله واجب، وفيه أنه لما لم يفعل بالناس التوسعة لئلا يجتمعوا على الكفر، فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى.
والجواب أن وقوع كل الناس في طريق القهر محذور، وأما وقوع البعض فضروري كما مر في أول البقرة، فشتان بين الممتنع الوجود والضروري الوجود فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟
ثم بين أن مادة كل الآفات وأصل جميع البليات هو السكون إلى الدنيا والركون إلى أهلها فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر ويصير بالتدريج كالعشى ثم كالعمى فقال ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ أي عن القرآن أي يعرف أنه الحق ولكنه يتجاهل.
قال جار الله: قرىء بفتح الشين أيضاً.
والفرق أنه إذا حصلت آفة في بصره يقال عشي بالكسر أي عمى يعشى بالفتح، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا أي تعامى.
وفيه معنى الإعراض فلهذا عدي بـ "عن" ومعنى ﴿ نقيض ﴾ نقدر كما مر في "حم" السجدة ﴿ وإنهم ﴾ أي الشياطين ﴿ ليصدونهم ﴾ أي العشي عن دين الله ﴿ ويحسبون ﴾ أي الكفار أن الشياطين والكافرين ﴿ مهتدون ﴾ وإنما جمع الضميرين لأن ﴿ من ﴾ عام و ﴿ شيطاناً ﴾ تابع له.
ولا شك أن هذا القرين ملازم له في الآخرة لقوله ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ الآية وأما في الدنيا فمحتمل بل لازم لقوله : " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون" ويروى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطان بيده ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار فذلك حيث يقول ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب كالقمرين.
وقيل: المغرب أيضاً مشرق بالنسبة إلى الحركة الثانية وهذا قول أهل السنة.
وقيل: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وفيه ضعف لأنه لا يفيد مبالغة، فبين الله أن ذلك التمني لا ينفعهم وعلله بقوله ﴿ أنكم ﴾ من قرأ بالكسر فظاهر، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف اللام أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر، ويحتمل أن يكون أن في قراءة الفتح فاعل ينفع أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب.
وإن قيل: المصيبة إذا عمت طابت وذلك أن كل أحد مشغول في ذلك اليوم عن حال غيره بحال نفسه.
﴿ وإذ ﴾ بدل من اليوم ومعناه إذ ظلمكم تبين ووضح لكل أحد.
ثم إنه كان يتحزن على فقد الإيمان منهم فسلاه بقوله ﴿ أفأنت ﴾ إلى آخره.
وقوله ﴿ فأما نذهبن بك ﴾ أراد به قبض روحه كقوله في "يونس" وفي "المؤمن" ﴿ فأما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ﴾ الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا.
عن جابر أنه قال: لما نزلت ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ قال النبي بعلي بن أبي طالب أورده في تفسير اللباب.
وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر.
والحاصل أنه توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعاً.
ثم قال لنبيه سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكاً بما أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا.
قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي.
قلت: الذكر الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفاً من ذلك بعميم فضله.
ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي إنكاره لأصنامهم، فبين أنه غير مخصوص بهذه الدعوة وهذا الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه، وفي الآية أقوال: أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا.
وقال القفال: المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولاً من رسلنا.
والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ ثانيها أن حقيقة السؤال ههنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم.
وثالثها أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا.
ورابعها أن النبي جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو في بيت المقدس فأمهم.
وقيل له : سلهم.
فلم يسأل.
وقد قال : "إني لا أشك في ذلك" قاله ابن عباس.
وعن ابن مسعود "أن النبي قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟
قال: قلت علام بعثوا؟
قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب " رواه الثعلبي.
ولكنه لا يطابق قوله ﴿ أجعلنا ﴾ الآية.
وجوز بعضهم أن يكون ﴿ من ﴾ مبتدأ والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية والحكم.
واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد من جهة كونه فقيراً خاملاً وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال ﴿ أليس لي ملك مصر ﴾ إلى قوله ﴿ مهين ﴾ فلا جرم أورد قصة موسى ههنا تسلية للنبي قوله ﴿ فلما جاءهم ﴾ معطوف على محذوف تقديره فقال إني رسول رب العالمين.
فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى آخره.
قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية.
قوله: ﴿ وما نريهم ﴾ حكاية حال ماضية.
وفي قوله ﴿ هي أكبر من أختها ﴾ وجهان: أحدهما أن كلاً منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها لتكافؤ كل منها في الكبر.
وإذا كان هذا الحكم صادقاً على كل منها فكلها كبار كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم.
مثل النجوم التي يسري بها الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها.
هذا القدر مستفاد من الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها.
﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به.
قالت المعتزلة: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم لكان.
وأجابوا بأنه لو أراد قسراً لكان ولكنه أراد مختاراً، وزيف بأنه لو أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضاً مختاراً.
أما الفرق فالصواب أن يقال: "لعل" للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مراراً ﴿ وقالوا يا أيه الساحر ﴾ أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذماً بل كانوا يستعظمونه ولهذا قالوا ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وقيل: كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحراً.
وقولهم ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وعد منوي إخلافه.
وقولهم ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وقد مر في "الأعراف" ﴿ ونادى فرعون ﴾ أي أمر بالنداء ﴿ في ﴾ مجامع ﴿ قومه ﴾ أو رفع صوته بذلك فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم.
والأنهار أنهار النيل.
قال المفسرون: كانت ثلثمائة وستين نهراً ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر منفيس.
كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه.
وقيل: بين يدي في جناتي وبساتيني.
وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة "وإن وجدناه لبحراً" وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي.
قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر و ﴿ تجري ﴾ نصب على الحال، أو الواو للحال وما بعده جملة محلها نصب.
وفي "أم" أقوال منها قول سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله ﴿ أنا خير ﴾ موضع ﴿ تبصرون ﴾ لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه.
ومنها أنها منقطعة لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانياً.
أثبت عندكم أني خير.
ومنها أن التقدير أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدة ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في "طه".
وإلقاء الأسورة عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص يتبعونهم فلذلك قالوا ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ به أو يقترن بعضهم ببعض ﴿ فاستخف قومه ﴾ أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة أو استخف عقولهم واستجهلهم ﴿ فأطاعوه ﴾ وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا يردعه إلا العصا: وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا *** ومعنى ﴿ آسفونا ﴾ أغضبونا وأغضبوا رسلنا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل أفعالهم وإليه المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ يَعْشُ ﴾ أي: يعرض عن ذكر الرحمن.
وقال بعضهم: ﴿ يَعْشُ ﴾ أي: يعمى بصره، ويضعف عن ذكر الرحمن؛ أي: يعمى عنه ولا يقبله.
وقال بعضهم: عشى يعشو من عمى البصر وضعفه، وعش يعشى من الإعراض.
وقال أبو عبيدة: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أي: يظلم بصره.
وقال الفراء: ﴿ وَمَن يَعْشُ ﴾ أي: يعرض عنه، ﴿ ومن يَعْشَ ﴾ بنصب الشين أي: يعمى عنه.
وقال أبو عوسجة: ﴿ يَعْشُ ﴾ أي: يجاوز، وإن شئت جعلته من العشى، وهو ظلمة البصر، وإن شئت جعلته من التعاشي، وهو التعامي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ : القرآن.
ويحتمل: التوحيد والإيمان.
ويحتمل: رسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ .
قال بعضهم: نقيض: نقدر، والتقييض: التقدير؛ يقال: قيض الله لك خيراً، أي: قدره، وهو قول أبي عوسجة.
وقال بعضهم: نقيض: أي: نهيئ له شيطاناً ويضم إليه ﴿ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ ، والأصل في ذلك أن من آثر معصية الله واختارها على طاعته كانت لذته وشهوته في ذلك، فالشيطان حيث اختار معصية الله على طاعته صارت لذته في ذلك، وعلى ذلك من اتبعه فيما دعاه، وأجابه إلى ما دعاه إليه صارت لذته في ذلك؛ قارنه ولازمه في ذلك ليكونا جميعاً في ذلك في الدنيا والآخرة؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...
﴾ الآية [الصافات: 22].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ السبيل المطلق هو سبيل الله، والدين المطلق هو دين الله، والكتاب المطلق هو كتاب الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ كانوا يحسبون أنهم مهتدون؛ لأن الشياطين كانوا يزينون لهم ويقولون: إن الذي أنتم عليه هو دين آبائكم وأجدادكم، ولو كانوا على باطل لا على حق ما تركوا على ذلك، ولكن أهلكوا واستؤصلوا، فإذ لم يهلكوا وتركوا على ذلك ظهر أنهم كانوا على الحق والهدى؛ كانوا يموهون لهم ويزينون كذلك، وظنوا أنهم على الهدى كما يقول لهم الشيطان، والله الهادي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا ﴾ أي: الكافر وقرينه في الآخرة ﴿ قَالَ ﴾ الكافر ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴾ يحتمل أن يقول في الآخرة: يا ليت كان بينك وبيني في الدنيا بعد المشرقين؛ حتى لم أكن أراك ولم أتبعك.
ويحتمل أن يقول: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين في الآخرة.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ ﴾ .
قال بعضهم: ما بين مشرق الصيف إلى مشرق الشتاء.
وقال بعضهم: يحتمل: أي: بعد المشرق والمغرب، لكن ذكر باسم أحدهما، كما يقال: عمرين، وأسودين؛ سماهما باسم واحدهما؛ لأن الأسود منهما واحدة، وهي الحية دون العقرب، والمراد من عمرين: أبو بكر وعمر، فعلى ذلك قوله: ﴿ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴾ حيث ألجأه وألقاه في النار والإهلاك؛ لما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ أي: لا ينفعكم في الآخرة الاعتذار ﴿ إِذ ظَّلَمْتُمْ ﴾ في الدنيا؛ أي: وضعتموها غير مواضعها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ ﴾ ، ولا يملك هداية من كان في ضلال مبين.
ثم معلوم أنه لم يرد بالهدى هداية البيان، ولا إسماع الآذان؛ لأن رسول الله كان يملك ذلك كله، وقد فعل رسول الله ولكنه أراد الهداية التي لا يملكها إلا هو، والإسماع الذي لا يملكه غيره، وهو التوفيق والعصمة والرشد الذي إذا أعطي من أعطي اهتدى؛ يذكر عجز رسول الله عن ذلك، وهو على المعتزلة؛ لأنه أخبر أن عنده لطائف وأشياء لم يعطها كل أحد، إنما أعطى بعضها دون بعض، فمن أعطاه تلك اللطائف اهتدى، وهو ما ذكرنا من التوفيق والعصمة، وعلى قولهم ليس عند الله شيء يملك به هدايتهم؛ لأنهم يقولون: قد أعطى كل كافر ما لو أراد الكافر أن يهتدي يصير مهتدياً بذلك، ولم يبق عنده شيء يملك بذلك هدايتهم؛ فعلى قولهم عجزه - - عن ذلك كعجز رسول الله عن ذلك، وهو إنما ذكر ذلك إعلاماً أنه هو المالك لذلك دون عباده، ومعلوم أنه إنما ذكر على الربوبية والألوهية له في ذلك، والله الموفق.
وجائز أن يكون قوله - -: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ ﴾ إنما ذكر لإياس رسول الله عن إيمان قوم علم الله - - أنهم لا يؤمنون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ ﴾ فيه دلالة منع رسول الله عن سؤال إنزال العذاب الموعود لهم عليهم، ثم المنع فيه من وجهين: أحدهما: النهي عن سؤال بيان الوقت أن يسأل متى ينزله عليهم؟
والثاني: النهي عن استعجاله؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ﴾ كأنه يقول: ليس ذلك إليك، إنما ذلك إليَّ: إن شئت أنزلت في حياتك وأريتك ذلك، وإن شئت أمتك ولم أرك شيئاً من ذلك، وهو كما قال: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ...
﴾ الآية [آل عمران: 128].
وقال قتادة في ذلك: إن الله - - أذهب نبيه وأبقى النقمة بعده، ولم يره في أمته إلا الذي تقر به عينه، وليس نبي أو رسول إلا وقد رأى في أمته العقوبة غير نبيكم، عافاه الله - - عن ذلك، ولا أراه إلا ما يقر به عينه، قال: وذكر لنا أن نبي الله أري الذي تلقى أمته من بعده، فما زال إلا منقبضاً ما استشاط ضحكاً حتى لحق بالله .
وقال الحسن قريباً من قول قتادة في قوله - -: ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ﴾ قال: أكرم الله - - نبيه أن يريه في أمته ما يكره، ورفعه الله - - وبقيت النقمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ الوحي إلى رسول الله من وجوه ثلاثة: أحدها: القرآن، وهو الظاهر من الوحي إليه.
والثاني: وحي بيان، يبين للناس ما لهم وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض على لسان الملك جبريل أو غيره؛ على ما أراد الله .
والثالث: وحي إلهام وإفهام، كقوله - -: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ وما أراه الله - - هو ما ألهمه وأفهمه أمره - عز وجل - بالتمسك على أنواع ما أوحي إليه ما هو قرآن وما هو بيان، وما هو إفهام، وأراه وآمنه أن يزيغ أو يزل أو يعدل عن الصواب في ذلك كله، ويبشره في ذلك كله أنك لو تمسكت بجميع ما أوحي إليك كنت على صراط مستقيم؛ حيث قال: ﴿ فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ جائز أن يكون المراد بالذكر جميع أنواع ما أوحي إليه؛ فإن قوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ كناية عن قوله: ﴿ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾ أي: جميع ما أوحي إليه شرف له ولقومه؛ لما اختصه واختاره بذلك من بين غيرهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المراد من الذكر حقيقة الذكر؛ أي: ما أوحي إليه ذكر له ولقومه، يذكر لهم ما لله عليهم وما لبعضهم على بعض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ يحتمل: وسوف تسألون بشكر ما أوحي إليك، وأن يصير ما أوحي إليك ذكراً لك ولقومك، وعن القيام بشكر ذلك.
ويحتمل: ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ القيام بأوامر جميع القرآن وفيما أوحي إليه.
ويحتمل: ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ من كذبه؟
على ما يقول بعض أهل التأويل.
أو ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ أشكرتم تلك النعمة أم لا؟
ويحتمل ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ يوم القيامة عن القرآن هل عملتم بما فيه؟
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإن هذا القرآن لشرف لك، وشرف لقومك، وسوف تسألون يوم القيامة عن الإيمان به، واتباع هديه، والدعوة إليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.5A74Y"